{"ً":{"ٌ":224,"ٍ":"المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/muardaatf/muardaatf.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين -دراسة نقدية-\nتأليف: د. محمد بن فريد زريوح\nالناشر: تكوين للدراسات والأبحاث\nالطبعة: الأولى، ١٤٤١ هـ - ٢٠٢٠ م\nعدد الأجزاء: ٣ (متسلسلة الترقيم)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3089,"ٕ":2,"ٖ":1780758504,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":28},{"title":"نفحات شكر","level":2,"page":34},{"title":"تمهيد","level":1,"page":36},{"title":"المبحث الأول مفهوم مفردات العنوان المحددة لنطاقات البحث","level":2,"page":37},{"title":"المبحث الثاني إشكالية الاستشكال المعاصر للأحاديث النبوية","level":2,"page":43},{"title":"المطلب الأول مفهوم الاستشكال والاشتباه لمعاني النصوص الشرعية","level":3,"page":45},{"title":"المطلب الثاني مكانة علم مشكل النصوص في الشريعة","level":3,"page":47},{"title":"المطلب الثالث حال السلف مع مشكلات النصوص الشرعية","level":3,"page":49},{"title":"المطلب الرابع نسبية الاستشكال للنصوص الشرعية","level":3,"page":52},{"title":"المطلب الخامس أسباب استشكال الأحاديث النبوية","level":3,"page":53},{"title":"المطلب السادس منهج أهل السنة في التعامل مع الأحاديث المشكلة","level":3,"page":78},{"title":"المطلب السابع الحكمة من وجود المشكل في النصوص الشرعية","level":3,"page":87},{"title":"المبحث الثالث الأصل العقلي الجامع لمخالفي أهل السنة في ردهم للدلائل النقلية","level":2,"page":91},{"title":"المطلب الأول بدايات الزحف المتمعقل على ساحة المعارف الشرعية","level":3,"page":92},{"title":"المطلب الثاني إمامة المعتزلة في تبني النظرة التصادمية بين نصوص الوحي والعقل","level":3,"page":97},{"title":"المطلب الثالث موقف المعتزلة من الأحاديث النبوية بخاصة","level":3,"page":99},{"title":"المطلب الرابع تأثير الفكر الاعتزالي في الفرق الكلامية","level":3,"page":104},{"title":"المطلب الخامس أثر الفكر الاعتزالي في المدارس العقلانية المعاصرة","level":3,"page":108},{"title":"المطلب السادس الأصل العقلي الناظم لمخالفي أهل السنة في رد الأحاديث النبوية","level":3,"page":115},{"title":"الباب الأول أشهر الفرق المعاصرة الطاعنة في أحاديث «الصحيحين» ونقد أصولها وأبرز كتاباتها في ذلك","level":1,"page":128},{"title":"الفصل الأول الشيعة الإمامية وموقفهم من «الصحيحين»","level":2,"page":129},{"title":"المبحث الأول المسار التاريخي لنقد الإمامية لمدونات الحديث عند أهل السنة","level":3,"page":130},{"title":"المطلب الأول مراحل الإمامية في ردها لصحاح أهل السنة","level":4,"page":131},{"title":"المطلب الثاني تباين أغراض الإمامية من دراسة «الصحيحين»","level":4,"page":137},{"title":"المبحث الثاني موقف الإمامية من الشيخين","level":3,"page":139},{"title":"المبحث الثالث رمي الشيخين بالنصب، ونقض حججهم في ذلك","level":3,"page":142},{"title":"المبحث الرابع كشف دعاوي الإمامية في تهمتهم للشيخين بالنصب","level":3,"page":149},{"title":"المطلب الأول موقف الشيخين من أهل البيت وذكر مناقبهم","level":4,"page":150},{"title":"المطلب الثاني دحض دعوى نبذ الشيخين لذكر فضائل الآل غمطا لحقهم","level":4,"page":155},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى الإمامية كتم البخاري لمناقب علي ﵇ بالاختصار","level":4,"page":169},{"title":"المطلب الرابع دفع دعوى حذف البخاري لما فيه مثلبة للفاروق ﵁ بالاختصار","level":4,"page":171},{"title":"المطلب الخامس دفع دعوى تحايد البخاري عن الرواية عن أهل البيت","level":4,"page":177},{"title":"المطلب السادس دفع تهمة النصب عن البخاري لإخراجه عن رواة النواصب","level":4,"page":182},{"title":"المبحث الخامس أبرز نماذج إمامية معاصرة تصدت لنقد «الصحيحين»","level":3,"page":196},{"title":"المطلب الأول شيخ الشريعة الأصبهاني (ت ١٣٣٩ هـ) وكتابه «القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع»","level":4,"page":197},{"title":"المطلب الثاني محمد جواد خليل وكتاباه «كشف المتواري في صحيح البخاري» و«صحيح مسلم تحت المجهر»","level":4,"page":202},{"title":"المطلب الثالث محمد صادق النجمي وكتابه «أضواء على الصحيحين»","level":4,"page":208},{"title":"الفصل الثاني القرآنيون منكرو السنة وموقفهم من «الصحيحين»","level":2,"page":214},{"title":"المبحث الأول تاريخ إنكار السنة","level":3,"page":215},{"title":"المبحث الثاني عود مذهب إنكار السنة من الهند","level":3,"page":218},{"title":"المبحث الثالث تجدد دعوى إنكار السنة في مصر","level":3,"page":221},{"title":"المبحث الرابع الأصول التي قام عليها مذهب إنكار السنة","level":3,"page":223},{"title":"المبحث الخامس أبرز القرآنيين الذين توجهوا إلى «الصحيحين» بالنقد","level":3,"page":231},{"title":"المطلب الأول محمود أبو رية وكتابه «أضواء على السنة المحمدية»","level":4,"page":232},{"title":"المطلب الثاني أحمد صبحي منصور وكتابه «القرآن وكفى مصدرا للتشريع الإسلامي»","level":4,"page":240},{"title":"المطلب الثالث صالح أبو بكر، وكتابه: «الأضواء القرآنية لاكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها»","level":4,"page":245},{"title":"المطلب الرابع نيازي عز الدين وكتابه «دين السلطان، البرهان»","level":4,"page":249},{"title":"المطلب الخامس ابن قرناس وكتابه «الحديث والقرآن»","level":4,"page":255},{"title":"المطلب السادس سامر إسلامبولي وكتابه «تحرير العقل من النقل: دراسة نقدية لمجموعة من أحاديث البخاري ومسلم»","level":4,"page":259},{"title":"الفصل الثالث التيار العلماني وموقفه من «الصحيحين»","level":2,"page":263},{"title":"المبحث الأول تعريف العلمانية","level":3,"page":264},{"title":"المبحث الثاني نشأة العلمانية، ومسوغات ظهورها عند الغرب","level":3,"page":266},{"title":"المبحث الثالث تمدد العلمانية إلى العالم الإسلامي وأسبابه","level":3,"page":268},{"title":"المبحث الرابع مستويات العلمانية","level":3,"page":272},{"title":"المبحث الخامس الطريقة الإجمالية للعلمانية لنقض التراث الإسلامي وغايتها من ذلك","level":3,"page":274},{"title":"المبحث السادس انصراف العلمانية إلى استهداف السنن","level":3,"page":278},{"title":"المبحث السابع مركزية «التاريخية» في مشروع العلمانيين لإقصاء السنة النبوية","level":3,"page":282},{"title":"المبحث الثامن موقف العلمانيين العرب من «الصحيحين» وأثر ذلك على الساحة الفكرية","level":3,"page":290},{"title":"المبحث التاسع سبب اختيار العلمانيين لمعاركة «الصحيحين» خاصة","level":3,"page":293},{"title":"المبحث العاشر أبرز العلمانيين الذين توجهوا إلى «الصحيحين» بالنقد","level":3,"page":295},{"title":"المطلب الأول محمد شحرور وكتابه «الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة»","level":4,"page":296},{"title":"المطلب الثاني زكريا أوزون وكتابه «جناية البخاري: إنقاذ الدين من إمام المحدثين»","level":4,"page":308},{"title":"المطلب الثالث جمال البنا (ت ١٤٣٤ هـ) وكتابه «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم»","level":4,"page":313},{"title":"الفصل الرابع موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي من «الصحيحين»","level":2,"page":321},{"title":"المبحث الأول بدء نشوء الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر","level":3,"page":322},{"title":"المبحث الثاني أبرز شخصيات المدرسة العقلية الإسلامية الحديثة","level":3,"page":326},{"title":"المبحث الثالث تأثر المدرسة العقلانية الإصلاحية بالفكر الاعتزالي في نظرتها إلى النصوص","level":3,"page":332},{"title":"المبحث الرابع مدافعة أهل العلم والفكر لمد أفكار المدرسة العقلانية المعاصرة","level":3,"page":335},{"title":"المبحث الخامس موقف التيار العقلاني الإسلامي من «الصحيحين» عموما","level":3,"page":340},{"title":"المبحث السادس أبرز رجالات التيار الإسلامي العقلاني ممن توجه إلى أحاديث «الصحيحين» بالنقد","level":3,"page":343},{"title":"المطلب الأول محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤ هـ)، وموقفه من «الصحيحين»","level":4,"page":344},{"title":"المطلب الثاني محمد الغزالي (ت ١٤١٦ هـ) وكتابه «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»","level":4,"page":366},{"title":"المطلب الثالث إسماعيل الكردي وكتابه: «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث»","level":4,"page":380},{"title":"المطلب الرابع جواد عفانة وكتابه «صحيح البخاري، مخرج الأحاديث محقق المعاني»","level":4,"page":388},{"title":"الباب الثاني: المسوغات العلمية المتوهمة عند المعاصرين للطعن في أحاديث الصحيحين","level":1,"page":394},{"title":"الفصل الأول دعوى الخلل في تصنيف «الصحيحين» والتشكيك في صحة تناقلهما","level":2,"page":397},{"title":"المبحث الأول أصل شبهة المعترضين على جدوى تدوين السلف للسنة","level":3,"page":399},{"title":"المبحث الثاني طريقة تصنيف «الجامع الصحيح» فرع عن مقصد تأليفه","level":3,"page":403},{"title":"المبحث الثالث الباعث للبخاري إلى تقطيع الأحاديث وتكريرها في «صحيحه»","level":3,"page":405},{"title":"المبحث الرابع مميزات «صحيح مسلم» وأثر منهج البخاري عليه في التصنيف","level":3,"page":408},{"title":"المبحث الخامس التشكيك في نسبة «الجامع الصحيح» بصورته الحالية إلى البخاري","level":3,"page":411},{"title":"المطلب الأول دعوى ترك البخاري كتابه مسودة وتصرف غيره فيه","level":4,"page":412},{"title":"المطلب الثاني دعوى أن اختلاف روايات «الصحيح» أمارة على وقوع العبث بأصله","level":4,"page":414},{"title":"المطلب الثالث أولية المستشرقين إلى مقالة الإقحام والتصرف في أصل البخاري","level":4,"page":417},{"title":"المطلب الرابع دعوى الانكار لما بأيدينا من نسخ «الصحيح» إلى البخاري","level":4,"page":421},{"title":"المبحث السادس دفع دعاوى التشكيك في نسبة «الجامع الصحيح» بصورته الحالية إلى البخاري","level":3,"page":424},{"title":"المطلب الأول نقض شبهة عدم تبييض البخاري لكتابه","level":4,"page":425},{"title":"المطلب الثاني منشأ الاختلافات في نسخ «الجامع الصحيح»","level":4,"page":430},{"title":"المطلب الثالث إضافات الرواة إلى نسخهم من «الصحيح» يميزها العلماء بعلامات مصطلح عليها","level":4,"page":433},{"title":"المطلب الرابع الجواب عن دعوى المستشرق إقحام أثر عمرو بن ميمون في «صحيح البخاري» لنكارة متنه","level":4,"page":437},{"title":"المطلب الخامس الجواب عن شبهة التصرف في رواية ابن عمرو: «إن آل أبي (..) ليسوا لي بأولياء»","level":4,"page":443},{"title":"المطلب السادس الجواب عن مطالبة المعترض بالنسخة الأصلية لـ «صحيح البخاري» شرطا لتصحيح نسبته إلى مصنفه","level":4,"page":445},{"title":"المبحث السابع دعوى اختلال المتون في «صحيح البخاري» لروايتها بالمعنى وتقطيعها","level":3,"page":448},{"title":"المطلب الأول احتجاج المخالفين بتقطيع البخاري للأحاديث وروايتها بالمعنى على انتفاء مصداقية كتابه وضعف أمانته","level":4,"page":449},{"title":"المطلب الثاني دفع احتجاج المخالفين بتقطيع البخاري للأحاديث وروايتها بالمعنى على دعوى الخلل المتوهم في كتابه وضعف أمانة صاحبه","level":4,"page":452},{"title":"الفصل الثاني دعوى ظنية آحاد «الصحيحين» مطلقا","level":2,"page":465},{"title":"المبحث الأول مأزق بعض المتكلمين في تصنيف الآحاد من حيث مرتبة التصديق","level":3,"page":468},{"title":"المبحث الثاني دفع دعوى ظنية الآحاد عن أحاديث «الصحيحين»","level":3,"page":471},{"title":"المطلب الأول الاختلاف في ما يفيده خبر الواحد على ثلاثة أطراف والصواب في ذلك","level":4,"page":472},{"title":"المطلب الثاني احتفاف القرائن المفيدة للعلم بجمهور أحاديث «الصحيحين»","level":4,"page":477},{"title":"المطلب الثالث تلقي الأمة لأحاديث الصحيحين بالقبول قرينة تفيد العلم","level":4,"page":478},{"title":"المبحث الثالث الاعتراضات على تقرير ابن الصلاح مفاد أحاديث «الصحيحين» للعلم","level":3,"page":487},{"title":"المطلب الأول الاعتراض على صحة التلقي من الأمة لأحاديث «الصحيحين» والجواب عنه","level":4,"page":489},{"title":"المطلب الثاني الاعتراض على الاحتجاج بالتلقي من جهة وجه الاستدلال والجواب عن ذلك","level":4,"page":507},{"title":"الفصل الثالث دعوى إغفال البخاري ومسلم لنقد المتون","level":2,"page":529},{"title":"المبحث الأول مقالات المعاصرين في دعوى إغفال الشيخين لنقد المتون","level":3,"page":530},{"title":"المبحث الثاني دعاوي تسبب منهج المحدثين في تسرب المنكرات إلى كتب التراث قديمة","level":3,"page":534},{"title":"المبحث الثالث أثر الأطروحات الاستشراقية في استخفاف المعاصرين بمنهج المحدثين","level":3,"page":537},{"title":"المبحث الرابع المراد بـ «نقد المتن» عند عامة المعاصرين الناقدين «للصحيحين»","level":3,"page":541},{"title":"المبحث الخامس دور بعض كبار كتاب العربية في تفشي تهمة إغفال المحدثين لنقد المتون","level":3,"page":545},{"title":"المبحث السادس مركزية مقالات (رشيد رضا) في انتشار الشبهة في الطبقات اللاحقة من المثقفين","level":3,"page":547},{"title":"المبحث السابع محاولة استبدال المنهج النقدي للمحدثين بمنهج النقد الداخلي الغربي","level":3,"page":549},{"title":"المبحث الثامن باعث انكباب المستشرقين على قضية نقد المتون","level":3,"page":551},{"title":"المبحث التاسع خطأ تطبيق «النقد الداخلي» لمنهج الغربي على تاريخ السنة","level":3,"page":554},{"title":"المبحث العاشر تسرب النظرة الاستشراقية إلى دراسات الإسلاميين لتراث المحدثين","level":3,"page":556},{"title":"المبحث الحادي عشر لزوم النظر الإسنادي في عملية النقد الحديثي","level":3,"page":558},{"title":"المطلب الأول منشأ فكرة الإسناد للأخبار الشرعية","level":4,"page":559},{"title":"المطلب الثاني مدار النقد عند المحدثين على المقارنة بين الأخبار","level":4,"page":562},{"title":"المبحث الثاني عشر عدم قبول المحدثين لأخبار الثقات بإطلاق","level":3,"page":565},{"title":"المبحث الثالث عشر شرط سلامة المتن من القوادح لتمام النقد الحديثي","level":3,"page":568},{"title":"المطلب الأول طبيعة العلاقة بين الإسناد والمتن","level":4,"page":569},{"title":"المطلب الثاني تعليل المحدثين للخبر إذا عارضه ما هو أقوى","level":4,"page":571},{"title":"المطلب الثالث الاكتفاء بتعليل الإسناد عادة المحدثين إذا استنكروا المتن","level":4,"page":573},{"title":"المبحث الرابع عشر نماذج من نقد البخاري ومسلم للمتون","level":3,"page":576},{"title":"المطلب الأول تعليل الشيخين لأحاديث رويت عن الصحابة بالنظر إلى مخالفة متونها لما هو معروف من رواياتهم","level":4,"page":578},{"title":"المطلب الثاني تعليل الشيخين لأحاديث تناقض متونها المعروف من رأي راويها ومذهبه","level":4,"page":580},{"title":"المطلب الثالث إعلال الشيخين للحديث إذا خالف متنه الصحيح المشهور من سنة النبي ﷺ","level":4,"page":583},{"title":"المطلب الرابع وقوع الاضطراب في إسناد حديث، مع ظهور نكارة في متنه سبيل عند البخاري لرده، دون أن يتشاغل بترجيح إحدى أوجه الاضطراب","level":4,"page":589},{"title":"المطلب الخامس إشارة البخاري لنكارة المتن تعضيدا لما أعل به إسناده","level":4,"page":591},{"title":"المطلب السادس ترجيح الشيخين لإسناد على آخر أو لفظ في متن على ما في متن آخر، بالنظر إلى أقوم المتون دلالة","level":4,"page":592},{"title":"المبحث الخامس عشر غمز البخاري في فقهه للمتون بدعوى اختلال ترجماته للأبواب ونكارة فتواه","level":3,"page":595},{"title":"المطلب الأول عبقرية البخاري في صناعة «صحيحه»","level":4,"page":596},{"title":"المطلب الثاني انغلاق فهم بعض المعاصرين عن إدراك وجه المناسبة بين تراجم البخاري وأحاديثها سبيل عندهم لتسفيهه","level":4,"page":599},{"title":"المطلب الثالث تهكم بعض المناوئين للبخاري بفتوى تحط من فهمه لنصوص الشريعة، وبيان كذبها عنه","level":4,"page":615},{"title":"الفصل الرابع: الاحتجاج بسبق نقد العلماء لأحاديث الصحيحين في القديم والحديث","level":2,"page":619},{"title":"المبحث الأول: استناد الطاعنين في أحاديث «الصحيحين» على سابق عمل المحدثين في نقدهما","level":3,"page":620},{"title":"المبحث الثاني نبذة عن أشهر من نقد «الصحيحين» من المتقدمين","level":3,"page":625},{"title":"المبحث الثالث طبيعة تعليل النقاد المتقدمين لأخبار «الصحيحين»","level":3,"page":628},{"title":"المطلب الأول أقسام الأحاديث المعلة في «الصحيحين» من قبل المتقدمين","level":4,"page":629},{"title":"المطلب الثاني تصدير الأمة للصحيحين فرع عن نقد محققيها لهما","level":4,"page":634},{"title":"المطلب الثالث كلام المتقدمين في «الصحيحين» أغلبه في رسوم الأسانيد دون رد للمتون","level":4,"page":637},{"title":"المبحث الرابع التفاوت الفسيح بين منهج المتقدمين وطرق المعاصرين من غير ذوي الأهلية في تعليل «الصحيحين»","level":3,"page":639},{"title":"المبحث الخامس نقد احتجاج المعاصرين على طعنهم في أحاديث «الصحيحين» بالأئمة الأربعة","level":3,"page":643},{"title":"المطلب الأول دراسة ما أعله أبو حنيفة النعمان (ت ١٥٠ هـ) وهو في «الصحيحين»","level":4,"page":644},{"title":"المطلب الثاني دراسة ما أعله مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) وهو في «الصحيحين»","level":4,"page":657},{"title":"المطلب الثالث دراسة ما أعله الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) وهو في أحد «الصحيحين»","level":4,"page":673},{"title":"المطلب الرابع دراسة ما أعله أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) وهو في أحد «الصحيحين»","level":4,"page":678},{"title":"المبحث السادس الاحتجاج بتضعيف المحدثين المعاصرين لبعض أحاديث «الصحيحين»","level":3,"page":687},{"title":"المطلب الأول المعايير المصححة لأي نقد معاصر لأحاديث «الصحيحين»","level":4,"page":688},{"title":"المطلب الثاني موقف محمد زاهد الكوثري (ت ١٣٧١ هـ) من «الصحيحين» ونقد عمله في إعلال بعض أخبارهما","level":4,"page":692},{"title":"المطلب الرابع موقف أحمد بن الصديق الغماري (ت ١٣٨٠ هـ) من «الصحيحين»","level":4,"page":699},{"title":"المطلب الخامس موقف عبد الله بن الصديق الغماري (ت ١٤١٣ هـ) من «الصحيحين» ودراسة بعض ما أعله فيهما","level":4,"page":708},{"title":"المطلب السادس موقف الألباني (ت ١٤٢٠ هـ) من «الصحيحين»","level":4,"page":713},{"title":"المطلب السادس","level":4,"page":713},{"title":"الباب الثالث نقد دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث «الصحيحين»","level":1,"page":727},{"title":"الفصل الأول نقد دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث المتعلقة بالإلهيات","level":2,"page":729},{"title":"المبحث الأول نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث الجارية","level":3,"page":730},{"title":"المطلب الأول سوق حديث الجارية","level":4,"page":731},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث الجارية","level":4,"page":732},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث الجارية","level":4,"page":738},{"title":"المبحث الثاني نقد دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «احتج آدم وموسى»","level":3,"page":753},{"title":"المطلب الأول سوق حديث «احتج آدم وموسى»","level":4,"page":754},{"title":"المطلب الثاني سوق دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «احتج آدم وموسى»","level":4,"page":756},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث «احتج آدم وموسى»","level":4,"page":759},{"title":"المبحث الثالث نقد دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث رؤية الله في الجنة","level":3,"page":766},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث رؤية الله تعالى في الجنة","level":4,"page":767},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث رؤية الله تعالى في الجنة","level":4,"page":768},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث رؤية الله تعالى في الجنة","level":4,"page":772},{"title":"الفصل الثاني نقد دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث المتعلقة بالتفسير","level":2,"page":786},{"title":"المبحث الأول نقد المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطاب ﵁","level":3,"page":787},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطاب","level":4,"page":788},{"title":"المطلب الثاني سوق دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطاب","level":4,"page":790},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطاب","level":4,"page":797},{"title":"المبحث الثاني نقد دعاوي المعارضات المعاصرة للتفسير النبوي لقوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾","level":3,"page":813},{"title":"المطلب الأول: سوق التفسير النبوي لآية: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾","level":4,"page":814},{"title":"المبحث الثاني: سوق المعارضات المعاصرة للتفسير النبوي لقوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾","level":3,"page":815},{"title":"المطلب الثالث: دفع المعارضات المعاصرة للتفسير النبوي لقوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾","level":4,"page":818},{"title":"المبحث الثالث نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للتفسير الأثري لآية: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ بقتال الملائكة في بدر","level":3,"page":824},{"title":"المطلب الأول سوق التفسير الأثري لقوله تعالى: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ بقتال الملائكة في بدر","level":4,"page":825},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة للتفسير الأثري لآية: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ بقتال الملائكة","level":4,"page":826},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث تفسير آية: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ بقتال الملائكة","level":4,"page":829},{"title":"المبحث الرابع نقد دعاوي المعارضات المعاصرة للتفسير النبوي لآية: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾","level":3,"page":835},{"title":"المطلب الأول سوق التفسير النبوي لآية: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾","level":4,"page":836},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لتفسير آية: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾","level":4,"page":838},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة للتفسير النبوي لآية: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾","level":4,"page":841},{"title":"المبحث الخامس نقد المعارضات الفكرية المعاصرة للتفسير النبوي لآية: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾","level":3,"page":849},{"title":"المطلب الأول سوق التفسير النبوي لآية: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾","level":4,"page":850},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة للتفسير النبوي لآية: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾","level":4,"page":851},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث: «مفاتح الغيب خمس»","level":4,"page":854},{"title":"المبحث السادس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للتفسير النبوي لقوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾","level":3,"page":859},{"title":"المطلب الأول سوق التفسير النبوي لقوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾","level":4,"page":860},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة للتفسير النبوي لآية: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾","level":4,"page":861},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن التفسير النبوي لآية: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾","level":4,"page":863},{"title":"الفصل الثالث نقد دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث المتعلقة بالغيبيات","level":2,"page":869},{"title":"المبحث الأول نقد دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «مفاتيح الغيب خمسة»","level":3,"page":870},{"title":"المطلب الأول سوق حديث «مفاتيح الغيب خمسة»","level":4,"page":871},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «مفاتح الغيب خمسة»","level":4,"page":872},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث «مفاتح الغيب خمس»","level":4,"page":873},{"title":"المبحث الثاني نقد دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث نخس الشيطان للمولود","level":3,"page":888},{"title":"المطلب الأول سوق حديث نخس الشيطان للمولود","level":4,"page":889},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة على حديث نخس الشيطان للمولود","level":4,"page":890},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث نخس الشيطان للمولود","level":4,"page":893},{"title":"المبحث الثالث نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث حديث «إذا سمعتم صياح الديكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»","level":3,"page":898},{"title":"المطلب الأول سوق حديث «إذا سمعتم صياح الديكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»","level":4,"page":899},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «إذا سمعتم صياح الديكة»","level":4,"page":900},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث «إذا سمعتم صياح الديكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»","level":4,"page":903},{"title":"المبحث الرابع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده»","level":3,"page":906},{"title":"المطلب الأول سوق حديث: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده»","level":4,"page":907},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده»","level":4,"page":908},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده»","level":4,"page":909},{"title":"المبحث الخامس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث انقضاء قرن الصحابة بعد المائة","level":3,"page":914},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث انقضاء قرن الصحابة بعد المائة","level":4,"page":915},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث انقضاء قرن الصحابة بعد مائة سنة","level":4,"page":917},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث انقضاء قرن الصحابة بعد المائة","level":4,"page":919},{"title":"المبحث السادس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «خلق التربة يوم السبت»","level":3,"page":924},{"title":"المطلب الأول سوق حديث خلق التربة يوم السبت","level":4,"page":925},{"title":"المطلب الثاني سوق خلاف العلماء في صحة حديث خلق التربة يوم السبت","level":4,"page":926},{"title":"المطلب الثالث بيان رجحان قول المنكرين لحديث خلق التربة يوم السبت","level":4,"page":935},{"title":"المبحث السابع نقد المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث الجساسة","level":3,"page":954},{"title":"المطلب الأول سوق حديث الجساسة","level":4,"page":955},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث الجساسة","level":4,"page":959},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث الجساسة","level":4,"page":966},{"title":"المبحث الثامن نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث المسيح الدجال","level":3,"page":987},{"title":"المطلب الأول سوق الأحاديث المتعلقة بالمسيح الدجال","level":4,"page":988},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث المتعلقة بالدجال","level":4,"page":992},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث المتعلقة بالدجال","level":4,"page":996},{"title":"المبحث التاسع نقد المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇","level":3,"page":1015},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇","level":4,"page":1016},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇","level":4,"page":1018},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇","level":4,"page":1021},{"title":"المبحث العاشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث سجود الشمس تحت العرش","level":3,"page":1037},{"title":"المطلب الأول سوق حديث سجود الشمس تحت العرش","level":4,"page":1038},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث سجود الشمس تحت العرش","level":4,"page":1040},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث سجود الشمس تحت العرش","level":4,"page":1043},{"title":"المبحث الحادي عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث الدالة على أن شدة الحر والبرد من جهنم","level":3,"page":1050},{"title":"المطلب الأول سوق الأحاديث الدالة على أن شدة الحر والبرد من جهنم","level":4,"page":1051},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة على الأحاديث الدالة على أن شدة الحر والبرد من جهنم","level":4,"page":1052},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن الأحاديث الدالة على أن شدة الحر والبرد من جهنم","level":4,"page":1054},{"title":"المبحث الثاني عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث عذاب القبر ونعيمه","level":3,"page":1061},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث عذاب القبر ونعيمه","level":4,"page":1062},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث عذاب القبر ونعيمه","level":4,"page":1064},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث عذاب القبر ونعيمه","level":4,"page":1066},{"title":"المبحث الثالث عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث عذاب الميت ببكاء أهله عليه","level":3,"page":1076},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث عذاب الميت ببكاء أهله عليه","level":4,"page":1077},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث عذاب الميت ببكاء أهله عليه","level":4,"page":1079},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث عذاب الميت ببكاء أهله عليه","level":4,"page":1081},{"title":"المبحث الرابع عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث الشفاعة الكبرى","level":3,"page":1086},{"title":"المطلب الأول سوق حديث الشفاعة الكبرى","level":4,"page":1087},{"title":"المطلب الثاني سوق دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث شفاعة النبي ﷺ الكبرى","level":4,"page":1090},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث شفاعة النبي ﷺ الكبرى","level":4,"page":1093},{"title":"المبحث الخامس عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب يوم القيامة","level":3,"page":1098},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب يوم القيامة","level":4,"page":1099},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب يوم القيامة","level":4,"page":1100},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب","level":4,"page":1102},{"title":"المبحث السادس عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث ذبح الموت بين الجنة والنار","level":3,"page":1107},{"title":"المطلب الأول سوق حديث ذبح الموت بين الجنة والنار","level":4,"page":1108},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث ذبح الموت بين الجنة والنار","level":4,"page":1109},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث ذبح الموت بين الجنة والنار","level":4,"page":1111},{"title":"الفصل الرابع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث المتعلقة بالنبي ﷺ","level":2,"page":1115},{"title":"المبحث الأول نقد المعارضات الفكرية المعاصرة للحديث الدال على سحر النبي ﷺ","level":3,"page":1116},{"title":"المطلب الأول سوق الحديث الدال على سحر النبي ﷺ","level":4,"page":1117},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث سحر النبي ﷺ","level":4,"page":1119},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن الحديث الدال على سحر النبي ﷺ","level":4,"page":1125},{"title":"المبحث الثاني نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الآيات الحسية للنبي ﷺ","level":3,"page":1141},{"title":"المطلب الأول سوق دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الآيات الحسية للنبي ﷺ","level":4,"page":1142},{"title":"المطلب الثاني دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث الآيات الحسية للنبي ﷺ","level":4,"page":1149},{"title":"المبحث الثالث نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث انشقاق القمر","level":3,"page":1157},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث انشقاق القمر","level":4,"page":1158},{"title":"المطلب الثاني سوق دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة على أحاديث انشقاق القمر","level":4,"page":1159},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث انشقاق القمر","level":4,"page":1163},{"title":"المبحث الرابع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الإسراء والمعراج","level":3,"page":1172},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث الإسراء والمعراج","level":4,"page":1173},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الإسراء والمعراج","level":4,"page":1178},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث الإسراء والمعراج","level":4,"page":1180},{"title":"المبحث الخامس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث شق صدر النبي ﷺ، وحفظه من وسواس الشيطان","level":3,"page":1188},{"title":"المطلب الأول سوق حديث شق صدر النبي ﷺ وحفظه من وسواس الشيطان","level":4,"page":1189},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث شق صدر النبي ﷺ وحفظه من وسواس الشيطان","level":4,"page":1191},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث شق صدر النبي ﷺ، وحفظه من وسواس الشيطان","level":4,"page":1193},{"title":"المبحث السادس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث غارته ﷺ على بني المصطلق","level":3,"page":1197},{"title":"المطلب الأول سوق حديث غارته ﷺ على بني المصطلق","level":4,"page":1198},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث إغارته ﷺ على بني المصطلق","level":4,"page":1199},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث غارته ﷺ على بني المصطلق","level":4,"page":1201},{"title":"المبحث السابع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث العرنيين","level":3,"page":1214},{"title":"المطلب الأول سوق حديث العرنيين","level":4,"page":1215},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث العرنيين","level":4,"page":1216},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث العرنيين","level":4,"page":1218},{"title":"المبحث الثامن نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث أمره ﷺ بقتل المتهم بأم ولده","level":3,"page":1222},{"title":"المطلب الأول سوق حديث أمره ﷺ بقتل المتهم بأم ولده","level":4,"page":1223},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث أمره ﷺ بقتل المتهم بأم ولده","level":4,"page":1224},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث أمره ﷺ بقتل المتهم بأم ولده","level":4,"page":1226},{"title":"المبحث التاسع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث دعاء النبي ﷺ بالخير لمن آذاه أو لعنه من المسلمين","level":3,"page":1230},{"title":"المطلب الأول سوق حديث دعاء النبي ﷺ بالخير لمن آذاه أو لعنه من المسلمين","level":4,"page":1231},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث دعاء النبي ﷺ بالخير لمن آذاه أو لعنه","level":4,"page":1232},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث دعاء النبي ﷺ لمن آذاه أو لعنه من المسلمين","level":4,"page":1234},{"title":"المبحث العاشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «إن أبي وأباك في النار»","level":3,"page":1237},{"title":"المطلب الأول سوق حديث «إن أبي وأباك في النار»","level":4,"page":1238},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «إن أبي وأباك في النار»","level":4,"page":1239},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث: «إن أبي وأباك في النار»","level":4,"page":1243},{"title":"المبحث الحادي عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث خلوته ﷺ بامرأة من الأنصار","level":3,"page":1259},{"title":"المطلب الأول سوق حديث خلوته ﷺ بامرأة من الأنصار","level":4,"page":1260},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث خلوته ﷺ بامرأة من الأنصار","level":4,"page":1261},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث خلوته ﷺ بامرأة أنصارية","level":4,"page":1263},{"title":"المبحث الثاني عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث دخول النبي ﷺ على أم حرام وأختها","level":3,"page":1266},{"title":"المطلب الأول سوق أحاديث دخول النبي ﷺ على أم حرام وأختها","level":4,"page":1267},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لدخول النبي ﷺ على أم حرام وأختها","level":4,"page":1269},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن دخول النبي ﷺ على أم حرام وأختها","level":4,"page":1270},{"title":"المبحث الثالث عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث المتعلقة بإتيان النبي ﷺ نساءه","level":3,"page":1275},{"title":"المطلب الأول سوق الأحاديث المتعلقة بإتيان النبي ﷺ نساءه","level":4,"page":1276},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث إتيان النبي ﷺ نساءه","level":4,"page":1278},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث إتيان النبي ﷺ نساءه","level":4,"page":1280},{"title":"المبحث الرابع عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث عرض أبي سفيان أم حبيبة على النبي ﷺ","level":3,"page":1288},{"title":"المطلب الأول سوق حديث عرض أبي سفيان أم حبيبة على النبي ﷺ","level":4,"page":1289},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث عرض أبي سفيان أم حبيبة على النبي ﷺ","level":4,"page":1290},{"title":"المطلب الثالث دراسة المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث عرض أبي سفيان أم حبيبة على النبي ﷺ","level":4,"page":1292},{"title":"المطلب الرابع خلاصة القول في حديث عرض أبي سفيان لابنته على النبي ﷺ ورد رمي ابن حزم له بالوضع","level":4,"page":1302},{"title":"المبحث الخامس عشر نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث طلاق النبي ﷺ للجونية","level":3,"page":1307},{"title":"المطلب الأول سوق حديث طلاق النبي ﷺ للجونية","level":4,"page":1308},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث طلاقه ﷺ الجونية","level":4,"page":1309},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث طلاقه ﷺ الجونية","level":4,"page":1310},{"title":"الفصل الخامس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث المتعلقة بباقي الأنبياء","level":2,"page":1313},{"title":"المبحث الأول نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «خلق الله آدم على صورته»","level":3,"page":1314},{"title":"المطلب الأول سوق حديث «خلق الله آدم على صورته»","level":4,"page":1315},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «خلق الله آدم على صورته»","level":4,"page":1316},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث «خلق الله آدم على صورته»","level":4,"page":1319},{"title":"المبحث الثاني نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات»","level":3,"page":1335},{"title":"المطلب الأول سوق حديث: «لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات»","level":4,"page":1336},{"title":"المطلب الثاني سوق دعاوى المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات»","level":4,"page":1338},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات»","level":4,"page":1341},{"title":"المبحث الثالث نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث فرار الحجر بثياب موسى ﵇","level":3,"page":1349},{"title":"المطلب الأول سوق حديث فرار الحجر بثياب موسى ﵇","level":4,"page":1350},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث فرار الحجر بثياب موسى ﵇","level":4,"page":1352},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث فرار الحجر بثياب موسى ﵇","level":4,"page":1355},{"title":"المبحث الرابع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث لطم موسى ﵇ لملك الموت","level":3,"page":1361},{"title":"المطلب الأول سوق حديث لطم موسى ﵇ لملك الموت","level":4,"page":1362},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث لطم موسى ﵇ لملك الموت","level":4,"page":1363},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث لطم موسى ﵇ لملك الموت","level":4,"page":1367},{"title":"المبحث الخامس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث طواف سليمان ﵇ على نسائه في ليلة","level":3,"page":1373},{"title":"المطلب الأول سوق حديث طواف سليمان ﵇ على نسائه في ليلة","level":4,"page":1374},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث طواف سليمان ﵇ على نسائه في ليلة","level":4,"page":1376},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث طواف سليمان ﵇ على نسائه في ليلة","level":4,"page":1378},{"title":"المبحث السادس دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم ..»","level":3,"page":1382},{"title":"المطلب الأول سوق حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم ..»","level":4,"page":1383},{"title":"المطلب الثاني سوق دعاوي المعارضات المعاصرة على حديث: «نحن أحق بالشك من إبراهيم ﵇»","level":4,"page":1384},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم»","level":4,"page":1387},{"title":"الفصل السادس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث المتعلقة بالطبيعيات","level":2,"page":1395},{"title":"المبحث الأول نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث التصبح بسبع تمرات عجوة","level":3,"page":1396},{"title":"المطلب الأول سوق حديث التصبح بسبع تمرات عجوة","level":4,"page":1397},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث التصبح بسبع تمرات عجوة","level":4,"page":1398},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث التصبح بسبع تمرات عجوة","level":4,"page":1400},{"title":"المبحث الثاني نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث الحبة السوداء شفاء","level":3,"page":1409},{"title":"المطلب الأول سوق حديث الحبة السوداء","level":4,"page":1410},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث الحبة السوداء","level":4,"page":1411},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث الحبة السوداء","level":4,"page":1413},{"title":"المبحث الثالث نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث نفخ الروح في الجنين","level":3,"page":1417},{"title":"المطلب الأول سوق حديث نفخ الروح في الجنين","level":4,"page":1418},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث نفخ الروح في الجنين","level":4,"page":1419},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث نفخ الروح في الجنين","level":4,"page":1421},{"title":"المبحث الأول نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم»","level":3,"page":1436},{"title":"المطلب الأول سوق حديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم»","level":4,"page":1437},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم»","level":4,"page":1438},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم»","level":4,"page":1438},{"title":"المطلب الثالث دفع دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم»","level":4,"page":1440},{"title":"الفصل السابع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للأحاديث المتعلقة بالمرأة","level":2,"page":1448},{"title":"المبحث الأول نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث خلق المرأة من ضلع","level":3,"page":1449},{"title":"المطلب الأول سوق حديث خلق المرأة من ضلع","level":4,"page":1450},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث خلق المرأة من ضلع","level":4,"page":1451},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث خلق المرأة من ضلع","level":4,"page":1453},{"title":"المبحث الثاني نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه»","level":3,"page":1467},{"title":"المطلب الأول سوق حديث: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه»","level":4,"page":1468},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه»","level":4,"page":1469},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة","level":4,"page":1470},{"title":"المبحث الثالث نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: أن النساء أكثر أهل النار وأنهن ناقصات عقل ودين","level":3,"page":1475},{"title":"المطلب الأول سوق حديث أن النساء أكثر أهل النار وأنهن ناقصات عقل ودين","level":4,"page":1476},{"title":"المطلب الثاني سوق دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث ناقصات عقل ودين","level":4,"page":1477},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث ناقصات عقل ودين","level":4,"page":1480},{"title":"المبحث الرابع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»","level":3,"page":1489},{"title":"المطلب الأول سوق حديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»","level":4,"page":1490},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»","level":4,"page":1491},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»","level":4,"page":1494},{"title":"المبحث الخامس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «لولا حواء ما خانت أنثى زوجها»","level":3,"page":1506},{"title":"المطلب الأول سوق حديث: «لولا حواء ما خانت أنثى زوجها»","level":4,"page":1507},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «لولا حواء ما خانت أنثى زوجها»","level":4,"page":1508},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث: «لولا حواء ما خانت أنثى زوجها»","level":4,"page":1510},{"title":"المبحث السادس نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس","level":3,"page":1517},{"title":"المطلب الأول سوق حديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس","level":4,"page":1518},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس","level":4,"page":1519},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس","level":4,"page":1521},{"title":"المبحث السابع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب»","level":3,"page":1535},{"title":"المطلب الأول سوق حديث: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب»","level":4,"page":1536},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب»","level":4,"page":1537},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب»","level":4,"page":1541},{"title":"المبحث الثامن نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث رضاع الكبير","level":3,"page":1551},{"title":"المطلب الأول سوق حديث رضاع الكبير","level":4,"page":1552},{"title":"المطلب الثاني سوق دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث رضاع الكبير","level":4,"page":1553},{"title":"المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعارضة عن حديث رضاع الكبير","level":4,"page":1555},{"title":"المبحث التاسع نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث سن عائشة عند زواجها بالنبي ﷺ","level":3,"page":1565},{"title":"المطلب الأول سوق حديث سن عائشة عند زواجها بالنبي ﷺ","level":4,"page":1566},{"title":"المطلب الثاني سوق المعارضات الفكرية المعاصرة لحديث سن عائشة عند زواجها بالنبي ﷺ","level":4,"page":1567},{"title":"المطلب الثالث دفع المعارضات الفكرية المعاصرة عن حديث سن عائشة عند زواجها بالنبي ﷺ","level":4,"page":1577},{"title":"الفصل الثامن نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث «الصحيحين» بدعوى أنها إسرائيليات","level":2,"page":1593},{"title":"المبحث الأول تعريف الروايات الإسرائيلية","level":3,"page":1594},{"title":"المبحث الثاني الدعاوي المعاصرة لاشتمال «الصحيحين» على إسرائيليات","level":3,"page":1596},{"title":"المبحث الثالث أقسام المرويات الإسرائيليات وحكمها","level":3,"page":1600},{"title":"المبحث الرابع موقف الصحابة من رواية الإسرائيليات","level":3,"page":1603},{"title":"المبحث الخامس موقف أهل الحديث من الإسرائيليات","level":3,"page":1605},{"title":"المبحث السادس مسالك المعاصرين في دعوى اشتمال الصحيحين على الإسرائيليات","level":3,"page":1608},{"title":"المطلب الأول المسلك الإسنادي لدعوى احتواء «الصحيحين» على إسرائيليات، ونقضه","level":4,"page":1609},{"title":"المطلب الثاني المسلك المتني الذي مشى عليه الطاعنون المعاصرون في دعواهم بوجود الإسرائيليات في «الصحيحين»","level":4,"page":1635},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1643},{"title":"ثبت المصادر والمراجع","level":1,"page":1650}],"ٛ":{"1,5":1,"1,9":2,"1,10":3,"1,11":4,"1,12":5,"1,13":6,"1,14":7,"1,15":8,"1,16":9,"1,17":10,"1,18":11,"1,19":12,"1,20":13,"1,21":14,"1,22":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,48":40,"1,49":41,"1,50":42,"1,51":43,"1,52":44,"1,53":45,"1,54":46,"1,55":47,"1,56":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55,"1,64":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,125":116,"1,126":117,"1,127":118,"1,128":119,"1,129":120,"1,130":121,"1,131":122,"1,132":123,"1,133":124,"1,134":125,"1,135":126,"1,136":127,"1,137":128,"1,139":129,"1,141":130,"1,143":131,"1,144":132,"1,145":133,"1,146":134,"1,147":135,"1,148":136,"1,149":137,"1,150":138,"1,151":139,"1,152":140,"1,153":141,"1,154":142,"1,155":143,"1,156":144,"1,157":145,"1,158":146,"1,159":147,"1,160":148,"1,161":149,"1,163":150,"1,164":151,"1,165":152,"1,166":153,"1,167":154,"1,168":155,"1,169":156,"1,170":157,"1,171":158,"1,172":159,"1,173":160,"1,174":161,"1,175":162,"1,176":163,"1,177":164,"1,178":165,"1,179":166,"1,180":167,"1,181":168,"1,182":169,"1,183":170,"1,184":171,"1,185":172,"1,186":173,"1,187":174,"1,188":175,"1,189":176,"1,190":177,"1,191":178,"1,192":179,"1,193":180,"1,194":181,"1,195":182,"1,196":183,"1,197":184,"1,198":185,"1,199":186,"1,200":187,"1,201":188,"1,202":189,"1,203":190,"1,204":191,"1,205":192,"1,206":193,"1,207":194,"1,208":195,"1,209":196,"1,211":197,"1,212":198,"1,213":199,"1,214":200,"1,215":201,"1,216":202,"1,217":203,"1,218":204,"1,219":205,"1,220":206,"1,221":207,"1,222":208,"1,223":209,"1,224":210,"1,225":211,"1,226":212,"1,227":213,"1,229":214,"1,231":215,"1,232":216,"1,233":217,"1,234":218,"1,235":219,"1,236":220,"1,237":221,"1,238":222,"1,239":223,"1,240":224,"1,241":225,"1,242":226,"1,243":227,"1,244":228,"1,245":229,"1,246":230,"1,247":231,"1,249":232,"1,250":233,"1,251":234,"1,252":235,"1,253":236,"1,254":237,"1,255":238,"1,256":239,"1,257":240,"1,258":241,"1,259":242,"1,260":243,"1,261":244,"1,262":245,"1,263":246,"1,264":247,"1,265":248,"1,266":249,"1,267":250,"1,268":251,"1,269":252,"1,270":253,"1,271":254,"1,272":255,"1,273":256,"1,274":257,"1,275":258,"1,276":259,"1,277":260,"1,278":261,"1,279":262,"1,281":263,"1,283":264,"1,284":265,"1,285":266,"1,286":267,"1,287":268,"1,288":269,"1,289":270,"1,290":271,"1,291":272,"1,292":273,"1,293":274,"1,294":275,"1,295":276,"1,296":277,"1,297":278,"1,298":279,"1,299":280,"1,300":281,"1,301":282,"1,302":283,"1,303":284,"1,304":285,"1,305":286,"1,306":287,"1,307":288,"1,308":289,"1,309":290,"1,310":291,"1,311":292,"1,312":293,"1,313":294,"1,315":295,"1,317":296,"1,318":297,"1,319":298,"1,320":299,"1,321":300,"1,322":301,"1,323":302,"1,324":303,"1,325":304,"1,326":305,"1,327":306,"1,328":307,"1,329":308,"1,330":309,"1,331":310,"1,332":311,"1,333":312,"1,334":313,"1,335":314,"1,336":315,"1,337":316,"1,338":317,"1,339":318,"1,340":319,"1,341":320,"1,343":321,"1,345":322,"1,346":323,"1,347":324,"1,348":325,"1,349":326,"1,350":327,"1,351":328,"1,352":329,"1,353":330,"1,354":331,"1,355":332,"1,356":333,"1,357":334,"1,358":335,"1,359":336,"1,360":337,"1,361":338,"1,362":339,"1,363":340,"1,364":341,"1,365":342,"1,367":343,"1,369":344,"1,370":345,"1,371":346,"1,372":347,"1,373":348,"1,374":349,"1,375":350,"1,376":351,"1,377":352,"1,378":353,"1,379":354,"1,380":355,"1,381":356,"1,382":357,"1,383":358,"1,384":359,"1,385":360,"1,386":361,"1,387":362,"1,388":363,"1,389":364,"1,390":365,"1,391":366,"1,392":367,"1,393":368,"1,394":369,"1,395":370,"1,396":371,"1,397":372,"1,398":373,"1,399":374,"1,400":375,"1,401":376,"1,402":377,"1,403":378,"1,404":379,"1,405":380,"1,406":381,"1,407":382,"1,408":383,"1,409":384,"1,410":385,"1,411":386,"1,412":387,"1,413":388,"1,414":389,"1,415":390,"1,416":391,"1,417":392,"1,418":393,"1,419":394,"1,421":395,"1,422":396,"1,423":397,"1,424":398,"1,425":399,"1,426":400,"1,427":401,"1,428":402,"1,429":403,"1,430":404,"1,431":405,"1,432":406,"1,433":407,"1,434":408,"1,435":409,"1,436":410,"1,437":411,"1,439":412,"1,440":413,"1,441":414,"1,442":415,"1,443":416,"1,444":417,"1,445":418,"1,446":419,"1,447":420,"1,448":421,"1,449":422,"1,450":423,"1,451":424,"1,453":425,"1,454":426,"1,455":427,"1,456":428,"1,457":429,"1,458":430,"1,459":431,"1,460":432,"1,461":433,"1,462":434,"1,463":435,"1,464":436,"1,465":437,"1,466":438,"1,467":439,"1,468":440,"1,469":441,"1,470":442,"1,471":443,"1,472":444,"1,473":445,"1,474":446,"1,475":447,"1,477":448,"1,479":449,"1,480":450,"1,481":451,"1,482":452,"1,483":453,"1,484":454,"1,485":455,"1,486":456,"1,487":457,"1,488":458,"1,489":459,"1,490":460,"1,491":461,"1,492":462,"1,493":463,"1,494":464,"1,495":465,"1,496":466,"1,497":467,"1,498":468,"1,499":469,"1,500":470,"1,501":471,"1,503":472,"1,504":473,"1,505":474,"1,506":475,"1,507":476,"1,508":477,"1,509":478,"1,510":479,"1,511":480,"1,512":481,"1,513":482,"1,514":483,"1,515":484,"1,516":485,"1,517":486,"1,518":487,"1,519":488,"1,520":489,"1,521":490,"1,522":491,"1,523":492,"1,524":493,"1,525":494,"1,526":495,"1,527":496,"1,528":497,"1,529":498,"1,530":499,"1,531":500,"1,532":501,"1,533":502,"1,534":503,"1,535":504,"1,536":505,"1,537":506,"1,538":507,"1,539":508,"1,540":509,"1,541":510,"1,542":511,"1,543":512,"1,544":513,"1,545":514,"1,546":515,"1,547":516,"1,548":517,"1,549":518,"1,550":519,"1,551":520,"1,552":521,"1,553":522,"1,554":523,"1,555":524,"1,556":525,"1,557":526,"1,558":527,"1,559":528,"1,561":529,"1,563":530,"1,564":531,"1,565":532,"1,566":533,"1,567":534,"1,568":535,"1,569":536,"1,570":537,"1,571":538,"1,572":539,"1,573":540,"1,574":541,"1,575":542,"1,576":543,"1,577":544,"1,578":545,"1,579":546,"1,580":547,"1,581":548,"1,582":549,"1,583":550,"1,584":551,"1,585":552,"1,586":553,"1,587":554,"1,588":555,"1,589":556,"1,590":557,"1,591":558,"1,593":559,"1,594":560,"1,595":561,"1,596":562,"1,597":563,"1,598":564,"1,599":565,"1,600":566,"1,601":567,"1,602":568,"1,603":569,"1,604":570,"1,605":571,"1,606":572,"1,607":573,"1,608":574,"1,609":575,"1,610":576,"1,611":577,"1,612":578,"1,613":579,"1,614":580,"1,615":581,"1,616":582,"1,617":583,"1,618":584,"1,619":585,"1,620":586,"1,621":587,"1,622":588,"1,623":589,"1,624":590,"1,625":591,"1,626":592,"1,627":593,"1,628":594,"1,629":595,"1,631":596,"1,632":597,"1,633":598,"1,634":599,"1,635":600,"1,636":601,"1,637":602,"1,638":603,"1,639":604,"1,640":605,"1,641":606,"1,642":607,"1,643":608,"1,644":609,"1,645":610,"1,646":611,"1,647":612,"1,648":613,"1,649":614,"1,650":615,"1,651":616,"1,652":617,"2,653":618,"2,654":619,"2,655":620,"2,656":621,"2,657":622,"2,658":623,"2,659":624,"2,660":625,"2,661":626,"2,662":627,"2,663":628,"2,664":629,"2,665":630,"2,666":631,"2,667":632,"2,668":633,"2,669":634,"2,670":635,"2,671":636,"2,672":637,"2,673":638,"2,674":639,"2,675":640,"2,676":641,"2,677":642,"2,679":643,"2,681":644,"2,682":645,"2,683":646,"2,684":647,"2,685":648,"2,686":649,"2,687":650,"2,688":651,"2,689":652,"2,690":653,"2,691":654,"2,692":655,"2,693":656,"2,694":657,"2,695":658,"2,696":659,"2,697":660,"2,698":661,"2,699":662,"2,700":663,"2,701":664,"2,702":665,"2,703":666,"2,704":667,"2,705":668,"2,706":669,"2,707":670,"2,708":671,"2,709":672,"2,710":673,"2,711":674,"2,712":675,"2,713":676,"2,714":677,"2,715":678,"2,716":679,"2,717":680,"2,718":681,"2,719":682,"2,720":683,"2,721":684,"2,722":685,"2,723":686,"2,725":687,"2,727":688,"2,728":689,"2,729":690,"2,730":691,"2,731":692,"2,732":693,"2,733":694,"2,734":695,"2,735":696,"2,736":697,"2,737":698,"2,738":699,"2,739":700,"2,740":701,"2,741":702,"2,742":703,"2,743":704,"2,744":705,"2,745":706,"2,746":707,"2,747":708,"2,748":709,"2,749":710,"2,750":711,"2,751":712,"2,752":713,"2,753":714,"2,754":715,"2,755":716,"2,756":717,"2,757":718,"2,758":719,"2,759":720,"2,760":721,"2,761":722,"2,762":723,"2,763":724,"2,764":725,"2,765":726,"2,767":727,"2,768":728,"2,769":729,"2,771":730,"2,773":731,"2,774":732,"2,775":733,"2,776":734,"2,777":735,"2,778":736,"2,779":737,"2,780":738,"2,781":739,"2,782":740,"2,783":741,"2,784":742,"2,785":743,"2,786":744,"2,787":745,"2,788":746,"2,789":747,"2,790":748,"2,791":749,"2,792":750,"2,793":751,"2,794":752,"2,795":753,"2,797":754,"2,798":755,"2,799":756,"2,800":757,"2,801":758,"2,802":759,"2,803":760,"2,804":761,"2,805":762,"2,806":763,"2,807":764,"2,808":765,"2,809":766,"2,811":767,"2,812":768,"2,813":769,"2,814":770,"2,815":771,"2,816":772,"2,817":773,"2,818":774,"2,819":775,"2,820":776,"2,821":777,"2,822":778,"2,823":779,"2,824":780,"2,825":781,"2,826":782,"2,827":783,"2,828":784,"2,829":785,"2,831":786,"2,833":787,"2,835":788,"2,836":789,"2,837":790,"2,838":791,"2,839":792,"2,840":793,"2,841":794,"2,842":795,"2,843":796,"2,844":797,"2,845":798,"2,846":799,"2,847":800,"2,848":801,"2,849":802,"2,850":803,"2,851":804,"2,852":805,"2,853":806,"2,854":807,"2,855":808,"2,856":809,"2,857":810,"2,858":811,"2,859":812,"2,861":813,"2,863":814,"2,864":815,"2,865":816,"2,866":817,"2,867":818,"2,868":819,"2,869":820,"2,870":821,"2,871":822,"2,872":823,"2,873":824,"2,875":825,"2,876":826,"2,877":827,"2,878":828,"2,879":829,"2,880":830,"2,881":831,"2,882":832,"2,883":833,"2,884":834,"2,885":835,"2,887":836,"2,888":837,"2,889":838,"2,890":839,"2,891":840,"2,892":841,"2,893":842,"2,894":843,"2,895":844,"2,896":845,"2,897":846,"2,898":847,"2,899":848,"2,901":849,"2,903":850,"2,904":851,"2,905":852,"2,906":853,"2,907":854,"2,908":855,"2,909":856,"2,910":857,"2,911":858,"2,913":859,"2,915":860,"2,916":861,"2,917":862,"2,918":863,"2,919":864,"2,920":865,"2,921":866,"2,922":867,"2,923":868,"2,925":869,"2,927":870,"2,929":871,"2,930":872,"2,931":873,"2,932":874,"2,933":875,"2,934":876,"2,935":877,"2,936":878,"2,937":879,"2,938":880,"2,939":881,"2,940":882,"2,941":883,"2,942":884,"2,943":885,"2,944":886,"2,945":887,"2,947":888,"2,949":889,"2,950":890,"2,951":891,"2,952":892,"2,953":893,"2,954":894,"2,955":895,"2,956":896,"2,957":897,"2,959":898,"2,961":899,"2,962":900,"2,963":901,"2,964":902,"2,965":903,"2,966":904,"2,967":905,"2,969":906,"2,971":907,"2,972":908,"2,973":909,"2,974":910,"2,975":911,"2,976":912,"2,977":913,"2,979":914,"2,981":915,"2,982":916,"2,983":917,"2,984":918,"2,985":919,"2,986":920,"2,987":921,"2,988":922,"2,989":923,"2,991":924,"2,993":925,"2,994":926,"2,995":927,"2,996":928,"2,997":929,"2,998":930,"2,999":931,"2,1000":932,"2,1001":933,"2,1002":934,"2,1003":935,"2,1004":936,"2,1005":937,"2,1006":938,"2,1007":939,"2,1008":940,"2,1009":941,"2,1010":942,"2,1011":943,"2,1012":944,"2,1013":945,"2,1014":946,"2,1015":947,"2,1016":948,"2,1017":949,"2,1018":950,"2,1019":951,"2,1020":952,"2,1021":953,"2,1023":954,"2,1025":955,"2,1026":956,"2,1027":957,"2,1028":958,"2,1029":959,"2,1030":960,"2,1031":961,"2,1032":962,"2,1033":963,"2,1034":964,"2,1035":965,"2,1036":966,"2,1037":967,"2,1038":968,"2,1039":969,"2,1040":970,"2,1041":971,"2,1042":972,"2,1043":973,"2,1044":974,"2,1045":975,"2,1046":976,"2,1047":977,"2,1048":978,"2,1049":979,"2,1050":980,"2,1051":981,"2,1052":982,"2,1053":983,"2,1054":984,"2,1055":985,"2,1056":986,"2,1057":987,"2,1059":988,"2,1060":989,"2,1061":990,"2,1062":991,"2,1063":992,"2,1064":993,"2,1065":994,"2,1066":995,"2,1067":996,"2,1068":997,"2,1069":998,"2,1070":999,"2,1071":1000,"2,1072":1001,"2,1073":1002,"2,1074":1003,"2,1075":1004,"2,1076":1005,"2,1077":1006,"2,1078":1007,"2,1079":1008,"2,1080":1009,"2,1081":1010,"2,1082":1011,"2,1083":1012,"2,1084":1013,"2,1085":1014,"2,1087":1015,"2,1089":1016,"2,1090":1017,"2,1091":1018,"2,1092":1019,"2,1093":1020,"2,1095":1021,"2,1096":1022,"2,1097":1023,"2,1098":1024,"2,1099":1025,"2,1100":1026,"2,1101":1027,"2,1102":1028,"2,1103":1029,"2,1104":1030,"2,1105":1031,"2,1106":1032,"2,1107":1033,"2,1108":1034,"2,1109":1035,"2,1110":1036,"2,1111":1037,"2,1113":1038,"2,1114":1039,"2,1115":1040,"2,1116":1041,"2,1117":1042,"2,1118":1043,"2,1119":1044,"2,1120":1045,"2,1121":1046,"2,1122":1047,"2,1123":1048,"2,1124":1049,"2,1125":1050,"2,1127":1051,"2,1128":1052,"2,1129":1053,"2,1130":1054,"2,1131":1055,"2,1132":1056,"2,1133":1057,"2,1134":1058,"2,1135":1059,"2,1136":1060,"2,1137":1061,"2,1139":1062,"2,1140":1063,"2,1141":1064,"2,1142":1065,"2,1143":1066,"2,1144":1067,"2,1145":1068,"2,1146":1069,"2,1147":1070,"2,1148":1071,"2,1149":1072,"2,1150":1073,"2,1151":1074,"2,1152":1075,"2,1153":1076,"2,1155":1077,"2,1156":1078,"2,1157":1079,"2,1158":1080,"2,1159":1081,"2,1160":1082,"2,1161":1083,"2,1162":1084,"2,1163":1085,"2,1165":1086,"2,1167":1087,"2,1168":1088,"2,1169":1089,"2,1170":1090,"2,1171":1091,"2,1172":1092,"2,1173":1093,"2,1174":1094,"2,1175":1095,"2,1176":1096,"2,1177":1097,"2,1179":1098,"2,1181":1099,"2,1182":1100,"2,1183":1101,"2,1184":1102,"2,1185":1103,"2,1186":1104,"2,1187":1105,"2,1188":1106,"2,1189":1107,"2,1191":1108,"2,1192":1109,"2,1193":1110,"2,1194":1111,"2,1195":1112,"2,1196":1113,"2,1197":1114,"2,1199":1115,"2,1201":1116,"2,1203":1117,"2,1204":1118,"2,1205":1119,"2,1206":1120,"2,1207":1121,"2,1208":1122,"2,1209":1123,"2,1210":1124,"2,1211":1125,"2,1212":1126,"2,1213":1127,"2,1214":1128,"2,1215":1129,"2,1216":1130,"2,1217":1131,"2,1218":1132,"2,1219":1133,"2,1220":1134,"2,1221":1135,"2,1222":1136,"2,1223":1137,"2,1224":1138,"2,1225":1139,"2,1226":1140,"2,1227":1141,"2,1229":1142,"2,1230":1143,"2,1231":1144,"2,1232":1145,"2,1233":1146,"2,1234":1147,"2,1235":1148,"2,1236":1149,"2,1237":1150,"2,1238":1151,"2,1239":1152,"2,1240":1153,"2,1241":1154,"2,1242":1155,"2,1243":1156,"2,1245":1157,"2,1247":1158,"2,1248":1159,"2,1249":1160,"2,1250":1161,"2,1251":1162,"2,1252":1163,"2,1253":1164,"2,1254":1165,"2,1255":1166,"2,1256":1167,"2,1257":1168,"2,1258":1169,"2,1259":1170,"2,1260":1171,"2,1261":1172,"2,1263":1173,"2,1264":1174,"2,1265":1175,"2,1266":1176,"2,1267":1177,"2,1268":1178,"2,1269":1179,"2,1270":1180,"2,1271":1181,"2,1272":1182,"2,1273":1183,"2,1274":1184,"2,1275":1185,"2,1276":1186,"2,1277":1187,"2,1279":1188,"2,1281":1189,"2,1282":1190,"2,1283":1191,"2,1284":1192,"2,1285":1193,"2,1286":1194,"2,1287":1195,"3,1288":1196,"3,1290":1197,"3,1291":1198,"3,1292":1199,"3,1293":1200,"3,1294":1201,"3,1295":1202,"3,1296":1203,"3,1297":1204,"3,1298":1205,"3,1299":1206,"3,1300":1207,"3,1301":1208,"3,1302":1209,"3,1303":1210,"3,1304":1211,"3,1305":1212,"3,1306":1213,"3,1307":1214,"3,1309":1215,"3,1310":1216,"3,1311":1217,"3,1312":1218,"3,1313":1219,"3,1314":1220,"3,1315":1221,"3,1317":1222,"3,1319":1223,"3,1320":1224,"3,1321":1225,"3,1322":1226,"3,1323":1227,"3,1324":1228,"3,1325":1229,"3,1327":1230,"3,1329":1231,"3,1330":1232,"3,1331":1233,"3,1332":1234,"3,1333":1235,"3,1334":1236,"3,1335":1237,"3,1337":1238,"3,1338":1239,"3,1339":1240,"3,1340":1241,"3,1341":1242,"3,1342":1243,"3,1343":1244,"3,1344":1245,"3,1345":1246,"3,1346":1247,"3,1347":1248,"3,1348":1249,"3,1349":1250,"3,1350":1251,"3,1351":1252,"3,1352":1253,"3,1353":1254,"3,1354":1255,"3,1355":1256,"3,1356":1257,"3,1357":1258,"3,1359":1259,"3,1361":1260,"3,1362":1261,"3,1363":1262,"3,1364":1263,"3,1365":1264,"3,1366":1265,"3,1367":1266,"3,1369":1267,"3,1370":1268,"3,1371":1269,"3,1372":1270,"3,1373":1271,"3,1374":1272,"3,1375":1273,"3,1376":1274,"3,1377":1275,"3,1379":1276,"3,1380":1277,"3,1381":1278,"3,1382":1279,"3,1383":1280,"3,1384":1281,"3,1385":1282,"3,1386":1283,"3,1387":1284,"3,1388":1285,"3,1389":1286,"3,1390":1287,"3,1391":1288,"3,1393":1289,"3,1394":1290,"3,1395":1291,"3,1396":1292,"3,1397":1293,"3,1398":1294,"3,1399":1295,"3,1400":1296,"3,1401":1297,"3,1402":1298,"3,1403":1299,"3,1404":1300,"3,1405":1301,"3,1406":1302,"3,1407":1303,"3,1408":1304,"3,1409":1305,"3,1410":1306,"3,1411":1307,"3,1413":1308,"3,1414":1309,"3,1415":1310,"3,1416":1311,"3,1417":1312,"3,1419":1313,"3,1421":1314,"3,1423":1315,"3,1424":1316,"3,1425":1317,"3,1426":1318,"3,1427":1319,"3,1428":1320,"3,1429":1321,"3,1430":1322,"3,1431":1323,"3,1432":1324,"3,1433":1325,"3,1434":1326,"3,1435":1327,"3,1436":1328,"3,1437":1329,"3,1438":1330,"3,1439":1331,"3,1440":1332,"3,1441":1333,"3,1442":1334,"3,1443":1335,"3,1445":1336,"3,1446":1337,"3,1447":1338,"3,1448":1339,"3,1449":1340,"3,1450":1341,"3,1451":1342,"3,1452":1343,"3,1453":1344,"3,1454":1345,"3,1455":1346,"3,1456":1347,"3,1457":1348,"3,1459":1349,"3,1461":1350,"3,1462":1351,"3,1463":1352,"3,1464":1353,"3,1465":1354,"3,1466":1355,"3,1467":1356,"3,1468":1357,"3,1469":1358,"3,1470":1359,"3,1471":1360,"3,1473":1361,"3,1475":1362,"3,1476":1363,"3,1477":1364,"3,1478":1365,"3,1479":1366,"3,1480":1367,"3,1481":1368,"3,1482":1369,"3,1483":1370,"3,1484":1371,"3,1485":1372,"3,1487":1373,"3,1489":1374,"3,1490":1375,"3,1491":1376,"3,1492":1377,"3,1493":1378,"3,1494":1379,"3,1495":1380,"3,1496":1381,"3,1497":1382,"3,1499":1383,"3,1500":1384,"3,1501":1385,"3,1502":1386,"3,1503":1387,"3,1504":1388,"3,1505":1389,"3,1506":1390,"3,1507":1391,"3,1508":1392,"3,1509":1393,"3,1510":1394,"3,1511":1395,"3,1513":1396,"3,1515":1397,"3,1516":1398,"3,1517":1399,"3,1518":1400,"3,1519":1401,"3,1520":1402,"3,1521":1403,"3,1522":1404,"3,1523":1405,"3,1524":1406,"3,1525":1407,"3,1526":1408,"3,1527":1409,"3,1529":1410,"3,1530":1411,"3,1531":1412,"3,1532":1413,"3,1533":1414,"3,1534":1415,"3,1535":1416,"3,1537":1417,"3,1539":1418,"3,1540":1419,"3,1541":1420,"3,1542":1421,"3,1543":1422,"3,1544":1423,"3,1545":1424,"3,1546":1425,"3,1547":1426,"3,1548":1427,"3,1549":1428,"3,1550":1429,"3,1551":1430,"3,1552":1431,"3,1553":1432,"3,1554":1433,"3,1555":1434,"3,1556":1435,"3,1557":1436,"3,1559":1437,"3,1560":1438,"3,1561":1439,"3,1562":1440,"3,1563":1441,"3,1564":1442,"3,1565":1443,"3,1566":1444,"3,1567":1445,"3,1568":1446,"3,1569":1447,"3,1571":1448,"3,1573":1449,"3,1575":1450,"3,1576":1451,"3,1577":1452,"3,1578":1453,"3,1579":1454,"3,1580":1455,"3,1581":1456,"3,1582":1457,"3,1583":1458,"3,1584":1459,"3,1585":1460,"3,1586":1461,"3,1587":1462,"3,1588":1463,"3,1589":1464,"3,1590":1465,"3,1591":1466,"3,1593":1467,"3,1595":1468,"3,1596":1469,"3,1597":1470,"3,1598":1471,"3,1599":1472,"3,1600":1473,"3,1601":1474,"3,1603":1475,"3,1605":1476,"3,1606":1477,"3,1607":1478,"3,1608":1479,"3,1609":1480,"3,1610":1481,"3,1611":1482,"3,1612":1483,"3,1613":1484,"3,1614":1485,"3,1615":1486,"3,1616":1487,"3,1617":1488,"3,1619":1489,"3,1621":1490,"3,1622":1491,"3,1623":1492,"3,1624":1493,"3,1625":1494,"3,1626":1495,"3,1627":1496,"3,1628":1497,"3,1629":1498,"3,1630":1499,"3,1631":1500,"3,1632":1501,"3,1633":1502,"3,1634":1503,"3,1635":1504,"3,1636":1505,"3,1637":1506,"3,1639":1507,"3,1640":1508,"3,1641":1509,"3,1642":1510,"3,1643":1511,"3,1644":1512,"3,1645":1513,"3,1646":1514,"3,1647":1515,"3,1648":1516,"3,1649":1517,"3,1651":1518,"3,1652":1519,"3,1653":1520,"3,1654":1521,"3,1655":1522,"3,1656":1523,"3,1657":1524,"3,1658":1525,"3,1659":1526,"3,1660":1527,"3,1661":1528,"3,1662":1529,"3,1663":1530,"3,1664":1531,"3,1665":1532,"3,1666":1533,"3,1667":1534,"3,1669":1535,"3,1671":1536,"3,1672":1537,"3,1673":1538,"3,1674":1539,"3,1675":1540,"3,1676":1541,"3,1677":1542,"3,1678":1543,"3,1679":1544,"3,1680":1545,"3,1681":1546,"3,1682":1547,"3,1683":1548,"3,1684":1549,"3,1685":1550,"3,1687":1551,"3,1689":1552,"3,1690":1553,"3,1691":1554,"3,1692":1555,"3,1693":1556,"3,1694":1557,"3,1695":1558,"3,1696":1559,"3,1697":1560,"3,1698":1561,"3,1699":1562,"3,1700":1563,"3,1701":1564,"3,1703":1565,"3,1705":1566,"3,1706":1567,"3,1707":1568,"3,1708":1569,"3,1709":1570,"3,1710":1571,"3,1711":1572,"3,1712":1573,"3,1713":1574,"3,1714":1575,"3,1715":1576,"3,1716":1577,"3,1717":1578,"3,1718":1579,"3,1719":1580,"3,1720":1581,"3,1721":1582,"3,1722":1583,"3,1723":1584,"3,1724":1585,"3,1725":1586,"3,1726":1587,"3,1727":1588,"3,1728":1589,"3,1729":1590,"3,1730":1591,"3,1731":1592,"3,1733":1593,"3,1735":1594,"3,1736":1595,"3,1737":1596,"3,1738":1597,"3,1739":1598,"3,1740":1599,"3,1741":1600,"3,1742":1601,"3,1743":1602,"3,1744":1603,"3,1745":1604,"3,1746":1605,"3,1747":1606,"3,1748":1607,"3,1749":1608,"3,1751":1609,"3,1752":1610,"3,1753":1611,"3,1754":1612,"3,1755":1613,"3,1756":1614,"3,1757":1615,"3,1758":1616,"3,1759":1617,"3,1760":1618,"3,1761":1619,"3,1762":1620,"3,1763":1621,"3,1764":1622,"3,1765":1623,"3,1766":1624,"3,1767":1625,"3,1768":1626,"3,1769":1627,"3,1770":1628,"3,1771":1629,"3,1772":1630,"3,1773":1631,"3,1774":1632,"3,1775":1633,"3,1776":1634,"3,1777":1635,"3,1778":1636,"3,1779":1637,"3,1780":1638,"3,1781":1639,"3,1782":1640,"3,1783":1641,"3,1784":1642,"3,1785":1643,"3,1786":1644,"3,1787":1645,"3,1788":1646,"3,1789":1647,"3,1790":1648,"3,1791":1649,"3,1793":1650,"3,1794":1651,"3,1795":1652,"3,1796":1653,"3,1797":1654,"3,1798":1655,"3,1799":1656,"3,1800":1657,"3,1801":1658,"3,1802":1659,"3,1803":1660,"3,1804":1661,"3,1805":1662,"3,1806":1663,"3,1807":1664,"3,1808":1665,"3,1809":1666,"3,1810":1667,"3,1811":1668,"3,1812":1669,"3,1813":1670,"3,1814":1671,"3,1815":1672,"3,1816":1673,"3,1817":1674,"3,1818":1675,"3,1819":1676,"3,1820":1677,"3,1821":1678,"3,1822":1679,"3,1823":1680,"3,1824":1681,"3,1825":1682,"3,1826":1683,"3,1827":1684,"3,1828":1685,"3,1829":1686,"3,1830":1687,"3,1831":1688,"3,1832":1689,"3,1833":1690,"3,1834":1691,"3,1835":1692,"3,1836":1693,"3,1837":1694,"3,1838":1695,"3,1839":1696,"3,1840":1697,"3,1841":1698,"3,1842":1699,"3,1843":1700,"3,1844":1701,"3,1845":1702,"3,1846":1703,"3,1847":1704,"3,1848":1705,"3,1849":1706,"3,1850":1707,"3,1851":1708,"3,1852":1709,"3,1853":1710,"3,1854":1711,"3,1855":1712,"3,1856":1713,"3,1857":1714,"3,1858":1715,"3,1859":1716},"ٜ":{"1":[5,652],"2":[653,1287],"3":[1288,1859]},"ٝ":["1,5","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,139","1,141","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,229","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,281","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,315","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,343","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,367","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,477","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,561","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,679","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,725","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,767","2,768","2,769","2,771","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,831","2,833","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,861","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,901","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,913","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,925","2,927","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,947","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,959","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,969","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,979","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,991","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1023","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1084","2,1085","2,1087","2,1089","2,1090","2,1091","2,1092","2,1093","2,1095","2,1096","2,1097","2,1098","2,1099","2,1100","2,1101","2,1102","2,1103","2,1104","2,1105","2,1106","2,1107","2,1108","2,1109","2,1110","2,1111","2,1113","2,1114","2,1115","2,1116","2,1117","2,1118","2,1119","2,1120","2,1121","2,1122","2,1123","2,1124","2,1125","2,1127","2,1128","2,1129","2,1130","2,1131","2,1132","2,1133","2,1134","2,1135","2,1136","2,1137","2,1139","2,1140","2,1141","2,1142","2,1143","2,1144","2,1145","2,1146","2,1147","2,1148","2,1149","2,1150","2,1151","2,1152","2,1153","2,1155","2,1156","2,1157","2,1158","2,1159","2,1160","2,1161","2,1162","2,1163","2,1165","2,1167","2,1168","2,1169","2,1170","2,1171","2,1172","2,1173","2,1174","2,1175","2,1176","2,1177","2,1179","2,1181","2,1182","2,1183","2,1184","2,1185","2,1186","2,1187","2,1188","2,1189","2,1191","2,1192","2,1193","2,1194","2,1195","2,1196","2,1197","2,1199","2,1201","2,1203","2,1204","2,1205","2,1206","2,1207","2,1208","2,1209","2,1210","2,1211","2,1212","2,1213","2,1214","2,1215","2,1216","2,1217","2,1218","2,1219","2,1220","2,1221","2,1222","2,1223","2,1224","2,1225","2,1226","2,1227","2,1229","2,1230","2,1231","2,1232","2,1233","2,1234","2,1235","2,1236","2,1237","2,1238","2,1239","2,1240","2,1241","2,1242","2,1243","2,1245","2,1247","2,1248","2,1249","2,1250","2,1251","2,1252","2,1253","2,1254","2,1255","2,1256","2,1257","2,1258","2,1259","2,1260","2,1261","2,1263","2,1264","2,1265","2,1266","2,1267","2,1268","2,1269","2,1270","2,1271","2,1272","2,1273","2,1274","2,1275","2,1276","2,1277","2,1279","2,1281","2,1282","2,1283","2,1284","2,1285","2,1286","2,1287","3,1288","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1294","3,1295","3,1296","3,1297","3,1298","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1306","3,1307","3,1309","3,1310","3,1311","3,1312","3,1313","3,1314","3,1315","3,1317","3,1319","3,1320","3,1321","3,1322","3,1323","3,1324","3,1325","3,1327","3,1329","3,1330","3,1331","3,1332","3,1333","3,1334","3,1335","3,1337","3,1338","3,1339","3,1340","3,1341","3,1342","3,1343","3,1344","3,1345","3,1346","3,1347","3,1348","3,1349","3,1350","3,1351","3,1352","3,1353","3,1354","3,1355","3,1356","3,1357","3,1359","3,1361","3,1362","3,1363","3,1364","3,1365","3,1366","3,1367","3,1369","3,1370","3,1371","3,1372","3,1373","3,1374","3,1375","3,1376","3,1377","3,1379","3,1380","3,1381","3,1382","3,1383","3,1384","3,1385","3,1386","3,1387","3,1388","3,1389","3,1390","3,1391","3,1393","3,1394","3,1395","3,1396","3,1397","3,1398","3,1399","3,1400","3,1401","3,1402","3,1403","3,1404","3,1405","3,1406","3,1407","3,1408","3,1409","3,1410","3,1411","3,1413","3,1414","3,1415","3,1416","3,1417","3,1419","3,1421","3,1423","3,1424","3,1425","3,1426","3,1427","3,1428","3,1429","3,1430","3,1431","3,1432","3,1433","3,1434","3,1435","3,1436","3,1437","3,1438","3,1439","3,1440","3,1441","3,1442","3,1443","3,1445","3,1446","3,1447","3,1448","3,1449","3,1450","3,1451","3,1452","3,1453","3,1454","3,1455","3,1456","3,1457","3,1459","3,1461","3,1462","3,1463","3,1464","3,1465","3,1466","3,1467","3,1468","3,1469","3,1470","3,1471","3,1473","3,1475","3,1476","3,1477","3,1478","3,1479","3,1480","3,1481","3,1482","3,1483","3,1484","3,1485","3,1487","3,1489","3,1490","3,1491","3,1492","3,1493","3,1494","3,1495","3,1496","3,1497","3,1499","3,1500","3,1501","3,1502","3,1503","3,1504","3,1505","3,1506","3,1507","3,1508","3,1509","3,1510","3,1511","3,1513","3,1515","3,1516","3,1517","3,1518","3,1519","3,1520","3,1521","3,1522","3,1523","3,1524","3,1525","3,1526","3,1527","3,1529","3,1530","3,1531","3,1532","3,1533","3,1534","3,1535","3,1537","3,1539","3,1540","3,1541","3,1542","3,1543","3,1544","3,1545","3,1546","3,1547","3,1548","3,1549","3,1550","3,1551","3,1552","3,1553","3,1554","3,1555","3,1556","3,1557","3,1559","3,1560","3,1561","3,1562","3,1563","3,1564","3,1565","3,1566","3,1567","3,1568","3,1569","3,1571","3,1573","3,1575","3,1576","3,1577","3,1578","3,1579","3,1580","3,1581","3,1582","3,1583","3,1584","3,1585","3,1586","3,1587","3,1588","3,1589","3,1590","3,1591","3,1593","3,1595","3,1596","3,1597","3,1598","3,1599","3,1600","3,1601","3,1603","3,1605","3,1606","3,1607","3,1608","3,1609","3,1610","3,1611","3,1612","3,1613","3,1614","3,1615","3,1616","3,1617","3,1619","3,1621","3,1622","3,1623","3,1624","3,1625","3,1626","3,1627","3,1628","3,1629","3,1630","3,1631","3,1632","3,1633","3,1634","3,1635","3,1636","3,1637","3,1639","3,1640","3,1641","3,1642","3,1643","3,1644","3,1645","3,1646","3,1647","3,1648","3,1649","3,1651","3,1652","3,1653","3,1654","3,1655","3,1656","3,1657","3,1658","3,1659","3,1660","3,1661","3,1662","3,1663","3,1664","3,1665","3,1666","3,1667","3,1669","3,1671","3,1672","3,1673","3,1674","3,1675","3,1676","3,1677","3,1678","3,1679","3,1680","3,1681","3,1682","3,1683","3,1684","3,1685","3,1687","3,1689","3,1690","3,1691","3,1692","3,1693","3,1694","3,1695","3,1696","3,1697","3,1698","3,1699","3,1700","3,1701","3,1703","3,1705","3,1706","3,1707","3,1708","3,1709","3,1710","3,1711","3,1712","3,1713","3,1714","3,1715","3,1716","3,1717","3,1718","3,1719","3,1720","3,1721","3,1722","3,1723","3,1724","3,1725","3,1726","3,1727","3,1728","3,1729","3,1730","3,1731","3,1733","3,1735","3,1736","3,1737","3,1738","3,1739","3,1740","3,1741","3,1742","3,1743","3,1744","3,1745","3,1746","3,1747","3,1748","3,1749","3,1751","3,1752","3,1753","3,1754","3,1755","3,1756","3,1757","3,1758","3,1759","3,1760","3,1761","3,1762","3,1763","3,1764","3,1765","3,1766","3,1767","3,1768","3,1769","3,1770","3,1771","3,1772","3,1773","3,1774","3,1775","3,1776","3,1777","3,1778","3,1779","3,1780","3,1781","3,1782","3,1783","3,1784","3,1785","3,1786","3,1787","3,1788","3,1789","3,1790","3,1791","3,1793","3,1794","3,1795","3,1796","3,1797","3,1798","3,1799","3,1800","3,1801","3,1802","3,1803","3,1804","3,1805","3,1806","3,1807","3,1808","3,1809","3,1810","3,1811","3,1812","3,1813","3,1814","3,1815","3,1816","3,1817","3,1818","3,1819","3,1820","3,1821","3,1822","3,1823","3,1824","3,1825","3,1826","3,1827","3,1828","3,1829","3,1830","3,1831","3,1832","3,1833","3,1834","3,1835","3,1836","3,1837","3,1838","3,1839","3,1840","3,1841","3,1842","3,1843","3,1844","3,1845","3,1846","3,1847","3,1848","3,1849","3,1850","3,1851","3,1852","3,1853","3,1854","3,1855","3,1856","3,1857","3,1858","3,1859"],"ٞ":{"2":[1],"28":[2],"34":[3],"36":[4],"37":[5],"43":[6],"45":[7],"47":[8],"49":[9],"52":[10],"53":[11],"78":[12],"87":[13],"91":[14],"92":[15],"97":[16],"99":[17],"104":[18],"108":[19],"115":[20],"128":[21],"129":[22],"130":[23],"131":[24],"137":[25],"139":[26],"142":[27],"149":[28],"150":[29],"155":[30],"169":[31],"171":[32],"177":[33],"182":[34],"196":[35],"197":[36],"202":[37],"208":[38],"214":[39],"215":[40],"218":[41],"221":[42],"223":[43],"231":[44],"232":[45],"240":[46],"245":[47],"249":[48],"255":[49],"259":[50],"263":[51],"264":[52],"266":[53],"268":[54],"272":[55],"274":[56],"278":[57],"282":[58],"290":[59],"293":[60],"295":[61],"296":[62],"308":[63],"313":[64],"321":[65],"322":[66],"326":[67],"332":[68],"335":[69],"340":[70],"343":[71],"344":[72],"366":[73],"380":[74],"388":[75],"394":[76],"397":[77],"399":[78],"403":[79],"405":[80],"408":[81],"411":[82],"412":[83],"414":[84],"417":[85],"421":[86],"424":[87],"425":[88],"430":[89],"433":[90],"437":[91],"443":[92],"445":[93],"448":[94],"449":[95],"452":[96],"465":[97],"468":[98],"471":[99],"472":[100],"477":[101],"478":[102],"487":[103],"489":[104],"507":[105],"529":[106],"530":[107],"534":[108],"537":[109],"541":[110],"545":[111],"547":[112],"549":[113],"551":[114],"554":[115],"556":[116],"558":[117],"559":[118],"562":[119],"565":[120],"568":[121],"569":[122],"571":[123],"573":[124],"576":[125],"578":[126],"580":[127],"583":[128],"589":[129],"591":[130],"592":[131],"595":[132],"596":[133],"599":[134],"615":[135],"619":[136],"620":[137],"625":[138],"628":[139],"629":[140],"634":[141],"637":[142],"639":[143],"643":[144],"644":[145],"657":[146],"673":[147],"678":[148],"687":[149],"688":[150],"692":[151],"699":[152],"708":[153],"713":[154,155],"727":[156],"729":[157],"730":[158],"731":[159],"732":[160],"738":[161],"753":[162],"754":[163],"756":[164],"759":[165],"766":[166],"767":[167],"768":[168],"772":[169],"786":[170],"787":[171],"788":[172],"790":[173],"797":[174],"813":[175],"814":[176],"815":[177],"818":[178],"824":[179],"825":[180],"826":[181],"829":[182],"835":[183],"836":[184],"838":[185],"841":[186],"849":[187],"850":[188],"851":[189],"854":[190],"859":[191],"860":[192],"861":[193],"863":[194],"869":[195],"870":[196],"871":[197],"872":[198],"873":[199],"888":[200],"889":[201],"890":[202],"893":[203],"898":[204],"899":[205],"900":[206],"903":[207],"906":[208],"907":[209],"908":[210],"909":[211],"914":[212],"915":[213],"917":[214],"919":[215],"924":[216],"925":[217],"926":[218],"935":[219],"954":[220],"955":[221],"959":[222],"966":[223],"987":[224],"988":[225],"992":[226],"996":[227],"1015":[228],"1016":[229],"1018":[230],"1021":[231],"1037":[232],"1038":[233],"1040":[234],"1043":[235],"1050":[236],"1051":[237],"1052":[238],"1054":[239],"1061":[240],"1062":[241],"1064":[242],"1066":[243],"1076":[244],"1077":[245],"1079":[246],"1081":[247],"1086":[248],"1087":[249],"1090":[250],"1093":[251],"1098":[252],"1099":[253],"1100":[254],"1102":[255],"1107":[256],"1108":[257],"1109":[258],"1111":[259],"1115":[260],"1116":[261],"1117":[262],"1119":[263],"1125":[264],"1141":[265],"1142":[266],"1149":[267],"1157":[268],"1158":[269],"1159":[270],"1163":[271],"1172":[272],"1173":[273],"1178":[274],"1180":[275],"1188":[276],"1189":[277],"1191":[278],"1193":[279],"1197":[280],"1198":[281],"1199":[282],"1201":[283],"1214":[284],"1215":[285],"1216":[286],"1218":[287],"1222":[288],"1223":[289],"1224":[290],"1226":[291],"1230":[292],"1231":[293],"1232":[294],"1234":[295],"1237":[296],"1238":[297],"1239":[298],"1243":[299],"1259":[300],"1260":[301],"1261":[302],"1263":[303],"1266":[304],"1267":[305],"1269":[306],"1270":[307],"1275":[308],"1276":[309],"1278":[310],"1280":[311],"1288":[312],"1289":[313],"1290":[314],"1292":[315],"1302":[316],"1307":[317],"1308":[318],"1309":[319],"1310":[320],"1313":[321],"1314":[322],"1315":[323],"1316":[324],"1319":[325],"1335":[326],"1336":[327],"1338":[328],"1341":[329],"1349":[330],"1350":[331],"1352":[332],"1355":[333],"1361":[334],"1362":[335],"1363":[336],"1367":[337],"1373":[338],"1374":[339],"1376":[340],"1378":[341],"1382":[342],"1383":[343],"1384":[344],"1387":[345],"1395":[346],"1396":[347],"1397":[348],"1398":[349],"1400":[350],"1409":[351],"1410":[352],"1411":[353],"1413":[354],"1417":[355],"1418":[356],"1419":[357],"1421":[358],"1436":[359],"1437":[360],"1438":[361,362],"1440":[363],"1448":[364],"1449":[365],"1450":[366],"1451":[367],"1453":[368],"1467":[369],"1468":[370],"1469":[371],"1470":[372],"1475":[373],"1476":[374],"1477":[375],"1480":[376],"1489":[377],"1490":[378],"1491":[379],"1494":[380],"1506":[381],"1507":[382],"1508":[383],"1510":[384],"1517":[385],"1518":[386],"1519":[387],"1521":[388],"1535":[389],"1536":[390],"1537":[391],"1541":[392],"1551":[393],"1552":[394],"1553":[395],"1555":[396],"1565":[397],"1566":[398],"1567":[399],"1577":[400],"1593":[401],"1594":[402],"1596":[403],"1600":[404],"1603":[405],"1605":[406],"1608":[407],"1609":[408],"1635":[409],"1643":[410],"1650":[411]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"المعارضات الفكرية المعاصرة\n\nلأحاديث الصحيحين\n\nدراسة نقديَّة\n\nد. محمد بن فريد زريوح\n\nالمجلد الأول","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nأحْمَدُه -جَلَ ذِكْرُه- بجميعِ مَحامِدِه، وأُثْني عليه بتَواتُر فَواضِله ونِعَمِه، وأَستهديهِ سبيلَ الصَّواب في القولِ والعَمَلِ بمِنَنِه، وأُصلِّي على خيرِ خلقِه وأكْرمِ رُسلِه ﷺ، وعلى أَصحابه وأهلِ بيتِه.\nأمَّا بعدُ:\nفإِنَّ مِن حِكْمةِ الله تعالى وجَسيمِ لُطفْهِ ورحمتِه بعِبادِه، أنْ ابْتعثَ إِليهم خيَر خَلْقهِ، وخاتَم رُسُلِهِ، محمَّدًا -صَلواتُ ربِّي وسلامُه عليه-، وجَعَله محْفوفًا ببُرهانِ الوحيِ، المُشتملِ على هدايةِ البَشريَّة مِن لُجَج الظُّنون، ونورًا للبَرِيَّةِ مِن مُدْلَهِمَّات الشُّبهات وغَسَقِ الفُتون، وافترضَ على العبادِ اتِّباعَ وَحْيِه كتابًا وحِكْمةً، تدَّفقت بها كلماتُه ﷺ، واصطَبغت بها أفعالُه، فأَناطَ الفوزَ والسَّعادةَ الأبديَّة للمُتمسِّكين بها، الصَّادِرين عنها، المُدِيرين عليها أَقوالَهم وأَعمالَهم.\nفكان أَسعدَ الخَلْقِ بهذا النُّورِ، وأَحقَّ النَّاس به، وأَعلاهُم به عَيْنًا، وأَشدَّهم تعظيمًا واتِّباعًا له: هم أَهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ لانطواءِ ضَمَائرِهِم على يَقينٍ كُلِّيٍّ بِصدْقِ ثلاثِ ضروراتٍ شرعيَّة:\nالضَّرورة الأُولى: قيامُ التَّلازُم بين نورِ الوحيِ وبَصَرِ العقلِ، وتَعذُّر الانتفاعِ بأَحدِهما دون الآخر؛ فنورُ الوَحيِ بلا بَصرِ العقل لا تَتحصَّل الاستفادةُ منه، إذْ بالعقلِ عُلِم صِدقُ الوحي، وأنَّه مِن لَدُن حكيمٍ عليمٍ؛ وبَصَرُ العقلِ بلا نورِ الوحي قضاءٌ على العقلِ بالضَّياعِ في مَنَادِح الأَهواء، ومَسَارِب العَماية.","vol":"1","page":9},{"text":"والضَّرورة الثَّانية: امتناعُ جرَيَانِ التَّناقُضِ بين وَحْيِه تعالى المَشمولِ بالإِرادةِ الأَمريَّةِ الشَّرعيَّةِ، وبين العقلِ الَّذي تنتظِمُه إرادَةُ الربِّ الخَلقيَّة التَّكوينيَّة؛ ومَجْلى هذا الامتناع: أنَّ كِلا الوَحيِ والعقلِ مِن عند الله، فالأوَّل: أمرُه، والثَّاني: خَلْقُه؛ ولا تعارُضَ بين خَلْقِه وأمرِه، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].\nوالضَّرورة الثَّالثة: أنَّ هذا الوحيَ بهذه الصِّفةِ الهاديَةِ، محفوظٌ مِن الرَّب ﵎ إلى قيامِ السَّاعةِ، حفظًا لأحكامِه ومَعانيه، كما هو حفظ لحروفِه ومَبانيه؛ وقد أوكَلَ الله مُهمَّة تبيِينِ القرآن وتَفصيلِه لنبيِّه ﷺ فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]؛ فإذا صحَّ المَنقول من سُنَّته ﷺ عند حَمَلة شرعِه، انتظَمَه الوَعدُ بحفظِ الذِّكر لزامًا؛ لسَبْقِ القضاءِ الكَونيِّ بِحفظِ الأُمَّة مِن نُفوقِ الخطأِ عليها.\nفهذه ثلاثُ ضروريَّاتٍ بُرهانيَّات، ينقشعُ بهنَّ عِثْيَرُ مُناقضةِ البراهين، ومُدافعة الدَّلائل بافتراعِ خُصومةٍ مُلدَّةٍ بين الدَّلائل الشَّرعية نَقْلِيِّها وعَقْلِيِّهِا؛ يتَوَلَّى كِبْرَ هذه الخصومةِ، ويَتقحَّمُ جراثيمَ هذه المُشاقَّةِ: طوائفُ في القديمِ والحديثِ، اجْتَوَت المنهلَ الرِّساليَّ الصَّافي بادِّعاءِ التَّعارُضِ بينها، وسَوْقِ أَوقارِ الشُّبُهاتِ في سُوقِ النِّكاية بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ.\nنَظَرتْ كلُّ فِرقةٍ منها إِلى تلك الدَّلائل نظْرةً مُبتَسرةً، تختزلُها في رؤيةٍ واحدةٍ تتَّسقُ مع أَصْلِها البِدْعيِّ الَّذي نصَّبَتْهُ مَركزًا تقْضي به على ما عَداه، كحالِ كثيرٍ من المدارسِ الكَلاميَّةِ المُتأخِّرة الَّتي استولَدت هذا النِّزاع، حتَّى انتهى الأمر بها إلى نَصْبِ نَزعاتها المُتمعقِلَة أصولًا يُقضَى بها على النَّقل، طَلبًا لتنزيهِ النَّقلِ عن مُناقضةِ العقل -زعمَت-، فكانوا كمَن ينقض رُكنًا في بيتِه، ليَرِمَّ صدْعًا في رُكنٍ آخرَ!\nولئِنْ كانت هذه الَمدارس قد قنِعت بأوَّلِيةِ العقلِ عند التَّعارض، فإِنَّ طوائفَ أخرى مِن أبناء عصرنا قد ألقَت هذا القَيدَ على عواهِنه، لتبلُغَ بهم الخصومة","vol":"1","page":10},{"text":"أَقصى دَرَجاتِها؛ فقد أطْلَقُوا العقلَ في مَسَارِحَ تنبو عن مَدْرَكِه، وتميلُ عن مَعْيَهه، ليعود حسيرًا مَسْلوبًا.\nثمَّ جَروا بالأدلَّة النَّقليَّةِ ودَلالاتِها في مَهامِهِ التَّنكيرِ، والتَّحريفِ، والتَّفريغِ مِن مَضامينِها الحقَّةِ الَّتي رامَها الُمتكلِّمُ أوَّل مرَّة؛ مُسَلِّطةً عليها مَنَاهجَ استشراقِيَّةً كافرةً بالوَحيِ، تعامَلَت مع نصوصِه بحُسبانِها ظاهرةً تاريخيَّةً ماديَّةً خالصةً؛ مُتعامِيةً عن حقيقةِ مَصدرِها الإلهيِّ الَّذي لا يَتَطرَّق إليه باطلٌ.\nهذا التَّعامي عن دلائل الشَّرعِ والإذعان لمَخابِرها الحقَّةِ، مَردُّه -في الغالب- إلى عَمى قلب النَّاظر؛ ذلك أنَّ النُّفوسَ إذا استقَرَّت على حُكمٍ تَهواه، تكلَّفت له دليلًا مِن العقلِ أو النَّقل لدفعِ ما يُناقِضُه مِن أخبار، وتأويل ما يُضادُّه من مُحكَمات، وتَعَلَّق بما يسنُده من مُتشابِهات.\nفآلَت بذا الحالُ إِلى عَبَثيَّةٍ فكريَّةٍ مُمَزِّقةٍ، لا خلاصَ منها إلَّا بمنهجٍ يأبى الخصومةَ، ويكشِف عن الاتِّساق بين الدَّلائلِ النَّقليَّةِ والعقليَّةِ، ولا يَتَحقَّق ذلكَ إلا بلُزومِ سابِلةِ المنهجِ السُّنِّيِ المَعصومِ.\nفأين هذا المَنهج؟ .. ومَن يدَعُنا لحالِنا نسلُكه؟! ..\nلقد تَعرَّض أبناءُ هذا الجيلِ -ولا يزالون- لسَيْلٍ طاغٍ ومَوجاتٍ مُتلاحقة مِن التَّشكيكِ في دينِهم وتُراثِهم وأيَّامِهم؛ «فالشِّعرُ الجاهليُّ عندهم: غُموضٌ وانتحالٌ، وتفسيرُ القرآن: مَشحون بالإسرائيليَّات، والحديثُ النَّبوي: مَليءٌ بالوَضعِ والضَّعف، والنَّحو: تعقيدٌ وتأويلات، والتَّاريخ: صُنِع للحُكَّام والملوك، ولم يَرصُد نبضَ الشُّعوبِ وأشواقَها» (^١).\nيَسمعُ شبابُنا هذا كلَّه عالِيًا مُدوِّيًا، تَتَجاوَب أصداُؤه المُترنِّحة مِن أحْلاسِ المقَاهي، وصفحاتِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ، إلى أروقةِ الثَّقافةِ، وقاعاتِ الدِّرسِ الجَامعيِّ، ولا يَستطيعُون لذلك دفعًا ولا رَدَّا؛ لغَرارَتِهم، وجَهلِهم، وقِلَّةِ حيلَتِهم.\n_________\n(^١) «الموجَز» لمحمود الطَّناحي (ص/٨).","vol":"1","page":11},{"text":"ولأنَّ كلَّ هذه السُّموم إنَّما تُساق في ثيابٍ مُزركشَةٍ، مِن مصطلحاتِ (المنهجيَّةِ)، و(المَوضوعيَّة)، و(التَّنوير)، و(التَّفكيرِ العقليِّ)، و(البحث العِلميِّ)، مَصبوغٍ ذلك بخِطابٍ أخَّاذ؛ فلا يَعرِفُ أثَرَ هذه الزَّخارفِ الخدَّاعةِ إلَّا مَن ابتُليَ بشَرِّها، وصَلَى جمْرَتَها؛ والنَّاس إذا كانوا في طَراوةِ الصِّبا وأوائلِ الشَّباب، تَسْتَهوِيهِم مثلُ هذه الأضاليل، وتَتلاعبُ بهم تَلاعُبِ جاريةٍ حسناءَ بذِي صَبْوةٍ.\nوأحسبُ أنَّ كثيرًا مِن أبناءِ جيلي، قد وَقعوا في هذا المَهْوى السَّحيق.\nوكنتُ أجدُ -ولازلتُ- أكثرَ تلك الأصواتِ دَويًّا، وأشدَّها فتكًا وأذيَّةً، تلك الصَّارخة في وجهِ السُنَّةِ الشَّريفة، مُشكِّكةً في ما توارثته الأمَّة مِن أخبارها، مُزريةً بجهودِ المُحدِّثين فيما أُودِعَتْه من أسْفارها.\nوهذا أمر لا شكَّ جَلَل؛ فإنَّ تلك السُّنةَ وما تفتقِرُ إليه مِن معرفةِ أحوالِ رُواتها، ومَعرفةَ العربيَّة، وآثارَ الصَّحابةِ والتَّابعين في التَّفسير وغيره، وبيانَ معاني السُّنَن والأحكام وغيرها، والفقهَ نفسَه، إنَّما مَدارُ هذا كلِّه على النَّقلِ، ومَدارُ النَّقلِ على ما ارتضاه أولئك المُحدِّثون وأضرابُهم مِن مناهجَ في الرَّوايةِ والنَّقدِ والتَّوثيق.\nفكان الطَّعنُ فيهم طعنًا في المَنقولِ كلِّه، بل في الدِّين مِن أصلِه (^١)! «حتَّى تصيرَ دِيانةُ المسلمين إلى ما صارَت إليه ديانةُ اليهود والنَّصارى المَطعونِ في كُتبِهم، ويَصيروا يَطعنُون دينَهم بأيْدِيهم! وليس لذلك مِن فائدةٍ سِوى شِفاء صدورِ أعداءِهم، حتَّى صاروا يقولون لنا: نحن وإيَّاكم في الهَوَى سَوَا!» (^٢).\nهذه -والله- الحقيقة المُرَّة الَّتي يَتكَشَّف عنها الزَّمان بين الفَينة والأخرى، يشهَدُ عليها مَن ذاقَ مَرارَتها، وعَلِمَ دَواخِل أصحابِها.\n_________\n(^١) انظر «التنكيل» للمُعلِّمي (١/ ١٨١).\n(^٢) «الدِّفاع عن الصَّحيحين دفاع عن الإسلام» للحجوي الفاسي (ص/١١٦) بتصرف يسير.","vol":"1","page":12},{"text":"يقول (لْيُوبلد فايْس) (^١) إذ يبوح بنَوَايا قومِه مِن دندنتهم حول سُنَّة الإسلام:\n«لقد كان مِن أقوى الأسبابِ الَّتي جَعَلت أحاديثَ النَّبي ﷺ، وجَعَلَت جميعَ نظامِ السُّنةِ معها لا تجدُ قبولًا في يومِنا هذا: أنَّ السُّنةَ تُعارض الآراءَ الأساسيَّة الَّتي تقوم عليها المَدَنيَّة الغربيَّة مُعارَضةً صريحةً، حتَّى إنَّ أولئك الَّذين خَلَبَتهم لا يجدون مخرجًا مِن مَأزقِهم هذا إلَّا برفضِ السُّنةِ، على أنَّها غيرُ واجبةِ الاتِّباع على المسلمين، ذلك لكونِها قائمةً على أحاديث لا يُوثَق بها أصالةً ..\nإنَّ العمَلَ بسُنَّةِ الرَّسول ﷺ هو عَمَلٌ على حِفظِ كيانِ المسلمين، وعلى تَقَدُّمِهم، وإنَّ تركَ السُّنة هو انحلالٌ عن الإسلام؛ لقد كانت السُّنة الهيكلَ الحديديَّ الَّذي قام عليه صَرحُ الإسلام، وإنَّك إذا أزَلت هيكلَ بناءٍ ما، أفيُدهِشُكَ أن يتَقَوَّض ذلك البناءُ كأنَّه بيتٌ مِن وَرَقٍ؟!» (^٢).\nفكلُّ ما تسمَعه الآن مِن جَلَبةٍ وضوضاءَ حول توثيقِ الأحاديثِ وغَربلةِ مُتونِها، إنَّما غَرضُ أهلها ما ذَكرتُه مِن أساسِ القَضيَّة: انتقاضُ جِدارِ السُّنة، ليَصيرَ حِمَى الأمَّةِ مُستباحًا لكلِّ طامِعٍ في تَذيِيلِها أو إذلالِها؛ وذلك أنَّ أهلَ السُّنةِ هم الأُمَّة، وهم نَقاوَتُها على وجهِ الحقيقة، والسُّنَّة الَّتي يَنتِسبُون إليها هي الاستحكاماتُ الخارجيَّة حول أسوارِ القرآن، فإذا تَمَّ تدميرُها، فدَوْرُ القرآنِ آتٍ بَعدها لا مَحالة! وذاك أمَلُ المُستشرقين والمُستغرِبين، وسائرِ أعداءِ الدِّين.\nمن شواهد هذه الحقيقة:\nما صدر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من مجموع دراساتٍ أمريكيَّة أعَدَّتها مؤسسَّة رَاند للأبحاث والتَّطوير - «العقلُ الاستراتيجيُّ الأمريكي»، و«الذِّراعُ البحثيُّ للبانتاغون»! - من ضمنها تقريرٌ بعنوان: «الإسلام الدِّيمقراطي\n_________\n(^١) مستشرق نمساوي أشهر إسلامه، وتسمَّى بـ (محمد أسد وايس)، وأنشأ بمعاونة (وِيليام بكتول) الإنجليزي -الذي أسلم هو الآخر- مجلة الثقافة الإسلامية في حيدر آباد سنة ١٩٢٧ م، وكتب فيها كثيرا عن أخطاء المُستشرقين، من مؤلفاته: «أصول الفقه الإسلامي»، و«ترجمة صحيح البخاري»، انظر «المستشرقون» (٢/ ٢٩١).\n(^٢) «الإسلام على مفترق الطُّرق» لمحمد أسد (ص/٧٤ - ٧٥، ٨١).","vol":"1","page":13},{"text":"المَدنيُّ»، تضمَّن الخُطَّة الاستراتيجيَّة العامَّة الَّتي يَتعيَّن على الإرادة الأمريكيَّة تبنِّيها لأجل إعادة بناء الدِّين الإسلامي بما يَتوافق مع المَنظومة الفكريَّة الغربيَّة؛ خُطَّةً مَبنيَّةً أساسًا على «قطع مَوارد الأصوليِّين» -كما تُسمِّيهم- وإضعاف تأثيرِهم الدِّينيِّ في المُجتمعات الإسلاميَّة، ثمَّ «دعمِ الحَداثيِّين والعَلمانيِّين» مُقابل أولئك.\nحوى هذا التَّقرير فصلًا كاملًا عن ضرورة هدم (المنظومة الحديثيَّة!) لدى المُسلمين، أو تطويعِها -على الأقلِّ- لتَتَماها مع الفكر الغربيِّ، ضمانًا لنجاح الخُطَّة المُقترحة لتحديث الإسلام وعَلْمَنته؛ عَنْوَنت هذا الفصلَ كاتبتُه (^١) بقولِها المُستفزِّ: «حروب الحديث»!\nفمِمَّا أثارَني فيه قولُها: «تتركَّز كثير من جهود إصلاح الإسلام حاليًا في الجدل الدَّائر حول أحكام وممارساتٍ معيَّنةٍ من صحيح الإسلام، والَّتي ينتقدها غير المسلمين، لكونها لم تعُد ملائمةً للعصر الحاضر؛ فالقرآن بوصفه الكتاب المُقدَّس -هو بوجه عامٍّ- .. فوق الانتقاد، لكنَّه مع ذلك قد ترك موضوعات كثيرةٍ لم يتناولها البتَّة، أو أشار إليها بشكلٍ مُجمل ..\nفلذا دأَبَ أصحابُ الآراء المتعارضة -منذ الأيَّام الأولى لامتداد الإسلام- على صياغة أقوالهم وتفسيراتهم استنادًا للحديث النَّبوي في المقام الأوَّل .. وعِوَضًا عن آراء العلماء، ينبغي لجمهور النَّاس تمحيص أقوال العلماء وادِّعاءاتهم! ومعرفة مدى صحَّة استدلالهم بحديث من الأحاديث؛ .. إنَّه ينبغي تشكيل لجنة «نقض الحديث» [!]، لأجل مَن يطمحون لمجتمعات أكثر تسامحًا، تقوم على المساواة والدِّيمقراطيَّة» (^٢).\nوقبل هذا التَّقرير بعقودٍ مَضَت وَصاةُ مُفكِّري فرنسا مِن بعضِ يَساريِّيها لحكوماتِهم بضرورة نقلِ حربهم للمُسلمين إلى إشعال فتيل حرب فكريَّة بينهم!\n_________\n(^١) أعني بها شيريل بينارد، وهي كاتبة وباحثة نمساويَّة متخصصة في العلوم السياسية، مهتمة بالمشرق الإسلامي، كانت من أهم مُحلِّلي مؤسسة راند حتى عام ٢٠٠٧ م، ترجمتها في آخر كتابها «الإسلام الديمقراطي المدني».\n(^٢) «الإسلام الديمقراطي المدني - سلسلة تقارير مؤسسة راند» لشيريل بينارد (ص/٩٧، ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"1","page":14},{"text":"بتحويل المعركةِ إلى داخلِ التُّراثِ الإسلاميِّ ذاتِه (^١)، على أيدي مَن ينَتسِب إلى الإسلامِ نفسِه! فإنَّ شبهاتِ ذوي الجِلدة الواحدة أوقعُ في آذانِ المُخاطَبين مِن كلامِ عَدُوِّهم، وأقربُ إلى تَقبُّلِ أفكارِهم.\nاقرأ شاهدَ هذا المَكر الكُبَّار كيف اصبغت به كلماتٌ لـ (عابدٍ الجابريِّ)، يوصي فيها أرباب الحداثة بـ «إنَّ التَّجديدَ لا يُمكن أن يَتِمَّ إلَّا مِن داخلِ تُراثِنا، باستدعائِه واسترجاعِه استرجاعًا مُعاصرًا لنا؛ وفي الوقتِ ذاتِه، بالحفاظِ له على مُعاصَرتِه لنفسِه ولتارِيخيَّته، حتَّى نَتمَكَّن مِن تجاوزِه مع الاحتفاظِ به، وهذا هو التَّجاوز العلميُّ الجَدليُّ!» (^٢).\nفعلى وِفق هذا الأسلوب صارَ الاتِّجاه السَّائد في الدِّراساتِ المُصادِمةِ للنَّصِ الشَّرعيِّ، يعتمِدُ على ذات النَّصِ للتَّخلُّصِ مِنه، يتظاهر تارةً بالشَّفقةِ مِن نسبتِه إلى الشَّارعِ لشناعتِه، وتارةً بلَيِّ معناه لعَصْرَنته؛ فأمَّا المُجاهرة برفضِ التَّحاكم إلى النُّصوصِ صراحةً، وإعلان المُحادَّاةِ التَّامةِ لأحكامِ الشَّريعةِ المُستخلصَةِ منها: فنهجٌ قد ضَعُف حضورُه كثيرًا في الآونةِ الأخيرة، لاستقباحِ العامَّةِ له، ومُصادمته المباشرة لفِطَرِهم.\nهي إذن حَربٌ بالوَكالة!\nقد نُصِبت فيها مَنابرُ مِن خُشُبِنا، يعتليها رجالٌ مِن جِلدتنا، يخطُبون بِأَلْسِنَتِنا، ويَهرفون في تُراثِنا بلُغةِ فُقهائِنا، هدمًا لدينِنا باسمِ دينِنا؛ وصدقًا قال عنهم ابن تيميَّة: «قد اتَّفق أهل العلم بالأحوال، أنَّ أعظمَ السُّيوف الَّتي سُلَّت على أهل القبلة: مِمَّن ينتسب إليها، وأعظمَ الفساد الَّذي جَرى على المسلمين مِمَّن ينتسب إلى أهل القبلة: إنَّما هو مِن الطَّوائف المُنتسبة إليهم! فهم أشدُّ ضررًا على الدِّين وأهله» (^٣).\n_________\n(^١) انظر تفصيلَ الخبر في «تجديد الفكر الإسلامي» لجمال سلطان (ص/٣٢).\n(^٢) «مجلة المستقبل العربي»، العدد ٢٧٨، لسنة ٢٠٠٢ م، حاوره عبد الإله بلقزيز.\n(^٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ٤٧٩).","vol":"1","page":15},{"text":"وطَعْنُ ذَوِي القُرْبَى أشَدُّ مَضرَّةً *** على الدِّينِ مِن حَربِ العُداةِ الأباعِدِ!\nهذا هو حال الأنفس البَشريَّة في كلِّ زمانٍ، كامِنٌ فيها الشَّر لا محالة، سابحٌ بين جَنَباتِها هَواها كلٌّ منها بحسَبِه، يحبِسُها عن إظهارِه: الفِطرةُ، والدِّين، وخَشيةُ النَّاس؛ فإذا ما غَلَبها هَواها، وأمِنَت معه عقوبةَ السُّلطان: تَشَجَّعَت بالبَوْحِ بشرِّها الكامن، وجهرت بالدَّعوة إليه.\nفلمثلِ هذه الحال النفسيَّة العجيبة الممزوجة بتخاليط الجهل ومُغالطات التَّفكير، يلتحقُ فِئامٌ مِن شبابنا بنابذي السُّنَن، مُناكفين لنَقَلتِها مِن أهلِ الفَضْلِ والمِنَنِ؛ «قد تَعالَوا علينا بضَخامةِ الألقابِ، مع فَراغ الوِطاب، يُوسِعون الدَّعاويَ العريضة، ويُجهِّلون العلماء الأُصَلاء، بآرائهم الهشَّةِ البتراء، وينصرون الأقوال الشَّاذة، لتَجانُسها مع عِلمِهم وفهمِهم، ويُناهِضون القواعدَ المُستقِرَّة، والأصولَ الرَّاسخة المُتوارَثة.\nلم يقعُدوا مَقاعِدَ العِلمِ والعُلماء، ولم يَتَذوَّقوا بَصارَة التَّحصيلِ عند القُدماء، ولكنَّهم عند أنفسِهم أعلَمُ مِن السَّابقين» (^١)، لظنِّهم أنَّهم مِن جُملةِ المُفَكِّرين!\nفلقد جهِلَ المَساكينُ بأنَّ الثَّقافة والفِكرَ المُجرَّدَ لا يُخرِج الإنسانَ مِن الأُميَّةِ الشَّرعيَّة أبدًا؛ فإنَّما الفِكرُ تحليلُ المَعلوماتِ وتَقلِيبُها، فقليلُ العلمِ بمَ يُفكِّر أصلًا؟! وهل رزيَّتنا اليوم إلَّا مِن مُفكِّرٍ بلا عِلمٍ؟!\nإنَّ مَن يَقرأْ تاريخَ المَذاهِب والنِّحَل قراءةَ مُقارِن، يُدرِكْ أنَّ كلَّ ضَلالةٍ هوَّشَ بها هؤلاء (المُفكِّرون) المُتأخِّرون، أصلُها أو مِثلُها كانت في السَّابقين؛ تَعَلَّقت بالإسلامِ كما يَتَعلَّق قَذَى الأرضِ بالعَجَلةِ، ثمَّ تَطويه بسَيْرِها.\nلقد قَيَّد الشِّهرستانيُّ (ت ٥٨٤ هـ) (^٢) لحْظَه لهذه العُلقةِ الفكريَّةِ قديمًا بين ما أُحدِث مِن مُعارَضاتٍ للنُّصوصِ الشَّرعيةِ في زَمنِه، وأصولِ المَقالاتِ المُبكِّرة في\n_________\n(^١) «صفحات من صبر العلماء» لعبد الفتاح أبو غدَّة (ص/١٠٩).\n(^٢) محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: إمام في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، من أشهر كُتبه «الملل والنحل»، انظر «تاريخ الإسلام» (١١/ ٩٤١).","vol":"1","page":16},{"text":"الإسلام، منبِّهًا على أنَّ هذا التَّوارث لتحريفاتِ الضُّلَالِ عادة قديمةٌ قِدَم الأديان، فقال: «إنَّ الشُّبهات الَّتي وَقَعت في آخرِ الزَّمان، هي بعينِها تلك الشُّبهات الَّتي وَقَعت في أوَّل الزَّمان، كذلك يُمكن أن نُقرِّر في زمانِ كلِّ نبيٍّ، ودورِ صاحبِ كلِّ مِلَّة وشريعةٍ: أنَّ شُبهات أُمَّتِه في آخرِ زمانِه ناشئةٌ مِن شُبهاتِ خُصماء أوَّلِ زمانِه مِن الكُفَّار والمُلحِدِين، وأكثرُها مِن المُنافقين.\nوإنْ خَفِيَ علينا ذلك في الأمَمِ السَّالفةِ لتَمادي الزَّمان، فلَمْ يخفَ في هذه الأمَّة أنَّ شُبهاتها نَشأت كلُّها مِن شُبهاتِ مُنافقي زمنِ النَّبي ﷺ؛ إذْ لم يرضوا بحُكمِه فيما كان يأمرُ ويَنهى، وشَرعوا فيما لا مسرحَ للفكرِ فيه ولا مَسرى، وسألوا عمَّا مُنِعوا مِن الخوضِ فيه، والسُّؤالِ عنه، وجادلوا بالباطلِ فيما لا يجوز الجدال فيه» (^١).\nيُصدِّقُ هذا نصٌّ نفيس للشَّاطبيِّ (ت ٧٩٠ هـ) (^٢)، ينعت فيه الزَّائغين القُدامىِ في «رَدِّهم للأحاديثِ الَّتي جاءت غيرَ مُوافقةٍ لأغراضِهم ومَذاهِبم، فيَدَّعون أنَّها مخالفةٌ للمَعقول، وغير جاريةٍ على مُقتضى الدَّليل، فيجب رَدُّها؛ كالمُنكرين لعذابِ القبر، والصراطِ، والميزان، ورؤيةِ الله ﷿ في الآخرةِ، وكذلك حديث الذُّبابِ ومَقْلِه، وأنَّ في أحدِ جَناحَيْه داءٌ وفي الآخرِ دَواءٌ، .. وحديث الَّذي أخذَ أخاه بَطنُه، فأمَرَه النَّبي ﷺ بسَقْيِه العَسلَ، وما أشبهَ ذلك مِن الأحاديثِ الصَّحيحة المَنقولة نقلَ العُدولِ.\nفربَّما قَدَحوا في الرُّواةِ مِن الصَّحابة والتَّابعين ﵃، وحاشاهم، ومَن اتَّفق الأئِمَّة مِن المُحدِّثين على عدالتِهم وإمامتِهم، كلُّ ذلك ليردُّوا به على مَن خالَفهم في المذهبِ، وربُّما ردُّوا فتاوِيهم وقبَّحوها في أسماعِ العامَّة؛ ليُنفِّروا الأمَّةَ عن اتِّباعِ السُّنةِ وأهلِها» (^٣).\n_________\n(^١) «الملل والنِّحَل» (١/ ١٩).\n(^٢) إبراهيم بن موسى بن محمد أبو إسحاق: اللَّخمي الغرناطي المالكي، أصولي حافظ محدِّث، لغوي مفسر مع الصَّلاح والعفة، والورع واتباع السُّنة، من أشهر مؤلفاته «الاعتصام»، و«الموافقات»، انظر «شجرة النور الزكية» (١/ ٣٣٢).\n(^٣) «الاعتصام» للشَّاطبي (٢/ ٣٢).","vol":"1","page":17},{"text":"أفَلا تَرى أنَّ هذه المُناكفاتِ العِلميَّةِ للأخبارِ -مِمَّا ساق بعضَها الشَّاطبي- تَتكرَّر في زمانِنا هذا وزيادة، غير أنَّ أصحابَها يخدعون النَّاس بتجديدِ صِياغتِها وتجميلِ صُورَتِها في قَوالِب عَصريَّةٍ؟! وبنفسِ تلك الأساليب مِن الطَّعنِ في نَقَلَتِها ودَعاوي المُعارَضاتِ العقليَّة؟! ولِنَفسِ غَرَضِ النُّصرةِ للمَذهبِ أو الطَّائفةِ أوالتَّياراتِ الفِكريِّة؟!\nإنَّ ما يقولُه هؤلاء المُعاصرون في الدِّين يكاد يرجعُ في أصولِه ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون، «بفرقٍ واحدٍ فقط: أنَّ أولئك الأقدمين -زائغين كانوا أم مُلحِدين- كانوا عُلماءَ مُطَّلِعين، أكثرُهم مِمَّن أضَلَّه الله على عِلْمٍ؛ أمَّا هؤلاء المُعاصرون: فليس إلَّا الجهل والجُرأة! وامتِضاغُ ألفاظٍ يُحسنونها، يُقلِّدون في الكُفرِ، ثمَّ يَتَعالَوْن على كلِّ مَن حاوَلَ وضعَهم على الطَّريقِ القويم» (^١).\nوهذه حالُ مَن لا يفهمُ شأنَ السُّنةِ وتصاريفَ أخبارِها، مِمَّن لم يُوتَوا الآلةَ الَّتي بها يَفهَمُ ذلك؛ فإنَّما يكون البَلاء إذا ظَنَّ العادِمُ لها أنَّه أُوتِيَها، وأنَّه مِمَّن يَكمُل للحُكمِ على أسانيدِها، ويَصِحُّ منه القَضاء على مُتونِها، فجَعَل يَقولُ القولَ لو عَلِم غِبَّه لاسْتَحى منه! فأمَّا الَّذي يُحسِن بالنَّقصِ مِن نفسِه، ويَعلمُ أنَّه قد عُدِمَ عِلْمًا بالأخبارِ وحَلًّا لعَويصِها قد أوتِيَهما مَن سِواه، فهذا «نحن منه في راحةٍ، وهو رَجلٌ عاقلٌ، قد حمَاه عقلُه أن يَعدُوَ طَوْرَه، وأنْ يَتَكَلَّف ما ليس بأهلٍ له» (^٢).\nفالدَّاءُ كلُّ الدَّاء من هؤلاءِ المُتَعالِمين المُحْدَثين، الَّذين أعْدَوا بأمراض عقولِهم ما يُلامسون مِن آراء؛ بهَوى مُعدٍ يتمدَّد في الأفكارِ كتمدُّد العِلَل في الأبدان، يصير به صاحبه مُضطرِبَ المنهجِ، مُختلِطَ الطَّريقة، كثيرَ التَّناقُضِ فيما يُقرِّر؛ حتَّى يُوبِقه اضطرابُه هذا في مَهاوي الرَّدَى، وترمي به جهالاته في أوديةِ الباطِل.\n_________\n(^١) حاشية حمد شاكر على «مسند أحمد» (٦/ ٥٢٣).\n(^٢) «دلائل الإعجاز» للجرجاني (١/ ٥٤٩).","vol":"1","page":18},{"text":"ومع ما تخبَّط به القوم في نقداتهم للتراث الشرعي، فلقد مَضَت تلك الأزمانُ الَّتي كان فيها كلامُهم في السُّنةِ سَبَهْلَلًا! يَرمون الأخبارَ على اختلافِ مَصادِرها ودَرَجاتِها كيفما اتَّفَق؛ فإنَّهم صاروا إلى قناعةٍ متجذِّرةٍ بأنَّ أصلَ السُّنةِ ورُوحَها، وأصَحَّ ما جُمِع مِن حديثِها مرقومٌ بين جنبات «الصَّحيحين»، بما تناهى إلى سمعهم من كونهما الدَّرجة الثَّانية صِحةً وتشريعًا بعد كتابِ الله تعالى، وأنَّ عمومَ الأمَّة قد تَلقَّتهما بكمالِ الثِّقة، واعتبَرتهما مَدار العقائد لديها، فلا يَتمُّ تشريعٌ لفَقيهٍ دونهما، لعُلوِّ شروطِ الصِّحةِ في انتقاءِ أخبارهما، وللثِّقة العامَّةِ الحاصِلة لمُصنِّفيهما.\nهذان المَغبوطانِ اللَّذان بَذلا حياتَهما لخدمةِ سُنَّة نبيِّهما ﵇، واللَّذان تمنَّى ملوك الأرضِ وأشارف النَّاس التَّجمُّلَ بصِفاتهما، والتَّحلِّي بسِماتهما، وثنيَ الرُّكَب في مَجالِسِهما.\nفأمَّا أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ (ت ٢٥٦ هـ) (^١):\nفالشَّمس تَلَأْلؤ في سَماءِ المَجد والشَّرف، العبقريُّ الآخذُ من كلِّ فضلٍ بطرفٍ، قد وَهَبه الله تعالى بصيرةً نافذةً تكاد تخترقُ حُجبَ الغيبِ، ونفسًا سَماويَّةً مَحَّصَتها الفضيلةُ، فلم تعلَق بها الرَّذائل، ولا طارَت حولَها المَفاسد والأطماع، وذِكرًا بعيدًا تُردِّدُه الأقطار، وتُغضي مِن مَهابتِه الأبصار، وجلالًا تُطأطئ له الهامات، وحُبًّا مُبرِحًا تنعقدُ عليه قلوب المَلايين مِن المسلمين في مَشارقِ الأرضِ ومَغارِبها.\nتوجَّه البخاريُّ إلى طلب العلومِ في بُكورِه، فبَدَت عليه علائم الذَّكاء والبراعةِ في حذق ما يتلقَّاه؛ حتَّى إذا أكملَ حفظَ القرآن تَوجَّه إلى السُّنة ومَرويَّاتها، فاستَوْفى حفظَ حديثِ شُيوخِه البُخاريِّين، ونَظَر في الرَّأي، وقَرأ كُتُبَ عبد الله بن المُبارك (ت ١١٨ هـ)؛ كلُّ هذا ولم يُجاوز عُمره المُبارك\n_________\n(^١) انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٢/ ٣٣٢)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (٥٢/ ٥٠)، و«أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٣٩١).","vol":"1","page":19},{"text":"ستَ عشرة سنة! ليَرْحل بعدُ إلى مُحدِّثي الأمصار، تقيِيدًا للعلم عنهم بخُراسان والعراق والشَّام والحجاز ومصر وغيرها، فانكبَّ النَّاس يَسمعون منه، وليس في وجهِه شَعرة!\nبدا له بعد سنين التَّحصيل والتَّحديث أن يجمع الصَّحيح من الأخبار النَّبويَّة، لكلماتٍ مُقلقاتٍ تَدفَّقنَ من صدر شيخِه ابن راهوُيَه (ت ٢٣٧ هـ)، يقول فيهنَّ لتلاميذه: «لو جَمعتُم كِتابًا مُختصرًا لصحيحِ سُنَنِ النَّبي ﷺ ..» (^١).\nهذه الحروف اليسيرات أوقعنَ في قلبِ البخاريِّ مِن الهِمَّة ما لأجلهنَّ صَنَّف كتابَه الأعجوبة «الجامعِ المُسندِ الصَّحيحِ المُختصر من أمورِ رسول الله ﷺ وسُنَنِه وأيَّامه»، مُزيِّنًا له بأحسنِ المتون، مُتخيِّرًا له أضبطَ الرِّجالِ العدول، مَرفوعًا بذلك في مِعراجٍ لا يُلحَق؛ كيف لا، وقد وَصَله بالصِّلةِ الَّتي لا تُبلى: وهي الصَّلاة؟! فكان لا يَضعُ فيه حديثًا حتَّى يُصلِّي له ركعتين.\nهذا؛ والعادة الغالبة جاريةٌ على أنَّ كلَّ مُصَنَّفٍ إذا كان الأوَّلَ في بابِه، جاء مَن بعده ليُصنِّفوا في ذاك الفنِّ، فيستدركوا ما أغفلَه الأوَّل، ويحسِّنوه، ويزيدوا عليه ما يُكمِل فائدتَه، حتَّى يكونَ أتَمَّ مِمَّا خَطَّه وأنفعَ؛ لكنَّ البخاريَّ -وإن كان أوَّلَ مَن صَنَّف الصَّحيحِ مُستقلًّا- لم يأتِ بعده مَن يُضاهيه، مع وَفرةِ مَن تَصدَّى لجمعِ الصَّحيحِ بعده.\nيقول أبو الحسن النَّدوي (ت ١٤٢٠ هـ): «لو زَعَم زاعم، أو ادَّعى مُدَّعٍ، أنَّه لم يُعتَنَ بكتابٍ بَشريٍّ في أيِّ مِلَّةٍ وديانةٍ، وفي أيِّ لُغةٍ وأدبٍ، وفي أيِّ مَوضوعٍ ومَقصدٍ، وفي أيِّ عصرٍ مِن العصور، مثل ما اعتُني بالجامعِ الصَّحيحِ للإمام البخاريِّ، لما كان مُجازفةً مِن القولِ، ولا مُبالغة في الدَّعوى، ولا إسرافًا في الحُكم، ولكن لهذا القول وَجاهةٌ علميَّةٌ، ودلائلُ تاريخيَّةٌ، قائمةٌ على استعراضٍ طويلٍ دقيقٍ مُحايدٍ أمينٍ للمكتبةِ العلميَّةِ العالميَّةِ، ونتاجِ العقولِ والأقلامِ، ومَحصول القرائحِ والهِمَم، مِن فجرِ التَّاريخ إلى يومِ النَّاس هذا» (^٢).\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٣٢٢)، و«تهذيب الكمال» (٢٤/ ٤٤٢).\n(^٢) «نظرات على صحيح البخاري» لأبي الحسن النَّدوي (ص/٧).","vol":"1","page":20},{"text":"وأمَّا تلميذه أبو الحُسين مسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريُّ (ت ٢٦١ هـ) (^١):\nفردفُ شيخه إمامًا في الحديث بلا مُدافعة، بالغًا فيه الذَّروة؛ قد كان أبو زرعة وأبو حاتم الرَّازيان -على جَلالةِ قدرِهما في الحديث وإمامتِهما في العِلَل- يُقدِّمانِه في معرفةِ الصَّحيح على مَشايِخِ عصرهِما (^٢)؛ يكفيك شاهدًا على هذه الجلالة كتابُه «المُسند الصَّحيح» (^٣)، حيث انتخب أحاديثَه مِن ثلاثمائةِ ألفِ حديثٍ مَسموعة لديه مُدَّة خمس عشرة سنة (^٤).\nومسلم -مع جلالته في هذا العلم- تلميذُ البخاريِّ وخرِّيجُه، قد كان يرفعُ شيخَه في هذا العلمِ على نفسِه؛ يُري النَّاسَ جِلسته «بين يَدَيْه كالصَّبيِ بين يَدَيْ مُعَلِّمِه» (^٥)؛ فلا غروَ أن يكون صحيح البخاريِّ مُقَدَّمًا على كتابِه، فإنَّما بنى مسلمٌ صحيحَه عليه، فعَمِل عليه شِبْهَ مُستَخرَجٍ، وزاد فيه زيادات (^٦).\nولقد سيقَ في الثَّناءِ على مسلمٍ وكتابِه جملةٌ صالحةٌ مِن مَدائح أهل العلم، «بحيث إذا قوبِلَت بما قيل في البخاريِّ وفي كتابِه، كانت مُكافِئةً لها، أو راجحة عليها» (^٧)! فلقد حصَل له «في كتابِه حَظٌّ عظيمٌ مُفرطٌ لم يحصل لأحدٍ مثلِه، بحيث أنَّ بعضَ النَّاسِ كان يُفضِّله على صحيح محمِّد بن إسماعيل .. وقد نَسَج على مِنوالِه خلقٌ مِن النيَّسابوريِّين، فلم يبلغوا شأوَه؛ فسبحان المُعطي الوَّهاب!» (^٨).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» (١٥/ ١٢١)، و«تاريخ دمشق» (٥٨/ ٨٥)، و«أعلام النبلاء» (١٢/ ٥٧٧).\n(^٢) «تاريخ بغداد» (٦/ ٤٣٠)، و«تاريخ دمشق» (٥٨/ ٩٠).\n(^٣) بهذا سمَّاه به صاحبه مسلم، كما نقله الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٥/ ١٢١)، وصرَّح به الغسَّاني في كتابه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» (١/ ٥٣)، وكذا ابن الصَّلاح في «صيانة صحيح مسلم» (ص/٦٧)، وبه سمَّاه الحاكم في عدة مواضع من «مُستدركه»، انظر مثلًا (١/ ٦٦، ١/ ١٦٢) منه.\n(^٤) «تذكرة الحفاظ» للذهبي (٢/ ١٢٦).\n(^٥) «الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين» لابن المفضل المقدسي (ص/٢٩٠).\n(^٦) نقله ابن حجر عن الدَّارقطني في «النكت على ابن الصلاح» (١/ ٢٨٦).\n(^٧) «المفهم لمِا أشكل من تلخيص كتاب مسلم» لأبي العبَّاس القرطبي (١/ ٢٠).\n(^٨) «تهذيب التهذيب» (١٠/ ١٢٧).","vol":"1","page":21},{"text":"والَّذي تُحصِّله مِن جملة ما تطالعه من ترجمةِ هذين الإمامين: أنَّهما بحقٍّ في الحديثِ فَرَسا رِهانٍ، وأنْ ليس لأحدٍ بمُسابَقَتِهما ولا مُساوَقَتِهما يَدَان! قد تَمَّ لهما في كتابَيهما أوفرُ النَّصيبَيْن، وانعقدَ الإجماعُ على تَلقيبِهما بـ «الصَّحِيحَيْن»؛ فجزاهما الله عن الإسلام أفضلَ الجزاء، ووَفَّاهما مِن أجرِ مَن انتفَعَ بكِتابَيهما أفضلَ الإِجزاء.\nفلمَّا كان للشَّيخينِ هذه القَدَم الرَّاسخة في التَّحديث، وكان لكِتابَيهما الحظوةُ العُظمى فوق كلِّ مُصَنَّف في الحديث، توجَّه إليهما بالعداوة مَن في صدرِه حرجٌ مِن السُّنَة، لعلمِهم بأنَّ نَقضَهما نَقضٌ لسَائِر دواوينِ الحديثِ تَبعًا، وأنَّ إسقاطَ المنهجِ النَّقديِّ الَّذي ابتنياه عليه إسقاطٌ لمنهج المُحدِّثين رأسًا.\nفاسمع أحدَ أعدائِهما يُحرِّض عليهما الدَّهماءَ فيقول: «إنَّ استبعادَ أيَّ حديثٍ في البخاريِّ، يعني استبعادَ عشرة أحاديث موضوعةٍ موجودةٍ ومُثبتةٍ في كتبِ السُّنة الأخرى! وبعضها أسوأُ بكثيرٍ ممَّا جاء في البخاريِّ وأكثر انتشارًا؛ إنَّ استبعادنا لأحاديث أقوى منها، يستتبِعُ بالتَّبعيَّةِ استبعادَها، وسيُمهِّد عَمَلُنا هذا الطَّريقَ لأنْ يأتي بعدنا مَن يَتَقصَّى كتبَ السُّنة الأخرى، ويُجهز على البقيَّةِ الباقية» (^١).\nوأشاح آخرُ عن وجهِ تقصُّدِه لنقضِ صرحِ هذين الكِتابين، بأن قال: «أصبحَ صحيح البخاريِّ وصحيح مسلم مَدار العقائد عند أهل السُّنة، وهذه الأمور هي الَّتي دَعَتْنا إلى البحثِ والتَّنقيبِ في الصَّحيحين، وكشفِ حقيقتِهما وماهيَّتِهما» (^٢).\nبل صرَّحَ رافضيٌّ آخرُ بنتيجةٍ أخطَر تَعقُب استهدافَ «الصَّحيحين»، حيث بَشَّرَ أهلَ مِلَّتِه «بأنَّ هذين الكِتابين إذا سَقَطا، لم يبقَ لأهلِ السُّنة إلَّا اتِّباعَ مَذهبِ الشِّيعةِ الإماميَّة»! (^٣)\n_________\n(^١) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» لجمال البنَّا (ص/١٣).\n(^٢) «أضواء على الصَّحيحين» لصادق النَّجمي (ص/٦٠ - ٦١).\n(^٣) وهذه النَّتيجة الَّتي خَتَم بها محمَّد تقي الصَّادقي القسمَ العاشرَ من كتابه «الشِّيعة في ميزان صَحيحي أهل السُّنة»، طبع دار الصَّادقين للنَّشر - بيروت.","vol":"1","page":22},{"text":"وأمَّا عَلمانيُّو العَرب: فلأنَّهم جَهَلةٌ بدَقائقِ علمِ الحديث، وقواعدِ الجرحِ والتَّعديل، عَجَزةٌ عن فقهِ أسبابِ صحَّةِ الحديثِ أو ضعفِه، وسلوكِ مَضايقِ علومِ الإسناد، لم يَعُد لهم مِن خَيارٍ للخروج مِن هذه التَّراتيب المُعقَّدة إلَّا الولوغ في حِياضِ متونِ «الصَّحيحين»؛ وذلك -حسب ما يقولُ (عبد الجواد ياسين) - «لأنَّ البخاريَّ ومسلمًا يجُبَّان ما دونهما مِن الكُتب في مفهومِ أهل السُّنة، سوف نُحاول التَّركيز على مَرويَّاتهما فى هذا الصَّدد» (^١).\nوالَّذي يظهر لكلِّ مَن تتبَّع إنتاجات هؤلاء في غارتهم على السُّنة، أنَّ اشتدادَ مُحاولاتِ التَّطويرِ واستهدافِ «الصَّحيحين» في ظروفِنا الرَّاهنةِ «يُمثِّل عَمَلًا مُنَظَّمًا تكمُن خلفَه قِوىً مُعيَّنة؛ فقد تَتابَعت المُؤلَّفات في هذا الموضوع» (^٢)، وتواترت المَرئيَّات فيه على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ.\nفمن قريبٍ فوجِئنا بمُؤسَّسة أمريكيَّة رَسميَّة كبيرةٍ بحجمِ (الكونْغرس) تُهاجِم «صحيحَ البخاريَّ» عبر عُملائها العرب، في مَقطعٍ مَرئيٍّ صفيق أسمته «حقائق صادمة عن البخاريِّ»! مُنتِنٍ بالأغاليطِ الكاذبةِ عبر مِنْبرِها الإلكترونيِّ (أصوات مَغاربيَّة) (^٣).\nوهي أيضًا مَن يدعمَ برنامجين تلفزيَّين على قناتِها (الحُرَّة)، أوَّلهما باسم «إسلام حرٌّ» لإسلام بحيري المصريِّ! الوالهِ بغمز البخاريِّ والطَّعن بأهل الحديث؛ وثانيهما «مُختلَف عليه»، يقدِّمه الإعلاميُّ إبراهيم عيسى! ليس له همٌّ فيه إلَّا إسقاط الرُّموز وتوهين الثَّوابت الإسلاميَّة؛ قد خصَّص منه حلقةً كاملةً للتَّشكيك في مصداقيَّة البخاريِّ وجدوى «صحيحِه».\n_________\n(^١) «السلطة فى الإسلام» (ص/٢٩٢)، وانظر «دين السلطان» لنيازي (ص/١٠٣ - ١١٣).\n(^٢) «مرويات السِّيرة» لأكرم العمري (ص/٤١).\n(^٣) وهو موقع يُشرف عليه مجلس أمناء البثِّ الإذاعي والتلفزيوني  BBG،  وهي وكالة فيديراليَّة أمريكية مستقلة، بتمويل من الكونغرس الأمريكي، كما أنَّه تابع لشبكة الشرق الأوسط للإرسال  MBN  التي تُدير قناة (الحُرَّة)! والمَقطع المَرئي عن البخاريِّ نشرته على جميع منصَّاتها الإلكترونية، بتاريخ ٣١ يناير ٢٠١٨ م.","vol":"1","page":23},{"text":"وتلك مَحكمةٌ رُوسِيَّةٌ تَتَريَّة، أصدرت قبل بضع سَنواتٍ حُكْمًا يُصنِّف «صحيح البخاريِّ» ضمنَ الكُتبِ المُتطرِّفة المَحظورة! بدعوى «أنَّ أحاديثَه مُثيرةٌ للكَراهيَّةِ العِرْقيَّةِ والدِّينيِّة، ومَنَعَت تَداوُلَه» (^١).\nبل والمَلاحِدة الصُّرحَاء! لم يتركوا «الصَّحيحين» لحالِهما شأنًا خاصًّا بالمُسلمين، حتَّى زاحموا مَن مَضى ذكرُهم على رَميِ سهامِ التَّشكيك صوبَهما؛ كحالِ (إسماعيل أدهم) (^٢) المُجاهر بإلحاده بعد إسلامه، حيث أطلق دعوى عريضةً في حقِّ الصَّحيحين، يتَّهم مرويَّاتهما بأنَّها «ليست ثابتةَ الأصولِ والدَّعائم، بل هي مَشكوك فيها، ويغلبُ عليها صِفةُ الوَضع!» (^٣).\nالأعجبُ مِنه: غلامٌ مُلحد (^٤) يخرج مِن بَلدِ الأزهرِ في تسجيلٍ مَرئيٍّ، انتشرَ على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ انتشارَ النَّار في الهَشيم؛ يُبشِّر الغِرُّ فيه المُسلمين بانقضاءِ عهدِ البخاريِّ؛ فلقد حَشَر أنفَه فيما لا يفهَم، فأتى بطَوامٍ عن البخاريِّ وسيرتِه بما لم يُحسِن فيه نُطقَ اسمِه كاملًا نُطقًا سليمًا!\nفوا أسَفي على كثرة مَن يغترُّ بمثل هذا الكذوب من مُراهقي الفكر في أيَّامنا النَّحسات؛ ترى أحدَهم مُتذبذبًا بين مواقع الشَّبكاتِ، فارغَ القلبِ، مهزوز النَّفس، قابلًا للتَّشكيكِ في ثوابتِ أمَّته، في علمِ الصَّحابةِ ﵃ وأئمَّةِ العلمِ، في نَسْفِ جهودِ الأمَّة عبر تاريخها المديد، لمُجردِّ دقائقِ معدودةٍ قضاها في استماعِ مثل هذا السَّفه!\n_________\n(^١) انظر الخبر على جريدة «سَبْق» الإلكترونية السعودية، بتاريخ ١٨ ذو الحجة ١٤٣٥ هـ.\n(^٢) إسماعيل بن أحمد باشا أدهم: شُعوبيٌّ، عارف بالرياضيات، له اشتغال بالتاريخ، تركي الأصل، وأمه ألمانية، وُلد بالإسكندرية، وتعلم بها وبالأستانة، ثم أحرز (الدكتوراه) في العلوم من جامعة موسكو سنة ١٩٣١، وعاد إلى مصر سنة ١٩٣٦ فنشر رسالة بالعربية «من مصادر التاريخ الإسلامي» صادرتها الحكومة، وكتابا وضعه في (الإلحاد)، وقد وُجد مُنتحرًا بالإسكندرية سنة ١٩٤٠ م! انظر «الأعلام» للزركلي (١/ ٣١٠).\n(^٣) نقله عنه د. محمود الطَّبلاوي في بحثه المُسمَّى «الدفاع عن السنة النبوية وطرق الاستدلال» ضمن «مجلة البحوث الإسلامية» (٢٨/ ٣٠٢)، وانظر «السنة ومكانتها في التشريع» لمصطفى السباعي (ص/٢٣٧).\n(^٤) يُدعَى (جابر شريف)، له قناة معروفة على موقع «اليوتيوب» باسمه.","vol":"1","page":24},{"text":"أهذا إنسان يحترم عقْلَه؟! أمَا كان الأجدَرَ بمثلِه أن يخلعَ لبوسَ الغُرورِ والاعتداد بعقله قبل أن يَتعَلَّم -هذا إن تَواضَع وقَبِلَ التَّعلُّم-؟ فإنَّ هذا الغرورَ الَّذي فَشا في شَبابِنا اليوم، فأباحَ لهم الكلامَ في كلِّ شيءٍ، هو حقًّا كالخَمْرَةِ! قد غيَّبت عقولَهم عن رؤيةِ الحقائق والتَّريُّثِ في استصدارِ الأحكامِ.\nلكنْ لا والله ما رأيت هؤلاء المَلاحِدة يتجرَّؤون على أن يَسخروا جِهارًا بالصَّحيحين، أو يَستَفِزُّوا المُسلمِين بشَتْمِ الشَّيخين كما رأيته من بعض مَن يَنسِب نفسَه إلى الإسلامِ، بل إلى العلمِ الشَّرعيِّ! خطيبِ مُعمَّمٍ يُلزقُ نفسَه الأمَّارةَ بالأزهر، يجهر بكلِّ قِحةٍ على قنواتِ الإفك بقوله: «إنَّ البخاريَّ مَسْخَرةٌ لا مَفْخَرة» (^١)! لكن الأزاهِرةُ الشُّرفاء مِن مثل هذا الدَّعِيِّ بَراءٌ، بل والمِصْرِيُّون الأفاضل كلُّهم، فقد نَبَذوه بخِزْيٍ في آخرِه نَبْذَ الحِيَضِ (^٢).\nالأدْوَى عندي مِمَّا مَضى؛ أن أرى عَدْوى الاستطالةِ على «الصَّحيحين» تفشو بين المُنتَسِبين للسُّنَّةِ أنفسِهم، تحت وَطْأةِ الضُّغوطِ النَّفسيَّة، والإِرجافِ الأَثيم الَّذي يُجابِهُ أَهل السُّنة، بوَصفِهم بِشِنَعِ التَّعيِير، وسَيِّئِ الألقابِ؛ من مثلِ رَمْيِهم بالتَّخلُّفِ، والرَّجعيَّة، وعبادةِ البخاريِّ، والبَداوَةِ الفكريَّةِ، والنُّصوصيَّةِ، والظَّلامِيَّةِ، والسَّلفَوِيَّة، والأصوليَّة .. إلخ تلك الشِّنَعِ الفَجَّةِ، والأَوصافِ الأثيمَةِ، التي أَجلبَ بها أَهلُ الأَهواء على السَّائرين على السَّنَنِ الأَبْينِ في الاعتقادِ والسُّلوك، ورَاوَدُوا بها أَهلَ الحقِّ عن اعتقادِهم المُنبعِثِ عن يقينٍ بصِحَّةِ أصولهِم.\nفكان مِن جرَّاء هذه الوطأةِ الأثيمة، أَنْ وَقَعَ في شِراكِ إِجْلابهم فِئامٌ، وصُرِعَ في زَوْبعةِ خَوضِهم أَقوامٌ؛ اقتَضى بيانَ أنَّ ذلك الإِجلابَ إنَّما هو جَوْلةُ باطلٍ، متى لَقِيَ في طريقِه الحقائقَ تكتنفُها البراهين زالَ واضْمَحلَّ.\n_________\n(^١) أعني به محمد عبد الله نصر، المعروف بالشَّيخ ميزو! انظر جريدة «اليوم السابع» المصرية، عدد: الأحد، ١٠ أغسطس ٢٠١٤ م، و«جريدة الوفد» المصرية، عدد: الجمعة، ٠٨ أغسطس ٢٠١٤ م.\n(^٢) حتَّى أعلن قريبًا في منشور له على (الفيسبوك) عن توبته من السَّير على نهج الحداثيِّين في تفريغ الدِّين من لُبابه، وأنَّ منظَّمات غربيَّة كبرى سَعَت في رشوته ليُكمل هدمَه للدِّين كما كان، لكنَّه رفض!","vol":"1","page":25},{"text":"ولولا أنَّ الحقَّ لله ورسولِه، وأنَّ كلَّ ما عَدا الله ورسوله فمَأخوذٌ مِن قولِه ومَتروك، وعُرضَةٌ للوَهمِ والخطأِ، لمَا اعترَضْتُ في هذا البحثِ على مَن لا ألحقُ غُبارَهم، ولا أجري معهم في مِضمارهم مِن بعضِ علماء عصرِنا ودُعاته الفُضلاء مِمَّن نَقَدْتُّهم في هذا البحث، فبيَّنتُ بعضَ خطلِهم في تعليلِ ما هو أصيلٌ في الصِّحة.\nفوالله إنِّي لأتعقَّبهم في بعضِ تلك الهَنات، وإنِّي لأراهم فوقي في أعلى المَقاماتِ، ومَنازل السَّائرين كالنُّجومِ اللَّامِعات؛ فمعاذَ الله أن أسوِّيهم بالمُبتدعة الضُّلال المُناوئين للأحاديث النَّبويَّة! غير أنِّي رأيتُ القدحَ في الصِّحاحِ ليس أمرًا هَيِّنًا، والذَبَّ عنها لازِمًا مُتعيِّنًا؛ على سَنَن الحكماءِ في أنَّ «حِراسةَ العِلْمِ، أوْلى مِن حِراسةِ العالِم» (^١).\nفإنَّ في السُّكوتِ عن مثلِ أولئك الأفاضِل إجلالٌ، نعم؛ لكن خيانةٌ للعلم! فلم يكُن بدٌّ «مِن وجودِ نِيَّةِ تَتَبُّعِ السَّقْطاتِ والأخطاءِ في هذا المجالِ، بل لعلَّه مُثابٌ صاحبُه عليه، لأنَّه مُنافَحةٌ عن الحقِّ» (^٢).\nأَهمية الموضوعِ، ودوافعُ اختيارِه:\nفلأجل ما تَقَدَّم سَوقُه مِن مَخاطر تُحدق بالسُّنةِ عبر استهدافِ «الصَّحيحين»، رأيتُ مِن واجبِ الوقتِ، وحَقِّ الدِّيانةِ: النُّهودَ إلى مُراغَمَةِ تلك الأَهواءِ المُضَلِّلةِ، والفِتَنِ المُتماحِلةِ؛ بِنُصرةِ السُّنَن الهادِيات، ودفْعِ ما يُعارضُها مِن شُبَهِ المَعقولاتِ، وإِزهاقِ ما يُناقضها مِن أَغاليطِ السَّفسطات، وتقويم مَن زلَّ فيها مِن ذَوي الهَيئات.\nفإنِّي لازلتُ -بفضلِ الله تعالى- مُذ قَرَّت عَيْني بسلوكِ طريقِ العلم ودُروبِ الإصلاح على ثَلَجٍ من أنَّ الفاشلَ في تأمينِ حدودِه الفكريَّة، هو لتأمينِ حدودِه الجُغرافيَّة أفشلُ! وأنَّ حمايةَ الثُّغورِ العَقَديَّةِ والفِكريَّةِ الَّتي يُحاصِرُها الأعداءُ، خَيرٌ\n_________\n(^١) «البصائر والذخائر» لأبي حيَّان التَّوحيدي (٩/ ٢٠).\n(^٢) «نُقل النَّديم» لمحمد الأمين بوخبزة (ص/٦ مخطوط).","vol":"1","page":26},{"text":"وأوجَبُ مِن تحقيقِ كثيرٍ من المسائل الخِلافيَّةِ الَّتي يَسوغُ فيها الاجتهادُ، وأهَمُّ مِن استغراقِ الأوقاتِ في دراسةِ جُزئيَّاتٍ ضَعيفةِ الثَّمرةِ في واقِعنا المَرير، لا يكادُ يُخرَجُ منها بجديدٍ مُبتَكَر، أو مُفيدٍ مُعتبَر، مِمَّا يَدخلُ أكثرُه في بابِ التَّرَفِ العِلميِّ.\nواختيارُ المَرءِ دليلٌ على عقلِه، وأمارة على صائب نَظَرِه.\nلكن الحالُ أنَّ الحروب الفكريَّة التَّي يُراد للشَّبابِ الغَيورِ خوضَها في هذا الزَّمانِ أكثرُها على مَن لا يختلِفون معهم في أصولِ مُعتَقدٍ، ولا كُلِيَّات منهجٍ؛ بل كثيرًا ما نَرى راياتِ الجهادِ بينهم تُقام على تفاريعَ لن يَزولَ الخلافُ عنها إلَّا بنزولِ المسيح ﵇! قد وَسَّعَ الله في أَخذ ما اطمأنَّت إليه النَّفسُ من غير عَصَبيَّةٍ تُفضي إلى ظُلمٍ أو خُصومةٍ.\nأو نراهم يُطيلون في بحثِ موضوعاتٍ مَطروقةٍ حدَّ الإملال، لا تُعايش هموم زمانِنا، فيُعيدون مَسائلَها جَذَعَة، وهُم يَتغاضَون عن عشرات النَّوازل المُوَلَّدة المُهِمَّة، يتركونها تندبُ حَظَّها الذَّليل، غُفلًا عن التَّحقيقِ والتَّعليل.\nثمَّ بلَغَ الانحرافُ بسبيلِ الفكرِ والعلمِ مَداه حين صار التَّدابر بين المُتشَرِّعةِ والتَّرامي بينهم بالرُّدودِ لأجل وفاقِ شيخٍ أو خِلافِه! .. وهكذا فلْتُسنزفْ طاقاتُ شبابنا وأعمارُهم في المعركةِ الخطأ! مع العَدوِّ الخطأِ! في الوقتِ الَّذي نرى فيه عدوَّنا الحقيقيَّ الأكبرَ ينهَشُ جسَدَ أمَّتِنا مِن جميعِ أطرافِها وأطيافِها.\nفلأجل ما آلمني من هذا المُصاب كلِّه: أتيتُ بهذا المَرقومِ تَأخِّيًا لتلك المَقاصِد الكُبرى، أتَغيَّا به لَبِنةً مُتواضِعةً مِن لَبِناتِ النِّزَالِ مع الباطل، وحَلْقةً تَتَّصِلُ أَسبابُها بأسبابِ تلك الصَّحائف المُباركةِ الَّتي خَطَّها أَئمَّةُ أهل السُّنَّة، باستحياءِ مَناهجِهم، وتوظيفِ كُلِّياتِ طَرائقِهم، قد وَسَمتُه بـ:\n«المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لأحاديثِ الصَّحيحين - دراسة نقديَّة».\nرأيتُ أن أنقُدَ في طيَّاته ما يَزعُمه بعضُ أهلِ عصرنِا مِن تَوغُّلِ الكذبِ في هذين الثَّقَلَيْن، عَصَبيَّةً لهما لا تُخِلُّ بدينٍ ولا مُروءةٍ، وحَميَّةً لصاحِبيهما لا تُعَدُّ -بحمدِ الله- مِن حَميَّةِ الجاهليَّة.","vol":"1","page":27},{"text":"فما عَليَّ مِن حَرجٍ في هذا المبدأِ أنْ استصحبه في ثنايا البحث، فإنَّ «الخُلوَّ مِن المُسلَّماتِ في أيِّ مَجالٍ أمرٌ مُتعذِّر» (^١)، و«كلُّ العُلومِ لا بُدَّ للسَّالكِ فيها ابتداءً مِن مُصادراتٍ يأخذها مُسَلَّمةً، إلى أنْ تَتبَرْهنَ فيما بعدُ» (^٢).\nوبِهذا الَّذي تَقدَّم جميعُه، أستطيع أن أُجلِيَّ أَهمِّيةَ الموضوعِ المَطروقِ في هذا البحث في الأمورِ التَّالية:\nالأول: أنَّ في دراسةِ هذا الموضوعِ إعلاءً للسُّنَّةِ، وإحْلالًا للتَّعزيرِ لها والتَّعظيمِ مكانَ الرَّدِّ لها والتَّحطيم، ودَفْعًا في صدورِ الَّذين يَتناولون سُنَّة المُصطفى ﷺ ومُصنَّفاتِها بِنَفَسٍ مَشُوبٍ بمَرضِ التَّجهيلِ والتَّعطيلِ.\nفكان هذا البحث تحقيقًا لهذه النُّصرةِ، وحِياطةً لمَعاقِل الاعتقادِ ودلائل الشَّريعةِ مِن أنْ تُكَدَّر بما هو في حقيقتِه أَجنبيٌّ عنها، محبَّةً منِّي في مُعايشةِ السُّنةِ والتَّفيُّؤِ بظِلِّها الوارِف، والتَّشرُّفِ بالذَّودِ عنها، وسَوْءِ مَن أرادَ حدِيثَها بسُوءٍ، على قولِ الحُميديِّ -شيخِ البخاريِّ-: «والله لأَنْ أغزُوَ هؤلاء الَّذين يَردُّون حديثَ رسولِ الله ﷺ، أحبُّ إليَّ مِن أنْ أغزُوَ عِدَّتَهم مِن الكُفَّار!» (^٣).\nوفي هذا البحثِ مِن السَّابغاتِ الرَّادِعاتِ عن حِمى السُّنة، ما أرجو أن أبلُغَ به نزرًا يسيرًا من هِمَّةِ الحُمَيديِّ (ت ٢١٩ هـ)، يقينًا منِّي بـ «أنَّ بيانَ العِلمِ والدِّينِ عند الاشتباهِ والالتباسِ على النَّاسِ، أفضلُ ما عُبِدَ الله ﷿ به» (^٤).\nالثاني: دَفْعُ عجَلةِ الرُّقيِّ الحضاريِّ للأُمَّةِ عامَّة؛ فإنَّه مَتى اطمأنَّت القلوبُ بسَلامةِ ما انعقَدَت عليه، انبعَثَتْ الجوارحُ إلى إِعمارِ الأَرضِ على وِفقِ ما يُرضِي الله تعالى؛ ذلك أنَّه «متى زاغَت العقائدُ، كانت أَعمالُ صاحبِها بمَنزلةِ مَن يَرْمي عن قَوسٍ مُعوَجَّةٍ، أو يَرمي برُمحٍ غيرِ مُستقيم» (^٥).\n_________\n(^١) «بؤس الدَّهرانية» لطه عبد الرَّحمن (ص/٣٢).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢/ ٦٩).\n(^٣) «ذم الكلام وأهله» للهروي (٢/ ٧١) بتصرف.\n(^٤) «الرَّد على السُّبكي في مسألة تعليق الطَّلاق» لابن تيميَّة (٢/ ٦٧٨).\n(^٥) «الدَّعوة إلى الإصلاح» لمحمد لخضر حسين (ص/١٢١).","vol":"1","page":28},{"text":"وإذا كان في الأنابيبِ خُلفٌ *** وَقَعَ الطَّيشُ في صُدورِ الصِّعادِ\nالثالث: أَنَّ فيه تجليةً للحقِّ، وإِمعانًا في تحقيقِ إحدى كُليَّاتِ الاعتقادِ الَّتي لَهَج أهلُ السُّنة بتقريرِها: مِنْ أنَّ الرُّسل قد تأتي بِمحاراتِ العقول لا بمُحالاتِها، وتوظيفًا للأُصولِ الرَّاسخةِ المُحْكَمةِ الَّتي قَرَّرها أئمَّةُ السَّلَف الصَّالحين -﵏-، وذلك بتخريجِ آحادِ وأعيانِ النُّصوصِ المُدَعَّى مُعارضُتها للضَّرورة العقليَّةِ أو العِلميَّة أو التَّاريخيَّة، على تلك القواعدِ والأُصول، وذلك مِن الأَهميَّة بمَكان! إذْ القواعدُ لا تُتَصَوَّرُ إلَّا في الأَذهانِ، وإِعمالُها على آحادِ النُّصوص هو المَقصود.\nالرابع: بيانُ أنَّ حَظَّ أَهلِ السُّنة مِن مَوارِدِ العقولِ أَتَمُّ الحظِّ وأَعلاه، وأَنَّ مَن خَالَفَهم إِنَّما يرتكزُ على جَهالاتٍ يَظُنُّها مَعقولاتٍ، وشُبهات يَحسِبُها حقائقَ جليَّاتٍ، فدعوى مُعارضة الضَّرورة العقليَّةِ للدَّلائل النَّقلية أَشْبَهُ بالظَّرْف الخالي، كوَميضِ برْقٍ يخطِفُ أَبصارَ مَن أَراد اللهُ فِتنتَه؛ حتَّى إذا قَرَّت الأُمورُ قرارَها، وعَطفتِ الفروعُ على أُصولِها؛ أَلفَيْتَها مُطَّرَحةً مع نظائِرها مِن أَصنافِ الباطل؛ لنتيقَّن أنَّ كلَّ دَعيٍّ في هذا الدِّين مُفتضَح، والله لا يأتَمِن المُفلِسين على وَحْيِه.\nالخامس: المُساهمة في حلِّ مشاكِلنا الفكريَّة الواقعيَّة، لا مشاكل افتراضيَّةً بعيدٌ زمانُها أو حصولها؛ فَوَا فَرَحي حين أرى «حُجَّةً تتبختَرُ اتِّضاحا، وشُبهةً تَتَضاءلُ افتِضاحًا» (^١)؛ على أنِّي لا أدَّعي تقصُّدي فيه لرؤوسِ أهلِ الانحرافِ المعاصرين أصالةً، بقدرِ ما أحنو إلى تحصينِ أهلِ السُّنةِ أنفسِهم، واستتابةِ ذيولِ الباطلِ الوالِغة في الوَحيِ بجَهالةٍ وتقليدٍ، ونفضِ غُبارِ الشَّكِ والتَّردُّد عن بَصائرِ الحيارَى مِن شبابِ المُسلمين.\nالسادس: أنَّ تَعلُّم الأفكارِ الدَّخيلة في الدِّين، والأصول الهدَّامة له، مع علمٍ يُحصِّن مِن عَدواها: واجبٌ لحمايةِ العامَّة، فإنَّ أكثرَ النَّاس حصانةً في دينِه\n_________\n(^١) «الكشَّاف» للزمخشري (١/ ٣٧).","vol":"1","page":29},{"text":"وفكرِه، مَن عَرف فِكرَ المُخالفين كما يعرفُ فِكرَ المُآلِفين، كي لا تشتبِه عليه السُّبُل.\nفكذا كان الأمر معي! فإنَّ هذا البحثَ -بفضل الله- ممَّا قد زادَني الله به هُدًى وإيمانًا بصِحَّةِ أصولِ أهلِ السُّنةِ، إذ «أنَّ فسادَ المُعارِضِ مِمَّا يُؤيِّد معرفةَ الحقِّ ويُقوِّيه، وكلُّ مَن كان أعرفَ بفسادِ الباطلِ، كان أعرفَ بصِحَّةِ الحقِّ» (^١).\nالسابع: التَّحذيرُ مِن أنَّ وقوعَ الطَّعنِ فيما هو في أَعلى مَراتبِ الصِّحةِ مِن الأخبارِ النَّبوية، مُمثَّلًا ذلك في «الصَّحِيحَين»، مُؤْذِنٌ بخَطَرٍ عظيمٍ على مَعاقِد الدِّين وأُصولِه، ودليلٌ على شِدَّةِ انحرافِ الخائِضين فيهما، وعدمِ مُبالاتهم بما هو في مَنأى عن الطُّعونِ عند علماءِ الأمَّة.\nالثامن: وجودُ مَن يبعثُ الحياةَ في رُفاتِ هذه الوَساوِس على «الصَّحيحين» في عَقدِنا هذا؛ باتِّخاذِ قنواتٍ شَتَّى، ووسائلَ عديدةٍ؛ مِمَّن يَتربَّعون على كراسي التَّدريسِ في الجامعات، أو يتَصدَّرون برامجَ الإرشادِ في القَنوات بخاصَّة، ومِن أشدِّ ذلك كيْدًا: تَوافُر نَفَرٍ مِن الطَّاعنين على مَشَاريعَ تُبذَل فيها أَعمارُهم، وتُقضَى فيها أنفاسُهم، وتُحقَرُ فيها مَلذَّاتُ الدُّنيا في سبيلِ تفكيكِ الدِّين وهَدمِه.\nالآلَم مِن ذلك: اتخاذُ الجامعاتِ مَسَاجدَ ضرارٍ لتفريغِ هذا الفِكر الماديِّ، مُتمثلًا ذلك بسِلسلةٍ مِن الأَطاريحِ الجامعيَّة الَّتي يُشرِف عليها أولئك المُستغرِبون، مُتناولةً السُّنةَ وعلومَها بأَقلامٍ حِدادٍ، حتَّى أضْحَت نَهْبًا لهذا الفريقِ المَسلوبِ، الخائضِ بهَوًى جامحٍ، وشَكٍّ مُغْرِقٍ.\nومع أنِّي قد ذكرتُ أنَّ كثيرًا مِن مُعارضاتِ المُعاصرين مسوخٌ عن شبهاتِ الأقدمين، لكنَّها تتجدَّد في هذه السَّنوات الخدَّاعات بتنوُّع مواردها في شتَّى الصُّور! حيث استدعى أصحابُ الغارة على السُّنة علومًا أخرى، كعلوم التَّاريخِ والطَّبيعة والطِّب والفَلَك، وسائرِ العلومِ الحديثة؛ فكان واجبًا على المُتِّبع المُنافح عن دينِه تجديد النَّظر في شُبهاتهم، لتجديد الرَّد عليها وبيانِ زيْفِها.\n_________\n(^١) «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٥/ ٢٥٨).","vol":"1","page":30},{"text":"التاسع: أنَّ استعانةَ المُعترضين على السُّنَن بهذه العلومِ الحديثة، استدعى منِّي نَظرًا آخرَ يَنضافُ إلى ما سَبَق مِن أَنظارِ العلماءِ السَّالِفين، وتسلُّحًا بمُعطياتِ العلوم الإنسانيَّة والتَّجريبيَّة المختلفةِ، وفي هذا توسيعٌ لمَداركي المَعرفِيَّة الحديثة، بما يجعلُني مُواكبًا لعصري، فاهمًا لتَحدِّياتِه، حَلَّالًا لمُشكلاتِه.\nفضلًا عن كونِ هذه المُعارضاتِ لأحاديث «الصَّحيحين» لا تتعلَّق بمَوضوعٍ محدودٍ بعَينِه، فرِماحُ شُبهاتِها مُسلطة على أحاديثِ التَّفسير، والعقيدة، والفقه، وغيرها مِن علوم الشَّريعة، مِمَّا تَطَّلب مِنِّي فهمًا جيدًا لهذه العلوم، وإلمامًا مَقبولًا بمُصَنَّافتِها، مَطبوعِها ومَخطوطِها.\nفكان هذا النَّجيز -وإن بَدا للوهلةِ الأولى مُتخصِّصًا في الحديثِ وعلومِه- قد عالجتُ فيه لزامًا مِن علومِ الشَّريعةِ الأخرى وأصولِ فقهِها ولُغتِها، والعلومِ المنطقيَّة والتَّجريبيَّة، ما أمكنني به رَدّ الإشكالاتِ عن دَلائلِها.\nوهذا مَكسبٌ لي أيّ مَكسب! فلقد حملني مِن مَضايِق التَّخصُّصاتِ الجُزئيَّة إلى فسيح المَعارِف الشُّموليَّة؛ ولا ريبَ «أنَّ الانتقال من فنٍّ إلى فنٍّ أقدر على البحث وأسلطُ، والانتقال من نوعٍ إلى نوعٍ أنشطُ للمُطالعة وأبسط، ولا يُصلح النَّفسَ إذا كانت مُدبرةً إلَّا التَّنقُّل من حالٍ إلى حالٍ» (^١).\nالعاشر: ليس هُناك -بحسب اطِّلاعي- مَن قامَ بمُعالجةِ المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المُدَّعَاة على أحاديثِ «الصَّحيحين» على جهةِ الخصوصِ، في دراسةٍ جامعةٍ مُتقنةٍ، تتَّسِم بالإيعابِ إلى حَدٍّ ما؛ فكلامُ أَهلِ العلمِ في هذا البابِ الخاصِّ بالكِتابينِ نُتَفٌ مُتفرِّقةٌ في مَنَاجِمِ زُبُرِهم، وأُمَّاتِ أَسفارِهم.\nومع تحقُّقي بما قرَّره الجُوينيُّ (ت ٤٧٨ هـ) من أنَّ «على كلِّ مَن تَتَقاضاه قَريحتُه تأليفًا، وجمعًا، وتَرْصيفًا، أنْ يجعلَ مَضمونَ كتابِه أمرًا لا يُلْفى في مَجموعٍ، وغَرَضًا لا يُصادَف في تَصنيفٍ» (^٢).\n_________\n(^١) «الضياء المعنوي على مقدمة الغزنوي» لابن ضياء الصاغاني (مخطوط ق ٢ - أ/ب).\n(^٢) «غياث الأمم» للجويني (ص/١٦٤).","vol":"1","page":31},{"text":"إلَّا أنِّي بعد أن سَجَّلتُ عنوانَ بحثي أطروحةً للدُّكتوراه، وشَرَعتُ في تَلمُّسِ مَراجِعِه وتَتبُّعِ مُتعلِّقاته، علِمتُ ببَحثٍ للدُّكتوراه نوقِشَ قريبًا من ذلك سنةَ ١٤٣٣ هـ ٢٠١٣ م بجامعةِ الملك سعود بالرِّياض، بعنوان: «المَطاعن المُعاصرة في متون الصَّحيحين»؛ وهذا عنوان كان كفيلًا أن يُسيلَ لُعابي حينَ قرأتُه! إذْ له عُلقةٌ شديدةٌ ببحثي بل يكاد يُماثله.\nفكان أن تَجشَّمتُ وسائلَ الحصول عليه، مُتلهِّفًا إلى النَّظر في مَكنوناتِه، حتَّى تَكرَّم عليَّ أحدُ مُدرِّسي هذه الجامعةِ المُوقَّرةِ بإرسالِه إليَّ مَشكورًا؛ فما أنْ وَقَفتُ عليه وتأمَّلتُ أوراقَه، تَحقَّقتُ قولَ العَربيِّ القديم: «تَسمَعَ بالمُعَيْديِّ خَيرٌ مِن أنْ تَراه»! ذلك أنَّ الضَّعفَ في الكتابِ ظاهرٌ للنَّاظر مِن حيث مَتانَتُه العِلميَّة، وتماسكه المَنهجيُّ، وصِياغتُه اللُّغويَّة.\nفضلًا عن ضَعفِه في دَفعِ كثيرٍ مِن المُعارَضات نفسِها الَّتي تخيَّرَها للرَّد؛ يُقسِّم فيها جوابها على فقراتٍ قصيرةٍ، لا تجد أحيانًا بينها ذاك التَّرابط المَنطقيَّ الكافي لإظهارِها كُتلةً مُتماسكةً واحدة.\nلكن البحث حَقًّا ما قام به بَلَديُّه (عيسى النُّعيمي) في رسالتِه الماجستير، المُناقشةِ بجامعةِ أمِّ القُرى بمكَّة سنة ١٤٣٠ هـ ٢٠٠٩ م، بعنوان: «دفع دعوى المُعارض العقليِّ عن الأحاديث المُتعلِّقة بمسائل الاعتقاد، دراسة لِما في الصَّحيحين»، فلقد راقَني جهدُه جدًّا، حيث جمَّله بجودة السَّبك، وحُسن العرض، ومادة علميَّةٍ دسِمة، استفدتُ منه في مواضع كثيرةٍ؛ قبل أن يطبع من قريب سنة ٢٠١٣ م.\nإلَّا أنَّ راقِمَه قد حَصَرَه في أحاديثِ خاصَّة ببعض أُصول الإيمان وأَركانه، واستثنى أَحاديثِ الرُّبوبيَّة والأسماء والصِّفات؛ وكذا لم يُعرِّج على المَسائل الحديثيَّة الَّتي تنبني عليها أصول تلك المُعارَضات.\nثمَّ وقفتُ على مجموعةٍ مِن رسائل جامعيَّة قُدِّمت في الجامعة الأردنيَّة بعَمَّان، نوقِشت في هذه السَّنوات القريبة في شكلِ رسائل ماجستير، قُسِّمت عليها","vol":"1","page":32},{"text":"مَواضيع الطُّعونِ على أحاديث «الصَّحيحين»؛ منهم مَن أخذَ -مثلًا- الأحاديث المُتعلِّقة بالجِّن، ومَن أخذَ المُتعلِّقة بالمرأة، ومن أخذَ المُتعلِّقة بأسباب النُّزول (^١)، ومَن أخذ المُتعلِّقة بالعلوم الطَّبيعيَّة، وهكذا.\nفكانت -في مُجملِها- جيَّدة من حيث المادَّة العلميَّة، مُتوسِّطة المُستوى مِن حيث التَّحقيق والتَّحرير تكتنفُها بعض العيوب الَّتي ذكرتها على البحثِ الأوَّل آنفًا.\nثمَّ صَدر جمعٌ مطبوعٌ لبحوث «مؤتمر الانتصار للصَّحيحين» الَّذي أقيم بعاصمة الأردن سنة ٢٠١٠ م جزاهم الله خيرًا، خليطٌ بين الجيِّد والمُتوسِّط، لم يستوعب كثيرًا من مفاصل هذا الموضوع، بحكم طبيعة المؤتمرات وضِيق وقتِ عُروضِها.\nفكانت الحاجةُ باقيةً إلى دراسةٍ جامعةٍ تُحقِّق قدْرًا مِن دراسة أهمِّ ما يكتنِف موضوعَ متونِ «الصَّحيحين» مِن مُشكلاتٍ مُتنوِّعاتٍ مُعاصرات، حتَّى تُدحَضَ أتَمَّ دحضٍ وأنسبَه وأشمَله، لتكون مَرجعًا يستجيرُ به القارئ من رمضاءِ الشُّبهات على السُّنة.\nوبعدُ:\nفلم أزل على بالٍ مُنذ خمَّرتُ فكرةَ البحثِ في ذِهني قبل أن أُقدِّمه مشروعًا واضحَ المَعالِم لجامِعَتي «ابن طُفيل» بالقُنيطرة -نفع الله بها-: أنَّ الزَّلَل إذا وقَع في ما تَقصَّدتُه مِن دفعِ هذه المُعارضاتِ المُناكِفةِ لـ «لصَّحيحين»، تكون فتنتُه على النُّفوسِ المَريضةِ أو الجاهلةِ، أشَدَّ مِمَّا لو تركتُ تجشُّمَ ذلك بالمرَّة، فرَكنتُ إلى السَّلامةِ.\nذلك أنَّ الإضرارَ بالحقِّ لا ينحصر في نَشرِ الباطلِ فحسب، ولكنْ بعَرضِ الحقِّ في صورةٍ ضعيفةٍ ناقصةٍ في أدلَّتِها، هزيلةٍ في أسلوبِها، وما أكثرَ أن تكون\n_________\n(^١) وهذا البحث طُبع قريبًا -بعد تقديمي لرسالتي هذه- بدار المُقتبس اللُّبنانية، أواخر سنة ٢٠١٨ م، بعنوان: «طعون المعاصرين في أحاديث الصَّحيحين الخاصَّة بأسباب النُّزول والتفسير بدعوى مخالفة القرآن» للباحث: علي صالح مصطفى.","vol":"1","page":33},{"text":"هذه الرَّزيَّة أشدَّ فتنةً وأكثرَ ضَررًا على أهلِ الحقِّ، وأعْوَنَ للمُبطلين على التَّمسُّكِ بباطِلهم!\nفلطالَما رأيتُ مِن أهلِ السُّنةِ مَن يتَعنَّى هذا النَّوعَ مِن الجِهادِ العِلميِّ، ثمَّ تراه يُمَكِّن لأهلِ الباطلِ ويُحرِّضُ على التَّنفيرِ مِن أهلِ الحقِّ، مِن حيث أرادَ الحقَّ ونُصرةَ أهلِه! وهذا حالُ كلِّ مَن يدخُل غِمارَ مَعركةٍ لا يُحسِنُ نِزالَها، يَصِير فيها سيفُه نكالًا على المُسلمين! وهذه من البصائر الَّتي أُلهِمها الغزاليُّ (ت ٥٠٥ هـ) في قوله: «ضرر الشَّرع مِمَّن ينصره لا بطريقه، أكثر من ضرره مِمَّن يطعن فيه بطريقه!» (^١).\nفكان لا بُدَّ للمُحامِي عن السُّنَنِ، الذَّابِ عن حِماها، أن يستحضرَ كونَه كالمجاهدِ في سبيلِ الله تعالى؛ فيُعِدَّ للجِهادِ ما اسْتطاعَ مِن الآلَاتِ، وَالْقُوَّة، والخُطَطِ المُحكمَةِ كي ينتصِر، امتثالًا لأمر ربِّه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].\nفاللهَ أسألُ أن يُوفِّقني في بحثِي هذا لحُسْنِ النِّزالِ، ويَعقُب لي فيه حُسنَ المآل، إنَّه جوادٌ كريمٌ مُتَعالٍ.\n_________\n(^١) «تهافت الفلاسفة» (ص/٤٥).","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>خُطَّة البحث</span>\nقد انطَوَت هذه الرِّسالةُ على تمهيدٍ، في تَضاعيفِه ثلاثةُ مَباحث، يتلوه ثلاثةُ أَبوابٍ، مَدارُ الأوَّلَيْن حول الجانبِ التَّأصيلي للبحث، حيث تطرَّقتُ إلى دراسة أصول الفِرق المُعاصرةِ في اعتراضِهم على أحاديث «الصَّحيحين».\nفكان بدء توجُّهي إلى نقدِ كُليَّاتهم وبيان ما فيها مِن فسادٍ، ليبطُل معها تبعًا لها ما ابتُنِيَ عليها مِن جُزئيَّاتٍ تتعلَّق بأفراد الأحاديثِ المَردودة.\nوأمَّا الباب الثَّالث: فمخصوصٌ للجانبِ التَّطبيقيِ، درستُ فيه اعتراضاتِهم الجُزئيَّة على آحادِ الأخبار في «الصَّحيحين»، تكملةً للجانب التَّأصيلي، وبرهنةً على صِحَّة ما كنتُ ضمَّنته مِن أحكام.\nوفيما يلي بيان خُطَّة البحثِ -على وجهِ الإِجمال-:\n* التَّمهيد:\nويندرج تحته ما يلي:\n* المبحث الأوَّل: مفهوم مُفردات العنوان المُحدِّدَة لنطاقاتِ البحث.\n* المبحث الثَّاني: إشكاليَّة الاستشكالِ المُعاصِر للأحاديثِ النَّبويَّة.\n* المبحث الثَّالث: الأصل العقلي الجامعِ لمُخالفي أهلِ السُّنةِ في رَدِّهم للدَّلائلِ النَّقليَّة.\n* الباب الأوَّل: الفِرَق المُعاصِرة الطَّاعِنة في أحاديثِ «الصَّحيحين»، ونقدُ أصولِها وأبرزِ كِتاباتِها في ذلك.\n* الفصل الأوَّل: الشيعة الإماميَّة، ومَوقِفهم مِن «الصَّحيحين».\n* الفصل الثَّاني: القرآنيُّون مُنكِرو السُّنة، ومَوقفهم مِن «الصَّحيحين».","vol":"1","page":35},{"text":"* الفصل الثَّالث: العَلمانيُّون، ومَوقفهم من «الصَّحيحين».\n* الفصل الرَّابع: العقلانيُّون الإسلاميُّون، ومَوقفهم مِن «الصَّحيحين».\n* الباب الثَّاني: المُسوِّغات العلمية المُتوهَّمة عند المُعاصرين للطَّعنِ في أحاديث «الصَّحيحين».\n* الفصل الأوَّل: دعواهم الخَلل التَّوثيقي في تَصنيفِ «الصَّحيحين» وتَناقُلِهما.\n* الفصل الثَّاني: اعتقادهم بظنيَّة آحاد «الصَّحيحين» مطلقًا.\n* الفصل الثَّالث: توهُّمهم إغفالَ الشَّيخين لنقدِ معاني المتونِ.\n* الفصل الرَّابع: الاحتجاج بسَبْقِ نقد العلماءِ «للصَّحيحين» قديمًا وحديثًا.\n* الباب الثَّالث: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لأحاديث «الصَّحيحين».\nوفيه ثمانية فصول:\n* الفصل الأوَّل: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالإلهيَّات.\n* الفصل الثَّاني: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالتَّفسير.\n* الفصل الثَّالث: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالغَيبيَّات.\n* الفصل الرَّابع: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالنَّبي ﷺ.\n* الفصل الخامس: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بباقي الأنبياء.\n* الفصل السَّادس: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالطَّبيعيَّات.","vol":"1","page":36},{"text":"* الفصل السَّابع: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالمرأة.\n* الفصل الثَّامن: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُدَّعاة أنَّها مِن الإسرائيليَّات.\nثمَّ الخاتمة بنتائجها وتوصياتها.\nوبعدُ:\nفإنِّي -أنا العبدُ الضَّعيف- لأرجو في قَرارةِ نفسي أنِّي قد قَصدتُ وجهَ الله تعالى في هذا البحثِ بالذَبِّ عن السُّنَنِ النَّبوية وتثبيت الأصولِ الحديثيَّة.\nوليس يَضُرُّني بعدُ وقوفُ أهلِ المَعرفةِ على ما لي فيه مِنَ التَّقصير، ومَعرفِتهم أنَّ باعيَ في هذا الميدانِ قصيرٌ، لاعترافي أنِّي لستُ مِنْ نُقَّادِ هذا الشَّان، ولا مِنْ فُرْسَان هذا الميدان؛ غير أنِّي لم أجِد في الأسفارِ ما يجمعُ شتاتَ الرَّدِ على كثيرٍ مِمَّا أحدثه أهل زمانِنا مِن مُعارضاتٍ لأحاديث «الصَّحيحين»، فتَصدَّيتُ لذلك مِن غيرِ إحسانٍ ولا إعجابٍ، ومَنْ عُدمَ الماءَ تَيمَّم التُّراب!\nعالمًا بأنِّي لو كنتُ باريَ قوْسِهَا ونِبالها، وعَنترةَ فوارِسها ونِزالها، فلن يخلوَ كَلامي مِنَ الخطأِ عند الانتقادِ، ولن يَصفو جوابي مِنَ الغَلطِ عند النُّقاد؛ «فالكلامُ الَّذي لا يأتيه الباطل مِنْ بين يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِهِ، هو كلامُ الله في كتابِه العزيزِ الكريم، وكلامُ مَنْ شَهِد بعِصمَتِه الذِّكرُ الحكيم، وكُلُّ كلامٍ بعد ذلك، فله خَطأٌ وصَواب، وقِشْرٌ ولُباب» (^١).\nولو أنَّ طَلبةَ التَّعليمِ العالي مِن أمثالِي تَركوا الذَّبَّ عن الحقِّ استعجالًا في طَلبِ الرُّتَب الجامعيَّة وشَواهدِها، واستثقالًا للذَّبِ عن أصولِ المِلَّة وقواعِدها، لكانوا قد أضاعُوا كثيرًا، وطَلَبوا -والله- حقيرًا! لكنْ حَسبيَ الله، وأنِّي مَحفوفٌ بثُلَّة عالِمةٍ مُبارَكة مِن علماء المغربِ والمشرق -حَرسَهم الله مِن كلِّ سوء-\n_________\n(^١) «العواصم والقواصم» لابن الوزير اليَماني (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":37},{"text":"يُصَوِّبون فيه خَطَلي، ويُقوِّمون فيه زَلَلي، فلا عدِمناهم -حفظهم المَولى، وبارك فيهم-.\nوكنتُ مُتردِّدًا أوَّل أمري في كيفيَّةِ نقدِ تلك المُعارضاتِ المُترامِيةِ على «الصَّحيحين» بين الإيجازِ فيها والإطناب، إذْ كان في كلٍّ منهما مَحامِد، ولكلٍّ فيها مَقاصد؛ ففي الإيجازِ تأليفُ النُّفوس، وفي الإطنابِ توسيعُ دائرةِ الفوائد!\nلكن صَدَّني عن التَّوسيعِ والتَّكثيرِ، خشيةُ التَّنفير والتَّأخير.\nفأمَّا التَّنفير: فلأنَّه يُمِلُّ الكاتبَ والمَكتوبَ له، والمُتطلِّع إلى رؤيةِ البحث، والوقوفِ عليه، «مع أنَّ القليلَ يكفي المُنصِفَ، والكثيرَ لا يكفي المُتعَسِّف» (^١).\nوأمَّا التَّأخير: فلأن التَّوسيعَ يحتاجُ إلى تمهيلِ عَرائِس الأفكارِ، حتَّى يستكملَ البحثُ الزِّينة، ومُطالعةِ نفائسِ الأسْفارِ الحافلةِ بالأنظارِ الرَّصِينَةِ والنُّقولاتِ المَتينة؛ وقد شارفَتْ مُدَّة تحضيري لهذا البحث على الانتهاء! فمِنْ أين يَتأتَّى جمعُ كلِّ ذلك أو يتهيَّأ لي، وأنا بريفِ المغرب؟!\nفَتَمَصَّصْتُ مِنْ بَلَلِ أفكاري برَمَق، وتوجَّهتُ إلى معارض الكُتب أقتني ما لزمني مِن مَراجع تَعِزُّ في بَلدي ممَّا لم أجِده مُصَوَّرًا على الشَّبكة، إذْ كانَ كثيرٌ من مَطبوعات الطُّعون في الصَّحيحين نادرَ الوجودِ عندنا في المغرب -ولله الحمد-! حتَّى استقرأت منها الشَّيءَ الكثير على مكرهةٍ!\nوإنِّي لأحبُّ أن أعلِمَ القارئ الكريم: إن كان قد استكثر صفحات هذا الكتاب؛ فإنَّه بحثٌ أكاديميٌّ مُتخَصِّص، «أردتُّ جهدَ طاقتي أنْ يكونَ تفصِيليًّا؛ قد يَعيبُ هذا عَليَّ مَن يُخالفني في ذلك، ويُوافِقُني عليه آخرون، وعُذرِي في هذا التَّفصيل: أنَّني أكتبُ للمُتَتبِّعين والمُتخَصِّصين، وأنَّني أريدُ تمهيدَ الجادَّةِ لِمن يأتي بعدي، فيرغبُ في التَّأليف في هذا المَوضوع» (^٢)، حتَّى يكونَ كتابي له شِبهَ\n_________\n(^١) «الرَّوض الباسم» لابن الوزير (١/ ١٥).\n(^٢) من مُقدمة (جواد علي) لكتابه «المفصَّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (١/ ٦) بتصرف.","vol":"1","page":38},{"text":"موسوعةٍ! يفزعُ إليها كلُّ مَن أزعجته ضوضاءُ الشُّبهات على حديثٍ آمن به في «الصَّحيحين»، ليَرى فيه تَتْبيرَها لَبِنةً لَبِنةً.\nفلا ينبغي لطالبِ التَّنقيح والتَّحقيق، ومُبتغي الإتقان والتَّدقيق، أن يلتفتَ إلى سآمة ذَوي البطالة، وأصحاب الكسل والمَلالة، بل يفرح بما يجده في هذا الكتابٍ من العلم مَبسوطًا، وما يصادفه مِن حلِّ المُشكلات واضحًا مضبوطًا، ويدعُو لكاتبه بالخيرِ.\nفلقد عشتُ معه في جنَّة مشاعر لا أحسبُ غيري عاشَها من أترابي، أعدُّها من أفضل سنين عمري؛ مع ما كنت أعانيه وقتها من قلَّة ذات اليد، وصعوبةٍ في رقمه على حاسبي العَيِيِّ المُتعطِّل مرارًا! وفتور كان ينتابُني قليلًا أثناء ذلك، لا يلبث أن ينقشع عن نفسي بمجرَّد نظرة منِّي إلى ورقة ألصقتها قصدًا على باب مكتبتي! عليها كلمةُ حبيبي البخاريِّ لتلميذه محمَّد بن أبي حاتم الورَّاق حين أملى عليه يومًا حديثًا كثيرًا، فخافَ مَلاله، فقال له: «طِب نفسًا، فإنَّ أهل الملاهي في مَلاهيهم، وأهلَ الصِّناعات في صناعاتهم، والتُّجار في تجاراتهم، وأنتَ مع النَّبي ﷺ وأصحابه!» (^١).\nفأرجو أنِّي قد سلكتُ في هذا البحث من مسَالكَ الجَدليِّينَ فيما يُلْزِمُ الخصمَ على أصولِه؛ فكَّكتُ فيه معارضاته للأحاديثِ وقسَّمتها في أفكارٍ مُنفردةٍ مُستقلَّة، تستبطنُ كلُّ فكرةٍ منها أصلًا عقديًّا أو فكريًّا تَستمدُّ منه قُوَّتَها، ثمَّ أجبتُ على كلٍّ منها على سبيلِ السَّبرِ والتَّقسيمِ، لم أكد أدعُ شُبهةً تُثار على الحديثِ أُراها مُؤثِّرةً، إلَّا أوردتها ومعها ما يَكشِفُها.\nوكأنِّي بهذه الطَّريقةِ أعرِضُ من خلالها على القارئِ خارطةً ذهنيَّةً لتفريعاتِ المُعارضةِ، وطُرقِ الجوابِ عليها، حتَّى تكون الصُّورة في ذهنِه واضحةً مُتكامِلةً، فيسهُل عليه الاستيعابُ لأصولِ الشُّبهةِ وطَرائقِ كَشْفِها.\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٤٤٥).","vol":"1","page":39},{"text":"وكذا اعتمدتُ فيه على المنهجِ الاستقرائيِّ التَّحليليِّ، محاولةً للكشف عن أهمِّ أسباب انحرافِ الفِرق الفكريَّة المُعاصرة عن السُّنة، وذلك بتتبُّعِ إنتاجاتِهم العلميَّة، واستخلاصِ أصولهم الَّتي تَوسلُّوا بها إلى الطَّعنِ في صِحاحِ الأخبار النَّبويَّة، وحصرِ أُمَّاتِ شُبهاتهم المُثارة على «الصَّحيحين» بخاصَّة، مُعزِّزًا كلَّ هذا بنماذج وتطبيقاتٍ واقعيَّةٍ مُتعدِّدة مِن كتابات المُعاصرين أنفسِهم، فضلًا عن نَتاجِهم الإعلاميِّ، بعضُها جديدٌ لم يلتفت إليه الدَّارسون بعدُ؛ والفضل لله وحده.\nوبعد تجاوزي لجلسة مناقشة هذا البحث، حاولت أثناء مراجعتي له الانفكاكَ عن الأسلوب الرِّياضيِّ المباشر في صياغته قدرَ الإمكان، وإطلاق عنان قلمي للتَّعبير عن مكنونات صدري من عواطف استثقلُ كتمها بدعوى (الأكاديميِّة)! فلا يقع القارئ في المَلل مِن جفاء قلمي وصرامته؛ فكما عرضتُ على القُرَّاء عقلي في ثناياه لينقُدوه، فهذه روحي معه قد بثثتُها في طيَّاته ليحيا طويلًا حسًّا ووجدانًا.\nوالله المُوفِّق للقَبول لا إله إلَّا هو.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>نَفْحاتُ شُكرٍ</span>\nفإنَّ هذا النَّجيزَ الَّذي تراه بين يَديك، ما كانت قُطوفُه لتدنوَ لولا تَواترِ رَحماتِه ﷻ، وتَوالي سَوابغِ مِنَنِه وأَفضالِه؛ فاللَّهم لك الحمدُ ربِّي أوَّلًا وآخِرًا، ولك الحَمدُ ربِّي ظاهرًا وباطنًا، ولك الحَمدُ حتَّى ترضى، ولك الحَمْدُ إذا رَضيتَ، ولك الحَمدُ بعد الرِّضى.\nوإِنَّ مِن أَحقِّ الخلقِ بالشُّكرِ بعد شُكرِ الله تعالى، مَنْ قَرَن حقَّه بحقِّهما: والدَيَّ الكريمين، وبخاصَّة والدتي الكريمة جزاها الله عنِّي خير الجزاء.\nكما أُهدي أعبقَ باقاتِ الوَردِ العطوفِ لزَوْجتي (سميرة)؛ فلكَم صَبَرت على تقصيري في حَقِّها، وآثرَتْ إتمامَ هذه الرِّسالةِ على نَفسِها، فأسألُ البَرَّ الرَّحيم أَن يَجزيَهما خيرَ ما جَزَى مُحْسِنًا على إِحسانِه، وأن ترَى رِدْأَها لي بَركةً لها في نفسِها ودينِها وأولادِها؛ اللَّهم آمين.\nثمَّ أَنظِمُ قلائدَ مِن الشُّكرِ والامتنانِ، لفضيلةِ أستاذي الدُّكتورِ (حسن العَلَميِّ) المُشرفِ على هذه الرِّسالةِ؛ فلَقد عَبَبتُ مِن بِحارِ فضلِه، واسترشدتُ بدَقيقِ رأيِه، واستهطلتُ سَحائبَ عِلْمِه، و«مَن يُرِدْ مَواطِرَ مِن غيِر السَّحائبِ يَظْلِمِ» (^١)!\nفإِنِّي أَشكرُه أَوَّلًا: على ما نَهَج لي بعِلمِه السَّبيلَ، ومَهَّدَ بِحِكمتِه الحَزَن.\nوأَشكره ثانيًا: على تَفضُّلِه بالإشرافِ على هذه الرِّسالة ورِعايتِه لها، لأَقبضَ يدَ الشُّكرِ تفاديًا مِن تَزاحمِ العَجْزِ، وأَلوِيَ لسانَ الثَّناءِ، تحامِيًا لِخطَّةِ العِيِّ\n_________\n(^١) طرف بيتٍ من شعرٍ للمُتنَّبي، انظر «شرح ديوان المتنبي» للواحدي (ص/٣٢٤).","vol":"1","page":41},{"text":"والإعياء؛ وأَطوي ذلك، لأُترْجِمَ ما أُضمِرُه له إِلى دعواتٍ في ظهرِ الغَيبِ، بأنْ يُضاعِفَ الله له الأَجرَ والمَثوبة على ما يَبذُله لطُلَّابِه، وأنْ يُباركَ في عِلمِه وعَمَلِه وإيمانِه، وأَن يَعْمُرَ وقتَه بالطاعةِ والعافيةِ.\nكما أشكر كلَّ مَن أَعانَ برأيٍ أو نَظَرٍ صوابٍ، أو إعارةٍ لكتابٍ، جعلَه الله له ذُخرًا يومَ الحساب.\nوخِتامًا:\nفقد بَذلتُ في هذه الرِّسالة وَقْتِي، واستخلصتُها مِن وُكْدي، فليستْ هي مُبَرَّأةً مِن الزَّلَلِ والقُصور، فما عَمَلٌ بخالٍ مِن وَهْنٍ، ولا جهدٌ خالصٌ مِن وَهْيٍ، ولكنْ «أرجو أنْ لا يَطَّلِعَ ذَوُو النُّهى مِنِّي على تَعمُّدٍ لتَمويهٍ، ولا إيثارٍ لهَوى، ولا ظُلمٍ لخَصمٍ» (^١).\nوالمَسئول من النَّاظر في بحثي هذا إسبالُ ذيل السَّتر على ما خُطَّ فيه من مَقصوراتٍ في الخِيام، وصون مَقاصدها الحسنة عن مَلام بعض مفاهيم الكلام؛ ضارِعًا إلى مَولاي أَن يجعلَ هذا العمَلَ مُخلَّصًا مِن كَدَرِ التخْليطِ، مُرادًا به وجهَه، مُزْلِفًا إلى أَعالي جِنانِه، وأَن يغفرَ لي فيه الخطأَ والزَّللَ، إِنَّه خَيرُ مَأْمولٍ، وأكرم مَسئولٍ.\n﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٨].\nوصلَّى الله وسلم على نَبِيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِه وأصحابه أجمعين.\nوكتبه\nمحمد بن فريد زريوح\nيوم السبت ٢٩ من ذي الحجة ١٤٤٠\nبمدينة النَّاظور شمال المغرب الأقصى\ndr.mohamed.zeriouh@gmail.com\n_________\n(^١) «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/٦٠).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تمهيد</span>","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المَبحث الأوَّل\nمفهوم مُفرَدات العنوان المُحدِّدَة لنطاقاتِ البحث</span>\nأمَّا المعارضُ الفكريُّ: فمُركَّبٌ تقيِيديٌّ، يَتَحصَّل إدراكُه بإدراكِ مُفْرَدَيْه:\nفالمُعارِض: مُفَاعِل، أصْلُ مادَّتِه مِن (عَرَضَ)، وهذه المادَّة تدور في اللِّسان على عِدَّةِ مَعانٍ؛ ترجع -مع كثرتها- إلى أصلٍ واحدٍ؛ وهو: «العَرْض الَّذي يُخالف الطُّول» (^١)؛ ومِن مَعانيها الَّتي لها عُلْقة بهذه المُقدِّمة: مَعْنيانِ، هما: المَنْعُ، والمُقَابَلةُ.\nفالأوَّل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]، أي: لا تجعلوا الحَلِفَ بالله مُعترضًا مانِعًا لكم أن تَبرُّوا، فالعُرْضَة هنا بمعنى: المُعترِض (^٢).\nوالمعنى الآخر، فمن قولهم: عارَضَ الشَّيءَ بالشِّيءِ مُعارَضةً، أي: قَابَلَه، وعارَضتُ كتابي بكتابِه؛ أي: قابلتُه (^٣).\nومِن هذين المَعْنَيين يَستمِدُ «المُعارِض» معناه الاصطلاحيَّ، والَّذي يُقصَدُ به: تَقابُل الدَّليلين على سَبيلِ المُمانعة والمُدَافَعَةِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر «مقاييس اللُّغة» لابن فارس (٤/ ٣٦٩).\n(^٢) انظر «تهذيب اللغة» للأزهري (١/ ٤٥٤).\n(^٣) انظر «لسان العرب» (٤/ ٣٠٢) مادة: (عرض).\n(^٤) انظر «أصول الفقه» لابن مفلح (٤/ ١٥٨١)، و«البحر المحيط» للزركشي (٨/ ١٢٠).","vol":"1","page":45},{"text":"وأمَّا الفِكر: فأصل مادَّته يُفيد تَردُّدَ القلبِ في الشَّيء، فيُقال: تَفكَّرَ، إذا رَدَّدَ قلبَه مُعتَبِرًا (^١)، أو: هو إعمالُ الخاطِر في الشَّيء (^٢).\nوأمَّا في الاصطلاح: فعَرَّفه الجُرجانيُّ بأنَّه: «ترتيب أمورٍ مَعلومةٍ لتُؤدِّي إلى مَجهولٍ» (^٣).\nوقال الأصفهانيُّ: «قوَّةٌ مُطرِقةٌ للعلمِ إلى المَعلومِ، والتَّفَكُّر: جَوَلَان تلك القُوَّة بحسبِ نَظَرِ العقلِ» (^٤).\nوإن حاوَل بعض المُعاصرين تجديدَ التَّعريفِ له بما يُوائم حادثاتِ العصر، فلم يَعدُ جُهدُه أنْ مَطَّطَ تعريفَ المُتقدِّمين (^٥)؛ ولا شكَّ أنَّ في ذاك التَّعريف القديم نوعَ تَعميمٍ لموضوعِ الفِكرِ وكيفيَّتِه، لا يُناسبُ استعمالاتِنا المُعاصرة لهذا المُصطلحِ، وفي بحثنا هذا بخاصَّة.\nفكان الأقرب عندي في تعريف الفِكر هنا أن يُقال: هو إعمالُ الذِّهن في مَعلوماتٍ مَخصوصةٍ، للوصولِ بها إلى نَظريَّاتٍ أو أحكامٍ كُليَّةٍ تَتَعلَّق بمُختلفِ مَناحي الحياة الإنسانيَّة.\nفظاهرٌ مِن هذا التَّعريف للفِكرِ: أنَّه مُستلزمٌ للتَّرابُطيَّةِ في مَنهجيَّتِه لا عَبثيًّا، وشُموليًّا في رُؤيتِه، لا مَحصورًا في جُزئياتٍ دقيقة؛ ويتركَّز استعمالي للتَّعريف في شَطْرِه الثَّاني على وجهِ الخصوص، أعني نفسَ النَّظريَّاتِ، والأفكار الكُليَّةِ، والتَّصوُّرات القِيمِيَّة التَّي تَصدُر مِن فِئةٍ ما، نحو أيِّ مَلْمَحٍ رَئيسٍ مِن مَلامِح الحياةِ الإنسانيَّةِ.\n_________\n(^١) «مقاييس اللغة» (٤/ ٤٤٦).\n(^٢) «لسان العرب» (٥/ ٦٥) مادة: (فكر).\n(^٣) «التعريفات» للجرجاني (ص/١٦٨).\n(^٤) «المفردات» للأصفهاني (ص/٦٤٣).\n(^٥) كما تراه عند طه جابر العلواني في كتابه «الأزمة الفكرية المعاصرة» (ص/٢٧) حيث قال: «الفكر اسم لعملية تردد القوى العاقلة المفكرة في الإنسان، سواء أكان قلبا أو روحا أو ذهنا بالنظر والتدبر، لطلب المعاني المجهولة من الأمور المعلومة، أو الوصول إلى الأحكام أو النِّسَب بين الأشياء».","vol":"1","page":46},{"text":"وبهذا يُمكِّنُني هذا المُصطلح بهذا الاعتبارِ أن أُدخِل في أصحابِ الفكرِ من كان مُنتسِبًّا منهم لطائفةٍ عَقديَّةٍ، أو مذهبٍ فقهيٍّ، أو تيَّارٍ فَلسفيٍّ ونحوه.\nفعلى هذا يتبيَّن مُرادي بـ «المُعارضات الفكريَّة»: أنَّها المُقابلة بين دَليلين على وجهِ المُمانعةِ، حاصلٌ بإعمالِ الذِّهنِ فيهما، واردٌ مِن فئةٍ تجمعها مَنظومةُ أفكارٍ مُشتَرَكة، سواء ابتَنت أفكارَها هذه على أصولِ دينٍ أوْ لا؛ وذلك لتشملَ المُعارضاتِ الصَّادرةَ عن التَّيارات الَّتي تنتسِبُ في أصلِ وجودِها إلى الإسلام: كالعقلانيَّة الإصلاحيَّة، والشَّيعة الإماميَّة، والقرآنيَّة مُنكري السُّنة، والإباضيَّة، ونحوها؛ أو عمَّن كان أصلُ نشأتِها مِن خارجِه: كالعَلمانيَّة، والحَداثة التَّنويريَّة، ونحوها.\nوأمَّا تَقْيِيدي لهذه «المُعارضاتِ الفكريَّةِ» بوصفِ «المُعاصرِة»: فأصلُ هذه الكلمة مُشتقٌ مِن (العَصْرِ)، ولها عِدَّة مَعانٍ، ومُرادنا من ذلك ما كان بمعنى: الدَّهْر (^١)، ومجيئها هنا على وزنِ مُفاعِلة، أخذًا مِن (التَّعاصُر): وهو التَّشارُك بالعَيْشِ في عصرٍ واحدٍ (^٢).\nوالَّذي أعنيه بالعَصْرِ في بحثي هذا: الحِقبة الزَّمنية الحديثَة الَّتي تمتَدُّ لقُرابةِ قرنٍ أو يَزيد بقليل، تبدأُ عندي مِن عَهْدِ انبعاثِ محمَّد عبدُه (ت ١٣٢٣ هـ) -إذ كان أوَّلَ مُفكِّرٍ شرعيٍّ وازِنٍ بَدَأت مَوجةُ الاستنكارِ لصِحاحِ السُّنة تَتَعالى بعده تِباعًا- إلى زمَن رَقَمي لهذا البحث.\nفعِنايَتي إذن ستنصبُّ على نَقْدِ المُعارضاتِ الفِكريَّةِ الصَّادِرةِ مِن كُتَّابِ هذه الحِقبةِ الزَّمنيَّةِ أصالةً؛ فإن رأيتني نقدتُ ما صَدَر عَمَّن قبلَهم، فإنَّما ذلك تَبَعًا وتكميلًا لِما هو أصيلُ البحث.\nأمَّا علَّة اختيارِي لمُعارضاتِ المُعاصرين دون مَن سبق: فلِأنَّ مُعارَضاتِ المُعاصِرين قد احتَوَت ضِمنًا شُبهات الأوَّلين، ثمَّ زادوا عليها مِن شُبهاتِهم\n_________\n(^١) «تهذيب اللُّغة» للأزهري (٢/ ١٠)، و«مقاييس اللغة» (٤/ ٣٤٠).\n(^٢) «معجم اللُّغة العربية المعاصرة» (٢/ ١٥٠٧).","vol":"1","page":47},{"text":"المُستَحْدَثَةِ ما لم يخطُر على بالِ الأقدمين، وعَرَضوها على النَّاسِ بأسْلوبٍ عَصْريٍّ حَديثٍ، بلغةٍ قَريبةٍ مِن أفهامِهم، «فربَّما كان المُتأخِّرُ بهذا أضْرَى بالشَّرِ مِن المُتقَدِّم! لتَمَكُّن داعيةِ الشَّر مِن نفسِه بالوَراثة والقُدوةِ جميعًا» (^١).\nولأجل أنَّ كلَّ عصرٍ له طائفةٌ مِن أهلِه يُنافحون فيه عن الحقِّ، ويَذودون عنه ما استحدثَه أقوامُهم مِن أباطيل، مِصداق قولِ مَولايَ ﷺ: «يحمِلُ هذا العِلمَ مِن كلِّ خَلَفٍ عُدولُه، يَنفونَ عنه تحريفَ الغالِين، وانتحالَ المُبطِلين، وتأويلَ الجاهِلين» (^٢) أحببتُ أنْ أُحشَر في زُمرة عدولِ هذا الخَلَف الَّذي أنا فيه.\nهذا؛ ولم يكُن لي أن أسوق تلك المُعارضاتِ للمُعاصِرين على «الصَّحيحين» على وجهِ الاستيعابِ، فهذا أمرٌ شاقٌ جدًّا بعيد المَنال لكثرتها، وكثيرٌ من هذه الكثرةِ يَستكثِرُ العاقلُ مُجرَّدَ النَّظَرِ إلى آحادِها، لسَخافةِ من انطوت عليه من جهالاتٍ.\nوفي الإشارةِ إلى هذه المَنهجيَّة النَّافعةِ في الجَدليَّات، يقول ابن تيميَّة: «.. لو قال قائلٌ: هذه الأمورُ المَعلومة لا تَثبُت إلَّا بالجوابِ عمَّا يُعارِضها مِن الحُجَج السُّوفسطائيَّة (^٣)، لم يَثبُت لأحدٍ علمٌ بشيءٍ مِن الأشياء! إذْ لا نهايةَ لمِا يقوم بنفوسِ بعضِ النَّاس مِن الحُجَج السُّوفسطائيَّة» (^٤).\nفليس -إذن- مِن وُكدِي تَتبُّع جميعِ ما فَرَّخَتْهُ عقولُ هؤلاءِ المُعترِضين على السُّنَنِ، بل يكفينا بيانُ تساقُطِ أصولِهم الكُليَّة الَّتي تَفرَّعت عنها تلك المُعارَضات، ثمَّ التَّوجُّه إلى دفعِ أصولِ الاعتراضاتِ الجزئيَّة وأشهرِها وأكثرِها حُضورًا في\n_________\n(^١) رشيد رضا في «تفسير المنار» (٤/ ٢١٦) بتصرف يسير.\n(^٢) أخرجه ابن وضَّاح في «البدع» (ص/٢٦)، والبزَّار في «المسند» (١٦/ ٢٧٤، رقم: ٩٤٢٣)، والطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٠/ ١٧) وغيرهم، وصحَّحه أحمد بن حنبل فيما نقله عنه الخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص/٢٩)، وقَوَّاه ابن القيِّم في «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٦٣)، وحَسَّنه العَلائي في «إثارة الفوائد» (١/ ٧٢).\n(^٣) السُّوفسطائيَّة: يُطلق على فرقة ينكرون الحسِّيَّات والبديهيَّات ونحوها مِن حقائق الأشياء، وذلك بالقياس المركَّب من الوهميَّات، انظر «كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي (١/ ٩٥٧).\n(^٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٥٤).","vol":"1","page":48},{"text":"السَّاحةِ الفكريَّةِ، فإنَّها إن أسقطت في أيديهم، عَلِموا أنَّ ما دونَها في الشُّهرةِ والتَّأثيرِ أوْلى بالسُّقوطِ.\nفعلى هذا الأساس تَمَّ اختيار الأحاديث المُعارضَة من قِبَل المُعاصرين في هذا البحث، ومُهِّدَ لها بنقدِ أصولِ المُعترِضين عليها.\nوأمَّا قولي: «لأحاديثِ الصَّحيحين»:\nفالأحاديث: جَمعُ حَديثٍ، وهو اسمٌ مِن التَّحديث، بمعنى: الإخبار، وجَمْعُه ذاكَ على خِلاف القِياس (^١).\nوأمَّا في الاصطلاح: «فهو عندَ الإطلاق يَنصرِفُ إلى ما حُدِّثَ به عن النَّبي ﷺ بعد النُّبوة، مِن قولِه وفعلِه وإقرارِه؛ فإنَّ سُنَّتَه ثَبَتَت مِن هذه الوجوهِ الثَّلاثة» (^٢).\nوبذا يظهرُ مَقصودي بالأحاديثِ: أنَّها المتونُ نفسُها الَّتي وَرَدَت عبر سَلاسِل الإسناد، فإنَّه غالبًا إذا قيل: المُعارَضات أو الإشكالات على الحديث، فالمَقصود بهذا التَّركيبِ: متنُه؛ فضلًا عن كون أسانيد «الصَّحيحين» ورجالهما، قد كَفانا أسلافُنا الكلامَ في ذلك تمحيصًا وتنقيدًا، كما ترى تجلِّياتِ ذلك في ما كَتَبه ابنُ الصَّلاحِ في كتابِه «صيانة صحيح مسلم»، وابنُ حَجرٍ في مُقَدِّمة شَرْحِه للبُخاريِّ «هُدَى السَّاري»، وكتابِه «تغليق التَّعليق» (^٣).\nوالَّذي أعنيه من هذه الأحاديث في الصَّحيحين تحديدًا: ما كان منها مرفوعًا مُسندًا على شرط الشَّيخين؛ فأمَّا المعلَّقات أو المُرسلات أو البلاغات أو المَوقوفات ونحوها مِمَّا هو خارج عن موضوع الكتابين وليس على شرط الشَّيخين في الصِّحة، فلستُ أعنى بدراستها.\n_________\n(^١) «الكُليَّات» للكفوي (ص/٣٧٠).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (١٨/ ٦ - ٧).\n(^٣) ومِن المُعاصِرين مَن أَدْلى بدَلْوٍ مشكورٍ في ذلك، كما تَراه في الجُهدِ الطِّيب الَّذي بذَلَه مُصطفى بَاحُو في كتابِه «الأحاديث المُنتقَدة في الصَّحيحين».","vol":"1","page":49},{"text":"فإذا رأيتَني أتَكَلَّمُ في عِلمِ الإسنادِ أحيانًا، واقتَحمتُ مَهامِه هذه الصَّنعةِ في بحثي هذا: فلِأجلِ ما يُحقِّقه مِن غَرَضِنا في تثبيتِ المتونِ، وبيانِ زَيفِ تعذُّرِ المُعترضِ عليها بوَهاءِ إسنادِها، فإنَّهم ينصبون هذه الدَّعوى لِئلَّا يستوحش النَّاظر مِن طعنهم في الحديث، وتكذيبهم له.\nوأمَّا «الصَّحيحان»: فقد أشرتُ في المُقدِّمة إلى أنَّ المَعْنِيَّ بهما كتاب محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ (ت ٢٥٦ هـ): «الجامعِ المُسندِ الصَّحيحِ المُختصر من أمورِ رسول الله ﷺ وسُنَنِه وأيَّامه»، المُسمَّى اختصارًا بـ «صحيح البخاريِّ»، وكذا كتاب مُسلمِ بن الحجَّاج (ت ٢٦١ هـ) «المُسند الصَّحيح» المَشهور بـ «صحيح مسلم».\nوكنتُ بيَّنتُ هناك سبَبَ اقتصاري عليهما دون غيرِهما مِن دواوين الحديث، بما أغنى عن إعادتِه.\nوأمَّا توصيفي لهذا البحث بأنَّه «دراسة نقديَّة»:\nفأمَّا النَّقد في اللُّغة: فيُقال: نَقَدْتُ الدَّراهم وانْتَقَدْتُها، إذا مَيَّزتُ جَيِّدَها مِن رَدِيئِها (^١)؛ وعلى هذا المَعنى جَرَى عَمَلي في هذا البحث، بحيث أنِّي أدرسُ الأصولَ والأقوالَ المُعاصرةَ القاضِيةَ على متونِ أحاديث «الصَّحيحين» بالإبطال، فأُبينُ عن الجَيِّدِ المَقبولِ منها على أصولِ أهل العلمِ ومَناهجِهم القويمةِ، وأُفرِزُ الزَّائفَ الواهِيَ منها بدَليلِه.\nفليس البحثُ قائمًا على مُجرَّدِ دفعِ المُعارضات عن المَرويَّاتِ مطلقًا، بل إنِّي أُقِرُّ بعضها إذا بانَت لي وجاهتها، وإن كان ذا قليلًا في هذا البحث.\n\nوبالله التَّوفيق.\n_________\n(^١) انظر «مقاييس اللغة» لابن فارس (٥/ ٤٦٧)، و«تاج العروس» للزبيدي (٩/ ٢٣٠).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثَّاني\nإشكاليَّة الاستشكالِ المُعاصِر للأحاديثِ النَّبويَّة</span>\nمعلومٌ أنَّ مُهمَّة الرَّسول ﷺ بيانُ ما نُزِّل إليه من الوحيٍ قولًا وعملًا وتقريرًا، ومِن أشدِّ الآفاتِ الَّتي تَتَعرَّض لها سُنَّته في كلِّ زمانٍ، وفي وقتِنا الرَّاهن على وجه الخصوص: أنْ يقرأ بعضُ النَّاسِ المُتعَجِّلين حَديثًا، يَتَوهَّم له معنًى في نفسِه يُفسِّره به، يُعارض عنده أصولًا قطعيَّةً مُقرَّرة، فيُبادر إلى رَدِّ متنِه وتكذيب نسبتِه إلى المُصطفى ﷺ، لاشتمالِه على هذا المعنى المَرفوض.\nوما كان للبَيانِ أن يُناقِضَ المُبيَّن، ولا للفرعِ أن يُعارضَ الأصلَ، ولكنَّ كثيرًا مِن عَوامِل الثَّقافة المُعاصرةِ، تَستحوذُ على نَظرِ المُسلمِ إلى نصوصِ السُّنة بخاصَّةٍ، فتدفعُه إلى إرجاءِ كثيرٍ منها أو تأويلِه؛ ظنًّا منه أنَّ إثباتَها قد يُفضي بأقوامٍ من المُسلمين إلى التَّشكُّكِ في دينِهم، ويَأُزُّ آخرين من غيرهم إلى الطَّعنِ بصدق الرِّسالة، أو النُّفور مِن الدَّعوة.\nأو لكونِه يَرى أنَّ التَّمسُّكِ ببعض تلك النُّصوص الحديثيَّةِ قد يودي بصاحبِها إلى الانحرافِ السُّلوكي أو العَقديِّ.\nفانظر -مثلًا- إلى رشيد رِضا (ت ١٣٥٤ هـ)، كيفَ أعذَرَ أحدَ الأطبَّاءِ حَدِيثِي الإسلامِ في طعنِه بحديثٍ راسخٍ في الثُّبوت كحديثِ الذُّبابِ (^١)! فتراه يقول: «إنَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (ك: بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، رقم: ٣٣٢٠).","vol":"1","page":51},{"text":"ذلك المُسلمَ الغَيورَ لم يَطعَن في صِحَّة هذا الحديثِ كِتابةً، إلَاّ لعِلمِه بأنَّ تصحيحَه مِن المَطاعِن الَّتي تُنفِّر النَّاسَ عن الإسلام، وتكون سَببًا لرِدَّة بعضِ ضعفاءِ الإيمان، وقِليلي العلمِ» (^١).\nفهذا قد رأى نفسَه مُضطرَّةً لدفعِ هذا الحديثِ في نحرِه، لمعنى مُنكر انقدح في ذهنِه، من غير أن يدريَ أنَّ ما تَعجَّل إليه مِن إنكارٍ آخرُ مَرحلةٍ يبلُغها النَّاقد الحصيف في مُعالجةِ مُشكلاتِ النُّصوص! و«لعلَّه لو أنصَفَ وتَأمَّل، وبحَثَ، لَعَلِم أنَّ مَعنى الحديثِ ليس كما فَهِم، وأنَّه فَرَضَ عليه معنًى مِن عنده، لم يجِئْ به قرآنٌ ولا سنَّة، ولا ألزَمَت به لُغة العَربِ، ولا قال به عالمٌ مُعتَبَر مِن قبلِه» (^٢)، أو يكون الأصل الَّذي عارض به الحديثَ مَدخولٌ غير مُسَلَّمٍ.\nولكنَّه لعَجزِه عن توْفِيَةِ هذا المَسلك النَّقديِّ حَقَّه مِن النَّظرِ المتدرِّج، مع سابق هيمنةٍ للثَّقافةِ الغربيَّة على نمطِ تفكيرِه! آثَرَ رَدَّ الثَّابت عند أهل العلم، مستعملًا شتَّى الدَّعاوي العقليَّة لتسويغِ ذلك.\nالشَّاهد مِن هذا التَّوصيفِ: أنَّ هذا الطَّاعنَ في الحديث الصَّحيح، إنَّما دخلت عليه مادَّة اشتباهٍ في متنِه، ترَامى إلى ذهنِه منه معنًى باطلٌ، فأدَّاه هذا الاشتباه إلى الإشكال عليه، ثمَّ أدَّاه الاستشكالُ إلى الاستنكار!\nوبهذا تتبيَّن العلاقة بين الاشتِباه والاستشكال، كما يظهر في التَّالي:\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٢٩/ ٣٧).\n(^٢) «كيف نتعامل مع السُّنة النَّبوية» ليوسف القرضاوي (ص/٥٣).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الأوَّل\nمفهوم الاستشكال والاشتباه لمعاني النُّصوص الشَّرعيَّة</span>\nالمُشكلُ من جِهة اللُّغة: المُختلِط والمُلتبِس (^١).\nوأمَّا في رسمِ المُحدِّثين: فالحديث المَقبول إسنادُه، خَفِيَ المُراد مِن متنِه، لمُعارضته دليلًا آخرَ ثابتًا (^٢)، فهو بهذا أعَمُّ مِن مُختلِفِ الحديثِ، فإنَّ هذا يختَصُّ بمُعارضةِ حديثٍ لآخر مثلِه (^٣).\nفبهذا الاعتبارِ المَعنويِّ يكون المُشكل مُرادِفًا للمُتشابِه (^٤)، وهو ما لم يَتضِّح معناه، لدِّقَّته وغُموضِه، بحيث يُحتاج في فهمِه وتحديدِ المُرادِ منه، إلى تَفكُّرٍ وتَأمُّلٍ في معناه، وفي التَّوفيقِ بينه وبين ما يُعارِضه.\nوفي تقرير هذه العلاقة في المَعنى بين المُصطلحين، يقول ابنُ قُتيبة: «مِثلُ المُتشابِه: المُشكِل، وسُمِّي مُشكِلًا: لأنَّه أشكَلَ، أي: دخَل في شَكلِ غيره،\n_________\n(^١) «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (ص/١٠١٩).\n(^٢) انظر «مختلف الحديث وموقف النقاد والمحدثين منه» لـ د. أسامة الخياط (ص/٣٦)، و«مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين» لنافذ حسين (ص/١٣)، وقد استند كثير ممن عرَّفه من المعاصرين على ما كلام الطَّحاوي في مقدمة «شرح مشكل الآثار» (١/ ٦).\nولهذا المصطلح مدلول آخر عند الأصوليِّين من الحنفية، حيث يجعلونه قسمًا ثانيًا من أقسام الإبهام: أي ما خفي المُراد منه لسبب في نفس اللَّفظ، ولا يمكن أن يدرك إلا بقرينة تميزه عن غيره، انظر «أصول السرخسي» (ص/١٦٨)، وتعريف المحدِّثين ألصق بالتَّعريف اللُّغوي له.\n(^٣) انظر الفروق بينهما في «أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها» لـ د. الدبيخي (ص/٢٨).\n(^٤) انظر «لسان العرب» لابن منظور (١٣/ ٥٠٣) مادة: ش ب هـ.","vol":"1","page":53},{"text":"فأشبَهه وشاكَله، ثمَّ قد يُقال لمِا غَمُض -وإن لم يكن غموضه مِن هذه الجهة-: مُشكِلٌ».\nوقال أيضًا: «وأصل التَّشابه: أن يُشبه اللَّفظُ اللَّفظَ في الظَّاهر، والمَعنيان مختلفان .. ثَّم قد يُقال لكلِّ ما غمُض ودَقَّ: مُتشابه، وإن لم تَقَع الِحيرة فيه مِن جهة الشَّبَه بغيره» (^١).\n_________\n(^١) «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة الدينوري (ص/٦٨).","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الثَّاني\nمكانةُ علمِ مُشكلِ النُّصوصِ في الشَّريعة</span>\nبهذا يتبيَّن بأنَّ علمَ «كشفِ مُشكلِ الحديث» مِن أجَلِّ العلومِ الإسلاميَّة وأخطرِها، وذلك لِمَسِيسِ حاجةِ المسلمين إليه، لكثرةِ بواعِثِه عندهم، وقِلَّة مَن يُتقِنُه، فـ «تضطَرُّ إليه جميعُ الطَّوائف مِن العلماءِ.\nوإنَّما يَكمُل للقيامِ به، مَن كان إمامًا جامِعًا لصِناعَتي الحديثِ والفقهِ، غائِصًا على المَعاني الدَّقيقةِ» (^١)، قد اصطَفى ربُّنا -﵎- لأُمَّةِ نبيِّه ﷺ في كلِّ عصرٍ مَن كانت هذه صِفتُه، ليَذُبُّوا إشكالات العقولِ عن الشَّريعةِ بأحسنِ بيانٍ، ويُزيلوا عَوائقَ الفهمِ عنها بإتقانٍ.\nفكان منهم علماءُ فُهَماءُ مِلْءُ السَّمعِ والبَصَر، لم يَزل الحَيارَى يَستنجِدُون بفِقهِهم في هذا البابِ، وإنْ مَرَّ عليهم طولُ زَمانٍ، ليدفعوا به إشْكالاتِ الأذهان، ويُخرِسوا به لجاجَ أهلِ الكُفران، كالشَّافعيِّ في كتابِه «مُختلف الحديث» (^٢)، وابنِ قُتيبة في «تأويلِ مُختلفِ الحديث» (^٣)، والطَّحاوي في «شرح مُشكل الآثار»، وغيرهم.\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للسخاوي (٤/ ٦٦).\n(^٢) هو من جملة كتاب «الأم» للشافعي، وهو أوَّل من صنَّف فيه، ولم يقصد الاستيعاب، كما قال ابن الصَّلاح والعراقي، انظر «شرح التبصرة والتذكرة» (٢/ ٣٠٢).\n(^٣) أتى فيه بأشياء حَسَنة، وقصُر باعُه في أشياء لم يُوفِّها حقَّ الجواب، كذا قال ابن الصَّلاح والبُلقيني والعراقي، انظر «فتح المغيث» للسَّخاوي (٤/ ٦٧).","vol":"1","page":55},{"text":"فهذا الاستكناه مِن الأئمَّةِ للمُتشابهِ مِن النُّصوصِ الشَّرعيَّة، إنَّما هو سَعيٌ منهم لفهمِ مُراد الشَّارِع ابتداءً، ودفعًا لأيٍّ شُبهةٍ تَتطرَّق إلى الدِّين مِن خلالِها، لا ابتغاءَ درْكِ ما لا يُعلم تأويلُه بتكلُّف؛ فإنَّ مَن سَألَ عمَّا استَعجمَه فَهمُه مِن معنى آيةٍ أو حديثٍ التبسَا عليه، بُغيةَ رفعِ الجهل عنه، غيرَ قاصِدٍ للتَّشكيكِ في شيءٍ مِن ذلك: لم يكُن ذلك منه ولوجًا في مَن ذمَّهم الله في كتابِه باتِّباعِ المُتشابه.\nإنَّما ذاك عند ابن جريرٍ شأنُ مَن «ابتَدَع في دينِ الله بِدعةً، فمالَ قلبُه إليها، تأويلًا منه لبعضِ مُتشابه آيِ القرآن، ثمَّ حاجَّ وجادَل به أهلَ الحقِّ، وعَدَل عن الواضحِ مِن أدلَّةِ آيةِ المُحكَمات، إرادةً منه بذلك اللَّبسَ على أهلِ الحقِّ مِن المؤمنين، وطَلبًا لعلمِ تأويلِ ما تَشَابه عليه مِن ذلك» (^١).\nفهذا عينُه المَذموم المُرادُ بقولِ النَّبي ﷺ: «.. فإذا رأيتَ الَّذين يتَّبعون ما تَشابه منه، فأولئك الَّذين سَمَّى الله، فاحذروهم» (^٢)، يعني ﷺ قولَه تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].\n_________\n(^١) «جامع البيان» (٥/ ٢١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات﴾، رقم: ٤٥٤٧)، ومسلم في (ك: العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه، والنهي عن الاختلاف في القرآن، رقم: ٢٦٦٥).","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المطلب الثَّالث\nحالُ السَّلف مع مُشكلاتِ النُّصوص الشَّرعيَّة</span>\nفعلى ذاك الحالِ من السُّؤال المَشروعِ كان أصحابُ النَّبي ﵃، فإنَّهم مع ما أوتوه مِن عَقلِ رجيحٍ، ولسانٍ فصيح، كانوا يَستشكلون على النَّبي ﷺ ما التَبَس عليهم فهمُه مِمَّا أوحِي إليه.\nمِن مُثُل ذلك:\nما ذَكَره عنهم ابنُ مسعود ﵁ مَرَّةً، لمَّا نَزَلَت آية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، أنَّهم سألوا رسولَ الله ﷺ، فقالوا: أيُّنا لم يلبِس إيمانَه بظلمٍ! فقالَ رسول الله ﷺ: «إنَّه ليس بذاك، ألَا تسمَع إلى قولِ لقمان لابنِه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (^١)\nوليس يخفى حرصُ أمِّ المؤمنين عائشةَ على سؤالِ زوجِها ﷺ عمَّا أشكلَ عنها من نصوصِ الشَّرع، حتَّى أنَّها حين سمِعَته يقول: «مَن نُوقِشَ الحسابَ عُذِّب»، لم تَهَب سؤالَه والمَقامُ مَقامُ خشوعٍ وتذكيرٍ بالآخرة، فقالت: يا رسولَ الله، جَعَلَني الله فداءَك، أليس يقول الله ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]؟! فأجاب عن استشكالِها بقولِه: «ليس ذاك الحساب، إنَّما ذاك العَرض، مَن نوقِش الحساب يومَ القيامةِ عُذِّب» (^٢).\n_________\n(^١) أخرج البخاري في (ك: التفسير، باب ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، رقم: ٤٧٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الرقاق، باب: من نوقش الحساب عذب، رقم: ٦٥٣٦)، ومسلم في (ك: صفة يوم القيامة، باب: إثبات الحساب، رقم: ٢٨٧٦).","vol":"1","page":57},{"text":"فلِعلمِ أصحابِه ﵃ بمَوفورِ أجرِ مَن طَلَب ما غابَ عن عِلْمِه مِن مَعانِي الوَحْيِ، أقدموا على السُّؤال عن المُشكِلاتِ سُؤالَ المُتعلِّم لا المُتعنِّت، فإنَّ أحدًا مِن أصحابِه ﵃ لم يَقُل «إنَّ عقلَه مُقَدَّم على قولِ رسولِ الله ﷺ، وإنَّما كان يُشكِلُ على أحدِهم قولُه، فيسأل عمَّا يزيل شُبهَته، فيَتَبيَّن له أنَّ النَّصَّ لا شُبهة فيه» (^١)، وإن كان مِثلُ هذا «لم يَقَع مِن الصَّحابةِ إلَاّ قليلًا، مع تَوجُّهِ السُّؤال وظهوره» (^٢).\nأمَّا إن كان النَّص مُتَوقَّفًا في ثُبوتِه، مُحتمِلًا للخطأ في نقلِه، فإنَّ السَّلَف «الَّذين يَروُون الخبرَ على اشتمالِ أمرٍ باطلٍ، تارةً يَردُّونَه، ولا يَقبلون أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَه، وتارةً يُفسِّرونَه، ويتأوَّلونه بأمورٍ أخرى، وإن خَالَف الظَّاهرَ؛ فهذا القَدْرُ قد وَقَع مِن بعضِ الصَّحابةِ في مَواضع، ومِن التَّابعين أكثر، وكُلَّما تأخَّرَ الزَّمان كان وُقوعه أكثر.\nلكنْ إذا تَأمَّل العالمُ ما وَقَع مِن الصَّحابة والتَّابعين، وَجَد الصَّواب والحقَّ كان في الخَبرِ الصَّحيحِ، وأنَّ الَّذي غَلَّط راويَه برأيِه، كان هو الغالِطَ، وإنْ كانَ عظيمَ القدرِ، مَغفورًا غلطُه، مُثابًا على اجتهادِه» (^٣).\nوالحقُّ؛ أنَّه لم يكُن في علماءِ الأمَّةِ المَرضيِّين، مَن يَردُّ حديثًا بَلَغه مِن وجهٍ صحيحٍ، إلَّا لعُذرٍ يحتمِلُه له أكثرُ أهلِ العلمِ على الأقلِّ (^٤)، وهذه الأعذار الأصوليَّة نفسُها، يكون العالِم في بعضِها مُصيبًا، وفي بعضِها الآخر مُخطِئًا (^٥).\nيقول ابن تيميَّة: «لم يكُن في أئمَّةِ المسلمين مَن يقول: هذا خبرٌ واحدٌ في المسائلِ العِلميَّة، فلا يُقبَل، أو هذا خبرٌ واحدٌ مُخالفٌ للعقلِ، فلا يُقبَل، ومَن\n_________\n(^١) «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٥/ ٢٢٩).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني (١/ ١٩٧).\n(^٣) «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» (ص/٥٧).\n(^٤) انظر «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/١١).\n(^٥) انظر «الرسالة» للشافعي (ص/٤٥٨ - ٤٦٠).","vol":"1","page":58},{"text":"قال شيئًا مِن هذا، عَدُّوه مِن أهل البِدَع، لكونِه يُعارض السُّنةَ الصَّحيحةَ، بما لم يَجِئ عن الرَّسولِ، وكلامُ الرَّسول لا يُعارضِه إلَّا كلامُ الرَّسول» (^١).\nلكنْ معارضة الخبرِ المنفرِدِ إمَّا بظاهرٍ مِن القرآن، وإمَّا بما يَعتقِدُه مِن الإجماعِ، ونحوِ ذلك مِن الأدلَّةِ الشَّرعيَّة، قد كان يَقَع هذا مِن بعضِ السَّلفِ، كقولِ عمر ﵁ مثلًا: «لا ندعُ كتاب ربِّنا، وسنَّة نبيِّنا، لقول امرأةٍ، لا ندري هل حفِظت أو نَسيِت» (^٢).\nوكذا ما ذُكر عن عائشة ﵂ في مَواضع، مِن رَدِّ بعضِ الحديثِ بظاهرٍ مِن القرآن (^٣)؛ وكذلك ما يوجَد في مَذهبِ أهلِ المدينة مِن تقديمِ العَملِ، الَّذي يجعلونه إجماعًا على الخَبرِ، ويَستدلُّون بذلك على نَسْخِه؛ فهذا ونحوُه قد كان يَقَع مِن بعضِهم.\n_________\n(^١) «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» (ص/٨٦).\n(^٢) أخرجهما مسلم في (ك: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، رقم: ١٤٨٠).\n(^٣) أمثلتها عديدة في كتاب «الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة» للزَّركشي.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المَطلب الرَّابع\nنِسبيَّة الاستشكالِ للنُّصوص الشَّرعيَّة</span>\nقد اقتَضَت حِكمةُ الشَّارعِ ونصحُه، ألَّا يوجَد في نصوصِه ما لا يُمكِن لأحدٍ مِن الأمَّة مَعرفة مَعناه، فالدَّلائل الكثيرة توجِب القطعَ ببُطلانِ خلافِ هذا، حتَّى ما تَعَلَّق منها بالغَيْبيَّاتِ، كنصوصِ الصِّفات، وحقيقة البرزخِ وما بعده، ممَّا يعجزُ العقلُ عن إدراكِه، إنَّما يُجهَل منها الكَيفيَّة والحقيقة لا المَعنى، «إذْ يبعُد أن يخاطِبَ الله تعالى عبادَه بما لا سبيلَ لأحدٍ مِن الخلقِ إلى معرفتِه، .. بل يستحيلُ أن يتكلَّم بما لا يُفيد» (^١).\nفإذا تَقرَّر هذا؛ عَلِمنا أنَّ استشكالَ النَّاسِ للنُّصوصِ النَّبويَّة -كما هو آيُ القرآنِ- أمرٌ نِسبيٌّ إضافيٌّ، قد تشتبِه أفرادُه على بعضِ النَّاسِ دون بعضٍ، يُشكِلُ على هذا ما يعرفه هذا، بحسبِ اختلافِ مَدارِكِهم وأفهامِهم وآرائِهم (^٢)، لا سِيَما ما يَتَعلَّق منها بالأمورِ الغَيبيَّة، لقصورِ عِلمِ النَّاس في جانبِ علمِ الله تعالى وحِكمتِه (^٣).\nفمَن خَفِيَ عليه المَعنى المُراد، فهو مُتشابهٌ ومُشكِلٌ عنده، ومَن عَلِمَ المُرادَ منه، زالَ عنه الإشكالُ، وانتفى التَّشابه، وصارَ مُحكمًا عنده.\n_________\n(^١) «المنهاج شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٢١٨).\n(^٢) انظر «جامع أحكام القرآن» للقرطبي (٤/ ١٠ - ١١)، و«فتح الباري» لابن حجر (٨/ ٢١٠ - ٢١١).\n(^٣) انظر «درء التعارض» لابن تيمية (١/ ١٥١)، و«الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢٢٣).","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المطلب الخامس\nأسباب استشكالِ الأحاديثِ النَّبويَّة</span>\nلا شَكَّ أنَّ استشكالَ النّص الشَّرعي بعامَّةٍ راجع إلى أسبابٍ مَوضوعيَّة كثيرةٍ، مردُّهما إلى أصْلَين رَئِيسين، هما: الغلطُ في الفهمِ، والغلَط في ثبوتِ النَّص.\nوإليهما أشارَ ابن تيميَّة في قولِه: «.. إمَّا فسادُ دلالةِ ما احتجَّ به مِن النَّص، بأنْ لا يكون ثابتًا عن المعصوم، أو لا يكون دالًّا على ما ظَنَّه، أو فساد دلالة ما احتجَّ به مِن الميزان بفسادِ بعضِ مُقدِّماتِه أو كلِّها» (^١).\nالفرع الأوَّل: السَّبب الأوَّل لاستشكال النُّصوص: الغَلَط في الفَهْمِ.\nحُسن الفهم عن الله ورسولِه أصل كلِّ استقامةٍ وهدايةٍ في الدِّين والدُّنيا، وسوء الفهم عن الله ورسولِه، سببُ كلِّ انحرافٍ وضلالةٍ نشأت عبر عصورِ الإسلام؛ ومُعظم الفِرق الضَّالة، والجماعات البدعيَّة، إنَّما أهلكها سوء الفهم عن الله، فإذا انضمَّ إليه سوء القصد، صار حالقةً للدِّين بالتَّحريفِ والتَّبديل.\nولابن القيِّم كلمةٌ مضيئةٌ في ضرورةِ حسن الفهمِ لسُنَّة رسول الله ﷺ، يحضُّ فيها على أن يُفهَم عن الرَّسولِ مُراده، من غير غُلوٍّ ولا تقصير، فلا يُحمَل كلامُه مالا يحتمله، ولا يقصَّر به عن مُراده وما قَصَده مِن الهدُى والبَيان.\n_________\n(^١) «الرد على المنطقيِّين» لابن تيمية (ص/٣٧٣).","vol":"1","page":61},{"text":"يقول: «.. وقد حَصَل بإهمالِ ذلك، والعدول عنه مِن الضَّلال والعُدول عن الصَّواب، ما لا يعلمه إلَّا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسولِه أصلُ كلِّ بدعةٍ وضلالةٍ نَشَأت في الإسلام، بل هو أصل كلِّ خطأٍ في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد! فيتَّفق سوءُ الفهم في بعض الأشياء مِن المَتبوع مع حُسن قصدِه، وسوءُ القصدِ مِن التَّابع، فيا مِحنة الدِّين وأهلِه! والله المستعان» (^١).\nوسُوء الفهم الَّذي نعنيه هنا ينقسِمُ إلى قِسمين، أو يشمل نِطاقَين:\nالأوَّل: غَلَطٌ في فهمِ الحديثِ المُعارَض.\nوالثَّاني: غَلَطٌ في فهمِ الأصلِ المُعارَض به.\nالقِسم الأوَّل: الغلط في فهمِ الحديثِ المُعارَض:\nوذلك أنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ يُشكِلون على أحاديث لا يَفهمونها على وَجهِها، فيَحملونها على غير مُرادِ المُتكلِّم بها، ومِن ثَمَّ يُعارِضونها بدليلٍ آخرَ مُخالفٍ في حقيقتِه لفهمِهم ذاك للحديث؛ فتارةً يكون سوء الفهمِ هذا لغرابةِ اللَّفظِ في المتنِ، وتارةً لاشتباهِ المعنى بغيرِه، وتارةَّ لعدمِ التَّدبُّر التَّام، وتارةً لشُبهةٍ في نفسٍ الإنسانٍ تمنعه مِن مَعرفةِ الحقِّ (^٢).\nوعليه، كان من أعظمِ أسباب انحسارِ هَيبةِ الأخبار النَّبويَّة في القلوب، وتوليدِ المُعارضات عليها إحدى فاقِرَتين:\nالأولى: إمَّا سُقمٌ في فقه دلالات الحديث، فينشأ لدى الغالِط معنًى شائِهٌ، يكون لازمُه مُعارضة البراهين القطعيَّة، ويكون سبب ذلك:\nأن يَقع النَّاظر في الحديث في مَزلَّةِ التَّجزيءِ في القراءة والتَّعضية للنَّص، وذلك -مثلًا- بأن يَقرأ حديثًا ويُغفل آخر، أو يقرأ شطرًا من الحديث ويترك بعضَه.\n_________\n(^١) «الروح» (ص/٦٢ - ٦٣).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٧/ ٤٠٠).","vol":"1","page":62},{"text":"أو: بأن يُهمل سياقَ الحديثِ ومُراعاةَ سَببِ ورودِه.\nأو: بأن يُفرِطَ في الأخذِ بالظَّاهر، والَّذي يُفضي إلى الفصل بين النُّصوص الجزئيَّة، والمَقاصد الكليَّة للأحاديث، مِمَّا يُفسد تناسق الشَّريعةِ وترابطها (^١).\nوالفاقرة الثَّانية: استبطان بِدعةٍ تكون هي الأصل، والأحاديث تَبعًا لها؛ فيحصُل من ذلك التَّجاسُر عليها بالتَّأويل المُتعسِّف، أو التَّأبِّي عن قَبولِها.\nوهذا مَزْلَقٌ خَفِيٌّ مِن مَزالِق الفهمِ عن الله ورَسولِه، تَنَبَّه إليه ابنُ القَيِّم بشُفوفِ نَظَرٍ آتاه الله إيَّاه في النَّفسِ الإنسانيَّة، قد صاغه في جميل قولِه: «إذا امتلَأ القلبُ بشيءٍ، وارتفَعت المُباينة الشَّديدة بين الظَّاهر والباطنِ: أدَّت الأُذُن إلى القلبِ مِن المَسموع ما يُناسِبُه، وإنْ لم يَدُلَّ عليه ذلك المَسموع، ولا قَصَده المُتكلِّم! ولا يختصُّ ذلك بالكلامِ الدَّالِ على معنى، بل قد يَقَع في الأصواتِ المُجرَّدة» (^٢)\nفكان على هذا أخطر ما يقترِفُه مَن تَلَبَّس بشيءٍ مِن هذه المَوانع، أن يسارع المسارعة إلى إنكارِ نسبةِ النَّصِ إلى النَّبي ﷺ لوقوفه على تأويلٍ ضَعيفٍ مُتعسِّف له، يحسِبُه الظَّاهرَ مِن الحديثِ! فيَستدِلُّ على بُطلانِه لأجل ذلك الظَّاهر المُتوهَّم؛ فإنَّه لا أقلَّ مِن أن يُقدِّرَ إمكانَ أن يكون للحديثِ معنى صحيحٌ لم يُدركه، فإنَّ مُنتَهى الأمرِ أنَّه طَلَب فلَمْ يَجِدْ، وعَدمُ الوِجدان، لا يدلُّ على عدمِ الوجود.\nهذا إن تَجشَّم الطَّلبَ أصلًا! وما أقلَّ هذا الصِّنف من النَّاس في زَمانِنا.\nيقول ابن الوزيرِ اليَمانيُّ (ت ٨٤٠ هـ) في تقعيدٍ بَهيٍّ لهذا الباب: «إذا وُجِد بعضُ شُرَّاحِ الحديثِ .. قد يُؤَوِّل الحديثَ بتأويلٍ فيه تَعسُّفٌ، لم يُقطَع برَدِّ\n_________\n(^١) انظر هذه الأسباب مُفصَّلة في بحث لـ د. توفيق الغلبزوري بعنوان «أسباب الانحراف المعاصر في فهم السنة النبوية ومظاهره»، المُقدَّم لندوة «السُّنة النبوية بين ضوابط الفهم السديد ومُتطلبات التجديد» بكليَّة الدِّراسات الإسلاميَّة والعربيَّة بدُبي سنة ١٤٣٠ هـ ٢٠٠٩ م، (٢/ ٢١١) من النشرة المَطبوعة للنَّدوة.\n(^٢) «مَدارج السَّالكين» (٢/ ٣٨٦).","vol":"1","page":63},{"text":"الحديثِ، لأنَّه يجوز أنَّ القولَ بأنَّ ذلك تأويلُه قولٌ باطِلٌ، وأنَّ ذلك المتأوِّلَ إنمَّا صارَ إليه لقُصورِه في العِلمِ.\nوإنَّما يُحكَم برَدِّ الحديثِ، متى علِمنا أنَّه لا تأويلَ له صَحيحٌ، وأنَّه لا يدخل في مَقدورِ أحدٍ مِن الرَّاسخين أن يَهتدِي إلى معنى لطيفٍ في تأويلِهِ، ولكنَّ العلمَ بهذا صعبٌ عَزيزٌ، والدَّليل على صعوبتِه:\nأنَّ النَّاظرَ في الحديثِ لا يخلو: إمَّا أن يكون مِن الرَّاسخين في العِلم، الَّذين قيل: إنَّهم يعلمون التَّأويل، أم لا.\nإن لم يكُن منهم: فليس له أن يَحكُم بقُصورِهم وعجزِهم عن تأويلِه، لأنَّه لم يرتَقِ إلى معرفةِ التَّأويل الصَّحيح، ومَن لم يعرِفِ الشَّيء، كيف يحكُم بنفيِه أو ثبوتِه؟! وما أمَّنه أنَّه موجودٌ؟ لكن لعدمِ مَعرفتِه له جَهِلَهُ.\nوأمَّا إنْ كان النَّاظر في الحديث مِن الرَّاسخين: فإنَّه أيضًا يجوز عليه أن يجهَل التَّأويل» (^١).\nفإذا كان مِن هؤلاءِ الرَّاسخين في علومِ الشَّريعةِ، الغائِصين في بحارِ التَّأويل -كما يقول- مَن قد يتبادر إلى ذهنِ أحدِهم معنى باطل مِن الحديث، فيَعجزُ عن فهمِه على وجهِه الَّذي أرادَه منه قائله ﷺ، ويَعجزُ عن إيجادِ ما يُوائم الحديث مِن معنى مَقبول، فلا يُعفِيه عِلمُه الرَّسيخ أن يُبادِرَ إلى ردِّ الحديثِ؛ فكيف بمِن كانت سِلعَتُه في علوم الوَحيِ بائرةً؟! لا يَفتأُ يُنكِر الصِّحاحَ بنفسٍ جائِرةٍ، وفَهمٍ سَمِجٍ جعلَه هو ظاهرَ الحديثِ؟!\nوما أكثرَ ما يكون هذا الخَطلُ في أحاديث العَقائدِ، والمُتعلِّقة بصِفاتِ الله تعالى وأفعالِه بخاصَّة.\n_________\n(^١) «العواصم والقَواصم» (٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣).","vol":"1","page":64},{"text":"يقول ابن فورك (ت ٤٠٦ هـ) (^١):\n«ما اتَّفقَ أهلُ النَّقلِ على صِحَّته، وانتشَرَ فيهم، ولم يوجد له مُنكرٌ ولا مُفسِد، وذلك نحو حديثِ الرُّؤيةِ، ووَصفِ الله باليَدِ والنُّزولِ، وما جَرى مَجراه: فهذا البابُ مُنتشرٌ مُشتهرٌ لا دافع له، بل الكلُّ مِن أهلِ النَّقلِ مُجتمعون على صِحَّته، ولا يَطعنُ عليه إلَّا مُبتدعٌ يَرى رأيًا فاسِدًا، يَتَوهَّم أنَّه إذا قيل ذلك أدَّى إلى تشبيهِ الله ﷿ بخَلقِه!\nوقد قُلنا: إنَّه لا طريق لأحدٍ إلى إنكارِ الخَبرِ لأجلِ ما يتَوهَّمه مِن الفسادِ في معنى متنِه، وإنَّما يَتَطرَّق إلى إبطالِه بما يرجعُ إلى سَندِه: بكونِهِ مُنقطعًا، أو بأن يَرويه مجهولُ العدالة، أو مجروحٌ ظاهرُ الأمرِ في الكذب.\nفأمَّا ما يَتَوهَّمه مُبتدعٌ -بفسادِ رأيِه، ونقصِ معَرفتِه- أنَّ ذلك يُؤدِّي إلى الكذبِ، مِمَّا يُنزَّه بالله سبحانه عنه، فلا يَبطُل الخبرُ بمثلِه، ولا يَبقى إلَاّ الكشفُ عن فسادِ ما يَتَوهَّمه، وإبانةُ وجهِه على الصِّحة، مِن حيث لا يؤدِّي إلى تشبيهٍ ولا إلى تعطيلٍ» (^٢).\nفكانت على ذلك الإبانة عن النَّظرةِ المُهترئة إلى ظواهرِ الأحاديثِ في علاقتها بالبراهين العقليَّة والعِلميَّة عند المُخالفين، تُحتِّم الكشفَ عن حقيقةِ العلاقةِ الاتِّساقيَّة بين دلالةِ العقلِ والعلمِ وبين هذه الظَّواهر، فنقول:\nأوَّلًا: العَلاقة التَّوافقيَّة بين ظواهر النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، وبراهينِ العقلِ القطعيَّة:\nالعلاقة بين العقل وبَراهين العلمِ، وبين ظواهرِ النُّصوصِ عند المُخالفين لأهلِ السُّنة والجماعةِ، علاقةٌ تؤول -في الحقيقةِ- في كثيرٍ مِن حالاتِها إلى غايةٍ\n_________\n(^١) محمد بن الحسن أبو بكر ابن فورك الأصبهاني: شيخ المتكلِّمين، الأصولي، الأديب، النحوي، الواعظ، يحتذي معتقد الأشعري، أخذ عن أبي الحسن الباهلي تلميذ أبي الحسن الأشعري، بلغت تصانيفه في أصول الدين وأصول الفقه ومعاني القرآن قريبا من المئة، منها: «شرح مشكل الحديث»، و«التفسير»، انظر «الأعلام» (٦/ ٨٢).\n(^٢) «مشكل الحديث» لابن فورك (ص/١٦ - ١٨).","vol":"1","page":65},{"text":"واحدةٍ، تنصِبُ (العقلَ المَدْخول) حَكَمًا في فهمِها؛ ذلك أنَّهم كثيرًا ما يجعلون المعنى الفاسدَ هو الظَّاهرَ مِن الدَّليل السَّمعي، فيتسلَّطون بذا عليه إمَّا:\nبالتَّأويل، طلبًا لأنْ تكون معاني ما دَلَّت عليه البراهين الشَّرعيَّة مُوافقةً لُمرادِهم وأصولهِم، لا لمُراد المُتكلِّم بها أصالةً (^١).\nوإمَّا برَدِّه جُملةً إن لم يُسعِفهُم تأويلُه، بدعوى أنَّ ظاهرَه مُناقضٌ لمُقرَّرات العقلِ ومُسلَّمات الواقع.\nوعلى مثل هذا المهيع جرى الفَخرُ الرَّازي (ت ٦٠٦ هـ) (^٢) في مَقاماتِ التَّعارض بين ظواهر النُّصوصِ والعقليَّات، بحيث «يقطَعُ -بمُقتضى الدَّلائلِ العقليَّةِ القاطعةِ- بأنَّ هذه الدَّلائل النَّقليَّةُ إمَّا أن يُقال: إنَّها غير صحيحةٌ، أو يُقال: إنَّها صحيحة، إلَاّ أنَّ المُراد منها غير ظواهِرها» (^٣).\nوجاء بعده السَّنوسي (ت ٩٨٥ هـ) (^٤) وتبِعَه الصَّاوي (ت ١٢٤١ هـ) (^٥) ليعُدَّا التَّمسُّكَ بظواهرِ الأدلَّةِ النَّقلية مِن أصولِ الكُفرِ! كما تراه في قول الاخير: «أصولُ الكفرِ والبدعةِ سبعةٌ .. منها: التَّمسُّك في عقائدِ الإيمانِ بمُجرَّد ظواهرِ الكتابِ والسُّنة، مِن غير عَرضِها على البراهينِ العقليَّة، والقواطع الشَّرعيَّة» (^٦).\n_________\n(^١) «التَّدمرية» لابن تيمية (ص/٦٩).\n(^٢) محمد بن عمر التَّيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرَّازي: مُتكلِّم مُفسِّر، أوحد زمانه في المعقولات وعلوم الأوائل، قُرشي النَّسب، ومولده في الرَّي وإليها نسبتُه، أقبل النَّاس على كتبه في حياته يتدارسونها، وكان يحسن الفارسيَّة، من تَصانيفه: «مفاتيح الغيب» في التَّفسير، و«أساس التَّقديس» في العقائد، انظر «تاريخ الإسلام» (١٣/ ١٣٧).\n(^٣) «أساس التَّقديس» للرازي (ص/٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٤) محمد بن يوسف السنوسي: فقيه مالكي من فقهاء تلمسان في عصره، من تصانيفه: «عقيدة أهل التوحيد»، ويُسَمَّى «العقيدة الكبرى» و«أم البراهين»، انظر «شجرة النور الزكية» (١/ ٢٦٦).\n(^٥) أحمد بن محمد الصَّاوي الخلوتي أبو العباس: فقيه مالكي متصوف، تلقَّى العلم في الأزهر، من تصانيفه «الفرائد السنية على متن الهمزية»، و«حاشية على تفسير الجلالين»، انظر «شجرة النور الزكية» (١/ ٣٦٤).\n(^٦) قاله في «شرحه على جوهرة التَّوحيد» (ص/٢٤٩)، و«حاشيته على تفسير الجلالين» (٣/ ٩)؛ وانظر ردَّ محمد الأمين الشَّنقيطي على الصَّاوي عبارته هذه في «أضواء البيان» (٧/ ٢٦٦).","vol":"1","page":66},{"text":"وهذا المُستبشَع من الكلام مهما قُلنا في توجيهِ عبارتِه بما يَليق بمَقام هذين العَلَمَيْن، فإنَّ عِلَّة الوقوعِ في مثل هذا الغلط: اعتقادُهم أَنَّ ظواهرَ النُّصوصِ قد تَدلُّ على ما لا يَليقُ نِسْبتُه إلى الشَّرعِ لا بحسبِ الواقعِ! وهذا مَعلومٌ فَسادُه مِن شَريعتِنا؛ يتبيَّن بتحديدِ معنى الظَّاهرِ مِن النَّصِ الشَّرعيِّ، فنقول:\nالظَّاهر إذا أُطلِق قُصَد به: ما يَسبِقُ إلى العقلِ الفِطريِّ لمِن يفهم بتلك اللُّغة المُخاطَب بها؛ وهذا الظُّهور قد يكون بمُجرِّد الوَضْعِ، وقد يكون بدلالة السِّياقِ والقرائن المُحتَفَّة به (^١).\nولا ريبَ عند المُتحقِّقين بالوَحي الرَّاسخين في العلم: أنَّ النَّصَّ الشَّرعي لا يُمكن بحالٍ أن يكون غُفْلًا عما يُبِينُ عن مُراد الشَّارع، فإنَّ هذا مُمتنعٌ على مَن قَصَد بِشَرْعِهِ أن يكون هِدايةً للخلقِ، وعِصْمةً لهم مِن الضَّلال.\nوإحرازُ هذا الظَّاهرِ الحقيقيِّ للنَّصِ، يَستلزمُ لحْظَ معهودِ العَربِ في أسلوبِ تخاطُبِهم، وذلك أنَّ الألفاظَ قوالبُ المعاني، فاللَّفظ -مثلًا- قد يكون له مَعنى مُعجَميٌّ إذا تجرَّد عن التَّركيب، وقد يكون له مَعانٍ أخرى تظهرُ حين الاستعمالِ، فلا يَستبينُ مَدلُولُه إلَّا مِن خِلالِ تَركِيبهِ.\nومَعرفةُ معاني الألفاظِ عِلمٌ برأسِه، يَفتقِرُ إلى مَعرفةٍ واسعةٍ باللُّغةِ، وأساليب العَرَبِ في الخطاب (^٢).\nثمَّ إنَّ الظَّاهرَ الحقيقيَّ في بعضِ المَوارِد لا يُقتصَرُ في تحصيلِهِ على نصٍّ واحدٍ، بل النَّظرُ مُتَّجهٌ إلى جُملةِ الدَّلائلِ الشَّرعية؛ فإنَّ الوحيَ كالكَلِمة الواحدةِ، يصدِّقُ بعضُه بعضًا.\nوفي تقرير هذا الأصل في تلقِّي معاني الوَحي، يقول الشَّاطبيُّ (ت ٧٩٠ هـ): «مَأخذُ الأدلَّةِ عند الأئمَّة الرَّاسخين، إنَّما هي على أن تُؤخَذ الشَّريعة كالصُّورة\n_________\n(^١) انظر «إحكام الفصول» للباجي (١/ ٤٨)، و«الرسالة المَدَنيَّة» لابن تيميَّة (ص/٣١).\n(^٢) وعليه اشترط الأصوليين التَّمكنَّ فيها لمن قصد الاجتهاد في استنباط الأحكام من النُّصوص، انظر «الموافقات» (٤/ ١٦٢).","vol":"1","page":67},{"text":"الواحدة، بحسبِ ما ثبَت مِن كُليَّاتها وجزئيَّاتها المُرتبَّة عليها، وعامِّها المُرتَّبِ على خاصِّها؛ ومُطلقِها المحمولِ على مُقيَّدها، ومُجملها المُفسَّر بمُبيِّنها، إلى ما سِوى ذلك مِن مَناحيها؛ فإذا حَصَل للنَّاظر مِن جُملتها حكمٌ مِن الأحكام، فذلك هو الَّذي نطَقت به حين استُنطِقَت» (^١).\nفلِذا كان مِن الغَلَطِ المُحَقَّق حين تَناول النَّص تجريدُ اللَّفظِ مِن تركيبِه وسِياقِه ومَذهبِ المُتكلِّم به، ثمَّ قَصْرُ الظَّاهرِ على ما يَتبادَرُ مِن اللَّفظ مُجرَّدًا عن هذا كلِّه؛ هذا -بلا ريبٍ- قصورٌ في تحصيلِ الظَّاهر.\nوالأنكى من ذلك: أن تجِدَ المُخالِفَ يَبْني على مثل هذا القصورِ في نَظَرهِ إلى النَّص مُعاندةَ ما يَراه قطعيًّا للظَّاهِر الشَّرعيِّ! وكثيرًا ما يجري هذا الخطلُ المنهجيُّ على تفهُّم الأحاديثِ النَّبويَّة؛ والحقيقة: أنَّ المُناقضَةَ إنَّما هي واقعةٌ بين العقلِ، وما تَوهَّمه أنَّه ظاهِرُ النَّصِ، لا ظاهرَ النَّصِ في نَفْسِ الأَمر.\nوالَّذي نعتقده الحقَّ في ذلك: أنَّ البراهينَ إذا كانت قائمةً على صِدقِ الرَّسولِ ﷺ، وصِحَّةِ ما تَقبَّلته العلماء عنه مِن أخبارٍ، لَزِمَ الإيمان بها على مُرادِه هو ﷺ، ولا نَتَكلَّف فَهمَ ما لا نقدرُ على فهمِه، ولا نَرُدَّ ما لم نُحِط به خُبْرًا، فرُبَّ حقيقةٍ واقعةٍ لا نَفهمُها.\nولعَلَّ ما عجزنا عن إدراكِه اليومَ، نُدرِكُه غدًا على وجهِه، أو يُدرِكُه غيرُنا؛ فلا أضَلُّ مِمَّن ذَهبَ يَرُدُّ ما لم يَقدِر على فَهمِه، ولا أجهلُ مِمَّن كذَّب بالشَّيءٍ، لأنَّ الله لم يَشأ أن يُفهِمَه إيَّاه.\nثانيًا: نماذج مِن غَلَطِ المُعاصِرين في فهم الحديثِ المُعارَض.\nقد كثُر مِن مُنكِري السُّنَن المُعاصِرين الغَلطُ في فَهمِ الأخبار النَّبويَّة على وَجهِها الصِّحيحِ، وذلك منهم لضَعفِ عَربِيَّتِهم تارة، وعَدمِ إدراكِهم لسِياقاتِ النَّصِ، أو لمُجرَّد هَوىً تارة، يحمَلُ به الحديثُ على تأويلٍ مُتعسِّفٍ، أقربَ ما\n_________\n(^١) «الاعتصام» للشَّاطبي (٢/ ٦٢).","vol":"1","page":68},{"text":"يكون إلى الغَباوة، فضلًا عمَّا إذا حُمل لفظُه على معنًى يُخالف أصلًا مِن الأصولِ المَقطوعِ بها، ومِن ثَمَّ يُرَدُّ من أجلِه.\nفلذا كان مِمَّا يَجتثُّ دعوى التَّعارض بين الدَّلالة العقليَّة القاطعة وظَوَاهرِ الصِّحاحِ مِن جَذْرِها: ما تَراه مِن انعدامِ المِثالِ الصَّادقِ عليها، والصَّورةِ الصَّحيحة لذلك، فإنَّ كثيرًا مِمَّا يُمَثِّل به الطَّاعنون على ذلك مِمَّا هو في «الصِّحيحين»، يَكشفُ عن خَللٍ كبير في التَّنظير، جَرَّهم إلى أَخطاءٍ في التَّخريج والتَّطبيق.\nوليس مِن حظِّ هذه المَباحثِ استيفاءُ أمثلةِ ما غَلِطوا في فهِمه مِن الحديثِ فأهوَى بهم إلى إنكارِه؛ ولكنْ الكفاية حاصلةٌ للمُنصف الفهيمِ بمِثالَين لكلِّ قِسْمٍ من أسباب استشكال النُّصوص، فأقول:\nالمثال الأوَّل: حديثُ النِّيل والفُراتِ مِن الجَنَّة:\nوهو ما جاء في مسلم مِن حديث أبي هريرة ﷺ يرفعه: «سَيْحان، وجَيْحان، والفُرات، والنِّيل، كلٌّ مِن أنهار الجنَّة» (^١).\nوكذا قول النَّبي ﷺ بعد عودِه مِن مِعراجِه، في حديثِ مالك بن صَعْصعة ﵁ عنه قال: «.. ورُفعت لي سِدرة المُنتهى، فإذا نَبقها كأنَّه قِلال هَجَر، وورقُها كأنَّه آذان الفيول، في أصلِها أربعة أنهار: نهران باطِنان، ونهران ظاهِران، فسألتُ جبريل، فقال: أمَّا الباطِنان ففي الجنَّة، وأمَّا الظَّاهران: النِّيل والفُرات» (^٢).\nفيَحكِي مُصطفى الزَّرقا (ت ١٤٢٠ هـ) (^٣)، أن أستاذًا كبيرًا مِن أعلامِ القانون الوَضعيِّ في مصر والعَالم العربيِّ، قال له: «إنَّه اشترَى كتاب «صحيح البخاريِّ»،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة، رقم: ٢٨٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، رقم: ٣٢٠٧)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات، رقم: ٢٦٤).\n(^٣) مصطفى أحمد الزَّرقا: من علماء الفقه السُّوريِّين، وُلد بحَلَب سنة ١٣٢٢ هـ، تربَّي في بيت علمٍ على المذهب الحنفيِّ، درَّس في عدد كبير من كليَّات الشَّريعة العربيَّة، من مؤلَّفاته: «الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد»، و«نظام التأمين»، توفي (١٩٩٩ م ١٤٢٠ هـ).","vol":"1","page":69},{"text":"ثمَّ فَتَحه مرَّةً، فوَقَع نَظرُه على هذا الحديث .. فلمَّا كان ذاك الأستاذ يَراه مُخالفًا للواقعِ -إذْ أنَّ مَنابعَ هذه الأنهار مَعروفةٌ لكلِّ دارسٍ، فهي نابعةٌ مِن الأرضِ، وليست مِن الجنَّة- أعرَضَ عن صحيح البخاريِّ كلِّه، ولم يُفكِّر في مُجرَّدِ تصَفُّحِه بعدُ! (^١)\nفلو حمَلنا هذا الحديثَ على ما حَمَله عليه هذا القانونيُّ مِن كونِ الأنهار المذكورة تخرج الآن مِن الجنَّة، وتَنصبُّ منها، ولم نعبَأ أن نُنازعَ المُشاهَد في ذلك: حينئذٍ جاز لنا أن نستريب في الحديثِ حقًا! لأنَّ هذه الأنهار الأربعة مَوجودة في الأرض، مَعروفةٌ للنَّاس مِن مَبدئِها إلى مُنتهاها، مَشهودة لهم مَنابِعُها الأساسة، ومَصادرها الأوَّلِيَّة، ولكنَّ الأمر -ولله الحمد- على غيرِ الوَهمِ الَّذي استقرَّ في رأسِه، جرَّاء عُسرِ فهمِه للحديث.\nفأمَّا الحديثُ الأوَّل: حديث الأنهار الأربعةِ مِن أنهار الجنَّة:\nفالأمرُ فيه بيِّنٌ يَسير، وليس يُغاير المُشاهَد كما ادُّعِي، بل «المُراد به: أنَّ في الأرضِ أربعةَ أنهارٍ أصلُها مِن الجنَّة» (^٢).\nأو يُقال: «إنَّ الله أنزَلهُنَّ مِن الجنَّة قديمًا بعد أن كُنَّ فيها، لمنفعةِ النَّاسِ، وجَعَلهُنَّ في أماكنِهنَّ الآن مِن الأرض» (^٣).\nويؤيِّد هذا المعنى: رِوايةٌ أخرى للحديث جاءت بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرة ﵁: «فُجِّرت أربعةُ أنهارٍ مِن الجنَّة: الفرات، والنِّيل، وسيحان، وجيحان» (^٤).\n_________\n(^١) «كيف نتعامل مع السُّنة النَّبوية» للقرضاوي (ص/١٨٦).\n(^٢) «كوثر المعاني الدَّراري» للخضِر الشنقيطي (٦/ ٣٢٦).\n(^٣) «مشكلات الأحاديث النَّبوية» لعبد الله القصيمي (ص/٧٥).\n(^٤) أخرجه أحمد في «مسنده» (رقم: ٧٥٤٣)، والبزَّار في «مسنده» (رقم: ٧٩٥٦)، وقال أحمد شاكر في تخريج «مسند أحمد» (٧/ ٣١٥): «إسناده صحيح»، ولكن في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة اللَّيثي، روى له البخاري ومسلم مقرونًا، وهو حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الشَّيخين، وإنَّما الحديث صحيح لغيره.","vol":"1","page":70},{"text":"ثمَّ لْتَلْحَظ أنَّ الرَّوايةَ المُستشكلَة لم تقُل: إنَّ الأنهارَ في الجنَّة، بل فيها: «.. مِن الجنَّة»، ولا يخفى ما في العِبارتين مِن اختلاف في المعنى.\nوأمَّا الحديث الآخر: «في أصلِها أربعة أنهار، .. أمَّا الظَّاهِران فالنِّيل والفُرات»:\nفالجادَّة أن يُحمَل على معنىٍ لا يُخالف الواقع، فيُقال مثلًا: إنَّ نهرا النِّيل والفُراتِ المُسَمَّيَان في الحديثِ، هما على ما عُرِفا بأعيانِهما في الدُّنيا، وتكون مَادَّتهما ممَّا يَتنزَّل مِن السِّدرة، بطريقةٍ يعلمُها الله وتخفَى علينا (^١).\nوهذا ما قَرَّره النَّووي من معنى الحديث فقال: «.. إنَّ الأنهارَ تخرُج مِن أصلِها، ثمَّ تَسِير حيث أرادَ الله تعالى، حتَّى تخرُج مِن الأرض وتَسيرَ فيها، وهذا لا يَمنَعُه عَقلٌ ولا شرعٌ، وهو ظاهرُ الحديث، فوَجَب المصيرُ إليه» (^٢).\nوجائزٌ أيضًا أن يُحمل هذا الحديث على ما حَمَلنا عليه الحديث الأوَّل، بأن يكون مَبدأ هذين النَّهْرين ومصدرهما الأوَّلَ كان مِن الجنَّة، فتكون العبارة مِن بابِ إطلاقِ اسمِ الشَّيء على مَبادِئِه، فإنَّ للنِّيلِ والفُراتِ مَبْدآن في عالم الغَيب، فأطلقَ الوحيُ أساميَ الظَّاهر مِنهما في الدُّنيا، على مَبادئِهما المُغَيَّبة عنَّا (^٣).\nفهذه أوجه المَعاني الَّتي يُفهَم عليها الحديث، لا تَرى فيها أحدًا مِن أهلِ العلمِ أخَذَ الحديثَ على معنى المَصدَرِيَّة المُباشرةِ لتلك الأنهار؛ ولذا نرى العلماءَ قد تَعَقَّبوا القاضي عِياضًا (ت ٥٤٤ هـ) ظَنَّه أنَّ النِّيل والفُرات ما داما مِن سِدْرة المُنتهى، فأصلُ السِّدرة في الأرض (^٤)! وليس هذا بلازمٍ، فإنَّ كونَهما يَخرُجان مِن أصلِها شيءٌ، وخروجَهما بالنَّبعِ مِن الأرضِ شيءٌ آخر -كما قد مَرَّ قريبًا-؛ وإلَّا لَرُئيَتِ السِّدرةُ عند محلِّ خروجِهِما (^٥).\n_________\n(^١) «الميسَّر في شرح مصابيح السُّنة» للتُّوربشتي (٤/ ١٢٧٣).\n(^٢) «شرح النووي على مسلم» (٢/ ٢٢٤).\n(^٣) «فيض الباري» للكشميري (٤/ ٣١٢، ٥٣٢).\n(^٤) «إكمال المعلم» (١/ ٥٠٣).\n(^٥) انظر «شرح النووي على مسلم» (٢/ ٢٢٤)، و«عمدة القاري» للعيني (٤/ ٥٤)، و«كوثر المعاني الدَّراري» للخضر الشنقيطي (٦/ ٣٢٦).","vol":"1","page":71},{"text":"فالحاصِلُ: أنَّ البراهين قد قامَت على صِحَّةِ هذين الَخبرين عن النَّبي ﷺ، فلزِم أن نُؤمِن بذلك على مُرادِه ﷺ، ولا يُحمَل حديثُه على معنى يُخالف الواقعَ والمُشاهدَ مخالفةً تامَّة، مع أنَّ له معنى آخر يُوافقه، أو لا يخالفه على أقلِّ تقديرٍ.\nفإن قبِلنا هذا المنهج في اعتبار ظواهر الأخبار، وإلَّا فلا نُكلِّف أنفسَنا فَهْمَ ما لا نقدِرُ على فهمِه! ولا نَرُدَّ ما لم نُحِط به خُبرًا، ولنحترِم عقولَ الصَّحابةِ وتابعيهم، فإنَّهم مهما أخطؤوا في الرِّوايةِ، فلن تبلُغَ بهم السَّفاهةُ والحُمق -وحاشاهم مِن ذلك- أن يَرْوُوا للنَّاس شيئًا يخالف ما يُشاهدونه ضرورةً! ورُبَّ حقيقةٍ واقعةٍ لا نفهمُها.\nوالمثال الثَّاني: حديث «.. إن يَمُت هذا الغُلام، قامَت ساعَتُكم».\nوأعني به ما اتُّفِق عليه مِن حديثِ عائشة ﵂ وغيرِها: أنَّ رجالًا مِن الأعرابِ جُفاة كانوا يأتون النَّبيَّ ﷺ فيسألونه: متى السَّاعة؟ فكان ينظُر إلى أصغرِهم فيقول: «إن يَعِش هذا، لا يُدركه الهَرم حتَّى تقومَ عليكم ساعَتُكم» (^١).\nفقد ادَّعى جمعٌ مِن المعاصرين ظُلمًا افتراءَ الخبرِ على النَّبي ﷺ، لدعوى مُخالفتِه ما هو مَعلوم بالضَّرورةِ والحِسِّ عَدمُ تحقُّقِه، ذلك أنَّهم فهموا ربطَ الخبر لقيامِ السَّاعِةِ بوفاةِ الغلام! ما يستلزم قيامَها من أمَدٍ بعيد!\nتَرى هذا الفَهمِ العِوَجِ بارزًا لك في مثلِ قولِ (سامِر إسلامبولي): «المُلاحَظ مِن الحديث، أنَّ الجوابَ قد حَدَّد قيامَ السَّاعة خلالَ فترةٍ زمنيَّةٍ لا تتَجاوز أن يبلُغ الغلامُ سِنَّ الهَرم، أي ما يُقارب السِّتين عامًا، وقد مَضى على قولِ الحديث ألفٌ وأربعمائة عامٍ، ولم تَقُم السَّاعة! فهناك احتمالان: إمَّا أنَّ الغلامَ لم يبلُغ إلى الآن سِنَّ الهَرم، أو أنَّ السَّاعة قد قامَت ولم نَدرِ نحن! ونكون قد نَفذنا مِن الحساب!» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: الرقائق، باب: سكرات الموت، رقم: ٦٥١١) واللفظ له، ومسلم (ك: الفتن، باب: قرب الساعة، رقم: ٢٩٥٢).\n(^٢) «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٢٣)، وانظر «دين السلطان» لنيازي (ص/٤١١).","vol":"1","page":72},{"text":"ونحن -بدَوْرِنا- نسألُ هذا الفَهيم قائلين: متى كان سيظهر تكذيبُ الواقعِ لمثلِ هذا الخَبر الَّذي تحمِله على فهمِك هذا؟\nفلا بدَّ أن يقول: مثلُ هذا الأمرِ الجَليِّ الواضحِ في المخالفةِ للواقعِ، لابدَّ أن يكون قد ظَهَر لِمن قَبلنا بداهةً، وتحديدًا بعد هَرمِ الغُلامِ ومَوتِه، يعني بعد مائةِ سنةٍ على موتِ النَّبي ﷺ، وذلك على أقصى تقدير.\nفنقول له: قد وَجَدنا المُحدِّثين مع ذلك يُصحِّحون هذا الحديث، ولو بعد مرورِ هذه المُدَّة الَّتي ذكرتَ! فقد رَواه التَّابعون وأتباعُهم في كُتبِهم، ولا يزال علماء الإسلامِ يتناقلونه من ذاك الوقتِ إلى يومِنا هذا، مع ظهورِ كذبِه للأعمى كما تَدَّعي!\nفلا يبقى لنا في الحكمِ على هؤلاء المُحدِّثين حسبَ فهمِك إلَّا أحدُ احتمالين:\nأوَّلهما: إمَّا أنَّهم مجانين كلُّهم! يُصحِّحون ما يَظهرُ كذبُه لأغبى الخليقةِ، ويَلحقُهم في هذا الجنونِ عَوَام المسلمين، حين أقرُّوا عُلماءهم على تلك الغَباوة المُفرطة، وصدَّقوهم في مثل هذه الأخبار.\nوثانيهما: أنَّهم لم يجدوا في هذه الأخبارِ ما يُخالف الواقعَ بحالٍ! فلذلك قَبلوها.\nفظنِّي بهذا المُعترض -إن كان مُنصفًا- أنَّه مهما خالفَ البخاريَّ ومُسلمًا وسائر أهل الحديث في منهج النَّقد، فإنَّه لن يَبلُغَ به الشَّطَط في الخصومةِ أن يعتقد فيهم الجنونَ والتَّغابي إلى هذه الدَّرجةِ مِن البَله.\nفعليه أن يُقرِّر لزامًا: أنَّ لهؤلاء تفسيرًا للحديثِ يَدفعُ ما فهمه من مُعارضته للشَّرع والواقعِ؛ فلينظُر إذن في تفسيرِهم للحديثِ، ثمَّ لينقُده بعدُ إذا شاءَ أن يَنقُد، لكن لا يحِقُّ له بحالٍ أن يَتوهَّم في مَن صَحَّح الحديث مِن سادات الأمِّةِ، أنَّهم كانوا في غفلةٍ عمَّا ينقِمُه هو وأمثالُه من مُتعجِّلة من مُشكل الحديث.","vol":"1","page":73},{"text":"وسيأتي بيانُ المعنى السَّليم للحديث، والمُوافق للعقلِ والواقع، ويلحقُه الجوابُ على جُملةِ المُعارضاتِ المُوجَّهة له، وذلك في الباب الثَّالث مِن هذا البحث.\nوأمَا القِسم الثَّاني من قِسْمَي سوء الفهم الحاصلِ من المُعترضِ على صِحاحِ الأخبار: الَغلَط في فهمِ الأصلِ المُعارَضَ به:\nوذلك بأن يَجعلَ المعنَى الَّذي قرَّره الحديث، هو الظَّاهرَ الَّذي لا يُمكن أن يكون مُرادًا، لمُناقضتِه أصولًا قطعيَّة عنده (^١).\nفيكون فهمُ المُعترِضِ للحديثِ صحيحًا في ذاتِه، لكن عارَضَه في ذهنِه فهمٌ آخرُ لمِا تَوهَّمه أصلًا مِن الأصول القطعيَّة، ويكون ما اعتقَدَه أصلًا هو -في حقيقتِه- ناشئًا عن فهمٍ مغلوطٍ، أو مُخِلًّا ببعضِ مُقدِّماته ونتائجِه؛ فتَراه يُقدِّم هذا الفهمَ الخاطئَ لمِا يَراه كُليَّةً في الدِّين، أو يَظنُّه أمرًا مَقطوعًا به في علمٍ ما، يُقدِّم هذا على فهمِه الصَّحيحِ لإحدى أفرادِ النُّصوصِ الحديثيَّةِ.\nوهذه مَزَلَّة غير سهلةٍ، قد أوْقَعَت أكثرَ أهلِ المَقالاتِ البِدعيَّةِ في مُستنقَعِ الاستشكالاتِ، ورَدِّ المُحكاتِ بالمُتشابهات، وإليها إشارة المُعلِّميِّ (ت ١٣٨٦ هـ) في قولِه: «.. للاستشكالِ أسبابٌ، أشدُّها استعصاءً: أن يَدُلَّ النَّص على معنى هو حَقٌّ في نفسِ الأمر، لكن سَبَق لك أن اعتقَدْتَ اعتقادًا جازِمًا أنَّه باطل!» (^٢).\nوالقرآن أكثرُ الأصولِ النَّقليَّةِ الَّتي يُساء مُعارضة الصِّحاحِ من الأحاديث بها:\nوأظهرُ ما يَقَع به المُعارضةُ للأحاديثِ مِن الأصولِ، مِمَّا يُسيء المُعترِضُ فهمَها على وجهِها: القرآن الكريم؛ فإنَّ اتِّفاقَ الطَّوائف الإسلاميَّة كلِّها حاصلٌ على قُدسِيَّتِه، وقَطعِيَّةِ نقلِه، وعُلوِّه على كلِّ مَقالٍ.\n_________\n(^١) انظر «التدمرية» لا بن تيمية (ص/٦٩).\n(^٢) «الأنوار الكاشفة» (ص/٢٥٩).","vol":"1","page":74},{"text":"فكثيرًا ما نسمع مِن المُعترضين المُعاصرين مَن يحتجُّ على أنَّ الحديثَ يُعارض ظاهرَ القرآن معارضةً لا مندوحة معها مِن ردِّه، وعند التَّفتيشِ في معاني الآية المُعارَض بها، نجِدها تخلو مِن مُوجبٍ لردِّ الحديث.\nيحكي لنا ابن القيِّم (ت ٧٥١ هـ) حجمَ القصور الَّذي وقعت فيه هذه الطَّائفة في نظرها للقرآنِ، فقال: «.. رَدُّوا الحديثَ إذا خالَف ظاهرَ القرآن بزعمِهم، وجَعَلوا هذا مِعيارًا لكلِّ حديثٍ خالَفَ آراءَهم، فأخَذوا عمومًا بعيدًا مِن الحديثِ لم يُقصَد به، فجعلوه مُخالفًا للحديثِ، وردُّوه به» (^١).\nأمَّا عندنا أهل السُّنة، فإنَّ الحديث إذا صَحَّ وتَلَقَّته الأمَّة بالقَبول، كجمهورِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، كان مِن أشدِّ الأمورِ إحالةً أن يُعارِض القرآنَ، بل هو شاهِدٌ له ومُبَيِّن؛ على ما قَرَّره ابن عبد البرِّ (ت ٤٦٣ هـ) ونَقَل عليه اتِّفاقَ العلماءِ، فقال: «ليس يَسوغُ عند جماعةِ أهلِ العلمِ، الاعتراضُ على السُّنَنِ بظاهرِ القرآنِ، إذا كان لها مخرجٌ ووَجهٌ صحيحٌ، لأنَّ السُّنةَ مُبيِّنة للقرآنِ، قاضيةٌ عليه، غير مُدافعة له» (^٢).\nهذا الخطلُ في دركِ آياتِ القرآن، كان واقعًا قَديمًا منذ عهدِ الصَّحابِة ﵃، يَتأوُّلها كثيرٌ مِن النَّاسِ على غيرِ ما أُرِيدَ بها، فيأتي أهلُ العِلم بالقرآن والسُّنة، ليُبيِّنوا مُرادَ الله منها، مُستَرشِدين في ذلك بسُنَّةِ نبيِّهم ﷺ وسِيرَتِه؛ كان أوَّلهم أبو بكر ﵁ في خُطبةٍ له يُرشد النَّاس بقوله: «يا أيَّها النَّاس، إنَّكم تَقرَءون هذه الآيةَ، وتَضَعونها على غيرِ مَواِضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإنَّا سمِعنا النَّبي ﷺ يقول: «إنَّ النَّاس إذا رَأوا الظِّالم، فلم يأخذوا على يَديه، أوشَكَ أن يَعمَّهُم الله بعقابٍ» (^٣).\n_________\n(^١) «مختصر الصواعق المرسلة» (ص/٦٠٨).\n(^٢) «التمهيد» لابن عبد البر (١٧/ ٢٧٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود في (ك: الملاحم، باب: الأمر والنهي، رقم: ٤٣٣٨)، والترمذي في (ك: الفتن، باب: ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، رقم: ٢١٦٨)، وابن ماجه في (ك: الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم: ٤٠٠٥).","vol":"1","page":75},{"text":"ولأنَّ السُّنَن الصِّحاح على حالٍ مِن التَّوافق مع القرآنِ عند مَن أعطى كلَّ واحد منها حقَّها مِن النَّظر المنهجيِّ السَّليم، نجِد اللَّاهِجين بدَعوى المُعارضةِ يَتَخبَّطون في أخذِ الآياتِ على مَحامِل عِدَّة لا تستقيم على وزانٍ مُنتظِم، فلا نراهم يُبرِزون ضابِطًا مَوضوعيًّا دقيقًا للمُخالفةِ القرآنيَّة، حتَّى صار هذا البابُ خاضِعًا في مُجملِه للاستشكالِ الشَّخصي القائمِ في ذهنِ أحدِهمِ، أدَّى بهم -في واقعِ الحالِ- إلى اضطرابٍ وتَبايُنٍ، مِن مُوجِباتِه النِّزاعُ والخِلافُ النَّاتِجَين عن نِسبيَّة التَّطبيقِ.\nوعلى مثلِ هؤلاءِ المُغتَرِّين بفُهومِهم النَّائيةِ عن مُرادِ الوحي، تَصدُق كلماتُ ابنِ القَيِّم:\n«لو ساغَ رَدُّ سُنَنِ رسول الله ﷺ لمِا فَهِمَه الرَّجلُ مِن ظاهرِ الكتابِ، لرُدَّت بذلك أكثرُ السُّنَن، وبَطُلت بالكُليَّة؛ فما مِن أحدٍ يُحتَجُّ عليه بسُنَّة صحيحةٍ تخالف مذهبَه ونِحلتَه، إلَاّ ويُمكنه أن يَتشبَّث بعمومِ آيةٍ أو إطلاقِها، ويقول: هذه السُّنَّة مُخالفةٌ لهذا العمومِ والإطلاقِ، فلا تُقبَل!\nحتَّى أنَّ الرَّافضةَ -قَبَّحهم الله- سَلَكوا هذا المسْلكَ بعَيْنِه في رَدِّ السُّنَنِ الثَّابتةِ المُتواترةِ، فرَدُّوا قوله ﷺ: «لا نورِّث، ما تركنا صَدقةٌ»، وقالوا: هذا حديث يُخالف كتابَ الله، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]!\nورَدَّت الجهميَّة ما شاء الله مِن الأحاديثِ الصَّحيحةِ في إثباتِ الصِّفاتِ بظاهرِ قولِه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\nورَدَّت الخوارج ما شاء الله مِن الأحاديثِ الدَّالةِ على الشَّفاعةِ، وخروجِ أهل الكبائرِ مِن المُوحِّدين مِن النَّار، بما فهِموه مِن ظاهرِ القرآن.\nورَدَّت الجهميَّة أحاديثَ الرُّؤيةِ -مع كثرتِها وصِحَّتِها- بما فهِموه مِن ظاهرِ القرآن، في قولِه تعالى: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]» (^١).\n_________\n(^١) «الطرق الحكمية» لابن القيم (ص/٦٦).","vol":"1","page":76},{"text":"نعم؛ إنَّ مَسلك ردِّ الحديثِ لمُخالفةِ القرآنِ ليس مَنهجُا بِدْعيًّا في حدِّ ذاتِه، بل مَنهجٌ أصيلٌ مُعتَبر إذا تحقَّق مُوجِبُه، لا يَلزَمُ مِن تخبُّطِ مَن سَلَكه أنْ يكون باطلًا في نفسِ الأمرِ، فإنَّ المُتقرَّر عند أهل التَّحقيق في النَّقد، أنَّ «الأصلَ المَعلومَ بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، لا يُعارِضُه خبرٌ واحدٌ رواه الثِّقات، بل يُنسَبون في ذلك إلى الغَلط» (^١).\nلكن الشَّأن في تَحقُّقِ هذه المُخالفةِ أصالةً، وذلك لا يتحقَّق إلَّا:\nبأنْ يكون المعنى الَّذي نَسَبه المُعترِضُ لظاهرِ الآيةِ -مِمَّا يزعُم مُناقَضَتَه للحديثِ- تحتمِله الآيةُ حقًّا مِن غير تَكلُّفٍ.\nوكان مَسبوقًا في هذه النِّسبة مِن أهلِ التَّأويل.\nمع انعدامِ أوجهِ التَّأويلِ لدَرءِ ما يَظهَر مِن تَعارضٍ.\nأو لم يكُن للآيةِ وجهٌ مُعتَبرٌ آخرُ يُوافق الحديثَ عند ثلَّةٍ من أهلِ العلم.\nفأمَّا أن تُحمَل الآيات على معنى لا يوائم لُغة العَرب، أو كان خِلاف الظَّاهر منها، مُخالفًا لِتفسيرِ السَّلَف لها: فهذا أصلُ الخَلَلِ في هذا الباب.\nيقول الحجويُّ الفاسيُّ (ت ١٣٧٦ هـ) (^٢): «قول النَّاقلِ عن الشَّيخ عبدُه، أنَّ العلماء اتَّفقوا على أنَّ الحديث إذا خالَف القرآنَ يُنبَذ، فهذا الكلامُ اتَّفَق كلُّ مَن نقلَه على أنَّه مُقيَّد، وليس على إطلاقِه، فقد زادوا شَرطين:\nالأوَّل: أن تكون الآية صريحةً قطعيَّةَ الدَّلالة، والحديث ليس بمُتواتر،\n_________\n(^١) «جامع المسائل» لابن تيمية (٢/ ١٠٤).\n(^٢) محمد بن الحسن بن العربي الحجوي الثَّعالبي الجعفري الفلالي: فاسيٌّ من فقهاء المالكية السَّلفية في المغرب، دَرَس ودَرَّس في القرويِّين، وأُسندت إليه سفارة المغرب في الجزائر، وولي وزارة العدل فوزارة المعارف في عهد الاحتلال الفرنسيِّ، وبسبب تماهيه مع تنصيب ابن عَرَفة ملكًا للمغرب بدَلَ محمَّد الخامس، نَفَر منه كبار مُواطنيه وهَجَروه، ثمَّ عُزل بعد رجوع محمَّد الخامس، وتُوفيَّ بالرباط، ولم يُصلَّ عليه! حتَّى نقلت الحكومة المغربيَّة في عهد الاستقلال تُربتَه إلى مكان مجهول، له كُتب مَطبوعة مُفيدة، أجَلُّها «الفكر السَّامي في تاريخ الفقه الإسلامي»، انظر ترجمته في «إتحاف المُطالع» لابن سودة (٢/ ٥٦٠)، و«الأعلام» للزركلي (٦/ ٩٦).","vol":"1","page":77},{"text":"بل خبر آحاد مَظنونٌ، فتُقدَّم الآية عليها لأنَّها قطعيَّةٌ من جهة تواترها، وجِهة دلالتها القطعيَّة.\nالثَّاني: أن لا يُمكن الجمع بين القرآن والسُّنة، أمَّا إذا أمكنَ الجمع بينهما، فإنَّه لا يحلُّ لأحدٍ أن يدَّعي التَّعارض، ويعرض عن سُنَّة المُصطفى ﷺ» (^١).\nوالحاصِلُ: أنَّ هذا المَسلك في مُقابلةِ الأحاديثِ بالقرآنِ -لا شكَّ- مَسلكٌ وَعِرٌ، يُحذِّر العلماء مِن الولوغ فيه من غير سَنَدٍ علميٍّ متين، إذْ ليس «كلُّ النَّاسِ يَقدِرُ أن يَعرضِها على القرآنِ، فيعرِفَ ما وافَقَه منها ممَّا خالَفه، إنَّما ذلك إلى الفقهاءِ، العُلماءِ، الجهابذة، النُّقادِ لها، العارِفين بطُرقها ومَخارجها» (^٢).\nوبهذا تَعلمُ غَلَطَ مَن توسَّع في هذا البابِ مِن بعض فضلاءِ عصِرِنا، فاستعجَلَّ ردَّ بعضِ الأخبارِ النَّبويَّة الصَّحيحةِ لما انقدح في ذهنِه من ظاهرِ المُعارضة للقرآن، دون استقراء لتوجيهاتِ العلماءِ المَاضين لهذا، وهذا السُّلوك المَنهجيُّ الخاطئ، قد فَتَح البابَ واسِعًا أمامَ المُتطفِّلين ليعبَثوا في أدلَّةِ الشَّرع، فينكبُّوا على جَلْدِ كلِّ حديثٍ لا يَروق لهم بسِياطِ القرآن.\nوالقرآن مِن هذه الجهالاتِ بَراءٌ؛ حتَّى بَلَغَ السَّفَه بأحدِ أولاءِ الرُّوَيبضة أن يُطالِبَ «باستبعادِ قُرابةِ ألفَيْن إلى ثلاثةِ آلافِ حديثٍ، نِصفُها على الأقل ممَّا جاءَ في الصَّحيحين، لأنَّها تَتَعارض مع القرآن» (^٣)!\nوهذه بعضُ أمثلةٍ لأحاديثَ في «الصَّحيحين»، ردَّها المُعاصِرون لفهمِهم الخاطئِ لآيِ القرآن، فنقول:\nالِمثال الأوَّل: أحاديث الآياتِ الحِسِّيةِ للنَّبي ﷺ:\nحيث ادَّعى قومٌ بُطلانَ الأحاديثِ الواردةِ في إتيانِ النَّبي ﷺ لبعضِ الآياتِ الحِسيَّةِ، كانشقاقِ القَمر، وجَريانِ الماء مِن بين أصابِعه الشَّريفة، بدعوى أنَّ\n_________\n(^١) «الدفاع عن الصحيحين دفاع عن الإسلام» لمحمد بن الحسن الحجوي (ص/١٠٩).\n(^٢) «نقض الدَّارمي على المرِّيسي» (٢/ ٦٠٢).\n(^٣) وهو جمال البنَّا في كتابه «السنة النبوية ودورها في الفقه الجديد» (ص/٢٦٥).","vol":"1","page":78},{"text":"القرآنِ دلَّ على قَصْرِ ما اختَصَّ به النَّبيُّ ﷺ مِن المُعجزات في القرآنِ وحدَه، وأن ليس مِن اختصاصِه الإتيانُ بآياتٍ خارقةٍ للعادةِ.\nترى هذا الاعتراضَ ماثلًا في دعوى (عابدٍ الجابريِّ): «نحنُ نُؤكِّد -فعلًا- أنَّ الشَّيء الوحيدَ الَّذي يُفْهَم مِن القُرآن بأكملِه، أنَّه معجزةٌ خاصَّةٌ بالنَّبي محمَّد ﷺ: هو القرآن لا غير، فالقُرآن يَكفي ذاته بذاتِه في هذا الشَّأن ..» (^١).\nواستدَلَّ بقولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].\nوكان (رشيد رضا) مِن السَبَّاقِين قبلَه للاستدلالِ بهذه الآيةِ على نفيِ الآياتِ الحِسيَّة (^٢).\nوليس فيما استَدَلَّ به ولا الجابِريُّ مُستمسَكٌ، ولا في الآيةِ ما يَدلُّ على دعواهما، فإنَّ الإغلاقَ واقعٌ في الآيةِ لإجابةِ أهلِ مكَّةَ فيما اقترحوه مِن آياتٍ بعينِها، لا في مُطلقِ الآياتِ، وذلك لكونِ التَّكذيب بعد وقوعِ الخارقِ المَطلوبِ يوجِبُ هلاكَ المُكذِّبين، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، فلذا لم يُجِبهُم الله إلى طَلبِهم تلك الآياتِ بأعيانِها، رحمةً منه بقَومِ نبيِّه ﷺ.\nفعلى هذا، تكون (الـ) التَّعريفِ في ﴿الآيَاتِ﴾: عَهْدِيَّة؛ وإلَّا فحصولُ الكفايةِ بالقرآن هو حَقٌّ لا نُمارِي فيه، فهي الآيةُ الكُبرى للنَّبي ﷺ، لكنْ هذا لا يَقتضي نفيَ ما عداه مِن الآيات الحِسيَّة، والَّتي تَواترت عنه في الجُملةِ (^٣).\n_________\n(^١) «مدخل إلى القرآن الكريم» لمحمد الجابري (ص/١٨٧).\n(^٢) «مجلة المنار» (٣٠/ ٣٦٢).\n(^٣) وسيأتي مزيد تفصيلٍ في دفع المُعارضاتِ عن هذه الأحاديث في مَبحثِها المُناسب.","vol":"1","page":79},{"text":"المثال الثَّاني: حديث سِحر النَّبي ﷺ.\nفقد شَنَّع (محمَّد الغزالي) على أهلِ الحديثِ روايَتهم لحديثِ سِحْرِ لَبيدِ اليهوديِّ للنَّبي ﷺ، مع كونِه مُتَّفقًا على صِحَّتِه (^١)، حيث قال: «إذا صَحَّ هذا، فلِمَ لا يَصِحُّ قولُ المُشركين: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨]؟!» (^٢).\nومَعلوم أنَّ المَنزع القُرآنيَّ لهذه الشُّبهةِ اعتزاليٌّ قديمٌ، لا يَكاد يخلو منه كلامُ مَن رَدَّ الحديثَ مِن الأقدَمِين، وتوارَثه المُنكِرون المُتأخِّرون، كـ (محمَّد عبده) الَّذي احتجَّ بالآيةَ، ليرُدَّ على بعضِ الأزاهرةِ الَّذين أنكروا عليه نُكرانَه للحديث (^٣).\nوالآيةِ على غير ما أرَادا، فإنَّ المشركين إنَّما ابتغوا بقولهم: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾: أنَّ أمرَ النُّبوة كلُّه سِحْرٌ، وأنَّ ذلك ناشِئٌ عن أنَّ الشَّياطين استَولوا عليه -بزَعمِهم- يُلقون إليه القرآن، ويَأمرونَه، ويُفهِمونه، فيُصدِّقهم في ذلك كلِّه، ظانًّا أنَّه إنَّما يَتَلقَّى مِن الله ومَلائكتِه.\nولا ريبَ أنَّ الحال الَّتي ذُكِر في الحديثِ عُروضُها له ﷺ لفترةٍ خاصَّةٍ، ليست هي هذه الَّتي زَعَمَها المُشركون، ولا هي مِن قِبَلِها في شيءٍ مِن الأوصافِ المَذكورة (^٤).\nالفرع الثاني: مِن أسبابِ استشكالِ الأحاديثِ النَّبويَّة ضَعفُ النِّسبة.\nكثيرًا ما يُستشكَل حديثٌ تَلوح منه مَعالم المُخالفة الصَّريحة لصحيحِ المَنقول، أو صريح المَعقول، فيُتَّخذُ وسيلةً في تشكيكِ جَهلةِ المسلمين في سُنَّة نبيِّهم، ثمَّ يتَبيَّن بعد التَّفتيشِ عدم ثبوتِه عن النَّبي ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الطب، باب: السحر، رقم: ٥٧٦٦) ومسلم في (ك: السَّلام، باب: السِّحر، رقم: ٢١٨٩).\n(^٢) «الإسلام والطاقات المعطلة» (ص/٥٤).\n(^٣) «مجلة المنار» (٣٣/ ٤١ - ٤٣).\n(^٤) انظر «الأنوار الكاشفة» (ص/٢٥٢)؛ وسيأتي مَزيد تفصيلٍ في دفع المُعارضاتِ عن هذه الأحاديث في مَبحثِها المُناسب.","vol":"1","page":80},{"text":"أو يكون ما يُدَّعَى أصْلًا يُدفَعُ به في نحرِ الحديثِ هو الضَّعيفَ مِن حيث الثُّبوتِ، كأن يأتي المُعترضِ إلى واقعةٍ تاريخيَّة ما، فيرُدّ بها حديثًا ثابت الإسناد، بدَعوى أنَّه يخالف ما أثبتَته تلك الواقعة، مع أنَّ الواقعةَ ظَنِّية الثُّبوت! لا يجوز أن يُدفعَ بها حديثٌ قد صُحِّحَ لو فرضنا كونَه ظنيًّا أيضًا، فكيف إذا كان في «الصَّحيحين»؟ والطَّامةُ إذا كانت الواقعةِ التَّاريخيَّة المُعارَض بها مَكذوبةً مِن الأساسِ!\nوهذا السَّببُ في الاستشكال كسابقه مُتفرِّع إلى قِسمَين:\nالقسم الأوَّل: أن يكون الحديثُ المُعارَضُ غيرَ ثابتِ النَّقلِ أصلًا.\nوذلك بأن يُستشكَلُ خبرٌ مَرويٌّ في بعضِ مُصَنَّفات الحديث، ويكون مَعناه باطلًا مُعارِضًا لأصلٍ قَطعيٍّ مِن الأصول، فإمَّا:\nأن يتَكَلَّف ناسٌ مِمَّن لا خبرةَ لهم في الحديثِ تأويلَه على أوجهٍ مُتعَسِّفة (^١).\nأو يَرميَ به آخرونَ أهلَ الحديثِ بتَقبُّلِ الأباطيل، ويتنقَّصون به السُّنة وأهلَها؛ مع أنَّ الحديثَ في الأصلِ لو فَّتشوا إسناده، لوَجدوه ساقط الاعتبار.\nيقول ابن تيميَّة: «لا يُعلَم حديثٌ واحدٌ يُخالف العقلَ أو السَّمعَ الصَّحيحَ إلَاّ وهو عند أهلِ العلمِ ضعيفٌ، بل مَوضوعٌ .. فآخرون مِن الزَّنادقةِ والمَلاحِدة كَذَبوا أحاديثَ مُخالفةً لصريحِ العقل، ليُهجِّنوا بها الإسلام، ويجعلوها قادِحةً فيه» (^٢).\n_________\n(^١) تَرى أمثلةَ هذا تَتْرَى في كِتابِ «مُشكِلِ الحديثِ وبَيانُه» لابنِ فورك، من ذلك حديث: «إنَّ الله تعالى لمَّا قضى خلقَه، استلقى وَوَضَع إحدى رِجْلَيه على الأخرى، ثمَّ قال: لا ينبغي لأحدٍ أن يفعل مثل هذا»، فقد بالَغ ابن فورك في تأويلِه على أوجه مُستهجنةٍ في كتابه هذا (ص/١٢٠)، مع أنَّ الحديث مُنكر موضوع! انظر «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٢/ ١٧٧).\n(^٢) «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (١/ ١٥٠) (٧/ ٩٢)، وانظر «الصواعق المرسلة» لابن القيم (٣/ ٨٣٠).","vol":"1","page":81},{"text":"فهذا النَّوع مِن الواهياتِ لا وجود له في «الصِّحيحين» -ولله الحمد- فنُمثِّل بشيءٍ منهما.\nالقسم الثَّاني: أن يكون الأصلُ المُعارَضُ به غير ثابت.\nوذلك بأن يُأتى إلى حديثٍ صحيحٍ، فيُستَنكرَ متنُه، لأنَّه في زَعْمِ المُعترضِ يُخالفُ ما يعتقده حقيقةً، سواءٌ كانت تاريخيَّة أو عِلميَّة تجريبيَّةً أو نحو ذلك؛ وعند عَرضِ ما ادَّعاه تحت عَدَسة التَّحقيقِ، نجده مُجرَّد ظنونٍ لم تثبُت أصلًا، ولم ترقَ إلى القطعيَّات.\nوأضربُ مِثالًا لهذا القِسم يَكثُر الزَّلل فيه في زمانِنا المُتأخِّر على وجه الخصوصِ، فأقول:\nالفرع الأوَّل: مثال هذا القسم: الأحاديث المُدَّعاة مُخالفتها لمُقرَّرات العلومِ الحديثةِ.\nالمُتَقرَّر مِن منهجِ أهلِ السُّنةِ في هذا البابِ مِن التَّعارضِ بين الأحاديثِ الصَّحيحةِ ومُكتشفاتِ البَشَر في شتَّى العلومِ العصريَّة: أنَّ الكَلِمةَ العُلْيا فيه للنُّصوصِ الشَّرعيَّة الَّتي تَلقَّتها العلماءُ بالقبول، من غير إنكارٍ للعلمِ الحديثِ بوَسائِله المُبتَكرة النَّافعة، بل واستخدامِ نتائجِه القَطعيَّةِ في تعزيزِ مَكانةِ النُّصوصِ نفسِها.\nوالفتنةُ الكبرى الواقع فيها كثيرٌ مِن المُتشرِّعةِ في هذا الباب: سَعيُهم إلى التَّوفيق بين الأخبار النَّبويَّة وبين العلوم الحديثة في النَّتائجِ، لكنْ بمبدأِ سِيادةِ الثَّانية على الأولى! وقد يُعاد تفسيرُ الآياتِ القرآنيَّة، وتأويلُ الأحاديثِ بما يُوافِق تلك النَّتائج العِلميَّة، ولو ضُرِب بقواعد التَّفسير عرضَ الحائط، وإلَّا فما أسهل إبطال الأحاديثِ إذا خالَفت عندهم تلك المُكتشفات، ولو رَوَاها الثِّقات المُتثبِّتون.","vol":"1","page":82},{"text":"وهذا الاتِّجاه في النَّقد غير مَقبولٍ شرعًا ولا عقلًا، فإنَّ جوهرَ الدِّين يَقوم على كونِه مَتبوعًا لا تابِعًا، ولا يُمكن أن يُعَطَّل حديثٌ نَبويٌّ قد أخَذَت به الأمَّة قرونًا مُتطاولةً، بدَعوى مُعارضتِه لنَظريَّاتٍ أو مُكتشفاتٍ عِلميَّة، تُقدَّم هي نفسُها للتَّجربةِ لتُمتَحَن، بل قد تُعَدَّل إلى فروضٍ أخرى، لتُقدَّم للتَّجربةِ مرَّةً أخرى! (^١)\nفإنَّه كيْ «يُقال: إنَّ هذه حقيقةٌ عِلميَّةٌ، لا بُدَّ مِن أمرَين: إقامةُ دليلٍ دامغٍ على صِحَّتها، ثمَّ إقامةُ دليلٍ آخرَ على استحالةِ غيرِها» (^٢)؛ فرُبَّ حديثٍ صَحيحٍ، ظُنَّ ردحًا مِن الدَّهرِ أنَّه مُخالفٌ لمُقرَّراتِ العِلم، وبالبحثِ تَبيَّن أنَّ ما ظُنَّ مِن مُقرَّراتِ العلوم، ما هو إلَّا نظريَّات ظَنيَّة، أو آراء افتراضيَّة، بل أوهام باطِلة! ولعلَّ أجلى مِثالٍ على ذلك: نَظريَّةُ «دارْوِن» في النُّشوءِ والارتقاء (^٣).\nوها هُم علماء الغَربِ أنفُسهم، نراهم يعجزون عن إدراكِ حقائقِ الغَيبِيَّات الَّتي يجزم الإنسان بوُجودِها، وعن تفسيرِ كثيرٍ مِن الظَّواهرِ المُحَسَّة (^٤)، وعن الوصولِ إلى اليَقينِ في كثيرٍ مِن القضايا المَبحوثة، بل عَجَزَ كثيرٌ منهم عن تَفادي جُملةٍ مِن الأخطاءِ البَشريَّة في استنتاجاتِه المخبَريَّة، بل منهم من يَتعمَّد الكذب فيها!\nومِمَّن شَهد على شيءٍ من هذه البَوائقِ في تقرير مُخرَجات العلوم عند الغَرْبيِّين:\n_________\n(^١) انظر «مَوقف الاتِّجاه العقلانيِّ الإسلاميِّ من النَّص الشَّرعي» لـ د. سعد العتيبي (ص/١٤٦).\n(^٢) «دستور الوحدة الإسلامية»، محمد الغزالي (ص/١٦٠ - ١٦١).\n(^٣) «فتاوى معاصرة» ليوسف القرضاوي (٢/ ٤٢).\nأمَّا تشارلز دارْوِن (ت ١٨٨٢ م): فهو عالم أحياءٍ وجيولوجي بريطاني، اكتسب شُهرتَه لتأسيسه لنظريَّة التَّطور في كتابِه «أصل الأنواع»، ونظريَّتُه مَفادُها أنَّ الكائنات الحيَّة لها أسلافٌ مشتركة، كما أنَّ الإنسان سَلفُه قرد، وأنَّها مع مرور الزَّمن تَسبَّبت التَّغيُّرات التَّطوُّرية في أنواع جديدة، انظر «أيقونات التَّطوُّر» لجوناثان ويلز (ص/٢٤).\n(^٤) فنحن نعلم ما الَّذي تفعله الكهرباء، لكن لا نعلم لماذا تعمل الكهرباء ما تعمله!","vol":"1","page":83},{"text":"د. جِيمْس كونانْت (ت ١٩٧٨ م) (^١)، حيث قال: «.. إنِّي استطيعُ أن أكتبَ مجلَّدًا كبيرًا عن الأخطاءِ الَّتي وَقَعَت في تجاربِ علمِ الطَّبيعة، والكيمياء، وعلمِ الحيوان، مِن تلك الَّتي وَجَدَت سبيلَها إلى النَّشرِ في المائةِ عامٍ الماضية! واستطيعُ أن أكتبَ مجلَّدًا آخر كبيرًا كهذا، أسجِّل فيه ما تجمَّع في المائة عام الماضيةِ مِن آراءٍ لم تُثمِر أبدًا، ومِن أحكامٍ مُطلَقة، ونظريَّاتٍ ناقَضَ بعضُها بعضًا» (^٢).\nالفرع الثَّاني: القاعدة في باب التَّعارض بين الأخبار النَّبويَّة وبين مُكتشفات العلوم الحديثة.\nإنَّ تحريرَ مَقاصِد بعض أهل الحديث فيما قَعَّدوه مِن كونِ كلِّ خبرٍ كَذَّبه الحِسُّ أو التَّاريخ فهو باطل (^٣): هو أمرٌ مَتَحتِّم حقٌّ في ذاتِه، فإنَّ ما قَطَع العقلُ بواسطةِ الحسِّ باستحالته، يَستحيلُ بمُقتضاه اعتقاد صدقِ خبره؛ إذْ معنى ذلك الجمعُ بين النَّقيضَيْن (^٤).\nلكن لا يُسترْوَحُ إلى طعنِ النُّصوص بمُجرَّد ما يَنشأُ في وَهْمِ النَّاظر أنَّه مُخالَفةٌ للحسِّ أو التَّاريخ أو العلومِ الحديثةِ، فإنَّ البَلِيَّة مِمَّن يسارع إلى تَقديمِ ما يَراه الدَّليلَ العِلميَّ الحِسِّيَّ على الحديث عند بُدوِّ أيِّ تَعارضٍ بينهما، فيجعلُ جِهةِ التَّرجيحِ كونَ الدَّليلِ عَقْليًّا أو عِلْمِيًّا تجريبيًّا بإطلاق.\nوهذا لا شكَّ غلط من جِهة النَّظر القويم إلى مراتب الأدلَّة، بل الصَّحيح في مثلِ هذا المَقامِ، أن نسلُك ما سلكه بعضُ المُحقِّقين في مقامِ تَعارُض العَقلِيَّات مع النَّقليَّات، فنقول:\nهل هذا الحديث النَّبوي، وهذه النَّتيجة العِلميَّة التَّجريبيَّة، هما دليلانِ قَطعيَّان أم ظنِّيان؟ أو أنَّ أحدَهما قطعيٌّ والآخر ظنيٌّ؟!\n_________\n(^١) جِيمس كونانْت: أستاذ في الكيمياء، ورئيس جامعة (هارفرد) من سنة ١٩٣٢ إلى ١٩٥٣، انظر مقدمة د. أحمد زكي في ترجمتِه لكتابِ «مواقف حاسمة في تاريخ العلم» لـ د. كونانت.\n(^٢) «مواقف حاسمة في تاريخ العلم» (ص/٣٣).\n(^٣) انظر «الموضوعات» لابن الجوزي (١/ ١٥٠)، و«المنار المنيف» لابن القيم (ص/٤٤).\n(^٤) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٧٥٩ - ٧٦٠).","vol":"1","page":84},{"text":"١ - فإن قيل أنَّهما قَطعيَّان: فإنَّ القطعيَّ لا يعارضُه قطعيٌّ آخر، كما تقدَّم.\n٢ - وإن كانا ظَنِّيين: فالمُقدَّم هو الرَّاجح منهما على الآخر، سواءٌ كان نقلِيًّا أو عِلميًّا تجريبيًّا؛ فمدخل التَّقديم هنا هو الرُّجحان، لا كونه نَقليًّا أو عِلميًّا.\n٣ - وأمَّا إنْ كان أحدُهما قَطعيًّا والآخرُ ظَنيًّا: فالقَطعيُّ هو المُقدَّم مُطلقًا (^١).\nفأحسَبُ أنَّ هذا التَّقسيمَ واضحٌ مُتَّفَق على مَضمونِه بين العُقلاء.\nوشَرطُ هذا القَطْعِ: التَّحقُّقُ مِن حصولِ مُخالفةِ الحديثِ للحسِّ أو الواقع المُشاهَد أو مُقرَّرات العلمِ القطعيَّة؛ فإنَّ هذه قد يَعتريها الغَلَط والوَهْم أو الكذب، وما يُقَدَّر وُرُودُه على النَّقلِ، يُقدَّر ما هو أبلَغُ منه على الحِسِّ والتَّجربة.\n_________\n(^١) سيأتي تفصيل هذه القاعدة في المَبحث التَّالي.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المطلب السَّادس\nمنهج أهل السُّنة في التَّعاملِ مع الأحاديثِ المُشكِلَة</span>\nمِن كمالِ منهجِ أهلِ السُّنةِ في التَّعامل مع هذه الإشكالاتِ المَعنويَّة على نصوصِ الحديث النَّبوي الشَّريف، أنَّهم أصَّلوا أصولًا ارتكزوا عليها لدفعِ هذه المُتشابهات عنها، وقعَّدوا قواعدَ لدَرْءِ التَّخالفِ بينها، فأبقوا على مَنابعِ الأدلَّةِ السُّنيَّةِ صافيةً غيرَ آسِنة، لا تُكدِّرها دِلاء شُبهةٍ أو اضطرابٍ.\nوالحِبالُ إذا تَعَقَّدت، قَطَّعها الجاهلُ، وحَلَّها العاقل!\nلأجل هذا اجتهدتُ في جمع أهمِّ المَعالم السُّنيَّة الَّتي ينبغي للسَّالك أن يَهتدي بها في طريقِه إلى حَلِّ ما أشكَلَ على فهمِه مِن النُّصوصِ الشَّرعيَّة، وهي على النَّحوِ التَّالي:\nالمَعلم الأوَّل: الاعتقادُ المَبدئيُّ بعدمِ الاختلافِ بين الأدلَّةِ الشَّرعيةِ نقليِّها وعقليِّها.\nإنَّ استصحابَ النَّاقد لأصلِ التَّوافق بين الثَّابت من الحديث، وغيره مِن أدلَّةِ الشَّرع والعقل: أمارةٌ على حُسن تسليمِه للنُّصوصِ الشَّرعيَّة، ونجاتِه من إثمِ ضربِ بعضِها ببعضٍ؛ ولذا يجدُ مَن تَتبَّع أحوالَ هؤلاء الوالغين في الصِّحاحِ باللَّمز والطَّعن، أنَّ «مِنهم خَلقًا كثيرًا في قلوبهم رَيْبٌ في نفسِ الإيمانِ بالرِّسالة! وفيهم مَن في قلبِه ريبٌ في كونِ الرَّسولِ أخبَرَ بهذا» (^١).\n_________\n(^١) «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٦/ ٥).","vol":"1","page":86},{"text":"وفي تقريرِ ركنيَّة هذا المَعْلم في النَّظر إلى نصوص الوحي، يقول الشَّاطبيُّ:\n«لا تَضَادَّ بين آياتِ القرآن، ولا بين الأخبار النَّبويَّة، ولا بين أحدِهما مع الآخر، بل الجميعُ جارٍ على مَهيعٍ واحدٍ، ومُنتظم إلى معنى واحدٍ، فإذا أدَّاه بادئُ الرَّأي إلى ظاهرِ اختلافٍ، فواجبٌ عليه أن يعتقد انتفاءَ الاختلافِ، لأنَّ الله قد شهِدَ له أن لا اختلافَ فيه، فليَقِفْ وقوفَ المُضطَرِّ السَّائلِ عن وجهِ الجمع، أو المُسلِّمِ مِن غير اعتراضٍ» (^١).\nالمَعلم الثَّاني: الاستِشكالُ لا يَستلزِمُ البُطلان.\nترتيب التَّسارع في الإبطالِ للدَّلائل النَّقليَّة على انقداحِ الاستشكال من أوسع أبواب الباطل الَّتي اقتحمها المُتذمِّرون من السُّنَن، فقد تَبيَّن في ما تقدَّمَ كون مُجرَّد استشكالِ الحديثِ لا يعني بُطلانه بالضَّرورة، تمامًا كما يحصُل أنَّ يستشكل كثير من العقلاء آياتٍ مِن القرآن الكريم، من غير أن يدعوهم ذلك لأنْ يُبطِلوها.\nوالحقُّ أنَّ الخَلَل في ظنِّ البُطلان، أكثر جدًّا مِن الخَلل في الأحاديثِ الَّتي تقبَّلتها الأئمَّة (^٢)، والمرءُ كثيرًا ما يُؤتى من قِبل رأيه واجتهادِه، فكان اتِّهامُه لفهمِه الواحدِ أوْلى من اتِّهامِ الفهمِ الجَمعيِّ للأمَّة.\nوفي نفي هذا التَّلازم بين استشكال النَّص وبُطلانه، يقول ابن تيميَّة (ت ٧٢٨ هـ):\n«إنَّ الأحاديث النَّبويَّة مِن الصَّحاحِ، مَن ردَّ منها شيئًا، وفهم مِن ظاهرِه معنًى يعتقدُ أنَّه مخالفٌ للقرآن أو للعقل، فمِن نفسِه أُوتي؛ فإنَّ المُقرِّرين للنُّصوصِ هم أرفعُ الخلقِ وأعلاهم طبقةً، إذْ جَمَعوا المعرفةَ والفهم، فإنَّ الصِّديقَ ﵁ كان أعلَمَهم بما قال النبَّي ﷺ وأفهمَهم لمعانٍ زائدةٍ مِن الخطاب، لا تُستفاد بمُجرَّد اللُّغةِ والعِلم باللِّسان، بل هي مِن الفهمِ الَّذي يؤتيه الله عبدَه» (^٣).\n_________\n(^١) «الاعتصام» للشاطبي (ص/٨٢٢).\n(^٢) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢٩٣).\n(^٣) «جواب الاعتراضات المصرية على الفُتيا الحموية» (ص/٨٠).","vol":"1","page":87},{"text":"ويقول المعلِّمي: «لا نزاعَ أنَّ النَّبي ﷺ لا يُخبر عن ربِّه وغَيْبِه بباطلٍ، فإن رُوي عنه خَبرٌ تقوم الحجَّة على بُطلانه، فالخَلل مِن الرِّواية، لكنَّ الشَّأن كلَّ الشَّأن في الحكمِ بالبُطلان! فقد كثُرَ اختلافُ الآراءِ، والأهواءِ، والنَّظرياتِ، وكَثُر غلطها، ومَن تَدبَّرها وتَدبَّر الرِّوايةَ وأمعنَ فيها، وهو ممَّن رَزَقه الله تعالى الإخلاصَ للحقِّ والتثبُّت: عَلِم أنَّ احتمالَ خطأِ الرِّوايةِ الَّتي يُثبتها المُحقِّقون مِن أئمَّة الحديث، أقلُّ جدًّا مِن احتمالِ الخطأِ في الرَّأيِ والنَّظر» (^١).\nوخُذْ على هذا المَعلمِ مثالًا عمليًّا، تجد الجميلَ فيه أنَّه آتٍ من رأسٍ من رؤوس المُعتزلة! أعني به إبراهيم بن سيار النَّظام (ت ٢٣١ هـ):\nوذلك أنَّه حين بَلَغه -وهو حَدَثٌ صغير- حديثُ أبي هريرة ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن الشُّرب مِن فمِ القِربة أو السِّقاء» (^٢)، قال النَّظام: إنَّ لهذا الحديثِ لشَأنًا؟! وما في الشُّرب من فم القِربة حتَّى يجيء فيه هذا النَّهي؟! فلما قيل لي: إنَّ رجلًا شرب من فم قربةٍ، فوَكعته حيَّةٌ فمات! وإنَّ الحيَّات والأفاعي تدخلُ في أفواه القِرَب؛ علمتُ أنَّ كلَّ شيءٍ لا أعلمُ تأويلَه مِن الحديث، أنَّ له مذهبًا وإنْ جهلتُه» (^٣).\nالمَعلم الثَّالث: العَملُ بمُحكَماتِ النُّصوص، والإيمان بمُتَشابِهها.\nوذلك أنَّه يلزم كلَّ مسلمٍ تُجاه نصوصِ الكتابِ والسُّنة الإيمانُ بها مُحكَمِها ومُتشابِهها، والعملُ بما استبانَ له منها، وما اشتَبَه عليه من ذلك وَكَل علم حقيقته إلى الله تعالى، وهذا منصوص أئمَّة السَّلَف بعامَّة (^٤)، مُسترشدين بقولِ الله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢٣٦ - ٢٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الأشربة، باب: الشرب من فم السقاء، رقم: ٥٦٢٧).\n(^٣) «جامع بيان العلم وفصله» لابن عبد البر (٢/ ١١٩٥).\n(^٤) انظر «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي (٣/ ٧).","vol":"1","page":88},{"text":"فما أخبرَ به الرَّسول ﷺ عن ربِّه مِمَّا ثبت به النَّقلُ عنه، وتُلقِّي بالقبول عند أئمَّة هذا الشَّأن، فإنَّ الإيمانَ به واجب، سواء أدركنا معناه واستوعبنا فهمَه أو لم نفعل، لأنَّه الصَّادِق المَعصوم ﷺ، وأُمَّتَه لا تجتمع على تصديقِ كَذِبٍ عنه (^١).\nالمَعْلم الرَّابع: تحكيمُ أصولِ المُحكمات في فقهِ الأحاديثِ المُشتبِهات.\nالواجبُ أن يُجعَل ما أنزله الله تعالى مِن الكتابِ والحكمةِ أصلًا في جميعِ الأمور (^٢)، فحَقُّ المُحكَم أن يُرَدَّ إليه المُشتبِه في بابِه، كما يلزم رَدُّ المحتمِل إلى غير المُحتمِل، والعامِّ إلى الخاصِّ، والشَكِّ إلى اليقين، لقُوَّتها مِن جهة الدَّلالة، استنباطًا من قولِ الله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧].\nقال ابن كثير: «أي: أصلُه الَّذي يرجع إليه عند الاشتباه» (^٣).\nومَنشأ القول بذلك: أنَّ الأقوى مُقدَّم عند التَّعارض شرعًا وعقلًا، فكان بهذا «المُحكَم أبَدًا أصلًا تُرَدُّ إليه الفروع، والمُتشابه هو الفَرع» (^٤)؛ وعلى هذا الأساس ابتنى السَّلَف نظرتهم في نصوص الوَحي عند الاشتباهِ في معانيها، بأن ردُّوها إلى مُحكماتِ النُّصوص الأخرى في بابِه، توخِّيًا لتفسير تلك المُشكلات.\nينقُل ذلك عنهم ابن القيِّم فيقول: «طريقةُ الصَّحابة والتَّابعين وأئمَّة الحديث -كالشَّافعي، والإمام أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، والبخاري، وإسحاق- هي: أنَّهم يَردُّون المُتشابه إلى المُحكَم، ويأخذون مِن المُحكَم ما يُفسِّر لهم المُتشابه ويُبيِّنه لهم، فتَتَّفق دلالته مع دلالة المُحكمِ، وتوافق النُّصوص بعضُها بعضًا، ويُصدِّق بعضها بعضًا، فإنَّها كلُّها مِن عند الله، وما كان مِن عند الله فلا اختلافَ فيه، ولا تَناقض، وإنمَّا الاختلافُ والتَّناقض فيما كان مِن عند غيرِه» (^٥).\n_________\n(^١) انظر هذا المعنى في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣/ ٤١).\n(^٢) انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٧/ ٣٠٦).\n(^٣) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٢/ ٦ - ٧).\n(^٤) «جامع أحكام القرآن» للقرطبي (٤/ ١٠).\n(^٥) «إعلام الموقعين» لابن القيم (٢/ ٢١٠).","vol":"1","page":89},{"text":"إنَّ المُوازنةَ الصَّحيحةَ في الإشكالات، تقتضي التَّمييزَ بين الأصلِ والإشكالِ أوَّلًا، «فإنْ وَرَد عليه إشكالٌ جزئيٌّ على أصلٍ كليٍّ مُتقرِّر لديه، فمِن العقل أن لا يهدم الأصلَ لوجودِ إشكالٍ عارضٍ عليه .. بل عليه أنْ يحفظَ الأصلَ كما هو، ويُبقي هذا الإشكالَ شُبهةً يَبحثُ عن حَلِّها؛ فإنَّه منَ نَظَر إلى بناءٍ شاهقٍ مُتماسك، فوَجَد فيه خُدوشًا ما، أو رُسوماتٍ لم يفهم الحاجةَ منها، فليس مِن العقلِ أن يُلغِيَ البناءَ كلَّه، نظرًا لوجود هذه المَلحوظات الجزئيَّة!» (^١) بل يجعلُ هذه ضمنَ حِكمةٍ مِعماريَّةٍ جماليَّةٍ ما، وإن كان هو يجهلُها.\nفمِن أمثلةِ ما ادُّعي فيه الفَساد مِن المُحكمات، بدعوى الإبقاءِ على شمول مَعنى المُشتبِه:\nما تراه -مثلًا- مِن ردِّ القاضي عبد الجبَّار (ت ٤١٥ هـ) لمعنى «الزِّيادة» في قولِه تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، بقولِه: «ربَّما تَعلَّق به مَن يقول بجوازِ الرُّؤيةِ على الله، ويروي فيه ما يُقوِّي تأويلَه، وليس للآيةِ ظاهرٌ، لأنَّه لم يَذكُر تلك الزِّيادة! فمِن أين أنَّ المُراد ما قالوه؟! ..» (^٢).\nفالسَّببُ الأبرز الَّذي دَعا القاضي قولَ هذه البائقة: اعتبارُه العقلَ المُجرَّد مِعيارًا أوَّليًّا للتَّمييز بين ما هو مُحكَمٌ ومُتشابِه، لا الشَّرعَ نفسَه؛ وهنا مَكمَنُ الخَللِ، ولذا تراه يقول بصريحِ العبارة: «يجبُ أن يُرتَّب المُحكَم والمُتشابه جميعًا على أدلَّةِ العقول» (^٣).\nالمَعلم الخامس: التَّفتيش في الإسنادِ عن مُوجِب الخَلَل عند الرُّكون إلى فسادِ المتن.\nما استشكَل المسلمُ معناه مِن الأحاديث الصَّحيحة، أو ظَنَّه مُعارضًا لأصلٍ آخر، فإنَّه لا يجوز له رَدُّه حتَّى يستيقن فسادَه، وكمالُ ذلك أن يجدَ في نَقَلتِه مَن\n_________\n(^١) مقال بعنوان: «سيد الضمانات الفكرية» لـ د. فهد العجلان، مجلة البيان العدد ٣١٣ رمضان ١٤٣٤ هـ. بتصرف يسير.\n(^٢) «متشابه القرآن» للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص/٣٦١).\n(^٣) «متشابه القرآن» للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص/٧ - ٨).","vol":"1","page":90},{"text":"يُحمِّله تَبِعتَه، كما كان يصنع نقَّاد الحديث، فإنَّهم رَدُّوا أحاديث بمُخالفةِ الأصولِ، وبَيَّنوا أنَّ الغلَطَ وقَعَ فيها مِن بعضِ نَقَلتِها، وبيَّنوا وَجهَ ذلك.\nيقول ابن عبد البرِّ: «ليس أحَدٌ مِن علماء الأمَّة يُثبت حديثًا عن رسول الله ﷺ، ثمَّ يردُّه دون ادِّعاءِ نسخِ ذلك بأثرٍ مثلِه، أو بإجماعٍ، أو بعملٍ يجبُ على أصلِه الانقيادُ إليه، أو طعنٍ في سَندِه؛ ولو فَعَل ذلك أحدٌ سَقَطت عدالته، فضلًا عن أن يُتَّخَذ إمامًا، ولزمَه اسمُ الفسق»! (^١)\nويَقول المُعلِّمي: «إذا استنكَرَ الأئمَّة المُحقَّقون المتْنَ، وكان ظاهر السَّندِ الصِّحة: فإنَّهم يتطلَّبون له عِلَّة، فإذا لَم يجدوا عِلَّة قادحةً مُطلقًا حيث وَقَعت، أعلُّوه بعلَّةٍ ليست بقادحةٍ مُطلقًا، ولكنَّهم يرونَها كافيةً للقدحِ في ذاك المُنكر» (^٢).\nوبتقرير هذا المَعلمِ ينجلي فرقٌ آخر فاصلٌ بين منهج المتقدِّمين مِن أهل السُّنة، وكثيرٍ من المعاصرين في نقدِهم للأحاديث:\nوهو أنَّ المُحدِّثين إذا رَأوا حديثًا بيِّنَ الفسادِ مِن جِهة معناه، لم يُبادروا إلى رَدِّه دون بيان خَللٍ في إسنادِه، ليكون مَردُّ الانتقادِ عندهم -في الغالبِ الأعمِّ- إلى خَللٍ في طريقةِ تحمُّلِه أو رِوايتِه؛ بينما لا يَرقى هذا الإسنادُ عند المُعاصرينَ إلى تلك الأهمِّية، ومِن ثَمَّ سَهُل عليهم الاقتصارُ على الطَّعنِ في الأحاديثِ مِن جِهة متونِها فقط.\nالمَعْلم السَّادس: التَّمَهُّل في ردِّ الحديث، ولو بعد العَجزِ عن استيضاحِه.\nقد تقدَّم التَّنبيه على أنَّ الاستعجالَ في ردِّ الأحاديثِ النَّبوية الصَّحيحة من جِهة أسانيدِها، لمُجرَّد الاستشكالِ العارض للذِّهن: مِن أعظمِ آفاتِ المنهج النَّقدي عند المُعاصرين، وخِفَّة عقولِ كثيرٍ منهم.\n_________\n(^١) «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (٢/ ١٠٨٠).\n(^٢) مقدمة تحقيق المعلمي لـ «الفوائد المجموعة» للشوكاني (ص/٨).","vol":"1","page":91},{"text":"والمُشاهد مِن جِهة الواقعِ لِمن سَبَر أغوارَ النَّفسِ البشريَّة، وتكشَّفت له آفاتها عند الفِتَن بخاصَّة: أنَّ المُحرِّك الحقيقيَّ لهذا التَّحوُّل الخطير مِن مُجرَّد الاستشكالِ إلى ردِّ الأخبار: ليس الاستشكالَ في حدِّ ذاته، ولكن الحالة المزاجيَّة الَّتي تلبَّست بالمُستشكلِ عند استشكالِه، وما انطوت عليه من نوعِ تريُّبٍ ونُفرةٍ سابقةٍ من أحكامِ بعض النُّصوص الشَّرعيَّة.\nفلذلك حُقَّ لخُلُق (الأناةِ) أن يكون سيِّدَ الضَّماناتِ الفِكريَّة (^١)، قد تجلَّت أنوارُه في بديع نُصح ابنِ مسعود ﵁ في قوله: «إنَّها ستكون هَناتٌ، وأمور مُشَبَّهات، فعليك بالتُّؤدةٍ، فتكون تابعًا في الخير، خيرٌ مِن أن تكون رأسًا في الشَّر» (^٢).\nوأهل السُّنة إذ يَدعون إلى ضرورة التروِّي عند استشكال نصوص الشَّرع، فإنَّهم لا ينفون جواز المَحارةِ في الأفهام لما دلَّت عليه بعضِ الأخبار النَّبويَّة، وإنَّما الَّذي يَأْبَوْنه: ترتيب التَّسارع في الإبطالِ لتلك الدَّلائل النَّقليَّة على مجرِّد انقداحِ الاستشكال -كما تقدَّم تقريره آنفًا-.\nوالعاقل إذا تَكلَّست قريحته عن دركِ حقيقة النَّص، واستصعَبَ عليه التَّنقيب عن جوابِ إشكالِه، لاذَ بمَن فوقه عِلمًا وفَهمًا، فرَدَّ المُشكِل منه إلى أهلِه، حتَّى يتَّضح له المنهج، ويتَّسِع له المَخرج، مُتأوِّلًا في ذلك قولَ ربِّه ﷻ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقولَه تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فَرَقًا من أن يدخل في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩].\nيقول المعلِّمي: «عَلى المؤمن إذا أشكلَ عليه حديثٌ قد صَحَّحه الأئمَّة، ولم تُطاوعه نفسُه على حملِ الخطأ على رأيِه ونظرِه: أن يعلَمَ أنَّه إن لم يكُن\n_________\n(^١) مقال بعنوان: «سيد الضمانات الفكرية» لفهد العجلان، مجلة البيان العدد ٣١٣ رمضان ١٤٣٤ هـ بتصرف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٤٥٦).","vol":"1","page":92},{"text":"الخلَل في رأيِه ونظرِه وفهمِه، فهو في الرِّواية! وليفزَعْ إلى مَن يثق بدينِه وعلمِه وتقواه، مع الابتهال إلى الله ﷿ فإنَّه وليُّ التَّوفيق» (^١).\nوصدَقَ -نوَّر الله مرقَدَه-، فإنَّ الواحد مِنَّا «قد يكون مِن أذكياءِ النَّاس، وأحدِّهم نظرًا، ويُعمِيه عن أظهر الأشياء، وقد يكون مِن أبْلَدِ النَّاس، وأضعفِهم نظرًا، ويهديه لمِا اختُلف فيه مِن الحقِّ بإذنه، فلا حول ولا قوَّة إلَّا به.\nفمَن اتَّكل على نَظَرِه واستدلالِه، أو عقِله ومَعرفتِه: خُذِل» (^٢)، ومَن تبَرَّأ من الاتِّكالِ على حولِه وفهمِه، إلى حولِ الله وهدايتِه: هُدي؛ فهو الرُّكن الشَّديد، ومَفزعُ الأئمَّة في المُلمَّات العِلميَّة والعَمليَّة.\nولله درُّ ابن تيميَّة إذ يترجِم هذا المعنى في سيرتِه، فيقول: «إنَّه ليَقِف خاطِري في المسألة والشَّيءِ، أو الحالةِ الَّتي تُشكل عليَّ، فأستغفرُ الله تعالى ألف مرَّة، أو أكثرَ أو أقلَّ، حتَّى ينشرح الصَّدرُ، وينحلَّ إشكال ما أشكل، وأكون إذ ذَّاك في السُّوق، أو المسجدِ، أو الدَّرب، أو المدرسة، لا يمنعني ذلك من الذِّكر والاستغفار، إلى أن أنال مَطلوبي ..» (^٣).\nفعلى مثل هذا الحال من الافتقار المَعرفيِّ إلى تعليم الله وهدايته، ينبغي أن يكون المؤمن المُستشكل، ولو استطالَ به الزَّمَن، واستكثَرَ ما بَذَله مِن جهدٍ ووقتٍ في تفهُّمِ سُنَّة نبيِّه، فإنَّه «لا يستعمِل في ذلك الظُّنون الَّتي حرَّم الله تعالى عليه استعمالها في غيره، وإذا كان استعمالها في غيرِه حرامًا، كان استعمالها فيه أحرَم» (^٤)؛ فإذا «كان الموضعُ مِمَّا يَتَعلَّق به حكمٌ عَمليٌّ: فليلتَمِسْ المخرجَ، حتَّى يقف على الحقِّ اليقين، أو لِيَبْقَ باحثًا إلى الموتِ، ولا عليه مِن ذلك!» (^٥)،\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢٣٧).\n(^٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٩/ ٣٤).\n(^٣) «الانتصار» لابن عبد الهادي المقدسي (ص/٦٨).\n(^٤) «شرح مشكل الآثار» لأبي جعفر الطحاوي (٦/ ٣٣٨).\n(^٥) «الاعتصام» للشاطبي (ص/٨٢٢).\nوتلمَّس تجليَّات هذا المَسلك العزيز في مثل موقف السِّندي من حديث لطم موسى لملَك الموت، حيث قال في حاشيته على «سنن النسائي» (٤/ ١٢٠): «.. والأقربُ أنَّ الحديث مِن المشتبهات، الَّتي يُفوَّض أمرها إلى الله تعالى»، وهذا المخرج وإن لم يَكُن هو التَّأويل الصَّحيح للحديث، ولكنَّه خيرٌ من عَجَلة المُنكرينِ.","vol":"1","page":93},{"text":"«ولكن يَمنعُ مِن ذلك طلبُ الرِّياسة، وحبُّ الأتْباع، واعتقاد الإخوان بالمَقالات!» (^١).\n_________\n(^١) «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة الدينوري (ص/٦١).","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب السَّابع\nالحكمة مِن وجودِ المُشكلِ في النُّصوصِ الشَّرعيةِ</span>\nلم يخلُ كلام الله ﷻ وهو أحكمُ الحاكمين، وكلامُه أحسن الكلامِ وأصدقُه، ولا كلام رسولِه ﷺ، وهو أفصحُ النَّاس وأنصَحُهم، مِن بعضِ مُتشابهٍ يختلِفُ النَّاس في دركِه، فتنةً تَصْغى إليها أفئدة الَّذين في قلوبهم مَرض، وفُسحةً مِن الاجتهادِ والتَّحرِّي يَنعمُ بأجرها عبادُه المُخلَصون؛ لتتفاوَت درجاتُهم في شرفِ العِلم والمعرفة، ولْيَختلف النَّاس حِيالها بين مُصيبٍ ومخطئٍ، ومُجتهدٍ ومُقلِّدٍ، ومُتأنٍّ ومُتهوِّرٍ، ومَأجورٍ ومَوْزورٍ، فإنَّ هذه المساحةَ الواسعةَ مِن تحرِّي معاني الوحي لم تُوضَع لِمن سَفُلت هِمَّتُهم، من الَّذين يَبتغون كلَّ شيءٍ مُحكَمًا في مَنطوقِه.\nوفي تقريرِ شيءٍ مِمَّا لأجلِه كانت البَلوى بالمُشكلاتِ المَعنويَّة في نصوص الكتاب والسُّنة، يقول ابن القصَّار المالكيُّ (ت ٣٩٨ هـ) (^١):\n«اِعلم أنَّ للعلومِ طُرقًا، منها جَليٌّ وخَفيٌّ، وذلك أن الله -﵎- لمَّا أرادَ أن يمتحِنَ عبادَه وأنْ يبتليَهم، فرَّق بين طُرقِ العِلم، وجعل منها ظاهِرًا\n_________\n(^١) قاضي بغداد أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي: المعروف بابن القصار الأبهري الشيرازي، الإمام، الفقيه، الأصولي، الحافظ، النظار، تفقَّه بأبي بكر الأبهري وغيره، وبه تفقَّه أبو ذر الهروي، والقاضي عبد الوهاب، ومحمد بن عمروس وجماعة؛ له كتاب «عيون الأدلة» في مسائل الخلاف، لا يُعرف للمالكية كتاب في الخلاف أكبر منه، انظر «شجرة النور الزكية» (١/ ١٣٨).","vol":"1","page":95},{"text":"جَليًّا، وباطنًا خفيًّا، ليرفع الَّذين أوتوا العلم، كما قال ﷿: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]» (^١).\nوحيث أنَّ النَّاسَ مُتفاوتون في علومِهم وإدراكاتهم وغاياتِهم، مُتباينون في امتِثالِهم لنصوصِ الوَحْيَين، فكان مِنهم الرَّاسخون في العِلم، الذَّابُّون عن حياض الشَّريعة، ومِنهم أهلُ زَيغٍ صبغوا دينَهم بلونِ أهوائِهم؛ فإنَّه مِن خلالِ التَّبصُّرِ بهذا الافتراقِ، نُدرِك الحكمةَ الكبرى مِن وجودِ هذه المُشكلاتِ في النُّصوصِ الشَّرعيةِ أنَّها: تَمحيصُ ما في القلوبِ مِن اليقينِ والتَّسليمِ لله ورسولِه، وابتلاءُ العقولِ لتستفرِغَ الوُسعَ في التَّوَصُّل إلى مُراداتِ الله تعالى.\nوفي تقريرِ هذا المَقصد الجليل لهذا النَّوع من النُّصوص، يقول أبو إسحاق الشَّاطبي: «مَسألة المُتشابهاتِ لا يَصِحُّ أن يُدَّعى فيها أنَّها مَوضوعةٌ في الشَّريعة، قصدَ الاختلافِ شَرعًا .. بل وَضعها للابتلاءِ؛ فيعملُ الرَّاسخون على وفقِ ما أخبرَ الله تعالى عنهم، ويَقع الزَّائغون في اتِّباعِ أهوائِهم» (^٢).\nويُعبِّر المُعلِّمي أيضًا عن حكمة ذلك، فيقول: «في بقاءِ المَنسوخ بعيدًا عن ناسخِه، والإتيان بالمُجمل بنَوْعيه: ابتلاءٌ مِن الله تعالى لعبادِه، فيكون عليهم مَشقَّةً وعناءً في استنباطِ الأحكام، لاحتياجِ ذلك إلى الإحاطةِ بنصوصِ الكتابِ والسُّنةِ واستحضارِها، وفي ذكرِ ما لا سبيلَ للعبادِ إلى معرفةِ كُنهِه وكيفيَّته، مع ما يَتَعلَّق بذلك مِن المعاني الظَّاهرة، ابتلاءً لهم، ليمتاز الزَّائغُ عن الرَّاسخ» (^٣).\nولُبُّ الكَلِم في مثل هذا المَقام أن يُقال:\nإنَّ عُبوديةَ الإنسان الحقَّةَ لربِّه ﵎، إنَّما تَتَجلَّى في أنصعِ صُوَرِها: عند مُجاهدةِ الإنسانِ لهَواه وشيطانِه؛ هذا الصِّراعُ داخل النَّفسِ البَشريَّةِ، بما فيها\n_________\n(^١) «مقدمة في أصول الفقه» لابن القصار (ص/٥).\n(^٢) «الموافقات» للشَّاطبي (٦٩ - ٧١).\n(^٣) «القائد إلى تصحيح العقائد» للمعلمي (ص/١٨٩).","vol":"1","page":96},{"text":"مِن لحظاتِ نصرٍ وهزيمةٍ، وإقبالٍ وفرار: هو المُؤشِّر الصَّادق لمَدى خضوعِ الإنسان لربِّه، وتَذلُّله على عَتَباتِ عُبوديَّتِه؛ «فإنَّما حُفَّت الجنَّة بالمَكاره»!\nفربُّنا هذا العليم سبحانه، لو أرادَ لجَعَلَ دينَه مُحكمًا كُلَّه، بما لا يُحوِجُنا معه إلى مشقَّة نَظَرٍ أو عناء تَبصُّر؛ لولا أنَّه قَضى بحكمته في الأزل: أنَّ مُعاناةَ عبادِه لوَحْيِه وأنوارِ رسالتِه، واشتِجارَ المَحابِرِ على الأوراقِ في بيانِ مُرادِه، ومُجاهدةَ أنفسِهم لتَقبُّلِ قَضائه في أحكامِه وإن خالَف مُشتَهياتِها، وحِرصَهم على استخراجِ النُّورِ الأوَّلِ مِن كلِماتِه لتَمثُّلِه؛ هذه المُكابَدات كلُّها: هي في ذاتها من أعظمِ ضروب العبوديَّة، وأجلى مَظاهرها على العَبد.\nومع استصحاب هذه المعاني الجليلة كلِّها للنَّاظر في أحرُف الوَحي، يحذرُ السَّالك في هذا الطَّريقِ من المُجاهَدات أنْ يغفلَ عن الاهتداءِ بتلك المَعالِم السَّالِف سَردُها، وما سَبَقها مِن قواعد منهجيَّة، كي لا يُسيء التَّعامل مع الإشكالات العارضة له، فتَتكاثر عليه، حتَّى تصير أشبهَ بمِطْرَقةٍ ما تلبثُ أن تُهشِّمَ المناعةَ في قَلبِه! يكون بها قابِلًا لأيِّ انحرافٍ وانتكاسٍ فكريٍّ؛ لا بسبب قوَّةٍ في ذات الشُّبهات الواردة عليه -ولو تَراءى للنَّاسِ أنَّها مَن أهلكته- بل لهشاشةِ حصانتِه القَبْليَّة، وضَعْفِ مَناعتِه الفكريَّة، جرَّاءَ تخبُّطِه المَنهجيِّ في التَّعامل معها أوَّلَ مرَّة.\nولو كان ثَمَّ تعَقُّلٌ في مُعاملةِ الأسئلةِ العَارضةِ له على نصوصِ الوَحي، فتَعاطى مع السُّؤالِ بطريقة وَاعية مَنطِقيَّة، لعادَت النَّفسُ لوَضْعِها الطَّبيعي مُطمئنَّةً ولو بعد حينٍ.\nنعم، قد تَستمِرُّ الإشكاليَّةُ في ذهنه طويلًا مع تَأنِّيه وتَعَقُّله، لكنْ بعد أن يكون مُتأثِّرًا بالسُّؤالِ حقيقةً، لا بالحالةِ النَّفسيَّةِ الَّتي هَشَّمتها المِطرقة! (^١)\n_________\n(^١) مقال بعنوان: «سيَّد الضمانات الفكرية» لـ د. فهد العجلان، «مجلة البيان» (العدد ٣١٣، رمضان ١٤٣٤ هـ) بتصرف.","vol":"1","page":97},{"text":"إنَّ كثرةَ تلك العَوارِضِ والإشكالات الفكريَّة الَّتي تأتي على قلبِ المُسلمِ، عادةً ما تُضعِف مِن وَهَجِ تسليمِه لنصوصِ الوَحْيَين مع الوقت، فتؤثِّر في إدراكِه لحقيقةِ معانيها، وإن كان صادقًا في اتِّباعِ الشَّرع! فليس الزَّلل في هذا المَقام الخطير مُقتصرًا على مَرضى القلوبِ، بل حَرُّها يَمسُّ أيضًا مَن تكاثَرت عليه الشُّبهاتُ مِن غيرِ مَنَعةٍ عِلميَّةٍ، حتَّى تصير تلك الشُّبهات نفسُها المِعيارَ الَّذي يُقيِّم النُّصوصَ من خِلالِها؛ فلقد أضَرَّت المسكين بتسليمِ قلبِه ولَوْ لِمامًا (^١).\nوحاصلُ القولِ في هذا البابِ: ما أحكمَ ابن تيميَّة سبْكَه في كلماتٍ بليغات، جَمَعت بين متانةِ التَّقعيدِ العلميِّ، وروحِ التَّوجيه التَّربوي، يقول فيهنَّ:\n«التَّكذيب بما لم يُعلَم أنَّه كذب، مثل التَّصديق بما لا يُعلَم أنَّه صدق! والنَّفي بلا علم بالنَّفي، مثل الإثبات بلا علمٍ بالإثبات! وكلٌّ من هذين قولٌ بلا علم.\nومَن نَفى مضمونَ خبرٍ لم يَعلم أنَّه كذب، فهو مثل مَن أثبتَ مضمونَ خبرٍ لم يَعلَم أنَّه صدق، والواجبُ على الإنسان فيما لم يقُم فيه دليل أحد الطَّرفين، أن يُسرِّحَه إلى بُقعةِ الإمكان الذِّهني، إلى أن يحصل فيه مُرجِّح أو موجب، وإلَّا يكون قد سَكت عمَّا لم يعلم، فهو نصف العلم.\nفرحم الله امرأً تكلَّم فغنم، أو سكَت فسلِم، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقُل خيرًا أو ليصمُت، وإذا أخطأ العالمُ لا أدري، أُصيبت مَقاتله ..» (^٢).\nأعاذَ الله مَقاتِلنا أن تُصاب، وأفهامَنا أن تزيغَ عن الصَّواب؛ آمين.\n_________\n(^١) انظر «التَّسليم للنَّص الشَّرعي» لـ د. فهد العجلان (ص/١٠).\n(^٢) «جواب الاعتراضات المصرية» (ص/٥٢).","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المَبحث الثَّالث\nالأصلُ العقليُّ الجامع لمُخالفي أهلِ السُّنة في ردِّهم للدَّلائل النَّقليَّة</span>\nهذا الأصل وإن كان مُضمَّنًا في البحث الأوَّل، في كلامِنا عن أثرِ الخطإ في فهمِ الأصل المُعارَض به الحديث، لكنَّا لأهميَّته ومَركزيته في ردِّ المُخالفين لصِحاح السُّنة، خصَّصنا له هذا المَبحث مُستقلًّا، ليتِمَّ لنا تصوُّر مأخذِ المُخالفين في استعمالِه، وكشف ما يكتنفه مِن مُغالطاتٍ في تقريراتِ دُعاتِه، ومِن ثمَّ نقول:","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الأوَّل\nبدايات الزَّحف المُتمعقِل على ساحة المَعارف الشَّرعيَّة</span>\nالنَّاسُ في رَدِّ الأخبارِ الشَّرعيَّةِ درجاتٌ، تَتفاوت رُتَبُهم في مُفارَقتها، كلُّ درجةٍ يُضيِّق أهلُها من دائرةِ الاحتجاجِ بالوَحي بقدرِ ما نَقُص فيها مِن التَّسليمِ لنصوصها، وبقدرِ ما داخلَ نفوسَها مِن العوارضِ والعوائقِ الفكريَّة الفاسدةِ.\nوكثيرًا ما تكون الدَّعاوي العقليَّة هي المُنطلَقَ لأيِّ انحرافٍ عن السُّنة، ذلك أنَّ «كلَّ مَن أصَّل أصلًا لم يُؤصِّله الله ورسولُه، قادَه قسرًا إلى ردِّ السُّنة وتحريفِها عن مَواضِعها» (^١)؛ ونتيجةً لذلك، يجدُ أحدُنا بتأمُّله في مَقالاتِ الخَلَفِ المُناوئين لموقفِ الأسلافِ مِن النُّصوصِ الشَّرعيَّة، بدءًا بالمدارسِ الكلاميَّة والفلسفيَّة القديمةِ، وانتهاءً بتفرُّعاتِهم الفكريَّة المُعاصرة بشَتَّى أطيافِها: يجدُ ارتكازَهم في تأسيسِ مَذاهبِهم هذه قائمًا على أصل جامعٍ يَنتظم نظرَتَهم إلى السُّنَن المَنقولةِ، مَصوغًا في تقعيدِهم لـ: «أوَّليةِ العقلِ على النَّقلِ».\nفهذه أمُّ شُبهاتِهم في هذا البابِ من تَعارضِ الأدلَّة، تَجري على لسانِ كلِّ مَن نافرَ نصًّا شرعيًّا يُخالف مُقرَّراتِه الفكريَّة أو العَقديَّة، وكلَّما عَظُمَت هذه القاعدة في نفسِه، ضَعُف التَّسليمُ لنصوصِ الشَّريعة في قلبِه.\n_________\n(^١) «شفاء العليل» لابن القيم (ص/١٤).","vol":"1","page":101},{"text":"يقول أبو المظفَّر السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ): «فصلُ ما بيننا وبين المُبتدعةِ هو مسألةُ العقل، فإنَّهم أسَّسوا دينَهم على المَعقولِ، وجَعلوا الاتِّباعَ والمأثورَ تَبعًا للمَعقول» (^١).\nوالمُتقَرَّر لمَن قَلَّب صَفحاتِ التَّاريخِ وعايَنَ مناهجَ الفِرَق الإسلاميَّة في الاستدلال الشَّرعي: أنَّ عصرَ الصَّحابةِ وكبارِ التَّابعين لم يَكُن فيه مَن يُعارض النُّصوصَ بمناهج عَقليَّةٍ محضةٍ كالمُستحدَثَة بعدهم؛ بل لم يكُن لهم اشتغالٌ بغيرِ الكتابِ والسُّنة لتحصيلِ المَطالب الدِّينيَّة، «فالخوارجُ والشِّيعة إنَّما حَدَثوا في آخرِ خلافةِ علي ﵁، والمُرجئة والقَدريَّة حَدَثوا في أواخرِ عصرِ الصَّحابة ﵃، وهؤلاء كانوا ينتحِلون النُّصوصَ، ويَستدلُّون بها على قولهم، لا يَدَّعون أنَّ عندهم عقليَّاتٍ تُعارض النُّصوصَ» (^٢).\nوفي تقريرِ هذه الحقيقةِ التَّاريخيَّة المنهجيَّة عند الصَّحابةِ ﵃، يقول المَقريزيُّ (ت ٨٤٥ هـ):\n«مَن أمْعنَ النَّظرَ في دواوين الحديثِ النبويِّ، ووَقَف على الآثارِ السَّلفيَّة، عَلِم أنَّه لم يَرِد قَطُّ مِن طريق صحيحٍ ولا سَقيمٍ عن أحدٍ مِن الصَّحابةِ ﵃، على اختلافِ طبقاتِهم وكثرةِ عَددِهم .. أنَّه عرَف شيئًا مِن الطُّرقِ الكلاميَّة، ولا مسائل الفلسفة، حتَّى مَضى عصر الصَّحابة ﵃ على هذا» (^٣).\nحتَّى إذا تطاوَل بالنَّاس الأمَد، وابتعدوا عن أنوارِ النُّبوَّةِ الأولى، ودَخَل في الدِّينِ مَن لم ينفَكَّ عن رَواسبِ الجاهليَّة، دبَّ الافتراقُ الشَّديد في مناهج اعتقاد الأمَّة، وانشطَرت إلى فِرَقٍ جانَبَت هَديَ السَّلف الصَّالحين، وفَشَت فيهم مناهج مُستحدَثةٌ في التَّلقي والاستدلال.\nوفي تقرير هذا الانحراف المَعرفيِّ، يقول السُّيوطي (ت ٩١١ هـ): «إنَّ علومَ الأوائل دَخَلت إلى المسلمين في القرنِ الأوَّل لمَّا فتحوا بِلاد الأعاجم، لكنَّها لم\n_________\n(^١) «الحجة في بيان المحجة» للسَّمعاني (١/ ٣٤٧).\n(^٢) «درء التعارض» لابن تيمية (٥/ ٢٤٤).\n(^٣) «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (٤/ ١٨٨).","vol":"1","page":102},{"text":"تكثُر فيهم، ولم تشتهر بينهم، لما كان السَّلف يمنعون مِن الخوضِ فيها، ثمَّ اشتهرت في زَمَن البرمَكِيِّ (^١)، ثمَّ قَوِي انتشارُها زمنَ المأمون (^٢) لمِا أثارَه مِن البِدَع، وحَثَّ عليه مِن الاشتغالِ بعلومِ الأوائل، وإخماد السُّنة» (^٣).\nولماَّ كانت أغلبُ قلوبِ المُستقبِلين لهذه المَعارفِ الفلسفيَّةِ الدَّخيلةِ خاليةً مِن نورِ القرآنِ والسُّنةِ، تمكَّنت فيها تلك الأفكار الوافِدة، وافتُتِنوا ببهرُجِها، فسَلَّموا لكثيرٍ مِن أصولِها في التَّفكير وقواعِدها في الاستدلال وأساليبِها في الحِجاجِ، ثمَّ استَوْلَدوا منها أصولًا مُفارقةً لِما دلَّت عليه القواطع الشَّرعيَّة.\nوفي وصفِ حالِ هؤلاءِ مع الدَّلائل النَّقليَّة، يقول ابن تيميَّة:\n«مِن المَعلوم أنَّ المُعظِّمين للفلسفةِ والكلام، المُعتقِدين لمضمونِهما، هم أبعدُ عن معرفةِ الحديثِ، وأبعدُ عن اتِّباعِه ..، بل إذا كَشَفت أحوالَهم، وجدتَّهم مِن أجهلِ النَّاسِ بأقوالِه ﷺ وأحوالِه، وبواطنِ أمورِه وظواهرِها، حتَّى لتجِدُ كثيرًا مِن العامَّة أعلمَ بذلك منهم، ولتجدهم لا يُميِّزون بين ما قاله الرَّسول وما لم يَقُله، بل قد لا يفرِّقون بين حديثٍ مُتواتر عنه، وحديثٍ مَكذوب مَوضوع عليه! وإنَّما يعتمدون في مُوافقتِه على ما يُوافق قولَهم، سواءً كان موضوعًا أو غير موضوع .. وهم لا يَعلمون مُراده ﷺ، بل غالبُ هؤلاء لا يعلمون معاني القرآن، فضلًا عن الحديث! بل كثيرٌ منهم لا يحفظون القرآنَ أصلًا» (^٤).\nفكان أخطرَ ما بَدَأ به هذا السَّيلُ المُتمَعقِل في انجِرافِه: أنْ كَدَّر على النَّاس صفاءَ المنبعِ الإسلاميِّ، ولطَّخَ سَواقيَه بدَخَنِ الأديانِ الأخرى، صارَ معه المتكلِّمون -بتعبيرِ أحمد أمين- «صِلَةً لأشياء مُختلفةٍ: كانوا صِلةً بين الأديانِ\n_________\n(^١) هو أبو الفضل جعفر بن يحيى البرمكي، وزير الرشيد العباسي، قتله في مقدمة من نقل من البرامكة لما نقم منهم من الإفساد والظلم، توفي سنة ١٨٧ هـ، انظر «تاريخ بغداد» (٧/ ١٥٢).\n(^٢) عبد الله بن هارون الرشيد: هو الخليفة العبَّاسي، قرأ العلم والأدب والعقليات، ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ، ولم ينل مقصوده، توفي سنة ٢١٨ هـ، انظر سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٢).\n(^٣) «صون المنطق والكلام» للسيوطي (ص/١٢).\n(^٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٩٥).","vol":"1","page":103},{"text":"بعضِها وبعض، وصِلةً بين الفلسفة والدِّين، وصِلةً بين الفلسفةِ والأدبِ، فلو قُلنا: إنَّ المتكلِّمين كانوا مِن أظهرِ القائِمين بعمَليَّة المزج، لم نَبعُد عن الصَّواب» (^١).\nهذه العمليَّة في المَزجِ بَلغت مَداها حينَ أصبحَ غالبُ مادةِ الكلامِ مِن الفلسفةِ، مِمَّا أضْعف الانتهاضَ بنصوصِ الوَحي عند أربابِه، واشتدَّ الغلوُّ في العقلِ بسَقَطاتِه، و«لولا استشهادُ المُتكلِّمين أحيانًا بالأدلَّةِ السَّمعية، لما تَميَّزت مادةُ الكلامِ عن الفلسفةِ!» (^٢).\nفكان لهذا التَّحوُّل المَنهجيِّ في تلقِّي المَعارف عند فئامٍ من المُسلمين، الأثرُ البليغُ في تشكيلِ تَصوُّراتٍ خاطئةٍ عن دلالاتِ النُّصوص الشَّرعيَّة، وعن أخبار الآحادِ النَّبويَّة، إذ لم تصِر مُعوَّلهم في تأسيسِ العقائد وأصول الأحكام، وقد عادَ عليهم كلُّ هذا بالنَّقصِ في عباداتِهم، بل وحِدَّة أخلاقِهم.\nوفي وصفِ هذه الحالةِ الانتقاليَّة من الارتياضِ في علوم الوَحيِ، إلى ارتشافِ المُتشرِّعين للعقلانيَّاتِ، ونأيِهم بالتَّدريج عن النَّقليَّاتِ، يقول ابن الجوزيُّ (ت ٥٩٧ هـ):\n«.. ثمَّ نظَر إبليس، فرَأى في المسلمين قومًا فيهم فطنة، فأراهم أنَّ الوقوف على ظواهر الشَّريعة حالةٌ يُشاركهم فيها العوامُّ، فحسَّن لهم علومَ الكلام، وصاروا يحتجُّون بقول بُقراط وجَالينوس وفيثاغورس! وهؤلاء ليسوا بمُتشرِّعين، ولا تبعوا نبيَّنا ﷺ؛ وإنَّما قالوا بمُقتضى ما سوَّلت لهم أنفسُهم.\nوقد كان السَّلف إذا نَشأ لأحدِهم وَلدٌ؛ شغلوه بحفظِ القرآن وسماع الحديث، فيثبُت الإيمان في قلبه؛ فقد توانى النَّاس عن هذا، فصار الولد الفطن يتشاغل بعلوم الأوائل، وينبذ أحاديثَ الرسول ﷺ، ويقول: أخبارُ آحاد! وأصحاب الحديث عندهم يُسمَّون: حشويَّةً! ويعتقد هؤلاء أنَّ العلم الدَّقيق علم\n_________\n(^١) «ضحى الإسلام» لأحمد أمين (١/ ٤٠٤).\n(^٢) «المدخل إلى دراسة علم الكلام» لـ د. حسن الشافعي (ص/١١٦).","vol":"1","page":104},{"text":"الطَّفرة والهَيُولى، والجزءُ الَّذي لا يتجزَّأ، ثمَّ يتصاعدون إلى الكلام في صفاتِ الخالق، فيدفعون ما صَحَّ عن رسول الله ﷺ بواقعاتهم ..\nوقد عُزل هؤلاء الأغبياء عن التَّشاغل بالقرآن، وقالوا: مخلوق! فزالت حُرمَته من القلوب؛ وعن السُّنة، وقالوا: أخبارُه آحاد! وإنَّما مذاهبُهم السِّرقة مِن بُقراط وجالينوس! وقد استفاد مَن تَبِع الفلاسفةَ أنَّه يُرفِّه نفسَه عن تعبِ الصَّلاة والصَّوم!» (^١).\n_________\n(^١) «صيد الخاطر» لابن الجوزي (ص/٤٩٠).","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الثَّاني\nإمامةُ المُعتزلةِ في تبنِّي النَّظرةِ التَّصادُميَّة بين نصوصِ الوحيِ والعقل</span>\nتلك جملةٌ مِن العَوامل الَّتي أبرزَتِ النَّزعةَ العقليَّة في كثيرٍ مِن حَملة الشَّريعة، وإنْ لم تستقِرَّ قواعدُها في تَناظُراتِهم، ولا مُصطلَحاتُها في مَقالاتِهم، إلَاّ على أيدي شيوخِ المُعتزلة، بعدَ «أنْ طالعوا كُتبَ الفلاسفةِ حين انتشرَت أيَّامَ المأمون، فخَلَطت مناهِجَها بمناهجِ الكلام، وأفردَتها فَنًّا مِن فنونِ العلمِ، وسَمَّتها باسمِ الكلامِ» (^١).\nوهذا الأمر ما دَعا المستشرقَ البريطاني (هامِلتون جُب) إلى التَّأكيدِ على «أنَّ المعتزلة قد صَبُّوا عقائِدَهم في قوالبِ الأفكارِ اليونانيَّة، واستوحوا تأمُّلاتِهم الدِّينية مِن الميتافيزيقا اليونانيَّة، بدلًا مِن القرآن» (^٢).\nوقد عَرَفَ هذا المذهب أوجَ تأثيرِه زمنَ المأمون والمُعتصم (ت ٢٢٧ هـ) (^٣)،\n_________\n(^١) «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ٢٩).\n(^٢) «موقف المعتزلة من السنة النبوية» لأبو لبابة حسين (ص/٤٥).\n(^٣) محمد بن هارون الرشيد بن المهدي ابن المنصور العَّباسي: خليفة من أعاظم خلفاء هذه الدَّولة، بويع بالخلافة سنة (٢١٨ هـ) يوم وفاة أخيه المأمون، وبعهد منه، فاتح عمُّورية من بلاد الرُّوم الشَّرقية في خبر مشهور، انظر «تاريخ الإسلام» (٥/ ٦٩٢).","vol":"1","page":106},{"text":"وزَمَنًا مِن خلافةِ الواثقِ (ت ٢٣٢ هـ) (^١) بقوَّةِ السُّلطان، وقمعِ أهلِ الإيمان، ثمَّ سُرعانَ ما انحسَرَ آخرَ زمَنِ الواثق، لِيَشتَدَّ ضعفُهم زمنَ الخليفةِ المُتوكِّل (^٢)، ويتَشَتَّتَ شملُهم إلى فِرقٍ فرعيَّة مُتنافِرة، لا يكادون يتَّفقون إلَّا على أصولهِم الخمسةِ (^٣)،\nقد كثُر التَّبديع فيما بينهم، بل يَرتقون إلى التَّكفير (^٤)!\n_________\n(^١) هارون الواثق بالله بن محمد بن هارون الرشيد العبَّاسي، الواثق بالله أبو جعفر: من خلفاء الدولة بالعراق، وُلي الخلافة بعد وفاة أبيه المُعتصم، فامتحنَ النَّاس في خلق القرآن، وسجن جماعة، وقتل في ذلك أحمد بن نصر الخزاعي بيده (سنة ٢٣١ هـ)، انظر «تاريخ الإسلام» (٥/ ٥٩٠).\n(^٢) بدأت مرحلة انحسار المذهب المعتزلي تحديدًا قبل رفع محنة خلق القرآن بعامين، حيث قلت حماسة الواثق في نصرة هذه الطائفة الكلاميَّة، فلمَّا جاءت سنة ٢٣٢ هـ تولى المتوكل رفع المحنة عن أهل السنة والتضييق على المعتزلة، ثم جاء بعده الخليفة المعتمد العباسي سنة ٢٧٩ هـ ليمنع بيع كتب الفلسفة والاعتزال بالمرَّة، انظر «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٦٤) و«الجهمية والمعتزلة» لـ د. ناصر العقل (ص/١٣٧).\n(^٣) أصول المعتزلة التي تأسس عليها مذهبهم هي:\nأوَّلا: المنزلة بين المنزلتين -وبها بدأ تشكل مذهبهم-: يعني اعتقادهم أن صاحب الكبيرة لا يُسمَّى مؤمنًا ولا كافرًا في الدُّنيا، بل فاسقًا، أمَّا يوم القيامة فله حكم الكَفَرة في التَّخليد لعد استيفائه لشرط الإيمان المُدخل للجنَّة.\n\nالأصل الثاني: التَّوحيد: ويتحقَّق عندهم بنفي الصِّفات الأزليَّة عن الله ﷿.\nالأصل الثالث: العدل: بنفيهم القضاء والقدر، وأنَّ أفعال العباد غير مخلوقة فيهم.\nالأصل الرابع: الوعد والوعيد: وهو إيجابهم على الله تنفيذ وعده ووعيده، وأنَّه لا يجوز عليه الخُلف في أيٍّ منهما.\nالأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ويتمثَّل عندهم بالخروج عن السُّلطان المسلم الجائر، وحمل السِّلاح على المخالفين.\nانظر «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبَّار الهمذاني، و«الفِصل» لابن حزم (٤/ ١٤٦ - ١٥٣) و«الملل والنِّحل» للشهرستاني (١/ ٤٩)، وفي نقضِ هذه الأصول يُنظر «الانتصار في الردِّ على المعتزلة القدرية الأشرار» لأبي الحسين يحيى العمراني (٥٥٨ هـ).\n(^٤) ذكره عبد القاهر البغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص/١١٤ - ١١٥).","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المطلب الثَّالث\nمَوقف المُعتزلة مِن الأحاديثِ النَّبويَّة بخاصَّةٍ</span>\nالمُعتزلة مِن أوائلِ الفِرق الإسلاميَّةِ المَقرونِ اسمُها مع العقلِ غُلوًّا في تَوظيفِه، حيث قَدَّمته أوَّلًا على باقي مَراتبِ الأدلَّة (^١)؛ ثمَّ تَقَعَّد هذا المَنحى فيها وتمكَّن على يَدِ أبي الهُذيل العَلَّاف (ت ٢٢٦ هـ) (^٢)، إذ كان أوَّلَ نزَّاعٍ إلى العَقلنةِ اليونانيَّةِ مِن طائفتِه، استاقَ مِن الكُتبِ المُترجِمةِ لأفكارِ الفلاسفةِ ما أفرَغَه في كلامِ أهلِ الاعتزال (^٣) -بشهادةِ تلميذِه النَّظام (^٤) (ت ٢٣١ هـ) (^٥) - فتوَلَّدت عن ذلك أصولٌ مَشينةٌ، حَطَّ بها مِن قَدرِ الأخبارِ النَّبويَّة بخاصَّة.\nتَرى شاهِد هذا الانحراف منه عن الأخبار في مثلِ قولِه: «الرِّواية ريبةٌ، والحُجَّة في المَقايِيس» (^٦)، وقولِه: «إنَّ الحُجَّة مِن طريق الأخبارِ فيما غاب عن\n_________\n(^١) كما أقرَّ به القاضي عبد الجبَّار في «فضل الاعتزال» (ص/١٣٩).\n(^٢) محمد بن الهذيل العبدي: شيخ المعتزلة، ورأس الطائفة الهذيلية، ولد في البصرة واشتهر بعلم الكلام، حتَّى قال المأمون: «أطلَّ أبو الهذيل على الكلام كإطلال الغمام على الأنام»، انظر «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٩٦).\n(^٣) انظر «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ٢٩) و«طبقات المعتزلة» لابن المرتضى (ص/٤٤).\n(^٤) إبراهيم بن سيار بن هانئ النَّظام: رأس الفرقة النظامية المعتزلة، تبحَّر في علوم الفلسفة، واطلَّع على أكثر ما كتبه رجالها من طبيعيين وإلهيِّين، وانفرد بآراء خاصَّة شنيعة، فكان مُتَّهما بالزندقة، وكان شاعرا أديبًا بليغًا، انظر «طبقات المعتزلة» (ص/٤٤)، و«سير النبلاء» (١٠/ ٥٤١).\n(^٥) «فضل الاعتزال» للقاضي عبد الجبار (ص/٢٦١).\n(^٦) «فضل الاعتزال» للقاضي عبد الجبار (ص/٢٥٩).","vol":"1","page":108},{"text":"الحواسِّ مِن آياتِ الأنبياء ﵈، وفيما سِواها لا تثبُت بأقلِّ مِن عشرين نفسًا، فيهم واحدٌ مِن أهلِ الجنَّة أو أكثر»! (^١)\nومِن شَواهدِ هذا الانحرافِ الاعتزليِّ عن الأحاديثِ:\nما قرَّره عبد الجبَّار الهَمداني (ت ٤١٥ هـ) (^٢) في قولِه: «ما سبيلُه مِن الأخبار، فإنَّه يجب أن يُنظَر فيه: فإنْ كان ممَّا طريقه العمل، عُمِل به إذا أورِد بشَرائِطه، وإن كان ممَّا طريقُه الاعتقادات، يُنظر: فإنْ كان مُوافقًا لحُجَجِ العقولِ، قُبِل واعتُقِد مُوجبُه، لا لمكانِه، بل للحُجَّة العقليَّة، وإنْ لم يكن مُوافقًا لها، فإنَّ الواجب أن يُرَدَّ، ويُحكَم بأنَّ النَّبي ﷺ لم يَقُله، وإنْ قالَه، فإنَّما قاله على طريقِ الحكايةِ عن غيره! هذا إنْ لم يحتمِل التَّأويلَ إلَاّ بتعسُّف، فأمَّا إذا احتمَله، فالواجب أن يُتأوَّل» (^٣).\nأمَّا إبراهيم النَّظَّامِ؛ فقد بَلَغ به الغلوُّ مَداه حينَ بوَّأ العقلَ رُتبةَ الدَّليل النَّقليِّ، فكان يقول: «إنَّ جِهةَ حُجَّة العَقْلِ، قد تنسخُ الأخبار»! وهذا نَسَبه له ابن قُتيبة (^٤).\nفهذا التَّقديم للعقلِ على دلائل النَّقل -وإن لم تَدَّعِ المعتزلةُ بأنَّه تقديمُ رتبةٍ وتفضيلٍ- إلَاّ أنَّ تَصرُّفاتِهم في بابِ العقائدِ والأحكامِ برهانٌ عمليٌّ على جعلِهم العقلَ حاكِمًا على النُّصوصِ، يظهر ذلك فيما يتناولونَه مِن الدَّلائل السَّمعيَّة.\nفأمَّا الدَّلائل القُرآنيَّةُ: فلِكَوْنها قطعيَّةَ الثُّبوتِ، لم يَستطيعوا رَدَّها، بل اكتفوا بتطريقِ الاحتمالاتِ على دَلالاتِها، ليُنْفَى عنها إفادة اليَقين.\n_________\n(^١) «الفرق بين الفِرق» للبغدادي (ص/١٠٩)\n(^٢) عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد آبادي، أبو الحسين: شيخ المعتزلة في عصره، وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره، ولي القضاء بالريِّ، ومات فيها، من تصانيفه: «شرح الأصول الخمسة»، و«المغني في التوحيد والعدل»، انظر «الأعلام» (٣/ ٢٧٣).\n(^٣) «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار (ص/٧٧٠).\n(^٤) في «تأويل مختلف الحديث» لابن قُتيبة (ص/٩٤).","vol":"1","page":109},{"text":"وأمَّا أخبارُ الآحاد: فهي المَرتَع الخصبُ لظهورِ الطُّغيان الاعتزاليِّ، فيَردُّون السُّنَن بحُجَّةِ ظنيَّةِ ثبوتِها، فضلًا عن دلالتِها، وهذه كُتُبهم تَرشحُ بنَفَسِ التَّعطيلِ لمَدلولات تلك الأخبار، والتَّأبِّي عن قَبولها (^١)؛ ناطقةٌ بعدمِ اعتبارِ الحديثِ حين يخُالفُ مَعقولاتِهم، وهذا برهانٌ آخر على أوَّليَّة العقلِ عند قيامِ التّعارض.\nبَيْدَ أنَّ ما تقَدَّم مِن تَباعُدِهم عن الاحتجاجِ بالآحادِ، لا يعني لِزامًا أنَّهم لا يَرفعون رأسًا بالحديثِ مُطلقًا، فإنَّهم -مهما قُلنا عن غُلوِّهم في العقليَّاتِ- مُعَظِّمون لكلامِ نَبيِّهم ﷺ إذا اطمأنُّوا لصدورِه.\nفهذا أبو سَعدٍ السَّمان (ت ٤٤٧ هـ) (^٢) -أحَدُ مُشتغليهم بروايةِ الحديث، وقليلٌ ما هم- كان يقول: «مَن لم يَكتُب الحديثَ، لم يَتَغَرْغَر بحَلاوةِ الإسلام» (^٣).\nوانظر قبله إلى أديبِهم الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ)، وهو يَدعو بكلِّ ثقةٍ خُصماءَه مِن مُتشيِّعة زمانِه إلى التَّحاكم في حُجِّية الأخبارِ إلى أهل الحديث، ويقول في مُناظرتِهم: «.. مَتى ادَّعينا ضعفَ حديثٍ وفسادَه، فاتَّهمتم رأيَنا، وخِفتم مَيْلَنا أو غَلَطنا، فاعترضوا حُمَّالَ الحديث وأصحابَ الأثر، فإنَّ عندهم الشِّفاء فيما تنازعنا فيه، والعلمَ بما التبَسَ علينا منه؛ ولقد أنصَف كلَّ الإنصاف مَن دعاكم إلى المَقنَعِ، مع قُربِ دارِه، وقلِّة جَوْرِه، وأصحاب الأثر مِن شأنهم روايةُ كلِّ ما صحَّ عندهم، عليهم كان أو لهم» (^٤).\nإنَّما أهْوَى بكثيرٍ من المُعتزلةِ في مَهاوي الرَّدى، اشتراطُهم للاحتجاجِ بالحديثِ شروطًا لا دليلَ عليها مِن كِتابٍ أو سُنَّة أو عَملِ سَالِفٍ، كاشتراطِهم التَّواترَ في بابِ العقائد، ورَدِّ الآحاد منها (^٥)، واشتراطِ مُتأخِّريهم للعَددِ في الرِّواية\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٠).\n(^٢) إسماعيل بن علي بن الحسين بن زنجويه الرازيّ، أبو سعد السَّمان: حافظ مُتقن معتزليٌّ، كان شيخ المعتزلة وعالمهم ومُحدِّثهم في عصره، قيل: بَلَغت شيوخه ثلاثة آلاف وستمائة، مِن كُتبه «الموافقة بين أهل البيت والصَّحابة» في الحديث، و«سفينة النجاة» في الإمامة، انظر «أعلام النُّبلاء» (١٨/ ٥٥).\n(^٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٧).\n(^٤) «العُثمانيَّة» للجاحظ (ص/١٥١ - ١٥٢).\n(^٥) انظر «المُعتمد» لأبي الحسين البصري (٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":110},{"text":"كما في الشَّهادة (^١)، كلُّ هذا لِيَسلَم لهم أصلُهم العقليُّ الأوَّل مِن أيِّ مُعارَضةٍ مُؤثِّرة.\nوالمُحصِّلةُ: أنَّ المنهج الاعتزاليَّ قائمٌ على التَّضييق في باب الاحتجاجِ بالسُّنة في مسائل الاعتقادِ، بدءً: بمنعِ الرَّسولِ أن يكون قد أخبرَ في الإلهيَّات بشيءٍ، خاصَّةً في صفاتِه وأفعالِه، فيزعمون أنَّه لم يُخبر في ذلك بخَبرٍ بُيِّن فيه الحقُّ بيقين، بخلاف غيرها من مسائل العمليَّات (^٢)، ولذلك طُوِيَت صفحات أعمارِهم على بحثِ هذه المَسائل العَقديَّةِ بمُجرَّدِ عقولِهم.\nثمَّ انتهاءً بطعنِهم في نسبةِ هذه الأحاديث إلى النَّبي ﷺ، إذ رَدُّوا «الأحاديثَ المُخالفةَ لأقوالِهم وقواعدِهم، ونَسَبوا رُواتها إلى الكذبِ والغلطِ والخطأِ في السَّمع، واعتقاد أنَّ كثيرًا منها مِن كلام الكُفَّار والمشركين! كان النَّبي ﷺ يحكيه عنهم، فرُبَّما أدركَه الواحدُ في أثناء كلامِه بعد تصديرِه بالحكاية، فيسمع المَحكِيَ، فيعتقده قائلًا له لا حاكيًا» (^٣).\nفهذه الدَّعوى الواهنة قد حكاها عنهم ابن القيِّم، قد وجدتُها -حقيقةً- في صنيع بعضِ كُبرائهم، كالقاضي عبد الجبَّار؛ حيث كان يَتعلَّل أحيانًا بهذا الاحتمال السَّاقطِ لردِّ ما تدفعُه نفسُه من أحاديث الصِّفات!\nترى هذا الصَّنيعَ له في مثل قولِه: «.. ومِمَّا يتعلَّقون به، أخبارٌ عن النَّبي ﷺ، وأكثرُها يتضمَّن الجبر والتَّشبيه، فيجبُ القطع بأنَّه لم يَقُله، وإن قال، فإنَّه ﷺ قاله حكايةً عن قومٍ، والرَّاوي حذف الحكايةَ ونقَلَ الخبرَ» (^٤)؛ ثمَّ طَبَّق هذا الاحتمالَ على أحاديثِ الرُّؤية، مع أنَّها مَنقولةٌ بالتَّواتر!\n_________\n(^١) انظر «قبول الأخبار» لأبي القاسم البلخي المُعتزلي (١/ ١٧)، و«المُعتمد» لأبي الحسين البصري (٢/ ١٣٨).\n(^٢) انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٣/ ١٧٥).\n(^٣) «الصواعق المرسلة» لابن القيِّم (٤/ ١٥٢٧).\n(^٤) «شرح الأصول الخمسة» (ص/٢٦٨).","vol":"1","page":111},{"text":"ولسنا نَنْفي أنَّ الحاجةَ قد تَستَدْعِي المُعتزلةَ لقَبولِ بعضِ الأحاديث وسَوقِها في مَقاماتِ الاحتجاجِ، لكن اعتِضادًا لا تَأسِيسًا، «فإنَّهم لا يَعتَبِرون الآحادَ مِن السُّنةِ إلَّا على وجهِ التَّعارُف، وذلك بعد مُوافقتِه للعقلِ» (^١).\nوهم قد يفعلون ذلك أيضًا ليَدفعوا تشنيعَ أهلِ السُّنةِ عليهم بمُجافاةِ سُنَّةِ النَّبي ﷺ، «فإنَّهم لا يكادون يَلتَفِتَون إليه، وخصُومُهم يَتَسَلَّقون عليهم مِن جِهَتِه، وينَسِبونَهم إلى قِلَّة العلمِ به، ورُبَّما حَاجُّوهم في النَّبي ﷺ يَسألونَهم عنه!» (^٢).\nوالقصدُ من مُجمل هذا: أنَّ المُعتزلةَ شَكَّلَت مَوقِفها مِن أخبارِ الآحادِ، بحسبِ اتِّساقِها أو فِراقِها لأصولِهم الخمسةِ، فما كان على نَقيضِ مُقتضاها «مِن آياتٍ يُؤوِّلونها، وما يُعارضها مِن أحاديث يُنكرونها .. ولذلك، فإنَّ مَوقِفَهم مِن الحديثِ كثيرًا ما يكون موقفَ المُتشَكِّك في صِحَّته، وأحيانًا موقفَ المُنكر له، لأنَّهم يُحكِّمون العقلَ في الحديث، لا الحديثَ في العقل» (^٣).\n_________\n(^١) «فضل الاعتزال» للقاضي عبد الجبار (ص/١٨٥ - ١٨٦).\n(^٢) «قبول الأخبار» لأبي القاسم البلخي المعتزلي (١/ ١٨).\n(^٣) «ضحى الإسلام» لأحمد أمين (٣/ ٨٥).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المطلب الرَّابع\nتأثير الفكرِ الاعتزاليِّ في الفِرق الكلاميَّة</span>\nقريبًا مِن هذا المَسلكِ الغالي في العَقليَّات، مَشَى كثيرٌ من الأشاعرةِ المُتأخِّرين، وإن كانوا هم ألصَقَ بالنُّصوصِ الشَّرعيَّة مِن أولئك، وأشَدَّ تَعظيمًا لها، وأتبَعَ لمنهجِ السَّلف الصَّالحين؛ أذكرُ منهم أبا حامِدٍ الغزاليِّ (ت ٥٠٥ هـ) (^١)، هذا العَلَمُ الكبير -وإن كان مُناوِئًا لأهلِ الاعتزالِ في جُملةِ تَقريراتِهم- إلَّا أنَّ له مِن التَّأصيلاتِ في باب العقائد ما يُوافق نظرَتهم إلى الدَّلائل النَّقليَّة، فيردُّ أكثر أحاديث الصِّفات لإيهامها التَّشبيه في حقِّ الله تعالى.\nترى ذلك -مثلًا- في قوله: «.. ما قَضَى العَقْلُ باسْتحالتِهِ، فيَجِبُ فيه تأويلُ ما وَرَدَ السَّمْعُ به، ولا يُتصوَّرُ أَنْ يَشْتَمِلَ السَّمْعُ على قاطعٍ مُخالفٍ للعقولِ، وظَوَاهرُ أَحاديثِ التَّشبيه أَكثرها غيرُ صَحيحةٍ، والصَّحيحُ منها ليس بقاطعٍ، بل هو قابلٌ للتَّأويلِ» (^٢).\n_________\n(^١) محمد بن محمد بن محمد الغَزَالي الطُّوسي: المُلقَّب بحُجَّة الإسلام، فيلسوف متصوف، ومن كبار فقهاء الشَّافعيَّة، وأذكياء العالم، له نحو مئتى مُصنَّف، مِن أشهرها «إحياء علوم الدين»، انظر «أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٣٢).\n(^٢) «الاقتصاد في الاعتقاد» لأبي حامد الغزالي (ص/١١٦).","vol":"1","page":113},{"text":"وقبله شيخُه أبو المَعالي الجُوَينيُّ (ت ٤٧٨ هـ) (^١) وهو عَمودُ الأشعريَّةِ الكُلَّابيَّة، كان «مع فرطِ ذكائِه، وإمامتِه في الفروعِ وأصولِ المذهب، وقوِّةِ مُناظرتِه، لا يدري الحديثَ كما يَليقُ به، لا مَتنًا ولا إسنادًا» (^٢)، وقد ورث مقالةَ عبد الجبَّار في كلامِه على بعضِ الصِّفات الإلهيَّة، فيدفعُ بها في نحرِ الصِّحاحِ من الأخبار، ويتكَلَّف في إيجادِ مَنفذٍ في طرائِق نَقْلِها ليَصِل مِن خلالِها إلى تضعيفِها، فإذا أصابه الذُّهول مِن متانةِ دعائم تلك النُّقول، تكلَّف بكلامٍ في علم الحديث لو أحجَم عنه بادئ الأمر كانَ خيرًا له.\nمن ذلك -مثلًا- قولُه في حديث النُّزول المَشهور (^٣): «إنَّ الحديثَ وإن رواه الأثبات، ونقلَه الثِّقات، فلم يُجمع أهل الصَّنعة على صِحَّتِه، على معنى أنَّه منقول عن الرَّسول ﷺ قطعًا، وإنَّما انكفَّ أهل التَّعديل عن التَّعرُّض للحديث الَّذي نَقلوه، مِن حيث لم يظهر ما يَتضمَّن مَطعنًا وقدحًا في النَّقَلة، وهم مع ذلك يُجوِّزون على رُواة الخبر أن يزلُّوا ويغلطوا ..» (^٤).\nوهكذا ترى الجُوينيَّ يَستميتُ في منعِ كونِ الرُّسولِ ﷺ أخبرَ بمثلِ هذا الحديث وهو مَقطوعِ بصحَّتِه عند أهل النَّقد، ولو بأضعفِ الأدلَّة، بل أجاز الإضرابَ عن الصِّحاحِ مِن الأحاديثِ في باب العقائد، لكونِها مِن قَبيل الآحاد، كما تفعلُ المُعتزلة تمامًا، ترى شيئًا من ذلك في مَعرض ردِّه على مَن سَمَّاهم\n_________\n(^١) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجُوَيْني، أبو المعالي: الملقَّب بإمام الحرمين، أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعيِّ، بنى له الوزير (نظام الملك) المدرسة النِّظامية، فدرَّس فيها، وكان يحضر دروسه أكابر العلماء، له مصنفات كثيرة، منها «غياث الأمم والتياث الظلم» و«العقيدة النظامية» و«نهاية المطلب في دراية المذهب» في فقه الشَّافعية، انظر «أعلام النبلاء» (١٨/ ٤٦٨).\n(^٢) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٤٧١).\n(^٣) وهو ما اتَّفق عليه البخاري (رقم: ١١٤٥) ومسلم (رقم: ٧٥٨) واللفظ له، من حديث أبي هريرة مرفوعا: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟».\n(^٤) «الشَّامل» للجويني (ص/٥٥٧ - ٥٥٨).","vol":"1","page":114},{"text":"بـ «الحَشويَّة»، حيث قال: «أمَّا الصِّفات الَّتي يتمسَّكون بها، فآحادٌ لا تُفضي إلى العِلم، ولو أضربنا عن جميعِها لكانَ سائِغًا» (^١)!\nأمَّا الفخر الرَّازي (ت ٦٠٦ هـ)، فغايةٌ لا تُسامى في ردِّ الصِّحاحِ بقانونِه العقليِّ الكُليِّ، وسيأتي الكلام عليه قريبًا في موضعه من هذا المَبحث.\nثمَّ الآمديُّ (ت ٦٣١ هـ) (^٢) قريبًا منه، نراه يسوق في إحدى كُتبِه أدلَّته على رؤيةِ الله في الجنَّة، ثمَّ يختمها بقوله: «.. وعلى الجُملة، فلَسْنا نعتمِدُ في هذه المسألةِ على غير المَسلك الَعقليِّ الَّذي أوضحناه، إذْ ما سِواه لا يخرُج عن الظَّواهر السَّمعية، والاستبصاراتِ العقليَّة، وهي ممَّا يَتقاصر عن إفادةِ القطعِ واليقينِ، فلا يُذكر إلَّا على سبيلِ التَّقريبِ واستدراجِ قانعٍ بها إلى الاعتقاد الحقيقيِّ» (^٣).\nوبهذا تعلمُ أنَّ انكماشَ المذهبِ الاعتزاليِّ، وتَقلُّصَ دعوتِه، لم يَقتضِ انحسارَ كثيرٍ مِن عَقائِده ومَبادِئه، حيث تَبنَّى بعضَها الأشاعِرةُ المُتأخِّرون كما علِمتَ، وأظهر منهم في هذا التَّبنِّي الاثنا عَشريَّة والزَّيديَّة (^٤)، حتَّى قال (جولدْزِيهر): «قد استقَرَّ الاعتزالُ في مُؤلَّفات الشِّيعةِ حتَّى يومِنا هذا، فلِذا كان مِن الخطأ الجَسيمِ -سواءٌ مِن ناحيةِ التَّاريخِ الدِّيني أو الأدَبيِّ- أن يُزعَم بأنَّه لم يبْقَ للاعتزالِ أثرٌ قائمٌ مَحسوسٌ» (^٥).\n_________\n(^١) «الإرشاد» للجويني (ص/١٣٩).\n(^٢) علي بن محمد بن سالم التغلبي، أبو الحسن، سيف الدين الآمدي: أصولي مُتكلِّم، أصله من آمد من (ديار بكر)، وتعلم في بغداد والشام، وانتقل إلى القاهرة، فدرَّس فيها واشتهر، له نحو عشرين مصنفا، منها «الإحكام في أصول الأحكام»، ومُختصره «منتهى السول»، و«أبكار الأفكار»، انظر «الأعلام» (٤/ ٣٢٨).\n(^٣) «غاية المرام في علم الكلام» للآمدي (ص/١٧٤).\n(^٤) انظر «تأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة» لـ د. عبد اللطيف الحفظي (ص/٤١٧)، و«أصول مذهب الشيعة» لـ د. القفاري (٢/ ٦٤٩).\n(^٥) «العقيدة والشريعة» (ص/٢٢٣).","vol":"1","page":115},{"text":"فمِثلُ هذا التَّقديمِ للعقليَّات عند تَوهُّمِ التَّعارض، تجده عند الطَّوائفِ الكلاميَّة الَّتي جاءت بعد المعتزلة، إلى يوم النَّاس هذا، يَرُومون تنزيهَ الشَّارع عن مُناقضةِ الضَّروراتِ العقليَّة فيما يَرَون، أو مُحاولةً للاتقاء بركبِ الحضارةِ الغربيَّةِ عبر قنطرَتِها، كما سيأتي عليه البيان في الآتي:","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المَطلب الخامس\nأثَر الفكرِ الاعتزاليِّ في المَدارسِ العَقلانيَّةِ المُعاصرةِ</span>\nعلى وَفْقِ ذاك التَّقنينِ لأوَّليَّة العقل، دَرَج كُلُّ مَن جاء مِن المُتأخِّرين الطَّاعنين في صِحاح السُّنَن وفق نظرهم العقليِّ، على اختلافِ مَشارِبهم وتفاوتِ مَنازلهم في ذلك.\nأمَّا نُشَّادُ الفكرِ العَقلانيِّ مِن الإسلاميِّين:\nفلقد كان لهم نَصيبٌ وافرٌ مِن وَراثةِ أصولِ الاعتزالِ في نظرتهم إلى النُّصوص الشَّرعيَّة، وقد وُجِدَ مَن أطلَقَ على (جَمالٍ الأفغانيِّ) وتلميذِه (محمَّد عبده) في وقتِهما لقبَ «مُعتزلةِ العصرِ الحديث» (^١)؛ وذلك أنَّ الثَّانيَ منهما يؤصِّلُ للإسلامِ أُصولًا، فيَعدُّ فيها الأصلَ الثَّاني مِن الأصولِ الَّتي قام عليها الإسلام، ما ذكره في قوله: «.. الأصلُ الثَّاني للإِسلام: تقديمُ العقلِ على ظاهرِ الشَّرعِ عند التَّعارض؛ .. فقد اتَّفق أهلُ المِلَّةِ الإِسلاميَّةِ (^٢) -إلَّا قليلًا ممَّن لا يُنظَر إليه- على أنَّه إذا تعارَض العقلُ والنَّقل، أُخِذَ بما دَلَّ عليه العقلُ، وبقي في النَّقل طَريقان:\n_________\n(^١) ذكره الأستاذ أنور الجندي كما في «تجديد الفكر الإسلامي» لـ د. جمال سلطان (ص/٣٥).\n(^٢) في حكايةِ هذا الاتِّفاقِ نَظَرٌ؛ وهو في الحقيقة إنَّما عَنَى حكايةَ اتِّفاقَ جملةِ طوائف المُتكلِّمين، وهؤلاء ليسوا جميع أهل المِلَّة، ثمَّ إنَّ اتِّفاق المتكلِّمين على خصوص هذه مَسألة، لا يعتدُّ به، مادام خارقًا لاتِّفاقِ أئمَّة السَّلَف.","vol":"1","page":117},{"text":"طريقُ التِّسليمِ بصحَّةِ المنقولِ، مع الاعترافِ بالعجزِ عن فَهْمِهِ، وتفويضِ الأمرِ إلى الله في علمِه.\nوالطَّريق الثَّانيةُ: تأويلُ النَّقلِ، مع المُحافظةِ على قوانين اللُّغَةِ، حتَّى يتَّفِقُ مَعناهُ مع ما أثْبتَه العقلُ.\nوبهذا الأصلِ الَّذي قام على الكتابِ وصحيحِ السُّنَّةِ، وعَمَلِ النَّبي ﷺ، مُهِّدَت بين يَدَيْ العقلِ كلُّ سبيل، وأُزيلَت مِن سبيلِه جميعُ العَقبات» (^١).\nوفي تقريرِ هذه النَّزعة العقلانيَّةِ لعمومِ رُوَّادِ هذه المَدرسة الإصلاحيَّة الحديثة، يقول محمَّد حمزة (^٢): «إنَّ النَّزعةَ العَقليَّة الَّتي تحمَّس لها مُفكِّرون عديدون، كمحمَّد عبدُه، وعلي عبد الرزَّاق، وأحمد أمين، ومحمود أبو ريَّة، وَجَدَت في مَبادئِ المُعتزلة ونزعَتِها العقليَّة تعبيرًا صادقًا عن طموحاتِها، فكان الاحتفاءُ بمَبادئها -وخاصَّةً في فترةِ ما بين الحَرْبين- استعادةً جديدةً ومُحاولةَ إحياءِ العقلانيَّةِ العربيَّةِ القديمة ..\nومثلما وَجَدَ هؤلاء المُفكِّرون في مَبادئ المعتزلة ما يَتناغم مع دعوتِهم التَّحديثيَّة، فإنَّ موقفَ المُعتزلة مِن الأدلَّة النَّقليَّة عمومًا، والحديثِ النَّبويِّ بصفةٍ أخص، كان مِمَّا يُلائم أفكارَهم» (^٣).\nثمَّ جاء من بعدِ هؤلاء مَن أشادَ بمناهجِ المُعتزلة صراحةً، وأثنى على جُملةٍ مِن هَرطقاتِهم، كما تراه عند (جمال البنَّا) من جعلِه العقلَ هو الأصلَ الأوَّل للشَّريعة (^٤)! وعلى هذا المَبدأ نفسِه سَمَّى (سامر إسلامبولي) نقدَه للصَّحيحين بـ «تحريرِ العقل مِن النَّقل».\n_________\n(^١) «الأعمال الكاملة للشَّيخ محمد عبده» لمحمَّد عمارة (٣/ ٣٠١).\n(^٢) محمد حمزة: باحث تونسي حَداثيٌّ، أستاذ محاضر في الجامعة التونسيَّة، مختصٌّ في قضايا الفكر الإسلاميِّ، له عدة مؤلفات، من أشهرها: «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث».\n(^٣) «الحديث النَّبوي ومكانته في الفكر الإسلامي المعاصر» (ص/٣٣٤).\n(^٤) «السنة ودورها في الفقه الجديد» لجمال البنا (ص/١٥٥، ١٧٤).","vol":"1","page":118},{"text":"وكان (إسماعيل الكُرديُّ) شديدَ الحَفاوةِ بجُهدِ المُعتزلةِ في نقدِ متونِ الصِّحاحِ، وبهذا الأصلِ العقليِّ الَّذي أصَّلوه (^١).\nبل إنَّ من شاكلةِ هؤلاء مَن تَحسَّر على اندثارِ مَذهبِهم، وتمنَّى لو بَسَط الاعتزالُ سُلطَته على النَّاس مرَّةً أخرى كما كان ردحًا من زمنِ العَبَّاسيِّين! كما تلمسُه مِن تحسُّر (محمَّد شحرور) في قولِه: «تيارُ العقلِ قد تَمثَّل في المُعتزلة، حيث أنَّ الإسلامَ عندهم تفاعَلَ مع مُعطياتِ العصرِ وتحدِّياته، وأنتج فكرًا نيِّرًا حُرًّا نقديًّا، وقد انتهَت المعركةُ مع الأسَفِ بانتصارِ التَّيار الأوَّل -يعني أهلَ السُّنة-، وما زِلنا نَعيشُ مَآسِيها حتَّى يومنا هذا» (^٢).\nفمثلُ هذه الأقلامِ المُتعاطفةِ مع المُعتزلةِ ما أكثرها في أهلِ زماننا، تجدها ظاهرةً في كتاباتِ (أحمد أمين) (^٣)، و(أمين الخولي) (^٤)، و(أحمد محمَّد صبحي)، و(زكي نجيب محمود) (^٥) (^٦)، و(جعفر السُّبحاني) (^٧)، و(محمَّد شحرور) (^٨)، وغيرهم كثير.\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٤٤، ١٧١).\n(^٢) «الكتاب والقرآن» لشحرور (ص/٥٦٩، ٥٨٦).\n(^٣) أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ: عالم بالأدب، غزير الاطلاع على التَّاريخ، من كبار الكتاب المصريِّين، قرأ مدة قصيرة في الأزهر، وتخرج بمدرسة القضاء الشرعي، ودرَّس بها، ثمَّ تولى القضاء ببعض المحاكم الشرعيَّة، ثم عيِّن مُدرسًا بكلية الآداب بالجامعة المصريَّة، مِن مُؤلفاته: سلسلته في تاريخ الأفكار في الإسلام «فجر الإسلام»، و«ضحى الإسلام»، و«ظهر الإسلام»، توفي (١٣٧٣ هـ)، انظر «الأعلام» (١/ ١٠١).\n(^٤) أمين الخولي: مِن أعضاء المجمع اللُّغوي بمصر، تعلم بالأزهر، وتخرج بمدرسة القضاء الشَّرعي، وعُيِّن أستاذا في الجامعة المصرية، ثم مديرا للثقافة العامة بوزارة التربية والتَّعليم، من مؤلفاته: «المجد دُوِّن في الإسلام»، و«مشكلات حياتنا اللُّغوية»، توفي (١٣٨٥ هـ)، انظر «الأعلام» (٢/ ١٥).\n(^٥) زكي نجيب محمود: مفكر وفيلسوف مصريٌّ، عمل أستاذًا للفلسفة أكثر من نصف قرن في الجامعات المصرية، وعمل أستاذًا بالجامعات الأمريكية، وتولى رئاسة تحرير مجلة «الفكر المعاصر»، ألَّف وترجم كتبًا عديدة في الفلسفة والثقافة والأدب، منها: «قصة الفلسفة الحديثة»، انظر «تكملة معجم المؤلفين» (ص/١٩٥).\n(^٦) انظر مقولات من مضى ذكرهم في «الاتجاهات المعاصرة في دراسة السنة النبوية في مصر الشام» لـ د. محمد عبد الرزاق أسود (ص/٤٦٩).\n(^٧) انظر «بحوث في الملل والنحل» لجعفر السُّبحاني (٣/ ١٧٠). مؤسسة النشر الإسلامي.\n(^٨) انظر كتابه «الكتاب والقرآن» (ص/٥٦٩، ٥٨٦).","vol":"1","page":119},{"text":"يقولُ عادلٍ العَوَّا (^١): «لقد اضمَحَلَّ الاعتزالُ مَذهبًا إن صَحَّ القول، ولكنَّه بَقِي روحًا ومَوقفًا! وقد جاءت النَّهضةُ الحديثة وفيها ألوانٌ مِن الاعتزال، ففيها الشَّك والتَّجربة، وهما مَنهجان مِن مناهج الاعتزال، وفيها الإيمان بسُلطةِ العقل، وحُريَّة الإرادة» (^٢).\nوأمَّا غُلاةُ العَقلانيِّين -مُمَثَّلين بالتَّيارِ العَلمانيِّ الحادِّ-:\nفهؤلاء لا يعتَبِرون بمَعرفةٍ سِوى ما كان مُحصَّلًا مِن طريق العقل (^٣)، شعارهم «العقلُ أوَّلًا، والنَّصُّ ثانيًا» (^٤)، بعد أن اِلْتَحَف رُوَّاد هذا التَّيَّار العَرَبُ بدِثار الاعتزالِ، مُنبهِرين بما عند مَشايِخه القُدامى مِن دُربةٍ قديمةٍ على كبحِ جِماح المَدِّ السُّنِّي، وخَدشٍ للأصولِ السُّنيَّة بمَخالِبِ التَّمَعقُل؛ على ما في كِلا الطَّائفتين -الاعتزاليَّة والعَلمانيَّة- مِن رموزٍ تنصهِرُ في قدرٍ مُشتركٍ خَطيرٍ، مُتمثِّلٍ في إحلالِ الشَّرائعِ العَقليَّة، مكانَ التَّشريعاتِ النَّبويَّة (^٥).\nفلأجلِ ما عند المُعتزلةِ مِن تقديسٍ مُفرطٍ للعقلِ، قد أشادَ مثلُ (حمَّادي ذُوَيب) (^٦) بشَجاعة رؤوسِهم القُدامى في تَقديمِ العقليَّاتِ على النَّص عند التَّعارض رغمَ أنوفِ أهلِ الحديثِ! ودَعا إلى اقتفاءِ أثَرهِم في استخدامِ منهجِ المُلاحظة والشَّكِّ في كلِّ شيءٍ، حتَّى في الأمورِ الدِّينيَّة!\n_________\n(^١) عادل العوَّا: فيلسوف سُوري، درس في جامعة السُّوربون بفرنسا، وترأس قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية بجامعة دمشق، له عدة مؤلفات، منها: «المذاهب الأخلاقية»، و«الفكر الانتقادي لجماعة إخوان الصَّفا»، توفي (١٤٢٢ هـ).\n(^٢) «المعتزلة والفكر الحر» لعادل العوا (ص/٣٧٨).\n(^٣) انظر «الأسس الفلسفيَّة للعلمانيَّة» لعادل ضاهر (ص/٣٦٣)، وكتابَه الآخر «أوَّلية العقل» (ص/١٥٦).\n(^٤) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي المعاصر» لمحمد حمزة (ص/٣٣٥).\n(^٥) نَسَب الشِّهرستاني هذا في «الملل والنِّحل» (١/ ٨١) إلى رأسي الاعتزال: الجُبَّائي، وابنِه أبي هشام.\n(^٦) باحث تونسي حَداثيٌّ، يعمل أستاذًا محاضرًا بقسم العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس بتونس، حاصل على الدكتوراه عن رسالته «جدل أصول الفقه والواقع»، من مؤلفاته: «مراجعة نقدية الإجماع بين النظرية والتطبيق»، و«السنة بين الأصول والتاريخ».","vol":"1","page":120},{"text":"فكان يقول: «ينبغي أن نَنظُر إلى مَوقفِ النَّظَّام، باعتبارِه تواصلًا لاتِّجاهٍ سَبَقه داخلَ المدرسة الاعتزاليَّة، .. إنَّ هذه الجُرأة الَّتي تحتكِمُ إلى العقلِ سُلطةً مَعرفيَّةً، ومِحَكًّا للصَّادقِ والزَّائفِ مِن الأخبارِ، سَتَجِدُ مَن يُطبِّقها في الواقع» (^١).\nوالَّذي يَغلِبُ على ظنِّي بعد مُطالعَتي لكثيرٍ مِن كتاباتِ العَلمانيِّين في هذا الباب، وتأمُّل خطاباتِهم في الإعلام:\nأنَّ انخراطَهم في هذا المَسْلكِ العَقَديِّ المُحتَذي لمذهبِ الاعتزال، لم يكُن أبدًا عن قناعةٍ تامَّةٍ بأصولِ هذا المذهب الكَلاميِّ في الاستدلالِ؛ وإلَّا لَكانوا أخَذوا أيضًا بأصلِهم الخامس في «الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكر»! ومَعلومٌ للكلِّ من حالِهم أنَّهم أكثرُ النَّاسِ اشمِئزازًا ونفورًا مِن هذه الشَّعيرة!\nولكنَّ انتهاجَ هؤلاء العَلمانيِّين المُعاصرين لمَقالاتِ المُعتزلةِ، إنَّما هو انتهاجٌ نَفعيٌّ مُؤَدْلجٌ، يُمارِسونَه -على وجِه الاضطرارِ المُؤقَّتِ- على التُّراثِ الإسلاميِّ بمُختلَفِ مُكوِّناتِه.\nفالمُستغرِبون الَّذين يرفعون رايةَ الدَّعوة إلى التَّمرُّد على السُّنةِ وتَجاوز نصوصها، وإن أظهروا الإشادةَ بالتيَّار الاعتزاليِّ في عقلانيَّته، «إلَّا أنَّهم -في حقيقةِ الأمرِ- أَظهروا هذه الإشادةَ ليستَتِروا خلفَ هذا الأنموذجِ، ويُظهِروا لمِن لا يَعرِفُ حقيقةَ مَقاصدِهم، أنَّهم إِنَّما يستلَهِمون مِن ذاتِ التَّاريخ الإسلاميِّ وما نَشَأ فيه مِن حَرَكاتٍ وفِرَقٍ ما زَعَموا أنَّه نواةٌ للإبداعِ والتَّحديث، فيُخفوا بهذا الاحتفاءِ الأنموذَجَ الحَقيقيَّ الَّذي وَقعَوا في تَبَعيَّتِه واجترارِ رِجْسِه وآفاتِه» (^٢)، وهذا الكامنُ في أُنْموذج الفكرِ الغَربيِّ الوَثنيِّ بتمامِه.\nهذه حقيقةٌ لم يستطِع حتَّى كبارُهم التَّستُّر عليها؛ فهذا (نَصر أبو زيد) (^٣) يُفشيها بقولِه: «لا يَعني إحياؤُنا للاعتزالِ أنَّنا نقبلُ مواقفَ المعتزلة كلِّها ..\n_________\n(^١) «السنة بين الأصول والتاريخ» (ص/٢١١).\n(^٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٠).\n(^٣) نصر حامد أبو زيد: باحث أكاديمي مصري، متخصص في نقد التراث الإسلامي واللغة العربية، وعندما قدم أبحاثه للحصول على درجة أستاذ، اتهمَّته لجنة التَّحكيم بالكفر، فخرج بعدها من مصر، ثم رجع إليها بعد سنين، ومات سنة (٢٠١٠ م)، انظر ترجمته في «أعلام الفكر العربي» للسيد ولد أباه (ص/٢٠٠).","vol":"1","page":121},{"text":"فتأيِيدُنا للمُعتزلةِ للتِّيارِ العَامِّ وللحركةِ التَّاريخيَّة، وليس للتَّفصيلاتِ الجُزئيَّة في هذه النَّظرة أو تلك» (^١).\nوذاك (أَدُونيس) (^٢)، مع إعلائه هو أيضًا مِن شأنِ الانحرافِ الاعتزاليِّ -لمِا يراه مِن انعتاقِهم نِسْبيًّا مِن سُلطةِ الوحيِ- يُؤكِّدَ على أنَّ هؤلاء: لا يُمثِّلون الأنموذجَ المُرتضَى الَّذي يُنْسَجُ على مِنوالِه، إذْ يَبقى أنَّه عَقلٌ وليدُ التَّديُّنِ لا التَّساؤلِ، فهو -بحسبِ كلامِه- ابنُ الله والوَحي! (^٣)\nفلذلك أستطيع القولَ:\nأنِّي مع كلِّ هذا الَّذي سَرَدتُ مِن تمثُّلاتِ هذا الاتِّجاهِ في المُعاصرين -ومَن تركتُ ذكرَهم أكثرُ- لا أعلَمُ جماعةً مُعاصِرةً التزَمَت مذهبَ المُعتزلةِ طولَ الخطِّ، كأنْ تُوافِقهم في أصولهِم الخمسةِ بتمَامِها، أو تَتَبنَّى أرائَهم التَّفصيليَّة في سائرِ القَضايا (^٤).\nإنَّما تَنصَبُّ المُوافقة للمُعتزلةِ -غالبًا- على بعضٍ مِن أصولِهم المَنهجيَّة لا كُلِّها، مثل: وظيفةِ العقل، وتقديمِه على النَّقلِ، وتأويلِ النُّصوصِ الشَّرعيَّة على خلافِ ما عليه السَّلَف، واعتقادِ ظنيَّة الآحادِ مُطلقًا، وعدمِ الاعتدادِ بها في العَقائد، وفكرةِ الحُريَّة الإنسانيَّة، وما أشبهَ ذلك مِن المَسائل الَّتي اشتُهِروا بها.\nهذا؛ والمُعتزلة لأدْيَنُ عندي وأتقى وأعلمُ بكثيرٍ مِمَّن يَزعُم الانتسابَ إليهم مِن عَقْلانِّيِي هذا العصر!\n_________\n(^١) «نقد الخطاب الدِّيني» لنصر أبو زيد (ص/١٨١).\n(^٢) علي أحمد سعيد إسبِر، المعروف باسمِه المُستعار: أدونيس، شاعر وكاتب سوريٌّ، تخرج من جامعة دمشق في الفلسفة، ودرَّس في الجامعة اللبنانية، وأثارت أطروحته «الثابت والمتحول» سخطًا كبيرًا عليه، وتلقَّى على إثرها عديدًا من الجوائز العالميَّة، انظر ترجمته في «أدونيس كما يراه مفكرون وشعراء عالميون» دار الطليعة - بيروت، ٢٠١١ م.\n(^٣) «الثابت والمتحول» لأدونيس (١/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٤) انظر «مناهج الاستدلال على مسائل العقيدة الإسلامية بمصر في العصر الحديث» لأحمد قوشتي (ص/٧٩ - ٨١).","vol":"1","page":122},{"text":"فإنَّ المُعتزلةَ يَحتجُّون بالسُّنةِ في الفقهيَّاتِ (^١)، وكثيرٍ مِن فروعِ العَقائد مِمَّا لا يتطلَّب القطعَ (^٢)؛ وأمَّا غُلاة العَقلانيِّين اليوم، فلا يُبالون بها إلَّا قليلًا.\nوعامَّة المُعتزلةِ لم يُنكِروا حَدَّ الرَّجمِ (^٣)، ولا النَّسخَ في القرآن (^٤)، ولا أنكروا فرضَ الحجابِ، ولا كثيرًا مِمَّا خَرَج به علينا المُتَمَعقِلَةُ مُؤخَّرًا، ولا ارتَموا في أحضانِ الإفرنجِ كما يفعلُ هؤلاء.\nوالمُعتزلةُ يقولون بحُجِيَّة الإجماعِ (^٥)، استنادًا إلى عصمةِ الأمَّة والسَّلف بخاصَّة، خلافَ كثيرٍ مِن أدعياءِ العقلانيَّة اليوم، فلا يكادون يَرفعُون بذلك رأسًا في شيءٍ! (^٦)\nفأيُ ظلمٍ للمُعتزلةِ أكبر من أن يُنسَبَ إليهم مثلُ هؤلاءِ المُحْدَثون المُحْدِثون مِن مُراهِقي الفِكرِ وشُذَّاذِ الرَّأي؟!\nوبهذا وغيره، يتبيَّن الفارق بين الطَّوائف الكلاميَّة -مِمَّن تقدَّم ذكر بعض مواقِفهم من آحادِ السُّنة- وطوائف العَلمانيِّين:\nأنَّ المعتزلة ومَن نَحا منهجهم: إرادةُ تنزيهِ الشَّريعةِ عن مُناقضةِ الضَّرورة العقليَّة واقعٌ لهم بالقصدِ الأوَّل، والإلحاد في النُّصوص والجِنايةُ عليها ليس مُرادًا لهم، بل وَقَع لهم نتيجةً لانحرافِهم في التَّنظير.\nوأمَّا الحَداثيُّون من العَلمانيِّين وغيرهم: فالإلحادُ في النُّصوص والجنايةُ عليها، والكُفرُ بمَصدرها، واقعٌ لهم بالقصدِ الأوَّل.\n_________\n(^١) انظر «قبول الأخبار» للبلخي (١/ ١٧)، و«المُعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٩٨).\n(^٢) انظر «اليقيني والظني من الأخبار» لحاتم العوني (ص/٣١ حاشية).\n(^٣) كما ذهب إليه رشيد رضا في «مجلة المنار» (٧/ ٦١١)، ود. مصطفى محمود في كتابه «لا رجم للزانية»، وأبو القاسم حاج حمد في «إبستمولوجيا المعرفة الكونية» (ص/٩٤ - ٩٥).\n(^٤) كما فعل أحمد حجازي السَّقا في كتابه «لا نسخ في القرآن».\n(^٥) انظر «قبول الأخبار» للبلخي (١/ ١٧ - ١٨)، و«المُعتمد» لأبي الحسين (٢/ ٣).\n(^٦) كحمَّادي ذويب في كتابه «مراجعة نقدية للإجماع».","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المَطلب السَّادس\nالأصل العَقليُّ النَّاظِم لمُخالِفي أهلِ السُّنةِ\nفي ردِّ الأحاديث النَّبويَّة</span>\nيعتقِد عامَّة مَن يخالف منهج أهلِ السُّنَّة في اعتبار مراتب الأدلَّة، بوجودِ خصومةٍ بين النَّقلِ والعقل، وبوقوع التَّعارضِ بين كثيرٍ من أفرادِ دلائلهما، أو إمكانِ ذلك وجَوازِه؛ ومادام أنَّ تقديمَ النَّقلِ على العقلِ مُستلزم عندهم للدَّوْرِ المُحال، إذْ أنَّ حُجيَّة الخبرِ الشَّرعي لا يُمكن بحالٍ أن تُعلم إلَاّ بإثباتِ الدَّلالة العقليَّة وتصحيحها لها: فإنَّ تقديمَ النَّقل في هذه الحالةِ مستلزمٌ للقدحَ في أَصلِه!\nوهذا عينُ ما ادَّعاهُ المُخالفون -كما قدَّمنا- لرَدِّهم كثيرًا مِن المَرويَّات الصِّحاحِ، بدءًا مِن المعتزلة (^١)، ومرورًا بكثيرٍ من مُتأخِّري الأشاعرة (^٢)، ثمَّ انتهاءً بالعَلمانيِّين؛ مع أنَّ الدَّور في حقيقة الأَمْرِ مُنتفٍ؛ وهو توهُّمٌ ناشئٌ عن افتعالِ الخصومةِ بين العقلِ والنَّقل، ولا خصومةَ بينهما عند التَّحقيق -كما سيأتي عليه البيان-، وما تقدَّم من لَهَج بعض أرباب المَقالات بمَركزيَّةِ العقلِ، مُجرَّد دعوى لا تحقُّق لها في سوقِ الدَّلائل الشَّرعيَّة ولا حتَّى العقليَّة.\n_________\n(^١) انظر «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبَّار (ص/٨٨ - ٨٩).\n(^٢) انظر «البرهان» للجويني (١/ ١١١)، و«العواصم من القواصم» لابن العربي (ص/٢٣١).","vol":"1","page":124},{"text":"وإنَّا إذ نرفضُ تلك الخصومةَ المُدَّعاة بين صريح العقل وصِحاح النَّقل، لا نُنكر في المُقابل وجودَ مَبادئ فِطريَّة مَركوزةٍ في العقل الإِنسانيِّ، بل إنَّ وجودَ هذه المَبادئ والإِقرار بها مِمَّا يُوطِّد وَهْنَ هذه الدَّعوى؛ ذلك لأنَّ هذه المَبادئ مع كونِها مِن مُكوِّنات العقلِ البشريِّ، إلَاّ أنَّها غير كافيةٍ في تحصيلِ الحقائق، إمَّا مُطلقًا، وإمَّا على وجهِ التَّفصيل، فهي مُفْتَقِرة إلى نُور الوحي (^١).\nوهذا ما سيَتَبيَّن بعدُ بتحديدِ معنى العقلِ، فإنَّ الاختلاف في مَفهومِه مِن أصولِ النِّزاع في ما نحن بصدده، فلقد داخل هذا اللَّفظَ مادَّةٌ مِن الاشتباهِ والإجمالِ (^٢)، وعندي أنَّه مِن أكثرِ المُصطَلَحاتِ المَظلومة من أهل هذا العصر، فلَكَم حُمِّل ما لا يحتمِلُ، أُلبِس أوسعَ مِن مَقاسِه!\nإنَّ العقل «جِنسٌ تحته أنواعٌ، منها ما هو حقٌّ، ومنها ما هو باطلٌ باتِّفاق العُقلاء، فإنَّ الناس مُتَّفقون على أنَّ كثيرًا مِن النَّاس يُدخِلون في مُسمَّى هذا الاسم ما هو حقٌّ وباطلٌ» (^٣)، ولأجل ترسِيَتِه مواضِعَه المناسبة نقول:\nالفرع الأوَّل: مَفهوم العقلِ الَّذي تمتنِعُ مُعارَضتُه للدَّلائل النَّقليَّة.\nتدور مادَّة العقل في اللِّسان: على المنعِ، والحبس، والإمساكِ، ومِنه: عَقَلَ الدَّواءُ بطنَه، يعقِلُه عقلًا: أمسَكَه، ويُسمَّى عقل الإنسان عقلًا، لأَنَّه يمنع صاحبَه مِن التَّورُّط في المَهَالِك (^٤).\nوأَمَّا مفهومُه في المُواضَعةِ والاصطلاحِ: فيدور على مَعَانٍ كثيرةٍ، قد قيل في عِبارتِه ألفُ قَولٍ (^٥)! والَّذي يُرادُ من ذلك في هذا المَقام، ويَمتنعُ مُعارضته للدَّلائلِ النَّقليَّةِ: هو العقلُ الفِطريُّ بمَبادئِه الأوليَّة التي فُطِرَ عليها العقل\n_________\n(^١) «دفع دعوى المُعارض العقليِّ» (ص/٣٩).\n(^٢) كما قال ابن تيميَّة في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٦٩ - ٤٧٠).\n(^٣) «درء التعارض» (١/ ١٩١).\n(^٤) انظر: «القاموس المحيط» للفيروز آبادي (١٣٣٦)\n(^٥) «البحر المحيط» للزركشي (١/ ١١٥)","vol":"1","page":125},{"text":"الإنسانيُّ، والَّذي يحُدُّه النُّظَّارُ والمُتكلِّمون بأنَّه:\n«عِبارةٌ عن جُمْلَةٍ مِن العلومِ مخْصوصَةٍ، متى حَصَلتْ في المُكلَّفِ صَحَّ منه النَّظرُ، والاستدلالُ، والقيامُ بأداءِ ما كُلِّف منه» (^١).\nهذه المبادئ والعلوم يمكن رَدُّها إلى مَبدأين:\nالأول: مَبدأ عدمِ التَّناقض، والَّذي يُراد به امتناعُ أن يوجد الشَّيء وأنْ لا يوجد في نفسِ الوقتِ، ومِن ذاتِ الِجهة.\nوالمبدأ الآخر: مَبدأ السَّبَبيَّة، ويُقصَد به: أنَّ كلَّ ما يُوجَد، فلا بُدَّ أَن يكون لوُجودِه سَببٌ (^٢).\nفهذان المبدآن يَتَّسِمان بالضَّرورة والكُليَّة.\nفأمَّا الضَّرورة فمعناها: امتناعُ تَصوُّر نقيضِها، وامتناعُ البَرهنةِ عليها؛ لكونِها بيِّنةً لا تفتقر إلى بُرهانٍ، فهي أصلُ كلِّ برهانٍ.\nوأمَّا الكُليَّة فالمُراد بها: انطباقُها على كلِّ وجودٍ ذاتيٍّ، أو مَوضوعيٍّ (^٣).\nثمَّ يندرج تحت مفهوم العقل أيضًا: العقلُ الحِسِّي، وأساسُ استنادِه على نَقْلِ الحِسِّ ومُعطياتِه.\nالفرع الثَّاني: الدَّليلُ الإجماليُّ على انتفاءِ التَّعارضِ بين العقلِ والنَّقلِ.\nمِمَّا مَضى تقصُّده مِن معنى العقلِ، يمتَنِعُ أن يكونَ الدَّليل النَّقليُّ -كتابًا وسُنَّة- مناقضًا للعقلِ بمَفهومَيْه الفِطريِّ والحِسِّي، ووَجهُ ذلك:\nأنَّ النَّقلَ الثَّابتَ عند العُقلاء من أهل المِلَّة لا يكون مُنافيًا للعقل الفطريِّ؛\n_________\n(^١) انظر «المُغني في أبواب العدل والتوحيد» للقاضي عبد الجبَّار (٣٧٥/جزء التَّكليف)، و«البرهان» للجويني (١/ ١٩)، و«الواضح» لابن عقيل (١/ ٢٣ - ٢٤)، و«المسودة في أصول الفقه» لآل تيميَّة (ص/٥٥٧).\n(^٢) انظر «العقل والوجود» ليوسف كرم (ص/١٣٨) و«المعرفة في الإسلام» لعبد الله القرني (ص/٣٠٥ - ٣٠٦).\n(^٣) «العقل والوجود» ليوسف كرم (ص/١٤٠).","vol":"1","page":126},{"text":"بحيث تكون دلالتُه مُنافيةً لمبدأِ عدمِ التَّناقضِ، أو مَنطويةً على ما فيه خرقٌ لقانونِ السَّببيَّة؛ وكذا يمتنع ورُوده بِرَفْعِ ما يَقْطَعُ الإدراكُ الحسِّيُّ بثبوتِه.\nوفي تقرير هذه المسلَّمة، يقول أبو الوفاء ابن عقيل (ت ٥١٣ هـ): «أجمع العقلاء على أنَّه ما وَرد الشَّرع بما يخالف العقل» (^١).\nوأَمَّا أن يَرِدَ البرهانُ النَّقليُّ بِما لم يَدُلَّ عليه العقلُ: فهذا مُتَحقِّق، ولا مُعارضة حينئذٍ؛ لأنَّ الكلامَ إنَّما هو في دليلٍ نقليٍّ يؤدِّي مَفهومًا على خلافِ الضَّرورةِ العقليَّةِ، لا فيما يختصُّ به الدَّليل النَّقلُّي دون العقليِّ، مِمَّا يَعزُبُ عن العقل الدَّلالة عليه؛ لخروجِه عن مَجَالِهِ (^٢)، فعندئذٍ لا يَدلُّ عليه ولا يَنفيه على السَّواء.\nذلك أنَّ العقلَ عندنا مَعاشر المسلمين «مَحكومٌ أوَّلًا بطبيعتِه، طبيعةِ أنَّه مخلوقٌ حادثٌ، ليس كُليًّا ومُطلقًا، ليس أوَّليًّا ولا أبَديًّا، ومِن ثَمَّ فإنَّ إدراكَه لابدَّ أن يكون محدودًا بما تحدُّه به طبيعتُه.\nثمَّ هو محدودٌ بوَظيفتِه، وظيفةِ الخلافةِ في الأرضِ، لتحقيقِ معنى العبادة فيها، ومِن ثمَّ فقد وُهِب مِن الإدراكِ ما يُناسب هذه الخلافةَ بلا نقصٍ ولا زيادة، وهناك أمورٌ لا يحتاج إليها في وظيفتِه هذه، ومِن ثمَّ لم يُوهَب القدرةَ على إدراكِ ماهيةٍ أو إدراكِ كيفيَّةٍ، وإنْ كان مَوهوبًا أن يُدرِك إمكانَها» (^٣)، فتكون الدَّلالةُ على ذلك في مثل هذا المَقام مُقتصرةً على الدَّليلِ النَّقلي.\nوإنَّما تَتحقَّق المنافاة بين نَقْلٍ مَنحولٍ وعقلٍ صَريح، أو بين عَقْلٍ مَدخولٍ وبين نقلٍ صحيح -وهذا الصِّنف مِن التَّعارُضِ هو المُراد تناولُه في هذه الدِّراسة لِما استُشكِل مِن أحاديثِ «الصَّحيحين» -.\n_________\n(^١) «كتاب الفنون» لابن عقيل (١/ ٤٠١).\n(^٢) «دفع دعوى المُعارض العقلي» (ص/٢٧).\n(^٣) «خصائص التَّصور الإسلامي» لسيد قطب (ص/٥٤).","vol":"1","page":127},{"text":"يقول ابن تيمية في حقِّ كثيرٍ من أهل الكلام والفلسفةِ: «هؤلاء مُضطَرِبون في مَعقولاتهم أكثرَ مِن اضطرابِ أولئك في المَنقولاتِ، تجِدُ هؤلاء يقولون أنَّا نعلمُ بالضَّرورةِ أمرًا، والآخرون يقولون نعلمُ بالنَّظرِ أو بالضَّرورةِ ما يُناقِضُه! وهؤلاء يقولون العقلُ الصَّريحُ لا يَدلُّ إلَاّ على ما قُلناه، والآخرون يُناقضوهم في ذلك!\nثمَّ مَن جَمَع منهم بين هذه الحُجَج، أدَّاه الأمرُ إلى تكافؤِ الأدلَّة، فيبقى في الحيرةِ والوقفِ أو إلى التَّناقض، وهو أن يقول هنا قولًا، ويقول هنا قولًا يُناقضه، كما تجد مِن حالِ كثيرٍ مِن هؤلاء المُتكلِّمين والمُتفلسفة، بل تجدُ أحدَهم يجمَعُ بين النَّقيضين، أو بين رَفعِ النَّقيضين -والنَّقيضان اللَّذان هما الإثباتُ والنَّفيُ لا يجتمعان ولا يَرتفعان-، بل هذا يُفيد صاحبَه الشَّكَ والوقفَ، فيَتَردَّد بين الاعتقادَين المُتناقضين: الإثباتِ والنَّفي، كما يَتَردَّد بين الإرادتين المُتناقِضَتين.\nوهذا هو حالُ حُذَّاق هؤلاء، كأبي المَعالي، وأبي حامد، والشِّهرستاني، والرَّازي، والآمدي، وأمَّا ابنُ سِينا وأمثاله: فأعظمُ تناقضًا واضطرابًا، والمُعتزلة بين هؤلاء وهؤلاء في التَّناقضِ والاضطرابِ، وسَبَبُ ذلك: جَعلُ ما ليس بمَعقولٍ مَعقولًا، لاشتباهِ الأمرِ ودِقَّة المَسائل، وإلَاّ فالمَعقولاتُ الصَّريحةُ لا تَتَناقض، والمَنقولاتُ الصَّحيحةُ عن المَعصوم لا تَتَناقض» (^١).\nفبانَ أنَّ نفسَ العقلَ المَقول بأوَّليَّتِه غيرُ مُنضبِطِ المَعالِم لدى أَصحابِه، إذْ كلُّ طائفةٍ قد أَصَّلَت لها أُصولًا بِدعيَّةً، جعَلَتها عَقْلًا تَتَمعْقلُ به على الأحاديثِ النَّبويَّة، فما وافقها قُبِلَ، وما خالفها رُدَّ.\nوهذه الأُصول قد دَرَج عليها المُتأخِّرون مِمَّن انتحَلَ طريقتَهم، إلَاّ أنَّ فِئامًا منهم -كمحمَّد عبدُه- لم تكُن المَركزيَّة لديهم لعقلٍ واحدٍ، وهو العقلُ المُستبطِن أُصولَ الطَّائفة، بل أَصبحَ العقلُ لديهم مُرَكَّبًا مِن ذلك مع ما استَوْلَدَه الفِكرُ البَشريُّ مِن نَظريَّاتٍ عِلميَّةٍ، ثبتَ بعضُها، ولم يَرْقَ كثيرٌ منها إلى رُتبةِ الحقائقِ\n_________\n(^١) «الصَّفدية» لابن تيميَّة (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"1","page":128},{"text":"المقطوعِ بها؛ مِمَّا آلَ إلى توسيعِ دائرةِ المُناقضةِ للدَّلائلِ الشَّرعيَّةِ عند المُعاصرين (^١).\nولهذا كان فتحُ البابِ لنقدِ متون الأحاديثِ بمُجرَّد النَّظر العقليِّ الَّذي لا نعرف له ضابِطًا، والسَّيرُ في ذلك بخُطًى واسعةٍ حسبِ ذوقِ النَّاقِدِ وهَواه، أو حسب استيرابه النَّاشِئ -في الغالبِ- عن قلَّةِ اطِّلاعٍ وقِصرِ نَظرٍ؛ إنَّ فتح هذا الباب لمثلِ هؤلاء «يؤدِّي إلى فوضى لا يعلَمُ إلَّا الله مُنتهاها، وإلى أن تكون السُنَّةُ الصَّحيحة غيرَ مُستقرَّةِ البُنيان، ولا ثابتة الدَّعائم؛ ففُلانٌ يَنفي هذا الحديث، وفلانٌ يُثبته، وفلانٌ يتوقَّف فيه، كلُّ ذلك لأنَّ عقولهم كانت مُختلفةً في الحُكمِ والرَّأي والثَّقافة والعُمق، فكيف يجوز هذا؟!» (^٢).\nوالواقع يشهدُ: أنَّ اتِّفاقَ أَهلِ الحديثِ على صِحَّةِ خبَرٍ مُحْكَمٌ لم ينكسِر، إذْ لم نَرَ لهم نِزَاعًا فيه بعد اتِّفاق؛ على ضِدِّ حالِ المُعترِضين على الأخبار المُتلقَّاة بالقَبول، فإِنَّ النِّزاع فيما يَدَّعون أنَّه مِن بدائه العقول قائمٌ، واتِّفاقهم هذا مُنْثَلِمٌ لم تتحقَّق له صورةٌ تُصدِّقه؛ فليس مِن (بديهةِ العقل) نَبْذُ عِصمةِ الاتِّفاق، والتَّعلُّق بأذيالِ الافتراق!\nنعم؛ قد يَقَع التَّصريحُ مِن بعضِ المُعتَبرين من أهل العلم بأنَّ مأخذَ رَدِّه للحديثِ الصَّحيحِ على رسمِ أهل الحديثِ مُخالفتُه لدَلالةٍ عقليَّةٍ عنده، لكن رَدُّ الأحاديث بهذا المأخذِ وحدَه -لنُدُورِ وقوعِه مِن المُنتسبين للسُّنةِ والجماعةِ- لا يُمكنُ أن يُعَدَّ قانونًا مَنظومًا مِن كُلِّياتِ مَنهجِ أهلِ السُّنةِ.\nولا يُعرَف الرَّدُّ بهذا المَسلكِ عن أئمَّةِ أهلِ السُّنةِ المتقدِّمين كما عند المُتأخِّرين، والارتكازُ على هذا المَسلكِ أصالةً لا يكون إلَّا غلَطًا محضًا، وعُدولًا عن السَّنَن الأبينِ الَّذي سار عليه جهابذةِ الإسلام.\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المُعارض العقليِّ» (ص/٤٠).\n(^٢) «السُّنة ومكانتها في التَّشريع الإسلامي» لمصطفى السِّباعي (ص/٢٧٩).","vol":"1","page":129},{"text":"وعليه، فإنَّ هذه المَنقولات عن بعضِ أعيانِ أهل العلمِ المُنتسبين للسُّنة، الَّتي تَرِدُ مُشاغِبةً لِما استقرَّ عليه الإجماع، أو دَلَّت عليه النُّصوص، والَّتي يَتقاطع فيها قولُ مَن عُلِم فضلُه في العِلمِ بقولِ أصنافِ المُبتدعةِ والمُستَغرِبين، فيقعُ الاتِّفاق في النَّتيجة أو لوازِمها، ويقع الافتراق في الأصل المَعرفيِّ المُنطَلقِ منه:\nتستلزِم مِن النَّاظرِ تحقيقَ نسبةِ القولِ إلى قائِلها أوَّلًا.\nثمَّ بيانَ مأخذِ المُخالفةِ ثانيًا.\nثمَّ بيانَ الاختلافِ في المَقاصدِ عند التَّوافقِ الجُزئيِّ، لدفعِ مَعَرَّةِ التَّوافق الكُلِّي، ثالثًا (^١).\nالفرع الثَّالث: نقد أساسِ القانونِ العَقليِّ الكُلِّي المُجافِي للدَّلائلِ النَّقليَّةِ.\nأسَسَّ الفَخْر الرَّازي قانونَه الكُلِّي على فكرة إمكانِ التَّعارضِ بين الدَّلالةِ العقليَّة والظَّاهِرِ الشَّرعِيِّ، ثمَّ جَعلَ الغَلَبةَ والتَّقديمَ عند حصول ذلك للدَّلالةِ العقليَّة، وأقصى به الظَّاهرَ الشَّرعي بنفيِ كونِه مُرادًا للشَّارع، أو بالطَّعن في صدقِ نِسبَتِه إن تَعذَّر عليه تأويلُه.\nوفي بيان هذا القانون الكليِّ، يقول:\n«اِعلم أنَّ الدَّلائلَ القطعيَّة العقليَّة إذا قامَت على ثبوتِ شيءٍ، ثم وَجدْنا أدلةً نقليَّةً يُشْعِرُ ظاهرُها بخلافِ ذلك، فهناك لا يخلو الحالُ مِن أَحدِ أمورٍ أربعةٍ:\n١ - إمَّا أن يُصَدَّق مُقتضى العقل والنَّقل، فيلزم تصديقُ النَّقيضين، وهو مُحال.\n٢ - وإمَّا أن يُبطَلَ، فيلزم تكذيبُ النَّقيضين، وهو مُحال.\n٣ - وإمَّا أَن تُصدَّق الظَّواهر النَّقليَّة، وتُكذَّب الظَّواهر العقليَّة، وذلك باطلٌ؛ لأنَّه لا يمكننا أن نعرف صِحَّة الظَّواهرِ النَّقليَّة إلا إذا عَرَفنا بالدَّلائلِ العقليَّة إِثباتَ\n_________\n(^١) «دفع دعوى المُعارض العقليِّ «(ص/٨١٥).","vol":"1","page":130},{"text":"الصَّانع وصفاتِهِ، وكيفيَّة دلالة المُعجزة على صدقِ الرَّسول ﷺ، وظهورِ المُعجزات عليه.\n٤ - ولو جوَّزنا القَدْحَ في الدَّلائلِ العقليَّةِ القطعيَّةِ؛ صارَ العقلُ مُتَّهمًا غير مَقبول القولِ في هذه الأصول؛ وإذا لم نُثبِت هذه الأُصول، خَرَجت الدَّلائلُ النَّقليَّة عن كونِها مُفيدةً.\nفثبتَ أنَّ القَدْحَ لتصحيحِ النَّقلِ، يُفضي إلى القَدْحِ في العقلِ والنَّقل مَعًا، وأَنَّه باطل.\nولمَّا بَطلت الأَقسامُ الأربعةُ، لم يبقَ إلَاّ أن يُقطع بمُقتضى الدلائلِ العقليَّة، القاطعةِ بأنَّ هذه الدَّلائلَ النَّقليَّةَ إمَّا أن يُقال: غيرُ صحيحةٍ، أو يُقال: إنَّها صحيحة، إِلَّا أنَّ المُراد منها غيرُ ظواهرها» (^١).\nثمَّ جاء المُعاصرون بعده بقرونٍ على غرار واحدٍ، يَطَؤُون مَواقع قدمِ الرَّازي في هذا القانون، ويتحجَّجون به في غاراتهم على أحاديث «الصَّحيحين».\nفهذا (حَسن عَفانة) يقول في تقدِمة كتابه العابثِ بهما: «.. لقد التزَمتُ بهذا القانون، أي جَعلتُ العقلَ للرَّبط، لا للاستدلال به، وقد رَددتُّ بعضَ الأخبارِ متنًا بناءً على ذلك» (^٢).\nوذاك (سامر إسلامبولي)، يُقرِّر في توطئة تسويدٍ له سَبْقَ العقلِ على «النَّقل، فالنَّقل نِتاجٌ لتفاعلِ العقلِ مع الواقع، ممَّا يؤكِّد هيمنةَ العقل، وسيادته على النَّقل» (^٣).\nوقبلهما (حَسنُ التُّرابي)، الَّذي حينَ أنكرَ ما استقرَّ عليه عَقد أهل السُّنة من نزولِ المَسيحِ ﵇ آخرَ الزَّمان، فقيل له في صِحَّة الأحاديثِ في ذلك، أجاب\n_________\n(^١) «أساس التَّقديس» للرازي (ص/١٣٠).\n(^٢) «صحيح البخاري مخرَّج الأحاديث محقَّق المعاني» لحسن عفانه (١/ ٤).\n(^٣) «تحرير العقل من النقل» (ص/٧).","vol":"1","page":131},{"text":"قائلًا: «أنا لا أُناقِشُ الحديثَ مِن حيث سَندُه، وإنَّما أراه يَتَعارض مع العَقلِ، ويُقَدَّم على النَّقلِ عند التَّعارض ..» (^١).\nفالمُتأمِّل في قانونِ الرَّازي ومَن اقتفرَ أثرَه فيه، سيَتَحرَّر لديه ما كُنَّا نبَّهنا عليه سابقًا، مِن أَنَّ مَنشأ الغلَطِ مُتأتٍّ مِن جهةِ اعتقادِهم إِمكانَ حصولِ التَّعارضِ بين الدَّلالتين؛ وهذا الاعتقادُ باطل، تمحَّض للنَّاظر بطلانُه مِن طريقين:\nالطَّريق الأول: نَفيُ التَّسليمِ بأصلِ إمكانِ التَّعارضِ:\nوهذا المَسلك تقدَّم تقريره إجمالًا (^٢)؛ ذلك أنَّ الدَّليلَ العقليَّ ما هو إلَّا جزءٌ مِن مفهومِ الدَّليلِ الشَّرعيِ، شاهدٌ على صدقِ البراهين النَّقليَّة، فيمتنع وقوعُ التَّناقض بينهما؛ لأنَّ بُطلان الدَّليلِ مُستلزمٌ بطلانَ المَدلول.\nوالطَّريق الثَّاني -على تقدير صحَّة الأصل السَّابق-: مَنعُ الحصرِ في التَّقسيمِ الَّذي رَسَمَه الرَّازي في قانونِه:\nفيُقال: إنَّ التقديمَ للدَّلالةِ العقليَّة عند التَّعارض لا يجوز أن يكون بالنَّظرِ لِجهةِ ورُودِها؛ بل لجهة اتِّصَافِها بالقَطْعِ! فإنَّ الدَّليل السَّمعي يكون قَطعيًّا أيضًا في مَوارِدَ عِدَّة، كما أنَّ الدَّليل العقلي يكون ظنِّيًا في مَواردَ عدَّة، ومَنْ نَفَى ذَلك فإنَّما يُخبر عن جَهْلِه، لا بما هو ثابتٌ في نفسِ الأمرِ.\nفأمَّا ما زعمه الرَّازي مِن حَصْرِ الدَّليل النَّقليَّ في الظَّنيَّة: فإنَّ اتِّفاقَ علماءِ الأمَّة على تَصحيحِ الخَبرِ دافعٌ للاستدراكِ على صِحَّتِه؛ لأنَّ العِصمةَ المُحصَّلة مِن الاتِّفاقِ أقوَى مِمَّا يُظَنُّ أنَّه يقينٌ عقليٌّ؛ وذلك أَنَّ إِجماعَ أهلِ الحديثِ واقعٌ على أمرٍ شَرعيٍّ، فيمتنع أَن يكون إجماعًا على خَطأٍ؛ فكان الصُّدور عن أحكامِهم ونَظرِهِم للأَخبارِ، هو القَدْر المتحتِّمُ لزومُه على منَ ليس مِن أَهلِ هذه الصِّناعة الشَّريفة.\n_________\n(^١) «دراسات في السيرة» لمحمَّد سرور زين العابدين (ص/٣٨).\n(^٢) (ص/؟).","vol":"1","page":132},{"text":"وسيأتي تفصيل لهذا الأصلِ المَكينِ في موضِعِه مِن هذا البحث.\nوأمَّا ما قاله بخصوص الدَّليل العَقليِّ: فليس النَّظر العَقليُّ مِيزانًا دَقيقًا رِياضيًّا لا يختلِفُ النَّاس في أحكامِه حتَّى يكون قطعيًا بالاطِّراد، «لاحتمالِ عدمِ انتفاءِ القوادِحِ على الواسطةِ بين المُقدِّماتِ ونتائجِها، فيكون مَنْبعُ الزَّللِ مِن جهةِ تحقيقِ مَناطِ المُقدِّمة المُتيقَّنة على نتيجتِها وفرعِها» (^١).\nوفي نفي هذا الاطِّراد يقول ابن تيميَّة: «ما يُسمِّيه النَّاس دليلًا مِن العقليَّاتِ والسَّمعياتِ، ليس كثيرٌ منه دليلًا، وإنَّما يظنُّه الظَّانُ دليلًا، وهذ مُتَّفق عليه بين العُقلاء» (^٢).\nثمَّ إنَّ النَّاس ليسوا يَتأثَّرون بالمنطقِ العِلميِّ الصَّارِم فقط حتَّى نقول بقطعيَّة كلِّ أحكامه! فعقلُ الإنسانِ لا يعمل بهذه الطَّريقة الآليَّةِ البحتَة، فإنَّ «العَقل المُبرَّأ مِن النَّقصِ والهَوى لا وجود له في دُنيا الواقع، وإنَّما هو مِثالٌ» (^٣).\nبل أكثرُ العقولِ إنَّما تَتَأثَّر بخبرةِ الإنسان، وعاطِفَتِه، وهَواه، وبَيئتِه، وتَعصُّبِه لطائِفتِه، ويَعتري نفسَ العقلِ الذُّهولُ والغفلة، وتُؤثر فيه الضُّغوط والمُتغيِّرات، وعوامِلُ كثيرةٌ تَتَدخَّل في طريقةِ تفكيرِه، شَعَر صاحبُه بذلك أم لم يشعُر؛ ما يجعلُ الإنسانَ يُغيِّر رأيَه في كثيرٍ مِن القَضايا، بعد أن كان يَرى رأيَه الأوَّل فيها عَينَ العقلِ! و«إذا أرادَ الله أن يُزيلَ عن عبدٍ نِعمةً، كان أوَّلَ ما يُغِيِّر منه عَقلُه» (^٤).\nوعلى مثلِ عقولِنا النَّاقصةِ هذه يَصدُق بَليغُ قولِ أبي حيَّان التَّوحيديِّ (ت ٤٠٠ هـ) (^٥): «أين يُذهَب بهؤلاء القوم؟ أمَا يعلمون أنَّه كما يرِدُ على\n_________\n(^١) «دفع دعوى المُعارض العقليِّ» (ص/٦١).\n(^٢) «درء التَّعارض» (١/ ١٩٢).\n(^٣) «خصائص التَّصور الإسلامي» لسيِّد قطب (ص/٢٠).\n(^٤) نَقَله الجاحظ في «البيان والتبيُّن» (٢/ ١٩٩) من قولِ فيروز بن حُصين.\n(^٥) علي بن محمد بن العباس التوحيدي: فيلسوف، ومتصوف معتزلي، نعته ياقوت بشيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء، وقال ابن الجوزي: كان زنديقا! ولد في شيراز (أو نيسابور) وأقام مدة ببغداد، وانتقل إلى الريّ، من مؤلفاته: «البصائر والذخائر»، و«المتاع والمؤانسة»، انظر «الأعلام» للزركلي (٤/ ٣٢٦).","vol":"1","page":133},{"text":"العَينِ ما يَغشى بصَرَها مِن نورِ الشَّمس، كذلك يَرِد على العقلِ ما يَغشى بَصيرَتَه مِن نورِ القُدس؟! ما أحوجَ هؤلاء المُدلِين بعقولهِم، الرَّاضين عن أنفسِهم، العاشِقين لآرائِهم، أن يُنعِموا النَّظر، ويُطيلوا الفِكر، ولا يسترسلوا مع السِّانح الأوَّل، ولا يسكنوا إلى اللَّفظِ المُتأوَّل، ولا يعولوا على غير مُعوَّل» (^١).\nنعم؛ إنَّ الله تعالى وإن جَعَل للعقولِ مَوازين فِطريَّةً دقيقةً، لكنَّ النُّفوسَ تعبَثُ بها بأهوائِها، فتنسِبُ رَغباتِها ومَألوفاتِها إلى العقل؛ فتراها بهذا تَقفِزُ على الحقائِق، وتَتَجاهلُ مُقدِّماتِها، وتَتَعسَّف في تأويلِ ما لا يَروقُها تصديقُه، لتصِلَ إلى النَّتيجة الَّتي تَشتهيها، وإن كانت باطِلةً، ثمَّ تُسمَّي هذا عقلًا!\nفانظر إن شئت حالَ يَهودٍ في القرآن، كيف تَواصَوا على كَتمِ ما عَلِمُوه مِن نُبوَّةِ محمَّدٍ ﷺ إذ قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]! فجَعَلوا طمسَ ما عَلِمُوا مِن الحقِّ عين التَّعقُّل -وهو عَينُ الحُمقِ والسَّفَه! - والإنكارَ على مَن أفشَى الحقائقَ بأنَّه لا يَعقِلُ.\nوبه تَعلمُ العلَّة من تَسميةِ السَّلفِ لضُلَّالِ المُبتدِعةِ بـ (أهلِ الأهواء)، لأجل «غَلَبةِ الهَوى على عقولهِم، واشتهارِهم به» (^٢).\nمن هذا يتحصَّل: أنَّ المُطالبة بتهذيب النُّفوسِ أوْلى وآكدُ من تصحيح العقول، ذلك أنَّ العقل المُجرَّد مُنصِفٌ لكن إن تَرَكته النَّفس! ولم تدُسَّ فيه هَواها، وبذا تُدرك سِرَّ كثرة مدح الله للعقلِ وذمِّه للنَّفس (^٣)!\nإذا تَقرَّر هذا: فإنَّه لا مَحيد عن القول بأنَّ كِلَا الدَّليلين -العقليِّ والنَّقلي- تَعْتوِرُهما القطعيَّةُ والظَّنيَّةُ، فلا تُحصَر القطعيَّة في الدَّليل العقليِّ، ولا الظَّنية إلى الدَّليل النَّقلي؛ بل لا يخلوا الحالُ مِن أنْ يكون الدَّليلان: إمَّا قطعيَّان، أو ظنِّيَّان، أَو أحدهما قطعيٌّ، والآخر ظَنيٌّ.\n_________\n(^١) «البصائر والذخائر» لأبي حيَّان (٧/ ٥٩).\n(^٢) «الاعتصام» للشاطبي (ص/١٩٢)\n(^٣) انظر هذا المعنى في «سطور» لعبد العزيز الطريفي (ص/٢٠٨).","vol":"1","page":134},{"text":"فإن كانا قَطعيَّين: فإنَّه يمتنع حصولُ التَّعارض بينهما، لاستلزام ذلك الجمعَ بين النَّقيضين، وهو غير جائز (^١).\nوإن كانا ظَنِّيَين: فيُلْتَمَس ترجيحِ أحَدِ الدَّليلين بمُختلف أدوات التَّرجيح المُمكنة، فأيُّهما تَرجَّح بها، كان هو المُقدَّم.\nوأمَّا في حالةِ كونِ أحَدِ الدَّلِيلَيْن قَطعِيًّا والآخر ظنِّيًا: فإنَّ التَّقديمَ حاصلٌ للقَطعيِّ منهما، سواءٌ كان سَمعيًّا أو عقلِيًّا (^٢).\nوبهذا التَّقرير، يَتبينُ ما تأسَّس عليه تقسيمُ الرَّازي مِن مُغالطة، ناشئة عن نظرِه إلى نوعِ الدَّليل، لا إلى مَرتبتِه في درجاتِ العلمِ؛ وكان الصَّوابُ أن يَتَّجه هذا النَّظرُ إلى درجةِ الدَّليل مِن حيث إفادتُه للقطعِ أو الظَّنِ (^٣).\nوبنفسِ هذا البيان المُفصَّل يتبيَّن -في المُقابل- غلَطُ مَن جعلَ مذهبَ السَّلَفِ عند التَّعارضِ: تقديمَ النَّقلِ على العقلِ؛ وهذا التَّقرير فاسِدٌ أيضًا! وهو وَهمٌ تَسَرَّب في كتاباتِ بعضِ المُعاصِرين (^٤)، ناتج عن فهمِ خاطئٍ لكلامِ ابن تيميَّة مُنتَزعٍ مِن سياقاتِه؛ إذ لم يكُن مُراد ابن تيميَّة تقريرَ أصلٍ حين عبَّر أحيانًا بتقديم النَّقل على العقل، بل كان منه مُجاراةً للخَصْمِ في مَقام جَدلٍ، وتَنزُّلًا للرَّازي بصِحَّةِ التَّعارضِ، ليتوصَّل به إلى نَقضِه بكونِ خبر الصَّادق المَصدوقِ ﷺ أولى بالتَّقديمِ.\nفإنَّه بعد كلامٍ طويلٍ في مُناقشته قال: «.. فإنَّا في هذا المقامِ نتكلَّم معهم بطريقِ التَّنزُّلِ إليهم، كما نَتنزَّل إلى اليهوديِّ والنَّصرانيِّ في مُناظرتِه، وإن كُنَّا عالمِين ببُطلانِ ما يقولُه ..» (^٥).\n_________\n(^١) «البحر المحيط» للزركشي (٨/ ١٢٤).\n(^٢) انظر «درء التعارض» لابن تيمية (١/ ٧٩ - ٨٠).\n(^٣) انظر «درء التعارض» (١/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٤) كما تراه - مثلًا - في كتاب «الصِّفات الإلهيَّة» لمحمد أمان الجامي (ص/٥٨)!\n(^٥) «درء التَّعارض» (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":135},{"text":"وحاصل القول في هذا المَبحث أن يُقال:\nإنَّ غَلطَ عامَّة القائلين بهذه القِسمة الخاطئة لما هو قطعيٌّ وظنيٌّ من دلائل العقل والنَّقل: ناجمٌ عن نقصِ تشرُّبٍ لدلائلِ الشَّريعة، فما عادَت تُفيد في قلوبِهم ذاك اليقينَ الَّذي تُفيدُه الدَّلائل العَقليَّة الَّتي أقبلوا عليها؛ مِمَّا أدَّى بهم إلى مَزيدٍ مِن الإعراضِ عن أخبارِ الآحادِ، ومِن ثَمَّ استسهلوا رَدَّها لأدنى شُبهةِ مُخالفةٍ لتصوُّراتهم.\nفالخطرُ كلُّ الخطر، أن تكون سُنَن النَّبي ﷺ في نَظر المسلمين تابعةً لعقولهم المُتنافرة، والخيرُ كلُّ الخير في أن يكون الدِّين بسُنَّةِ رسولِه ﷺ حاكمًا، والعقل مُفسِّرًا ومُبيِّنًا، مَخلوقًا ليَسير خلفَه، لا ليُواجِهَه؛ فإنَّ مَثَل العقلِ كالبَصَر، ومَثل السُّنة كالضِّياء، فإذا واجَه البَصر الضِّياءَ احترقَ وعَمِي، وإذا استضاءَ به انتفعَ.\nوإنِّي لأضمنُ لإخواني من أحباب رسول الله ﷺ، أنَّهم إن ساروا وراء سُنّته تفقُّهًا على أصولِ فقهاء الأمَّة، ثمَّ أحسنوا تنزيلَها على واقِعهم بالحكمةِ وحُسنِ السِّياسة: أنَّه يتمُّ لهم كلُّ شيء، ويبلغوا ما يُريدونه مِن الجامعتين الدِّينيَّة والسِّياسيَّة، كما تَمَّ لأسلافِهم في العهدِ الأوَّل؛ والله الهادي لا إله إلَّا هو.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الباب الأول أشهرُ الفِرَق المُعاصِرة الطَّاعِنة في أحاديثِ «الصَّحيحين» ونقدُ أصولِها وأبرزِ كِتاباتِها في ذلك</span>\n* الفصل الأوَّل: الشيعة الإماميَّة، ومَوقِفهم مِن «الصَّحيحين».\n* الفصل الثَّاني: القرآنيُّون مُنكِرو السُّنة، ومَوقفهم مِن «الصَّحيحين».\n* الفصل الثَّالث: العَلمانيُّون، ومَوقفهم من «الصَّحيحين».\n* الفصل الرَّابع: العقلانيُّون الإسلاميُّون، ومَوقفهم مِن «الصَّحيحين».","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الفصل الأول\nالشِّيعة الإماميَّة وموقفهم من «الصَّحيحين»</span>\nتمهيد:\nالشِّيعَة الإماميَّةُ عَلَمٌ على مَن دانَ بوجوبِ الإمامةِ بعد النَّبي ﷺ، ووُجوبِ وجودِها في كلِّ زَمانٍ، وأوجبَ النَّصَ الجَليَّ والعِصمةَ والكمالَ لكلِّ إمامٍ، ثمَّ حَصَر الإمامةَ في وَلدِ الحُسين بن علي ﵁، وساقَها إلى حفيدِه علي بن موسى (^١).\nومسألة الإمامة، وإن كانت مُشتركةً بين فِرَق الشِّيعة في الجُملة، حتَّى أُطلقَ قديمًا لقبُ «الإماميَّةِ» عليهم جميعًا (^٢)؛ إلَّا أنَّه اشتهرَ عند المتأخِّرين عَلمًا على الشِّيعةِ الاِثْنَي عَشريَّة خاصَّة (^٣).\n_________\n(^١) «أوائل المقالات في المذاهب المختارات» للمُفيد العكبري (ص/٣٨).\n(^٢) كأبي الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميِّين» (١/ ٣٣)، وعبد القاهر البغدادي في «الفرق بين الفِرق» (ص/١٧)، وأبو الحسين الملطي في «التَّنبيه والرد» (ص/١٨).\n(^٣) انظر «أصول مذهب الشيعة» للقفاري (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المَبحث الأوَّل\nالمَسار التَّاريخي لنقد الإماميَّة لمُدوَّنات الحديث عند أهل السُّنة</span>\nالمُتتبِّع للخطِّ التَّاريخيِّ لردودِ الإماميَّةِ على «الصَّحيحين»، يجدُ أنَّ مَسلْكَهم في إثارةِ الشُّبهاتِ حولهما قد مرَّ بثلاثِ مَراحلِ، تتبيَّن في الآتي:","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المَطلب الأوَّل\nمراحل الإماميَّة في ردِّها لصِحاح أهل السُّنة</span>\nالمرحلة الأولى: اتَّسمَت بطابعَ الرَّدِ العامِّ لمنهجِ أهلِ السُّنةِ في تَلقي المَرويَّاتِ الحديثيَّة:\nوهذا المَسلكُ مَيسَمٌ في النَّقدِ عند المُتقدِّمين منهم بخاصَّة، حتَّى صارَ كالتَّمهيدِ لمِا أتَى بعده مِن مَراحلِ النَّقدِ التَّفصيليَّة (^١)؛ مُتفرِّعٌ عند الإماميَّة عن أصلِ اعتقادِهم برِدَّةِ رُواتِها مِن الصَّحابةِ وأتباعِهم، لا يستَثنون منهم إلَّا النَّزرَ القليلَ (^٢).\nالمرحلة الثَّانية: الطَّعن في دواوينِ الحديثِ، وطريقةِ تصنيفِها، وإبداء ما يَزعمُونه مِن عيوبٍ فيها، ومن جملتها «الصَّحيحان»:\nوكان ذلك مِن خلالِ إشاراتٍ ومَباحث مُستقلِّة ضمنَ مُصنَّفاتٍ لهم عامَّة؛ فكان مِن مُقدَّميهم في هذا النَّوعِ من الرُّدود: عليُّ بن يونس البَياضيُّ (^٣) (ت ٨٧٧ هـ)،\n_________\n(^١) وهم يَنسبون مثل هذه الطُّعونِ العامَّة بمَرويَّات أهل السُّنة لبعضِ الأئمَّة، كجعفر الصَّادق، كما تراه في «وسائل الشيعة» (١٨/ ٨٨).\n(^٢) في معظمِ رواياتِهم أنهم ثلاثة من الصَّحابة، انظر «موقف الشيعة الإثني عشرية من صحابة رسول الله ﷺ» لـ د. عبد القادر صوفي (١/ ١٦٩).\n(^٣) علي بن يونس، أبو محمد البَياضي: فقيه إماميٌّ، من أهل النَّبطية في جبل عامل بلبنان، له كُتب منها: «عصرة المنجود» في علم الكلام، و«منتهى السول في شرح الفصول» في التوحيد، كلاهما مخطوطان في النَّجف، لنظر «الأعلام» للزركلي (٥/ ٣٤).","vol":"1","page":143},{"text":"وهو أقدمُ مَن علمتُه تَوثَّبَ على «صحيح البخاريِّ» بالتَّعليلِ بشيءٍ مِن التَّفصيلِ، وذلك في بعضِ فصولِ كتابِه «الصِّراط المُستقيم لمُستحقِّي التَّقديم».\nفكان مِمَّا قالَه في حقِّ البخاريِّ: «ما رأينا عند العامَّة أكثر صيتًا، ولا أكثر درجةً منه، فكأنَّه جيفةٌ علَت! أو كلفة غشت بدرًا! كتَم الحقَّ فأقصاه، وأظهرَ الباطلَ وأدناه .. وإنَّما شاعَ كتابُه لتظاهرِه بعَداوةِ أهلِ البيتِ، فلَمْ يَروِ حديثَ (الغَدير) مع بُلوغِه حَدَّ الاشتهار» (^١).\nومِن بواعثِ مُحاولةِ الإماميَّة الطَّعنَ في دواوينِ الحديثِ في هذه المَرحلة:\nما كان انبرَى له تقيُّ الدِّين ابن تيميَّة (ت ٧٢٦ هـ) مِن جَوسِ ديارِهم بثَقيلِ وَطْأتِه على أصولِ مَذهبِهم، وإثخانِه في الطَّعنِ على مُصَنَّفاتِهم، وفضحِ الخَللِ المَهولِ في نَقلِ مَرويَّاتِهم، فنقموا بذلك عليه نقمةً خاصَّةً مع كثرةِ مَن رَدَّ عليهم مِن أهلِ السُّنةِ، بل في علماء السُّنة مَن بلغَ أن كَفرَّهم واستحَلَّ دماءَهم بما لا يُجِيزه ابن تيميَّة فيهم! ومع ذلك كانت أغلب سهامهم موجَّهةً إليه هو بخاصَّة، لعِظَمِ نِكايتِه في مَذهبِهم، وكشفِ مَعايِبِه وتناقُضاتِه للعامَّةِ (^٢).\nفذبًّا عن ذِمار طائفتهم، لم يكُن لمَلَالي الرَّافضة مِن بُدٍّ إلَّا الهجوم على مَرويَّاتِ أهلِ السُّنةِ، مع اعترافِهم المَرير بأنَّ (علمَ الحديث) باصطلاحاتِه وتقعيداتِه، لم يكن معروفًا عند مُتقَدِّمي عُلمائهم، بل مُستعارًا مِن علومِ أهل السُّنةِ (^٣)، مُستحدَثًا في زَمنِ ابنِ المُطهَّر الحِلِّي (ت ٧٢٦ هـ) (^٤)، بعد أن اضطرَّه\n_________\n(^١) «الصراط المستقيم» للبياضي (٣/ ٢٢٦)، وانظر كذلك كتاب «الغدير» لعبد الحسين الأميني (٦/ ١٢١، ١٤٥) نقلًا عن «موقف الإماميَّة من أحاديث العقيدة» لفيحان الحربي (ص/٩٧).\n(^٢) انظر «أصول مذهب الشيعة الاثنا عشرية» لناصر القفاري (١/ ٣٤٨).\n(^٣) يقول الحر العاملي في «وسائل الشيعة» (٣٠/ ٢٥٩): «طريقة المتقدمين مباينة لطريقة العامة، والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع وكما يفهم من كلامهم الشيخ حسن وغيره».\n(^٤) الحسن بن يوسف ابن علي بن المُطهَّر الحلِّي: عالم الشِّيعة وإمامُهم ومُصنفهم، وكان آية في الذكاء، نسبته إلى الحلَّة في العراق، وكان من سُكَّانه، اشتهرت تصانيفه في حياته، ك- «منهاج الكرامة»، و«تبصرة المتعلمين في أحكام الدين»، وانظر «لسان الميزان» للذهبي (٣/ ٢١٥).","vol":"1","page":144},{"text":"نقضِ ابن تيميَّة لعُرَى كتابِه «منهاجِ الكَرامة» (^١)،\nلتسويدِ كتابين في الحديث: «استقصاء الاعتبار»، و«مصابيح الأنوار» (^٢).\nفلا غرو إن وجدنا بعدُ من كِبار شيوخِهم مَن يجعل غرض التَّأليف في هذا الفنِّ مُجرَّد التَّوقيّ مِن اتِّخاذِ مَذهبِهم مَسخرةً بين الخصومِ، ودفعًا لتعييرِ أهلِ السُّنة لعُلمائِهم، لا رغبةً أصيلةً في نقدِ مَرويَّاتِ أئمَّتِهم! ترى هذا الإقرار في مثل قول الحرِّ العامِليِّ (ت ١١٠٤ هـ) (^٣) في سياقِ كلامِه عن أسانيد الإماميَّة: «إنَّه طريقٌ إلى روايةِ أصلِ الثِّقة، الَّذي نُقل الحديث منه، والفائدةُ في ذكره: مُجرَّدُ التَّبركِ باتِّصالِ سلسلةِ المُخاطبةِ اللِّسانيَّة، ودفعِ تعييرِ العامَّةِ للشِّيعة! بأنَّ أحاديثَهم غير مُعنعَنة، بل منقولةٌ مِن أصولِ قدمائهم» (^٤).\nفكان مِن نَتاجِ هذه المَقاصد المذهبيَّة: أنْ اهتمَّ الإماميَّة بعلومِ الرِّوايةِ والرَّجالِ وتقسيماتِ الحديث، مِن بعد القرن الثَّامن بخاصَّة، بدءً من محاولةِ ابنِ المطهَّر في كتابِه «خلاصة الأقوال في معرفةِ الرِّجال»، إذ كان أمثلَ من يُظنُّ فيه\n_________\n(^١) أرجع د. ناصر القفاري في «أصول مذهب الشيعة» (١/ ٣٨٤) جذورَ هذا التُّحوُّل المنهجيِّ في مواقف الشِّيعة الإماميَّة إلى ردود ابن تيميَّة على حَبرِهم ابنِ المطهَّر - كما يظهر ذلك من التَّوافق الزَّمني، حيث انبرى في كتابه العُجاب «منهاج السُّنة النَّبويَّة» إلى كشف زيف استدلالات شيعتِه من مصنَّفات السُّنة وغيرها، مبيِّنًا جهلَهم وكذبَهم في تعلُّقهم بالواهياتِ والموضوعات، ودلَّل على افتقارهم -كما في «منهاج السنة» لابن تيمية (٤/ ١٨) - إلى «أسانيد متَّصلة برجال معروفين، مثل أسانيد أهل السُّنة، حتَّى يُنظر في الإسناد وعدالة الرِّجال، بل إنَّما هي منقولات منقطعة عن طائفة عُرف فيها كثرة الكذب وكثرة التَّناقض في النَّقل، فهل يثق عاقل بذلك؟!» ..\n(^٢) انظر «الأعلام» للزركلي (٢/ ٢٢٧).\n(^٣) محمد بن الحسن بن علي العاملي، الملقب بالحُرِّ: فقيه إمامي، مؤرخ، وُلد في قرية مَشغر من جبل عامل بلبنان، وانتقل إلى العراق، ثمَّ طوس (بخراسان) فتوفي فيها؛ له تصانيف، منها: «الجواهر السنية في الأحاديث القدسية»، و«تفصيل وسائل الشيعة»، انظر الأعلام للزركلي (٦/ ٩٠).\n(^٤) «تفصيل وسائل الشيعة» للعاملي (٣٠/ ٢٥٨).","vol":"1","page":145},{"text":"المقدرة على الكلام في هذه العلوم الدَّقيقة؛ مع أنَّ بضاعتَه في الحديثِ ورجالِه مُزجاة! وبعيدة عن ما اختصَّ به من العلومِ العقليَّة والكلاميَّة.\nومع كلِّ هذه الجهود في ترميم صدوعِ المَرويَّات الإماميَّة، وتحصينها من ردود أهل السُّنة، إلَّا أنَّ فريقًا من الطَّائفة المتأخِّرين -خاصَّة الإخباريِّين- أبَوا إلَّا النُّفورعن هذا العلمِ التَّوثيقيِّ، لأجل ما يسبِّبه من حرجٍ شديدٍ للأصولِ النَّقليَّة الَّتي ابتُني عليها المذهبِ بعامَّة؛ فهو مؤذِنٌ بخرابِ مراجِعهم الأثريَّةِ، ومُستلزمٌ عند العَامِليِّ لـ «ضعفِ كلِّ الأحاديث عند التَّحقيق» (^١)، وردِّ أكثرِ ما ينسبونَه إلى أئمَّةِ أهل البيت زورًا وبُهتانًا.\nوشَهِد شاهدٌ مِن علماء النَّقل عندهم على ذلك! محمَّد باقر البَهبُودي (^٢) (ت ١٤٣٦ هـ) يذكرُ في مُقدِّمة كتابه «صحيح الكافي» -المُسمَّاة «زُبدةَ الكافي» - من حصيلةٍ نقديَّة هادمةٍ لكثيرٍ مِن مُرتكزاتِ المَذهب النَّقليَّة؛ حيث نَقَّح أحاديثَ هذا الأصل العظيم من أصول الإماميَّة، قد تعدَّت ستةَ عشر ألف حديثٍ، فأقرَّ بأنَّه حين طَبَّق عليها قواعد علمِ الرِّوايةِ والرِّجالِ، فأسقَطَ بها أحاديثَ الزَّنادقة والوَضَّاعين وأشباهَهم، لم يبقَ معه مِن الكتابِ إلَّا رُبُعه بالكثير! هذا و«الكافي» أصَحُّ كتابٍ حَديثيٍّ عند الإماميَّة؛ على ما في هذا الرُّبع نفسِه مِن انقطاعٍ، وجهالةِ رُواةٍ، ونحو ذلك مِن عِلل الأسانيد والمتونِ (^٣).\nوإزاء هذه المُعضلات في الكتاب، لم يجِد أبو الحسَن الشَّعْرانيُّ (ت ١٣٩٣ هـ) (^٤) ما يعتذر به له إلَّا أن يُراهن على سَذاجة قُرَّاءه بادِّعاء\n_________\n(^١) «تفصيل وسائل الشيعة» (ص/٢٥٩).\n(^٢) محمد باقر البهبودي: عالم دين إمامي، وأستاذ جامعي مُعاصر في طهران، مُتخصِّص في علم الحديث، وُلد سنة (١٣٠٨ هـ)، اهتم بمشروع تنقية التراث الإماميِّ، فقام عليه اللَّغط وردود أفعال كبيرة من قِبل كثير من مشايخ الحوزات، من مؤلَّفاته: «صحيح الكافي»، و«معرفة الحديث».\n(^٣) انظر مقدمته لـ «صحيح الكافي» (ص/ي-ج).\n(^٤) أبو الحسن بن محمد بن غلام الشَّعراني الطَّهراني: رجل دين، ومُترجم شيعي إيراني، وُلد (١٣٢٠ هـ)، ثمَّ هاجر إلى النَّجف الاشرف، وأخذ يحضر دروس أبي تراب الخونساري، ثم عاد إلى طهران ليَظلَّ مشغولًا بالتَّدريس والتأليف إلى أن هلك، مِن كتبه: «المدخل إلى عذب المنهل» في أصول افقه.","vol":"1","page":146},{"text":"«أنَّ أكثرَ أحاديثِ الأصولِ فيه ولو كانت غير صحيحةِ الإسناد، لكنَّها مُعتمَدةٌ، لاعتبارِ مُتونِها، ومُوافقتِها للعقائدِ الحَقَّة، فلا يُنظر في مثلها إلى الإسناد»! (^١)\nلكن غيره كان أفطنَ في الجواب حين رأى التَّملُّصَ مِن هذا العلمِ بالمرَّةِ، أعني به ابنَ عصفور البَحرانيَّ (ت ١١٨٦ هـ) (^٢)، حيث توعَّد مَن سَوَّلت له نفسُه من الشِّيعةِ الاعتبارَ بهذا العلمِ أن يسلَخَ عنه دينَ طائفتِه! فقال: «مَنهج التَّصحيح والتَّضعيف الَّذي وَضَعه المُتأخِّرون، إنْ طَّبقوه، لم يبقَ مِن حديثِهم إلَّا القليل .. والواجبُ إمَّا الأخذ بهذه الأخبار كما هو عليه مُتقدِّمو علمائنا الأبرار، أو تحصيل دينٍ غَير هذا الدِّين! وشريعةٍ أخرى غير هذه الشَّريعة!» (^٣).\nوأمَّا المرحلة الثَّالثة من مراحل نقد الإماميَّة لدواوين السُّنة:\nففيها تزيَّلت كتبٌ مُستقلَّةٍ في نقضِ «الصَّحيحين» والطَّعنِ في الشَّيخين، وكان للبخاريِّ وكتابه النَّصيبَ الأوفر من ذلك، لا تكاد تطَّلع على ورقةٍ مِن ردودِ مُتأخِّريهم على الحديث وأهله، إلَّا وجدتها مُغبرَّةً بخوض كاتبها في عِرْضِ البخاريِّ والاستهتارِ بـ «صحيحِه».\nوعامَّة طريقتِهم في الرَّد على الكِتابين قائمةٌ على استعارة شُبهاتٍ سَوالِفَ لمُتَقدِّميهم حول بعضِ الصِّحاح، وخلطِ ذلك بشُبَهٍ مُعاصرة من مُستحدثات عقولهم.\nوأرى أنَّ أوَّل ظهور لهذه المَرحلة في نقد «الصَّحيحين» في أوراق مُستقلَّةٍ، قد ظهرت في الإماميَّة أواخرَ القرن الثَّالث عشر (١٣ هـ)، بِما سَوَّده محمَّد عليِّ\n_________\n(^١) مقدمة الشَّعراني لكتاب «شرح أصول الكافي» للمازندراني (١/ ١٠) بتصرف يسير.\n(^٢) يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، من آل عصفور: فقيه إمامي، من أهل البحرين، توفي بكربلاء، من كتبه «أنيس المسافر وجليس الخواطر» و«سلاسل الحديد في تقييد ابن أَبي الحَدِيد»، ألفه ردا علي ابن أبي الحديد في شرح النَّهج، لإثباته خلافة الخلفاء الرَّاشدين، انظر «الأعلام» للزركلي (٨/ ٢١٥).\n(^٣) «لؤلؤة البحرين» ليوسف البحراني (ص/٤٧).","vol":"1","page":147},{"text":"عزُّ الدِّين (ت ١٣٠١ هـ) (^١) في كتابه «تحيَّة القاري لصحيح البخاريِّ» (^٢)، ثمَّ تبعه على رَصفِ المُؤلَّفات ورقمِ المقالات في ذلك كثيرٌ من كُتَّاب الحَوْزاتِ بعده إلى يومنا هذا.\n_________\n(^١) محمد علي آل عز الدين العاملي: وُلد في كَفْرة من جبل عامل، وفيها توفي في قرية حنويه، كان مؤلفا مصنفا أديبا شاعرا، لم يوجد له نظير من الشِّيعة في عصره في جبل عامل في المواظبة على المطالعة والتدريس والتأليف والتصنيف، له «تحية القاري لصحيح البخاري»، و«سوق المعادن» بمنزلة الكشكول، انظر «أعيان الشيعة» لمحسن أمين (٩/ ٤٤٧).\n(^٢) تحدَّث فيه عن مائة وواحد وأربعين حديثًا من أحاديث البخاري، وحديثه عنها مجرد إشارات عابرة، انظر «موقف الإماميَّة من أحاديث العقيدة في البخاريِّ» لفيحان الحربي (ص/٩٩).","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المَطلب الثَّاني\nتباين أغراض الإماميَّة من دراسة «الصَّحيحين»</span>\nهذا؛ وما تزال خصائص هذه المَراحل الثَّلاثة مستمرَّةً من جِهة التَّطبيق لطرائقها، بحيث لا نعدم لكلِّ مرحلةٍ مَن يُمثِّلها مِن كتابات مُتشيِّعة العَصرِ، على ما فيها من تداخل وترابط، بحيث تدعُم الحديثةُ منها أصولَ القديمةِ، مع اختصاصِ هذه المرحلة الأخيرةِ بغَزارةِ مُصَنَّفاتها، والانهماك في تتبُّع تفاصيل «الصَّحيحين» كما تَقدَّم.\nوالَّذي يَتَتبَّع مَواقفَ الإماميَّة المُعاصرين مِن «الصَّحيحين»، سيستشعر تَبايُنًا بينهم في غرض تناولهما بالدِّراسة:\nففريقٌ منهم: قد عُني بالتَّنقيبِ عمَّا يصلُح عاضِدًا لأصلٍ مِن أصول اعتقادِهم الباطلِ، ولو على وجهٍ مِن التَّعسُّفِ (^١).\nوفريقٌ آخر -وهو المَعنيُّ بهذه الدِّراسة-: يحاولُ إسقاطَ الكِتابين عنوةً، والتَّفتيشَ عن مُتناقضاتِهما ممَّا يصلح شبهةً تُريب أهل السُّنة فيهما.\nوكان أوْلى بالقوم أن ينشغلوا بستر مُتناقضات أخبارهم مِمَّا أوْهاه رُواتهم الكَذَبة فأعياهم رقعُه، مِمَّا اضطرَّ شيخَ طائفتهم الطُّوسيَّ (ت ٤٦٠ هـ) (^٢) للقيامِ\n_________\n(^١) ويمثِّل هذا القسم مجموعة من الكُّتاب الإماميَّة المعاصرين، منهم: محمد علي الحلو في كتابه «عقائد الشيعة برواية الصحاح الستة»، ومحمد تقي الصادقي في «الشيعة في ميزان صحيحي أهل السنة».\n(^٢) «تهذيب الأحكام» للطوسي (١/ ٢ - ٣).","vol":"1","page":149},{"text":"برأب شيءٍ من صدعِها في كتاب ضخمٍ، أقرَّ فيه برُكامِ المُتشاكسات المُثقَل بها تُراثهم مِمَّا عالجَه منها، قائلًا في تقدِمَتِه: «لا يكاد يتَّفق خبرٌ إلَّا وبإزائه ما يُضاده! ولا يسلم حديثٌ إلَّا وفي مُقابلته ما يُنافيه!» (^١).\nفلم يجد هذا الطُّوسي ما يُسوِّي به زَيغَها، إلَّا بحملِ خمسمائة روايةٍ منها على أنَّها ما خرجت إلَّا مَخرج التَّقية! (^٢)\n_________\n(^١) محمد بن الحسن بن علي أبو جعفر الطوسي: مفسر وفقيه شيعي، المُلقب بشيخ الطائفة الإمامية، انتقل من خراسان إلى بغداد سنة ٤٠٨ هـ وأقام أربعين سنة، أُحرقت كتبه عدة مرات بمحضر من الناس، كان من تصانيفه «الغيبة» و«الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار»، انظر «الأعلام» للزركلي (٦/ ٨٤).\n(^٢) ومن طريف ما يذكر في هذا المقام، أن الأحاديث التي يوردها الإمامية لدرءِ التعارض الحاصل في مرويات أئمتهم متعارضة هي نفسها فيما بينها! وفي ذلك قول محمد باقر الصدر (ت ١٤٠٠ هـ) في جزء «تعارض الأدلة الشرعية» من كتاب «بحوث من علم الأصول» لمحمود الهاشمي، تحت عنوان (أخبار العلاج) (ص/٣٣٧)، قال: «.. وهي الأحاديث الواردة عن المعصومين ﵈ لعلاج حالات التَّعارض والاختلاف الواقع بين الرِّوايات .. والطَّريف أن هذه الأخبار قد ابتلت بنفسها بالتَّعارض فيما بينها!».","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المَبحث الثَّاني\nمَوقف الإماميَّة مِن الشَّيخين</span>\nالأصلُ في المسلم السَّلامة مِن كلِّ بدعةٍ تعيبُ دينَه، ما لم يقُم دليلٌ صريح على صِحَّة ذلك فيه؛ وحين انحادَ النَّاس عن هذا الأصل لضعف التَّورُّع وتفشِّي الجهل، ابتُلي كثير مِن العلماءِ بتُهم شنعاء هم منها براءٌ.\nقد جرى مثل هذا على الشَّافعيِّ حين أُخرج من اليَمن بتُهمة التَّشيُّعِ للطَّالبيِّين (^١).\nوكُبِس بعده بيت أحمد بدعوى أنَّ عَلَويًّا آوى إلى منزلِه، فهو يُبايع النَّاسَ له في الباطن (^٢)!\nوتحاملَ على ابن جَريرٍ جَهَلةٌ من الحنابلةِ بدعوى تنقُّصِ إمامِهم وتشيُّعِه، وكانت تمنعُ مِن الدُّخول عليه (^٣)، «فكثُروا، وشَغَّبوا عليه، ونالَه أذًى، ولَزِم بيتَه، نعوذ بالله مِن الهوى» (^٤).\nولا ريبَ أنَّ البُعد عن منهجِ التَّثبُّتِ، والتَّباعد عن اعتمادِ البراءةِ أصلًا في الحكم على العامَّة فضلًا عن خاصَّتهم من حَمَلة الشَّريعة، أحدثَ ذلك شروخًا\n_________\n(^١) «حلية الأولياء» (٩/ ٧١)، و«تاريخ دمشق» (٥١/ ٢٩٠).\n(^٢) «البداية والنهاية» (١٤/ ٤١٣).\n(^٣) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٢٧٤).\n(^٤) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٢٧٧).","vol":"1","page":151},{"text":"جسيمةً في جسدِ الأمَّة؛ يحكي ابنُ بطَّة (ت ٣٨٧ هـ) (^١) شيئًا مِمَّا لاقاه مِمَّن يرمونَ الرَّجل بنقيضِ قصدِه، ويَلوُون عليه كلامَه، لغايةِ الحطِّ منه بمحضِ الافتراءِ والإيغال في العداوة، فكان يقول: «.. إنْ ذكرتُ في واحدٍ منها أنَّ الكتاب والسُّنة بخلافِ ذلك واردٌ، سمَّاني خارِجيًّا، وإن قرأتُ عليه حديثًا في التَّوحيد، سمَّاني مُشبِّها، وإن كان في الرُّؤية، سمَّاني سالمِيًّا، وإن كان في الإيمان سمَّاني مُرجئًا، وإن كان في الأعمالِ، سمَّاني قدَريًّا، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر، سمَّاني ناصبِيًّا، وإن كان في فضائلِ أهلِ البيت سمَّاني رافضيًّا ..» (^٢).\nفنسأل الله السَّلامة مِن شَينِه سبحانه، وإلَّا فما أبعدَ السَّلامة من شَيْنِ النَّاس!\nوقد كان من جملة ما يُرمَى به علماء السُّنة جُزافًا: تُهمة الانحرافِ عن آلِ بيتِ نبيِّنا ﷺ وبغضهم، وهذه كسائر البوائق المُناقضة لأصل السَّلامة في المؤمنين، لا يحلُّ الشَّهادة بها على أحدٍ إلَّا ببرهانٍ كالشَّمس، كما قرَّر ذلك ابن الوزير اليَمانيُّ -وهو زَيديٌّ- في جميلِ قولِه: «الرَّميُ ببُغضِ عليٍّ ﵁ شديد، فلا تحِلُّ نسبتُه إلى مَن ظاهرُه الإسلام، إلَّا بعد صِحَّةٍ لا تحتمل التَّأويل» (^٣).\nفلَكم تراشقَ بهذه الخُصماء لمُجردِّ التَّعيير والتَّنفير، فضَيَّعت لشُؤمها أوقارًا مِن علومِ الرِّجال! ترى شاهد ذلك في مثلِ قول قيس بن الرَّبيع (^٤): «قدِمَ\n_________\n(^١) عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله العكبريّ، المعروف بابن بطة: عالم بالحديث، فقيه من كبار الحنابلة، من أهل عكبرا مولدا ووفاة، رحل إلى مكة والثغور والبصرة وغيرها في طلب الحديث، ثم لزم بيته أربعين سنة، فصنف كتبه وهي تزيد على مئة، منها «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة»، انظر «أعلام النبلاء» (١٦/ ٥٢٩).\n(^٢) «الاعتصام» للشاطبي (ص/٣٧).\n(^٣) «العواصم والقواصم» (٧/ ٢٧).\n(^٤) قيس بن الربيع الأسدى، أبو محمد الكوفي: من كبار أتباع التابعين، صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، مات سنة مائة وبضعٍ وستين للهجرة، انظر «التهذيب» لابن حجر (٨/ ٣٩١).","vol":"1","page":152},{"text":"قتادةُ (ت ١١٧ هـ) (^١) الكوفةَ، فأرَدْنا أن نَأتيَه، فقيل لنا: إنَّه يُبغض عليًّا ﵁! فلم نَأتِه، ثمَّ قيل لنا بعدُ: إنَّه أبعدُ النَّاس مِن هذا! .. فأخَذنا عن رجلٍ عنه!» (^٢).\nويغلبُ على مَن تَهوَّر في نبزِ العلماء بهذه التُّهمة أن يكون باعثه على ذلك: حَسدُ أقرانٍ (^٣)، أو خصوماتٌ عَقديَّةٍ -وهذا الأكثر-؛ يعتقد المُخاصِم فيها ضَلالَ خَصْمه، ووجوبَ بُغضِه، فيُغْرِيه ذلك بتصديقِ ما يُقال فيه من شنيعِ الأوصاف مِن غير تثبُّتٍ، ولا مُراعاة لحقوقِ الأُخوَّة، وقد يفتري هو عليه ذلك ابتداءً (^٤)؛ كما قد فعلته الرَّافضة قديمًا في حقِّ علماء السُّنة، حتَّى قتَلوا منهم فريقًا (^٥)، ونَجَّى الله آخرين (^٦).\n_________\n(^١) قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسى: من ثقات التابعين، قال أحمد ابن حنبل: «قتادة أحفظ أهل البصرة»، وكان مع علمه بالحديث، رأسا في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب، وكان يرى القدر، انظر «سير النبلاء» (٥/ ٢٦٩).\n(^٢) «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٢٧٢).\n(^٣) كما جرى لأبي حنيفة الاستراباذيِّ من أقرانه، انظر «الجواهر المضية» لابن نصر الله الحنفي (١/ ١٧٨).\n(^٤) «النصب والنواصب» لبدر العوَّاد (ص/٣٨٢ - ٣٨٣).\n(^٥) كما جرى لأبي العبَّاس المأمونيِّ الشَّاعر (ت ٣٨٣ هـ)، حين مدح الصَّاحب بن عبَّاد وأجزل له المَثوبة، حسده بعض جُلساءِ ابن عبَّاد، فوَشوا إليه بأنَّه ناصبيٌّ، انظر «سير النبلاء» (١٦/ ٥٠١).\n(^٦) مثل أبي بكر ابن أبي عاصم (ت ٢٨٧ هـ)، كما في «تاريخ دمشق» (٥/ ١٠٥)، وأبي العبَّاس النَّسوي (ت ٣٩٦ هـ)، كما في «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٥٢).","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المَبحث الثَّالث\nرَميُ الشَّيْخَين بالنَّصبِ (^١)، ونقض حُجَجِهم في ذلك</span>\nسَعت كثيرٌ مِن الشِّيعة الإماميَّة للطَّعن في ديانة البخاريِّ ومسلم من خلال تهمة نصبهما لعَداوة آل البيت، تنفيرًا لشيعتِهم مِن تَصفُّحِ كِتابيْهِا، وحَنقًا على أهل السُّنة تراه باديًا في قبيح ما قاله نور التُّستُري (ت ١٠١٩ هـ) (^٢) في حقِّهما: «إنَّما اعتبرَ المُتأخِّرون من أهلِ السُّنة هذين الأحمقيْنِ، المُقتصِرَيْن على حفظ ألفاظِ الحديث، وفضَّلوا كِتابيهما على سائر جوامعِ الحديث، كالنَّسائي والتِّرمذيِّ وأبي داود وابن حِبَّان وغيرهم: لِما علِموا فيهم الغلُوَّ في النَّصبِ، والانحرافِ عن أهل البيت، والتَّقليل مِن نقلِ مناقِبهم بالنِّسبة إلى غيرهما مِن المُحدِّثين» (^٣).\nولقد تَحجَّج الإماميَّةُ في إلزاقِ بدعةِ النَّصبِ بالشَّيخينِ بتُهَمٍ عديدة، يرجِع مجملها إلى ثلاثٍ:\nالتُّهمة الأولى: كِتمانُ الشَّيخينِ لفضائلِ آل البيت.\n_________\n(^١) النَّصب: بغضُ عليٍّ وتقديم غيره في زمانِه عليه، فهو الانحراف عن عليٍّ وآل بيتِه، كذا عَرَّفه ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٤٢٠).\n(^٢) نور الله بن شريف الدِّين عبد الله بن المرعشي التُّستري: من علماء الإمامية، رحل إلى الهند، فولَّاه السلطان (أكبر شاه) قضاء القضاة بلاهور، واشترط عليه ألَاّ يخرج في أحكامه عن المذاهب الأربعة، فاستمرَّ إلى أن أظهر مذهب الرَّفض، فقُتل تحت السِّياط في مدينة أكبر أباد، له مصنَّفاتٍ كثيرة، أشهرها «إحقاق الحق»، وهو الَّذي أوجب قتله، انظر «الأعلام» للزركلي (٨/ ٥٢).\n(^٣) «إحقاق الحقِّ» للتُّستري (ص/١٩٥ مخطوط).","vol":"1","page":154},{"text":"التُّهمة الثَّانية: تركُ البخاريِّ الرِّوايةَ عن بعضِ كِبارِ آلِ البيتِ، أشهرُهم في ذلك جعفرٌ الصَّادق، مِمَّا يَنِمُّ عن عَداوتِه له، وغَمْطِه لعِلْمِه.\nالتُّهمة الثَّالثة: روايتُهما عن النَّواصِب.\nوفي تقريرِ هذه الدَّعاوى على الشَّيخين، يقول (صادق النَّجميُّ):\n«إنَّك ترَى في البخاريَّ ومسلم وصَحيحَيهما هذه العصبيَّة المُفرطة، عندما تقرأ كتابَيهما، وتُلاحظ أنَّهما لمَّا يُواجهان فضيلةً مشهورةً، ومَنقبةً مهِمَّةً مِن مناقب أميرِ المؤمنين علي ﵇، وفيها دلالةٌ صريحةٌ على أفضليَّتِه لأمرِ الخلافةِ، وتَقدُّمِه على الآخرين، فإنَّهما يُبادِران إلى تَعتيمِها.\nوهذه المَناقب والفضائل قد وَرَد ذكرُها في سائرِ الصِّحاح السِّتة، والمَدارك المُعتبَرة لدى أهلِ السُّنة، وهي مِن يَقينيات الحوادثِ التَّاريخيَّة ومُسلَّماتها، وهي مِمَّا أجمع عليه علماء السُّنة والشِّيعة، مثل: حديث الغَدير، آية التَّطهير، حديث الطَّائر المَشوِيِّ، حديث سَدِّ الأبواب، وحديثِ أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها، وقد رَوَى كلَّ واحدةٍ مِن هذه الفضائل والمَناقب عشراتُ الصَّحابة، وأثبتَها علماءُ أهلِ السُّنة في كُتبِهم المُعتبرة، إلَّا أنَّ البخاريَّ الَّذي لم يَرضَ أن ينقُل هذه المناقب المُسلَّمة واليقينيَّة، ويخصِّص لها بابًا خاصًا في صحيحِه فحسب، بل أفردَ بابًا خاصًّا في فضائل معاوية!».\nوقال أيضًا: «الفريدة الوحيدة الَّتي صَدَرت عن البخاريِّ ومسلم في نقلِهما الحديثَ عن أهلِ البيت ﵈ هي: أنَّهما نَقَلا روايةً مُختلَقةً ومُزيَّفةً، نَسَباها إلى الإمامِ زين العابِدين ﵇ على أنَّه قال: إنَّ أمير المؤمنين علي وفاطمة ﵉ لم يكونا يَستيقظان للصَّلاة، وكان النَّبي يوقِظُهما! فقال عليٌّ لرسول الله ﷺ شيئًا، فأجابَه النَّبي بآيةِ ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، تقريعًا لعليٍّ!».\nثمَّ قال: «إنَّهما نَقَلا أحاديثَ عن بعضِ الرُّواة الَّذين هم مِن الخوارج والنَّواصب، وخاصَّةً الَّذين ثَبَتت عداوتُهم ومُنابَذتهم لأهلِ البيت ﵈","vol":"1","page":155},{"text":"بنحو القطع، واختصَّ البخاريُّ في النَّقلِ عن عمران بن حطَّان، وهو مِن زعماء الخوارج، ومِن فقهائهم ومُتكلِّميهم وخُطبائهم.\nونرى أنَّ إيمان البخاريَّ وتقواه: قد أجازا له أن يَروي عن هؤلاء المَعلومي الحال، ولم يسمحا له مِن أن يَنقُل ولو حديثًا واحدًا عن الإمام الصَّادق ﵇!» (^١).\nومِمَّا تدَّعيه الإماميَّةِ في هذا على البخاريِّ بخاصَّة: تعمُّدَه لاختصارِ ما فيه مَنقبةٌ لعليِّ ﵁: فنراهم يتتابعون على سردِ بعضِ أمثلةٍ على ذلك، أشهرُها: ما عَلَّقه البخاريُّ في بابِ (لا يُرجَم المَجنون ولا المَجنونة) حيث قال: «وقال عَليٌّ لعمر: أمَا علمتَ أنَّ القلَم رُفِع عن المجنون حتَّى يفيق، وعن الصَّبي حتَّى يُدرك، وعن النَّائم حتَّى يستيقظ؟» (^٢).\nوأصل هذه الرِّوايةِ المُعلَّقة عند البخاريِّ، ما رواه أبو داود عن ابن عبَّاس ﵁ قال: «أُتِي عمر ﵁ بمجنونةٍ قد زَنَت، فاستشارَ فيها أُناسًا، فأمَرَ بها عمر أن تُرجَم، فمَرَّ بها عليُّ بن أبي طالب ﵁، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مَجنونةُ بني فلانٍ زَنَت، فأمَرَ بها عمر أن تُرجَم، فقال: اِرجعوا بها!\nثمَّ أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما علِمتَ أنَّ القَلم قد رُفِع عن ثلاثة: عن المجنون حتَّى يبرأ، وعن النَّائم حتَّى يستيقظ، وعن الصَّبي حتَّى يَعقل؟ قال: بلى، قال: فما بالُ هذه تُرجَم؟ قال: لا شيء، قال: فأرْسِلها، قال: فأرسَلَها، قال: فجَعَلَ يُكبِّر» (^٣).\nويقول (صادقٌ النَّجمي): «إنَّ البخاريَّ أخرجَ هذا الحديثَ في مَوضِعين مِن «صحيحِه»، ولكنَّه حِفظًا على مَقامِ الخليفةِ، وسِترًا على جهلِ الخليفةِ وعدمِ فهمِه، وإزهاقًا للحقِّ، وتحريفًا للحقيقةِ الَّتي تقول بأنَّ عليًّا ﵇ حَكَم بما يُخالف\n_________\n(^١) «أضواء على الصَّحيحين» (ص/١٠٨ - ١١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: المحاربين من أهل الكفر والردة، باب: يُرجم المجنون ولا المجنونة).\n(^٣) أخرجه أبو داود (ك: الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حدا، برقم: ٤٣٩٩).","vol":"1","page":156},{"text":"رأيَ عمر وبعضِ الصَّحابةِ، ولمَّا كان حكمُه ﵇ مُطابقًا للواقع، وما أمر به رسول الله ﷺ: تَرَى البخاريَّ يَكتفي بذكرِ ذيلِ الحديث، فيذكُر الحديثَ في كِلا الموردين ناقصًا، ويُسقِط منه السَّندَ والصَّدرَ! ..» (^١).\nوأمَّا دعوى الإماميَّةِ تعمُّدَ اختصارِ البخاريِّ لمِا فيه مَثلبةٌ للفاروق ﵁:\nفمِمَّا ذكَرَه (النَّجميُّ) في ذلك للتَّشغيبِ على أمانةِ البخاريِّ في سَوقِ الأحاديث، بعضُ أمثلةٍ مِن تصرُّفاتِه في كتابِه، يزعم فيها حذفَه لِما فيه مَثلبةٌ لأحَدِ الخُلفاءِ الرَّاشدين غير عليٍّ، أشهرُها ثلاثةُ أمثلة مشهورات مِن «صحيحِه»:\nفالمثال الأوَّل:\nما أخرجه البخاريُّ عن عبد الرَّحمن بن أَبْزى قال: «جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطَّاب ﵁، فقال: إنِّي أجنبتُ، فلم أُصِب الماء، فقال عمَّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أمَا تذكرُ أنَّا كُنَّا في سفرٍ أنا وأنت، فأمَّا أنتَ فلم تُصَلِّ، وأمَّا أنا فتَمعَّكت فصلَّيتُ؟ فذكرتُ للنَّبي ﷺ، فقال النبَّي ﷺ: «إنَّما كان يَكفيك هكذا»، فضرَبَ النَّبي ﷺ بكفَّيه الأرضَ، ونفَخَ فيهما، ثمَّ مسَحَ بهما وجهَه وكفَّيه» (^٢).\nأورد (النَّجميُّ) بعدها روايةَ مسلمٍ المُتقصَّاة لهذه القِصَّة، وفيها: «.. فقال -أي عمرُ للسَّائلِ- لا تُصَلِّ» (^٣)، فعَقَّب عليها بقولِه: «فكما تَرى أيَّها القارئ العزيز، أنَّ هذين الحديثين مِن حيث السَّند والمتن سواءٌ، ولا فرقَ بينهما إلَّا في جملة «لا تُصَلِّ»، حيث أسقطَها البخاريُّ، وأثبتَها مسلمٌ»، «ولا يخفى أنَّ فتوى الخليفةِ بتركِ الصَّلاةِ حين الجنابةِ مُخالفةٌ صريحةٌ لنصِّ القرآن، وسُنَّة رسول الله ﷺ، وهذا ممَّا يَدلُّ على جهلِ الخليفةِ بحكمِ التَّيمُم! وعدم إحاطتِه بالأحكامِ الشَّرعيَّة، وغفلتِه عمَّا هو عامَّة الابتلاء؛ ولكنَّ البخاريَّ قامَ بتقطيعِ\n_________\n(^١) «أضواء على الصحيحين» (ص/١١٨ - ١١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: التيمم، باب: التيمم هل ينفخ فيهما، برقم: ٣٣١، وفي باب: التيمم للوجه والكفين، برقم: ٣٣٦ بإسناد السابق مختصرًا).\n(^٣) أخرجه مسلم (ك: الحيض، باب: التيمم، برقم: ٣٦٨).","vol":"1","page":157},{"text":"الحديث، فحذَفَ منه إجابةَ الخليفة «لا تُصَلِّ»، وذلك حِفظًا لكرامةِ الخليفة مِن أن تُنال» (^١).\nوالمثال الثَّاني:\nما أخرجه البخاريُّ عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ «ضَرَب في الخمرِ بالجريدِ والنِّعالِ، وجَلَد أبو بكر أربعين» (^٢).\nأورد (النَّجمي) ما يُدلِّل به على اختصارِ البخاريِّ لهذا الحديث، فيما أخرجه مسلم من حديث أنس نفسِه: «أنَّ النَّبي ﷺ أُتي برجلٍ قد شرب الخمر، فجلَدَه بجريدتين نحوَ أربعين، قال: وفَعَله أبو بكر، فلمَّا كان عمر استشارَ النَّاس، فقال عبد الرَّحمن: أخَفُّ الحدود ثمانين، فأمَرَ به عمر» (^٣).\nفزَعم (النَّجمي) بهذا، أنَّ «عُمر لمَّا تَقَلَّد الخلافةَ بعد أبي بكر، تَرَك الحكمَ النَّبويَّ، ولجَأَ في حَدِّ شاربِ الخمرِ إلى رأيِ الآخرين، وأفتَى برأيِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ، فَجلَد ثمانين جلدةً .. فكيف يَخفى عليه حكمُ مسألةٍ قد عُمِل به مُدَّةً طويلةً، فيلجأَ إلى رأيِ الآخرين، ويترك العملَ بسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ وما تَقيَّد به مَن سَبَقه بالخلافة؟! .. أو أنَّ الصَّفقَ بالأسواقِ والعمل بالتِّجارةِ ألهاه عن معرفةِ الحكم وتعلُّمه؟!\nفلمَّا كان هذا الحديثُ على خلافِ مَذاقِ البخاريِّ ومَذهبِه، بادَرَ رعايةً لمقامِ الخليفة إلى تقطيعِه، بنقلِ أوَّلِه الَّذي بَيَّن فيه حُكمَ رسولِ الله ﷺ بالتَّعزير، ومُتابعة أبي بكر لرسولِ الله ﷺ في ذلك، وأسقطَ ذيلَه الَّذي فيه استشارةُ عمر لبعضِ الأصحاب» (^٤).\n_________\n(^١) «أضواء على الصحيحين» (ص/١١٧ - ١١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: الحدود، باب: ما جاء في ضرب شارب الخمر، برقم: ٦٧٧٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (ك: الحدود، باب: حد الخمر، برقم: ١٧٠٦).\n(^٤) «أضواء على الصحيحين» (ص/١١٩ - ١٢٠).","vol":"1","page":158},{"text":"والمثال الثَّالث:\nما أخرجه البخاري مِن حديثِ أنس ﵁ قال: كنَّا عند عمر ﵁ فقال: «نُهِينا عن التَّكلُّف» (^١).\nقال النَّجمي: «هذا الحديثُ الَّذي نَقَله البخاريُّ بهذه الكيفيَّة، أوضحُ دليلٍ وشاهدٍ على التَّدليسِ والتَّقطيعِ، وذلك لأنَّ كلَّ مَن كان لديه أقلُّ معرفةٍ بالحديث ونصوصِه، يعلمُ بمجرَّد رؤيتِه لهذا الحديث، عدمَ تماميَّة الحديث، وعدمَ استقامته ..\nفهذا ابنُ حَجرٍ بعد أن ذكَرَ نصَّ الحديثِ مِن رواية أخرى في شرحِه لـ «صحيح البخاري»، قال: إنَّ رجلًا سألَ عمر عن قولِه: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، ما الأبُّ؟ فقال عمر: نُهينا عن التَّعمُّقِ والتَّكلف! ..\nفلو كان التَّعرُّف واستنباطُ معنى كلمةٍ مِن كلماتِ القرآن، يُعتَبر تعمُّقًا وتكلُّفًا، فعلى هذا لا يجوز الاستفسارُ عن أيَّةِ مسألةٍ دينيَّةٍ أخرى، ولا يَحقُّ التَّفكُّر فيها!» (^٢).\nثمَّ تَمادى به الغَيُّ، حتَّى نَسَب الفاروق ﵁ إلى الجهلِ بالقرآن، لعدمِ تعقُّلِه معنى كلمةٍ مِن آياتِه، فما كان للبخاريِّ في نَظرِ الرَّافضيِّ إلَّا أن يُسارِعَ إلى حذفِ صدرِ الحديثِ، لمساسِه بعلمِ الخليفة (^٣).\nوبعدُ:\nفإنَّ من جسيم خطر هذه الشُّبهات المَسرودة آنفًا، أن أخذت بلُبِّ بعض مَن يُحسب على الحديثِ والاشتغال به! منهم مَن نَزع بها إلى التَّشيُّعِ في بعض مواقفه وأعلنَ بذلك، وسار في ركب الوالغين في دين البخاريِّ، كحال أحمد الغُماريِّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلُّف ما لا يعنيه، برقم: ٧٢٩٣).\n(^٢) «أضواء على الصحيحين» (ص/١٢١).\n(^٣) «أضواء على الصحيحين» (ص/١٢٢).","vol":"1","page":159},{"text":"في ما ادَّعاه عليه بقوله: «البخاريُّ كان فيه نوع انحرافٍ عن أهلِ البيت، ومَيلٍ لأعدائِهم، وقد كان بعض الأشرافِ العَلويِّين الحضرميِّين مِن أصحابنا بالقاهرة، وهو مِن العلماء الأجلَّاء، يقول لي: إنَّ البخاريَّ نُوَيصِبيٌّ -بالتَّصغير- .. !» (^١).\nفهذا أوان الشُّروع في دحض تلك الفِرى كلِّها عن البخاريِّ، فنقول:\n_________\n(^١) «جؤنة العطَّار» (٢/ ٢١٨).\nقلت: ظنِّي بأنَّ هذا الشَّريف المُشار إليه في كلامه هو ابن عقيل الحضرمي، فقد كان الغُماريُّ مُتأثِّرًا بكتابِه «العتب الجميل»، وفي هذا الكتاب مغْمَزُ البخاريِّ بهذا النَّصب.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الرابع\nكشف دعاوي الإماميَّة في تُهمتهم للشَّيخين بالنَّصب</span>","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المَطلب الأوَّل\nمَوقِف الشَّيخينِ مِن أهلِ البيتِ وذكرِ مَناقِبهم</span>\nالشَّيخانِ -كسائر علماءِ أهل السُّنة- على درايةٍ بفضلِ أهل بيتِ نبيِّهم ﷺ ووِصايتِه بهم، مُلتزمان بحُبِّهم والتَّزلُّفِ إلى الله بمدِحهم والإحسانِ إليهم؛ على المذهب المَرضيّ شرعًا في تَولِّي جميعِهم أقارب وزوجات، بلا غُلوٍّ في أحدٍ منهم، ولا تقصيرٍ في حَقِّه، فاختاروا بذلك طريقَ العدلِ والإنصافِ، وسطًا بين غُلاةِ الشِّيعةِ الَّذين يَدَّعون لهم العصمةَ مِن الذَّنبِ، والعلمَ الغَيبيَّ، والتَّصرُّف الرُّبوبيَّ، وبين الجُفاة الفُسَّاق مِمَّن يؤذيهم ببَسْطِ يَدٍ أو قَولٍ حَضيضٍ، فهم وَسَطٌ بين طَرَفي نَقيضٍ.\nولقد تَجلَّت خاصَّة مَحبَّةِ البخاريِّ ومسلمٍ لآلِ البيتِ في كُتبِهم عامَّةً، وفي «صَحيحِيْهما» بشكل أخصّ، فلقد أفردَا أبوابًا بحالِها في فضلِهم والتَّغنِّي بمَناقِبهم.\nفمِن هذه الأبوابِ ما يَتناولُهم بعمومِهم:\nمثل ما تَضَمَّنَ أحاديث التَّشهُّدِ في الصَّلاة، ففيها ذكرُ الصَّلاةِ على النَّبي ﷺ وآلِه (^١).\n_________\n(^١) كالَّتي عند البخاريِّ في (ك: الدَّعوات، باب: الصَّلاة على النبي ﷺ)، وعند مسلم في (ك: الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التَّشهد).","vol":"1","page":163},{"text":"ومثل ما جاء في تَنزيهِهم عن أخذِ صَدقاتِ النَّاس، كالخَبرِ الَّذي أوردَه البخاريُّ في ذلك تحت باب «ما يُذكر في الصَّدقة للنَّبي ﷺ وآلِه»، والأحاديث الَّتي ساقَها مسلم تحت باب «تحريمِ الزَّكاة على رسول الله ﷺ، وعلى آلِه، وهم: بنو هاشم، وبنو المُطَّلب، دون غيرهم»، كلاهما مِن كتابِ الزَّكاة.\nوأخرجَ البخاريُّ في فضلِهم وصيَّةَ أبي بكر للمُسلمين بقولِه: «ارقُبوا محمَّدًا ﷺ في أهلِ بَيتِه» (^١).\nومِن هذه الأبوابَ ما تَناوَل جِلَّةَ أفرادِهم بذكرِ مَناقبِ أحدِهم على وجهِ التَّعيِين، كان أظهرَها في ذلك:\nما جاء في باب «مناقبِ عليِّ بن أبي طالب القُرشيِّ الهاشميِّ أبي الحسن ﵁»:\nأخرجَ الشَّيخانِ تحتها أحاديث باذخةً في فضائلِ هذا الصَّحابيِّ الجليل:\nكالَّذي أورَده البخاريُّ مِن قولِ النَّبي ﷺ له: «أنتَ مِنِّي، وأنا مِنك» (^٢).\nوأخرجَا تحت باب مَناقِبِه حديثَ: «لأُعطِينَّ الرَّاية غدًا رجلًا يفتحُ الله على يَديه، يُحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه الله ورسولُه» (^٣).\nوكذا حديثَ: «أمَا ترضى أنْ تكون منِّي بمنزلةِ هارون مِن موسى؟» (^٤).\nوقصَّتَه حينَ سَقط رِداؤُه عن شِقِّه، فأصابَه ترابٌ في ظهره، فجَعَل رسول الله ﷺ يمسحُه عنه، وهو يقول: «اجلِس يا أبا تراب» (^٥).\nوحديثَه حين دَخَل ﷺ عليه وعلى فاطمة، قال عليٌّ: «.. فذهبتُ لأقوم،\n_________\n(^١) أخرجه البخاريُّ في (ك: المناقب، باب: مناقب الحسن والحسين، رقم: ٣٧٥١).\n(^٢) علَّقه في كتاب المَناقب باختصار من حديث أطول.\n(^٣) أخرجه البخاري بـ (رقم: ٣٧٠٢)، ومسلم بـ (رقم: ٢٤٠٥).\n(^٤) أخرجه البخاري بـ (رقم: ٣٧٠٦)، ومسلم بـ (رقم: ٢٤٠٤).\n(^٥) أخرجه البخاري بـ (رقم: ٣٧٠٣)، ومسلم بـ (رقم: ٢٤٠٤).","vol":"1","page":164},{"text":"فقال: على مَكانِكما! فقَعَد بينَنا، حتَّى وجدتُ برْدَ قَدَمَيْه على صدري، وقال: ألا أُعلِّمكما خيرًا مِمَّا سألتُماني ..» الحديث (^١).\nوانفرَدَ البخاريُّ عن مسلمٍ بحديثِ ابنِ عمر، حين سُئِل عن عليٍّ ﵁ فقال: «هو ذاك بيتُه، أوسَطُ بيوتِ النَّبي ﷺ ..» (^٢)، وأثرِ عليٍّ ﵁ حيث قال: «اقْضُوا كما كنتُم تَقْضون، فإنِّي أكرَهُ الاختلافَ ..» (^٣)، وبه خَتَم الباب.\nوانفردَ مسلمٌ عن البخاريِّ بحديث: «.. وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلين: أوَّلُهما كتابَ الله ..، ثمَّ قال: وأهلَ بيتي، أذكِّرُكم الله في أهلِ بيتي ..» الحديث (^٤)؛ وخَصَّص هو بابًا مُستقِلًّا في فضلِ آل البيت، جعَلَ تحتَه حديثَ عائشة ﵂ المَشهورَ بحديثِ الرِّداء، قالت فيه: خَرَج النَّبي ﷺ غَداةً، وعليه مُرطٌ مُرحَّل مِن شَعرٍ أسودٍ، فجاءَ الحسنُ بن عليٍّ فأدخلَه، ثمَّ جاءَ الحُسين فدخَل معه، ثمَّ جاءت فاطمة فأدخَلها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخَله، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].\nومع ذكرهما لهذه الفضائل كلِّها، فلم يَكتفِيا بذكرِ فضائلِ عليٍّ ﵁ بهذا البابِ فقط، حتَّى ذَكرا ما يُفيد فضيلَتَه ﵁ في غيرِه من الأبوابِ، كما قاله ابن حَجرٍ: «قد أخرجَ المُصنِّف مِن مَناقبِ عليٍّ ﵁ أشياءَ في غيرِ هذا المَوضع ..» (^٥).\nومنشأُ ذلك أنَّ أهلَ السُّنةِ لم يَرِد عندهم في حَقِّ أحدٍ مِن الصَّحابةِ من الفضائل بالأسانيدِ الجِيادِ أكثرَ مِمَّا جاء في عليٍّ ﵁ (^٦)، قال ابن الجوزي: «غيرَ أنَّ الرَّافضة لم تَقْنع، فوَضَعَت له ما يَضَعُ ولا يَرفع!» (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بـ «رقم: ٣٧٠٥)، ومسلم في (ك: الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، رقم: ٢٧٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري بـ (رقم: ٣٧٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري بـ «رقم: ٣٧٠٧).\n(^٤) أخرجه مسلم بـ «رقم: ٢٤٠٨).\n(^٥) «فتح الباري» (٧/ ٧٤).\n(^٦) قاله أحمد والنَّسائي وإسماعيل القاضي المالكيُّ، نقله عنهم ابن حجر في «الفتح» (٧/ ٧١)، وكذا قاله ابن تيمية في «منهاج السُّنة» (٨/ ٢٤١)، والذَّهبي في «تلخيص الموضوعات» (ص/١٤١).\n(^٧) «الموضوعات» (١/ ٣٣٨).","vol":"1","page":165},{"text":"وأمَّا في ما يخصُّ مَناقب فاطمة الزَّهراء ﵂:\nفأورَدَ البخاريُّ فيها مُعَلَّقًا حديثَ: «فاطمة سيِّدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ»، ثمَّ وَصَله في مَوضعين مِن كِتابِه (^١)، كما أخرجه مسلم بأكثر مِن لفظٍ في قصَّةِ مُسارَرَتِه ﷺ لها عند موتِه (^٢).\nوحديثَ: «فاطمةُ بضعَةٌ منِّي، يُؤذِيني ما آذاها ..» (^٣)، وأخرجه مسلمٌ بألفاظٍ أخرى أكثر (^٤).\nكما أخرجَ البخاريُّ في غير هذا البابِ حديثَ نُصرَتِها لأبيها ﷺ، حين طَرَحَت عن ظهرِه ما وَضَعه المُشرِكون مِن سَلَى الجَزورِ وهو ساجِدٌ (^٥).\nوأمَّا مناقب ابنَيْهِما الحَسن والحُسين ﵃:\nفقد أخرج البخاريُّ في بابِ فضلِهما تسعةَ أحاديث، منها:\nحديث: «ابنِي هذا سيِّدٌ ..» يعني الحَسَن (^٦)، وحديثَ: «اللَّهم إنِّي أحبُّهما فأحِبَّهما» (^٧)، وحديث ابنَ عمرٍ قال: «أهلُ العِراقِ يَسألون عن الذُّباب، وقد قَتَلوا ابنَ ابنةِ رسولِ الله ﷺ! وقال النَّبي ﷺ: «هما رَيحانَتايَ مِن الدُّنيا» (^٨)، إلى غيرها مِمَّا أخرجه مِن أحاديثِ فضائلِهما.\nوكذا أخرجَ مسلمٌ في بابِ فضلِ الحَسَنَيْنِ خمسةَ أحاديث (^٩).\n_________\n(^١) في باب «مَن ناجى بين يدي الناس، ومن لم يخبر بسرِّ صاحبه» مِن كتاب الاستئذان، برقم ٦٢٨٥، وفي باب «علامات النُّبوة» مِن المناقب، برقم: ٣٦٢٣.\n(^٢) أخرجها مسلم بـ (رقم: ٢٤٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري بـ (رقم:٣٧٦٧).\n(^٤) أخرجها مسلم بـ «رقم: ٢٤٤٩).\n(^٥) أخرجه البخاري في (ك: الوضوء، باب: إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة، لم تفسد عليه صلاته، رقم: ٢٤٠).\n(^٦) أخرجه البخاريُّ بـ (رقم: ٣٧٤٦).\n(^٧) أخرجه البخاري بـ (رقم: ٣٧٤٧).\n(^٨) أخرجه البخاري بـ (رقم: ٣٧٥٣).\n(^٩) في (ك: الفضائل، باب فضائل الحسن والحسين ﵃).","vol":"1","page":166},{"text":"كما أنَّ الشَّيخين قد ذَكَرا مناقبَ جعفر بنِ أبي طالب ﵁ أيضًا (^١).\nأفبعد كلِّ هذه المآثرِ المُتواتِرات لآل البيت في «الصَّحيحين»: هل كان في احتجاجِ الشَّيخينِ بها مَقنَعٌ للإماميَّةِ بالارتداعِ عن الافتراءِ عليهما بدعوى النَّصبِ؟!\nكلَّا! لقد تَهرَّبوا مِن الإقرارِ بما تزَيَّا به كِتاباهما مِن مَناقبِ الآلِ، فادَّعوا أنَّهما أغمَضا عن مَناقبَ أخرى جليلةٍ -خاصَّة البخاريَّ- دالَّةٍ على أفضليَّة عليٍّ على الصَّحابةِ مُطلقًا، أبرزُها:\nحديث الغَدير.\nوحديث الطَّائر المَشويّ.\nوحديث سَدِّ الأبواب.\nوحديثِ أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها.\n_________\n(^١) أخرجها البخاري ثلاثةً منها في (ك: المناقب، باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي ﵁)، وواحدًا في (ك: الجنائز، باب: الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه، رقم: ١٢٤٦)، (ك: الجهاد والسير، باب: تمني الشهادة، رقم: ٢٧٩٨)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب: مِن فضائل جعفر بن أبي طالب، وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم ﵃).","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المَطلب الثَّاني\nدحض دعوى نبذ الشَّيخين لذكر فضائل الآلِ غمطًا لحقِّهم</span>\nعند التَّأمُّل في ما ادَّعته الإماميَّة على الشَّيخين، نَجِد شواهد ذلك من الأحاديث الَّتي مثَّلوا بها لا تلزَمُهما في شيءٍ، وذلك إجمالًا:\nأوَّلًا: لأنَّ الشَّيْخينِ لم يَدَّعِيا إخراجَ كلِّ الصَّحيحِ في الأبوابِ حتَّى يلتزِما إخراجَ كلِّ ما وَرَد في بابِ مَناقبِ أهلِ البيتِ، حتَّى مَناقِب الصِّديقِ والفاروقِ وعثمانَ، وعائشة وحفصة ﵃، لم يرووا كلَّ ما وَرد فيهم من مَناقب، بل ولا أخرجا في فضلِ سعيدِ بن زيد ولا عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ ﵃ شيئًا! والشَّيخانِ يَعتقِدانِهما مُبَشَّرَيْن بالجَنَّة!\nفهل هذا يعني غمزًا منهما في هذين الصَّحابين؟! فإنَّ هؤلاءِ مَن يُتَّهم أهلُ السُّنة بمُحاباتِهم على حسابِ أهلِ البيت، انظروا: كيف ترك الشَّيخانِ مِن مَناقبهم ما تَركَا، لا لشيءٍ، إلَّا تحاشيًا للإطالةِ، أو لعدمِ وقوعِ بعضِ ذلك عندهما وِفقَ شَرطِهما في الكِتابين.\nثانيًا: ما ادَّعاه المُعترض مِن تركِ الشَّيخين لِما «أجمعَ عليه علماءُ السُّنة والشِّيعة في مَناقب أهل البيت، مثل: حديث الغَدير، وحديثِ الطَّائر المَشويِّ، وحديث سَدِّ الأبواب، وحديثِ أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها، وأنَّه قد رَوَى كلَّ واحدةٍ مِن هذه الفضائلِ والمَناقبِ عشراتُ الصَّحابة»:","vol":"1","page":168},{"text":"فجوابُه الإجماليُّ -وإن كان هو مُندرجًا في ما تَقدَّم من الجوابِ الأوَّل- أنَّ ما مَثَّل به مِن الأحاديثِ لم يتَّفق أهل الحديثِ على صِحَّتِها كلِّها كما يدَّعيه الغامط لحقِّهما، ولا رَواها عشراتٌ الصَّحابة كما افتراه؛ بل أكثرُها واهي الإسنادِ لا تَرقى إلى مَرتبةِ القَبولِ، فضلًا عن شرطِ الشَّيخين في الصِّحة، بل بعضُها مَوضوعٌ!\nوإنَّما يرمي هؤلاء الرَّافضة جُزافًا بمثلِ هذه الشُّبهات الكاذبةِ، تحقيقًا لغَرَضين:\nالأول: لخداعِ المتَشكِّكين والحائِرين مِن أتباعِهم، بأنَّ هذه العقائد المُضَمَّنة في هذه الأخبارِ مُتَّفقٌ عليها بين أهل السُّنة والشيعة، وأنَّ الشَّيخينِ إنَّما يُكابِران.\nالثَّاني: لإشغالِ أهلِ السُّنة بهذه المَسائل والدِّفاع عنها، إلهاءً لهم عن تفتيشِ كتبِ الإماميَّةِ في الحديثِ والرِّجال والتَّفسير، واستخراج ما فيها من بوائق، فينكشفَ أمرُها أمامَ الرِّعاع الجَهلة من أتباعهم (^١).\nوفي نقضِ أمثلة ما ادَّعوه تحايُدًا للبخاريِّ عن فضائل عليٍّ ﵁ من جهة التَّفصيل، يُقال:\nأوَّلًا: حديث الغَدير:\nويَعنون بالحديث قولَ النَّبيِّ ﷺ عند غَديرِ (خُمٍّ) (^٢) في جَمعٍ من أصحابِه: «مَن كُنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه، اللَّهم والِ مَن والاه، وعَادِ مَن عاداه» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية» لـ د. ناصر القفاري (٢/ ٦٩٦).\n(^٢) خمٌّ: وادٍ بين مكَّة والمدينة، عند الجحفة به غَدير يجتمع فيه ماءٍ، وهذا الوادي مَوصوف بكثرة الوخامة، انظر «معجم البلدان» (٢/ ٣٨٩).\n(^٣) أخرجه النسائي في «الكبرى» (ك: الخصائص، باب: باب قول النبي ﷺ: «من كنت وليه فعلي وليه»، رقم: ٨٤١٩)، وأحمد في «المسند» (رقم: ٩٥٠)، وابن حبان في «صحيحه» (١٥/ ٣٧٥، رقم: ٦٩٣١) وغيرهم.","vol":"1","page":169},{"text":"فهذا حديثٌ لم يُجمِع أهل الحديثِ على صِحَّتِه، لا كما ادَّعاه (النَّجمي) وصَحبُه، بل معلومٌ أنَّ طائفةً من النُّقاد رَدُّوه (^١)، ومنهم مَن قصُر ردُّه على الشَّطرِ الثَّاني الَّذي في الدُّعاءِ دون أوَّله (^٢).\nوالَّذي أراه صوابًا في الحديث -والله أعلم-: أنَّه صحيحٌ بشَطرَيْه، بل مُتَواترُ الجملةِ الأولى، تبعًا لجِلَّةٍ مِن أهلِ الحديثِ (^٣)، وهو اختيار الذَّهبي (ت ٧٤٨ هـ) كما في قولِه: «صَدْرُ الحديثِ مُتواتر، أتيقَّن أنَّ رسولَ الله ﷺ قاله، وأمَّا: «اللَّهم والِ مَن والاه ..» فزيادةٌ قويَّةُ الإسناد» (^٤).\nولقد قضى ربُّنا لحكمته أن يكون هذا الحديثُ مُبتلىً لكثيرٍ من المُسلمين، فمنهم وَضَّاعون زادوا فيه زيادات منكرة تعصُّبًا للطَّائفة، كالَّذي يَذكرُه الرَّافضةُ فيه أنَّ النَّبي ﷺ قال: «إنَّه خَلِيفَتي مِن بعدي» (^٥).\nوهذه لا تصحُّ بوجهٍ مِن الوجوهِ، بل هو مِن أباطيلِهم الَّتي شهد التَّاريخ بكذِبِها (^٦)، وكذا زيادة: «انصُر مَن نَصَره، واخذُلْ مَن خَذَله» (^٧)، وغيرها من الزِّيادات الباطلةِ.\nوالَّذي يبدو: أنَّ الإماميَّةَ ما أعملوا يدَ التَّحريفِ في هذا الحديث إلَّا بعد أن رأوه لا يخدُم أغراضَهم بتمامها، فلذا زادوا فيه زياداتٍ فاحشةٍ (^٨)؛ أمَّا الظَّنُّ\n_________\n(^١) كابن حزم في «الفِصَل» (٤/ ١١٦)، ونقله ابن تيمية عن إبراهيم الحربي في «منهاج السنة» (٤/ ٨٦).\n(^٢) كنُعيم بن حكيم (ت ١٤٨ هـ)، أورده عنه أحمد في «مُسنده» (٢/ ٤٣٤، رقم:١٣١١)، وكذا ابن تيميَّة في «منهاج السنة» (٤/ ١٦) ضعَّف الشَّطر الأول، وكذَّب الثَّاني منه!\n(^٣) كمحمد بن جعفر الكتاني في «نظر المتناثر في الحديث المتواتر» (ص/١٩٤)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٤/ ٣٤٣).\n(^٤) نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٦٨١)، وانظر قريبًا منه في «أعلام النُّبلاء» (٨/ ٣٣٥) و(١٤/ ٢٧٧).\n(^٥) كما فعل عبد المُحسن الموسوي في كتابه «المُراجعات»، وزعم تصحيح بعض المُحدثين له، فهتك الألباني أستارَ كذبِه في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (١٠/ ٦١٧).\n(^٦) بيَّن الألباني زيفَه في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (برقم: ٤٩٢٣ و٤٩٣٢).\n(^٧) كذبَّها ابن تيمية في «منهاج السنة» (٤/ ١٦).\n(^٨) «أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية» (٢/ ٦٩٣).","vol":"1","page":170},{"text":"بأنَّ في الحديثِ بمتنِه الثَّابتِ الأوَّلِ دلالةً على أنَّ عَليًّا ﵁ هو الخليفةُ بعد النَّبي ﷺ: فذاك مِن الجهلِ المَقطوعِ بخطأِ صاحبِه؛ وذلك:\nأنَّ الوَلايةَ -بالفتح-: ضدُّ العَداوة، والاسمُ منها: مَوْلى ووَليٌّ.\nوالوِلاية -بكسر الواو- هي الإِمارة، والاسمُ منها: والي ومُتَولِّي.\nوالمُوالاة ضِدُّ المُعاداة (^١)، وهذا حكمٌ ثابتٌ لكلِّ مؤمنٍ (^٢).\nفالنَّبي ﷺ على هذا لم يُرِدْ بالحديثِ الخلافةَ بعدَه قطعًا، فليس في اللَّفظِ ما يَدلُّ على ذلك، ولا شكَّ أنَّ أمرَ الاستخلافِ والقيامِ على النِّاس بعده عظيمٌ، فلو كان يريد ذلك المعنى المُدَّعى «لأفصحَ لهم بذلك، كما أفصحَ لهم بالصَّلاة والزَّكاة ونحوها، .. فإنَّ أنصحَ النَّاسِ كان للمُسلمين رسولُ الله ﷺ» (^٣).\nوهذا إلزام أقرَّ بصحَّته النُّوري الطَّبرسي (^٤) -أحَدِ أساطينِ الإماميَّة المُتأخِّرين- كما تراه في قوله: «لم يُصرِّح النَّبي ﷺ لعليٍّ ﵇ بالخلافةِ بعدَه بلا فصلٍ في يومِ الغدير، وأشارَ إليها بكلامٍ مُجمَلٍ مُشتركٍ، في معانٍ يحتاجُ تَعيينُ ما المقصود منها إلى قرائن» (^٥).\nثمَّ إنَّ الحديثَ بهذا اللَّفظ -وإن كان متضمِّنًا لإبطال قول أعداء عليٍّ ﵁ فيه مِن الخوارج والنَّواصب- لا يستلزم أن لا يكون للمؤمنين مَولًى غيرُه (^٦)! كلُّ ما في الأمرِ، أنَّه ﷺ «لمَّا بَعَثه إلى اليَمن، كثُرَت الشَّكاة عنه ﵁، وأظهروا\n_________\n(^١) انظر «التَّقفِية» للبندنيجي (ص/٧٠٨)، و«الإبانة في اللُّغة» لسلمة بن مسلم (٤/ ٥٤٧).\n(^٢) انظر تقرير هذا المعنى من الحديث «شرح مشكل الآثار» للطحاوي (٥/ ٢٥).\n(^٣) كان هذا جوابَ الحسن بن الحسن بن علي ﵁ لمن سأله عن دلالة هذا الحديث، كما في «الاعتقاد» للبيهقي (ص/٣٥٥)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (١٣/ ٧٠).\n(^٤) حسين بن محمد تقي النوري المازندراني الطَّبرسي: فقيه إمامي، ولد في إحدى قُرى طبرستان، وتوفي بالكوفة، من كتبه: «دار السلام» في تفسير الأحلام، و«مستدرك الوسائل» في الفقه، وله كتب أخرى ورسائل بالفارسيَّة، طُبع أكثرها، انظر «الأعلام» للزركلي (٢/ ٢٥٧).\n(^٥) في كتابه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» (ص/٢٠٥ - ٢٠٦)، نقلًا عن كتاب «وقفات مع كتاب المراجعات» لـ د. عثمان الخميس (ص/٦٩).\n(^٦) «منهاج السنة» (٤/ ٨٦).","vol":"1","page":171},{"text":"بُغضَه، فأرادَ النَّبي ﷺ أن يَذكُر اختصاصَه به، ومَحبَّته إيَّاه، ويُحثَّهم بذلك على مَحبَّتِه، ومُوالاتِه، وتركِ مُعاداتِه» (^١).\nوبهذا البيانِ لمعنى الحديث، تنتقضُ دعوى الإماميَّة على الشَّيخينِ تَكتُّمَهما عن ذكرِ هذا الحديثِ، زعمًا أنّ فيه أحقِّيةَ عليٍّ بالخلافةِ دون إخوانِه الثَّلاثةِ الأُوَل ﵃.\nثانيًا: وأمَّا زعمُ الإماميَّة إغفالَ الشَّيخينِ لحديثِ الطَّائرِ المَشْوِيِّ:\nيَعْنون به ما رُوِيَ عن أنس بن مالك ﵁، أنَّه أُهدِيَ للنَّبي ﷺ فَرْخٌ مَشويٌّ، فقال: «اللُّهم ائتنِي بأحَبِّ خلقِك إليك، يَأكُلْ معي هذا الطَّير» فجاءَ عليٌّ ﵁، فأكَلَ معه (^٢).\nوهذا لا شكَّ مِن المَوضوعاتِ عند أهلِ النَّقد والمعرفةِ بحقائقِ النَّقل (^٣)، قد أعَلَّه كثيرٌ مِن حُذَّاق العِلَل، مع عِلْمِهم بما يَبدو مِن كثرةِ طُرقِه، منهم: البخاريُّ نفسُه! (^٤) والتِّرمذي (^٥)، وأبو زرعة الرَّازي (^٦)، والبَزَّار (^٧)، والدَّارقطني (^٨)، والعُقَيليُّ (^٩)، وابن عَدِيٍّ (^١٠)، والخليليُّ (^١١)، وغيرهم كثيرٌ.\n_________\n(^١) «الاعتقاد» للبيهقي (ص/٣٥٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي في (ك: مناقب عليٍّ، رقم: ٣٧٢١) وقال: «حديث غريب»، وأحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٥٦٠، رقم:٩٤٥)، والنسائي في «الكبرى» (برقم:٨٣٤١)، والحاكم في «المستدرك» (برقم: ٤٦٥٠)، وغيرهم.\n(^٣) «منهاج السنة» (٤/ ٩٩).\n(^٤) «العلل الكبير» للترمذي (ص/٣٧٤).\n(^٥) «جامع الترمذي» (٥/ ٦٣٦).\n(^٦) «الضعفاء» لأبي زرعة الرازي، أجوبته على أسئلة البرذعي (٢/ ٦٩٢).\n(^٧) «مسند البزار» (١٤/ ٨٠).\n(^٨) «تذكرة الحفاظ» لابن طاهر المقدسي (ص/١٤٦).\n(^٩) «الضعفاء» للعقيلي (١/ ٤٦)\n(^١٠) «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٣٤٥).\n(^١١) «الإرشاد» للخليلي (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":172},{"text":"ثمَّ صَرَّح بوَضْعِه: الباقِلَّاني (^١)، وابنُ طاهرٍ المَقدسيُّ، وابن الجوزيِّ (^٢)، وابن تيميَّة (^٣)، وابن حجرٍ العسقلانيُّ (^٤).\nفإذا ما احتجَّ الإماميَّة بقولِ الحاكمِ النَّيسابوريِّ (ت ٤٠٥ هـ): «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخين، ولم يُخرجاه» (^٥).\nفالجواب عليهم أن يُقال:\nقد تعَّقبَ الذَّهبيُّ الحاكمَ في إسنادِ هذه الرِّواية، حيث قال في «تلخيصِه لمُستدركِه»: «ابنُ عِياضٍ لا أعرفُه؛ ولقد كنتُ أظنُّ زمانًا طويلًا، أنَّ حديث الطَّير لم يَجسُر الحاكمُ أن يُودِعَه في مُستدرَكه، فلما علقتُ هذا الكتابَ، رأيتُ الهولَ مِن المَوضوعاتِ الَّتي فيه، فإذا حديثُ الطَّيرِ بالنِّسبةِ إليه سماء!».\nوأمَّا قول الحاكم في الحديث أيضًا: «قد رواه عن أنسٍ زيادةً على ثلاثين نفسًا»:\nقد تَعَقَّبه فيه الذَّهبي أيضًا بقولِه: «صِلْهُم بثقةٍ يَصحُّ الإسنادُ إليه!» (^٦)؛ وهو يعني: أنَّ الطُّرقَ إلى هذه الأنفسِ الثَّلاثين لا تَصِحُّ إليهم أصلًا، وقد أبانَ عن هذه الحقيقة الخَليليُّ (ت ٤٤٦ هـ) مِن قبلُ، حين قال: «ما رَوى حديثَ الطِّيرِ ثقةٌ، رواه الضعفاء .. ويَردُّه جميعُ أئمَّة الحديث» (^٧).\nوهذا الكلام من الخليليِّ يُصدِّقه ما تَوصَّل إليه الذَّهبيُّ في جزءٍ له جَمَعه لهذا الحديثِ، فبعد ما أورَدَ طُرقًا له مُتعدِّدة قال: «يُروَى هذا الحديث مِن وجوهٍ باطلةِ أو مُظلمة: عن حجَّاج بن يوسف، وأبي عصام خالد بن عبيد، ودينار أبي مكيس ..».\n_________\n(^١) كما في «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٨٣).\n(^٢) «العلل المتناهية» لابن الجوزي (١/ ٢٣٤).\n(^٣) «منهاج السنة» (٤/ ٩٩).\n(^٤) «لسان الميزان» (٤/ ١٣٦) في ترجمة سليمان بن حجَّاج.\n(^٥) «المستدرك على الصحيحين» (٣/ ١٤١).\n(^٦) نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» (١١/ ٧٦).\n(^٧) «الإرشاد» (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":173},{"text":"ثمَّ قال بعد أن ذَكَرَ الجميعَ: «.. الجميعُ بضعةٌ وتسعون نفسًا، أقربُها غرائب ضعيفةٌ، وأردؤها طرقٌ مختلقَة مُفتَعَلة! وغالبُها طُرقٌ واهيةٌ» (^١).\nفلعلَّ هذا منشأ البَليَّةِ في الحديثِ، أي: من انقطاعِه، فـ «لا يُدرَى الرَّواي له عن أنس ﵁، ثمَّ سرَقَه بعض الوَضَّاعين، مِن الشِّيعة والضُّعفاء والمَجهولين منهم، أو المُتعاطِفين معهم، فرَكَّبوا عليه أسانيدَ كثيرةً» (^٢)، وهذا ما كان انتهى إليه ابنِ القيسرانيِّ في دراسته للحديث، حيث قال: «حديثُ الطَّائر مَوضوعٌ، إنَّما يَجيء مِن سُقَّاطِ أهلِ الكوفة، عن المَشاهيرِ والمَجاهيلِ، عن أنسٍ وغيره» (^٣).\nفكيف للحاكمِ أن يقول بعد كلِّ هذا أنَّ الحديث على شرطِ الشَّيخين؟!\nثمَّ لم يكتفِ هو بركونه إلى كثرة طُرقهِ الواهيةِ وتصحيحِه لأحدِها، بل قال عَقِب ذلك: «.. ثمَّ صَحَّت الرِّواية عن عليٍّ وأبي سعيد الخدري وسفينة».\nليَنتفِضَ عليه الذَّهبيُّ قائلًا: «لا والله ما صَحَّ شيءٌ مِن ذلك!» (^٤).\nوما حنَثَ الذَّهبي، فإنَّ الطُّرق إلى هؤلاء الثَّلاثة ساقطة الأسانيد، قد بَيَّن ابن كثيرٍ عِلَلَها، كما بيَّن عِلَل كثيرٍ مِن الطُّرق المُشار إليها آنفًا (^٥).\nالعجيب بعدُ مِن الحاكِم: أنَّه مِن زمرة مَن ضَعَّف حديثَ الطَّير بالنَّظر إلى نكارة متنِه! ولم يَلتفِت إلى طُرقِه، وذلك فيما ساقه الذَّهبي في ترجمتِه بإسنادٍ صحيحٍ عنه: «أنَّهم كانوا في مَجلسٍ، فسُئِل أبو عبد الله الحاكم عن حديثِ الطَّير؟ فقال: لا يَصِحُّ، ولو صَحَّ، لمَا كان أحدٌ أفضلَ مِن عليٍّ بعد النَّبي ﷺ».\nقال الذَّهبي عقِبَه: «فهذه حِكايةٌ قَويَّةٌ؛ فما بالُه أخرَجَ حديثَ الطَّير في «المُستدرَك»؟! فكأنَّه اختَلَف اجتهادُه» (^٦).\n_________\n(^١) نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» (١١/ ٧٦).\n(^٢) «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (١٤/ ١٧٧).\n(^٣) «العلل المتناهية» لابن الجوزي (١/ ٢٣٤).\n(^٤) نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» (١١/ ٧٦).\n(^٥) انظر «البداية والنهاية» (١١/ ٧٦ - ٧٧).\n(^٦) «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ١٦٨).","vol":"1","page":174},{"text":"قلتُ: استبعِدُ هذا التَّوجيه مِن الذَّهبي، فإنَّ القِصَّة ظاهرٌ مِنها استنكارُ الحاكمِ للمتن نفسِه، وحُقَّ له ذلك، فهو مُناقضٌ لِما استقَرَّ عليه عمومِ المُسلمين مِن أفضليَّة أبي بكر وعمر على سائرِ الصَّحابةِ ﵃، ومثلُ هذا الاستنكارِ لا يندفِعُ عادةً بمُجرَّدِ اجتهادِ نَظرٍ في طُرقِ الحديث.\nوالَّذي أميلُ إليه في اختلاف موقف الحاكم من هذا الحديث: أنَّ الحاكِم كان أدخلَه بادئَ الأمرِ في كتابِه مُسودَّة، مِن غيرِ تحقيقٍ كافٍ في طُرُقِه، ولا تَأمُّلِ شافٍ في مَتْنِه، فلمَّا تَبَيَّنتْ له عِلَّتُه بعدُ، عَزَم على إخراجِه مِن كتابِه حينَ تمام تبيِضِه، لكنَّ المَنيَّةَ أعجَلَته قبل أن يبلُغَ به.\nيقول ابن حجر: «إنمَّا وَقَع للحاكم التَّساهل لأنَّه سوَّد الكتاب لينقِّحَه، فأعجلته المنيَّة، قال: وقد وجدتُ في قريب نصف الجزء الثَّاني من تجزئة ستَّة من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: والَّتساهل في القدر المُمْلى قليل جدًّا بالنِّسبة إلى ما بعده» (^١)، والله أعلم.\nفبهذا يتبيَّن سقوط الحديث متنًا وإسنادًا، ولأجلِها أعرضَ الشَّيخانِ عن إخراجِه في «صحيحَيهما».\nثالثًا: وأمَّا حديثُ أَمْرِه ﷺ بسَدِّ الأبوابِ إلى المَسجدِ إلَّا بابَ عليٍّ ﵁:\nفهذا الحديث قد اختلفَ العلماء في حقيقته:\nفذهب إلى تضعيفه: أحمد (^٢)، والتِّرمذي (^٣).\nوكَذَّبه ابنُ الجَوزيِّ فقال: «هذه الأحاديث كلُّها مِن وَضعِ الرَّافضة، قابَلوا بها الحديثَ المُتَّفَقَ على صِحَّتِه في «سُدُّوا الأبوابَ إلَّا بابَ أبي بكرٍ» (^٤).\n_________\n(^١) من كلام ابن حجر، نقلَه عنه السيوطي في «تدريب الراوي» (١/ ١١٣)، بتصرفٍ يسير.\n(^٢) «شرح علل التِّرمذي» لابن رجب (ص/٣٦٤)، و«بحر الدَّم» لابن المبرد (ص/١٧٢).\n(^٣) حيث قال في «جامعه» (٥/ ٦٤١): «هذا حديث غريب، لا نعرفه عن شعبة بهذا الإسناد إلَّا من هذا الوجه».\n(^٤) «الموضوعات» لابن الجوزي (١/ ٣٦٦).","vol":"1","page":175},{"text":"وتَبِع ابن الجوزيَّ على وضعِه ابن تيميَّة (^١).\nوابن الجوزيِّ يعني بحديث باب أبي بكر: ما ورَد في «الصَّحيحين» وغيرِهما: أنَّ النبَّي ﷺ خَطَب في مَرضِ مَوتِه، وذكَرَ أبا بكرٍ ﵁ فقال: «لا تَبقيَنَّ في المسجدِ خوخَةٌ إلَّا خوخة أبا بكرٍ» (^٢)، وفي روايةٍ: «لا يَبقيَنَّ في المسجدِ بابٌ إلَّا سُدَّ إلَّا بابَ أبي بكرٍ» (^٣)، «وأهلُ المدينةِ يَستدِلُّون بهذا على خِلافةِ أبي بكرٍ، فعارَضَهم شيعةُ الكوفةِ، وذَكروا رواياتٍ فيها الأمرُ بسَدِّ الأبوابِ في المَسجدِ إلَّا بابَ عليٍّ» (^٤).\nفمِن أهلِ العلمِ مَن ارتابَ برواياتِ أهلِ الكوفة هذه، حتَّى جَزَم ابن الجوزيِّ ببُطلانِها كما تَقدَّم.\nومنهم مَن لم يرَ مانِعًا مِن تَصحيحِها، وتَصَدَّى منهم ابن حَجرٍ للدِّفاع عن بعضِ رواياتِ الكوفِيِّين (^٥)، وهم يُوفِّقون في ذلك بينها وبين ما وَرَد في حقِّ أبي بكرٍ: بكونِ الحديثين حادثتين مُستقِلَّتين، وذلك:\nأنَّه كان لبعض الصَّحابةِ مَنازلُ لها أبوابٌ إلى خارجِ المسجد، وأبوابٌ شارعةٌ في المسجد، كان بيتُ عليٍّ ﵁ كما في بعضِ الرواياتِ في المسجدِ، ويُؤخَذ مِن بعضِها أنَّه كانت بين أبياتِ النَّبي ﷺ (^٦)، وفي بعضِها أنَّه لم يَكُن له طريقٌ غير المَسجد (^٧)، فلذلك لم يُؤمَر بسَدِّه (^٨).\n_________\n(^١) «منهاج السنة النبوية» (٥/ ٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، رقم: ٣٩٠٤)، ومسلم في (ك: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، رقم: ٢٣٨٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب قول النبي ﷺ: «سدوا الأبواب، إلا باب أبي بكر»، رقم: ٣٦٥٤).\n(^٤) المعلِّمي في تعليقِه على «الفوائد المجموعة» للشوكاني (ص/٣٦٣).\n(^٥) خاصَّةً في كتابه «القول المُسدَّد» (ص/١٦)، وأورد لها السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ٣٢١) طرقا أخرى لم يوردها ابن حجر.\n(^٦) كما في «صحيح البخاري» (ك: المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁، رقم: ٣٧٠٤).\n(^٧) أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ١٧٨، رقم: ٣٠٦٠)، والنسائي في «الكبرى» (رقم: ٨٥٧٣).\n(^٨) «فتح الباري» (٧/ ١٥).","vol":"1","page":176},{"text":"ويشهد لهذا التَّأويل للحديث: ما رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق، عن المُطَّلبِ بنِ عبد الله التَّابعي (^١) قال: إنَّ النَّبي ﷺ لم يَكُن أَذِنَ لأحدٍ أن يمُرَّ في المسجدِ، ولا يجلس فيه وهو جُنبٌ، إلَّا علي بن أبي طالب، لأنَّ بيتَه كان في المسجد» (^٢).\nفإلى نحوِ هذا الجمَعِ بين أحاديث البابِ ذَهَب جمعٌ مِن الفقهاء، كالطَّحاوي (^٣)، وأبي بكر الكلاباذي (^٤).\nأمَّا ابن كثيرٍ، فارتأى أنَّ ذاكَ النَّفيَ في حقِّ عليٍّ ﵁ كان في حالِ حياتِه، لاحتياجِ زوجِه فاطمةَ إلى المرورِ مِن بيتِها إلى بيتِ أبيها، فكأنَّه جَعَله رِفقًا بها ﵂ (^٥).\nوعلى كلٍّ؛ فبعد امتثال الصَّحابةِ ﵃ لذاك النَّهي النَّبوي، كأنَّهم استَبَقوا خوخاتٍ يَستقرِبون منها الدُّخولَ إلى المسجدِ للصَّلاةِ فقط، لكَّنهم أُمِروا بسَدِّها أيضًا إلَّا خوخةَ أبي بكرٍ، كونه أفضلَ النَّاس يَدًا عنده (^٦)، وإشارةً إلى استخلافِ أبي بكرٍ ﵁، كونه يحتاج إلى المسجدِ كثيرًا دون غيره (^٧).\nوبصرَفِ النَّظَرِ عن التَّحقيقِ والاستدلالِ والبحثِ فيما يُؤيِّد قولَ مَن صَحَّح الحديثَ أو مَن أبطلَه، فقد أبنَّا عن أنَّه خَالٍ مِمَّا يَرمي إليه الرَّافضةُ مِن دعوى كِتمانِ البخاريِّ ومسلمٍ له، لِما يَزعمُونه فيه مِن استحقاقِ عليٍّ للخلافةِ دون غيره،\n_________\n(^١) المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومى المَدَنى، ثقة كثير التدليس والإرسال، من الطبقة الَّتي تلي الوسطى من التَّابعين، كان حيًّا سنة ١٢٠ هـ، انظر «تهذيب التَّهذيب» (١/ ١٧٩).\n(^٢) أخرجه القاضي إسماعيل في كتابه «أحكام القرآن» (ص/١٢٦، رقم: ١٣٨)، قال ابن حجر في «الفتح» (٧/ ١٥): «وهذا مرسل قوي، يشهد له ما أخرجه الترمذي، من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال لعلي: لا يحلُّ لأحد أن يطرق هذا المسجد جُنبا غيري وغيرك».\n(^٣) في «شرح مشكل الآثار» (٩/ ١٩٠).\n(^٤) في كتابه «معاني الأخبار» (ص/١٤ - ١٦).\n(^٥) «البداية والنهاية» (١١/ ٥٧).\n(^٦) «الحاوي للفتاوي» للسيوطي (٢/ ٢٠).\n(^٧) انظر «البداية والنهاية» (١١/ ٥٧)، و«فتح الباري» (٧/ ١٥).","vol":"1","page":177},{"text":"فإنَّ غايته مُراعاةُ النَّبي ﷺ لمَحَلِّ بيتِه ﵁ أو زوجِه فاطمة، مع ما في أسانيدِه مِن نَظرٍ وكلامٍ كثيرٍ؛ والشِّيخان قد أخرجَا مِن مَناقبِ عليٍّ ﵁ ما هو أجَلُّ وأجْلَى وأصَحُّ مِن هذا الحديث،، والله أعلم.\nرابعًا: وأمَّا حديثِ: «أنا مدينةُ العلمِ وعَليٌّ بابُها»:\nفكلُّ أسانيدِه إمَّا واهيةٌ أو مَسروقة على الصَّحيح، لا يَصلحُ شيءٌ منها للاحتجاجِ أو الاعتِضاد؛ وعليها قال أبو جعفر الحضرميُّ (ت ٢٩٧ هـ) (^١): «لم يَروِ هذا الحديث عن أبي معاوية مِن الثِّقات أحدٌ، رواه أبو الصَّلت فكَذَّبوه» (^٢).\nفهذا الحديث -كما قال- ممَّا ابتَكَره أبو الصَّلت الهَرويُّ، والكَذَبَة على مِنواله نَسَجوا، حتَّى شنَّع عليه أحمدُ به، فكان يقول: «قبَّحَ الله أبا الصَّلت!» (^٣).\nوقال ابن عَديٍّ: «هذا الحديث مَوضوع، يُعرف بأبي الصَّلت، وقد رواه جماعةٌ سَرَقوه منه» (^٤).\nوقال ابن حِبَّان: «هذا شيءٌ لا أصلَ له، ليس مِن حديثِ ابن عبَّاسٍ، ولا مجاهدٍ، ولا الأعمش، ولا أبو معاوية حَدَّث به، وكلُّ مَن حدَّثَ بهذا المتنِ، فإنَّما سَرَقه مِن أبي الصَّلت هذا، وإن أقلَبَ إسنادَه» (^٥).\nوالتِّرمذيُّ قد استنكَرَه أيضًا مِن حديث عليٍّ (^٦)، ثمَّ نقَلَ استنكارَ البخاريِّ له (^٧).\n_________\n(^١) محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، الملقب: بمُطَيَّن، الشيخ، الحافظ، محدث الكوفة، سئل عنه الدارقطني فقال: «ثقة جبل»، صنَّف (المُسند) و(التَّاريخ)، انظر «سير النُّبلاء» (١٤/ ٤١).\n(^٢) «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٥).\n(^٣) «الموضوعات» لابن الجوزي (١/ ٣٤٥).\n(^٤) «الكامل» لابن عدي (١/ ٤٣٤).\n(^٥) «المجروحين» لابن حبان (٢/ ١٥٢).\n(^٦) «جامع الترمذي» (٥/ ٦٣٧).\n(^٧) «العلل الكبير» (ص/٣٧٤).","vol":"1","page":178},{"text":"وقال فيه ابن مَعينٍ: «هذا حديث كذِبٌ، ليس له أصل» (^١).\nوقال الدَّارقطنيُّ: «إنَّه حديثٌ مُضطربٌ غير ثابتٍ» (^٢)، وقد عَدَّ جماعةً مِمَّن سَرَقَه (^٣).\nوردَّه مِن النُّقاد غير هؤلاء كثيرٌ (^٤).\nفلا عِبرةَ بعدُ بقولِ الحاكم إنَّه: «صحيحٌ الإسناد، ولم يُخرِجاه، وأبو الصَّلت ثقةٌ مأمون» (^٥)، وقد تعقَّبه الذَهبيُّ فقال: «بل هو حديث مَوضوعٌ، أبو الصَّلت ليس بثقةٍ ولا مَأمونٍ».\nوكان صَرَّح بوَضْعِه قبلَه ابنُ الجوزيِّ حين أورَده في «الموضوعات» (^٦)، وابن القيسراني كذلك (^٧).\nثمَّ جاء المُعلِّمي (^٨) والألبانيُّ (^٩) بأخرة، فأجادا في نَقدِ طُرقِه تفصيلًا، وبيانِ ما فيها مِن عِلَلٍ قادحةٍ، لا يشكُّ النَّاظر فيها إلى صوابِ ما حَكَمَ به النُّقاد الأوائل مِمَّن مَضى قولُهم في الحديث آنفًا، وإلى خطأِ مَا جنحَ إليه بعضُ المُتأخِّرين مِن تحسينِهم له بالنَّظر إلى كثرةِ طُرقِه، كالعَلائيِّ (^١٠)، وابن حَجرٍ (^١١)، وتَبعِه السَّخاويُّ (^١٢).\n_________\n(^١) «سؤالات ابن الجنيد لابن معين» (ص/٢٨٥)، و«العلل ومعرفة الرجال» لأحمد (٣/ ٩).\n(^٢) «العلل» (٣/ ٢٤٧).\n(^٣) «تذكرة الحفاظ» لابن القيسراني (ص/١٣٧).\n(^٤) انظر «الضعفاء» للعقيلي (٣/ ١٤٩)، و«تذكرة الحفاظ» لابن القيسراني (ص/١٣٧).\n(^٥) «المستدرك على الصحيحين» (٣/ ١٣٧).\n(^٦) (١/ ٣٤٩).\n(^٧) «تذكرة الحفاظ» له (ص/١٣٧).\n(^٨) في تعليقه على «الفوائد المجموعة» للشوكاني (ص/٣٤٩).\n(^٩) «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٦/ ٥٢٠).\n(^١٠) «النَّقد الصحيح لما اعترض من أحاديث المصابيح» للعلائي (ص/٥٢).\n(^١١) كما في «الدرر المنتثرة» للسيوطي (ص/٥٧)، و«فيض القدير» للمناوي (٣/ ٤٦).\n(^١٢) «الأجوبة المرضية» للسخاوي (٢/ ٨٧٧ - ٨٨٠).","vol":"1","page":179},{"text":"وقد كان في المتأخِّرين أيضًا مَن طعنَ في أسانيدِ هذا الحديث؛ مِن أمثالِ ابن الجوزيِّ، والذَّهبي، والنَّووي (^١)، وابن تيميَّة -وسيأتي كلامُه-، بل أشارَ ابن دقيقِ العيد إلى أنَّ عدم إثباتِه هو مَذهب أهلِ الحديث (^٢).\nلكنَّ الغُماريَّ مع إقرارِه بما أشار إليه ابن دقيق العيد، واعترافِه بأنَّ إنكارَ الحديثِ مَذهبُ عامَّةِ المُتقدِّمين (^٣)، إلَّا أنَّه -كعادته- لم يُبال باتِّفاقِهم، فحَكمَ بصِحَّة الحديثِ في جزءٍ مُفردٍ مشهور له، سَمَّاه «فتح الملِك العَليِّ، بصحَّةِ حديثِ: بابُ مدينةِ العلمِ عليّ».\nفإن قيل: مُجرَّد وَهاءِ الطُّرقِ أو تُهمةِ السَّرقةِ للحديث، لا يكفي للحكمِ على الحديثِ بالوَضع رأسًا، بل كثرتها تدلُّ على أنَّ له أصلًا.\nقلت: قد كانَ قولُ هذا جديرًا بالنَّظر، لولا أنَّ في متنِه ما يَدلُّ على وَضْعِه، ذلك أنَّ «الشِّيعةَ إنَّما أرادوا به التَّمثيل أنَّ أخذَ العلمَ والحكمةَ منه ﷺ مُختصٌّ بعليٍّ، لا يتجاوَزه إلى غيره إلَّا بواسطتِه ﵁، لأنَّ الدَّار إنَّما يُدخَل فيها مِن بابِها» (^٤).\nوهذا ما بَينَّ ابن تيميَّة بُطلانَه فقال:\n«حديث: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها» أضعفُ وأوهى؛ ولهذا إنَّما يُعَدُّ في المَوضوعاتِ، وإنْ رواه التِّرمذي، وذَكَره ابن الجوزيِّ، وبيَّن أن سائرَ طُرقِه مَوضوعة.\nوهذا الكذبُ يُعرَف مِن نفسِ متنِه، فإن النَّبي ﷺ إذا كان مدينةَ العلمِ، ولم يكُن لها إلا بابٌ واحدٌ، ولم يُبلِّغ العلمَ عنه إلَّا واحدٌ: فسَدَ أمرُ الإسلام، ولهذا اتَّفقَ المسلمون على أنَّه لا يجوز أن يكون المُبلِّغ عنه العلمَ واحدٌ، بل يجبُ أن\n_________\n(^١) قال عنه: باطل، في «تهذيب الأسماء واللُّغات» (١/ ٣٤٨).\n(^٢) «شرح الإلمام» لابن دقيق العيد (٣/ ٥٢٤).\n(^٣) كما في كتابه «المُداوي» (٥/ ٣٦٣).\n(^٤) «مرقاة المفاتيح» (٩/ ٣٩٤٠) نقلًا عن الطَّيبي.","vol":"1","page":180},{"text":"يكون المُبلِّغون أهلَ التَّواتر الَّذين يحصُل العلم بخَبرِهم للغائب، وخبرُ الواحدِ لا يُفيد العلمَ بالقرآنِ والسُّنن المُتواترة ...\nثمَّ عِلمُ الرَّسول ﷺ مِن الكتابِ والسُّنة قد طَبَّق الأرضَ، وما انفرَدَ به عليٌّ ﵁ عن رسولِ الله ﷺ فيَسيرٌ قليلٌ، وأجَلُّ التَّابعين بالمدينة هم الَّذين تَعلَّموا في زمنِ عمر وعثمان، وتعليمُ معاذٍ للتَّابعين ولأهلِ اليَمنِ، أكثرُ مِن تعليمِ علي ﵃، وقدِمَ عليٌّ على الكوفة، وبها مِن أئمَّة التابعين عددٌ ..» (^١).\nوقال في مَوضعٍ آخر: «.. وهذا الحديث إنَّما افتراه زنديقٌ أو جاهلٌ، ظنَّه مَدحًا، وهو مُطرِّقُ الزَّنادقة إلى القدحِ في علمِ الدِّين! إذْ لم يُبلِّغه إلَّا واحدٌ مِن الصَّحابة؛ ثمَّ إنَّ هذا خلافُ المَعلوم بالتَّواتر ..» (^٢).\nوبهذا يَبين للمُنصف بأنَّ البخاريَّ ومُسلمًا إنَّما تحاشا هذا الحديث عن علمٍ ودرايةٍ بمُشكلاتِه سندًا ومتنًا، فنَزَّها «صحيحَيْهما» أن يَتَلطَّخا بمثلِ هذه الواهِياتِ المُشِينات، وإن حسِبَها الوَضَّاعون لعليٍّ ﵁ مِن المَنْقَبات.\n_________\n(^١) «منهاج السنة» (٧/ ٥١٥).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤١٠).","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المَطلب الثَّالث\nدفع دعوى الإماميَّةِ كتمَ البخاريّ لمناقب عليِّ ﵇ بالاختصار</span>\nفأمَّا دعوى المُعترضِ تحايُلَ البخاريِّ في كتمِ منقبةِ عليٍّ ﵇ في صرفِه لعُمر ﵁ عن جلدِ المَجنونة، وذلك بتقطيعِ الحديثِ وفصلِه عنه: فلو كان البخاريُّ مُتقصِّدًا إخفاءَ ذلك تنقُّصًا مِن قدرِه، فما كان شيءٌ ليَضطَرَّه إلى أن يُفرَد له في «صَحيحِه» بابًا مُستقِلًّا كامِلًا في مَناقبِه (^١)!\nوما هذا التَّوجيه المُستقبح من (النَّجميِّ) لهذا العَملِ من البخاريِّ، إلَّا نتاجُ سوءِ ظنِّه به، وغباوتِه عن تفهُّم منهجِه في التَّصنيف؛ ذلك أنَّ الشَّطرَ الأوَّلَ مِن المتنِ المَحذوف، والمُتضمِّن لقصَّة عمر مع عليٍّ، هو مَوقوفٌ في أصلِه كما لا يخفى، بخلاف الشَّطرِ الَّذي اقتصر عليه البخاريُّ، فإنَّه مُفيدٌ للرَّفعِ إلى النَّبي ﷺ، وهو مُتقصَّدُ البخاريِّ أصالةً لاندراجه في موضوعِ كتابهِ، وتدليله به على ما ترجَم به البابَ.\n_________\n(^١) في صحيح البخاري (ك: فضائل الصَّحابة، باب: مناقب علي بن أبي طالب)، ذكر البخاري فيه سبعة أحاديث في مناقبه ﵁، وعلَّق حديثين أسندهما في موضع آخر من «صحيحه».","vol":"1","page":182},{"text":"وأمَّا أنَّه اختصر إسنادَ القِصَّة بأن عَلَّقه: فلأجلِ الخلافِ الحاصلِ على أبي ظبيانَ في ذكره لابنِ عبَّاس مِن عَدمِه، وكذا للاختلاف عليه في رفعِه ووقفِه، قد بَيَّن هذا الخُلْف غير واحدٍ مِن النُّقاد (^١).\n_________\n(^١) انظر «العلل الكبير» للترمذي (ص/٢٢٥)، و«السنن الكبرى» للنسائي (٦/ ٤٨٨)، و«العلل» للدارقطني (٣/ ٧٢)، وقد رجحوا الحديث الموقوف الذي فيه ابن عباس على المرفوع.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المَطلب الرَّابع\nدفع دعوى حذف البخاريِّ لمِا فيه مَثلبةٌ للفاروق ﵁ بالاختصار</span>\nوأمَّا دعواهم على البخاريِّ تعمُّدَ الاختصارِ لمِا فيه مَثلبةٌ للفاروق ﵁:\nفأمَّا مثالهم الأوَّل: فيظهر زيفُ دعوى ذاك المُعترضِ أنَّ البخاريَّ حذف ما يُنبي عن غفلةِ الفاروقِ ﵁ وجهلِه بالحكم مِن جِهتين:\nالأولى: مِن جِهة تلبيسِه، حيث إنَّ المُعترِض قد أسقطَ في كتابِه شيخَ مسلمٍ في سندِ هذه القصَّة، واقتصرَ على ذكرِ شعبةَ فمَن فوقَه، ليوهِم القارئ بأنَّ البخاريَّ ومسلمًا قد اتَّفَقا في السَّنَدِ المُتلقَّى منه هذه الحكاية، بل زعمَه تصريحًا! وأنَّهما إنَّما اختلفا في المتنِ لأجل هذا التَصرُّف من البخاريِّ.\nبينما الحقيقة خلاف ما أراد أن يُوهِمه، وذل أنَّ مسلمًا إنَّما رواه عن (يحيى بن سعيد القطَّان) عن شعبة، بينما رواه البخاريُّ عن (آدم بن أبي إياس) عن شعبة، فالطَّريقان إذن مُختلفان! هذا أوَّلًا.\nوأمَّا ثانيًا: فإنَّ آدمَ ابن أبي إياسٍ هذا هو المُختِصِر للحكايةِ حقيقةً لا البخاري، وشاهدُ ذلك: أنَّها مَرويَّة عند البيهقيِّ مِن طريقِ (إبراهيم بن الحُسين) عن آدم بنِ أبي إياسٍ بنفسِ الإسنادِ الَّذي في البخاريِّ، مِن دون قولِ عمر: «لا تُصَلِّ»! فدَلَّ على أنَّ البخاريَّ لم يَتَصرَّف في القصَّةِ، بل نَقَلها كما سَمِعها مِن","vol":"1","page":184},{"text":"شيخِه وسمِعَها منه غيرُه، كما قد نَبَّه على ذلك ابن حجرٍ عند شرحِه لهذه الحكايةِ (^١).\nوأمَّا الجِهة الثَّانية من جِهتي تَزْيِيف دعوى المُعترضِ حذفَ البخاريِّ ما يُنبي عن غفلةِ الفاروقِ ﵁ وجهلِه بالحكم في هذه القصَّة: فإنَّ عمر إنَّما تَأوَّل آيةَ التَّيمُّم لا أنَّه كان يجهلُها! بحيث فهم أنَّ الجُنُبَ لا يشملُه قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، ظنًّا منه أنَّ المُلامَسةَ في ظاهرِ الآيةِ ما دون الجِماع (^٢)؛ وحينَ لم تبلُغه الأحاديثُ الخاصَّةُ على خلاف هذا الأصل عنده، رأى البقاء على ظاهرِ قولِه تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].\nوأمَّا ما حَدَّثه به عمَّار ﵁: فإنَّما استذكره عمَّارٌ ما جَرى مِنهما في السَّفَر لا سؤالَه النَّبي ﷺ؛ لأنَّ الظَّاهرَ غياب عمرَ ﵁ عن ذلك، ولو كان شهِد هو هذا الاستفتاءَ مِن عمَّار للنَّبي ﷺ، لمَا أبقى مَذْهبَه على أنَّ الجُنبَ لا يُجزيه إلَّا الغسلُ بالماء؛ لكنْ حين «أخبرَه عمَّارٌ عن النَّبي ﷺ بأنَّ التَّيمُّم يَكفيه: سَكَتَ عنه، ولن يَنْهَه» (^٣)، بل قال: «اتَّقِ الله تعالى يا عَمَّار، «ومَعناه: اتَّقِ الله تعالى فيما تَرويه وتَثبَّت، فلعلَّك نَسيتَ، أو اشتبَه عليك الأمرُ» (^٤).\nفبَانَ أنْ ليس فيما اجتهَدَ فيه عمرُ ﵁ حَطٌّ مِن قدرِه حتَّى يحتاج إلى ستر البخاريِّ عليه، بل هذا منه مثالٌ مِن أمثلةٍ كثيرةٍ، «تدلُّكَ على أنَّ أخبارَ الآحادِ العُدولِ مِن علمِ الخاصَّة، قد يخفى على الجليلِ مِن العلماءِ منها الشَّيء» (^٥).\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٤٤٣).\n(^٢) وهو قول ابن مسعود أيضًا، ورُوي عن ابن عمر، وعَبيدة السَّلماني، وأبي عثمان النهدي، والشَّعبي، وثابت بن الحجَّاج، وإبراهيم النَّخعي، وزيد بن أسلم، وغيرهم، انظر «تفسير ابن أبي حاتم» (٣/ ٩٦١).\n(^٣) «التمهيد» لابن عبد البر (١٩/ ٢٧٣).\n(^٤) «شرح النووي على مسلم» (٤/ ٦٢).\n(^٥) «التمهيد» لابن عبد البر (١٩/ ٢٧١).","vol":"1","page":185},{"text":"وأمَّا عن المثال الثَّاني الَّذي يُورده (النَّجمي) لتعمُّد البخاريِّ حذف ما يُشعر بذمِّ عمر ﵁:\nفإنَّ الَّذي دَعَا البخاريَّ إلى اختصارِ حديثِ: «ضَرَب ﷺ في الخمرِ بالجريدِ والنِّعالِ، وجَلَد أبو بكر أربعين» (^١)، هو عَينُ ما قدَّمنا به جوابَ المثالِ الأوَّل: أي رغبته في الاقتصارِ على المَرفوع منه، فإنَّه مَوضوعُ كتابِه، دون الحاجةِ إلى ما هو مَوقوفٌ مِن اجتهادِ عمر.\nوعمر ﵁ لم يكُ جاهلًا بسُنَّةِ رسولِه ﷺ في حَدِّ الخمرِ، فإنَّه قد جلَدَ أيضًا صدرًا مِن خلافتِه أربعينَ جلدةً، كما رواه البخاريُّ نفسُه في صحيحه (^٢)!\nغير أنَّ النَّاس لمَّا كثروا في دولتِه، وقرُبوا مِن القُرى، كَثُر فيهم شربُ الخمرِ، فلمَّا «جاءت الآثار مُتواترةً أنَّ رسول الله ﷺ لم يكُن يقصِدُ في حَدِّ الشَّاربِ إلى عددٍ مِن الضَّرب مَعلوم، حتَّى لقد بَيَّن في بعضِ ما رُوِي عنه نَفيُ ذلك، مثل ما رُوِيَ عن عليٍّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ ماتَ، ولم يَسُنَّ فيه حدًّا» (^٣): عُلِم أنَّها راجعةٌ إلى تقديرِ الإمامِ، فلذا ارتأى الفاروقُ مشورةَ أصحابِه ﵃ في الزِّيادةِ فيها عقوبةً وزجرًا لشارِبها.\nوأمَّا مثال (النَّجمي) الثَّالث على تعمُّد البخاريِّ حذف ما يُشعر بذمِّ عمر ﵁:\nفدحضُ حجَّةِ اتِّهامه للبخاريِّ بالاقتصارِ على لفظ: «نُهِينا عن التَّكلُّف» (^٤) دون تمامه الَّذي فيه جهل عمر ﵁ بمعنى الأبِّ: يظهرُ في نفسِ ما قدَّمنا به\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: الحدود، باب: ما جاء في ضرب شارب الخمر، برقم: ٦٧٧٣).\n(^٢) كما جاء في حديث السائب بن يزيد في البخاري (ك: الحدود، باب: الضرب بالجريد والنعال، برقم: ٦٣٩٧).\n(^٣) «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٣/ ١٥٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلُّف ما لا يعنيه، برقم: ٧٢٩٣).","vol":"1","page":186},{"text":"جوابَ سابِقَيه: أي أنَّ البخاريَّ قد اقتصَرَ كعادته على ما هو مَرفوعٌ مِن الحديث؛ وابن حَجرٍ سبق أن بَيَّن هذا في شرحه (^١)، ولكنَّ المُعترِضَ يتَعامى.\nثمَّ إنَّ البخاريَّ قد حَذَف مِن هذا الحديثِ ما لا تَعلُّق له بترجمة بابِه، فإنَّ الباب لِما يُفيدُ النَّهيَ عن التَّكلُّفِ، وفي قولةِ عمر ﵁ ما يُفيد النَّهي عن تكلُّف جوابِ ما لا يَعلَمُه الإنسانُ ولا يَلزَمُه، وهذا حقُّه بحسبِ منهجِه في تصنيفِ كتابِه.\nأمَّا دعوى بعض الإماميَّةِ منعَ الفاروقِ للاستفسارِ عن غريبٍ القرآن:\nفما أبعدَه أن يكون قَصَدَه هو تحديدًا ﵁، فهو الَّذي كان يُسأل عن الآيةِ فيُجيب (^٢)، بل يُبادر إلى سؤال جُلسائِه عن آياتٍ مِن كتاب الله تعالى مِن بابِ المدارسةِ والاختبار (^٣).\nوليس في مَقولِ عمر ﵁ ما يُشبه النَّهيَ عن تَتبُّعِ معاني القرآن أو البحثِ عن مُشكلاتِه، ولكنَّ عمر وسائر الصَّحابة معه -كما قالَ الزَّمخشريُّ- «كانت أكبرُ هِمَّتهم عاكفةً على العمل، وكان التَّشاغل بشيءٍ مِن العلم لا يُعمَل به تَكلُّفًا عندهم؛ فأرادَ ﵁ أنَّ الآيةَ مَسوقةٌ في الامتنانِ على الإنسانِ بمَطعمه واستدعاءِ شُكرِه، وقد عَلِم مِن فحوى الآيةِ أنَّ الأبَّ بعضُ ما أنبَتَه الله للإنسانِ، متَاعًا له أو لإنعامه.\nفعليكَ بما هو أهمُّ مِن النُّهوضِ بالشُّكرِ لله -على ما تَبيَّن لك ولم يُشكل- مِمَّا عَدَّد مِن نِعَمِه، ولا تَتَشاغل عنه بطلبِ معنى الأبِّ، ومَعرفةِ النَّباتِ الخاصِّ الَّذي هو اسمٌ له، واكْتفِ بالمعرفةِ الجُمليَّة، إلى أن يَتبيَّن لك في غيِر هذا\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١٣/ ٢٧٢).\n(^٢) من ذلك سؤاله عن قوله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، كما في البخاري (ك: النكاح، باب: موعظة الرجل ابنته لحال زوجها، برقم: ٥١٩١)، ومسلم (ك: الطلاق، باب: باب في الإيلاء، واعتزال النساء، وتخييرهن وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾، برقم: ١٤٧٩).\n(^٣) كما في قصة سؤاله لهم عن قولهم في آيات سورة النصر، عند البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، برقم: ٤٩٧٠).","vol":"1","page":187},{"text":"الوقت؛ ثمَّ وَصَّى النَّاسَ بأن يُجرُوا على هذا السَّنن، فيما أشبه ذلك مِن مشكلات القرآن» (^١).\nوالَّذي يظهر من سَببِ جهلِ الفاروق ﵁ بحقيقةِ ما يَقع عليه اسمُ الأبِّ مِن أنواعِ العُشب، مع كونِه مِن خُلَّص العَرب، أحدُ سَبَبيْن كما يقول الطاهر بن عاشور:\n«إمَّا لأنَّ هذا اللَّفظ كان قد تُنوسيَ مِن استعمالهم، فأحياه القرآن لرعايةِ الفاصلة، فإنَّ الكلمةَ قد تشتهر في بعضِ القبائلِ، أو في بعضِ الأزمان، وتُنسَى في بعضِها، مثل اسمِ السِّكين عند الأوْسِ والخزرج، فقد قال أنس بن مالك: «ما كُنَّا نقول إلَّا المُديَة، حتَّى سمعتُ قولَ رسولِ الله ﷺ يذكًر أنَّ سليمان ﵇ قال: (اِيتوني بالسِّكِين، أقسِّم الطِّفل بينهما نصفين)!\nوإمَّا لأنَّ كلمةَ (الأبِّ) تُطلَق على أشياء كثيرةٍ، منها النَّبت الَّذي ترعاه الأنعام، ومنها التِّبن، ومنها يابسُ الفاكهة، فكانَ إمساكُ عمرَ عن بيانِ معناه، لعدمِ الجزمِ بما أراد الله منه على التَّعيِين، وهل الأبُّ ممَّا يَرجع إلى قوله: ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ﴾، أو إلى قوله: ﴿وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ في جمعِ ما قُسِّم قبله ..» (^٢).\nوبهذه الأجوبة المُتظافرة على ما أورده (صادق النَّجميُّ) من أمثلة، ظهر لكلِّ مُنصفٍ أنَّ البخاريَّ بَريءٌ مِن تُهمةِ التَّحيُّزِ الطَّائفيِّ في تقطيعِه لمتون الأحاديثِ واختصارِها، بل هو في ذلك مُتجرِّد لموضوعِ كتابِه، والاستدلالِ لكلِّ بابٍ من أبوابِه بما يُناسبه من المتون.\nالأمر الَّذي أقرَّ به أحدُ الباحثِينَ من الإماميَّة أنفسِهم، ناقمًا على (النَّجمي) وصمَه لصَنيعِ البخاريِّ في تلك الأمثلة بعدم المَوضوعيَّة، واستضعفَها مِنه في مَقامِ المُحاجَجةِ لأهل السُّنة، قائلًا بعد نقلِه إحدى ما سلف من أمثلةِ (النَّجميِّ):\n«هذا الشَّاهد جَيِّد لو أنَّنا دَرَسنا تجربةَ البخاريِّ، ولم نجِد سِوى هذه الشَّواهد وأمثالها هنا، ففي هذه الحال نَعرف التَّحيُّزَ والعصبيَّة؛ لكنَّ ظاهرةَ\n_________\n(^١) «الكشَّاف» للزمخشري (٤/ ٧٠٥).\n(^٢) «التَّحرير والتنوير» لابن عاشور (٣٠/ ١٣٣).","vol":"1","page":188},{"text":"التَّقطيعِ عند البخاريِّ ظاهرةٌ عامَّة في مُجمل رواياتِه، لا تختصُّ بهذه المَوضوعات والمِلفَّات، تمامًا مثل ظاهرة التَّقطيع الَّتي غَلَبت على كتابِ «تفصيلِ وسائلِ الشِّيعة» للحرِّ العاملي!\nيُضاف إلى هذا كلِّه، أنَّ مُجرَّد العثورِ على بضعةِ مَوارد قليلةٍ .. لا يُثبت تُهمةً بهذا الحجم! لاسِيما وأنَّنا نعرفُ أنَّ هناكَ الكثيرَ مِن الرِّواياتِ -حتَّى في المَصادرِ الشِّيعيَّة! - يأتي مَقطعٌ منها في كتاب، وأكثر مِن ذلك في كتابٍ آخر، كلٌّ حسَبَ ما وَصَله، أو حسبَ طريقتِه» (^١).\n_________\n(^١) «مَوقف الإماميَّة مِن الصَّحيحين» لحيدر حب الله (ص/٥٤).","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المَطلب الخامس\nدفع دعوى تحايُدِ البخاريِّ عن الرواية عن أهل البيت</span>\nليس مسلم بن الحجَّاج عند الإماميَّة مِمَّن يُقرَن بالبخاريِّ في هذه الدَّعوى، فإنَّهم يجدونَه يروي في «صحيحِه المُسند» عن جعفر الصَّادق سبعةَ عشر حديثًا (^١)، ولا يجدون عن جعفر ولا روايةً واحدةً عند البخاريِّ في «صحيحِه».\nواعتقادُ الإماميَّةِ لوجودِ عَداوةٍ بين البخاريِّ ورُواةِ أهل البيتِ: أمرٌ مُتخيَّل في أذهانِهم، ليس له في الخارج حقيقةٌ، وقد قدَّمنا قبلُ اعتزازَ البخاريِّ بأصولِ أهلِ البيتِ العُتَّقِ، وروايةِ مَناقبِهم في أكثرِ مِن بابٍ، ولذا رَوى من أحاديثِهم الكثيرَ في «جامِعه الصَّحيح».\nولقد بلغَ مجموعُ مَن رَوى عنهم البخاريُّ وحدَه مِن أهل البيتِ أو مَواليهم في «صحيحِه» وباقي كُتبِه: اثنين وخمسينَ راويًا (^٢)، يَكفي أن نعلمَ أنَّ مَرويَّاتِ عليٍّ ﵇ وحده في «صحيحِه» أكثرُ مِن مَرويَّاتِ باقي الخُلفاء الرَّاشدين مُجتمعةً! حيث أورد له البخاريُّ ثمانيةً وتسعين حديثًا بالمُكَرَّر، وأصلُها أربعةً وثلاثين حديثًا بلا مُكرَّر؛ كما أنَّ مسلمًا أخرجَ له في «صحيحِه» ثمانيةً وثلاثين حديثًا.\n_________\n(^١) انظر «مرويات الإمام جعفر الصادق في الكتب التسعة» لياسر بطيخ (ص/٥٩).\n(^٢) انظر في ذلك «مؤتمر أعلام الإسلام - البخاريُّ نموذجًا» (ص/٥٧ - ٧٢).","vol":"1","page":190},{"text":"كما روى البخاريُّ للحُسين بن عليٍّ ﵁ حديثين عن أبيه (^١)، ومُسلمٍ روى من هذا أربعة أحاديث (^٢).\nومِن عظيمِ إجلالِ أئمَّة الحديثِ لهؤلاءِ الرُّواةِ من أهل البيتِ بهذا الإسناد، أن جعلَ بعضُهم سندَ: الزُّهريِّ، عن علي بن الحُسين، عن الحُسين ﵁، عن عليٍّ ﵇: أصحَّ الأسانيد الذَّهبيَّة عند أهل السُّنة (^٣).\nفكيف يُقال بعد هذا أنَّ البخاريَّ مُعادٍ لرُواةِ أهل البيت؟!\nواتِّهام الإماميَّةِ البخاريَّ بالطَّعنِ في جعفرٍ الصَّادقِ ﵁ لتركِه حديثَه:\nفمَحضُ افتراءٍ عليه، إذ كان البخاريُّ أتقى لله وأعقلَ مِن أن يتَّخِذ مِثلَ هذا الإمام الشَّريفِ خصمًا له بين يدي ربِّه تعالى، وتَتَبيَّن براءتُه مِن الطَّعنِ فيه مِن وَجهين:\nالأوَّل: أنَّ مُجرَّد خلوِّ أسانيدِ البخاريِّ في «الصَّحيح» مِن أحدِ الرُّواةِ لا يعني طعنًا منه فيه البتَّة، فإنَّه لم يَشترِط أصلًا استيعابَ جميعِ الثِّقاتِ في كتابِه، وقد تَركَ البخاريُّ الرِّواية عن عددٍ مِمَّن يُحسَب مِن أكابِر الثِّقاتِ.\nفإنَّك لن ترى في كتابِه روايةً مُسنَدةً عن سُهيل بن أبي صالح (ت ١٤٠ هـ) (^٤)، ولا عن حمَّاد بن سَلَمة (ت ١٦٧ هـ) (^٥)، ولا عن محمَّد بن رُمح (ت ٢٤٢ هـ) (^٦)، ولا عن أبي داود الطَّيالِسي (ت ٢٠٤ هـ)، بل ولا عن الشَّافعيِّ مع جَلالتِه!\nوهذا أحمد بن حنبل وهو إمام الحديثِ وشيخُه، لم يذكره البخاري في كتابِه إلَّا مرَّتين، لم يُسند عنه فيهما إلَّا حديثًا واحدًا (^٧).\n_________\n(^١) في (ك: الجمعة، رقم: ١١٢٧)، وفي (ك: فرض الخُمس، رقم: ٣٠٩١).\n(^٢) انظر «تحفة الأشراف» (٧/ ٣٦١).\n(^٣) انظر «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص/٥٣)، و«مقدمة ابن الصَّلاح» (ص/١٦).\n(^٤) «سؤالات السُّلمي للدراقطني» (ص/١٨٣).\n(^٥) «تهذيب التهذيب» (٣/ ١٣).\n(^٦) «سير النُّبلاء» (١١/ ٤٩٩).\n(^٧) في (ك: المغازي، باب: كم غزا النبي ﷺ، رقم: ٤٤٧٣)، وفي (ك: النكاح، باب ما يحل من النساء وما يحرم، رقم: ٥١٠٥).","vol":"1","page":191},{"text":"وفي تقرير هذا الوجه من الرَّد، يقول أبو عبد الله الحاكم: «إنَّ كتابَيهما -يعني الصَّحيحين- لا يشتمِلان على كلِّ ما يَصِحُّ من الحديثِ، وإنَّهما لم يحكُما أنَّ مَن لم يُخرِجاه في كتابَيهما مجروحٌ أو غير صِدقٍ» (^١).\nوانظر بعدُ إلى عقلِ الخطيب البغداديِّ، وليُقتدى بإنصافِه -مع ما اشَتَهر عنه مِن القوَّةِ في الردِّ- لم يَستفزَّه ترك البخاريِّ روايةَ إمامِه الشَّافعيِّ في «صحيحه»، فلم يَبنِ قِبابًا مِن الأوهامِ -كما تفعل الإماميَّة- فيَصيح مِن أعلاها مُشنِّعًا: ويْلَك يا بُخاري، قد أزريتَ بنفسك!\nبل بيَّن الخطيب بكلِّ مَوضوعيَّة وهدوء، أنَّ البخاريَّ لم يختر ترك الرِّواية عن إمامِه الشَّافعيِّ وأضرابِه مِمَّن تَقدَّم ذكرُهم لمعنى يُوجِب ضعفَهم عنده؛ ولكن -كما قال الخطيب- قد يفعلُه البخاريُّ استغناءً بما هو أعلى منهم، فيَروِي عَمَّن هو أكبرُ منهم سِنًّا وأقدمُ سَماعًا؛ ثمَّ ضَرَبَ أمثلةً مِن أقرانٍ للشَّافعي وشيوخٍ له أدركَهم، روَى عنهم البخاريُّ دونَه (^٢)؛ والشَّافعي ماتَ مُكتَهِلًا، فلا يَرويه البخاريُّ نازِلًا؛ وإن كان قد رَوَى هو عن الحسين وأبي ثورٍ مسائلَ عن الشَّافعي (^٣).\nالثَّاني: أنَّ جعفرًا على فرضِ أنَّ البخاريَّ يَراه ناقصًا عن مَرْتَبة الضَّابط في الصَّحيح، فإنَّه لم يَشُذَّ بذلك عن اتِّفاق أهل هذا الفنِّ حتَّى يُشَنَّع عليه! فإنَّ مِن بعضِ النُّقاد مَن تكَلَّم في حديثِه أيضًا، كشيخِه أحمد بن حنبل، حيث قال: «جعفر بن محمَّد، ضعيفُ الحديث مُضطربٌ» (^٤).\nوحين سُئِل يحيى بن سعيد القطَّان عنه قال: «في نفسي منه شيءٌ، قيل: فمُجالِد؟ قال: مُجالِدٌ أحبُّ إليَّ منه» (^٥).\n_________\n(^١) «المدخل إلى الصحيح» للحاكم (ص/١١٢).\n(^٢) «الاحتجاج بالشَّافعي» للخطيب (ص/٣٨ - ٣٩).\n(^٣) «طبقات الشَّافعية الكبرى» للسُّبكي (٢/ ٢١٥).\n(^٤) «العلل ومعرفة الرجال» رواية المروذي (ص/٢٠١).\n(^٥) «تهذيب الكمال» (٥/ ٧٦).\nنعم؛ يحيى بن سعيد مُتعَقَّبٌ في هذا الرَّأي، فقد قال الذَّهبي في «أعلام النبلاء» (٦/ ٢٥٦): «هذه مِن زَلقاتِ يحيى القطَّان، بل أجمعَ أئِمَّة هذا الشَّأن على أنَّ جعفرًا أوثقُ مِن مُجالدٍ، ولم يَلتفِتوا إلى قول يحيى».","vol":"1","page":192},{"text":"وإن كان أكثرُ النُّقادِ على تَوثيقِ جعفرٍ (^١).\nفلعلَّ من أعدلِ الأقوالِ فيه ما حَرَّره الذَّهبي بقولِه: «جعفرٌ ثقةٌ صدوقٌ، ما هو في الثَّبَتِ كشُعبة، وهو أوثقُ مِن سهيل وابنِ إسحاق، وهو في وَزنِ ابنِ أبي ذئبٍ ونحوه، وغالبُ رواياتِه عن أبيه مَراسيل، وقد حدَّث عنه الأئمَّة، وهو مِن ثقاتِ النَّاس كما قال ابنُ مَعين» (^٢).\nأقول: بصَرفِ النَّظرِ عن أيِّ الأقوالِ أصدقُ حُكمًا على حديثِ جعفرِ بن محمَّد ﵁، فإنَّ البخاريَّ قد اجتهَدَ اجتهادًا صرفًا مِن حيث الصَّنعة النَّقديَّة لمَرويَّاتِ الرَّجل، فكان ماذا؟!\nوالبخاريُّ لا تَشوبُه في اجتهاده شائبةُ هوًى طائفيٍّ البتَّة، فإنَّه وإن ترَك الرِّوايةَ عنه في «صحيحِه الجامع»، فلِمعنًى في حديثِه نفسِه لا غير، وهذا لا يستلزم بحالٍ تَنقُّصًا من قدْرِ جعفرٍ، ولا مِن دينِه وعلمِه؛ حاشَاه!\nفإنَّ البخاريَّ لو كان طاعنًا في هذا الإمامِ الشَّريفِ تَعصُّبًا كما تبهتُه به الإماميَّة، لَما رَوى عنه في كتابِه الآخر «الأدب المُفرد» حديثين عن المصطفى ﷺ (^٣)!\nبل لَما جَعَلَه حُجَّةً له في موضوعِ كتابِه «خلق أفعال العِباد»، حيث استدَلَّ بقولِه ﵁ أنَّ «القرآن كلام الله، وليس بمَخلوقٍ» (^٤)!\nثمَّ إنَّ البخاريَّ وإن لم يُخرِج هو عن جعفرٍ الصَّادق، فقد خَرَّج لعليٍّ زين العابدين (ت ٩٣ هـ) (^٥)، وللباقر محمد بن عليِّ (ت ١١٤ هـ) (^٦)، وأخرج لمحمد بن\n_________\n(^١) انظر بعض أقوالهم في «تهذيب الكمال» (٥/ ٧٦) فما بعد.\n(^٢) «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٢٥٧).\n(^٣) في (باب: إِذا ضَرب الرَّجل فَخِذَ أَخِيه ولَم يرد به سوءا، رقم: ٩٥٩، ٩٦٢).\n(^٤) «خلق أفعال العباد» (٢/ ١٦، رقم: ١٧).\n(^٥) «الهداية والإرشاد» (٢/ ٥٢٧).\n(^٦) «تهذيب الكمال» (٣٣/ ١٩٢).","vol":"1","page":193},{"text":"عمرو بن الحسن بن علي (ت ٩١ - ١٠٠ هـ) (^١)، في آخرين مِمَّن قدَّمنا ذكرهم من أئمَّةِ آل البيت ﵃.\nإنَّما آفةُ الإماميَّةِ وسرُّ شَغبِهم بجعفر على البخاريِّ، أنَّهم يَرون جعفرًا إمامًا مَعصومًا! بوصلةُ مَذهبهم في الفقه، لا يأتيه الباطلُ مِن بين يَدَيه ولا مِن خلفِه، أشبهَ ما يكون بالنَّبي! وهم يُريدون أن يُلزِموا سائرَ عُقلاء الأمَّة بهذا التَّخريفِ والجنون!\nوغيرُ البخاريِّ من أئمَّةِ للحديثِ قد خَرَّجوا حديثَ جعفرٍ واحتَجُّوا به، كمسلمٍ وأصحابِ السُّنَنِ الأربعةِ؛ فهل نَفَعَهم هذا للسَّلامةِ مِن رَميِ الإماميَّةِ لهم بالنَّصبِ؟!\nكلَّا؛ لنعلمَ أنَّ عيبَهم على البخاريِّ في هذه المسألةِ مُجرَّد هوىً أزَّته الخصومة لا غير.\n_________\n(^١) «الهداية والإرشاد» (٢/ ٦٧٠).","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المَطلب السَّادس\nدفعُ تُهمةِ النَّصبِ عن البخاريِّ لإخراجِه عن رُواةِ النَّواصِب</span>\nقبل الخوض في نقدِ دعاوي الإماميَّةِ على البخاريِّ إخراجَه عن بعض النَّواصب، لا بدَّ من معرفة أنَّ هذه المسألةَ فرعٌ عن حكمِ روايةِ المُبتدِع، ومَذهبُ البخاريِّ فيها:\nأنَّ الرَّاوي المُتأوِّلَ في بدعتِه، إذا كان مُسلمًا صادقَ اللَّهجة، مُتَجافيًا عن الكذبِ، ضابطًا للرِّواية: فإنَّ الأصلَ في مثلِ خبره أن يُقبَل (^١)، سواءٌ أكان قَدريًّا، أو خارجيًّا، أو ناصبيًّا، أو شيعيًّا .. إلخ، فإنَّ لَنا صِدقُه، وعليهم بِدعتُه؛ إلَّا أن تكون بدعةً مُغلَّظةً، كبدعةِ التَّجهُّمِ مَثلًا، أو يُعلَم صاحبُها مُغاليًا في هَواه، مُفرِطًا فيه، فحديثُه بذا مَظِنَّة لوقوع الخَلل؛ ومثله قد يتَجافاه البخاريُّ، وهو ما عناه ابن الأخرم (ت ٣٠١ هـ) (^٢) حين سُئِل: «لمَ ترَك البخاريُّ حديثَ أبي الطُّفيل؟ فقال: لأنَّه كان يُفرِطُ في التَّشيُّع» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٩٠).\n(^٢) محمد بن يعقوب بن يوسف الشَّيْبَاني النيسابورىّ أبو عبد الله، المعروف بابن الأخرم: حافظ، كان صدر أهل الحديث بنيسابور في عصره، ولم يرحل منها، له «مستخرج على الصَّحيحين»، و«مسند» كبير، انظر «سير النبلاء» (١٥/ ٤٦٦).\n(^٣) «شرح علل الترمذي» (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":195},{"text":"أمَّا متى جمع الرَّاوي الغِلَظ والدَّعوة إلى بدعتِه، «تُجنِّب الأخذ عنه؛ ومتى جمع الخِفَّة والكَفَّ، أخذوا عنه وقبلوه، فالغلظ كـ: غُلاة الخوارج، والجهميَّة، والرَّافضة، والخِفَّة كـ: التَّشيُّع، والإرجاء؛ وأمَّا مَن استحلَّ الكذب نصرًا لرأيِه، كالخطابيَّة، فبالأَوْلى ردُّ حديثه» (^١)، كما قرَّره الذَّهبي.\nعلى هذا نهجُ كثيرٍ مِن نُقَّادِ الحديث في روايتِهم عن أهل البِدع، يَرونَ المَدار في قبول رواية المُبتدع على ضبطِه وصِدقِه، كما ذهب إليه أبو حنيفة، والشَّافعي، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعلي بن المَديني، وهو المَشهور بقوله: «لو تركتُ أهل البصرة للقَدَر، وتركتُ أهلَ الكوفة للتَّشيع، لخربَت الكُتب» (^٢).\nوقال الجوزجانيُّ: «كان قومٌ يتَكلَّمون في القَدَر، منهم مَن يَزِن ويُتوهَّم عليه، احتملَ النَّاسُ حديثَهم، لمِا عرفوا مِن اجتهادِهم في الدِّين، وصدقِ ألسنتِهم، وأمانتِهم في الحديث، لم يُتوهَّم عليهم الكذب، وإنْ بُلوا بسوءِ رأيِهم» (^٣).\nوهذا عينُ ما توصَّل إليه الخطيب البغداديُّ بعد استقراءِ مُصنَّفاتِ الأئمَّة ونقداتهم للرُّواة، حيث أفادَ كلامًا فصلًا مُفيدًا في هذا الباب، يقول فيه:\n«الَّذي نعتمدُ عليه في تجويزِ الاحتجاجِ بأخبارِهم -يعني أهلَ البدع- ما اشتهرَ مِن قَبولِ الصحابة أخبارِ الخوارجِ وشهاداتِهم، ومَن جرى مجَراهم مِن الفُسَّاق بالتَّأويل، ثمَّ استمرار عملِ التَّابعين والخالفين بعدهم على ذلك، لما رأوا مِن تحرِّيهم الصِّدقَ، وتعظيمِهم الكذب، وحفظِهم أنفسَهم عن المحظوراتِ مِن الأفعال، وإنكارِهم على أهلِ الرِّيَب والطرائق المذمومة، ورواياتِهم الأحاديث الَّتي تخالف آراءَهم، ويتعلَّق بها مُخالفوهم في الاحتجاجِ عليهم.\n_________\n(^١) «الموقظة» للذهبي (ص/٨٥).\n(^٢) «شرح علل الترمذي» (١/ ٣٥٦).\n(^٣) «أحوال الرجال» (ص/٣١٠).","vol":"1","page":196},{"text":"فاحتجُّوا بروايةِ عمران بن حطَّان، وهو مِن الخوارج، وعمرو بن دينار، وكان ممَّن يذهب إلى القَدر والتَّشيُّع، وكان عكرمة إباضيًّا، وابن أبي نجيح، وكان مُعتزليا، وعبد الوارث بن سعيد، وشبل بن عبَّاد، وسيف بن سليمان، وهشام الدُّستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وسلام بن مسكين، وكانوا قدريَّة، وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مُرَّة، ومسعر بن كدام، وكانوا مرجئة، وعبيد الله بن موسى، وخالد بن مخلد، وعبد الرَّزاق بن همَّام، وكانوا يذهبون إلى التَّشيع، في خلقٍ كثير يتَّسع ذكرُهم، دوَّنَ أهلُ العلم قديمًا وحديثًا رواياتِهم، واحتجُّوا بأخبارِهم، فصارَ ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبرُ الحُجَج في هذا الباب، وبه يَقوى الظَّن في مُقاربةِ الصَّواب» (^١).\nفعلى تمام هذا النَّهج في تقيِيم روايات المُبتدعة جَرى عملُ البخاريِّ ومسلمٍ في كتابيهما، أي أنَّ المُعتَبَر في عدالةِ الرَّاوي هو كونُه بحيث لا يُظَنُّ به الاجتراءُ على الافتراءِ على النَّبي ﷺ (^٢).\nوقد أبان الحاكم عن هذا المَوقف مِن الشَّيْخين مِن تصرُّفهما في كتابيهما بقوله: «رواياتُ المُبتدعة وأصحاب الأهواء، رواياتُهم عند أكثر أهلِ الحديث مَقبولة، إذا كانوا فيها صادقين، فقد حدَّث محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ في «الجامع الصحيح» عن عبَّاد بن يعقوب الرَّواجني، .. واحتج أيضَّا بمحمَّد بن زياد الألهاني، وحريز بن عثمان الرَّحبي، وهما ممَّا اشتَهر عنهما النَّصب، واتَّفق البخاريُّ ومسلم على الاحتجاجِ بأبي معاوية محمد بن خازم، وعبيد الله بن موسى، وقد اشتهر عنهما الغلوُّ» (^٣).\n_________\n(^١) «الكفاية في علم الرواية» (ص/١٢٥).\n(^٢) «توجيه النَّظر» لطاهر الجزائري (١/ ٩٥).\n(^٣) «المدخل إلى كتاب الإكليل» للحاكم (ص/٤٩).\nفأمَّا الألهانيُّ وحَريز مِمَّن ذَكرهم الحاكم: فسيأتي بيانُ سلامتِهما مِن النَّصب؛ وأمَّا أبو معاوية وعبيد الله بن موسى، فالأوَّل وإن كان مُرجئًا، والثَّاني مُتشيِّعًا، فلم يكونا على هوى ذلك في الأخبار، بل كانا ثِقتين.","vol":"1","page":197},{"text":"نقول هذا تأصيلًا لمنهجِ الشَّيخينِ في هذه المسألةِ على وجه العموم.\nأمَّا عن الرُّواة الَّذين أخرج لهم الشَّيخان مِمَّن رُميَ بالنَّصب على وجه التَّفصيل:\nفقد بلغوا في مجموعِهم ثمانية عشرَ راويًا، اتَّفق الشَّيخانِ على سبعة منهم، وانفردَ البخاريُّ بسبعةٍ، وانفردَ مسلمٍ بأربعةٍ.\nوها هنا أمرٌ ينبغي التَّفطُّن له: وهو أنَّ علماء الجرح والتَّعديل عَدُّوا في مُصنَّفاتهم كثيرًا مِمَّن رُمِيَ ببدعة، وسَنَدهم في ذلك ما كان يُقال عن أحدٍ مِن أولئك أنَّه شيعيٌّ، أو خارجيٌّ، أو ناصبيٌّ، أو غير ذلك، مع أنَّ القول عنهم بما ذُكِر قد يكون مُجرَّد تَقوُّلٍ وافتراء (^١).\nفلأجل ذلك، اِرتأينا سردَ أسماء كلِّ مَن رُمي بالنَّصب من رُواة «الصَّحيحين» مع استيضاحِ حالِهم، كي نتبيَّن صدقَ هذه التُّهم أوَّلًا، ونعلَم وجهَ إخراجِ الشَّيخان لِمن ثبت فيه شيءٌ من ذلك، فنقول:\nينقسم الرُّواة المُتَّهمون بالنَّصبِ في «الصَّحيحين» أو أحدِهما إلى ثلاثةِ أقسام:\nقسمٌ لم تثبُت عليه هذه التُّهمة.\nوقسمٌ ثابتَة عنه لكن تابوا منها.\nوقسمٌ لم يثبُت رجوعهم عنها؛ وإليك تفصيل كل قسم في الآتي:\nالقسم الأوَّل: مَن لم تثبُت عليه تُهمة النَّصب من رُواة أحاديث «الصَّحيحين»:\n١ - قيس بن أبي حازم (ت ٩٧ هـ): روى له الشَّيخان، وقد رُمي قيسٌ بأنَّه «كان يحملُ على عليٍّ ﵁» (^٢)، وهذا غير صحيحٍ عنه، فهو مِن أفاضل التَّابعين، بل عُدَّ التَّابعي الوحيدَ الَّذي روى عن العشرة المُبشَّرين بالجنَّة! (^٣)\n_________\n(^١) «قواعد التحديث» للقاسمي (ص/١٩٥).\n(^٢) «ميزان الاعتدال» (٥/ ٤٧٦).\n(^٣) «مقدمة ابن الصلاح» (ص/٣٠٣).","vol":"1","page":198},{"text":"ومرَدُّ هذه التُّهمة إلى مُتشيِّعةِ الكوفة، حين خالَفهم في تقديمِ عثمان على عليٍّ ﵃وهو بَلديُّهم- عَدُّوه لذلك مُنحرفًا على عليٍّ ﵁! قاله يعقوب بن شيبة (ت ٢٦٢ هـ) (^١).\n٢ - أبو قلابة الجَرمي (ت ١٠٤ هـ): مِن كبار ثِقات التَّابعين، روى له الشَّيخان، ولم يثبُت عنه نصبٌ؛ أمَّا قولُ العِجليّ فيه: «كان يحمِل على عليٍّ ﵁، ولم يَروِ عنه شيئًا» (^٢) مَردود، فإنَّ أحدًا لم يذكُره بنصبٍ، بل رَوى أبو قلابة عن عليٍّ ﵁ مُرسلًا (^٣)، وهذا يُبيِّن مَزيدَ حرصِه على الرِّواية عنه ولَو بواسِطة، بل حَدَّث بخَبرٍ فيه منقبَةٌ لعليٍّ ﵁ في سُننِ ابن ماجه (^٤).\n٣ - ميمون بن مهران (ت ١١٧ هـ): لم يرمِه بالتَّحامل على عليٍّ إلَاّ العجليُّ، حيث قال: «كان يحملُ على عليٍّ ﵁» (^٥)، وهذا لا يصحُّ، وقد نفى عنه الذَّهبي هذه التُّهمة من العجليِّ بقولِه: «لم يثبُت عنه حملٌ، إنَّما كان يُفضِّل عثمانَ عليه، وهذا حقٌّ» (^٦).\nوقد روى له مسلم في «صحيحه».\n٤ - يزيد بن هارون (ت ١١٨ هـ): أحد أئمَّة السُّنة المشهورين، روى له الشَّيخان، لم يتَّهمه بالنَّصبِ إلَّا أحمد بن الصِّديق الغُماريُّ فيما أعلم، لما ورد عن يزيد أنَّه قيل له: «لِمَ تُحدِّث بفضائل عثمان، ولا تُحدِّث بفضائل عليٍّ؟ فقال: إنَّ أصحاب عثمان مأمونون على عليٍّ، وأصحاب عليٍّ ليسوا بالمأمونين على عثمان» (^٧).\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» (٤/ ١٩٩)، و«تهذيب التهذيب» (٨/ ٣٤٧).\n(^٢) «معرفة الثقات» للعجلي (٢/ ٣٠).\n(^٣) «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص/١١٠).\n(^٤) في (ك: فضائل الصحابة، باب: فضائل زيد بن ثابت، رقم: ١٥٤).\n(^٥) «الثقات» للعجلي (٢/ ٣٠٧).\n(^٦) «سير النبلاء» (٥/ ٧٦).\n(^٧) «تاريخ دمشق» (٣٩/ ٥٠٣)، و«طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (١/ ٢٩٢).","vol":"1","page":199},{"text":"فقال الغُماريُّ: «هذا غَرر (^١) النَّواصب! والواقع أنَّه بصريٌّ (^٢) ناصبيٌّ، لا تُوافقه نِحلتُه، ولا يُساعده طبعُه على إملاءِ فضائل عليٍّ ﵇» (^٣).\nوهذا مِن تحامُلات الغُماريِّ على بعض أئمَّة السُّنة لنزغة التشيُّع الَّتي ابتُلي بها، وقد أوَّل كلامَه -إن كان مُجمَلًا- على عجلةٍ مِن غير بيِّنةٍ، وهو بهذه التُّهمة موغِلٌ في الشُّذوذ عن جماعة العلماء، فإنَّ أحدًا مِن نُقَّادِهم لم يَرمِه بمثلِ هذا المنكر، وليس مثلُ يزيدٍ في إمامتِه مِمَّن يخفى أمرُه أو يلتبس؛ وقد صحَّ عنه تحريجُه السَّماعَ عمَّن ينتقِصُ مِن عَليٍّ ﵁ (^٤).\nوأمَّا الجواب عمَّا ورد في كلام يزيد بن هارون نفسِه:\nفمُرادُه منه: أنَّ كثيرًا مِن المُتشيِّعة لم يكونوا يَتورَّعون عن اختلاقِ رواياتٍ في ذمِّ عثمان وثَلبِه، فكان يزيد بن هارون بحاجةٍ في مقابل ذلك إلى إظهار فضائلِه، ردًّا على أكاذيبهم؛ وهذا بخلافِ شيعة عثمان، فقد كانوا -في الجملةِ- أشدَّ وَرعًا مِن أن يكذبوا على عليٍّ ﵁ بافتراء خبرٍ يقدح فيه، ومِن ثَمَّ لم يكُن يزيد بحاجةٍ إلى الاستكثار من روايةِ فضائل عليٍّ، بل كان واجب وقتِه إبراز فضائل عثمان ﵃ (^٥).\n٥ - محمد بن زياد الألهانيُّ (ت ١٣١ وقيل ١٤٠ هـ): مِن أفاضل التَّابعين، لم يرمِه بالنَّصب إلَّا أبو عبد الله الحاكم، والظَّاهر سلامتُه من هذا، فإنَّ كافَّة مِن تَكلَّم عنه مِن الأئمَّة لم يُشيروا إلى ذلك باستثناءِ الحاكم (^٦)، وكان فيه شيءٌ من تَشيُّع، فلهذا عَقَّب عليه الذَّهبي بقولِه: «ما علمتُ هذا من محمَّدٍ» (^٧).\n_________\n(^١) مُراده: من تغريرِهم وخداعهم.\n(^٢) لم أجد من نسبه إلى البصرة إلَّا الغُماريُّ هنا!\n(^٣) «جؤنة العطَّار» (٣/ ١٢).\n(^٤) انظر مثالًا له في «تاريخ بغداد» (٨/ ٢٦٧)، و«تهذيب الكمال» (٥/ ٥٧٥).\n(^٥) «النَّصب والنَّواصب» (ص/٣٩٧).\n(^٦) انظر «تهذيب الكمال» (٢٥/ ٢١٩).\n(^٧) «ميزان الاعتدال» (٦/ ١٥٣).","vol":"1","page":200},{"text":"وقد روى له البخاريُّ في كتاب المزارعة (^١).\n٦ - زياد بن علاقة الثَّعلبي (ت ١٣٥ هـ): روى عنه الشَّيخان، وهو مِن ثقاتِ المُعمِّرينَ عند النُّقاد، لم يثبُت عنه نَصبٌ، وقد شَذَّ الأزديُّ باتِّهامِه به (^٢)، وكلامه مَردودٌ عند العلماء.\n٧ - المغيرة بن مقسم (ت ١٣٦ هـ): ثقة مُدلِّس، روى له الشَّيخان، وَصَفه العجليُّ بأنَّه كان يحمل على عليٍّ ﵁ بعض الحملِ (^٣)، وعامَّة العلماء لم يذكروا فيه ذلك، كما أنَّه خلاف الأصل فيه وهو كوفيٌّ (^٤).\n٨ - ثورِ بن يزيد الحمصيٍّ (ت ١٥٠ هـ): من ثقاتِ أتباعِ التَّابعين، لا تثبتُ عنه تُهمة النَّصب، وابن سعدٍ نقل عنه ما قد يُفهِم منه ذلك لكن بلا إسنادٍ (^٥)؛ وقد كان ثورٌ يَمتنِع عن الوقيعة في عليٍّ ﵁، مع أنَّه كان مِمَّن قتلَ جدَّه في صِفِّين (^٦).\nوقد روى البخاري عنه ثلاثة أحاديث، ولم يروِ له مسلم شيئًا.\n٩ - عبد الرَّحمن بن إبراهيم، المعروف بـ «دُحَيم» (ت ٢٤٥ هـ): ثقة مُتقن، لا أعلم أحدًا رماه بالنَّصب صراحةً إلَّا أنَّهم ذكروا عبارةً له مُحتمِلة (^٧)، وكذا مَا وقفت عليه من تراجم المُتقدِّمين له لم أجد فيها بذلك (^٨)، فالأظهر سلامتُه من النَّصب.\nوله في البخاريِّ ثلاثة أحاديث فقط، ولم يُخرج له مسلم شيئًا.\n_________\n(^١) «الهداية والإرشاد» (٢/ ٦٤٨).\n(^٢) «المَخزون» لأبي الفتح الأزدي (ص/١٣١).\n(^٣) «الثقات» للعجلي (٢/ ٢٩٣).\n(^٤) لذا لم يذكره الذَّهبي ولا ابن حجر بالنَّصب، وانظر «سير النبلاء» (٦/ ١٠)، و«تهذيب التهذيب» (١٠/ ٢٧٠).\n(^٥) «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٧/ ٤٦٧).\n(^٦) «تهذيب الكمال» (٤/ ٤٢٧).\n(^٧) انظر «تاريخ بغداد» (١٠/ ٢٦٥)، و«سير أعلام النبلاء» (١١/ ٥١٦).\n(^٨) انظر «تهذيب الكمال» (١٦/ ٤٩٥).","vol":"1","page":201},{"text":"القسم الثَّاني: مَن ثبت عليه النَّصب مِن رُواة أحاديث «الصَّحيحين»:\n١ - مُرَّة بن شراحيل الهمداني (ت ٧٦ هـ): وهو مِن رجال الشَّيخين (^١)، جاء عن عمرو بن مُرَّة قال (^٢): سمعتٌ مُرَّة ينتقصُ عليًّا ﵁، فقلتُ له: تقول هذا لرجلٍ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ قد سبق له خيرٌ؟! فقال: ما ذنبي إنْ كان خيرُه سبَقَني، وأدركني شرُّه!» (^٣).\nولم أقف على أحدٍ رماه بالنَّصبِ أو أشار إلي ذلك مِمَّن ترجمَ له، فإنْ صحَّ عنه أنَّه كان يحملُ على عليٍّ ﵁، فذاك مُستغرب منه على كوفِيَّتِه! فلعلَّه أمرٌ كان تَلبَّس به مُرَّة أوَّل أمرِه، ثمَّ لم يَطُل عليه حتَّى تركه، فلذا لم يُعرَف عنه.\n٢ - عبد الله بن شقيق العقيلي (ت ١٠٨ هـ): من ثقات التَّابعين، قال أحمد: «كان يحمل على عليٍّ ﵁» (^٤)، وقال الذَّهبي: «فيه نصب» (^٥)، وهكذا عامَّة العلماء على توثيقِه، على ما فيه من نَصبٍ، أدَّاه إليه تَعصُّبه لعثمان ﵁ (^٦).\nوقد روى له مسلم أحاديث، لكن لا علاقةَ لها برأيِه، ولم يروِ عنه البخاريِّ شيئًا.\n٣ - نعيم بن أبي هند (ت ١١٠ هـ): مِن ثقات التَّابعين، يقول الذَّهبي: «نُعيم لونٌ غريب، كوفيٌّ ناصبيٌّ!» (^٧).\nانفردَ مسلم بأن أخرج عنه أخبارًا لا علاقة لها برأيِه، أمَّا البخاريُّ فلم يخرج له إلَّا حديثًا واحدًا مُعلَّقًا.\n_________\n(^١) انظر «الهداية والإرشاد» للكلاباذي (٢/ ٧٣٢)، و«رجال مسلم» لابن منجويه (٢/ ٢٧٨).\n(^٢) عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق بن الحارث الجملى المرادى الكوفيُّ: ثقة عابد، كان لا يدلس، ورُمي بالإرجاء، انظر «التهذيب» لابن حجر (٨/ ١٠٣).\n(^٣) «المعرفة والتاريخ» للفسوي (٣/ ١٨٣).\n(^٤) «تهذيب الكمال» (١٥/ ٩١).\n(^٥) «ميزان الاعتدال» (٤/ ١٢٠).\n(^٦) انظر «تهذيب الكمال» (١٥/ ٩١).\n(^٧) «ميزان الاعتدال» (٧/ ٤٥).","vol":"1","page":202},{"text":"٤ - إسحاق بن سُويد البصريُّ (ت ١٣١ هـ): قال العجليُّ والصِّقليُّ: «كان يحمل على عليٍّ ﵁» (^١)، ويذكرون أبياتًا تُنسب إليه، فيها مَديحٌ للخلفاءِ الثَّلاثةِ دونه (^٢)؛ وكذا تُنسب إليه أبيات مُكمِّلة لها للأولى تمتدح عليٍّ ﵁ (^٣)، وكلُّها لا نَتيقَّن نِسبَتها إليه؛ وإن ثبتت هذه الأخيرة أبطلَت كُلَّ ما وُصِم به مِن النَّصب.\nومع ذلك، لم يروِ عنه البخاريُّ إلَّا حديثًا واحدًا مَقرونًا بخالد الحذَّاء (^٤).\nوروى عنه مسلم حديثين (^٥)، أحدهما مَقرونًا بخالدٍ أيضًا، والثَّاني في المُتابعات، ولا يضرُّهما الإخراج عن مثلِه على هذين السَّبيلين.\n٥ - خالد بن سَلمة المَخزوميُّ (ت ١٣٢ هـ): ثقة مِن صغار التَّابعين، نصَّ على انحرافِه عن عليٍّ ﵁ جريرُ بن عبد الحميد، وابن معين (^٦)، وفيه قال الذَّهبي: «هو مِن عجائبِ الزَّمان، كوفيٌّ ناصِبيٌّ! ويندُر أن تجدَ كوفيًّا إلَّا وهو يتَشيَّع» (^٧).\nروى عنه مسلم حديثًا واحدًا (^٨) لا علاقة له برأيِه.\n٦ - عبد الله بن سالم الوُحاظيُّ (ت ١٧٩ هـ): ثِقة صدوق في رِوايتِه (^٩)، يروي أبو داود عنه أنَّه قال: «عليٌّ أعان على قتلِ أبي بكرٍ وعمر!» (^١٠).\n_________\n(^١) «تهذيب التهذيب» (١/ ٢٠٦).\n(^٢) «تاريخ دمشق» (٣٩/ ٥٠٤).\n(^٣) ذكرها مُغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (٢/ ٩٤).\n(^٤) في (ك: الصيام، باب: شهرا عيد لا ينقصان، رقم: ١٩١٢).\n(^٥) في (ك: الصيام، باب بيان معنى قوله ﷺ «شهرا عيد لا ينقصان»، رقم: ١٠٨٩)، وفي (ك: الأشربة، باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين، رقم: ١٩٩٥).\n(^٦) انظر «الكامل» لابن عدي (٣/ ٤٤٢).\n(^٧) «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٣٧٤).\n(^٨) في (ك: الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها، رقم: ٣٧٣).\n(^٩) انظر «تهذيب الكمال» (١٤/ ٥٤٩).\n(^١٠) «تهذيب الكمال» (١٤/ ٥٥٠)، و«ميزان الاعتدال» (٢/ ٤٢٦).","vol":"1","page":203},{"text":"وهذه لا شكَّ مِن المَقالات الفاحشة المُزرية بالوحاظيِّ، لولا أنَّ سَندَ أبي داود فيه جهالةٌ في الواسطة! حيث قال: «حُدِّثتُ ..».\nثمَّ إنَّ أبا بكرٍ ﵁ معلوم بالتَّواتر أنَّه مات ميتةً عاديةً ولم يُقتَل! وعمر ﵁ إنَّما قتلَه أبو لؤلؤة المَجوسيُّ، ولم يُعِن على ذلك أحدٌ من الصَّحابة؛ هذا مِن القطعيَّات التَّاريخيَّة، فكيف لهذا الرَّاوي أن يكذب هذه الكذبة السَّاذجة المفضوحة؟!\nولذلك أستبعد صدروها منه، وهو الَّذي أثنى الأئمَّة على تحفُّظِه للحديث، وعلى رجاحةِ عقلِه ونُبلِه؛ وأبو داود نفسُه -الَّذي نقل تلك العبارة عنه- قد رَوى عنه في «سُنَنِه» ثلاثة أحاديث (^١)!\nنعم؛ لا يعني هذا أن تُنفى التُّهمة عنه بالمرَّة، وإن كان مَقبولَ النَّقلِ باتِّفاق، يستحقُّ قول الدَّارقطني فيه: «هو مِن الأثبات في الحديث، وهو سَيِّء المذهب، له قول في عليِّ بن أبي طالب ﵁، قيل: يَسُبُّ؟ قال: نعم» (^٢).\nفأمَّا مسلمٌ فلم يروِ عنه شيئًا.\nوأمَّا البخاريُّ، فلم يروِ عنه إلَّا حديثًا مُسندًا واحدًا (^٣): حديثَ أبي أمامة الباهلي ﵁، أنَّه حين رأى سِكَّةً وشيئًا مِن آلة الحرث، فقال: سمعتُ النَّبي ﷺ يقول: «لا يدخلُ هذا بيتَ قومٍ، إلَّا أدخله الله الذُّل»؛ وهذا خبرٌ -كما ترى- لا علاقة له ببدعةِ النَّصب.\n٧ - حصين بن نمير (ت ١٧١ - ١٨٠ هـ): ليس فيه إلَّا قول ابن أبي خيثمة: «أتيتُه، فإذا هو يحملُ على عليٍّ ﵁، فلم أعُد إليه» (^٤)، ولستُ أعلمُ أحدًا مِمَّن ترجم له رَماه به إلَّا ابن أبي خثيمة! والكُلُّ على تعديلِه.\n_________\n(^١) في (ك: الصلاة، جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها، رقم: ١١٦٢)، وفي (ك: الزكاة، باب: زكاة السائمة، رقم: ١٥٨٢)، وفي (ك: الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، رقم: ٤٢٤٢).\n(^٢) «العلل» للدارقطني (١٤/ ٢٨٩).\n(^٣) «تهذيب الكمال» (١٤/ ٥٥٠)، و«فتح الباري» لابن حجر (٥/ ٤).\n(^٤) «تهذيب التهذيب» (٢/ ٣٩٢).","vol":"1","page":204},{"text":"روى له البخاريُّ دون مسلم حديثين (^١).\nالقسم الثَّالث: مَن ثبَتَ عليه النَّصب أوَّلًا، ثمَّ تَرَكه بعدُ:\n١ - حَريز بن عثمان الرَّحبي (ت ٨٠ هـ): وهو أشهر مَن رُمِي بالنَّصبِ مِن رُواة البخاريِّ، وكان صَدَر عنه مِن ذلك بسبب حَنَقِه على عليٍّ ﵁ قتلَ آبائِه في صِفِّين، لكنَّه تابَ منه بأخرة كما حَكاه تلميذه أبو اليمان (^٢)، فلذا أخرجَ له البخاريُّ (^٣)، وهما حديثان عنده، كما قال ابن الأثير (^٤).\nوحريزٍ هذا فيه قال حمدون ابن الحاجِّ الفاسيُّ (ت ١٢٣٢ هـ) (^٥) في نظمِه لـ «هُدى السَّاري» تحت باب مَن رُمي بالنَّصب من الرُّواة:\nومنهم حَريزُ بن عثمانَ كان لا *** محالةَ، ثمَّ تابَ والله أرحمُ (^٦)\n٢ - عمران بن حطَّان (ت ٨٤ هـ): وهذا أكثر ما يؤاخَذ البخاريُّ على تخريجه عنه، إذ كان رأسًا في الصُّفريَّة القَعَدِيَّة (^٧) وخطيبَ الخوارج، قد وَثَّقَه غيرُ واحد، حتَّى قال أبو داود: «ليس في أهلِ الأهواءِ أصَحُّ حديثًا مِن الخوارج ..»، وذكَرَ منهم عمران بن حطَّان (^٨).\nفأمَّا مسلمٌ: فلم يروِ عن عمرانَ شيئًا.\n_________\n(^١) «الهداية والإرشاد» للكلاباذي (١/ ٢٠٦).\n(^٢) «التاريخ الكبير» للبخاري (٣/ ١٠٣)، و«الكامل» لابن عدي (٤/ ٢١٢).\n(^٣) «تهذيب التهذيب» لابن حجر (٢/ ٢٠٩).\n(^٤) «جامع الأصول» (١٢/ ٣٠٦).\n(^٥) حمدون بن عبد الرحمن بن حمدون السلمي المرداسي، أبو الفيض، المعروف بابن الحاج: أديب فقيه مالكي، من أهل فاس، عُرف بين العلماء بالأديب البليغ، صاحب التآليف الحسنة والخطب النافعة. له كتب منها: «حاشية على تفسير أبي السعود» و«تفسير سورة الفرقان»، و«منظومة في السيرة»، ولابنه محمَّد الطالب كتاب في ترجمته، سمَّاه (رياض الوَرد)، انظر «الأعلام» (٢/ ٢٧٥).\n(^٦) «نفحة المسك الدَّاري» لحمدون الفاسي (ص/١٥١).\n(^٧) القَعَدي من الخوارج: الَّذي يرى التَّحكيمَ حَقًّا، غير أنَّه قَعد عن الخروج على الناس وقتالهم، انظر «تهذيب اللغة» للأزهري (١/ ١٣٩).\n(^٨) «سؤالات الآجري لأبي داود» (ص/٣٥).","vol":"1","page":205},{"text":"والبخاريُّ إنَّما رَوى عنه روايتين لا أكثر (^١)، إحداهما مُتابَعة بغيرها (^٢)، ولا يضرُّ التَّخريج عمَّن هذا سبيلُه في المتابعات؛ والرِّواية الأخرى خرَّجها أصالةً (^٣)، لكنَّها في الأحكامِ، ولا علاقة لها ببدعتِه البتَّة.\nهذا؛ وقد نُقل عن عمران توبتُه مِن رأيِه الشَّنيعِ (^٤)، والتَّائب مَقبول روايتُه حال تحمُّلها ولو في كفرِه بلا خلاف (^٥)؛ فإن كان الأمر كذلك، فتُحمَل روايتُه المُفرَدة هذه الَّتي في البخاريِّ على أنَّ الرَّاوي عن عمرانَ -وهو يحيى ابن أبي كثير- أخذها عنه بعد توبتِه؛ أمَّا إن كان لم يتُب، فعلى «قاعدة البخاريِّ في تخريجِ أحاديثِ المُبتدِع، إذا كان صادِقَ اللَّهجة مُتديِّنًا» (^٦).\nوبعد؛\nفعقِب النَّظر في جملةِ مَن ذُكر في هذه الأقسام مِمَّن رُمي بالنَّصب مِن رُواة أحاديث «الصَّحيحين»، وجدنا أنَّ أغلبَ هؤلاء مِمَّن لا يجوز أن يُوصَفوا بالنَّصب أصلًا، أعني بهم:\nالقسم الأوَّل بأكملِه، لعدم ثبوتِه عليهم، وهم تسعة رُواة.\nومعهم القسم الثَّالث: وهم راوِيان، لتركِهما له.\nوثلاثةٌ مِن القسم الأوَّل: لعدمِ رُجحانِ ثبوتِ النَّصبِ عليهم، هم أقربُ إلى الشَّك، فالأصل فيهم السَّلامة أو التَّوقُّف على أقلِّ تقدير، وهم المُرَّقَمون في هذا القسم بـ: (١، ٤، ٧)، أوسَطُهم قد رُوِي له مَقرونًا أو مُتابَعًا بغيره من الثِّقات.\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٩٠).\n(^٢) في (ك: اللباس، باب: لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه، رقم: ٥٨٣٥)، وانظر «هدى الساري» (ص/٤٣٣).\n(^٣) في (ك: اللباس، باب: نقض الصور، رقم: ٥٩٥٢).\n(^٤) ذكره أبو زكريا الموصلي في «تاريخ الموصل»، كما في «الفتح» لابن حجر (١/ ٤٣٣).\n(^٥) انظر «مقدمة ابن الصلاح» (ص/١٢٨) في النوع (٢٤): معرفة كيفية سماع الحديث، وتحمله، وصفة ضبطه.\n(^٦) «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٩٠).","vol":"1","page":206},{"text":"فمجموع هؤلاء: أربعة عشر راويًا، مِمَّن لا يجوز أن يُقال: «إنَّهم نواصبُ أخرجَ لهم الشَّيخان في كِتابيهما»، فهم بما ذكرنا خارجَ الحِسبة الجَدَليَّة مع الإماميَّة.\nليَبْقى معنا مِن الرُّواة الَّذي يغلِبُ على الظَّن تلبُّسهم بالنَّصبِ أو يُقطَع به: أربعةٌ فقط.\nهؤلاء الأربعة إنَّما رَوى لهم الشَّيخان أحاديث قليلة جدًّا، بل وعلى مَذهبِ من يَشترط للرِّوايةِ عن أهل البِدَعِ أن لا يرويَ ما يُقوِّي بدعَتَه (^١): فإنَّ هؤلاء الأربعة، قد خُرِّج لهم في «الصَّحيحين» ما لا يُقويِّ بدعتَهم، إنَّما هي نُتَفٌ في بعض (الفروعِ الفقهيَّة) أو (الأذكار)، فهم بعيدون في هذا عن التُّهمة جزمًا.\nوالشَّيخان لا يخرجان لأمثال هؤلاء إلَّا ما تبيَّن لهما قوَّته.\nوبهذا تنفكُّ سُمعة الشَّيخين عن مَذمَّة الرِّواية عن النَّواصبِ في كِتابيهما، وأنَّ ما حَصَل فيهما مِن الرِّواية عن نَفَرٍ منهم قليل، فإنَّما كان بعد الثِّقة منهما بحفظِهم وصدِقهم، فيجوز -والحال كذلك- أن يُروَى عنهم ماداموا داخلَ حِمَى الإسلام، فإنَّ هؤلاء لم يبلُغوا أن يُكفِّروا عليًّا ﵁، ولا عادَوا جميعَ أهل البيت، وإنَّما حالُهم كما أوضحَه الذَّهبي في تقسيمٍ له بديعٍ، يقول فيه:\n«كان النَّاس في الصَّدرِ الأوَّلِ بعد وَقعةِ صفِّينَ على أقسامٍ:\nأهل سُنَّة: وهم أولو العِلم، وهم مُحبُّون للصَّحابة، كافُّون عن الخوضِ فيما شجَر بينهم؛ كسعدٍ، وابن عمر، ومحمَّد بن سلمة، وأُمَم.\nثمَّ شيعة: يَتَوالَوْن، ويَنالون مِمَّن حاربوا عليًّا، ويقولون: إنَّهم مُسلِمون بُغاةٌ ظَلَمَة.\nثمَّ نواصب: وهم الَّذين حاربوا عليًّا يومَ صفين، ويُقِرُّون بإسلامِ عليٍّ ﵁ وسابِقيه، ويقولون: خَذَلَ الخليفةَ عثمان ﵁.\n_________\n(^١) انظر «فتح المغيث» للسخاوي (٢/ ٦٦).","vol":"1","page":207},{"text":"فما علِمتُ في ذلك الزَّمان شيعيًّا كفَّر معاوية ﵁ وحزبَه، ولا ناصِبيًّا كفَّر عليًّا وحزبَه، بل دخلوا في سبٍّ وبُغضٍ؛ ثمَّ صار اليومَ شيعةُ زمانِنا يُكفِّرون الصَّحابة، ويَبرؤون منهم جهلًا وعدوانًا، ويَتعدُّون إلى الصِّديق -قاتلهم الله-.\nوأمَّا نواصبُ وقتِنا: فقليلٌ، وما علِمتُ فيهم مَن يُكفِّر عليًّا ولا صحابيًّا ﵃» (^١).\nوالحمد لله.\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٣٧٤).","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المَبحث الخامس\nأبرز نماذج إماميَّة مُعاصرة تصدَّت لنقدِ «الصَّحيحين»</span>","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المَطلب الأوَّل\nشيخ الشَّريعة الأصبهاني (ت ١٣٣٩ هـ)\nوكتابه «القول الصُّراح في البخاريِّ وصَحيحه الجامع»</span> (^١)\nيُعتبر كتاب (شيخ الشَّريعةِ) (^٢) هذا بمثابةِ القاعدةِ التَّأصيليَّة النَّموذجيَّة لمِن جاء بعده مِن الإماميَّة المُعاصرين في مُعارَضةِ السُّنة، ونقدِ مُصنَّفات أهل الحديث، وهو أعظمُ شبهةً مِن سَلَفِه «تحيَّة القارِي» لعليٍّ عزّ الدِّين -وقد تقدَّمَ ذكرُه (^٣) - وأوسعُ منه في إيراد الإشكالاتِ بدَرجاتٍ، غير أنه ماتَ قبل إتمامِه (^٤).\nوأغلبُ مَن أتى بعده مِن أهل مِلَّتِه إنَّما يُحيلون إلى كتابِه هذا دون كتاب عليِّ عزِّ الدين استغناءً عنه به (^٥).\n_________\n(^١) ذكر جعفر السُّبحاني مقدِّم الكتاب (ص/١٠) أنَّ المؤلِّف لم يضع لكتابه عنوانًا، فسمَّاه تلميذه: آقا برزك الطهرانيُّ (ت ١٣٨٩ هـ): «القول الصُّراح في نقد الصِّحاح»، لكنَّه طُبع بعد ذلك باسم «القول الصُّراح في البخاريِّ وصحيحه الجامع».\n(^٢) فتح الله بن محمد جواد الأصفهاني: فقيه إمامي، من كبار المشاركين في ثورة العراق الأولى على الإنكليز، أصله من شيراز، ومنشأه بأصبهان، تفقه وقرأ فيها العربية، وانتقل إلى النجف فانتهت إليه رياسة علمائها، انظر «الأعلام» للزركلي (٥/ ١٣٥).\n(^٣) في (١/ ١٤٨).\n(^٤) انظر «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» للسُّبحاني (ص/٧٢).\n(^٥) انظر «موقف الإمامية من أحاديث العقيدة» لفيحان الحربي (ص/١٠٠).","vol":"1","page":211},{"text":"وقد تَنَّوعت مَطاعنُ (شيخِ الشَّريعةِ) في البخاريِّ و«جامعِه الصَّحيح» وتَباينت شُبهاته حوله حسبَ ترتيب أبوابِ كتابِه، حيث قسَّمَ مَوضوعاتِه إلى ثلاثةِ فصولٍ:\nخصَّص الفصل الأوَّل: لإلزامِ البخاريِّ بأحاديث أغفلَها في فضائل عليِّ بن أبي طالب ﵁، وهذه أغلبُها لا ترتقي أصلًا إلى شرطِ البخاريِّ في الصِّحة، مثل حديث: «إنِّي تاركٌ فيكم ما إنْ تمسَّكتُم به لن تضلُّوا بعدي، أحدُهما أعظمُ مِن الآخر ..» (^١).\nأو يلزمه بما هو ساقط الإسناد مِن الأساسِ! كحديث: «عليٌّ بابُ حِطَّةٌ، مَن دَخل منه كان مؤمنًا، ومَن خَرَج منه كان كافرًا» (^٢)!\nأو يُلزِمه برَاوٍ مِن أهلِ البيتِ أهملَ ذِكرَه، أشهرهم جعفر الصَّادق، وذلك ليُثبت ما يدَّعيه مِن إضمارِ البخاريِّ لعداوةٍ لآلٍ البيتِ، فيسهُل عليه إسقاط اعتبارِ «صحيحِه» من قلب المُتشيِّع.\nولقد حَشا المؤلِّف فصلَه الأوَّل هذا بتهويلاتٍ كثيرةٍ، ودعاوي هائلةٍ، يستدعي بها قلَقَ القارئ، مِنها -مثلًا-: دعواه أنَّ شرطَ حُبِّ آلِ البيتِ الامتناعُ عن نقدِ أفرادهم بالمرَّة! (^٣) وتحذيرُه مَن خَطَّأ فاطمةَ ﵍ في طَلبِها الميراثَ بالكُفر (^٤).\nلكن ليتَه بقِي على هذا النَّفَسِ التَّكفيريِّ فلم يزِد عليه قُبحَ التَّدليسِ والفِرى! كنِسبتِه تصحيحَ بعض الأخبار الباطلة إلى أئمَّة السُّنة وهم من ذلك براء (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥/ ٦٦٣، برقم:٣٧٨٨)، وقال: حسن غريب.\n(^٢) أورده الدَّيلمي في «الفردوس بمأثور الخطاب» (٣/ ٦٤)، وقال الذَّهبي: «هذا باطل، حسين الأشقر -راوي الحديث- واهٍ، قال البخاري: فيه نَظر»، انظر «لسان الميزان» (١/ ٥٣١).\n(^٣) انظر «القول الصُّراح» (ص/٥٢).\n(^٤) انظر «القول الصُّراح» (ص/٥٧).\n(^٥) كقوله (ص/٢٦): «.. وما تواتر في كتب الفريقين، من قول النَّبي ﷺ: «مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نَجا، ومن تخلَّف عنها هلَك»؛ وهذا الحديث لا يُعرف له إسناد صحيح، ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يُعتمد عليها، كما بيَّنه الذهبي في «المنتقى» (ص/٤٧٦).","vol":"1","page":212},{"text":"وتعريجِه على سيرةِ البخاريِّ بما لا يخلو مِن لمزٍ في شخصِه، وطعنٍ في عَقيدتِه، والكذب عليه بنسبةِ القولِ بخلقِ القرآن إليه (^١).\nوأمَّا الفصل الثَّاني: فانتقى فيه ثلاثَ عشرة روايةً مِن «الجامع الصَّحيح»، ادَّعى أنَّها كذب، أكثرها مُتعلِّق بمقامِ النُّبوة، لم يُخلِها مِن ثلبِ بعضِ الصَّحابة، حتَّى فارَ فائِرُه فيها على ابن تيميَّة لنُصرته السُّنة ونقَلتها.\nوقد أكثر المؤلِّف في هذا الفصلِ النَّقلَ عن كُتب أهلِ السُّنة وشروحِهم للأحاديث، إيغالًا منه في تثبيت شُبَهِه في قلب المُغفَّل، بعضها مَحضُ تلبيسٍ وقلبٌ للحَقائقِ، ما يلبثُ القارئ اللَّبيب أن تنكشِفَ له عند استبراءِ مَراجِعه الَّتي يُحيل إليها، لتُظهر كذبَه في الإحالات.\nوبعضُها الآخر: الإشكالُ واقعٌ منه -بادئَ الأمر- حقيقةً، لكنْ لا يُحتاج في كشفهِ إلَّا إلى سِعة اطِّلاعٍ مِن القارئ على الرِّوايات، مع حُسنِ استعمالٍ لعلومِ الآلةِ حتَّى تتفكَّكَ الشُّبهة وتندحِضَ تِباعًا، وأهل الحديثِ قد أدَّوا ما عليهم في هذا الباب على أكملِ وجه.\nمثال ذلك في هذا الفصل: ما أخرجه البخاريُّ عن ابن عبَّاس ﵃: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أحَقَّ ما أخذتُم عليه أجرًا كتابُ الله» (^٢).\nفقال (شيخ الشَّريعة) مُتعقِّبًا إيَّاه: «هذا الخبر مَرويٌّ عن عائشة -أيضًا- عن رسول الله ﷺ، وقد عَدَّه ابنُ الجوزي في «الموضوعات»، وأدرجها في الأحاديثِ الموضوعةِ والرِّواياتِ المَكذوبة!\nقال: روى عمرو بن المخرم البصريُّ، عن ثابت الحفَّار، عن ابن مليكة (^٣)، عن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن كسبِ المُعلِّمين، فقال: «إنَّ أحقَّ ما أُخِذ عليه الأجرُ كتابُ الله». قال ابن عَدي: لِعمرٍو أحاديث\n_________\n(^١) انظر «القول الصُّراح» (ص/٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: الطب، باب: الشرط في الرقية بقطيع من الغنم، رقم:٥٧٣٧).\n(^٣) كذا في كتاب الأصبهانيِّ، والصَّواب: ابن أبي مليكة.","vol":"1","page":213},{"text":"مَناكير، وثابتٌ لا يُعرَف، والحديثُ منكرٌ، وفي الميزان: ثابت الحفَّار عن أبي مليكة بخبرٍ مُنكر» (^١).\nكذا قال؛ وعند الرُّجوعِ بالحديث إلى مَظانِّه الأصليَّة، نجدُ أنَّ البخاريَّ أورَدَه ضمنَ «كتاب الطِّب»، في باب «الشَّرط في الرُّقية بقطيع من الغنم»، مِن حديث ابن عبَّاس في سياقٍ آخر! يقول فيه: أنَّ نفرًا مِن أصحابِ النَّبي ﷺ مَرُّوا بماءٍ، فيهم لَديغ أو سَليم، فعَرَض لهم رجلٌ مِن أهلِ الماء، فقال: هل فيكم مِن راقٍ؟ إنَّ في الماء رجلًا لَديغًا أو سليمًا، فانطلقَ رجلٌ منهم، فقرأَ بفاتحةِ الكتابِ على شَاءٍ، فبَرَأ! فجاءَ بالشَّاءِ إلى أصحابِه، فكرِهوا ذلك، وقالوا: أخذتَ على كتابِ الله أجرًا! حتَّى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذَ على كتابِ الله أجرًا، فقال رسول الله ...» الحديث.\nبينما الَّذي أورده ابن عديٍّ (^٢) -وعنه ابنُ الجوزي (^٣) - هو حديثٌ آخر لعائشة، لا علاقة له بحديث ابنِ عبَّاس في البخاريِّ! ففيه سؤالها إيَّاه ﷺ عن كسبِ المُعلِّمين.\nورجالُ سَندِ البخاريِّ غير رجالِ ابن عَديٍّ (^٤)، وليس في رجالِ البخاريِّ مَن يُتَّهم، ولذلك عَمَّى (شيح الشَّريعة) على قُرَّائه إسنادَ البخاريِّ ومتنَ حديثِه كاملًا، كي لا يُلحظَ هذا التَّباين! وقد جنى بسوءِ قصدِه هذا على نفسِه، ولم يضُرَّ البخاريَّ بشيء.\nوأمَّا الفصل الثَّالث: فليسَ فيه مِمَّا يَستدعي النَّظر، غير قدحِه في دينِ خمسةٍ مِن الصَّحب الكِرامِ والتَّنقيص من حِفظهِم، وهم: أبو هريرة، وأبو موسى\n_________\n(^١) انظر «القول الصُّراح» (ص/١٥٤).\n(^٢) أخرجه ابن عدي في «الكامل في ضعفاء الرجال» (٦/ ٢٦٢).\n(^٣) «الموضوعات» لابن الجوزي (١/ ٢٢٩).\n(^٤) لا يشترك السَّندان إلا في ابن أبي مليكة.","vol":"1","page":214},{"text":"الأشعري، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزُّبير، وعبد الله بن عمر ﵃، مُجاهرًا بسَبِّهم وإعلانِ رِدَّتهم، والتَّشنيعِ على البخاريِّ حيث أخرجَ عنهم (^١)، بما لا جديدَ فيه غير ترديدِ شُبهاتِ أسلافِه المُنحرفةِ عن السَّلف الصَّالحين.\n_________\n(^١) انظر «القول الصُّراح» (ص/٣٥ - ٤٦).","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المَطلب الثَّاني\nمحمَّد جواد خليل\nوكتاباه «كشف المُتواري في صحيح البخاري»\nو«صحيح مسلم تحت المجهر»</span>\nألَّف هذا الباحث اللُّبنانيُّ مَوسوعتين جَمَعَتا مِن الشُّبَه على «الصَّحيحين» ما لم يجمعه رافَضيٌّ غيره فيما وقفتُ عليه، بحيث تَضمَّنتا طعونَ مَن سبقه وزيادة، ولعلَّهما آخرُ ما أُلِّف في بابِ الطَّعنِ في «الصَّحيحين» مِن كُتَّابِ الإماميَّة إلى ساعة كتابتي لهذا البحث.\nفأمَّا كتابه «كشف المُتواري»: فواقعٌ في ثلاثِ مجلَّداتٍ، استوعبَ فيها الكلامَ على (تسعمائةٍ واثنين وخمسين) حديثًا مِن «صحيح البخاريِّ»! يَستدلُّ ببعضِها لإثباتِ مذهبِه، وأكثرُها للطَّعنِ في صحَّتِها متنًا، ويتطرَّق أحيانًا إلى أسانيدها إن رَمقَ فيها أيَّ راوٍ تُكلُّم فيه ولو كلامًا خفيفًا مُتجاوَزًا.\nوأمَّا كتابه الآخر «صحيح مسلم تحت المجهر»: فهو اختصار لكتابه الأصل «صحيح مسلم بين القداسة والموضوعية»، نقدَ فيه قرابةَ ألفِ حديثٍ في «مسلم» في أربعةِ مُجلَّدات، ارتأى اختصارَه في هذا، قد ضَمَّنه خمسةً وأربعين بابًا، في كلِّ باب حديثٌ واحد -على الأقلِّ- مَطعون فيه.","vol":"1","page":216},{"text":"ولقد صرَّح الكاتبُ بالغَرض مِن وَضعِ كتابِه «المُتواري» -ويلحقُه في ذلك كتابُه عن مسلم- بأنَّه: ألَّفه فهرسًا لأجل تسهيل رجوعِ طائفتِه إلى أحاديثِهما عند مناقشةِ أهلِ السُّنةِ، حِسبةً منه لنصرةِ باطِله، بعد قَلقِه مِن تساهُلِ طائفتِه في عَزوِ الأخبارِ النَّبويَّة إلى مظانِّها الصَّحيحة، وضعفهم في معرفةِ مَصادِرها عند أهل السُّنة، وتسرُّعِهم إلى تكذيبِ وجودِ أحاديث بادِّعاءِهم فقدَها في بعض الطَّبعاتِ الحديثة، مع أنَّها في طبعاتٍ أصَحَّ وأتقن موجودة!\nيقول: «.. لذا قمتُ بجمعِ الأحاديثِ الَّتي طالما يحتاجُها إخواني، ووَضعتُها ما بين دَفَّتي هذا الكتاب، ومِن تلك الأحاديث ما فيه نَظَر، وعليه علامات استفهام، ومنها ما يُخالف الشَّريعة، ويَتعارض مع السُّنة النَّبوية الشَّريفة، ومنها ما يحطُّ مِن منزلةِ وشأنِ الرَّسول ﷺ، مُضافًا إلى الأحاديثِ الَّتي تسخرُ من بقيَّة الأنبياء والمرسلين» (^١).\nولقد رتَّبَ المؤلِّف كتابَيه من حيث الكُتب والأبواب والأحاديث حسب ترتيبها الموجود في «الصَّحيحين»، مقتصرًا فيهما على «الأحاديث التي يجب أن يتوقَّف المسلم المُوحِّد عندها» (^٢).\nو(جواد خليل) في مُقدِّماتِ كتابه الأوَّل منهما غير مكترث من أن يقذعَ القولَ في شخصِ البخاريِّ بخاصَّة، وأن يُجهد قلَمه لتسفيهِ «صحيحِه»، فهو الَّذي يرى البخاريَّ رجلًا سيِّءَ الحفظ! (^٣) يَروِي عن المَجرُوحين البَيِّن جَرحهُم، وأنَّه فوق ذلك ناصِبيٌّ، «يطمس فضائلَ أهل البيت، في حين أنَّه قامَ بوضعِ واختلاقِ رواياتٍ في صحابةٍ، وهم مِمَّن كان الطَّعن فيهم أولى» (^٤).\n_________\n(^١) «كشف المتواري» (١/ ١٠).\n(^٢) «كشف المتواري» (١/ ١١).\n(^٣) «كشف المتواري» (١/ ٤٨).\n(^٤) «كشف المتواري» (١/ ٢٣).","vol":"1","page":217},{"text":"فلقد وقع المؤلِّف بهذه النَّفسية المضطربةِ بالغيظِ على البخاريِّ في كثيرٍ مِن الخطايا المنهجيَّة، منها:\nانتزاعه للنَّتائج الحُكميَّة مِن مُسلَّماتٍ أوَليَّة: كأنْ يهرِفَ في بعضِ تعليقِاته بالطَّعنِ على أيِّ حديثٍ فيه فضيلةٌ لصَحابيٍّ، لمُجرَّد أنَّه صحابيٌّ، فالحَقُّ عنده أن يكون مِن أهل النِّفاق!\nبل كان من فظيعِ استنتاجاته: استدلاله على تفشِّي النِّفاقِ في الصَّحابةِ، بقولِ ابن أبي مليكة: «أدركتُ ثلاثين مِن أصحابِ النَّبي ﷺ، كلُّهم يَخافُ النِّفاق على نفسه»! وحكاية مثل هذا الهراء تُغني عن إبطالِه، مع قولِه بعدها: «الشَّاهد على ذلك: ما تقوله العامَّةُ بتعريفِ الصَّحابي: أنَّه مَن لَقِي النبَّي ﷺ في حياته مُسلمًا، وماتَ على إسلامِه .. إذن، فعبدُ الله بن أبيِّ بن سلول -هذا المُنافق- يُدرَج مع الصَّحابة!» (^١).\nومعلومٌ عند وِلدانِ الكَتاتيبِ، أنَّ الرَّجل إذا كان على عهد النَّبي ﷺ مَعلوم النِّفاق، فإنَّ ذلك مِن مَوانع اتِّصافِه بالصُّحبةِ أصلًا.\nفهكذا أغلبُ حالِه في تَعَقُّباتِه لأحاديثِ «الصَّحيحين»، كثير الإلزامِ لأهلِ السُّنةِ بما لا يَلزم، تراه -مثلًا- يَردُّ حديثَ رُؤيا النَّبي ﷺ نفسَه يُعطي فضلَ لَبنٍ شَرِبه لعمر ﵁، وتأويلَه إيَّاه بالعلم، فيُعارِضه (جوادٌ) بالحديثِ المشهورِ في إنكارِ امرأةٍ على عمر نهيَه عن المغالاةِ في المهور (^٢)! بدعوى: أنْ كيف يجتمعُ علمُه هذا، مع استدراكِ هذه العامِيَّة عليه؟! حيث اختلط في عقله بين الأعلَمِيَّة والعِصمة.\nليختمَ بعدُ نقدَه لهذا الحديث بظَريفِ قولِه: «.. ثمَّ ألَا يعلمُ أهلُ العامَّةِ بأنَّ الفضائلَ لا تُكتَسبُ بالرُّؤيا والأحلام؟!» (^٣).\n_________\n(^١) «كشف المتواري» (١/ ٦٧ - ٦٨).\n(^٢) وقد عزا المؤلف هذا الأثر إلى تفسير الزمخشري (١/ ٤٩١)، مع كونه بأسانيده في غير ما مُصنَّفٍ من مُصنَّفات الحديث، وهذا من عَوار التَّخريج!\n(^٣) هذا النَّص والذي قبله في «كشف المتواري» (١/ ٧٤).","vol":"1","page":218},{"text":"نعم، هذا إذا كانت واردةً في أضغاثِ أحلامك المُزعجة! أمَّا رؤيا الأنبياء فحَقٌّ ووَحْي، كما اعترفت به أنت نفسُك بعد هذا الموضع بصفحاتٍ! (^١)\nلكنَّ التَّحامُلَ يودي بصاحبِه إلى التَّغابي والتَّغافل!\nفرع: نموذجٌ مِن طَعْنِ (جواد خليل) بأخبارِ «الصَّحيحين»: أحاديث سهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة:\nالعجيب مِمَّا تقدَّم مِن عَبثِ الكاتِب، أنْ يُعلِنَ توصُّلَه إلى مَرمى أهلِ الحديث مِن اختلاقِ ما اختلقوه مِن أخبارِ «الصَّحيحين»، واكتشافِه للُمؤامرةِ الَّتي باعوا لأجلِها الدِّينَ.\nوذلك في سياقِ طعنِه في أخبارِ سَهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة، حيث قال: «حاشا رسولَ الله ﷺ أن ينسَى كمْ صَلَّى! وكلُّ ما يُقال في ذلك، فهو لتبريرِ ما صَدَر مِن الحكَّام، الَّذين كانوا يصلُّون وهُم سُكارى، ولا يَدرون كم صَلُّوا! .. وهذا هو دَأبُ أهلِ العامَّة: الطَّعنُ في النَّبي الأكرم، وذلك لإخراجِ أمثالِ الوليدِ مِن وَحْل التَّاريخ» (^٢).\nوهذا كلامُ مَن جانبَ الحقَّ والفطرة، ونقضُه مُجلّى في عِدَّة وجوه:\nالوجه الأوَّل: أنَّ السَّهوَ أو النِّسيانَ في المَرءِ -أحيانًا قليلةً- ليس سُبَّةُ ولا وصمةَ عارٍ حتَّى نُنَزِّه عنه مَن هو بَشَرٌ مثلنا، ولو كان هو نبيًّا رفيعًا؛ فهذا نبيُّ الله آدم ﵇ يقول عنه ربُّه: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، وقال موسى ﵇ مُعتذرًا للخضر: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣].\nبل قال ربُّنا في حَقِّ نبيِّه محمَّدٍ ﷺ نفسِه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].\n_________\n(^١) انظر «كشف المتواري» (٢/ ٦٤٣).\n(^٢) «كشف المتواري» (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":219},{"text":"الوجه الثَّاني: القولُ بعِصَمَة الأنبياءِ مِن السَّهو والنِّسيان، فضلًا عن مُخالفتِه لصريحِ آي الكتابِ، هو مُخالفٌ للفطرةِ البَشريَّة الَّتي أجراها الله تعالى على البَشَر دلالةً على نقصِهم، والأنبياء لا شكَّ مِن جُملتِهم وإن كانوا أكملَهم؛ فذانِك أصلٌ في بني آدم كلِّهم، ومَن أخرجَ الأنبياءَ مِن هذا الأصلِ مُلزمٌ هو بالدَّليل؛ وأنَّا للإِماميَّةِ به؟! وقد نُقِل الإجماعُ على جَوازِ ذلك فيهم ﵈ (^١).\nالوجه الثَّالث: أنَّ السَّهو قد يَقَعُ مِن الإنسانِ وهو خاشِعٌ في صلاتِه، خاضعٌ فيها لربِّه، ولا مُنافاة بينهما، وهذا واقعٌ بالتَّجربة، مَعلومٌ مِن أحوالِ النَّاس.\nالوجه الرَّابع: إنَّ وقوع السَّهوِ مِن النَّبي ﷺ في صلاتِه في بضعِ مرَّاتٍ قليلةٍ طيلةَ حياتِه المُبارَكة، لا يجعلُه بحالٍ في عِدادِ السَّاهين أو اللَّاهين، كما وَدَّ الكاتبُ أن يُصوِّره تَهويلًا وتشنيعًا، فمثلُ هذه النُّعوتِ المُشينة، لا يَصحُّ إطلاقُها إلَّا على مَن كان ذلك ديدَنَه -كما أشرنا إليه آنفًا-، وليس في أخبارِ سَهوِه ﷺ ما يُشير إلى تكرُّرِ ذلك منه.\nهذا على ما أجراه الله تعالى على نبيِّه مِن ذلك السَّهو من جليلِ الحِكَم التَّشريعيَّة، حتَّى عَدَّ ابن القيِّم «سهوَه ﷺ في الصَّلاةِ مِن تمامِ نعمةِ الله على أُمَّتِه، وإكمالِ دينِه، ليقتدوا به فيما يُشرِّعه لهم عند السَّهو» (^٢).\nالوجه الخامس: ما ادَّعاه من وضعِ هذه الأحاديث تسويغًا لِما صَدَر مِن بعضِ الأمراءِ من تخليطٍ في ركعاتِ الصَّلاةِ جرَّاء سُكرِهم، فهو من المؤلِّف مُغالطةٌ ومُكابرة، تقتضي عدمَ تفريقِه بين السَّهو والسُّكْر! فلا صِلة بين سهو العاقلِ الصَّاحي في صلاتِه، وبين صلاته وهو سكران.\nثمَّ إنَّ استشهاده بالوليد بن عقبة زيادةٌ منه في الغَيِّ، فإنَّ الوليدَ حين صَلَّى الفجرَ أربعًا لسُكرِه، لم يعتذر لمَن خلفَه بهذه الأحاديث، ولا الخليفة عثمان ﵁ سَوَّغَ فِعْلَتَه كما يُسَوَّغ للسُّهاةِ، بل عاقبَه!\n_________\n(^١) نقله الشَّوكاني في «إرشاد الفحول» (١/ ١٠١).\n(^٢) «زاد المعاد» (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":220},{"text":"وخُلاصة القول في مثلِ أحاديث هذا الباب:\nأنَّا لا نُثبِتُ للَّنبي ﷺ فِعلًا تَضمَّن صِفةً، أو نَنفي عنه ذلك، إلَّا بدليلٍ مِن كتابٍ أو أَثَرٍ صحيحٍ؛ وإلَّا فتَخيُّرنا الكَمالاتِ له على مَزاجِنا مُطلقًا أمرٌ لا ينضبِطُ، والآخذون بهذا المنهج، واقعون -لا مَحالةَ- في وَرطةٍ مع آي الكتاب، مع مثلِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]، وقولِه تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]!\nفالأعلى قدرًا للنَّبي ﷺ، أن نَضَعه في المنزلةِ الَّتي وَضَعه فيها ربُّنا ﵎، مِن غير إفراطٍ يرفعُه عن بشَريَّتِه، ولا تفريطٍ يُخرجه عن نُبوَّتِه.\nومع ما وقع فيه المؤلِّف من خطايا منهجيَّة ومغالطات علميَّة كثيرة، إلَّا أنَّ كتابه قد اشتمل على جملةِ لا يُستهان بها مِن شُبهاتٍ مُغلَّفة بغشاءِ الاستشكالِ العلميِّ البَريء، تقتضي الوقوفَ عندها بحزمٍ وقوَّة، لبيان زيفِ دعاويها لمن يقع عليها، كي لا تلبِّس على طلَاّب الحقائق الشَّرعية، ناهيك عن عوامِّ المسلمين.","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المَطلب الثَّالث\nمحمَّد صادق النَّجمي\nوكتابه «أضواء على الصَّحيحين»</span>\nخَطَّ (النَّجمي) هذا الكِتابَ باللِّسانِ الفارسيِّ، ثمَّ نُقِل بعد موته إلى العَربيَّة (^١)، لم يقصُره على تعقُّبِ «البخاريِّ» حتَّى ألحق به صِنوه مسلم، فعُدَّ سِفرُه هذا مِن أهمِّ ما كتَبتهُ الشِّيعة الإماميَّة وأكثرها مَطاعِن في «الصَّحيحين»، فلذا حرِصوا على نشره بكِلتي لُغَتَيه على أوسعِ نطاقٍ.\nولقد أبانَ الكاتبُ في مقدِّمته له عن غَرضِ وَضعِه إيَّاه، فقال:\n«هكذا أصبحَ الكتابان «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» مَدارَ العقائد عند أهلِ السُّنة، وهذه الأمور هي الَّتي دَعَتْنا إلى البحثِ والتَّنقيبِ في «الصَّحيحين»، وكشفِ حقيقتِهما وماهِيَّتهما، كي تَتجَلَّى الحقائقُ الَّتي استَترَت خلفَ الأستارِ السَّميكة مِن التَّقاليد، والعَصبيَّات، والظُّلمات، والأوهام، الَّتي ظَلَّت مَسدولةً لفترةٍ تزيد على ألفِ سنةٍ» (^٢).\n_________\n(^١) ألفه سنة ١٣٨٨ هـ، ونقله يحيى البحراني إلى العربية، وقد شجعه عبد الحسين الأميني صاحب كتاب «الغدير» على إكماله، وقدم له مرتضى العسكري صاحب كتاب «أحاديث أم المؤمنين عائشة»، وهناك ترجمة أخرى للكتاب باسم «تأمُّلات في الصَّحيحين» بتعريب مرتضى القزويني، ولا تخلو الترجمتين من زيادة ونقص واختلاف يسير، انظر «موقف الإمامية من أحاديث العقيدة» لفيحان الحربي (ص/١٠٤).\n(^٢) «أضواء على الصحيحين» (ص/٦٠ - ٦١).","vol":"1","page":222},{"text":"وترتيب الكتاب على المَوضوعاتِ بحسب اختيار المؤلِّف، لا على أبوابِ «الصَّحيحين»، حيث جعَلَه على ثمانيةِ فصول:\nالفصل الأوَّل: تَكلَّم فيه عن سِيَرِ الحديثِ وأهميِّته، مُقتفيًا أثر (جعفرٍ السُّبحانيَّ) في أغلاطِه نفسِها في هذا الباب (^١)! وزادَ هو ما ادَّعاه تَأخُّرًا لتَدوينِ الحديثِ عند أهل السُّنة، زاعمًا أنَّ الشِّيعةَ كانوا أسبقَ إلى التَّدوين منهم!\nولستُ أدري: أيَّ رافضيٍّ سبَّابٍ للصَّحابة سَبَق إلى تصنيفِ كتابٍ حديثيٍّ بأسانيدِه هو يَعنيه! فإنَّ أوَّلَ كتابٍ حَديثيٍّ ينسبونه لطائفتهم هو كتابُ سَليم بن قيس الهِلالي (ت ٨٥ هـ) (^٢)، يعدُّه بعضهُم -حسب شيخِهم النُعمانيِّ (^٣) - «أصلًا مِن أكبرِ كُتبِ الأصولِ الَّتي روَوْها مِن حَمَلةِ حديث أهلِ البيتِ، بل هو أقدَمُها» (^٤).\nلكن الحقُّ أنَّ الكتاب مَوضوعٌ عليه، غير مَوثوقٍ بما فيه عند أكابرِ الإماميَّة (^٥)؛ ولم يكُن للـ (نَّجميِّ) غَرضٌ من هذه الدَّعوى، إلَّا إسقاطَ اعتبارِ «الصَّحيحين» بحُجَّة تأخُّرِ تصنيفِهما عن زمن النُّبوة.\nوأمَّا الفصل الثَّاني: فترجَم في المؤلِّف للشَّيخين ترجمةً مُوجزةً، شانَها بقدحِ أمانتِهما، والطَّعنِ في عَقدِهما، وازدراءِ أفهامِهما، ينقل في ذلك نصوصَ افتراءاتِ «القول الصُّراح» لشيخ الشَّريعةِ لأصبهانيِّ (^٦).\n_________\n(^١) انظر كتاب «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» لجعفر السبحاني (١٢ - ٣٣).\n(^٢) سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي: كان من أصحاب علي ﵁، وعاش في الكوفة إلى أن هرب من الحجاج الثَّقفي إلى النوبندجان من بلاد فارس، ولجأ إلى دار أبان بن أبي عياش فيروز، فآواه ومات عنده، يُنسب له «كتاب السَّقيفة» المَطبوعِ باسم «كتاب سليم بن قيس الكوفي»، انظر «الأعلام» للزركلي (٣/ ١١٩)\n(^٣) محمد بن ابراهيم بن جعفر الكاتب النعماني: البغدادي الرَّافضي، مفسر ومتكلم؛ قدم بغداد وأخذ عن الكليني، وسافر إلى الشام، من آثاره: «تفسير القرآن»، و«جامع الاخبار»، و«الرد على الاسماعيلية»، و«نثر اللآلي في الحديث»، و«كتاب الغيبة»، انظر «معجم المؤلفين» (٨/ ١٩٥).\n(^٤) قاله النُّعماني في كتابه «الغيبة» (ص/١٠١).\n(^٥) بعض الإماميَّة يَنسبون وَضْعَه على سليم إلى أبان بن أبي عياش، كما ذَكَره الحِلِّي، وابن الغَضائري، والمُفيد، انظر نصوصَهم في «مَصادر التَّلقي وأصول الاستدلال العقدية عند الإمامية» لـ د. إيمان العلواني (١/ ٤٢٩).\n(^٦) انظر «أضواء على الصحيحين» (ص/٦٧).","vol":"1","page":223},{"text":"ولا غرابةَ أن تصدُر هذه الجهالةُ مِن مثلِه بمرتبةِ إمامينِ جليليْن من أئمَّة الحديث كالبخاريِّ ومُسلم، فهو الَّذي صَيَّرَ مالكَ بنَ أنس ووهبَ بنَ مُنبِّه مِن مَشايخِ البخاريِّ في الحديثِ! (^١) وقد وُلد البخاريُّ بعد موتِهما بسنواتٍ.\nوأمَّا الفصل الثَّالث: فنقَل فيه (النَّجميُّ) كلامَ بعض العلماء في الثَّناءِ على «الصَّحيحين»، مُتندِّرًا في ذلك ببعضِ الرُّؤى الَّتي نُقِلت في فضائلِ البخاريِّ، وهذا مِمَّا يراه المؤلِّف غلوًّا وتَنطُّعًا، مع علمِه أنَّ المُترْجِمين للبخاريِّ إنَّما حكوا مثلَ هذه الرُّؤى استئناسًا واستبشارًا، لا احتجاجًا.\nوكان مِن قبيحِ جَهالاتِ المؤلِّف المنبئةِ عن ضحالةِ علمِه وسوءِ طويَّتِه:\nنِسبتُه لأهلِ السُّنة تسميَّتَهم للكُتبِ السِّتة بـ (الصِّحاح)، لكونِ «جميع ما وَرَد فيها مِن الأحاديث والرِّوايات -سواء مِن وجهةِ نظرِ مُؤلِّفيها، أو مِن وجهةِ نظرِ علماءِ أهلِ السُّنة- صحيحةً ومُطابقةً للواقع، وأنَّهم يَعتقدون بأنَّ كلَّ ما جاء في هذه الصِّحاح السِّتة، ونُسِب إلى الرَّسول ﷺ، فإنَّه قد خرج مِن بين شَفَتي رسولِ الله ﷺ» (^٢).\nفلَيْتَه قدِر أن ينقل هذا الهُراءَ عن أحَدٍ مِن علماء السُّنةِ، حتَّى ننظُر في وجهِ كلامِه؛ وكلُّ حَديثيٍّ عندنا مُبتدئٍ يعلمُ أنَّ أربابَ السُّنَن الأربعةِ لم يشترطوا الصِّحة في ما ساقوه مِن أخبارَ في مُصنَّفاتهم، وإنَّما أطلق عليها بعض العلماء تلك التِّسمية لأنَّ أغلب ما فيها صحيح أو مَقبول، ومن ركائز الفقهاء في الاحتجاج.\nوأمَّا الفصل الرَّابع من كتابِه: فساقَ فيه ما رآه أدلَّة على ضَعفِ «الصَّحيحين» وسُقمِهما، منها دعواه ضعفُ أسانيدِها، فينقلُ فيه عن ابن حَجرٍ «أنَّ الحفَّاظَ وعلماءَ فنِّ الرجالِ، ذكروا أنَّ ضعفاءَ رُواتِهما يبلغُ الثَّلاثمائة شخصٍ» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «أضواء على الصحيحين» (ص/١١١).\n(^٢) انظر «أضواء على الصحيحين» (ص/٧٣ - ٧٤).\n(^٣) انظر «أضواء على الصحيحين» (ص/٩١).","vol":"1","page":224},{"text":"فأمَّا ما أحالَ إليه المؤلِّف في «هُدى السَّاري» لابن حجر، فعند الرُّجوعِ إليه نجده خاليًا مِمَّا أفادته عبارَته! فإنَّما ذكَرَ ابن حَجرٍ في هذا الموضع من كتابه الرُّواةَ المُتكَلَّمَ فيهم بأدنى كلامٍ وفيهم الثِّقات، لا المَفروغَ مِن ضَعْفِهم (^١)! ولا يلزمُ مِن مُجرَّد كلامِ أحدٍ في راوٍ، تحُّققَ كلامِه فيه من حيث الواقِع، ومَعروفٌ أنَّ الشَّيخين قد يُخرجان لمِن فيه كلامٌ في مَواضع مَعروفة، تبيَّن لهما صِدقه في ما رَواه؛ هذا إن لم يكن الرَّاوي في رأيِهما ثابت العدالة والضَّبط (^٢).\nثمَّ قول المؤلِّف في موضعٍ آخر من فصلِه هذا: «إنَّ الأحاديث غير الصَّحيحة والضَّعيفة، يبلغُ عددُها فوق ما عَدَّه ابن حَجرٍ كما نقل عنه الحُفَّاظ، حيث قال: إنَّها لا تَتَجاوز المائةَ وعشرة أحاديث، ضعيفةٌ مِن جهةِ المتنِ» (^٣):\nهو نقلٌ مَشحونٍ بالكذبِ، فإنَّ الَّذي ذَكَره ابن حجر عِدَّةَ الأحاديث الَّتي أعَلَّها الدَّارقطني وبعضُ العلماءِ مِن جِهة أسانيدِها، مع الإجابةِ عن ذلك كُلِّه أو أكثره (^٤)؛ فإنَّه ذكَرَ الأحاديثَ الَّتي انتقِدت على الشَّيخين، فقَسَّمها أقسامًا، جلُّها مُتعلِّق بصناعةِ الإسنادِ، ولا تَمسُّ المتونَ بسوءٍ، لا كما تَقوَّله المؤلِّف، وعَزَاه مَيْنًا للحافظِ (^٥).\nوأمَّا الفصل الخامس: فخصَّصه (النَّجميُّ) للطَّعنِ في أحاديثِ الصَّفاتِ الإلهيَّةِ الَّتي أخرَجاها، فجرى في مِضمارِ المُعتزلةِ في إنكارِها لرؤيةِ الله تعالى يومَ القيامة، وأنكرَ معها كثيرًا مِن الصِّفاتِ الذَّاتيةِ الخَبريَّة، ثمَّ عرَض لمُعتقدِ الإماميَّة في هذا الباب من الاعتقاد؛ لكَأنَّما تقرأُ فيه عَقْدَ القاضي عبد الجبَّار الهمداني!\n_________\n(^١) انظر «هدى الساري» (ص/٣٨٤)، ونكت ابن حجر على «مقدمة ابن الصلاح» (١/ ٢٨٧).\n(^٢) انظر تفصيلها في «التنكيل» للمعلمي (١/ ٤٥٨)، وللزيلعي في «نصب الراية» (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) تحقيق جيد في إخراج البخاري ومسلم للرُّواة المتكلم فيهم.\n(^٣) انظر «أضواء على الصحيحين» (ص/٩٠).\n(^٤) انظر مقدمة «فتح الباري» (١/ ٣٤٦).\n(^٥) انظر «هدى الساري» (ص/٣٤٧).","vol":"1","page":225},{"text":"وأمَّا الفصل السَّادس: فخاضَ فيه الكاتبُ في النُّبوات، وقارنَ بين أهلِ السُّنة والشِّيعة الإماميَّة في هذا الباب، ورَدَّ جملةً مِن أحاديث «الصَّحيحين» في ذلك، كحديثِ كذباتِ إبراهيم ﵇، وطعنِ موسى ﵇ لعَينِ المَلَك.\nوأمَّا الفصل السَّابع: فحشدَ فيه ما يزعُمه من أحاديث في «الصَّحيحين» تَنتقصُ قدرَ الرَّسول ﷺ، مِنها ما كان تَقدَّم مِن أحاديثِ السَّهو في الصَّلاة والنِّسيان.\nوحين عَرَّج على حديث شَقِّ صدرِ النَّبي ﷺ صغيرًا، نَفى القصَّة جملةً وتفصيلًا، وعلَّة ذلك عنده: أنْ «لو كان لهذه القصَّة حقيقة كسائر القضايا، لذكرَها أئمَّةُ أهل البيت، الَّذين هم أدرَى بما في البيت، بينما تَراهم لم يَدَعوا صغيرةً ولا كبيرةً ممَّا تمُتُّ بحياةِ الرَّسول ﷺ وتاريخِه، إلَّا وَذَكرُوها» (^١).\nلكن واقعُ مُصنَّفاتِ طائفتِه تُكذِّب ادِّعاءَه هذا وتوهن حُجَّتَه؛ وإلَّا: فأينَ نَقْل الإماميَّةُ لسيرةِ النَّبي ﷺ بالسَّندِ المُتَّصل الصَّحيحٍ أصلًا؟! بل أين اعتناؤُهم بأحاديثِه ﷺ في شَتَّى الأبوابِ الشَّرعية الأخرى؟! المُعتني بذلك أعزُّ فيهم -والله- مِن الغُرابِ الأعصم، فإنَّهم لا يتناقلون من الرِّواية إلَّا ما كان عن أئمَّتهم في الأعمِّ الأغلب (^٢).\nوفي هذا الفصلِ أيضًا: مَا يدلُّ على جهل الكاتبِ بأدلَّةِ مَذهبِه الَّذي ينتصرُ له: فتراه يستنكر متونًا في «الصَّحيحين»، هي في أمَّاتِ كُتبِ الإماميَّة لو كان يعلمُ!\nتراه -مثلًا- في استقباحِه حديثَ بولِ النَّبي ﷺ قائمًا، بداعي أنَّه «ليس فقط لا يَتلاءم ومَقام النُّبوة فحسب، بل إنَّه يُشين بأيِّ فردٍ مِن الأفراد! ممَّن له معرفة سطحيَّة بالمعارف الدينيِّة! أو يكون مُحترمًا عند نفسه!» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «أضواء على الصحيحين» (ص/٢٤١).\n(^٢) بل أشار شيخهم الحرُّ العاملي، إلى أنَّهم يتجنَّبون روايةَ ما يُرفع إلى النَّبي ﷺ، خشيةَ أن يكون من روايات أهل السُّنة! انظر «وسائل الشِّيعة» (٢٠/ ٣٩١).\n(^٣) «أضواء على الصحيحين» (ص/٢٧٠)","vol":"1","page":226},{"text":"مع أنَّ جعفرًا الصَّادق -مَن يعتبرُه هو وأرباب فِرقته مَنبعًا للتَّشريع- يُجيب مَن استفتاه عن التَّبولِ قائمًا، قائلًا: «لا بأسَ به» (^١)!\nأمَّا الفصل الأخير مِن كتابِه: فقد خَصَّصه النَّجمي للقدحِ في خلافةِ الخُلفاء الثَّلاثة الأُوَل ﵃، مُدَّعيًا أحقيَّةَ عليٍّ ﵁ بها دونهم، لفضائلَ ساقَها له حَشاها بالغَثِّ والسَّمين.\nوحاصل القول: أنَّ الكاتب في ما مَضى مِن الفصول كلِّها: مُكثرٌ مِن التَّناقض، يُثبت القولَ ثمَّ ينقضُه بعدُ بصفحات! مع جُرأةٍ عجيبةٍ على الكذب والتَّلبيس.\nفكان -مثلًا- يَدَّعي على علماء السُّنةِ أنَّهم يقولون بعصمةِ «الصَّحيحين»، وأنَّهما مُنَزَّهين «مِن أنْ تَنالهما الآراءُ والأفكارُ وإبداء الرَّأي فيهما، وأنَّ البحثَ والتَّحقيقَ فيهما، يكادُ يكون تَوهينًا لهما، وهذا بمثابةِ التَّوهين للقرآن، ولا توبةَ ولا غفرانَ لِمن يقومُ بذلك»! (^٢).\nثمَّ هو بعد هذا التَّعميمِ العَقيمِ، يأتي بعد صفحةٍ واحدةٍ فقط، ليُلغي تُهمتَه تلك مِن غير شعورٍ، مُقرًّا بأنَّ «هناك علماء مِن أهلِ السُّنةِ أنفسِهم قد نظروا إلى «الصَّحيحين» نظرةَ المحقِّقِ البحَّاثة، فوَضَعوا ما احتواه الصَّحيحان على طاولةِ التَّشريح، وَوازَنوهما بالمِعيارِ الواقعيِّ» (^٣)!\nوآفةُ الكَذَّاب النِّسيانُ! والحمد لله.\n_________\n(^١) «الكافي» للكليني (٦/ ٥٠٠)، و«وسائل الشيعة» للعاملي (١/ ٣٥٢).\n(^٢) «أضواء على الصحيحين» (ص/٨٠).\n(^٣) «أضواء على الصحيحين» (ص/٨١).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفصل الثاني\nالقرآنيُّون منكرو السُّنة وموقفهم من «الصَّحيحين»</span>","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المَبحث الأوَّل\nتاريخ إنكار السُّنة</span>\nكان لظاهرة إنكار السُّنة النَّبوية بوادر آخرَ عهدِ الصَّحابة ﵃ في حالات نادرة لا اعتبارَ بها نتيجةَ شبهاتٍ عارضةٍ، سُرعان ما تنكشف ببيانٍ وجيزٍ مِن أحدِ الصَّحابة أو التَّابعين.\nكما جرى في مجلسٍ تحديثٍ لعمران بن حصين ﵁، قيل له فيه: «يا أبا نجيد، لا تحدِّثنا إلَّا بالقرآن؛ فقال له عمران: أنتَ وأصحابُك يقرؤون القرآن، أكنتَ مُحدِّثي عن الصَّلاةِ وما فيها، وحدودَها؟! أكنت مُحدِّثي عن الزَّكاةِ في الذَّهب، والإبل، والبَقر، وأصنافِ المال؟! ولكن قد شهدتُ وغبتَ أنت.\nثمَّ قال: فرَضَ علينا رسول الله ﷺ في الزَّكاة كذا وكذا ..، فقال الرَّجل: أحيَيْتَني أحياكَ الله!» (^١).\nولقد كانت عامَّة بلادِ المسلمين في مَنأىً عن هذا الانحرافِ أوَّلَ أمرِها، حتَّى بدأت شرارتها في الاشتعال في بلادِ العراقِ مِن قِبل أفرادٍ لا يُمثِّلون فرقةً مُستقلَّة بذاتِها، أو اتِّجاهًا جماعيًّا مُؤثِّرًا (^٢)؛ ثمَّ ما فَتِئ الأمر يتَطوَّر رُوَيدًا بعد\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ١٩٢، برقم:٣٧٢) والطبراني في «معجمه الكبير» (١٨/ ١٦٥، برقم:٣٦٩) والخطيب في «الكفاية» (ص/١٥).\n(^٢) انظر «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» للسباعي (ص/١٤٨) و«زوابع في وجه السنة» لصلاح الدين مقبول (ص/٣٧).","vol":"1","page":231},{"text":"ذلك قُبيلَ نهاية القرن الثَّاني، فبرَزَت شراذم أنكرَت حُجيَّة السُّنة في التَّشريع، وطائفة أخرى أنكرَت حُجيَّة الآحادِ منها بالخصوص (^١)، قد أَقْبَرهما الشَّافعيُّ بكتابٍ سَمَّاه «جمِاع العلم»، ردَّ فيه على كِلتا الطَّائفتين.\nفأمَّا إنكارُ السُّنةِ على هيئةٍ مُؤثِّرة، انتهجتها تيَّاراتٌ عَقديَّة لها ذِكرٌ في التَّاريخ:\nفكان لَبِنته مِن جِهة التَّأصيل على أيَدي الخوارجِ الأُوَل، ثمَّ غُلاة الشِّيعة، لا نفيًا منهم أن تكون مصدرَ تَشريعٍ في نفسِها، ولكن مِن جهةِ الطَّعن على النَّقَلة بداعي مُعارضةِ مَرويَّاتِهم بالقرآن، أو تكفيرِهم بالمرَّة.\nيقول عبد القاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ) عن الخوارج:\n«أنكروا حجيَّةَ الإجماع والسُّنَن الشَّرعيَّة، وأنَّه لا حُجَّة في شيءٍ مِن أحكام الشَّريعةِ إلَاّ مِن القرآن، ولذلك أنكروا الرَّجمَ والمسحَ على الخُّفين، لأنَّهما ليسا في القرآن، وقطعوا يدَ السَّارق في القليلِ والكثيرِ، لأنَّ الأمرَ بالقطعِ في القرآنِ مطلق، ولم يقبلوا الرِّوايةَ في نصابِ القطعِ، ولا الرِّواية في اعتبار الحرز فيه ..» (^٢).\nولقد ضرَبَ عموم الأمَّة صفحًا عن هذا القولِ دهرًا مِن الزَّمَن، فلم تَقُم لهذه البدعة النَّكراء قائمةٌ بعد ذلك لقرون مُتطاولةٍ، قد صارت أكثرُ أقوالها في ذمَّةِ التَّاريخ تُدرَّس لأجلِ الاعتبارِ، بفضلِ ما سخَّره الله تعالى من جهودِ المُحدِّثين في نقضِ أصولِها، وفضحِ جهلِ أصحابِها، والتَّشديدِ على كلِّ مَن تفوَّه بهذه الشُّبهةِ منذ زَمنٍ مُبكِّرٍ.\n_________\n(^١) «دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه» لمحمد مصطفى الأعظمي (ص/٢٢). ط ٣، الرياض.\n(^٢) «الفَرق بين الفِرق» لعبد القاهر البغدادي (ص/٦٤)، ويُستثنى من كلام البغدادي بعض طوائفهم الَّتي لم تغلو غلوَّ مقَدَّميهم، كالإباضية الَّتي تروي الحديث النَّبوي في مصنَّفاتها عن مثلِ عليٍّ وعائشة وأبي هريرة ﵃ كما تراه في «مسند الرَّبيع بن حبيب الفراهيدي».\nوقد ذكر عبد القاهر (ص/١٠٩ - ١١٣) بعد ذلك انضمام بعد الطوائف من المتكلمين إلى القول بهذا الأصلِ الشَّنيعِ، كالنَّظَّامية والهُذيليَّة من المعتزلة، وإن كان بشكلٍ أخف من متقدميهم.","vol":"1","page":232},{"text":"من ذلك قول أيُّوب السَّختياني: «إذا حَدَّثت الرَّجلَ بالسُّنة، فقال: دَعْنَا مِن هذا، وحدِّثنا مِن القرآن، فاعلمْ أنَّه ضَالٌّ مُضِلٌّ!» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب في «الكفاية» (ص/١٦).","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المَبحث الثَّاني\nعَودُ مذهب إنكارِ السُّنة مِن الهند</span>\nبيدَ أنَّ شرارَة هذا القول الأثيم عادت لتشتَعِل مِن جديدٍ في أزماننا المتأخرَّة، بفعلِ أيادٍ إمبرياليَّةٍ خَبيثةٍ، ألقت بفَتيل نارٍ استشراقيٍّ على ربوعِ البلادِ الإسلاميَّةِ نهايةَ القرنِ التَّاسعِ عشر، بدءً بشبهِ الجزيرةِ الهنديَّة، الَّتي أينعت أرضها برؤوس بليدة تَقحَّمت في سُعارِ نارِ هذ الفتنة، فبرز منهم مَن كان يسعى في التَّنظير لها والدَّعوة إليها، كحال (السِّير أحمد خان) (^١)، و(عبد الله جكرالوي) (^٢)، مُحتذين في ذلك تعاليم شيوخِهم المُستشرِقين بأنَّ القسمَ الأكبرَ مِن الحديثِ ليس إلَاّ نتيجةً للتَّطور الدِّينيِّ والسِّياسيِّ والاجتماعيِّ للإسلامِ في قرونِه الأولى (^٣)، و«أَنَّ الأحاديث إنَّما اختلقَها الفقهاء وأصحاب الفِرَق، وأنَّ الشَّافعي\n_________\n(^١) ولد في مدينة (دهلي) ودرس فيها العلوم الدينية، ثم التحق للعمل بشركة الهند الشرقية، وكان ذلك بداية تصاله بالإنجليز الذين رأوا فيه ضالتهم لإضلال الهنود المسلمين، وفي سبيل ذلك أنشأ جامعة «علي كره»، توفي (١٨٩٧ م)، انظر «زعماء الإصلاح في العصر الحديث» لأحمد أمين (ص/١٢١ طبعة ١٩٤٨ م).\n(^٢) وُلد ببلدة (جكرالة) إحدى قرى إقليم البنجاب بباكستان، يقول عنه ذ. محمد قصوري: «إن الحكومة البريطانية تمكنت من اصطياد بعض الشخصيات الإسلامية، وإيقاعها في شبكة التحريف ضد الإسلام، فحرضتهم على القيام بأعمال تفقد الثقة في السنة النبوية الشريفة، وكان على رأس هؤلاء جميعًا: الجكرالوي»، توفي سنة (١٩١٤ م). انظر «شبهات القرآنيين» (ص/٣٦).\n(^٣) انظر «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» للسباعي (ص/١٩٥).","vol":"1","page":234},{"text":"هو الَّذي استحدَثَ مبدأَ حُجِيَّة السُنَّة، وكان العمل قبله على السُنَّةِ المذهبيَّة ..\nوأنَّ الرَّسول ﷺ لم يترُك أوامرَ ولا أحكامًا سِوى القرآن» (^١)!\nثمَّ انتقَلَت هذه الفتنة بعد تَقسيم الهندِ إلى بلادِ السِّندِ باكستانَ، تحت مسمَّى فرقةِ (البَرْوِيزيِّين) (^٢)، فلم يلبثوا أن شنُّوا الغارةَ بدورهم على السُّنةِ ودواوينِها على حين غرَّةٍ من المسلمين المُنهَكين مِن بطشِ المُحتلِّ البريطانيِّ، مُتذرِّعين في ذلك بشعارات التَّجرُّد وغربلةِ التُّراث، مُنادين بالتَّحرُّر مِن أغلالِ الأسلافِ باسم «الإصلاح».\nيشهد المباركفوري (^٣) على هذه الحقبة العصيبة من تاريخ المسلمين في تلك الأصقاع النَّائية فيقول:\n«إنَّ رجلًا قد خرجَ في (الفِنجاب) مِن إقليمِ الهند، وسَمَّى نفسه بأهلِ القرآن، وشتَّان بينه وبين أهل القرآن! بل هو مِن أهل الإلحاد! وكان قبلَ ذلك مِن الصَّالحين؛ فأضَلَّه الشَّيطان، وأغواه، وأبعدَه عن الصِّراط المستقيم، فتَفوَّه بما لا يَتكلَّم به أهل الإسلام!\nفأطالَ لسانَه في ردِّ الأحاديث النَّبويَّة بأسرِها ردًّا بليغًا، وقال: هذه كلُّها مَكذوبة، ومُفتريات على الله تعالى، وإنَّما يجب العمل بالقرآن العظيم فقط، دون أحاديث النَّبي ﷺ، وإن كانت صحيحةً متواترةً! .. وغير ذلك مِن أقوالِه الكفريَّة؛ وتَبِعه على ذلك كثيرٌ مِن الجهَّال، وجعلوه إمامًا؛ وقد أفتى علماء العصرِ بكُفرِه وإلحادِه، وخرَّجوه عن دائرِة الإسلام، والأمر كما قالوا» (^٤).\n_________\n(^١) «موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية» لأكرم العمري (ص/٧٢ - ٧٤).\n(^٢) نسبةً إلى (غُلام أحمد برويز)، رئيس جمعية «أهل القرآن» في الهند، وصاحب مجلة «طلوع الإسلام» التي نشر فيها أفكاره، هاجر من الهند إلى مدينة كراتشي بباكستان التي ما تزال حتى اليوم حاضرة (البرويزيِّين)، توفي سنة (١٩٨٥ م)، انظر «شبهات القرآنيين حول السُّنة» لمحمود مزروعة (ص/٢٧)، و«زوابع في وجه السنة» (ص/٧٥ - ٧٦).\n(^٣) محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، صاحب الشرح المشهورِ على الترمذي المسمى بـ «تحفة الأحوذي»، وهو من أجلَّة أهل الحديث في الهند، الَّذين واكبوا بروز هذه الطَّائفة الباغية في الهند، توفي (١٣٥٣ هـ)، انظر «الإعلام بما في الهند من أعلام» للطالبي (٨/ ١٢٧٢).\n(^٤) «تحفة الأحوذي» (٧/ ٣٥٤).","vol":"1","page":235},{"text":"لكنْ مِن حفظِ الله تعالى لهذا الدِّين الخاتَم، أن باءت جهود التَّابع والمَتبوع بالفشل! ووَلْوَل المَكَرَة حسرةً على نفورِ المسلمين عن إحداثِ إسلامٍ يوافق الهوى الصَّليبي؛ حسرةٌ لم يستطِع المستشرق (جُب) كظمَها وهو يلوم الهنود على مُقاومتهم للحركةِ التَّخريبيَّة الَّتي كان عرَّابها (أحمد خان)، قائلًا: «.. لسوءِ الحظِّ؛ ظَلَّ قسمٌ كبيرٌ من المسلمين المُحافظين -ولاسيما في الهند- لا يخضعون لهذه الحركاتِ الإصلاحيَّة المُهدِّئة! وينظرون إلى الحركةِ الَّتي تَزعَّمتها مدرسةُ (علي كره) بالهند، ومدرسةُ (محمَّد عبده) بمصر، نظرةً كلَّها رِيبٌ وسوء ظنٍّ! لا تقِلُّ عن ريبتهم في الثَّقافة الأوربيَّة نفسها» (^١).\n_________\n(^١) انظر «زوابع في وجه السُّنة» لصلاح الدين مقبول (ص/٧٤)، و«السُّنة المفترى عليها» لسالم البهنساوي (ص/٢١٣).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المَبحث الثَّالث\nتجدُّد دعوى إنكارِ السُّنة في مصر</span>\nوفي الوقت الَّذي كان يحاول فيه علماء الهند إطفاءَ لهيبِ هذه البدعة المُتطايرةِ في ربوعِ بلادِهم، تطايرت شراراتها جِهة الغربِ، مُصيبًا فَيْحُها بلاد العَرَب، ثمَّ توسَّعت رقعة الحريقِ تتراءا للنَّاظرين في كتاباتٍ مِصريَّةٍ مُتناثرةً، بين مؤَلَّفٍ مُستقلٍّ ومَقالٍ في صحيفةٍ (^١).\nووَا أسفي على (رشيد رضا)! كيف طوَّعت له نفسُه فسَحَ المجال لبعضِ هذه الأقلام أن تبرُز في مجلَّتِه «المنار» (^٢).\nلكن لم تدُم جذوة هذه الدَّعوة إلى ترك السُّنة طويلًا، حتَّى خبا سُعارُها شيئًا فشيئًا في مُجتمعاتٍ سُنِّيَةٍ مذهبيَّةٍ مُحافظةٍ، لم تزَل على فِطرتِها الدِّينيَّة الرَّافضةِ لكلِّ فكرٍ هدَّامٍ دخيلٍ؛ الأمر الَّذي استفزَّ أربابها لِلَمْلَمة شَتاتها بعدُ بعقودٍ، في شبه كيانٍ فكريٍّ مُتكاتفٍ، يسعى لنشرِ أفكارِه في المجتمعات الإسلاميَّة بشكلٍ مُنظَّمٍ، مَدعومًا من جِهات غربيَّةٍ لم تزل مُصرَّةً على تطويع الإسلام، وعلى يدِ بعضِ أساتذةِ الجامعاتِ المصريَّة بخاصَّة.\n_________\n(^١) انظر «القرآنيون، نشأهم، عقائدهم، أدلتهم» لعلي زينو (ص/٤٥).\n(^٢) كما كان الحال مع الطَّبيب (توفيق صدقي)، في مقالِه «الإسلام هو القرآن وحده» المنشور في «مجلة المنار» (٩/ ٩٠٦).","vol":"1","page":237},{"text":"شاهد ذلك: ما تسمعه من حكايةِ عَرَّابِهم (أحمد صبحي مَنصور) لقصَّةِ هذا المذهب، في حوارٍ له مع إحدى القنوات الإخباريَّة السُّعوديَّة، حيث قال فيه: «.. لقد بدأنا كحركةٍ إصلاحيَّةٍ عام ١٩٧٧ م، عندما كنتُ أقوم بالتَّدريسِ في جامعةِ الأزهر، وبعد أن قُبِض علينا، وتركتُ الأزهرَ عام ١٩٨٧ م، أصبحنا مجموعةً كبيرةً مِن أساتذة جامعاتٍ ومُحامين وغير ذلك، وازدادَ التَّعاطف معنا».\nوكان ممَّا زعمَه في تصريحِه أيضًا، أنَّ بدءَ الوجود التَّاريخيِّ لهذه الفِرقةِ المُعاصرة عائدٌ إلى تقريراتٍ لـ (محمَّد عبده) في هذا الباب من الاحتجاجِ بالسُّنة، فزعم أنَّ (عبدُه) كان خارجًا «عن السُّنةِ وعن التَّصوُّفِ، فقد انتقدَ البخاريَّ، وأنكرَ الشَّفاعة؛ لكنَّ تلميذَه الشَّيخ (رشيد رضا) خانَ مَبادئَه، وتعاوَنَ مع السَّلفية»!\nثمَّ أبانَ (صبحي منصور) عن أصولِ طائفتِه: أنَّها قائمة على الاكتفاءِ بالقرآن وحده في التَّشريعِ، وعلى ردِّ ما سواه مِن النُّصوص المَنسوبةِ إلى النَّبي ﷺ، وأنَّ من أغراضِ دعوتِهم: بيان تعارضِ كثيرٍ من هذه السُّنَن مع القرآن، وشَدَّد في ذلك على «صحيح البخاريِّ» بخاصَّةٍ، ونَبَزه بأوصافٍ جُزافٍ، فادَّعى أنَّ الأحاديث لا تعدو أن تكون «كلامًا أو سُنَّةَ البخاريِّ، وأنَّها نصوص بَشريَّة!\nفما دامَ أنَّ الله ﷾ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فليس هنالك بعدَ ذلك أيُّ إكمالٍ، كأنْ يأتي البخاريُّ بعد مائتي سنةٍ ليُكمِل نقصًا؛ فنَرى في هذا اتِّهامًا مُبطَّنًا منهم للرَّسول، بأنَّه لم يبلِّغ جزءً مِن الدَّين، وتَرَكه لأبي هريرة وللبخاريِّ ولغيرهم» (^١)!\n_________\n(^١) مِن لقائه الحواري بموقع «قناة العربية»: الثلاثاء ٠٣ ربيع الأول ١٤٢٩ هـ - ١١ مارس ٢٠٠٨ م.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المَبحث الرَّابع\nالأصول الَّتي قام عليها مذهب إنكارِ السُّنة</span>\nارتكز هؤلاء المُنكرون لحجيَّة السُّنةِ في تأسيس دعوتِهم على شبهاتٍ عديدةٍ، ترجع في مُجملِها إلى أصلين جامعيَن:\nالأصل الأوَّل: كفايةُ القرآن وحدَه في التَّشريع:\nيقول (عبد الله جِكْرالوي) (^١) في تقرير هذا الأصل: «إنَّ الكتابَ المَجيد ذكَرَ كلَّ شيء يحتاج إليه في الدِّين مُفصَّلا ومَشروحًا مِن كلِّ وجهٍ، فما الدَّاعي إلى الوحيِ الخَفيِّ؟ وما الحاجة إلى السُّنة؟!» (^٢).\nولقد استدلُّوا على أصلِهم البِدعيِّ هذا، ببعض آياتٍ مِن القرآن، فهموا منها قصرَ الدِّين على القرآنِ دون سُنَّة مُبلِّغِه، فمِن ذلك:\nقوله سبحانه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].\n_________\n(^١) مولوي عبد الله بن عبد الله الجكرالوي، نسبةً إلى (جكرالة) إحدى قُرى (الفنجاب)، تأثَّر بدعوةِ أحمد خان، حيث بدأ في عام (١٩٠٢ م) بتأسيس حركته الَّتس سمَّاها (أهل الذكر والقرآن)، الدَّاعية إلى إنكار السنّة كلِّها، مُتّخذًا مسجدًا في (لاهور) بباكستان مقرًّا لحركته تلك، انظر «القرآنيون، نشأهم، عقائدهم، أدلتهم» (ص/٤٣).\n(^٢) مجلة «إشاعة القرآن» (ص/٤٩) العدد الثالث سنة ١٩٠٢ م، نقلًا عن «شبهات القرآنيين» لعثمان بن معلم (ص/٢٦).","vol":"1","page":239},{"text":"لكن علماء القرآن بحقٍّ لم يُفوِّتوا بيانَ خطأِ الاستدلالِ بالآيتينِ على ما أرادَ المُنكرون منها، فقالوا: الكتاب في الآية لفظ مُجملٌ، والمُراد به في الآية الأولى: اللَّوح المَحفوظ، بدلالةِ السِّياقِ (^١).\nوعلى التَّسليمِ بأنَّ المُراد به القرآن، فمِن عدمِ تفريطِ الكتابِ في شيءٍ: أنه بيَّن لنا وجوب الأخذِ عن الرَّسول ﷺ سُنَّته وتفاصيل التَّشريعات! فكلُّ هذه التَّفصيلاتِ النَّبويَّةِ داخلةٌ في مُسمَّى الكتاب، باعتبارِها مأخوذةً مِن القرآنِ تأصيلًا.\nكما قال أبو العبَّاس القرطبيُّ (ت ٦٥٦ هـ): «مِن الأحكام والشُّروط ما يوجد تفصيلُها في كتابِ الله تعالى: كالوضوء، وكونِه شرطًا في صِحَّة الصَّلاة؛ ومنها ما يوجد فيه أصلُه: كالصَّلاة، والزَّكاة، فإنَّهما فيه مُجمَلتان؛ ومنها ما أصلُ أصلِه: وهو كدلالةِ الكتابِ على أصليَّة السُّنةِ والإجماعِ والقياسِ، فكلُّ ما يُقتبَس مِن هذه الأصول تفصيلًا، فهو مَأخوذٌ مِن كتاب الله تأصيلًا» (^٢).\nفالقصدُ من هذا أنَّ تفاصيل التَّشريعات الَّتي لم تَرِد في القرآن، كعددِ الرَّكعات، وأنصبةِ الزَّكوات، وغيرِها مِن العبادات والمُعاملاتِ: هي بيانٌ لصِفة التَّشريعِ، وما كان كذلك فهو مِن التَّشريع نفسِه.\nوأمَّا الآية الثَّانية: فالمُراد منها إقامة الحُجَّة على المشركين المُتعنِّتين في طلبِ الآياتِ الحِسيَّةِ على صدقِ محمَّد ﷺ، ببيانِ أنَّ في القرآن كفايةً على صدقِه في نُبَّوته.\nفلا دخلَ إذن للآيةِ في تفصيلاتِ التَّشريع أصلًا، ويتأكَّد هذا بالنَّظر إلى سِباقِ الآية الكريمة، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠].\n_________\n(^١) انظر «جامع البيان» لابن جرير (٩/ ٢٣٤)، و«تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٥٣).\n(^٢) «المُفهم» (١٣/ ١٤١).","vol":"1","page":240},{"text":"والأصل الثاني عند المُنكرين: التَّشكيكُ في حفظِ السُّنةِ مِن الضَّياعِ:\nوهو نتاجٌ للأصل الأوَّل؛ ذلك أنَّ المُنكرين متوهِّمون أنَّ الله ﷿ إنَّما تكفَّل بحفظِ كتابِه لا بحفظِ سُنَّة نبيِّه، الأمر الَّذي أفهمَهم لِمَ لمْ تُدوَّن في عصر النُّبوة، كما ترى ذلك في قول (أحمد بَرويز): «اِعلم أنَّ الله ﷿ لم يتكفَّل بحفظ شيء سوى القرآن، ولذا لم يجمع الله الأحاديث، ولا أمر بجمعها، ولم يتكفَّل بحفظها ..» (^١).\nوما دام أنَّ رُواة أحاديث السُّنة غيرُ مَعصومين مِن الخطَأ والكذبِ فيها، دلَّ ذلك عنهم على أنَّ الدِّين ليس في حاجة إلى السُّنة، وإلَّا لنُقِلَت إلينا بالتَّواتر كما نُقلِ القرآن.\nوهذه دعوى -لا شكَّ- ساقطة، فإنَّ الحفظَ التَّام الَّذي أراده الله ﷿ ليس لمُجرَّدِ حفظِ الحروفِ والمباني، دون حفظٍ لما تَضمَّناه مِن أحكامٍ ومَعاني، فإنَّ ما جاء مُجملًا في القرآن أو عامًّا، فإنَّ الله أوكل مهمَّة تبيِينه وتَفصيلِه قولًا وتطبيقًا للنَّبي ﷺ، كما في صريح قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\nفهذه الآية قد دلَّت على أنَّ فهمِ القرآن معيارُه أقوال النَّبي ﷺ وسيرته، حفظًا لمعانيه مِن تلاعبِ الأهواء ومَزالقِ التَّأويل غير المتناهية، وهذا قصدُ مَن أطلق من السَّلفِ أنَّ «السُّنة قاضيةٌ على كتابِ الله، أرادوا أنَّها مُبيِّنة للكتابِ، مُنبِّئةٌ عمَّا أراد الله تعالى فيه» (^٢).\nفإذا كانت السُّنَة على هذه الحال من بيانِ الكتاب، كان مِن تمامِ حفظِ هذا الكتاب للنَّاس أن يُحفَظ لهم مُفسِّره، مِمَّأ يقتضي أنَّ «حفظَ الله تعالى لسُنَّة نبيِّه ﷺ، هو مِن جنسِ حفظِه لكتابِه» (^٣).\n_________\n(^١) «شبهات القرآنيين حول السنة» لمحمود مزروعة (ص/٨٤).\n(^٢) «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/٢٨٧).\n(^٣) «جواب الاعتراضات المصرية» لابن تيمية (ص/٤٢).","vol":"1","page":241},{"text":"ذلك لأنَّا مُقرُّون جميعُنا بأنَّ النبيَّ ﷺ مَبعوث لأهلِ زمانِه ولمَن بعدَهم إلى يوم القيامة بعامَّة، وخَتْم الرُّسْلِ به ﷺ مُستلزم لحفظ أقواله التَّشريعيَّة المُفصِّلة لآيِ القرآنِ لمن بُعِث إليهم، كي تقوم الحُجَّة على الكُلِّ بتَمامِها (^١)؛ وإلَّا صارت الآيات الآمِرةُ بطاعةِ النَّبي ﷺ، والاحتكامِ إليه، والاقتداءِ بهَديِه، والمُحَذِّرة مِن مَعِصيَتِه: آمرةً لنا -نحن معاشرَ من لم يَتشرَّف برؤيتِه- بما لا يُستَطاع! وهذا -لا شكَّ- مُحالٌ في الشَّرع؛ أو تكون مَحصورةً فيمَن لَقِيَه ﷺ فقط دون مَن جاء بعده، وهذا مُخالفٌ للإجماعِ (^٢).\nثمَّ يُقال للمُنكرين: لو كانت أقوالُه وأفعاله ﷺ حرامٌ على الأمَّة أن تهتديَ بها -كما تقولون- مع وجود القرآن، فلماذا لم تنزل ولو آية واحدةٌ تصرِّح بتحريم هذا الاهتداء وتحذير الصَّحابة ومن بعدهم منه، كما جاء التَّصريح القرآنيُّ بباقي المُحرَّمات عليها؟! مع ما نعلمه من كونِ النُّفوس مجبولةً على الاقتداء بأسلافِها العُظماء، والنَّبي ﷺ لا شكَّ أعظمِ ما تُعظِّمِه الأمَّة مِن الخلقِ.\nفعلى التَّسليم للمُنكرين بعدم ورودِ ما يَدلُّ على وجوب اتِّباعه ﷺ في سُنَّته، فإنَّ مَظنَّة وقوع ذلك من أصحابه وأمَّتِه قويَّةٌ جدًّا، إذن لجاء النُّص القرآنيُّ صريحًا في تَنبيهِ الأمَّةِ على تركِ ذلك! ولم يأتِ النَّص، فدلَّ على المشروعيَّة؛ أقول هذا تنزُّلًا، وإلَّا فالدَّلائل النَّقليَّة الآمرة باتِّباع سُنَّته أكثر مِن أن تُحصى في هذا المقام، والله أعلم.\nثمَّ هل تناسى المُنكرون لحجيَّة السُّنة بأنَّ مَن نَقلوا القرآن إلينا، هم أنفسُهم مَن نقلَ إلينا السُّنَن؟!\nإنَّ مِمَّا يتعامى المُنكرون عن التَّنبُّه له في مثل هذا المقام، أنَّ التَّأييدَ الإلهيَّ والعنصرَ البَشريَّ القائِمَين على حفظِ القرآن هما القائمان على حفظِ السُّنة على سواء! فالقرآن محفوظ في نفسِ الوِعاء النَّقليِّ الَّذي حُفظت به السُّنة، وهو الإسناد\n_________\n(^١) انظر «الإحكام» لابن حزم (١/ ١١٨ - ١١٩).\n(^٢) انظر «المحكمات» لحاتم العوني (ص/٩٥ - ٩٦).","vol":"1","page":242},{"text":"المُتصِّلِ إلى النَّبي ﷺ؛ فبانَ أنَّ التَّفريق بين مُتماثلينِ في أصلِ النَّقلِ هو مِن أبطلِ الفروقاتِ عقلًا ودينًا.\nفإن كان هذا التَّفريق عند المُنكرين لأجل كونِ القرآن مَرويًّا بالتَّواتر: فإنَّ في السُّنة النَّبويَّة مُتواترٌ كثيرٌ أيضًا! مع أنَّهم لا يُفرِّقون في أصلِ إنكارِهم للسُّنة بين مُتواترِها وآحادِها.\nفإذا ثَبَت الخُلف في دعوى المُنكِرين، ثبتَ بطلان ما ذَهبوا إليه، مع بطلانِ قولِهم بعدمِ الحاجةِ إلى شيءٍ في التَّشريعِ غيرِ القرآن، لأنَّا نلزمُهم بأوقاتِ الصَّلواتِ، وعددِ ركعاتها، وأنصبة الزَّكوات، ونحو ذلك من التَّشريعات.\nفإن اعترضَ بأنَّ هذا التَّفسير النَّبويَّ مُتواترٌ عمليًّا: فقد أقَرَّ لنا بحجيَّة هذا القسمِ مِن السُّنة، مع نفيِه بادئ الأمرِ للحاجة في التَّشريع إلى غير القرآن أصلًا! فقد كفانا بهذا الجواب لنقضِ دعواه.\nلكن نزيده جوابًا آخر فنقول: إنَّ نقلَ السُّنة -في مُجملِها- عن الصَّحابةِ مُتواتر أيضًا، وعن التَّابعين، وهكذا؛ فيصير قولهم ببُطلانِ السُّنة مُتضمِّنًا لتهمة الصَّدر الأوَّل ﵃ بالتَّقوُّل على الشَّريعة -والله قد زكَّاهم في القرآن- إذْ أحدثوا أمرًا جليلًا في الإسلام لم يُأمروا به، بل كان حَقُّهم أن يَنهوا طُلَّابَهم عن الأخذِ بما يَرْوُونه لهم من أقوالِ النَّبي ﷺ وأفعالِه؛ لكنَّهم على عكس ذلك قد أقرُّوهم على تداوُلِ تلك السُّنَن المَرويَّات، والعملِ بها، ونقلِها لمِن بعدهم.\nومِن قبيل هذا التَّناقضِ أيضًا -وما أكثر تناقضاتِهم-:\nأن يستدلَّ أربابُ هذا المسلكِ بحديثِ «النَّهيِ عن كتابةِ الحديثِ» (^١) على إسقاطِ حُجيَّة السُّنة، وهم يتركون في مُقابله أحاديثَ الحثِّ على حفظِها، وتبليغِها، والتَّحذير مِن رَدِّها! والنَّاهي والآمر واحدٌ، لكنَّ الهوى يُعمي ويصمُّ!\n_________\n(^١) وهو ما جاء في صحيح مسلم (رقم: ٣٠٠٤) عن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني، ولا حرج، ومن كذب علي -قال همام: أحسبه قال- متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».","vol":"1","page":243},{"text":"ولَك أنْ تَعجبَ أيضًا مِمَّن يُنكر ما زاد عن القرآن مِن السُّنة وهو يلوك روايةً فيها الأمرُ بعرضِ الحديثِ على القرآن (^١)، كحديث: «إذا سمعتم عنِّي حديثًا فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه، وإلَّا فردُّوه» (^٢)؛ فليتَه كان صحيحًا، بل مُنكَرٌ مُتهاوي الإسناد! قال فيه الشَّافعي: «ما رواه أحدٌ يثبُت حديثه في شيء صغُر ولا كبُر» (^٣)، وقال عنه ابن معين: «حديث وضعته الزَّنادقة» (^٤).\nوعلى مَن يُحاجُّ به لو كان مُعتقدًا نفيَه الزَّيادة على القرآن، أن يُعمِله أوَّلًا على هذا الحديثِ نفسِه، لأنَّه -كما ترى- حديثٌ زائدٌ عن القرآن (^٥)!\nيقول ابن عبد البرِّ: «قد عارض هذا الحديث قومٌ من أهل العلم فقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كلِّ شيء، ونعتمد على ذلك، قالوا: فلمَّا عرضناه على كتاب الله ﷾، وجدناه مخالفًا لكتاب الله! لأنَّا لم نجد في كتاب الله ألَّا نقبل من حديث رسول الله ﷺ إلَّا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التَّأسي به، والأمر بطاعته، ويحذِّر المخالفةَ عن أمره جملةً على كل حال» (^٦).\n_________\n(^١) كما تراه في أغلبِ كتاباتِ من أنكر السُّنة من المعاصرين، يتصدَّرهم في ذلك زعيمُهم أبو ريَّة في كتابه «أضواء على السنة النبوية».\n(^٢) انظر عديد ألفاظه في «الأم» للشافعي (١/ ٩٨)، و«معالم السنن» للخطابي (٤/ ٢٩٩)، و«جامع بيان العلم» لابن عبد البر (٢/ ١١٩١)، و«الموضوعات» للصاغاني (رقم:٧٦)، و«كشف الخفا» للعجلوني (٢/ ٥٦٩).\n(^٣) «الأم» للشافعي (١/ ٩٨).\n(^٤) «معالم السنن» للخطابي (٤/ ٢٩٩).\n(^٥) ولمزيد استفياء لأدلَّة ثبوت حجيَّة السُّنة النَّبوية، يُنظر كتاب «حفظ الله السُّنة» لـ د. أحمد السَّلوم (ص/٤٩ - ٥١)، حيث أوفى مؤلِّفه في ذكر الأدلَّة النَّقلية والعقلية على حفظها من وجهين من وجوه الضَّياع:\nالأول: ضياع الفقدان: باندثار شيء من السُّنة يخلُّ ضياعه بحفظ الدِّين.\nالثَّاني: ضياع الشِّك في الثُّبوت: باختلاط ثابتها بمكذوبها، دون قدرة على التَّمييز بينهما، ممَّا يوقع الرِّيبة في كلِّها.\nوهذان من الأصول الَّتي يجب العناية بها، بإبراز أدلَّة إحكامها اليَّقينية، كما تراه ماثلًا في كتاب عند حاتم العوني «المحكمات» (ص/٤٩)؛ كما أنَّ من أفضل من ردَّ على شبهات مُنكري السنة: خادم حسين بخش، في رسالته الماجستير المَطبوعة: «القرآنيون وشُبهاتهم حول السُّنة».\n(^٦) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٩١).","vol":"1","page":244},{"text":"فلأجل ما مرَّ على ناظِريك من هذه الضَّلالات الهدَّامة للدِّين ومثيلاتها، اشتدَّ العلماء في الحكم على شُذَّاذِ هذا المسلكِ بما لا تراه لهم في طوائفَ أخرى تجرَّأت هي أيضًا على شيءٍ مِن السُّنة النَّبوية، لبلوغِ أولائك ذروةَ القِحة في إنكارِ ما هو مَعلومٌ مِن دينِنا بالضَّرورةِ، ممَّا هو أصلٌ في قيام الإسلامِ بأكمله؛ قد استحقُّوا على ذلك قولَ السُّيوطي فيهم: «إنَّ مَن أنكرَ كونَ حديثِ النَّبي ﷺ قولًا كان أو فعلًا -بشرطِه المعروفِ في الأصول- حُجَّة: كَفَرَ وخرجَ عن دائرةِ الإسلامِ، وحُشِر مع اليهود والنَّصارى، أو مع مَن شاء الله مِن فِرق الكفرة ..» (^١).\nوحاصل القول لهذا المَقام:\nأنَّ في الإجماعِ اليقينيِّ المُتحقِّقِ مِن أئمَّة السَّلفِ والخلفِ، لدليلًا كافيًا على فسادِ ما أملتهُ سَمادير الضَّلالِ على أربابِها، مِن إنكارِ وحيِ السُّنة في هذا الزَّمان، وأحسبُ أنَّ المعترضَ على كلامِ أهل الحديثِ مِن هؤلاءِ المُنكرين للسُّنة، لو تخلَّص من رِبقة الجهل، وطالَع شواهدَ سِيَرِهم، وجُهدَهم في خدمةِ سُنَّة نبيِّهم روايةً ودِرايةً: لأخسأَ شيطانَه، ولعادَ قالِبًا لأسيادِه المُستشرقينَ ظَهر المِجَّن، وأذعنَ في اتِّباعِ سبيل المؤمنين، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.\nولقد تجرَّأ بعضُ هؤلاء في زمانِنا للتَّعرُّضِ للصِّحاحِ مِن الأخبارِ النَّبوية، بالطَّعنِ في متونِها، وإفسادِ دلالاتِها، بشتَّى المُعارَضات، فجعلوا «الصَّحيحين» بخاصَّةٍ نصبَ سِهامِهم، لمكانتِهما العظيمة عند المُسلمين، فإنَّهم وإن كانوا لا يحتاجونَ لمُعارضةِ الأحاديث بشيءٍ، لإنكارِهم لها مِن الأصل، كما قال أحد رؤوسِهم (جراغ علي الهنديُّ): «إنَّ معاييرَ الصِّدق والأصول العقليَّة لا حاجةَ لإقامتها لتمييزِ الحديث، لأنَّ الحديث في حَدِّ ذاتِه شيءٌ لا يمكن الاعتماد عليه، ولا اعتبارَ لمِا يتحدَّث عنه» (^٢).\n_________\n(^١) «مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة» للسيوطي (ص/٥ - ٦).\n(^٢) «أعظم الكلام في ارتقاء الإسلام» لجراغ علي ونواب جنك (١/ ٢٠).","vol":"1","page":245},{"text":"ولكن هم يجهَدون في هذه المقارناتِ الاعتراضيَّة للأحاديث، لأجلِ إسقاطِ اعتبارِها مِن قلوبِ أهل السُّنة، وتشكيكِهم فيها، وسيأتي ذكر أمثلةِ ذلك من بعض كتاباتهم مُتعرِّضين لنقدها -بإذن الله تعالى- في التَّالي:","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المَبحث الخامس\nأبرز القرآنيين الَّذين توجَّهوا إلى «الصَّحيحين» بالنَّقد</span>","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المَطلب الأوَّل\nمحمود أبو ريَّة (^١)\nوكتابه «أضواء على السُّنة المحمَّدية»</span>\nلا يكاد المرءُ يَسمع عن موضوعِ الطَّعنِ في أحاديث السُّنة والغمزِ في رُواتِها، إلَّا قفز إلى ذهنه اسمُ (أبو رَيَّة) سِراعًا، لِما عُرِف به مِن أوَّليَّةٍ في تقحُّمِ هذه المَخاضةِ النَّتِنَةِ مِن التَّشكيكِ في مِصداقيَّة التَّدوين لها، ومُعارضتِه لِما تلقَّته الأمَّة بالقَبولِ مِن أخبارِ «الصَّحيحين» وغيرهما، بألوانٍ مِن شُبَهٍ مَلأتْهُ إلى مُشاشِه.\nأمَّا تطاوُله فوق ذلك على الصَّحبِ الكِرام ﵃، ورَميُه لحافِظِهم أبي هريرة ﵁ في دينِه، وقدحِه بأمانتِه، وتَبجُّحِه بكشِفِ هَناتِه للنَّاس: فذاك أمرٌ أغربُ مِن مُفاخرَة الحَصى للشُّهُب، والقدحِ في نورِ الصُّبحِ على لسانِ الدُّجى!\nقد بَدَت أُولَى أماراتِ انحرافِه سنةَ (١٣٦٣ هـ) حينَ شُوهِد في مجلَّة «الفتح الإسلامي» (^٢) مُتجشِّمًا الدِّفاعَ عن القرآن، مُستبطِنًا في ذلك غمْزًا بالسُّنةِ لا تُخطِئُه قريحة، وازدراءً لرُواتِها بألفاظٍ قبيحةٍ.\n_________\n(^١) من الكُتاب البارزين المصريين الذي عُرفوا بالطعن على السُنة النبوية، والتهجم على حافظها أبي هريرة في كتابه «أبو هريرة شيخ المضيرة»، توفي سنة (١٩٧٠ م)، وقد أخمل الله تعالى ذكره فلم يترجم له الزركلي في «أعلامه» مع تقدم وفاته عنه، ولا استدركه أحد بعده فيما علمت، ولم يترجم له إلا الشيعة الاثنا عشرية عند سيدهم (مرتضى الرضوي) في كتابه «مع رجال الفكر» (١/ ١٣٠ - ١٥٨) احتفاءً بحربه لأصول السنة وأئمتها وما يؤول إليه ذلك من نصرة مذهبهم وانتشاره في أوساط أهل السنة.\n(^٢) العدد: ٥٤٦، ١٠ صفر ١٣٥٦ هـ (ص/١١٠٠).","vol":"1","page":249},{"text":"إلى أن أسفَرَ عن عَدائِه للسُّنَةِ صُراحًا في مَقالٍ له أسماه: «الحديث النَّبوي»، نشرَته مجلَّة «الرِّسالة» (^١)، فيه بَشَّرَ بإخراجِ كتابِه القُنبلة: «أضواء على السُّنةِ النَّبويَّة»، ليُحدِثَ به بعدُ «بَلْبلةً في الأفكارِ عند مَن لم يَتَعمَّقوا في دراسةِ السُنَّة» (^٢)، كحالِ زُرافاتٍ مِن أدعياءِ الحَداثةِ، وصَناديدِ العَلمنةِ، الَّذين تكَالبوا آنَذاكَ -ولازالوا (^٣) - على الثَّناءِ عليه في كتابِه هذا.\nثمَّ راحوا يحثُّون أربابِ القَرارِ في مِصر لفسحِ مجالِ النَّشرِ له، رغمًا عن أنوفِ علماءِ الأزهرِ! فلم تكُن وَجاهةُ هؤلاء لتُلزم وزارةَ الثَّقافة بمنعِ ذلك، وقد حالَ بينهم وبين سَعيِهم هذا للمنعِ برقِيَّةٌ خَطَّها أحَدُ أقطابِ الأدَبِ العَربيِّ وقتها، يَحكي تفاصيلَها (أبو ريَّة) ونَشوةُ الانتصارِ منه على مَن أطعَموه العِلمَ صغيرًا تَملؤُ صدرَه، حيث قال: «.. عَلِمَ أخيرًا بالأمرِ نَصيرُ الدِّين والفكرِ: (طَه حُسين)، فطَلَب أصولَ الكتابِ مِن وزارةِ الثَّقافةِ، ولمَّا اطَّلَع عليه، أعادَه علينا مع خطابٍ، دَحَض فيه ما رَماه الأزهرُ به، وصَرَّح في جَلاءٍ أنَّه مُوافق للدِّينِ كلَّ الموافقةِ، لا يُخالفه ولا يَنبو عنه في شيءٍ مُطلقًا، وأنَّه مُفيدٌ فائدةً كبيرةً جدًّا في علمِ الحديث»! (^٤)\nوهكذا فليَكُن جَلَدُ الفاجرِ، في الدَّفعِ عن الباطل بِالباطِل!\nهذا الكتاب -مع كلِّ الجَلَبة الَّتي رافقت صدوره- لم يُضِف فيه صاحبُه جديدًا إلى البحث العِلميِّ، بل ولا إلى أصلِ الشُّبَه والطُّعون الَّتي قالها أسلافُه مِن مُنكري السُّنَن، فلم يكُن أبو ريَّة إلَّا مِن مُستنقَع المُستَشرِقين يَمْتَح، وعن مائِهم الآسِن يَصدُر.\n_________\n(^١) العدد: ٦٣٣، رمضان ١٣٦٤ هـ ١٩٤٥ م.\n(^٢) «دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين» لمحمد أبو شهبة (ص/٣٩).\n(^٣) انظر نماذج من استشهاد العلمانيين المعاصرين بمحمود أبي ريَّة في «الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السُّنة» لغازي الشَّمري (ص/٤٣٢ - ٤٣٣).\n(^٤) «مع رجال الفكر في القاهرة» لمرتضى الرضوي (١/ ١٣٠ - ١٥٨).","vol":"1","page":250},{"text":"«إنَّما الَّذي فاقَهم فيه، أنَّه أكثر خُبْثًا ودَناءةً، وأسوأُ أدَبًا مع الصَّحابةِ الأُمَناء، وأجرأُ على الكذبِ، والبُهتِ، والخياناتِ العِلميَّة» (^١).\nلكنَّ حُرَّاس الشَّريعةِ لم يَسكتوا له حتَّى تَتابَع مُحقِّقوهم على كشفِ جَهالاتِه وتَبيِينِ زَغَلِ كِتابِه، بَلَغوا بها أربعةَ عشرَ مُؤلَّفًا (^٢)، أجودُها في نَظَري: كتاب «الأنوار الكاشِفة» للمُعَلِّمي، لِما لمُؤلِّفه مِن فهم عميقٍ لعلومِ الحديث، هو عندي مِن نَوادِر العصرِ في ذلك؛ ثمَّ بعده كتاب «ظُلمات أبي ريَّة» لمحمَّد عبد الرَّزاق حمزة، والفصول المُخصَّصة للرَّد عليه مِن كتابِ «الدِّفاع عن السُّنة وردُّ شُبَه المستشرقين» لمحمَّد أبو شهبة، و«السُّنة ومَكانتها في التَّشريعِ الإسلاميِّ» لـ د. مصطفى السباعي.\nفلم تبقَ بعدهم -بفضلِ الله- حاجةٌ لرَدٍّ جديد، لولا أنَّ آراءَه قد عادت إلى الظُّهور مجدَّدًا عند (أبي بكر صالح) و(إسماعيل كردي) و(سامر إستانبولي) وغيرهم مِن أعداء السُّنَن المعاصرين.\nتقيِيم كتاب «الأضواء» ومُؤلِّفِه:\nوالَّذي يُمكِنُنا الخلوص إليه بعد تَصَفُّحنا لتلك الرُّدودِ السَّالف ذكرها مع الكتابِ المَردود، مُحصَّلٌ في الأفكارِ التَّالية:\nأوَّلًا: أنَّ الرَّجل غيرُ مَوثوقٍ فيما يَنقُل، فتراه يَزيد أحيانًا في النَّصِ الَّذي ينقُده كلمةً يُفسِد بها مَعناه، لينسجِمَ مع ما يُريد هو دون مُرادِ قائِله، فمثالُ ذلك:\nاختلاقه قولًا نَسَبه إلى «صحيح البخاريِّ» زُورًا، زَاعمًا أنَّه في «فتح الباري»، حيث نَسَبَ إليه أنَّ «عبدَ الله بن عمرو ﵁ أصابَ زامِلَتَين مِن كُتب أهلِ الكتابِ، وكان يَرويها للنَّاسِ (عن النَّبي ﷺ»)! (^٣)\n_________\n(^١) «السنة في مواجهة الأباطيل» لمحمد طاهر رسول (ص/٦٤).\n(^٢) «مرويات السيرة» لـ د. أكرم العمري (ص/٣٨).\n(^٣) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٦٢، الهامش ٣).","vol":"1","page":251},{"text":"كذا قال، وشَرْحُ ابن حَجرٍ خلوٌ مِن هذا اللَّفظِ الأخيرِ «عَنْ النَّبِيِّ»، وابن عمروٍ ﵁ يَبرؤُ إلى ربِّه أن يَنسِب تلك الصُّحف إلى قولِ نبيِّه ﷺ؛ وعند الله تجتَمِع الخصوم (^١).\nثمَّ كثيرًا ما يُنقص (أبو ريَّة) كلمةً مِن نصٍّ يستدلُّ به، أو يُسنِد القولَ إلى غيرِ صاحبِه تضليلًا منه وتمويهًا، وهو القائل في فواتح كتابه: «الكذب هو أبو الرَّذائل كلِّها، سواء أكان عن عمدٍ ام غير عمد» (^٢)! فقد ذَكَر السِّباعي وقائع تشهد على كذبات (أبو ريَّة) تلك أثناء مُناقشتِه له فيما كَتَبَه في حقِّ أبي هريرة ﵁ (^٣)، مختتمًا ذلك بقوله: «.. ومِن عدالةِ الله أنَّا أمسكنا بأبي ريَّة مُتلبِّسًا بجريمةِ الكذبِ العمدِ كما رأيتَ» (^٤)!\nلترجع على نفسِ (أبو ريَّة) دَعوتُه حين دَعا بقولِه: «.. فلعنةُ الله على الكاذبين مُتعمِّدين أو غير مُتعمِّدين»!\nثانيًا: أنَّ (أبو ريَّة) يَستدلُّ لشُذَّاذِ أفكارِه بنصوصٍ قيلَت في مَوضوعٍ غيرِ المَوضوع الَّذي يستدلُّ عليه، إيهامًا للقارِئ أنَّه مُؤيَّد فيما يَقولُ بعُلماءَ أقدمينَ (^٥)؛ كـ «اعتصام» الشَّاطِبي، و«الجامعِ» لابن عبد البرِّ.\nفهل هؤلاءِ انتهوا إلى ما انتهى إليه أبو ريَّة مِن طعنٍ في حجيَّة السُّنة ورواتِها الأعلام؟!\nولَإن كان (أبو ريَّة) نفسه لا يَرتضي مَضامين تلك المُصنَّفاتِ السُّنيَّة، ولا مناهج مُؤلِّفيها، فإنَّ شغفَه بالتَّدليسِ على قُرَّائِه، وإقاعِهم في شِّراك حِيَله، دفعاه إلى هذا الأسلوبِ الَّذي أجابَ مَن استشكَلَه عليه بقولِه: «الأحاديث الَّتي أُورِدُها في سياقِ كلامِي للاستدلالِ بها على ما أريد في كتابي: إنَّما أسوقُها لِكَي\n_________\n(^١) ولمزيدٍ معرفةٍ بتحريفاته، يُنظر «السُّنة المفترى عليها» لسالم البهنساوي (ص/٢٨٦).\n(^٢) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/٣٨).\n(^٣) انظر كتابه «السنة ومكانتها في التشريع» (ص/٣٦٣).\n(^٤) «السُّنة ومكانتها» (ص/٣٦٨).\n(^٥) انظر «السنة ومكانتها» (ص/٣٦٥)","vol":"1","page":252},{"text":"نُقنِعَ مَن لا يَقتنع إلَّا بها، على اعتبارِ أنَّها عنده مِن المُسَلَّمات التي يُصدِّقها ولا يُماري فيها»! (^١)\nفسعيًا لتحقيق هذا المقصِد، نرى (أبو ريَّة) مهتمًّا بالنَّقل عن (رشيد رِضا) وفيما أخطأ فيه اجتهادُه تحديدًا، لِما يَعلَمُه مِن مَكانتِه العِلميَّة المَرموقةِ في عَصرِه، وإلَّا «لو كان رشيدٌ حَيًّا حين أصدَرَ أبو ريَّة كتابَه، لكانَ أوَّلَ مَن يَردُّ عليه في أكثرِ مِن مَوضعٍ في ذلك الكتاب» (^٢).\nثالثًا: تحريفُه لظواهرِ النُّصوصِ عمدًا، وتحكُّمه في مُراداتِها تحكُّمًا يُمليه الهَوى لا البحث المَوضوعيُّ، كادِّعائِه -مثلًا- أنَّ أبا هريرة ﵁ لديه كِتابَان مَخطوطَانِ حَفِظَهما عن رسولِ الله ﷺ (^٣)؛ فهِم هذا مِن قوله ﵁: «حفِظتُ عن رسولِ الله ﷺ وِعَاءين، فأمَّا أحدُهما فبَثَثتُه، وأمَّا الآخر فلو بثَثتُه لقُطع هذا البلعوم» (^٤).\nوظاهرٌ جدًّا من هذا النَّص العَربيِّ المُبين، أنَّ أبا هريرة لم يقصِد ما تقَوَّله (أبو ريَّة)، ولا أحدٌ فهِم أنَّ عنده كتابين، أو كتابًا واحدًا! «وإنَّما قَصَد ﵁ وفَهِم النَّاس عنه: أنَّه حَفِظ ضَرْبَين مِن الأحاديث: ضربٌ يتعلَّق بالأحكام ونحوِها، ممَّا لا يَخاف هو ولا مثلُه مِن روايتِه، وضربٌ يتعلَّق بالفِتَن وذمِّ بعضِ النَّاس، وكلُّ أحدٍ مِن الصَّحابة كان عنده مِن هذا وهذا» (^٥).\nرابعًا: أنَّه في سبيلِ تأكيدِ الفكرةِ المُستَولِية عليه، يرفضُ نصوصًا أجمَعَ العلماء على صِحَّة نقلِها، مِن حيث يَعتمِد على رواياتٍ مَكذوبةٍ نَصُّوا على بُطلانها! ككثيرٍ من الحكاياتِ المَرويَّةِ في كُتبِ الأدباء، ونَوادِر المَجالِس (^٦)، مِمَّا\n_________\n(^١) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/٣٣).\n(^٢) «السنة ومكانتها» (ص/٣٠).\n(^٣) انظر «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٨٤).\n(^٤) أخرجه البخاري في (ك: العلم، باب: حفظ العلم، رقم: ١٢٠).\n(^٥) «الأضواء الكاشفة» (ص/٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٦) «السنة ومكانتها» (ص/٣٧٦).","vol":"1","page":253},{"text":"لا سَنَد له ولا زِمام، بل لا يُعرَف أحيانًا قائِلُها! كالَّتي نراها في «حياةِ الحيوانِ الكبرى» للدَّميري، و«الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، «وهذا نفسُه المنهج العِلميُّ الَّذي قَدَّمه المُستشرِقون وأتباعُهم لتزيِيفِ المفَاهيم الأساسيَّة والأصِيلة» (^١).\nو(أبو ريَّة) وإن كان غَرضُه إسقاطَ اعتبارِ السُّنة، وإهدارَ جُهدِ نَقَلَتِها، فهو لأجلِ تحقيقِ ذلك، يَنقُل ما يُسنِده مِن كُتبِ أعدائِهم مِن الإماميَّة، كـ «تفسير الخوئي»، شَغوفًا بالتَّزلُّفِ إلى أربابِ مَذهبِهم، والمَيلِ بمُؤلَّفاتِه إلى ما يَهواه أصحابُ الخُمُسِ مِن مَلَالي لبنان وغيرها (^٢).\n_________\n(^١) «السنة النبوية في مواجهة شبهات الاستشراق» لأنور الجندي (ص/١٠).\n(^٢) لم يكن أبو ريَّة زائغَ القول في جميعِ أصحاب النبي ﷺ، بل كان مُعترفًا بالفضل لأبي بكر وعمر ﵃، كما تراه في «أضواء على السنة» (ص/٢٤٢): «لولا حزم أبي بكر، وصرامة عمر، ومن عاونهما من خيار الصَّحابة وصالحيهم، لاندكَّ صرح الإسلام وهو في المهد ..»، ولكنَّهم أفراد قلائل، سَلَّط عليهم لسانَه المَسموم بالذَّم والتَّنقيص من أقدارهم -كمعاوية وأبي هريرة-.\nفما كان على دواهي الإماميَّة إلَّا امتطاءَ إكافَ ظهرِه، ليشنُّوا به الغارَةَ على أهل السُّنة، مُحاولين -جهدَ أحلامِهم- نقلَ المعركة على السُّنَن داخل الصفِّ السُّنيِّ نفسِه.\nلأجل هذا أكثرَ (مُرتضى الرَّضوي) صاحب كتاب «مع رجال الفكر في القاهرة» الاتِّصالَ بأبي ريَّة، وكانت علاقته بَعدئذٍ وطيدةٌ بعبد الحسين العامليِّ (ت ١٣٧٧ هـ)، أحد علماء الإماميَّة بلبنان، وقد تأثَّر (أبو ريَّة) بكتابَي مُرتضى العسكري «أحاديث عائشة» و«عبد الله بن سبأ»، يزعم أنَّهما الفصلُ في حقيقة الحقبة الأولى من الإسلام؛ هذا مع ما كانت له من مُراسلات مع كثير مِن علماء الإماميَّة، منهم (صدر الدِّين شرف الدِّين)، الَّذي تبرَّع بطبع كتاب أبي ريَّة «أبو هريرة: شيخ المضيرة» طبعتَه الأولى في لبنان، واصفًا أبا ريَّة في تَقدمته للكتاب في طبعته الثالثة (ص/٥ - ٦): «بالعَلَّامة الَّذي يَلين بيَدِه الحديث»!\n\nوليست هذه المودَّة مِن أبي ريَّة لهؤلاء الإماميَّة مُجرَّد مُداهنةٍ يرجو منها حطامَ دنيا فقط، بل هو مع ذلك مُعتقدٌ لكثيرِ مِمَّا يقولونه أواخرَ عُمره، أظهر ذلك في بعض تَواليفه، منها «أمير المؤمنين عليُّ، وما لَقِيه مِن أصحاب رسول الله ﷺ» -وهو مخطوط-.\nوينقلُ عنه الرَّضويُّ من بعضِ مَجالسِه قدحَه في أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، كاتِّهامِه لها بأنَّها كانت تَكيد بالنَّبي ﷺ وتمكُر به، وأنَّها «كانت تُؤيِّد معاوية في حروبِه مع عليٍّ ﵃، ولم تهدأ ثائرتُها حتَّى قُتِل عليٌّ فَقرَّت عينها، وهدَأت نفسها .. وإنْ كان الظَّنُّ أنَّ الله لا يَغفر لها»! انظر هذا وزيادة في كتاب «مع رجال الفكر في القاهرة» لمرتضى الرَّضوي (١/ ١٣٠ - ١٥٨).\nفإن كان مُرتَضى صادقًا في ما ينقلُه عنه -ولستُ في ثلَجٍ من وقوع ذلك حقيقةً، لِما عُرفَت به الإماميَّة مِن الكذب نُصرةً لدينِها، ولستُ أستبعِده أيضًا- فإنَّ (أبو ريَّة) يكون بِهذا قد تزندق! لا تُعلم له طائفةٌ يَنتسِب إليها، فتنةً من الله له جَرَّاء خُبثِ طَويَّتِه، ووقوعِه في أولياءِه.","vol":"1","page":254},{"text":"وهذا ما لمَّحَ إليه المُعجَب به (محمَّد حمزة) بقولِه: «إنَّ حماسَ أبي ريَّة الشَّديد لانتقادِ آراءِ أهلِ السُّنة، أوقَعه -مِن حيث لا يشعر- في قبولِ مَقولات شيعيَّةٍ، بقي الشِّيعة إلى اليوم في كتاباتِهم يُغذُّون بها مِخيالهم الاجتماعيَّ، كفضلِ عليٍّ على بقيَّةِ الخلفاء الرَّاشدين، والعنت الَّذي لقيته فاطمة ابنة الرَّسول ﷺ مِن أبي بكر» (^١).\nفلأجلِ هذا التَّلوُّنِ العَقديِّ عند (أبو ريَّة)، والتواءِ قَلَمِه بحسب ما يُمليه هَواه، نجِد أنَّ النَّاقلين عنه مِن خصومِ السُّنَةِ يَنتمون إلى غير تيَّار فكريٍ واحد، ففيهم القرآنيُّ (^٢)، والعَلمانيُّ (^٣)، وفيهم العَقلانيُّ المُتشرِّع (^٤)، فضلًا عن الشِّيعةِ الإماميَّة كما أسلفنا به الذِّكر (^٥).\nفلأجلِ ما تقدَّم من خليطِ انحرافاتِه صعُب عليَّ تصنيفه في خانةٍ فكريَّةٍ مُحدَّدة، وإن كُنَّا ارتأينا حشْرَه مع زُمرةِ المُنكرين للسُّنةِ أصالةً، فلأنَّ الكُلَّ مُتَّفِقٌ على وُلوغِه في هذه البائقةِ، وانتشارِ رأيِه بخصوصِ الطَّعنِ في أكثر السُّنَن، واهتبالِه بالقرآنِ وحدَه كما يدَّعي، وهذه اللَّبِنةُ الأساسةُ الَّتي شَيَّد عليها القرآنيُّون صرْحَ مذهبِهم بعدُ، مع زعمه أنَّه غيرُ مُنكرٍ للسُّنةِ في أصلِها.\nيظهر لك هذا الموقف في مثلِ قولِه: «.. إنَّ الَّذي يجبُ التَّصديق به، واعتقاده، إنَّما هو الخبرُ (المُتواتر) فحسبْ؛ وليس عندنا كتابٌ يجبُ اعتقاد كلِّ ما جاء به اعتقادًا جازمًا يبعث اليقين إلى القلب غير القرآن الكريم، الَّذي جاء مِن طريقِ (التَّواتر) .. أمَّا الأخبار الَّتي جاءت مِن طريقِ الآحاد، وحَمَلتها كتبُ الحديثِ، فإنَّها لا تُعطي اليقينَ، وإنَّما تُعطىي الظَّن، والظنُّ لا يُغني مِن الحقِّ شيئًا!» (^٦).\n_________\n(^١) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي المعاصر» (ص/٣٣١).\n(^٢) كصالح أبو بكر، وسامر إسلامبولي، وانظر «مرويات السيرة» لـ د. أكرم العمري (ص/٣٨).\n(^٣) كـ د. محمَّد حمزة، انظر «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث» (ص/٩٧).\n(^٤) كإسماعيل الكردي، انظر كتابه «تفعيل نفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٧٤).\n(^٥) كجعفر السُّبحاني، انظر كتابه «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٦٧٨).\n(^٦) مقال له بعنوان: «معركة الذُّباب»، مَنشور في مجلَّة «الرِّسالة» (بتاريخ ٢٤/ ١٢/١٩٥١ م، العدد: ٩٦٤، ص/٧ - ٨).","vol":"1","page":255},{"text":"وبعد هذه الخُلاصة عن (أبو ريَّة)، فإنِّي مُقرٌّ بأنِّي لم أجد مَن ترجمَ له ترجمةً تُنبئ عن مُستواه العِلميِّ، وتصنيفِه الفكريِّ، بل أيَّ ترجمةٍ تاريخيَّة كيفما كانت! ولو مِن مُقَرَّبيه، ولو بعد موتِه! «فكأنَّما تَواصى النَّاس على إخمالِ ذكرِه، ولولا أنَّه يُعاد ذكرُه عند الطَّاعنين في السُّنة والحديث، مُستشهِدين بكتابِه، وعند المُدافعين عنها نقضًا لكلامِه: لكان نَسْيًا مَنسِيًّا، وهذا مِن عجيب صُنع الله ﷿ به!» (^١).\nوبهذا يتَّضح أنَّ كتابَ (أبو ريَّة) ليست له أيَّة قيمةٌ علميَّة مُعتبرةٍ، لأمرين بارزين فيه:\nأوَّلًا: خُلوُّ الكتاب مِن المنهج المَوضوعيِّ النَّقديِّ القويم، وهو الَّذي يدَّعي أنَّه «أعلم من الشَّافعي وأبي حنيفة!» (^٢).\nثانيًا: خلوُّ كاتِبه مِن الأمانة العِلميَّة (^٣)، وهو -مع ذلك- لا يَرْعوي أن يَنبُزَ مَن عَلَّموا الدُّنيا أمانةَ العلمِ وبراعة التَّحقيقِ بالغفلةِ أو الكذب.\nولعلَّ هذه النَّفس المغرورةَ بجهلِها المُركَّب، هي ما دَعَت أستاذَه الأديب الصَّادقَ الرَّافعي (ت ١٣٥٦ هـ) أن يَقول له قولتَه اللَّاذِعة: «ليتَك كنتَ مَجذوبًا يا أبا ريَّة .. ولكنَّك لا تصلُح مَجذوبًا ولا عاقِلًا» (^٤)! ..\nوصدقَ ﵀.\n_________\n(^١) مقدمة تحقيق علي عمران لـ «الأنوار الكاشفة» (١٢/ ٦ - ٧ آثار المعلمي).\n(^٢) «مع رجال الفكر في القاهرة» لمرتضى الرضوي (١/ ١٣٠ - ١٥٨).\n(^٣) انظر «السنة ومكانتها» لـ د. مصطفى السباعي (ص/٣٧٣).\n(^٤) «من رسائل الرافعي إلى محمود أبو ريَّة» (ص/٧٧).","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المَطلب الثَّاني\nأحمد صبحي منصور (^١)\nوكتابه «القرآن وكفى مصدرًا للتَّشريع الإسلامي»</span>\nمِن أبرزِ من تعاهدَ حملَ رايةِ منكري حجيَّة السُّنة في العقودِ الثَّلاثةِ الأخيرة، حتَّى أوذي في سبيلِ نشرِ هذا المُعتقد الفاسد -كما يتَبجَّح به- مِن قِبَل السَّاسةِ بتحريضٍ مِن علماءِ الأزهرِ مِرارًا، ممَّا اضطرَّه إلى الخروج مِن بلدِه مصرَ إلى أمريكا، هنالك يُسِّرت له سُبل بثِّ سمومِه الفكريَّة في وسائل الإعلامِ، ثمَّ لمَّها جُلَّها في مُؤلَّفه الأشهرِ: «القرآن وكفى مصدرًا للتَّشريع الإسلاميِّ».\nولقد بلغ بـ (صبحي) غروره أن يُعلن وراثته لمدرسة (محمَّد عبده) في الاجتهاد الإسلاميِّ بعد أن ذبُلت! بل هو أوفى له من تلميذه (العاقِّ) محمَّد رشيد رضا -كما يسمِّيه-! في جملة لغوٍ يقول فيه: «جئتُ أنا وحيدًا في جامعة الأزهر سنة ١٩٧٥ م حينما كنت أستاذًا مساعدًا، وبدأت الطَّريق لوحدي أنفضُ عنِّي -ما أسماه عبدُه- أوساخَ الأزهر! .. وأنفجرت في وجهي ومَن سار معي ألغامٌ\n_________\n(^١) وُلد في مدينة الشرقية بمصر سنة ١٩٤٩ م، عمل مدرسا بجامعة الأزهر ثم فُصل منها في الثمانينات من القرن الماضي بسبب إنكاره للسنة، وصودرت منشوراته في ذلك، ليستقر بعدها في الولايات المتحدة مقتصرًا على نشر سمومه عبر الشبكة العنكبوتية، وله عدَّة مؤلَّفات منها: «السُّم الهاري في تنقية البخاري»، و«القرآن وكفى مصدرا للتشريع»، له ترجمة ذاتية في موقعه الإلكتروني «أهل القرآن».","vol":"1","page":257},{"text":"كثيرة؛ إلى أن عُبِّد هذا الطَّريق بعد ذلك، وأصبح سهلًا لِمن جاء بعدنا .. حتَّى لم يعُد غير مَقبولٍ اجتماعيًّا أن تُهاجم البخاريَّ» (^١).\nفلأجل ما للرَّجل مِن أفكارٍ خطيرةٍ تعود على سفينةِ الإسلامِ بالخرمِ، تهافتت عليه خفافيش العَلمانيَّة في الوَطنِ العربيِّ (^٢)، بل ومؤسَّسات التَّنصير في الغَربِ (^٣)، قصدَ تمكينِه مِن نشرِ مَقالاتِه الهدَّامةِ على أوسعِ نطاقٍ فيما تُوفِّره له مِن وسائل إعلاميَّة، وندواتٍ فكريَّة (^٤).\nوالرَّجلُ على ما يدَّعيه من انحصار الأحكام في القرآن وحده، لا يَستنكِف أن يُعلنِ الانسجامِ التَّام بين مَذهبِه وبين الاتِّجاه العَلمانيِّ المُناوئ لتنزيل الشَّريعة، فتراه يقول: «إنَّ الفضولَ الصُّحفي والمَعرفيَّ، والسُّؤمَ مِن إعادة اجترارِ مقولاتِ الفكرِ السُّنيِّ، وعجزِه عن مُواكبةِ العصر: أدَّى إلى الالتفاتِ للفكرِ القرآنيِّ، الَّذي يؤكِّد الانسجامَ بين الإسلامِ والدِّيمقراطيةِ، وحقوقِ الإنسان، والحريَّة الدينيَّة، والعلمانيَّةِ المؤمنة ..» (^٥).\nلأجل ذلك نراه يخوض في مَسبَّةِ أهلِ السُّنة كثيرًا، يُشنِّع عليهم ما يراه تقديمًا للمَرويَّات على آيِ القرآن؛ ولأنَّه لا بُدَّ أن يذكُر أمثلةً مِن تلك المَرويَّاتِ المُختلَقةِ، ليُقيم بها الحُجَّة عليهم، رَكزَّ سهامَ طعنِه في البخاريِّ خاصَّة، لمِا يعلمُه مِن توافقهم على تعظيمه.\n_________\n(^١) من حوار أجراه معه بلال فضل في برنامجه «عصير الكتب» بقناة العربي، بتاريخ ٢٠/ ٤/٢٠١٩ م.\n(^٢) كمجلة «الحوار المتمدن» العلمانيَّة، وله فيها عدَّة مقالات في نقض التُّراث الإسلامي، كما صار أحد أركان «مركز ابن خلدون» العلمانيِّ في القاهرة.\n(^٣) منها «قناة الحياة الفضائية» وهي مؤسسة إعلامية تنصيرية ناطقة بالعربية، حيث كان ضيفًا فيها في برنامجا «سؤال جريء»!\n(^٤) كان أشنعها مؤتمر عُقد في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا الأمريكية في ٢٨ و٣٠ مارس ٢٠٠٨ م تحت مسمَّى «الاحتفال بالكفر: التفكير الناقد من أجل الإصلاح الإسلامي»!، بمشاركة أمينة ودود التي قامت بإلقاء خطبة وإمامة صلاة الجمعة في داخل كاتدرائية سانت جون في مارس ٢٠٠٥ م في نيويورك!\n(^٥) مقال: «السمُّ الهاري في تنقية البخاري»، مجلة الحوار المتمدن الإلكترونية- العدد: ٣٠٥١ - ٢٠١٠/ ٧/٢.","vol":"1","page":258},{"text":"فكان ممَّا يقوله في حقِّ أعلام الأمَّة: «لا يشفعُ لك هنا أنَّك تستشهدُ بالقرآن الكريم، فلا قيمةَ للقرآن الكريم عندهم، القرآن الكريم عندهم كالصَّبي غير الرَّاشد، يحتاجُ إلى وَليِّ أمرٍ، أو إلى وَصيٍّ يتكلَّم عنه، والبخاريُّ وسُنَّته عندهم هو الوَصيُّ على القرآن، وبه عندهم يُمكن فهمُ القرآن .. ولو تعارضَ حديثٌ للبخاريِّ -كحديثِ الشَّفاعة- مع مائةٍ وخمسين آية قرآنيةً، تمسَّكوا بحديثِ البخاريِّ، ولم يَأبهوا بالقرآنِ كلِّه» (^١).\nومِن قبيحِ صفاتِ هذا الرَّجل المُعربة عن قلَّةِ أدبِه مع الأولياءِ بعد أن حشر الخلفاء الرَّاشدين في زمرة المنافقين (^٢)، وجعلِه فتوحاتهم للبلدان ناشرةً للكفر (^٣) -وليس بعد هذا الكفر ذنب! - تَجرُّؤه على وَصمِ البخاريِّ بالكذَّابِ، ووضعِ الحديثِ على النَّبي ﷺ، بل رميِه بالعَداوة للإسلامِ ورسوله (^٤)!\nوقلَّ مَن أعلمه ولغَ في مثل هذه المقذَعة مِن المُعاصرين، بل سوَّغ نبزَ البخاريَّ بكلِّ المستقبحاتِ لمجرَّد أن رأى في «صحيحه» أحاديث عارَضَت فهمَه هو للقرآن؛ وعند نظرنا في دعوى التَّعارض هذه: يظهر اعوجاج فهمه للآية أو الحديثِ، بل لكليهما! والأمثلة مِن كلامِه على هذا كثيرة، من ذلك:\nما أورده في كتابه «القرآن وكفى» (^٥)، في سياقِ طعنِه الجُمليِّ بأحاديث مُباشَرة الحائِض، يزعم أنَّها تُعارض نهيَ القرآن مِن إتيانِها، جهلًا منه بالفرق بين المباشرة دون الفرج -وهذه الواردة في الأحاديث- وبين الإيلاج، مع وضوح هذا الفرقِ في الأحاديثِ نفسِها الَّتي طَعنَ فيها.\n_________\n(^١) مقال: «السمُّ الهاري في تنقية البخاري»، مجلة الحوار المتمدن الإلكترونية- العدد: ٣٠٥١ - ٢٠١٠/ ٧/٢.\n(^٢) صرح بذلك في الحوار التلفزي السَّابق ذكره «عصير الكتب» بقناة العربي، في الدقيقة ٤١ من المقطع الأوَّل منه، بتاريخ ٢٠/ ٤/٢٠١٩ م.\n(^٣) في مقال له بعنوان «أثر الفتوحات العربية في نشر الكفر بالإسلام والقرآن»، منشور في موقع (الحوار المتمدن)، بتاريخ ١٥/ ٢/٢٠١٦ م.\n(^٤) انظر كتابه «القرآن وكفى مصدرا للتشريع الإسلامي» (ص/١٢٨، ١٣٤).\n(^٥) (ص/٨٤).","vol":"1","page":259},{"text":"فإن كان هذا حاله مع الوحيِ المُبِين -وقد أغبى عنه فهمُه- فهو لكلامِ أئمَّة الحديثِ أعوج فهمًا! نظير زعمِه -في نفسِ مَقالِه الأوَّل هذا في البخاريِّ- أنَّ الذَّهبيَّ «وَصَلَ إلى نتيجةِ: أنَّ علماء هذا الشَّأن لم يَتَّفقوا على توثيق راوٍ أو تضعيفِه».\nوهذه فريةٌ لم يقُلها الذَّهبيُّ قطُّ -وحاشاه- ولكن تابَعَ فيها (صبحي) أستاذَه في التَّحريفِ (أبو ريَّة)! (^١)\nإنَّما عبارة الذَّهبي قولُه: «.. ولكنَّ هذا الدِّينَ مُؤيَّدٌ مَحفوظٌ مِن الله تعالى، لم يَجتمع علماؤُه على ضلالةٍ، لا عَمْدًا ولا خطأً، فلا يَجتمِعُ اثنانِ على توثيقِ ضعيفٍ، ولا على تضعيفِ ثقة»! (^٢).\nوأُراني لا أحتاج إلى بيان الفرقِ بين العِبارتين لِمن عنده مسكة فهم.\nومِن ذلك أيضًا: دعواه أنَّ الحاكمَ النَّيسابوريَّ لم يَضع كتابَه «المُستدرك» إلَّا للمُقارنة بين مَرويَّات البخاريِّ ومسلم! .. وحسبُك بهذا أمارةً على تعالُمِه وقلَّةِ دينِه، إن كان له دينٌ؛ وكلّ حديثيٍّ يعلم أنَّما قصد الحاكم بذا استدراكَ أحاديث لم يخرجها الشَّيخان في صحيحيهما مع أنَّها على شرطهما.\nفهل يحقُّ لمثل هذا أن يهمِس ببنتِ شفةٍ في حقِّ سُنة النَّبي ﷺ ومُصنَّفاتها؟! فضلًا عن أن يَتطاول على جهابذةِ المحدِّثين؟! أم يحقُّ لمثله أن يبديَ رأيًا في ما تعلَّق بالإسلام أصلًا؟!\nالعجيب في الأمر، أنَّ الرَّجل على كثرةِ ما يصدر منه مِن كذباتٍ وتحريفات، أقرُّ له بصدقِ حكمٍ أصدره في مقالته الكَذوبة تلك، يعني بها غيرَه،\n_________\n(^١) يقول مصطفى السِّباعي في «السنة ومكانتها في التشريع» (ص/٢٦٨) ردَّا على محمود أبو رية تحريفَه لكلام الذهبي: «الذهبي يريد أن يقول: إن علماء هذا الشأن متثبتون في نقد الرجال، فلم يقع منهم أن اختلفوا في توثيق رجل اشتهر بالضعف، ولا في تضعيف رجل عرف بالتثبت والصدق، وإنما يختلفون فيمن لم يكن مشهورًا بالضعف أو التثبت .. ألا ترى إلى قوله: توثيق (ضَعِيفٍ) وتضعيف (ثِقَةٍ)، ولو كان مراده كما فهم المؤلِّف، لقال: لم يجتمع اثنان على توثيق رَاوٍ ولا على تضعيفه».\n(^٢) «الموقظة» (ص/٨٤).","vol":"1","page":260},{"text":"وهو أحقُّ النَّاس بها! أعني بذا قوله: «حين يتَعلَّق الأمرُ بالآخرة، والخلود في الجنَّة، أو الخلود في النَّار، فإنَّ الدِّين عندنا هو (الحائط المائل)، وهو سوقُ الأغراضِ المستعملةِ، الَّتي يتكاثر فيها الحُواة والمُحتالون والأفَّاقون، ويأتي إليه الزَّبائن فيستَسهلون التَّعامل مع الحواة والمُحتالين والأفَّاقين، ويرجعُ كلُّ زبونٍ مُقتنعًا بأنَّه يوم الدِّين سيكون في أعلى علِّيِّين به»! (^١).\n_________\n(^١) انظر أقواله السابقة في مقالته: «السمُّ الهاري في تنقية البخاري»، مجلة الحوار المتمدن الإلكترونية- العدد: ٣٠٥١ - ٢٠١٠/ ٧/٢.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المَطلب الثالث\nصالح أبو بكر (^١)، وكتابه: «الأضواء القرآنيَّة لاكتساح الأحاديث الإسرائيليَّة وتطهير البخاريِّ منها»</span>\nبمقدور أيِّ قارئٍ لكتابِ هذا الرَّجل إذا ما قابَلَه بأسوتِه «أضواءِ» (محمود أبو ريَّة)، أن يخلُص إلى أنَّ كتاب الأوَّل ما هو إلَّا نسخةٌ مُعدَّلة مِن الثَّاني لا غير، لم يكَد يَأتي فيه بزائدٍ مُبتكرٍ؛ فلقد تابعَ (أبو ريَّة) على تخبُّطاته وجهلِه فيه، واعتمد على أوهامِه وتخرُّصاته، «بل نستطيع القولَ أنَّ الجزءَ الأوَّل منه خلاصة لكتاب أبي ريَّة» (^٢).\nفكأنَّ المؤلِّف ما أرادَ إلَّا أن يُحيِي ذكرَ (أبو ريَّة) بعد أن كاد يخمُد، «يظهر هذا في كثرةِ الاقتباساتِ وطولهِا، حتَّى لتبلغُ الصَّفحاتِ العديدة؛ كما تظهرُ أيضًا في المنهجِ الَّذي استخدَمه المُؤلِّف، والَّذي لا يختلِفُ عن مَنهجِ أبي ريَّة» (^٣) في إنكارِ الرِّوايةِ، والتَّشنيعِ على أهلِ الحديثِ، واتِّهامِ أبي هريرة ﵁ بالكذِب (^٤).\n_________\n(^١) كاتب مصري كان منتميا لجماعة (أنصار السنة المحمدية) بالإسكندرية، ثم فُصل منها بمجرد صدور كتابه «الأضواء القرآنية»، صرح في أكثر من موضع في كتابه هذا باقتصار الهداية على القرآن وحده ونبذ السنة، وقد تمت مصادرته من قِبل لجنة البحوث الأزهرية، انظر «السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام» لعماد الشربيني (ص/٤٩٣).\n(^٢) «منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير» لـ د. فهد الرومي (ص/٧٥٠).\n(^٣) «مرويَّات السِّيرة» لأكرم العمري (ص/٤٤).\n(^٤) «الأضواء القرآنية» (ص/٢٩٢).","vol":"1","page":262},{"text":"وكتاب (صالح) ينقسِمُ إلى جُزأين:\nالأوَّل منهما: خَصَّه لقضيَّةِ الحديثِ ومَراجِعِها العلميَّة، منذ الخلافةِ الأولى إلى عصرِنا هذا.\nأمَّا الثَّاني: فأودَعَه نماذجَ ممَّا يراه إسرائيليَّات مَدسوسة على البخاريِّ، بَلَغ بها (مائةً وعشرين) حديثًا، مُتعقِّبًا كُلًّا منها بالإنكارِ وإبراءِ النَّبي ﷺ، بل وإبراءِ البخاريِّ منها أحيانًا، يعني عدمَ تقصُّدِه اختلاقَها، وإنَّما اغترَّ في ذلك برُواتِها الكَفَرة! فيقول: «التَّعقيب القرآنيِّ على كلٍّ منها، بما يثبِت أنَّها دخيلةٌ على كلامِ النَّبي ﷺ، وبما لا يُسيء إلى البخاريِّ، الَّذي حسْبُه -عند ربِّه- صدقُ نيَّتِه وإخلاصه، حتَّى يعلمَ المسلمون كيف استطاعَ الشَّيطان أن يستخدمَ أعوانَه مِن كُفَّار الإنسِ في الكيدِ للإسلامِ والمسلمين»! (^١).\nيَلين هذا اللِّين في الكلامِ عن البخاريِّ لأجل ما يعلمه من عظيم منزلتِه في قلوب المسلمين لا غير، فإنَّه لا يَتورَّع مِن أن يرمِيَ بعدُ غيره من المحدِّثين بكلِّ نقيصةٍ! وأن يعيب على المُصنِّفين اقتنائَهم «كُتبًا غريبةً» يوهمونَ بها قدرتَهم على تحقيقِ الأسانيدِ وتقريرِ أحوالِ الرِّجال، وهم في نظرِه «سُذَّجٌ قد انطَلَت عليهم دَسائس الذِّميِّين، وألاعيبُ الزَّنادقة في روايتهِم للمَوضوعات» (^٢).\nوأمَّا عملُه في كتابه «الأضواء القرآنيَّة»:\nفمنهج المؤلِّف -في الجملةِ- فيه خالٍ مِن الصِّناعةِ الحَديثيَّة، إنَّما هو -كما أسلفنا ابتداءً- استنساخ لكتاب (أبو ريَّة)، ثمَّ نَفَخَه بعريض العبارات؛ فإذا ما استشكلَ فيه حديثًا بعقلِه، أو مَجَّه بذوقِه، ما كان شيءٌ أيسرَ عليه مِن نسبتِه إلى «وحيِ الخيالِ الشَّارد، أو الكيد الإسرائيليِّ اللَّعين» (^٣).\n_________\n(^١) «الأضواء القرآنية» (ص/٣).\n(^٢) «الأضواء القرآنية» (ص/٤٢).\n(^٣) «الأضواء القرآنية» (ص/٥).","vol":"1","page":263},{"text":"وهكذا عامل أغلبَ أحاديث «الصَّحيحين»، كلُّ حديثٍ فيهما لم يستوعِبه ألحَقَه في الحال بالإسرائيليَّات!\nولمَّا أرادَ أن يُدلِّل على شُبهتِه في إسرائيليَّة المَنقول، وبعد نسفِه لجهودِ البخاريِّ في جمع الصِّحاحِ مِن الحديث، فاجأَ القارئَ بمعلومةٍ خطيرةٍ لم ينتبه لها إلَّا حضْرَتُه! عنونَ لها بعنوانٍ لافتٍ يقول فيه: «اعتراف صريحٌ من البخاريِّ بوضع الحديث»! (^١).\nوليسَ أحدٌ مِن طلبةِ الحديثِ فضلًا عن أئمَّتِهم يجهل أنَّ الوضعَ واقِعٌ في كثيرٍ مِن الأحاديث، فما الجديد في هذا العنوان؟! لكن الغَباوة أن يُحتجَّ بهذا البعضِ فيُحكَم به على الكلِّ.\nمثلُ هذا الجهل المنهجيِّ في الاستدلالِ، أدَّى بالمؤلِّف إلى جملةٍ مِن التَّناقضات العلميَّة، من ذلك:\nأنَّه في الوقت الَّذي يَدَّعي فيه ترجيحَ مسلمٍ لكذبِ عكرمة مولى ابن عباسٍ، يزعمُ أنَّ مسلمًا خرَّج له حديثًا لأجلِ أن يُقويَّ به حديثًا رواه سعيد بن جبير في المَوضوعِ نفسه (^٢)!\nومتى كانت رواية الكَذَّاب عاضدةً لغيرِها أصلًا؟! فضلًا عن تقويتها لرواية إمامٍ ثبتٍ كسعيد بن جبير؟!\nثمَّ هو لفرط جهله بطبيعة المرويَّات، يرى أن الاختلافَ في رواية بعض ألفاظِ الأحاديث المُتعلِّقة بالموضوعِ الواحدِ: دالٌّ على الوضعِ والدَّس، هكذا ضربة لازبٍ! ومثَّلَ لذلك بأمثلة، منها -مثلًا- ما أجاب به علي ﵁ من سألَه: هل عنده كتابٌ غير القرآن؟ فورد عنه عباراتٌ مختلفةٍ في ثمانِ روايات، ساقَها البخاريُّ في كُتبٍ مختلفةٍ مِن «صحيحه».\n_________\n(^١) «الأضواء القرآنية» (ص/٤٨).\n(^٢) «الأضواء القرآنية» (ص/٧٢).","vol":"1","page":264},{"text":"ففهِم هو من هذا الاختلاف في العباراتِ تناقضًا مُسقطًا لأصل الخبرِ! الأمر الَّذي لم يفطِن له البخاريُّ نفسه، ولا أحدٌ مِن العلماء قبله وبعده!\nوقد غفل المسكين عن أنَّ عليًا ﵁ قد سئُل مِن غير واحدٍ مِن التَّابعين، ثمَّ قد غَبِيَ عن أنَّ الجمعَ يَسيرٌ بين هذه الرِّواياتِ، فإنَّ الصَّحيفة كانت واحدةً، وجميعُ ما ذُكر فيها مَكتوبٌ فيها حقًّا، فكان كلُّ واحدٍ مِن الرُّواة ينقل عنه ما حفِظَه (^١).\nوأمَّا تفسيرات الرَّجلِ لاختياراتِ البخاريِّ في كتابِه، فهو يهرف فيها بأيٍّ كلامٍ، فمِن ذلك:\nاتِّهامه اصطفاءَ البخاريِّ للمتونِ بالانحيازِ إلى السُّلطةِ الحاكمةِ، وذلك أنَّه فَسَّر عدمَ روايتِه في «صحيحه» عن الأئمَّة الصَّادق والكاظم مِن آل البيت، بكونِه في ذلك متأثِّرًا بحكمِ الأمويِّين للشَّام (^٢)!\nومعلومٌ بداهةً أنَّ البخاريَّ عاشَ في العصرِ العَباسيِّ لا الأمويِّ، وهو بعكس ذلك عصرٌ يعادي بني أميَّة، ويقرب مُبغضيهم! (^٣) مع العلم أنَّ البخاريَّ قد خرَّج حقًّا لغيرهم مِن أئمَّة آل البيتِ، كما سبق به البَيان.\nوستأتي أمثلةٌ كثيرة لمُعارضاتِه المُهترئةِ لأحاديثِ «الصَّحيحين»، في بابِها المُناسب من الباب الثَّالث من هذا البحث، والله من وراء القصد.\n_________\n(^١) انظر «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٠٥)، ولهذه الرِّوايات أوجه أخرى للجمع ليس هذا موطن بسطها، انظرها في «مرويات السيرة» لـ د. أكرم العمري (ص/٣٩).\n(^٢) «الأضواء القرآنية» (ص/٧٧).\n(^٣) انظر «مرويات السيرة» لـ د. أكرم العمري (ص/٤٣).","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المَطلب الرَّابع\nنيازي عزُّ الدِّين (^١)\nوكتابه «دين السُّلطان، البرهان»</span>\nيُعدُّ (نيازي) مِن أبرز أعداء السُّنَن المعاصرين جلَدًا في مُعارضةِ متونِ «الصَّحيحين»، فكتابُه هذا مِن مَصادر الطُّعونِ الَّتي اعتمدها عَددٌ مِن المعاصرين في هجمَتِهم على «الصَّحيحين» (^٢)، واقعٌ هو في مجلَّدٍ كبيرٍ قارب عدُّ صفحاتِه الألفَ، تقوم فكرتُه على شبهةٍ أساسةٍ تابعَ فيها (جُولدْسِيهر) ثمَّ (أبو ريَّة) (^٣)، منها تنبثق باقي الشُّبَه الَّتي أودَعَها في كتابِه، ومضمونها:\nدعواه أنَّ السُّنة وضَعها علماء الحديثِ بأمرِ معاوية بن أبي سفيان ﵁، وأنَّ وضعَ الشَّيخين لكِتابيهما كان مُحاباةً للحُكَّام في وقتهما، وتحقيقًا لمطامعِهم السِّياسيَّة، فكان بهذا جملةُ الفقهاء والمحدِّثين جنودًا للسُّلطان لا لدين الله تعالى!\n_________\n(^١) كاتب سوري من أصل شركسي، من حملة لواء الطعن في الأحاديث النبوية بدعوى أنها من وضع السلاطين لتثبيت حكمهم، وأن الإسلام لم يلزم الأمة إلا بالقرآن وحده، استغرق ألف صفحة في كتابه «دين السلطان» لإثبات هذه الفرية، انظر «السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام» (ص/٢١).\n(^٢) انظر «جناية البخاري» (ص/٤٥)، وقد اتبع جمال البنَّا نفس منهجه في تكرار الأحاديث في كتابه «تجريد البخاري وسلم».\n(^٣) انظر «السنة ومكانتها في التشريع» للسباعي (ص/٢٣٠)، و«أضواء على السنة المحمدية» لمحمود أبو رية (ص/٩٩).","vol":"1","page":266},{"text":"وهذه فِرية لا تُسندها مِسكة دليلٍ ولا شاهد تاريخ، تسقطُ اعتبارَ الكتابِ من أساسِه (^١)، يقول مصطفى السِّباعي في معرضِ ردِّه عليها: «هذه دعوى جديدة، لا وجود لها إلا في خيالِ كاتِبها، فما رَوَى لنا التَّاريخ أنَّ (الحكومة الأمويَّة) وَضَعَت الأحاديثَ لتُعمِّمَ بها رأيًا مِن آرائِها، ونحن نسأله: أين هي تلك الأحاديث الَّتي وضعتها الحكومة؟! إنَّ علماءنا اعتادوا ألَّا ينقلوا حديثًا إلَّا بسندِه، وها هي أسانيد الأحاديث الصَّحيحة محفوظةٌ في كُتبِ السُّنة، ولا نجدُ في حديثٍ واحدٍ مِن آلافِها الكثيرة، في سندِه عبد الملك، أو يزيد، أو الوليد، أو أحد عُمَّالهم كالحجَّاج، وخالد بن عبد الله القسري، وأمثالهم، فأين ضاعَ ذلك في زوايا التَّاريخ لو كان له وجود؟!» (^٢).\nويقول المُعلِّمي: «أبو هريرة، والمغيرة، وعمرو، ومعاوية، صحابيُّون ﵁، وكلُّهم عند أهل السُّنة عُدول، ثمَّ كانت الدَّولة لبني أميَّة، فلو كان هؤلاء يَستحِلُّون الكذبَ على النَّبي ﷺ في عيبِ عليٍّ ﵁، لامتلأَ الصَّحيحان -فضلًا عن غيرهِما- بعَيْبِه وذمِّه وشتمِه، فما بالُنا لا نَجِدُ على هؤلاء حديثًا صحيحًا ظاهرًا في عَيْبِ عليٍّ، ولا في فضلِ معاوية؟!» (^٣).\nلكن المُؤلِّف مع ذلك مُصرٌّ على عِمايتِه في اتِّهامه لأبي هريرة ﵁ بالكذبِ (^٤)، كما زعَمَ أنَّ كعبَ الأحبارِ قد دَسَّ في الإسلامِ نصوصًا كثيرة مِن كُتب أهلِ الكتابِ المُحرَّفة (^٥)، ثمَّ جاء الشَّيخان فأودَعاها في «صَحيحَيهما» (^٦)، هكذا مِن غير حَسيبٍ ولا رقيبٍ، ولا انتبَه لذلك أحَدٌ مِن الأمَّة قبله!\n_________\n(^١) انظر الردَّ على هذه التُّهمة في «السنة ومكانتها في التشريع» للسباعي (ص/٢٠٥) و«الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢١١)، و«كتابات أعداء الإسلام» لعماد الشربيني (ص/٤٩٤).\n(^٢) «السُّنة ومكانتها في التَّشريع» (١/ ٢٠٣).\n(^٣) «الأنوار الكاشفة» (ص/٢١١).\n(^٤) «دين السلطان» (ص/١٦٨، ٧١٤).\n(^٥) «دين السلطان» (ص/١٥٠).\n(^٦) «دين السلطان» (ص/٧١٣)","vol":"1","page":267},{"text":"وأمَّا عَملُ (نيازي) في الكتاب:\nفقد بدأه ببضعِ مقدِّماتٍ فَصَّل فيها بعضَ الأصولِ الَّتي يقوم عليها تسويدُه، حيث قَسَّم أحاديث «الصَّحيحين» على أربعين فصلًا، كثيرًا ما يُكرِّر الحديثَ تحتَ أكثرِ مِن مَوضعٍ بلا فائدةٍ زائدةٍ، غير الحشو والاستكثار! (^١).\nمِن هذه الفصول -مثلًا- «ما تعلَّق بالأحاديثِ الَّتي يُناقض متنُها مَعاني القرآن الكريم»، و«أحاديث تُناقض بعضَها»، و«أحاديث تناقض أخلاق الرَّسول ﷺ»، وفصل «في الشَّواهد على إشراكِنا الحاليِّ!»، حيث يَرى أنَّ قولَ المُسلمينِ بأنَّ السُّنة وحيٌ، إشراكٌ بالله تعالى في تشريعِه وألوهيَّتِه! (^٢) وليس يَدري المسكين بأنَّ قول المُسلمين بأنَّ السُّنة وَحي ناجمٌ عن أنَّ السُّنة في أصلِها من عند الله تعالى، أوحى بها إلى نبيِّه إمَّا إلهامًا أو إقرارًا، فليس النَّبي ﷺ إلَّا مُبلِّغًا، لا مُشرِّعًا في حقيقتِه مع الله.\nيقول (نيازي) في بيانِ خُطَّةِ كتابِه:\nفي كتابي هذا، سوف أدرس -فقط- «صحيح البخاريِّ»، ثمَّ آتي على ذكر أحاديث «مسلم» بتركيز أقلٍّ .. لأنَّ غايتي مِن الدِّراسة، ليس حصر الحديث وتبيان الموضوع فحسب، وإنَّما مَقصدي من الدِّراسة: إظهار وتوضيح حقيقةٍ تَغاضى عنها أغلبُ المسلمين اليوم، وتلك الحقيقة هي: تناقضُ أغلبِ الأحاديثِ المَرويَّة في «الصَّحيحين» مع صريحِ القرآن الكريم» (^٣).\nفكان ممَّا خلُص إليه المؤلِّف فيه بعد دراستِه لأحاديثهما:\nأنَّه لم يجد مِن ذلك في «الصَّحيحين» يوافق القرآن، سِوى (أربعمائةٍ وتسعةٍ وثمانين) حديثًا! ثمَّ هذا القليل لا يلزم عنده منه أن يكون مِن قول النَّبي ﷺ\n_________\n(^١) انظر -على سبيل المثال- (ص/٢٩٠) من كتابه، وقارنها بما في (ص/٤٦٣).\n(^٢) «دين السلطان» (ص/٧١٢)، وهذا حكم يشاركه فيه غيره من منكري السُّنة، كما تراه في قول ابن قرناس في «الحديث والقرآن» (ص/١٨): «اتِّباع ما يقوله محمد ﷺ من غير القرآن: يعني أنَّنا عبدناه من دون الله، أو أشركناه في العبادة مع الله»!\n(^٣) «دين السلطان» (ص/١٧).","vol":"1","page":268},{"text":"حقيقةً (^١)! بل هواه إلى ردِّ كثيرٍ منها، هذا مع اعترافِه بعدم مُناقضتِها للقرآن، بدعوى أنَّها متونَها مِن المواضيع الشَّكليَّة الَّتي لا تأثير لها في الإسلام، كما الحال مع حديث: «احفوا الشَّوارب، وأرخوا اللِّحى» (^٢)، فهو لا يرى في هذا الحديث فائدةً أصلًا!\nوهكذا كثيرًا ما يُورِّطه ذوقُه الرَّديء في اتِّهامِ الحديثِ ورواتِه باختراعِ ألفاظٍ في المتونِ افتراءً على الدِّين، كحديثِ أبي ذرٍّ ﵁ الَّذي فيه: «.. قال: هذا آدم، وهذه الأسْوِدة عن يَمينه وشِماله نَسَم بَنِيه ..».\nهذا الحديث قد أقلق مضجعَ (نيازي) وأغاضَه، إذ لم يسبِق لحضْرته أن سَمِع بكلمةَ «الأسْوِدَة» (^٣) ولا عَلِم بمعناها! وطالما أنَّ عربِّيًا مثلَه لا يعرفها، فهي إذن مُختلَقةٌ لا معنى لها في لسان العرب! ثمَّ راح يُفسِّر للقارئ سببَ هذه البائقة، بـ «أنَّ راوي هذا الحديث لا يُتقِن العرَبيَّة، ولم يعرف عند نقلِ الحديث معنى (السَّواد)، فكتَب (أسوِدة)! وجَعلَ الَّذي على اليمين أيضًا مِن الأسودة الَّتي لا معنى لها» (^٤)!\nالمُضحك من هذا، أنَّه مع عجزِه عن تفهُّمِ مثل ذاك الكلامٍ العَربيِّ المُبين، وتَعسُّفه في (فبركةِ) أسبابٍ لوضعِ الحديث لم تخطر على قلب بشر: يعاتبُ العلماء على تقصيرِهم -بل جُبنِهم- عن مُصارحةِ مَتبوعيهِم بما في «الصَّحيحين» مِن مَكذوباتٍ! تهدم أُسَّ العقيدة والشَّريعة برُمَّتها، وبما فيها مِن مُناقِضاتٍ لكتاب الله تعالى في الأحكامٍ والأخبارٍ، كما فَعلوا ذلك -دون تَهيُّبٍ- بأحاديث مَوضوعةٍ أخرى في غيرهما مِن مُصنَّفات الحديث.\n_________\n(^١) «دين السلطان» (ص/٢٤٠).\n(^٢) «دين السلطان» (ص/٢٤٠).\n(^٣) الأسودة: جمع سواد، وهو الشَّخص، وقيل: الجماعات من الناس، انظر شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٢١٨).\n(^٤) «دين السلطان» (ص/٣٧١).","vol":"1","page":269},{"text":"فلماذا هذا التَّحاشي من نقدِ «الصَّحيحين» -في نظره-؟ أفلا عاملوا الكلَّ مُعاملةً واحدةَ؟!\nيقول نيازي: «لا يَهمُّنا السَّندُ، طالما تَبيَّن لنا أنَّ المتنَ ليس مِن الله، ولا يُطابق كلامَ الله، وما أحاديثُ الإمامين البخاريِّ ومسلم -رحمهما الله- في هذا المَقام، إلَّا كأحاديث أخرى اعتَرفَ العلماء بأنَّها مَوضوعة، دون أن تكون لهم الجرأةُ الكافيةُ لقولِ الحقِّ» (^١).\nولتَعجَبْ معي مَرَّةً أخرى -وما أكثرَ عجائب الرَّجل- مِن إقحامِ (نيازي) قُرَّائه في عالمٍ مِن الإثارة النَّفسيَّة الغَريبة، على نَمط كُتَّاب الرِّوايات البُوليسيَّة! فلقد هَمَس في آذانهم باكتشافِه سِرًّا محوريًّا خطيرًا عن سببِ إيرادِ البخاريِّ لتلك الأحاديث المَوضوعةِ كلِّها في كتابِه، مع ظهورِ بُطلانها للعالَم كلِّهِ! يقول:\n«إنَّ للبخاريِّ رسالةً سِريَّةً، يحاول أن يُنبِّهنا إلى ما يحدُث في الدِّين ..» (^٢)، إنَّه «لم يكُن مُوافقًا على كلِّ ما يُقال عن الرَّسول ﷺ مِن أحاديث غير صحيحةٍ، ولكنَّه مِن خشيةِ السَّيافِ، كان لا يجرؤُ على الإجهارِ بها عَلَنًا! فوَضَعَها في كتابِه «الصَّحيح»، حتَّى يلمَحَها كلُّ مُؤمنٍ غَيورٍ على دينه» (^٣).\nولله في خلقِه شؤون!\nولأجل أن يكون كلام الرَّجل عَمليًّا، لا مُجرَّد عتابٍ عاطفيٍّ، اقتَرَح على العلماءِ مَشروعًا مِعياريًّا لإنقاذِ الأمَّة ممَّا أُلزق بدينِها مِن أكاذيبِ أسلافِهم، متسائلًا بصيغة الاستنكار: «لماذا لا يجتمع علماء المسلمين، ليدرسوا أحاديث البخاريِّ ومسلم مِن جديدٍ، ويَعرضوها على آياتِ الله في القرآن الكريم؟!» (^٤).\n_________\n(^١) «دين السلطان» (ص/٧١٥).\n(^٢) «دين السلطان» (ص/٣٠٩).\n(^٣) «دين السلطان» (ص/٤٤٦).\n(^٤) «دين السلطان» (ص/٧١٥).","vol":"1","page":270},{"text":"لكنَّه سرعانَ ما تراجع عن هذا المُقترحَ مِن أساسِه، وقنَّط القارئ مِن جدوى جوابِه، ذلك أنَّ السُّنة النَّبويَّة -مهما حاولنا تنقيتها عنده- لا تعدو أن تكون «فهمَ الرَّسولِ الخاصِّ والمَحدود بإنسانيَّتِه بالزَّمانِ والمكانِ»؛ فكان الحلُّ المريحُ «أن نطيع أمرَ الرَّسولِ الدَّائم .. -وطاعة الرَّسول واجبةٌ على كلِّ المسلمين المؤمنين برسالتِه-: «مَن كَتَب عنِّي غير القرآن فليمحُه» (^١)!\nفأيُّ تناقضٍ هذا؟! بين إنكارِه قبلُ لمِا زادَ عن القرآن مِن الحديث، ثمَّ استدلالِه هو على كلامِه هذا بـ (حديثٍ) فيه الأمر بمحوِ (الحديثِ)! وليس هو في القرآن؟! مع عدم اعترافِه بالأحاديث مِن الأصل! وستأتي دراسة نماذج مِن مُعارضاتِه لأحاديث «الصَّحيحين» في مكانها المُناسب من الباب الثَّالث للبحث -إن شاء الله-.\n_________\n(^١) «دين السلطان» (ص/٧١٦).","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المَطلب الخامس\nابن قرناس (^١)\nوكتابه «الحديث والقرآن»</span>\nيزعم (ابن قرناس) أن غرضه من تأليفِ هذا الكتابِ: البرهنة على كفايةِ القرآن في التَّديُّنِ، واستغناء المسلمِ به عن الأحاديثِ النَّبويَّة، تصديقًا بأنَّ النَّبي ﷺ لم يوحَى إليه غير القرآن، وأنَّ تلك المَروِيَّات المنسوبة إليه هي السَّببُ في تفرقةِ الأمَّة، وأنَّ الأمَّة لو اعتمدوا على القرآن وحده دون تأويل، لما تَفرَّقوا واختلفوا مِن بعد ما جاءهم البَيِّنات.\nلقد أطنبَ القولَ في توكيدِ هذه الأصولِ البدعيَّة في مُقدِّمة كتابه، ومِمَّا مهَّد به لها قوله فيها: «هذا الكتابُ يقومُ على عرضِ نَزرٍ يسيرٍ مِن الأحاديث على كتابِ الله ﷿، لإثباتِ أنَّ الحديث لا يُمكن أن يكون صَدَر مِن رسولِ الله ﷺ بصورتِه الَّتي في كُتبِ الحديث، ولا يُمكن أن يكون جُزءً مِن دين الله» (^٢).\nولإثبات هذا الادِّعاء اختارَ (ابن قرناس) أكثرَ مِن (مائتي وخمسين) روايةً مِن «صحيح البخاريِّ» مظهرًا تعارضَها مع القرآن، مقارنًا لها بما في كتاب الرَّافضةِ «الكافي» حاوِيَةِ الأكاذيب! مُرتِّبًا إيَّاها حسب ترتيبِها في «الجامعِ\n_________\n(^١) كاتب سعودي يخفي اسمه الصريح، منكر للسنة النبوية وحجيتها، له صفحة خاصة على موقع (أهل القرآن) على الشبكة العالمية، والذي يشرف عليه كبيرهم (أحمد صبحي منصور).\n(^٢) «الحديث والقرآن» (ص/٢١).","vol":"1","page":272},{"text":"الصَّحيح»، مُبيِّنًا غَرَضَه من التَّركيزِ على كتابِ البخاريِّ دون سائرِ مُصنِّفاتِ الحديث في قولِه:\n«يستحيلُ أن نناقش كلَّ الأحاديث المَنسوبة للرَّسول، فقد اكتفينا بمناقشةِ بعضِ أحاديثِ البخاريِّ، كمُمَثِّل للأحاديثِ السُّنِيَّة، إضافةً إلى عدد قليلٍ من الأحاديث الواردة في كتابِ «الكافي» لتمثيلِ أحاديثِ الشِّيعة» (^١).\nوقد بيَّن ابن قرناس طريقة تأليفِه للكتابِ في المقدِّمة نفسها، وأنَّه قسَّمه إلى خمسةِ أقسام، فقال:\n«يتعرَّض القسم الأوَّل إلى الأحاديث بشكل عامٍّ، والَّتي تتناول كافَّة المواضيع.\nأمَّا القسم الثَّاني: فيتعرَّض لما تقوله الأحاديث عن الحكَّام والسَّلاطين، لأنَّ التَّحول عن الدِّين القويم جاء بمباركتهم.\nوالقسم الثَّالث: يعطي فكرة عن رسول الله في كتب الحديث، وعن جرأتها على الله ﷻ في القسم الرَّابع.\nأمَّا القسم الأخير: فقد عرضنا فيه عددًا من الأحاديث الواردة في كتاب (الكافي) للكُليني» (^٢).\nوالمُؤلِّف مع هذه الفذلكة الفارغة مُفتقِرٌ إلى تحصيلِ أوَّلِيَّات علمِ الحديث، مُستمرئٌ أن يضعَ نفسه قاضيًا على عُلمائِه، جامحٌ في جَهالتِه بمَناهج المُصنِّفين في السُّنة، فكان مِن غُبنِ آراءِه تلك -مثلًا- أنْ أنكرَ عليهم إخراجَ أحاديثِ الصِّحابِ ﵃، دون تصريحِهم لفظًا برفعِها إلى النَّبي ﷺ!\nيقول: «إن المُتمعِّن في كتابِ البخاريِّ لوحدِه، سيجد أنَّ قرابة ثُلثِ الكتابِ نصوصٌ لا تُنسب إلى الرَّسول، بل إلى مَن هم دونه، .. وكأنَّ مَن هم دون الرَّسول لهم نصيبٌ في دين الله» (^٣)!\n_________\n(^١) «الحديث والقرآن» (ص/٢٣).\n(^٢) «الحديث والقرآن» (ص/٢٣).\n(^٣) «الحديث والقرآن» (ص/٤٣٣).","vol":"1","page":273},{"text":"ومثَّل لذلك بحديث ابن عمر ﵁: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، قال: «نَسَختها الآيةُ الَّتي بعدها» (^١).\nفقال: «هذا منسوبٌ لمِن هو دون الرَّسول، ولذلك كان يجبُ ألَّا يكون في كُتب الحديث» (^٢)، وقد عَمِي عن أنَّ قولَ ابن عمرَ له حكمُ الرَّفع، لأنَّ مثله لا يُقال بالرَّأي، فضلًا عن الرِّواياتِ الأخرى في نفسِ البابِ، والَّتي تُصرِّح برفعِ هذا إلى النَّبي ﷺ.\nثمَّ أتبعَ (ابنُ قرناسٍ) هذا بعمايةٍ أخرى عن مصطلحات القومِ، وذلك أنَّه أساء الظَّنَّ بعدالة أهل الحديث لمُجرَّد أنَّ فيهم من وُصف بالتَّدليس، وهو يفهِم لفظَ (التَّدليس) على المعنى الدَّارج عند العامَّة، الَّذي هو بمعنى (التَّحيُّلِ في الكذبِ)، فاعتقدَه دليلًا يُطعَن به في عدالةِ حَمَلة السُّنَن، قائلًا: «.. وِمنهم مَن دَلَّس على الرَّسولِ، مع سبق الإصرار والتَّرصُّد»!\nفأمَّا أوَّل حديثٍ استفَتَح به كتابَه، يُنبيك عن سقوط أمانته في النَّقد وأحقيَّته بمفهومه للتَّدليس القبيح:\nما رُوي عن أبي سعيد الخدري مَرفوعًا: «.. أخرجوا مَن كان فيه قلبه مِثقال حبَّةٍ من خردلٍ من إيمان ..».\nيقول ابن قرناس فيه: «إذا كان الحديث قال به الرَّسول، فمَن أخبَرَه بخَبرِ الجنَّة والنَّار، وهما مِن عالمِ القيامةِ الَّذي لم يُخلق بعد؟! ... وكلُّ ما سيحدثُ في يومِ القيامةِ هو مِن عالَم الغيب، الَّذي تَفَرَّد الله -سبحانه- بعلمِه لوحده: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]» (^٣).\nكذا قال، واضعًا يَدَه على الآية بعدها -كاليهود- يستُرها ألَّا تفضحَ هواه، وتُسقط دعواه! وهي قوله تعالى بعدها: ﴿إِلَاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: تفسير القرآن، باب ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾، برقم: ٤٥٤٦).\n(^٢) «الحديث والقرآن» (ص/٤٣٣).\n(^٣) «الحديث والقرآن» (ص/٢٩ - ٣٠).","vol":"1","page":274},{"text":"ويكفيكَ لتعلمَ مقدار عقلِ الرَّجل، ومَدى أهليَّته للنَّقد، أن تقرأ ما تعقَّب به قوَله ﷺ: «لا أحدَ أغْيَرُ من الله، ولذلك حَرَّم الفواحش»، حيث فَسرَّ تَعسُّفًا معنى الفاحشةِ بمُطلق الجِماع! أي: أنَّ الله تعالى يَغار مِن ممارسةِ عبدِه للجنسِ مُطلقًا!\nنعم والله، هكذا فهِمَ الحديثَ! وزادَ أن استنكرَ على مَن يُصدِّق هذا الخبر بشدَّةٍ، وراحَ يُعدِّد للقارئ فوائد الشَّهوةِ الجنسيَّة تطمينًا لقلوبِهم! يقول: «هذا القول تجنٍّ فاحش على الذَّات الإلهيَّة، فالله هو مَن خَلق الخلق، وجَعَل فيهم غريزةَ الجنس لكي يَتَناسل البَشرَ ويبقون ..» (^١).\nوهكذا تكون بدائع الفوائد وإلَّا فلا!\nو(ابن قرناسٍ) وإن كان يحاول جهدَه بيانَ العِلل الَّتي لأجلِها استنكرَ حديثًا ما، غير أنَّه يُبهِم ذكرَ ذلك كثيرًا، فتراه يستنكر الحديث دون إبداء سببٍ ظاهرٍ، وهذا النَّفيُ الجازم منه إمَّا أن يكون لخبرٍ غَيبيٍّ بَلَغه، أو أن يكون لمانعٍ عقليٍّ يقطع بعدم إمكانِ ذلك؛ وكلُّ ذلك لا وجود له.\nكما الشَّأنُ -مثلًا- مع حديث ابن عباس ﵁: «إنَّ النَّبي ﷺ سَجَد بالنَّجم، وسَجَد معه المسلمون، والمشركون، والجنَّ، والإنس»، فقال ابن قرناس: «بطبيعةِ الحال هذا لم يحدُث، ولا يُمكن أن يكون حَدَث»، .. ثمَّ سَكَت! (^٢)\nوسيأتي رَدُّ بعضِ مُعارضاتِه لأحاديث «الصَّحيحين» مِمَّا نراه يستحقُّ شيئًا من النَّظر في مكانها المُناسب مِن الباب الثَّالث في هذا البحث -إن شاء الله-.\n_________\n(^١) «الحديث والقرآن» (ص/٤١٧).\n(^٢) «الحديث والقرآن» (ص/٦٩).","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المَطلب السادس\nسامر إِسلامْبُولي (^١) وكتابه «تحرير العقل من النَّقل:\nدراسة نقديَّة لمجموعة من أحاديث البخاريِّ ومسلم»</span>\nأغار (إسلامبولي) على «صحيح البخاريِّ» وصِنوه «مسلم» في عدَّةِ مؤلَّفاتٍ ومَقالاتٍ سَخَّرها للطَّعنِ في جملة وافرة من أحاديثهما (^٢)، اتخذَّ فيها أحاديث الكِتابين ميدانًا لتجاربِه المخبريَّة، إذ أنَّهما في نظرِه «محلُّ تسليمٍ عند المسلمين، وهم يعدُّون كتابَيهما أصحَّ الكُتبِ بعد كتابِ الله تعالى، فإذا كان في البخاريِّ ومسلمٍ هذا الكَمُّ مِن الأحاديث المردودة متنًا، أو مشكِلةً في دلالتِها -وهي ليست للحصرِ- فما بالكم بغيرها مِن الكُتبِ، سواء عند السُّنة أم الشِّيعة؟!» (^٣).\nفسامرٌ إذن يَتَغيَّا بذلك إثباتَ صدقِ دعواه في أنَّ «مادَّة الحديث النَّبوي، مادَّة تاريخيَّة لا قداسةَ لها أبدًا، ومُنتفٍ عنها صفةُ الوحيِ الإلهيِّ التَّشريعيِّ» (^٤).\n_________\n(^١) مفكر سوري، عضو في اتحاد الكتاب العرب، وباحث في مؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة بسوريا، له أكثر من عشرين مؤلَّفًا أغلبها في نقض المسلمات الشرعية، انظر ترجمته في موقعه الرسمي على الشبكة العالمية.\n(^٢) ككتابه «نبيُّ الإسلام غير نبيِّ المسلمين»!، و«السُنة غير الحديث»، و«رجم الزَّاني جريمة يهوديَّة وافتراء على الإسلام».\n(^٣) «تحرير العقل من النقل» (ص/٤٠).\n(^٤) من حوارٍ صحفي له مع مجلة «الوقت» البحرينيَّة، منشور في «موقع أهل القرآن» بتاريخ ١٥ يناير ٢٠٠٧ م.","vol":"1","page":276},{"text":"والكِتاب -في الجملة- أوهى بناءً وأضعف منطقًا مِن محاولةِ مَن يطعنُ في أحاديث «الصَّحيحين» وهو مُؤمنٌ بالسُّنةِ في الجملة، ككتابِ (إسماعيل الكرديِّ)، دون أن يفهَمَ منهجَ المُحدِّثين في التَّصحيحِ والتَّضعيف، ولا كيفيَّة الخروجِ مِن التَّعارضِ الظَّاهري (^١).\nلقد مَهَّد المؤلِّف لهذا الكتاب بعدَّة مُقدِّمات مبعثرةٍ، عامَّتها إنشائيٌّ، مرتكز على استثارة العاطفةِ (^٢)، لا يكاد يُحيل إلى أحدٍ مِن علماءِ الشَّريعةِ قديمِهم أو مُحدَثِهم، ولكن يحيل القارئ إلَّا إلى إصداراته الأخرى فقط.\nفمِن تلك الأصولِ الَّتي أفاضَ القولَ فيها في مُقدِّماتِه تلك: تقريرُه سبقَ العقلِ لـ «النَّقل، فالنَّقل نِتاجٌ لتفاعلِ العقلِ مع الواقع، ممَّا يؤكِّد هيمنةَ العقل، وسيادته على النَّقل» (^٣).\nوقد توجَّه في الكتاب بالسُّخطِ على سَلَف الأمَّة جمعاء، وأسقطَ ما انفردوا به من جُهدٍ في حفظ تراث نبيِّهم عن سائر الأُمَمِ، فقال: «علمُ مصطلح الحديثِ كذبةٌ وخدعةٌ كبيرةٌ، فهو ليس علمًا أصلًا! سواء تعلَّق ذلك بالسَّند والمتن، فالنَّتيجة واحدة: الضَّياع للمسلمين! وعندما جعل المسلمون مادَّةَ الحديث النَّبوي وحيًا ومصدرًا تشريعيًا، أُصيبوا بالتَّخلُّف والانحطاطِ، وابتعدوا عن المنهجِ الرَّبانيِّ المتمثِّل بالقرآن» (^٤).\n_________\n(^١) «مرويات السيرة» لأكرم العمري (ص/٤١).\n(^٢) وهذا في رأيي ما جعل نوعًا من الإقبال على مؤلَّفاته من بعض حُدثاء الأسنان، ممَّن لم تتشرَّب قلوبهم أصول الكتاب والسُّنة، وتمثيلًا لأسلوبه هذا: قوله -بعد أن قدَّم شبهاتٍ ينفي بها حجيَّة السُّنة- مخاطبًا فيها قرَّاءه: «لقد ذكرتُ لك ما ذكرتُ، حتَّى تعلم الغَثَّ من السَّمين، وتميَّز من يضع السُّم في العسل، وحتَّى لا تتأثَّر بعد قراءتك لهذا البحث بدعايتهم وضجيجهم .. واتِّهامهم لمن يحبُّ الله ورسوله، ويأمر بالالتزام بما أنزل الله، ويتمسَّك بالوحي القرآني -الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- بأنَّهم قوم قرآنيون ينكرون الحديث، ولا يحبُّون النَّبي العظيم ﷺ .. ويهوِّلون الأمر على النَّاس، ويحرِّكون مشاعرَهم، ويمنعونهم من العلم والدِّراسة والتَّفكير»، اهـ مِن مقاله «القرآن من الهجر إلى التفعيل» المنشور بموقع «أهل القرآن» بتاريخ ٢٢ يناير ٢٠٠٧ م.\n(^٣) «تحرير العقل من النقل» (ص/٧).\n(^٤) من حديث صحفي معه منشور في «موقع أهل القرآن».","vol":"1","page":277},{"text":"وهكذا نهج سبيل البُهتِ إلى آخر مقدِّماته الَّتي استغرقت منه نصفَ الكتاب، والنَّصفُ الثَّاني حشاه بالطَّعنِ في خمسين حديثًا اختارَها مِن «الصَّحيحين».\nفهل يُفهم من هذا كلِّه أنَّ (سامرًا) يُقرِّر كذب كلِّ الأحاديث النَّبويَّة؟!\nيجيب قائلًا: «لم أقُل ذلك؛ وإنَّما قُلت: إنَّ الوضعَ والكذبَ على لسانِ النَّبي ﷺ قد فَشا بعد وفاتِه» (^١).\nنعم؛ هو -كما قال- لا يَعتدُّ بالحديثِ ولا يَرفعُ به رأسًا في احتجاجٍ ولا استئناسٍ من الأساس، غير أنَّه يَعتقد أنَّ للعقلِ وظيفةً تكمُن في القيام بـ «عمليَّة الفرزِ» في الحديث النَّبوي، وذلك «حسبَ الأدوات المعرفيَّة الجديدة، فيُحتفَظ بالصَّواب، ويُستبعَد الخطأ» (^٢).\nوما دور علمِ الإسنادِ والحديثِ إذن؟\nيُجيب قائلًا: «ليسا أساسًا لمعرفةِ صِحةَّ الحديث، بل هو القرآن والعلم أوَّلًا ..\nفمنذ متى صار معرفةُ النَّاس وأحوالهِم علمًا له مَعايير وقواعد؟! ..\nإنَّ العلم هو مجموعةُ قواعد وقوانين يَتمُّ البرهنةُ عليها مِن الواقعِ والفلسفة، فتصير مِعيارًا وميزانًا .. فهل الإسناد هو عِلمٌ بهذا المفهوم؟!» (^٣).\nهكذا يَتسائل المؤلِّف تساؤل المُستنكرِ الفَهِيم.\nلكن سرعانَ ما ناقض كلامَه بعد هذا التَّقرير بأسطرٍ مناقضةً فاحشةً، حث أراد أن يبيِّن للقارئِ المعيارَ الَّذي يُنسَب به الحديث إلى النَّبي ﷺ، فقال: «.. إنْ وافق متنُ الحديث القرآن، وانسجَمَ معه بين يديه لا يتجاوزه، يَتمُّ النَّظر في سَندِه: فإن صَحَّ على غَلبةِ الظَّنِ، ننسبُه إلى النَّبي ﷺ، وإن لم يَصحَّ سنده\n_________\n(^١) من مقاله «البخاري يضعف أحاديث مسلم» على موقع «أهل القرآن» بتاريخ ١٥ غشت ٢٠٠٧ م\n(^٢) «تحرير العقل من النقل» (ص/١٤).\n(^٣) انظر كتابه «قراءة نقدية لخمسين حديثًا من البخاري ومسلم» (ص/٧ - ٨)، ومقاله «البخاري يضعف أحاديث مسلم» على موقع «أهل القرآن» بتاريخ ١٥ غشت ٢٠٠٧ م.","vol":"1","page":278},{"text":"ننسبه إلى الحكماء والعلماء ..» (^١)!\nكيف وقد نفيتَ قبلُ هذا النَّظر جملةً أن يكون عِلمًا بالمرَّة؟!\nلأجل هذا الخبط كلِّه أقول:\nإنَّ تنكُّبَّ (سامرٍ) لهذا المنهج الحديثيِّ القويمِ، واغترارَه بعقليَّتِه الفارغة، واحتقارَه لعامَّة المسلمين وخاصَّتهم مِن المُحدِّثين والفقهاء، أفضى به إلى نتيجةٍ طبيعيَّة، أعربَتْ عنها بعضُ قوارِع فتاويه الَّتي قَفَته بأمرٍ عظيم!\nفهو من أباحَ للمرأةِ الزَّواج برجلٍ آخر للجماع إذا عجز زوجُها الأصليُّ عن ذلك، مع بقائها في عصمة الأوَّل!\nوهو من أجاز تبعًا لذلك استئجارَ الرَّحِم للحمل (^٢)!\nوهو من أنكرَ الحجاب أن يكون من الإسلام (^٣).\nوقد أوجبَ على الحائض والنُّفساء الصِّيام! وأباحَ لهنَّ الزَّواج من أهل الكتاب! (^٤) وغير ذلك مِن رَفَثِ شذوذاتِه الَّذي ابتلاه الله بها، جزاءَ طعنِه في السُّنةِ وحَملتِها مِن أولياء الله تعالى.\nومَن يُضلل الله فلا هاديَ له.\n_________\n(^١) «قراءة نقدية لخمسين حديثًا من البخاري ومسلم» لسامر إسلامبولي (ص/٧ - ٨).\n(^٢) انظر هاتين الفاقرتين في كتابه «القرآن من الهجر إلى التفعيل» (ص/١٠٨، ١٥٤).\n(^٣) في كتابه «غطاء رأس المرأة أو شعرها حكم ذكوريٌّ وليس قرآنيًّا»، وقد دأب على وضع صور نساء متبرجات بزينتهنَّ على أغلفة بعض كتبه! كهذا الأخير، وكتابه الآخر «ميلاد امرأة من الجحيم».\n(^٤) كثير من فتاويه الشَّاذة مبثوثة في موقع «أهل القرآن» لصاحبه أحمد صبحي منصور.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الفصل الثالث\nالتَّيار العَلمانيُّ ومَوقفه مِن «الصَّحيحين»</span>","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المَبحث الأوَّل\nتعريف العَلمانيَّة</span>\nالعَلمانيَّة: نسبةٌ غير قياسيَّةٍ إلى العَالَم، يُحيل اللَّفظَ بهذا الضَّبط في أصلِه «إلى الحياة الدُّنيا، وما ليست له قَداسة، مُقابل الشُّؤون الكَنسيَّة» (^١)؛ وقيل: نسبة إلى العِلم، ولذا يضبطها بعضُهم بكسرِ العَين «العِلمانيَّة» (^٢)، ومُقتضاها: «أنَّ الجدير بالمُجتمعات الإسلاميَّة أن تستبدل بارتباطها الدِّيني الارتباطَ العِلميَّ» (^٣).\nوالصَّواب الضَّبط الأوَّل لهذا المصطلح بفتحِ العين (^٤)، ومنهم مَن يختار مَدَّها (العَالمانيَّة) (^٥)، حفاظًا على نسبتها القياسيَّة إلى العالَم أو العصر؛ بدلالة لفظِها في اللُّغاتِ الأجنبيَّة، فإنَّ كلمةَ الباحثين قد أجمعت على أنَّ ترجمةَ هذا المصطلح مِن مَصادره الإنجليزية هو: (secularism)،  مُشتق مِن أصلِه (saeculum)،  والَّتي تعني: القرنَ الزَّمني (^٦)، وهو نفسُه في الفرنسية، أو يقولون (laique)،  فيكون\n_________\n(^١) «الإسلام في حلِّ مشاكل المجتمعات الإسلامية المعاصرة» لمحمد البهِّي (ص/١٢).\n(^٢) كالقرضاوي في «الإسلام والعلمانية، وجهًا لوجه» (ص/٤٨).\n(^٣) «يغالطونك إذ يقولون» لمحمد رمضان البوطي (ص/٣٣ - ٣٤).\n(^٤) رجَّح هذا محمد قطب في «مذاهب فكرية معاصرة» (ص/٤٤٥)، ومحمد عمارة في «نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام» (ص/١٦ - ١٧)، وطه عبد الرحمن في «بؤس الدهرانية» (ص/٢٩).\n(^٥) كما ذهب إليه د. سامي عامري في كتابه «العالمانية طاعون العصر» (ص/٦٤).\n(^٦) انظر «العلمانية الجزئية والشاملة» (١/ ٦١).","vol":"1","page":283},{"text":"مُرتبطًا عندهم بالأمور الزَّمَانيَّة، أي: بما يحدث في هذا العالَم وعلى هذه الأرض، في مُقابل الأمور الروحانيَّة المُتعلِّقة بالغيبيَّات وما وراء الطَّبيعة.\nولعلَّ من ترجمَها بنِسبتِها إلى (العِلم)، فنَطَقها بكسر العَين أوَّل مرَّة، قد انطوى صدرُه على تضليلِ المُتلقِّي للكلمة، عن طريقِ تهذيبها وتعديلها لِما حقُّه أن يُترجم بـ «اللَّادينيَّة» أو «الدُّنيويَّة» (^١)، بينما هي في لُغاتِها الأصليَّة لا صِلة لها بالعِلم (^٢).\nومع تعدُّدِ آراءِ العُلماءِ في أصلِ العلمانيَّة وضبطِها، يكادُ يكون مَدلول العلمانيَّة المُتَّفق عليه: عزلُ الدِّين عن الدَّولة وحياة المُجتمع، وإبقاءه حَبيسًا في ضمير الفرد، لا يتجاوز العلاقة الخاصَّة بينه وبين ربِّه، فإن سُمح له بالتَّعبير عن نفسِه، ففي الشَّعائر التَّعبُّديَّة والمراسم المُتعلِّقة بالزَّواج والوفاة ونحوها» (^٣)؛ وبعبارة أدقّ وأشمل: هي فصل الوَحي أو المُقدَّس المُتَجاوَز كليًّا أو جزئيًّا عن مفهوم الحقيقة والمنفعة الإنسانيَّتين (^٤).\n_________\n(^١) «كواشف زيوف في المذاهب الفكريَّة المعاصرة» لعبد الرحمن حبنكة الميداني (ص/١٦٣).\n(^٢) «مذاهب فكرية معاصرة» لمحمد قطب (ص/٤٤٥).\n(^٣) «الإسلام والعلمانية، وجهًا لوجه» ليوسف القرضاوي (ص/٥١ - ٥٢).\n(^٤) انظر «العالمانية طاعون العصر» لسامي عامري (ص/٩٩).","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المَبحث الثَّاني\nنشأة العَلمانيَّة، ومُسوِّغات ظهورها عند الغَرب</span>\nظهرت العَلمانيَّة في أوربا الغربيَّة في القرن السَّابع عشر، في مجتمعاتٍ تَدين في مُجملها بالنَّصرانيَّة، بدينٍ يَفتقد لمُقوِّمات إدارة الحياة مِن حيث التَّشريعاتِ في المُعاملات كما في الإسلام.\nفكانت المُصيبة الَّتي أوقعَ فيها رجال الكنيسةِ أهل تلك المُجتمعات، أنْ حكَّموا عليهم ما لا يَصلُح أن يُحكَم به من دينهم المُحرَّف، حتَّى أقاموا به نظامًا «ثِيُوقراطيًّا» (^١)، يدَّعي فيه باباواتِ الكاثوليكِ أنَّهم يَسُوسونَ رَعاياهم باسم الله وأمرِه (^٢).\nفجثموا بذلك على صدور النَّاس قرونًا مديدة، ناصروا فيها الخُرافةَ المُعادية للعقول، وحارَبت العَلماءَ بدعوى الهرطقة، وصادَروا أفكارَهم، وأكلوا أموالَ المُغفَّلين بباطلِ صكوكِ الغُفران، وسانَدوا المُلوكَ والإقطاعيِّين في سلبِ أرزاقِ النَّاس، حتَّى سادَ ظلامُ الجهلِ ونيران الظُّلمِ أصقاع أورُبا (^٣).\n_________\n(^١) ثيوقراطيَّة: تعني حكومة الكَهَنة، أو الحكومة الدِّينية، وتتكون هذا المصطلح من كلمتين يونانيتين مدمجتين: «ثيو» وتعني الدِّين، و«قراطية» وتعني: الحكم، وعليه فان الثيوقراطية هي نظام سياسي يستمد الحاكم فيه سلطته وشرعيته من الإله مباشرة، حيث تكون الطبقة الحاكمة من الكهنة أو رجال الدين، وتعتبر الثيوقراطية من أنواع الحكم الفردي الذي كان يحكمها الملك عن طريق الوراثة، ولا يجوز لأحد مخالفته باعتباره خليفة الله والمُتكلِّم باسمه، وانظر «معجم اللغة العربية المعاصرة» (١/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر «الطائفة الكاثوليكية وأثرها على العالم الإسلامي» لمحمد الزيلعي (ص/١٥١).\n(^٣) انظر «تاريخ أوربا في العصور الوسطى» لسعيد عاشور (ص/٤٦).","vol":"1","page":285},{"text":"إلى أن تيَقَّظ بعض الغُفل من الأوربيِّين إلى ضرورةِ التَّخلُّص مِن هذا الاستبدادِ السُّلطَويِّ باسم الدِّين، بعد أن فقدوا الثِّقة في الكنائسِ أن تكون مصدرًا للمعرفة؛ فظَهَرت بينهم في القرنين الخامس عشرِ والسَّادس عشر مَقالاتٌ فسلفيَّةٌ، باعثةٌ لسلطانِ العقلِ على حسابِ النَّقل، ووُضِعَت المَعايير تلوَ الأخرى في تنظيمِ أمور الدَّولة، وانبهرَ النَّاس بنتائج العلوم التَّجريبيَّة والفَلَكيَّة وتطوُّرِها (^١).\nحتَّى إذا ضاقَت الشُّعوب ذرعًا بطُغيانِ ملوكِها ورجالِ الدِّين، صارَت المُعارَضات تشتدُّ تباعًا، إلى أن قامت ثورة الفِرنسيِّين بفلَّاحيهِم ومِهنيِّيهم علي السُّلطتين السِّياسية والدِّينيَّة سنة (١٧٨٩ م)؛ بل والقساوسةُ الصِّغار أيضًا! قاموا كلُّهم في جبهةٍ واحدةٍ يُقاتلون أرباب السُّلطة؛ فارتُكِبت في سبيل ذلك مجازِر فظيعة، وانسلخَ النَّاس من دينِ الكنيسةِ أفواجًا (^٢).\nلقد تمخَّضت عن هذه الثَّورة نتائج بالغةِ الخطورة، حيث وُلِدت لأوَّل مرَّةٍ في تاريخ أوربا النَّصرانيَّةِ جمهوريَّةٌ عَلمانيَّة، تقوم فلسفتُها على الحكم باسم الشَّعب وحدَه، لا باسم الله، وعلى إبعاد الدِّين عن شؤونِ الحياة، وعلى الحُريَّاتِ الفرديَّة بدلًا مِن التَّقيُّدِ بالأخلاقِ الدِّينيَّة، وعلى دستورٍ وَضعيٍّ عقليٍّ، بدلًا مِن قوانين الكنيسةِ، إلى أن تَفشَّى هذا الوَضع السِّياسيُّ الفكريُّ تدريجيًّا في كاملِ أوربا (^٣).\n_________\n(^١) انظر «حكمة الغرب» لبِرتناند راسل (٢/ ١٥) فما بعده، ترجمة: فؤاد زكريا.\n(^٢) انظر «تاريخ الثورة الفرنسية» لألبير سوبول (ص/١٠٥)، ترجمة: جورج كوسي.\n(^٣) «العلمانيَّة» لسفر الحوالي (ص/١٦٨ - ١٦٩) بتصرف.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المَبحث الثَّالث\nتَمَدُّد العَلمانيَّة إلى العالَم الإسلاميِّ وأسبابُه</span>\nلقد كان للغَزوِ العسكريِّ الفرنسيِّ والبريطانيِّ للبلدانِ الإسلاميَّةِ الأثرُ البليغ في نقلِ تعاليم العَلمانيَّة الأوربية إلى أروِقةِ حُكمِها، ثمَّ الانتقالِ إلى دعوةِ شعوبِها إلى اعتِناقِها فِكريًّا واجتماعيًّا، عبر بعثاتِ الاستشراقِ ووَسائلِ الإعلامِ الحديثةِ المُتحكَّم فيها آنذاك.\nوكان مِن دَهاء جَلَّادِ فرنسا العَسكريِّ «نابوليون بونابارت»، أنَّه مع شحن سُفنه المُتَّجِهة إلى مصرَ بالمَدافع، جَعَل بجنبِها حَيِّزًا للمَطابِع! فجلب معه من بلادِ الإفرنجِ إليها فكرةَ الحضارةِ الغربيَّة مَقروءةً في كلِّ بيتٍ.\nونظرًا لقوَّة أوربا العسكريَّة والاقتصاديَّة، زَحَفت العَلمانيَّة بقوَّةٍ، وانتشرت بين أبناء الإسلامِ سراعًا بين أروقة الحكم ونوادي النُّخَب المُثقَّفة؛ بذا اعتَرَف بعضُ مُفكِّري العَلمانيَّة العَربيَّةِ (^١): أنَّ العَلمانيَّة لم تقبلها الأُمَّة في جملتها يومًا بديلًا عن شريعةِ رَبِّها، بل لم تَدخل بلادَهم إلَّا عُنوةً بالحديدِ والنَّار، لا بالفكرِ\n_________\n(^١) منهم المؤرِّخ المصري: محمود إسماعيل، الَّذي أقرَّ بأنَّ العَلمانيَّة جاءت إلى العالم العربيِّ مع الاستعمار الأوروبيِّ على قنطرةِ النَّصارى؛ وبلديُّه الآخر عادل الجندي، الَّذي أكَّد على أنَّ العلمانيَّة لم تدخل قطُّ إلى العالم العربيِّ كجزءٍ من الفكر السِّياسي، وانظر مَقالاتهم وغيرها في كتاب «العلمانية مفاهيم ملتبسة» (ص/٩٣)، و«قدر العلمانية في العالم العربي» (١٢٧) كلاهما للحسن وريغ وأشرف عبد القادر.","vol":"1","page":287},{"text":"والإقناع؛ فلذا شيَّدوا لها المَدارس، وأقاموا عليها أساتذةً مُستَشرقين يُعلِّمون النَّشءَ أنماطًا جديدةً مِن التَّفكير دخيلة، ويبثُّون في عقولهم أفكارًا مَغلوطةً عن الإسلام، ويُزيِّنون في أنظارِهم أساليبَهم المُستحدثةَ للحياة (^١).\nومع أنَّنا مَعاشر المُسلمين، تكاد تَنعدِم عندنا الأسبابُ الباعثةُ لأهلِ أوربا للثَّورة على الدِّين، واستحداثِ العَلمانيَّة بديلًا له؛ فإنَّ دينَهم يَفتقرُ إلى التَّشريعات الشَّاملة، ولا يَرسُم مَعالم للحكمِ، بينما دينُنا دين عقيدةٍ وشريعةٍ، نَظَّم حقوق النَّاس مِن الفَرد إلى الدَّولة.\nكما أنَّ رجالَ دينِهم كانوا أعداء العلوم الكونيَّة والفِكر المُتعقِّل، بينما دينُنا رَحَّب بذلك كلِّه، بل جهابذةُ العلومِ لم يَبرُزوا إلَّا تحت ظِلِّه؛ ولم يَدَّعي منهم أحَدٌ أنَّه يحكم باسم الله، ولا أنَّه مَعصومٌ من الله، إلَّا ما كان مِن بعضِ الدُّوَلِ البَّاطنيَّة المنحرفة في فارس والشَّام ومصر، سُرعانَ ما أجهزَ عليها المُسلمون ونَكَّلوا بزَنادِقتها.\nفلقد كان الأصلُ -بالنَّظر إلى هذه الاعتبارات المُنشئة لفكرة العلمنة- أن تبقى بلادُ الإسلام مَنيعةً عن قَبولِ ضَلالِها واحتضان دُعاتها؛ لكنَّ انبهارَ النُّخَب السِّياسيَّة والفكريَّة منهم بسطوةِ الحضارةِ الغربيَّة، حتَّى أنَّهم رَبطوا سَفَهًا «بين النَّهضة العَربيَّة، وبين النَّهضة الأوربيَّة في كلِّ شيءٍ! فرَبطوا مُستقبلَهم بأوربا على هذا النَّحو، وانجرفوا في سبيل «النَّهضة العربيَّة» نحوَ التَّصوُّراتِ العَلمانيَّة الغربيَّةِ للمُجتمع، على المُستوَيين الفِكريِّ والسِّياسي» (^٢).\nهذا؛ مع ما كانَ عليه جملة المُسلمين مِن ضَعفٍ نَفسيٍّ إزاءَ هذه الغلبة، وقابِليَّةٍ منهم لاتِّباعِها، وتخويفِهم من إثارةِ النَّزعات الطَّائفيَّة والعِرقيَّة، سبيلًا لإقناعِهم بضرورةِ الادِّثارِ بثوبِ العَلمانيَّةِ، فإنَّها بزعمهم على مَقاس الكُلِّ مسلمًا\n_________\n(^١) انظر رسالة «الطَّريق إلى ثقافتنا» لمحمود شاكر (ص/١١٣).\n(^٢) أشار إلى هذا المُستشرق الرُّوسي (ليّين زيلمان) في كتابه «الفكر الاجتماعي والسياسي في لبنان وسوريا ومصر» (ص/٤٢).","vol":"1","page":288},{"text":"أو غير مسلم، ليخلصوا إلى كونِ «العَلمانيَّة هي الحماية الحقيقيَّة لحريَّة الدِّين والعقيدة والفكر وحريَّة الإبداع، وهي الحماية الحقَّة للمجتمع المَدنيِّ، ولا قيام له بدونها» (^١).\nناهيك عمَّا كان عليه عامَّة المُسلمين مِن جهلٍ مُدقعٍ بحقيقةِ الدِّينِ، وانكبابٍ على التَّصديق بالخُرافات، وتلمُّسِ البَركاتِ على أعتابِ المَشيخاتِ، وتطوافٍ بالقبورِ والمَزارات، وانحسارِ دور كثيرٍ من العُلماء عن واجب المُدافعةِ لذلك والنُّزول في ميادين الإصلاحِ، وهم يرون الغُزاة يتسلَّلون إلى قصورِ السَّلاطين، ويشترون ذِمَم العساكر! ويوظِّفون عُمَلاء لتفعيلِ خُطَطِ التَّغريب، ويبعثون أحزابًا مُوكَلةً بترسيخِ الهَيمنةِ الغَربيَّةِ في شتَّى مُؤسَّساتِها.\nفكلُّ هذا ساهَم بقسطِه في ترسيخ الأفكارِ العَلمانيَّة بقرائح كثيرٍ مِن المُثقَّفين المُنتسبين للإسلام، ورسمِها منهجًا للحياةِ في دساتير الحُكمِ، ومناهج التَّعليم.\nوجَديرٌ بالذِّكر، أنَّ الاتِّجاه العَلمانيَّ الخالصَ في البلادِ العربيَّةِ، بَدأ مِن أساسِه اتَّجاهًا فكريًّا نَصرانيًّا أرثوذوكسيًّا، حيث كانت أغلبُ الدَّعواتِ إلى تحريرِ المرأة مِن قيودِ الدِّين، وبَثِّ النَّعراتِ القوميَّةِ العربيَّة دون الإسلاميَّةِ، والنُّزوعِ إلى مفهومِ الدَّولةِ القُطريَّةِ الضَّيِقة دون اسم السَّلطنة العُثمانيَّة: هو دَيدَن مُفكِّرين وأُدباء نصارى الشَّامِ على وجهِ الخصوص، وقد أصدروا لنَشرِ ذلك في مجتمعاتهم عِدَّة صُحفٍ ومَجلَّات (^٢).\nفالعَلمانيَّة إذن في أصلِها خيارٌ غير إسلاميٍّ، ابتدرها نَفرٌ غيرِ مسلمين، زكَّاه لديهم العداءُ المستكِنُّ للإسلام، والإعجابُ المفرط بما بلَغَه أعداءهم الكاثوليك مِن سَطوة، إلى درجةِ الانبهارِ والتَّقليد لحضارتهم الأوربيَّة.\n_________\n(^١) «نقد الخطاب الدِّيني» لنصر حامد أبو زيد (ص/٤٣).\n(^٢) كمجلة «المقتطف» في بيروت، ومجلَّة «الجامعة» في القاهرة، وانظر دور الصَّحافة النَّصرانية في تَوجيهها التَّغرِيبي للمُجتمعات العربيَّة في كتاب «النَّظريات العلميَّة الحديثة» لحسن الأسمَري (١/ ٥٨٢).","vol":"1","page":289},{"text":"أمَّا المُتأثِّرون بالحضارةِ الغربيَّة مِن أبناء المدارِس الشَّرعيَّة، فكان مَبدأ تأثيرها مِن مِصر، حيث ظلَّت هذه النَّزعة التَّوفيقيَّة بين أصول الشَّريعة والقوانين الغربيَّة سائدة في فئة مِن الشَّرعيِّين، كـ (علي يوسف البَلصفوي) (^١)، و(جمال الدِّين الأفغانيِّ)، وبصورة أوضحَ عند (عليِّ عبد الرَّازق) (^٢) في كتابِه «الإسلام وأصول الحكم» المَنشورِ بُعيْدَ سقوطِ الخلافةِ العُثمانيَّة، حيث مهَّدَ لقَبولِ العَلمانيَّة في أنظمة الحكمِ الإسلاميَّة.\nوبغضِّ النَّظر عن المُؤلِّف الحَقيقيِّ لهذا الكتابِ الأخير (^٣)، أو صحَّة تَراجُعِه عنه أُخرَياتِ حياتِه من عدمه (^٤)، فقد استمرَّ بعد إخراجه للنَّاس عشرين سنةً يُحاضِر طلبةَ الدُّكتوراه بجامعة القاهرة، وتخرَّج على أفكارِ الكتابِ فِئامٌ مِن أصحابِ القَرار وأربابِ الكِتابة.\n_________\n(^١) علي بن أحمد بن يوسف البلصفوري الحسيني (١٨٦٣ - ١٩١٣ م): كاتب، مِن أكابر رجال الصحافة في الديار المصرية، تعلم في الأزهر، ثم أصدر يوميَّة «المؤيد»، سنة ١٣٠٧ هـ، فكان لها شأن في سياسة مصر والشرق والإسلام، حتَّى عرَّفه بعض الكتَّاب بشيخ الصحافة الإسلامية في عصره، انظر «الأعلام» للزركلي (٤/ ٢٦٢).\n(^٢) علي بن حسن بن أحمد عَبْد الرازق (١٨٨٨ - ١٩٦٦ م): باحث من أعضاء مجمع اللغة العربية بمصر، تعلم بالأزهر، ثم بأكسفورد، سُحبت منه شهادة الأزهر بسبب كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، وانصرف الى المحاماة، وانتخب عضوا في مجلس النواب، فمجلس الشيوخ، وعُين وزيرًا للأوقاف، انظر «الأعلام» (٤/ ٢٧٦).\n(^٣) نَقل د. عصام تليمة في برنامجٍ له أسماه «مفكرون من مصر» بثَّته قناة (فور شباب) سنة ٢٠١٥ م، مُشافهةً عن الشَّيخ أحمد حسن مُسلَّم، رئيسِ لجنة الفتوى بالأزهر سنة ١٩٩٢ م، أنَّ عليِّ عبد الرَّازق صرَّح له بأنَّه ليس هو من ألَّف الكتاب، بل أستاذه طه حسين!\n(^٤) كذا نقله عنه محمد الغزالي في كتابه «الحقُّ المرُّ» (ج ٤/ص ٢٠).","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المَبحث الرَّابع\nمُستوَيَات العَلمانيَّة</span>\nتَتفَاوت دركاتُ «العَلمانيَّة» عند مُعتنِقيها في عالمِنا العَربيِّ بالنَّظر إلى مَدى قُربها مِن الدِّين وتعاطيها مع نصوصِه، أو بُعدِها عن ذلك جملةً، فأسوَءهم طريقةً: مَن يعزلُ الدِّين كلَّه عن مَناحي الحياةِ، وهذه المُسمَّاة بـ «العلمانيَّة الشَّاملة»، بوصفِها رؤيةً شاملةً للكونِ، ذاتَ بُعدٍ مَعرفيٍّ كُليٍّ نهائيٍّ، لا تقِف عند حَدِّ «فصلِ الدِّينِ عن الدَّولةِ»، بل تَتجاوز ذلك لتشملَ فصلَ كلِّ القِيَم الدِّينيَّة والأخلاقيَّة المُتجاوزة لقوانينِ الحَركةِ والحواسِّ في العالَم، بحيث يَغدو العالَم مادَّةً لا قداسة له، مُعلنةً بذلك عداوتَها لكلِّ ما هو غَيبيٌّ؛ مُمَثَّلًا هذا بالتَّيارِ المادِّي الإلحاديِّ، المُجسَّدِ في الماركسيَّة فِكرًا، وفي الشُّيوعيَّةِ تطبيقًا (^١).\nوأرباب هذه الدَّرَكةِ مِن العَلمانيَّة هم أقلُّ في عالَمِنا العَربيِّ مِن أنصارِ الدَّركة الأخرى: «العَلمانيَّة الجزئيَّةِ»، فهذه أشيَعُ في العالم الغربيِّ في الأنِظمةِ السِّياسيَّة في شمالِ إفريقيا، وأكثرِ دولِ آسيا (^٢)، بوصفِها إجراءً جُزئيًّا، لا تتعامل مع الدِّين بأبعادِه الكُليَّة المَعرفيَّة، بل تَتَّجه رؤيتُها صوبَ فصلِ الدِّين عن عالمِ\n_________\n(^١) انظر «العلمانية الجزئية والشاملة» (١/ ٢٢١)، و«كواشف زيوف في المذاهب الفكريَّة المعاصرة» لعبد الرحمن حبنكة الميداني (ص/١٦٤).\n(^٢) انظر «في المذاهب المعاصرة» لأحمد الجمل (ص/٣٩).","vol":"1","page":291},{"text":"السِّياسة، وربَّما الاقتصاد، وهي في هذا غير مُنكرةٍ وجودَ مُطْلَقاتٍ أخلاقيَّةٍ ودينيَّةٍ مُقدَّسةٍ (^١).\nوجرَّاء هذا الوصفِ الثَّاني، كان رُوَّاد العلمانيَّة العَربُ أكثرَ تَناولًا لنصوصِ الوحيِ بالنَّقدِ مِن العلمانيِّين الشُّموليِّين، فإنَّ عَداوة الأوَّلينَ للدِّين كلِّه ظاهرة، لا يقبل منهم العامَّة صرفًا ولا عدلًا؛ بخلاف هؤلاء، فإنَّهم كثيرًا ما يَتزيَّونَ بلبوسِ الغَيورِ على الدِّين! فأمكنَ لهم أن يتَقَمَّصوا طَواعِيةً أو تحريضًا دَوْرَ الإمبرياليِّ في نَثرِ مُخلَّفاتِ الأفكارِ الغَرْبيَّةِ المُستحدثةِ على الأصقاعِ الإسلاميَّةِ، والسَّعيِ في تنفيذِ أجِنداتِه، لاستِبْعادِ المَرجِعيَّة الإسلاميَّة عنِ أن تكون حاكمةً، وإلَّا فلتَكُن على ما يُوافِق نَظرتَهم للحياةِ وتنميط المجتمعات.\nوقد كان مِن الطَّبيعيِّ أن يتُوق روَّادُ الثَّقافةِ وأصحاب الفِكر عندنا إلى اللُّحوقِ بركبِ الغربِ في طفراتِه العِلميِّة، ومُنجزاتِه العِمرانيَّة؛ فهذا حقُّهم، وهذه وظيفتُهم؛ لكن المستهجَن -حَقًّا- أن يُسعَى إلى هذا التَّحديثِ والإصلاحِ على حسابِ المُقوِّماتِ العَقائديَّة والتَّشريعيَّةِ لهذه الأمَّةِ؛ حتَّى باتَ راسخًا في أذهانِ كثيرٍ مِن مُنظِّريهم، أنَّ مَشروعَ التَّقدُّم الحضاريِّ المَنشود، مَبدؤه مِن تجديدِ النَّظرِ في النُّصوصِ الشَّرعيَّة برُمَّتِها، ونزعِ قداستِها السُّلطويَّة مِن قلوبِ المسلمين، بغيةَ التَّحرُّرِ مِن قيودِها الحائلةِ دون مُواكبةِ أطوارِ الزَّمان ومُتطلَّبات الحداثة.\nوهذا فكرٌ ينبو عن جهلٍ مُرَكِّب مِن صاحبه: جهلٍ بركيزةِ الإسلامِ ودورِه في إقامةِ الحضارة البشريَّةِ المُثلى؛ وجهلٍ بالتَّاريخِ، وكيف كان العَرب أذلَّ الأُمَم، حتَّى أعَزَّهم الله بهذا الدِّين، وجهلٍ بوَخيمِ ما ينتظرُ أحدَهم يومَ الحِساب.\nوليس يسلَم من الوَخزِ مَن دخلَ جُحورَ الضِّباب!\n_________\n(^١) «العلمانية الجزئية والشاملة» لعبد الوهاب المسيري (١/ ٦١ - ٧٠، ٢٢٠).","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المَبحث الخامس\nالطَّريقة الإجماليَّة للعَلمانيِّة لنقضِ التُّراث الإسلاميِّ وغايتُها مِن ذلك</span>\nلقد علِم المُبشِّرون بالعَلمانيَّة في البلاد الإسلاميَّة، بأنَّ الحائل لهم دون تَبنِّي العامَّة لها، هو الإسلام نفسُه بنصوصِه وأصولِه، فلإن سَهُل على الغَربيِّين تجاوز دينِهم، وإحلالُ عقولِهم مكانَه، إذ كان في أصلِه خَواءً، هزيلَ المُقاومة؛ فإنَّ إخوانَهم مِن الشَّرقيِّين قد عانَوا مِن تجاوزِ الإسلامِ، وخارَت قُواهم دون تطوِيعِه.\nوهم مع ذلك في محاولةٍ دائبةٍ لتحقيقِ هذا الأسلوبِ المُتجاوِزِ للتُّراثِ الشَّرعيِّ سيرًا في طُرقٍ مُلتويةٍ، بزعزعةِ ثِقةِ المُسلمين في قداسةِ نصوصِ الوَحيِ تارةً، ونفيِ نسبةِ بعضِها إلى قولِ الرَّسولِ تارةً.\nفإن هم لم يُمكنهم ذلك كلَّه فَرَّغوا تلك النُّصوص مِن مُرَاداتِ الشَّارعِ، بفسحِ الفضاءِ واسِعًا لأيِّ قراءةٍ مُحدَثة، تُواكِب دَعواتِ العَوْلَمةِ، أو تَصطلِحُ مع النَّزَعاتِ المَاديَّةِ الشَّهوانيَّةِ.\nهذا النَّقد العَلمانيُّ الفجُّ، لا بُدَّ أن يكون مُستجلِبًا لعَداوةِ جماهير الغَيورين على دينِهم، المُتشبِّثين بسُنَّة نبيِّهم، المُستقذرين لمثلِ هذه المواقفِ السَّلبيَّة مِن تراثِ علمائهم، لذا نرى كثيرًا مِن كُتَّابِهم مِمَّن أخذ على عاتِقه مُهمَّة تحريف فِطَرِ النَّاس، حريصًا على إخفاءِ مَرجِعيَّتِه في خطاباتِه لهم وكتاباتِه، غير مُستعجلٍ في","vol":"1","page":293},{"text":"شحنِ العامَّةِ بقناعاتِه هو جملةً، ولكن يمشي في سبيل تحقيقِ غايتِه بسياسة التَّقطير! يُسرِّب أفكارَه قطرةً تلوَ القطرة على مَهل.\nأمَّا مَن كان من هؤلاء حديدَ الأخلاقِ، ثوريَّ الطَّبع، فإنَّك تراه منتهجًا حربَ العصابات! يضربُ بشُبهةٍ هنا، ليختفيَ بعدها مُدَّة؛ ثمَّ يقذف بشُبهة هناك، ثمَّ يُظهِر لك بعدها وجه المُسالم ..\nوهكذا القوم! ليسوا يُريدون إلَّا إنهاكَ أفكارِنا، لنستسلِم لهم بأخِرَةِ.\nفاسمع لـ (حسن حنفيِّ)، كيف يبوح بهذا السِّرِ في مُحاربةِ تُراثِ المُسلمين، في مثل قوله:\n«نصر أبو زيد بمثابة (اسْبينُوزا)! قال أشياء كُنت أتمنَّى أن أقولها، ولكن ربَّما استخدامي لآليات التَّخفِّي، حالَ بين فهم ما أردتُ أن أقول؛ نحن مجموعةٌ مِن الأفراد، لو اصطادونا، لتَمَّ تصفيَتُنا واحدً واحدًا.\nولذلك أرى أنَّ أفضلَ وسيلةٍ للمُواجهة، هي استخدامُ أسلوبِ حربِ العِصابات! اِضْرِبْ واجْرِ! اِزرعْ قنابلَ موقوتةً في أماكن مُتعدِّدة، تنفجرُ وقتما تنفجر، ليس المُهمُّ هو الوقت، المُهمُّ أن تُغيِّر الواقع والفكرَ» (^١).\nوبهذا وضعوا خُطَّة التَّبشير بمَذهبِهم: أن يُشِغلوا النَّاس بأفكارِهم، ولا ينشغِلوا هم بأفكارِهم؛ فلَعمري لقد نهجوا هذا المسلك الخبيث باحترافيَّة!\nفكان أَوْلى -في نظري- بالمُتشرِّعينَ بَدَل أنْ يَتَقمَّصوا وظيفةَ رجالِ الإطفاء كلَّ مرَّة، فيَقفزوا مِن حريقٍ فكريٍّ إلى آخر ليُخمِدوه، أن يهتمُّوا بإشغالِ النَّاس بأفكارِهم النَّيِرة بنورِ الوحيِ أوَّلًا، فيتوَّجهوا إلى التَّأسيسِ والبناءِ الفكريِّ لعمومِ النَّاس أوْلَوِيَّةً ضروريَّةً، بدلَ الانكباب على نقضِ صروح الآخرين والرَّد علي أفكارهم، مع التَّقصير في بناء صروحنا صروح الحقِّ!\n_________\n(^١) جريدة «أخبار الأدب» المصرية، عدد ٢٨/ ١٢/٢٠٠٣ م، وجريدة «المستقبل» اللبنانية، عدد ٣/ ١/٢٠٠٤ م.","vol":"1","page":294},{"text":"لقد كان هذا التَّيار في بدايات نشوءِه مُعلِنًا عن مفاصلتِه للشَّريعة الإسلاميَّة وما يَمُتُّ بها مِن تراثٍ يناقض روح العصر بزعمه؛ ثمَّ بعد تجارب له مَريرة، توصَّلَ بعض رُوَّادِه بأنَّ سلوك هذه المُحادَّاة المباشرة طريقة خاطئة أن تُطبَّق في بلاد المسلمين.\nيشرح هذا التَّحول النَّقديَّ وأولويَّته (عابد الجابريُّ) في قوله: «إنَّ التَّجديدَ لا يُمكن أن يَتِمَّ إلَّا مِن داخلِ تُراثِنا، باستدعائِه واسترجاعِه استرجاعًا مُعاصرًا لنا؛ وفي الوقتِ ذاتِه، بالحفاظِ له على مُعاصَرتِه لنفسِه ولتارِيخيَّته، حتَّى نَتمَكَّن مِن تجاوزِه مع الاحتفاظِ به، وهذا هو التَّجاوز العلميُّ الجَدليُّ!» (^١).\nوعلى هذا صار هذا الاتِّجاه السَّائد في الدِّراساتِ المُصادِمةِ للنَّصِ الشَّرعيِّ يعتمِدُ على ذات النَّصِ للتَّخلُّصِ مِنه، فإنَّ مذهب الرَّفضِ للنُّصوصِ الشَّرعيَّة جملةً وإعلان المُعاداة لأحكام ظواهرها قد ضَعُف حضورُه كثيرًا في الآونةِ الأخيرة، مراعاةً للرَّفضِ الشَّعبيِّ العامِّ لمثلِ هذه الطَّرائق؛ فلهذا ابتُلينا بكثير مِن المُنحرفِين والمُعادين للسُّنةِ يُقدِّم نفسَه على أنَّه مُجدِّدٌ للتُّراث! وقارئٌ للنَّصِ بما يُوافِق الواقع! مغربلٌ له على ضوءِ المناهج الجديدة، ليُقرِّر معنى فاسدًا يصبو إلى تقريرِه (^٢).\nومن ثمَّ تَركَّزت حربهم على أصولِ الاستدلال؛ على مُنازعةِ السَّلَفِ الصَّالح في تديُّنهم، مُعارضين لأصلِ أن يكونَ فهمُ هؤلاء هو المِعيارَ الحاكِمَ في تفسيرِ القرآنِ وما اشتهوا قبوله من السُّنة؛ هذا ما يفني الحَداثيون المنتسبون للإسلام أعمارَهم لرفضِه، فإنَّهم في أنفسِهم أفهم مِن العلماء المتقدِّمين جميعًا بمُرادات القرآن، لمِا يرونه من معرفتهم بالمُستجدَّات المُعاصرة (^٣)! وغاية الحُمق والسَّفه أن\n_________\n(^١) «مجلة المستقبل العربي»، العدد ٢٧٨، حاوره عبد الإله بلقزيز.\n(^٢) انظر «التَّسليم للنَّص الشَّرعي» لفهد العجلان (ص/١٢).\n(^٣) كما تراه عند محمد شحرور في كتابه «الكتاب والقرآن» (ص/٥٦٦).","vol":"1","page":295},{"text":"يأتي أحد إلى دينٍ كدين الإسلام عمادُه النَّقل، فيزعم أنَّه أعلمُ بأحكامه وشرائعه ومقاصده من النَّقَلَة أنفسِهم!\nثمَّ اشتدَّ عراك الحداثيِّين لعلماء الإسلام على أن يكون نصُّ القرآنِ مَفتوحًا لأكثرِ مِن قراءةٍ، بحسبِ فهمِ القارئِ ومُستَجَدَّاتِ حياتِه! يزعمون بهذا الانفتاح شموليَّةَ القرآن وعالَمِيَّته (^١)؛ وإلى هذا غايةُ العَلمانيِّ في معركتِه الطَّويلةِ مع الأصوليِّين.\nفلكَمْ تَباكوا على لفظِ «الحكمةِ» في آياتِ القرآن أنْ فسَّرها الشَّافعيِّ بـ «السُّنة»، حتَّى اتَّهموه بالسَّعيِ إلى «تفقيرِ دَلالةِ الحِكمة، وإغلاقِ بابِ الاجتهادِ، إزاءَ نصٍّ كان في الأساسِ مُنفَتِحًا على مُختلفِ القراءاتِ» (^٢)؛ وأنْ ليس اعتبارُه للسُّنةِ مَصدرًا للتَّشريعِ، إلَّا إحدى «شَطَحاتِ الشَّافعيِّ ومُحدَثاتِه»! (^٣) فإنَّ «تأسيسَ مَنزلةِ السُّنةِ لم يَبدأ إلَاّ معه، حيث عَمِل على حسمِ الصِّراع الفكريِّ والدِّيني، ورَكَّز الأصولَ الفقهيَّة في أربعةٍ، هي: الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس، فخَوَّل له هذا التَّرتيبُ تَثبيتَ مَشروعيَّة السُّنةِ»! (^٤)\nوكلُّنا يعلَم أنَّ الشَّافعي لم يبتدع هذا الأصلَ مِن بناتِ أفكارِه، بل هو إجماع، جَرى عليه عملُ المُسلمين مِن عهد النَّبي ﷺ إلى زَمنِه فما بعده؛ لم يَزِد هو على أن دَوَّنه وأصَلَّ له بأدلَّة الشَّرع والعقل، بطلب من عبد الرَّحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) -كما في مشهور قصَّة تأليف «الرِّسالة» -، وأقرَّه على ذلك علماء الأمَّة أجمعون، وأكبَروه فيه.\n_________\n(^١) انظر مقولاتهم في «التَّيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم» لمُنى بهي الدين الشافعي (ص/٩٧ - ١١١).\n(^٢) «السنة بين الأصول والتاريخ» لحمدي ذويب (ص/٥٠).\n(^٣) خَصَّص (نصر أبو زيد) كتابًا كاملا لتثبيتِ هذه الفِرية، أسماه «الإمامَ الشَّافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطيَّة» (ص/٣٣)، وانظر «الحديث النَّبوي» لمحمد حمزة (ص/٦)، وهما في هذا تَبَع للمُستشرق اليهوديِّ «شاخت» في كتابه «أصول الشريعة المحمدية»،\n(^٤) مقدِّمة «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث» لمحمد حمزة (ص/٦).","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المَبحث السَّادس\nانصراف العَلمانيَّة إلى استهداف السُّنَن</span>\nلقد اعترفَ بعض رموز العَلمانيِّين بأنَّ رُكامَ مَقالاتِهم ومَواقفهم في إنكارِ السُّنةِ قد عَصَفت به ريحُ الحقيقةِ، فكان هباءً منثورًا، لم يُكتب له النَّجاح والقَبول في الأوساطِ الشَّعبيَّة؛ ترى هذا المعنى جليًّا في مثل قولِ حمَّادي ذويب: «كان جليًّا أنَّ موقف إنكارِ السُّنة لم تكُن له حظوظٌ في الانتشار والقَبول» (^١).\nويُعبِّر أيضًا عنه نصر أبو زيد «بالمَواقف الَّتي أُهيل عليها تُراب النِّسيان» (^٢).\nومع اعترافهم بفشل هذا الموقف العقيم من السُّنة، فإنَّهم على غير إياسٍ من دورِ المُجمِّع لهذا الهباءِ المَنثورِ، ذرًّا له مرَّة أخرى في عيونِ ضِعافِ البصيرة، فرَكزُّوا «على مُحاولةِ كشفِ المواقفِ المَسكوتِ عنها، الَّتي وَقَع إقصاؤها، لأنَّها مَواقف أقليَّات! لم تكُن لها الوسائل لنشرِ أفكارِها، مثلما تَوفَّر للفريق المُنتصر» (^٣)؛ ويأبى الله إلَاّ أن يُتِمَّ نورَه.\nوالَّذي حصَّلته مِن حالِ العَلمانيِّين بعد تَتبُّعٍ نِسْبيٍّ لكلامهم في الشَّرعيَّات: أنَّ أكثرَهم في شِبْهِ عافيةٍ حالَ سَوقِ اعتراضاتِهم في مختلفِ العلوم الشَّرعيَّة أو التَّاريخية أو اللُّغويَّة؛ حتَّى إذا ما أقدموا على مَسِّ سِياجِ «الحديثِ وعلومِه»،\n_________\n(^١) «السُّنة بين الأصول والتَّاريخ» لحمادي ذويب (ص/٧١).\n(^٢) «الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية» (ص/٨٣).\n(^٣) «السُّنة بين الأصول والتَّاريخ» (ص/٣١٣).","vol":"1","page":297},{"text":"أخذَتهم صاعقةٌ مثل صاعقةِ عادٍ وثَمود! فافتُضِحوا على رؤوسِ الأشهادِ، وبانَ جهلُهم لكلِّ العِبادِ.\nومع ما في نهجِ هؤلاءِ مِن بلايا وخوارمِ للفِطرة السَّوية، ومع ما يقع فيه رموزُهم مِن رزايا عَقديِّة، وجناياتٍ في حقِّ السُّنة النَّبويَّة، إلَّا أنَّا نحن بدورِنا نعترفُ في المقابل بأنَّ هذا لم يكُن حائلًا مِن شحنِ العالمِ الإسلاميِّ خلال العقودِ الفارطةِ، بالمضامين العَلمانيَّة شحنًا كبيرًا، وصَل سُعارها أروقةَ وزاراتِ الأوقافِ نفسِها في كثيرٍ مِن البلدان الإسلاميَّة.\nكيف لا! وقد حُبِكت مؤامراتهم على وسائلِ الإعلامِ حبْكًا ساحرًا، وشُحِنت بها مَناهج التَّعليم شحنًا ظاهرًا، لتُعلِن رعايتَها لولدانِ المسلمين، بدءً من رِياضِ الحَضانات، إلى أن يشبُّوا على مُدرَّجات الجامعات.\nفانظر -مثلًا- إلى حالِ «الزَّيتونةِ» -رَدَّها الله إلى سالِف عِزِّها-؛ كيف أفسدَ فيها كتابٌ سَوَّدَه حَداثيُّ المَنزعِ غَربيُّ الهَوى عقولَ الطَّلبة الشَّرعيِّين؟! قُرِّر عليهم في مَساقِ السُّنةِ باسمِ «السُّنة النَّبويَّة، إشكاليَّة التَّدوين والتَّشريع» لمؤلِّفه (محمَّد حمزة)؛ يحملُ في طَيَّاتِه مُنافرةً شديدةً للهويَّةِ السُّنيَّة للمُجتمِع التُّونسيِّ نفسِه، يُدَرَّس لِمن الفَرضُ فيهم أن يحملوا لواءَ السُّنةَ في إحدى أعرقِ الجامعات السُّنية (^١).\nهذا مثال واحدٌ من أمثلةٍ كثيرةٍ على هذا التَّغلغل العَلمانيِّ الفكريِّ، تُغني شُهرتُها في باقي بلاد العربِ عن سَرْدِها.\nثمَّ نأتي بعدها لنذرف الدُّموع على تَفلُّتِ شبابِنا مِن التَّديُّن إلى الإلحادِ؟! ومِن عَبقِ الأخلاق، إلى أنتانِ التَّفسُّخ والإباحيَّة، ومِن وَسطيَّة التَّسَنُّنِ الَّذي ارتضاه الله للأُمَّة منهجًا طيلةَ قرونٍ، إلى انحرافاتِ الغُلوِّ بجميعِ صُوَرِه!\n_________\n(^١) انظر «كتابات غير المتخصِّصين في السُّنة النبوية بين الجهل والتحريف» لأبو لبابة طاهر حسين التونسي، ضمن مؤتمر «الحديث الشريف وتحديات العصر» (١/ ٣٨٩).","vol":"1","page":298},{"text":"فأيُّ واجبٍ اليوم أعظمُ مِن تخليصِ الأجواءِ الإسلاميَّة مِن تلك المَوادِّ الضارَّة، والأفكارِ المعاديَّة لأيِّ سلطةٍ مُقدَّسةٍ إسلاميَّة مُتعالية؟! وأيُّ شَرفٍ أنبلُ مِن أن نَتترَّس دون دواوينِ السُّنة، قطعًا لطريق مَن يبتغي تحريفَ الشَّريعةِ؟ .. والله غالبٌ على أمرِه.\nأعود فأقول:\nلقد تَركَّزت هَجمةُ العَلمانيِّين وأدعياءِ الحَداثةِ في النَّيلِ مِن الأحاديث النَّبويَّة، بعد أن أعياهُم الوصول إلى القرآنِ في تَواترِ حِفظِه وقَداسةِ نصوصِه، فحَذوا حذوَ المُستشرقينَ في التَّشكيكِ بمِصداقيَّة السُّنَة، وفاقوهم صَلَفًا برَميِها بأوابِدِ السَّاسَة، فهي لا تعدو -مِن مَنظور قراءتِهم التَّفكيكيَّةِ- أن تكونَ «مجموعاتٍ نصيَّةٍ مُغلقةٍ، خاضعةٍ لعمليَّةِ الانتقاءِ، والاختيارِ، والحذفِ التَّعسُّفيةِ، الَّتي فُرِضت في ظِلِّ الأمَويِّين، وأوائل العَبَّاسيِّين، أثناء تشكيلِ المَجموعات النَّصيَّةِ» (^١).\nولإن كان تحطيم القِلاع النَّصِيَّةِ الجامدة، وإزاحة المُقدَّسِ مِن حياةِ العامَّة، غايةَ ما يصبو العلمانيُّ الحَداثيُّ إلى بلوغِه، فقد توسَّلوا إلى ذلك -كما قدَّمنا شرحه- بتقليد أساليبِ العلماء في الخطاب، وصَنعوا مِن بعض نصوصهم «حِصانَ طَرْوادة» مُتشَرْعِنًا يستتِرون بداخلِه!\nحتَّى إذا اغترَّ بظاهر كلامهم غُفْلُ العَوام، وأدخلوهم به حِصنَ الإسلام: خَرَجت منه جَحافِل المَغولِ الجُدد تُجهِز على ما في الدِّين مِن أصولِ! وتُحَطِّم جُدرانها الفاصلة لحِماها؛ فكان «كُلَّما رَأَى أحدُهم جدارًا ينهارُ في قلاعِ هذا الزَّمَن، يَتَقدَّم نحوَ أنقاضِه، يَتناول حَفنةً منها يَروزها، ثمَّ يَفرُكها بأصابِعه، ثم يَقذِفُ بها في الهواء، ويَقِفُ صامتًا، يَستمتعُ برؤيتِها وهي تَتَناثر وتَتَلاشى ..» (^٢).\nفلمَّا تَفطَّنَ لهم حُرَّاس الحديثِ، فحاصَروهم بالحُجَّة وأوعَدوهم، ليُثبتوهم أو يُخرجوهم: كَشفَ هذا العَدوُّ تَغيُّضًا عن مُخدَّراتِ نفسِه، وباحَ كُرْهًا عن\n_________\n(^١) «الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد» لمحمد أركون (ص/١٠١).\n(^٢) «النص القرآني وآفاق الكتابة» لأدونيس (ص/١٢).","vol":"1","page":299},{"text":"أغراضِ هجماته، ما أبلغ أحدَ رُوَّادِهم أن يَصرُخ حَنقًا مِن الحركةِ السُّنِّية المعاصرةِ يُعيِّرَها بـ «اعتمادِها شبهِ المُطلقِ على (قال الله)، و(قال الرَّسول)! .. واستشهادِها بالحُجَجِ النَّقليَّة، دون إعمالٍ للحسِّ والعقل، وكأنَّ الخبرَ حُجَّة! وكأنَّ النَّقلَ برهان!» (^١).\nولسنا نزعمُ أنَّ أربابَ هذا التَّيارِ العَلمانيِّ المُستغرِب على وِفاقٍ كلَّهم في تصنيفٍ السُّنة؛ إذ فيهم المُشكِّكَ في أصلِ وجودِها رأسًا، ومنهم مَن يطعنُ في عصمة النَّبي ﷺ (^٢)، أو يَنفي وحيَ سُنَّتِه (^٣)، أو يطعنُ في رُواتِها جملةً (^٤).\nوفيهم مَن يَقبل المتواترَ منها دون الآحاد على مَضَضٍ، وتَجِد فيهم مَن يقبلُ هذه شرطَ أن تُوافق عقلَه وذوْقَه، وإلَّا فالسُّنَة عنده غير صالحةٍ أصلًا للتَّطبيقِ في زمنِه (^٥)، ويكاد يكون الأصل الَّذي يتَّفق عليه جميع العَلمانيُّون، وتفصيلُه في الآتي:\n_________\n(^١) «التراث والتجديد» لحسن حنفي (ص/٤٥).\n(^٢) كما في «السُّنة بين الأصول والتاريخ» لحمادي ذويب (ص/٨١ - ٨٧).\n(^٣) كما في «الوحي والقرآن والسُّنة» لهشام جعيط (ص/٣٥ - ٤٠).\n(^٤) كما في «الحديث النبوي» لمحمد حمزة (ص/٢٩٤ - ٢٩٥)، و«تدوين السنة» لإبراهيم فوزي (ص/١٦٦ - ١٦٧).\n(^٥) «تدوين السُّنة» لإبراهيم فوزي (ص/٤١١).","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المَبحث السَّابع\nمركزيَّة «التَّاريخيَّةِ» في مشروعِ العَلمانيِّين لإقصاءِ السُّنةِ النَّبويةِ</span>\nيعتبر الفكر العَلمانيُّ الحَداثيُّ العَربيُّ بأنَّ «التَّاريخيَّة» (^١) هي جوهر الإصلاح الثَّوريِّ الَّذي ينبغي استحداثه في الفكر الإسلاميِّ، فإنَّه لا يُمكن نقلُه إلى الانفتاحِ إلَّا من خلالِها، كما أنَّه لا سبيل إلى تمريرِ القراءة الحَداثيَّة للتُّراث الدِّيني كما وَقَع في الغربِ إلَّا عبر التَّأكيد على نِسبيَّتِه (^٢).\nولأجل تحقيق هذه الغاية، نَراهم يَجهدون لإثباتِ هذا الأصلِ في قراءة النَّص الشَّرعيِّ، وإقناعِ الجماهير بـ «إيجابيَّةِ التَّغيِيرِ، وسِلبيَّة الثباتِ» مُطلقًا، وهي مِن أكبرِ الفَرَضِيَّات الَّتي بَنى عليها الحَداثيُّون أُطروحاتِهم بشأنِ تاريخيَّةِ النَّص الشَّرعيِّ؛ مع أنَّنا نعلمُ بداهةً أنْ لا تلازم بين الإيجابيَّة والتَّغيير، ولا بين السَّلبية والثَّبات! بل الأمرُ كثيرًا ما يصدُق على خلافِ ذلك؛ وهم بهذا المنطق يُهدرون\n_________\n(^١) مصطلح «التاريخية» أو «التاريخانية» ظهرت بوادر نشوءه في الغرب نهاية القرن ١٧ م، والمقصود منه: القول بأنَّ الحقائق تاريخية تتغير وتتطور بتطور التاريخ، ومن أبرز من روج لهذا المصطلح: محمد أركون، والذي يعني عنده: «تحول القِيم وتغيرها بتغير العصور والأزمان»، وهو أول من أثار قضية تاريخية القرآن الكريم وارتباط أحكامه بظروف معينة خاصة، انظر كتابيه «الفكر الإسلامي، قراءة علمية» (ص/٢١٢)، و«من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي» (ص/٢٦).\n(^٢) «موقف الفكر الحَداثي العربي من أصول الاستدلال في الإسلام» لمحمد القرني (ص/١٣٩).","vol":"1","page":301},{"text":"هذه المُسلَّمات لأجلِ خلقِ اجتهادٍ مَفتوحٌ، ينبني على فكرةِ أنَّ إنتاجَ المعنى مَسئوليَّةُ الإنسانِ وحده (^١).\nوهم في هذا التَّصوُّرِ لتشريعاتِ الدِّين مَسبوقون بفلاسفةِ التَّنويرِ الغَربيِّ الوَضعيِّ (^٢)، حين اعتبروا كتابَهم المُقدَّس بعَهْدَيْه مُجرَّدَ رموزٍ، وأنَّ التَّديُّن إنَّما يُمثِّل مَرحلةً تاريخيَّةً في عُمرِ التَّطوُّرِ الإنسانيِّ، تُعدُّ فيه مرحلةَ الطُّفولةِ العقليَّة، فهو إيمانٌ مَثَّل حِقبةً تاريخيَّةً، فهذه الأديان والشَّرائع لم تَعُد صالحًة لعصرِ النَّهضة التَّقنيَّة اليوم بزعمِهم (^٣).\nوقد صرَّح (نصر أبو زيد) بابتناءه كلامه في نصوص التُّراث الإسلاميِّ على أفكار الفيلسوف الأمريكيِّ (إيريك هيرش) (^٤) في تفريقه بين المعنى الثَّابت والمغزى المتغيِّر من النُّصوص اللُّغويَّة (^٥)، وعليها عدَّ (أبو زيد) نصوص الشَّرع تاريخًا مضى لا يصلح بالضَّرورة لواقعنا المعاصر، لكونها مُنتجًا ثقافيًّا تخضع للمعايير الاجتماعيَّة والثَّقافية السَّائدة في زمن المُفسِّر لها، فليس لها أيُّ مضمون ثابت (^٦).\n_________\n(^١) انظر لهذه الفكرة في «إسلام المُجدِّدين» لمحمد حمزة (ص/٥٧)، و«الإسلام السُّني» لبسَّام الجمل (ص/٩ وما بعدها).\n(^٢) الوضعيَّة: نزعة فلسفية علمانية ظهرت بداية من النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلاد في أوربا، رفضت أيَّ سلطان على العقل إلَّا للعقل، وأحلَّت العقل والعلم والفلسفة محلَّ الدِّين واللَّاهوت الكَنسي، انظر «موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة» (١/ ٣٩٥).\n(^٣) انظر بحث «تاريخية القرآن الكريم» لمحمد عمارة، ضمن مجموع «حقائق الإسلام في مواجهة المشكِّكين» (ص/٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٤) إيريك دونالد هيرش: ناقد أدبي أكاديمي، وأستاذ فخري في التربية والعلوم الإنسانية بجامعة فرجينيا بأمريكا، وُلد سنة ١٩٢٨ م، من مؤلفاته «صناعة الأمريكيين: الديموقراطية ومدارسنا»، ترجمته في الموسوعة الإلكترونية (ويكيبيديا).\n(^٥) انظر «نقد الخطاب الديني» له (ص/٢١٧).\n(^٦) انظر «نقد الخطاب الديني» له (ص/١٩٨).","vol":"1","page":302},{"text":"فبهذا المبدأ من تاريخيَّة النَّص، شَمَّر الحداثيُّون عن أيادي الجدِّ لنزعِ لَبوسِ التَّشريعِ عن السُّنةِ، بانتزاعِ مَعانيها المُطلَقة، ذلك أنَّ الواقعَ المُتطوِّر إذا جاوَز عندهم العملَ بحرفيَّاتِ نصوصِ الشَّريعة، لجأ النَّاس حينها لا محالة إلى مُخرجاتِ عقولِهم مِن قوانين وضعيَّة.\nوهم لتحقيقِ هذا الهدف يسلكون مَسالِك شتَّى لإسقاطِ اعتبارِ هذه السُّنة المُبارَكة، مُجملُ ذلك عائدٌ -كما قُلنا- إلى دعواهم أنَّها مُجرَّدُ عاداتٍ وتقاليدَ قديمة، لا تلزمُ عصرَنا في شيءٍ (^١)، وأنَّ التزامَها كان «السَّببَ في تحنيطِ الإسلامِ، وتَخلُّفِ أهلِه» (^٢)! لأنَّها إنَّما ناسَبَت مَرحلةً وبيئةً مُعَيَّنتين لا تُوافقان ما نحن فيه، فالاكتفاءُ بمَقاصِدها كان إذن أوْلى (^٣).\nفبهذه الحُجَّة المُسمَّاةِ بـ «التَّاريخيَّة أو التَّاريخانيَّة» تَوسَّل كثيرٌ مِن العَلمانيِّين لتحنيطِ السُّنة النَّبوية، وحَبسِها داخلَ حدودِ الجزيرةِ العربيَّة زمَنَ الإسلامِ الأوَّل، كونُها مجرَّد تفاعلٍ تاريخيٍّ يُلائم ظروفَ العَرب ومَن حولهَم آنذاك، فأحاديثُها «لا تَصف وقائعَ، بقدرِ ما هي مُجرَّد قراءةٍ لا أكثر، قراءةٍ في العالَم، أو كتابةٍ للحياةِ، بوَصفِها خِبرةً، أو تجربةً، أو مُعايشةً» (^٤).\nوهذا ما يُنتِج عند (علي مبروك) (^٥) «أنَّ لكلِّ عَصرٍ الحقُّ في أن تكون له قراءتُه، بل وصياغتُه لمُجملِ التَّصوُّراتِ العَقائديَّة» (^٦)، فيكونَ لكلِّ عَصرٍ فهمه الخاصُّ للنُّصوص، ولكلِّ عَصرٍ شريعتُه!\n_________\n(^١) انظر «الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية» لنصر أبو زيد (ص/٤٠)، و«حقيقة الحجاب وحجية الحديث» لمحمد العشماوي (ص/١٢١).\n(^٢) انظر «الكتاب والقرآن» لمحمد شحرور (ص/٥٤٨)، و«إسلام ضد إسلام» للصادق النيهوم (ص/١٣٩).\n(^٣) انظر «الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية» لنصر أبو زيد (ص/٤٠ - ٤٦)، و«أصول الشريعة» لمحمد سعيد العشماوي (ص/١٢١)، و«إسلام ضد إسلام» للصادق النيهوم (ص/١٣٩)، و«السنة بين الأصول والتاريخ» لحمادي ذويب (ص/٣٤، ٥٤).\n(^٤) «نقد الحقيقة» لعلي حرب (ص/١٣١).\n(^٥) باحث وكاتب علماني مصري، كان أستاذ للفلسفة بجامعة القاهرة، ومن بُناة مؤسسة «مؤمنون بلا حدود»، توفي قريبًا سنة ٢٠١٦ م، وترجمته في نفس موقع المؤسسة السالف ذكرها.\n(^٦) «النبوة من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ» لعلي مبروك (ص/٢٩٩).","vol":"1","page":303},{"text":"يَضربُ لنا (محمَّد شحرور) -مثلًا- على هذه الأحكامِ السُّنِّية التَّاريخيَّة البائدة: بـ «مَنعِ التَّصوير، والنَّحتِ، والرَّسمِ، والمُوسيقى، والغناءِ، ولبسِ الذَّهبِ، واستلامِ المرأة لمناصبَ في الدَّولةِ»، ويُعلِّل هذا: «بأنَّ منعَ النَّبي ﷺ للرَّسم، والنَّحت، والتَّصوير، -إن صحَّ- كان مَفهومًا في حينِه، حيث إنَّ العَرَب كانوا حَدِيثي عهدٍ بالوَثنيَّة، فمنعُ ذلك كخطوةٍ وِقائيَّةٍ مُؤقَّتةٍ، حيث أنَّ هذا المنعَ لم يَرِد في الكتابِ نِهائيًّا» (^١).\nوالعَلمانيُّون إذْ يُقرِّرون هذا الأصلِ في مَرحليَّةِ السُّنة، لم يُعدَموا قواعدَ مِن التُّراثِ الإسلاميِّ الفقهيِّ يستنِدون عليه في ذلك؛ فمِن ذلك:\nأنَّهم يحتجُّون بقولِ بعض الفقهاء: أنَّ «العِبرَة بخصوصِ السَّببِ، لا بعموم اللَّفظ» (^٢)، وأنَّه «لا يُنكر تغيُّر الأحكام بتغيُّرِ الزَّمانِ والمكان» (^٣)!\nونقضُ مُجملِ هذا المسلكِ التَّاريخانيِّ، يَتبيَّن مِن وجوه:\nأوَّلًا: أنَّ مِن مَنائِر الحقِّ في التَّصور الإسلاميِّ: توارث الحقيقةِ الشِّرعيَّةِ الواحدةِ عبر مختلفِ الأجيالِ، فليست تتَلوَّن بتَلوُّنِ الأجيال، وإنَّما كلِّ جيلٍ يصطبغُ بها اصطباغًا، ولهذا كانت قيمة الثَّبات عبر الأزمانِ قيمةً ثمينةً في الإسلام، يطلبُها، ويضَعُ لها ما يَصونها، فهي أصلٌ في اتِّساقِ عناصِرِ نِظامه، ومُطابقة معناه لمَبناه مهما عصَفَت بتصوُّراتِ النَّاس مُدلهمَّات الأفكار.\nولذا جاء في الحديثِ الشَّريفِ: «سيكون في آخرِ أمَّتِي أناسٌ يحدِّثونَكم ما لم تسمعوا أنتم، ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم!» (^٤)؛ يقول ابن رجَبٍ: «إشارةٌ إلى أنَّ ما استَقرَّت مَعرِفتُه عند المؤمنين، مع تقادُمِ العهدِ وتطاول الزَّمان، فهو الحقّ، وأنَّ ما أُحدِث بعد ذلك مِمَّا يُستنكَر، فلا خيرَ فيه» (^٥).\n_________\n(^١) «الكتاب والقرآن» لمحمد شحرور (ص/٥٥٢ - ٥٥٣).\n(^٢) انظر «جوهر الإسلام» لمحمد العشماوي (ص/١٢٨)، وهذه قاعدة مردودة عند جمهور الأصوليين، كما ترى تحقيقه في حاشية «روضة الناظر» لابن قدامة (٢/ ٣٥).\n(^٣) انظر «إعلام الموقعين» (٤/ ٣٣٧).\n(^٤) أخرجه مسلم في مقدمة «صحيحه» (١/ ١٢)، وأحمد في «المسند» (١٤/ ٥٤٢، رقم: ٨٥٩٦).\n(^٥) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ١٠١).","vol":"1","page":304},{"text":"فهذا الأصل القائل بـ «تاريخيَّة» نصوصِ السُّنة والقرآن، والإتيان بمعانٍ شرعيَّة جديدةٍ لا يعرفها المُسلمون، مُناقضٌ لأصلِ الشَّريعةِ في الثَّبات، ومقصِد تنزيلِ الوحيِ على العباِد، ومُعارضٌ لمِا هو مَقطوع به عند المُسلمين مِن خَتمِ الرِّسالةِ، وإتمامِ الدِّين بمُستلزماتِ التَّشريعِ إلى قيامِ السَّاعة؛ فخطاب الله للمؤمنين بطاعةِ رسوله ﷺ واتِّباعِه في سُنَّتِه أمرٌ مُطلقٌ، لم يُحَدَّ بزمانٍ ولا مكانٍ.\nوربُّنا ﵎ يقول مُخاطبًا أتباعَ نبيِّه جميعَهم مِمَّن رآه ولم يَرَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\nوفي تقرير هذا الأصل، يقول أبو المَعالي الجُوينيُّ (ت ٤٧٨ هـ): «لو كانت قَضايا الشَّرعِ تختلفُ باختلافِ النَّاسِ، وتناسخِ العصور: لانحَلَّ رباطُ الشَّرع، ورجَعَ الأمرُ إلى ما هو المَحذور مِن اختصاصِ كلِّ عصرٍ ودهرٍ برأيٍ، وهذا يُناقض حكمةَ الشَّريعة في حملِ الخلقِ على الدَّعوة الواحدة» (^١).\nثانيًا: على خلافِ ما أرادَ العَلمانيُّون الاستنادَ إليه مِن قواعد أصوليَّة، فإنَّ المُتَّفق عليه بين جَماهيرِ الأصوليِّين (^٢) أنَّ العِبرة بعموم اللَّفظ، لا بخصوصِ السَّبب، إلَّا أن تقوم الدَّلالةُ على قَصْرِ النَّصِ على السَّببِ.\nدليلُ ذلك في ما قرَّره الآمديُّ:\n«أنَّه لو عَرِي اللَّفظُ الواردُ عن السَّببِ كان عامًّا، وليس ذلك إلَاّ لاقتضائِه للعمومِ بلفظِه، لا لعدمِ السَّبب، فإنَّ عدم السَّببِ لا مَدخل له في الدَّلالاتِ اللَّفظيَّة؛ ودلالةُ العموم لفظيَّة، وإذا كانت دلالته على العموم مُستفادةٌ مِن لفظِه، فاللَّفظُ واردٌ مع وجودِ السَّببِ، حسبَ ورودِه مع عدمِ السَّبب، فكان مُقتضيًا\n_________\n(^١) «نهاية المطلب في دراية المذهب» للجويني (١٧/ ٣٦٤).\n(^٢) حُكي عن الإمام مالك في هذه المسألة روايتان، وذهب أكثر المالكية إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما عند القرافي في «شرح تنقيح الفصول» (ص/٢١٦)، وحكاه القاضي أبو يعلى عن بعض الحنابلة، واختاره المزني، والقفَّال الشَّاشي وبعض الشَّافعية، انظر «القواعد» لابن اللَّحام (ص/٣١٨)، و«الإحكام» للآمدي (٢/ ٢١٩).","vol":"1","page":305},{"text":"للعموم، ووجود السَّببِ -لو كان- لكان مانعًا مِن اقتضائِه للعموم، وهو ممتنع لثلاثة أوجه:\nالوجه الأوَّل: أنَّ الأصلَ عدمُ المانِعيَّة، فمُدَّعيها يحتاجُ إلى البيان.\nالوجه الثَّاني: أنَّه لو كان مانِعًا مِن الاقتضاءِ للعمومِ، لكان تصريحُ الشَّارع بوجوبِ العملِ بعمومِه مع وجودِ السَّبَب، إمَّا إثباتَ حُكمِ العمومِ مع انتفاءِ العموم، أو إبطالَ الدَّليل المُخصِّص، وهو خلافُ الأصل.\nالوجه الثَّالث: أنَّ أكثرَ العموماتِ ورَدَت على أسبابٍ خاصَّة، فآيةُ السَّرقة نزلت في سَرقة المِجنِّ (^١)، أو رداء صفوان (^٢)، وآية الظِّهار (^٣) نزلت في حقِّ سَلمة بن صخر (^٤)، وآية اللِّعان نزلت في حقِّ هلال بن أميَّة (^٥) ... إلى غير ذلك.\nوالصَّحابة عَمَّموا أحكامَ هذه الآيات مِن غير نَكيرٍ، فدَلَّ على أن السَّبَب غير مُسقطٍ للعموم، ولو كان مُسقطًا للعمومٍ، لكان إجماعُ الأمَّةِ على التعَّميمِ خلافَ الدَّليل، ولم يَقُل أحَدٌ بذلك» (^٦).\nفهذا الحقُّ في المسألة أصوليًّا.\nوعلى فرضِ التَّسليم بأنَّ «العِبرة بخصوصِ السَّبب، لا بعمومِ اللَّفظ»:\nفإنَّ ذلك لا يختلف مع ما أبنَّاه مِن رُجحانِ خلافِها عند التَّحقيق، إلَّا في شيءٍ واحدٍ، وهو: أنَّ الدَّلالة فيما يُماثل الواقعةَ الَّتي وَرَد بسببِها حكمُ النَّصِ،\n_________\n(^١) أخرجها البخاري في صحيحه (ك: الحدود، باب: قول الله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، وفي كم يقطع، رقم: ٦٧٩٥) ومسلم في صحيحه (ك: الحدود، باب: حد السرقة ونصابها، رقم: ١٦٨٥).\n(^٢) أخرجها النسائي في «السنن الصغرى» (ك: السرقة، باب: الرجل عن سرقته بعد أن يأتي به الإمام، رقم: ٤٨٧٨).\n(^٣) وهي الآيات الأولى من سورة المجادلة.\n(^٤) الصَّواب أنَّها نزلت في حقِّ أوس بن الصَّامت وزوجته خولة بنت ثعلبة، انظر تفسير ابن كثير (٨/ ٣٥ - ٣٨).\n(^٥) أخرجها البخاري في صحيحه (ك: الشهادات، باب: إذا دعى أو قذف، فله أن يلتمس البينة، وينطلق لطلب البينة، برقم: ٢٦٧١)، ومسلم في صحيحه (ك: اللعان، برقم: ١٤٩٦)\n(^٦) «الإحكام» للآمدي (٢/ ٢٣٩).","vol":"1","page":306},{"text":"ليست مِن ذلك اللَّفظ العامِّ نفسِه مِن حيث الدَّلالة فيه على حكمِه، بل مقصورةٌ على الواقعةِ الَّتي وردَ بسببها النَّص فقط، والدَّلالة فيما يُماثل هذه الواقعة، إنَّما هي بطريقِ القياسِ على تلك الواقعة.\nفي حين أنَّ جمهورَ الفقهاء -على القولِ الأوَّل الصَّوابِ- يقولون: إنَّ دلالةَ اللَّفظِ على ما يُماثل الواقعةَ الَّتي هي صورة السَّبب، كدلالتِها تمامًا على الواقعة الأولى، أي أنَّها كلُّها أفرادٌ تندرج تحت عمومِ ذاك اللَّفظ.\nهذا هوالخلاف بين القولين الأصوليَّين فقط؛ فأمَّا أن يُقال كما يقول العَلمانيُّون: إنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ ذاتَها مقصورةٌ على صورةِ أسبابِها، بحيث لا تتَعدَّاها إلى ما يَستجِدُّ مِن الوقائع المُشابهة: فشيءٌ خارجٌ عن أقوالِ علماء الأمَّة بالكليَّة (^١).\nثالثًا: احتجاجُ العلمانيَّة بقولِ بعضِ الفقهاء: «لا يُنكر تغيُّر الأحكام بتغيُّر الزَّمان والمكان»، ليس على مَوردِ ما لأجلِه ساقَه الفقهاء، إنَّما يقصد مَن أطلقَ هذه العبارةَ بالأحكام: ما تعلَّق منها بالمصلحةِ والعُرف فقط (^٢)؛ أمَّا الحُكم الشَّرعيُّ ذاته، والَّذي جاء به النَّص: فلا يَتَغيَّر بتغيُّرِ الأزمنةِ والأمكنةِ، إذْ لا يُمكن أن يكون على صورةٍ مُعيَّنة مُخالفًا لحكمِ صورةٍ مُطابقةٍ لها في مناطِ الحكم، وإنَّما الاختلافُ يكون في الصُّورة الحادثةِ (^٣).\nبيانُ ذلك: أنَّ الحكمَ الشَّرعيَّ حتَّى يَثبُت، لا بُدَّ له مِن تَحقُّق مجموعِ مناطات لذلك الحكم: مِن أسبابٍ وعِلَلٍ، وتحقُّقِ شروطٍ، وانتفاءِ عوارض وموانع، فهذه المُعطيات تُشكِّل في مجموعِها صورةَ المسألة؛ فإذا حَصَل تشابهٌ بين صُورَتين واختلَف الحُكم بينهما: فمرجِعُه إذن إلى اختلافِ مُؤثِّرٍ بين الصُّورتين في إحدى تلك المُعطياتِ السَّابقة.\n_________\n(^١) انظر «التِّيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم» (ص/٤٠٨).\n(^٢) انظر تفصيل ذلك في «إغاثة اللَّهفان من مصايد الشيطان» لابن القيم (١/ ١٣٣).\n(^٣) انظر «البحر المحيط» للزركشي (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":307},{"text":"مثالُ ذلك: لحمُ الخنزيرِ مُحرَّمٌ أكلُه بالنَّصِ، وهذا حُكمٌ خالٍ مِن أيِّ عَوارض، لكنَّه في بعض الحالاتِ قد يكون جائزًا، بل واجبًا، كما في حالةِ المُضطَرِّ المُشرفِ على الهلاكِ بالجوع مَثلًا.\nفهذا حين نُجيز له أكلَ لحمِ الخنزير، فليس ذلك تَغيُّرا في الحُكم بمَفهومِ الشَّارعِ، لأنَّها صورةٌ مختلفةٌ عن الصُّورة الأصل.\nفعليه نُنبِّه المُغالِطينَ بمثل هذه القواعد الفقهيَّة فنقول:\nإنَّ الزَّمانَ والمكانَ مِن حيث هما ظرفان لتلك الحوادث، لا تأثيرَ لهما في تَغيِيرِ الأحكام، وقولُ العَلمانيَّة بأنَّها تتغيَّر بتَغيُّر الأزمانِ لا يصحُّ منهم إلَّا بعد الإتيانِ بمثالٍ تتطابق فيه صورتانِ مِن الأوجه السَّابقةِ جميعًا، ومع ذلك بقِيَ الحكم فيهما مُتغايرًا؛ وأنَّى لهم بهذا المثال!\nفلذا كان الصَّحيح من حيث الشَّرع والعقل أن يُقال: إنَّ تغيُّر الأحكامِ متعلِّقٌ بتحقُّقِ المناطِ الَّذي عُلِّق به الحكم من عدِمه، فإذا تحقَّق في صورةٍ ما: لزِم أن تأخذ تلك الصُّورة نفسَ الحكم، وإذا انعدم في صورةٍ ما: لم يأخذ نفسَ الحكم.\nوهذا عَينُ ما سَلَكه عمرُ ﵁ عند منعِه لسَهمِ المُؤلَّفة في الزَّكاة، فإنَّ مناطَ التَّأليفِ انتفَى في زَمنِه، وكذا إيقافِه ﵁ لحَدِّ السَّرقةِ عامَ المَجاعةِ، و«هو مَحْضُ القِياس، ومُقتضى قواعد الشَّرع؛ فإنَّ السُّنة إذا كانت سَنة مجاعةٍ وشدَّة، غَلَبَ على النَّاسِ الحاجةُ والضَّرورة، فلا يَكاد يَسْلَمُ السَّارق مِن ضرورةٍ تدعوه إلى ما يَسدُّ به رَمَقَه، ويجبُ على صاحبِ المالِ بَذْلَ ذلك له، إما بالثَّمنِ، وإمَّا مجَّانًا، على الخلافِ في ذلك» (^١)؛ مع ما تَقرَّر في شرعنا من أنَّ الحدود مَدروءةٌ بالشُّبهاتِ.\nفسَقَط استدلالُهم الأصوليُّ هذا بالتَّمام، ولله الحمد.\n_________\n(^١) «إعلام الموقعين» لابن القيم (٤/ ٣٥٢).","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المَبحث الثَّامن\nموقف العَلمانيِّين العَرب مِن «الصَّحِيحين»\nوأثرُ ذلك على السَّاحة الفكريَّة</span>\nلم يَكن مَوقفُ هؤلاءِ العَلمانيِّين مِن أصحِّ دِيوانَين للحديثِ بمعزلٍ عن موقفِهم السِّلبيِّ مِن التُّراثِ الإسلاميِّ عمومًا، فهو ضمنَ منظومةٍ واحدةٍ، تعامَلَت مع الآثارِ المَرويَّةِ على حَدٍّ سواء، اعتقدت فيها انعدامَ الدَّليلَ النَّقليِّ الخالص (^١).\nوكان (أَرَكون) يفسَّر باعثَ إكبارِ المسلمين لهذين الكِتابين تفسيرًا تاريخيًّا، مَفادُه: أنَّ الظُّروفَ السِّياسيَّة، وأوضاعَ المُجتمعاتِ الَّتي انتشَرَ فيها الإسلام، احتاجَت إلى أحاديث جديدةٍ تحاكي مُتغيِّراتها، وتعالج أحكامَها، وتُصارع بها باقي الطَّوائف العَقديَّة، فلأجل ذلك -فقط- تَشَبَّث المسلمون بـ «الصَّحيحين».\nيقول: «إنَّ السُّنة كُتِبت مُتأخِّرة بعد موتِ الرَّسول ﷺ بزمنٍ طويلٍ، وهذا وَلَّد خلافات لم يَتجاوزها المسلمون حتَّى اليوم بين الطَّوائف الثَّلاث: السُّنية، والشِّيعيَّة، والخارجيَّة، وصراع هذه الفرق الثَّلاث جعلهم يحتكرون الحديث ويُسيطرون عليه، لِما للحديث مِن علاقةٍ بالسُّلطةِ القائمةِ .. وهكذا راح السُّنة يَعترفون بمَجموعتي البخاريِّ ومسلم، المَدعُوَّتين بالصَّحيحين (¬٢»).\n_________\n(^١) انظر «التُّراث والتجديد، من العقيدة إلى الثورة» لحسن حنفي (ص/٣٧٣).\n(^٢) «الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد» لمحمد أركون (ص/١٠١).","vol":"1","page":309},{"text":"وإذا كان هذا الرَّأي من (أركون) يدَّعي زورًا أنَّ المُسلمين اتَّبعوا «الصَّحيحين» عن عَصبيَّةٍ طائفيَّةٍ، لكن عن وَعيٍ منهم بذلك؛ فإنَّ (أحمد عصيد) -وهو كاتب علمانيٌّ مغربيٌّ مُتعصِّبٌ لعرقِه الأمازيغيِّ- يَرى أنَّ المُسلمين لم يكونوا إلَّا مُجرَّد حُمُرٍ مَقودةٍ مِن قِبَل فقهائها لتقبيلِ يَدَيْ البخاريِّ، مِن غير وَعيٍ ولا علمٍ بما اقتَرَفت هاتان اليَدان في الدِّين!\nفيقول: «كان النَّاس يُقدِّسون «صحيح البخاريِّ» دون أن يعرفوا ما فيه من أخبار، كانوا يضعون ثقتهم في الفقهاء العارفين بالمتون والحواشي، وكان الفقهاء على علمٍ بما في البخاريِّ مِن مضامين غريبة يَتَستَّرون عليها، ولا يُطلِعون النَّاسَ على مكنونِها، وكانوا يُصوِّرون للنَّاس كتاب البخاريِّ كما أنَّه (العِلم) كلُّه، فقد عملِت أدبيَّات الفقهاء عبر الفقهاء، على جعلِ شخصِ النَّبي ﷺ يحلُّ بالتَّدريجِ مَحلَّ الذَّات الإلهيَّةِ نفسها! .. ونَتج عن ذلك تراكم التَّقليد، وتقليد التَّقليد، وانتهى الأمر بالمسلمين إلى الانغلاقِ في قلعةٍ مُظلمةٍ، اسمها الفقه الإسلاميُّ» (^١).\nفما تضمَّنه كلامُه الخطيرِ هذا مِن اتِّهامِ المُسلمين بتأليهِ النَّبي ﷺ، هي نفسُها دعوى يُكرِّرها العَلمانيُّون كثيرًا في سِجالِهم لأهلِ السُّنة، يتوهَّمون أنَّ القول بعصمتِه ﷺ في قولِه وفعلِه وتشريعِه مُستلزمٌ لتهمة التَّأليه (^٢).\nكما تَراها عند (نصر أبو زيد) في قوله: «إنَّ تأسيس السُّنة وحيًا، لم يكُن يتمُّ بمعزلٍ عن الموقف الإيديولوجيِّ الَّذي أسهب في شرحِه وتحليلِه، موقف العصبيَّةِ العربيَّةِ القُرشيَّة، الَّتي كانت حريصةً على نزعِ صفاتِ البشريَّةِ عن محمَّد ﷺ، وإلباسِه صفاتٍ قُدسيَّة - تجعلُ منه مُشرِّعًا ..» (^٣).\n_________\n(^١) من مقال له بعنوان: «نعم، صحيح البخاريِّ ليس صحيحًا» منشور على جريدة «هسبريس» الإلكترونيَّة، بتاريخ ١١ إبريل ٢٠١٨ م.\n(^٢) انظر «الإسلام السياسي» لسعيد العشماوي (ص/٣٦)، و«السُّنة بين الأصول والتاريخ» لحمادي ذويب (ص/٨٢).\n(^٣) «الإمام الشَّافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية» (ص/٩٧)، وانظر مثله في «السُّنة بين الأصول والتاريخ» لحمادي ذويب (ص/٥٧).","vol":"1","page":310},{"text":"والحقيقة أنَّ هذا الموقف الإيديولوجيُّ المُتعصِّب لقريشٍ المُدَّعى في نَقلةِ الآثار، ليس له وجودٌ إلَّا في ذهنِ هذين الرَّجُلين؛ فإنَّ قول المسلمين بوَحيِ السُّنة، ليس معناه بحالٍ أنَّ الرَّسول ﷺ مُشرِّع حقيقةً، وإنَّما معناه أنَّه مُبلِّغٌ عن الله تشريعَه، بأيِّ صورةٍ مِن صُور التَّبليغِ، قولًا أو فعلًا أو تقريرًا.\nوالقول بعصمةِ النَّبي ﷺ في تبليغِه ليس غُلوًّا في تقديسِه، بل هذا إجماعُ أمَّتِه منذ أن بُعِث، كما نقله القاضي عياض (^١)، وهو ما نَطَق به القرآن في عِديدٍ من آيِ كتابِه، في مثل قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].\n_________\n(^١) في «الشفا» (٢/ ١٢٣).","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المَبحث التَّاسع\nسبب اختيارِ العَلمانيِّين لمُعاركةِ «الصَّحيحين» خاصَّة</span>\nقد يَتبيَّن مِمَّا تقدَّم لمَ اختارَ هؤلاء العَلمانيُّون معركة الصَّحيحين تحديدًا في سعيِهم لردمِ حصونِ الأحكام الشَّرعية؛ إنَّه إجماعُ المُعتبرين مِن أهلِ السُّنةِ على صِحَّةِ ما فيهما، احترازًا مِن الولوجِ في مَتاهات الأسانيد في جِدال أهل السُّنة؛ وفي تقريرِ هذه المَزيَّة لاختيارِهما، يقول (عبد الجواد ياسين) (^١): «.. ولأنَّ البخاريَّ ومسلمًا يجُبَّان ما دونهما مِن الكُتب في مفهومِ أهل السُّنة، سوف نُحاول التَّركيز على مَرويَّاتهما فى هذا الصَّدد ..» (^٢).\nفكان تركيزهم عليهما بخلعِ لباس الحياءِ عليهما، فهذا (إبراهيم فوزي) يصِفُ أحاديث «الصَّحيحين» بأنَّها «غريبةٌ، خاليةٌ مِن كلِّ مَضمونٍ فكريٍّ، أو عِلميِّ، أو اجتماعيٍّ، أو دينيِّ، وليس فيها سُنَّةٌ ولا تشريعٌ، ولا شيءٌ يُفيد المسلمين في دينِهم ودُنياهم» (^٣).\n_________\n(^١) عبد الجواد ياسين: مفكر وكاتب مصري علماني، مهتم بنقد التراث الإسلامي، تخرج من كلية الحقوق في جامعة القاهرة سنة ١٩٧٦ وتدرج في سلك النيابة العامة والقضاء منذ تخرجه له مؤلفات في الفكر السياسي والفقه الدستوري، منها: «الدين والتدين»، و«مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة».\n(^٢) «السلطة في الإسلام» (ص/٢٩٢)، وانظر «دين السلطان» لنيازي (ص/١٠٣ - ١١٣).\n(^٣) «تدوين السنة» لإبراهيم فوزي (ص/٢٧٤).","vol":"1","page":312},{"text":"ونظيره في القِحة عليهما (محمَّد حمزة)، الَّذي ادَّعى كونهما لم يَسْلَما مِن خُرافةٍ مُختلَقةٍ، أسهَمَ فيها أبو هريرة ﵁ بنصيبٍ وافر، جرَّاء روايتِه عن كعبِ الأحبار (^١).\nحتَّى المَلاحِدة الصُّرحاء لم يتركوا «الصَّحيحين» لحالِهما شأنًا خاصًّا بالمُسلمين، بل زاحموا بعضَ المُنتسبين إلى الدِّين في رَميِ سهامِ السُّخريةِ والتَّحقير صوبَهما، فتَكلَّفوا الكلام في صَنعةٍ لا قِبَل لهم بفهمِها، وقد ادَّعى المُلحِد (إسماعيل أدهم) بأنَّ أحاديثَهما «ليست ثابتةَ الأصولِ والدَّعائم، بل هي مَشكوك فيها، ويغلبُ عليها صِفةُ الوَضع» (^٢).\nوالقصد منهم نزعِ صِفةِ الوَحيِ عمَّا تَضَمَّنه «الصَّحيحان» من أخبار نبويَّة، بعزلِ أحاديثِهما عن مَرجعيَّتِها وقائلِها، وإسقاط حُجيَّتِها -كسائرِ دواوين السُّنة- بدعوى ظنِّيتها، لتستبيحَ بعدُ نقدَها أو نقضَها على مَزاجِها العَقليِّ.\nولنأخذْ مِثالين على هذه المَواقف الخَشيبةِ من «الصَّحيحين»، لعَلمانِّيَينِ اشتهرا باعتراضِهما على أحاديث السُّنة عمومًا، وعلى أخبارِ «الصَّحيحين» خصوصًا، حتى أطالا النَّفس في ذلك،؛ هما نموذجان يُعطِيان القارئ انطباعًا جُمليًّا عن المُستوى المَعرفيِّ الَّذي بَلَغه رُواد هذا الفكر العَلمانيِّ في نقدِ أصحِّ دواوين السُّنة النَّبوية، فنقول:\n_________\n(^١) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث» لمحمد حمزة (ص/٢٢٦).\n(^٢) نقله عنه د. محمود الطبلاوي في «الدفاع عن السنة النبوية وطرق الاستدلال» ضمن «مجلة البحوث الإسلامية» (٢٨/ ٣٠٢)، وانظر «السنة ومكانتها في التشريع» للسباعي (ص/٢٣٧).","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المَبحث العاشر\nأبرزُ العَلمانيين الَّذين توَّجهوا إلى «الصَّحيحين» بالنَّقد</span>","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المَطلب الأوَّل\nمحمَّد شحرور (^١) وكتابه «الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة»</span>\nهو مِن أسوءِ مَن رأيتُ مِن المُتعلْمِنة تفصيلًا في مُعارضةِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، قد أفرغ خلاصةَ فهمِه المُلحدِ لنقدِها في كِتابَيه «نحو أصول جديدة للفقه الإسلاميِّ»، و«الكتاب والقرآن، قراءةٌ معاصرة»، حيث جاوَزَ حجمُ اللَّغوِ ثمانمائةَ صفحة! على نهجٍ مُحدَثٍ مُغرِقٍ في الشُّذوذ، يقول هو عنه: «كتابٌ يبحثُ في الدِّين الإسلاميِّ بطريقةٍ جديدةٍ، لا أظنُّ أنَّ أحدًا سار على نهجِها ..» (^٢).\nاستعرضَ المؤلِّف في مُقدِّمةِ كتابِه الأوَّل الأبرزِ شُهرةً (^٣)،\nالمنهجَ العلميَّ\n_________\n(^١) من مواليد دمشق عام ١٩٣٨ م، سافر إلى الاتحاد السوفياتي وقته لنيل ديبلوم الهندسة المدنية من جامعة موسكو ١٩٦٤ م، عمل فيما بعد أستاذا بجامعة دمشق، وأصدر عددا من الكتب باسم (دراسات فكرية معاصرة)، ابتدأها بكتاب «الكتاب والقرآن - قراءة معاصرة»، الذي نحن بصدد نقده، وقد هَلَكَ عن قريب في ٢٢ ديسمبر ٢٠١٩ م.\n(^٢) «الكتاب والقرآن» (ص/٥٠٠).\n(^٣) يرجِّح عبد الرحمن حبنكة الميداني أن الكتاب من وضع جماعة يهوديَّة في النَّمسا -كما أخبره بهذا أحد من لقيه من أساتذة جامعة طرابلس الغرب سنة ١٩٩١ م-، سوَّدت تفسيرًا حديثًا للقرآن! وبحثت عن اسم عربيٍّ يتبنَّاه مؤلِّفًا ومدافعًا عنه، قال: «.. يظهر أنَّها ظفرت بالمطلوب، وتمَّ طبع كتاب: الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة، باسم محمد شحرور سنة ١٩٩٢ م»، انظر كتابه «التحريف المعاصر في الدين» (هامش ص/٢٢).\n\nولا أدري ما شأن النَّمسا بالمُسلمين والكيد بدينهم! وهم من يستضيف (عدنان إبراهيم) لبث خُطبَه الفتاكة بأصول السُّنة وقواعد عقائدهم.","vol":"1","page":317},{"text":"الَّذي ادَّعاه له، وهو الاعتمادُ على المنهجِ اللُّغوي في تحديد معاني الألفاظ .. فقط باللُّغةِ! (^١)\nفأوقعه هذا المنهج المُنحرف في جملةِ تفسيراتٍ مُتعسِّفةٍ لكثيرٍ مِن الألفاظ الشَّرعيَّة، كلفظِ «سبحان الله»، الَّذي هو عنده: إقرارٌ مِن قائلها بقانونِ هَلاكِ الأشياء ما عَدَا الله، نتيجةَ التَّناقضِ الَّذي تحوِيه داخليًّا!\nهذا التَّفسير الصَّحيح للتَّسبيح، والَّذي خَفِي عند شحرور عن سلف الأمَّة، مُستهزِءً بكلِّ تفسيراتِهم المُجمعةِ على أنَّه تنزيهُ لله تعالى عن كلِّ عَيبٍ ونقصٍ مُطلق، واتِّصافُه مُقابِلها بصفاتِ الكمالِ المُطلقِ.\nولا حاجة لنا في أن نتكلَّف نقضَ منهجِه في الاقتصارِ على التَّفسير اللُّغويِّ المَحضِ للنُّصوص، فإنَّ أصل النَّقل الشَّرعي لكثيرٍ مِن الألفاظ، مِن معناها اللُّغويِّ إلى معنى آخر حدَّده القرآن والسُّنة، كلفظ الإيمان، والصَّلاة، والكفر .. هو أمرٌ مُستقِّرٌ في شرعِنا مُجمَع عليه، فضلًا عن احتمالِ المُجملاتِ فيه لعدَّة معانٍ بيَّنتها السُّنة، يُحَكَّم فيها عُرف المُخاطَبين وقتَ نزول الوحيِ، وتُنتَزع مُراداتُ الشَّارع مِن فهمِهم هم للخِطاب.\nالفرع الأوَّل: موقف شحرور الإجماليُّ مِن السُّنة النَّبوية.\nنتيجةً لهذا الخَلل المَّنهجيِّ الشَّنيع الَّذي وقع فيه (شحرور) في تفسير النُّصوص الشَّرعية، وبسببِ أحكامِه الانطباعيَّة الميَّالةِ إلى الشُّذوذ، كان مُرتكز كتابِه هذا على تقسيمِ السُّنة النَّبوية إلى قسمين أساسين:\n(سُنة نبوَّة): وهذه عنده غير ملزمة، أهميَّتها تاريخيَّة فقط، يقول في تعريفها:\n«هناك تعليماتٌ جاءت إلى النَّبي ﷺ بمَقام النُّبوَّة، وليست بمَقام الرِّسالة، بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وذلك لتبيانِ أنَّها تعليماتٌ خاصَّة بالنَّبي ﷺ، أو تعليماتٌ\n_________\n(^١) تناول أباطيل شحرور من الناحية اللغوية: يوسف الصيداوي الدمشقي في كتابه «بيضة الديك - نقد لغوي لكتاب الكتاب والقرآن».","vol":"1","page":318},{"text":"مَرحليَّة جاءت لحقبةٍ مُعيَّنةٍ، مثل توزيعِ الغنائم، أو تعليماتٌ عامَّة للمسلمين، ولكنَّها ليس تشريعات ..» (^١).\nهذا القسم مِن «السُّنة النَّبويَّة» هو ما أقحمَ فيه أخبارَ «الصَّحيحين»، فأعطاها حُكمها من عدم الإلزاميَّة، باعتبارِها تشريعاتٍ خاصَّة، «ليس لها علاقةٌ بالحلال والحرام إطلاقًا» (^٢)!\nوالقسم الثَّاني: (سُنَّة رسالة): وهذه عنده مُلزمة بحدودٍ يسيرةٍ، اعتمَدَ في التَّدليلِ عليها بمجموعةٍ مِن الآيات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، فالله قال: «رسول الله»، ولم يقُل «نبي الله»! وهكذا الطَّاعة إنَّما تجيء في مَقام الرِّسالة لا في النُّبوة! (^٣)\nهذا القسم يتَضَمَّن بدورِه طاعتين مُختلفتين:\nطاعة مُتَّصلة: «جاءت فيها طاعةُ الرَّسولِ مُندمجةً مع طاعةِ الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: ٦٩]، .. وبما أنَّ الله حَيٌّ باقٍ، وقد دمَج طاعة الرَّسول مع طاعةِ الله في طاعةٍ واحدة، ففي هذه الحالات تُصبح حصرًا على الحدود، والعبادات، والأخلاق» فقط (^٤)!\nو(شحرور) هنا لا يقصد بالحدودِ ما يَتبَادر إلى الذِّهن مِن القَصاص، وحدِّ الزِّنا، ونحو ذلك؛ بل هي «ذلك الخطُّ البَيانيُّ الَّذي يَتراوح بين الحدِّ الأدنى والحدِّ الأعلى للطَّاعة»!\nفمثلًا: الحدود عنده في لباسِ المرأة تتأرجح ما بين حدودِ الله، وحدودِ رسوله ﷺ، أي: ما بين عُرِيِّها إلَّا جُيوبها فقط (^٥)! وما بين سترِ جسدِها ما عدا\n_________\n(^١) «الكتاب والقرآن» (ص/٥٣١).\n(^٢) «الكتاب والقرآن» (ص/٥٥٠).\n(^٣) «الكتاب والقرآن» (ص/٥٥٠).\n(^٤) «الكتاب والقرآن» (ص/٥٥٠).\n(^٥) وهو يفسِّر في كتابه (الجَيبَ): بالخرق في الجسم، كما بين الثَّديين وتحتهما، وتحت الإبط، والفرج، والإليتين! فلا بأس عنده بالبروز بهذه الصُّورة أمام محارمها! وينحي باللَّائمة على الفقهاء، لأنَّهم لم يعرفوا هذه الجيوب ومواطنها في المرأة، الَّتي اكتشفها هو وشرحها.","vol":"1","page":319},{"text":"الوجه والكفَّين! «فلباسُ المرأة المسلمة، هو لباسٌ حسب الأعراف، ويَتراوح بين اللِّباس الدَّاخليِّ، وبين تغطيةِ الجسمِ ما عدا الوجهِ والكَفَّين» (^١).\nأمَّا الطَّاعة الأخرى، فمُنفصلة: وهي طاعةُ الرَّسول ﷺ الَّتي انفرَدَت عن طاعة الله سبحانه، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦].\nهذه الطَّاعة -في زعمِه- غير مُلزمة الآن إذ لا تصلح بعد وفاتِه ﷺ، وبالتَّالي فهي أحكام مَرحليَّة لا علاقةَ لها بحدودِ الله، كـ «الأمورِ والقرارات الَّتي مارَسها كرئيسِ دولة وكقاضٍ .. حيث اتَّبعَ الأعراف العربيَّة .. هذه الأمور تُفهم فهمًا مُعاصرًا» (^٢).\nاستتبع هذا القسم منه مُخالفَته للمسلمين في فهمِ نُصوص الشَّرعِ قطعية الثُّبوت والدَّلالة، كآياتِ الرِّبا والميراث، والزَّواج والطَّلاق .. إلخ، حتَّى أعاد تناولها بفهمٍ جديدٍ لم يقُل به غيرُه.\nو(شحرور) يرى أنَّ السُّنة عمومًا ليست إلَّا منهجًا مُعيَّنًا في تطبيق أمِّ الكتاب -ويقصد بها الأحكام والعبادات- بحسب ظروف كلِّ مكانٍ وزمانٍ، فليس هو مُتوقِّفًا على الاقتداء بالرَّسول ﷺ (^٣).\nولا شكَّ أنَّ هذا التَّقسيم المُبتدَع منه للسُّنة النَّبويَّة زَندقةٌ صريحة، خالفَ فيه القرآن والسُّنة والإجماع جميعًا:\nفأمَّا القرآن: ففي سياقاتِ عَديدٍ مِن آيِهِ يربط الله تعالى بين النُّبوة ولزومِ طاعتِها واتِّباع أوامرها والاقتداء بهديِه، كما في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]؛\n_________\n(^١) «الكتاب والقرآن» (ص/٥٥١، ٦٠٧).\n(^٢) «الكتاب والقرآن» (ص/٥٥٢).\n(^٣) «الكتاب والقرآن» (ص/٥٦٦).","vol":"1","page":320},{"text":"فجعَلَ ﷿ بشارَته ونذارَته بالدِّينِ ودعوتَه إليه باسمِ النُّبوة، وما كان مُتعلِّقًا بالدِّين فهو مِن الدِّين.\nوأمر الله نبِيَّه بتشريعاتٍ عامَّةٍ، وَاجبٌ على الأُمَّة جميعًا اتِّباعها باسمِ النُّبوةِ، كما في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].\nوأمَّا السُّنة: فقد تواترَت الأحاديثُ عنه في وجوبِ اتِّباعِه مُطلقًا في قولِه وفعلِه وتقريرِه، مِن غير تفريق منه بين ما كان من مقامِ نُبويَّة أو رسالةٍ، كما في المُتَّفق عليه مِن حديثِ أبي هريرة ﵁، عن الَّنبي ﷺ قال: «دَعوني ما تَرَكتكم، إنَّما هَلَك مَن كان قبلكم بسؤالِهم، واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنِبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطَعتُم» (^١)، وغيره كثير.\nوأمَّا الإجماع: فإنَّ المُتقَرَّر عند المُسلمين جميعِهم سَلفًا وخَلَفًا، وجوبُ طاعةِ النَّبي ﷺ واتِّباع هَديِه في الجُملة، مِن غير أن يخطُر على بالِ أحدٍ ما وَسْوَسَ به قَرينُ شحرورٍ له مِن تقسيمِه العَبثيِّ للسُّنة، بل لازمُ هذا التَّقسيم مِن (شحرور) مساواةُ النَّبي ﷺ في اجتهادِه بباقي البَشرِ، وقصرُ مُهِمَّتِه على نقلِ القرآنِ إلى النَّاسِ، دون صلاحيةٍ في بيانه وتفسيرِه قولًا وعَملًا.\nومَرمى هذا التَّفريق منه بين محمَّدٍ النَّبيِّ ومحمَّدٍ الرَّسول: إضفاء الأنسَنَةِ على سُنَّتِه، وإخلاؤها مِن صِفة الوحي، ومِن ثمَّ إضفاءُ طابَعِ التَّاريخانيَّة عليها، حتَّى لا يبقى لها أثرٌ في الحياةِ العامَّةِ للمسلمين؛ فما صَدَر مِن الأحاديث عنه، جلُّه مِن مقامِ النُّبوة، فتخضعُ للطَّابعِ الزَّماني المَكانيِّ الضِّيق، ولا علاقة لها بعَالَميَّةِ الرِّسالة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، رقم: ٧٢٨٨)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب توقيره ﷺ، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع، ونحو ذلك، رقم: ١٣٣٧).\n(^٢) «القراءة المعاصرة للسُّنة النبويَّة» لأكرم بلعمري، بحثٌ مَنشور بمجلة «الشِّهاب» (ص/١٠١)، عدد ٢، لجمادى الأول ١٤٣٧ هـ/مارس ٢٠١٦ م.","vol":"1","page":321},{"text":"ونتاجًا لهذا المقصد، نرى (شحرورًا) يسارع إلى إنكارِ أن يكون النَّبي ﷺ روى عن ربِّه تعالى أحاديثَ قدسيَّة كالَّتي يجدها في «الصَّحيحين»، لأجلِ أنَّ التَّنزيلَ عنده قادرٌ على تفصيلِ الأحكامِ، دون حاجةٍ إلى مثلِ هذه القُدسيَّات! وكذا أفرغَ أحاديث السِّيرة الخاصَّة مِن فائدتها، «لأنَّها ليست مَحلَّ أُسوةٍ لأهلِ الأرضِ في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ» (^١).\nوهكذا، تستشعرُ مِن الرَّجل أنَّه ما يريد إلَّا المَساسَ بالمُسلَّمات ونقضَ عُرى الأصول الثَّابتة، حتَّى إنَّك لتحسَب أنَّه عن عَمدٍ يستكثرُ المُخالفة في ذلك، ولقد أُحِصيَ له «في كتابه (الكتاب والقرآن)، ما يزيدُ على ألفِ مَوضعٍ، يُمثِّل انحرافًا عن المنهجِ الإسلاميِّ»! (^٢)\nوما أحسبُ ذلك منه إلَّا لغَرضِ التَّهويلِ والإقناعِ الجَبريِّ بفكرتِه، من خلال الإثقالِ على عقلِ القارئ، واستقطاب المُحبَطين مِن الرَّتابةِ الفكريَّة الَّتي يعيشونها في زمَنِ المُتغيِّرات.\nالفرع الثَّاني: موقف (محمد شحرور) مِن أحاديث «الصَّحيحين».\nجريًا مِن (شحرورٍ) على منوالِ تقسيمِه السَّالِفِ للسُّنة وتاريخيَّتها، توجَّه إلى أحاديثِ «الصَّحيحين» بفرزٍ مُحدثٍ يدَّعي فيه أنَّ ما خالف منها ظاهر القرآن أو لم تقبله عقولنا مَكذوبٌ، وما كان منها مُوافِقًا للقرآن فيُستبقَى عليه استئناسًا لا احتجاجًا!\nيقول في تقرير ذلك: «علينا بعد أن تمَّ توظيف الأحاديث الإخباريَّة في تحديد عقيدة المؤمنين، عوضًا عن التَّنزيل الحكيم، أن نقف من هذه الأحاديث موقفًا جديًّا، وأن نعيد النَّظر فيها، ونعرض ما تعلَّق منها بالأحكام على كتاب الله، نستبعد ما يتعارض معه، ونُبقي على ما بقي للاستئناس! حيث سيتمُّ\n_________\n(^١) «نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي» لشحرور (ص/١٦٣ - ١٦٤).\n(^٢) «النزعة المادية في العالم الإسلاميِّ» لعادل التلّ (ص/٣٠٥).","vol":"1","page":322},{"text":"استبعاد كلِّ أحاديث الرِّقاق والغيبيَّات والإخبار عن المستقبل، وفضائل الأمكنة والرِّجال» (^١).\nوبما أنَّ «الصَّحيحين» قد جَمَعا أصنافَ الأحاديثِ الَّتي رَدَّها في تقسيمِه النَّشازِ للسُّنة، لم يجد (شحرورٌ) تفسيرًا لتَبوُّئهما المنزلة الرَّفيعة عند المسلمين إلَّا «على أساسٍ سِياسيٍّ قبل أن يكون على أساسٍ فِكريٍّ»، استُعمِل الشَّيخانِ -أو مَن يَصِفُهم هو بـ «الهَاماناتِ»! - من قِبَل السَّاسة لتحويلِ النَّاسِ إلى قطيعٍ يُركَب عليه ويُساق حيث شاؤوا، وذلك لـ «عجزِهم عن الخوضِ في التَّنزيلِ الحكيمِ بشكل عَميقٍ» كما يَفعلُ هو!\nفمن يصدر منه هذا اللَّغو، لن يتورَّع عن أن ينفي العلم والإمامَة عن البخاريِّ أو مسلم، وقد قالها فعلًا: «كيف أُسمِّي البخاريَّ إمامًا، إذا كان لا يُفرِّق بين الإسلام والإيمان؟! ففي باب الإيمان، نرى الحديثَ الأوَّل هو: بُنِي الإسلام على خمسٍ!» (^٢).\nوإمامةُ البخاريُّ ثوبٌ دُلِّيَ على كَتفٍ عالٍ، لا يَصل إليه قِزمٌ مثل شحرورٍ -ولو طارَ! - فينزعه؛ إنَّما أرادَ البخاريُّ مِن تصديرِه لبابِ الإيمان بحديثِ أركانِ الإسلام العَمليَّة: التَّأكيدَ على أنَّ الأعمالَ داخلةٌ في مُسَمَّى الإيمان، فإنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، على ما حكاه الشَّافعي وأبو ثَورٍ إجماعًا عن الصَّحابة والتَّابعين (^٣)، ومنه قول الأوزاعيِّ: «كان مَن مَضى مِمَّن سَلَف، لا يُفرِّقون بين الإيمانِ والعمل» (^٤)؛ ومِن هنا نَشَأ لهم القولُ بزِيادةِ الإيمانِ ونقصِه (^٥).\n_________\n(^١) «نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي» لمحمد شحرور (ص/١٦١).\n(^٢) من «لقاء محمد شحرور مع منتدى الشرفة» الجزء الأول، ٢٥ فبراير ٢٠١٠ م، الموقع الرسمي له على شبكة الإنترنت.\n(^٣) «فتح الباري» لابن رجب (١/ ٥).\n(^٤) «الإبانة الكبرى» لابن بطة (٢/ ٨٠٧)، و«شرح اعتقاد أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (٥/ ٩٥٦).\n(^٥) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٤٦).","vol":"1","page":323},{"text":"و(شحرورٌ) على ما أبانه من تحريفٍ لمعاني نصوص الوَحْيَين، يدَّعي بـ «إنَّك إذا حَذَفت (٩٠%) مِن كِتَابي البخاريِّ ومسلم، فإنَّ الدِّين الإسلاميَّ لا ينقُص منه شيءٌ» (^١).\nوهذا أمارةٌ على هُزلِ مَعرِفته بطبيعة الصَّحيحين، فإنَّ كلمتَه لا تصدر إلَّا عمَّن يتوهَّمُ انفرادَ الشَّيخينِ بما أودعاه في كِتابيهما مِن مرويَّات، بينما جُلُّ -إن لم يكُن كلُّ- ما فيهما مَوجودٌ مُتفرِّقًا في سائرِ كُتبِ الحديثِ.\nفالصَّحيح في السُّؤال أن يُطرح هكذا:\nإذا حذفنا كُلَّ هذه الأحاديث في العقائدِ والعباداتِ والمُعاملاتِ من «الصَّحيحين» وباقي كُتب السُّنن، هل ينقُص مِن الدِّينِ شيءٌ؟\nوالجواب: طبعًا يَنقُص! لأنَّ المَنقوص حينئذٍ شَطرٌ كبيرٌ مِن السُّنَة، والسُّنة -كما قرَّرناه- أصلٌ مِن أصولِ الدِّين.\nالفرع الثَّالث: نماذج مِن تمعقُلِ (شحرور) في إنكارِ أحاديثِ «الصَّحيحين».\nيُعلن (شحرور) خُلاصة ما وَصَل إليه عَبثُه في نقد أخبارِ «الصَّحيحين» قائلًا: «هل يُمكن أن تكون هذه الأحاديث صحيحة؟ يقولون: صحيح مسلم! وصحيح البخاريِّ! ويقولون: إنَّهما أصحُّ الكُتب بعد كتاب الله! ونقول نحن: هذه إحدى أكبر المُغالطات الَّتي ما زالت المُؤسَّسات الدينيَّة تُكره النَّاس على التَّسليم بها، تحت طائلة التَّكفير والنَّفي» (^٢).\nولأجل أن يُبرهن (شحرور) على صدق تنقُّصِه لهما ولصاحبيهما، يَمَّم قلمَه جهةَ الطَّعنِ التَّفصيليِّ في بعضِ أحاديثهما بخنجرٍ الهَوى والتَّعالم المَقيت، بعِلَل شتَّى لم يُسبَق إليها.\n_________\n(^١) من «لقاء د. محمد شحرور مع منتدى الشرفة» الجزء الأول، ٢٥ فبراير ٢٠١٠ م، الموقع الرسمي له على شبكة الإنترنت.\n(^٢) «نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي» (ص/١٦٠).","vol":"1","page":324},{"text":"من أمثلة ذلك: طعنُه في الحديثِ المُتَّفق عليه مِن روايةِ أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«يقول الله: يا آدم، فيقول: لبَّيك وسعديك، والخير في يَديك، قال: يقول: أخرِجْ بَعْثَ النَّار، قال: وما بَعثُ النَّار؟ قال: مِن كلِّ ألفٍ تسعُ مائة وتسعةٌ وتسعين! فذاك حين يَشيبُ الصَّغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢].\nفاشتدَّ ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله، أيُّنا ذلك الرَّجل؟! قال: «أبشِرُوا، فإنَّ مِن يأجوجَ ومأجوجَ ألفًا، ومنكم رَجلٌ ..» الحديث (^١).\nفردَّ (شحرور) هذا الحديث من حيث الإجمال بأنَّه مِن أخبارِ الغيب، إذ النَّبي ﷺ عنده لا يعلمُ الغيبَ بنصِّ القرآن؛ وجهلَ المسكينُ أنَّه -وإن نُصَّ على أنَّه ﷺ لا يعلمُ الغيبَ بنفسِه- فإنَّه يُوحى به إليه من ربِّه، فيُبلِّغه لأمَّتِه بلسانِه، والله ميَّز الأنبياء عن سائر البشر بمثل هذا، فقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وقال في حقِّ النَّبي ﷺ بخصوصِه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].\nثمَّ ردَّ (شحرور) هذا الحديث بثلاثِ دعاوي من حيث التَّفصيل (^٢):\nالأولى: زعم فيها بأنَّ الحساب لم يَتِمَّ أصلًا، وكُتب الأعمال لم تُوزَّع بعدُ في المَحشر ساعة نداء الله لآدم.\nقلتُ: وهذه شُبهة مُنطوية عن سوء فهمه، فإنَّ الحديث لا يفيد أنَّ آدم ﵇ أُمِرَ بأنْ يَجُرَّ كلَّ مَن كُتِب عليه النَّارُ إلى النَّارِ، ولا أن يُعلِم كلَّ واحدٍ منهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الرقاق، باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، رقم: ٦٥٣٠)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب قوله يقول الله لآدم أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، رقم: ٣٧٩).\n(^٢) «نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي» (ص/١٥٧).","vol":"1","page":325},{"text":"بمَصيرِه، وإنَّما أمرَه الله تعالى أن يُمَيِّز هو أهلَ النَّارِ مِن غيرهم، وذلك يكون في الحشرِ، حيث يجتمعُ النَّاس ويختلطون.\nفالقصدُ «هو الإخبارُ أنَّ ذلك العددَ مِن وَلدِه يَصيرون إلى النَّار» (^١)، ولذا جاء مِن مُرسَلِ الحسن، قال: «يقول الله لآدم: يا آدم! أنتَ اليوم عَدلٌ بيني وبين ذُرِّيَّتك، قُم عند الميزان، فانظُر ما رُفع إليك مِن أعمالهم ..» (^٢)، و«إنَّما خُصَّ بذلك آدم لكونِه والدَ الجميع، ولكونِه كان قد عَرَف أهلَ السَّعادة مِن أهل الشَّقاء، فقد رآه النَّبي ﷺ ليلةَ الإسراءِ، وعن يَمينِه أَسوِدةٌ، وعن شمالِه أسودة .. الحديث» (^٣).\nوقيل: أنَّ الحديث يَدلُّ على أنَّ بعْثَ النِّار هم الكُفَّار؛ للقطعِ بأنَّ بعضَ أُمَّتِه يدخل النَّار، ثم يخرجُ بشفاعتِه، وشفاعةِ سائرِ الشَّافعين (^٤)؛ والكافرون الأصليُّون معلومٌ مُقدَّمًا مصيرهم مِن أوَّلِ البعثِ.\nوأمَّا دعواه الثَّانية لنقض الحديث: زعم فيها أنَّه على فرض جوازِ هذا الإخراج للبَعثِ، فإنَّ آدم ﵇ ليس أهلًا لهذه المُهمَّة، فإنَّه نسَّاءٌ ضعيفٌ، عصَى أوامر ربِّه!\nوهذا منه سوء قالةٍ في أبينا النَّبي الكريمٍ، يُنبي عن خِفَّة تقديرِ قائِله لمقام النُّبوة، فآدمُ ﵇ وإن زَلَّ في أكلِه مِن الشَّجرة، فإنَّه قد ﴿اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]، وقد قدَّمنا قريبًا سِرَّ اختيارِ آدمَ ﵇ لهذا المَيْزِ.\nوأمَّا دعواه الثَّالثة: في زعمِه أنَّ قول الصَّحابة فيه: «وأيُّنا ذلك الرَّجل؟ ..» فيه الفرض بأنَّ النَّاجي من الرَّجال فقط! واستغربَ (شحرورٌ) كيف يجعل النَّبي ﷺ في الحديثِ كلَّ أهلِ الجَّنة مِن الرَّجال؟!\n_________\n(^١) «التوضيح» لابن الملقن (١٩/ ٣٤٧).\n(^٢) أخرجه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (٦/ ٣٨٢).\n(^٣) «المُفهم» للقرطبي (٣/ ٩٧).\n(^٤) «الكوثر الجاري» للكوراني (٦/ ٢٤٩).","vol":"1","page":326},{"text":"وهذا مُنتهى الغُبنِ في الرَّأي والرَّكاكةِ في الفهم! فإنَّ المُتقَرَّر عُرفًا لَغويًّا سائرًا على ألسنةِ العرب، وأصلًا في عبارةِ الشَّرع: أنَّ لفظَ (الرِّجال) في الخطابِ، داخلٌ فيه جنسُ النِّساء بالتَّبَع، وهذا في آياتٍ كثيرةٍ من القرآن، يُطلق لفظ الرِّجال، ويُقصد به النِّساء أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].\nفمُراد العبارة في الحديث: الواحد منهم مُطلقًا، بدليل الرِّواية الأخرى للحديث: «.. قالوا: يا رسول الله، وأيُّنا ذلك الواحد؟» (^١)، أي: وأيُّنا مِن أمَّةِ محمَّد ﷺ ذلك النَّاجي المُفلح مِن بين سائرِ بني آدم.\nفإذا عَرِي عقلُ (شحرورٍ) عن تفهُّم العربيِّ البيِّن، فأنَّا له التَّعرضُّ لِما دقَّ فهمُه من الأحاديث الَّتي اعتاصَ عن فهمِها بالإبطالِ؟!\nلكنَّه مع ذلك، أبى إلَّا العُدوانَ بعدُ على:\nالمثال الثَّاني:\nوهو ما أخرجه الشَّيخانِ مِن حديث عمران بن حُصين وابن عبَّاس ﵃ يرفعانه: «.. واطَّلعتُ في النَّار، فرأيتُ أكثرَ أهلها النِّساء» (^٢)، حيث سَفَّه عقلَ مَن وَضع هذا الحديث بزعمِه، بدعوى أنَّ مُقتضاه مع الحديث السَّابق: أنَّ النِّساء يُمثِّلن ثُلُثَي أهلِ النَّار، والثُّلثُ الباقي رجالٌ، أي أنَّ مع كلِّ رجلٍ يدخلُ النَّار امرأتين! (^٣)\nولستُ أدري لساعتي هذه كيفَ بَلَغ (شحرورٌ) هذا الاكتشافِ الَّذي لم ينطق به الحديث، ولا هو مفهومٌ منه، ولا خَطَر على قلبِ بَشرٍ؟! ولكن ما يُريد إلَّا نبزَ الحديث بعلَّة إجحافِه في حقِّ النِّساء!\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب: قصة يأجوج ومأجوج، رقم: ٣٣٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم: ٣٢٤١)، ومسلم في (ك: الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، رقم: ٢٧٣٧).\n(^٣) «نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي» (ص/١٥٨).","vol":"1","page":327},{"text":"فمثلُ هذه النَّماذج من التَّحامل الفكريِّ من (شحرورٍ) على هذه الصِّحاح، بلَيِّ أعناقِ النَّصوصِ الشَّرعيَّة لخدمةِ توجُّهِه في ردمِ السُّنة، خصلةٌ مُشاعةٌ في كُتبِه، يشهد عليها صاحبه (نصر أبو زيد) بقوله: «إنَّ قراءتَه -يعني شحرورًا- مِن خلالِ موقفٍ إيديولوجيٍّ مُسبق، وإنَّه يقوم بالوثب على كلِّ مستويات السِّياق السَّابقة، وتجاهلها تجاهلًا شبه تامٍّ ... إنَّها نموذج فذٌّ للقراءة الإيديولوجيَّة المغرضة، إنَّها قراءة تلوينيَّة»! (^١).\n_________\n(^١) «النص والسلطة والحقيقة» لنصر أبو زيد (ص/١١٥).","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المَطلب الثَّاني\nزكريَّا أوزون\nوكتابه «جناية البخاري: إنقاذ الدِّين من إمام المحدِّثين»</span>\nأخذ هذا العَلمانيُّ السُّوريُّ -مهندس الخرسانة المسلَّحة! - العهدَ على نفسِه إسقاط مُسلَّماتِ الإسلامِ في أصولِه، لم يدع الرَّجل ركنًا في الدِّين إلَّا لَغَا فيه ببلادة فهمٍ وسوء أدب!\nاسمعه -مثلًا- كيف يصفُ أجلَّ حركات الصَّلاة بقوله: «إنَّ مظهَرَي الرُّكوع والسُّجود غير مرغوب فيهما إذا ما عُرضا على المظهر والذَّوق العامِّ في الأماكن العامَّة! .. المشهد مرفوض حسب الذَّوق العامِّ السَّليم، فلا الرُّكوع أو السُّجود للآخرين يصحُّ، ولا رؤية مؤخِّرة الإنسان تسُرُّ!» (^١).\nثمَّ يتساءل بعدُ مستنكرًا: «هل للإله مشاعر كالبشر، يفرح إذا تذلَّل له الآخرون وركعوا وسجدوا له ليرضى عليهم؟!» (^٢).\nأمَّا رمضان؛ فيُلحُّ (أوزون) على أنَّ صيامه غير واجب! فهو لا يصومه في بلد إقامته إيرلاندا! بل الأمر عنده -على حدِّ قوله- أنَّ «مَن يرَ في الصِّيام ما يريح نفسه، ويهذِّبها ويقرِّبها إلى خالقه، فليَصُم إن شاء يومًا أو يومين أو ثلاثةً\n_________\n(^١) «الأركان في الميزان: الصلاة عسكرة الرحمن» لزكريا أوزون (ص/١٥٢).\n(^٢) «الأركان في الميزان: الصلاة عسكرة الرحمن» لزكريا أوزون (ص/١٥٤).","vol":"1","page":329},{"text":"أو شهرًا .. ومن لا يجد في الصِّيام ما ذكرناه سابقًا، فليبتعد عنه وهو مطمئنُّ النَّفس! وليُطعم مسكينًا إن استطاع ذلك، أو ليقُم بعمل آخر يمكنه أن يجلب له ما يُشعره بالاطمئنان» (^١).\nولا غروَ عندي في أن يقول مثلَ هذه الموبقات مَن يُنكر سورةَ الفاتحة أن تكون من القرآن! بدعواه أنَّ الدَّعوات المذكورات فيها لا يُعقل أن تكون من الرَّب! إن هو إلَّا قول البَشر! وأكثر الصَّحابة إنَّما توهَّموا بسماعها من النَّبي ﷺ أنَّها قرآن ووحي من السَّماء، وليس الأمر كذلك! (^٢)\nو(أوزون) في كلِّ ذلك وزيادة، يحاول عن عبثٍ إظهارَ نفسه في مُقدِّماتِ مُؤلَّفاته بزيِّ الغيور على الدِّينِ، الذَّاب عن حياضِ التُّراث؛ فإذا شارَف القارئ على بلوغ خواتيم مُقدِّماته، انكشفَ له المستور مِن عَورتِه الفكريَّة المُناكفةِ للشَّريعة (^٣)، وبانت له حقيقة هذا المُبشِّرِ المهووسِ بالحضارةِ الغربيَّة، بل وبديانتِهم النَّصرانيَّة! فهم مَن يستحقُّ عنده «وبجدارةٍ المكانةَ والسَّيطرةَ الَّتي وَصلوا إليها، لأنَّهم عَرفوا الله حقًّا! وجعَلوا مِن دينِهم خيرَ دياناتِ القرنِ الواحدِ والعشرين في محبَّة الله ومحبَّة الإنسان» (^٤).\nالفرع الأوَّل: موقف (أوزون) من السُّنة النَّبوية.\nأمَّا موقف (أوزون) من السُّنة، فشبيهٌ بموقف سَلَفه (شحرور) في تقسيمِه لها، فهو ينفي أن تكون السُّنة وحيًا مَعصومًا في أصلِها، بل بشرِيَّةً نابعةً عن اجتهادٍ خالصٍ (^٥)، فحتَّى لو صَحَّ عنده جدلًا هو في صِحَّة حديثٍ من قول النَّبي ﷺ، فإنَّه غير لازم أن يأخذ به ويعتقد ما فيه، لتفريقِه المبتدَعِ بين مَقامين:\n_________\n(^١) «الأركان في الميزان: الصوم» لزكريا أوزون (ص/١٠١).\n(^٢) «الأركان في الميزان: الصلاة عسكرة الرحمن» لزكريا أوزون (ص/١٥٥).\n(^٣) صرَّح بأنَّ تبنِّي العلمانيَّة هو الحل لأزمات العرب في كتابه «الإسلام هل هو الحل؟».\n(^٤) «لفق المسلمون إذ قالوا» لزكريا أوزون (ص/٢٠٧، ٢٠٩).\n(^٥) «جناية البخاري» (ص/١٤).","vol":"1","page":330},{"text":"مَقام الرَّسولِ: وهي الصِّفة الَّتي بها كُلِّف بالتَّشريعاتِ القرآنيَّة، فهذه الَّتي يُعصم فيها فقط.\nوبين مقامِ النَّبوَّةِ: الَّذي يقوم فيه محمَّدٌ النَّبي ﷺ «بالاجتهادِ والعمَلِ، حسب المُعطيات، والإمكانيَّات، والأرضيَّة المَعرفيَّة السَّائدة .. وبناءً على ما سَبق، فإنَّ الحديثَ (النَّبويَّ) ليس مُقدَّسًا»، ولا مَأمورًا باتِّباعِه (^١)!\nفلا يُستغرب بعدُ أن يُرى في كتابِه هذا يُنكر أمورًا قد أجمع عليها السَّلف والخَلَف، كمشروعيَّةِ الجهادِ الطَّلَبي بشرطِه، واختصاصِ المُوحِّدين بالجنَّةِ دون أهلِ المِلَل الشِّركيَّة الأخرى (^٢).\nالفرع الثَّاني: موقف (زكريا أوزون) مِن «صحيح البخاريِّ».\nلقد أبرزَ (أوزون) إجرامَه في حقِّ تراثِ العلماءِ في ثلاثِ (جِناياتٍ)، تركَّزت في الأصول الَّتي تقوم عليها الشَّريعة، أولاها كتابُه «جناية سِيبَويه: الرَّفض التَّام لما في النَّحو من أوهام»، ثمَّ أتبعَه بـ «جناية الشَّافعي: تخليص الأمَّة من فقه الأئمَّة»!\nأمَّا ثالثة الأثافي، فكتابه المَقصود بالتَّعريفِ هنا:\n«جناية البخاري: إنقاذ الدِّين مِن إمامِ المُحدِّثين»؛ عرَضَ فيه إلى مائةِ حديثٍ وحديثين مِن «صحيحِ البخاريِّ» في فصول ثمانيةٍ، جَعَل زبدةَ كتابِه ومَنهجَه في فصلِه الأوَّل، ثمَّ ادَّعى في كلِّ فصل من تلك الفصول ظهور التَّناقضِ بينها وبين غيرِها مِن الثَّوابت الشَّرعية، كالقرآن، ومنزلةِ النَّبي ﷺ، ثمَّ دعا -تنزيهًا لمِصداقيَّة البخاريِّ زَعَم! - إلى طرحِ تلك الأحاديثِ المُنكرَةِ مِن «صحيحِه الجامع» كلِّها، والتَّصرُّفِ في متونها، حتَّى يبرُز للأمَّة بصورةٍ جديدةٍ، ولو على غير ما أراده مُصَنِّفه.\n_________\n(^١) «جناية البخاري» (ص/١٨)\n(^٢) انظر «جناية البخاري» (ص/٦٣، ٩١).","vol":"1","page":331},{"text":"فلأجل تحقيق هذه الغاية الحرام، سَوَّغَ (أوزون) عبثَه في أحاديث البخاري، من غير أن يُبين عن منهجٍ واضح ولا أصولٍ نقديّة جليَّةٍ يرجع إليها؛ ما هو إلَّا التَّشغيب بشُبهات مُحدثةٍ على متون الكتاب، نأتي على كشفِها عند دفعِ المُعارضات عن الأحاديث المَدروسة في القسم الثَّاني من هذا البحث إن شاء الله.\nوالمؤلِّف سارٍ في كتابه على ما جَرَت عليه عادة أعداء حمَلة السُّنن من الإمعانِ في الطَّعن بخيارِ الصَّحابةِ مِن مُكثري الرِّواية، كعائشة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس ﵃ (^١)؛ كلُّ كلامه فيهم منسوخ مِن كتابِ «أضواء على السنة المحمَّدية»، لم يُكلِّف نفسَه الرُّجوع إلى جواب أهل السُّنة عن عوارِ هذا الكتابِ؛ فلا كَأنَّ السِّباعيَّ ردَّ عليه، ولا أنَّ المُعلِّمي نكَّل به! إذن لعلَّه نَجى مِن الوقوعِ في بعضِ تلك الطَّوامِ الَّتي أوقعَ فيها نفسَه تبعًا لـ (أبوريَّة).\nثمَّ زادَ على كتابِه شنارًا حين حَشاه بخَطايا (عبد الجواد ياسين) في كتابِه «السُّلطة في الإسلام»، فقد أخلص في تقليد هَفواتِه في السُّنة النَّبويَّة حذوَ القُذَّة بالقذَّة.\nوالرَّجل فوق هذا كلِّه مُغرَمٌ بالسَّرقاتِ العلميَّة في كتابه، ينقُل طعونَ غيرِه بحروفِها في أخبار «الصَّحيحين» دون إحالة، تشبُّعًا بما لم يُعطه مِن القبائح، كالَّذي فعله من انتِحالِ كلامٍ ساقطٍ لـ (نيازي عزِّ الدِّين) في رجمِ الزَّاني المُحصَن (^٢).\nناهيك عن تدليسه في نسبةِ الأقوالِ إلى غير قائلِيها، إمعانًا منه في التَّدليس وتزويرِ التَّاريخ؛ من ذلك نسبتُه إلى الأديبِ الرَّافعيِّ في كتابِه «تاريخ آداب العربيَّة» القولَ: بأنَّ أبا هريرة ﵁ كان أوَّلَ راويةٍ اتُّهِم في الإسلام! مِن غيرِ أن يَذكُر (أوزون) موضعَ هذا النَّقلِ مِن كتابِ الرَّافعي (^٣).\n_________\n(^١) انظر «جناية البخاري» (ص/١٩).\n(^٢) قارن بين ما في «جناية البخاري» (ص/٤٥) و«دين السلطان» لنيازي (ص/٩٤٨).\n(^٣) «جناية البخاري» (ص/٢٠) في الهامش التاسع.\nوقد أشبه أوزون في فعلته هذه فعلَ إمامه أبو ريَّة حين نسب هذا القول للإمام ابن قتيبة، رغم أن ابن قتيبة إنَّما نسبه للنَّظام المعتزلي، ثمَّ نقضه وكشف بطلان هذه التُّهمة، انظر «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/١٦٤).","vol":"1","page":332},{"text":"وحين تبيَّنتُ ذلك في كتابِ الرَّافعي، وجدتُه خاليًا مِن هذا السَّقَط مِن الكلامِ، بل على خلافِه ذلك، وجدته مُفعمًا بدِفاعِ الرَّافعي عن أبي هريرة ﵁ وتبجيلِه إيَّاه، غايةُ ما فيه ذكره لبعِضِ أفرادٍ مِن الصَّحابة أنكروا إكثار أبي هريرة مِن الرِّواية (^١).\nوأصلُ داءِ (أوزون) في هذا النَّقل الكاذب، مُستَلٌّ مِن كتاب (صالح أبو بكر) (^٢)، فهو الَّذي نسب إلى الرَّافعي هذه الفِرية، استتبعه غلَطُ حمُّود التَّويجريِّ في ردِّه على صالحٍ حين انساقَ وراءَ كذبتِه في الافتراءِ على الرَّافعيِّ، فوَقَع هو بدَورِه في هذا الأديبِ! وتَعجَّل في نعتِه بأنَّه «مِن شِرارِ العَصريِّين، مِمَّن أعمَى الله قلوبَهم»! (^٣)\nوآفةُ الحماسِ العَجَلة!\n_________\n(^١) «تاريخ آداب العربية» للرافعي (١/ ٢١٦).\n(^٢) في كتابه «الأضواء القرآنية» (ص/٥٩ - ٦٠).\n(^٣) «الرَّد القويم» للتويجري (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المطلب الثَّالث\nجمال البَنَّا (ت ١٤٣٤ هـ) (^١)\nوكتابه «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم»</span>\nيحتارُ القارئ لكُتبِ (البنَّا) في تصنيفِه تصنيفًا فِكريًّا مُحدَّد المَعالِم، بين كونِه عقلانيًّا ذا أصولٍ إسلاميَّة، أو حَداثيًّا مُواليًا لأفكار الأنْسَنة، بل قُرآنيًّا مُنكِرًا لحجيَّة الأحاديث النَّبويَّة.\nفهو القائل في حَقِّها: «إنَّ السُّنة بما دخلها من الوضع، وبما أدرجه رُواة السُّنة الموثَّقون من كلامهم في متن الحديث، وما لحِق الحديث من شذوذ واضطرابٍ وروايةٍ بالمعنى وغير ذلك، جعل السُّنةَ كلَّها في موضع الشَّك والرِّيبة فيها! وفي مُدوَّناتها الصَّحيحة، بحيث لم تعُد محلًّا للثِّقة والاعتماد» (^٢).\nويقول: «لوْ قال أحدٌ أنَّ هذه الأحاديث لا يُعتَدُّ بها أصلًا لمَا كان مُتعسِّفًا» (^٣)!\n_________\n(^١) جمال بن أحمد البنَّا: مُفكِّر مصري ذو جذور إسلامية، جاهد لينحو بالدين إلى الليبرالية الغربية، وهو الشَّقيق الأصغر لحسن البنَّا مؤسِّس جماعة الإخوان المسلمين، صدر أوَّل كتاب له بعنوان «ثلاث عقبات في طريق المجد» سنة ١٩٤٥ م، وبعده «روح الإسلام»، ثمَّ تَوالت مُؤلَّفاته الَّتي شذَّ في كثير من مسائلها وفتاويه عن إجماعات أهل السُّنة، ككتاب «السنة ودورُها في الفقه الجديد».\n(^٢) «السُنة ودورها في الفقه الجديد» لجمال البنا (ص/٧٣).\n(^٣) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» (ص/٧).","vol":"1","page":334},{"text":"و(البنَّا) وإن كان مُخالفًا للقرآنيِّين في أصل موقِفِهم الرَّافض للسُّنة جملةً - إلَاّ أنَّه يجانِسهم في نِتاجِ تَقريراته، ولوازِمها مِن حيث الواقع العمليِّ، بل ترى اتِّساقًا كبيرًا لرؤيته الفكريَّة المتعلِّقة بأفرادِ الأدلَّة الشَّرعيَّة النقليَّة، وبين ما يراه الحداثيُّون في تاريخيَّتها وإعادةِ تشكيلِها بما يأتلف والحضارة الغربيَّة الحديثة.\nترى شاهدَ هذا في تأكيدِه على «أنَّ الرَّسول ﷺ والخلفاءَ الرَّاشدين والصَّحابة أرادوا عدم تأبيد ما جاءت به السُّنن مِن أحكام» (^١).\nفهو على هذا لا يَعُدُّ السُّنة النَّبويَّة مَكينةً في التَّشريع الإسلاميِّ، بل يأتي في مُقدِّمة ذلك العقلُ! ثمَّ مَقاصد القرآن وقِيَمُه ثانيًا، ثمَّ السُّنة بعدهما (^٢).\nوقد بَلَغ الحال بـ (البنَّا) في تحريفِ الشَّريعةِ دركةً ليس وراءَها مُطَّلَع لناظرٍ، ولا تحتها مهوىً لخِسَّة، فقد كان ينكر فرضَ الحجابِ على النِّساء، وحَدَّ الرِّدة عن الإسلام، بل كان يُبيح التَّدخينَ للصَّائم في رمضان! إلى غيرِ ذلك مِن بوائقه الَّتي كثرُت، ولواذِعِه الَّتي اشتدَّت في حقِّ السُنَّة، حتَّى صُدِّرت جَهالاته عبرَ مَنابر الإعلامِ العَلمانيِّ بلا رقيبٍ.\nلقد ركب (البنَّا) المُعمَّهَ في أمرٍ عَسِرٍ، تظاهر فيه ببراءةِ قصدِه مِن شَيْنِ الأحاديث ورُواتها، ولعلَّه كان مُستشعِرًا في قرارةِ نفسه لهَوْلِ ما كان يُقدِم عليه مِن اقتحامِ سِياجِ الشَّريعة بغير إذنٍ؛ تَلْمَسُ شيئًا من هذا الشُّعور في تَقدِمَتِه لعُدوانِه على أحكامِ السُّنةِ في كتابه «السُنة ودروها في الفقه الجديد» بقولِه: «يكاد فؤادي يَطير فزعًا مِمَّا أبوح به، لكنِّي مُضطَرٌّ إلى البَوْح نُصحًا، مُتَمنِّيًا -بكلِّ الصِّدق والإخلاص- أن أكون مُخطِئًا، فمَن كان ذا طِبٍّ، ويراني عَليلًا، فدونه فليُطبِّبني ..» (^٣).\n_________\n(^١) «السُّنة ودورها في الفقه الجديد» (ص/٢٠٢، ٢٥٢).\n(^٢) انظر كتابه «السنة ودورها في الفقه الجديد» (ص/١٥٥، ١٧٤).\n(^٣) «السُنة ودروها في الفقه الجديد» لجمال البنا (ص/٦٢).","vol":"1","page":335},{"text":"الفرع الأوَّل: عدم اعتبارِ (البنَّا) للسُّنةِ القوليَّةِ، أصلٌ في نَظرتِه النَّقديَّةِ لأحاديث السُّنة.\nأوَّل ما ينبغي معرفته من موقف (جمال البنَّا) من السُّنة، أنَّه لا يَعتبرُ منها إلَّا العَمليَّةَ دون القوليَّة، فالحُجَّة عنده محصورة في أفعالِه ﷺ وسِيرته العمليَّة المُتناقلةِ (^١)، وذلك أنَّه يَفهم مِن مَعناها اللُّغويَّ «الدَّأبَ، والمنهجَ، والطَّريقة، أي أنَّها عَملُ الرَّسول، وليس قولَه» (^٢).\nفهو لأجل ذلك يُخرج القوليَّة والتَّقريريَّة من مُسمَّى «السُّنة» المأمورِ باتِّباعها، ويجعلُ أكثرَ المَنقولِ في هذين النَّوعين مُختلقًا أو مَشكوكًا في صِحَّتِه، سعى هو إلى البرهنةِ إلى ذلك ببيانِ ما يراه زَيفَ متونِ كثيرٍ من الصِّحاحِ عند أهل السُّنة.\nوذاك الموقف منه أصلٌ عند الحَداثِيِّين يُدندنون عليه كثيرًا، لأجله نَرى بعضَهم يمهِّد بين يدي طعنه في أحاديث الصحيحين بنَفْيِ الوَحيِ عن هذه السُّنَن القوليَّة (^٣)!\nوأصل تأثَّر (البنَّا) بهذا الأصلِ البِدعيِّ كتاباتُ (محمَّد رشيد رضا)، مُقدَّمِ أربابِ هذا المسلكِ في تشطيرِ السُّنةِ، وذلك في ما قرأه له من مقالاتٍ قديمةٍ مَبثوثةٍ في أولياتِ مجلَّتِه «المنار» (^٤)؛ وقد تَبنَّى هذا الرَّأيَ عنه فِئامٌ مِن ذوي النَّزعة العقليَّة بعده، قلَّةٌ منهم مُشتغلٌ بالعلومِ الشَّرعيَّة، كحالِ (محمود أبو ريَّة) (^٥)، و(محمود شَلتوت).\nعَقَد هذا بابًا كاملًا في كتابِه «الإسلام عقيدةٌ وشريعةٌ» في نُصرة هذا المَسلك، بل أضافَ مِن القيودِ على معنى السُّنةِ ما تجاوزَ به شرطَ (رشيد رضا)،\n_________\n(^١) «السُّنة ودورها في الفقه الجديد» لجمال البنا (ص/١١).\n(^٢) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» (ص/٧).\n(^٣) كما فعل زكريا أوزون في «جناية البخاري» (ص/١٤).\n(^٤) مقالاته هذه في «مجلة المنار» (١٠/ ٨٤٩).\n(^٥) «أضواء على السنة المحمدية» لمحمد أبو رية (ص/٣٧٩ - ٣٨٠).","vol":"1","page":336},{"text":"كأن تتَّصف بالتَّواترِ العمليِّ والاطِّراد المعروفِ عند الكافَّة (^١)! ووافقه على اشتراطِه هذا (سليمان النَّدوي) (^٢)، مُتوسِّعًا فيما يَراه صالحًا للتَّمثيلِ لها (^٣).\nفأيُّ غرابة بعدُ في أن تَتَواطأ كلمات الحَداثيِّين على تَبنِّي هذا القولِ والتَّطبيل له (^٤)؟! وبِه يخلو لهم الجوُّ في مَقامِ التَّشريعاتِ لإسقاطِ شَطرٍ كبيرٍ مِن أثقالِ السُّنة عن ظهورِهم، بل هي السَّبب عندهم «في تحنيطِ الإسلام، وأنَّ النَّبي ﷺ وصحابتَه لم يعرفوا السُّنةَ بهذا الشَّكل» (^٥).\nالفرع الثَّاني: نقض مسلكِ (البنَّا) في اعتبارِ السُّنة العمليَّة دون القوليَّة.\nويتبيَّنُ وجه بطلان تقسيم (البنَّا) للسُّنة من حيث الحجيَّة مِن عدَّةِ وجوه:\nالأوَّل: أنَّ هذا التَّقسيم بهذا الاعتبار لم يَقُل به أحَدٌ مِن سَلفِ الأمَّة أو مُتأخِّريها، قد أصابَ المعلِّمي في نعتِه لهذا القولِ بأنَّه «اصطلاحٌ مُحدَث، لا يخفى بُطلانه» (^٦).\nالثَّاني: نفي هؤلاءِ لحجيَّة السُّنة القوليَّة نتيجة لمقدِّمة لغويَّةٍ خاطئة، حيث إنَّ دَلالة السُّنة في لُغة العربِ أوسعُ مِن مُجرَّدِ قصرِها على السِّيرةِ العَمليَّة، فإنَّها في وضعهِم الأوَّلِ دالَّةٌ على معاني أخرى، منها: السِّيرة والطَّريقة (^٧)، والإمام المُتَّبَع (^٨)، ولا شَكَّ أنَّ هذه المعاني شاملةٌ في مَدلولاتِها اللُّغوية للأقوالِ والأفعالِ.\n_________\n(^١) «الإسلام عقيدة وشريعة» لمحمود شلتوت (ص/٤٨٠ - ٤٩١).\n(^٢) نسبةً إلى دار النَّدوة بالهند، صاحب اطِّلاع على الحديث والتَّاريخ، له تصانيف باللُّغة العربية والأرديَّة، عُين رئيسا لجمعية علماء الإسلام بكَراتشي، توفي سنة (١٩٥٣ م)، انظر «الأعلام» للزركلي (٣/ ١٣٧).\n(^٣) انظر مقاله المُترجم: (تحقيق معنى السُّنة وبيان الحاجة إليها)، المنشور في «مجلة المنار» (٣٠/ ٦٧٣).\n(^٤) انظر نماذج من نصوصهم في تبني هذا المسلك في «الاتجاهات المعاصرة في دراسة السنة النبوية في مصر وبلاد السام» لمحمد عبد الرزاق أسود (ص/٥٩٠ - ٥٩١).\n(^٥) «الكتاب والقرآن» لمحمد شحرور (ص/٥٤٦).\n(^٦) «الأنوار الكاشفة» (ص/٥٨).\n(^٧) انظر «لسان العرب» (١٣/ ٢٢٦) مادة: س ن ن.\n(^٨) «جامع البيان» للطبري (٦/ ٧٢).","vol":"1","page":337},{"text":"بل نزيد أن نقرِّر هنا: أنَّ الاتِّباعَ كما يكون في العمل والطَّريقة، فهو كائنٌ في الأمرِ والنَّهي من باب أوْلى.\nفإذا كانت السُّنة هي الخُطَّة والطَّريقة، فلا شَكَّ أنَّ الخطَّة يكون أصلُها القول، والطَّريقُ والطَّريقة والسَّبيل مَعناها واحد، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، والدُّعاء قَول، وقد سَمَّاه سبيلًا (^١).\nالثَّالث: أنَّ أقواله ﷺ أدلُّ على الحكمِ الشَّرعي مِن أفعالِه، على ما قرَّره جمهور الأصوليِّين (^٢)، فأفعالُه الجبليَّة لا قُدوة فيها، ولا تَدلُّ على أكثرِ مِن الإباحة، وكذا ما اختصَّ به من الأفعال؛ وهذا لا يُتأتَّى في أقوالِه، فعليه قَدَّموا قوله ﷺ على فعلِه عند التَّعارض (^٣).\nالرَّابع: القول بهذا التَّقسيم المُحدَث للسُّنة يقتضي ردَّ آلاف الأحاديث الَّتي نَقَلها الصَّحابة والتَّابعون ﵃، وأئمَّة الدِّين عنه ﷺ في جميع الأبواب الشَّرعيَّة (^٤)، مِمَّا يقتضي رَدَّ أكثر السُّننِ الفِعليَّة نفسها! «بل لا يبعد إذا قلنا كلَّها، لأنَّه ما مِن فعلٍ نُقل إلينا مِن تلك، إلَّا وقد اختُلف في هيآته وأحكامِه المقوِّمة لحقيقتِه، والمسلمون النَّاقلون لِتِلكَ الأعمال، إنَّما كان مُستنَد اختلافهم في ذلك: إمَّا السُّنَن القوليَّة، وإمَّا اجتهاد مَن يتأتَّى له الاجتهاد منهم، فإذا لم يجِب أن تكون سُنن الرَّسولِ ﷺ القوليَّة مِن الدِّين، فلَأن لا تكون مجهودات غيرِه مِن الدِّين أولى وأحرى!» (^٥).\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (١٢/ ٥٢١)، وانظر «موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية» (١/ ٢٨)، و«موقف الجماعة الإسلامية من الحديث النبوي» (ص/٦٨ - ٧٠) فقد نقل فيه مؤلفه سبعة عشر قولا من أقوال أهل العلم المتقدِّمين تدلُّ على إطلاق السُّنة على أقواله وأفعاله وتقريراته.\n(^٢) «أفعال الرسول ﷺ ودلالها على الأحكام الشرعية» لمحمد سليمان الأشقر (١/ ٥٥ - ٥٧).\n(^٣) «شرح الكوكب المنير» لابن النجار (٤/ ٦٥٦).\n(^٤) «دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين» لمحمد أبو شهبة (ص/٢٧٦).\n(^٥) من ردِّ الشيخ صالح اليافعي على توفيق صدقي، انظر «مجلة المنار» (١١/ ١٤١).","vol":"1","page":338},{"text":"فلأجل ذلك نقول: أنَّ السُّنة القوليَّة لو لم تكُن حُجَّةً في دينِ الله تعالى، لَما بذل العلماء المُستأمنون على الشَّرع جهودَهم وأوقاتَهم في تدوينِها، بل ولا أَذِن النَّبي ﷺ بذلك لبعضِ أصحابه أصلًا! ولكان أوَّل مَن يُنبِّه أمَّتَه على خطورة ذلك كي يحذروه (^١).\nالفرع الثَّالث: كتاب «تجريد البخاريِّ ومسلمٍ» التَّطبيق العَمليُّ لقناعات (البنَّا) تُجاه مُدوَّنات الحديث.\nإذا مَحَصَّنا النَّظرَ في طبيعةِ المؤلَّفات الَّتي خصَّصها (البنَّا) لموضوعِ السُّنة ومُدوَّناتها، أخصُّ منها كتابَه «السُّنة ودورها في الفقه الجديد»، وكتابَه الآخرَ «الأصلان العظيمان: الكتاب والسُّنة»، سنجدُ كتابَه المتأخِّر عنهما «تجريد البخاريِّ ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» هو الميدان التَّطبيقيَّ لما أسلف تنظيرُه وتأصيله في الأوَّلَين؛ غرضُه منه «أنْ يُنقل القارئَ من عالمِ البخاريِّ المُقدَّسِ، كأصدقِ كتابٍ بعد كتابِ الله تعالى، إلى تجريدِه مِن مئاتِ الأحاديثِ .. فالكتاب جديدٌ، ويمكن أن يكون صادِمًا للكثير!» كما يقول (^٢).\nوهو حقًّا صادمٌ لذوي الفِطَر السَّليمة، والعقول المستقيمة، كيف وقد استهلَّه بقارعتين: بكذبةٍ حمقاء، وسرقةٍ خرقاء.\nفأمَّا الحمقاء: فعَزوُه أوَّلَ كتابِه إلى البخاريِّ إخراجَ حديث «الغرانيق»! وأنَّه ضمنَ جملةٍ أخرى مِن الأحاديثِ الَّتي أساءَت إلى النَّبي ﷺ، وأنَّ وجوده في «الصَّحيح» ممَّا دَعاه إلى تأليف هذا الكتاب، تبرءةً لعِرضِ النَّبي ﷺ كما زعم (^٣).\nوالبخاريُّ بَريءٌ مِن تصحيحِ هذا الحديثِ المُنكَر، و«صحيحُه» خالٍ من هذه الفِرية.\n_________\n(^١) انظر «تدوين السنة النبوية، نشأته وتطوره» لـ د. محمد مطر الزهراني (ص/٧٤).\n(^٢) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» (ص/١٥).\n(^٣) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» (ص/٤ - ٥).","vol":"1","page":339},{"text":"وأمَّا سرقته الخرقاء: والَّتي لم يُحسِن هو سَترَها، فتلك في مُقدِّماتِه التَّأصيليَّةِ الأربعِ لموضوع كتابِه، والَّتي ادَّعى أنَّها مِن وَحيِ اجتهادِه، لا تعدو في واقع الأمر أن تكونَ نسخًا لمِا قَدَّم به (إسماعيل الكرديُّ) كتابَه «نحو تفعيل نقد متن الحديث النَّبويِّ»! مع بعض اختصار (^١).\nفالرَّجل مُكثرٌ مِن استنساخ ما في هذا الكتاب وتقليد صاحبه فيه حذوَ الحرفِ بالحرفِ من غير إحالة إليه! ومَن قابَلَ بين مُقدِّمتي الكِتابين تبيَّن له أوسع ممَّا أعنيه.\nوبعد هذه المُقدِّمات المَنهوبات من كتاب (الكرديِّ)، شَرَع (البنَّا) في مقصودِ كتابِه بسردِ ما يعتقده مُنكرًا مِن متونِ «الصَّحيحين»، حيث بَلَغت عدَّتُها عنده ستمائةٍ وثلاثةً وخمسين (٦٥٣) حديثًا! مُرتِّبًا لها تحت أربعة عشر بابًا، مُعنوِنًا لها بما يَدلُّ على المعنى العامِّ الَّذي لأجله جُرِّدت مِن لَبوس النُّبوَّة.\nفكان أوَّل هذه الأواب: «أحاديث الغيب»، ثمَّ «الإسرائيليَّات» (^٢)، و«أحاديث تمسُّ ذات الله تعالى» (^٣)، و«أحاديث تفسِّر القرآن» (^٤)، وأخرى «تحدِّد أسباب نزولها» (^٥)، و«أحاديث في نسخ القرآن»، و«أحاديث تتضمَّن أحكامًا\n_________\n(^١) وهو يكثر النَّقل عن كتابه حذوَ الحرفِ بالحرفِ دون عزوٍ، بل تراه يستنسخ نفس النُّقول على نفس ترتيب الكرديِّ في مقدِّمته! ومن قابل بين مقدِّمتي الكتابين تبيَّن له أوسعَ ممَّا أعنيه.\n(^٢) قد أورد تحت هذا الباب ما يَدلُّ على جهله بمن هم بنو إسرائيل، منها نسبته (ص/١٧٧) إبراهيم ﵇ إليهم، وإنَّما هو أصلهم وليس منهم، ثمَّ ذكره (ص/١٩١) لحديث مَجيء اليهود إلى النَّبي ﷺ حين ذكروا له أنَّ رجلًا منهم زنا بامرأة .. إلخ، وهذه واقعة في زَمن النَّبي ﷺ، لا من أقوال بني إسرائيل السَّابقين.\n(^٣) قصد به إسقاط أحاديث الصِّفات بدعوى التَّجسيم، في الوقت الَّذي سعى في تأويل مثيلاتها من آيات الصِّفات في القرآن وحملها على المجاز، انظر مثال هذا في كتابه (ص/١٩٤).\n(^٤) حيث يرى (ص/١٩٨) أنَّ القرآن لا يحتاج إلى تفسير، وأنَّه يفسرُّ بعضه بعضًا، لكنَّه نقض هذا في الصفحة نفسها، حين اعترف بأنَّ النَّبي ﷺ قد فسَّر بعض الآيات للصَّحابة!\n(^٥) علَّل رفضه لهذه الأحاديث في (ص/٢٠٧) بقوله: «لأنَّ القرآن لا يصدر الأحكام لأسباب خاصَّة»، وهذا لا شكَّ قول يُناقض القرآن نفسه، لأنَّ فيه آيات بيِّناتٍ في نزولها على أقوامٍ بأعيانهم، كزيد بن حارثة ﵁ في الآية ٣٧ من سورة الأحزاب، وأبي لهب في سورة المَسد، وهكذا.","vol":"1","page":340},{"text":"مخالفة للقرآن»، و«الأحاديث القدسيَّة» (^١)،\nو«أحاديث المعجزات الحسيَّة»، و«أحاديث تخلُّ بعصمة الرَّسول ﷺ»، و«أحاديث ضدُّ حريَّة الفكر والاعتقاد»، و«السَّرف في التَّرغيب والتَّرهيب»، و«أحاديث تسيء إلى المرأة»، و«أحاديث مشكلة في متونها».\nوقد حاولَ (البنَّا) أن يجعل هذه الأبوابَ مُنضويةً تحت ضابطٍ مَنهجيٍّ لنقدِ الأحاديث، وهو «العرضَ على القرآنِ الكريم»، فنَتَج عن استعمالِه لهذا المِعيارِ «التَّوقفَ أمامَ قرابةِ أَلْفَي حديثٍ، يُمكن أن يكون نصفُها في الصَّحيحين» (^٢)!\nوما أبقاه في «الصَّحيحين» مِمَّا سلمت منه يَدَي التَّشطيبٍ أو اللَّمزٍ، فإنَّما هو إمَّا لأجلِ مُوافقته للقرآن، فإنَّه قد عابَ على الشَّيخين تَساهُلَهما المَشينَ مع القرآنِ الكريمِ وتأويلِه! (^٣) أو لأنَّ أنفَه اشتَمَّ منها عَبَقَ النُّبوةَ -حسبَ تعبيرِه (^٤) - فلم تحتَجْ إلى إجهاد نظرِ المُحدِّثين في نقدِها! (^٥)\nوالمؤلِّف في هذا ساردٌ لأغلب تلك الأحاديث تحت الأبوابِ السَّالفة سردًا دون أن يُعلِّق عليها بما يُبيِّن عِلَّتها! وأحيانًا يُبيِّن ذلك، وكأنَّ الشُّبهة الَّتي ارتمَت عليه عند نظرِه في الأحاديث، يفترضُ هو أنَّها أصابَت كلَّ النَّاس؛ فأشبَهَ كتابُه كتابَ فِهرسٍ.\nوسيأتي نقض كثيرٍ من شطحاته في ذلك في الباب الثَّالث بإذن الله تعالى.\n_________\n(^١) لأنَّها -بزعمه- مادامت تُروى عن الله تعالى، فيلزم أن تكون قطعية الثُّبوت مثل القرآن الكريم تمامًا، انظر (ص/٢٤٧) من كتابِه ..\n(^٢) «الأصلان العظيمان» (ص/٢٧٦).\n(^٣) مع أنه قد انظر «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» (ص/٦٨).\n(^٤) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» (ص/٨).\n(^٥) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» (ص/٦١).","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الفصل الرابع\nموقف الاتِّجاه العَقلانيِّ الإسلامي مِن «الصَّحيحين»</span>","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المَبحث الأوَّل\nبدء نشوء الاتِّجاه العقلانيِّ الإسلاميِّ المُعاصر</span>\nأوَّل تَجدُّدٍ لهذا الاتِّجاه العَقلانيِّ الحديثِ في نظرِه إلى الشَّريعة ونصوصِها كانَ أواخرَ القرنِ الثَّالث عشر في المشرق العربيِّ ابتداءً، إبَّان ضعفَ الخلافةِ العُثمانيَّة، وانتكاسةِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ ريادةً وحَضارةً، بإزاء تَقدُّمٍ عِلميٍّ وتقنيٍّ وعسكريٍّ لأُمَم الغَربِ؛ أدَّى تَسلُّطهم الحضاريِّ على ضَعَفَة المُسلمين بقوَّة البارودِ ممزوجًا بمِدادِ المَطابع، إلى بروزِ اتِّجاهاتٍ فكريَّةٍ مُواليةٍ لهم، ممثَّلة بقوَّة في التَّيار العَلمانيِّ الغالي الَّذي صار لسانَ المُحتلِّ بين بَني جِلدَتِهم، يُحسِّنون للنَّاسِ أفكارَهم، ويُجمِّلون لهم أنماط معايشهم.\nحينَها هالَ الخَطبُ فقهاءَ الأمَّة ومُفكِّريها، فهرعوا إلى ردعِ تلك الحَملاتِ المُتسلِّلة إلى العقلِ الجَمْعيِّ مَذاهبَ شَتَّى، كلٌّ يَدَّعي التَّمكُّن من زِمام الإصلاح، كان منهم فِئةٌ على قناعة من أنَّ ربط جَأشِ المسلمينَ وتَثبيتهم على الدِّينِ لا يتمُّ إلَّا ببيانِ الوِفاقِ الحاصلِ بين الإسلام وما انبهر به النَّاس مِمَّا وصلَت إليه الدُّوَل الإمبرياليَّة مِن تَقدُّمٍ في شتَّى العلومِ الماديَّة.\nفما برحوا يطمئنون أهل الثَّقافة على وَلاءِ الإسلامِ للحُريَّاتِ الفرديَّة، فسوَّغت النَّظرَ العقليَّ المُجرَّد إلى نُصوصِه على نَمطٍ يخالف ما عُهِد إليهم مِن أسلافِهم، مُتَعذِّرين بأنَّ الأمرَ لا يَعدو أن يكون عَودًا بالنَّظرِ في دَلالاتِ بعضِ النُّصوصِ لتَنسجِم مع قطعيَّاتِ الحضارةِ الوافدة، أو عودًا بالنَّظر في أمر ثبوتِها من","vol":"1","page":345},{"text":"حيث النَّقل؛ ما استلزم -في زعمِهم- إعادةَ تشكيل بعضِ الأحكامِ الدِّينيَّة بما يَتَوافق والقوالبَ الفلسفيَّة السَّائدة، وذلك بالتَّلفيقِ -ولو جُزئيًا- بين أطروحاتِ الحضارة المَدنيَّة الحديثة والمَرجعيَّة الإسلاميَّة العَتيقة.\nأوليس الإسلام صالحًا لكلِّ زمانٍ ومكانٍ؟! إذن لا بُدَّ مِن التَّجديد في بعضِ أحكامِه وتبديلها لتصدُق هذه المَقولة! آبينَ -في الوقت ذاتِه- أن يَتَنكَّروا لشريعتِهم خلافَ مَن تَنكَّب مِن أتباعِ العَلمانيَّة، بحسبِ ما عندَ كلِّ فردٍ منهم مِن آثارِ التَّسليمِ لنصوصِها، واليقينِ بأدلَّتها، والاعتزازِ بالانتماء إليها، وعليه خصصتُ هذا التَّيار الإصلاحيَّ بوَصفِ «الإسلاميِّين» أو «الإصلاحيِّين»، لاهتمامِهم بإصلاح المَنظومات الدينيَّة والسِّياسية والاجتماعيَّة وفق نظرة شرعيَّة خاصَّة -وإن بَدا مِن بعضِهم نوعُ غلوٍّ في استعمالِ العَقليَّاتِ في نَظرتِه للدِّين- تميِيزًا لهم عن باقي طوائفِ المَدرسة العَصرانيَّة بمَفهومِها العامِّ (^١).\nففي هذه المرحلةِ الحسَّاسةِ بالذَّات مِن تاريخ هذا الصِّراعِ الحضاريِّ، بَدَأت تَتَكاملُ مَلامحُ مدرسةِ التَّجديدِ الدِّيني شيئًا فشيئًا، بعد أن رسمَ تشكُّلاتِها الأولى جمالُ الدِّين الأفغاني (ت ١٣١٥ هـ) (^٢)، على أساسٍ قد سُبق إليه مِن أربابِ\n_________\n(^١) تنقسم المدرسة العقلانيَّة المُعاصرة إلى ثلاث طوائف:\nالأولى: مَن يُنكر الوحيَ الإلهيَّ بالكليَّة، وهم غُلاة العَلمانيَّة، حيث يَرون أنَّ أيَّ مخطَّطٍ للحياة الإنسانية، يجب أن يصدر عن عقل الإنسان، فقط بعيدًا عن الدِّين.\nالثانية: لا تُنكر قداسة الوحي صراحةً، وتظهر احترامَه في الظَّاهر، لكنَّها تُفرِّغه مِن مَضمونه وتُلغي تطبيقه، كما عند عابد الجابريِّ، وعبد الله العروي، وسعيد العشماويِّ، وأضرابِهم.\nالثالثة: وهم العقلانيُّون الإسلاميون، وهو مَوضوع الدِّراسة في هذا المَبحث.\nانظر «العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب» لمحمد الناصر (ص/١٧٦ - ١٧٧)، و«منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير» لـ د. فهد الرومي (ص/٧٠).\n(^٢) محمد بن صفدر جمال الدين الأفغانيُّ: فيلسوف الفكر الإسلاميِّ في عصره، واسع الاطِّلاع على العلوم القديمة والحديثة، وُلد في أسعد آباد بأفغانستان، ونشأ بكابُل، وتلقَّى العلوم العقليَّة والنَّقلية فيها، وبَرَع في الرِّياضيات، ثمَّ انتظم في سلك رجال الحكومة في عهد (دوست محمَّد خان).\nثمَّ رَحل مارا بالهند ومصر، إلى الآستانة (سنة ١٢٨٥) فجُعل فيها من أعضاء مجلس المَعارف، ونُفي منها (سنةَ ١٢٨٨ م)، فقَصَد مصر، لينفُخ فيها همَّه للنَّهضة الإصلاحيَّة، دينًا وسياسةً، وتتلمذ له نابغةُ مصر وقتَها (محمَّد عبده) وكثيرون.\nثمَّ نفته الحكومة المصرية (سنة ١٢٩٦ م) فهاجر إلى حيدر آباد، ثم إلى باريس، فأنشأ فيها مع تلميذه عبده جريدةَ (العُروة الوُثقى)، ورَحَل رحلات طويلة؛ من مؤلَّفاته: «تاريخ الأفغان» و«رسالة الرَّد على الدَّهريِّين»، ترجمها إلى العربيَّة تلميذُه محمد عبده، انظر «الأعلام» للزركلي (٦/ ١٦٨).","vol":"1","page":346},{"text":"المقالاتِ العقلانيَّةِ القديمةِ؛ ثمَّ أحكمَ صبغها بما يَتوافق والرُّوحَ العصريَّة الجديدةَ مَن جاء بعده مِن تلاميذِه بمِصر، أخصُّ بالذِّكرِ منهم مُريدَه (محمَّد عبده)، حيث سَنُّوا لمدرستِهم دستورًا مُستحدَثًا أُعطِي فيه سلاحُ العقلِ أكثرَ مِن حدِّه.\nفلقد أعلنَها (محمَّد عبدُه) صُراحًا مِن غير مواربةٍ بما كان يُشنِّعُ به أهلُ العلم قديمًا على أهل الكلامِ، من أنَّه: «إذا تَعارَضَ العقلُ والنَّقلُ، أُخِذَ بما دَلَّ عليه العَقل» (^١)؛ وبهذا أجهزوا على عدد غير قليل من النُّصوص الحديثيَّة، وضيَّقوا مِن حَيِّز الغَيْبيَّاتِ في أبوابِ الاعتقاد، وأنكروا ما تتَابع المسلمون على تصديقِه مِن جليلِ المُعجِزات (^٢).\nيقول (محمَّد عبده): «المُطالبةُ بالإيمانِ بالله ووحدانيتِه، لا يعتمد على شيءٍ سِوى الدَّليل العقليِّ، والفكر الإنسانيِّ، الَّذي يجري على نظامِه الفطريِّ، فلا يُدهشك بخارقٍ للعادة، ولا يَغشى بصَرَك بأطوارٍ غيرِ مُعتادةٍ، ولا يُخرس لسانَك بقارعةٍ سماويَّة، ولا يقطعُ حركةَ فِكرِك بصيحةٍ إلهيَّة» (^٣).\nفحول هذا المأخِذ الَّذي يقرره (عبدُه) قد دَنْدَنَ (حسن حنفي) كثيرًا في مؤلَّفاته، فتراه يضرِبُ في حديدٍ باردٍ حين يسألُ مُستنكِرًا: «هل تُؤدِّي المعجزةُ إلى تصديقِ الرَّسول؛ وهي برهانٌ خارِجيٌّ عن طريقِ القُدرة، وليس داخليًّا عن طريقِ اتِّفاقِها مع العقلِ، أو تَطابُقِها مع الواقع؟!» (^٤).\nوتماشيًا منهم مع هذه القناعة المجافية للتَّسليم الشَّرعي، ارتكبوا كلَّ عَسِرٍ لنفْيِ الآياتِ والبراهينِ الحِسِّية، ولَيِّ أعناقِ النُّصوص الَّتي تُثْبِتها؛ يظهر هذا أيضًا\n_________\n(^١) «الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية» لمحمد عبده (ص/٥٤ - ٥٩).\n(^٢) انظر «حوار هادئ مع الشيخ محمد الغزالي» لسلمان العودة (ص/١٠).\n(^٣) «الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية» (ص/٥٤ - ٥٩).\n(^٤) «من العقيدة إلى الثورة» لحسن حنفي (٤/ ٧٢).","vol":"1","page":347},{"text":"فيما اجتَرَحه (محمد عبُده) عند تناولِه للآياتِ الدالَّة على المُعجزات في تفسيره لبعضِ آيِ القرآن (^١)؛ وعلى نفس نهجه أعطَى كثيرٌ مِن أتباعِه لعقولهم حُريَّةً واسعةً أقربَ إلى التَّفلُّت، فتَأوَّلوا بعضَ الحقائق الشَّرعيَّة الَّتي جاءت بها نصوص الوَحيِ، عدولًا بها عن الحقيقةِ إلى المَجازِ أو التَّمثيلِ؛ وليس هناك ما يَدعو حقيقةً إلى هذا الموقف المُتكلَّف من نصوص الشَّرع إلَّا مُجرَّد الاستبعادِ والاستغراب، وسيأتي تفصيل الرَّد على هذه الشبهة في مطاوي هذا البحث.\n_________\n(^١) انظر - مثلا- «تفسير المنار» (١/ ٣٤٧) و(٣/ ٢١١).","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المَبحث الثَّاني\nأبرز شخصيَّات المدرسةِ العقليَّةِ الإسلاميَّةِ الحديثةِ</span>\nلئِن كان جمالٌ الأفغانيُّ المؤسِّسَ الرَّمزيَّ لهذه المدرسة بادئ أمرِها -كما أشرنا إليه آنفًا- وباعث الفكرة في رُوَّادِها، فإنَّ تلميذَه (محمَّد عبده) هو الَّذي أقام صروحَها وأجاد في الإقناع بها، فكان بحقٍّ صاحبَها وإمامَها الأوَّل، وله مِن الأثرِ على أتباعِها ما لم يكن لأستاذِه، نتيجةَ اختلافِ الوسائل الَّتي ارتضيَاها لبَثِّ أفكارهِم، وتنزيلِها على أرضِ الواقع.\nفبينما كان الأفغانيُّ منكبًّا على المجالِ السِّياسيِّ، يبتغي من خلاله نهضةً حضاريَّةً جديدة، مقتنعًا بعدم إمكان تغيير للواقعِ إلَّا بـ «ثورة سِياسيَّة» دندنَ حولها في عدَّةٍ من مَقالاتِه؛ كان تلميذه (عبدُه) يخالفه المَسلك، فيدعوه -مُتأدِّبًا- إلى سلوكِ طريقِ التَّعليمِ والدَّعوةِ والكِتابةِ لتحقيقِ ما يَصبوان إليه مِن إصلاحٍ حَضاريٍّ، إلى أن أعلنَ عيبَه عليه بعد موتِه انشغالَه المُبالَغَ «بأمورِ الحُكم والحُكَّام» (^١)، فصارَت له ردَّة فعلٍ تُجاه مسلكِه بالغَ فيها بدورِه (^٢)، وإن لم يَنجُ هو أيضًا مِن سُعار السِّياسة ومكر أربابها.\n_________\n(^١) انظر «تاريخ الأستاذ الإمام» لرشيد رضا (١/ ٤١٦ - ٤١٧، ٤٢٥).\n(^٢) كما تراه مثلًا في كتابه «الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية» لمحمد عبده (ص/١١١).","vol":"1","page":349},{"text":"يقول الحجويُّ الفاسيُّ: «الشَّيخ محمَّد عبدُه رجل أدَبٍ، وليس رجلَ حديثٍ وفقهٍ، وهو رجلُ زَعامةٍ في السِّياسة، نعترفُ بفضلِه على بلادِه ونَفْعِها، فيما سِوى الفَنَّيْن المَذكوريْن» (^١).\nولقد كان من عوامل انتشار أفكار (عبدُه) وتذليل مسلكه في الإصلاح ظروف سِياسيَّة وثقافيَّة خاصَّةٌ أحاطَت بالحالةِ الاجتماعيَّة في المَشرق العربيِّ آنذاك، فقد كان مُفتيَ الدِّيار المصريَّة، ومَن واجَه مُدراءَ جامعة الأزهرِ بضرورةِ إصلاح مَناهج التَّعليمِ فيها للارتقاءِ بشبيبةِ البلَد في سلالِم العلومِ ومُواكبة العصر.\nفلقد فسَحَ له المُحتَلُّ البريطانيُّ مجالًا واسعًا للتَّصدُّر في ذلك، فكُتِب لمواقِفه التَّجديديَّة القَبول عند شريحةٍ عَريضةٍ مِن طبقاتِ النَّاس على اختلافِ تخصُّصاتِهم، وأخذَ كُلُّ شَغوفٍ بالتَّغييرِ يَتبنَّاها في مَقالاتِه وكتاباتِه، ويُنافحون عن رِجالاتِ مَدرَستِه إلى اليوم.\nيَصِف المُستشرق الإنجليزي (جُب) هذا التَّأثير الخطيرَ لأفكارِ (محمَّد عبدُه) على السَّاحة الثَّقافية والفكريَّة وقته فيقول: «إنَّ عَظمةَ اسمِه قد ساهمَت في نشرِ أخبارٍ لم تكن تُنشَر مِن قبل! ثمَّ إنَّه قد أقامَ جِسرًا مِن فوق الهُوة السَّحيقةِ بين التَّعليم التقَّليدي، والتَّعليمِ العقليِّ المُستَورَد مِن أوربا، الأمر الَّذي مَهَّد للطَّالبِ المُسلمِ أن يَدرُس في الجامعاتِ الأوروبيَّة، دون خشيةٍ مِن مخالفةِ مُعتقدِه، وهكذا انفَرَجت مصرُ المسلمة بعد كبتٍ! فقد ساهمَ الشَّيخ محمَّد عبده أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخرَ في خلقِ اتِّجاهٍ أدبيٍّ جديدٍ، في إطارِ الرُّوح الإسلاميَّة» (^٢).\nويقول ألبرت حوراني (ت ١٤١٤ هـ) (^٣):\n«لقد تابعَ عَبدُه النَّهجَ الَّذي عهدناه لدى الطَّهطاوي وخير الدِّين والأفغانيِّ في التَّوحيد بين بعض المفاهيم التَّقليديَّة للفكر الإسلاميِّ، وبين الأفكار السَّائدة\n_________\n(^١) «الدفاع عن الصحيحين دفاع عن الإسلام» للحجوي (ص/١٠٩).\n(^٢) «الاتجاهات الحديثة في الإسلام» لجُب (ص/٧٠).\n(^٣) ألبرت حبيب حوراني: مؤرِّخ إنكليزي من أصل لبناني، متخصص في تاريخ العرب والشَّرق، من أشهر مؤلفاته: تاريخ الشعوب العربية، والفكر العربي في عصر النهضة.","vol":"1","page":350},{"text":"في أوربا الحديثة .. ولا شكَّ أنَّه كان من السَّهل باتِّباع هذا النَّهج تحويرُ -إن لم نقُل إبطال! - المعنى الدَّقيق للمفاهيم الإسلاميَّة، وتناسي ما يميِّز الإِسلام عن غيره من الأديان، لا بل عن النَّظرة الإنسانيَّة اللَّادينيَّة! وهذا ما تنبَّه له بقلقٍ نُقَّاده المحافظون ..\nلقد نوَى محمَّد عبدُه إقامةَ جدار ضدَّ العَلمانيَّة، فإذا به -في الحقيقة- يبني جسرًا تعبر العلمانيَّة عليه لتحتلَّ المواقع واحدًا بعد الآخر! وليس من الصُّدفة أن يَستخدم معتقداتَه فريقٌ من أتباعه في سبيل إقامة العَلمانيَّة الكاملة ..\nلقد رضي عبدُه بالتَّعاون مع البريطانيِّين -مع أنَّهم كانوا أجانب لا مسلمين- شرطَ أن يساعدوا في العمل من أجل التَّربية الوطنيَّة، وشرطَ أن يكون بقاؤهم مؤقَّتًا؛ وكان على صلةٍ طيِّبةٍ بـ (كرومِر) -المندوب البريطانيِّ على مصر- مع أنَّه لم يكن يحبُّ سائر الرَّسميِّين البريطانيِّين؛ فقد كتب (كرومر) عنه وعن رفاقه قائلًا: (بأنَّهم الخلفاء الطَّبيعيُّون للمُصلح الأوروبيِّ)! ولذلك أيَّده عندما أراد الخديوي عزلَه من منصب الفتوى» (^١).\nولقد أسالَ الحديثُ عن مدرسة عبدُه الحديثة -بمُؤسِّسِيها ومَناهجها- مِدادَ المَحابر سيْلَ العَرِم! لكثرةِ ما خَرَّجت مِن كُتَّابٍ وأدباء ومُفكِّرين، تركوا آثارًا بليغةً على السَّاحةِ العلميَّة والفكريَّة والثَّقافيَّة الإسلاميَّة المعاصرة؛ إمَّا تَتلمذوا على شيوخِها مواجهةً، أو عن طريقِ مُؤلَّفاتهم.\nكان مِن هؤلاءِ سِياسيُّون: كسعد زَغلول (ت ١٣٤٦ هـ) (^٢)، على زَيغِه بعدُ إلى العَلمانيَّة، واقترافِ بوائقَ في بعضِ مُمارَساتِها (^٣)؛ وكُتَّابٌ أدباء: كقاسم\n_________\n(^١) «الفكر العربي في عصر النهضة» لألبرت حوراني (ص/١٧٩، ١٩٥).\n(^٢) انظر ترجمته في «الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة» لمحمد كامل الفقي (٢/ ٥٠).\n(^٣) انظر شيئًا من ذلك في «رجال اختلف فيهم الرَّأي» لأنور الجندي (ص/٨).","vol":"1","page":351},{"text":"أمين (ت ١٣٦٢ هـ) (^١)، وعبد العزيز جاويش (ت ١٣٤٧ هـ) (^٢)، وأحمد أمين (ت ١٣٧٣ هـ) (^٣)،\nومحمَّد فريد وجدي (ت ١٣٧٣ هـ) (^٤)؛ وعلماءُ دينٍ مُبرَّزون: كمحمَّد رشيد رضا (^٥)، وأحمد مصطفى المَراغي (ت ١٣٧١ هـ) شيخ الأزهر (^٦) -وهما أقربُ تلاميذِ (محمَّد عبده) إليه- ومَن جاء بعدهما كمحمود شَلتوت (ت ١٣٨٣ هـ).\nثمَّ تبِع آثارَهم مِن بعدهم ثلَّة كبيرةٌ من الدُّعاة والمفكِّرين الإسلاميِّين ممَّن تَركوا بصمةً ظاهرةً لا تُنكَر على النَّاشئةِ العِلميَّة والدَّعويَّة في العقودِ الأخيرة، أعني منهم على سبيل المثال: أبو الأعلى المودوديُّ (ت ١٣٩٩ هـ) (^٧)، ومحمَّد\n_________\n(^١) قاسم بن محمد أمين المصري: كاتب باحث، كردي الأصل، اشتُهر بمناصرته للمرأة، أكمل دراسة الحقوق في فرنسا، وعاد إلى مصر سنة (١٨٨٥ م) فكان وكيلًا للنائب العمومي بالمحكمة المختلطة، فمستشارا بمحكمة الاستئناف، له «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»،وكان لصدورهما دَويٌّ، انظر الأعلام للزركلي (٥/ ١٨٤).\n(^٢) عَبْد العَزِيز جاوِيش: مِن رجال الحركة الوطنيَّة بمصر، تونسيُّ الأصل، وُلد بالإسكندرية، وتعلم بالأزهر ودار العلوم، واختير أستاذا للأدب العربيِّ في جامعة (كمبردج)، وعاد إلى مصر، فاشتغل مدرسا، فمفُتشا للغة العربية في مدارس الحكومة، ثمَّ رحل إلى الآستانة، فأصدر جريدة «الهلال» فمجلة «الهداية»، ثم مجلة «العالم الإسلامي»، وأرسلته الحكومة العثمانيَّة في خلال العالميَّة الأولى إلى برلين للدِّعاية، ودخل مصر خلسة بعد الحرب، فعُين مراقبًا عاما للتَّعليم الأولى، وشارك في إنشاء جمعية الشُّبان المسلمين، وهي نواة جماعة الإخوان المسلمين.\n(^٣) ستأتي ترجمته في مبحثٍ مُستقل ..\n(^٤) محمد فريد بن مصطفى وجدي: من الكتاب المصريين المشهورين، نشر كتابه «دائرة معارف القرن الرابع عشر، العشرين» في أجزاء متتابعة اكتملت في عشرة مجلدات، وعكف على المطالعة والتأليف، فنشر من كتبه «ما وراء المادة» في جزءين، و«صفوة العرفان» وهو تفسير موجز للقرآن، و«الحديقة الفكرية في إثبات وجود الله بالبراهين الطبيعية»، و«المرأة المسلمة» في الردِّ على «المرأة الجديدة» لقاسم أمين، انظر «الأعلام» (٦/ ٣٢٩).\n(^٥) ستأتي ترجمته في مبحثٍ مُستقل.\n(^٦) أحمد بن مصطفى المراغي: مفسِّر مصري من العلماء، تخرَّج في دار العلوم، ثم كان مدرِّس الشَّريعة بها، وعُيِّن أستاذًا للعربية والشريعة الإسلامية بكليَّة (غوردون) بالخرطوم، وتوفي بالقاهرة، له من الكتب: «الحسبة في الإسلام»، و«تفسير المراغي»، انظر «الأعلام» (١/ ٢٥٨)\n(^٧) أبو الأعلى بن سيد أحمد حسن المودودي: وُلد بحيدر آباد بالهند، وكان أبوه مُعلِّمَه الأوَّل، وقد حرص أبوه على تنشئَته تنشِئةً دينية، وأقبل المودوديُّ على التَّعليم بجدِّ واهتمام حتى اجتاز امتحان مولوي، وهو ما يعادل الإجازة الجامعيَّة؛ أصدر جريدة «المسلم» باسم جمعية علماء الهند، وألَّف كثيرًا من الكتب، منها كتابه «الجهاد في الإسلام» الذي حقَّق شهرةً عالميةً، وقد كتبه ردًّا على مزاعم غاندي الَّتي يدَّعي فيها أنَّ الإسلام انتشر بحدِّ السَّيف؛ وكان أسَّس الجماعة الإسلامية في لاهور، وتمَّ انتخابه أميرًا لها في (١٣٦٠ هـ)، انظر ترجمته الموسعة في «أبو الأعلى المودوي، حياته وفكره العقديُّ» لحمد الجمال (طبعُ دار المدني - جدة، ١٤٠١ هـ).","vol":"1","page":352},{"text":"الغزالي (ت ١٤١٦ هـ)، وحسن التُّرابي (ت ١٤٣٧ هـ)، وحسين بن أحمد أمين (ت ١٤٣٥ هـ)، والكاتب الصُّحفيِّ فهمي هويدي، في آخرين يَطول استيعابُهم.\nحتَّى كُتَّاب الإماميَّة أنفسهم تأثَّر بعضهم بهذه المدرسة في نقد السُّنة، يصرِّح بهذا أحدُ باحثِيهم فيقول: «نحن نجِدُ أنَّ مساهماتِ الكاتبِ محمود أبو ريَّة، والأستاذ محمد أمين، والشَّيخ محمَّد رشيد رضا، والإمام محمَّد عبدُه، وصولًا إلى العصر الحاضرِ، كانت ظاهرةً في التَّجربة النَّقدية الإماميَّة! فقد فَتَحت هذه المساهمات النَّقدية البابَ أمامَ النَّاقد الإماميِّ، للعثورِ على مزيدٍ مِن المشاكلِ في الصَّحيحين وغيرهِما» (^١).\nومِن الجديرِ هنا استصحابه قبل ختم هذا المَبحث في الكلامِ عن المُنتسِبين إلى هذا التَّيار الإصلاحيِّ العقلانيِّ، أنَّهم على غير درجةٍ واحدةٍ في نَظْرِتهم العقليَّةِ إلى نصوصِ الشَّريعة وأحكامِها، فإنَّك تَجِدُ منهم مَن يَغلو في مناطحةِ النُّصوصِ، والسَّعيِ في تبديلِ الشَّرائعِ باسمِ التَّجديدِ والنَّظرِ المقاصِدِي، لا تكاد تُفرِّق بينه وبين مُنظِّرٍ عَلمانيِّ في كثيرٍ مِن أفكارهم الأساسة.\nومنهم مَن تصدُر منه تلك التَّمعقُلات على النُّصوص أحيانًا، على وجهٍ يُنبي عن تأثُّرِه نوعًا ما بهذا المنهجِ العقليِّ في نظره إلى النَّصوصِ، وهو أقربُ إلى نهج المُحافِظين على طريقة السَّلَف في ذلك.\n_________\n(^١) بحث بعنوان: «الإماميّة والموقف من صحيحي البخاري ومسلم»، لحيدر حبُّ الله، وهو باحث إماميٌّ معاصر، صاحبُ كتاب «المدخل إلى موسوعة الحديث النَّبوي عند الإماميَّة»، منشور بحثه هذا في مَوقعه الرَّسميِّ على الشَّبكة العالميَّة، بتاريخ ١٠ - ٧ - ٢٠١٤.","vol":"1","page":353},{"text":"لهذا تجدني -أيَّها القارئ الكريم- مُتردِّدًا في إدخالِ بعضِ مَشاهير الفِكر مِن المُعاصرين في هذا التَّيار العقلانيِّ أو مَيْزِه عنه، حسب تقيِيمي لمُجمَل تَقريراتِه الَّتي تصدر عنه، إلى أيِّ التَّيارات الفِكريَّة هو أقرب، وفي أيِّ درجةٍ مِن درجاتِ العقلانيَّة نفسِها يوضَع.\nوالله المُوفِّق للصَّواب.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المَبحث الثَّالث\nتأثُّر المدرسة العَقلانيَّة الإصلاحيَّة بالفكرِ الاعتزاليِّ\nفي نظرتها إلى النُّصوص</span>\nتأثَّرت هذه المدرسة الإصلاحيَّة المُستحدَثة -بقدرٍ ما- بأصول المدرسة الاعتزاليَّة القديمة في منهجِ الاستدلال، بل استطاعَت أن تخرِّجَ أفرادًا أشبه بمُعتزلةِ القرونِ الأولى! مُكْبِرين للعقل على حسابِ الثَّابتِ من النُّصوص، مُقدِّمين لِما يرونَه عقلًا عند بدوِّ التَّعارضٍ، مُستبيحِين لحِمى العقائدِ الغَيبِيَّة بتَصورَّاتٍ عقليَّةٍ مَحضةٍ؛ وُجِد فيهم من يسلم من لمزِ علماءِ السَّلف وأهلِ الحديثِ، أو التَّهكُّمِ بأقوالِهم، ورَميِهم بالحَشويَّةِ ونحو ذلك من الألقاب المُنفِّرة، دون اكتراثٍ منهم بما يَنقله العلماء مِن إجماعاتِ في المَواضيع الَّتي يشذُّون فيها.\nمع التَّنبيه على اختلافِ مَراتب كِلا هاتين المدرستين في التزامِ أصلِ هذا التَّحكيم العقليِّ، والَّتفاوات الحاصل بينهم مِن حيث تعميمُه على مَسائل الدِّين.\nوفي تقريرِ هذا التَّأثير الاعتزاليِّ في أرباب هذا التَّيار العقلانيِّ الحديث، يقول أحد المُعجبين بهم (محمَّد حمزة):\n«إنَّ النَّزعة العقليَّة الَّتي تحمَّس لها مُفكِّرون عديدون، كمحمَّد عبدُه، وعلي عبد الرَّزاق، وأحمد أمين، ومحمود أبو ريَّة، وَجَدَت في مَبادئ المعتزلةِ ونزعَتِها العقليَّة تعبيرًا صادقًا عن طموحاتِها، فكان الاحتفاءُ بمَبادِئها -وخاصَّةً في فترةِ ما بين الحربَيْن- استعادةً جديدةً، ومحاولةَ إحياءِ العقلانيَّة العربيَّة القديمة ..","vol":"1","page":355},{"text":"ومثلما وَجَد هؤلاء المُفكِّرون في مَبادئ المعتزلة ما يتَناغم مع دعوتهم التحديثيَّة، فإنَّ موقف المعتزلة مِن الأدلَّة النَّقليَّة عمومًا، والحديث النَّبوي بصفةٍ أخص، كان ممَّا يُلائم أفكارَهم» (^١).\nومن أخطر ما نالته أنفاسُ الاعتزالِ في هذا التَّيار الحديث مصادرُ التَّلقي الشَّرعي نفسِها، حيث أقرُّوا بظنيَّةِ الآحادِ مطلقًا ومنعِ الاحتجاجِ بها في العقائدِ (^٢)، بل غَلا بعضهم فسَلبَ الحُجيَّة منها في الأحكام، واقتصَرَ آخرونَ على المنعِ في المسائلِ الفرعيَّةِ الكُبرى كالحدودِ (^٣).\nيُلخِّص لنا (محمَّد حسين الذَّهبي) جملةً مِن هذه المآخذاتِ المنهجيَّة على المدرسةِ العقليَّة الحديثة، فيقول:\n«إنَّها بسببِ هذه الحُريَّة العقليَّة الواسعةِ جارَت المعتزلةَ في بعض تعاليمِها وعقائدِها، وحَمَّلت بعضَ ألفاظِ القرآن مِن المعاني ما لم يكُن مَعهودًا عند العَرَب في زمنِ نزولِ القرآن، وطَعَنت في بعضِ الأحاديث: تارةً بالضَّعفِ، وتارةً بالوضعِ، مع أنَّها أحاديثُ صحيحةٌ، رواها البخاريُّ ومسلم، وهما أصَحُّ الكتبِ بعد كتاب الله تعالى بإجماعِ أهل العلم، كما أنَّها لم تَأخذ بأحاديثِ الآحادِ الصَّحيحةِ الثَّابتةِ في كلِّ ما هو مِن قبيل العقائد، أو مِن قَبيل السَّمعيات، مع أن أحاديث الآحاد في هذا الباب كثيرةٌ لا يُستهان بها» (^٤).\nولعلَّ ما يوضِّح هذا التَّأثُّر والتَّشابه بين نَهجِ المدرسةِ الإصلاحيَّة العقلانيَّة الحديثة وبين نهجِ أربابِ الاعتزال: ما نسمعه بين الفَينة والأخرى مِن إشادةِ كثيرٍ مِن المعاصرين بالمُعتزلةِ ومُصنَّفاتهم، حتَّى اعتبر بعضُهم سقوطَهم التَّاريخيَّ في\n_________\n(^١) «الحديث النَّبوي ومكانته في الفكر الإسلامي المعاصر» (ص/٣٣٤)\n(^٢) وإن استثنى بعضهم ما أسماه فروعَ العقيدة بشرط الإمكان العقليِّ، انظر «المرجعية العليا في الإسلام للكتاب والسنة» لـ د. القرضاوي (ص/١١١ - ١١٢).\n(^٣) انظر أمثلة ذلك في «موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي» لسعد العتيبي (ص/٢١٦).\n(^٤) «التفسير والمفسرون» لـ د. الذهبي (٢/ ٤٠٣).","vol":"1","page":356},{"text":"مُواجهتِهم لأهل السُّنة، واندثارَ تكتُّلِهم المَذهبيِّ بعد ذلك: نكسةً تاريخيَّة كبيرةً، وضررًا بالإسلام المُنفَتح، بل عاملًا في تخلُّف المسلمين إلى اليومِ!\nمنهم (أحمد أمين) (^١) أحدُ الرُّموز المُبكِّرة لهذه المدرسةِ المُعاصرة، حيث يقول:\n«لمَّا ذَهَب ضوءُ المعتزلةِ، وقعَ النَّاس تحت سلطانِ المُحدِّثين وأمثالهم مِن الفقهاء .. فكانت النَّتيجة جمودًا بحتًا! .. فلمَّا ضَعُف شأن المعتزلة بعد المِحنة، ظلَّ المسلمون تحت تأثيرِ حزب المُحافظين نحوًا مِن ألفِ سنةٍ، حتَّى جاءت النَّهضة الحديثة، وفي الواقع: إنَّ فيها لونًا مِن ألوانِ الاعتزال، ففيها الشَّك والتَّجربة، وهما مَنهجانِ مِن مناهج الاعتزال -كما رأيتَ في النَّظام والجاحظِ- وفيهما الإيمان بسُلطةِ العقل .. ففي رأيي أنَّ مِن أكبر مَصائبِ المسلمين موتُ المعتزلة، وعلى أنفسِهم جَنوا! ..» (^٢).\n_________\n(^١) أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ: عالم بالأدب، غزير الاطلاع على التاريخ، من كبار الكتاب. اشتهر باسمه (أحمد أمين) وضاعت نسبته الى (الطباخ)، مولده ووفاته بالقاهرة، من مؤلفاته «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام» و«ظهر الإسلام»، انظر «الأعلام» للزركلي (١/ ١٠١).\n(^٢) «ضحى الإسلام» (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤).","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المَبحث الرَّابع\nمُدافعة أهلِ العلمِ والفكرِ لمَدِّ أفكارِ المدرسة العقلانيَّة المعاصرة</span>\nفلأجلِ ما في هذا التِّيار العقلانيِّ الإصلاحيِّ الجديد مِن انحرافات مَنهجيَّةٍ غير هَيِّنة، انْبَرَى ثلَّةٌ مِن أهلِ الفكرِ في مِصرَ وغيرِها للردِّ على آراءِ رُؤوسِه، وظَهَرت الشِّدة مِن بعضِهم في التَّشنيعِ على (الأفغانيَّ) و(محمَّد عبده)، كان منهم:\nمُعاصِرُهما (محمَّد الجنبيهيُّ) (^١) وقد زامل عبده في الأزهر، حيث اشتد عليه وعلى شيخه الأفغاني خصوصًا، وذكر انحرافه عن أبواب من الأحاديث القدسية وتشرُّبه بالمنهج الطبيعي (^٢).\nومثلهُ (مصطفى صبري) (^٣)، شيخ الإسلام في الدَّولة العثمانيَّة، حيث رَدَّ\n_________\n(^١) محمد بن أحمد بن محمد عُليش: ليبيُّ الأصل، من أهل طرابلس الغَرب، وُلد بالقاهرة وتعلَّم في الأزهر، وولي مشيخة المالكيَّة فيه، ولما كانت ثورة عُرابي باشا اتُّهم بمُوالاتها، فألقي في سجن المستشفى وهو مريض، فتوفِّي فيه بالقاهرة سنة (١٨٨٢ م)، من تصانيفه «فتح العليّ المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، انظر «الأعلام» (٦/ ١٩).\n(^٢) انظر كتابه بلايا بوزا (ص ٣٨، ١١٨ - ١١٩).\n(^٣) مصطفى صبري: فقيه باحث من علماء الحنفيَّة، تركي الأصل والمولد والمنشأ، تَولَّى مَشيخة الإسلام في الدولة العثمانيَّة، وقاوم الحركة (الكماليَّة) بعد الحرب العالميَّة الأولى، وهاجر إلى مصر بأسرته وأولاده سنة (١٩٢٢ م)، فألَّف كتبا بالعربيَّة، أشهرها «موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين»، توفي بالقاهرة سنة (١٩٥٤ م)، انظر «الأعلام» (٧/ ٢٣٦).","vol":"1","page":358},{"text":"على بعض مَقالاتِهما، وشَبَّهَهما بـ «لُوثِر» مُحْدِثِ البروتِسْتانتيَّة في النَّصرانيَّة! (^١)\nوجاء بعده (يوسف الدِّجْوي) (^٢)، ليُخصِّص في الرَّد على (رشيد رضا) سِفرًا ناريًّا أسماه «صواعق من نار، على صاحب المنار»، تتبَّع فيه أشهر زلقاته في كتابه التَّفسير.\nوبعدهم من بلاد المغرب يؤلِّف (عبد الرَّحمن النَّتيفي الجعفريُّ) (^٣) رسالةً صغيرة أسماها «الأبحاث البَيْضا، مع الشَّيْخين عبدُه ورشيد رِضا»، ناقشَ فيها رشيدًا في خمسِ مسائلَ أودَعَها تفسيرَه انتصَرَ فيها لشَيْخِه عبدُه، تحوي تأويلاتٍ مُتعَسِّفةً لبعضِ الآياتِ، ورَدًّا لبعضِ الأحاديث (^٤).\nبل هذا (سيِّد قطب) (^٥) مُتذمِّرًا مِن تمعْقُلاتِ (عبده) وتلميذِه، ينبِّهُ قارئَ\n_________\n(^١) انظر «موقف العقل والعلم والعالم من رب العلمين» لمصطفى صبري (١/ ١٤٤).\n(^٢) يوسف بن أحمد بن نصر الدجوي: مدرس من علماء الأزهر، ضرير من فقهاء المالكية، ولد في قرية دِجوة من أعمال القليوبية. وكف بصره في طفولته، وتعلم بالأزهر (١٣٠١ - ١٣١٧ هـ) له كتب، منها: «تنبيه المؤمنين لمحاسن الدين»، و«الجواب المنيف في الرد على مدَّعي التحريف في الكتاب الشريف»، و«الرد على كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرزاق»، توفي سنة ١٣٦٥ هـ ١٩٤٦ م، انظر الأعلام» للزركلي (٨/ ٢١٦).\n(^٣) عبد الرحمن بن محمد النتيفي: فقيه نظَّار، ينتسب إلى (انتيفة) قبيلة أطلسيَّة من القبائل المطلة على سهل تادلا وسطَ المغرب، ينتهي نسبه الشَّريف إلى جعفر بن أبي طالب، وَصَفه حافظ المغرب وقتها بو شعيب الدُّكالي بأنَّه «علَّامة ألمعي، وذكي حافظ لوذعي»، ألَّف أزيد من سبعين مؤلفًا، مُعظمها في نصرة ما يراه حقًّا في السُّنة، منها «نظر الأكياس في الردِّ على جهمية البيضاء وفاس»، و«الإرشاد والتبيين في البحث مع شُراح المرشد المعين»، توفِّي سنة (١٣٨٥ هـ ١٩٦٦ م) بالدار البيضاء، انظر ترجمته في مقدمة تحقيق كتابه «حكم السنة والكتاب» (ص/٩) دار الجيل، ط ٢، ١٤٣١ هـ\n(^٤) الكتاب لا يزال مشروعًا للطَّبع بعناية د. حميد عقرة، إلى ساعَتي كتابتي لهذه الحروف.\n(^٥) سيد قطب بن إبراهيم: مفكر إسلامي مصري، من مواليد قرية (موشا) في أسيوط، تخرج بكلية دار العلوم (بالقاهرة) سنة ١٣٥٣ هـ ١٩٣٤ م، وعمل في جريدة الأهرام، وكتب في مجلتي (الرسالة) و(الثقافة)، وعُين مدرسا للعربية، فموظفا في ديوان وزارة المعارف؛ انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، فترأس قسم نشر الدعوة، وتولى تحرير جريدتهم (١٩٥٣ م)، وسجن معهم، فعكف على تأليف الكتب ونشرها وهو في سجنه، إلى أن صدر الأمر بإعدامه.\nوكتبه كثيرة مطبوعة متداولة، منها: (النقد الأدبي، أصوله ومناهجه)، و(العدالة الاجتماعية في الإسلام)، و(التصوير الفني في القرآن)، و(الإسلام ومشكلات الحضارة)، و(السلام العالمي والإسلام)، و(المستقبل لهذا الدين)، و(في ظلال القرآن)، و(معالم في الطريق)، توفي سنة (١٩٦٧ م)، انظر «الأعلام» للزركلي (٣/ ١٤٧).","vol":"1","page":359},{"text":"تفسيرِ ظلالِه لسورة الفيل، إلى أنَّ نِيَّة الرَّجُلين في الذَّبِ عن الدِّين لا تَشفعُ لقبولِ ما أفسَداه مِن منهجِ التَّسليم لنصوصِ الوَحيِ، فيقول:\n«.. مُواجهةُ ضغطِ الخُرافةِ مِن جِهة، وضغطِ الفتنةِ بالعلمِ مِن جهةٍ أخرى: تَرَكت آثارَها في تلك المدرسةِ مِن المُبالغةِ في الاحتياطِ، والمَيلِ إلى جعلِ مَألوفِ السُّنَن الكونيَّة هو القاعدة الكُليَّة لسُنةِ الله، فشاعَ في تفسيرِ الأستاذِ الشَّيخ محمَّد عبده - كما شاعَ في تفسيرِ تلميذَيْه: الأستاذ الشَّيخ رشيد رضا، والأستاذ الشَّيخ عبد القادر المغربي -﵏ جميعًا- شاعَ في هذا التَّفسيرِ الرَّغبةُ الواضحةُ في ردِّ الكثيرِ مِن الخَوارقِ إلى مَألوفِ سُنة الله دون الخارق منها، وإلى تأويلِ بعضِها، بحيث يُلائم ما يُسمُّونه (المعقول)! وإلى الحَذرِ والاحتراسِ الشَّديدِ في تَقبُّل الغَيبيَّات».\nثمَّ يقول: «.. ومع إدراكِنا وتَقديرِنا للعواملِ البِيئيَّة الدَّافعة لمثلِ هذا الاتِّجاه، فإنَّنا نلاحظ عنصرَ المُبالغة فيه، وإغفالَ الجانبِ الآخر للتَّصورِ القرآنيِّ الكامل، وهو طلاقةُ مَشيئة الله وقدرتِه مِن وراء السُّنَن الَّتي اختارها -سواء المَألوف منها للبَشر، أو غير المَألوف- هذه الطَّلاقة الَّتي لا تجعلُ العقلَ البَشريَّ هو الحاكمَ الأخير، ولا تجعل معقولَ هذا العقلِ هو مَردَّ كلِّ أمرٍ، بحيث يتحتَّم تأويلُ ما لا يوافقه، كما يتكرَّر هذا القول في تفسيرِ أعلامِ هذه المدرسة» (^١).\nحتَّى مَن كان مِن الفقهاء مَحسوبًا على السَّلفيَّة الإصلاحيَّة، لم يترك العلماء الرَّد عليه إن أبْدَى زللًا في موقفِه مِن النُّصوصِ يَرَونه تابَع فيها عبدُه أو تلميذه؛ كحالِ ابن العربي العَلويِّ الفاسيِّ (ت ١٣٨٤ هـ) (^٢) حين حلَّ بمُرَّاكش مرَّةً، حدَّث\n_________\n(^١) «في ظلال القرآن» (٦/ ٣٩٧٨).\n(^٢) محمد بن العربي العلوي المدغري الحَسَني: فقيه علَّامة، نَشَأ في أوَّلِه مُتصوِّفًا على الطَّريقة التِّجانيَّة، ثمَّ رجع عن ذلك، واصبغ بالسَّلفيَّة بعد أن لقِيَ شيخَه بو شعيب الدُّكالي قافلًا من المشرق، درَّس في جامع القرويِّين بفاس، مُنافحًا عن مذهبه الجديد في محاربة البدع، فكانت لدعوته أثر بليغ وقته في المغرب، وأفتى بعض مُخالفيه من أرباب الأضرحة بكُفره، ثمَّ ترَّقى في المناصب حتَّى صار وزيرًا للعدليَّة، وصار يُلقَّب من مُحبِّيه بشيخ الإسلام، وكان السَّبب في توبةِ تلميذه محمد تقي الدِّين الهلالي من الطَّريقة التِّجانيَّة، توفي (١٣٨٤ هـ ١٩٦٤ م)، انظر ترجمته في «سَل النِّصال» لابن سودة (ص/١٩٥).","vol":"1","page":360},{"text":"بعضَ أعيانِها بنُكرانِ حديثِ لطمِ موسى ﵇ لمَلَك الموت، وحَكَمَ عليه بالوَضع، فـ «وَقَع له مثل ما وَقَع لرشيد رضا في حديث سجودِ الشَّمس تحت العرش، وما وَقع لعَبدُه في حديثِ سحرِ اليهودِ للنَّبي ﷺ، وهما في نَظَرِه الأستاذان الإمامان العظيمان اللَّذان تجاوزا القنطرة!» (^١).\nفلم يَسكُت له أقرانُه من علماءِ المغرب وقتها، حتَّى تَصَدَّا للرَّدِ عليه في إنكراه (محمَّد بن الحسَن الحَجْوي) (^٢) في كتابه «الدِّفاع عن الصَّحيحين دفاع عن الإسلام»، ومحمَّد بن أحمد العَلوي الإسماعيليُّ (^٣) في كتابه «توضيح طُرق الرَّشاد، لحسمِ مادَّة الإلحاد» (^٤).\nفلقد كان مِن كريمِ فضل الله تعالى على هذه الأمَّة، أن سَخَّر مثل هؤلاء الثُلَّة مِن أهل العلمِ الَّذين استطاعوا بنَقداتِهم لأفكارِ هذا التَّيار أن يحسُروا تَمدُّدَه -ولو قليلًا- في بقاعٍ كثيرةٍ مِن العالمِ الإسلاميِّ، بحُكمِ بقايا الثِّقة في نفوسِ\n_________\n(^١) «مشيخة الإلْغِيِّين» لمحمد المختار السُّوسي (ص/٢١٠).\n(^٢) محمد بن الحسن بن العربي الحجوي الثَّعالبي الجعفري الفلالي: فاسيٌّ من فقهاء المالكية السَّلفية في المغرب، دَرَس ودَرَّس في القرويِّين، وأُسندت إليه سفارة المغرب في الجزائر، وولي وزارة العدل فوزارة المعارف في عهد الاحتلال الفرنسيِّ، وبسبب تماهيه مع تنصيب ابن عَرَفة ملكًا للمغرب بدَلَ محمَّد الخامس، نَفَر منه كبار مُواطنيه وهَجَروه، ثمَّ عُزل بعد رجوع محمَّد الخامس، وتُوفيَّ بالرباط سنة (ت ١٣٧٦)، ولم يُصلَّ عليه! حتَّى نقلت الحكومة المغربيَّة في عهد الاستقلال تُربتَه إلى مكان مجهول، له كُتب مَطبوعة مُفيدة، أجَلُّها «الفكر السَّامي في تاريخ الفقه الإسلامي»، انظر ترجمته في «إتحاف المُالع» لابن سودة (٢/ ٥٦٠)، و«الأعلام» للزركلي (٦/ ٩٦).\n(^٣) محمد بن أحمد بن إدريس بن الشَّريف العلوي الإسماعيلي: من فقهاء المالكيَّة، تولَّى القضاء عدة مرات بمكناس وفاس وغيرهما من حواضر المغرب، من تصانيفه: «إتحاف النُّبهاء الأكياس بتحرير فائدة مناقشة الأوصياء»، و«تقييد على أوائل شرح البخاري»، توفي (ت ١٣٦٧ هـ)، انظر ترجمته في «سلُّ النِّصال» لابن سودة (ص/١٣٠).\n(^٤) وكلا الكتابين طُبِعا في دار ابن حزم ببيروت، في نشرة واحدة، سنة ١٤٢٤ هـ ٢٠٠٤ م، بتحقيق د. محمد بن عزوز.","vol":"1","page":361},{"text":"النَّاس تُجاه فُقهائِهم، فيَكسروا مِن حِدَّة اندِفاعهم في نقض كثير من الأصول والنُّصوص الشَّرعية.\nالأمر الَّذي أحدث في نفس المستشرقِ «هامِلتون جُب» حسرةً على انحباس مفعول هذه المدرسة وفواتِ أغراضِهم مِن انكماشِها، كما تراه في قوله: «لسوءِ الحظِّ: ظلَّ قسم كبيرٌ من المسلمين المحافظين .. لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحيَّة، وينظرون إلى الحركة الَّتي تزعَّمتها مدرسة محمَّد عبده بمصرَ نظرةً كلُّها ريبة وسوء ظنٍّ! لا تقِلُّ عن ريبتِهم في الثَّقافةِ الأوربيَّة نفسِها!» (^١).\nلكنِّي مع ذلك أقول: ليتَ العلماءَ المحافظين وقتَها -وبعدها- اعتبرُوا الباعثَ لهذا التَّيار الإصلاحيَّ في الظُّهور، وما اكتنفته مَقالاتُهم مِن أفكار بديعةٍ نافعة، فيبْنُوا علي مِهادها مَشاريع إصلاحيَّة مُنَقَّحة، تَستفيدُ مِن اجتهاداتِ هذه المدرسة الرَّائدة إلى النَّهضة، وتَتَفادَى ما زَلَّت فيه مِن بعضِ مُخالفاتٍ لأصولٍ شرعيَّة.\nفيكونوا بهذا قد خَدموا أمَّتَهم الخِدمة الَّتي يهفون إليها على وجهٍ أكملَ، بدَلَ قَصرِ الجهودِ -كما نراه اليوم- على مُجرَّد رُدودٍ لا تُعطي في ذاتها حَلًّا بديلًا لِما يعيشُه المسلمون -حُكَّامًا ومَحكومين- مِن إكراهاتٍ في واقعِهم.\nوالحمد لله على حِكمتِه في قضائِه وقَدَره.\n_________\n(^١) «إلى أين يتَّجه الإسلام» لجُب (ص/٦٩)، نقلًا عن «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر» لمحمد محمد حسين (ص/٢١٣).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المَبحث الخامس\nمَوقف التَّيار العقلانيِّ الإسلاميِّ مِن «الصَّحيحين» عمومًا</span>\nسَبَق أنْ عَرضنا الأصلَ العقليَّ العامَّ الَّذي يعتمَدُ عليه مثل هذا التَّيار الفكريِّ في نظرِه إلى النُّصوص الشَّرعيَّة، ومنها الأحاديث النَّبويَّة، وإفراط كثير من أربابِه في استعمالِ النَّظرِ العقليِّ المحض في ردِّ صِحاحِ الأخبار، حتَّى عُدُّوا -بحقٍّ- أوَّلَ مَن تورَّطَ مِن المُعاصرين في مَهاوي هذه المهْلَكة.\nيقول محمَّد حمزة: «يُمكن اعتبارُ الشَّيخ محمد عبدُه، أوَّلَ مسلمٍ مُعاصرٍ تجرَّأَ على رفضِ حديثٍ أورَدَه البخاريُّ، حين رَفَض حديثَ سحرِ بعضِهم للنَّبي ﷺ ..» (^١).\nويقول: «محمَّد رشيد رضا كان بحقٍّ مِن أوائِل المُفكِّرين في بداية هذا القرن، الَّذين نَبَّهوا إلى ما اعترى منهجَ المُحَدِّثين القُدامى مِن خللٍ، حين رَكَّزوا نقدَهم على السَّندِ دون المتن» (^٢).\nوالتَّفاوتُ حاصلٌ بين أفراد هذا التَّيار في نظرتهم للمرويَّات:\nففيهم المُسرِف في ردِّ كلِّ ما لا يَروق له مِن آحادٍ، وهو يدعو إلى إعادةِ النَّظر فيما فَرَغَت الأمَّة مِن تمحيصِه واختبارِه مِن مَناهج التَّوثيقِ، والتَّعويل على العقلِ في غربلةِ التُّراث بأصولِه وفروعِه.\n_________\n(^١) «الحديث النبوي» (ص/٢٢٢ - ٢٢٣).\n(^٢) «الحديث النبوي» (ص/٢١١).","vol":"1","page":363},{"text":"ترى مثالَ هذا الانقلاب الفكريِّ في قولِ (حسنِ التُّرابيِّ): «لا بُدَّ لنا أن نعيدَ النَّظرَ في الضَّوابطِ الَّتي وَضَعها البخاريُّ، فليسَ هناك داعٍ لهذه الثِّقة المُفرطة في البخاريِّ!» (^١).\nومن قبله (أحمد أمين)، كان يَميل إلى موقفِ المُعتزلةِ في حاكميَّة العقولِ في ميدان الأخبار، وضرورةِ إخضاعِ الأحاديث لمُقتضَياتِ التَّجربة العمليَّة، وأنْ ليس لأيِّ مُدوَّنةٍ حديثيَّةٍ حُرمة توجِب إسقاطَ مُخرجات تلك العلوم عليها، ولو كانت «الصَّحيحين»، حيث توهَّم انصراف المُحدِّثينَ إلى نقد الأسانيد دون المتون.\nفادَّعى (أحمد أمين) أنَّه لم يظفَر منهم في هذا الباب بعُشر مِعشارِ ما عُنوا به مِن جرح الرِّجال وتعديلِهم؛ فكان يقول: «.. نَرى البخاريَّ نفسَه -على جليلِ قدرِه، ودقيق بحثِه- يُثبت أحاديثَ دَلَّت الحوادث الزَّمنيَّة، والمُشاهدة التَّجريبيَّة، على أنَّها غير صحيحة، لاقتصارِه على نقدِ الرِّجال» (^٢).\nفلو أنَّ البخاريَّ وأهلِ الحديثِ انصَّبَت عِنايتُهم إلى انتقادِ المتون، لانكشَفت -كما يزعم- أحاديثُ كثيرة تُبيِّن وضعَها، كأحاديثِ الفضائلِ في مدحِ الأشخاصِ، والقبائلِ، والأمكنةِ (^٣).\nومن أولئك بالمُقابل: مَن يُعظِّم جانبَ السُّنَن المَنقولة، ويُقدِّمها على كلِّ دليلٍ سِوى كتاب الله، بل كثيرًا ما تراه مُحتاطًا في تأويلِها، لكنَّه يَعثرُ في فخِّ التَّمعقل عليها في مَواطن مِن مُؤلَّفاته ومَقالاتِه، مِن غير مُستندٍ شَرعيٍّ واضح، ولا قدوةٍ مِن سَلفٍ صالح.\nأقال الله عثرَتهم أبتعين، وغَفَر لنا ولهم أجمعين.\n_________\n(^١) نقلًا عن «مناقشة هادئة لبعض أفكار الترابي» للأمين محمد أحمد (ص/٧٩).\n(^٢) «فجر الإسلام» (ص/٢١٠).\n(^٣) «ضحى الإسلام» (٢/ ١٣٢).","vol":"1","page":364},{"text":"وسُنقِّدم في المباحث التَّالية المَواقفَ التَّفصيليَّة لأشهرِ رجالاتِ هذا التَّيار مِمَّن خَصَّصوا مُؤلَّفاتٍ مُستقلَّةً في نقدِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، أو تكلَّموا في جملةٍ من ذلك واشتهرَ كلامُهم فيها، من غيرِ أن يكون ذلك مَجموعًا في مُصنِّف خاصٍّ بهما.\nفنبدأ بأعلمِهم في ذلك، وأبرزِهم شُهرةً في الأوساطِ العلميَّة، مِمَّن ساهَم في تشكُّلاتِ هذه المدرسةِ العقلانيَّة الإصلاحيَّة، فنقول:","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المَبحث السَّادس\nأبرز رجالات التَّيار الإسلامي العقلانيِّ مِمَّن توجَّه إلى أحاديث «الصَّحيحين» بالنَّقد</span>","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المَطلب الأوَّل\nمحمَّد رشيد رضا (ت ١٣٥٤ هـ) (^١)، وموقفه مِن «الصَّحيحين»</span>\nالفرع الأوَّل: لمحة عن تأثُّر رشيد رضا بشيخه عبدُه.\nمحمَّد رشيد رضا من أكثر رجالات الفكر الإسلاميِّ تأثيرًا في عصره، قد تخرَّج في مدرسته عدَّة حركاتٍ وأقلامٍ كان لها وقعها الإصلاحيُّ الظَّاهر في ساحات التَّدافع الحضاريِّ، كجمعية العلماء المسلمين بالجزائر، حيث تأثَّر به كبار رُوَّادها كابن باديس والبشير الإبراهيمي، وجماعة الإخوان المسلمين بمصر الَّتي أسَّسها حسن البنَّا تلميذه.\nبل هذا ناصر الدِّين الألبانيُّ نفسه -وهو الأب الرُّوحيُّ للسَّلفيَّة المعاصرة- من خرِّيجي مدرسته النَّقديَّة، فقد تأثَّر مطلعَ شبابه بالأعداد الَّتي كانت تصلهم في دمشق من مجلَّته «المنار»، فحبَّبت إليه دراسة علم الحديث، ورسمت المعالم\n_________\n(^١) محمَّد رشيد بن علي رضا القَلَموني: البغدادي الأصل، الحُسيني النَّسب، أحدُ رجالات الإصلاح الإسلاميِّ، مِن الكُتَّاب، والعلماء بالحديث، والأدب، والتَّاريخ، والتَّفسير. وُلد ونَشَأ في القَلَمون من أعمال طرابلس الشَّام، وتعلَّم فيها وفي طرابلس، ثمَّ رَحَل إلى مصر (سنة ١٣١٥ هـ) فلازَم محمد عبُده، وكان قد اتصَّل به قبل ذلك في بيروت، ثمَّ أصدرَ مجلَّة (المنار) لبثِّ آرائِه في الإصلاح الدِّيني والاجتماعيِّ، حتَّى أصبح مَرجع الفُتيا، في التَّأليف بين الشَّريعة والأوضاع العصريَّة الجديدة.\nثمَّ رحل إلى الهند والحجاز وأوربا، وعاد مُستقرًا بمصر إلى أن تُوفِّي فجأةً في سيَّارة، كان راجعًا بها من السُّويس إلى القاهرة، ودُفن بالقاهرة؛ من أشهر آثاره غير مجلة «المنار»: «تفسير المنار» في اثني عشر مجلدا منه، ولم يُكمله، انظر «الأعلام» (٦/ ١٢٥).","vol":"1","page":369},{"text":"الأولى لتوجُّهه الفقهيِّ غير المذهبيِّ؛ فكان يُثني على علم رشيد رضا، مع تحفُّظه على عقلانيَّته الَّتي اكتسبها من شيخِه عبدُه.\nولا شكَّ في كونِ هذا العَلَمِ الشَّاميِّ الشَّريفِ، وَريثَ المُؤَسِّسَين الأوَّلَيْين للنَّهضة الإصلاحِيَّة العِلميَّة -الأفغانيِّ وعبدُه-، إذْ كان بحَقٍّ ناشرَ أفكارِهما، ومُروِّجَ آرائِهما، حتَّى جعله أستاذُه عبدُه «تُرجمان أفكاره» (^١).\nومع كون رشيدٍ مُعجبًا بفكرهما، تلميذًا في مدرستهما، إلَّا أنَّه فاقَهما في الأخذِ بزِمامِ بعضِ العلومِ الشَّرعيَّة الَّتي ضَعُفا فيها، كعلمِ الحديث ومعرفةِ مُصنَّفاتِه، مع اطِّلاعٍ منه واسعٍ على المُستجدَّات السِّياسيَّة، والمُحدَثات التَّقنيَّة في عصرِه؛ فكان أن بلَغَ صيتُه الآفاق، وسُوِّدَت في مَديحِه الأوراق، حتَّى «فاقَت البحوثُ الَّتي كُتِبَت عنه ما كُتِب عن أُستاذِه عبُده عَدَدًا ومَوضوعًا» (^٢).\nو(رشيد رضا) لم يكُن ليَسلك هذا المسلكَ الجديدَ في الانفتاحِ على الثَّقافة الغَربيَّة إلَاّ بعد ارتوائه ممَّا كان ينشُره (الأفغانيُّ) و(عَبدُه) من مَقالاتٍ في مجلَّتهما «العُروة الوُثقى»، الصَّادرةِ وقتَها مِن عاصمةِ فَرنسا.\nفكأنَّه حين تتابَعت قراءَته لها فَعَلت في نفسِه فِعلَ السِّحر! أدركَ بها أنَّه مع ما كان بَدَأ به دعوَته الإصلاحيَّةِ مِن حَثِّ النَّاسِ على التزامِ الشَّرعِ واجتنابِ المُنكرات، أن يرشدهم إلى الاستفادةِ مِن المَدنيَّة الحَديثةِ ومُنجَزاتها، بل مُباراتِهم في جميع مُقوِّمات الحياةِ المُعاصرة، والتَّرغيبِ في نَقلِ ما عند الإفرنجِ مِن علومٍ وقوانينَ لا تَتعارض مع الإسلام (^٣).\nولأجلِ تحقيق هذا المَشروعِ الإصلاحيِّ الجديد، ترْجَم (رشيد) كلَّ تصوُّراتِه المُعدَّلة لبعثِ النَّهضةِ في الأمَّة في مَجلَّتِه «المَنار»، فصارت بمجرَّد صدورِ أعدادِها الأولى لسانَ كثير من المُفكِّرين السَّاعينَ إلى تَجديدِ الحياةِ العِلميَّةِ\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٣٥/ ٤٨٠).\n(^٢) «منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة» لتامر متولي (ص/٩٨).\n(^٣) «تاريخ الأستاذ الإمام» لرشيد رضا (١/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"1","page":370},{"text":"والسِّياسيَّةِ في تلك الحِقبة؛ وممَّا أولاه فيها عنايةً كبيرةً: قضايا التَّشريعِ الإسلاميِّ، ومَناهج الاستدلال، وسُبل التَّجديدِ فيها، والتَّنقيح في مَصادر التَّلقِّي.\nومِن أبرز ما تميَّز به (رشيد رضا) عن أكثرِ مُعاصريه: التَّطرُّق إلى قَضايا السُّنة النَّبوية، وإشكالاتِها المُعاصرة، أصدرَ في مجلَّتِه آراءً واختيارات مُتباينةً، فجاءت مَباحثُه فيها في قوالب شَتَّى وسِياقاتٍ مُختلفة، أصَلَّ في مَسائِلها وقَعَّد، ونَظَّر في دلائلِها وعَضَّد، بحسبِ الخلفيَّة الفكريَّة الَّتي اكتسبَها قبلُ مِن شيخِه (عبدُه).\nفما لبثت أنْ صارَت آراءُه تلك مَثارَ جَدلٍ عَريضٍ في الأوساطِ المُثقَّفة والمُتشرِّعةِ، وفَتَحت مَجالًا واسعًا مِن المُوافقات والمُناقشاتِ والرُّدود، وذلك على امتدادِ خمسٍ وثلاثين سنةً، اتَّسَعَ صدرُ الشَّيخ لنشرِ بعضِها في مجلَّتِه نفسِها.\nالفرع الثَّاني: موقف (رشيد رضا) مِن أحاديثِ السُّنةِ عمومًا.\nقد سارَ (رشيدٌ) في الطَّورِ الأطولِ مِن حياتِه على وفقِ ما سارَ عليه كثيرٍ من المُتأخِّرين الأصوليِّين مِن القولِ بظنيَّةِ الآحادِ مُطلقًا، فأوجبوا العملِ بها في الفروع، ومَنعوا حُجِّيتها في مَسائل الاعتقاد القطعيَّة (^١)؛ فكان أن أوغلَ لأجل ذلك في تَنصيبِ العقلِ حَكَمًا على الأحاديث في مَواضع مِن مجلَّتِه، مُتَعلِّلًا عند كلِّ قدحٍ في أحدها بجُملةٍ مِن الحُجَج الكَلاميَّة هي عينُها حُجَج شيخِه (عبدُه) (^٢).\nو(رشيدٌ) وإن كان دَندَن على ظنِّيَة الآحادِ مِرارًا في عددٍ مِن مَقالاتِه، إلَّا أنَّ اضطرابَه في ضبطِ المُرادِ بالظَّن المُستفاد منها كان واضِحًا لمن قابلَ بين كلامِه في هذه المسألة، اضطِرابًا يَصِل حَدَّ التَّناقض أحيانًا! ففي الوقتِ الَّذي نراه مُقِرًّا لترادُفِ الظَّن مع العلمِ في لغة العربِ، وأنَّه حُجَّة بذلك في الإيمان الشَّرعي، نَراه\n_________\n(^١) انظر «مجلة المنار» (٧/ ٣٦١).\n(^٢) انظر - مثلًا - مقال محمَّد عبده «الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية»، الَّذي نَشَره له رشيد رضا في «مجلَّة المنار» (١٣/ ٦١٣).","vol":"1","page":371},{"text":"في مواضعَ أُخَرَ يَمنعُ الأخذَ به في بابِ الاعتقاد، مُستشهدًا في ذلك بالآيات الذَّامةِ للظَّن (^١).\nفلذا سَوَّغ لنفسِه رَدَّ بعضَ الصِّحاحِ عند أهلِ الحديث إذا استشكلَها أو لم يجِد لها فائدة، كأحاديث أشراطِ السَّاعة مثلًا، فإنَّ هذه وإن كانت في مَجموعِها تَلقَّتها الأمَّة بالقَبول، فإنَّ ذلك لم يمنعه مِن استنكارِها، وما الضَّيرُ في ذلك عنده مادامت غير قطعيَّة الثُّبوت!\nفكان مِمَّا يقوله في هذا المقام: «اِعلَمْ أيَّها المسلم الَّذي يجبُ أن يكون على بصيرةٍ مِن دينِه، أنَّ في رواياتِ الفِتن وأشراطِ السَّاعة مِن المُشكلات والتَّعارض، ما ينبغي لك أن تعرفه ولو إجمالًا، حتَّى لا تكون مُقلِّدًا لمِن يظنُّون أنَّ كلَّ ما يعتمدُه أصحابُ النَّقل حقٌّ! ولا لِمن يظنُّون أنَّ كلَّ ما يقوله أصحابُ النَّظريات العقليَّة حقٌّ ..» (^٢).\nلقد كانَ بالإمكانِ حملُ هذا الاختلافِ مِن (رشيدٍ) على النَّسخِ وتَغيُّرِ القَناعات، كما كان حالُه مع الاحتجاجِ بالسُّنة القوليَّة آخر عمره، حيث كان يحصُر الاحتجاجِ فيها بالعَمليَّة فحسب، ثمَّ تركَ ذلك آخرَ عُمره (^٣)؛\n_________\n(^١) انظر «آراء رشيد رضا في قضايا السنة النبوية» لمحمد رمضاني (ص/١٦٦).\n(^٢) «تفسير المنار» (٩/ ٤٠٧).\n(^٣) كما نقله مصطفى السِّباعي عنه شفاهًا في كتابه «السنة ومكانتها في التشريع» (ص/٣٠).\nوالسِّباعيُّ رجلٌ قد خَبَر رشيدًا وخالَطه، وعلِم من حاله ما جَعَله يؤكِّد أنَّه كان يقول بحجيَّة السُّنة القوليَّة في آخر عمرِه، وهذه شهادةُ من السِّباعي تُعزِّزها مقالات (رشيد رضا) في مجلته «المنار»؛ ولذا كان مِن خطايا الطَّاعنين في السُّنَن: استشهادهم على قُبحِ فِعالِهم ببعضِ مَقولاتٍ لرشيدٍ قديمة، مِن قبيلِ قوله مثلًا: «إنَّ ما وَرَد في عدم رغبة كبار الصَّحابة في التَّحديث، بل فى رغبتهم عنه، بل فى نهيهم عنه، قوَّى ترجيحَ كونِهم لم يُريدوا أنْ يجعلوا الأحاديثَ دينًا عامًا دائمًا كالقرآن»، كما في «مجلة المنار» (١٠/ ٧٦٨).\n\nفترى (أبو ريَّة) في كتابه «الأضواء» (ص/٤٨ - ٥٠) ينقُل هذا الكلامَ، ويعتمده مذهبًا لرشيدٍ، ويُقرُّه على ذلك (جمال البنَّا) فى كتابِه «السُّنة ودورها فى الفقه الجديد» (ص/٢٢٥)؛ ولو بُعث رشيد رضا، لكان أوَّل مَن يَردُّ عليهما في أكثر مِن موضع مِن كتابيهما!","vol":"1","page":372},{"text":"كان بالإمكانِ حَملُ الأمرِ على مثلِ هذا؛ لكنَّ قول رشيدٍ كان مُضطربًا في العَددِ الواحدِ مِن مجلَّتِه! فالله أعلم بمُرادِه.\nوالَّذي أحسبُ أنَّ شيخَه (عبدُه) أكثر توازنًا في موقِفه مِن مَفادِ الأخبارِ النَّبويَّة -مع خطأِه في ذلك- مِنه، حين اشترطَ اليقينَ المنطقيَّ للإيمان، فهو يَتَوافق مع مَوقفِه مِن خبرِ الآحاد (^١).\nالفرع الثَّالث: موقف (رشيد رضا) مِن أحاديث «الصَّحيحين».\nالنَّاظر في أعطافِ مجلَّتِه «المَنار» ومَطاوي تفسيرِه الجليل «تفسير المَنار»، يلحظُ تأثُّرَ رشيدٍ بالمُحيطِ الفكريِّ السَّائدِ حيث نَشَأ، وبما تَلقَّاه مِن مَفاهيم نقديَّةٍ مِن أستاذِه عبدُه خاصَّةً؛ يُرى هذا التَّأثُّر باديًا في نَظرتِه الإجماليَّةِ إلى أحاديثِ «الصَّحيحين»، فتَراه يتَّسِم بالإيجابيَّةِ في تَعاطيه معها تارةً، وبالسِّلبيَّةِ وضيقِ العَطنِ تارةً أخرى، مُقرًّا هو في كلِّ ذلك أنَّهما أصَحُّ دواوين السُّنةِ على الإطلاق، كما تراه في قولِه:\n«لا شَكَّ في أنَّ أحاديث الجامع الصَّحيح للبخاريِّ -في جُملتها- أصَحُّ في صناعةِ الحديثِ وتَحرِّي الصَّحيح، مِن كلِّ ما جمُع في الدَّفاتِر مِن كُتب الحديث، ويَليه في ذلك صحيح مسلم؛ وممَّا لا شكَّ فيه أيضًا أنَّه يوجد في غيرهِما مِن دواوين السُّنة أحاديث أصَحُّ مِن بعض ما فيهما، وما رُوي مِن رفضِ البخاريِّ وغيره لمئاتِ الألوفِ مِن الأحاديث الَّتي كانت تُروَى، يُؤيِّد ذلك، فإنَّما نفوا ما نفوا لينتَقوا الصِّحاحَ الثَّابتة» (^٢).\nو(رشيدٌ) يُعلي مِن مَقامِ الشَّيخينِ في علمِ الرِّواية، ويجعَل قولَهما الأصلَ المُقَدَّم في تعليلِ الأحاديث وتوثيقِها عند الاختلافِ، بيَّن هذا في قوله: «مَن دَقَّق النَّظرَ في تاريخ رجالِ الصَّحيحين، ورواية الشَّيخين عن المَجروحين منهم، يَرى\n_________\n(^١) «موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي» (ص/٢٦١).\n(^٢) «مجلة المنار» (٢٩/ ٨١).","vol":"1","page":373},{"text":"أكثرَها في المُتابعاتِ الَّتي يُراد بها التَّقوية، دون الأصول الَّتي هي العُمدة في الاحتجاج، ثمَّ إذا دَقَّق النَّظرَ فيما أنكروه عليهما مِمَّا صَحَّحاه مِن الأحاديث، يجدُ أنَّ أقوالهما في الغالبِ أرجحُ مِن أقوالِ المُنازعين لهما، لا سيما البخاري، فإنَّه أدَقُّ المُحدِّثين في التَّصحيح، ولكنَّه ليس مَعصومًا مِن الغلطِ، والخطأِ في الجرح والتَّعديل ..» (^١).\nثمَّ أيَّدَ هذا التَّقريرَ منه بنقلِ اتِّفاقِ أئمَّة العلمِ على صِحَّة الكتابين، وسلامةِ أغلبِ رجالِهما مِن الجرح (^٢)، فقال: «جملة القولِ في الصَّحيحين: أنَّ أكثرَ رِواياتهما مُتَّفق عليها عند علماءِ الحديث، لا مجالَ للنِّزاعِ في مُتونها، ولا في أسانيدها» (^٣).\nونتيجةً لهذا التَّوصيف، كان جَزمُه بقطعيَّةِ أغلبِ أحاديثِ الكِتابين مِمَّا لا يعلم اختلافًا فيه، كما قد أقرَّ به في قولِه: «.. فمَن فقه ما شرحناه: عَلِمَ أنَّ أكثرَ الأحاديث الأُحاديَّة المتَّفق على صِحِّتها لذاتِها، كأكثرِ الأحاديثِ المُسندَة في صَحيحي البخاريِّ ومسلم، جديرةٌ بأن يُجزَم بها جزمًا لا تَردُّدَ فيه ولا اضطراب» (^٤).\nوبالتَّالي كانت دعوى نَفاذِ شيءٍ مِن المَوضوعات فيهما عند (رشيدٍ) «بالمعنى الَّذي عَرَّفوا به المَوضوع في علمِ الرِّواية ممنوعةٌ، لا يَسهُل على أحدٍ إثباتُها» (^٥).\nو(رشيد رضا) مع ما له مِن هذه المواقف النَّاصِعة مِن «الصَّحيحين»، المُوافِقُ هو فيها لمِا عليه أهلُ الحديث قديمًا وحديثًا، يُهوِّش -أحيانًا- على ذلك ببعض العِبارات الجارِحة لجملةٍ مِن أحاديثِهما مِمَّا لم يُسبَق فيه مِن ناقدٍ معتبر،\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (١٢/ ٦٩٣).\n(^٢) «مجلة المنار» (١٢/ ٦٩٣).\n(^٣) «مجلة المنار» (١٢/ ٦٩٣).\n(^٤) «مجلة المنار» (١٩/ ٣٤٢).\n(^٥) «مجلة المنار» (٢٩/ ٨١).","vol":"1","page":374},{"text":"استنكرَها إذْ لم يستسغها فهمُه، مُتحجِّجًا في ذلك بأنَّه «ما كَلَّف الله مُسلمًا أن يقرأ صحيح البخاريِّ ويؤمن بكلِّ ما فيه وإن لم يَصحَّ عنده، أو اعتقدَ أنَّه يُنافي أصول الإسلام» (^١)! مع أنَّها من المُتَّفق علي صحَّته لذاتها كما شرطَ في نصِّه السَّابق!\nفقد نَقَض بهذه الكلمات ما سُقناه عنه آنفًا مِن كلامِه عن المَوضوعات في «الصَّحيحين»، إذ حَكَم بنفسه على جملةٍ مِن أحاديثِ الكِتابين بالوَضع! وهو الَّذي حجَّر هذه الدَّعوى قبلُ؛ فتوهَّم فيها «بعض ما عَدُّوه مِن علاماتِ الوَضع؛ كحديثِ سحرِ بعضِهم للنَّبي ﷺ» (^٢).\nالفرع الرَّابع: أحاديثُ «الصَّحيحين» الَّتي أعَلَّها (رشيد رضا).\nقد أحصيتُ عددَ الأحاديث الَّتي ردَّها رشيدٌ في «الصَّحيحين» مِن جهة متونِها، فبلغت عندي ثلاث عشرة حديثًا، لا يأتيها الشَّيخ دائمًا في صورةِ الإنكار لثبوتِها، ولكن أحيانًا ينقُل إشكالًا على متنِ منها، ثمَّ يتركه وحالَه دون جواب عنه! وهو ما يُعطي انطباعًا راجحًا بأنَّه مائلٌ إلى إنكاره، هذا إن لم يكن هو مَن أثارَ تلك الإشكالات على الحديث ابتداءً!\nثمَّ إذا حاولَ رفعَ الإشكال عن الحديث، فقد يَتعسَّف في تأويلِه بما قد يؤول إلى إبطالِ دلالته (^٣).\nوالمُلاحَظ في أغلبِ هذه الأحاديثِ الَمردودة مِن قِبَلِه أنَّها مِن بابِ أشراطِ السَّاعة، فقد اشتهر (رشيدٌ) بردِّها، بل عنه ينقلُ بعضُ الطَّاعنين في السُّنة في هذا الباب (^٤)؛ هذا والوارد في هذا البابِ مِن الأشراط غفيرٌ، و(رشيد) إنَّما يَردُّ بعضَ الصِّحاحِ من الأخبار بقناعةٍ هو يَراها أصلًا كُليًّا يَعرِض عليه مثل هذه الآحاد.\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٢٩/ ٣٧).\n(^٢) «مجلة المنار» (٢٩/ ٨١).\n(^٣) انظر «آراء محمد رشيد رضا في قضايا السنة النبوية من خلال مجلة المنار» (ص/٤١٤).\n(^٤) مثل (صالح أبو بكر) في كتابه «الأضواء القرآنية» (ص/٦٦).","vol":"1","page":375},{"text":"وقناعتُه في هذا البابِ مِن أحاديث أماراتِ السَّاعة مُنبنيةٌ على مُعارضَين عقلِيَّين:\nالأوَّل: أنَّ أشراطَ السَّاعة الصُّغرى المُعتاد مثلُها، والَّتي تَقَع عادةً بالتَّدريج، لا تُذكِّر بقيامِ السَّاعة، فلا تَتَحصَّل بها الفائدة الَّتي لأجلِها أخَبرَ الشَّارعُ بقُربِ قيامِ السَّاعة (^١).\nالثَّاني: أنَّ ما وَرَد مِن الأشراطِ الكبرى الخارقةِ للعادة؛ يَضعُ العالم بها في مَأمنٍ مِن قيامِ السَّاعة بغتةً، مثل وقوعها كلِّها؛ فانتَفَت الفائدةُ إذن مِن هذا الإخبار (^٢).\nوالجواب عمَّا أوردَه على هذا النَّوع مِن الأحاديث يتَلخَّص في الأوجهِ التَّالية:\nالوجه الأوَّل: أنَّ هذا الاعتراضَ وإنْ رَاشَه رشيدٌ على تلك الصِّحاح مِن الأخبار، فإنَّه قد فاتَه أنَّ نفس الاعتراض يَسري إلى الآياتِ النَّاصةِ على أنَّ للسَّاعةِ أَشْراطًا، سواء بسواء!\nمِن ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١].\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].\nوبهذا الإلزام يَغرقُ أيُّ مُنكِرٍ لها في مَخَاضَةٍ لا مَحيصَ له عنها، إلَّا باتِّهامِ رأيِه قبل التَّسارع في الطَّعنِ على الدَّلائل ببادِي الرأيِّ.\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر «تفسير المنار» (٩/ ٤٠٧)، و«مجلة المنار» (٣٢/ ٧٧٢).","vol":"1","page":376},{"text":"الوجه الثَّاني: أنَّا لو سَلَّمنا لرشيدٍ حصولَ الأمنِ لَدى بعضِ الخلقِ، فلا ينفي ذلك حصولَ الخوفِ عند غيرهم، وحصولُ الانحرافِ في فَهمِ بعضِ الأدلَّة لا يكون باعِثًا لرَدِّها؛ وإلَّا لَلَزِم رَدُّ كثيرٍ مِن نصوصِ الشَّريعة، بحُجَّة أنَّها قد تكون حاملةً على الاتِّكالِ والقعودِ، ككثيرٍ مِن أحاديث القَدَر.\nوالفقيهُ حَقًّا، مَن بَصَّر النَّاسَ بحقيقةِ هذه الأشراطِ وحِكمتِها؛ ليَستَقِرَّ أثَرُها في القلوب؛ ومِن ثَمَّ تَنبعِثُ الجوارح تَأهُّبًا ليومِ المَعاد، لا أنْ يُتَسَلَّط على تلك الأحاديثِ بالتَّعطيل لها تعلُّقًا بكلٍّ سَببٍ (^١).\nالوجه الثَّالث: أنَّ مِن مَثاراتِ الغَلَطِ في هذه الدَّعوى: نَصْبَ التَّلازم بين التَّصديق بهذه الأشراط، وبين انتفاءِ ما اختصَّت به السَّاعة مِن مَجيئها بغتةً؛ والواقع أنَّ التَّلازُمَ مُنْتَفٍ، فإنَّ هذه الأشراط الَّتي صحَّت الأخبارُ بها، غايتُها أنْ تَتَميَّز بها السَّاعة قدرًا مِن التَّميِيز، وأمَّا التَّحديد التَّام، فهو مِن الغيبِ المُطلق الَّذي اختصَّ الله به.\nفقال جلَّ ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].\nيقول ابن جريرٍ: «ممَّا أنزلَ الله مِن القرآن على نبيِّه ﷺ، ما لا يُوصَل إلى علمِ تأويلِه، إلَاّ ببيانِ الرَّسول ﷺ .. وأنَّ منه مالا يَعلم تأويلَه إلَّا الله الواحد القهَّار، وذلك ما فيه مِن الخَبَر عن آجالٍ حادثة، وأوقاتٍ آتيةٍ؛ كوقتِ قيامِ السَّاعة، والنَّفخ في الصُّور، ونزولِ عيسى ابن مريم، ووقتِ طلوع الشَّمس مِن مَغربها، وما أشبه ذلك.\nفإنَّ تلك أوقاتٌ لا يعلمُ أحدٌ حُدودَها، ولا يَعرف أحدٌ مِن تأويلِها إلَّا الخبرَ بأشراطِها؛ لاستئثارِ الله بعلمِ ذلك على خلقِه، وبذلك أنزل ربُّنا في مُحكمِ كتابِه ..، وكان نبيُّنا محمَّد ﷺ إذا ذَكَر شيئًا مِن ذلك، لم يُدلَّ عليه إلَّا بأشراطِه، دون تحديدِ وقتِه؛ كالَّذي رُوِي عنه ﷺ أنَّه قال لأصحابِه -إذْ ذَكر الدَّجَّال-: «إنْ\n_________\n(^١) «دفع دعوى المُعارض العقليِّ» (ص/٤٢٣).","vol":"1","page":377},{"text":"يخرُج وأنا فيكم، فأنا حَجيجُه، وإنْ يخرُجْ بعدي، فالله خَليفتي عليكم» (^١)، وما أشبه ذلك مِن الأخبار .. الدالَّةِ على أنَّه ﷺ لم يكُن عنده علِمُ أوقاتِ شيءٍ منه بمَقادير السِّنين والأيَّام، وأنَّ الله -جلَّ ثناؤه- إنَّما عَرَّفه مجيئَه بأشراطِه، ووقتَه بأدلَّتِه» (^٢).\nومحصَّل القول:\nأنَّ هذه الأشراطَ إنَّما تدلُّ على قُربِ السَّاعة، لا على تحقُّقِ العلمِ بوقوعِها، «فالسَّاعةُ كالحامِلِ المُتِمِّ؛ لا يدري أهلُها متى تَفجؤُهم بولادتِها، ليلًا أو نهارًا» (^٣)، وعِلَّة ذلك: انتفاءُ العلمِ بالمُدَّة الزَّمنية بين تلك الأَشراطِ وبين وقوعِ السَّاعة، وبهذا يكون الأمرُ نقيضَ ما ذَكَره رشيدٌ؛ بأنْ يكون العِلمُ بهذه الأشراط باعثًا على العَملِ، مُوقِظًا مِن الغفلة، زاجِرًا عن التَّمادي في المعاصي.\nوهل قَطَّع قلوبَ الصَّالحين، وأذابَ أكبادَهم، كمثلِ تَذكُّر تلك الأهوال العِظام، وما فيها مِن فِتَنٍ تفزعُ منها القلوب (^٤)؟!\nفهذا مثال واحدٌ لبابٍ مِن الحديثِ ردَّه (رشيدٌ) بعامَّةٍ وهو في «الصَّحيحين»، وقد علمنا ضعف مأخذه في ذلك.\nأمَّا الأحاديثُ الَّتي رَدَّها بالتَّفصيلِ وهي في أحدِ «الصَّحيحين» فهي مُحصاة عندي في التَّالي:\n١ - حديث «إذا سَقَط الذُّباب في إناءِ أحدِكم ..» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: الفتن وأَشراط السَّاعة، باب: ذكر الدَّجَّال وصفة ما معه، رقم: ٢٩٣٧).\n(^٢) «جامع البيان» (١/ ٦٨).\n(^٣) جزء من حديث ورد مرفوعًا من حديث ابن مسعود ﵁، أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٣٥٥٦)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٤١٦) وصحَّحه، وضعَّفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٩/ ٣٠٧).\n(^٤) «دفع دعوى المُعارض العقليِّ» (ص/٤٢٤)، وانظر لمزيد تفصيلٍ في ردِّ مُعارضاتِ المعاصرين لأحاديثِ الأشراط في «موقف المدرسة العقلية الحديثة مِن الحديث النبوي» لـ د. شفيق شقير (ص/٢٨٣ - ٣٥٢).\n(^٥) «المنار» (١٨/ ٤٣٣) (١٩/ ٣٧).","vol":"1","page":378},{"text":"٢ - حديث تميم الدَّاري في الجسَّاسة (^١).\n٣ - حديث شقِّ صدره ﷺ في الصِّغر (^٢).\n٤ - أحاديث الإسراء والمعراج (^٣).\n٥ - أحاديث خروج الدَّجال (^٤).\n٦ - حديث انشقاق القمر للنَّبي ﷺ (^٥).\n٧ - حديث سجود الشَّمس تحت العرش (^٦).\n٨ - حديث سحرُ اليهوديِّ للنَّبي ﷺ (^٧).\n٩ - نزول عيسى ﵇ آخرَ الزَّمان (^٨).\n١٠ - حديث: «اكفتوا صبيانكم عند المساء فإنَّ للجنِّ انتشارًا وخطفةً» (^٩).\n١١ - حديث: «ما بين النفختين أربعون .. ثمَّ ينزل الله من السَّماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل» (^١٠).\n١٢ - حديث وخزِ الشَّيطان للمَولود (^١١).\n_________\n(^١) «المنار» (١٩/ ٣٧)\n(^٢) «المنار» (١٩/ ٥٢٩) (٣٣/ ٢٧٦)\n(^٣) «المنار» (٦/ ٥٠٦)\n(^٤) «المنار» (٢٨/ ٧٤٧)\n(^٥) «المنار» (٦/ ٦٧) (٣٠/ ٢٦١)\n(^٦) «المنار» (١٢/ ٦٩٣)\n(^٧) «المنار» (٨/ ٧٧١)\n(^٨) «المنار» (٥/ ١٣٥)\n(^٩) «المنار» (٢٩/ ٣٧)، والحديث أخرجه البخاري في (ك: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق، يقتلن في الحرم، رقم: ٣٣١٦)، ومسلم في (ك: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب .. إلخ، رقم: ٢٠١٢).\n(^١٠) «تفسير المنار» (٨/ ٤١٨)، والحديث أخرجه البخاري في (ك: التفسير، باب ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، رقم: ٤٩٣٥)، ومسلم في (ك: الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين، رقم: ٢٩٥٥).\n(^١١) «تفسير المنار» (٣/ ٢٣٨).","vol":"1","page":379},{"text":"١٣ - حديث إسلام شيطان النَّبي ﷺ (^١).\nوسيأتي نقاشه في أكثرها في الباب الثالث من هذا البحث.\nالفرع الخامس: الأصلُ الَّذي انبنَى عليه مَوقف (رشيد رضا) مِن أحاديثِ «الصَّحيحين».\nإنَّ المتأمِّلَ في جملةِ أقوالِ (رشيدٍ) وتَصرُّفاتِه بأحاديث «الصَّحيحين» تحديدًا، يَلوح له نوعُ تناقضٍ في تعاطيه معها، بين ما قَدَّمناه عنه مِن تسليمِه بصحَّةِ القدرِ المُتَّفق عليه مِن أحاديثِهما، وبين طعنِه العَمليٍّ في بعضٍ مِن ذلك.\nولعلَّ في هذا ما يُنبِي النَّاظر في تطبيقاتِه عن نوعِ الصِّحةِ الَّتي يَعنِيها في كلامِه المُتمَدِّح للكِتابين: إنَّها الصِّحة الَّتي عَناها النَّووي في شرحِه لمُقدِّمة مسلمٍ، وهي أنَّ اتِّفاقَ الأئمَّةِ على تصحيحِ حديثٍ، لا تعني بالضَّرورة العِلمَ بنسبتِه إلى النَّبي ﷺ، لكن تعني الصِّحة الإسناديَّة الظَّاهرة؛ أمَّا المتنَ فشأنٌ آخر، يتَّسع فيه المجال للنَّظر والتَّمحيص المُتجدِّد، بل للردِّ والتَّعليل ولو اتَّفَق الأسبقون على صِحَّةِ نقلِه! كما تراه -مثلًا- في ردِّ (رشيد) لأحاديث الآياتٍ الحِسِيَّةٍ للنَّبي ﷺ (^٢)، مع اتِّفاقِ الأئمَّة على تَصحيحِها، وكنعتِه لبعضِ الأخبارِ الدالَّةِ فيهما على تفضيلِ نبيِّنا ﷺ على الأنبياءِ -منها حديث: «أنا سَيِّد النَّاس يوم القيامة ..» (^٣) بأنَّها «لا تُفيد اليقين» (^٤).\nومِن ثَمَّ، فلا يَضرُّ عنده إنكارُ مثلِها لمِن لم يَقبل مَخْبَرَها، تفريعًا عن أصلِ مذهبِه الَّذي كان قد تَبِع فيه أستاذَه (عَبدُه) من اطِّراح أخبارِ الآحاد وإن كانت مِن روايةِ الثِّقات، إذا ظهَر له منها مخالفةٌ للقرآن أو المَعقول (^٥).\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٣/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر «مجلة المنار» (٧/ ٣٦١).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، رقم: ٤٧١٢)، ومسلم (ك: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم: ١٩٤).\n(^٤) انظر «مجلة المنار» (٤/ ١٧٧).\n(^٥) قد أقرَّ رشيد رضا بهذه التَّبَعيَّة لعبدُه في مجلته «المنار» (٨/ ٧٧١).","vol":"1","page":380},{"text":"فكان لازم هذا عند (رشيد): جوازُ توسيعِ دائرةِ المَنقوضِ مِن أحاديث «الصَّحيحين» وردِّ ما اتُّفق منها على صِحَّته، هذا ما أعربَ عنه بقولِه:\n«ما مِن إمامٍ مِن أئمَّة الفقه، إلَّا وهو مخالفٌ لكثيرٍ منها -يعني أحاديثَ الصَّحيحين-، فإذا جازَ رَدُّ الرِّوايةِ الَّتي صَحَّ سندُها في صلاةِ الكسوف لمُخالفتِها لمِا جَرَى عليه العَملُ، وجازَ رَدُّ روايةِ خلقِ الله التُّربة يوم السَّبت .. إلخ، لمُخالفتها للآياتِ النَّاطقةِ بخلقِ السَّمواتِ والأرضِ في ستَّة أيَّام، وللرِّواياتِ المُوافقة لذلك: فأَوْلى وأظهرُ أن يجوز رَدُّ الرِّواياتِ الَّتي تُتَّخَذ شبهةً على القرآن مِن حيث حفظُه، وضبطُه، وعدمُ ضياعِ شيءٍ منه! كالرِّواياتِ في نسخِ التِّلاوة، لا سيما لمِن لم يجِد لها تخريجًا يدفعُ الشُّبهة، كالدُّكتور محمَّد توفيق صدقي وأمثاله كثيرون ..» (^١).\nثمَّ مَثَّل لهذا التَّأصيلِ بحديثِ سحرِ النَّبي ﷺ، وحديثِ سجودِ الشَّمس عند العرش.\nوجملة القول في موقف رشيدٍ مِن أحاديث «الصَّحيحين»، أنَّ الخلل الحاصل في رَدِّه لما ردَّ منها مع اتِّفاق العلماء على صِحَّتها، يحتملُ نتاجه عن ظَنَّين:\nأمَّا الأوَّل: فظَنُّه أنَّ اتِّفاقَ الأئمَّة على تصحيحِ حديثٍ لا يُفيد ذلك إلَّا الرُّجحان في نسبتِه، وبالتَّالي فجائزٌ ردُّ هذا المَظنون إذا تَعارَض مع ما يَراه قطعيًّا.\nفإن كان هذا هو اعتقاد (رشيد) حَقًّا، فقد خالف به ما تَتابع عليه جمهور المُحقِّقين من أهل العلم مِن اعتبارِ اتِّفاقِ الأئمَّة على تصحيحِ الحديث، قرينةً ترتقي بالمُصَحَّح من الأخبارِ إلى درجةِ العلمِ المُكتَسب بنِسبتِه.\nذلك أنَّ نُقَّادَ الحديثِ إذا أطبقوا على تصحيحِ روايةٍ ونِسبتِها إلى النَّبي ﷺ، هو بمثابةِ إطباقِ الفقهاءِ على تصحيحِ حكمٍ فرعيٍّ ونِسبتِه إلى الشَّارع سَواء بسواء؛\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (١٢/ ٦٩٣).","vol":"1","page":381},{"text":"فإذا أفادَ هذا عند هؤلاء صحَّةَ ما نَسبوه مِن أحكامٍ فقهيَّةٍ في باطنِ الأمر، يكون ما اتَّفَق عليه المُحدِّثون مِن أحكامٍ حديثيَّةٍ مَقطوعٌ في صِحَّتِها في الباطن أيضًا (^١).\nلكنْ ما يجعلُنا نَتَوقَّف في جعلِ هذا الاحتمالِ مُعتَقدًا لرشيد: كلامٌ له آخر -قد تقدَّم بعضُه- يُقرِّر فيه أنَّ الأصل فيما لم يَقع فيه الخلافُ بين العلماءِ مِن أحاديثِ «الصَّحيحين»، فلا تَردُّد عنده في قَبول سَندِه ومَتنِه، وذلك في قولِه: «أكثرُ الأحاديثِ الأُحاديَّة المُتَّفق على صِحَّتِها لذاتِها -كأكثرِ الأحاديثِ المُسندَة في صَحيحي البخاريِّ ومسلمٍ- جديرةٌ بأنْ يُجزَم بها جَزمًا لا تَردُّد فيه ولا اضطراب، وتُعَدُّ أخبارُها مُفيدةً لليقين، بالمعنى اللُّغوي الَّذي تَقدَّم؛ ولا شكَّ في أنَّ أهلَ العلمِ بهذا الشَّأن، قَلَّما يشكُّون في صحَّةِ حديثٍ منها، فكيف يُمكن لمسلمٍ يجزمُ بأنَّ الرَّسول ﷺ أخبرَ بكذا، ولا يُؤمن بصدقِه فيه؟ أليس هذا مِن قَبيل الجمع بين الكفر والإيمان؟! وليُعلَم أنَّني أعني بالمُتَّفَق عليه هنا: ما لم ينتقده أحدٌ مِن أئمَّةِ الفقهاء وغيرِهم، ومِن غير الأكثر: ما تَظهر فيه عِلَّةٌ في متنِه خَفِيَت على المُتقدِّمين، أو لم تُنقَل عنهم، وذلك نادرٌ» (^٢).\nفمِن آخرِ سَطرين مِن هذا النَّصِ، يَلوح لنا إشكالٌ آخر يكمُن في نظرِ رشيدٍ إلى ما اتُّفِق على صِحَّتِه مِن أحاديث «الصَّحيحين» وغيرهما، وهو المُضَمَّن في:\nالظَّن الثَّاني: وهو احتمال اعتقادِ رشيدٍ أنَّ الأئمَّة المُتَقدِّمين قد تخفى عليهم عِلَّة حديثٍ اتَّفَقوا على صِحَّتِه، أو يكون أعَلَّه أحدهم حقيقةً ولم يبلُغنا تَعليلُه.\nوهذا الاحتمال الثَّاني مِن (رشيدٍ) جرأة خطيرة؛ إذْ يُسَوِّغ لنفسِه خرمَ هذا اليَقين، بداعي ظهورِ عِلَّةٍ له في المتنِ خَفِيَت على كلِّ المُتقَدِّمين؟! فلقد أعاذَ الله تعالى هذه الأمَّة التي اختارَها لحملِ دينِه، وتبليغِ رسالتِه، مِن أن تكون فريسةَ غفلةٍ وغَباوةٍ، وأن تجتمعَ على ضَلالةٍ.\n_________\n(^١) وسيأتي مزيد مناقشةٍ لهذا المسألة الأصوليَّة في مبحثها المُناسب في المُسوِّغ الثَّاني من الباب التَّالي.\n(^٢) «مجلة المنار» (١٩/ ٣٤٢).","vol":"1","page":382},{"text":"فإذا كان خبرُ الواحدِ قد تَلقَّته الأمَّة بالقَبول، وتَمادى به الزَّمان الطَّويل دون أن يظهر ناقدٌ مُعتبرٌ يُنكِرُه، وهي في ذلك مُعتقِدةٌ لِما فيه، عاملةٌ به لأجلِه -سواءٌ في ذلك عَمِل الكلُّ به، أو عمِل البعضُ، وتَأوَّله البعض- فمثل هذا مِمَّا يُقطَع بصِدقِه، والعلماء ما فتئوا يقرِّرون بأنَّه «متى كان المُحدِّث قد كذَب أو غلط، فلا بُدَّ أن يَنصِب الله حُجَّةً يُبيِّن بها ذلك» (^١).\nفالحاصل: أنَّ احتمال وجود عِلَّةٍ للحديث لم تُنقل يَردُّه ما تَقَدَّم مِن تَكفُّل الله ﷿ بالبيانِ وحفظِ الشَّريعة؛ وسيأتي تفصيل هذه المسألة بما هو أدقُّ تقسيمًا وأغزرُ أدلَّةً، في مَبحثِه المُستقلِّ من هذا البحث.\nالفرع السَّادس: الفرق بين منهجِ (رشيد رضا) وبين أستاذه (عبدُه) وغيره مِن مُعاصِريه في الموقف مِن أحاديث «الصَّحيحين»، وأثرُ ذلك على مَن جاء بَعده.\nالملفتُ للنَّظر -بما أسلَفنا إيرادُه مِن بعضِ زلَّاتٍ مَنهجيَّة لـ (رشيد رضا) في تعاملِه مع أخبار «الصَّحيحين» - أنَّه كان سالِكًا في نقدِها غيرَ مَسلكِ شيخِه (عبُده) -مع اتِّفاقهِما على ظَنِّيتها في الجملةِ- وذلك: أنَّ (عبده) مستسهلٌ للطَّعنِ في ظواهرِ مُتونها، بمُختلفِ الدَّعاوي العقليَّة وغيرها، غيرَ عابئٍ في ذلك بصحَّةِ سَندٍ أو اتِّفاقِ سَلف؛ بخلافِ (رشيد رضا) الَّذي يحاول في ذلك تطبيقَ قواعدِ المُحدِّثين المُقرَّرة في مناهج النَّقد، ونقلِ كلامِ أئمَّةِ الجرح والتَّعديل، قصدَ ترجيحِ أحدِ أقوالهم المُوافقة لما يَراه هو صَوابًا في الحديث.\nوقد صرَّح (رشيدٌ) بهذا المنهجِ في قولِه: «.. نحن قد اتَّبَعنا في المنارِ هذه القواعد كلَّها في حلِّ مُشكلاتِ الأحاديث، كما صرَّحنا به في مَواضع مِن المنار والتَّفسير» (^٢).\n_________\n(^١) «جواب الاعتراضات المصرية» (ص/٤٨).\n(^٢) «مجلة المنار» (٣٣/ ٣٣).","vol":"1","page":383},{"text":"وبعضُ الحَدَاثيِّين مِمَّن يستشهدون بكلام الرَّجلين في نقدهم للسُّنَن، يقرُّون بهذا الفرقِ بينهما في حيازة آلاتِ النَّقد، كما تراه في قول (محمَّد حمزة): «.. أمَّا محمد رشيد رضا، فقد مَكنَّه إلمامُه بعلومِ الحديث، ومعرفته الواسعة بما حَوَته مُدوَّنات الحديث مِن رواياتٍ وأخبارٍ، مِن أن يكون أكثرَ تَعمُّقًا مِن شيخِه في تفحُّصِ الأخبارِ، ونقدِ سلاسلِ الإسنادِ، وترجيحِ الرِّوايةِ الَّتي يَميل إلى صِدقها» (^١).\nفهذا منهجٌ في النَّقد صحيحٌ، شرطَ أن يكون تنزيلُه سلِيمًا مِن جِهة القواعد، مُناسبًا مِن جهة المَحَلِّ، وهو ما لم يَتوَّفر في أغلبِ تطبيقاتِ (رشيدٍ) في ما تَقدَّم مِن أحاديث أعَلَّها في «الصَّحيحين»؛ فكان يتَعسَّف في جرحِ بعضِ الرُّواة وجمهورِ النُّقاد على توثيقِهم؛ بل رأيتُه في مَواضِع مِن كتاباتِه يردُّ رواياتِ بعضِ الثَّقات بتُهمةِ التَّدليس، مع أنَّ النُّقاد إنَّما تَكلَّموا في سماعِه عن شيخٍ بعَينِه لا مُطلقًا (^٢)، ونحو ذلك من أخطاءِ تنزيلِه لكلامِ الأئمَّة وقواعدِهم على الحديث.\nنعم؛ هذه الشُّذوذات الَّتي زَلَّ فيها قَلَمُ (رشيدٍ) تَكِئةً لِطائفةٍ مِن أذنابِ المُستشرقين في عُدوانِهم على السُّنةِ بعامَّة، وأخبارِ «الصَّحيحين» بخاصَّة، تَلقَّفوها عنه مُستَندًا يُبيحون به عَبَثهم في الكِتابين، يَتقدَّمهم في ذلك (أبو ريَّة) في كتابِه «أضواء على السُّنة المحمَّدية»، ما دَفَع أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ) (^٣) إلى أنْ يستنكر هذا الخلل الكبيرعلى شيخِه (رشيدٍ) بقوله:\n«لم نرَ فيمَن تَقدَّمنا مِن أهل العلم، مَن اجترأ على ادِّعاءِ أنَّ في «الصَّحيحين» أحاديث مَوضوعة، فضلًا عن الإيهامِ والتَّشنيعِ الَّذي يَطويه كلامُه،\n_________\n(^١) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي المعاصر» (ص/٣٢٣).\n(^٢) كما فعل في شأن اتهامه لإبراهيم التيمي بالتدليس في «مجلة المنار» (٣٢/ ٧٧٢)، وتخطئته لهشام بن عروة في (٣٣/ ٣٣)، أضف إليهم طعنه في كعب الأحبار ووهب وهمام ابني منبه في (٢٦/ ٧٣).\n(^٣) أحمد بن محمد شاكر بن أحمد ابن عبد القادر، من آل أبي علياء، يرفع نسبه إلى الحسين بن علي: عالم بالحديث والتفسير، مولده ووفاته في القاهرة، كان قاضيا الى سنة ١٩٥١ م ورئيسا للمحكمة الشرعية العليا، وأحيل إلى (المعاش)، فانقطع للتأليف والنشر إلى أن توفي، من أعظم أعماله: تخريج مسند أحمد بن حنبل في خمسة عشر جزءا منه، وله تحقيقات مفيدة، منها ما حلى بها هوامش «الرسالة» الشافعي، و«لباب الآداب» لابن منقذ، انظر «الأعلام» للزركلي (١/ ٢٥٣).","vol":"1","page":384},{"text":"فيُوهم الأغرارَ أنَّ أكثرَ ما في السُّنةِ مَوضوع! .. وهذا ممَّا أخطأَ فيه كثيرٌ مِن النَّاس، ومنهم أستاذُنا محمَّد رشيد رضا ﵀ على عِلمِه وفقهِه، ولم يَستطع قطُّ أن يُقيم حُجَّته على ما يَرى، وأفلَتَت منه كلماتٌ يَسمو على علمِه أن يَقَع فيها» (^١).\nوبهذا فَتَح (رشيد رضا) -مِن غيرِ قصدٍ- بابًا كان مَهيبًا على أهل النَّقدِ مِن مُستَحقِّيه أن يَلِجوه، حتَّى جَعَله كَلأً مُستبَاحًا لكلِّ صغيرٍ في هذا العلمِ يلَغ في «الصَّحيحين» كـ (أحمد أمين) و(فريد وجدي)، وتَبِعهما في ذلك آخرون، اعتمَدوا جميعُهم على عَثراتٍ رشيدٍ في هذا البابِ الدَّقيق مِن العلومِ النَّقليَّة (^٢).\nويا أسفي على (رشيد) حين قرأت له دفاعه على طعنِ أحدِ الأطبَّاء في حديثٍ بـ «الصَّحيح»، يقول فيهه: «ما كَلَّفَ الله مُسلمًا أن يقرأَ صحيحَ البخاريِّ، ويؤمنَ بكلِّ ما فيه وإنْ لم يَصحَّ عنده، أو اعتقدَ أنَّه يُنافي أصولَ الإسلام!» (^٣).\nفلقد صارت هذه الجملة فتنةً لبعض الكُتَّاب المُعاصرين أزَّتهم للاجتراء على «الصَّحيحين» براحة بال، كحالِ أحدِ الزَّائغين عن منهج المُحَدِّثين في قوله مُبتهِجًا: «الجملة الَّتي قالها رشيد رضا شُجاعة! تُرسِّخ لنا مبدأً هامًّا، مِن المُمكن أن يصدم البعضَ، وهو: أنَّنا لسنا مُلزمين بأن نتَّبع كلَّ ما كَتَبه البخاريُّ، لمجرَّد صحَّة السَّند، .. ولكنَّ علماءَ الحديث المُعاصرين كُسَالى عن التَّنقيبِ والبحثِ، ومَرعوبون مِن فكرةِ تنقيحِ أحاديثِ البخاريِّ، برغم أنَّه قد رَفَض مَن قبلَهم أئمَّةٌ ورجال دينٍ مُستنيرون، بعضَ أحاديث البخاريِّ، لتَعارُضها مع العقل» (^٤).\nومع هذا كلِّه لا زلت أقول: أنَّ طريقةَ (رشيدٍ) في نقدِ المَرويَّاتِ تبقى -في نَظرِي- فريدةً في زَمَنِه، عزيزةَ السُّلوك بالنَّظرِ إلى الحالِة العلميَّة في عصرِه، إذ كان أغلبُ المُشتغلين بالشَّريعةِ أجانبَ عن حقيقةِ هذا العلم ومُعاناته، في\n_________\n(^١) حاشية «مسند الإمام أحمد» بتخريج الشيخ أحمد شاكر (٦/ ٥٥٥).\n(^٢) انظر بعض أمثلة ذلك في «منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة» لتامر متولِّي (ص/٩).\n(^٣) مجلَّة «المنار» (٢٩/ ٣٧)، قاله في سياق دفاعه عن طعن توفيق صدقي في حديثٍ في البخاريِّ.\n(^٤) «وهم الإعجاز العلمي» لـ د. خالد منتصر (ص/٤٢).","vol":"1","page":385},{"text":"الوقتِ الَّذي كانت مجلَّتُه زاخرةً بتقريرِ قواعدِ هذا الفنِّ، وتأصيلِ بعض مسائلِه، بل والدِّفاع عن بعض الأحاديث ضدَّ طعون أهلِ زمانِه.\nوفي تقرير هذه الفضيلة في حقِّه يقول (مصطفى السِّباعي): «أمَّا السَّيد رشيد رضا فيظهرُ أنَّه كان أوَّلَ أمرِه مُتأثِّرًا بوِجهةِ أستاذِه الشَّيخ محمد عبدُه، وكان مثلَه في أوَّل الأمرِ قليلَ البضاعة مِن الحديث، قليلَ المعرفةِ بعلومِه؛ ولكنَّه منذ استلَمَ لواءَ الإصلاحِ بعد وفاةِ الإمام محمد عبدُه، وأخَذَ يخوض غِمارَ الميادين الفقهيَّة والحديثيَّة وغيرهما، وأصبح مَرجعَ المسلمين في أنحاء العالم في كلِّ ما يَعرض لهم مِن مشكلاتٍ: كثُرت بضاعتُه مِن الحديث، وخبرتُه بعلومِه، حتَّى غدا آخرَ الآمرِ حاملَ لواءِ السُّنة، وأبرزَ أعلامِها في مصر خاصَّة، نظرًا لمِا كان عليه علماء الأزهرِ مِن إهمالٍ لكُتبِ السُّنة وعلومها، وتبحُّرهم في المذاهب الفقهيَّة والكلاميَّة واللُّغوية وغيرها» (^١).\nولأن كان مُؤدَّى كثيرٍ مِن نَقداتِ (رشيدٍ) للصِّحاحِ إلى تعطيلِ اعتقادِ بعضِ السُّنَن، لشُبهة عرضَت له فيها، لا تَقوى -في واقعِ الأمر- على المثولِ أمام بيِّنات الحقِّ؛ إلَّا أنَّ مَرامَه الأوَّل مِن ذلك: دَرءُ ما يعتقده من شُبهاتٍ لخصومِ الإسلام عن سُنَّة نبيِّه ﷺ، محاولًا في ذلك استعمالَ قواعدِ النَّقدِ المُتوارثةَ مِن لَدُن النُّقادِ الأسلافِ على قدر علمه بها.\nفأين هذا مما يَفعله كثيرٌ مِمَّن يتبجَّحُ بمقالاتِه مِن أنصافِ الباحثين في هذا الوقت؟!، مِمَّن يُجهز على العَشراتِ -بل المئاتِ- من الأخبارِ الثَّابتة بمُجرَّد الرَّأي السَّائب أو الهوى.\nلكن (رشيد رضا) لونٌ آخر؛ فلقد نَذَر قَلَمَه للدِّفاع عن السُّنةِ وحَمَلتها بما نرجو به رفعتَه في الآخرة؛ ومُعظم الآراءِ الَّتي خَرَج بها عن مسالك أهل النَّقد الحقيقيِّين قصدُه من ذلك الذَّوْد عن الدِّين، وما يراه توفيقًا بين النُّصوص ومُستجَدَّات العصر، «إلَاّ أنَّ تَوقُّفَ حركةِ الاجتهادِ ردْحًا مِن الزَّمن، وقِلَّة\n_________\n(^١) «السُّنة ومكانتها في التشريع» (ص/٣٠).","vol":"1","page":386},{"text":"الأعوان، وتَبلُّد الأفهام، وكثرةَ الأعداء والطَّاعنين في الدِّين، وشراسةَ الحملةِ الغربيَّة آنذاك على بلاد المسلمين، دَفَعتْ بالشَّيخِ إلى التَّسرُّعِ في الرَّدِّ على الشُّبَهِ المُثارة بكلِّ ما طالته يَدُه، ودَفَعته إلى التَّوسُّعِ في الذَّودِ عن الإسلامِ في كلِّ علمٍ، مهما كان مَبلغه فيه قليلًا، ممَّا أدَّى به إلى الخروجِ عن الجادَّة المَوروثةِ في كثيرٍ مَن المَسائل» (^١).\nفلا يجوز -بحالٍ- أن يُرمَى الشَّيخُ في قصدِه بما يُرمَى به مَن كان غرضَه التَّشكيكُ في السُّنةِ واللَّمز بحَمَلتِها ابتداءً، فضلًا عن أن يُتَّهم بَهدْمِ «الصَّحيحين» اللَّذين هما قُطب رَحاها؛ وقد مرَّ بك قبلُ ثناءَه على الكِتابينِ وتبجيلَه للشَّيخين، ومُوافقته لِما عليه المُتخصِّصون مِن صِحَّةِ أغلبِ أخبارِهما.\nوأزيد فيه بيتًا من الشِّعر فأقول:\nإنَّ هذا الحُبَّ الظَّاهرَ مِن (رشيدٍ) للسُّنة النَّبويَّة ودفعه عنها شبهات المُلحدين، فضلًا عن إمامتِه في وقتِه في كثيرٍ مِن حقولِ المَعرفة ومَيادين الإصلاح: هو ما أغرى كثيرًا مِن خصومِ السُّنَن للاستشهادِ بمَقولاتِه، حتَّى يُضفوا عليها مَزيدَ قَبولٍ عند النَّاس وهَيْبة.\nإنَّ هذا الخطابَ من (رشيدٍ) في نقدِه للأحاديث على محدوديَّتِه، قد وَجَد له صدًى عميقًا لَدى كثيرٍ مِن القُرَّاء بعده،؛ وحين عاب (طه حسين) على (أبو ريَّة) كثرةِ استشهادِه بأقوالِ (رشيد رضا)، اعتذر إليه (أبو ريَّة) بأنَّه لم يُقدِم على ذلك عفوًا، أو فقرًا مِن الأدلَّة، وإنَّما قَصدُه مِن ذلك أمور مهمَّة، «منها: أنَّ هذا السَّيد يُعتَبر في هذا العصرِ مِن كبارِ أئمَّةِ الفقهاءِ المُجتهدين عند أهلِ السُّنةِ الَّذين يُعتَدُّ برأيهم ..»، «ولأنَّه -بلا منازع- شيخُ مُحِّدثي أهلِ السُّنة في عصرنا، بحيث يَعلمُ مِن الأحاديث الَّتي حمَلَتها الكتبُ المشهورة لدى الجمهور، ويُدرك ما اعتراها مِن فعلِ الرُّواة، وغير ذلك ممَّا يتَّصل بكتابي، ما لم يعلم مثلَه سِواه» (^٢).\n_________\n(^١) «موقف المدرسة العقليَّة الحديثة من الحديث النبوي» لشفيق شقير (٤٠٩ - ٤١٠).\n(^٢) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/٣٤ - ٣٥).","vol":"1","page":387},{"text":"يقول (أبو ريَّة): «.. على أنَّه فوق ذلك ورِثَ علمَ الأستاذ الإمام محمَّد عبدُه، وناهيك به علمًا وفضلًا، بحيث لا يختلف اثنان بأنَّه مِن كبارِ أئمَّة الدِّين المُجتهدين، فما يقوله السَّيد رشيد إنَّما اعتبِره كأنَّه صادرٌ عن أستاذِه الإمام، وذلك في ما أرى أنَّه مِن منهجِ الأستاذ الإمام وأسلوبِه في النَّظرِ إلى الدِّين» (^١).\nهذه التَّزكية من (أبو ريَّة) لـ (رشيد رِضا) ينقلها (عبد المَجيد الشَّرفي) أحد رؤوس الحداثيِّين في تونس مُتدَرِّعًا بها في غارَتِه على السُّنَن (^٢)، ثمَّ زادَ عليها شهادَتَه له بأنَّه «مُحَدِّث، يَعرف ميدانَ الحديث بدِقَّة» (^٣).\nو(رشيد رضا) -مع اعترافنا بفضلِه- ليس أهلًا عند أهل الصَّنعة أن يُطلق عليه لقب مُحدِّث، ولا هو مِن أحلاسِ هذا الفنِّ؛ وقد شرحنا قبلُ كيف تَعنَّى خوضَ مَسائلِ هذا العلمِ في جَوٍّ سادَ فيه الجهلُ به؛ وإنَّما صادفَ ردُّه لما ردَّ من ثابتِ الأحاديثِ هَوىً في أنفسِ هؤلاءِ المُعجبين به، فصَيَّروه إمامَ الأئمَّةِ، والصَّيرفيَّ الَّذي لا تخفى عليه زيوفُ الأخبار!\nوهو الَّذي صرَّحَ في نصِّه الماضي قريبًا، أنَّ الأحاديثَ الَّتي اتَّفق العلماء على تَصحيحِها في «الصَّحيحين» لا يُعترَض عليها إلَّا النَّادر منها، ولا أظنُّ لفظَ «النَّادر» في كلامِ رشيدٍ مُبهمًا تحتاج إلى تفسير.\nفما بالُ أولئك يخوضون في «الصَّحيحين» طولًا وعرضًا دون حياءٍ؟!\nالفرع السَّابع: تَخفُّف (رشيد رضا) مِن منهجِه القديمِ في التَّعاملِ مع السُّنةِ وأحاديثِها.\nالَّذي يغفَل عنه كثيرٌ مِن الدَّارسين لموقف (رشيد رضا) من السُّنة من مُتعجِّلي النَّقد: أنَّه قد تَدرَّج في الانسلاخِ مِن عباءةِ التَّمعقُلِ الكَلاميِّ على نصوصِ السُّنة شيئًا فشيئًا، وقد أظهرَ رجوعَه عن مناهجِ غُلاةِ المُتأخِّرين في مَوقفِهم مِن\n_________\n(^١) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/٣٥).\n(^٢) «الإسلام والحداثة» للشَّرفي (ص/٩٥).\n(^٣) «تحديث الفكر الإسلامي» للشَّرفي (ص/٣٢).","vol":"1","page":388},{"text":"مَصادر التَّلقِّي النَّقليَّة (^١)، لاهِجًا باتِّباعِ نهجِ السَّلفِ الصَّالحين (^٢)، مُحتذِيًا لكلامِهم في الدَّلائلِ العقلِيَّة، وذلك في أواخِر إصداراتِ مَجلَّتِه.\nكان مِن جميلِ ما قرَّره مِن ذلك قوله:\n«ما شَرَع الله الدِّين للنَّاسِ، إلَّا لأنَّهم لا يَستغنون عن هدايتِه بعُقولهم، ومَن كان يُؤمن بدينٍ مُنزَّل مِن عند الله، لا يُمكن أن يَقبل ما يوافق عقلَه، ويرُدَّ ما لا يُوافقه مِن المسائلِ الَّتي يعتقدُ أن الله فَرَضها عليه ..\nفمَن فَعَل ذلك، كان غير مُتَّبع لدينٍ يُؤمن به قطعًا، وإنَّما يكون مُتَّبعًا لهواه بغير هُدًى مِن الله، فوظيفةُ العقلِ: أن يعلمَ ويفهمَ ليعمل، لا أن يَتَحكَّم في دينِه .. ثمَّ إنَّ عقولَ النَّاسِ تختلفُ اختلافًا كثيرًا فيما يُوافق أصحابَها وما لا يُوافقهم، وذلك يقتضي أن يكون لكلِّ فردٍ مِمَّن يُحكِّمون عقولَهم في الدِّين دينٌ خاصٌّ به! وللمَجموع أديانٌ كثيرةٌ بقدرِ عددهم!» (^٣).\nوقد جاء إنكارُه شديدًا على مَن أسقطَ اعتبارِ حديثٍ في «الصَّحيحين» بنَظَرِه العقليِّ المُجرَّد، فاشتدَّ على أحدِ من وقعَ في ذلك مِن الأُدباء، مُشنِّعًا عليه بقولِه:\n«لا عبرةَ بكلامِ مثلِ الشَّيخ عبد العزيز جاويش في إنكارِ حديثٍ ولا في إثابتِه! فإنَّه ليس مِن علمِ الحديثِ في شيءٍ، وهو جريءٌ على القولِ في الدِّين بالهَوى والرَّأي، حتَّى إنَّه أنكرَ بعضَ أحاديث الصَّحيحين بغير علمٍ، فهو يُنكر ما لا يُوافق عقلَه ورأيَه» (^٤).\n_________\n(^١) وإن كان رشيد قد وَقَع أحيانًا في لَيِّ أعناقِ بعض النُّصوص الشَّرعية، والإبعادِ بمعانيها عن مُراد صاحبها، فقد رَفَض انتهاج هذا في مواطن كثيرة، بل بيَّن خطر التَّأويل المُتعسِّف على الدِّين، وتَلاعب أهلِه بنصوص الشَّرع، ولم يَره جائزًا إلَّا عند عدم القُدرة على دفع الشُّبه عنها، فإنَّه -على كل حالٍ- خيرٌ من الكفر كما يقول، وذلك في «تفسير المنار» (٣/ ١٧٤).\n(^٢) كما تراه لائحًا في مجلته المنار (٨/ ٦٢٠)، وفي رسائِله الأخيرة المسمَّاة بـ «السُّنة والشِّيعة».\n(^٣) «مجلة المنار» (٣٤/ ٧٥٧).\n(^٤) «مجلة المنار» (١٧/ ١٨١).","vol":"1","page":389},{"text":"فمثلُ هذا الموقفِ القويمِ مِن (رشيد رضا) لا بُدَّ أنَّه تَأثَّر فيه بأبحاثِ بعضِ المُحقِّقين مِن علماءِ السُّنة، كابنِ تيميَّة وتلميذِه ابن القيِّم، فيما تَيسَّر له الاطِّلاع عليه مِن كُتبهِما وقتَه، لا سِيما مَعْلَمة ابنِ تيميَّة «درء تَعارض العقلِ والنَّقل»؛ وهو ما أقرَّ به لهما، اعترافًا منه بالحقِّ وردًّا للجميل بقوله: «أنا أشهدُ على نفسي، أنَّني لم يطمئنَّ قلبي لمذهبِ السَّلف، إلَّا بقراءةِ كُتبِهما ..» (^١).\nوهو مع هذا التَّحوُّل المَنهجيِّ الفريدِ في آخرِ حياتِه، من الطَّبيعيِّ ألَّا يَتخلَّص مِن كلِّ رواسبِ المَفاهيمِ الرَّاكدةِ في ذهنِه، ولا مِن بعضِ مَواقِفه تُجاه بعضِ النُّصوص؛ كيف وقد كان لأفكارِ (الأفغانيِّ) وأستاذِه (عبدُه) عظيمُ الأثرِ في تصوُّراتِه حالَ طراوةِ شبيبَتِه؛ وهذا ما تلمَّسه تلميذُه (أحمد شاكر) في شخصيَّته الفكريَّةِ في معرضِ ردِّه على إنكارِه لحديثٍ: «.. أستاذنا محمَّد رشيد رضا، على علمِه وفقهِه، لم يستطِع قَطُّ أن يُقيم حُجَّته على ما يَرى، وأفلتَت منه كلماتٌ يَسمو على علمِه أن يَقَع فيها، ولكنَّه كان مُتأثرًا أشدَّ الأثرِ بجمالِ الدِّين الأفغاني ومحمَّد عبدُه، وهما لا يَعرفان في الحديثِ شيئًا، بل كان هو بعد ذلك أعلمَ منهما، وأعلى قَدَمًا، وأثبتَ رأيًا، لولا الأثرُ الباقي دخيلةَ نفسِه» (^٢).\nوالله يغفرُ لنا ولهم أجمعين.\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٣٣/ ٦٧٠).\n(^٢) حاشية «مسند الإمام أحمد» بتخريج الشيخ أحمد شاكر (٦/ ٥٥٥).","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المَطلب الثَّاني\nمحمَّد الغزالي (ت ١٤١٦ هـ) (^١)\nوكتابه «السُّنة النَّبويَّة بين أهل الفقه وأهل الحديث»</span>\nهو رائدٌ مِن رُوَّادِ المدرسةِ الإسلاميَّةِ الإصلاحيَّةِ المعاصرة، كان مُلهِمًا لكثيرٍ مِن أربابِ الفكرِ والدَّعوة في حِسْبَتِه على الدِّين ومُدافعته لِمَا يراه دَخيلًا في لُحمتِه، أو يُضادُّ مَقاصدَه، ويُغضي مِن جمالِه.\nلقد نَشَأ (الغزاليُّ) في زَمَنٍ عَصيِّ الفهمِ على أربابِه، انبعَثَت فيه أسئلةُ النَّهضةِ مِن جديدٍ لترفعَ صوتَها المُحتارِ بعد عقودٍ مِن الصَّمتِ المُطبِق على الأمَّةِ، دهشةً مِن أليمِ مُصابِها، ألقَى بها شبابُ صَحوةٍ لطالَما عانَوا مِن وَيلاتِ الإمبراليَّة العاتيةِ، وأفكارِ الشُّيوعيَّةِ الدَّاميةِ، وتَغلغُلِ العَلمانيَّة في جميعِ عروقِ الحياة.\n_________\n(^١) محمد الغزالي السَّقا: وُلد سنة ١٣٤١ هـ ١٩١٧ م بمحافظة البِحيرا بمصر، تَلقَّى تعليمَه الأوَّلي والثَّانوي في معهد الإسكندرية الدِّيني، ثمَّ التحق بكليَّة أصول الدين بالجامع الأزهر ١٩٣٧ م، وقد كان من أوائل الأعضاء البارزين في جماعة الإخوان المسلمين، وكان مقربًا لحسن البنَّا، وفي أوائل الخمسينيات عمل في مجالات الحركة الإسلامية دون انتماء لجماعة من الجماعات.\nوقد تقلَّد عدَّة مناصب في وزارة الأوقاف، وأعير أستاذًا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة ١٩٧٧ م، كما عُيِّن رئيسًا للمجلس العلميِّ لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميَّة بقسطنطينية/الجزائر إلى أن استقالَ ١٩٨٩ م.\n\nتعدَّت مُؤلفاته أكثر من خمسين كتابًا، كان أولها «الإسلام والأوضاع الاقتصادية»، وآخر ما صدر له كتابه عن «التفسير الموضوعي للقرآن الكريم»، كما تُرجمت بعض أعماله إلى عدَّة لغات؛ انظر ترجمته في مقدِّمة مجلَّة «إسلامية المعرفة» (العدد ٧، يناير ١٩٩٧ م).","vol":"1","page":391},{"text":"هي أسئلةٌ جَليلةُ المَغزى، تزايَدت جيلَ السَّبعيناتِ والثَّمانيناتِ مِن القرنِ الماضي، هَمُّها تَطلُّبُ قيامِ أمَّةِ الإسلامِ مِن جديدٍ، وغَمُّها جَهْلُها بحقيقةِ دينِها، والعَجزُ عن تقريبِه للنَّاسِ مِن بعيد؛ فتواردت الأجوبة عليها مُتعَدِّدة المَشارِب والأغراض، كلٌّ يُدْلي بدَلوِه في بئرِ الدِّين، ويَقطِفُ عَقْلُه مِن أشجارِ الفِكر، يبتغي جوابًا يَزعُمه شِفاءً لأدواءِ الدَّولةِ والمُجتَمع.\nفأمَّا أن يكون هذا المُتجشِّم للجواب فقيهًا في الدِّين، مُتمَرِّسًا في الدَّعوة، خطيبًا مُفَوَّهًا -كحال (محمَّد الغزالي) - فإنَّ جوابه يكون أدعى أن يُقبَل مِن العقول، وأسرعَ إلى أن يَنفُذَ في الوِجدان؛ فإذا زادَ على ما سَلَف انتظامَه في سِلكِ حَركةٍ إصلاحيَّةٍ مُبرَّزةٍ: فذاك الَّذي تَشرئِبُّ أعناقُ العالَمينَ إليه تَلقُّفًا لقولِه، أكانَ الواحدُ منهم مُوالِيًا، أو خصمًا له مُعاديًّا.\nلقد استشعرَ (الغزالي) مُبكِّرًا -وهو أحد تلاميذ مجلَّة المنار وشيخها رشيد رضا (^١) - قَدْرَ المَسئوليَّة المُلقاةِ على كاهلِه لتبصيرِ المسلمينَ إلى سبيلِ نَجاتِهم، وإنقاذِ شَبابِهم مِن الضَّلالِ في عَقائدهم وأخلاقِهم وتَصوُّراتِهم للحياة، مُشفِقًا مِن حجمِ الأسئلةِ التَّي تُثارُ لديهم على مَوائد الِحوارِ، وعلى أبوابِ المَساجِد، وعلى مَوجاتِ الأثيرِ؛ لا يَسمعُ في رَدِّها إلَّا خشيبَ الكلامِ، وعقيمَ الأفكارِ!\nفتسمع له صوت الأبِ الحَنون يُخاطب الحَيْرى من أبناء أُمَّته فيقول: «قلبي مع شبابِ الصَّحوةِ الإسلاميَّةِ، الَّذين عملوا الكثيرَ للإسلامِ، ويُنتظَر منهم أن يَعملوا الأكثرَ» (^٢).\nلقد شمَّر (الغزاليُّ) عن ساعد الجدِّ لينثر تَصوُّراتِه للنَّهضةِ في عَديدٍ مِن مُؤلَّفاته، لم يُثنه عن غايته النَّبيلة الشَّاقة إغراء سلطانٍ ولا بهرج مال، مُحاولًا بإجاباتِه سَدَّ ما يَراه خَللًا في تَصوُّراتِ الأجيالِ المُتلاحقة للدِّين والحياة؛ داعيًا الشَّبابَ المُقبل على الإسلامِ ألَّا يُضَخِّمَ المسائلَ الفرعيَّة فيجعَلوها ركائزَ أصلِيَّةً\n_________\n(^١) كما صرح بذلك في كتابه «علل وأدوية» (ص/٧١).\n(^٢) «السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١١).","vol":"1","page":392},{"text":"يُمزِّقون أواصر أخوَّتهم عليها؛ ولا تَرتقي أمَّةٌ تمضي على هذا النَّحوِ، لا سِيما ودينُ الله مَعزولٌ عن الحياة.\nلقد كانت أعظم أماني (الغزاليِّ) ومقصده في دعوته مُجملًا في وجيز قوله: «نريدُ للصَّحوة الإسلاميَّة المُعاصِرةَ أمرين:\nأوَّلهما: البُعدَ عن الأخطاءِ الَّتي انحرَفَت بالأمَّةِ، وأذهبَت ريحَها، وأطْمَعَت فيها عَدُوَّها؛ والآخر: إعطاءَ صورةٍ عَمليَّةٍ للإسلامِ تُعجبُ الرَّائين، وتمحو الشُّبهاتِ القديمةِ، وتُنصِفُ الوحيَ الإلهيَّ.\nويُؤسِفني أنَّ بعضَ المَنسوبين إلى هذه الصَّحوة فشَل في تحقيقِ الأمرَين جميعًا، بل رُبَّما نَجَح في إخافةِ النَّاسِ مِن الإسلامِ، ومَكَّن خصومَه مِن بسطِ ألسِنَتِهم فيه!» (^١).\nإنَّما أغلبُ كتاباتِ (الغزاليِّ) ديدنُها هذه الرَّغبة الجامحة في نفسه؛ وقلمُه وإن لم يتسِّم بتحقيقٍ عميقٍ للمَسائل، ولا سَردٍ طويلٍ للنُّقول، لكنَّه كان -والله- مُشبعًا بعاطفةٍ إسلاميَّةٍ جَيَّاشةٍ، ورُوحٍ أُستاذيَّةٍ راقيةٍ، تُرَبِّي قُرَّاءَها على تَمثُّلِ الدِّين في تَعاليمِه، وتَفهُّمِ أحكامِه في ضَوءِ مَقاصِدِه.\nلقد ساعَدَ (الغزاليَّ) في بَثِّ تَصوُّراتِه للدِّين والحياة قَلَمٌ حُلوٌ وارِفُ البَيان، يُؤنِس القلبَ، ويَبسُط على قارئِه ظِلالًا مِن السَّكينة؛ يُخيَّل إليك سَماعُ صَريفِ قَلَمِه -وإنْ خالَفْتَه- لحُسنِ تَعابيرِه، فلَكَم جَعَلتني رَشاقةُ أسلوبِه في مَعيَّةِ بَسْمَةٍ، ولو رَكِبَ فيها متنَ الخصومةِ، وتَوَقَّدَ بنارِ الاستخفافِ! بمُعجَمِ ألفاظٍ لا تكاد تجِده عند أقرانِه مِن الكُتَّاب الإسلامِيِّين، وطريقة بَيانيَّة هي عندي مِن أحسنِ ما يُقَدَّم به العلمُ والفكرُ في قالبٍ جمَاليٍّ، لا تطغى عليه طَرَاوة الصَّنعةِ اللُّغوية، ولا يُعاني مِن جَفافِ الكتاباتِ الفكريَّةِ الصِّرفةِ.\n_________\n(^١) «السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٤٠).","vol":"1","page":393},{"text":"والنَّاسُ مع ذلك قَلَّ أن يذكروه إنْ تذاكروا أربابَ البَيانِ في زماننا هذا!\nالفرع الأوَّل: مَوقف محمَّد الغَزالي مِن الأحاديث النَّبويَّة.\nإذا قصَرْنا توجيهَ كشَّافاتِ البحثِ المنهجيِّ إلى مَوقفِ (الغزاليِّ) مِن أحاديثِ السُّنةِ عمومًا، سنجِدُ أبرزَ مشروعٍ سارَ عليه قد جَلَّاه في أواخرِ ما سَطَّره مِن مُؤلَّفاته، أعني به كِتابَه «السُّنة النَّبوية بين أهلِ الفقه وأهلِ الحديث»، في الفَصلين السَّادس والسَّابع منه خاصَّة، مع بعضِ فصولٍ قليلةٍ في بعضِ مُؤلَّفاته الأخرى، تَناوَلت هذا المَوضوع الجليلَ.\nهذا الكتابُ حَظيَ بقَبولٍ وسَخَطٍ كبيرين في السَّاحة الفكريَّة وقت صدروه: قَبولٍ مَمزوجٍ بالدَّهشةِ والاستحسانِ مِن قِطاعٍ واسعٍ مِن دُعاةِ الحَداثةِ وأدعياءِ التَّجديد (^١)، بل ثناءٍ من بعضِ الشِّيعةِ له بـ «الشَّيخَ المُجاهد» (^٢) لأجلِ ما أشعله فيه من نيران الحرب مع أهل الحديث؛ وسَخَطٍ لم يَكظِمه شُداة الآثارِ، حتَّى بَثُّوه في ردودِهم المُتكاثرةِ على كتابِه (^٣).\nفهما فريقان مُتناقِضان، قد ساهما في الرَّواجِ لكتابِه، ما جَعَله يُطبَع سبعَ مرَّاتٍ في وقتٍ وجيز!\nوعِلَّة هذا القبول والسَّخط العارمين: أنَّ الغزاليَّ في كتابِه قد اختارَ النِّزالَ في ساحةٍ وَعِرة، يقتحِمها المُبَشِّرون والكائِدون للإسلام منذ قرونٍ -أعني مَيدانَ السُّنة- بتَصَيُّدِ غَريبِ الحديث، وتَتبُّعِ المُتشابِهات فيه، أو إقامةِ قضيَّةٍ على ما يظنُّون أنَّه مُناقضٌ للعَقلِ أو العلمِ؛ فكان خَوضُ عِراكٍ في هذا المَيدانِ أشبهَ\n_________\n(^١) مِمَّن استشهدَ به في كتاباتِ العَلمانيِّين: نضال عبد القادر في كتابه «هموم مسلم» (ص/١٠٢، ١٠٩).\n(^٢) أعني به جعفر السُّبحاني في كتابه «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٧٢).\n(^٣) من ذلك: كتاب «المِعيار لعلم الغَزاليِّ» لصالح آل الشيخ -وزير الأوقاف السُّعودي سابقًا-، و«سَمط الآلي في الرَّد على الغزالي» لأبي إسحاق الحويني، لم يَخرُج منه إلَّا طليعَتُه، و«براءة أهل الفقه والحديث من أوهام الغزالي» لمصطفى سلامة، و«الشَّيخ محمَّد الغزالي، بين النَّقد العاتب، والمدح الشَّامت» لمحمد جلال كشك، وأشهرُها كتاب د. سلمان العودة «حوار هادئ مع الغزالي»، وإن أبدى صاحبُه بعد ذلك نَدَما على إخراجِه له وأسلوبِه فيه.","vol":"1","page":394},{"text":"بمَلحَمةٍ يقتحِمُها المُجاهِد، لا يَكادُ يَسلَمُ فيها مِن خَدْشٍ أو جَرحٍ، بل قَتْلٍ! إنْ هو لم يُحسِن تَصوُّرَ خُطَطِ مَن يُواجِههُ، أو لم يُتقِن استعمالَ سِلاحِه ذَبًّا عن قَضيَّتِه.\nفهذا الَّذي أُراه حالًا للغَزاليِّ في كتابِه؛ فإنَّا وإن شَكَرنا له ما انطوى عليه مِن نَقداتٍ مَنهجيَّةٍ راجِحة، وتوجيهاتٍ تَربويَّةٍ ناجعة، فإنَّا لا نخفي أسَفنا على منهَجِه الَّذي ارتضاه فيه لنقد الأحاديث، حيث اعتمد على مِعيارٍ عَقليٍّ نِسْبيٍّ مُتمَخِّضٍ -أحيانًا- عن ذَوقٍ شَخصيٍّ، يَشذُّ بهما كثيرًا عن جماعاتِ العلماءِ قديمًا وحَديثًا.\nذلك أنَّ النَّظرَ عند (الغزاليِّ) في المتونِ هو الأساسُ الأمتَنُ في تميِيزِ المَقبول مِن الأخبارِ، قد أعلنَ عن ذلك في مَواضعَ من كُتبِه، مثل ما ذَكر من أنَّه قد يَحتجُّ بالضَّعيفِ وإن بانَ سَقَطُ إسنادِه لإعجابِه بمَعناه، ويرفضُ في المقابل ما اتُّفِقَ عليه مِن الصِّحاحِ إذا استنكرَها فهمُه؛ هذا مُرتكزُه الأساسُ في قَبولِ الحديث، ثمَّ يأتي الإسنادُ بعدَ المتنِ في الأهميَّة، وقد يَفقِدُ المتنُ الأهميَّةَ عند تَصدُّع الأوَّل حسب قولِه.\nفاسمَعه وهو يَتعقَّبُ الألبانيَّ تضعيفَه حديثًا ضَمَّنَه كتابَه «فقه السِّيرة» قائلًا:\n«قد يَرى الأستاذ المُحدِّث أنَّ تحسينَ التِّرمذي وتصحيحَ الحاكم لا تعويلَ عليهما في قَبولِ هذا الحديث، وله ذلك؛ بيدَ أنِّي لم أجِدْ في المطالبةِ بحُبِّ الله ورسولِه ﷺ ما يحملني على التَّوقُّفِ فيه، ولذلك أثبتُّه وأنا مُطمئِنٌّ! وفي الوقتِ الَّذي فسحتُ فيه مكانًا لهذا الأثرِ على ما به، صَدَدتُّ عن إثباتِ روايةِ البخاريِّ ومسلم -مثلًا- للطَّريقةِ الَّتي تَمَّت بها غزوةُ بني المُصطلق!» (^١).\nوقال: «قد قبِلتُ الأثرَ الَّذي يَستقيمُ متنُه مع ما صَحَّ مِن قواعدٍ وأحكامٍ، وإنْ وَهِيَ سَندُه، وأعرَضتُ عن أحاديث أخرى توصف بالصِّحة؛ لأنَّها -في فهمي لدين الله، وسياسةِ الدَّعوة- لم تنسجم مع السَّياقِ العامِّ» (^٢).\n_________\n(^١) «فقه السيرة» (ص/١٢).\n(^٢) «فقه السيرة» (ص/١٤).","vol":"1","page":395},{"text":"وقد كان الفَرض في مَن يَدَّعي نقدَ الأحاديث من خلال متونها، أن يكون حاذِقًا بالمَعاني الظَّاهرةِ والمُودَعةِ فيها، ليَتوَصَّل إلى كشفِ ما يجوز نِسبتُه إلى الشَّارِع وما يمتنِعُ.\nفأمَّا أن يكون النَّاقد عاجزًا عن تحقيق المَعنى المُراد مِن الحديثِ ابتداءً، فضلًا عن نفيِه الفائدة منه بالمَرَّة (^١)، مع ما يحتويه الخَبر مِن كنوز مَعرفيَّة يستنْبطها فقهاءُ الحديث: فالحَرِيُّ بمثله التَّورُّع عن اقتحامِ سِياجِ المتون، وترك الاعتراضِ على أهلِ الحديثِ في صنعَتِهم، بله التَّعريضِ بأفهامِهم.\nفأيُّ اعتبارٍ -إذن- لرفضِه حديثَ دِيَةِ المرأةِ، مع أنَّ مضمونه كلمة إجماعٍ بين أهل الفقه والحديث إلَّا مَن شذَّ (^٢)! وإزراءه بأهلِ الحديثِ وحدِهم لأنَّهم اعتمدوه! واصفًا فِعلَهم بأنَّه «سَوْءَة فِكريَّة وخُلقيَّة» (^٣)! ناسبًا نُكرانه له إلى «الفقهاءِ المُحَقِّقين»! (^٤)\nفلستُ أدري، مَن يعني بهؤلاء الفقهاءِ المُحقِّقين، وأنَّا هو كلامُهم في رفضِ الحديث؟!\nثمَّ أيُّ اعتبارٍ لامتعاظِ (الغزاليِّ) من كلامَ ابنِ خُزيمة والمَازريِّ ومَن وراءهم مِن فقهاء الحديث في تَوجيهِ حديثِ لطمِ موسى للملَك؟! توجيهًا وصَمَه بالسَّطحيَّة فقال: «هذا الدِّفاع كلُّه خفيفُ الوزن! وهو دفاعٌ تافهٌ لا يُساغ! .. والعِلَّة في المتنِ يُبصرها المُحقِّقون، وتخفى على أصحابِ الفكرِ السَّطحيِّ» (^٥).\n_________\n(^١) كما تراه -مثلًا- من دعوى (الغزاليِّ) في «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٣٤) على حديثِ لطمِ موسى ﵇ للمَلَك كونَه «لا يَتَّصِلُ بعقيدةٍ، ولا يرتبط به عملٌ»، ونَفيِه أن يَتَعلَّق حديثُ الذُّبابِ «بسلوكٍ عامٍّ أو خاصٍّ» كما قال في «قذائف الحق» (ص/١٤٩).\n(^٢) انظر «الاستذكار» لابن عبد البر (٨/ ٦٧) و«المغني» لابن قدامة (٨/ ٤٠٢).\n(^٣) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٥).\n(^٤) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٥).\n(^٥) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٣٦).","vol":"1","page":396},{"text":"مع أنَّ أهلَ السُّنة -وإليهم ينتسبُ (الغزاليُّ) - قابلون لهذا الحديث، مُقِرُّون بصحَّتِه، منذ عهدِ الرَّواية إلى يومِ النَّاس هذا، لا يُعلَم منهم للحديث غامِزٌ، إلَّا ما كان من بعضِ شَراذمِ الاعتزالِ؛ أفيُعقل ألَّم يَكُن في أولاء عبر تلك القرون المتعاقبة «مُحَقِّقون» يَتَفطَّنونَ لزَيغِ الحديثِ كما تَفطَّنَ؟!\nهذا؛ وهو الَّذي يؤكِّد مِرارًا بأنَّه «مع جمهرةِ الفقهاءِ، والمُتحَدِّثين عن الإسلام، وليسَ صاحبَ مَذهبٍ شَاذٍّ» (^١).\nبل ما أجدر بهذا الحديثِ المُستنكَر عند (الغَزاليِّ)، أن تَتَنزَّل عليه قاعدته الَّتي قعَّدها هو نفسه حينَ قال: «إذا استجمَعَ الخبرُ الَمرويُّ شروطَ الصِّحةِ المُقرَّرة بين العلماء، فلا معنى لرفضِه، وإذا وَقَع خلافٌ مُحترَم في توفُّرِ هذه الشُّروطِ، أصبح في الأمرِ سَعةٌ، وأمكنَ وجودُ وجهاتِ نَظرٍ شَتَّى» (^٢).\nفآهٍ للغَزاليِّ! لو مشى على هذا الصِّراط المستقيم في تَعاملُه مع ما أعَلَّ مِن أحاديث صِحاحٍ، إذن لسَلِمَ مِن عارِها وشُؤمِ نُكرانِها، ولَما تجرَّأ عليه أحَدٌ بالتَّجهيلِ في هذا الفنِّ الأصيلِ مِن علوم الآلة.\nفهذه الأمثلة وغيرها مِمَّا أظهرناه من تقريراتِ (الغزاليِّ)، شاهدة على طريقةِ تعامُلِه مع ما يستغلق عليه فهمه وقبوله من الصِّحاحِ، ومَن رَأَى مِن السَّيفِ أثرَه فقد رَأى أكثرَه!\nولَكم حزنتُ أن أرى داعيةً في مثلِ مَقامِه يَستهتِرُ في كلام له عن جُملةٍ مِن الأحاديثِ النَّبويَّة، بنوع تعبيراتٍ يَلوحُ منها ما يكتنِفُه مِن تَوتُّرٍ نفسيٍّ تُجاهَها، أجزِمُ أنَّ ألفاظها جانبت الصَّوابِ وجفت عن كمالِ الورَعِ، مهما كانت بَواعث صاحبها إلى ذلك.\nوإلَّا فأخبرني أخي القارئ: ما تستشعره ذائِقتُك وأنتَ تقرأ نعتَه للأحاديثِ النَّبويَّة بـ «رُكام المَروِيَّات»؟! (^٣)\n_________\n(^١) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٨) بتصرف يسير.\n(^٢) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٣٤).\n(^٣) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٣).","vol":"1","page":397},{"text":"نعم؛ أنا على بالٍ بأنَّ المُحِبَّ للشَّيخ قد يَجِد في السِّياقِ ما يَتأوَّل له به عبارته أو يُقلِّل مِن هَولِها، لكنَّها -في معتقدي- لا تصلُح بحالٍ أن يُعَبَّر بمثلِها عن أخبار نبيِّنا ﷺ ووِعاء سُنَّتِه.\nفمثل هذه المواقف الشَّديدة مِن (الغزاليِّ) في كتابه «السُّنة النبويَّة» كثير، يُقَوِّي العزمَ عندي بأنَّ ما خطَّته يمينُه فيه إنْ هو إلَّا نَفثةُ مَصدورٍ! وما كان مُحاكمةً عِلميَّة حقيقيَّة لاختلافِ الأدلَّةِ (^١)؛ وهو الَّذي أقرَّ بأنَّ مِثلَ تلك الأحكام الجُزافِ والألفاظ القاسية تُجاه الصِّحاحِ، والنَّأيَ عن كلامِ الأئمَّةِ في فهمِها على وجهها، مُفضٍ إلى إهدارِ السُّنة في المآلِ، فكان مِن جَميلِ مَقالِه في ذلك قوله:\n«إنَّ الوَلَع بالتَّكذيبِ لا إنصافَ فيه ولا رُشد، إنَّ اتِّهامَ حديثٍ ما بالبُطلان، مع وجود سَندٍ صحيحٍ له، لا يجوز أن يَدور مع الهَوى، بل ينبغي أن يخضَعَ لقواعد فَنيَّةٍ مُحتَرمةٍ، هذا ما التَزَمه الأئمَّة الأوَّلون، وهذا ما نَرى نحن ضرورةَ التزامِه.\nلكنَّ المؤسِفَ أنَّ بعض القاصِرين ممَّا لا سهمَ له في معرفةِ الإسلام، أخَذَ يهجُم على السُّنةِ بحمقٍ، ويَردُّها جملةً وتفصيلًا، وقد يُسرِع إلى تكذيبِ حديثٍ يُقال له، لا لشيءٍ إلَاّ لأنَّه لم يَرُقه أو لم يَفهمه!».\nثمَّ مَثَّل (الغزاليُّ) لهذا التَّأصيلِ بحديثِ الحبَّةِ السَّوداءِ، حيث شنَّع على مَن هَرَف «بأنَّ الواقعَ يُكذِّبُه، وإنْ صَحَّحه البخاريُّ!»، قائلًا عنه: «.. ويَظهرُ أنَّه فهِمَ مِن كلِّ داءٍ سائرَ العِلَلِ الَّتي يُصاب بها النَّاس، وهذا فهم باطلٌ! والواقع أنَّ (كلَّ داءٍ) لا تعني إلَاّ أمراضَ البردٍ، فهي مثل قول القرآن الكريم: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].\nبَيْدَ أنَّ الطَّعنَ هكذا خبطَ عشواء في الأسانيدِ والمتون -كما يصنعُ البعضُ- ليس القصدُ منه إهدارَ حديثٍ بعينِه، بل إهدارَ السُّنةِ كلِّها! ووَضْعَ الأحكامِ الَّتي جاءت عن طريقِها في مَحلِّ الرِّيبةِ والازدراءِ، وهذا -فوق أنَّه غَمطٌ للحقيقةِ\n_________\n(^١) انظر «طليعة سَمط الآلي» لأبي إسحاق الحويني (ص/٢١).","vol":"1","page":398},{"text":"المُجرَّدة- يُعرِّض الإسلامَ كلَّه للضَّياعِ؛ إنَّ دواوين السُّنةِ وثائق تاريخيَّة مِن أحْكَمِ ما عَرَفَت الدُّنيا» (^١).\nفلأجل هذه الَّآلي المنثورة في غير موطنٍ من كُتبه، أُسجِّل رَفضِي القاطعَ لتُهَمةِ بعضِ جُفاةِ المُشتغِلين بالحديثِ لهذا العَلَم النَّبيل بالتَّشكيكِ في السُّنةِ وعَداوةِ أهلِها (^٢)؛ أعاذَه الله مِن هذا العار، وهو الَّذي سَخَرَّ حياتَه للذَّبِ عن حِياضِ نبيِّه ﷺ، والارتشافِ مِن كَوثرِ سُنَّتِه، وإن أخطأَ تَلمُّسَ الحقِّ -أحيانًا- في سَبيلِ بلوغِ ذلك.\nفانظر إلى صفحةِ وجهِه المُغضب، كيف يُعلِنُها حرْبًا على مَن تُسَوِّل له نفسُه زَحْزحة السُّنةِ عَمَّا بَوَّأها الله مِن مَكانةٍ وهو يقول: «.. إنَّ مِن حَقِّنا أن نغضَبَ لتَطاوُلِ البعضِ دون بصيرةٍ عِلميَّةٍ، على أصولِ الإسلام، ومَصادِر ثقافتِه، والجريِ وراءَ الاستعمارِ الثَّقافي في التَّطويح بالسُّنَن، والتَّهوين من رِجالها؛ والسُّنَةُ هي الاستحكاماتُ الخارجيَّة حول أسوارِ القرآن، فإذا تَمَّ تدميرُها، فدَوْرُ القرآنِ آتٍ بَعدها، وذاك أمَلُ المُستشرقين المُبشِّرين، وسائرِ أعداءِ الدِّين» (^٣).\nفهل يُقال للمُتكلِّم بهذا بأنَّه طاعِنٌ في السُّنة، مُخاصِمٌ لأهلِها؟! اللَّهم غُفرًا.\nوالأنصفُ من هذا الحَيْف ما أجمَلَه صاحبُه وصفيُّه (القَرَضاويُّ) في كلامٍ قعيدٍ له، يقول فيه عنه:\n«رُبَّما أسْرَف الشَّيخُ في ردِّ بعضِ الأحاديثِ الثَّابتة، وكان يُمكِن تَأويلُها، وحَملُها على معنى مقبولٍ؛ وربَّما قَسا كذلك على بعضِ الفئاتِ، ووَصَفهم ببعضِ العباراتِ الخَشِنة والمُثيرة، وربَّما استعَجَل الحُكمَ في بعضِ مسائل، كانت تحتاجُ إلى بحثٍ أدقٍّ، وإلى تحقيقٍ أوفى.\n_________\n(^١) «ليس من الإسلام» (ص/٣٠ - ٣١).\n(^٢) كما تراه -مثلًا- مِن ربيع المَدخلي في كتابه «كشف موقف محمَّد الغزاليِّ من السُّنة وأهلها» (ص/٥).\n(^٣) «مقالات الشيخ محمد الغزالي في مجلة الوعي الإسلاميَّة» (ص/٣٤٧).","vol":"1","page":399},{"text":"ولكنَّ الكتابَ ليس كما تُصوِّره الحَمَلَة عليه، كأنَّه كتابٌ ضد السُّنة! ولا كما تَصَوَّروا مُؤلِّفَه، وكأنَّه يُنكر السُّنة! فهذا ظلمٌ بيِّنٌ للشَّيخ، الَّذي طالما دافعَ عن حُجِّيةِ السُّنة المشرَّفة، وهاجَم خصومَها بعنفٍ؛ وإنكارُ حديثٍ أو حديثين أو ثلاثة، وإن ثَبَتَت في الصِّحاح، لا يعني بحالٍ إنكارَ السُّنة بوَصفِها أصلًا ثانيًا، ومَصدرًا تاليًا للقرآن» (^١).\nولقد رأيتَ أنَّ إقرارِنا بهذه البَراءةِ (للغَزاليِّ) ودَفعنا لقولِ مَن أقذعَ فيه، لم يُثنِنا عن نقدِه، وبيانِ زَلَله حين زَلَّ؛ وذلك أنَّ عُذرَه الَّذي يُبديه (الغزاليُّ) في كلِّ مَوطنٍ يرفُض فيه التَّسليمَ ببعضِ الصِّحاحِ مِن الأخبار النَّبويَّة: مِن أنَّه يخافُ على الإسلام مِن شَماتةٍ أعدائِه، حريصٌ على الدِّين أن يجدَ العَلمانيُّون واللَّادينيُّون فيه ثغرةً ينفذُون منها للطَّعنِ فيه، فكان يقول: «إنَّني آبَى كلَّ الإباء، أن أربِطَ مُستقبلَ الإسلامِ كلِّه بحديثِ آحادٍ، مهما بَلَغَت صِحَّتُه» (^٢).\nأقول: لا يَشفعُ (للغَزاليِّ) مثل هذا الاعتذارِ مهما حسُن فيه مَقصِدُه، فإنَّ كثيرًا مِن الأحاديثِ لم يَزَلْ أهلُ الأهواءِ وأربابُ المِلَلِ قديمًا يَنْعَونَها على المُسلِمين ولا يزالون، فلم نَجِد أحدًا مِن أئمَّةِ الإسلامِ يَطعنُ فيها مُجاراةً لحضارةِ أعدائِهم، أو شفقةً على نظرتِهم للإسلام.\nلكن مشكلة (الغَزاليِّ) أنَّه رأى إسقاطَ بعضٍ مِن تلك الأحاديثِ الصَّحيحة المُستشكَلةِ في بعضِ الأذهانِ مِن قائمةِ التَّعويل -ولو كان مَقامُها في قلبِ «الصَّحيحين» - سبيلًا لدَرْءِ شُبهاتِ أولائكِ النَّاعِقين على الإسلام، فمتى كان رأيُ الكَفَرةِ مِن الإفرنجِ وأذنابِهم مِعيارًا مُعتبَرًا عند المُسلمين في تحسينِ صورةِ دينِهم أو تقبيحِه؟!\n_________\n(^١) «موقف الشيخ الغزالي من السنة النبوية» لـ د. القرضاوي (ص/٣٧٩).\n(^٢) «الطريق من هنا» لمحمد الغزالي (ص/٤٩).","vol":"1","page":400},{"text":"ولَإنْ تبادَر إلى فهمِ (الغَزاليِّ) مِن مُتونِها مَعانِيَ تنافرها قناعاته، فالمُشكلة حينها في فهمِ الشَّيخِ لا في الأحاديث نفسها، ولا في أخذ الأئمَّة بها؛ ولا أجد في هذا المقام جوابًا عليه أسَدَّ ولا أنسبَ مِن جوابِه هو نفسِه حين قال:\n«أمَّا نقدُ المتنِ: فقَوامُه مُقاربةُ الحديثِ المَنقول بما صَحَّ مِن نقولٍ أخرى، والنَّظر إليه على ضوءِ ما تقرَّر إجمالًا وتفصيلًا في كتابِ الله، وسُنَّة رسولِه ﷺ ..\nوقد استباحَ بعضُ القاصِرين لأنفسِهم أن يردُّوا بعضَ السُّنَن الصِّحاح، لأنَّهم أساءوا فهمَها، فسارَعوا إلى تكذيبِها دون تبصُّرٍ! ..\nوكُتب السُّنةِ المُعتبرةِ في ثقافتِنا التَّقليديَّة مَليئةٌ بالأحاديثِ الصَّحيحةِ والحَسنةِ، وفيها كذلك الضَّعيف الَّذي كشَف العلماء عِلَلَه؛ وعندي أنَّ المُشكلة الأولى ليست في مَيْز الصَّحيح مِن الحسن، والحسنِ مِن الضَّعيف، بل في فهمِ الحديثِ على وَجهِه، وترتيبِه مع غيرِه مِن السُّنَن الواردة، وهذا هو عملُ الفقهاء، وجهدُهم الكبير» (^١).\nالفرع الثَّاني: مَوقفُ (محمَّد الغزالي) مِن «الصَّحِيحين».\nلـ «لصَّحيحين» مَكانة عظيمة في قلبِ (الغَزاليِّ) لا تُنكَر، مُقِّرٌ هو بأفضلِيَّتهما على سائرِ كُتبِ الصِّحاح، مُسلِّمٌ لهما بتَجاوزِهما -كما يقول- «قنطرةَ الصِّحة» (^٢).\nوالشَّيخ مع هذه الحال من التَّقدير الجُمليِّ للكتابين، لم يَمْنَعهُ ذلك مِن استباحة الطَّعن في بعضِ ما أخرج الشَّيخان فيهما، وإن لم يُعِلَّه قبله ناقدٌ متخصِّص؛ كحديثِ «لَطمِ موسى ﵇ للمَلك»؛ فلمَّا استوحش الشَّيخ من فِعلتِه هذه، ولم يجد له مؤنسًا من سلفٍ مُعتَبَر، انسابَ قَلَمُه عجِلًا يدَّعي أنَّ الحديثَ «قد جادَلَ البعضُ في صِحَّته» (^٣)!\n_________\n(^١) «مقالات الشَّيخ محمد الغزالي في مجلَّة الوعي الإسلاميَّة» (ص/٣٤٧ - ٣٤٨).\n(^٢) كما قال في شرحه لمنهج المنذري في «الترغيب والترهيب» في كتابه «تراثنا الفكري في ميزان العقل والشرع» (ص/١٤٩).\n(^٣) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٣٤).","vol":"1","page":401},{"text":"فمَن هذا البعضُ الَّذي نازَعَ الأئمَّةَ في صِحَّته؟ ولِمَ لمْ يعتضِد هو بذكرِه صراحةً؟!\nولقد أحصيت ما أعلَّه (الغزاليُّ) وهو في «الصَّحيحين» أو أحدها، فبلغ عندي خمسة عشر حديثًا (^١)، وهي: حديث: «إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه ..» (^٢)، وحديث: «لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ» (^٣)، وحديث شريك بن عبد الله في الإسراء (^٤)، وحديث أهل القَليب: «ما أنتم بأسمع لِما أقول الآن منهم» (^٥)، وحديث فقءِ موسى ﵇ عينَ ملك الموت (^٦)، وحديث إغارة النَّبي على بني المصطلق (^٧)، وأحاديث المسيح الدَّجال (^٨)، وحديث السَّاق والصُّورة لله ﷿ (^٩)، وحديث: «إذا مرَّ بالنُّطفة ثنتان وأربعون ليلة» (^١٠)، وحديث: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود» (^١١)،\nوحديث: «كان فيما أنزل عشر رضعات يُحرِّمنَ» (^١٢)، وحديث: «إنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وإنَّه لمن\n_________\n(^١) تسرَّع ربيع المدخلي عند ذكره في كتابه «موقف الغزالي من السنة وأهلها» (ص/٤٤ - ٤٥) للأحاديث الصَّحيحةٍ الَّتي طَعَن فيها الغزاليُّ، حين مَثَّل فيها بما حقيقته أنَّه تأويل للغزاليِّ وليس تعليلًا له! كحديث البخاري: «أعطى ﷺ الفارس سهمين ..»، وحديث خبَّاب بن الأرت في البناءِ، وحديث نخس الشَّيطان للمَولود؛ فلَزِم التَّنبيه!\n(^٢) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢١).\n(^٣) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٥).\n(^٤) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٣٠).\n(^٥) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٣١).\n(^٦) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٣٤).\n(^٧) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٢٧).\n(^٨) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٤٩).\n(^٩) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٥١).\n(^١٠) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٥٤).\n(^١١) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٥٦) ..\n(^١٢) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٧٤).","vol":"1","page":402},{"text":"أهل النَّار» (^١)، وحديث انشقاقِ القمر (^٢)، وحديث توقُّف الشَّمس لأحد الأنبياء (^٣)، وحديث حذيفة الطَّويل في الفِتن (^٤).\nوالَّذي أراه جَرَّأ (الغَزاليَّ) على إحالةِ هذه الأحاديثِ في «الصَّحيحين»، فقَلَّلَ مِن هَيْبَة مَسِّها في صدرِه: اتِّباعُه لِما دَرَج عليه بعضُ المُتكلِّمِين مِن اندراجِ أحاديثِهما في جملةِ الآحادِ الَّتي لا تُفيد غير الظَّن؛ وقد أبان (الغزاليُّ) عن هذا الأصلِ الَّذي اشتغل به بقوله:\n«الأحاديث في «الصَّحيحين» المَروِيَّة بطريقِ الآحادِ، هل يَنطبِقُ عليها ما تقدَّم في درجةِ القطعِ بصحَّةِ الصَّحيح؟\nيرَى ابن الصَّلاح أنَّ الأمَّة حيث تلقَّتهما بالقَبول، فكأنَّ هذا إجماعٌ على صِحَّتهما، وأنَّ كل ما فيهما صحيحٌ سندًا ومتنًا (^٥)؛ ولكنَّ الجمهورَ لا يَرَوْن أنَّ الأمَّةَ قد اتَّفَقَت على صِحَّة هذين الكِتابين، بل الاتِّفاقُ إنَّما وَقَع على جوازِ العملِ بما فيهما، وذلك لا يُنافى أن يكون ما فيهما ثابتًا بطريقِ غلبةِ الظِّن، لا القطعِ، فإنَّ الله لم يُكلِّفنا بدرجةِ القطعِ في تفاصيل الأحكام العمليَّة، ولذلك يجبُ الحكمُ بمُوجب البيِّنة، وهي لا تُفيد إلَّا الظَّن.\nوتجدر الإشارة هنا: إلى أنَّ الحديث الصَّحيح الآحاديَّ، قد تحفُّ به قرائن مُؤيِّدة مُؤكِّدة، فينتقلُ مِن درجِة الظَّن إلى درجةِ القطع في الثُّبوت، أو إلى ما\n_________\n(^١) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٨٦).\n(^٢) «الطريق من هنا» (ص/٥٠).\n(^٣) «الطريق من هنا» (ص/٥١)\n(^٤) «فقه السيرة» (ص/١٤)، وأعني بالحديث ما في صحيح مسلم (برقم ٢٨٩١) قال حذيفة ﵁: «والله إني لأعلم النَّاس بكلِّ فتنة هي كائنة فيما بيني وبين السَّاعة، وما بي إلَاّ أن يكون رسول الله ﷺ أسرَّ إليَّ في ذلك شيئا لم يحدثه غيري ...»، ودعواه في ردِّه: أنَّ النَّبي ﷺ لا يعلم الغيوب على هذا النَّحو المفصَّل الشَّامل العَجيب.\n(^٥) لم يقُل هذا ابن الصَّلاح! إنَّما قال أنَّ المَقطوع به من أحاديث «الصَّحيحين» ما تُلقِّي بالقَبول واتُّفق على صِحَّتِه، دون ما اختُلِف في تصحيحِه وتعليلِه من قِبَل النُّقاد، وسيأتي كلامُه مُفصَّلًا.","vol":"1","page":403},{"text":"يقرُب منها، وربَّما كان هذا مُنطبِقًا على كثيرٍ مِن أحاديثِ «الصَّحيحين»، لكن لا يُمكن تعميمُه على جميعِها.\nفيتَّضِحُ ممَّا سَبَق، أنَّ الحديث يُعرَض على مَعايِير نقدِ المتنِ، حتَّى ولو كان صحيحَ السَّند، بل الحديثُ الصَّحيح الآحاديُّ ليس مَقطوعًا بصحَّتِه سواء أكان في الصَّحيحين أو غيرهما» (^١).\nفهذا -كما تَرَى- تسويغٌ (للغَزاليِّ) وجهَ مخالفته لبعض ما أخرجه الشَّيخان في «الصَّحِيحين»، فإنَّ آحادها في أصلِها لا تعدو كونَها عنده ظَنِّية، والأصلُ في الظَّنيِّ إذا عارضَ قطعيًّا أنْ يُطَّرح.\nفلذلك نجده حين يُستنكَر عليه رَدَّ شيءٍ في «الصَّحيحين»، يجيب بقوله: «أريدُ أن أقرِّرَ حقيقةً إسلاميَّة ربَّما جِهَلَها البعضُ: هل رَفضُ حديثِ آحادٍ -لملحَظٍ ما- يُعَدُّ صَدْعًا في بناءِ الإسلام؟ ..\nكلَّا! فإنَّ سُنَن الآحادِ عندنا تُفيد الظَّنَّ العِلميَّ» (^٢)، وبالتَّالي «لو نَقَّينا هذا العَدَدَ مِن بِضعِ أحاديث قليلةٍ، ماذا سيجرِي؟! سواء كان هذا في البخاريِّ أو مسلم!» (^٣).\nوسيأتي نَقضُ هذا الأصلِ الَّذي ابتنى عليه الغزاليُّ تعليلاتِه لبعضِ أخبارِ «الصَّحيحين»، عند دراسة المُسوِّغ الثَّاني من الباب الثَّالث -إن شاء الله-.\n_________\n(^١) «تراثنا الفكري في ميزان العقل والشرع» (ص/١٧٤)\n(^٢) «قذائف الحق» (ص/١٤٨).\n(^٣) جريدة «المسلمون» العدد (٢٧٦) ٢٩ شوال ١٤١٠ هـ (ص/١١).","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المَطلب الثَّالث\nإسماعيل الكردي (^١)\nوكتابه: «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث»</span>\nهذا الكاتبُ مِن قلائلِ مَن حاول تعليلَ أحاديث «الصَّحيحين» عَبَثًا عبر استعمالِ ما قَرَّره أهلُ العلمِ مِن أماراتِ الوضعِ اللَّائحة مِن المتونِ، ولقد أبانَ عن مَغزى اختيارِه للصَّحيحين محلًّا لتنزيل تلك القواعد بقوله: «إنَّما اخترتُ تطبيقَ هذه القاعدة على بعضِ أحاديث الصَّحيحين، لأنَّه إذا ثَبَت ما قُلته فيهما مع أنَّهما أصحُّ الكتبِ، فهو ثابتٌ مِن بابِ أَوْلى فيما هو دونهما في الصِّحةِ مِن كُتبِ الحديث» (^٢).\nوزَعَم (الكرديُّ) أنَّ الباعثَ له لإخراجِ كتابهِ أمران، أعربَ عنهما بقولِه:\n«هذا الكتابُ يهدف -مِن جهةٍ- لتأكيدِ حُجِّية السُّنةِ النَّبويَّة، وأنَّ بعضَها\n_________\n(^١) إسماعيل الكردي: وُلد في دمشق سنة ١٩٦٤ م، حاز على إجازة في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب بجامعة دمشق، ثم عمل في مجال النشر الكتبي منذ عام ١٩٩٣ م، له مجموعة من المراجعات والتحقيقات لبعض الكتب التي تتحدث حول الديانات القديمة والموضوعات الفلسفية مثل مراجعته لكتاب نحو أرض جديدة لمؤلفه: كهارت توليه، وانظر ترجمة له موجزة في موقع (دار الأوائل للنشر والتوزيع)، وهي الَّتي طَبعت كتابه «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث».\n(^٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٨).","vol":"1","page":405},{"text":"وَحيٌ إلهيٌّ، وجزءٌ لا يتجزَّأ من الإسلام .. ومِن جِهة أخرى: يهدفُ لبيانِ عدمِ عِصمة كلِّ لفظةٍ في الصَّحيحين» (^١).\nوالنَّاظر في تسويدِه ذاك يجده منكبًّا في مُجملِه على دراسةِ الأمرِ الثَّاني دون الأوَّلِ، ردَّةَ فعلٍ منه لِما رآه مِن تشكيكِ بعضِ المُثقَّفين في الإسلامِ بسببِ هذه المَرويَّاتِ المُنكرَة المَنسوبةِ إلى الشَّارع الحكيم، عَبَّر عن ذلك بقولِه: «إنَّ أشخاصًا مِن المُثقَّفين بالثَّقافة العصريَّة، عندما يَرَون بعضَ الأحاديثِ في «الصَّحيحين» وغيرهما لا تنسجمُ مع مُعطياتِ العلمِ الحديثِ .. يرفضون الحديث برُمَّته، بل يجعلُ بعضهم ذلك مُستندًا لإنكارِ الدِّين، أو صلاحية الشَّرع الإسلاميِّ لهذا العصر مِن الأساس!\nورُبَّما ساعَد في أخذِهم هذا الموقفَ، ما سمعوه مِن علماءِ الدِّين -ولم يعقلوا المعنى الدَّقيق لكلامِهم- مِن أنَّ كلَّ ما في «الصَّحيحين» صحيحٌ! مع أنَّ المَقصودَ بالصِّحة: الظَّنُّ بالصِّحة حسب ظاهر السَّند، وهذا للغالبيَّة العُظمى لما فيهما، لا الاستغراق الكُلِّي بالمعنى الحرفيِّ للكلمة» (^٢).\nفـ (الكرديُّ) كغيره كثير يَرى آحادَ «الصَّحيحين» ظنِّية الصُّدور مُطلقًا، لا يُحتجُّ بمثلها في عقيدةٍ ولا أصلٍ عِباديٍّ (^٣)، فلا حَرَج إذن في الطَّعنِ في ما يَراه مُختلَّ المتنِ مِمَّا نالته يَدُ الإهمالِ مِن قِبَل الشَّيخين، مُعتذرًا لهما بتَبصُّرِ الصَّنعةِ الإسناديَّةِ، والانشغالِ بتَحَمُّلِ المَسموعات، دون باعٍ في العَقليَّاتِ يُمكِّنهم مِن تَبيُّن المَقبولِ مِنها والمَردود.\nوعلى خلاف موقفه السَّلبيِّ هذا من منهج الشَّيخين في النَّقد الحديثيِّ، فقد كان (الكرديُّ) شديدَ الحَفاوةِ بجُهدِ المعتزلة في نقدِ المتونِ بأصولِهم العقليَّةٍ الَّتي\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٧).\n(^٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٥ - ١٦).\n(^٣) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٤٥).","vol":"1","page":406},{"text":"أصَّلوها (^١)، فكان أن سايَرهم في كثيرٍ من عقائدهم الَّتي يُحاكمون النُّصوص إليها، من مثل إنكارِ رؤيةِ الله تعالى يوم القيامة (^٢)، ونَفيِه لعلُوِّ الله تعالى على خلقِه بذاته (^٣).\nبل بَلَغَت قِحَة إعجابِه بهم أنْ نقل هَرَفَ بعضِ أعلامِهم في الطَّعنِ بأبي هريرة ﵁ وروايتِه للحديث! (^٤) والله حسيبُه.\nالفرع الأوَّل: لمحةٌ عن مَصادرِ كتابه وتَقاسيمِه.\nإنَّ المقلِّبَ لصفحاتِ «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث»، يجد فيه المؤلِّف يستقى جملةً مِن مُغالطاته الَّتي حَشر بها كتابَه مِن مَصادر مُتشاكِسة، فمنها ما هو أساسٌ يَعزو إليها كثيرًا شُبهاتِه: كمَقالات (رشيد رِضا) في «مجلَّته المنار»، و«فجرِ الإسلام» لـ (أحمد أمين)، و«أضواءِ على السُّنة المحمَّدية» و«أبو هريرة شيخُ المَضيرة» لـ (محمود أبو ريَّة) (^٥)، وبعضِ كتاباتِ (محمَّد الغزالي) في نقد السُّنَة؛ مع اعتماده أيضًا على بعض ما نَقَله قُدَامى الكُتَّابِ -كابنِ أبي حديد في «شرح نهج البَلاغة»، وابن عبد ربِّه الأندلسيِّ في «العقد الفريد» - مِن رواياتٍ مُلَّفقة مَفضوحةِ الكذبِ (^٦).\nومِن مَراجِعه ما هو فيها ثانويُّ المَصدر: ينقُل منها ما يراه عاضِدًا لنقولِ مَصادره الأخرى، كبعضِ كُتبِ المُصطلح والجرحِ والتَّعديل، حاوَلَ توظيفَها\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٤٤، ١٧١).\n(^٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢٢٢).\n(^٣) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢١٧).\n(^٤) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢٥٨)\n(^٥) وقد كان الكرديُّ حريصًا على عدم التَّصريح بالاقتباس عنه، لعلمه بأنَّه غير مرضيٍّ عنه عند أهل العلم، ترى أمثلة ذلك في كتاب «دفاعًا عن الصحيحين» لنجاح العزَّام (ص/٤٨).\n(^٦) كدعوى هَجرِ الصَّحابة ﵃ لمُعظَمِ حديثِ أبي هريرة ﵁، انظر «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٩ - ١٠).","vol":"1","page":407},{"text":"باجتزاء نصوصِها حسب ما يخدِم أفكارَه، غاضًّا طَرفَه عن توجيهِ العلماء لها، سالِكًا فيها طريقةَ تحريفٍ للنُّصوص خدَّاعة.\nوقد قسَّم (الكرديُّ) كتابَه هذا إلى ثمانية فصول:\nاستفتحَها بذكرِ مُقدِّماتٍ حوَتها فصولُه الثَّلاثة الأولى، دندنَ فيها حول نفيِ التَّلازم بين صِحَّة أسانيد «الصَّحيحين» وصِحَّة متونِها، ونفيِ الإجماع على صحَّة أحاديثهما (^١)، مُعلِنًا أنَّهما قد حَوَيا من الأحاديث ما لا «يجبُ أن نَتردَّد في ردِّه، لِما في متونها مِن نكارةٍ مخالفةِ للقرآن، أو للعلم، أو للعقل، أو للتَّاريخ، أو لطبائع الأمور، وإن كانت مُخرَّجة في أصحِّ الكُتب، أو مِن أصحِّ الأسانيد» (^٢)!\nوأمَّا الفصول الثَّلاثة الأخيرة المُتبقيَّة: فهي لبُّ كتابه، خَصَّصها لسردِ قواعد النَّقدِ المُتعلقَّة بالمتون، وكيف يُسقِط تطبيقُها الاعتدادَ بجملةٍ كبيرةٍ مِن الصِّحاح، مثَّل لهذه القواعد بـ (أربعةٍ وسبعين) حديثًا مَعلولةَ المتن في «الصَّحيحين» (^٣)، كان أغلب ما تطرَّق له مِن ذلك -خاصَّةً في الفصلِ الخامسِ- ما وَصفَه بـ «الأحاديث الَّتي تشتمل على معاني التَّجسيمِ للذَّاتِ الإلهيَّةِ، ويُمنَع حملُها على المَجاز» (^٤)؛ مع تأبِّيه عن سَوق دفوعات العلماء لهذه الإشكالات.\nفمِن أمثلةِ أحاديثِ الغَيبِ المُنكرَةِ عند (الكُرديِّ) متنًا:\nما اتُّفِق على صحَّته مِن حديث أبي هريرة ﵃ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «اختصَمَت الجنَّة والنَّار إلى ربِّهما، فقالت الجنَّة: يا ربِّ، ما لها لا يدخلها إلَّا ضعفاء النَّاس وسَقطهم؟ وقالت النَّار: أُوثرت بالمتكبِّرين، فقال الله تعالى للجنَّة: أنتِ رحمتي، وقال للنَّار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلؤها ..» (^٥).\n_________\n(^١) انظر «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٤٧ - ٩٠)، وقد أكثر جمال البنا من النقل عن هذه المقدمة في مقدمة كتابه «تجريد البخاري ومسلم» (ص/١٦) وما بعدها دون عزو إليه!\n(^٢) انظر التَّمهيد الثَّالث من كتابه «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٦٥ - ٢٤١).\n(^٣) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٨٨ - ٢٠٥).\n(^٤) انظر هذه القواعد في «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٦٥).\n(^٥) أخرجه البخاري في (ك: التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، رقم: ٧٤٤٩).","vol":"1","page":408},{"text":"وعند مسلم: «.. فأمَّا النَّار فلا تمتلئ حتَّى يضع الله ﵎ رجلَه، تقول: قط، قط، قط! فهنالك تمتلئ، ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله مِن خلقِه أحدًا، وأمَّا الجنَّة فإنَّ الله يُنشئ لها خلقًا» (^١).\nيقول الكُرديُّ فيه: «إنَّ في متنِه خَللًا في المعنى، لأنَّ الجنَّة والنَّار غير عاقلتين فتتكلَّمان! ..» (^٢)، و«أغلبُ الظَّنِ أنَّ واضعَ هذا الحديثِ، يُريد أنْ يُفسِّر بهذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، مع أنَّ أدنى مَن له إلمامٌ وتَذوُّق للُّغة العربيَّة، يُدرك تمامًا أنَّ الآيةَ بَيانٌ بَلاغيٌّ تخويفيٌّ، رائعُ التَّعبير عن مَدى سِعةِ جهنَّم» (^٣).\nونقول جوابًا للكرديِّ: مَن له أدنى إلمامٌ وتَذوُّق للُغة العرب يعلمُ أنَّ حملَ الألفاظِ على الحقيقةِ هو الأصلُ الَّذي لا يُحاد عنه إلَّا بقرينةٍ توحي بالمَجاز (^٤).\nفأين هذه القرينة في الآيةِ أو خارِجَها؟!\nوأيُّ مانعٍ شرعيٍّ أو عقليٍّ يَحول دون أن يُنطِق الله جَهنَّم أو الجنَّةِ، وأن يجعل فيهما قدرة التَّمييز إذا أرادَ ذلك؟! وإن كان «لا يَلزم مِن هذا، أن يَكون ذلك التَّميِيزُ فيهما دائمًا» (^٥).\nفالأصلُ على هذا أنَّ الآيةَ جاريةٌ على التَّحقيقِ، وقِياس عالمِ الغَيب على ما عندنا في عالمِ الشَّهادة باطلٌ؛ وعلى فَرضِ احتمالِها لكِلا الحقيقةِ والمَجاز، فقد جاءت السُّنة الصَّحيحة تُعيِّن المُرادَ منهما، فوَجَب الأخذُ بها مُبيِّنةً، وطرحُ أيِّ اجتهادٍ عَداها (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم: ٢٨٤٦).\n(^٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٦١).\n(^٣) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢٠٨).\n(^٤) انظر «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢/ ٢٦٩).\n(^٥) «شرح النووي على مسلم» (١٧/ ١٨١).\n(^٦) سيأتي تفصيل الردِّ على الشُّبهات المُثارة على هذا الحديث في مبحثِه المُناسب من هذا البحث.","vol":"1","page":409},{"text":"ونظير هذا الزَّيغ العلميِّ عند (الكرديِّ)، ما تَراه أحيانًا من طعنه ببعضِ أخبارِ «الصَّحيحين» لمجرَّد اختلافٍ يَسيرٍ في بعضِ ألفاظِها بين رواياتها! مع كون هذا الخلاف غير مُؤثِّر في أصلِ الرِّواية؛ مثل اختلافِ الرِّواياتِ في سِعرِ جَملِ جابر ﵁ (^١).\nأو تراه أخرى يَردُّ جُملةً كاملة من حديثٍ بدعوى أنَّها مقحمةٌ مِن الصَّحابيِّ! كادِّعائِه تفرُّدَ أبي هريرة ﵁ بلفظ: «إذا هَلَك قيصرَ، فلا قيصر بعده» (^٢)، مع أنَّه قد شارَكَه في روايتِها جابر بن سمرة ﵁ (^٣).\nوالَّذي يدُلُّك على عَجَلة الرَّجل في النَّقد، وارتِمائه على الصِّحاحِ بالطَّعنِ من غير تَريُّث: تَهوُّره في نسبةِ حديثٍ منكرٍ إلى «صحيح مسلمٍ» وليس فيه! أعني حديثَ ابن مسعود ﵁ الَّذي طَرفُه: «يكون أمراءُ يقولون ما لا يفعلون ..» (^٤)؛ مع أنَّ مُسلمًا قد أعرضَ عن هذا الحديث، وخَرَّج حديثًا آخرَ في «صحيحِه» في بابه، وهو حديث ابن مسعود ﵁: «ما مِن نبيٍّ بَعَثه الله في أمَّةٍ قبلي إلَّا كان له حواريُّون وأصحاب ..» (^٥)، فاختلطا على (الكرديِّ)! وزاد على قبح جهلِه أن عاتب مسلمًا على مُخالفة أحمدَ بن حنبلٍ (^٦) في إنكارِه!\nوأمَّا في الفصلين الأخيرين مِن كتابه:\nفقد أبان فيهما (الكرديُّ) عن ما يراه اكتشافًا لسرِّ كثرةِ المتونِ المَعلولةِ في «الصَّحيحين»! ما سمَّاه بـ «ثغراتٍ في البناءِ السَّنَدي المُحكَم» (^٧)، فكان أبرزُ ذلك\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: فرض الخمس، باب قول النبي ﷺ: «أحلت لكم الغنائم»، رقم: ٣١٢٠)، ومسلم في (ك: الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، رقم: ٢٩١٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: فرض الخمس، باب قول النبي ﷺ: «أحلت لكم الغنائم»، رقم: ٣١٢١).\n(^٤) أخرجه أحمد في «المسند» (٧/ ٤١١، رقم: ٤٤٠٢).\n(^٥) أخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، رقم: ٥٠).\n(^٦) «السنة» للخلال (١/ ١٤٢).\n(^٧) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢٤٧، ٢٩٣).","vol":"1","page":410},{"text":"عنده: احتجاج الشَّيخينِ بمَراسيلِ الصَّحابة ﵃ مُطلقًا! ومثَّل ببعضِ صِغار الصِّحابة، كابن عبَّاس، والنُّعمان بن بشير، وأبي الطُّفيل، وعبد الله بن الزُّبير؛ مُبديًا اعتراضَه على فكرةِ التَّسليم بعَدالةِ الصَّحابةِ وضبطِهم من الأساس، وأنْ لابدَّ مِن عَرضِهم كغيرهم مِن طبقاتِ الرُّواة على مَشارحِ علمِ الجرحِ والتَّعديل! متذرِّعًا في ذلك بوجودِ المُنافقين في مجتمعِ الصَّحابة!\nوهذا لا شكَّ خلاف إجماعِ أهل السُّنة، وهو الَّذي يَدَّعي الانتسابَ إلى مُتكلِّمِيهم وهم منه بَراءٌ! مُتناسيًا أنَّ المنافقين خارجون عن تعريف الصَّحابيِّ مِن الأصل، فالصَّحابيُّ هو مَن لَقِي النَّبي ﷺ مؤمنًا به، وماتَ على ذلك؛ أمَّا المنافقون فكَفَرةٌ في الأصل، لمْ تخفَ أمَاراتُهم على المُؤمِنين عهدَ النَّبي ﷺ، ولا جهِلوا خُبثَهم الجاري في لَحنِ قَولِهم، بل كانوا مَعروفين لَدى عَددٍ مِن الصَّحابة، أشهرُهم حُذيفة بن اليَمان ﵁ (^١).\nيقول الخطيب البغداديُّ (ت ٤٦٣ هـ) مُعقِّبًا على جملةِ ما أورَدَه مِن دلائل على عدالة الصَّحابة مِن الكتابِ والسُّنة:\n«.. والأخبارُ في هذا المعنى تتَّسع، وكلُّها مُطابقةٌ لمِا ورد في نصِّ القرآن، وجميعُ ذلك يَقتضي طهارةَ الصَّحابة، والقطعَ على تعديلِهم ونزاهتِهم، فلا يَحتاج أحدٌ منهم مع تعديلِ الله تعالى لهم، المُطَّلعِ على بواطنِهم، إلى تعديلِ أحدٍ مِن الخلقِ لهم، فهم على هذه الصَّفةِ، إلَّا أن يثبُت على أحدِهم ارتكابُ ما لا يحتمِل إلَّا قصدَ المعصية، والخروجَ مِن بابِ التَّأويل، فيُحكَم بسقوطِ عدالتِه، وقد برَّأهم الله تعالى مِن ذلك، ورَفع أقدارَهم عنه.\nعلى أنَّه لو لم يَرِد مِن الله ﷿ ورسولِه فيهم شيءٌ ممَّا ذكرناه، لأوجَبَت الحالُ الَّتي كانوا عليها، مِن الهجرة، والجهاد، والنُّصرة، وبذل المُهج والأموال، وقتلَ الآباء والأولاد، والمُناصحة في الدِّين، وقوَّة الإيمان واليقين:\n_________\n(^١) كما في البخاري (ك: التفسير، باب ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾، رقم: ٤٦٥٨).","vol":"1","page":411},{"text":"القطعَ على عدالتِهم، والاعتقادَ لنزاهتِهم، وأنَّهم أفضل مِن جميعِ المُعدَّلين والمُزَكِّين الَّذين يجيؤون مِن بعدِهم أبدَ الآبدين.\nهذا مذهب كافَّة العلماء، ومن يُعتَدُّ بقولِه مِن الفقهاء» (^١).\nيقول (الكرديُّ) مثلَ هذا العار في أصلِ الأسانيدِ ومَنبعِها وهم الصَّحابة، مع أنَّه صَدَّر كتابَه بإعلانِ انسحابِه مِن معركةِ الأسانيد وتَهاويلِها؛ واقتصارِه على المتونِ الَّتي عليها مَدار بحثِه (^٢)؛ فليتَه وَفَّى!\nثمَّ ليته إذْ تَجشَّم الكلامَ في ما اختَصَّ به فحولُ الرِّجال، أنْ لو التزمَ المنهجَ العِلميِّ الَّذي أصَّله أئمَّة الاختصاصِ الحديثيِّ، فكما أنَّه ادَّعى قبلُ التِزامَه بقواعِد الوضعِ في المتنِ كما بيَّنوها، فليلتَزِم أيضًا بقواعِد الإسنادِ الَّتي أصَّلوها!\n_________\n(^١) «الكفاية» للخطيب البغدادي (ص/٤٨).\n(^٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٣).","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المَطلب الرَّابع\nجواد عفانة\nوكتابه «صحيح البخاري، مخرَّج الأحاديث محقَّق المعاني»</span>\nالفرع الأوَّل: نظرة إجمالية إلى كتاب (عفانة).\nتسويدُ هذا الكاتب الأردنيِّ أشبه ما يكون بتخريجٍ لأحاديث «البخاري» ونقد صحيحِه مِن ضَعيفه، هذا الضَّعيف الَّذي غَلَب على ثُلثَي «الصَّحيح»! فليس يصحُّ عنده مِن أحاديثِ الكتاب إلَّا أقلُّ مِن الثُّلث؛ مع اعترافِه -مَشكورًا! - أنَّ نسبةَ الصِّحة الإسناديَّةِ في كتاب البخاريِّ، واقعةٌ على «على ٩٧ _، مع بقاء ٣ - مِن «صحيحِه» غيرَ صحيحٍ سَنَدًا، وذلك عملٌ -والله- كبيرٌ كبيرٌ»! (^١)\nولأنَّ (عفانة) عالمٌ بخطورة ما أقدم عليه في كتابه من نقضِ المُسلَّمات السُّنيَّة، مشفقٌ من احتمالِ صدمةٍ فكريَّةٍ تنِّفر القارئ من كتابِه وتُسخطه على راقِمه، فقد حاول تخفيف وطأةِ فِعلتِه بالتَّقليل من قيمة السُّنة ومَرويَّاتها من حيث التَّشريع، فقال ببرودة دمٍ:\n«إنَّ ردَّ السُّنة كليًّا لا يهدم الإسلام، لأنَّ القرآن محفوظ من ربِّ العالمين، وفيه كلُّ الأصول والكليَّات وبعض الفرعيَّات، فالإسلام قائمٌ بالقرآن حتَّى قيام السَّاعة ..».\n_________\n(^١) انظر كتابه «اللباس الشرعي وطهارة المجتمع» (ص/٥).","vol":"1","page":413},{"text":"وحين أحسَّ (عفانة) بتَماشي كلامِه في هذا الباب مع ما يقوله القرآنيُّون وانسجامه مع تأصيلاتهم، سارع لردِّ هذا التَّلازم بتغليطِ مَن يفهم من كلامِه ذلك، وذلك -في رأيِه- أنَّ القرآنيِّين ساعون في إسقاط السُّنة كلِّها، أمَّا هو فساعٍ في إسقاطِ شطرِها فحسب! إذ أنَّ «ردَّ السُّنة كلِّها سوف يؤدِّي إلى مشاكل وصعوبات كبيرة في فهم القرآن وتطبيقاته العمليَّة» (^١).\nمهَّد المؤلِّف كتابه بمقدِّمة بيَّن فيها موقفه مِن «الجامع الصَّحيح» في الجملة، حيث شَرَح متأسِّفًا ما آلَ إليه هذا الكتابُ مِن تقديسٍ عند العامَّة نتيجةَ تسلُّطِ الجهلِ والتَّقليدِ والخُرافة عليهم قرونَ مُتطاولة، فكان أن عبَّر عن هذا الواقعِ المُتوهَّم بصياغةٍ دراميَّةٍ قال فيها:\n«.. وسَادَ الجهل، وصارَ فهم القرآن عزيزًا بعد اعتماد المسلمين التَّقليدَ منهجًا، والخرافةَ ديدنًا، إثرَ تخلِّيهم عن المنهجِ العلميِّ العقليِّ القرآنيِّ؛ تمسَّك جمهور المسلمين بـ «صحيح البخاري» تمسُّكًا شديدًا، وأنزلوه منزلةً عظيمةً، حتَّى قال أحدهم: هو أصحُّ كتاب بعد كتاب الله تعالى!\nوعلى الرَّغم مِن أنَّ هذه العبارة لا تعني أنَّه صحيحٌ كلُّه، إلَّا أنَّه قد خرج علينا بعض المُقلِّدين في العصورِ المُتأخِّرة بعبارةٍ تقول: صحيحَا البخاري ومسلم، تَلقَّتهما الأمَّة بالقَبول، لشيءٍ لا يجعله مَصدرًا شرعيًا ..» (^٢).\nالعجيب المُضحك حقيقةً، أنَّ (عفانة) حين أراد تسويغَ ما اجترحته يَداه من عَبَثٍ في نقد كتاب البخاريِّ، ردَّ فكرةَ كتابِه إلى أحدِ أعلامِ الحنفيَّة السَّابقين، مُعتبرًا إيَّاه نابِعًا مِن نفسِ الهمِّ الَّذي احتمَله في كتابه على السُّنة، فاعجب له وهو يقول:\n«.. استمرَّ الحال على ذلك قرونًا، حتَّى جاء أبو العباس زين الدِّين أحمد بن محمد بن عبد اللَّطيف الشَّرجي الزَّبيدي ﵀ في القرنِ التَّاسع الهجري، فجرَّدَ\n_________\n(^١) «دور السُّنة في إعادة بناء الأمَّة» (ص/٢٧٩).\n(^٢) «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» (١/ ٥).","vol":"1","page":414},{"text":"كتابَ «صحيح البخاري» واختصَرَه .. ولأنَّ كتابَ مُختصر الزَّبيدي لم يَنَل مِن العناية والاهتمامِ ما يستحقُّ فيما أعلم، فقد ازدادَ تَعلُّق المسلمين بكتابِ «صحيح البخاري» الأصل، حتَّى صارَت له عند كثير منهم قُدسيَّة خاصَّة» (^١).\nفقد نَمنَم (عفانةُ) في مَقاله هذا على الزَّبيديِّ كذِبًا -عن سوءِ هَمٍّ، أو قِلَّةِ فهمٍ- حينَ ادَّعى أنَّ قصدَ الزَّبيدي مِن مُختصِره هذا تنقيحَ «البخاريِّ» مِن زَيفِ الحديث؛ فإمَّا أنَّ (عفانة) لم يقرأ كتابَ الزَّبيدي أصلًا! وإنَّما تَوَهَّم ذلك موضوعَه، أو يكون (عفانة) كذَّابًا مُدلِّسًا على قُرَّائه!\nوالمَعلوم بداهةً لكلِّ حديثيٍّ، بل لِمن تَصَفَّح مُقدِّمة الزَّبيدي للكِتابِ ولو سريعًا: أنَّ غَرَضه منه حذفَ المُكرَّرات والمُعلَّقات مِن أحاديثِ البخاريِّ، لأجلِ الاختصارِ لا غير.\nالفرع الثَّاني: شروط (عفانة) في السَّند والمتنِ ومعناه ليصحَّ الحديث.\nفعلى ذاك النَّحو المُظلم صارَ (عَفانة) يخبط في البخاريِّ خبطَ عشواءٍ، يرمي كلَّ حديثٍ لا يُوافق قواعده الوَرْهاء، والَّتي أعرضَ بها عن كلِّ ما قعَّده المُحدِّثون في باب النَّقد للحديث، حتَّى استدركَ عليهم شروطًا ابتكرها لا يصحُّ خبرٌ في «البخاري» إلَّا بها، وقد حَصَرها في ثلاثةِ عناصر: السَّند، والمتن، والفهم (^٢).\nفأمَّا السَّند: فقد شَرَطَ فيه (عفانة) عدمَ تَفرُدِّ راوٍ به في أيِّ طبقةٍ مِن طبقاتِ السَّند! أي أن يروِيَه اثنان فأكثر في كلِّ طبقةٍ؛ وهذا لا شكَّ مذهبٌ باطلٌ مَهجورٌ عند أهل الحديث؛ بل روايةُ الواحدِ عن الواحدِ صحيحةٌ إلى النَّبي ﷺ، ويكفي في ردِّ كلامه مثال حديث عمر ﵁: «إنَّما الأعمال بالنِّيات»، وإجماع العلماء على صِحَّته، مع كونِه فَردًا غريبًا (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» (١/ ٥ - ٦).\n(^٢) انظر «الإسلام وصياح الدِّيك» (ص/٨٨).\n(^٣) انظر «توجيه النظر» لطاهر الجزائري (١/ ١٨٣ - ١٨٥).","vol":"1","page":415},{"text":"فضلًا عن ردِّ (عفانة) لمئاتِ الرِّوياتِ الصَّحيحة لمجرَّد أن أحدَ رواتها قيل فيه: (لا بأس به)، أو (صدوق له أوهام)، أو (صدوق ربَّما أخطأ)، فيكفيه أن يُغمَز الرَّواي بأدنى كلامٍ -ولو كان مَرجوحًا- كي يَتَوقَّف في حديثِه.\nترى صنيعَه هذا ماثلًا في ردِّه لحديث ابن عبَّاس ﵁: «إنَّهما يعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ» (^١)، حيث قال عقِبه: «يُتوقَّف فيه سَندًا، فيه عثمان بن أبي شيبة، قال فيه أحمد: ما علمتُ إلَّا خيرًا، وقال أبوحاتم الرَّازي: صدوق» (^٢)!\nوكأنَّ (عفانة) يوَّد أن يوهمنا بمثل هذا التَّلاعب بأحكام النُّقاد أنَّه رجل غَيورٌ على السُّنة! يخالُ المسكين أنَّ هذا الغلوَّ في مَعايير القَبولِ ماشٍ فيه على «وِفق علمِ مصطلح الحديث والرِّجال» (^٣)؛ وهيهات! فليته إذ تعَسَّف في الطَّعنِ بثقاتِ الرُّواة، نَظرَ أوَّلًا في مُتابعاتِ حديثِهم وشواهدِه، عساه يجِدُ ما يُمشِّي به حديثَهم ويُقوِّيه على الأقل، ولكنَّ العَجلةَ أعمَتهُ عن تَتبُّع ذلك.\nفمثال ذلك في كتابه:\nما أخرجه البخاريُّ في «صحيحه» قال: قال مالك، أخبرني زيد بن أسلم، أنَّ عطاء بن يَسار أخبره، أنَّ أبا سعيد الخدري ﵁ أخبره، أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا أسلمَ العبدُ، فحسُن إسلامُه، يُكفِّر الله عنه كلَّ سيِّئةٍ كان زلفها ..» الحديث (^٤).\nفقال عفانة: «ضعيف مُعلَّق، لا يُؤخذ منه حكمٌ، وفي القرآن ما يُغني عنه» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله، رقم: ٢١٦)، ومسلم في (ك: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، رقم: ٢٩٢).\n(^٢) «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» (١/ ٦٤).\n(^٣) «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» (١/ ٥).\n(^٤) أخرجه هكذا البخاري في (ك: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء، رقم: ٤١).\n(^٥) «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» (١/ ١٩).","vol":"1","page":416},{"text":"هكذا ضربة لازب؛ لم يُكلِّف الرَّجل نفسَه ولو فتحَ شرح واحدٍ من شروح البخاريِّ كـ «فتحِ الباري»، إذن لوَجَد أنَّ الحديثَ فيه مَوصولٌ، يقول عنه ابن حجر: «قد وَصَله أبو ذرِّ الهروي في روايتِه، ولم يسُق لفظَه، ووَصَله النَّسائي في السُّنن، والحسن بن سفيان في مُسندِه، والإسماعيليُّ عنه، والدَّارقطني في غرائب مالك، وسمويه في فوائده، وغيرهم، وقد سُقته مِن طريق عشرة أنفسٍ عن مالك» (^١).\nوأمَّا شروط (عفانة) في المتن لقبول الحديث:\nفذكَرَ منها: موافقةَ الحديثِ للقرآن الكريم، وقصدُه الدَّقيق منه: أنَّ أيَّ حديثٍ فيه إنشاء حُكمٍ ليس له في القرآن أصلٌ فهو مَردود!\nوكذا ألَّا يُصادِمَ عنده العِلمَ القطعيَّ اليَقينيَّ، أو يناقضَ السُّنن الكونيَّة، أو يحيلَه العقل أو الواقع، أو يَتعارض مع روحِ الإسلام، أو يُكذِّبه التَّاريخ، وأن لا يطرأ عليه الاحتمال، أو لا يأتي بما تشمئزُّ منه النَّفس، أو يُناقض الكرامةَ والعِفَّة (^٢).\nوليس في السُّنِنِ الصِّحاح -بحمد الله- ما ينطبق عليه ما ذكره في هذه الفقرة الأخيرة، ولكنَّ المُشكلة في فهمِه للمتون الَّتي يعارض بها تلك الأصول.\nوأمَّا ما يتعلَّق بشرط الفهم لمتن الحديث عند (عفانة):\nفقد شرط في المتن أن يكون واضِحًا مِن جهة اللُّغة (^٣)، يُمكن فهمُه بمُجرَّد سماعِه (^٤).\nولا شكَّ أنَّ هذا أمرٌ نِسبيٌّ، فلا يُجعل معيارًا مطلقًا، فإنَّ مَخزون اللُّغةِ عند العَربِ زمنَ النَّبي ﷺ كبيرٌ يُمكِّنهم من فهمِ كلامِه تلقائيًّا، بخلافِ الخوالِف بعدهم\n_________\n(^١) «الفتح» لابن حجر (١/ ٢٠).\n(^٢) انظر كتابه «الإسلام وصياح الديك» (ص/٨٨).\n(^٣) انظر كتابه «الإسلام وصياح الديك» (ص/٨٨).\n(^٤) انظر «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» (١/ ٥).","vol":"1","page":417},{"text":"ومِن الأعاجِم الَّذين جاءوا بعدُ بقرونٍ، فهؤلاء يحتاجون للرُّجوعِ إلى شرحِ غريب اللُّغة والحديثِ لفهمِ كلامِه، لا أن يَردُّوا ما لم يفهموه لوجود غريبٍ فيه.\nهذا كلُّه مِن جِهة التَّنظير والتَّأصيل.\nوأمَّا من جِهة التَّطبيقِ لهذه القواعد على الأحاديث:\nفقد شَطَّب (عفانةُ) بها على جملةٍ وافرةٍ من أحاديث «الجامع الصَّحيح» ناقَضَت عقيدَته الاعتزاليَّة (^١)، أو خالفت فهمَه للدِّين، فردَّ بها كلَّ حديث فيه ذكرٌ لأشراطِ السَّاعةِ، أو عذاب القبر، واصفًا لها كلِّها بأنَّها مجرَّد خُرافة (^٢)، بل رَدَّ ما لم يُسبَق إليه مِن السُّنَن، كحديث «صيام يوم عرفة»، حيث استكثر على الله أن يُكفِّر لعبادِه بصيامِ يومٍ واحدٍ سنتين كاملتين! فرفضه على قاعدة: «ما جاء بثواب عظيم على نافلة صغيرة» (^٣)!\nكلُّ هذا العَبث بدعوى ترسيخِ المنهج العقليِّ الواقعيِّ، وحضِّ المسلمين على إعادة النَّظر في تراثهم (^٤)، سببه الأساس مردُّه إلى ظنِّ (عفانة) أنَّ البخاريَّ وغيره من أئمَّة النَّقد سُذَّج غَافلون عن ركامِ الأحاديثِ المَدسوسةِ في السُّنةِ؛ تفهم هذا الظَّن السَّيء منه مِن قولِه مثلًا: «الآن لننتقل إلى أعمال المحترفين في التَّزييف والتَّخريب المتعمَّد -يعني حديث: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» - الَّذي لم ينتبه لبعضِه أكابرُ علماء الحديث ورواته، حتى مرَّ على البخاري والتِّرمذي ..» (^٥).\nوقد تبيَّن لك حالُ الرَّجلِ في السَّفاهةِ والسَّذاجةِ وقلَّة العلم والدِّين، فما كان أقلَّ في حقِّ مثلِه أن يُلحَق بعُسَيلٍ فيُأدَّب بدُرَّة عمر ﵁.\n_________\n(^١) انظر «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» (١/ ١٩٩، ٨٦، ٢٠) و«الإسلام وصياح الديك» (ص/٥١، ٣٧، ١٩).\n(^٢) «حوار حول أحاديث الفتن وأشراط الساعة» (ص/٧٤).\n(^٣) انظر كتابه «دور السُّنة في إعادة بناء الأمَّة» (ص/٣، ١٣٩).\n(^٤) انظر كتابه «حوار حول أحاديث الفتن وأشراط الساعة» (ص/٧٤).\n(^٥) «الحق أبلج» (ص/٢٠٠).","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الباب الثاني: المُسوِّغات العلمية المُتوَهَّمة عند المُعاصِرين للطَّعنِ في أحاديث الصَّحيحَيْن</span>\nويشتمل على أربعة فصول:\n* الفصل الأوَّل: دعوى الخَلل التَّوثيقي في تَصنيفِ «الصَّحيحين» وتَناقُلِهما.\n* الفصل الثَّاني: دعوى أنَّ أحاديث «الصَّحيحين» لا تُفيد إلَّا الظَّن.\n* الفصل الثَّالث: دعوى إغفال الشَّيخين لنقدِ المتونِ.\n* الفصل الرَّابع: الاحتجاج بسَبْقِ ردِّ العلماءِ لأحاديثَ في «الصَّحيحين».","vol":"1","page":419},{"text":"الحمد لله، وبعد:\nلمَّا تبوَّأ الصَّحيحان تلكم المكانة السَّامية عند علماء الأمَّة سَلَفًا وخلفًا بِما حازاه مِن قصبِ السَّبقِ في مراتب الصِّحة، كان ولا بُدَّ لمن أراد الاعتراض على شيءٍ فيهما أن يُدلي للنَّاسِ بمُسوِّغاتِه العلميَّةِ الَّتي استجاز بها مخالفةَ جماهير العلماء في رفض ما تلقَّوه بالقَبول فيهما.\nهذه المُسوِّغات هي عامَّة الأصول الَّتي أيَّد بها الكُتَّاب المعاصرون تعليلَهم لِما أعلُّوه من متونِ «الصَّحيحين»، وعليها ابتنوا عمَلهم النَّقديَّ لما تضمَّناه من أخبار، فإنَّهم إذا ما طعنوا في شيءٍ منها تذرَّعوا بإحدى تلك الأصول المُسوِّغات أو بكلِّها، والَّتي حصرتُها في أربعٍ (^١):\nالمُسوِّغ الأوَّل: وقوع الخَلل التَّوثيقيِّ في تَصنيفِ «الصَّحيحين» وتَناقُلِهما، فكانا عُرضة للتَّصرف فيهما والانتحال عليهما.\nالمُسوِّغ الثَّاني: دعواهم أنَّ أخبار «الصَّحيحين» لا تُفيد إلَّا الظَّن، فاحتمال الخطأ من رُواتها قائم، ما يعني انتفاء الحرج على مَن غلَّب جانب الخطأ أو الكذب إذا ما استنكر المتن.\nالمُسوِّغ الثَّالث: دعوى إغفال البخاريِّ ومسلمٍ للمتونِ في منهجهم النَّقدي للأحاديث، لتنتقل مهمَّة نقدِ المتون وتمحيصِها إلى الأجيالِ اللَّاحقة.\nالمُسوِّغ الأخير: سَبْقِ العلماءِ إلى نقد «الصَّحيحين» قديمًا وحديثًا، فلا حَرَج على المُحْدَثين مِن استباحة ما استباحه أسلافهم مِن تعليل بعض أخبارهما.\nفعلى هذا سينصبُّ تَوجُّهي في هذا البحث على نقدِ هذه الأصول المُسوِّغات أوَّلًا قبل مناقشةِ طعونِهم الجزئيَّة على آحاد الأحاديث، حتَّى لا أدع ثغرًا ينفذون منه إلى «الصَّحيحين» إلَّا سدَدته عليهم -بإذن الله-؛ إذ كان من\n_________\n(^١) لم أجعل كلامَ مَن سَوَّغ الطَّعنَ في مُتونهما لأجلِ إكفارِه الصَّحابة ﵃ أو تفسيقهم -مثلًا- مُسوِّغًا يَستحقُّ الإطنابَ في دراستِه، كما تذهب إليه عموم الشِّيعة الإماميَّة؛ فإنَّ مَن تَنجَّس بهذه البائقةِ في حقِّهم ﵃، المناقشةُ الحقيقيَّة معه هي في أصلِ الإسلامِ وصدقِ الرِّسالة أصالةً! لا في جزئيَّاتٍ تَتَعلق بآحادِ الأخبار ومفاد متونها.","vol":"1","page":421},{"text":"مُرتكز العمليَّة النَّقديَّة في أيِّ علمٍ كان: التَّوجهُ أوَّلًا نحو جذور الأقوال فيه بالنَّقد والدِّراسة، دون الانشغال بنقدِ مُخرجاتها من آحاد الأقوال.\nفإذا كان الطَّاعنون في السُّنة يُركِّزون على الجزئيَّات لتعود على أصولِنا بالإبطال، فإنَّا -بالعكس- سنُركِّز نقدَنا في هذا البابِ على أصولِهم النَّقديَّة، لتعود على الجزئيَّات بالإبطال؛ ذلك أنَّ كلَّ شيءٍ لا تُستأصل جذوره لا يُنتفع بزوالِ فروعِه! والباطلُ المُتمكِّن إذا لم يُرفع بحقٍّ مُماثلٍ له في القوَّة، لا بُدَّ أن يعود ولو بعد حين.\nوإلى عظيم فائدة هذا المنهج القويمِ في نقدِ الكُليَّاتِ والأصولِ من أفكار المُخالفين، يشير ابن تيميَّة (ت ٧٢٦ هـ) بقولِه: «إنَّ معرفةَ المرضِ وسبَبَه يُعين على مُداواته وعِلاجِه، ومَن لم يعرف أسبابَ المقالاتِ وإن كانت باطلةً، لم يتمكَّن مِن مُداواة أصحابها وإزالة شُبهاتهم» (^١).\nوقبله قال أبو حامدٍ الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): «الوقوف على فسادِ المَذاهب قبل الإحاطةِ بمَداركِها مُحالٌ، بل رميٌ في العماية والضَّلال» (^٢).\nفكان خلاف هذا المنهج من أخطرِ المَعايب المَنهجيَّة الَّتي يكثُر أن نقع فيها -نحن معاشر الباحثين- في هذه الأعصُرة المتأخِّرة، أن ننشغل بآحاد الأفكار، ونغفل عن النَّظريَّات الَّتي أفرزتها؛ أن نتلهَّى بالمُخرجات، وننسى أصولها الَّتي أنتجتها؛ أن نفتتن بما قال فلانٌ، وما قالت الطَّائفة الفلانيَّة، ولا نهتمَّ عميقًا بالسُّؤال المَنهجيِّ الجَوهريِّ: لماذا قالوا ذلك أصلًا؟!\nفلذلك كان منهجي في هذا البحث نقد الأصول الَّتي يلج من خلالها الطَّاعنون للطَّعن في أحاديث «الصّحيحين»، حتَّى إذا ما ظهر زيف ما ابتنوا عليه نقداتهم، تساقطت مع هذا الزَّيف أكثر تشغيباتهم على أفرادِ الأحاديث.\nفأقول مُستعينًا بالله تعالى:\n_________\n(^١) «الرد على البكري» لابن تيمية (١/ ١٨٢).\n(^٢) «مقاصد الفلاسفة» للغزالي (ص/٢).","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الفصل الأوَّل\nدعوى الخَلل في تَصنيفِ «الصَّحيحين» والتَّشكيك في صحَّة تَناقُلِهما</span>\nثمَّة شعورٌ أوَّليٌّ يحكمُ بعضَ النَّاقدينَ المُعاصِرين لمتونِ الأحاديث، إحساسٌ قبليٌّ بالنَّأيِ عن تصديقِ رواياتِ كتابٍ ما، بدافعِ حمولة إيديولوجيَّة تضطرُّه لمجانبةِ كلِّ ما تَرويه طائفةٌ تنازعُ أصول طائفتِه، أو بنفيِ الثِّقة عن الطَّريقةِ الَّتي وَصَله بها ذاك الكتاب المُخالف، فيُطلق العَنان لنفسه في الإطاحة بكلِّ ما يستشنعه مِن أخباره، مُظهرًا ذلك في صورة نَقدٍ علمِيٍّ مُتجرِّد!\nبخلافِ ما لو كانت تلك المُصنَّفات تعتمدُ عليها طائفتُه في تقريرِ مُعتقداتِها، معتقدًا جودَةَ نَقْلِها وتوثيقها، فإنَّ قُدراتِه الذِّهنية على مُمارسةِ ما يَدَّعيه نقدًا للمتونِ تضعُف تلقائيًّا، نتيجةَ إحساسِه الدَّاخلي بضرورةِ التَّسليمِ لها!\nوعلى هذا المَلمح النَّفسي الدَّقيق، يتنزَّل لطيف كلام ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) حين قال: «إنَّ النَّفْس إذا كانت على حالِ الاعتدال في قَبول الخَبر، أعطته حقَّه مِن التَّمحيص والنَّظرِ، حتَّى تَتبيَّن صِدقَه مِن كذبِه، وإذا خامَرها تَشيُّعٌ لرأيٍ أو نِحلةٍ، قبِلَت ما يُوافقها مِن الأخبار لأوَّل وهلةٍ! وكان ذلك الميْلُ والتَّشيُّع غِطاءً على عَيْن بَصيرتها عن الانتقادِ والتَّمحيص، فتقع في قَبول الكذبِ ونقلِه» (^١).\n_________\n(^١) مقدمة «ديوان المبتدأ والخبر» لابن خلدون (١/ ٤٦).","vol":"1","page":423},{"text":"وإنَّ من المُتقرَّر عقلًا وشرعًا كون «الحُكم على الشيءِّ فرعًا عن تَصوُّرِه» (^١)، ومِن أشنعِ ما ارتَكَس فيه اللَّامزون بنقل «الصَّحيحين»: تَصوُّرهم الخاطئ لطُرقِ التَّصنيفِ والرِّواية عند المُتقدِّمين.\nفلأجلِ بيان هذا الغلط الخطير، أتيتُ بهذا المَبحث مُتصِّلًا بالصَّنعةِ التَّوثيقيَّةِ لمُدوَّناتِ الحديثِ، والَّذي يَعنيني منها خصوصًا بيانُ التَّصوُّر الخاطئُ للطَّاعنِين في طريقةِ تصنيفِ «الصَّحيحين»؛ فإنَّك لو سألتَ عامَّتهم عن القواعدِ العلميَّة والمعايير التَّوثيقيَّة الَّتي اتَّبعها البخاريّ -مثلًا- في انتقاءِ أحاديثِ كتابِه وتَرتيبها وتَبويبها، ثمَّ تبيِيضه وروايته، فإنَّك لن تجد منهم جوابًا ينمُّ عن إدراكٍ كامل صحيح للمسألة، ومِن ثمَّ يجيء نقدهم مَغلوطًا تَبعًا لذلك التَّصوُّر المختلِّ، يصلُ في بعضِ الأحيانِ إلى سَفسَطَةٍ عجيبةٍ.\n_________\n(^١) «شرح الكوكب المنير» لابن النجار الفتوحي (١/ ٥٠).","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المَبحث الأوَّل\nأصل شُبهة المُعترضين على جدوى تدوين السَّلف للسُّنة</span>\nأساس المشاغبات على منهجِ المُحدِّثين في تدوينِ السُّنة مُنْبَنٍ على شَفَا جُرفٍ هارٍ مِن الجهل بتاريخِ التَّدوين نفسِه، مُتولِّد -في الجملةِ- عن أصلِ اعتقادِهم بعدمِ حاجةِ القرنِ الأوَّل للحديثِ النَّبوي، ما يُفسِّر عدمَ اهتمامِهم بتدوينِه؛ فيكون كلُّ ما أنتجته قرائحُ أفذاذ المسلمين مِن طرائق التَّدوين الحديثيِّ وبراعةٍ في إحكامِ قوانينِ التَّوثيقِ باطلٌ لا قيمة له عندهم (^١).\nفانظر -مثلًا- إلى الإماميِّ (صادق النَّجمي) في أولى فصولِ كتابِه المُخصَّصة للكلامِ عن سِيَر الحديثِ وتَدوينِه (^٢)، كيف ادَّعى تأخُّرَ تدوينِ السُّنةِ عند أهلِ السُّنةِ، ليتوسَّل بذلك إلى أنَّ «صحيح البخاريِّ» ساقطُ الاعتبارِ، كونه لم يُدَوَّن إلَّا بعد قرنين مِن وفاِة النَّبي ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) انظر «تاريخية الدعوة المحمدية في مكة» لهشام جعيط (ص/٣٧)، و«أضواء على السنة المحمدية» لأبو ريَّة (ص/٢٣١ - ٢٣٢)، بل يرى أبو القاسم حاج حمد في كتابه «إبستملوجيا المعرفة الكونية» (ص/٩٩): أنَّ تصنيف الصَّحيحين وغيرهما من كُتب السُّنن إنَّما سبُبه تقليد المسلمين لليهود مُجاراةً لهم في «تَلْمودِهم»!\n(^٢) على خُطَى سَلَفِه (جعفر السُّبحانيِّ)، مُستَنسِخًا فيه كلَّ أغلاطِه حذوَ القذَّةِ بالقُذَّة! قارن الفصل المذكور من كتاب صادق النجمي بكتاب «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» لجعفر السبحاني (ص/١٢ - ٣٣).\n(^٣) «أضواء على الصَّحيحين» (ص/٣٣).","vol":"1","page":425},{"text":"فهذه الشُّبهة مع كثرة من يردِّدها من المعاصرين ليست وليدة زمانِنا، بل قديمة تكفَّل المُتقدِّمون بردِّها؛ مثل ما تراه في ردِّ الدَّارمي (ت ٢٨٠ هـ) (^١) على ابنِ الثَّلجيِّ (ت ٢٦٦ هـ) (^٢) في قولِه له:\n«زعمتَ أنَّه صَحَّ عندك أنَّه لم تُكتب الآثارُ وأحاديثُ النَّبي ﷺ في زَمنِ النَّبي ﷺ والخلفاءِ بعده، إلى أن قُتل عثمان ﵁، فكثُرت الأحاديث وكثُر الطَّعن على مَن رَوَاها.\nفيُقال لهذا المُعارِض: دَعْوَاك هذه كَذِبٌ، لا يَشوبه شيءٌ مِن الصِّدق؛ فمِن أين صحَّ عندك أنَّ الأحاديث لم تَكُن تُكتب عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده إلى أن قُتل عثمان؟ ومَن أنبأَك بهذا؟ فهلُمَّ إسناده، وإلَّا فإنَّك مِن المُسرفين على نفسِك، القائلين فيما لا يَعلم.\nفقد صحَّ عندنا أنَّها كُتبت في عهدِ رسول الله ﷺ والخلفاءِ بعده، كَتَب عليُّ بن أبي طالب ﵁ منها صحيفةً -وهو أحدُ الخلفاء- مِن رسولِ الله، فقَرَنها بسَيفِه، .. ثمَّ كتَبَ عن رسولِ الله ﷺ عبدُ الله بن عمرو ﵁، فأكثرَ، واستأذنَه في الكتابِ عنه، فأذِنَ له» (^٣).\nفأنت ترى هذا الرَّبط بين تأخُّرِ تدوينِ الحديثِ وعدمِ الحاجةِ إلى السُّنة ربطٌ فيه مُغالطةٌ كبيرة، مُتفرِّعٌ عن عيبٍ مَنهجيٌّ في الاستدلال؛ على التَّنزُّل بعدم تدوين الحديث حقيقةً في القرن الأوَّل كما يدَّعيه المغالطون للتَّاريخ، وإلَّا فالدَّلائل على كتابةِ الحديث أيَّام الصَّحابة والتابعين متكاثرة تُطلب في مظانِّها لو أنصفوا.\nثمَّ على التَّسليمِ بعدمِ حصول شيءٍ من التَّدوينِ للسُنَن في الصَّدر الأوَّل، فإنَّ ذلك غير مُستلزم لعدم حاجتهم للسُّنة؛ وما تلك المُصنَّفاتِ الحديثيَّة الَّتي\n_________\n(^١) عثمان بن سعيد بن خالد الدارميُّ: محدِّث هَراة، صلبٌ في السُّنة، له تصانيف في الرد على الجهمية، أشهرها «النقض على بشر المريسي»، و«المسند الكبير»، انظر «تاريخ الإسلام» (٦/ ٥٧٤).\n(^٢) محمد بن شجاع الثلجي البلخي: فقيه بغدادي حنفي، على مذهب المعتزلة، من مُصنَّفاته «تصحيح الآثار»، و«الرد على المُشبهة»، توفي (٢٦٦ هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٧٢).\n(^٣) «نقض الدَّارمي على المرِّيسي» (٢/ ٦٠٤).","vol":"1","page":426},{"text":"يُدَّعى تأخُّرَها عن الجيلِ الأوَّلِ إلَّا جمع لما ورثه خلفُهم عنهم شفاهًا في عمومه، فلم يأتِ المُدوِّنون بشيءٍ من أكياسهم.\nوهذا القرآن الكريم نفسُه، لم يُجمَع كتابةً في المصحفِ إلَّا مُتأخرًا بسنوات عن تمامِ نزولِه، فهل معناه -بمنطق المُخالفين- أنَّ المسلمين منذ وفاة النَّبي ﷺ إلى أن دُوِّنَ في زمنِ عثمان ﵁، لم يكونوا في حاجةٍ إلى القرآنِ؟!\nإنَّ المعلوم بداهةً لمِن أنعمَ النَّظرَ في كُتبِ التَّواريخ والسِّيَر، أنَّ كَتْبَ الحديثِ مَرَّ بمراحل عِدَّة، مُواكبًا في ذلك الرَّواية الشَّفَهيَّة وحفظِ الصُّدور، سُجِّلت في أوَّلها الأحاديث في عصر الصَّحابة والتَّابعين في كراريس صغيرة، أُطلِق على الواحدِ منها اسم الـ «صَّحيفة» غالبًا، ثمَّ ضُمَّت الكتاباتُ المُتفرِّقة في الرُّبعِ الأخيرِ مِن القرنِ الأوَّلِ وأوائلِ الثَّاني، ثمَّ رُتِّبت الأحاديث في مَرحلة تاليةٍ وِفق مَوضوعاتِها في أبوابٍ، بَدءً مِن الرُّبعِ الثَّاني مِن ذاتِ القرنِ، وفي أواخرِه ظهَرَت إلى جانبِ الطَّريقةِ الأولى، طريقةُ ترتيبِ الحديثِ وِفق أسماء الصَّحابة ﵃ في كُتبِ المَسانيد (^١).\nإنَّ المسلمين أبدًا كانوا في حاجةٍ إلى السُّنةِ منذ عهدِ النُّبوة إلى قيام السَّاعة؛ كلُّ ما في الأمر، أنَّ الجيلَ الأوَّل منهم لم يحتَج إلى التَّصنيفِ الجَمْعيِّ للحديثِ كما عند أخلافِهم، لتوافُرِ الصَّحابةِ الَّذين بثُّوا في النَّاسِ ما باشرَوه مِن النَّبي ﷺ روايةً وتطبيقًا.\nومَعلومٌ أنَّ الحفظَ وقتَها عُمدته مُخبَّآت الصُّدور بالأساس، وكانت هِمَّةُ الدَّاخل في الدِّين مُنصرفةً في الجملة إلى تحفُّظِ القرآن، والسؤالِ عن ضروراتِ دينِه الجديد، دون أن يرى أكثرُهم حاجةً لأن يجعلَ ما يسمَعه منهم مِن أخبارٍ نبويَّة تصنيفًا مُستقِلًا في أوراق، وإن كان ذلك قد كان فعلًا صحائفَ شخصيَّة.\n_________\n(^١) انظر «السنة قبل التدوين» لعجاج الخطيب (ص/٢٩٣)، و«تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع الهجري» لأحمد مطر الزهراني (ص/٦٥).","vol":"1","page":427},{"text":"حتى إذا تَقالَّ الصَّحابة مِن حَمَلة العلم وانعدَموا، ونَقُص الحفظُ في النَّاسِ كما كان عند العَرب، وكثُرَ الدَّاخلون في الإسلام واتَّسَعت رُقعته، وأمِن العلماء على انغراس جذورُ القرآنِ في قلوبِ النَّاس، وتَفشِّيه في بُيوتاتِهم وأسواقِهم، مع ما خُشِي من نسيان السُّنةِ واندثارِها مع الزَّمن، وكثُر ابتداع الخوارجِ والرَّوَافضِ ومُنكري الأقدار: سارَع أَمَنة الشَّريعةِ مِن أهلِ الحديثِ إلى تدوينِ تلك المرويَّات الشَّفهيَّة للسُّنة وحفظِها للأجيال اللَّاحقة، كما كانوا فَعَلوا مع القرآن تمامًا؛ إلى أن صارَ التَّدوين مأمورًا به رسميًّا على لسانِ الخليفة عمر بن عبد العزيز (^١).\nيقول المُعلِّمي: «مَن طالعَ تراجمَ أئمَّة الحديثِ مِن التَّابعين فمن بعدهم، وتدبَّر ما آتاهم الله تعالى من قوَّةِ الحفظِ والفهم، والرَّغبة الأكيدة في الجدِّ والتَّشمير لحفظ السُّنة وحياطتها: بَانَ له ما يحيِّر عقلَه، وعلِم أنَّ ذلك ثمرةُ تكفُّل الله تعالى بحفظِ دينِه، وشأنهم في ذلك عظيم جدًّا، أو هو عبادة من أعظمِ العباداتِ وأشرفها، وبذلك يتبيَّن أنَّ ذلك من المصالحِ المترتِّبة على ترك كتابةِ الأحاديثِ كلِّها في العهدِ النبَّوي، إذ لو كُتبت لانسدَّ باب تلك العبادة» (^٢).\n_________\n(^١) كما ثبت ذلك في «صحيح البخاري» (ك: العلم، باب: كيف يقبض العلم، ١/ ٣١) وغيره.\n(^٢) «الأنوار الكاشفة» (ص/٣٣).","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المَبحث الثَّاني\nطريقة تصنيف «الجامع الصَّحيح» فرعٌ عن مقصدِ تأليفِه</span>\nبعد أنْ خَبَر البخاريُّ المُصَنَّفات الَّتي سبقته في تدوين الحديث كما لم يَخبرها أحَدٌ (^١)،وانتَشَق ريَّاها، واستجلى مُحيَّاها، وعَرَف مناهِجَها وخصائِصَها، وما يَنبغي أن يكون تَتميمًا لمسيرتِها وغاياتِها في خدمِة السُّنَّة؛ انقدحَ في ذهنِه مَشروعٌ علميٌّ بَديعٌ «لمَّا رأى هذه التَّصانيف بحسبِ الوَضعِ جامعةً بين ما يَدخلُ تحتَ التَّصحيحِ والتَّحسينِ، والكثيرُ منها يشمَلُه التَّضعيفُ، فلا يُقال لغَثِّه سَمينٌ، فحَرَّك هِمَّتَه لجمعِ الحديثِ الصَّحيحِ الَّذي لا يَرتاب فيه أمين» (^٢).\nفكان أن شَرَع في تصنيفِ جامعٍ صحيح لمُختصرِ ذلك نحو سنة (٢١٧ هـ)، خطَّ فيه أولى كلماتِه وعمرُه لا يجاوز ثلاثًا وعشرين سنةً! حتَّى أتَّمه الله له وهو ابن الأربعين (^٣)؛\nفاستفذ منه هذا المَشروع الباذخُ ستَّة عشر سنةً، حيث استهَلَّه في\n_________\n(^١) على ما دلَّت عليه سيرته في طَوريه المتقدِّمين من مسيرته العلميَّة: طور التَّأسيس والتَّكوين، وطور الرِّحلة وبدء التَّصنيف، انظر «الإمام البخاري وجامعه الصحيح: نظرات وتحقيقات في السيرة والمنهج» لخلدون الأحدب (ص/٧٦ - ١٠٧)، وهو من أنفع ما كُتب في بابه.\n(^٢) «هدى الساري» (ص/٦).\n(^٣) أوَّل من لفت النَّظر إلى هذا التَّحديد الزَّمني فؤاد سزكين في كتابه «تاريخ التراث العربي» (١/ ١/٢٢٥ - ٢٢٦)، استنبطه ممَّا رُوي عن أبي جعفر العُقيلي (ت ٣٢٢ هـ) -كما في «هدي الساري» (ص/٧ و٤٨٩) - من عرض البخاريِّ الصحيح على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن المديني، «فاستحسنوه، وشهدوا له بالصِّحة، إلَّا في أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاريِّ وهي صحيحة». لكن عبد الفتاح أبو غدَّة تشكَّك في صحَّة هذه الحكاية في كتابه «تحقيق اسمي الصَّحيحين واسم جامع الترمذي» (ص/٢٨) للجهالة التي في إسنادها، ولعدم ذكر ابن أبي حاتم الورَّاق لها في «شمائل البخاري»، وإن كنت لا أرى هذا الأخير لوحده لازمًا في إنكارها.\n\nوالقصَّة ممكنة غير مستبعدة، على عادة كثيرٍ من الأئمة الماضين في عرض مصنفاتهم على مشايخهم، ومَن قَدِر على إبداعِ مثل «التاريخ الكبير» وهو ابن ثمان عشرة سنة، لن يعجز أن يشرع في تصنيف «الجامع الصحيح» وهو في الثالثة والعشرين.\nلولا أنَّ في متنِ الحكاية ما يدفع صحَّة نسبتِها إلى العُقيلي نفسِه، فهو الذي ضعَّف بعض الأحاديث في البخاريِّ! كحديث الأعمى والأبرص والأقرع الَّذي أخرجه في كتابه «الضُّعفاء» (٤/ ٣٦٩ - ٣٧٠) من طريق البخاريِّ، فكيف إذن يُنسب إليه قوله بصحَّة كلِّ ما في «الصحيح» بما فيها الأحاديث الأربعة الَّتي أعلَّها أولئك الأئمَّة؟!","vol":"1","page":429},{"text":"رِحابِ المسجدِ الحرامِ تجميعًا وترتيبًا، ثمَّ كان يخرِّجُ الأحاديثَ بعد ذلك في بلدِه بُخارَى وغيرِها مِن البلدان (^١).\n_________\n(^١) «هدي الساري» لابن حجر (ص/٤٨٩).","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المَبحث الثَّالث\nالباعث للبخاريِّ إلى تقطيعِ الأحاديث وتَكريرِها في «صحيحه»</span>\nلقد عُرف البخاريُّ خَصِيبًا في نِتاجه، مُتأنِّيًا في تصانيفه كلِّها، مع الإعدادِ التَّامِّ لمادَّتِها، ومُعاودة النَّظرِ فيها مُراجَعةً وتنقيحًا (^١)، فبَلَغ في تنقيحِ «الجامعِ الصَّحيحِ» ذروةَ الكمالِ المُمكِن، وحُقَّت فيه شهادةُ الحاكم أبي أحمد (ت ٣٧٨ هـ): «لو قلتُ أنِّي لم أرَ تصنيفًا يفوق تصنيفَه في المُبالغةِ والحُسنِ، رَجوتُ أن أكون صادقًا في قولي» (^٢).\nفلمَّا بَشَّر البخاريُّ بإخراجِه النَّاسَ، طبَّقَت شُهرَتُه الآفاق، ولَهجَتْ بمَديحِه ألسِنةُ الحُذَّاق، فتَكاثَر الطَّلبة عليه ما لا يُحصوَن على مَدارِ عُمرِه المُبارَك، فتسَلسَل بهم نقلُه ورِوايتُه، حتَّى بَلغَ عَدُّ مَن سمِع «صحيحَه» الألوف (^٣)، «وبَلَغ حَدَّ التَّواترِ في شُهرتِه، وصِحَّة نَقْلِه، ونِسبتِه إلى المؤلِّف، لا يُنكِر ذلك\n_________\n(^١) قد نقل عنه تلميذه ابن أبي حاتم الوراق أنه القائل: «صنفت جميع كتبي ثلاث مرات»، انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٠٣)، قال ابن الملقِّن في «التوضيح» (١/ ٧٩): «أي أنه ما زال ينقِّحها ويراجعها أكثر من مرة».\n(^٢) «الأسامي والكنى» لأبي أحمد الحاكم (مخطوط: ق/٢٨٣ ب).\n(^٣) جاء مجموعهم في عَدِّ الفربري تسعين ألفًا، كما في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٢/ ٣٢٢)، وجاء في «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» لابن نقطة البغدادي (١/ ١٢٦) و«تهذيب الأسماء واللُّغات» للنووي قوله: «سبعون ألف رجل»، يقول خلدون الأحدب في كتابه «الإمام البخاري وجامعه الصحيح» (ص/٢١٧): «يغلب على الظَّن أنَّه تصحيف».","vol":"1","page":431},{"text":"ولا يَتَشكَّك فيه إلَّا مَن تَشكَّك في المُتواتراتِ والحقائقِ العلميَّةِ الَّتي تثبُت بالضَّرورة» (^١).\nلقد كان مِن السَّهلِ على مِثل البخاريِّ، أن يَسرُد الأحاديثَ بجميع طُرقِها في موطنٍ واحدٍ من كتابِه هذا كما صنعَ تلميذه مسلم في «مسنده الصَّحيحِ»، لكنَّه اختارَ أن يسيرَ فيه على منهجٍ قِوامه: جمعُ الأحاديث الصَّحيحة المتَّصلةِ المُجرَّدة مِن أمورِ رسول الله ﷺ وسُننِه وهديِه مِن غيرِ استيعابٍ، مع استنباطِ الفقهِ والسِّيرة والتَّفسيرِ منها، مُرتِّبًا لها على الأبواب الفقهيَّة تحت عناوينَ تراجم، وهذا ما اضطرَّه إلى تجزئةِ الحديثِ وتقطيعِه أحيانًا، وإيراد كلِّ طرفٍ منه في المَوضعِ اللَاّئقِ به، وتكراره أحيانًا مَقرونًا بفائدةٍ زائدةٍ.\nوحيث أنَّ بعض خصوم السُّنة لم يفهم غرضَ البخاريِّ مِن تصنيف كتابِه وطريقته فيه، استثقلوا هذا الأسلوبَ منه في التَّقطيعِ والتَّكرار للحديث في مواضع من كتابِه، ما عبَّر عنه (جمال البنَّا) بقوله: «لو أنَّ البخاريَّ لم يَعمِد إلى هذا التَّكرار، فلربَّما صَدَر كتابه في نصفِ حجمِه المطبوعِ، ولاستراحَ وأراحَ!» (^٢).\nوقال (عبد الصَّمد شاكر): «الأحاديث المكرَّرة -سواء بلا مناسبةٍ أو بمناسبةٍ جزئيَّة- في كتابِه، قد بلغت إلى حَدٍّ تَشمئزُّ منه النَّفس، وينفر منه الطَّبع! ولعلَّها مِن خصائصِ هذا الكتاب وحدَه! .. ويحتمل أنَّ هذا التَّكرار المُمِلَّ المُخالف للذَّوقِ السَّليم، ليس مِن صُنعِ المؤلِّف، فإنَّه مات قبل تدوينِ كتابِه، فترَكه مُسوَدًّا، فتَصرَّف فيه المُتصرِّفون بلا رَويَّة، وعليه فيَقِلُّ الاعتمادُ على الكتابِ المَذكور» (^٣).\nفهذا الَّذي أنكروه على البخاريِّ في التَّصنيفِ -هو في حقيقته- مَظهرٌ مِن مَظاهرِ براعته في التَّصنيف لو فقهوا، حيث استعاضَ بهذا التَّقطيعِ وتجزيئِه للمتونِ عن تكثير الأحاديث في «جامعه الصَّحيح»، وإلَّا لكان احتاجَ إلى أضعافِ حجمِه\n_________\n(^١) «نظرات على صحيح البخاري» لأبي الحسن الندوي (ص/١٤).\n(^٢) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» لجمال البنا (ص/١٥).\n(^٣) «نظرة عابرة إلى الصحاح الستة» (ص/٥٨).","vol":"1","page":432},{"text":"لو أرادَ أن يوفي أبوابَ كتابه؛ و«كَرَّر الأحاديثَ بكثرة المَعاني الَّتي فيها، فمَن وَهَب الله له فهمَها، وَدَّ تكثيرَها، ومَن خَفَّت عليه، كرِه تكريرَها»! (^١)\nيقول الكشميريُّ (ت ١٣٥٣ هـ) في الباعث للبخاريِّ على هذه الطَّريقة:\n«إنَّ المصنِّف لماَّ شَدَّد في شروطِ الأحاديثِ، حتَّى أغمضَ عمَّا حسِبوه حَسنًا، بل صحيحًا أيضًا: قلَّت ذخيرةُ الحديثِ في كتابِه، ثمَّ لمَّا أرادَ أن يَتَمسَّك منها على جملةِ أبواب الفقه، اضطرَّ إلى التَّكرارِ، والتَّوسُّعِ في وجوهِ الاستدلال، وذلك مِن كمال بَداعَتِه؛ ومَن لا دِراية له بغَوامضِه، ولا ذوقَ له في علومِه: يَتَعجَّب مِن حُجَجِه، ولا يَدري أنَّ التَّوسعَ فيه مِن أجلِ تَضيِيقِه على نفسِه في مادَّةِ الأحاديث، فيستدِلُّ بالإيماءات، ويَكتفي بالإيماضات» (^٢).\n_________\n(^١) «المختصر النصيح» للمهلب بن أبي صفرة (١/ ١٤٧).\n(^٢) مقدمة «فيض الباري» (١/ ٣٦).","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المَبحث الرَّابع\nمُميِّزات «صحيح مسلم» وأثر منهج البخاريِّ عليه في التَّصنيف</span>\nكان لهذا المنهج العلميِّ البخاريِّ في تصنيفِ الصَّحيحِ الأثرَ الحسنَ على منهج مسلم في جمع «مسندِه الصَّحيح»، فإنَّ مسلمًا تلميذ البخاريِّ وخِرِّيجُه، قد أفادَ مِن فهمِه وعلمِه، فكان كتابُه مُكمِّلًا لكتابِه، مُستلهِمًا من شيخِه فكرةَ الاقتصارِ على الصَّحيحِ في التَّصنيف (^١).\nوفي تقريرِ هذا التَّأثُّر منه، يقول أبو أحمد الحاكم (ت ٣٧٨ هـ): «إنَّ البخاريَّ ألَّفَ الأصولَ مِن الأحاديث، وبَيَّن للنَّاس، وكلُّ مَن عمِل بعده فإنَّما أخذَه مِن كتابه، كمسلم بن الحجَّاج» (^٢).\nولَإنْ كان قصدُ البخاريِّ في «جامعِه» تخريجَ الأحاديثِ الصَّحيحة المُتَّصلة إلى رسول الله ﷺ، وإفادةَ ما يُؤخذ مِنها مِن أحكامٍ وآدابٍ، أو تفسيرٍ وسيرةٍ؛ فإنَّ قصدَ مسلمٍ في كتابِه تدوينُ الصِّحاحِ مِن غيرِ تَعرُّضٍ لوجوهِ الاستنباطِ، بعد تصدير كتابه بذكر نُبذٍ مهمَّة مِن علمِ الحديثِ، ومَيْزِه فيه لطبقاتِ المُحدِّثين في\n_________\n(^١) هذا ما نصَّ عليه جمع من أئمَّة الحديث، كأبي عبد الله الحاكم في «المدخل إلى كتاب الإكليل» (ص/٣٠)، وابن الصلاح في «مقدِّمته» (ص/١٧).\n(^٢) «السَنن الأبين» لابن رشيد السبتي (ص/١٤٧)، و«النكت على مقدمة ابن الصلاح» لابن حجر (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":434},{"text":"القديمِ وفي زمانِه، مع ما اختصَّ به من «جمع الطُّرقِ، وجودةِ السِّياقِ، والمُحافظةِ على أداءِ الألفاظِ كما هي، مِن غيرِ تَقطيعٍ ولا روايةٍ بمعنى» (^١).\nذلك أنَّ مسلمًا وإن تَأثَّر بالبخاريِّ في فكرةِ التَّصنيفِ ومنهجيَّةِ الانتقاء، إلَّا أنَّ كتابَه تَميَّز بخصائص مُنفردة حفظت له ذاتِيَّته، وعرَّفت بجهودِه وقُدرته في التَّأليف، ودلَّت على نَباهتِه وعقليَّته المبتكِرة (^٢)؛ فلم يَعمَد فيه إلى ما عَمَد إليه أستاذُه مِن الاستنباطِ، بل أخلى تصنيفَه مِن اجتهاداتِه الشَّخصيَّة، فلا تكاد تجِدُ للجانبِ الفقهيِّ فيه أثرًا إلَّا التَّبويبَ العامَّ، تاركًا ذلك لدَرْسِ القارئِ وفهمِه لاختيار ما يَراه راجحًا؛ بل كانت هِمَّته مُنصرفةً إلى صِناعة الأسانيدِ، وترتيبُه للأحاديثِ في الباب الواحدِ مُرتَبِطٌ بهذه الصِّناعة، مراعيًا في ذلك للشُّهرَة، والعُلوَّ، والخُلوَّ مِن العِلَّة.\nوبها تدركُ سببَ انفرادِ مسلم في «صَحيحِه» بمُقدِّمةٍ في مَنهجِ النَّقد، عُدَّت مِن أوائلِ ما كُتِب في التَّقعيد لهذا الباب.\nوالَّذي يظهر مِن طَريقة مسلمٍ في هذا النَّوع من التَّصنيف: أنَّه تَغيَّا إسعاف المُستَدلِّ بالمادَّةِ الحديثيَّة الصَّالحةِ للاحتجاجِ بتيسِير وصولِه إليها؛ فلأجلِ ذا صبغ كتابه بسَرْدِ المُحدِّث المَعْنيِّ بالمتونِ، المُهتَمِّ بمعرفةِ الأسانيد، حتَّى ترَكَ وضْعَ أسماء لأبوابِه وتراجمِه حرصًا على عدمِ انصرافِ ذهنِ القارئِ عن مَقصدِه مِن كتابه (^٣).\nوقد ساعد مسلمًا على هذا الإتقان لجمع الأحاديث أنَّه صنَّفه في بلدهِ (نَيْسابور) بحضور أصولِه، وفي حياة كثيرٍ من مشايخه (^٤)، مُستغرقًا فيه خمسةَ عشرَ سنة (^٥)، مُتحرِّيًا في سياقِ أحاديثِه، مُتحرِّزًا في ألفاظِها، مع الاختصارِ\n_________\n(^١) «تهذيب التهذيب» (١٠/ ١١٤).\n(^٢) انظر «الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح» لـ د. محمد طوالبة (ص/١٠٨ - ١٠٩).\n(^٣) انظر «تدوين السنة النبوية في القرنين الثاني والثالث للهجرة» لمحمد صادق بنكيران (ص/٣٠ - ٣١).\n(^٤) «هدي الساري» (ص/١٢).\n(^٥) ذكر هذا تلميذه أحمد بن سلمة، كما في «تذكرة الحفاظ» للذهبي (ص/٥٨٩).","vol":"1","page":435},{"text":"البليغ، وحُسنِ الوضعِ والتَّرتيب؛ ولم يَكتفِ بهذا الجهد كلِّه حتَّى أخَذَ في عرضِه على جهابذة النُّقادِ واستشارتهم فيه (^١).\nوقد تَواتَر عنه هذا النَّتاج الحديثيّ الفريد بعد أنْ «رواه عنه جماعةٌ كثيرون» (^٢)، وله مِن الأسانيد الَّتي تُثبت نِسبتَه إلى مُصنِّفه ما لكثرتِها أفردَ له جماعةٌ مِن العلماء مُصنَّفاتٍ خاصَّةٍ تُحاول إحصاء ذلك (^٣)؛ وهو مع شهرتِه التَّامَّة عنه، صارَت روايتُه بإسنادٍ مُتَّصل به مَقصورةً على تلميذِه أبي إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن سفيان (ت ٣٠٨ هـ) (^٤).\n_________\n(^١) منهم قرينه أبو زرعة الرازي، يقول: «.. فكل ما أشار أنَّ له علَّة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علَّة خرَّجته»، انظر «صيانة صحيح مسلم» لابن الصلاح (ص/٦٧).\n(^٢) «البداية والنهاية» لابن كثير (١٤/ ٥٥٢).\n(^٣) آخرهم في ذلك -فيما أعلم- محمد عبد الحي الكتاني (ت ١٣٨٢ هـ) في جزءٍ سمَّاه بـ «جزء أسانيد صحيح مسلم»، كما في كتابه «فهرس الفهارس» (١/ ٤٨٣)، وانظر «الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح» (١/ ٣٥٧)، و«صحيح الإمام مسلم أسانيده ونسخه ومخطوطاته» بحث منشور لـ د. نزار ريان في «مجلة الجامعة الإسلامية بغزة» (المجلد ١١، العدد ١، سنة ٢٠٠٣ م، ص/٣١١).\n(^٤) «صيانة صحيح مسلم» لابن الصلاح (ص/١٠٦).","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المَبحث الخامس\nالتَّشكيك في نسبة «الجامع الصَّحيح» بصورته الحاليَّة إلى البخاري</span>","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المَطلب الأوَّل\nدعوى ترك البخاريِّ كتابَه مُسودَّة وتصرف غيره فيه</span>\nيُشكَّك بعضُ مَن تَصدَّى لنقدِ «الصحيح» من المُعاصرين في صِحَّةِ نسبته إلى البخاريِّ كاملًا، ويستدلُّون على ذلك بما يَصفونه اضطرابًا في التَّرتيب الَّذي اعتُمِد لأبوابه؛ ذلك أنَّهم لاحظوا أنَّ بعض أبوابه يتضَمَّن أحاديث كثيرة، وبعضُها فيه حديثٌ واحدٌ، وبعضُها يَذكر فيه آية مِن القرآن، وبعضها لا يَذكر فيه شيئًا البتَّة!\nفتوهَّموا أنَّ مَرَدَّ ذلك إلى تركِ البخاريِّ كتابَه عند موتِه على غيرِ صيغَتِه النِّهائية؛ ما أدَّى بناسِخيه إلى ضَمِّ بعضِ الأبواب، وإضافةِ تراجم إلى أحاديث غير مُترجمٍ لها، «وهذا يعني أيضًا في نَظَرِ أحمد أمين ومحمود أبو رَيَّة: أنَّ «الجامعَ الصَّحيح» في شكلِه النِّهائيِّ، أنجَزَه أتباعُ البخاريِّ وتلاميذُه»! (^١)\nيقول (عبد الصَّمد شاكر) في تقرير هذه الشُّبهة: «إنَّ هذا التَّكرارَ المُمِلَّ .. ليس مِن صُنعِ المؤلِّف، فإنَّه مات قبل تدوينِ كتابِه، فترَكَه مُسودًّا، فتَصَرَّف فيه المُتصرِّفون بلا رَوِّية، وعليه فيَقلُّ الاعتمادُ على الكتابِ المَذكور، فإنَّ أمانةَ البخاريِّ ووثاقتَه لا توجدان أو لم تَثبُتا لهؤلاء المُتصَرِّفين» (^٢).\nوكان الغَرض من هذه الدَّعوى: إسنادُ ما يدَّعونه مُنكراتٍ في الكتاب إلى تركِ البخاريِّ له مُسودَّة، ومِن شأنِ المُسْوَدَّات أنْ تكون غيرَ مُنقَّحَة! ومِن شأنِ\n_________\n(^١) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث» لمحمد حمزة (ص/٢٢٤).\n(^٢) «نظرة عابرة في الصحاح الستة» (ص/٥٨).","vol":"1","page":439},{"text":"عدمِ التَّنقيحِ أن يأتي الكتابُ على غير ما يُرام مِن الصِّحة! بـ «أنْ يكون -مثلًا- في النُّسخةِ ما لم يكُن البخاريُّ مُطمئنًّا إليه، على عادةِ المُصنِّفين، يَستعجِلُ أحدُهم في التَّسويدِ على أن يَعود فيُنقِّح كلَّ ذلك» (^١)، ليخلُصوا بهذا إلى ما يشتهونَ إسقاطَه مِن أحاديثِ البخاريِّ.\nيقول (حُسين غُلَامي): «الَّذي يَتأمَّل في حياةِ البخاريِّ وكتابِه الصَّحيحِ، يُصدِّق أنَّ الكتابَ لم يَكمُل بيدِ المؤلِّفِ في حياتِه، بل إنَّ بعضَ تلامِذَتِه وغيرَ تلامذتِه أضافوا إلى ما أنجزَ في حياةِ المؤلِّف، وهناك شواهد، منها:\nما صَرَّح به المُستَمْلي (ت ٣٧٦ هـ) في روايةِ أبي الوَليدِ الباجيِّ -كما ذكرَه ابن حَجر- قال: انتسَخْتُ كتابَ البخاريِّ مِن أصلِه الَّذي كان عند صاحبِه محمد بن يوسف الفربري، فرأيتُ فيه أشياء لم تَتِمَّ، وأشياءَ مُبيَّضة، منها تراجم لم يُثبِت بعدها شيئًا، وأحاديثُ لم يُترجِم لها، فأضَفْنا بعضَ ذلك إلى بعضٍ» (^٢).\nيقول (عبد الصَّمد شاكر): «وهذا مِمَّا يُقلُّ الاعتمادَ على الكتابِ المَذكور» (^٣).\nويزيد (صادق النَّجمي) مُعقِّبًا على كلامِ المُستمليِّ: «هل المُكمِّل والنَّاظم للصَّحيح استعملَ في عمليَّةِ التَّرتيبِ ذوقَه ورأيَه الخاصِّ به؟! .. القدرُ المُتيقَّن والبَيِّن، أنَّ أيَّ كتابٍ له ظروف مُماثلةٌ للصَّحيح -الَّذي قام الآخرون بتصحيحِه وتكميلِه، وإن كان خاليًا مِن المؤاخذاتِ والإشكالاتِ- فهو ساقطٌ عن الاعتبارِ والأهميَّةِ، ومَسلوبُ الصَّحة، ولا يُمكن الوثوقُ والاعتمادُ على ما يَحتويه، لأنَّه يَستلزم الشكَّ والتَّردُّد في قرارة أنفسِنا بالنِّسبة إليه» (^٤).\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٢) «الإمام البخاري وفقه أهل العراق» للهرساوي (ص/١٣٠ - ١٣١).\n(^٣) «نظرة عابرة إلى الصحاح الستة» لعبد الصمد شاكر (ص/٥٥).\n(^٤) «أضواء على الصحيحين» (ص ١٢٥ - ١٢٦).","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المَطلب الثَّاني\nدعوى أنَّ اختلاف رواياتِ «الصَّحيح» أمارة على وقوع العبثِ بأصله</span>\nلقد أوغَلَ (غُلامي) في طعنِه بنُسخ البخاريِّ حين زادَ بتصوُّره المختلِّ للاختلافاتِ الحاصلةِ بين رواياتِه شُبهةً أخرى، يقول عن ذلك: «يُؤكِّد بعضُ المُحدِّثين من أهل السُّنة وجود روايات نُسبت إلى الصَّحيح لا توجد في نُسخِه الأخرى» (^١).\nواستشهدَ على دعواه بما رآه أبو العباس القرطبيُّ (ت ٦٥٦ هـ) في بعضِ النُّسَخِ القَديمةِ مِن «البخاريِّ» ما نَصُّه: «قال أبو عبد الله البخاريُّ: رأيت هذا القَدَح -يعني قَدح النَّبي ﷺ الَّذي كان عند أنس بن مالك ﵁ بالبَصرة وشربتُ منه، وكان اشتُري مِن ميراثِ النَّضر بن أنس بثمانمائة ألف» (^٢).\nفكان لازمُ هذا عند (غلامي) أنَّ النُّسَخ المتأخِّرة للصَّحيح قد أُحِدثَ فيها وغُيِّرَ، ما جَعَلها تختلف عن النُّسَخ القديمةِ بشهادة كلام القرطبيِّ عنده.\nثمَّ استرسلَ (غلامي) في محاولةِ التَّأكيدِ على الخرقِ السَّافر لمُقتضياتِ التَّوثيق السَّليم لمُدوَّنات الحديث، باستدعاءِه شاهد حديثِ ابنِ عبَّاس ﵃،\n_________\n(^١) «البخاري وصحيحه» ص/١٢\n(^٢) «فتح الباري» (١٠/ ١٠٠).","vol":"1","page":441},{"text":"والَّذي فيه: «وَيْحَ عمَّار! تقتلُه الفئةُ الباغية، يَدعوهم إلى الجنَّةِ ويَدعونه إلى النَّار».\nفبعدَ أن نقلَ عن بعضِ شُرَّاحِ «الصَّحيحِ» تقريرهم لحذف البخاريِّ من هذا الحديث جملة: «تقتله الفئة الباغية»، قال (غلامي): «ما يُثير الدَّهشة، أنَّه ومع كثرةِ المناقشاتِ في حذفِ روايةِ عمَّار المذكورةِ، هو وجودها في النُّسَخ الَّتي بين أيدينا! فمِن أين مَصدرُ ذلك إذن؟! .. ومِن هنا يُمكن القول أنَّ ما يوجد بين دَفَّتي البخاريِّ، وفي جميع مُجلَّداته، ليس كلُّه مِن تصنيف محمَّد بن إسماعيل» (^١).\nفبنفسِ هذه النَّظرةِ القاصرةِ إلى اختلافِ رواياتِ البخاريِّ استباحَ بعضُ مُغَفَّلي أهلِ السُّنةِ الطَّعنَ في بعضِ متونِ «الصَّحيحِ»؛ منهم (محمَّد سعيد حَوَّا) (^٢) الَّذي احتجَّ بظهورِ الاختلافِ بين النُّسَخ الخطيَّة، ليتشكَّك في سَلامةِ أحاديثِها مِن التَّصرفِ (^٣).\nوالَّذي أبردَ قلبَ (غلامي) بطروءِ تصرُّفِ الرُّواةِ في مُسودَّة البخاريِّ: وقوفُه في الكتابِ على أسانيد مُبتدَؤُها أحَدُ رُواةِ «الصَّحيح» من تلاميذ البخاريَّ! فيقول: «إنَّنا نجِدُ رواياتٍ يَرِد فيها محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ كحَلقةٍ في سلسلةِ الرُّواة والإسناد! بمعنى أن المُؤلَّف يتَحوَّل إلى راوٍ للحديثِ فقط! كما هو الحال في كتابِ العِلم ..» (^٤)، و«لا يخفى أنَّ ذِكرَ المؤلِّف لابُدَّ أن يأتي في بدءِ السَّند» (^٥).\n_________\n(^١) «البخاري وصحيحه» (ص/١).\n(^٢) أستاذ للحديث النبوي بجامعة مؤتة بالأردن، وهو ابن سعيد حوَّا (ت ١٤٠٩ هـ)، الكاتب الإسلامي المعروف، وهو من أبرز حاملي راية الإخوان المسلمين في سوريا.\n(^٣) مقالة محمد سعيد حوا في جريدة «الدستور الأردنية» بتاريخ ١١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ، الموافق ٢٥/ ٢/٢٠١٠ م، عدد رقم (١٥٣٠٩).\n(^٤) «البخاري وصحيحه» (ص/١٢).\n(^٥) «كشف المتواري في صحيح البخاري» لجواد خليل (١/ ٧١).","vol":"1","page":442},{"text":"قصدُه بهذا، ما جاء نَصًّا في (كتابِ العلم) مِن «الصَّحيح»: «وأخبرنا محمَّد بن يوسف الفربري: وحَدَّثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان قال: «إذا قُرِئ على المُحدِّث، فلا بأس أن يقول: حدَّثني»، قال: وسمِعتُ أبا عاصم يقول عن مالك وسفيان: «القراءةُ على العالِمِ وقراءتُه سَواء» اهـ","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المَطلب الثَّالث\nأوَّليَّة المستشرقين إلى مقالة الإقحام والتَّصرُّف في أصل البخاريِّ</span>\nأصل ما مرَّ عليك من شُبه بحقِّ سلامة نُسخ الصَّحيح، لم يكُن مِن كِيس مَن أسلَفنا ذكرَ أقوالِهم مِن الشِّيعة أوالحداثيين، بل ولا مِن مُبتكراتِ (أحمد أمين) و(أبو ريَّة)، إنَّها تَلبيساتٌ استشراقيَّة قديمة، مِمَّن تزعَّم التَّهويشَ بها المستشرِقُ المَعروف (جولدزيهر) (^١)، والَّذي لم يقنَع بالتَّشكيكِ في نسبةِ الأحاديثِ إلى نبيِّ الإسلام ﷺ، حتَّى انتقل إلى التَّشكيكِ في نسبةِ ذاتِ التَّصانيف الَّتي احتوتها إلى مُؤلِّفيها على الشَّكل الَّذي ارتضوه.\nوقد عُرِف عن هذا المستشرق حنقه على «الجامعِ الصَّحيح» بخاصَّة، واسترابته من صحَّة نُسَخِه بدعوى وقوعِ التَّحريفِ بها، بلْهَ الإقحام! ممَّا يُفقدها وثاقَتها التَّاريخيَّة وقيمتَها العلميَّة، مستشهدًا على هذه التُّهمةِ بنصَّين مِن «الجامع الصَّحيح»:\nأمَّا مثاله الأوَّل على دعوى إقحامِ الرِّواياتِ في البخاريِّ: فأثرُ عمرِو بن\n_________\n(^١) أجناس جولدزيهر: مستشرق مجرى يهودي، تعلم فى بودابست وبرلين، ورحل إلى سوريا، كما انتقل إلى فلسطين ومصر، ولازم بعض علماء الأزهر، عُين أستاذا في جامعة بودابست، وتوفي بها، وله تصانيف كثيرة في الفقه الإسلامى باللغات الأجنبية، منها «العقيدة والشريعة في الإسلام»، انظر «الأعلام» (١/ ٨٤).","vol":"1","page":444},{"text":"ميمون يقول فيه: «رأيتُ في الجاهلية قِرْدة، اجتمع عليها قِرَدَة قد زنت، فرجموها» (^١):\nحيث استدلَّ (جولدزيهر) (^٢) على دَسِّ هذه الرِّواية في «البخاريِّ» بكلامٍ للحُمَيديِّ (ت ٤٨٨ هـ) يقول فيه بعد سرد الحكاية: «كذا حكاه أبو مَسعود -يعني أثرَ عمرو بن ميمون-، ولم يُذكَر في أيِّ موضعٍ أخرجه البخاريُّ مِن كتابه، فبَحَثنا عن ذلك، فوجدناه في بعضِ النُّسَخ لا في كلِّها، قد ذُكِر في (أيَّامِ الجاهلية)، وليس في روايةِ النَّعيمي عن الفربري أصلًا شيءٌ مِن هذا الخبر في القِرَدة، ولَعلَّها مِن المُقحَمات الَّتي أُقحِمَت في كتاب البخاريِّ» (^٣).\nوتبعَ الحميديَّ على هذا الادِّعاء ابنُ الجوزيِّ (ت ٥٩٧ هـ) وأقرَّه (^٤)، وكذا فعَلَ ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) (^٥).\nولتأيِيد هذا الإقحامِ المُدَّعى في «البخاريِّ»، ساقَ (جولدزيهر) استنكارَ ابنِ عبد البرِّ (ت ٤٦٣ هـ) لمتنِ هذا الأثر، وهو قوله: «هذا عند جماعةِ أهلِ العلم منكرٌ إضافةُ الزِّنَا إلى غيرِ مُكَلَّف، وإقامةُ الحدودِ في البَهائم» (^٦).\nوبهذا تصير روايةُ البخاريِّ لأثرِ عمرو بن ميمون هذا مَثارَ غلَط كبيرٍ عند ثلاث طوائف مِن المُعاصِرين:\nطائفةٍ أولى: تَزيَّت بلباسِ التَّوثيق في الظَّاهر -كحالِ هذا المُستشرق المَجَريِّ- أنكرَت أن يكون أثرُ ابنِ ميمونٍ مِن جملةِ ما أودَعَه البخاريُّ في كتابِه مِن الأساسِ، وأيَّدت مَوقفها هذا بما تدَّعيه مِن نكارةٍ في متنه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب: أيام الجاهلية، رقم: ٣٨٤٩).\n(^٢) في كتابه «دراسات محمديَّة» (ص/٢٦٦)، وتابعه على تقرير الشُّبهة (حسين الهرساوي) في كتابه «البخاري وصحيحه» (ص/١٣ - ١٤).\n(^٣) «الجمع بين الصحيحين» (٣/ ٤٩٠) ونقل الدميري أيضًا قولَه هذا مُوافقًا له في «حياة الحيوان الكبرى» (٢/ ٣٣٣).\n(^٤) «كشف المشكل من حديث الصَّحيحين» (٤/ ١٧٥).\n(^٥) «أسد الغابة» (٣/ ٧٧٢).\n(^٦) «الاستيعاب» لابن عبد البر (٣/ ١٢٠٥).","vol":"1","page":445},{"text":"ولا يخفى أنَّ هذا الزَّعم ينتج عنه عدمُ الوُثوق بجميعِ ما في «الجامع الصَّحيح»! فإنَّه إذا جازت دعواهم في واحدٍ لا بعينِه، جازَت في كلِّ فَردٍ فردٍ مِن أحاديثِه، فلا يبقى لأحدٍ وُثوق بما في الكتاب!\nوأمَّا الطَّائفة الثَّانية: فلم تنشغل بدَعوى الإقحامِ هذه، واقتصرَت على إنكار متن هذه الرِّواية فقط، لا تلوي في ذلك على شيءٍ إلَّا تسفيه عقلِ البخاريِّ وفهمه! تُهمةً له باستساغةِ حمَاقاتِ الرُّواة مِن غيرِ فرقانٍ يُميِّز به مَعقولَ الأخبارِ مِن مَردودِها.\nوفي تقريرِ دعوى النَّكارةِ هذه، يقول (محمَّد جواد خليل):\n«نُلاحظ أنَّ هذا التَّابعي (ابن ميمونٍ) قد أطلقَ كلمةَ الزِّنا على القِرْدَة .. ! وعندما تَرى ديكًا سَفَدَ على دَجاجة، فلا يجوز لك أن تقول إنَّ هذا الدِّيك يزني، وكذلك عندما تَرى كَبشًا ينزو على نَعجةٍ، فلا يجوز أن تقول إنَّ هذا الكبش يزني! وذلك لأنَّ الحيوان غير مُكلَّف، فكلمة الزِّنا لا تُطلق ولا تُقال إلَّا لبني البَشر، ولِمن عَقل، ووَقع عليه التَّكليف الشَّرعي .. وهل كان هذا القرد الزَّاني مُحصَنًا؟! ..» (^١).\nثمَّ يقول: «ثمَّ ماذا نستفيد مِن ذكرِ هذه الرِّواية؟ أليسَ المسلمون في غِنًى عن ذكر مثل هذه الرِّوايات؟!» (^٢).\nأم «هذا وَحيٌ مِن السَّماء؟!» (^٣) كما يتهكَّم به (نيازي).\nوأمَّا الطَّائفة الثَّالثة: فعلى خلاف السَّابقة حافِظةٌ للبخاريِّ قامتَه العلميَّة، مُعليةٌ مِن شأنِ «جامعِه»، مِن غيرِ أن يمنعَها ذلك مِن الاعترافِ بنكارةِ مثل هذه القصَّة في «الصَّحيح»:\nكما تراه -مثلًا- في تعليقِ الألبانيِّ عليه بقوله: «هذا أثرٌ مُنكر؛ إذ كيف يمكن لإنسانٍ أن يعلمَ أنَّ القِرَدَة تَتَزوَّج، وأنَّ مِن خُلُقِهم المحافظةَ على العِرْض،\n_________\n(^١) «كشف المتواري» (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٤) بتصرف يسير.\n(^٢) «كشف المتواري» (٢/ ٣٣٢).\n(^٣) «دين السلطان» لنيازي (ص/٤٥٥).","vol":"1","page":446},{"text":"فمَن خان قَتَلوه؟ ثمَّ هَبْ أنَّ ذلك أمرٌ واقع بينها، فمِن أين عَلِم عمرو بن مَيمون أنَّ رجم القِردة إنمَّا كان لأنَّها زَنَت؟!» (^١).\nوإن كانَ الألبانيُّ قد أحالَ إلى صيغةٍ مُفصِّلةٍ أخرى لهذه الرِّواية، تُبعد في رأيِه النَّكارةَ الظَّاهرةَ عنها، سيأتي ذكرُها في مَوضِعها قريبًا إن شاء الله.\nفهذا عن المِثال الأوَّل الَّذي ساقه (جولدزيهر) للدَّلالة على الإقحامِ في «البخاريِّ».\nوأمَّا مثاله الثَّاني لذلك:\nفحديث عمرو بن العاص ﵁ يَرفعه: «إنَّ آلَ أبي (...) ليسوا لي بأولياء»، الَّذي أخرجه البخاريُّ في «صحيحِه» بقوله:\nحدَّثنا عمرو بن عبَّاس، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، أنَّ عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعتُ النَّبي ﷺ جهارًا غير سِرٍّ يقول: «إنَّ آل أبي -قال عمرو: في كتاب محمَّد بن جعفر: بَياضٌ- ليسوا بأوليائِي، إنَّما وَليِّي الله وصالحُ المؤمنين».\nومحلُّ الشَّاهد عنده قولُ عمرو بن عبَّاس شيخِ البخاريِّ: «في كتابِ محمَّد بن جعفر: بياض».\nلقد حَمَّل (جُولدْزيهر) هذه الجملة المُعترضة طودًا مِن التَّفسيراتِ الهزيلةِ، من ذلك قوله: «يميلُ النُّسَّاخ المُتحيِّزون في عدم اهتمامهم بقضايا السُّلالة والنَّسبِ، إلى رغبتهم في تركِ الأسماء، وشيخُ البخاريِّ قال عندما وَصَل إلى الكلمةِ النَّاقصةِ في نَصِّ محمَّد بن جعفر ما نصُّه: (يوجد بَياض)، وقد زَوَّد البخاريُّ هذه الكلمات -كلماتِ شيخِه- في نصِّه، ولكنَّ المُفسِّر للحديث فَهِم هذا كما لو أنَّ كلمةَ (بَياض) تأتي بعد (أبي)! وبذلك يجعلُ النَّبيَّ ﷺ يَلعنُ عائلةَ أبي بَياضٍ» (^٢)!\nوسيأتي الجواب عن هذه الدَّعاوي بأمثلتها في مطالب قريبة لاحقة.\n_________\n(^١) «مختصر صحيح الإمام البخاري» للألباني (٢/ ٥٣٥).\n(^٢) «دراسات محمدية» (ص/٢١٩).","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المَطلب الرَّابع\nدعوى الانكارِ لما بأيدينا مِن نُسَخِ «الصَّحيح» إلى البخاريِّ</span>\nثمَّ جاء أُناسٌ مُتعالمون في بلدي المغرب عدَوا طَورَهم، فادَّعوا انتفاءَ نِسبةِ ما بِأيدينا مِن نُسَخٍ لـ «الصَّحِيح» إلى البخاريِّ! لعدمِ استيثاقِهم بأنَّها النُّسخة الأصليَّة الَّتي بخَطِّ المؤلِّفِ وعليها توقيعُه.\nوإن كان أصل هذه الشُّبهة قديم، منسوبٌ إلى عليِّ بنِ مُحَمَّد بنِ أبي القاسِم (^١) أحدِ شيوخِ الزَّيديَّةِ في القرن الثَّامِن، فلقد أشاحَ بوجهِه عن دواوينِ الحديثِ عند أهل السُّنة وشَكَّك في نسبتها إلى أصحابها، مُحرِّجًا على مَن يَنسِبُ ما فيها إليهم، ومِنها «الصَّحيحان»؛ وقصدُه تعسير السُّبُلِ إلى معرفةِ السُّنَن، والافتِنانَ في أساليبِ التَّنفيرِ عن مطالعتها (^٢).\nلكن الشُّبهة ما فتئت أن اضمَحلَّت بين طيَّاتِ الدُّهورِ، لفُشوِّ المعرفةِ بطُرقِ الرِّوايةِ بين عَوامِّ أهل السُّنةِ فضلًا عن عُلمائِهم، فلم يأبهوا لسُخفها؛ حتَّى أعادَ الدَّندنَةَ حولَها المُستشرِق (مَنْجَانَا) (^٣) في دراسةٍ له عن نُسخةِ أبي زيد المروزي\n_________\n(^١) علي بن محمد بن أبي القاسم، مِن سلالة الهادي يحيى ابن الحُسين: مُفسِّر يَماني، مِن مُجتَهدي الزَّيدية، صنَّف «تجريد تفسير الكشَّاف»، وله تفسير للقرآن في ثمانية أجزاء، كما يقول الشَّوكاني في ترجمته في «البدر الطالع» (١/ ٤٨٥).\n(^٢) انظر الرَّد عليه في ذلك مِن تلميذه ابن الوَزير اليَماني في «العواصم والقواصم» (١/ ٣٠٢).\n(^٣) ألفونْس مَنْجَانَا الكلداني: قسٌّ عراقي، وُلد في قرية شَرانش مِن أعمال المُوصل في شَمالي العراق، وبعد أن أنهى دروسَه فيها، نزَح إلى انجلترا، وعمل في مكتبة (رايلند) الشَّهيرة بمخطوطاتها العربيَّة، حتَّى توفِّى سنة (١٩٣٧ م)، انظر «موسوعة المستشرقين» للبَدوي (ص/٤٦٨).","vol":"1","page":448},{"text":"لـ «صحيح البخاريِّ» (^١)، لم يرعِها إخوانه المُستشرقون كبير بالٍ، لعلمهم بهشاشتها.\nليتَلقَّفَها بعدُ بعض رُويبضة العرب -ويا للعجب! - يدلون بها برهانًا على انقطاع الصِّلَةِ بين «صحيحِ البخاريِّ» ومُؤلِّفِه.\nترى أحد هؤلاء بنَبرةِ المَغرورِ يقول: «مِن حَقِّنا أن نُسَائِل هؤلاء الشُّيوخِ حول النُّسخةِ الأصليَّةِ لصحيح البخاريِّ كما خَطَّها الشَّيخ البخاريُّ، فإذا كان لدينا الآن هذا الكتاب الَّذي يُطلَق عليه «الجامع الصَّحيح» .. وهو مَليء بالطَّوامِ الكبرى، والخُرافاتِ الجَسيمةِ، والإساءاتِ البالغةِ للدِّين وللرَّسول .. مِمَّا يجعلنا نَتسائل بحُرقةٍ وبشكٍّ هو أقربِ إلى اليقين: مَن ألَّف صحيح البخاريِّ حَقًّا؟! وهل يُمكننا أن ننسِب كتابًا لشخصٍ ما، وليس هناك أيُّ أثرٍ يَدلُّ على علاقتِه من قريبٍ أو بعيدٍ بهذا الكتاب؟!» (^٢).\n_________\n(^١) يوجد منها قطعة محفوظة ضمن مجموعةٍ لهذا المُستشرق، الموجود من هذه النُّسخة اثنتان وخمسون ورقة، تشتمل على كتاب الزَّكاة، ثمَّ كتاب الصَّوم وفيه سقطٌ، ثمَّ الحج، نشر عنها (مانكانا) دراسةً باللُّغة الإنجليزيَّة عام (١٩٣٦ م) في كامبريدج، ساعدَه في بعضها المُستشرق (مَرجِليوث)، وقد تكفَّل د. أحمد السَّلوم بالرَّد على بعضِ ما فيها من أغاليط، في مقالةٍ له بمُدوَّنتِه الإلكترونيَّة أسماها: «رسالة في الرَّد على شُبه مَنكانا حول صحيح البخاري» بتاريخ ٢٩ ماي ٢٠١٥ م.\n(^٢) «صحيح البخاري، نهاية أسطورة» لرشيد أيلال (ص/١٦٣، ٢٤٣).\nوهو بتطلُّبه لوثيقة ماديَّة بخطِّ المؤلِّف نفسِه شرطَ إثبات الكتاب له، ماشٍ في ذلك على نفس المهيع المُعوجِّ الَّذي ابتدعه بعض المُستشرقين الجُدد، كالمؤرِّخ الأمريكي توم هولاند في برنامج وثائقي تلفزيوني له شهير بعنوان: (الإسلام الحكاية المخفية).\nومقمِّشُ هذا الهُراء «أسطورة البخاري» مِمَّن ضجَّ النَّاس من كثرة سرقاته فيه، منهم كاتب عراقيٌّ رافضيٌّ يُدعى (ليث العتابي)، ألَّف كتابًا بحالِه فيه أسماه: «السَّرقات الَّتي أصبحت كُتبا»! أوضح فيه مكامن السَّرقات في كتاب (رشيد أيلال) وكُتب (مصطفى بوهندي) و(الأزرق الأنجري) من مصادرها في كُتب الشِّيعة الرَّافضة، يقول: «.. وكأنَّ بوهندي والأنجري وأيلال تخرَّجوا من مدرسة واحدة في السَّرقة!» كما في حوار له مع يومية النَّهار المغربية، على موقع «ريحانة بريس»، بتاريخ ٢٣ يوليوز ٢٠١٩ م.","vol":"1","page":449},{"text":"هذا؛ وتلخيصًا لمِا مَضى مِن مُعارضاتٍ مُتعلِّقةٍ بنسبةِ ما في «الجامع الصَّحيح» إلى البخاريِّ، نختزل تلكمُ الشُّبَه بردِّها إلى أصلين جامعين لها:\nأوَّلهما: أنَّ البخاريَّ ترَكَ كتابَه مُسودَّة لم يُبيِّضه.\nوثانيهما -وهو مُتفرِّع عن سابقه-: أنَّ عدمَ تبيِيضِ البخاريِّ لكتابِه أدَّى إلى تَصرُّف رواتِه فيه ومُحاولة إتمامه، ما يفسِّر اختلافَ نُسَخ الكتابِ مِن حيث مادَّته وترتيبه.\nوتمام نقضها في المباحث التَّالية:","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث السَّادس\nدفع دعاوى التَّشكيك في نسبة «الجامع الصَّحيح» بصورته الحاليَّة إلى البخاري</span>","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المَطلب الأوَّل\nنقضُ شبهةِ عدمِ تَبْيِيض البخاريِّ لكتابه</span>\nأمَّا أنَّ البخاريَّ ترك «صحيحَه» مُسَوَّدةً دون تَبييضٍ قبل وفاتِه: فهذا القول في أصلِه نتاجُ فهمِ عقيمٍ لكلامِ المُستملي (ت ٣٧٦ هـ) أحدِ رُواة الكتابِ عن الفَرَبري، وانجلاء عُقم هذا الفهم عنه يكون بتصوُّرنا التَّصوُّر الصَّحيح لطريقةِ روايةِ «الصَّحيح» عن مؤلِّفه البخاريِّ.\nذلك أنَّ مِمَّا يجهلُه كثيرٌ مِمَّن يطعن في صحَّة رواية نُسخته: أنَّ أصلَ هذا الكتابِ قد بقيَ بعد وفاةِ مُصنِّفه عند تلميذِه الفَربري، وهو الَّذي اشتهَرَت روايةُ الكِتابِ مِن طريقِه، وعنه تلقَّاه الوفرةُ مِن الرُّواة قِراءةً وسماعًا، أشهرهم تسعةٌ (^١)؛ منهم مَن انتَسَخ الكِتابَ مِن أصلِ البخاريِّ نفسِه (^٢).\nثمَّ أخذ عن هؤلاءِ التِّسعة الجَمُّ الغفير قراءةً وسماعًا، اشتَهرَ منهم اثنا عَشَر راويًا، منهم أيضًا مَن تشرَّفَ بانتساخِ نُسختِه مِن أصلِ البخاريِّ، والَّذي بقِي عند أبي أحمد الجُرجانيِّ تلميذِ الفَربري (^٣).\n_________\n(^١) ذكر ابن حجر أسماء هؤلاء التِّسعة في «هدي الساري» (ص/٥ - ٦)، وأضاف النووي راويين اثنين لم يذكرهما ابن حجر، وذلك في أوَّل كتابه «التلخيص شرح الجامع الصَّحيح» (١/ ١٩١).\n(^٢) أشهرهم أبو إسحاق المستملي، وأبو محمد السَّرخسي، وأبو الهيثم الكشميهني، وأبو زيد المروزي، كما في «التَّعديل والتَّجريح» لأبي الوليد الباجي (١/ ٣١١)، وكذا محمد بن مكي الجرجاني، كما في «تاريخ أصبهان» لأبي نعيم الأصبهاني (٢/ ٢٥٩).\n(^٣) منهم: أبو نعيم الأصبهاني، وأبو محمد الأصيلي، كما في «المختصر النَّصيح» للمُهلَّب (١/ ٦٩).","vol":"1","page":453},{"text":"وهكذا تلاحَقَت طبقاتُ الرُّواة على روايةِ الكِتاب على نفسِ النَّمَطِ المُتواتر في التَّحمُّل (^١)، «فكان ذلك حُجَّةً لكتاب عاضِدةً، وبصدقِه شاهدةً، فتَطوَّق به المسلمون وانعَقَد الإجماعُ عليه، فلزِمَت الحُجَّة، ووَضَحَت المَحجَّة» (^٢).\nإذا تقرَّر هذا؛ فإنَّ المُستملي -الرَّاوي عن الفربري كتابَ البخاريِّ- يخلو كلامَه من مُستمسَكٍ لِمن توهَّم الكتابَ مُسودَّةً، وذلك أنَّه يقول بنصِّ عبارتِه: «انتسَختُ كِتابَ البخاريِّ مِن أصلِه، كان عند محمَّد بن يوسف الفَربري، فرأيته لم يَتمَّ بعدُ، وقد بَقِيت عليه مَواضعُ مُبيَّضة كثيرةٌ، منها تَراجم لم يُثبِت بعدها شيئًا، ومنها أحاديثُ لم يُترجِم عليها، فأضَفْنا بعضَ ذلك إلى بعض» (^٣).\nفإنِّي أستهجنُ أن يُحرَّف هذا النَّص خدمة لأغراض من يشتهي إسقاطَ الوثوقيَّة بـ «صحيح البخاريِّ»، فنصُّ المُستمليِّ براءٌ ممَّا انقدح في أذهانهم، بل هو على نقيضِها شاهدٌ! وبيانُ ذلك:\nأنَّ دلالة نصِّ المُستملي مُنحصِرة في مَوضوعِ التَّراجم الَّتي بَيَّضها البخاريُّ في «صحيحِه» دون أن يَذكُر تحتها حديثًا، أو في الأحاديثِ الَّتي ذكرَها ولم يُترجِم لها بابًا؛ وذلك: أنَّ الأصلَ الَّذي كان عند الفَرَبري مِن «الصَّحيح» كانت فيه إلحاقاتٌ في الهوامِش ونحوها، وكان مَن ينسخُ الكتابَ يَضعُ المُلحَقَ في المَوضعِ الَّذي يَظنُّه لائقًا به، فمِن ثمَّ وَقَع الاختلافُ في التَّقديم والتَّأخير (^٤).\nولعلَّ وجهَ ذلك: أنَّ النَّاسَ لمَّا أخذوا عن المُصنِّفِ، أخذوا أصلَ الحديث، وجَعلوا بعض الخصوصيَّاتِ هدَرًا، وحسِبوها كالواجبِ المُخيَّر، فرَوَوه كيفَما ترجَّح، والله أعلم (^٥).\n_________\n(^١) والأمر نفسه حاصل في أخذ الرواة لـ «صحيح مسلم»، ويُعدُّ كتاب «الإلماع» للقاضي عِياض من أفضل الكتب في وصف منهج علماء الحديث في الانتساخ وضوابطه.\n(^٢) «إفادة النصيح» لابن رشيد السبتي (ص/١٨ - ١٩).\n(^٣) «التعديل والتجريح» للباجي (١/ ٣١٠).\n(^٤) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٣٠٠).\n(^٥) انظر قريبا من هذا التوجيه من كلام القسطلانيِّ في «فيض الباري» للكشميري (١/ ٣٧ - ٣٨).","vol":"1","page":454},{"text":"فالمُتاح فهمُه مِن ظاهرِ كلام المُستمليِّ: أنَّ بعضَ رُواةِ الكتابِ اجتهدوا في ترتيبِ بعضِ مواضِع الأحاديثِ والأبوابِ -وهي قليلةٌ على كلِّ حال- تقديمًا وتأخيرًا، وليس فيه أنَّهم أضافوا شيئًا مِن عندهم فيه أو أنقصوا منه!\nولازمُ هذا كلِّه: أنَّ كتابَ البخاريِّ كان مُدوَّنًا في أصلٍ مُحرَّرٍ.\nيقول المُعلِّمي: «البخاريّ حَدَّث بتلك النُّسخةِ، وسَمِع النَّاسُ منه منها، وأخَذوا لأنفسِهم نُسَخًا في حياتِه، فثَبت بذلك أنَّه مُطمَئِنٌّ إلى جميع ما أثبتَه فيها .. أمَّا التَّقديمُ والتَّأخير -يعني في بعضِ رواياتِ «الصَّحيح» - فالاستقراءُ يُبيِّن أنَّه لم يَقع إلَّا في الأبوابِ والتَّراجم، يَتَقدَّم أحدُ البابَين في نُسخةٍ، ويَتأخَّر في أخرى، وتَقعُ التَّرجمة قبل هذا الحديثِ في نُسخةٍ، وتَتأخَّر عنه في أخرى، فيلتحِقُ بالتَّرجمةِ السَّابقةِ، ولم يَقع مِن ذلك ما يَمَسُّ سياقَ الأحاديثِ بضَررٍ» (^١).\nومِمَّا يشهد لصحَّة هذا التَّقريرِ، ما عَلَّق به الباجيُّ نفسُه على نصِّ المُستملي بعد نقلِه إيَّاه (^٢) بقوله:\n«.. رواية أبي إسحاق المُستملي، ورواية أبي محمَّد السَّرخسي (ت ٣٨١ هـ)، ورواية أبي الهيثم الكُشْمِيهَني (ت ٣٨٩ هـ)، ورواية أبي زيد المَرْوَزي (ت ٣٧١ هـ) -وقد نَسَخوا مِن أصلٍ واحدٍ (^٣) - فيها التَّقديم والتَّأخير، وإنَّما ذلك بحسبِ ما قدَّر كلُّ واحدٍ منهم في ما كان في طُرَّةٍ أو رُقعةٍ مُضافةٍ، أنَّه مِن مَوضعٍ ما، فأضافه إليه» (^٤).\nومِمَّن دَفَع مَقولَة تركِ البخاريِّ لـ «جامعِه الصَّحيح» مُسَوَّدةً مِن أئمَّةِ\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢٥٨).\n(^٢) وهو المتفرِّد برواية هذا الكلامِ عن المستملي من طريق شيخِه أبي ذرٍّ الهَرويِّ (ت ٤٣٤ هـ).\n(^٣) وهؤلاء الأئمة الأربعة تلاميذ الفَربري (ت ٣٢٠ هـ) أشهرِ من سمِع من البخاري «جامعه الصحيح»، وروايته له أتم الروايات.\n(^٤) «التعديل والتجريح» لأبي الوليد الباجي (١/ ٣١٠ - ٣١١).","vol":"1","page":455},{"text":"الأمصارِ، فجزموا بتبيِيضِه قبل وفاتِ مُصنِّفه بأعوامٍ كُثار: مَن هم أعلمُ النَّاس مُمارسةً لهذا الكتاب؛ كابن حَجرٍ العسقلانيّ (^١)؛\nوقبله بدرُ الدِّين ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ)، والَّذي احتجَّ على مَن نفى تبيِيضَ الكتابَ، بأنَّ البخاريَّ «أسمَعَ الكتابَ مِرارًا على طريقةِ أهلِ هذا الشَّأن، وأخَذَه عنه الأئمَّة الأكابر مِن البُلدان» (^٢).\nهذا؛ والمُستَملي الَّذي يُنسب إليه غلطًا ترك البخاريِّ لصحيحه مُسودَّة، هو نفسُه مَن رَوى عن الفَربريِّ قولَه: «سَمِع كتابَ الصَّحيحِ لمحمَّد بن إسماعيل تسعون ألف رجلٍ!» (^٣)؛ فهل يُعقَل أن يُحدِّث البخاريُّ بكتابِه مَرَّاتٍ، وفي بُلدان مختلفةٍ، وهو لا يزالُ مُسوَّدةً لم يُصَحَّح؟!\n_________\n(^١) وما نجده من قولِ ابن حجر في «الفتح» (٧/ ٩٣) في سياقِ توجيهه لعدم الترتيب في تراجم مناقب العَشرة، من قولِه: «.. أظنُّ ذلك من تصرُّف النَّاقلين لكتاب البخاري، كما تقدَّم مرارًا أنَّه ترك الكتاب مُسوَّدة» اهـ قد يبدو من ظاهرِه أنَّ البخاريَّ حقًّا ترك كتابه من غير تبيِيضٍ، وعلى هذا الظَّاهر مشى د. أكرم العُمري في «بحوث في تاريخ السنة المشرفة» (ص/٣٢٠، ط ٥، ١٤١٥ هـ)، ومن قبله زاهد الكوثري في تعليقه على «شروط الأئمة الخمسة» للحازمي، حيث ادَّعى (ص/١٧٢) أنَّ البخاريَّ «لم يفرُغ من تبييض كتابه تبييضًا نهائيًّا».\n\nوما ظُنَّ ظاهرًا من كلامِ ابن حجرٍ ليس هو مُراده، فإنَّه لا يتَّفق مع ما قرَّره هو نفسه وعمل به ابتداءً، من أنَّ البخاريَّ قد بيَّض كتابه، فيظهر لي أنَّ مقصوده بالمُسودَّة في النصِّ أعلاه: مجموعُ ما تَرَكه البخاريُّ من زياداتٍ أو إلحاقاتٍ بهوامش نُسختِه المُراجَعة المُبيَّضة، والَّتي احتاج مَن نَقَلَها عنه إلى تضمينِها في الكتابِ، وإلحاقِ كلٍّ منها في مكانه المناسب مِن جهة التَّرتيب، لا أنَّ مُراده أنَّ الكتاب بقي مُسَودَّة على المعنى الدَّارج بين المُصنِّفين، والَّذي يستتبع عدم المُراجعة والتَّنقيح والتَّرتيب للكتاب مِن مؤلِّفه، وإنَّما أطلق عليها الحافظ اسمَ (المُسوَّدة) مَجازًا في اللَّفظ ليس إلَّا.\nهذا التَّوجيه مني لكلام ابن حجر حمل لعبارته المُحتَمِلة المُشتبِهة، على عبارته المُحكمِة المُفسَّرة الَّتي كرَّرها في عِدَّة مواطِن من كتابه «هدي السَّاري»، كقوله عند كلامه عن بعض مَقاصد البخاريِّ في تراجِمه (ص/١٤): «.. وللغفلة عن هذه المقاصد الدَّقيقة، اعتقدَ من لم يُمعِن النَّظر أنَّه ترَكَ الكتاب بلا تبييض، ومن تأمَّل ظَفر، ومن جدَّ وَجد»، وانظر أيضًا (ص/٤٨٩) منه، والله أعلم.\n(^٢) «مناسبات تراجم البخاري» لبدر الدين ابن جماعة (ص/٢٥ - ٢٦).\n(^٣) «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٢/ ٣٢٢)، وإن كان في إسنادها نظر، إلا أنه غير مستبعد، فقد بلغت شهرة البخاري وصحيحُه الآفاق، فكان البخاريُّ يُحدِّث به في كل مكان، إلى قُبيل وفاته بقليل.","vol":"1","page":456},{"text":"وهل أَحَدُّ قطعًا لجِدالِ كلِّ مُتعنِّتٍ في هذه الحقيقة مِن قولِ البخاريِّ نفسِه: «صَنَّفتُ جميعَ كُتبي ثلاثَ مَرَّاتٍ» (^١)؟!\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٠٣)، و«تغليق التعليق» لابن حجر (٥/ ٤١٨).\nوقد أعرضت عن الاستشهاد بِما رُوي من عرض البخاري لصحيحه على بعض مشايخه - على كثرة من استدلَّ به مِمَّن كَتَب في هذه المسألة - لِما سبق التنبيه على ضعف إسناد هذه الحكاية.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المَطلب الثَّاني\nمَنشأ الاختلافاتِ في نُسَخ «الجامع الصَّحيح»</span>\nولأحدِنا أن يسأل مُستشكلًا: مادام البخاريُّ قد بَيَّض «جامعَه الصَّحيح»، ولم يتصرَّف رُواتُه في مادَّتِه الأصليَّة من أنفسِهم، فما سَببُ الاختلافاتِ الَّتي نراها بين نُسخِه ورواياتِه في بعض الألفاظ؟!\nوالجوابُ على ذلك، ما أتقنَه السُّيوطيُّ سَبْكًا في كلامٍ جامعٍ مُحرَّرٍ يقول فيه:\n«وقع في «الصَّحيح» بالنِّسبة إلى هذه الرِّوايات اختلافٌ وتفاوتٌ يسير:\n١ - فما كان منه بزيادة حديثٍ كاملٍ أو نقصِه: فهو محمولٌ على أنَّه فَوْتٌ حَصل لِمن سَقط من روايتِه، مع ثبوتِه في أصل المؤلِّف.\n٢ - وما كان بتقديم بعض الأحاديث على بعضٍ: فهو محمولٌ على أنَّه وَقع مِن صاحب الرِّواية عند نَسخِه بتقلُّب بعض الأوراقِ عليه.\n٣ - وما كان اختلاف ضَبطِ لفظٍ واقعٍ في الحديث، كقولِه في حديث هِرقل: «هذا مُلك هذه الأُمَّة» بِلفظِ المصدر في رواية، وبلفظ الوصفِ في رواية، و(يَملِكُ) بلفظ المضارع في روايةٍ، وبلفظ الجار والمجرور في روايةٍ: فهو محمول على أحدِ أمرين:\nأ- إمَّا أن يكون المُصنِّف نفسُه حَصل عنده شكٌّ في كيفيَّة اللَّفظ المرويِّ، فرواه تارةً كذا وتارةً كذا، فسمِعَته منه بعضُ رُواة «الصَّحيح» على وجهٍ، وبعضهم على وجهٍ آخر.","vol":"1","page":458},{"text":"ب- وإمَّا أن يكون الشَّكُّ حَصل من الرُّواة، فرواه كلٌّ على ما ظنَّ أنَّه أخذه من البخاريِّ كذلك، لكونِه لم يضبطه حِفظًا ولا خطًّا.\n٤ - وكذلك ما حَصل الاختلاف فيه بزيادة كلمةٍ، أو جملةٍ، أو تقديمِ هذا القَدر.\n٥ - وقد يكون الاختلاف بالنَّقصِ، لِسقوطِ كلمةٍ من النَّاسخ وَهمًا، أو لِكونِها في الحاشية فاندرَست.\n٦ - وقد يكون بتغيُّر الإعراب، وارتكابِ ما هو لَحنٌ أو ضعيفٌ في اللُّغة، لِقلَّة ضبطِ صاحب الرِّواية وإتقانِه، فتُتَحمَّل له الأوجُه المُتكلَّفة، والصَّواب في مثل هذا الاعتمادُ على صاحب الرِّواية المُوافقةِ للصَّواب» ا. هـ\nقلت: ومَردُّ أوجُه هذا الاختلاف في رواياتِ «الجامع الصَّحيح»، إلى أنَّ رُواتَه -كغيرهم مِن نَقَلة الكُتب الأخرى- بَشرٌ لا يَسلمون مِن بعضِ تصحيفٍ في خطٍّ وكتابة، أو تصحيفِ سماعٍ وأُذن، وذلك واقع في كلمات يَسيرة، تقعُ منهم في بعض ما في الكِتاب، ممَّا لا يقدح في سلامةِ أصله، «وقد يندُر للإمامين مَواضع يسيرةٌ مِن هذه الأوهام، أو لِمن فوقهما مِن الرُّواة» (^١).\nوكذا كان مِن أهَمِّ أوجُه تلك الاختلافات بين نُسَخ «الجامع الصَّحيح»: تَفرُّد بعضِها برواياتٍ نادرةٍ عن البخاريِّ (^٢)، يَرجعُ كثيرٌ منها إلى عدم وقوفِ أصحابِها على التَّعديلات الَّتي أجراها المؤلِّف نفُسه على «صحيحه»، وقد عُرِف عن البخاريِّ إدامة النَّظرِ في كتابِه استدراكًا وتهذيبًا.\nومِن أقربِ أمثلةِ هذا الوجهِ من الزِّيادة: نفسُ ما اشتبَه على بعضِ كُتَّابِ الإماميَّةِ مِن ذكرِ القرطبيِّ رؤيتَه لبعضِ النُّسخ القديمةِ مِن «الصَّحيح» مُتضمِّنةً رؤيةَ البخاريِّ قَدَح النَّبي ﷺ الَّذي كان عند أنَسٍ ﵁ (^٣)!\n_________\n(^١) «تقييد المهمل وتمييز المشكل» للغساني (٢/ ٥٦٥).\n(^٢) ذكر هذه الوجوه لاختلافات الرِّوايات مع أمثلتها التَّطبيقيَّة: محمد بن عبد الكريم بن عبيد في رسالته: «روايات ونُسخ الجامع الصَّحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري» (ص/٥٠ - ٨٣).\n(^٣) «فتح الباري» (١٠/ ١٠٠).","vol":"1","page":459},{"text":"وكذا ما استشكَلوه مِن خُلوِّ بعضِ نُسَخِ «الصَّحيح» مِن زيادة: «تقتلُه الفئةُ الباغية» في حديثِ أبي سعيد (^١)\n﵃.\n_________\n(^١) قول الحميدي في «الجمع بين الصحيحين»: «لعلَّها لم تقع للبخاري، أو وقعت فحذفها عمدًا».\n\nتعقبَّه فيه ابن حجر في «الفتح» (١/ ٥٤٢) قائلًا: «ويظهر لي أن البخاري حذفها عمدًا، وذلك لنكتة خفيَّة: وهي أنَّ أبا سعيد الخدري اعترف أنَّه لم يسمع هذه الزِّيادة من النَّبي ﷺ، فدلَّ على أنَّها في هذه الرِّواية مُدرجة، والرِّواية الَّتي بيَّنت ذلك ليست على شرط البخاري ... فاقتصر البخاري على القدْر الَّذي سمعه أبو سعيد من النَّبي ﷺ دون غيرِه، وهذا دالٌّ على دِقَّة فهمِه، وتبحُّره في الاطِّلاع على عِلل الأحاديث».","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الثَّالث\nإضافاتُ الرُّواة إلى نُسَخِهم من «الصَّحيح»\nيُميِّزها العلماء بعلامات مُصطَلَحٍ عليها</span>\nمثل تلك الاختلافات ونحوها الواقعة بين الرُّواة، قد استطاعَ العلماء -بفضل الله- رصدَها وتحريرَها ببيان وجهِ الصَّواب فيها، وذلك من خلال تَتبُّع بقيَّة نُسَخِ «الصَّحيح»، وسَبْر طُرقِ الرِّوايات، ومَعرفةِ تراجمِ الرُّواةِ لمعرفةِ اللِّقاء، تَرى ذلك -مثلًا- في العَملِ النَّقديِّ الدَّقيقِ الَّذي قَدَّمَه الجيَّاني (ت ٤٩٨ هـ) في كتابه «تَقيِيدِ المُهمَل»، وكذا للقاضي عِياض (ت ٥٤٤ هـ) في هذا جهدٌ مَشكورٌ في «مَشارق الأنوار على صِحاحِ الآثار»؛ وإلى ابن حَجرٍ المُنتهى في ذلك في تقدِمَتِه وشرحِه للبخاريِّ.\nوكذا فعل العلماء مع نُسخ «المسند الصَّحيح» لمسلم ضبطًا وتحريرًا، وفي ذلك يقول جمال الدِّين المِزِّي (ت ٧٤٢ هـ): «كتابُ ابنِ ماجَه إنَّما تداوَلَته شيوخٌ لم يَعتنوا به، بخلافِ صَحِيحَيْ البخاريِّ ومسلم، فإنَّ الحُفَّاظ تَدَاوَلوهما، واعتنوا بضبطِهِما وتصحيحِهمِا» (^١).\nوما نجِدُه من زياداتٍ أو فوائدَ دَوَّنها بعضُ الرُّواةِ مِن مَجالِسَ للبخاريِّ أو غيره، ألحقوها بمَواضِعها المناسبةِ في نُسَخِهم الشَّخصيَّة مِن «الصَّحيح»، ممَّا\n_________\n(^١) نَقَله عنه ابن القيِّم في «زاد المعاد» (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":461},{"text":"لم يَرِد في أصلِها؛ فإنَّ هذه لا تَشتبِهُ على النَّاظرِ أن تكون مِن إنشاءِ المُؤلِّف نفسِه! كيف وقد مَيَّزوها عن المادَّةِ الأصليَّةِ بإيرادِ أسانيدِها الخاصَّة مُستقلِّةً إلى مَن رَوَوها عنه (^١).\nمِن ذلك مثلًا: ما انفردَ به المُستمْلِي في نُسختِه عن الفَربري (^٢) في باب: «الرَّجم بالمُصَلَّى»، بعد حديثِ جابرِ ﵁ في قصَّة الَّذي اعترفَ بالزِّنا، ما نصُّه: «سُئِل أبو عبد الله (^٣): (فصَلَّى عليه) يَصِحُّ؟ قال: رواه مَعمر، قيل له: رواه غير مَعمر؟ قال: لا».\nفنظيرُ هذا المثال -بالضَّبط- ما تَعَسَّر على المُغالِطينَ فهمُه مِن تصرُّفاتِ النَّقَلة! أعني بذلك قولَ الفَربري (^٤): «وحدَّثنا محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان قال: إذا قُرِئ على المحدِّث فلا بأس أن يقول: حدَّثني ..» (^٥)، فجعلوا مثل هذا -لجهلهم بقوانين التَّصنيف- شُبهةً على التَّصرف بأصلِ الكتابِ!\nوقد قدَّمنا أنَّ هذه الإضافاتِ مِن الرُّواة لبعضِ موادَّ أجنبيَّة في ما ينقلونه من كُتبٍ مَرويَّة أمرٌ اعتياديٌّ معروف عند العلماء، وقع مثلُه في غير ما مُصَنَّفِ مِن مُصَنَّفاتِ الآثار، أشهرُ ذلك ما حوَته رواياتُ «الموطَّأ» مِن ذلك، بل وفي «صحيح مسلم» شيءٌ مِن ذلك أيضًا (^٦).\n_________\n(^١) كنسخة أبي محمَّد الصَّاغاني، وقد اطَّلع على نسخة للفربري من «الصَّحيح» عليها خطُّه، حيث تميَّزت عن باقي النُّسخ باحتوائها على زيادات من أقوال البخاريِّ فيها فوائد، وانظر مقدمة د. أحمد السلوم لـ «المختصر النصيح» للمهلب بن أبي صفرة (١/ ٩١).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (١٢/ ١٣١).\n(^٣) يعني البخاريَّ.\n(^٤) جاء نقلُه هذا في جميع روايات البخاري، ما عدا الهرويَّ وأبي الوقت وابن عساكر، كما تراه في هامش الطَّبعة السُّلطانيَّة لـ «صحيح البخاري» (١/ ٢٤ ط ٢).\n(^٥) «صحيح البخاري» (ك: الحدود، باب: الرجم بالمصلى، رقم:٦٨٢٠).\n(^٦) انظر أمثلتها في كتاب «الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح» لمشهور سلمان (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":462},{"text":"وهذا فضلًا عمَّا يتعلَّق بالإلحاقات والتَّهمِيشات في النُّسخ الخطيَّة، فهذه أيضًا لها آدابها عند النُّساخ والنَّقَلة، يعرفها أهلُ الحديث ويُميِّزونها، ويذكرون قواعدَها في كُتبِ المصطلح؛ فما يذكرُه هؤلاء الرُّواة مِن زياداتٍ على الأصلِ يُسمِّيه العلماء بـ «التَّخريج»، ويكون أحيانًا بخطِّ مختلف، أو في حواشي الكتاب (^١).\nفبانَ أنَّ هذه الإضافات الجديدة ظاهرةٌ طبيعيَّة، لا تخرِم مَبدأَ الأمانةِ العِلميَّة في تحمُّلِ مُؤلَّفات الأئمَّةِ ما دامت مُمَيَّزةً عن أصلِها بأمارةٍ ظاهرةِ لا تَلتبِسُ، «سواءٌ كانت جُملةً، أو تفسيرَ كلمةٍ، أو تعليقًا - ما دامت تحملُ إسنادًا مُختلفًا عن إسنادِ صاحبِ الكتابِ، لم يَكُنْ هناك خَطرٌ لِلعَبث في الكتابِ نفسِه» (^٢).\nوها نحن في زَمانِنا نَقتني ما نَشتهيه مِن كُتب، يجد أحدنا في نفسه حُريَّةً تامَّةً في أنْ يتصرَّف في كتابه المُشترى كيف شاء، ما خَلا المتنَ طبعًا، وذلك بوضعِ مُلاحظاته بهامشِه، أو الكَتْبِ بين سطورِه، لمقاصِدَ تعود بالفائدةِ عليه، أو غيرِنا مِمَّن نحتَمِلُ أن يقرأَ نُسختَنا مِنه؛ فكذلك الأمر كان مع القُرَّاء الأقدمين؛ كانوا يَتملَّكون الكتابَ شِراءً أو نَسْخًا، ثمَّ لا يتحَرَّجون مِن التَّعليقِ علىه، وإغنائِه ببعضِ الإفاداتِ.\nفهذا الَّذي يُفسِّر لنا وجودَ اسمَ البخاريِّ وسطَ بعضِ الأسانيد الَّتي يَرويها بعض نقلةِ «الجامع الصَّحيح»! وهو مع ذلك قليلٌ جدًّا في «صحيحِ البخاريِّ» (^٣).\nوأوكِّد في هذا المقامِ ختامًا: أنَّ مَن مَارَس هذه العلوم في توثيق المُصنَّفاتِ ولو شيئًا يسيرًا، أيقنَ أنَّ تفاوتَ الرِّوايات لكُتبِ التُّراث القَديمةِ أمرٌ طبيعيٍّ مُستَساغ، في ظلِّ اعتمادِ النَّاسِ قديمًا على السَّماعِ والنَّسخِ اليَدويِّ، وَضعفِ وسائلِ النَّشرِ والإعلامِ، والله الهادي.\n_________\n(^١) انظر «الإلماع» للقاضي عياض (ص/١٦٢)، و«مقدمة ابن الصَّلاح» (ص/١٨١).\n(^٢) «دراسات في الحديث النبوي» لمصطفى الأعظمي (٢/ ٣٨٠).\n(^٣) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٩٤).","vol":"1","page":463},{"text":"وأمَّا ما يَدَّعيه (جُولدْزيهر) مِن (دَسِّ) الرُّواةِ لبعضِ رِواياتٍ في «الصَّحيح»، وتحريفِهم لبعضِ ألفاظِ المُتونِ لأغراضٍ قَبليَّةٍ أو سِياسيَّة، فهذا مِن التَّسكُّعِ في أزِقَّة الباطلِ، وإمعانٌ في الإساءةِ إلى أئمَّةِ المسلمين وحضارتِهم الشَّامخةِ، وقد قدَّمنا تسفيهَ قولِه من جِهة التَّأصيل؛ فأمَّا من جِهة التَّفصيل، فيتبيَّنُ في:","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المَطلب الرَّابع\nالجواب عن دعوى المُستشرق إقحام أثر عمرو بن ميمون\nفي «صحيح البخاريِّ» لنَكارة متنِه</span>\nفهذا النَّص الأوَّل الَّذي تشاغب به (جولدزيهر) ليُثبت إقحامِ حكاية عمرو بن ميمون عن رجم القِرْدة في أصلِ «الصَّحيح» بكلام الحميديِّ، مُتْبِعًا ذلك بذكر استنكارِ ابنِ عبد البرِّ لمتنِه؛ فلو كان ترَيَّث ونظر في تعقُّب ابنِ حَجرٍ على الحُمَيديِّ عند شرحِه لهذا الأثر، وهو قوله:\n«أغربَ الحُمَيديُّ في «الجمع بين الصَّحيحين»، فزَعَم أنَّ هذا الحديثَ وَقعَ في بعضِ نُسخ البخاريِّ، وأنَّ أبا مسعودٍ وحدَه ذكَرَه في الأطراف .. وما قالَه مَردودٌ! فإنَّ الحديثَ المَذكورَ في مُعظمِ الأصولِ الَّتي وَقَفنا عليها، وكَفى بإيرادِ أبي ذرٍّ الحافظِ له عن شيوخِه الثَّلاثة الأئمَّةِ المتقنين عن الفَربري حُجَّةً، وكذا إيراد الإسماعيليِّ وأبي نعيم في مُستخرَجَيهما، وأبي مسعود له في أطرافِه.\nنعم؛ سَقط مِن روايةِ النَّسَفي، وكذا الحديثُ الَّذي بعده، ولا يَلزم مِن ذلك أن لا يكون في روايةِ الفَربري، فإنَّ روايتَه تَزيدُ على روايةِ النَّسفي عدَّةَ أحاديث .. وقد أطنبتُ في هذا المَوضعِ لئلَّا يَغترَّ ضعيفٌ بكلامِ الحُمَيديِّ، فيعتمَدَه وهو ظاهرُ الفسادِ» (^١).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٧/ ١٦٠ - ١٦١)، وقد وافَقه القسطلاني في «إرشاد السَّاري» (٦/ ١٨٢)، وهو مِن أعلمِ النَّاس بعده بمَرويَّات «الجامع الصَّحيح».","vol":"1","page":465},{"text":"فهذا ما يَستَحِقُّ أن يُسَمَّى تحقيقًا وجِدِّيةً في التَّوثُّقِ العلميِّ لا عجَلَة الاستشراق! هذا والحميديُّ نفسه لم يجزِم بما قالَ في كلامه السَّالف، إنَّما ظَنَّ ظنًّا! بحسب ما توافرَ لديه مِن نُسَخ وقته، يدلُّ على عدم جزمه قوله: «.. إنْ صَّحَت هذه الزِّيادة، فإنمَّا أخرَجَها البخاريُّ دلالةً على أنَّ عمرو بن ميمون قد أدركَ الجاهليَّة ..» (^١).\nلكن عجَبي مِن ابنَ الأثيرِ! كيف استجاز الجزمَ بكونِ حكاية ابنِ مَيمونٍ «مِمَّا أُدخِلَ في صحيحِ البخاريِّ» (^٢)؟! مع أنَّ مَصدرَ دعواه هو الحُميديِّ ولم يجزم بذلك؟!\nوأمَّا استبعادُ (جولدزيهر) أن يُخرج البخاريُّ هذا الخَبرَ في «صحيحِه» لِما فيه مِن نَكارةٍ تُدَّعى في إضافةِ الزِّنا إلى غيرِ مُكَلَّف، وإقامةِ الحَدِّ على البَهائم .. إلخ.\nفجواب ذلك لمِن لم يُحط بالأخبار علمًا أن يُقال:\nإنَّ القِرَدَة تختصُّ عن أكثرِ الحيواناتِ مِن جنسِ الثَّديِيَّاتِ، باتِّخاذِ ذكورِها لإِناثٍ تَختصُّ بها، أشبه ما يكون بما عندنا نحن البشر مِن ارتباطِ الذَّكَرِ بالأنثى في عقودِ الزَّوَاجِ، بحيث تَلزَمُ أنثى القُرودِ ذَكرًا واحدًا يَختصُّ بها، يمنعُ أن يَنزُوَ عليها غيرُه، بل يَهيجُ غَضَبًا لذلك، لِما رُكِّب فيهم مِن غِيرةٍ مُشابهةٍ لبني آدمَ، وهذا أمرٌ مَعروف عنها منذ القِدَم.\nفانظر في تقرير هذه الحقيقة الحَيوانيَّة، إلى قول الجاحظ في وصفِه للقِرَدة: «يُحكى عنه مِن شِدَّة الزَّواجِ، والغِيرةِ على الأزواج، ما لا يُحكَى مثلُه إلَّا عن الإنسان! .. واجتمعَ في القِرْد (الزَّواجُ والغِيرة)، وهما خِصلتان كريمَتان، واجتماعهما مِن مَفاخِر الإنسانِ على سائرِ الحيوان» (^٣).\n_________\n(^١) «الجمع بين الصحيحين» (٣/ ٤٩٠).\n(^٢) «أُسد الغابة» (٣/ ٧٧٢).\n(^٣) «الحيوان» (٤/ ٣٠٩).","vol":"1","page":466},{"text":"ويزيد ابن حَجرٍ وصفَه له: «فيه مِن شِدَّة الغِيرة ما يُوازي الآدميَّ، ولا يَتَعدَّى أحدُهم إلى غيرِ زوجتِه، فلا يَدَعُ في الغالبِ أن يحمِلَها ما رُكِّب فيها مِن الغِيرة، على عقوبةِ مَن اعتدَى إلى ما لم يختَصُّ به مِن الأُنثى» (^١).\nوقد ثبَتَ اليومَ فيها أفعالٌ تَدلُّ على ذَكاوَتِهم، وقِصَصُها شَهيرة فيما يَبثُّه الإعلامُ مِن برامج، يَتعَجَّبُ منها كلُّ ذي عَيْنين؛ وقد وَقفتُ بنفسي على دراسةٍ عِلميَّة حديثةٍ شاهدةٍ على ذلك، أُجرِيَت في حديقة وطنيَّةٍ بغربِ أُوغَندا، أظهرت: تَشابهًا مَلحوظًا في السُّلوكِ الاجتماعيِّ بين ذكورِ (الشَّامْبَانزِي) والإنسانِ، إلى الحَدِّ الَّذي تَتَجنَّب فيه زواجَ الأقاربِ مِن أصولٍ وفروعٍ!\nبل أثبتَ الباحثونَ مِن نفسِ المَحميَّة، نتائجَ دراسةٍ مُلَخَّصُها في اثني عشرة صفحةٍ، استغرقَ إجراءُها تسعَ سِنينَ، توصَّلوا فيها إلى: أنَّ قِرْدَ (الشَّامْبَانزِي) الذَّكَر فيه مِن (الغِيرة الجِنسِيَّة) ما يُصبح به عُدوانيًّا عند الاشتباهِ في كونِ شريكَتِه الأنثى قد ضاجَعَت قِردًا آخرَ! وأنَّ الكثيرَ منهم نتيجةَ ذلك إمَّا أن يُشوِّهَ شريكَتَه الأنثى! أو يَنفِرَ منها أبَدَ الدَّهر! (^٢)\nفلأجل هذا أقول:\nلا يلزم مِن كونِ صورةِ الواقعةِ في خبرِ ابنِ ميمونٍ صورةَ الزِّنا والرَّجم، أن يكون ذلك زِنًا حقيقةً ولا حَدًّا! وإنَّما أُطلِق عليه لشَبَهِه بهِ في الصُّورة فقط، فلا إيقاعَ للتَّكليفِ على الحيوانِ كما تَوهَّمَه المُعترض (^٣).\nفأمَّا عن شَبَهِه في الصُّورةِ للزِّنا: فلعَلَّ في سَوْقِ أصلِ القِصَّة مِن وجهِها المُطَوَّل، تجليةً لوجهِ الشَّبَه الَّذي لأجلِه صَوَّر ابنُ مَيمونٍ فِعلَ القِرْدَين على صورةِ ذلك، وهي:\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٧/ ١٦٠).\n(^٢) دراسة علميَّة بعنوان: \"  Female compitition in champanzees\"،  أي: «المنافسة الأنثويَّة عند قِرَدة الشَّمْبانزي»، للبَاحثتين (Anne E. pusey)  و Kara walker»،  وهو منشور بالموقع الرَّسمي لمجلَّة الطِّب الحَيوي وعلوم الحياة في المكتبة الوطنيَّة الأمريكيَّة للصِّحة، وانظر الخبر أيضًا في جريدة (الغد) الأردنيَّة على موقعها الإلكترونيِّ، بتاريخ ١١ يونيو ٢٠٠٦ م.\n(^٣) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٧/ ١٦٠).","vol":"1","page":467},{"text":"مِن طريقِ عبد الملك بن مسلم (^١)، عن عيسى بن حطَّان (^٢)،\nأنَّه شهِد عمرَو بنَ ميمون، حين سُئِل عن أعجبِ ما رأى في الجاهليَّة؟ قال:\n«كنتُ في اليَمَن في غَنمٍ لأهلي، وأنا على شُرُفي، قال: فجاءَ قِردٌ ومعه قِردة، فتوسَّد يدَها فوَضَع يدَه فوق جسَدَها فنام، قال: فرأيتُ قردًا أصغرَ منه جاء يمشي خفيًّا، حتَّى غمز القِردة بيده، ثمَّ وَلَّى ذاهبًا، قال: فسَلَّت يدَها مِن تحتِ خدِّه سلًّا رقيقًا، قال: ووَضَعَت خدَّه على الأرض، ثمَّ تَبِعَته، قال: فوَقَع عليها وأنا أنظر إليه.\nقال: ثمَّ رَجَعتَ، فجَعَلت تُدخِل يدَها تحتَ خدِّه إدخالًا رقيقًا، قال: فاستيقظَ فزِعًا مذعورًا! قال: وأطافَ بها وشمَّها، ثمَّ شمَّ حياهَا (^٣)، فصاحَ صيحةً شديدةً، قال: فجَعَلَت القُرود تَجيء يَمنةً ويسرةً، مِن بين يديه ومِن خلفه، واجتمعَ منهم جماعة، قال: فجَعَل يَصيح ويُومئ إليها بيَدِه، ثمَّ سَكَت، قال: فذَهَبت القرود يمنةً ويسرةً، قال: فما لبِثنا أن جاءوا به بعينِه أعرفُه، فحَفَروا لهما حُفَيرة فرَجموهما، فلقد رأيتُ الرَّجم في غيرِ بني آدم قبل أن أراه في بني آدم!» (^٤).\nوقد علِمنا قبلُ اختصاصَ كلِّ أنثى من القرودِ بذَكرٍ مُعَيَّنٍ، فإذا أمكَنَتْ نفسَها مِن آخر مع بقاء ارتباطِها بالأوَّل: عُدَّ ذلك في طباعِها خِيانةً، يستحقُّ فاعِلُه العقابَ، كحالِ الإنسان تمامًا.\n_________\n(^١) عبد الملك بن مسلم بن سلام الحنفي، أبو سلام الكوفي، ثقة شيعي، من كبار أتباع التابعين، انظر «تهذيب الكمال» (١٨/ ٤١٥).\n(^٢) عيسى بن حطَّان الرقاشى، من أواسط التابعين، وَثَّقه العجلي وابن حبَّان، انظر «تهذيب الكمال» (٢٢/ ٥٩٠).\n\nهذا وإنَّ قول ابن عبد البرِّ في «الاستيعاب» (٣/ ١٢٠٦) في عبد الملك بن مسلم، وعيسى بن حطَّان: «لَا يُحْتَجُّ بهما»: ممَّا ردَّه عليه ابن حجر، فإنَّ عبد الملك ثقة مِن رجال الصَّحيح، ولم يسبقه أحد في تضعيفه، وأمَّا عيسى فقال في «التَّقريب»: «مقبول»، أي حسن الحديث إذا توبع، فحديثه لا بأس به في غير الأحكام على وجه الخصوص، وانظر «لسان الميزان» لابن حجر (٦/ ٢٦٠).\n(^٣) أي: دُبرها، كما في رواية أبي نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/ ٢٠٤٧).\n(^٤) أخرجه ابن شاذان في «أجزائه» (ج ٢/ ١٠١ مخطوط)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/ ٢٠٤٧)، وساقها الإسماعيلي في «مستخرجه» من نفس هذا الطَّريق، كما في «الفتح» لابن حجر (٧/ ١٦٠).","vol":"1","page":468},{"text":"وغالبُ القِرَدَة لا تُعدَمُ مَخالبَ وأنيابًا تقتلُ بها كالمُفتَرِساتِ، فـ «منها ما يَعَضُّ، ومنها ما يخدش، ومنها ما يَكسِر ويُحطِّم، والقرودُ ترجُم بالأكُفِّ الَّتي جَعَلها الله لها، كما يرجُم الإنسان» (^١)؛ وبِذلك تَوسَّلَت لقتلِ القِردَيْنِ الخائنينِ في خبرِ ابنِ ميمون.\nومثلُ هذه العقوبات الانتقاميَّةِ مِن الذَّكورِ على مَن اعتدى على خصوصِيَّتِها الجِنسيَّةِ، قد شاهدَه النَّاسُ في زمانِ ابن تيميَّة (ت ٧٢٦ هـ) في غير القرودِ، حتَّى في الطُّيور (^٢)!\nفحاشا البُخاريَّ أن يُريد بهذا الخبرِ حقيقةَ الزِّنا وحَدِّه في الشَّرع، وإلَّا لأوردَه في كتابِ الحدودِ في باب (رَجم المُحصَن) -مَثلًا- أو (إِثم الزُّناة)، وعنده في هذين مِن أحاديثِ النَّبي ﷺ وأقوالِ صحابتِه ما فيه غُنيةٌ له عن روايةِ رجلٍ في جاهليَّتِه.\nإنَّما أوتي المُعترض على البخاريِّ في هذا الخبر: مِن ظنِّه أنَّ كلَّ خَبرٍ يورِدُه الأئمَّة في مُصَنَّفات الحديث هو دِينٌ، يُراد به تشريعٌ أو عقيدة! والحالُ أنَّ المحدِّثين قد يَرْوُون في جوامعهم ما يخرُج عن هذا، فيسوقونَ أخبارَ تاريخيَّةً، منها أحوالُ النَّبي ﷺ قبل البِعثة، وأحاديثُ صِفاتِه الخِلْقِيَّة، وهذان ليسا مِن التَّشريع في شيءٍ؛ أو أخبارَ الجاهليِّين اعتِبارًا أو استظْرَافًا؛ وهنا ساق البخاريُّ أثرَ عمرو بن ميمون! حيث أخرجه في بابِ (أيَّام الجاهليَّة) مِن كتابِ المَناقب.\nووَجه المناسبةِ بين أثر ابن ميمونٍ وبين ترجمةِ البابِ لا تخفى: فالقصَّة فيها تحكي أمرًا غريبًا وَقَع في الجاهليَّة؛ وقوله فيها: «.. فرجمتُها معهم» (^٣): دلالةٌ لطيفةٌ على عظيمِ قُبحِ خيانةِ العَشيرِ عند العربِ مع جاهِلِيَّتِها، حتَّى استحقَّ فاعلُها عندهم شديدَ العِقاب.\n_________\n(^١) «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/٣٧٣).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٤٥)\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في «معرفة الصَّحابة» (٤/ ٢٠٤٧).","vol":"1","page":469},{"text":"وفيه أيضًا دَلالة على أنَّ عمرو بن مَيمون مِمَّن أسلَمَ وقد أدركَ الجاهليَّة (^١)، فلأجلِ ذلك اختارَ له البخاريُّ هذه الحكاية، وفي هذا الباب تحديدًا (^٢).\nفهذه النُّكَت الَّتي استعصَى على المُعترضِ لمْحها، ولعمايته اتَّهم الخبر بعدمِ الفائدة؛ وقد أطنبتُ في هذا الموضع -كما أطنَبَ ابن حَجرٍ قبلي في الرَّدِ على الحُميديِّ- كي لا يَغترَّ ضعيفٌ بكثرةِ ما يَبثُّه الزَّائغون مِن الشُّبَه على هذا الخبر، تسفيهًا لعقلِ مُخرِّجه، فيعتمدَها وهي ظاهرة الفسادِ.\n_________\n(^١) انظر «الجمع بين الصَّحيحين» للحميدي (٣/ ٤٩٠).\n(^٢) قرَّر هذه النُّكتة ابن الجوزي في «تلقيح فهوم أهل الأثر» (ص/٢٨٨).","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المَطلب الخامس\nالجواب عن شُبهة التَّصرُّف في رواية ابن عمرو:\n«إنَّ آلَ أبي (..) ليسوا لي بأولياء»</span>\nهذا النَّص الثَّاني الَّذي استدلَّ به (جولدْزيهر) على الإقحامِ في «البخاريِّ»، وهو زعمُه أنَّ بعضَ النَّقَلةِ أدخلَ كلمةَ (بَياض) في متنِ هذا الحديث، ليخلُصَ به إلى لعنِ عائلةٍ تُسمَّى (آل بَياض)!\nونقول في جوابِه: مِن العُجمةِ أُوتِي! ولو صدق هذا المُستشرق في نقدِه، لأَخَذَ بسائرِ كلامِ القَسْطلانيِّ في هذا الموضعِ، حيث إنَّه اقتطع منه ما يروقُ شُبهتَه، مُتعاميًا عَمَّا أفادَه القسطلَانيُّ نفسُه مِن ضبطِ هذا اللَّفظِ بالرَّفع (بَياضٌ)، وليس بالجرِّ (بياضٍ) كما أوْهَمَه (جُولدزيهر).\nفالمعنى على ما ضَبَط القسطلانيِّ له: أنَّ هذا الموضِع من الحديث في الأصلِ الَّذي أُخِذ منه أبيضٌ، أي: مِن غير كتابةٍ، قد أبانَ عن هذا البَياضِ شيخُ البخاريِّ في جملةٍ منه تَوضيحيَّة مُعترضةٍ خارجَ نصِّ المتنِ؛ وقد زادَه القَسطلانيُّ بيانًا بأنْ قال بعده: «ولا يُعرَف في العَرَبِ قبيلةٌ يُقال لها أبو بَياض! فضلًا عن قريش، وسِياقُ الحديثِ يُشعِر بأنَّهم مِن قبيلِتِه ﷺ، وهي قريش» (^١).\n_________\n(^١) «إرشاد الساري» (٩/ ١٣).","vol":"1","page":471},{"text":"فأعظِم بها مِن أمانةٍ علميَّةٍ مِن المُحدِّثين في حفظِهم لشكلِ المَنقولِ كما هو، تبعثُ المُستشرِقَ إلى التَّحسُّرِ على ما ضَيَّعه أسلافُه مِن أمانةِ أسفارِهم لو كان مُنصِفًا!\nوأمَّا عن الباعثِ إلى تركِ الرَّاوي لهذا الموضعِ بَياضًا دونِ ذكرِ اسمِ المُرادِ مِن الآل: فيقول عنه النَّوَوي: «هذه الكنايةُ بقولِه: (يعني فُلانًا) (^١)، هي مِن بعضِ الرُّواة، خَشِيَ أن يُسَمِّيه، فيَتَرتَّب عليه مَفسدةٌ وفتنةٌ، إمَّا في حَقِّ نفسِه، وإمَّا في حَقِّه وحَقِّ غيره، فكنَّى عنه، والغَرَض إنَّما هو قوله ﷺ: إنما وَلِييَ الله وصالح المؤمنين ..» (^٢).\nغير أنَّ هذا المُبهَم المُستَتِر وراءَ لفظِة (بياضٍ) قد جَاء ما يُفصِحُ عنه في روايةٍ أخرى جهلها المُستشرق، يقول ابن العربيِّ (ت ٥٤٣ هـ): «بَيَّنها أبو [ذرٍّ] (^٣) في «جمعِ الصَّحيحين»، عن شعبة، بالسَّند الصحيح، فقال: «آل أبي طالِبٍ ليسوا إليَّ بأولياء، إنما وَليِّيَ الله وصالح المؤمنين» (^٤).\n_________\n(^١) كذلك جاءت في «صحيح مسلم» (ك: الإيمان، باب: موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم، رقم:٢١٥) بلفظ: «ألا إن آل أبي - يعني فلانا - ليسوا لي بأولياء».\n(^٢) «شرح النووي على مسلم» (٣/ ٨٨).\n(^٣) قد صُحفت في المطبوع من «أحكام القرآن» إلى (أبو داود)! وأبو ذر: هو عبد بن أحمد الهروي صاحب الراوية المشهورة لـ «الجامع الصحيح»، ولأبي ذر الهروي «المسند المؤلَّف على الصحيحين»، ذكره ابن خير في «فهرسته» (ص/٢٥٤)، فهذا الَّذي عناه ابن العربي، والله أعلم.\n(^٤) «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٤٦١)؛ ولذلك لما شرحَ هذا الإبهام الدَّاودي بقولِه: «المُرادُ بهذا النَّفي: مَن لم يُسْلِم منهم»، علَّق عليه ابن حَجرٍ في «فتح الباري» (١٠/ ٤٢٠، ٤٢٢) بقولِه: «لو تَفَطَّن مَن كَنَّى عن أبي طالبٍ لذلك، لاستغنى عمَّا صَنَع!».","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المَطلب السَّادس\nالجواب عن مُطالبة المُعترضِ بالنُّسخة الأصليَّة لـ «صحيح البخاريِّ» شرطًا لتصحيح نسبتهِ إلى مُصنِّفه</span>\nوأمَّا مُطالبةِ المُعترضِ لنُسخةٍ من الكتابِ بخطِّ البخاريِّ لتصِحَّ نِسبتُه إليه، فالجواب عنه مِن وجوه:\nالوجه الأوَّل: أنَّ الكتابَ مَعلومٌ بالضَّرورةِ أنَّه تأليفٌ للبخاريِّ، فإنَّ النَّاس تعلمُ بالضَّرورة أنَّ البخاريَّ صَنَّف كتابًا في صِحَاحِ الحديثِ، وأنَّه هذا المَقروءُ المَسموعُ المُتداوَل بينَ النَّاس؛ ولا فرقَ في ذلك بين كِتابي البخاريِّ ومسلمٍ وبين غيرِها مِن سائرِ مُصَنَّفاتِ علماءِ الإسلام، بل كتبُ الحديثِ بالخصوصِ مُختصَّةٌ عنها بصَرفِ العنايةِ مِن العلماءِ إلى سَماعِها وضَبطِها وتَصحِيحِها، وكِتابةُ خُطوطِهم عليها شاهِدٌ لمِن قَرأها بالسَّماع، ناطقةٌ لمِن سَمِعَها بالإذْنِ في رِوايتِها.\nوكنَّا قدَّمنا أنَّ البخاريَّ كان يُحدِّث بكتابه، وتَلقَّاه عنه طُلَاّبه سماعًا ومُقابلةً لنُسَخِهم بنُسختِه، فلو افترضنا جدلًا ضياعَ نُسخة البخاريِّ الَّتي بيده، فهذه النُّسَخ تقوم مَقامَها لا شكَّ، فكيف وهي مئات النُّسَخ، وكلُّ نُسخة لها سندها إلى البخاريِّ، وكُلُّها مُتطابقةٌ في الجملة؟!\nوهذه الصِّناعة التَّوثيقيَّة البديعة هي ما أيَّس أهلَ الكذبِ والتَّحريفِ مِن الكَذبِ في هذه المُصنَّفات المَسموعَةِ؛ فكما أنَّه لا يُمكِنُ أحدًا أن يُدْخِلَ في «المُدوَّنة» وكُتبِ السَّماعاتِ عن مالكٍ مسألةً في جوازِ المَسحِ على الجَورَبينِ","vol":"1","page":473},{"text":"الخفيفين -مثلًا- ويقول: إنَّه مَذهب مالكٍ! ويَخفى ذلك على حُفَّاظِ مَذهبِه؛ فكذلك لا يُمْكِنُ أحدًا أن يزيدَ في «صحيح البخاريِّ» حديثًا مُختلقًا ويَخفى على أهلِ الحديثِ بعده!\nالوجه الثَّاني: أنَّ النُّسَخ المختلفةَ لـ «صحيحِ البخاريِّ» كالرُّواةِ المُختلِفين، واتِّفاقُها يَدلُّ على صِحَّةِ ما فيها عن البخاريِّ قطعًا كما قدَّمنا.\nفإنَّك إذا وَجَدتَ الحديثَ في نُسخةٍ منه نُسِخَتْ باليَمنِ، ووَجدتَه في نُسخةٍ نُسِخَت بالمغرب، وفي الشَّامِ وغيرِها مِن أقطارِ الإسلام؛ ثمَّ وَجَدْتَه أيضًا في شروحِ «الصَّحيح» الَّتي صُنِّفت قريبًا منه، كشرحِ أبي سليمان الخَطَّابي (ت ٣٨٨ هـ)، فإنَّ هذا أدركَ الَّذين رَووا الكتابَ عن شيوخِهم عن البخاريِّ روايةَ نَسخٍ ومُطابقةٍ، وشرحُه أثبت فيه كِتابَ البخاريِّ بشكلِه المُتداوَل، فيكون نفسُ شرحِه نُسخةً مِن الكتاب، بل كلُّ شروح البخاريِّ المُتقدِّمة تُعتبر نُسَخًا صحيحة منه.\nثمَّ وَجدتَه أيضًا في المُستخرَجاتِ على «البخاريِّ» الجامعةِ لمِا فيه، كـ «المُستخرجِ» للإسماعِيليِّ (ت ٣٧١ هـ) عليه، وهي الَّتي تأتي إلى الأحاديثِ الَّتي رَوَاها البخاريُّ، وتَرويها بأسانيدَ تلتقي فيها مع البخاريِّ في شيخِه أو شيخِ شيخِه.\nفلا شكَّ أن النَّاظرَ في هذا كلِّه لن يُعدَم العلمَ الضَّروريَّ باستحالةِ تَواطؤِ رُواة هذا الكتاب على مَحضِ الكذبِ والمُباهَتةِ، لأنَّه يَستحيلُ اجتماعُهم واتِّفاقُهم على ذلك، لِتباعُدِ أزمانِهم وبُلدانهم، واختلافِ أغراضِهم ومَذاهبِهم.\nالوجه الثَّالث: أنَّ الأمَّة قد أجمَعَت على جوازِ إسنادِ ما في «الجامعِ الصَّحيحِ» إلى محمَّد بنِ إسماعيل البخاريِّ؛ وذلك أنَّ العلماءَ ما زالوا يَقولُون في كُتبِهم: هذا الحديثُ رواه البخاريُّ، أو رواه مسلم، أو اتَّفَقا عليه، مِن غير نكيرٍ في هذا على الرَّاوي، مع كثرةِ وقوعِ هذا منذ صُنِّفَت هذه الكتبُ، إلى هذا التَّاريخ، وذلك قريبٌ مِن ألفٍ ومائتي سنةٍ، والإجماعُ حُجَّة قاطِعةٌ للتَّشغيبِ الَّذي اشتهرَ به المُعترض، ومُزيلةٌ للتَّشويشِ الَّذي أورَدَه (^١).\n_________\n(^١) انظر هذا الوجه في «العواصم والقواصم» لابن الوزير (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥).","vol":"1","page":474},{"text":"الوجه الرَّابع: أنَّ المُعترضِ إن غَبِيَ عن تفهُّمِ ما قدَّمناه مِن بيِّناتٍ، فلعلَّ الأنسبَ لمثلِه أن يُفهَّم بضربِ مثالٍ واقعيٍّ، يُعلِمه كيف أزرى بنفسِه حينَ اشترطَ توقيعَ المُؤلِّف على الكتاب بخطِّ بيده، وذلك بأن يتخيَّل نفسَه:\nقد دَخَلَ مكتبةً عالميَّةً مَرموقةً، أو دارًا للنَّشرِ مَطروقةً، على رفوفِها أوقارُ أسفارٍ في شَتَّى أودِيةِ العلوم، فلَاحَ له منها كتابُ «الجمهوريَّة» لأفْلاطون (ت ٣٤٧ ق. م)، وكتابُ «الأمير» لمِيكْيَاّيلي (ت ١٥٢٧ م)، فلم يلبَث حتَّى تَوَجَّه بهما إلى قَيِّم الخزانةِ قائلًا: إنِّي لا أعترِفُ بصحَّةِ هذين الكِتابين، حتَّى تُخرِجوا لي نُسخةً أصليَّةً لكلِّ واحدٍ منهما كَتبها المؤلفُّ بخطِّ يَده! بل لا أعترفُ بأيِّ كتابٍ حَوَته خِزانتُكم إلَّا بهذا الشَّرط، حتَّى اطمئنَّ إلى العَزوِ إليه!\nفحدِّثني -بالله عليك-: عن أيِّ لونٍ أو صورةٍ تخيَّلتَ بها وَجهَ قيِّم الخزانةِ وهو يُلطَم بهذا الكلام؟! وقد تجاوزَ هذا المُتحذلِقُ جميعَ الأعرافِ الإنسانيَّة، والمَسالكِ العلميَّة، الَّتي تضمَنُ سَلامةَ الكُتبِ، وعدمَ انتِحالهِا في عصرِنا الرَّاهن!\nالوجه الخامس: أنَّا لو افترضَنا جَدلًا ظَنِّيَةَ نسبةِ ما في «صحيح البخاريِّ» إليه، فإنَّه مع ذلك يستحيلُ وَصمُ ما فيه مَعزُوًّا إلى النبَّي ﷺ بالكذبِ، لأنَّ البخاريَّ لم يَتَفرَّد أصلًا بروايةِ حديثٍ نَبويٍّ دون سائرِ الأئمَّةِ، بل هي نفسُها مُفرَّقةٌ عند غيرِه في كُتبِ السُّنَن والمَعاجم والمَسانيد والأجزاءِ ونحوِها؛ فأكثرُ أحاديثِ البخاريِّ لها العشراتُ مِن الطُّرقِ في كُتبِ الحديثِ المُختلِفة، ولله الحمد.\nفأيُّ طائل وراء هذا التَّشغيب والتَّشكيك في نُسخ البخاريِّ؟!","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المَبحث السَّابع\nدعوى اختلالِ المتونِ في «صحيح البخاريِّ» لروايتِها بالمعنى وتَقطيعِها</span>","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المَطلب الأوَّل\nاحتجاج المُخالفين بتقطيعِ البخاريِّ للأحاديث وروايتها بالمعنى على انتفاء مصداقيَّة كتابِه وضعفِ أمانتِه</span>\nيُعتبر تقطيعُ المُحدِّثين للحديث واختصارُهم له ذريعةً احتجَّ بها كلُّ مَن أفقدَ الثِّقة بما يَزبُره المُصنِّفون مِن متونٍ في كُتب الحديثِ، يحتَملون بذلك منهم الغَلطَ في نقلِ غيرِ المَعنى المُرادِ، أو خوفًا مِن تصرُّفِ المُحدِّثينَ في تَشكِيلِها حسبَ أهوائِهم العقديَّة والسيَّاسية؛ فصارَ هذا التَّصرُّف مِن المُحدِّثين في متونِ بعض الأحاديث مَثْلبةً يَتقصَّدُها بالتَّشهيرِ كلُّ مُناوئٍ لهم في هذا الزَّمان (^١).\nوالبخاريُّ قد أوفى بالنَّصيبِ الأوفرِ مِن هذا التَّشنيعِ، لِما عُرِف عنه مِن تقطيعِ بعضِ المتونِ في «صحيحِه» واختصارِها، حتَّى لقد بلغَ الفجورُ في الخصومةِ ببعضِهم، أن يَعُدَّ هذا العملَ الفَنِّيَ مِن البخاريِّ «نوعَ خيانةٍ علميَّةٍ، ناجمةٍ عن روح التَّعصُّب لمذهبِه العَقديِّ» (^٢).\nوبالنَّظر في كتاباتِ مَن توجَّه إلى «البخاريِّ» بالطَّعنِ في منهجِه، نجدُ أكثرَ مَن يُدَنْدِنُ حول تقطيعِه للأحاديث، ويجرِّم ذلك منه: الشَّيعة الإماميَّة، والمُعاصِرون منهم على وجهِ الخصوص؛ فكان فيما ادَّعوه عليه: أنَّه تَوسَّل بهذه\n_________\n(^١) كما تراه في «أضواء على السنة المحمدية» لأبو رية (ص/٧٠ - ٨٣).\n(^٢) انظر «أضواء على الصحيحين» لصادق النجمي (ص/١١٦).","vol":"1","page":479},{"text":"الطَّريقة في التَّصنيفِ لإسقاطَ أحاديثَ تشتمِل على مَنقبةٍ لعليٍّ ﵁، وحذف ما يُوهِم مَنقصةً لغيره من الخلفاءِ الرَّاشدين؛ أي أنَّ البخاريَّ كان يعمِد إلى حذفِ صدرِ المتنِ - مثلًا - أو ذيله، أو تقطيعِ المتنِ مِن وَسَطِه، لكي تخفَى المنقبةُ أو المَنقصة.\nترى هذا الافتراء في مثل قولِ (عبد الصمَّد شاكر): «كلُّ مُنصفٍ تَعمَّق بعد مُطالعة البخاريِّ في سائرِ الصِّحاح، يفهمُ بوضوحٍ أنَّ البخاري يَرى جوازَ الحذفِ والتَّغييرِ في متونِ الأحاديث بما يَراه مُناسبًا، وهذا أمرٌ خطيرٌ، يُسقِط اعتبارَ الكتابِ إلى حَدٍّ بعيد، رغمَ اشتهارِه، واعتمادِ مُعظمِ أهلِ العلمِ عليه» (^١).\nوفي قول (جعفر السُّبحاني): «إنَّ البخاريَّ وإنْ ذَكَر شيئًا مِن فضائل عليٍّ وأهلِ بيتِه، إلَّا أنَّ قَلمَه يرتَعِش عندما يَصِل إلى فضائلِهم، فيَعبَثُ بالحديث مهما أمكن (¬٢»).\nأمَّا (صادق النَّجمي)! فكان أطولَ القومِ نَفسًا في التَّعريضِ بالبخاريِّ سلوكَه لهذا النَّهجِ في اختصارِ المتون وتقطيعِها، وكثيرٌ مِمَّن تَكلَّم مِن بعده في هذا مِن أهل طائفتِه إنَّما يَستقي أمثلته مِن كتابِه «أضواءٌ على الصَّحِيحين»، مِن غيرِ تثبُّتٍ مِن مَصادرِه! ولا مُبالاةٍ لتوجيهات العلماء في كشفِ مُغالطاتِهم على تصرُّفاتِ البخاريِّ.\nفكان مِمَّا يزعمه هذا (النَّجميُّ)، أنَّ مِمَّا يَسلُب الاطمئنانَ والاعتمادَ على «صحيحِ البخاريِّ»، ويُوجِبُ عدمَ الوثوق بمَرويَّاته: أنَّ قِسمًا مِن أحاديثِه قد رُوِيَت بالمعنى، ولم يَنقُلها المُصنِّف بنفسِ اللَّفظِ حسبَ ما سمِعَها مِن ناقِليها.\nمُستشهِدًا في ذلك بما نَقَله الخطيبُ عن البخاريِّ قال: «رُبَّ حديثٍ سمِعتُه بالبَصرة، كتَبتُه بالشَّام، ورُبَّ حديثٍ سمعتُه بالشَّامِ، كتبتُه بمصر، فقيل له:\n_________\n(^١) «نظرة عابرة في الصحاح الستة» (ص/٦٠).\n(^٢) مقدمته لـ «القول الصراح في البخاري» لفتح الله الأصبهاني (ص/ب).","vol":"1","page":480},{"text":"يا أبا عبد الله بكمالِه؟ قال: فسَكَت» (^١)؛ وبقولِ ابن حَجرٍ عند كلامِه على حديثِ سِحرِ النَّبيِ ﷺ: «.. هذا مِن نَوادِر ما وَقَع في البخاريِّ، أنَّه يُخرج الحديثَ تامًّا بإسنادٍ واحدٍ بلَفظيْن» (^٢).\nوهذا بخلاف مسلم، فليس يَنقِمُ عليه المُخالفون هذه الطَّريقة كثيرًا، لا يكادون يذكرونه (^٣)، لأنَّهم يَعلمون أنَّ «مسلمًا إنَّما صَنَّف كتابَه في بلدِه، بحضورِ أصولِه، في حياةِ كثيرٍ مِن مَشايخِه، فكان يَتَحرَّز في الألفاظِ، ويَتَحرَّى في السِّياق» (^٤).\nوفي تقرير هذه الشُّبهة في متون البخاريِّ، يقول (النَّجميُّ):\n«لو تَتبَّعنا وفحَصنا الأحاديثَ الَّتي رَواها البخاريُّ في «صحيحِه»، لوَجَدنا أنَّ البخاريَّ اتَّبَعَ أسلوبَ النَّقلِ بالمعنى في كثيرٍ منها، .. وعليه؛ فهل يُمكِن لقارئٍ أن يَعتمِدَ على كتابٍ وَضَعَه مُؤلِّفُه في مُدَّةِ ستَّة عشر سنة، كما اعترفَ البخاريُّ أنَّه خَرَج وضَبَط فيه تلك الأحاديث الَّتي سَمِعها في بلدٍ، وبعد مُدَّةٍ مِن الزَّمن كتَبها وهو في بلدٍ آخر؟\nلا ريبَ أنَّ هذه الفترة الزَّمنية الَّتي فَصَلت بين سماعِ الحديثِ وبين تَدوِينه، سوف تُنسيه ألفاظَ الحديث، ويأتي مكانَها بألفاظٍ أخرى غيرها، أي يكون النقل فيه نقلا بالمعنى، وبهذا يَفقد الحديثُ شأنَه واعتبارَه، .. ولهذا السَّبب جَعلنا موضوعَ النِّقلِ بالمعنى الَّذي اتَّبعه البخاريُّ في تخريجِه للأحاديثِ في صَحيحِه دليلًا على ضَعفِ أحاديثِه» (^٥).\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٣٢٢).\n(^٢) «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٧).\n(^٣) ولذلك آخَذَ (حيدَر حبُّ الله) احد الباحثين الإماميَّة المعاصرين على (صادق النَّجمي) عدمَ شكرِه لمسلمٍ صنيعَه في المحافظة على المتون، فقال في «مَوقف الإماميَّة من الصحيحين» (ص/٥٤): «.. المُلِفت أنَّ النَّاقد المُوقَّر هنا، لم يَمتدح مسلم بنَ الحجَّاج على عدمِ حذفِه هذه الأمثلة كما فعَل البخاريُّ، مع أنَّه جَعَل عنوانَ بحثِه في إشكاليَّات على الصَّحيحين! فيما هي إشكاليَّةٌ على البخاريِّ، ومدحٌ لمسلمٍ على مَوضوعيَّته!».\n(^٤) «النُّكت على كتاب ابن الصَّلاح» لابن حجر (١/ ٢٨٣).\n(^٥) «أضواء على الصَّحيحين» (ص/١٢٥ - ١٢٦).","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المَطلب الثَّاني\nدفع احتجاج المُخالفين بتقطيعِ البخاريِّ للأحاديث وروايتها بالمعنى على دعوى الخلل المُتوهَّم في كتابِه وضعفِ أمانة صاحبه</span>\nالفرع الأوَّل: اختصار المتن وعلاقتُه بتقطيعِ المتن وروايتِه بالمعنى.\nاختصار المتنِ: هو حذفُ راوِيه أو ناقلِه شيئًا منه، فيكون بهذا الاعتبار له صورتان عند المُحَدِّثين:\nالأولى: حذف بعض المتنِ، والاقتصار على بعضه الآخر بلفظِه.\nالثَّانية: حذف بعض المتن، والإتيان ببعضِه الآخر على المعنى دون اللَّفظ.\nفعلى هذا، يحصل اختصارُ المتن تارةً بتقطيعِ الحديثِ في الأبواب، بحيث يذكر المصنِّف كلَّ قطعةٍ فصَلَها مِن الحديث في بابٍ مُستقل مِن مُصَنَّفِه؛ وتارةً بروايةِ بعضِه دون كمالِه، بحيث يَقتصر على روايةِ بعضِه، ويحذف بعضَه الآخر من غير أن يذكره في موضعٍ آخرَ من تصنيفِه؛ وتارةً أخرى يكون بحذفِ بعضِ ألفاظِه، والإتيان به على مَعناه بعبارةٍ وجيزةٍ.\nوبهذا يتقرَّر: أنَّ العلاقة بين اختصارِ المتن وتقطيعِه علاقةُ عمومٍ وخصوصٍ مُطلق، فإنَّ الاختصارَ أعَمُّ مِن التَّقطيع، فإنَّ كلَّ تقطيعٍ اختصارٌ، وليس كلُّ اختصارٍ تقطيعًا، بل يحصُل بطُرقٍ أخرى غير طريقةِ التَّقطيع، كأن يحُذَف بعضُ المتنِ، ويُجمِل بقيَّتَه على المعنى كما تَقدَّم (^١).\n_________\n(^١) انظر شواهد هذا التَّفصيل من كلام العلماء في «اختصار المتن ومنهج الإمام البخاري فيه» لمحمد الحنبرجي (ص/٢٦ - ٢٧).","vol":"1","page":482},{"text":"كما أنَّ العلاقة بين روايةِ المتنِ بالمَعنى وبين اختصارِه، أيضًا علاقةُ عموم وخصوصٍ وجهيٍّ، إذ يَجتمعان في حديثٍ حُذِف منه بعضُ ألفاظِه، وتُصُرِّف فيه بما يُوافق المعنى؛ وتَنفرِدُ الرِّوايةُ بالمعنى عن الاختصار بحديثٍ حَصَل فيه تَغيِيرٌ في ألفاظِ المتن، دون أن يَستلزم ذلك حذفُ شيءٍ مِن المتن (^١).\nالفرع الثَّاني: حكمُ الرَّوايةِ بالمعنى واختصارِ المتنِ، وشروط ذلك.\nأمَّا الرِّواية بالمعنى - وإن كان الخلافُ فيها ثابتًا بين المُتقدِّمين - فإنَّ جوازها بشروطِها هو مَذهبُ جمهورِ العلماء (^٢)، و«الَّذي تَشهدُ به أحوالُ الصَّحابة والسَّلَف، ويَدلُّ عليه روايَتُهم القصَّةَ الواحدةَ بألفاظٍ مُختلفةٍ» (^٣)، وهو المُستَقَرَّ عليه عند عامَّة المُتأخِّرين (^٤).\nوالأصلُ وإن كان تأديَة الرَّاوي للحديثِ كما سَمِعه بلفظِه، فهو لا ريبَ أبرَأُ للذِّمة؛ لكن للمَشقَّة فيه رخَّصوا أنْ يُؤدِّيه على معناه، حيث العِبرةُ في نصوصِ السُّنة هو ما تدُلُّ عليه مِن الأحكامِ والشرائعِ، فإنَّ الأداءَ للحديثِ بمعناه عند مَشقَّة الإتيان بلفظِه مُحقِّق للغَرضِ، ما دام المعنى صحيحًا مُوافقًا لدلالةِ أصلِ لفظِه (^٥).\nفلأجلِ ذلك نرى المحدِّثين شَرَطوا على مُؤدِّيه على هذا الوجهِ أن يكون فقيهًا عالِمًا بما تُحيل المعاني، وحرَّموا ذلك على الجاهلِ بمَواقع الخطابِ، ودقائقِ الألفاظ، لئلَاّ يَقعَ في الكذبِ على النَّبي ﷺ؛ حتَّى كان مِن صُوَر العِلَل الواردةِ عندهم على الأحاديثِ النَّبويَّة: التَّعليلُ بالخطأِ بسبَبِ الرِّوايةِ بالمعنى (^٦).\n_________\n(^١) وإلى هذا التقسيم يشير كلام القاضي عياض السَّبتي في كتابه «إكمال المعلم» (١/ ٩٤).\n(^٢) انظر «نزهة النَّظر» لابن حجر (ص/١١٩).\n(^٣) «تدريب الرَّاوي» للسُّيوطي (١/ ٥٣٣).\n(^٤) ذكرَ اتِّفاقَهَم الخطيبُ البغداديُّ في «الكِفاية» (ص/٢٠٠).\n(^٥) مع اتَّفاقِهم جميعًا على حُرمةِ روايةِ ما تَضمَّنته بطونُ الكُتُب بالمعنى، فليس لأحَدٍ أن يُغيِّر لفظَ شيءٍ مِن كتابٍ مُصَنَّفٍ ويُثبِتَ بَدَلَه فيه، لانتفاءِ المَشقَّة، انظر «مقدمة ابن الصَّلاح» (ص/٢١٤)، و«فتح المغيث» للسخاوي (٣/ ١٣٧).\n(^٦) انظر أمثلة ذلك في «شرح علل الترمذي» لابن رَجب (١/ ٤٢٧).","vol":"1","page":483},{"text":"يقول ابن تيميَّة في ما يقعُ في نَقلِ المتونِ بالمعنى أو تفسيرِها مِن غَلطٍ: «إنَّ الله يُقيم له مِن الأمَّة مَن يُبيِّنه، ويذكرُ الدِّليلَ على غلطِ الغالِطِ، وكذبِ الكاذبِ، فإنَّ هذه الأمَّة لا تَجتمع على ضلالةٍ، ولا يَزالُ فيها طائفةٌ ظاهرةٌ على الحقِّ حتَّى تقوم السَّاعةُ، إذْ كانوا آخِرَ الأمَمِ، فلا نبيَّ بعد نَبيِّهم، ولا كتابَ بعد كتابِهم» (^١).\nهذا؛ وليس ما نراه من تَعَدُّد رواياتِ الحديثِ الواحدِ أصلُه دائمًا مِن النَّقَلة، بل يكون أحيانًا بسببِ تَنوعِّ ألفاظِ النَّبي ﷺ نفسِه بين الحينِ والآخر؛ فرُبَّ حديثٍ قاله في مَجلسٍ، أعادَه في مجلسٍ أو مناسبةٍ أخرى بلفظٍ آخر، فيَروِي كلُّ صَحابيِّ ما سَمِعَه فيما حَضرَه (^٢).\nويتَفَرَّع عن هذا المبحثِ من الرِّواية بالمعنى، حكمُ اختصارِ الحديث:\nفقد ذهب إلى منعِ الاختصار مُطلقًا أكثرُ مَن مَنَع نَقلَ الحديثِ بالمعنى، وهم بعضُ أهلِ الحديث المُتقدِّمين، تحرُّزًا مِن قطعِ الخبرِ وتَغيِيره، فيُؤدِّي ذلك إلى تغييرِ معَناه دون تفطُّنٍ؛ وهذا اختارَه أبو الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ) مِن المعتزلة (^٣).\nوعلى خلاف هذا المذهب مَشى سائر المُحدِّثين والأصوليِّين، أي إلى جوازِ الاختصارِ، بل قال النَّووي: «أمَّا تقطيعُ المُصَنِّفين الحديثَ الواحدَ في الأبواب، فهو بالجوازِ أَوْلى، بل يبعُد طَردُ الخلافِ فيه، وقد استمَرَّ عليه عِلمُ الأئمَّةِ الحُفَّاظ الجِلَّة مِن المُحدِّثين وغيرهم مِن أصنافِ العلماء» (^٤).\n_________\n(^١) «الجواب الصَّحيح» (٣/ ٣٩).\n(^٢) انظر أمثلةً لذلك في «أسباب تعدُّد الروايات في متون الحديث» لـ د. شرف القُضاة وأمين القضاة (ص/١٠).\n(^٣) «المعتمد» لأبي الحسين البصري (٢/ ١٤١).\n(^٤) «شرح النووي على مسلم» (١/ ٤٩).","vol":"1","page":484},{"text":"وهؤلاء الأعلام في مذهبهم هذا لم يُغفلوا تقيِيدَ الاختصارِ للمتونِ وتقطيعِها بشروطٍ تَقي مِن تَغيِير المعنى، هذه الشُّروط منها ما يَتَعلَّق بالرَّاوي المُختَصِر نفسِه، ومنها ما يَتَعلَّق بالحديثِ الَّذي يُراد اختصارُه (^١).\nفأمَّا عن الواجبِ توفُّره من ذلك في المُخْتَصِر:\nفيلزمه العِلمُ بمَدلولاتِ ألفاظِ الحديث، وما يخلُّ حذفُه مِن المتنِ بالمعنى.\nوكذا يلزمُه الفقهُ بمعنى المتنِ، وما يدلُّ عليه من أحكام، لكي لا يحذَفَ ما له تَعلُّقٌ بحكمٍ منه، فيقطع الخبرَ عن وجهِه (^٢).\nوفي تقريرِ هذه اللَّوازم للمُختَصِر يقول ابن حبَّان: «.. أنْ يعلَمَ مِن الفقهِ بمقدارِ ما إذا أدَّى خبرًا، أو رواه مِن حفظه، أو اختصره، لم يُحِلْه عن معناه الَّذي أطلَقَه رسولُ الله ﷺ إلى معنى آخر» (^٣).\nفإذا شَكَّ الرَّاوي في الارتباطِ بين اللفَّظ المُقتصَر عليه وما تَرَكه مِن الحديث، تَعيَّن عليه ذكرُ الحديث بتمامِه، كونه أسلمَ للرِّوايةِ وأحفظ (^٤).\nهذا مع لزومِ انتفاء التُّهمة عن المُختصِر عند اختصارِه للحديث؛ فإِن كان حذفُ الرَّاوي لبعض المتنِ يعرِّضه لتهمةِ الاضطرابِ بالنَّقل -مثلًا- أو الغفلةِ والنِّسيان، فلا ينبغي له حينئذٍ الاختصار، اللَّهم إلَّا مِن إمامٍ حافظِ معروفٍ بالإتقانِ (^٥).\nوأمَّا الشروط الواجب توفُّرها في المتن المرادِ اختصاره:\nفهي شروط صحَّةٍ للاختصار ترجع عند من وضعها إلى ارتباطِ اللَّفظ بالمعنى المُراد تبليغُه، فلا يجوز اختصارُ المتنِ إذا كان اللَّفظُ المُراد اختصارُه\n_________\n(^١) انظر «الكفاية» للخطيب (ص/١٩١ - ١٩٣).\n(^٢) انظر «إكمال المعلم» (١/ ٩٤)، و«نزهة النظر» (ص/٩٧)، و«فتح المغيث» (٣/ ١٣٩)، و«البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٣٦٣).\n(^٣) «صحيح ابن حبان» (١/ ١٥٢).\n(^٤) انظر «فتح المغيث» (٣/ ١٣٩).\n(^٥) انظر «المستصفى» للغزالي (ص/١٣٣)، و«مقدمة ابن الصلاح» (ص/٢١٦)، و«توجيه النظر» لطاهر الجزائري (٢/ ٧٠٤).","vol":"1","page":485},{"text":"مُتعلِّقًا باللَّفظِ المقتصَر عليه، لأنَّ اختصارَ ما كان هذا حالُه يؤدِّي إلى فَكِّ التَّعلُّق المُفضي إلى الإخلال بالمعنى.\nوهذا التَّعلُّق بين اللَّفظِ المتروكِ واللَّفظِ المُثبت في الاختصارِ على ضربين:\nإمَّا أن يكون تَّعلُّقًا لفظيًّا: كتَعلُّقِ المُستثنى بالمُستثنَى منه، والشَّرط بمَشروطه، كما قال ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ): «حذفُ بعض الخَبِر جائزٌ عند الأكثر، إلَّا في الغايةِ والاستثناءِ ونحوِه» (^١).\nأو يكون التَّعلُّق مَعنويًّا: كأن تكون إحدى الجُملتين مِن الحديث مُخصِّصةً لعمومِ الأخرى، أو تكون مبيِّنةً لمُقتضى الحالِ الَّذي لأجلِه وَرَد الحكم في الجملةِ الأخرى (^٢).\nوفي تقرير هذا النَّوع من التَّعلق وحكمه، يقول ابن حبَّان البستيُّ:\n«كلُّ خطابٍ كان من النَّبي ﷺ على حسب الحالِ فهو على ضربين:\nأحدهما: وجودُ حالةٍ مِن أجلها ذُكر ما ذُكر، لم تُذكر تلك الحالة مع ذلك الخبر.\nوالثَّاني: أسئلةٌ سُئِل عنها النَّبي ﷺ، فأجاب عنها بأجوبةٍ، فرُويَت عنه تلك الأجوبة مِن غير تلك الأسئلة، فلا يجوز أن يُحكَم بالخبرِ إذا كان هذا نعتُه في كلِّ الأحوال، دون أن يُضَمَّ مُجمَله إلى مُفسرِّه، ومُختصَره إلى مُتَقصَّاه» (^٣).\nويدخُل في هذا الضَّربِ مِن التَّعلُّق المَعنويِّ: أن يكون المتنُ مُتعَبَّدًا بلفظِه؛ كأن يكون مِن ألفاظِ الدُّعاءِ المُقيَّدة ببعضِ الأحوال: كالتَّشهد، والأذكار، ونحو ذلك ممَّا هو تَوقِيفِيُّ اللَّفظ، وهذا ما دعا البخاريَّ لأن يُبقِيَ -مثلًا- على متنِ\n_________\n(^١) «مختصر منتهى السؤل والأمل» لابن الحاجب المالكي (١/ ٦٢٢ - ٦٢٤).\n(^٢) انظر «الكفاية» للخطيب البغدادي (ص/١٩٣)، و«المستصفى» للغزالي (١/ ١٦٨)، و«فتح المغيث» للسخاوي (٣/ ١٥٦ - ١٥٧).\n(^٣) «صحيح ابن حبان» (١/ ٤٢٩).","vol":"1","page":486},{"text":"دعاء النَّوم: «اللَّهم أسلَمْتُ نفسي إليك ..» في عِدَّة مَواضع مِن «صحيحِه» كما هو، دون أن يَتصرَّف فيه بالاختصارِ في مَوضعٍ منها. (^١)\nفأمَّا أن يكون المتنُ مُتضَمِّنًا لما يُمكن أن يَستقِلَّ عن باقيه: فلا حَرَج عند المُحدِّثين في فصلِ الجزءِ المُستقلِّ منه بغرضِ مُناسبةِ الأبواب -مثلًا-، قِياسًا منهم على «السُّورةِ مِن القرآن، تُستَلُّ الآية منها للاستدلال بها في البابِ مِن الأبواب، وكذلك ينبغي أن يكون الحديث، إذا صَحَّ وجودُ معنى الاستقلالِ للجزءِ المَقطوعِ منه» (^٢)؛ وعلَّة ذلك: أنَّ المعنى المُحتاج إليه مِن المتنِ إذا أمكنَ تفصيلُه مِن جملةِ الحديثِ دون تَعلُّقٍ بالمحذوف ولا إحالةٍ للمعنى، فإنَّه يقوم بذلك مَقام خَبَرَيْن مُنفصلين (^٣).\nعلى هذا جَرى عَملُ كثيرٍ مِن الصَّحابة والتَّابعين في استشهادِهم ببعضِ الحديث دون بعضٍ، وهم لا شكَّ قدوةٌ لنا في ذلك، ونحن نرى كُتبَ الأئمَّةِ ومُصَنَّفاتهم مَشحونةً بأبعاضِ الأحاديثِ، يَذكرون كلَّ بعضٍ منها في بابٍ يَخصُّه، ليَستدلُّوا به على ذلك الباب، لاسِيما إذا كان المعنى المُستنبَط مِن تلك القطعة يَدِقُّ، والحديث طويل، فإنَّ إيرادَه والحالة هذه بتمامِه تقتضي مزيدَ تَعبٍ في استخلاصِه، بخلافِ الاقتصارِ على مَحلِّ الاستشهادِ، ففيه يُسر (^٤).\nويدخل في هذا النَّوع ما كان يفعلُه البخاريُّ كثيرًا ومسلم أحيانًا مِن ذكر طَرَف الحديثِ دون باقيه لأغراضٍ مختلفة: كبيانِ المُتابعات، والتَّنبيه على العِلَل واختلاف الرُّواة، ونحو ذلك مِمَّا ليس هو على وجهِ الاستدلال. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الوضوء، باب: فضل من بات على وضوء، برقم: ٢٤٤) وفي (ك: الدعوات، باب: إذا بات طاهرًا، برقم: ٥٩٥٢، وباب: ما يقول إذا نام، برقم: ٥٩٥٤، وباب: النوم على الشق الأيمن، برقم: ٥٩٥٦)، وفي (ك: التوحيد، باب: قول الله تعالى: أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، برقم: ٧٠٥٠).\n(^٢) «تحرير علوم الحديث» لعبد الله الجديع (١/ ٢٨٨).\n(^٣) «الكفاية» للخطيب البغدادي (ص/١٩٢).\n(^٤) انظر «مقدمة ابن الصلاح» (ص/٢١٧)، و«إكمال المعلم» لعياض (١/ ٩٤)، و«التقريب والتيسير» للنَّووي (ص/٧٥)، و«فتح المغيث» للسخاوي (٣/ ١٤٢).\n(^٥) «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (٢/ ٣٧٩).","vol":"1","page":487},{"text":"فبانَ بهذا أنَّ المُرادَ مِمَّا قد يُذكر مِن كونِ التَّقطيع للمتونِ لا يخلو مِن كراهةٍ، ليس معناه الكراهةَ الاصطلاحيَّةَ، وإنمَّا المُراد أنَّ سَوْقَه تامًّا أحسنُ وأَوْلى (^١)، يقول ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ): «والأولويَّةُ درجةٌ وراءَ الجواز، وما قَصَد مَن مَنَع الاستعمالَ إلَّا الأحوَطَ والأتقى، والتَّحَرُّزَ عن التَّسامحِ والتَّساهلِ في لفظِ الحديثِ» (^٢).\nالفرع الثَّالث: مَذهب البخاريِّ في اختصارِ المتون وروايتِها بالمعنى.\nما تَقدَّم تقريرُه مِن تجويز عامَّةِ المُحدِّثين لتقطيعِ الحديثِ واختصارِه بشروطِه، هو مَذهب البخاريِّ تَبَعًا؛ كما أنَّ عامَّةَ المتأخِّرين الَّذين اعتنوا بـ «الجامعِ الصَّحيحِ» للبخاريِّ مُتوافقون على أنَّ مذهب البخاريِّ تجويزِ اختصارِ المتون وإن لم يُصرِّح بذلك، نظرًا لصنيعِه في كتابِه ومُقارنةِ ما يرويه بغيره.\nوقد شُهِرَ عنه تقطيعُ المتونِ وتَفريقُها في الأبواب، فيَروي -مثلًا- بإسنادِه تحتَ بعضِ التَّراجِم قطعةً مِن الحديث، ويذكر المتنَ في مَوضعٍ بتمامِه، ثمَّ يذكره باختصارٍ مُقتطَعًا منه في مَواضع أخرى بنفسِ الإسناد (^٣).\nوهو في هذا التَّقطيعِ أو الاختصارِ، مُلتزمٌ بالشُّروطِ الَّتي أشرنا إليها قريبًا، فليس يَعمَدُ إلَّا إلى ما لا تَعلُّق له بالمقتصَر عليه تَعلقًّا يُفضي إلى اختلالِ المعنى كُليًّا أو جُزئيًّا (^٤).\nيشرح ابن حجرٍ (ت ٨٥٢ هـ) السَّببَ في ذلك فيقول: «إنَّ البخاريَّ استنبَطَ فِقهَ كتابِه مِن أحاديثه، فاحتاجَ أن يُقطِّع المتنَ الواحدَ إذا اشتملَ على عِدَّة\n_________\n(^١) «النكت الوفية» للبقاعي (٤/ ٦٤).\n(^٢) «جامع الأصول» لابن الأثير (١/ ١٠٢).\n(^٣) انظر أمثلة لذلك في «الجمع بين الصحيحين» للحميدي (١/ ٨٩)، وكذا «إكمال المعلم» للقاضي عياض (١/ ٩٤)، و«مقدمة ابن الصلاح» (ص/٢١٧)، و«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٨٤) و(١/ ٢٨٦).\n(^٤) «فتح الباري» (١/ ٨٤).","vol":"1","page":488},{"text":"أحكامٍ، ليُورد كلَّ قطعةٍ منه في البابِ الَّذي يَستدلُّ به على ذلك الحكمِ الَّذي استنبَط منه، لأنَّه لو ساقَه في المَواضِع كلِّها برُمَّته، لطالَ الكتاب» (^١).\nوالبخاريُّ قد يكتفي بإخراجِ قطعةٍ مِن الحديث دون أن يَسوقها تامَّةً في أيِّ مَوضعٍ آخر، وروايتُه بهذه الصُّورةِ قد نَبَّه مِن أهلِ الحديثِ إلى وقوعها في «صَحيحِه»، بحيث يكون المَحذوف مَوقوفًا على الصَّحابي، وفيه شيء قد يُحكَم برفعِه، فيقتصِرُ البخاريُّ على الجملةِ الَّتي يُحكَم لها بالرَّفع على الغالب، ويحذف الباقي، لأنَّه لا تَعلُّق له بأصلِ موضوعِ كتابِه؛ أو يفعلُ ذلك قليلًا لكونِ الحديثِ مَشهورًا بتمامِه، أو لكونِه لم يُرِد إلَّا الاستشهادَ بتلك اللَّفظة، فيقتصر عليها اختصارًا، وهذا قليل جدًّا (^٢).\nهذا بعد التَّنزُّل بأنَّ التقطيع للحديث واختصاره حاصلٌ من البخاريِّ نفسِه! وإلَّا فمِن الباحثين المعاصرين مَن يرى خلاف ذلك، ودَلَّل على أنَّ البخاريَّ إنَّما يورد الأحاديث المُسندة كما سمعها من شيوخِه من وجوهٍ عن الواحد منهم، وأنَّ التَّصرُّف في الرِّواية إنَّما هو ممَّن فوقه لا من البخاريِّ، وإنَّما يضع هو كلَّ روايةٍ بصورتها التي تلقَّاها فيما يراه مناسبًا من الأبواب (^٣).\nالفرع الرَّابع: قِلَّة ما رواه البخاريُّ بالمعنى في «صحيحِه».\nمع ما سَبق تقريره من كون الرِّواية بالمعنى لا حَرَج فيها للمتأهِّل عند الحاجة، فإنَّ البخاريِّ أهلٌ لتوفيَةِ شروط ذلك بحقَّها؛ فإنَّه إمام في الحديث، بارعٌ في اللُّغة، فقيهُ النَّفس، شَهِد له بذا أشياخُه والأمَّةُ مِن بعده، لا يَزالون ينهلون مِن كنوزِ دقائقِ المعاني الَّتي أودَعها تراجمَ كتابِه.\n_________\n(^١) «النكت على مقدمة ابن الصلاح» لابن حجر (١/ ٢٨٣).\n(^٢) انظر «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (٢/ ٣٩٧)، و«هدى الساري» لابن حجر (ص/١٦ - ١٧).\n(^٣) انظر بحثا للدكتور محمد الحَوَري الأردنيِّ بعنوان: رواية الإمام البخاري الحديث مختصرًا- تصرُّف منه أو رواية كما سمع؟ شارك به في المؤتمر الدولي عن صحيح الإمام البخاري، مقاربة تراثيَّة ورؤية معاصرة، بتاريخ ٣/ ١١/٢٠١٩ م بإسطنبول.","vol":"1","page":489},{"text":"ومع ذلك فإنَّ ما يرويه البخاريُّ في «صحيحِه» بالمعنى قليلٌ جدًّا! خِلافًا لِما يُهوِّلُ به النَّاقِمون مِن كثرةِ ذلك.\nفهذه طُرق الأحاديث الَّتي أخرَجَ البخاريُّ في «صحيحِه» مُتكاثرة خارجَه، فعلى مَن يدَّعي كثرة روايته المتون بالمعنى، أن يُرجِع البَصَر في طُرقِ الحديثِ الواحدِ منها كلِّها، ولينظُر: هل تمايَزَ البخاريُّ بلفظٍ مُغايرٍ لِما عند باقي المُصنِّفين؟ ثمَّ إن رَأَى اختلافًا منه عن سائرِهم، فليُرجِع البَصَرَ كرَّتين بعد ذلك: هل هذا اللَّفظُ المُختلِف مِن تصَرُّف البخاريِّ نفسِه، أو هو مِمَّن فوقَه؟ أو مِمَّن تحتَه مِن النُّساخِ والرُّواةِ عنه؟!\nفمَن جدَّ لفِعْلِ ذلك وَجَدَ الفروقَ قليلةً جدًّا، خصوصًا في الأحاديث القصيرة، وهذا شيءٌ نقولُه عن دراسةٍ واستقراءٍ، لا أدَلَّ على ذلك: أنَّا لو جَعلنا المُقارَن برواياتِ البخاريِّ هي روايات «صحيح مسلم»، باعتبارِ ما قرَّرناه سابقًا من كون مُصنِّفِه مُحافِظًا على ألفاظِ الحديثِ، مُتحرِّزًا فيها -بإقرارِ المُعترِضين على البخاريِّ-.\nفلو قارَنَّا بين روايةِ البخاريِّ ورواية مسلمٍ للحديث الواحدِ عن الشَّيخِ واحدٍ (^١)، سنجد أنَّ المُتَّفقَ عليه بينهما على هذه الصِّفة: واحدٌ وثلاثمائةِ (٣٠١) حديثٍ؛ ما لم يَتطابَق فيه لفظُ المتنِ في هذا العددِ، قد جاء على صُوَرٍ مختلفة زيادةً ونقصًا، تقديمًا وتأخيرًا، وإبدالَ كلمةٍ بكلمةٍ، وضبطَها، ونحو ذلك.\nفكان مجموعُ هذا مِمَّا ترجِعُ الفروق بينهما فيه إلى الرِّوايةِ بالمعنى يبلغ ثلاثةً وعشرين (٢٣) حديثًا فقط، وهي نسبة ضئيلةٍ إلى مجموع (٣٠١) حديثًا، أي قُرابة (٧%) فقط (^٢).\n_________\n(^١) وقلنا: بشيخ واحد، لأن اختلاف المشايخ بينهما يأتي منه احتمال أن يكون اختلاف ألفاظ ما أخرجاه من حديث مردُّه إلى اختلافهم، فكلُّ حدَّث أحدهما بلفظِه.\n(^٢) مُستفاد من بحث «الاتفاق والاختلاف في متون ما أخرجه الشيخان من طريق واحد» لـ د. حسن محمد جي، منشور بمجلة جامعة الملك سعود (١٦/ ٢/١٠٤٥ - ١٠٤٧).","vol":"1","page":490},{"text":"ومع هذا، فإنَّه لا يُستَطاع الجزمُ بأنَّ التَّصرُّفَ في المتنِ في هذه النِّسبةِ الضَّئيلة، هو مِن قِبَلِ البخاريِّ نفسِه، اللَّهم إلَّا في حديثٍ واحدٍ فقط! يغلب على الظَّنِّ أنَّ البخاريَّ تَصرَّف في متنه وهو: ما أخرجه البخاريُّ مِن حديثِ أبي موسى، أنَّ النَّبي ﷺ قال: «مَثل الَّذي يَذكر ربَّه، والَّذي لا يَذكر ربَّه، كمَثل الحيِّ والميِّت» (^١).\nفقد رواه مسلم مِن الطَّريق نفسِه بلفظِ: «مَثل البَيتِ الَّذي يُذكَر الله فيه، والبيتُ الَّذي لا يُذكَر الله فيه، مَثل الحيِّ والميِّت» (^٢).\nيقول ابن حجر: «انفرادُ البخاريِّ باللَّفظِ المَذكور، دون بقيَّة أصحابِ أبي كريب وأصحابِ أبي أسامة، يُشعِر بأنَّه رواه مِن حفظِه، أو تَجوَّز في روايتِه بالمعنى الَّذي وَقع له، وهو أنَّ الَّذي يُوصف بالحياةِ والموتِ حقيقةً هو السَّاكن لا السَّكَن» (^٣).\nوعامَّةُ ما أشارَ إليه ابن حجرٍ مِن ذلك هو مِمَّا رواه البخاريُّ مُعَلَّقًا في «صحيحِه».\nوأمَّا عمَّا استَدلَّ به (النَّجميُّ) مِن قولِ البخاريِّ: «رُبَّ حديثٍ سمِعتُه بالبَصرة، كتبتُه بالشَّام ..» على أنَّ أحاديث كتابِه مُتصرَّف في لفظِها بالمعنى:\nفقد قدَّمنا بأنَّ البُخاريَّ مِمَّن يَرى جوازَ الرِّواية بالمَعنى، ولا حَرجَ عليه في ذلك، مادام هو أهلًا لتحقيقِ شروطِ ذلك؛ لكن ليسَ في مَقولِه ذاك دلالةٌ قَطُّ على أنَّ عامَّة ما رواه كان بالمَعنى! ولا أنَّ ما أودَعه «صحيحَه» هو كذلك؛ كلُّ ما في هذه العبارة، أنَّه كان يَسمعُ الشَّيءَ، ولا يكتبُه حينَها، بحكمِ ظروفِ السَّفَرِ وضيقِ الوقتِ، حتَّى إذا مَرَّ وقتٌ على سَفرِه، ووَجَد مناسبةً له كتَبَه، أو ترجمةً لائقةً وَضَعه فيها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الدعوات، باب: فضل ذكر الله تعالى، برقم: ٦٠٤٤) من طريق محمَّد بن العلاء، عن حمَّاد بن أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي موسى.\n(^٢) في (ك: الصلاة، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، رقم: ٧٧٩).\n(^٣) «فتح الباري» (١١/ ٢١٠).","vol":"1","page":491},{"text":"وليست بِضعةُ أيَّامٍ ولا حتَّى بضعُ أسابع، بالظَّرفِ الَّذي يُنسِيه ما سَمِعه البخاريُّ، وهو إمامُ زمانِه في الحفظِ؛ مع ما كان عليه مِن عادةٍ أنَّه لا يَكتُب الشَّيء حتَّى يكونَ انتهَى مِن تَحَفُّظِه! فقد قال: «ما كَتَبتُ حكايةً قطُّ كنتُ أتحفَّظُها» (^١)؛ فالحديثُ الَّذي سَمِعَه في البَصرة، لم يَكتُبه في الشَّام حتَّى يكون قد انتهى مِن تَحفُّظه فيما بينهما.\nوأمَّا سكوتُه عن جوابِ مَن سَأله عن كتابةِ ذلك بكَمالِه: فهو منه نوعُ تورُّعٍ عن الجزمِ، لتَطرُّقِ الاحتمالِ إلى ما سَمِعه أن يكون تصَرَّفَ في لفظِ بعضِه بما يُوافِق المعنى الَّذي سَمِعه.\nفلو أجابَ السَّائلَ بـ (نعم)، لم يَكُن بذلك مُوافقًا لِما في نفسِه مِن احتمالِ ضِدِّه! ولو أجاب بـ (لا)، فلَعلَّ قَلِيلي الفَهمِ -كبعضِ أهلِ زمانِنا- أن يُزْروا عليه ذلك، ويَنتَقِصوا مِن ضَبطِه للمتونِ! فاستحبَّ السُّكوت.\nوأمَّا ما نَقَله المُعترِض مِن قولِ ابن حَجَرٍ في حديثٍ أخرجَه البخاريُّ: «هذا مِن نوادر ما وَقع في البخاريِّ، أنْ يُخرِج الحديثَ تامَّا بإسنادٍ واحدٍ بلفظين»:\nفقد أجابَ محمَّد أبو شَهبة (ت ١٤٠٣ هـ) عن هذا بقولِه: «هو أبعدُ ما يكون عن الرِّوايةِ بالمعنى، ولم يَسُقه الحافظُ لهذا، وإنَّما ساقَه في مَعرضِ الكلامِ عن حديثِ سحرِ النَّبي ﷺ، وأنَّ البخاريَّ رواه مرَّةً عن شيخِه إبراهيم بن موسى بلفظ: «حتَّى إذا كان ذاتَ يومٍ أو ذاتَ ليلةٍ» بالشَّك، وفي موضعٍ آخرَ عن هذا الشَّيخ نفسِه بلفظ: «حتَّى إذا كان ذات يوم» مِن غير شكٍّ، وقد ظنَّ الحافظ أوَّلًا أنَّ الشَّك مِن البخاريِّ، ثمَّ ظَهَر له أنَّ الشَّك مِن شيخِ شيخِه عيسى بن يونس ..» (^٢)، وراح أبو شهبة يُدلِّل على ذلك.\nوحاصل القول في هذا الباب:\nأنَّ هذه التَّصرُّفات مِن البخاريِّ في الاختصارِ والتَّقطيعِ والرِّواية بالمعنى لم يُخالف فيها مذهبَ جماهير المُحدِّثين، وقد تحرَّى الإتقانِ فيما يُبتُّه من متونٍ في\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٤١٢).\n(^٢) «دفاع عن السُّنة وردُّ شبه المستشرقين» (ص/٢٣٣).","vol":"1","page":492},{"text":"«صحيحِه»، وبمُقابلَتها بغيرها من المتون المَرويَّة في باقي مُصنَّفات الحديث يظهر مصداق ذلك.\nومَرَدُّ هذا الصَّنيع من البخاريِّ إلى أنَّ مَقصِدَه الأعظم في الجملةِ هو الاستدلالُ بالحديثِ على الأحكام، فإذا ذَكر مِن الحديثِ ما هو دليلٌ على الحكمِ المُرادِ تحقيقُه، فقد حَصَّل الغرضَ الخادِمَ لموضوعِ كتابِه (^١)، وإن كان لا يلزم أن يحذف ما زاد على موطن الشَّاهد عنده كلَّ مرة.\nالفرع الخامس: موافقة مسلم للبخاريِّ في منهج تقطيع الأحاديث واختصارها.\nأمَّا تلميذه مسلم؛ وإن كان مشهورًا عنه التَّباعد عن أسلوبِ التَّقطيعِ للمتونِ في «صَحيحِه»، إذْ يُفضِّلُ سردَ الحديثِ بتمامِه وطُرقِه في مكانٍ واحدٍ، وقد عُدَّ صنيعُه هذا مِن أبرزِ الصِّفاتِ المنهجيَّة الَّتي ميَّزته عن شيخه في التَّأليف، «بحيث إنَّ بعضَ النَّاسِ كان يُفضِّله على صحيحِ محمَّد بن إسماعيل، وذلك لما اختَصَّ به مِن جَمعِ الطُّرُقِ، وجودةِ السِّياقِ، والمحافظةِ على أداءِ الألفاظِ كما هي، مِن غير تقطيعٍ ولا روايةٍ بمَعنى» (^٢).\nفإنَّ صنيعَ مسلمٍ هذا هو في الغالبِ الأعمِّ مِن كتابِه، وليس مُطلقًا؛ وهو مِن جِهةِ التَّنظير موافقٌ لشيخِه في جوازِ ذلك، بشروطِه المُعتبرة عند المُحدِّثين (^٣)؛ فإنَّه صَرَّح في مُقدِّمة «صَحيحِه» أنَّه ربَّما اختَصَر الحديثَ الَّذي يَشتَمِلُ على عِدَّةِ أحكامٍ إنْ أمْكَنه اختصارُ المتنِ، وفَصلُ ذلك المعنى الزَّائد مِن جملةِ الحديث، إذا لم يُخِلَّ ذلك بالمعنى، وأنَّ تفصيلَ ذلك رُبَّما عَسُر عليه مِن جُملَتِه، فإعادة الحديثِ بهيئتِه إذا ضَاقَ ذلك أسلَمُ لديه (^٤).\n_________\n(^١) انظر «جامع الأصول» لابن الأثير (١/ ١٠٢).\n(^٢) «تهذيب التهذيب» لابن حجر (١٠/ ١١٤).\n(^٣) نصَّ على ذلك القاضي عياض، كما في «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٤٩).\n(^٤) مقدمة «صحيح مسلم» (١/ ٤).","vol":"1","page":493},{"text":"فلأجل هذا نرى مسلمًا قليلَ الاختصارِ للمتون، وما اختصَره إمَّا أن يذكُرَه بتمامِه في مَوضعٍ آخر (^١)، أو لا يذكُره تامًّا أبدًا (^٢)، وهو يُنبِّه على ذلك في الأغلبِ بقوله: «ذَكَر الحديث ..»، أو «مثل حديثِ فلانٍ» ونحوها مِن العباراتِ، وقد لا يَنُصَّ صراحةً على الاختصار (^٣).\nوفي ختام هذا المبحث: أستطيع أن أُسجِّل هنا بلا ارتيابٍ قناعتي بأنَّ انعدامَ الخِبرة عند هؤلاء المُعترضين المُعاصرين في التَّعاملِ مع التُّراثِ الشَّرعيِّ على وجهِ العموم، وضحالةَ المعرفةِ بطبيعةِ علوم التَّوثيق القديمة، والغفلة عن مناهج المُتقدِّمين في عرضِ المادَّة العلميَّة في مُصنَّفاتهم على وجه الخصوص: هو السَّببُ الرَّئيسُ في مثلِ تلك الإِيراداتِ المتهوِّرة على تصنيفاتِ المُتقدِّمين؛ ناهيكَ إن كان صاحبُ هذا الإيرادِ مِمَّن أُشرب قلبُه حقدًا على السُّنة.\nونحن إذْ نقول هذا، نُدرِك يقينًا أنَّ بعضَ المُتفرِّغين لطرحِ شُبهاتِهم على مَصادرِ أهل الحديثِ لَيَعلمون مِقدارَ السُّخفِ في كثيرٍ ممَّا يَطرحونه، لكنَّهم مُسترسِلون في هذا الطَّرحِ، فإنَّه في ظنِّهم لا بدَّ أن تجِدَ مَحلًّا عند ضِعافِ العقولِ وضِعاف الهُويَّة! والغايةُ تهشيمُ قضايا التَّسليمِ لأصولِ الشَّريعة، والتَّشكيكُ في مَصادر تلقِّيها، لِعلمِهم بأنَّ لكلِّ ساقطةٍ لاقط، والله مِن رواءهم محيط.\n_________\n(^١) مثاله ما أخرجه في (ك: النكاح، باب: باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه، حتى يأذن أو يترك، برقم: ١٤١٣) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يسم المسلم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته»، ثم كرره في (ك: البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه، برقم: ١٥١٥)، بلفظ: «لا يسم المسلم على سوم أخيه».\n(^٢) انظر مثاله في (ك: الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، برقم: ٣٠٧).\n(^٣) بخلاف ما توحيه عبارة العلاء ابن العطار في «غرر الفوائد المجموعة» (ص/٢٧٩) من أن «الظَّاهر من مذهب مسلم إيراد الحديث بكامله من غير تقطيع له ولا اختصار إذا لم يقل فيه (مثل حديث فلان) أو نحوه»، وتبعه عليه طاهر الجزائري في «توجيه النظر» (٢/ ٧٠٦).","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الفصل الثَّاني\nدعوى ظنيَّة آحاد «الصَّحيحين» مطلقًا</span>\nيحتجُّ أغلبُ مَن يَردُّ أحاديث «الصَّحيحين» على سَواغ ذلك بأنَّ آحادها لا تعدو نِطاقَ الظَّنيَّة بحال، فهي على ذلك مُحتملةٌ للكذبِ والخطأ، على تفاوتٍ بينها في درجات هذا الاحتمال؛ فهي لأجلِ وصفِها الظنِّي هذا لا تقوى على الصُّمودِ أمامَ ما يرَونَه قطعيًّا من المعقولِ أو المحسوسِ، فلا حرجَ حينئذٍ من تعليل هذا الظَّنيِّ بل تكذيبِه! حتَّى وإن جرى عمل المتقدِّمين على تصحيحِه والعمل به.\nوفي تقرير هذا المبدأ يقول (محمَّد رشيد رضا): «رواياتُ الآحادِ العدولِ الثِّقات -كالصَّحابة وأئمَّة التَّابعين المعروفين، ومَن عُرف بالصِّدق وحسن السِّيرة مثلهم- لا يفيد أكثر من الظَّن، وأجمعوا على أنَّه إذا رُوي عنهم ما يخالف المعقول القطعيَّ والمنقول القطعيَّ كنصِّ القرآن: فإنَّه لا يُعتدُّ بالرِّواية ولا يُعوَّل عليها، إلَّا أن يُوفَّق بينها وبين القطعيِّ منقولًا كان أو معقولًا فقط» (^١).\nوهؤلاء في مثل حكمهم هذا لا يفرِّقون بين ما أخرجه الشَّيخان، وبين ما في سائر كُتب الحديث -إلَّا المتواتر- فالكلُّ عندهم منضوٍ تحت ذاك الأصل العامِّ من الظَّنيَّة.\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٦/ ٥٤).","vol":"1","page":495},{"text":"وقد كان من الطَّبيعي أن يَنحاز دُعاة تنقيةِ «الصَّحيحين» -بمَا يزعمونه فيهما مِن أباطيل- إلى رأي النَّووي الَّذي ارتأى حصر أحاديث الكتابين في نطاقِ الظَّن كباقي الآحاد، مستبعدًا القول بقطعيَّتها، فلذلك لا تجد أحدًا من هؤلاء المعاصرين تخلو نقداته للكتابين من التَّمهيد بتقرير هذا الرَّأي من النَّووي، لمِا لكلام هذا الجِهبذ من هيبة علميَّة كبيرة في نفوس المسلمين.\nيقول (جولدزيهر) عن جامع البخاريِّ: «كان الاحترام للكتاب في مجموعه، ولكن ليس لسطوره المنفردة وفقراته، ولهذا الاحترام جذور في إجماع الأمَّة، يقول الشَّيخ ابن الَّصلاح: بأنَّ ما رواه الشَّيخان أو أحدهما هو صحيح مقطوع بصحَّته، وأنَّ العلم القاطع يتبع منه، ولكنَّ باحثين عن الحقيقة ومعظم الدَّارسين يناقضون الشَّيخ في الأمر، ويقولون: إنَّ الظَّن هو الأصل، طالما أنَّ التواتر لم يتأكَّد، هذه الكلمات للنَّووي» (^١).\nوكان هذا المُسوِّغُ ملجأً لبعضِ أقطابِ الدَّعوةِ الإسلاميَّة المعاصرة في سعيِهم إلى تجديدِ الدِّين، وتنحيةِ مَا يرونَه دخيلًا يُودي بصورةِ الإسلامِ شوهاءَ في نظرِ الغربِ؛ أظهر من تلمحُ منه هذا (محمَّد الغزاليُّ) في ما سطَّره ردًّا على من عابَ عليه طعنَه في بعضِ أحاديث «الصَّحيحين»، حيث أعتذر عمَّا بَدَر منه في حقِّها بكونِ «الحديث الصَّحيح الآحاديِّ ليس مَقطوعًا بصحَّته، سواءً كان في الصَّحيحين أو غيرهما، وصحَّته ثابتة بطريق غلبة الظَّن ما دام غير مُتواتر، ولا مُدعَّما بالقرائن المؤيِّدة» (^٢).\nوبهذه الاعتذار نفسه اعتَّل مَن اقتفى خطوَه في الطَّعنِ بما صَحَّحه الشَّيخانِ، بل جاوزه في هذا الخَطو كثيرون! منهم (محمد بن سعيد حوَّا) الَّذي أعلن صراحًا بأنَّ الحديث ما دام ظنِّيًا، فلا مانع مِن احتمالِ رَدِّه ولو كان في أحدِ «الصَّحيحين»، أو مُتَّفقًا عليه مِن الشَّيخين (^٣).\n_________\n(^١) «دراسات محمدية» لجولدزيهر (ص/٢٣٦ - ٢٣٧).\n(^٢) «تراثنا الفكري في ميزان الشرع» (ص/١٧٣).\n(^٣) في مقالة له بعنوان «قراءة في شخصية النَّبي الإنسان» بجريدة «الدستور» الأردنية (بتاريخ ٢٥/ ٢/٢٠١٠ م، العدد: ١٥٣٠٩).","vol":"1","page":496},{"text":"وصاحبه (إسماعيل الكرديُّ) يعتبر أحاديثَ الآحاد ظنِّية الصُّدورِ مُطلقًا، لا يُحتجُّ بمثلها في عقيدةٍ ولا أصلٍ من أصولِ العبادات (^١)، وهذا يسحبه على آحاد «الصَّحيحين»، فلا حرجَ على من ردَّها لخللٍ يراه في متونها (^٢).\nفلقد تحذلقَ بهذه الدَّعاوي مَن لم يشُمَّ رائحة الحديث ولم يدرِ ما حقيقته، يتوكَّؤ على أخطاءِ وقع فيها بعض أربابِ الكلامِ، فيُبعثرَها في أوراق تُزري بالحديثِ وحَملتِه، إراحةً منه لضميرِه مِن لومِ اللَّائمين على غمزِه صحاحَ السُّنَّن، ولسانُ حالِه يقول: قد سُبقت في هذا مِن رجالات الحديث أنفسهم!\nترى هذا الانتكاس المنهجيِّ ماثلًا في دعوى العلمانيِّين أيضًا، كحالِ (عبد المجيد الشَّرفي) حين سَوَّغَ رفضَه لكثيرٍ من الصِّحاحِ في جملةٍ واحدةِ: «إنَّها باعترافِ كلِّ القدماءِ -باستثناءِ الظَّاهريَّة- تفيد الظَّن ولا تفيد اليَقين»! (^٣)\nولعلَّك بعد أن عايَنت تلك الجرأةِ على النُّصوص النَّبويَّة بالإبطال بدعوى احتمالها للكذب، علمتَ حكمة الشَّافعيِّ في التَّمهيدِ لكتابه «اختلاف الحديث» بالكلامِ عن حُجيَّة الآحاد وإفادتها للعلم بشرطِه!\nوبهذا تظهر أهميَّة تحقيق القول في هذه المسألة الأصوليَّة، وتقرير مَفاد هذه الآحاد الصَّحيحة قبل الشُّروع في الذَّب عن أفرادها، إذْ أنَّ إبطال هذا الأصل الَّذي يعتمده المعاصرون في ردِّ صِحاح الأخبار كفيلٌ بتضييق مسالك الاعتداء على الجزئيَّات الَّتي تندرج تحته، وإمساك حُجَزهم عن اقتحامِ الحِمى النَّبوي الشَّريف.\nفنقول مستعينين بتوفيق الله وتسديده:\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٣٥).\n(^٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٤٤).\n(^٣) «تحديث الفكر الإسلامي» للشرفي (ص/٣٢).","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المَبحث الأوَّل\nمأزِق بعض المُتكلِّمين في تصنيف الآحاد من حيث مرتبةُ التَّصديق</span>\nما مرَّ عليك آنفًا من دعاوى حكميَّة على أحاديث «الصَّحيحين»، ليست في حقيقتها إلَّا نتاج سوءِ استعمال لتأصيلاتِ المتكلِّمين في باب الأخبارِ الشَّرعيَّة وحُجَّيتها، وإقحامُ مثل مصطلح «الظنِّ» ومَراتبه في علمِ الحديثِ أو الأصولِ، والحكمُ به على أحاديث الآحادِ، كثُر استعماله عند المُتكلِّمين، ثمَّ شاعَ بين أهل الفقهِ والأصول.\nوقد تمكَّن مَن استهوته نَزغات التَّمعقُلِ من بعض دُعاة تجديدِ التُّراثِ، أن يوجِدَ مداخِل بتقريرات المتكلِّمين في هذا الباب من ترتيب الآحاد من حيث التَّصديق، فتسلَّلوا من خِلالِ ثغراتها لِواذًا، ليقتلعوا ما استطاعوا مِن غِراسِ السُّنة؛ حتَّى بلغتِ القِحة ببعضِهم أن يُعلنَ إنكارَ الآحادِ جملةً، مُعتَلًّا بنفسِ ما أصَلَّه هؤلاء المتكلِّمين من ظنِّيتِها، ما دُمنا قد أُمرنا في القرآن بالعلمِ والعمل به، لا بالظَّن والعملِ بما احتملَ الكذب في نفسِه، فيشملُ الفروع أيضًا (^١).\n_________\n(^١) اتِّباع الظَّن المرجوحِ الخالي عن العلم، هو الذي ورد في القرآن الكريم ذمه، في قوله تعالى مثلًا: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَاّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾، أمَّا اتَّباع الظَّن الرَّاجح المستند إلى علم: فإنه لا يدخل في الظن المذموم، لأنَّه اتِّباع للعلم في حقيقه؛ فإن ترجيح ظن على ظن لا بدُ له من دليل، فيكون ترجيحه مستندًا إلى علم ودليل، فاتباعه لهذا الظن الراجح اتباعٌ لما عُلم رجحانه، فهو اتباع لأحسن الدليلين، فيدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.","vol":"1","page":498},{"text":"لقد استشعرَ المُتكلِّمة حجمَ المأزقِ الَّذي حوصروا فيه في هذا الباب مِن مَراتب الأدلَّة، فانبعثَ أفذاذُ أصوليِّيهم إلى مُحاولةِ سَدِّ هذه الثُّغور، فلم يجدوا أمتنَ مِن استعمالِ دليل «قطعيَّة العَمل» للردِّ على مُنكري حجيَّة الآحاد بإطلاق، بالتَّسليم بأنَّها ظنيَّة المَفادِ، لكنْ مع القولِ بقطعيَّةِ وجوبِ الأخذِ بها، استنادًا إلى دليلين اثنين، يفصِّل فيهما الجُويني القول فيقول:\n«أحدهما: يستند إلى أمرٍ مُتواترٍ لا يَتمارى فيه إلَّا جاحدٌ، ولا يَدرؤه إلَّا معاند، وذلك أنَّا نعلم باضطرارٍ مِن عقولنا أنَّ الرَّسول ﷺ كان يُرسل الرُّسل، ويُحمِّلهم تبليغ الأحكام، وتفاصيل الحلالِ والحرامِ، وربَّما كان يُصحبهم الكُتُب.\nوكان نقلُهم أوامرَ رسول الله ﷺ على سبيل الآحاد، ولم تكُن العصمة لازمةً لهم، فكان خبرُهم في مَظِنَّة الظُّنون، وجرى هذا مَقطوعًا به مُتواترًا لا اندفاع له، إلَّا بدفع التَّواتر، ولا يدفع المُتواتر إلَّا مباهتٌ، فهذا أحدُ المَسْلَكين.\nوالمسلك الثَّاني: مُستَنِدٌ إلى إجماع الصَّحابة ﵃، وإجماعهم على العمل بأخبار الآحاد منقول مُتواترًا .. فهذا هو المُعتمد في إثبات العلم بخبر الواحد» (^١).\nبهذا تمكَّن جمهور المتكلِّمينَ مِن الانفصالِ عن الحجَّة الَّتي أوردها مُنكرو الآحاد لظنِّيَتِه (^٢).\nغير أنَّ الاقتصارَ على استعمالِ هذا الدَّليلِ «قطعيَّة العملِ» مع واقعيَّته، يحصُر الاحتجاجَ به على خبر الواحدِ في الفروع العَمليَّة، دون الأصولِ العقديَّة والعلميَّة! وهو ما سَلَّم به كثيرٌ من متأخِّري المتكلِّمين (^٣)، وليس يَسعُ من فرَّقَ بين\n_________\n(^١) «البرهان في أصول الفقه» (١/ ٢٢٨).\n(^٢) انظر «المعتمد» لأبي الحسين البصري (٢/ ٩٨)، و«المستصفى» للغزالي (ص/١١٦)، و«الإحكام» للآمدي (٢/ ٥٢).\n(^٣) انظر «إشكالية القطع عند الأصوليين» لأيمن صالح، بحث منشور بمجلة «المسلم المعاصر» (العدد:١١٧، ص/٣٦).","vol":"1","page":499},{"text":"الأحكامِ والعقائد في حجيَّة الآحادِ أن يُماريَ هؤلاءِ، لخفاء دليل التَّفريق؛ وبهذا الاعتبار تظلُّ الأحاديث الخبريَّة العَقديَّة مُستباحةَ الحِمى مِن قِبل كلِّ مَن لم تُوافق هوى طائفتِه.\nفلهذا كان أعدلَ المذاهب في حكم هذه الآحاد الصِّحاح، وأقطعَها لدابرِ كلِّ مُعتَدٍ على ثوابتِ الأخبار، وأمنعَها لتَسلُّل المُتطفِّلين إلى رياضِ السُّنَن: ما قرَّره جمعٌ من العلماء مِن تقعيدٍ عدلٍ في هذا الباب يُقضى فيه بالتَّفصيل، ويُنهى فيه عن التَّعميمِ، وذلك بالتَّأكيدِ على أنَّ هذه الآحاد قد يُفيد العلمَ في حالاتٍ، مُستندين إلى دليل «القرائنِ» الملتفَّةِ بالأخبارِ، وإلى «دليل الحفظِ الإلهيِّ» (^١)، وبهما حَكَموا على جملةِ ما في «الصَّحيحين» من أخبار بالعلمِ.\nوتفصيل القول في هذا المذهب الرَّجيح يأتي تباعًا في المباحث التَّالية.\n_________\n(^١) سيأتي تفصيل الكلامِ في هذا الدَّليل الأخيرِ من هذا البحثِ بإذن الله تعالى.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المَبحث الثَّاني\nدفع دعوى ظنِّية الآحاد عن أحاديث «الصَّحيحين»</span>\nفأمَّا الجواب عَمَّن نفى إفادةَ ما في «الصَّحيحين» للعلمِ من المعاصرين، فيُمَهَّد للجوابِ عنه بالتَّنبيه على ثلاثةِ مَطالب:","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المَطلب الأوَّل\nالاختلاف في ما يفيدُه خبرُ الواحدِ على ثلاثةِ أطرافٍ والصَّواب في ذلك</span>\nاختلف النَّاس في ما يفيدُه خبرُ الواحدِ على ثلاثةِ أطرافٍ:\nطرفٌ مِن أهل الكلامِ ونحوهِم: مِمَّن هو بعيدٌ عن معرفةِ الحديثِ وأهلِه، لا يُميِّز بين الصَّحيح والضَّعيف، فيشكُّ في صحَّةِ أحاديث، أو في القطع بها، مع كونِها معلومةً مقطوعًا بها عند أهلِ العلم به، فيحكم على الكلِّ بالظَّنيَّة ما عدا المتواتر (^١).\nفبهؤلاء تأثَّر النَّووي في رَدِّه على ابن الصَّلاح.\nوطرف آخر: ممَّن يدَّعي اتِّباعَ الحديث والعمل به: كلَّما وَجد لفظًا في حديثٍ قد رواه ثقة، أو رأى حديثًا بإسنادٍ ظاهرُه الصِّحة: يريد أن يجعل ذلك من جنسِ ما جَزم أهل العلم بصحَّته، حتىَّ إذا عارَض الصَّحيحَ المعروفَ، أخذَ يتكَلَّف له التَّأويلات الباردة، أو يجعله دليلًا له في مسائل العلم، مع أنَّ أئمَّة الحديثِ يَعرفون أنَّ مثل هذا غَلط (^٢).\n_________\n(^١) انظر «المعتمد» لأبي الحسين البصري (٢/ ٩٢).\n(^٢) انظر هذا التقسيم في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٣/ ٣٥٣).\nويلاحظ في وصفِ ابن تيميَّة لهذا الطَّرف الثَّاني أنَّه لم ينسب إليه القولَ باعتقادِ القطعِ بكلِّ آحاد رواه الثِّقة، وإنَّما وصفهم بسوءِ استعمالهم لهذه الآحاد وتجازوهم للحدِّ المعقول فيها لفرطِ جهلهم بمنزلتِها المُستحقَّة، وإلَّا فلا أحد من العقلاء يقول ذلك.\nوِمن هنا يظهر غلط عددٍ من الأصوليِّين في نسبةِ القولِ بإفادة الحديث الواحدِ للقطع إلى الحنابلة وأهل الظَّاهر، ونبزِهِم فوق ذلك بـ «الحشويَّة» لأجل ذلك، كما تراه عند الجُويني في «البرهان» (١/ ٢٣١) -غفر الله له-، وهذا ناتج عن توهُّمِه من بعض عبارات المحدِّثين، أنَّهم يحكمون للآحاد بالعلمِ اكتفاءً بظاهر الإسناد، دون التدقيق في باطن عِللها والنَّظر في مُعارضات ذلك.\nهذا فضلًا عمَّن يغلِط على أحمد بنسبة هذا القولِ إليه! كما تَراه عند الآمديِّ في «الإحكام» (٢/ ٣٢)، وبَيَّن أبو يعلى في «العُدة» (٣/ ٩٠٠ - ٩٠١) أنَّ إمامَه أحمد إنَّما يقول بالعلمِ إذا كان الحديث قد تُلقيَّ بالقبول، أو احتفَّ به من القرائن ما يفيده ذلك.\n\nوقد أغلظَ ابنُ القيِّم القولَ في هؤلاء الأصوليِّين لأجل هذه النِّسبة المغلوطةِ، حتَّى قال: «كذب بعض الأصوليِّين كذبًا صريحًا لم يقله أحد قطُّ، فقال: مذهب أحمد في إحدى الرِّوايتين عنه أنَّ خبر الواحد يفيد العلم من غير قرينة، وهو مطَّرد عندهم في كلِّ خبر! .. فيا لِله العجب! كيف لا يَستحي العاقل من المجاهرة بالكذب على أئمَّة الإسلام؟! لكنَّ عذر هذا وأمثاله أنهم يستجيزون نقلَ المذاهب عن النَّاس بلازم أقوالهِم، ويجعلون لازم المذهب في اصطلاحهم مذهبًا»؛ انظر «مختصر الصَّواعق المرسلة» (ص/٦١٥).","vol":"1","page":503},{"text":"والصَّواب في هذا مذهبُ جمهورِ العلماء بالحديث والأصول مِن المُتقدِّمين، وهو الموافقُ للشَّرع والعقل: أنَّ خبر الواحد الثِّقة إذا كان خاليًا من أيِّ قرينةٍ جابرةٍ لاحتمال الغَلطِ فيه، بقي على أصلهِ الصَّحيح مُفيدًا للظَّنِّ من حيثُ هو، قبلَ انضمام القرائنِ المُقويَّة إليه (^١)؛ كتلقِّيه مِن قِبل الأمَّة بالقبول، واستفاضتِه، أو تسلسلِه بالأئمَّةِ الحُفَّاظ الفقهاء، ونحو ذلك من القرائن، قدرَ ما يكفي النَّاظرَ فيها للتَّسليم بكونِه صادرًا عن المُخبِر به، فيرتقي الحديثُ إلى مرتبةِ العلمِ به (^٢).\nهذه القرائن، وإنْ كان المازَريُّ (ت ٥٣٦ هـ) لا يَراها ممَّا يُشار إليها بعبارةٍ\n_________\n(^١) «النكت الوفية» للبقاعي (١/ ١٧٦).\n(^٢) انظر «الفقيه والمتفقه» (١/ ٢٧٨)، و«نهاية السول شرح منهاج الوصول» (ص/٢٥٧ - ٢٥٨)، و«المختصر لابن الحاجب - بشرح الأصفهاني» (١/ ٦٤٥)، و«روضة الناظر» (١/ ٢٦٠ - ٢٦٣)، و«الإحكام» للآمدي (٢/ ٣٢)، و«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٣/ ٣٥١)، و«مختصر الصواعق المرسلة» (ص/٤٥٦ - ٤٥٩)، و«إرشاد الفحول» (ص/١٣٨).","vol":"1","page":504},{"text":"تضبطها (^١)، فيُمكن أن يُقارَب تعريفها بأن يُقال: «هي ما لا يَبقى معها احتمالٌ، وتسكُن النَّفس عندها، مثل سكونها إلى الخبرِ المُتواتر أو قريبًا منه» (^٢).\nوممَّا يحقِّق أنَّ خبرَ الواحدَ الواجبَ قَبولُه يُوجبُ العلمَ: قيامُ الحجَّة القويَّة على جواز نسخِه للمَقطوع به، فمَشهورٌ رجوعُ أهل قباء عن القبلة الَّتي كانوا يَعلمونها ضرورةً من دين الرَّسول ﷺ بخبر واحد، وكذلك إراقةُ الخمر ونحو كذلك، «فإذا قيل: الخبرُ هناك أفادَهم العلم بقرائن احتَفَّت به، قيل: فقد سلَّمتم المسألة، فإنَّ النِّزاع ليس في مُجرَّد خبر الواحد، بل في أنَّه قد يُفيد العلم» (^٣).\nومِن أحسنِ ما يُمَثَّل به للدَّلالةِ على مَعقوليَّةِ هذا المذهب: ما مثَّل به الآمديُّ من جِهة الواقع: أنْ لو كان في جوار إنسان امرأته الحامل، وقد انتهت مدَّة حملها، فسمع الطَّلق من وراء الجدار، وضجَّة النِّسوان حول تلك الحامل، ثمَّ سمع صراخ الطِّفل، وخرج نسوةٌ يقلن: إنَّها قد ولدت، فإنَّه لا يستريب في ذلك، ويحصل له العلم به قطعًا، وإنكار ذلك ممَّا يخرج المناظرة إلى المكابرة (^٤).\nوتفريعًا عن هذا التَّأصيل، نسأل سؤالًا يتَّضح به المُراد، فنقول:\nهل يستطيع المسلم المتَّبِع أن يَحلفَ -مثلًا- على حديث: «إنَّما الأعمال بالنِّياتِ» أنَّه قول النَّبي ﷺ؟ (^٥)\nفإن قال: نعم؛ فهذا معنى إفادة العلم، لأنَّه إنَّما حَلَف على ما جَزم به.\n_________\n(^١) «إيضاح المحصول» للمازري (ص/٤٣٤).\n(^٢) «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ١٣٨).\n(^٣) «المسودة في أصول الفقه» لآل تيمية (ص/٢٤٧).\n(^٤) «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٢/ ٣٧).\n(^٥) يقول تقيُّ الدِّين ابن تيميَّة: «قوله ﷺ «إنَّما الأعمال بالنِّيات» هو ممَّا تلقَّاه أهل العلم بالقَبول والتَّصديق وليس هو في أصله متواترًا، بل هو من غرائبِ الصَّحيح، لكن لمَّا تلقَّوه بالقَبول والتَّصديق صار مقطوعًا بصحَّته، وفي السُّنن أحاديث تلقَّوها بالقَبول والتَّصديق، كقوله ﷺ: (لا وصية لوارث)، فإنَّ هذا مما تلقَّته الأمَّة بالقَبول والعَمل بموجبِه، وهو في السُّنن ليس في الصَّحيح».","vol":"1","page":505},{"text":"وإن قال: لا! فهنا انغلقَ عليه فهمُ الأصلِ الَّذي ابتُنيت عليه مَراتب الأخبار.\nبيانُ ذلك: أنَّ «الخبرَ لا تأتيه الآفةُ إلَّا من كَذِبِ المُخبر عمدًا أو من جهةِ خطئِه» (^١)، فإثبات القطعيَّة أو نفيِها عن الأخبار مداره على احتمال وجود تلك الآفةِ من عدمها، وما دام الرَّاوي غير مَعصوم من هذا كلِّه، تأتي بعض القرائن مَضمومةً إلى خبرِه، فتُزيل هذا الاحتمال مِن الأذهان وتُلغيه.\nوما دامَت قرائنُ التَّصحيح مُفيدةً للظنِّ عند التَّجريد في الجُملة، كإتقانِ رُواة الإسنادِ وإمامتِهم في الحديث، الَّذي حاصل في سَلاسل الذَّهب، أو حديثٍ مَشهورٍ ذي طُرق كثيرة مُتباينة، سالمةٍ من أيِّ علَّة: فإنَّ هذه القرينةَ -والحالة هذه- تقوم مَقام خبرٍ آخر؛ ثمَّ لا يزال التَّزايد في الظَّنِّ بزيادة اقترانِ القرائنِ بالخبر، أو قوَّتِها في ذاتِها، إلى أن يحصُل العلم، حتَّى لا يَرِد عليه ما افُترض من احتمال كذب الرَّاوي أو غلطه.\nفإذا كانت القرائن وحدَها قد تفيد العلم، فإذا انضمَّ إليها ما صَحَّت نسبتُه بروايةِ العدل الضَّابط عن مثله، فقامت بذلك مَقام الشَّواهد: أفادَت العلمَ مِن باب أولى (^٢).\nوفي تقريرِ هذا الأصل في تقويةِ القرائن للأخبار، يقول الشَّاطبي: «للاجتماعِ من القوَّة ما ليس للافتراق، ولأجلِه أفاد التَّواتر القطعَ، وهذا نوعٌ منه، فإذا حَصَل من استقراء أدلَّة المسألة مجموعٌ يفيد العلم؛ فهو الدَّليل المَطلوب، وإذا تكاثَرت على النَّاظر الأدلَّة، عضَّد بعضُها بعضًا، فصارت بمَجموعِها مفيدةً للقطع» (^٣).\n_________\n(^١) ١) «جواب الاعتراضات المصرية» لابن تيمية (ص/٣٦).\n(^٢) انظر «خبر الواحد وحجيته» لابن عبد الوهاب الشنقيطي (ص/١٨٣، ٢٠٢)، و«القطعية في الأدلة الأربعة» لمحمد دكوري (ص/٣٣٤).\n(^٣) «الموافقات» (١/ ٣٠).\n¬","vol":"1","page":506},{"text":"لكن لمَّا كان النَّاظر في مثل هذه الأخبار يحتاج إلى جهدٍ في استقراءِ الطُّرق والشَّواهد، وأحوالِ الرُّواة والمتون، كَيْ يطَّلِع على تلك القرائن العائدِ مُجملها إلى المُخبِر، وبعضُها يرجع إلى المُخبَر عنه، وبعضها يرجع إلى المُخبَر بِه: كان الحُكم بالقطعيَّة بهذه المثابةِ لا يُتأتَّى لأيِّ أحدٍ، ولا يلزم اطِّراد هذا الحكم لجميع مَن وقف على ذاتِ الخَبر.\nفلا يُستشكَل -إذن- عدمُ إفادتها للعلمِ لبعض العلماء غير ذوي التَّخصَّص الحديثيِّ، فإنَّما تُدرَك الكليَّات باستقراء الجزئيَّات، وهذه القرائنُ إنَّما عالجها المُحدِّثون حتَّى صاروا أحَقَّ بها وأهلَها، فما مِن حديثٍ إلَّا وتجدُ لأهل الحديثِ فيه حُكمًا مع إحاطةٍ واسعةٍ بالطُّرق، وطبقات الرُّواة، ومداخل الوَهم، حتَّى كانوا أدرى النَّاس بلسانِ النَّبي ﷺ وحالِه «¬١).\nوفي هؤلاء يقول ابن القيِّم: «.. إنَّما يعلم ذلك: مَن تضَلَّع في معرفة السُّنَن الصَّحيحة، واختلطت بلحمِه ودمِه، وصارَ له فيها ملَكة، وصارَ له اختصاصٌ شديدٌ بمعرفةِ السُّنَن والآثار، ومعرفةِ سيرةِ رسول الله ﷺ، وهديِه فيما يأمر به، وينهى عنه، ويُخبر عنه، ويَدعو إليه، ويحبُّه ويكرهه، ويَشرعه للأمَّة، بحيث كأنَّه مُخالِط للرَّسول ﷺ كواحدٍ من أصحابِه» (^٢).\nوأمَّا مَن نحى خلافَ هذا الأصل الَّذي قرَّرناه صوابًا مِن بعض علماء أهل السُّنة، مِمَّن يظهر مِن كلامِه المنعُ من تأثير القرائن في التَّصديقِ مطلقًا، فإنَّ قصده نفي القطعيَّة عن قرائن معيَّنة لا عن كلِّها، أو يكونَ بعضهم قد استبعدَ تحقُّقها من جهة الواقع، لانتفاء التَّجربة الدَّالة على ذلك في واقع النَّاس (^٣)، وإن كان جنس تأثيرها مُسلَّمًا عندهم (^٤)؛ والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٦٩ - ٧٠)، و«مختصر الصواعق المرسلة» (ص/٥٦٤).\n(^٢) «المنار المنيف» (ص/٤٤).\n(^٣) قد صرح بمثله الغزالي في «المستصفى» (ص/١٠٩).\n(^٤) انظر «القطعية من الأدلة الأربعة» (ص/٣٣١).","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>المَطلب الثَّاني\nاحتفاف القرائن المفيدة للعلم بجمهور أحاديث «الصَّحيحين»</span>\nبعد أن تقرَّر الوجه السَّابق في كونِ الآحاد يُفيد العلمَ بشرطِه، ينبغي أن يُعلَم تبعًا: أنَّ أحاديثَ «الصَّحيحين» قد احتفَ بها من القرائن ما يقطعُ النَّاظر فيها بصدقِها، ففيها الأحاديث المُخرَّجة بسَلاسل ذهبيَّة، والأحاديث المُسلسلة بحُذَّاقِ الحُفَّاظِ، والعامَّة من أحاديثهما مَشهورٌ، قد رُويت من غير وجهٍ صَحيح (^١)، رواها هذا الصَّاحب وهذا الصَّاحب من غير أن يَتواطآ، ومثل هذا يوجب العلم القطعيَّ (^٢).\nوما لم يحتَفَّ به شيءٌ مِن هذه القرائن المذكورة، فيكفيه اندراجُه في مجموع ما تلقَّته الأمَّة بالقَّبول قرينةً للجَزم به، فأيُّ قرينةٍ افتُرضَت، كان تلقِّي الأمَّة للحديث بالقَبول، أقوى منها في إيجابِ القَطعِ بصحَّة الخَبر، حتَّى عدَّها كثيرٌ مِن الأصوليِّين بمنزلةِ المتواتر (^٣).\n_________\n(^١) ادعى الحاكم النيسابوري في «المدخل» (ص/١٥٤) أنْ ليس في الصَّحيحين شيء من الأحاديث الغرائب الأفراد، وهذا مخالف لواقع الكتابين، وقد ردَّ عليه ابن حجر في «النُّكت» (١/ ٣٦٨) بأن فيهما «قدر مائتي حديث قد جمعها الحافظ ضياء الدين المقدسي في جزء مفرد».\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٢٢).\n(^٣) «أحكام القرآن» لأبي بكر الجصَّاص (٢/ ٨٣)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ١١٩).","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المَطلب الثَّالث\nتَلقِّي الأُمَّة لأحاديث الصَّحيحين بالقَبول قرينةٌ تفيد العلم</span>\nالفرع الأوَّل: شُهرةِ تقرير ابن الصَّلاح لتلقِّي الأمَّة لأحاديث «الصَّحيحين» بالقَبول.\nعُدَّ ابن الصَّلاح اشهر مَن أعلن القولَ بتلقِّي الأمَّة للصَّحيحين بالقبول وفصَّل القولَ فيه، ولم يكن ذلك منه بدعًا من الحكم، بل مسبوقًا في ذلك من جِهة التَّعريض والإيجاز من أصوليِّين ومُحدِّثين.\nفبعد أن ذكَرَ أقسامَ الصَّحيح الَّذي خرَّجه الأئمَّة في تصانيفهم من حيث الرُّتبة قال: «هذه أمَّهات أقسامه، وأعلاها الأوَّل، وهو الَّذي يقول فيه أهل الحديث كثيرًا: (صحيح متَّفق عليه)، يُطلقون ذلك ويَعنون به اتِّفاق البخاريِّ ومسلم، لا اتِّفاق الأمَّة عليه، لكنَّ اتِّفاق الأمَّة عليه لازمٌ من ذلك وحاصلٌ معه، لاتِّفاق الأمَّة على تلقِّي ما اتَّفقا عليه بالقَبول، وهذا القسم جميعُه مقطوع بصحَّته، والعلم اليَقيني النَّظريُّ واقعٌ به ..\nوما انفرد به البخاريُّ أو مسلم مندرجٌ في قَبيل ما يُقطع بصحَّته، لتلقِّي الأمَّة كلَّ واحدٍ من كتابيهما بالقَبول، على الوجه الَّذي فصَّلناه من حالهما فيما سبق، سِوى أحرف يسيرةٍ تكلَّم عليها بعض أهل النَّقد من الحُفَّاظ، كالدَّارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشَّأن» (^١).\n_________\n(^١) «علوم الحديث» لابن الصلاح (ص/٢٨ - ٢٩).","vol":"1","page":509},{"text":"ويقول في شرحه على «صحيح مسلم»:\n«ما اتَّفق البخاريُّ ومسلم على إخراجه فهو مقطوع بصدق مَخبرِه، ثابت يقينًا، لتلقِّي الأمَّة له بالقبول، وذلك يفيد العلمَ النَّظريَّ، وهو في إفادة العلم كالمتواتر، إلَّا أنَّ المتواتر يفيد العلم الضَّروريَّ، وتلقِّي الأمَّة بالقَبول يفيد العلمَ النَّظريَّ» (^١).\nفقد جعل ابن الصَّلاح من خلال هذين النَّصَين:\n١ - ما اتَّفق عليه الشَّيخان أعلى مراتب الصَّحيح.\n٢ - واتِّفاق الأمَّة تابعٌ لاتِّفاقهما لتلقِّيها ما أخرجاه بالقَبول.\n٣ - وأنَّ التَّلقِّي في صورتِه تلكَ لا يفيدُ الظَّن الرَّاجح فحسب، بل هو مُفيدٌ للعلم النَّظريِّ (^٢)، سواءً ما اتَّفقا عليه، أو ما انفرد كلُّ واحدٍ منهما به.\n٤ - ومستنده في هذا الحكم إلى عصمةِ الأُمَّة من الاجتماع على خطأ.\n٥ - ومِن ثمَّ استثنى من حكمه بالقطعِ أحاديثَ يسيرةً منهما تكلَّم فيها بعض أئمَّة الحديثِ، لخروجِها عن نِطاق الاتِّفاق السَّابق تقريره.\nومُراد ابن الصَّلاح بهذا التَّلقي ما كان محلُّه الأحاديث الَّتي سيقت لأصل موضوع الكتابين، أعني الأحاديث المَرفوعة المُسندة، فتخرج المُعلَّقات والمَوقوفات، ومتونُ الأبوابِ، دون التَّراجِم ونحوِها؛ لأنَّ في بعضِ الأخبار المَسوقة فيها ما ليس مِن ذلك قطعًا (^٣).\n_________\n(^١) نقله عنه النووي في مقدمة شرحه على «صحيح مسلم» (١/ ٢٠).\n(^٢) العلم بمعناه الخاصِّ: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، ومعنى كونِه (نظريًّا): أنَّه يحصل للإنسان بعد النَّظر والاستدلال لمن له أهلية النظر، وبالتالي فرَّقه ابن الصلاح عن المتواتر الذي يفيد (العلمَ الضَّروري) الذي يضطر الإنسان إليه دون نظر أو استدلال، انظر «التعريفات» للجُرجاني (ص/١٥٥)، و«نزهة النظر» لابن حجر (ص/٤٤ - ٤٥).\n(^٣) كأن يُخرج البخاريُّ -مثلًا- حديثًا لا يُبوِّب على جزءٍ مِن أجزائه، فهذا لا يكون مُفيدًا للعلمِ في هذا الجزءِ مِن الحديث، لأنَّ عدمَ تبويبه له أورث فيه شبهة، والقطعُ كان على جهة القرائن، وهذا قرينة على خلافه، انظر «مقدمة ابن الصلاح» (ص/٢٦)، وانظر مثال هذه القرينة المانعة في «فيض الباري» للكشميري (١/ ٤٢).","vol":"1","page":510},{"text":"الفرع الثَّاني: موافقة عامَّة العلماء لابن الصَّلاح على تلقِّي الأمَّة لأحاديث «الصَّحيحين» بالقَبول.\nوافق ابن الصَّلاح على حكمه العامِّ لأحاديثِ الصَّحِيحين كثيرٌ مِن أئمَّة الفقه والحديثِ قبله، أقدمُ ما وَقفتُ عليه مِن كلامِهم مِمَّا يُخبرون فيه بتَلقِّي «الصَّحيحين» بالقَبول، يَبدأ عامَّتُه مِن القرن الخامسِ، أي بعد قُرابةِ قرنينِ مِن انتشارِ كِتابَيْ الشَّيخين، منهم:\nأبو بكر الجَوْزَقي (ت ٣٨٨ هـ)، صاحب «المُستخرج على مسلم» (^١).\nثمَّ أبو إسحاق الإسْفَرايِيني (ت ٤١٨ هـ)، وقد اشتُهِر عنه قولُه في رِسالتِه في «أصول الفقه»: «أهلُ الصَّنعة مجُمِعون على أنَّ الأخبارَ الَّتي اشتملَ عليها الصَّحيحان مَقطوعٌ بصحَّة أصولِها ومتونِها (^٢)، ولا يحصُل الخلافُ فيها بحالٍ، وإنْ حَصَل، فذاك اختلافٌ في طُرقِها ورُواتها، قال: فمَن خالفَ حكمُه خَبرًا منها، وليس له تأويلٌ سائغٌ للخَبرِ، نَقَضنا حُكمَه؛ لأنَّ هذه الأخبار تَلقَّتها الأمَّةُ بالقَبول» (^٣).\nثمَّ أبو نصر السِّجزيُّ (ت ٤٤٤ هـ)، الَّذي قال: «أجمَعَ أهلُ العلم الفقهاءُ وغيرُهم، على أنَّ رجلًا لو حلَف بالطَّلاقِ، أنَّ جميعَ ما في كتابِ البخاريِّ مِمَّا رُوي عن النَّبي ﷺ قد صَحَّ عنه، ورسول الله ﷺ قاله لا شكَّ فيه، أنَّه لا يحنَث ..» (^٤).\nثمَّ أبو المعالي الجُويني (ت ٤٧٨ هـ) في قولِه: «لو حَلَف إنسانٌ بطلاقِ امرأتِه، أنَّ ما في كِتابي البخاريِّ ومسلمٍ مِمَّا حَكَما بصحَّتِه مِن قولِ النِّبي ﷺ، لمَا ألزَمتُه الطَّلاقَ، ولا حنَّثتُه، لإجماعِ علماءِ المسلمينِ على صِحَّتِهما» (^٥).\n_________\n(^١) نقل ذلك عنه ابن حجر في «النكت على ابن الصلاح» (١/ ٣٨٠)، ولم أقِف على عبارَتِه.\n(^٢) إطلاق الإسفراييني لهذا الحكم على كل حديث أخرجه الشَّيخان غير صحيح، وقد خالف بعض أهل الحديث في صحَّة بعض متونها كما سيأتي بيانه.\n(^٣) «النُّكت على ابن الصَّلاح» لابن حجر (١/ ٣٧٧)، و«فتح المغيث» للسَّخاوي (١/ ٧٢).\n(^٤) «مقدمة ابن الصلاح» (ص/٢٦).\n(^٥) «صيانة صحيح مسلم» لابن الصَّلاح (ص/٨٦).","vol":"1","page":511},{"text":"ومحمَّد بن أبي نصر الحُميدي (ت ٤٨٨ هـ) بعد نقلِه لاتِّفاق النُّقاد على صِحَّة ما فيهما قال: «.. فتبادرت النِّيات المُوفَّقة على تباعُدها، مِن الطَّوائف المُحقِّقة على اختلافها، إلى الاستفادةِ منهما، والتَّسليمِ لهما في علمِهما، وتمييزِهما، وقبولِ ما شهِدا بتصحيحِه فيهما» (^١).\nثمَّ نقلُ ابنِ طاهرٍ المَقدسيِّ (ت ٥٠٧ هـ) في كتابِه «صفوة التَّصوُّف» إجماعَ المُسلمين على صحَّة ما أُخرِج فيهما (^٢).\nوغير هؤلاءِ مِن أئمَّة الأصول والحديث ممَّن جاء بعدهم كثير (^٣)، حتَّى عدَّ ابنُ تيميَّةَ قولَهم هذا «مذهبَ أهلِ الحديث قاطبةً، وهو معنى ما ذكرَه ابن الصَّلاح في مدخلِه في «علوم الحديث»، فذَكَر ذلك استنباطًا، ووَافقَ فيه هؤلاء الأئمَّة» (^٤).\nثمَّ وَافقَ ابن الصَّلاح من بعدِه جلَّةُ أهلِ الحديثِ وصَّححوا قوَله، منهم ابنُ حَجرٍ (ت ٨٥٢ هـ) وهو مِن أخبرِهم بـ «الصَّحِيحين»، حيث قال: «والخبر المُحتفُّ بالقرائن أنواع: منها ما أخرجه الشَّيخان في صحيحيهما ممَّا لم يبلغ حدَّ التَّواتر، فإنَّه احتفَّ به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشَّأن، وتقدُّمهِها في تمييز الصَّحيح على غيرهما، وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقَبول، وهذا التَّلقي وحدَه أقوى في إفادة العلم من مجرَّد كثرة الطُّرق القاصرة عن التَّواتر» (^٥).\nوقال الشَّوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): «اِعلم أنَّ ما كان مِن أحاديثِ هذا الكتابِ في أحد الصَّحيحين، فقد أسفرَ فيه صُبح الصِّحة لكلِّ ذي عينين، لأنَّه قد قطع\n_________\n(^١) «الجمع بين الصَّحيحين» (١/ ٧٤).\n(^٢) انظر «محاسن الاصطلاح» للبلقيني (ص/١٧٢، بهامش ابن الصلاح»، لكنه أغربَ بعدها حين أضاف إلى مسألة التَّلقِّي والإجماع، ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه.\n(^٣) انظر «اختصار علوم الحديث» لابن كثير (ص/٣٣)، و«محاسن الاصطلاح» (ص/١٧٢)، و«فتح المغيث» (١/ ٧٣)، و«تدريب الراوي» (١/ ١٤٥).\n(^٤) «النكت على مقدمة ابن الصلاح» لابن حجر (١/ ٣٧٦).\n(^٥) «نزهة النظر» لابن حجر العسقلاني (ص/٥٢).","vol":"1","page":512},{"text":"عرق النِّزاع ما صحَّ من الإجماع على تلقِّي جميعِ الطَّوائف الإسلاميَّة لما فيهما بالقَبول، وهذه رُتبة فوقَ رتبةِ التَّصحيح عند جميع أهل العقولِ والمنقولِ، على أنَّهما قد جمعا في كتابيهما مِن أعلا أنواع الصَّحيح ما اقتدى به وبرجاله من تصدَّى بعدهما للتَّصحيح» (^١).\nالفرع الثَّالث: استثناء ما وقع بينه التَّعارض في أحاديث الصَّحيحين بلا مُرجِّح من إفادة العلم.\nفحيث قرَّرنا كونَ الصَّحيحِ من مذاهبِ العلماءِ فيما صحَّ مِن الآحاد أنَّها مفيدةٌ للعلمِ حيث تنضمُّ إليها القرائن، لا بدَّ من التَّنبيه على سلامة هذه الآحاد مِن موانع القطعيَّة، وإلَّا بقيَت في حيِّز الظَّن، بل قد تهوي بها تلك الموانع إلى القطعِ بكذبِها إذا قويت آفات التخطئةِ (^٢).\nكما قاله أبو العبَّاس المِبرد (ت ٢٥٨ هـ) (^٣): «إذا صَحَّت دلائلُ الحقِّ في الظنِّ، وقامت أماراتُه، كان يقينًا، وإذا قامت دلائلُ الشَّك، وبطُلت دلائلُ اليقين، كان كذبًا» (^٤).\nفاعتبارًا لهذه الشَّروطِ السَّلبية مؤثِّرةً في الحكم على آحاد ما في «الصَّحيحين»، نحى ابن حجرٍ إلى استثناءِ ما «يقع التَّجاذب بين مدلُوليه ممَّا وقع في الكِتابين، حيث لا ترجيحَ، لاستحالةِ أن يُفيد المتناقضان العلمَ بصدقهِما مَن\n_________\n(^١) «تحفة الذاكرين» للشوكاني (ص/٧).\n(^٢) اختلف الأصوليُّون في اعتبار بعض الموانع دون أخرى في رد الحديث أو ترك العمل به على أقلِ تقدير -بغضِّ النَّظر عن صحَّة اعتبار بعضها في المنعِ من عدمه-، ككونِ الخبر مخالفًا للقياس أو القواعد العامَّة مع عدم فقه راويه عند الحنفية، أو يكون الحديث مخالفًا لعمل أهل المدينة عند المالكية، أو يكون مخالفًا لعمل راويه ..، إلى غير ذلك من القرائن الَّتي قد تتأثَّر بها الأخبار سلبًا.\nانظر تفصيل هذه القرائن المانعة للقطعية في «إشكالية القطع عند الأصوليين» لـ د. أيمن صالح، من «مجلة المسلم المعاصر» (ص/١٩)، العدد ١١٧، ٢٠٠٥ م.\n(^٣) محمد بن يزيد المِبْرَد: إمام العربية ببغداد في زمنه، وأحد أئمة الأدب والأخبار، مولده بالبصرة ووفاته ببغداد، من كتبه «الكامل في اللغو والأدب»، انظر «الأعلام» للزركلي (٧/ ١٤٤).\n(^٤) «الأضداد» للأنباري (ص/١٦).","vol":"1","page":513},{"text":"غير ترجيحٍ لأحدِهما على الآخر، وما عَدا ذلك فالإجماعُ حاصلٌ على تسليمِ صحَّتِه» (^١).\nوأصل استثناءِ العسقلانيِّ للمُتعارضين من أصل إفادة العلم مَبنيٌّ على كونِ التَّعارض لا يقع بين القطعيَّين، إذ القطعُ باعتبارِ ذاتِه لا يَتفاوت، ونفي الاحتمال على الإطلاقِ شيءٌ واحد لا يَتَعدَّد (^٢)، إنَّما يقع التَّعارض والتَّفاوتُ في الظَّنِيَّات (^٣).\nوابن حجر مَسبوق في هذا الاحتراز من الآمديِّ (ت ٦٣١ هـ)، حيث قال:\n«لو كان حديث الثِّقة مُفيدًا للعلم بمجرَّده، فلو أخبرَ ثقةٌ آخرَ بضدِّ خبرِه، فإن قلنا: خبرُ كلِّ واحدٍ يكون مُفيدًا للعلم، لزم اجتماعُ العلم بالشَّيء وبنقيضه، وهو مُحال، وإن قلنا: خبرُ أحدِهما يُفيد العلم دون الآخر، فإمَّا أن يكون مُعيَّنا، أو غير مُعيَّن.\nفإن كان الأوَّل: فليس أحدُهما أولى مِن الآخر، ضرورةَ تَساويهما في العدالةِ والخبرِ.\nوإن لم يَكن مُعيَّنا: فلم يحصُل العلم بخبرٍ واحدٍ منهما على التَّعيين، بل كلُّ واحدٍ منهما إذا جَرَّدنا النَّظرَ إليه، كان خبرُه غير مُفيدٍ للعلم، لجوازِ أن يكون المُفيد للعلمِ هو خبرُ الآخر» (^٤).\nوحيث أنَّ التَّعارضَ مِن جملة الموانِع من الحكم بقطعيَّة الحديثين، احتاجَ النَّاظر إلى ترجيحِ أحدِهما على الآخر بإحدى المرجِّحاتِ المتعلِّقة بالمتن أو السَّند، هذا إن عجزَ نظرُه عن الجمعِ بينهما (^٥)؛ فإمَّا أن يقضيَ بعدهَا بإبطالِ\n_________\n(^١) «نزهة النظر» لابن حجر (ص/٥١ - ٥٢).\n(^٢) نقل غير واحدٍ من أهل العلمِ اتِّفاقَ العقلاءِ على ذلك، انظر «درء التعارض» لابن تيمية (١/ ٧٩)، و«شرح العضد على مختصر ابن الحاجب» (٢/ ٢٩٨).\n(^٣) انظر «المنخول» للغزالي (ص/٥٣٤)، و«البحر المحيط» للزركشي (٨/ ١٤٧).\n(^٤) «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٢/ ٣٣).\n(^٥) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٨/ ١٢٥).","vol":"1","page":514},{"text":"الحديثِ المرجوحِ، لقوَّة الموانِع من القولِ بصحَّتِه، فيحكم للرَّاجح بالقطعيَّة إذا ساعدته القرائن على ذلك؛ أو يعترفَ بأنَّ المرجوحَ لا يزال دليلًا قابلًا لِأن يكون صحيحًا، غايته أنَّه وُجد لمُقابله ما يقتضي الظَّن بأرجحيَّته، فيبقيان في حيِّز الظَّنيَّاتِ (^١).\nأمَّا إنْ عجزَ عن القدحِ في أيٍّ منهما بعينه، فأوْلى أن يَبْقيَا على حالهما من الظَّنيَّة.\nوحيث أنَّ التَّرجيح فرعٌ عن الإقرارِ بالتَّعارض، فإنَّ الحديثين القطعيَّين لا يُتأتَّى التَّرجيح بينهما إلَّا مِن جهة النَّسخ، خاصَّةً فيما كان مِن القطعيَّاتِ قريبًا سبَبُه، واضحًا مأخذُه، لا يحتاج إلى دقيقِ نَظرٍ واستقراءٍ؛ فهذا النَّوع لا يبقى معه مَسلكٌ للتَّرجيح مِن الأساسِ، ولا يَسوغ فيه التَّعارض، إلَّا كما يسوغ التَّعارض الظَّاهريُّ بين الآياتِ الكريمةِ أو الأخبار المتواترةِ، كونها ضروريَّةً يهجم تصديقُها على النَّفس (^٢).\nأمَّا ما كان منها مبنيًّا على نظرِ المُستدلِّ في القرائنِ واستقراءِ الشَّواهد - كما هو الحاصل في «الصَّحيحين» - فيقعُ أن ينظر المستدلُّ في حَديثين قد احتفَّ بِهما من الشَّواهدِ ما يوحي بقوَّة الخَبرين بادئَ الأمر، حتَّى يلوحَ له التَّعارض بين مَفهوميهِما، ويعجزَ عن التَّوفيق بينهما، فيكون واقع الأمرِ أنَّ أحدهما ليسَ قطعيًّا، أو لا تعارضَ بين مدلوليهما إلَّا في ذهنِ النَّاظر (^٣)، بحيث يمكن الجمعُ بين الحدِيثَين جمعًا مَقبولًا للنَّفس، فلا داعي للتَّرجيح حينئذٍ؛ بعكس ما لو كان الجمعُ مُتكَلَّفًا بعيدَ المأخذِ (^٤)، فالأشبهُ عندئذٍ تقديمُ رُتبةِ التَّرجيح على الجمع (^٥).\n_________\n(^١) انظر تأصيلًا قريبًا من هذا في حاشية د. الدراز على «الموافقات» للشاطبي (٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\n(^٢) انظر «القطعية في الأدلة الأربعة» (ص/٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٣) انظر «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (١/ ٧٩)، والمعنى نفسه تجده في «البحر المحيط» للزركشي (٨/ ١٦٧).\n(^٤) انظر تقرير هذا المعنى في «البحر المحيط» (٨/ ١٥٢).\n(^٥) كالحاصل من جماعة من المحدِّثين حين ذهبوا إلى تصحيحِ الرِّواياتِ الَّتي فيها أنَّ النَّبي ﷺ صلَّى ستَّ وثمانِ ركعات في ركعتي الكسوف، فضلًا عن المعروف من صلاته لركوعين في ركعة، لورود ذلك عندهم في صحيح مسلم، حيث حملوا هذا الاختلاف في العدد على أنَّ النَّبي ﷺ فعلَها مرَّاتٍ! مع أنَّ الثَّابتُ مِن فعلهِ ﷺ صلاتُه الكسوفَ مرَّةً واحدةً في عمره يوم مات ابنه إبراهيم ﵁، ولذلك ضعَّف البخاريُّ والشَّافعي وأحمدُ غير رواية الرُّكوعين في ركعة، لمخالفتِها لروايةِ الجماعةِ من الثِّقاتِ، انظر «الجواب الصحيح» لابن تيمية (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧).","vol":"1","page":515},{"text":"ولا أعلم في «الصَّحيحين» حديثًا توافقَ العلماءُ على ردِّه بتمامِه، لمعارضةِ حديث آخرَ له، مع استحالَةِ التَّوفيق بينهما، بأيٍّ وجهٍ من وجوه الجمعِ المُعتبرة: فلست أعلمُ له مثالًا صحيحًا، وأكثرُ ما يَستدعي التَّرجيح مِن أهل العلمِ في هذين الكِتابين، ما كان الاختلافُ فيهما بين بعضِ ألفاظِ الثِّقاتِ في خبرٍ صحيحٍ في أصلِه، وهذا واقعٌ في مسلمٍ أكثرَ منه عند البخاريِّ (^١).\nالفرع الرابع: ما استدركه ابن حجر على ابن الصَّلاح مِن استثناءِ ما وقع التَّعارض فيه عن إفادة العلمِ، من لوازم عبارة ابن الصَّلاح.\nهذا؛ وقد ظهر لي في أمرِ ما استدركه ابن حجرٍ على ابن الصَّلاح مِن استثناءِ ما وقع التَّعارض فيه عن إفادة العلمِ؛ أنَّه داخلٌ باللُّزوم في مفهومِ عبارة ابن الصَّلاح من حيث الأصلِ المنهجي؛ وبيان ذلك:\n_________\n(^١) من أمثلة ذلك: ما أخرجه مسلم في (ك: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة، رقم: ١٠٣١) من حديث أبي هريرة ﵁ في السَّبعة الَّذين يظلُّهم الله يوم القيامة، وفيه: «حتَّى لا تعلم يمينه ما تُنفق شماله»، وهي قلبٌ لرواية الثقاتِ: «حتَّى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه».\nوقد تكلف بعض المتأخرين الجمع بين هذه الرواية المقلوبة ورواية الجماعة من الثقات، يقول ابن حجر في «الفتح» (٢/ ١٤٦): «وليس بجيِّد، لأنَّ المخرج متَّحد».\nوكرواية سعيد بن منصور عند مسلم أيضًا (ك: الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، رقم:٢٢٠): «ولا يرقُون» بدَل: «ولا يكتوون»، وقد أنكر بعض الحُفَّاظ هذه الرِّواية وغلَّطوا راويها، واعتلَّوا بأنَّها تعارض ما جاءت به الأحاديث الأخرى في «صحيح مسلم» نفسِه وغيره: من أنَّ الرَّاقي قد أُذن له في ذلك، وأنه يُحسن إلى الَّذي يرقيه، فكيف يكون هو مطلوبَ التَّرك؟! أمَّا المسترقي فإنَّه يسأل غيرَه ويرجو نفعَه، وتمامُ التَّوكل المرادُ وصف السَّبعين ألفًا به ينافي ذلك.\nانظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١/ ١٨٢)، والمستدرك عليه (١/ ٢٧).","vol":"1","page":516},{"text":"في أنَّ الواحدَ مِن العلماءِ إذا تعارض عنده حديثان، قد تَعذَّر الجمعُ بينهما بوجهٍ مستساغٍ مقبولٍ، فلا يخلو من حالتين:\nالحالة الأولى: أن يرجِّح قبولَ أحد الحديثين على الآخر، فيكونَ ردُّه للمرجوحِ تعليلًا له في واقعِ الأمر (^١).\nالحالة الثَّانية: أن يعجزَ عن التَّرجيحِ والقدحِ في واحدٍ منهما بعينِه، فلا يحصُل العلم بخبرٍ واحدٍ منهما على التَّعيين.\nومن ثمَّ فإنَّ المرجوح والمتوقَّف فيه -في كِلتا الحالتين السَّابقتين- يخرجان عمَّا تلقَّته الأمَّة بالقَبول أو اتَّفقوا على صحَّته، كونهما خارجين عن حيِّزِ الثُّبوت ومعنى الصِّحة مِن الأساس؛ إذ الفرضُ فيمن خلُص إلي هذا الموقف في هاتين الحالتين أن يكون جُملة مَن يُعتبر قولهم في الإجماع.\nكلُّ ما في عبارةِ ابن الصَّلاح، أنَّه لم يُشر فيها إلى ما يُفهَم منه استيعابها لمضمونِ استدراكِ ابن حجرٍ، بل قصر الاستثناءَ ممَّا لا يفيد العلمَ على ما تنازع الحفَّاظ في حكمهم على أفرادِ الأحاديث، فأيَّما حديثٍ بعينِه لم نجد فيه كلامًا لأحدِ المُحدِّثين فالأصل أنَّه يفيد العلمَ بصحَّته عند ابن الصَّلاح، في حين أنَّ ابن حجر لاحظ في نفسِ ما لم يتكلَّم فيه الحُفَّاظ بعضَ ما يصدق عليه التَّعارض الَّذي ينفي عنها القطعيَّة، وقد أحسن في استثناءه ممَّا وقع الاتِّفاق على صحَّتِه فيفيد العلم، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر «نزهة النظر» (ص/٦٩).","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المَبحث الثَّالث\nالاعتراضاتُ على تقريرِ ابنِ الصَّلاح\nمَفاد أحاديثِ «الصَّحيحين» للعلمِ</span>\nاعترَضَ بعضُ الأصوليِّين مِن المُتكلِّمين على الحُكم الَّذي قرَّره ابن الصَّلاح في حقِّ ما اتُّفِق عليه مِن أحاديثِ «الصَّحيحين»، فيهم مَن هو مُشتغل بالحديثِ على قلَّتهم، تَنوَّعت جهاتُ اعتراضاتِهم على دعواه بحسب مَأخذها النَّقليِّ أو العقليِّ؛ راجعةٌ في مُجملِها إلى أصلين اثنين، لا تكاد تخرجُ تلك المُعارضات المُنتثرة في كُتبِ الأصول أو المُصطلح عن واحدٍ مِن هذين:\nالأصل الأوَّل: نفي وقوع التَّلقِّي نفسِه.\nالأصل الثَّاني: منع إفادة التَّلقِّي للمطلوبِ المُتنازع فيه.\nفأمَّا الأصل الأوَّل في معارضة تقريرِ ابن الصَّلاح ومَن وافقَه: فمَبنيٌّ على نقضِ مُقدِّمات دليلِه، لترجع على النَّتيجة بالنَّقض، وهذا الأصل مُتفرِّع بدورِه إلى جِهتين من جِهاتِ البحثِ والمناظرة:\nالأولى: مِن جهة نفي الدَّليل على الدَّعوى في أصلها.\nالثَّأنية: من جهةِ إثباتِ انخرامِ بعض شروطِ تحقُّقِها.","vol":"1","page":518},{"text":"وأمَّا الأصل الثَّاني في مُعارضة تقرير ابن الصَّلاح:\nفيتمثَّل في نفيِ النَّتيجة الَّتي خَلُص إليها ابن الصَّلاح ومَن وافقه، لتعود بالقطعِ بين مُقدِّمات استدلالِه، وما أفضت إليه مِن نتيجة، وهي مُتفرِّعة إلى ثلاث جهاتٍ:\nالأولى: مِن جهة محلِّ وقوع التَّلقِّي.\nالثانية: مِن جهة نفي أثر هذا التَّلقِّي في الاعتقاد.\nالثَّالثة: مِن جهة نفيِ النَّتيجة بنفيِ بعض لوازِمها.\nوفي تفصيل الجواب عنها جميعها مُستعينين بالله تعالى نقول:","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المَطلب الأوَّل\nالاعتراض على صحَّة التَّلقِّي مِن الأمَّة\nلأحاديث «الصَّحيحين» والجواب عنه</span>\nالفرع الأوَّل: منع التَّسليم بوقوع التَّلقِّي لأحاديث «الصَّحيحين» مِن جهة المطالبة بتصحيح الاتِّفاق.\nيقوم أصل هذا الاعتراض على استبعادِ العادة لاتِّفاق جميع المُجتهدين على صحَّة أحاديث «الصَّحيحين»، ممَّا يغلِّب جانب الغلَط عندهم في نقلِ من نَقل هذا الاتِّفاق، لانعدام الدَّليل الكاشف عنه؛ واستعمال هذا الاعتراض غالبًا ما يُستدعى في دعوى الإجماعِ السُّكوتيِّ، ويُراد به بيان ظهورِ وانتشار القولِ الَّذي أُقرَّ ولم يُنكَر (^١).\nولستُ أعلمُ أحدًا أسبقَ من محمَّد بن إسماعيل الصَّنعاني (ت ١١٨٢ هـ) إلى تفصيلِ هذا الاعتراضِ على كلامِ ابن الصَّلاحِ، حيث حاولَ التَّشكيكَ به في حصول اتِّفاق العلماء على قبول أخبار الصَّحيحين.\nفمن ذلك قوله: «دعوى على كلِّ فردٍ مِن أفرادِ الأمَّةِ المُجتهدين، أنَّه تلقَّى الكتابين بالقَبول، فلا بدَّ مِن البرهان عليها، وإقامته على هذه الدَّعوى مِن\n_________\n(^١) انظر «المعونة في الجدل» للشيرازي (ص/٢٨) و«الواضح» لابن عقيل (٢/ ١٨٠).","vol":"1","page":520},{"text":"المتعذِّرات عادةً، كإقامة البيِّنة على دعوى الإجماع الَّذي جَزَمَ به أحمد بن حنبل وغيره أنَّ مَن ادَّعاه فهو كاذبٌ» (^١).\nوالجواب عن هذا الاعتراض مِن عِدَّة أوجهٍ:\nالوجه الأوَّل:\nأنَّ العُمدةَ في نقلِ الإجماع في أيِّ فنٍّ مِن فنون الشَّريعة أو غيرِها إنَّما هي على أئمَّةِ ذاتِ الفنِّ وأربابِ الاستقراءِ فيه، فهم الأمَّة في صناعتهم! وأهل التَّخصُّص أخبرُ النَّاسِ بمَواطن الاتِّفاقِ والاختلافِ في جزئياتِ تخصُّصِهم فضلًا عن كُلِّياتِه، فلا يَضرُّهم جهلُ المُشتَغلين بغير شأنِهم أن يُعارضوهم، لخلوِّ نفوسِهم مِن الأهليَّة لذلك أصلًا، وإنَّما كان الواجبُ «على كلِّ مَن ليس بعالمٍ أن يتَّبع إجماعَ أهلِ العلم» (^٢).\nولا يخفى على الدَّارسٍ لتاريخ السُّنةِ ومراحل تدوينِها، مُوافقًا كان لملَّةِ الإسلام أو مخالفًا، أنَّ علماء الحديث مِن أشدِّ النَّاس تدقيقًا في مَباحثِ تخصُّصِهم، وأكثرهِم استقصاءً لآراء أئمَّتهم فيما يُراد إصدار حُكم تأصيليٍّ أو فرعيٍّ فيه لو كان قضيَّةً دقيقةً، فما الظَّنُ بموقفِهم مِن قضيَّة جَليَّة شائعةٍ، قد بلغ مَداها الآفاق في الشُّهرة مثل «الصَّحيحين»؟!\nوالإجماع قد وَقَع من أربابِ العلومِ المختلفةِ والفنونِ المتنوِّعةِ، على كثيرٍ مِن مُصنَّفاتِهم؛ فما نحن فيه أوْلى بأن يَقع مِن أئمَّة الحديثِ قياسًا أوْلويًّا، فإنَّ لديهم مِن الدَّوافع الدِّينيَّة لأجل الاتِّفاق على الحقائقِ الشَّرعيَّة ما ليس عند غيرهم.\n_________\n(^١) «ثمرات النظر» للصنعاني (ص/١٣٢).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٥٣).","vol":"1","page":521},{"text":"الوجه الثَّاني:\nقد يُستسهَل التَّوقُّف في اتِّفاقٍ نَقَله فردٌ مِن أفرادِ أهلِ العلم، خاصَّةً إذا ما كان معروفًا بالتَّساهل في هذا الباب، لكنَّ الأمرَ يعسُر إذا كان النَّاقل لحكاية الاتِّفاق أئمَّة أفذاذ، يتصدَّرهم أبو عمرِو ابن الصَّلاحَ؛ بل يصير مُستبعدًا بالمرَّة ونحن نتحقَّق أنَّ النَّاقلَ لم يَنفرد بحكاية ذلك، بل سَبَقه طوائف مِن أهل الفنِّ ولحِقه آخرون.\nونظرةٌ عابرةٌ في مَظانِّ هذه المسألة مِن كُتب الأصولِ أو المُصطلحِ، كفيلةٌ بإقناعِ النَّاظر أنَّ اختلافَ أربابِ هذه المصنَّفات إنَّما هو في ما يفيدهُ هذا التَّلقي مِن حيث مراتب التَّصديق، أمَّا حصول التَّلقي ذاتِه: فلم يختلفوا على الإقرار به، فضلًا عن إمكانِه من حيث الواقع، بل حكوه طَبَقةً بعد طَبقةٍ، وجيلًا بعد جيلٍ (^١)، دون أن يَبرُز أحدٌ يُنكر هذه الدَّعوى، ويبيِّن زيفَها على مَدى هذه القرونِ المُتلاحقة؛ وهذا مِن أقوى الأدلَّة على صِحَّة ما قرَّره ابن الصَّلاح وموافقوه في حقِّ «الصَّحيحين».\nالوجه الثَّالث:\nلو تأمَّلنا جميلَ ما احتَّف بهذين الكِتابين مِن صفاتٍ تفرَّدا بها عن سائرِ كُتبِ الحديثِ قاطبةً، قد حازا بها مَرتبةً لم يحُزها أيُّ مُصنَّفٍ آخر في الأمَّة (^٢)، كـ:\nجلالةِ مُصنِّفيهما في الحديث روايةً ودرايةً، وتقدُّمهما على تمييز الصحَّيح على غيرهما، بشهادة أقرانِهما ومَن جاء بعدهما مِن أئمَّة الحديث (^٣).\n_________\n(^١) لاشكَّ أنَّ هذه الصُّورة من النَّقل للتَّلقِّي متواترةٌ عن أهل الطَّبقات الأولى بعد الصَّحيحين، فينطبق عليها ما اشترطه الصَّنعاني في «توضيح الأفكار» (١/ ١١٩) لدعوى التَّلقي من نقلٍ متواترٍ عن أهل الطَّبقات الأولى بعد الصَّحيحين تقوم به الحجَّة على تلقِّيهم للكتابين بالقَبول، والنَّقل الآحاديُّ عنهم فلا تقوم به حجَّة ملزمة عنده.\n(^٢) استقصى د. خليل ملا خاطر مزايا الصحيحين على غيرهما من كتب الحديث في أربعة عشر مزية في كتابه «مكانة الصحيحين» (ص/٧٥ - ٨٧) وترجع في أغلبها إلى ما ذكرت، مكتفيا بما نص عليه علماء الحديث مما له صلة مباشرة بموضوع بحثي.\n(^٣) انظر «نزهة النظر» لابن حجر (ص/٥٢)، و«مكانة الصَّحيحن» لخليل مُلا خاطر (ص/٢١ - ٢٧).","vol":"1","page":522},{"text":"وأنَّهما أوَّل مُصَنَّفين في الحديث الصَّحيح المُجرَّد، فـ «لم يَتقدَّمهما إلى ذلك أحد قبلهما، ولا أفصح بهذه التَّسمية - يعني الصَّحيح - في جميعِ ما جمعه أحدٌ سواهما فيما علِمناه» (^١).\nوأنَّهما انتهجا في كتابيهما أدقَّ المناهج العلميَّة في انتقاءِ الصَّحيحِ، حتَّى عُدَّ ما كان على شرطهما أعلى مَراتب الصَّحيح (^٢)، واتُّفِق «على أنَّ أصحَّ الكتُب المُصنَّفة صحيحًا: البخاريُّ ومسلم، واتَّفقَ الجمهور على أنَّ صحيح البخاري أصحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد» (^٣).\nأقول: لو تأمَّلنا هذه المُميِّزات الَّتي بوَّأت «الصَّحيحين» تلكمُ المكانة الرَّفيعة عند خواصِّ أهل العلم وطَلبَتِه: عَلِمنا أنَّ كلَّ ميزةٍ منهنَّ، لو نُظر إليها بمُفردِها، لكانت كافيةً في شحذِ هِمَم العلماء في زمنِ الشَّيخين وبعدهما للنَّظر في كِتابيهما واختبارهما، تحقُّقًا من انطباقِ تلك المزيَّة الواحدةِ منهنَّ عليهما (^٤)، وهذا -لعَمري- مِن الأسبابِ الَّتي هيَّأها الله سبحانه لكتابيهما حتَّى يشهدَ لهما أهلُ الاختصاص بالإتقانِ والقَبول.\nيقول أبو عبد الله الحُميديُّ في سياقِ سردِه لمسيرةِ التَّصنيفِ الأوَّلِ في الحديث:\n«.. واتَّصَل ذلك إلى زمانِ الإمامين أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ، وأبي الحسين مسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريِّ -﵄ وعنهم-، فخُصَّا مِن الاجتهادِ في ذلك، وإنفادِ الوُسع فيه، واعتبارِه في الأمصارِ، والرِّحلةِ عنه إلى مُتباعدات الأقطار، مِن وراء النَّهر إلى فُسطاطِ مصر، وانتقادِه حرفًا حرفًا، واختيارِه سَندًا سَندًا، بما وَقَع اتِّفاقُ النُّقادِ مِن جهابذةِ الإسنادِ عليه، والتَّسليم منهم له ..\n_________\n(^١) «الجمع بين الصحيحين» للحميدي (١/ ٧٣ - ٧٤)\n(^٢) انظر «شرح التبصرة والتذكرة» للعراقي (١/ ١٢٥).\n(^٣) «تهذيب الأسماء واللغات» (١/ ٧٣)، وانظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٣٢١).\n(^٤) والصَّنعاني مع ذلك مُعترفٌ بما اختُصَّ به الصَّحيحان من عناية وبحث في كل ذرةٍ منهما من أئمَّة هذا الشَّأن، وما رُزقاه بذلك من حَظٍّ وقبول، انظر «ثمرات النَّظر» له (ص/١٣٦ - ١٣٧).","vol":"1","page":523},{"text":"فتبادَرَت النِّيات المُوفَّقة على تباعُدها، مِن الطِّوائف المُحقِّقة على اختلافِها، إلى الاستفادةِ منهما، والتَّسليم لهما في علمِهما، وتميِيزهما، وقَبول ما شَهِدا بتصحيحِه فيهما، يَقينًا بصدقِهما في النِّية، وبراءتِهما مِن الإقبالِ على جهةٍ بحَميَّةٍ، أو الالتفاتِ إلى فئةٍ بعصبيَّةٍ، سوى ما صحَّ عمَّن أُمرنا بالرُّجوع إليه، والتَّعويل في كلِّ ما أخبرنا به عليه ﷺ، حتَّى استقرَّ ذلك وانتشر، وسارَ مَسيَر الشَّمس والقمر» (^١).\nفليس اتِّفاقُ الأمَّةِ وعلمائِها على أصحيَّة الصَّحيحين وفضلِهما على سائرِ الكُتب مجرَّد صُدفة، ولاعن طَواطؤٍ ومُؤامرة، «فقد أعاذَ الله تعالى هذه الأمَّة التي اختارَها لحملِ دينِه وتبليغِ رسالتِه، مِن أن تكون فريسةَ غفلةٍ وغباوةٍ، وأن تجتمع على الضَّلال، بل كان ذلك إلهامًا مِن الله، ومُكافأةً على ما قام به مُؤلِّفا هذين الكتابين مِن جهادٍ في سبيل حفظِهما الأحاديث النَّبوية، ثمَّ تحقيقِها وتنقيحِها، ومعرفةِ رجالِها ورُواِتها، وكشفِ أستارِ الكذَّابين والوضَّاعين، وتميِيزِ الضُّعفاءِ والمَجروحين، ثمَّ في نقلِها ونشرِها في الآفاق، وجمعِها في مجموعةٍ مُهذَّبة مُنقَّحة» (^٢).\nفإذا تأمَّل المُنصِف ما حَرَّرته مِن هذه الخصال آنفًا، عظُم مِقدارُ هذين السِّفْرين في نفسِه، وجَلَّ تَصنيفهما في عينِه، وعذَرَ الأئمَّة مِن الهِندِ شرقًا إلى الأندلسِ غربًا أن تلقُّوهما بالقَبول والتَّسليم، وقدَّموهما على كلِّ مُصنَّفٍ في الحديثِ والقديم.\nالوجه الرَّابع:\nربطُ الصَّنعانيِّ حكايةَ التَّلقِّي للصَّحيحين، بدعوى الإجماع الَّذي أنكره أحمد، هو في حقيقتِه ربطٌ بين مُتبايِنَين، والغَلط إذن قد تخلَّل كلامَه مِن جِهتين:\n_________\n(^١) «الجمع بين الصَّحيحين» (١/ ٧٣ - ٧٤) بتصرف يسير في آخره.\n(^٢) «نظرات على صحيح البخاري» (ص/٢٢) بتصرفٍ يسير، وأصلُه مَقالةٌ قدَّم بها أبو الحسن النَّدوي كتابَ «لامع الدَّراري» للكاندهلوي.","vol":"1","page":524},{"text":"الجِهة الأولى: مِن جهة اعتراضِه باحتمالِ وجود الإنكار (^١):\nوذلك حين ربْطِه بين حِكايةِ التَّلقِّي للصَّحيحين بالقَبول وبين الإجماع الأصوليِّ الَّذي يرى تعذُّرَ العلمِ به بعد زمنِ الصَّحابة ﵁، لتفُّرقِ العلماء في الأمصارِ (^٢).\nوقول الصَّنعانيِّ في تحجير الإجماع ومنع تحقُّقه ضعيفٌ عند جمهور الأصوليِّين، وليست هذه الوُريْقات محلًّا لنقضه (^٣)؛ فإنَّ ابنَ الصَّلاح وعلماء الحديث والأصول معه حين تكلَّموا عن موضوعِ الاتِّفاق على صحَّةِ «الصَّحيحين»، إنَّما عبَّروا عن ذلك بلفظِ (التلقِّي مِن الأمَّة بالقَبول)؛ وهذا إجماعٌ خاصٌّ سبيله التَّتبع والاستقراء، يَصِحُّ بمُجرَّد شُهرةِ الحديثِ الصَّحيحِ بين أئمَّةِ الحديث، دون إنكارٍ أو إظهارِ عِلَّةٍ تمنع القولَ بصحَّتِه ولو مِن واحدٍ (^٤)؛ وهذا النَّقد يمتدُّ في ظرفٍ زمنيٍّ مُتَّسِعٍ، بلَغَ في حقِّ الصَّحيحين قرونًا من الزَّمن (^٥).\nوحُكم أهلِ العلمِ إذا تَكرَّر على ما عَمَّت به البَلوى واشتُهِر أمرُه، وتَكرَّرَ\n_________\n(^١) مِمَّن ذكر هذا النوع من الاعتراض على الاستدلال بالإجماع الأصوليِّ: أبو المعالي الجويني في «البرهان» (١/ ٢٧٢)، وابن عقيل في «الجدل على طريقة الفقهاء» (ص/٣٨).\n(^٢) انظر «مزالق الأصوليين» للصنعاني (ص/٦٣)، وهو مذهب الظَّاهريَّة وكثيرٍ من أهل الأصول، انظر «النُّبذة الكافية» لابن حزم (ص/١٩ - ٢٠)، و«البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٢٨٢).\n(^٣) وقد روَّج لشُبهتِه هذه حول الإجماع بعض المُعاصرين، مِن أشهرهم أحمد شاكر، كما تراه في رسالته «نظام الطلاق في الإسلام» (ص/٦٧) حيث حصر الإجماع الصَّحيح في الأمور المعلومة من الدِّين بالضَّرورة!\n(^٤) انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٤٤).\n(^٥) مِن الجَدير لفتُ النَّظر إليه: أنَّ الشَّوكاني مع كونِه موافقًا لقولِ الصَّنعاني بتعذُّر العلمِ بالإجماع الأصوليِّ على فرعٍ فقهيٍّ معيَّن في الأزمان المتأخرَّة، واضطرابه في هذا الباب أحيانًا، كان أدرى بحقيقةِ لفظِ التَّلقي عند أهل الحديث مِن بلديِّه الصَّنعاني، ولهذا لم يتوارَ عن إثبات تلقِّي الأمَّة للصَّحيحين بالقبول، وإثبات الإجماع على صحَّتهما، والأخذ بلازِم ذلك من جِهة التَّصديق بجملتهما، كما تراه في كتابيه «أدب الطلب» (ص/٢٠٦) و«إرشاد الفحول» (ص/١٣٨).","vol":"1","page":525},{"text":"سكوتُ الباقين عن هذا الحكم، مع طولِ الزَّمنِ، دون إبداءِ مُخالفةٍ له، فإنَّه -والحالة هذه- مِن الصُّوَر الَّتي تُفيد العِلم عند جمهورِ الأصوليِّين (^١).\nوقد أشار ابن السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ) إلى هذه الدَّقيقة بقوله:\n«إنَّ التَّمادي على ذلك الزَّمان الطَّويل، ثمَّ لا يظهر من ذلك القول أحد ينكره، لأنَّه بدونِ هذا يجوز أن يسكتوا عن الإنكار عليه لغرضٍ، ويجوز أن يكون لهيبةٍ له، أو لوجلٍ منه، فأمَّا إذا مرَّ على ذلك الزَّمان الطَّويل فلا يُتصوَّر السُّكوت عن الإنكارِ من كلِّ القومِ، مع اختلافِ الطِّباع، وتباينِ الهِمم، وكثرةِ الدَّواعي من كلِّ وجهٍ، ومنها خبرُ الواحد الَّذي تلقَّته الأمَّة بالقَبول وعملوا به لأجله، فيُقطع بصدقِه، وسواءٌ في ذلك عَمل الكلُّ به، أو عمل البعضُ وتأوَّله البعض» (^٢).\nهذا الَّذي يؤصلِّه السمعانيُّ لمسألة تلقِّي الأخبار بالقبول، ألْزقُ ما يكون بتقرير الأصوليِّين في باب الإجماع حين قالوا: أنَّ حُكمَ أهلِ العلمِ إذا تَكرَّر على ما عَمَّت به البَلوى واشتُهِر أمرُه، وتَكرَّرَ سكوتُ الباقين عن هذا الحكم، مع طولِ الزَّمنِ، دون إبداءِ مُخالفةٍ له، فإنَّه مِن الصُّوَر الَّتي تُفيد العِلم عند جمهورِ الأصوليِّين (^٣).\nوقول مَن قال بجواز كِتمان مَن حمَّله الله أمانة دينِه لحُكمٍ حَديثيٍّ أو إغفاله مِمَّا يَترتَّب عليه إيمان وعملٌ، يجري قولُه هذا في القُبح مَجرى إخبارِ العلماء عن أمرٍ خلاف ما هو عليه! والله تعالى قد رَكَّز في طِباعِ الخلقِ مِن توفيرِ الدَّواعي على نقلِ ما علِموه، والتَّحدُّث بما عرفوه، حتَّى أنَّ العادةَ لتُحيل كتمانَ ما لا يُؤبه له مِمَّا جَرى مِن صِغار الأمورِ على الجمعِ القليل (^٤)، فكيف على الجمعِ الكثير\n_________\n(^١) انظر «التقرير والتحبير» لابن الموقِّت الحنفي (٣/ ١٠٥ - ١٠٦)، و«النكت على ابن الصلاح» للزركشي (١/ ٢٨٠ - ٢٨١)، و«فتح المغيث» للسخاوي (١/ ٧٢).\n(^٢) «قواطع الأدلة في الأصول» (١/ ٣٣٣).\n(^٣) انظر «التقرير والتحبير» لابن الموقِّت الحنفي (٣/ ١٠٥ - ١٠٦)، و«النكت على ابن الصلاح» للزركشي (١/ ٢٨٠ - ٢٨١)، و«فتح المغيث» للسخاوي (١/ ٧٢).\n(^٤) «قوادح الاستدلال بالإجماع» لسعد الشثري (ص/٣٣١).","vol":"1","page":526},{"text":"مِن أهل العلمِ فيما هو مِن عظائم الأمور ومُهمَّاتها، كما الشَّأن في أقوالِ النَّبي ﷺ وسيرتِه؟!\nفلو افترضنا أحدَ المُحدِّثين المُعتبَرين خالَف في صِحَّةِ شيءٍ مِمَّا في «الصِّحيحين»، وكان إنكارُه له حَقًّا، فإنَّه لا بُدَّ أن يبلُغ إنكارُه، تمامًا كما بلغتنا تَعقُّبات الدَّارقطنيِّ والغسانيِّ وغيرهم مِن الحفَّاظِ عليهما -مع تباعُدِ أصقاعِهم- فأخَذْنا منها وتَرَكنا.\nفأمَّا أن يخالِف أحدٌ مِن مثل هؤلاء الأعلام في هذا القبول للصَّحيحين، ولا يُنقل إلينا البتَّة كما احتمَله الصَّنعانيُّ: فلم يَلتفت إلى مثلِ هذا الاحتمال أحدٌ من المحقِّقين، إذ كان خلافَ الظَّاهر عند الأصوليِّين، فلا يُؤثِّر في دعوى الاتِّفاق (^١).\nالجِهة الثَّانية: الاستشهادُ بِما لا يُطابق دعوى الاعتراض.\nاستشهد الصَّنعانيُّ على إضعافِ حكايةِ التَّلقي للصَّحيحين بالقَبول بمُجمل قولِ أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ): «مَن ادَّعى الإجماع فقد كَذب، لعلَّ النَّاس قد اختلفوا» (^٢).\nوهذا استشهادٌ بِما لا يُطابق دعوى اعتراضِه، فإنَّ مَن يطالع كُتبَ الأصوليِّين مِن الحنابلةِ أنفسِهم، يجدهم يحملونَ قولَ إمامِهم على حالاتٍ خاصَّةٍ، وهُم أعلمُ النَّاس حتمًا بمقصودِ مقالاتِه، دون ما قد يُفهم من إطلاق عبارته.\nفهذا أبو يعلى الفرَّاء (ت ٤٥٨ هـ) عمدة الحنابلة في مذهبهم، يقول في توجيه كلامِ أحمد: «ظاهرُ هذا الكلامِ أنَّه قد منَعَ صحَّةَ الإِجماع، وليس ذلك على ظاهرِه، وإنَّما قال هذا على طريقِ الوَرع، نحو أن يكون هناك خلافٌ لم يبلغه،\n_________\n(^١) انظر «شرح الكوكب المنير» (٢/ ٢٥٥)، ولو التُفت إلى مثل هذا الاحتمال لم يصحَّ أن يُستدلَّ بإجماعٍ أبدًا، لأنَّه ما من إجماعٍ إلَّا ويتطرَّق إليه مثل هذا الاحتمال.\n(^٢) «مسائل الإمام أحمد بن حنبل» برواية ابنه عبد الله (ص/٤٣٩).","vol":"1","page":527},{"text":"أو قال هذا في حقِّ مَن ليس له معرفةٌ بخلافِ السَّلفِ؛ لأنَّه قد أطلقَ القولَ بصحَّةِ الإِجماع في رواية عبد الله وأبي الحارث» (^١).\nويَنحو ابن تيميَّة منحىً آخر في توجيهِ كلامِ الإمام، حيث جعلَ مُرادَه الأمورَ الخفيَّةِ دون الجليَّة الشَّائعة (^٢)؛ وعلى هذا التَّوجيه يكون موضوع «الصَّحيحين» خارجًا من مرام كلامه، كونهما من الأمور الشَّائعة في الأمَّة بلا مواربة.\nفأمَّا ابن القيِّم (ت ٧٥١ هـ)، ففضَّل تفسيرَ نصِّ إمامِه باستحضار السِّياقِ الَّذي وَرَد فيه، فارتأى كونَه صدر منه ردَّةَ فعلٍ مبالغةً لِما قد بُلي به أحمد وشيخُه الشَّافعي (^٣) وغيرهما مِن طوائف أهلِ الأهواءِ وقتهم في طعنهم بالسُّنَنِ، بدعوى عدمِ مَعرفتِها بمَن ذَهَب إليها (^٤)؛ فسمُّوا عدمَ علمِهم هذا إجماعًا! واستشهد على هذا التَّوجيه بقولِ أحمد في ختمِ عبارتِه: «.. هذه دعوى بِشر المرِّيسي والأصمِّ» (^٥).\nوالمقصود بيانُ ضعفِ استدلال الصَّنعاني بكلام أحمد، وعدمِ انطباقِه على دعواه بالتَّمام.\nوزُبدة القولِ:\nأنَّ تلقِّي جملةَ ما في «الصَّحيحين» بالقَبول عند علماء الحديث ممَّا لا يُمكن جحودُه عند المُنصفين، ولا يُتصَوَّر في أصلِه أيُّ خلاف؛ والصَّنعاني نفسُه لم يُصرِّح بالمخالف في ذلك! ولو حدَث خلافٌ بين العلماءِ المُعتَبرين فيه، وكان له وجه من النَّظر، لاعتُبر ذكرُه، واشتُغل بجوابِه؛ فنحن نعلمُ تحقُّق الإجماعِ على صحَّةِ جمهورِ أحاديثِهما بهذا الاعتبار.\n_________\n(^١) «العُدة» لأبي يعلي الفراء (٤/ ١٠٦٠).\n(^٢) «نقد مراتب الإجماع» (ص/٣٠٢).\n(^٣) انظر كتابه «جماع العلم» (ص/٢٩).\n(^٤) يقول ابن تيمية: «فقهاء المتكلمين كالمريسي والأصم يدَّعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما، ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين»، انظر «المسودة في أصول الفقه» (ص/٣١٦).\n(^٥) «مختصر الصواعق المرسلة» (ص/٦١٢).","vol":"1","page":528},{"text":"لكن يُتنبَّه هنا:\nإلى أنَّ الحكمَ بنفسِ هذه الدَّرجةِ مِن القطعِ لكلِّ حديثٍ من «الصَّحيحين» على حِدة أمرٌ ظنيٌّ بالنِّسبة لنا، لعلمنا أنه ليس حاصلًا في كلِّ فردٍ من أحاديثهما، فلا نقطع بنفس الدَّرجة لكلِّ حديث منهما بعينه إلَّا ما علِمنا منه ذلك بمُوجباته، وهو الأصل الغالب في أحاديث الكتابين، وهذا لا يتمُّ إلَّا بعد عمليَّة بحثٍ واستقراءٍ لأقوالِ المُتقدِّمين والمتأخِّرين في هذا الحديثِ الفردِ بعينِه.\nالفرع الثَّاني: الاعتراض بالاستفسارِ على التَّلقي.\nوهو أنَّ ابن الصَّلاح حين لم يحدِّد في عبارتِه مُرادَه مِن لفظ (الأُمَّة) نصًّا، راح بعض المُعترضين علىه يُفرِزون ما تحتمِله هذه اللَّفظة مِن معانٍ، فكرُّوا على كلٍّ منها بالتَّعقُّب، ليردُّوا ما تحصَّل لدى ابن الصَّلاح مِن نتيجة حُكميَّة عن طريقِ توهينِ مقدِّماتِ تلك النَّتيجة.\nوهذا المسلك مِن مَسالك الاعتراضِ يُسمَّى في علم الجَدل بـ: «الاستفسارِ على الإجماع» (^١)، وصورتُه: أنْ يأتي المُستدلُّ في دليلِه الإجماعيِّ بلفظةٍ غريبةٍ أو مُجملةٍ لا يَفهمها المُعترض، فيعترض على الإجماعِ بعدم وضوحِ بعضِ ألفاظِه، ويطلب تفسيرَها وتميِيزَها.\nفكان أن استُعمل هذا الاعتراضُ مِن بعضِ المُعترضين لاستشكال المُرادِ مِن لفظِ (الأمَّة) في عبارة ابن الصَّلاح، ليتوصَّل بذلك إلى نفيِ دخولِ الأمَّة أجمعِها في دائرةِ التَّلقي المُدَّعى.\nترى مثال هذا الاعتراض بالاستفسار في قول ابنِ المُلقِّن (ت ٨٠٤ هـ): «إن\n_________\n(^١) وجمهور أهل الاصطلاح في فنِّ الجَدل يعدُّون الاستفسار من الاعتراضات الصحيحة، بل هو مُقدَّمها، وأُلحِقت بالقوادح في الاستدلال تجوُّزًا لأنها مقدِّمة ومُكمِّلة لها، لأنَّ المرء إذا لم يفهم المعنى، فلا معنى بعد ذلك لإيراد غيره من الاعتراضات، انظر «شرح الكوكب المنير» (٤/ ٢٣١)، و«قوادح الاستدلال بالإجماع» (ص/٧٣).","vol":"1","page":529},{"text":"أرادَ -يعني ابنَ الصَّلاح- كلَّ الأمَّة: فهو أمرٌ لا يخفى فَسادُه؛ وإن أرادَ الأمَّة الَّذين وُجِدوا بعد وضعِ الكتابين: فهُم بعضُ الأمَّة لا كلُّها» (^١).\nواستُعمل هذا النَّوع مِن الاعتراض الجَدليِّ أيضًا لنفي دخولِ كلِّ المُجتهدين في لفظِ (الأمَّة)، كما تراه في دعوى الصَّنعانيِّ حين قال: «الَّذي يَغلب به الظَّن، أنَّ مِن العلماء المجتهدين مَن لا يَعرف الصَّحيحين، إذ معرفتهما بخصوصِهما ليست شرطًا في الاجتهاد» (^٢).\nوقال: «.. بل صرَّح إمام الشَّافعية الغزاليُّ، أنَّه يكفي فيه -يعني في شرط الاجتهادِ- سُنَن أبي داود، وصَرَّح السَّيد محمَّد -يعني ابنَ الوزير- في كتابِه القواعد، أنَّه يكفي فيه التَّلخيص الحبير» (^٣).\nومِمَّا يَتَحقَّق به هذا المسلك في الاعتراضِ أيضًا: استفسارُ صاحبِ الدَّعوى عَمَّن وَقَع له التَّلقي، كما فعل الصَّنعانيُّ حيث قال: «هل هو لكلِّ فردٍ فردٍ مِن أحاديثهِما؟ فإن كان هو المُراد، فلا يتمُّ فيه الدَّعوى» (^٤).\nوالجواب على هذه الاستفسارات المُشكلة كلِّها من عدَّة وجوه:\nالوجه الأوَّل:\nأنَّ هذا المَسلك في الاعتراضِ إنَّما يصحُّ بالاستفسارِ في حالةِ إجمالِ لفظِ المُستدِّل بالإجماعِ حيث يدلُّ ظاهره على عدَّةِ احتمالات مُتساوية (^٥)؛ لكن لفظُ ابن الصَّلاح ظاهرٌ في قصدِه بعضَ الأُمَّة لا كلِّها، وهم المُختصُّون بالحديث وصنعتِه، وأنَّ سائر الأمَّة تبعٌ لهذا البعض.\n_________\n(^١) «المقنع في علوم الحديث» لابن الملقن (١/ ٧٧).\n(^٢) «ثمرات النظر» للصنعاني (ص/١٣٢).\n(^٣) «إسبال المطر على قصب السكر» (ص/٢١٦).\n(^٤) «توضيح الأفكار» (١/ ١١٦).\n(^٥) «التقرير والتحبير» (٣/ ٢٤٩).","vol":"1","page":530},{"text":"وما ذكره ابن الملقِّن من احتمالِ إرادة ابن الصَّلاح كلَّ الأمَّة، أي مُنذ عهد الصِّديق ﵁ إلى ساعة كتابتِه لعبارتِه في مُبيضَّة كتابِه كما يُفهم هذا مِن كلامه لزامًا: ففَرْضٌ مُستبعدٌ أن يخطر ببالِ مُحدِّثٍ مُدقِّقٍ كابن الصَّلاح؛ فأيُّ دخلٍ لأمَّةٍ قد خَلت في مُصنَّفين حادِثين في القرن الثَّالث؟! اللَّهم إلَّا إن كان المقصود بالكُليَّةِ في عبارة ابن الصَّلاح الكُليَّةَ النِسبيَّة، أي الأمَّةَ الَّذين عايشوا زمنَ هذه الدَّعوى ومَن بعدهم، لا مَن قبلهم (^١).\nوالَّذي يُعلم مِن حالِ ابن الصَّلاح براءتُه من هذا القصدِ، وأنَّ مَرامَه ممَّا سطَّره في هذه المسألة بعضُ الأمَّة لا كلُّها، والَّذين هم تحديدًا مِن بعدِ تأليفِ «الصَّحيحين»، بقَرينةِ إخراجِه مِن حكاية الاتِّفاقِ على صحَّة أحاديث «الصَّحيحين» الأئمَّةَ الَّذين ضَعَّفوا منها شيئًا مِمَّن جاؤوا قبل الشَّيخينِ، فلم يُمثِّل بأحدٍ منهم، بل مثَّل بمَن كان زمَنهم أو بعدهم، كالدَّارقطني، وأبي مسعودٍ الدِّمشقي، وابن مَنده، وأبي بكر الإسماعيليِّ، والغسَّاني، وغيرهم مِن جهابذة المُحدَّثين، وهؤلاء في الطَّبقاتِ الأولى الَّتي تلي الشَّيخين بخاصَّة (^٢).\nوهؤلاء قد مضى الأمرُ عندهم في تلكُم الطَّبقاتِ المتلاحقة على تبجيل الكِتابين، والتَّسليم لهما بِأصحِّيةِ ما فيهما إلَّا ما نبَّهوا على علَّة فيه، إلى أن استقرَّ الحالُ عند أهل الدَّرايةِ بالحديثِ - كابن الصَّلاح ومَن جاء بعده - على أنَّ عامَّةَ ما فيهما قد تَلقَّتهما العلماء بالقَبول، وأنَّه مَذهب أهلِ الحديث؛ وأهل الفنِّ إذا اجتمعوا على أمرٍ يخصُّهم، فهم بلا ريبٍ حُجَّة عند اتِّفاقهم، ولا يضرُّهم سبقُ الخلافِ مِن بعض المتقدِّمين قبلَهم على ما اتَّفقوا هُم على صحَّتِه (^٣)، إذْ الصَّحيح من جهة الأصول أنَّ الإجماعَ قبل استقرارِ الخلافِ، يُزيل حكمَ الخلافِ (^٤).\n_________\n(^١) «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٤٢٩).\n(^٢) انظر «توضيح الأفكار» للصنعاني (١/ ١١٩).\n(^٣) انظر «توجيه النظر» (ص/٣٢١).\n(^٤) انظر «فصول البدائع» لشمس الدين الرومي (٢/ ٣٠٧) و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٥٠٤ - ٥٠٦)، ونقل أبو الخطاب في «التمهيد» (٣/ ٢٩٧) أنه قول الجمهور من الأصوليين.","vol":"1","page":531},{"text":"الوجه الثَّاني:\nيظهر جَليًّا مِن عبارةِ الصَّنعاني توسيعُه دائرةَ المجتهدين المَعْنيِّين بالحكمِ على الحديث، لتشملَ عنده غيرَ أربابِ الفنِّ، والقرينة على قصدِه ذلك: استشهادُه على نَفيِ الاتِفاق على «الصَّحيحين» بكِتابين قد اختُصَّا بأحاديثِ الأحكامِ «سُنن أبي داود» و«التَّلخيص الحَبير»، وهذان إن كَفَيا، فيكفيان المُجتهدَ في الفقهيَّات، فألحقَ الفقيهَ بزُمرة من عُنوا بالإجماع وهم المُحدِّثون.\nبل نراه يُوسِّع رُقعة الاجتهاد في أحاديث السُّنة، لتشمل أرباب المقالات البِدعيَّة، بدعوى دخولِهم في مُسمَّى الأمَّةَ (^١)! وكأنَّه يَرمي إلى ضرورة اعتبارِ خِلاف طائفتِه الزَّيديَّة في أحاديث الأصولِ مِن «الصَّحيحين» (^٢)! حتَّى عابَ لأجلِهم قولَ ابن الصَّلاح: «إنَّ الأمَّة تلَّقت ذلك بالقبول، سِوى مَن لا يُعتَدُّ بخلافِه ووِفاقِه» (^٣).\nفاعترضَ الصَّنعاني عليه بما يراه إلزامًا له بعدمِ تمامِ دعواه، بقوله: «.. ولا يخفى أن مُسمَّى الأمَّة، ودليل العصمة، شاملٌ لكلِّ مجتهدٍ، والقولُ بأنَّه لا يُعتَدُّ بمُجتهدٍ، وإخراجه عن مُسمَّى الأمَّة، لا يقبله ذو تحقيق، وإلَّا لادَّعى مَن شاء ما شاء بغير دليلٍ» (^٤).\nولقد وجدنا كَدَر هذه الشُّبهة لائحًا في كتابات بعض المُعاصِرين، كما عند (الكُرديِّ) في قولِه: «دعوى الإجماع باطلةٌ، إذْ الأمَّة المحمديَّة بمختلفِ مَذاهبها الفقهيَّة، ومَدارسها الكلاميَّة لم تُجمع على ذلك، فالمعتزلة والشِّيعة، لا يرون صِحَّة ما في الصَّحيحين، بل أعلُّوها، وقالوا بأنَّ مُعظمَها مختلَق» (^٥).\n_________\n(^١) وبهذه الحجة نفسها ردَّ بعض المعاصرين دعوى إجماع الأمة على تلقي الكتابين بالقبول، كإسماعيل الكردي في كتابه «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٣٣).\n(^٢) مع أنَّ أئمة الزَّيديَّة أنفسهم من جملة من تلقّى أحاديثهما بالقبول، كما صرَّح به ابن الوزير في «الروض الباسم» (١/ ١٧٤).\n(^٣) «صيانة صحيح مسلم» لابن الصلَّاح (ص/٨٥).\n(^٤) «توضيح الأفكار» للصَّنعاني (١/ ١١٦).\n(^٥) في كتابه «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٣٣).","vol":"1","page":532},{"text":"قلت: إن كان هؤلاءِ الَّذين وصَمَهم الصَّنعانيُّ بالاجتهادِ ليسوا مِن أهلِ التَّخصُّص الحديثيِّ، فلا دخل لانتسابهم للأمَّة في ما لا علم لهم به، فإنَّ العلماء «متَّفقون على الرُّجوعِ في كلِّ فنٍّ إلى أهلِه» (^١).\nولا ريب أنَّ عامَّةَ الفِرق المُجافية لمنهج أهل السُّنة والجماعة على جهلٍ مُدقعٍ بالصِّناعة الحديثيَّة ومَعرفةِ السُّنَن، إلَّا من سَلَك مسلَك أهل الحديثِ في منهج النَّقد، فهؤلاء بمثابةِ «مَن عرفَ مِن العِلم ما لا أثرَ له في معرفةِ الحُكم، كأهلِ الكلام، واللُّغةِ، والنَّحو، ودقائقِ الحساب؛ فهو كالعاميِّ لا يُعتَدُّ بخلافِه، فإنَّ كلَّ أحدٍ عاميٌّ بالنِّسبةِ إلى ما لم يُحصِّلْ علمَه، وإن حصَّلَ عِلمًا سِواه» (^٢).\nفكان الفَرضُ إذن في ما نحن بصَدَدِه أن يُسلِّم العاميُّ -من أيِّ طائفةٍ كان، ولو كان فقيهًا بالحلالِ والحرام- أن يُسلِّم بقواعدِ نَقد الحديثِ للعالمِ بها (^٣).\n_________\n(^١) «فتح المغيث» للسَّخاوي (ص/٦٨).\n(^٢) «أصول السرخسي» (١/ ٣١٢) بتصرف يسير، وانظر «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (٢/ ١٨٠).\n(^٣) حين لم تنضبط هذه المسألة في ذهن الصنعاني، امتدح قول ابن تيمية: «ولهذا كان أكثر متون الصَّحيحين مما يُعلم علماء الحديث علما قطعيًّا أن النَّبي ﷺ قاله»، ظنًّا أن كلام ابن تيميَّة هذا خلاف ما ادَّعاه ابن الصلاح من إجماع من الأمَّة، بينما حصره ابن تيميَّة في نظر الصَّنعانيِّ في علماء الحديث فقط! كما تراه له في «توضيح الأفكار» (١/ ١١٦ - ١١٧).\nلكن فاتَ الصَّنعانيَّ نصوصٌ أخرى لابن تيمية، يؤكِّد فيها بأن الأمَّة تَبع لأهل الحديث هؤلاء في تصديقهم، وأنه موافق لكلام ابن الصلاح كما سيأتي.\nوقد تفرَّع عن هذا الاعتقادِ الخاطئ نفسِه، غلطُ ما قرَّره رشيد رضا -ومن قبله شيخه محمَّد عبده- أنَّ الحديث الصَّحيح يكون حجَّة عند مَن أيقن أنَّ رسول الله ﷺ قاله، أمَّا مَن لم يَقع عنده العلم بذلك، فهذا لا يَلزمه الإيمان بما جاء به ذلك الخبر، فضلًا عن أن يلزمه العمل بما دلَّ عليه، كما تراه في «مجلة المنار» (١/ ١١٦) (٢/ ٥٤٥) (٧/ ٣٨٨).\nوالشَّيخ رشيد بهذا قد وسَّع محجورًا، بفسحِه الكلام في الحديث للعامَّة، وليس كل مسلم يقعد عن الإيمان بدلالة الحديث، لمجرَّد شُبهةٍ لاحت له، كأن يظن عدم ثبوته، ولو جُعلت السُّنة عرضةً لآراء العامَّة، لمَا بقي لها أساس تقوم به، ولا فرع تمتدُّ إليه؛ وانظر «موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي» لعبد الله شقير (ص/٢٦٦).","vol":"1","page":533},{"text":"وأهلُ الكلامِ -في الجملة- مِن هذا الصِّنف المُهمَل قولُهم في هذا الفنِّ، إذ لم يَستوفوا شروطَ الاجتهاد فيه؛ فإن وُجِد منهم مَن شَغَله علمُ الأصول وبرَّز فيه، فشأنُ الأصوليِّ الصِّرفِ البحثُ في مَراتب ثبوت النُّصوص مِن جِهة التَّأصيل، أمَّا أن يحكم بمرتبة مِن تلك المراتب وصفًا لحديثٍ بعَينِه، فهذا لا يكون إلَّا للعَالِم بالحديثِ (^١)؛ نظيرَ قولِهم «أنَّ تحقيقَ المَناطِ مِن صناعةِ الفقيه المُجتهد، لا مِن تحقيقِ مَسائلِ الأصولِ في ذاتِها» (^٢).\nوفي تقرير هذا الوجه من الجواب، يقول أَبوالمظَفَّرِ السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ):\n«اتَّفَقَ أهلُ الحديثِ أنَّ نقدَ الأَحاديثِ مَقْصورٌ على قومٍ مخصوصين، فما قبِلوه فهو المَقبول، وما رَدُّوه فهو المردود؛ وهم: أَبو عبد الله أحمد بن حنبل الشَّيباني، وأَبو زكريَّا يحي بن مَعين البغدادي، وأبو الحسن علي بن عبد الله المديني، وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي .. وجَماعةٌ يكثُر عدَدُهم ذَكَرَهم عُلماءُ الأُمَّةِ.\nفهؤلاء وأَشْباههم أهل نَقدِ الأحاديث وصيارفَةُ الرِّجالِ، وهم المَرجوعُ إليهم في هذا الفنِّ، وإليهم انتهَتْ رِئاسةُ العِلمِ في هذا النَّوعِ؛ فَرَحِمَ الله امرءًا عَرَف قَدْرَ نَفْسِهِ، وقدرَ بضاعته مِن العلم، فيطلبَ الرِّبحَ على قَدْره» (^٣).\n_________\n(^١) فلا يدخلون في الخلاف الحاصل بين الأصوليِّين في اعتبار عدالة المُجمِعين من عدِمها -والابتداعُ فرع عن هذه المسألة- لأنَّ الَّذين اعتبروا قولَ غير العدول في الإجماعِ، اشترطوا بلوغهم درجة الاجتهاد في العلم المُتكلَّم فيه، وقلَّ أن يوجد في أهل الكلام من يفهم الحديث على طريقته.\nانظر «الموافقات» للشاطبي (٥/ ٢٢١ - ٢٢٢)، و«المهذب في علم أصول الفقه المقارن» لـ د. النملة (٢/ ٨٧٤).\n(^٢) من تعليق محمد عبد الله الدرَّاز على «الموافقات» للشاطبي (١/ ٢٧ - حاشية ٢).\n(^٣) «قواطع الأدلَّة» للسَّمعاني (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n\nوأبو المظفَّر السَّمعاني: هو منصور بن أحمد بن محمد بن عبد الجبار التَّيمي المروزي، مُفتي خُراسان وشيخ الشَّافعيَّة، من المنتصرين للسُّنَّة، مِن تصانيفه: «البرهان»، و«الأمالي» في الحديث، انظر «أعلام النبلاء» (١٩/ ١١٤).","vol":"1","page":534},{"text":"وأرباب الكلامِ وإن كانوا ذوي حِجاج في نُصرةِ أصول الدِّين، فقد ضَعُفت قلوب كثيرٍ منهم -وبخاصَّة المتأخرُّون- عن تقبُّلِ كثيرٍ مِن الصِّحاح، جرَّاء إقبالِهم على نحاتةِ الأفكار الفلسفيَّة، حتَّى فقدَ أكثرُهم المِعياريَّة العلميَّة الصَّحيحة في نقدِ الأخبار، حتَّى إذا أُورِد على بعضِ أصولِهم حديثٌ صحيحٌ عند المُحدِّثين، أوَّلوه إن وَجدوا تأويلَه قريبَ المَأخذ، وإلَّا رَدُّوه (^١).\nفكانوا في جملتهم غايةً في ضعفِ المعرفةِ بالأحاديث، لا يحصل لهم العلمُ بمَخبرِها بسبب ذلك، «وتجدُ أفضلَهم لا يعتقدُ أنَّه رُوِي في البابِ الَّذي يتكلَّم فيه عن النَّبي ﷺ شيءٌ، أو يظنُّ المَرويَّ فيه حديثًا أو حديثين، كما تجده لأكابرِ شيوخِ المُعتزلة، مثل أبي الحسين البصري، يعتقد أنَّه ليس في الرُّؤيةِ إلَّا حديثًا واحدًا! وهو حديث جرير ﵁، ولا يعلم أنَّ فيها ما شاء الله مِن الأحاديث الثَّابتة المتلقَّاة بالقبول» (^٢).\nفإنكارُ مثلِ هؤلاءِ لِما عَلِمه وقَطَع به أئمَّة الحديث، أقبحُ من إنكارِ ما هو مَشهور من مذاهبِ الأئمَّة الأربعة عند أتباعهم (^٣).\nوحاصل القولِ في هذا الوجه: أن لا اعتداد على صدقِ حديثٍ وعدم صدقِه إلَّا بأهلِ العلم بطُرق ذلك، وهم علماء الحديثِ، العالمِون بأحوال رسول الله ﷺ، الضَّابطون لأقواله وأفعاله، العالمون بأحوالِ حَملة الأخبار، فإَّن علمَهم بحال المُخبِر والمخبَر عنه، ممَّا يعلمون به صدقَ الأخبار، وسائر النَّاس تَبَع لهم في معرفة الحديثِ.\nالوجه الثَّالث:\nأنَّ سؤال الصَّنعاني عن هذا التَّلقِّي لِما في «الصَّحيحين»، هل هو لكلِّ فردٍ من أحاديثهما؟ جوابه أن يُقال:\n_________\n(^١) انظر «توجيه النظر» (١/ ٣١٨).\n(^٢) «جواب الاعتراضات المصرية» (ص/٣٧).\n(^٣) انظر «مختصر الصواعق المرسلة» لابن القيم (ص/٥٤٩)، و«نخبة الفكر» لابن حجر (ص/٥٥).","vol":"1","page":535},{"text":"إنَّ التَّلقي للكتابين بالقَبول إنَّما هو لما تضمَّناه من أخبار مُسندةٍ مرفوعة في الجملة، لا لكلِّ حرفٍ أو لفظٍ فيهما على حِدة، فهذا ليس إلَّا للقرآنِ الكريم، فهو الَّذي قبوله فرضٌ على الأعيانِ بحروفِه وألفاظِه؛ وجميعُ أهلِ العلمِ بالحديثِ، إنَّما يجزمون بصحَّةِ جمهورِ أحاديثِ الكِتابين، لا بكلِّ حرفٍ فيهما.\nفالصَّواب أن نقول: إنَّ (جمهورَ) متونِ «الصَّحيحين» مَعلومةُ الصِّحة مُتقنة، تلقَّاها أهل العلم بالحديثِ بالقَبول والتَّصديق، وأجمعوا على صِحَّتها، وأنَّ فيهما ما هو مَعلول الإسناد والمتنِ معًا، لكنَّه قليلٌ جدًّا، وهذا ما ذكره أبو عمرو ابن الصلَّاح ومَن قبله، كالحافظِ أبي طاهر السِّلفي وغيره (^١).\nوبهذا نعلمُ أنَّ ما وَرَد عن بعض العلماءِ مِن تعميمِ هذا الاتِّفاقَ على كلِّ حديثٍ فيهما، كما تراه في دعوى الدِّهلوي (ت ١١٧٦ هـ): «الصَّحيحان قد اتَّفقَ المُحدِّثون على أنَّ جميعَ ما فيهما مِن المتَّصلِ المَرفوعِ صحيحٌ بالقطعِ» (^٢)؛ وكذا قولِ أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ): «أحاديث الصَّحيحين صحيحةٌ كلُّها، ليس في واحدٍ منها مَطعنٌ أو ضعفٌ» (^٣)؛ فضلًا عمَّا تَقدَّم مِن عبارةِ الإسفرايِيني في زعمه صحَّة كلِّ ما اشتَمَل عليه الكِتابين: فهذا منهم نوعُ تساهلٌ، مُؤدَّاه الغَلط وعدم الدِّقة في العبارة؛ والأوْلى أن يُستثنى مِن جملة الاتِّفاق ما قدَّمنا شرحَه آنفًا.\nوهذه الدِّقة في الاحتراز هي ما تراه في مثلِ قولِ السَّخاوي: «إنَّ الَّذي أوردَه البخاريُّ ومسلم، مُجتَمعين ومُنفَرِدين، بإسناديهما المُتَّصِل، دون ما سيأتي استثناؤُه مِن المُنتَقد والتَّعاليقِ وشِبههما: مَقطوع بصِحَّتِه» (^٤).\nوختامًا؛ نستطيع بعد ما مضى في هذا المَطلب كلِّه أن نسوغ جُملًا مُختصرةً تَلُمُّ شعثَ ما تَقدَّم مِن الأدلَّة، في ما يَتعلَّق بالموقفِ العلميِّ مِن دعوى الإجماعِ على «الصَّحيحين»: في كونِ الإجماعِ على صحَّةِ جمهورِ أحاديثِ «الصَّحيحين»\n_________\n(^١) «جواب الاعتراضات المصرية» (ص/٤٦).\n(^٢) «حجة الله البالغة» (١/ ٢٣٢).\n(^٣) تعليقه على «اختصار علوم الحديث» لابن كثير (١/ ١٢٤).\n(^٤) «فتح المغيث» (١/ ٧٢).","vol":"1","page":536},{"text":"أمرٌ مقطوع به، لِلعلم بانتفاءِ المخالفِ المُؤهَّل في ذلك، وأنَّهما أصَحُّ دواوينِ السُّنةِ على الإطلاق؛ لكن لا نقطع بنفس الدَّرجة لكلِّ حديث منهما بعينه، إلَّا ما علِمنا له ذلك بمُوجباته، بعد عمليَّة بحثٍ واستقراءٍ لأقوالِ المُتقدِّمين في هذا الحديثِ الفردِ بعينِه؛ والله أعلم.","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المطلب الثَّاني\nالاعتراضُ على الاحتجاجِ بالتَّلقِّي مِن جِهة وجهِ الاستدلال والجواب عن ذلك</span>\nالفرع الأوَّل: الاعتراض بالمشاركة في الاستدلال بالتَّلقي.\nوالمَقصود بهذا النَّوع مِن الاعتراض: إتيانُ المُعترضِ بوجهٍ للاستدلالِ مِن دليل الإجماعِ، يُخالف ما ذَهَب إليه المُستدِلُّ به، وهو بهذا الاعتبار، إنَّما يكون بعد التَّسليمِ بسلامةِ التَّلقي أو الإجماعِ وحُجِّيَته (^١).\nوهذا عين ما سَلَكه النَّوويُّ ومَن تبعه على ما قرَّره ابن الصَّلاح في حقِّ أحاديث «الصَّحيحين» مِن نتيجتِه الحُكميَّة، حيث رأوا أنَّ اتِّفاقَ العلماءِ إنَّما أوجبَ العَملَ بأحاديثهما، لا القطعَ بنسبتِها في نفسِ الأمر كما قولُ ابن الصَّلاح.\nفدعوى النَّووي تتَلخَّص في أنَّ تصحيحَ المُحدِّثين للخبرِ المستجمعِ لشروطِ الصِّحة يَجري على حُكمِ الظَّاهرِ لا الباطنِ، وأنَّ غايةَ ما في الحكمِ الظَّاهرِ أن يُفيد الظَّن الرَّاجح، فلا وجهَ عندهم للقطعِ والحالةُ هذه.\nومَنشأ الغَلط في هذا الاعتراضِ كامنٌ في فهمِ ما يَقصده المُحدِّثون بتعبيرِهم: (إنَّ هذا الحديث تَلقَّته الأمَّة بالقَبول)، حيث ظنَّ النَّووي ومَن معه أنَّ\n_________\n(^١) انظر «قوادح الاستدلال بالإجماع» (ص/٤١٣)، و«المهذب في علم أصول الفقه المقارن» (٥/ ٢٢٩٦).","vol":"1","page":538},{"text":"مُستنَد ابن الصَّلاح في جزمِه بالصحَّة هو النَّظر إلى مجرَّد اتِّفاقِ العلماء على العملِ بمتونِ تلك الأحاديثِ وتصحيحِهم لأسانيدِها؛ وهذا ما يُفسِّر لنا لِمَ شنَّع العزُّ بن عبد السَّلام (ت ٦٦٠ هـ) على ابن الصَّلاح قولَه في إفادة أحاديث الصَّحيحين للعلم، وتشبيهه بقول بعضِ المعتزلة الَّذين يَرون أنَّ الأمَّة إذا عمِلت بحديثٍ، اقتضى ذلك القطعَ بصِحَّته (^١)، قال: «وهو مَذهبٌ رَديءٌ» (^٢)!\nفعلى أساس هذا التَّصوُّر بنى النَّوويُّ ردَّه على مذهبِ جمهور أهل الحديثِ، مُستشهدًا بموقف ابنِ برهانَ البغداديِّ (ت ٥١٨ هـ) (^٣) مِن أصلِ مَقولتِه (^٤): أنَّ الصَّحيحَ ما ذهب إليه المُحقِّقون والأكثرون -على حَدِّ عِبارتِه- مِن انتفاءِ «الفرقِ بين البخاريِّ ومسلم وبين غيرهِما في ذلك، فإنَّ أخبارَ الآحاد الَّتي في غيرهما، يجبُ العمل بها إذا صَحَّت أسانيدها، ولا تُفيد إلَّا الظَّن، فكذا الصَّحيحان» (^٥).\nومِن ثمَّ لم يكُن للكِتابين مَزيَّة عند النَّووي وابنِ برهان غير الجزم بالصِّحة الإسناديَّة واستوجابِ العمل، وبهذا افترقا عن باقي كُتبِ الحديثِ، أي «في كونِ ما فيهما صحيحًا لا يُحتاج إلى النَّظرِ فيه، بل يجب العملُ به مُطلقًا، وما كان في غيرهِم لا يُعمَل به، حتَّى يُنظر وتوجد فيه شروط الصَّحيح؛ ولا يَلزم مِن إجماع الأمَّة على العملِ بما فيهما، إجماعُهم على أنَّه مَقطوع بأنَّه كلام النَّبي ﷺ» (^٦).\nومِمَّن سلك هذا المسلكَ أيضًا في الاعتراضِ على هذه الجِهة من الاستدلال: بعضُ المُتفقِّهة مِمَّن قَفَى قولًا غريبًا حمَّل فيه كلامَ ابنَ الصَّلاحِ ما\n_________\n(^١) انظر «المعتمد» لأبي الحسين البصري المعتزلي (٢/ ٨٤).\n(^٢) «التقييد والإيضاح» للعراقي (ص/٤١).\n(^٣) أحمد بن علي بن برهان أبو الفتح: فقيه بغدادي شافعيٌّ، غلب عليه علم الأصول، كان يضرب به المثل في حل الإشكال، من تصانيفه (البسيط) و(الوسيط) و(الوجيز) في الفقه، و(الوصول إلى الأصول)، انظر «أعلام النبلاء» (١٩/ ٤٥٦).\n(^٤) «الوصول إلى الأصول» لابن برهان البغدادي (٢/ ١٧٤).\n(^٥) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٢٠) بتصرف يسير.\n(^٦) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٢٠).","vol":"1","page":539},{"text":"لا يحتملُ، حيث ادَّعَى أبو الفضل الأدفويُّ (ت ٧٤٨ هـ) (^١) في كتابه «الإمتاع بأحكامِ السَّماع»، أنَّ ما احتجَّ به ابن الصَّلاح مِن تَلقِّي الأمَّةِ للصَّحيحين بالقَبول على القطعِ بما فيهما عند عدمِ المُعارض: أنَّ هذا لا يختصُّ بالصَّحيحين، فإنَّ الأمَّة تَلقَّت الكُتب الخمسةَ أو السِّتةَ أيضًا بالَقبول، وأنَّ جماعةً أطلقوا عليها اسمَ الصَّحيح أيضًا! (^٢)\nوالجواب على هذا النَّوع من الاعتراض من عدَّة وجوه:\nالوجه الأوَّل: إنَّ مجملَ ما ساقَه المُعترضون في الرَّد على أبي عمرو ابن الصَّلاح، راجعٌ إلى اعتقاد أنَّ الاتِّفاقِ على تلقِّي الأمَّة «الصَّحيحين» بالقَبول إنَّما هو اتِّفاق على العملِ بمتونِها فحسب، غير أنَّ النَّاظر في كلامِ مَن تَوَّلى حكايةَ هذا التَّلقي مِن الأئمَّة، يظهر له جليًّا تقصُّدهم لصحَّةَ النِّسبة وصِدقِها لا مُجرَّد العَمل.\nشاهد ذلك: ما نقلَه ابن الصَّلاح عن أبي نصر السِّجزي (ت ٤٤٤ هـ) وأبي المعالي الجُويني (ت ٤٧٨ هـ) مِن حُكمِهما بعدمِ حنثِ مَن حَلف بأنَّ ما حَكَمَ الشَّيخان بصحَّتِه هو مِن قولِ النَّبي ﷺ (^٣)، فهذا لا شكَّ منهما مُتِّجهٌ إلى تصديق نسبةِ الأخبارِ إلى النَّبي ﷺ لا مجرَّد العمل.\nثمَّ الأصلُ في حكمِ المُحدِّثين على حديثٍ ما أن يتعلَّق بصدقِ النِّسبةِ إلى\n_________\n(^١) جعفر بن ثعلب بن جعفر الأدفوي أبو الفضل: مؤرخ، له علم بالأدب والفقه والموسيقى، وُلد في أدفو بصعيد مصر، وتعلم بقوص والقاهرة، وتوفي بهذه بعد عودته من الحج، انظر «الأعلام» للزركلي (٢/ ١٢٢).\n(^٢) كتابه هذا لم يزل مخطوطًا إلى ساعة كتابتي لهذه الأحرف، وقد نقل عنه هذا النَّص علي الميلاني في كتابه «نفحات الأزهار في خلاصة عقبات الأنوار» (ج ٦/ ١٥٤).\nوقد أشار إليه وإلى كلامِه هذا الزَّركشي في «النُّكت على مقدمة ابن الصلاح» (١/ ٢٧٨) دون أن يُسمِّيه، والعجيب أنْ احتَمَله الصَّنعاني في ردِّه على ابن الصلاح! كما في «ثمرات النَّظر» (ص/١٣٣).\n\nثم نمى إلى علمي انكباب عدة محققين على إخراج هذا الكتاب للأدفوي! ثلاثة منهم سيخرجونه في معارض هذه السنة ٢٠٢٠ م، من خلال دار اللباب بتركيا، ودار الرسالة بالقاهرة، ومركز الأطرش بتونس.\n(^٣) «أنواع علوم الحديث» (ص/٢٦)، و«صيانة صحيح مسلم» لابن الصلاح (ص/٨٦).","vol":"1","page":540},{"text":"قائلها، وإلَّا فإنَّ علوم الحديثِ لم توضع إلَّا للفصلِ بين المَقبول والمَردودِ من الأخبارِ مِن جِهة التَّصديق أساسًا، فلا يُعدل عن هذا الأصل إلَاّ بدليل راجح.\nوبهذا يتبيَّن أنَّ جوابَ النَّووي على ابن الصَّلاح بأنَّه «لا يلزم مِن إجماعِ الأمَّةِ على العملِ بما فيهما، إجماعُهم على أنَّه مَقطوعٌ بأنَّه كلام النَّبي ﷺ» (^١): خارجٌ عن محلِّ النِّزاع والبحث، إذْ لم يجرِ ذكرُ العملِ في كلامِ ابن الصَّلاح أصلًا؛ فضلًا عن أن يكون في كلامِه نفحةُ اعتزالٍ كما زَعَم العِزُّ بن عبد السَّلام (^٢)؛ ولكنْ اتِّفاقُ العلماء على صحَّةِ ما في «الصَّحيحين» هو ما أفادَ العلمَ بما فيهما، لا الاتِّفاقَ على العمل كما تصوَّرَ النَّووي.\nومِن ثمَّ جَرى تَعقبُّ ابن حَجرٍ عليه مِن جهة نفيِ هذا التَّصوُّر، وإثباتِ أنَّ المتمثِّل في اتِّفاقهم على الصِّحة هو الأجدر بالتَّصوُّر، إذ هو الأصل في كلامِهم كما قرَّرناه (^٣)، فكان أن دعا مَن يقول بغير هذا إلى الاعترافِ بوجودِ مَزيَّةٍ للاتِّفاق على ما صَحَّ سنَدُه زائدةٍ على مَزيَّة العملِ لِما تُلقِّي وهو ضعيف السَّنَد (^٤) (^٥).\nقال: «.. أمَّا متى قلنا يوجب العمل فقط: لزمَ تساوي الضَّعيف والصَّحيح، فلا بدَّ للصَّحيح من مزيَّة» (^٦).\n_________\n(^١) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٢٠).\n(^٢) لأنَّه توهَّم أنَّ قولَ ابن الصَّلاح، يُشبه قولِ بعض المعتزلة الَّذين يَرون أنَّ الأمَّة إذا عمِلت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحَّته.\n(^٣) وقد نقلَ ما يؤيِّد هذا التَّقرير عن بعض علماءِ الأصولِ أنفسِهم، كالجُويني، وابن فورك، وعبد الوهَّاب المالكي، والبُلقيني، في آخرين من علماء المذاهب، انظر «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (١/ ١٣٨).\n(^٤) باعتبار أنَّ الحديث الضعيف في سنَدِه، إذا تلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العمل بمدلولِه، لا القول بتصحيحه، على قول الحافظِ وغيره من بعض أهل العلم، أما على قول من يُرقِّيه بهذا القبول إلى درجة الصِّحة، فلا إشكال معه أصلًا فيما يريد ابن حجر الإلزام به، وانظر أقوال العلماء في مسألة تلقي الضعيف بالقبول في «أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء» لـ د. ماهر الفحل (ص/٣٨).\n(^٥) «نزهة النظر» (ص/٥٣).\n(^٦) «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (١/ ٣٧٢).\nودعوى النَّووي أنَّ الاتِّفاق محصورٌ على العمل بما فيهما قد تعقَّبه فيها العسقلانيُّ (١/ ٣٧١) بكونِهما قد حوَيا أحاديث تُرك العمل بما دلَّت عليه، لوجود معارضٍ من ناسخٍ أو مخصِّصٍ، إلَّا أنَّه لم يُصب في اعتراضِه هذا عليه، لأنَّ قول النَّووي: «أجمعت على العمل» إنَّما مراده: ممَّا تُعبِّدنا بالعمل به، فالمنسوخ والمخصَّص قد خرجا من ذلك كما أوضحه الصَّنعاني في «توضيح الأفكار» (١/ ١١٨).\nوقد غلِط حافظ ثناء الزَّاهدي حين تابعَ ابن حجرٍ في هذا، في بحثه «أحاديث الصَّحيحين بين الظن واليقين» من «مجلة البحوث الإسلامية» (١٨/ ٣١٦)، وفيه هذا مِن التَّعقُباتِ ما لا يلزم النَّووي.","vol":"1","page":541},{"text":"والباعثُ للنَّووي إلى أن يَظُنَّ كونَ التَّلقِّي واقعًا على العملِ بمتونِهما دون صدق النِّسبة -في نظري- شُبهتان:\nالشُّبهة الأولى: اعتقادُ أنَّ الآحادَ لا تُفيد إلَّا الظَّنَّ مطلقًا، سواء بقرينةٍ أو بدونها، وهذا مذهب جمهورِ المعتزلةِ والخوارج أيضًا (^١)، وظَنَّ بعض الأصوليِّين -لنَقصِ استقراءٍ منهم- أنَّه قولُ الأكثرِ (^٢)!\nيقول النَّووي في تقريرِه هذه الشُّبهة: «هذا الَّذي ذَكَره ابن الصَّلاح في هذه المَواضع، خلاف ما قاله المُحقِّقون والأكثرون، فإنَّهم قالوا أحاديثُ الصَّحيحين الَّتي ليست بمُتواترةٍ إنَّما تُفيد الظَّن، فإنهَّا آحاد، والآحاد إنَّما تفيد الظَّن على ما تقرَّر» (^٣).\nوالشُّبهة الثَّانية: انفكاكُ الجِهة بين الحُكمِ الباطنِ والظَّاهر:\nبمعنى أنَّ الحكم الظَّاهر على الإسناد لا يُعلَم به صدقُ الحديث في نفسِه، ولو باتِّفاقِ المُحدثِّين على صِحَّة إسناده، أو توافرَت قرائنُ تُقوِّيه، فلا أثرَ لهذا الاتِّفاقِ على الحكمِ الظَّاهري في إثباتِ العلم الباطنيِّ، ومُستند هذا كلامٌ للباقلَّاني (ت ٤٠٣ هـ) تأتي مُناقشته إن شاء الله.\nفأمَّا الشُّبهة الأولى: فعلمنا أنَّها مُستند النَّووي في إنكارِ إفادة ما في «الصَّحيحين» للعلمِ، وهو -كما قال ابن تيميَّة- «قد بَنى هذا على أصلِه الواهي، أنَّ العلمَ بمَخبرِ الأخبار لا يحصُل إلَّا مِن جِهةِ العدد، فلَزِمَه أنْ يقول: ما دون العددِ لا يُفيد أصلًا، وهذا غلطٌ خالفه فيه حُذَّاق أتباعِه» (^٤).\n_________\n(^١) انظر «الإحكام» لابن حزم (١/ ١١٩).\n(^٢) انظر «الإحكام» للآمدي (٢/ ٣٢)، و«تشنيف المسامع» للزركشي (٢/ ٩٦٠).\n(^٣) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١/ ٢٠)، وانظر في «التقريب» له (١/ ١٤١ - مع تدريب الراوي).\n(^٤) «جواب الاعتراضات المصرية» (ص/٤٥).","vol":"1","page":542},{"text":"والردَّ عليه فيها مِن وجوه:\nالوجه الأوَّل: أنَّ الأصلَ عند المحدِّثين إذا حكموا على حديثٍ بالصِّحة، أنَّهم لا يُفرِقُّون في ذلك بين الإسنادِ والمتنِ، لأنَّ اقتصارَهم على الإعلانِ بصحَّةِ الإسنادِ، تعني عند السَّامعِ أنَّ كلَّ رَاوٍ أصابَ في نقلِ الخبرِ عمَّن فوقَه، مِن أوَّلِ السَّند إلى آخرِه (^١)؛ اللَّهم إلَاّ إنْ وُجِد ما يُشعِر بتقصُّدِ الواحد منهم مجرَّدَ الحكمِ الوَصْفيَّ للسَّندِ، دون الحكمِ حقيقةً على نسبةِ الخبرِ إلى قائله (^٢).\nفلذلك عِيبَ على الدَّارس للحديثِ أن يُفرِّق بين الأسانيد والمتون في أحكام المُحدِّثين، وأصلُ هذه الشُّبهة تَولَّدَ عند المُعاصرين مِن مُغالطاتِ المُستشرقين في فهم مَناهج المحدِّثين، فارتكبوا نفس الحماقةَ الَّتي لا يَزال المُستشرقون وتلامذَتهم يرتكبونها كلَّما عَرضوا للحديثِ النَّبوي، إذْ يَفصِلون بين السَّندِ والمتنِ مثلما يُفصَل بين خَصمين لا يَلتقيان، أو ضُرَّتين لا تجتمعان!\nفمَقاييس المُحدِّثين في السَّند لا تُفصَل عن مَقاييسهم في المتن، إلَّا على سبيل التَّوضيح والتَّبويب والتَّقسيم، وإلَّا فالغالبُ على السَّند الصَّحيح أن ينتهي بالمتن الصَّحيح (^٣).\nالوجه الثَّاني: أنَّ الحديثَ إذا تَلقَّته أئمَّة الحديثِ بالقَبولِ تصديقًا له وعملًا: كان قرينةً تُلحق الحديثَ بصدقِ النِّسبة، لِما قدَّمناه مِن عصمة الله لهذه الأمَّة أن تجتمع على الخطأ والكذب.\nيقول ابن تيميَّة: «هذا هو الَّذي ذَكَره المُصنِّفون في أصولِ الفقه، مِن أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، إلَّا فرقةً قليلةً من المتأخِّرين\n_________\n(^١) هذا بصرف النَّظر عن ضبط هذا الرَّاوي ووثاقته، ومن هنا تجدهم يصحِّحون حديث بعض الضُّعفاء، وينكرون في المقابل حديث بعض الثِّقات.\n(^٢) انظر في ذلك «النكت على مقدمة ابن الصلاح» لابن حجر (١/ ٤٧٤).\n(^٣) انظر تقرير هذا المعنى في «علوم الحديث ومصطلحه» لصبحي الصالح (ص/٢٨٣).","vol":"1","page":543},{"text":"اتَّبعوا في ذلك طائفةً من أهل الكلام أنكروا ذلك؛ ولكنَّ كثيرًا مِن أهلِ الكلامِ أو أكثرهم يُوافقون الفقهاءَ وأهلَ الحديث والسَّلَف على ذلك.\nوهو قول أكثرِ الأشعريَّة، كأبي إسحاق [الإسفراييني]، وابن فورك (^١) .. وهو الَّذي ذكرَه الشَّيخ أبو حامد [الغزالي]، وأبو الطَّيب [الطَّبري]، وأبو إسحاق [الشِّيرازي]، وأمثاله مِن أئمَّة الشَّافعيَّة.\nوهو الَّذي ذكَرَه القاضي عبد الوَّهاب [البغدادي]، وأمثاله مِن المالكيَّة.\nوهو الَّذي ذَكَره أبو يعلى [ابن الفرَّاء]، وأبو الخطَّاب [الكلوذانيُّ]، وأبو الحسن ابن الزَّاغوني، وأمثالهم مِن الحنبليَّة.\nوهو الَّذي ذكره شمس الدِّين السَّرخسي، وأمثالُه مِن الحنفيَّة» (^٢).\nفما نَعَت به النَّووي كلامَ ابن الصَّلاح بأنَّه «خلاف مذهبِ المحقِّقين والأكثرين» غيرُ مُتَّجِه (^٣).\nعَيبُ ابنِ الصَّلاح الوحيد حين صحَّح حكايته عن مرتبة أحاديث الصَّحيحين، أنَّه «لم يعرِف مذاهبَ النَّاسِ فيه ليَتقوَّى بها، وإنَّما قاله بمُوجِب الحُجَّة، وظَنَّ مَن اعترضَ عليه مِن المشايخ الَّذين فيهم علمٌ ودينٌ، وليس لهم بهذا الباب خِبرة تامَّة، لكنَّهم يرجعون إلى ما يجدونه في مختصرِ أبي عمرو ابن الحاجبِ، ونحوِه مِن مختصر أبي الحسن الآمدي والمُحصَّل، ونحوِه مِن كلام أبي عبد الله الرَّازي وأمثالِه: ظَنُّوا أنَّ الَّذي قاله الشَّيخ أبو عمرو في جمهورِ أحاديثِ الصَّحيحينِ قولٌ انفرَدَ به عن الجمهور؛ وليس كذلك! بل عامَّةُ أئمَّة الفقهاءِ، وكثيرٌ مِن المتكلَّمين أو أكثرُهم، وجميعُ علماءِ أهلِ الحديثِ على ما ذكره الشَّيخ أبو عمرو» (^٤).\n_________\n(^١) ويظهر أن ابن فورك (ت ٤٠٦ هـ) هو أول من صرح بقرينة تلقي الأمة للحديث بالقبول والقولِ بالصِّحة في إفادة العلم، انظر «البرهان» للجويني (١/ ٣٧٤).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٣٥١ - ٣٥٢)، وأقرَّه ابن حجر في «النُّكت» (١/ ١٣٩).\n(^٣) انظر «النكت على مقدمة ابن الصلاح» لابن حجر (١/ ٣٧٤).\n(^٤) «جواب الاعتراضات المصرية» (ص/٤٤).","vol":"1","page":544},{"text":"الوجه الثَّالث: أنَّا قدَّمنا آنفًا في الردِّ على الصَّنعانيِّ أنَّ ما يجبُ على الأمَّةِ قَبوله شرعًا لا يكون باطلًا في نفسِ الأمر، بل كلُّ دليلٍ يجب اتِّباعُه شرعًا، لا يكون إلَّا حقًّا، ويكون مَدلوله ثابتًا في نفسِ الأمر، فإنَّ الله تعالى لم يأمرنا باتِّباع ما ليس بحقٍّ (^١)؛ هذا ابتداءً.\nثمَّ كيف لِمَن قال بمثل قولِ النَّووي أن يوجب على المُسلمِ اعتقادَ مضمونَ حديثٍ عَقديٍّ ما في «الصَّحيحين»، ثمَّ يَأمُره في الوقتِ نفسِه بأن يعتقد احتمال غلطِ الرَّواية فيه؟! كيف يقبل مسلمٌ أن يُقال له: إنَّ الإيمانَ والعملَ بهذه الأحاديث الَّتي أخرجها الشَّيخان واجبٌ شرعًا للإجماعِ، ولكنَّ العلمَ بها ظنيٌّ محتمل للكذب لا تثبت به أصول العقائد؟!\nأليسَ هذا عينُ التَّناقضِ الَّذي استهجنه أحمد بن حنبل؟! (^٢)\nبل استهجَنه (رشيد رِضا) نفسُه! وهو يقرِّر «أنَّ أكثرَ الأحاديث الآحاديَّة المتَّفَق على صِحَّتها لذاتِها -كأكثرِ الأحاديث المُسندةِ في صَحِيحي البخاريِّ ومسلم- جديرةٌ بأن يجُزَم بها جزمًا لا تَردُّد فيه ولا اضطراب، .. ولا شكَّ في أنَّ أهل العلمِ بهذا الشَّأن، قلَّما يَشكُّون في صحَّةِ حديثٍ منها، فكيف يُمكن لمسلمٍ يجزمُ بأنَّ الرَّسول ﷺ أخبرَ بكذا، ولا يؤمن بصدقِه فيه؟! أليسَ هذا من قبيل الجمع بين الكفر والإيمان؟!» (^٣).\n_________\n(^١) «المسودة في أصول الفقه» لآل تيمية (ص/٢٤٥).\n(^٢) كما في «العدة في أصول الفقه» لأبي يعلى الفراء (٣/ ٨٩٩).\n(^٣) «مجلة المنار» (١٩/ ٣٤٢).\nمع التنبيه: بأنَّ رأي رشيد رضا قد اضطرب في تحديد معنى الظَّن الَّذي تفيده أخبار الآحاد الصَّحيحة، اضطرابًا يصل حدَّ التَّناقض أحيانًا، فبينا نجده يقرر أن الظَّن مرادف للعلمِ في معناه اللًّغوي، وأنَّه حجَّة في الإيمان الشَّرعي، بل يردُّ قول من خالف ذلك، نجده في مواطن أخرى يقرِّر أنَّها لا يُؤخذ بها في باب الاعتقاد، مستشهدًا بالآيات الواردة في ذمِّ الظنِّ، حتَّى تجد هذا الاختلاف في الموضع الواحد من مقالاتِه! وانظر «آراء رشيد رضا في قضايا السُّنة» لرمضاني (ص/١٦٦).","vol":"1","page":545},{"text":"وأمَّا شُبهة انفكاكِ الجِهة بين الحُكم الباطن والظَّاهر:\nفتمامُ الجواب عنها عند الكلام عن الجِهة الثَّانية من جِهات الاعتراض على إفادة التَّلقِّي للعِلم إن شاء الله تعالى.\nوأمَّا الجواب الثَّاني على دعوى الأُدفويِّ ومَن تابعه أنَّ التَّلقي للصَّحيحين بالقَبول حاصلٌ لغيرهما من الكتبُ السُّنن .. إلخ:\nفهذا صحيح لو كان حاصلًا لأصل «الصَّحيحين» على معنى العمل بما فيها وتداولهما روايةً وتدريسًا، وهو الحاصل لباقي الكتب السِّتة؛ لكن ما أراد العلماء هذا فقط! وإنَّما تلقِّي الأمَّة لأخبار الصَّحيحين تلقٍّ خاصٌّ، هو نتاج سبر ونقد واختبار لصحَّة انطباق شروط الشَّيخين في الصِّحة.\nوما كان الأُدفويُّ مِن أحْلاسِ هذا الفنِّ حتَّى يُستشكَل بكلامه على تقريراتِ الأئمَّة! وما فُصِّل جوابُه على النَّووي في الوجهِ السَّابق كافٍ في إسقاطِ كلامِه من أساسِه.\nنعم؛ قد ورد عن بعض العلماء وصفَهم لبعضِ كُتب الحديث غيرَ «الصَّحيحين» بأنَّها مُتلقَّاة بالقَبول، كقول الخطابيِّ عن «سُنن أبي داود» (^١)، وقول ابن حجر عن «مسند أحمد» (^٢)؛ لكن كلام هؤلاء - كما أسلفنا شرحه - هو باعتبارِ تقديرِ الأمَّة لها وتكريمِها والعمل بما فيهما في الجُملة، وأنَّ تلك المُصنَّفات هي المُتلَقَّاة بالقَبول، لا أنَّ مادَّتها هي الصَّحيحة المُتلقَّاة بالقَبول، وإن شئتَ قُلتَ: أكثر ما فيها مَقبولٌ غير مَردود، وإلَّا فنفسُ مُصنِّفيها لم يزعموا لها الصِّحة ولا تقصَّدوها.\n_________\n(^١) «معالم السُّنن» للخطابي (١/ ٦).\n(^٢) «القول المسدد» لابن حجر (ص/٣).","vol":"1","page":546},{"text":"الفرع الثَّاني: الاعتراض مِن جهة القولِ بمُوجب الإجماع المستدلِّ به، بدعوى عقليَّة وأخرى نقليَّة.\nحقيقة هذا الاعتراض على تلقِّي أحاديث «الصَّحيحين» بالقَبول، تكمنُ في أنَّ المُستدِلَّ بالإجماعِ على حكمٍ ما إذا ما وَضَّح ثبوتَ هذا الإجماعِ ووجهَ استدلالِه منه، فإنَّ المُخالِف يعترِضُ عليه بأنَّ دليلَ الإجماعِ لا يُفيد المُستَدَلَّ عليه، ويُبدي مُستَنَده في القولِ بالمُوجِب، مع بقاءِ الخِلافِ بينهما (^١).\nوهذا «الاعتراضُ بالقولِ بالمُوجِب»، يكون بحملِ الإجماعِ على غيرِ الموضعِ الَّذي حَمَله عليه المُستدِلُّ، بالاستنادِ على دليلٍ عقليٍّ أو نقليٍّ، وقد استُعمِل كِلا الدَّليلين في الرَّدِ على كلامِ ابن الصَّلاح، فنقول:\nفأمَّا مستندهم العقليُّ في هذا الاعتراضِ:\nفيتلَخَّص في نفيِ قطعيَّةِ مُستندِ الإجماعِ، وذلك بمنع تأثيرِ اتِّفاقِ الظُّنون في جعلِ المَظنونِ مِن المَنقولاتِ قطعيًّا، حيث يدَّعون أنَّ احتمالَ الخطأِ أو الكذبِ في الرِّوايةِ صِفةٌ مُلازمةٌ للمَنقولِ، يستحيل على النَّاظر رفعُها، كونَه أمرًا غيبيًّا لا يقدرون على الجزم به أصلًا، فكيف أن يُتصوَّر إجماعُهم عليه؟! إذْ لو وَجَب القطعُ بانتفائِه عندهم، لبَطُل كونُه ظنًّا، والفرضُ أنَّه ظَنٌّ (^٢).\nوبهذا أنكر الباقلَّانيُّ (ت ٤٠٣ هـ) أن يكون للإجماعِ على تصحيحِ الخبرِ أثرٌ في إفادتِه للعلم، حيث قال: «فإنَّ الخبرَ الواحدَ إذا لم يُوجب العلمَ، فلا يُتصوَّر اتِّفاقُ الأمَّة على انقطاعِ الاحتمالِ، حيث لا يَنقطع، والإجماعُ إنَّما يُتصوَّر فيما يجوِّزه العقل، وهذا لا يُجوِّزه العقل» (^٣).\n_________\n(^١) القول بالمُوجب: أحد القوادح التي يذكرها كثير من الأصوليين عند تناولهم لموضوع الاعتراضات الواردة على الاستدلال بالقياس، حيث اعتبروا القول بالموجب أحد هذه الاعتراضات؛ انظر «البرهان» للجويني (٢/ ٩٧٣)، و«المحصول» للرازي (٥/ ٢٦٩).\n(^٢) انظر «كشف الأسرار» لعلاء الدين البخاري (٣/ ٢٦٣)،\n(^٣) «النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":547},{"text":"فلمَّا قيل: «لو رَفَعوا هذا الظَّنَّ، وباحوا بالصَّدق، فماذا تقول؟\nقال مُجيبًا: لا يُتَصوَّر هذا، فإنَّهم لا يَتَوصَّلون إلى العلمِ بصدقِه، ولو قطعوا لكانوا مُجازفين، وأهلُ الإجماع لا يَجتمعون على باطلٍ» (^١).\nوأمَّا المستند النَّقلي للاعتراضِ على الاتِّفاق:\nفمُنبنٍ على دعواهم أنَّ النُّصوص دلَّت على عدم عِصمةِ ظنِّ الأمَّةِ أن تتَّفق على خطأ، وذلك أنَّ الشَّرع إنَّما كَفل للأمَّة العِصمة في طلبِها للواجبِ عليها طلبُه، لا العصمةَ في إصابتِها ذاتَ المَطلوبِ! فلا يُوصَف حينئذٍ هذا الخطأ منها بقُبحٍ؛ قياسًا على خطأِ الأنبياءِ في بعضِ الأحوالِ مع اتِّصافهم بالعصمة أيضًا، وما دامَ أنَّ الكلَّ حُجَّة، فالحُكم واحدٌ فيما أُجمِع عليه وفيما صَدَرَ عن الرُّسُل.\nولقد أطالَ ابنُ الوَزير اليَماني (ت ٨٤٠ هـ) (^٢) النَّفَسَ في تقريرِ مُخرجاتِ هذا القياس (^٣)، يريد به الرَّدَّ على القائلين بأنَّ ما أخرجه الشَّيخان مَقطوعٌ بصِحَّته؛ ذلك أنَّ ابن الصَّلاح لمَّا استدَلَّ بأنَّ ظنَّ مَن هو مَعصومٌ مِن الخطأ لا يُخطئ، والأمَّةَ في إجماعِها معصومةٌ مِن الخطأ؛ ردَّ عليه بتجويزِ خطأ المَعصومِ في ظنِّه! واستدَلَّ على ذلك بوقوعِه مِن الرُّسل ﵈ مع عصمتِهم، يعني أنَّ الخطأَ يجوز في الإجماع أيضًا إذ لا يُناف العِصمة (^٤).\n_________\n(^١) «البرهان في أصول الفقه» للجُويني (١/ ٢٢٣).\n(^٢) محمد بن إبراهيم بن علي المعروف بابن الوزير اليماني: فقيه نظَّار زيدي، منافح عن السُّنة، من مؤلفاته «العواصم والقواصم»، و«الروض الباسم»، انظر «البدر الطالع» للشوكاني (٢/ ٨١).\n(^٣) انظر «العواصم والقواصم» لابن الوزير اليماني (٢/ ٣٠٢).\n(^٤) أصل هذا التقرير قد سُبق فيه من أبي حامد الغزالي، وإن كان كلامه عن اتِّفاق العمل لا عن الاتِّفاق على صحَّة النَّقل، فقد قال في «المستصفى» (ص/١١٣): «فإن قيل: لو قُدِّر الرَّاوي كاذبًا لكان عمل الأمَّة بالباطل، وهو خطأ ولا يجوز ذلك على الأمَّة، قُلنا: الأمَّة ما تُعبِّدوا إلَّا بالعمل بخبر يغلب على الظَّن صدقهم فيه، وقد غلب على ظنِّهم، كالقاضي إذا قضى بشهادة عدلين، فلا يكون مخطئا، وإن كان الشاهد كاذبًا، بل يكون محقًّا، لأنَّه لم يؤمر إلَّا به».","vol":"1","page":548},{"text":"فيقول: «سرُّ المسألة: هل تجويز الخطأ في ظنِّ المعصوم يناقض العصمة؟\nوالحقُّ أنَّه لا يناقضها، حيث يكون خطأه فيما طلب لا فيما وجب، ولا يوصف خطأه حينئذٍ بقُبح، كتحرِّي القِبلة، ووقتِ الفِطر، والصَّلاةِ، وعدالة الشَّاهد .. وأحاديثِ سهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة ..»، فـ «العصمة إنَّما هي عن مُخالفةِ المَعصوم فيما أوجَبَه الله عليه، لا عن مخالفتِه ما طَلبه»؛ ومثَّل لكلامِه بوجوبِ حكم الرُّسل بين الخصمين بالبيِّنة، فهذا قد عُصموا عن مخالفتِه، فلا يَحكمون إلَّا حُكمًا جامعًا لشرائطِ الصِّحة، وأمَّا المطلوب لهم وهو موافقة الحقِّ في نفس الأمر، فهذا لم يُعصموا عن مخالفتِه (^١).\nفأمَّا الجواب عن المُستندِ العقليِّ لهذا الاعتراض، فمِن وجهين:\nأمَّا الوجه الأوَّل: فمَنشأ الجزم بصدقِ الحديثِ بعد اتِّفاقِ المُحدِّثين على صِحَّته وتَلقِّي الأمَّة له بالقَبول، راجعٌ إلى اعتقادنا أنَّ الخبر لو كان في نفس الأمرِ كذبًا، لكانت الأمَّة قد اتَّفَقت على تصديقِ الكذبِ والعملِ به، وهذا ممَّا لا يجوز عليها، لسَبْقِ القضاءِ الكونيِّ بِحفظِ الله لهذه الأُمَّة مِن نُفوقِ الخطأِ عليها، ومُستندهم في هذا أصلِ «الحفظ الإلهي» لأدلَّةِ الوحيِ.\nهذا الأصلُ مُستقرَأ من مجموعِ أدلَّةِ حفظِ الشَّريعةِ، نظيرُ جزم الفقهاءِ بصحَّة حكمٍ شَرعيٍّ قد أجمعوا عليه، بجامعِ أنَّ الفقهاء والمُحدِّثين إنَّما يَنسبون ما أجمعوا عليه إلى قولِ الشَّارع؛ فكما أنَّ إجماعهم هذا أفاد القطعَ بصحَّةِ هذا الحكمِ الفقهيِّ في باطن الأمر، مع أنَّ حكمَ أفرادِهم ظنِّيٌ في ذاتِه؛ فكذلك أجماعُ المحدِّثين على صِحَّة الخبر يُفيد القطع في باطن الأمر، وإن كان حكمُ أفرادِهم على الخبرِ ظنيًّا في ذاته.\nوفي تقرير هذا الاستدلال يقول ابن تيميَّة: «لو كان الحديث كذبًا في نفس الأمر، والأمَّة مصدِّقة له قابلةٌ له: لكانوا قد أجمعوا على تصديقِ ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطإ، وذلك ممتنع، وإن كُنَّا نحن بدونِ الإجماعِ\n_________\n(^١) «العواصم والقواصم» (٤/ ١٧٢).","vol":"1","page":549},{"text":"نجوِّز الخطأَ أو الكذب على الخبر، فهو كتجويزِنا قبل أن نعلم الإجماعَ على العلم الَّذي ثَبت بظاهرٍ أو قياسٍ ظنِّيٍ أن يكون الحقُّ في الباطنِ بخلافِ ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكمِ جَزمنا بأنَّ الحكم ثابت باطنًا وظاهرًا» (^١).\nفما حَكَمَ به النَّبي ﷺ وقالَه في شَريعته قولًا وفعلًا وتقريرًا، هو مِن الذِّكرِ الَّذي تَكَفَّلَ الله تعالى بحفظِه، لأنَّه «مُتناول للسُّنةِ، إن لم يكُن بلفظِه فبمعناه؛ لأنَّ المقصودَ مِن حفظِ القرآن، إنَّما هو حفظ ما يُعلَم به أمرُ الله ﷿ ونهيُه، وهذا ثابتٌ للسُّنة» (^٢)؛ فلو جازَ على ذلك الغَلطُ أو السَّهوُ أو الكذِبُ مِن الرُّواة، ولم تقُم أمارةٌ على ذلك، ولا ظهرت علَّتُه لجميعِ أهل الحديث: لسَقَطَ حكمُ ضَمانِ الله ﷿ وحِفظِه لهذا الذِّكر، ولَكانَ أوجَبَ الله على النَّاسِ أن يقولوا في شريعته ما هو في نفسِ الأمرِ كذبًا!\nوهذا مِن أعظمِ الباطل؛ بل المُحقِّقون يقولون: «متى كان المُحدِّث قد كذَب أو غلط، فلا بدَّ أن ينصِب الله حُجَّة يُبيِّن بها ذلك، كما قال بعضُ السَّلف: لو هَمَّ رجلٌ في السَّحَر أن يكذبَ على رسول الله ﷺ، لأصبحَ والنَّاس يقولون: هذا كذَّاب ..» (^٣).\nوالتَّاريخُ خير شاهدٌ! فلقد عُرِف كذِبُ الكاذِبين في حديثِ رسولِ الله ﷺ، ووَضعُ الوَضَّاعين فيه، ودُوِّن ما صَحَّت نسبتُه إلى رسول الله ﷺ، وكُشِف حالُ ما لم تصحَّ نسبتُه إليه، كما دُوِّن مَن يروي عنه ممَّن لا يروي عنه، «حتَّى أصبحَ مِن المستحيل قَبول حديثٍ ليس معروفًا في دواوينِ السُّنة، ولم يبقَ مجالٌ لطعنٍ مَقبولٍ إلَّا بما هو مُدوَّن في كُتبِ علوم الحديثِ والرِّجال؛ اللَّهم إلَّا ما قد يفرِضُه العقل، والعقلُ قد يفرض المُحال!» (^٤).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٣٥١).\n(^٢) «الحاجة إلى معرفة علم الجرح والتعديل» للمعلمي (١٥/ ٩٩ - آثار المعلمي).\n(^٣) «جواب الاعتراضات المصرية» (ص/٤٨).\n(^٤) «خبر الواحد وحجِّيتُه» لأحمد عبد الوهَّاب الشَّنقيطي (ص/٢٠١).","vol":"1","page":550},{"text":"ومِن هذا الُمحال: أن يُلصَق بالشَّريعةِ ما ليس منها على وجهٍ لا يُمكن لأهلِ العلمِ نفيُه عنها، ومِن تمامِ ذلك: أن يجعلَ الله عددًا مِن العلماءِ إن أخطأَ الواحدُ منهم في أمرِ حديثٍ، «كان الآخرُ قد أصابَ فيه، حتَّى لا يضيع الحقُّ» (^١)؛ فمِن هنا قُلنا بلزومِ نقلِ الحقِّ الَّذي عند المُنكِر للحديثِ ضرورةً، كي تُقام به الحُجَّة، حتَّى لا يُتوَهَّم ما ليس بدليلٍ دليلًا.\nومن هنا أيضًا قلنا: أنَّ الإجماع على خبرٍ لو لم يكُن حكمُه مُطابقًا للحقِّ، لما مُكِّنِت الأُمَّة مِن الاتِّفاق عليه أصلًا، «لأنَّ عادةَ خبرِ الواحدِ الَّذي لم تقُم الحُجَّة به، ألَاّ تجتمع الأمَّة على قَبولِه» (^٢).\nفهذا الأصل من الحفظ الإلهيِّ هو الباعث لابن الصَّلاح على تركِ قولِه الأوَّل والَّذي عليه النَّووي، والإيمانِ بأنَّ اتِّفاقَ الأمَّة يفيد القطعَ ولو كان ظنيَّ المُستنَد في أصلِه، كما في قوله: «.. ولهذا كان الإجماع المنبني على الاجتهاد حُجَّة مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك» (^٣).\nوحاصل هذا الوجه من الجواب: أنَّ ما صَحَّ مِن الأخبارِ وتَلقَّته الأمَّة بالقَبول -كالحاصل لجمهور أحاديث الصَّحيحين- مقطوع بصحَّتِه، لا مِن جِهة كونِه خبرَ واحدٍ، فإنَّه مِن حيث هو كذلك مُحتَمل، لِما ذُكر مِن الكذِب والغلطِ على الرَّاوي.\nوإنمَّا وَجَب أن يُقطَع بصحَّتِه لأمرٍ خارجٍ عن هذه الجِهة: وهو أنَّ الشَّريعةَ محفوظةٌ، والمَحفوظُ ما لا يَدخلُ فيه ما ليس منه، ولا يخرج عنه ما هو منه؛ فالعلمُ بصدقِ الخبر المُتلقَّى بالقبول هو مِن هذه الجِهة، فصارَ بهذا كالإجماع، والعِصمة المُحصَّلة مِن هذا الاتِّفاق أَقوى ممَّا يُظَنُّ أنَّه يقينٌ عقليٌّ.\n_________\n(^١) «منهاج السنة» (٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩).\n(^٢) «العُدة» لأبي يعلى الفراء (٣/ ٩٠٠)\n(^٣) «مقدمة ابن الصلاح» (ص/٢٨).","vol":"1","page":551},{"text":"ثمَّ الوجه الثَّاني من الجواب:\nأنَّ استدلال الباقلَّاني ومَن تبعه بأنَّ الخبرَ الواحدَ إذا لم يُوجب العلمَ في نفسِه، فلا يُتصوَّر اتِّفاقُ الأمَّة على انقطاعِ الاحتمالِ فيه؛ غلطٌ مَنشأه نظرُته الانفراديَّة إلى آحادِ الأدلَّة مُجرَّدةً عمَّا يحتفُّ بها مِن دلائل وقرائن، تفيد بمجموعِها غيرَ ما تفيده آحادُها؛ وهذا غلطٌ حاصلٌ في كتابات كثيرٍ مِن أربابِ العلومِ الكلاميَّة في المسائل الأصليَّة والفرعيَّة.\nوقد نبَّه الشَّاطبي إلى خلل النَّظر إلى النُّصوص بهذه النَّظرة القاصرة فقال: «.. قد أدَّى عدمُ الالتفاتِ إلى هذا الأصل وما قبله، إلى أنْ ذهبَ بعضُ الأصوليِّين إلى أنَّ كونَ الإجماع حُجَّةً ظنيٌّ لا قطعيُّ، إذْ لم يَجد في آحادِ الأدلَّة بانفرادِها ما يفيده القطعَ، فأدَّاه ذلك إلى مُخالفةِ مَن قبله مِن الأمَّة ومَن بعده!» (^١)؛ هذا من جِهة.\nومن جِهةٍ ثانيةً: فإنَّ استبعادَ الباقلَّاني تصوُّرَ الاتِّفاقِ على انقطاعِ الاحتمالِ في خبرِ الواحدِ إذا لم يوجب العلمَ مُتجِّهٌ لو أنَّ كلَّ فردٍ مِن أفراد المُجمِعين قَصَدوا رفعَ هذا الاحتمالِ ابتداءً! في حين أنَّ الاحتمال انقطعَ عن تلقِّي الأمَّة للحديث بالقَبول باعتبارِ الهيئة الاجتماعيَّة لا الهيئة الانفراديَّة!\nتمامًا كالعادة المُطَّردة الَّتي أحالت تواطؤَ رواةِ التَّواترِ على الكذبِ، حتَّى أفادَ خبرُهم العلمَ الضَّروريَّ، مع أنَّ خبرَ الواحدِ منهم لا يَنفكُّ عنه احتمالُ الخطأ أو الكذب (^٢)؛ فكذا قول الأمَّة من حيث هو وحكمهم لا ينافي الخطأ، لكن لمَّا قام الدَّليل على عصمة هيئتهم الاجتماعيَّة وجب القول به من هذا الوجه.\nومن جِهةٍ ثالثة: أصلُ اعتراضِ الباقلَّاني مُتفرِّعٌ عن مسألةٍ أصوليَّةٍ مُتعلِّقة بمستندِ الإجماعِ الظنِّي، ذهبَت فيه طائفة من الأصوليِّين إلى أنَّ الدَّليلَ الظنِّي\n_________\n(^١) «الموافقات» (١/ ٣٥).\n(^٢) «الموافقات» (٢/ ٨٢).","vol":"1","page":552},{"text":"لا يُوجب العلمَ القطعيَّ، فلا يجوز أن يَصدُر عنه الإجماع، لأنَّ الإجماعَ يُوجِب العلمَ القطعيَّ؛ إذ لو استنَدَ الإجماع لغيرِ القطعيِّ لكان الفرعُ أقوى مِن الأصل، وهذا عندهم غير مَعهود في الشَّرع.\nوالصَّواب في المسألةِ: ما ذهبَ إليه الجمهور مِن أنَّ الاتِّفاقَ إن وُجِد مِن علماء الفنِّ، فهو دليل وحُجَّةٌ يُفيد القطعَ، سواء أكان هذا الاتِّفاق عن دليلٍ قطعيٍّ أو ظنِّي، لأنَّ الحجَّة تنتقل مِن ذلك المستندِ إلى الإجماع ذاتِه (^١).\nهذا؛ ولسنا نُسلِّم بصحَّة سؤالِ الباقلَّاني هذا مِن أساسه، حيث أحالَ انقلابَ الظَّني المُحتَملِ إلى قطعيٍّ، فضلًا عن أن يُعترَض بمثلِه على ما قرَّرهِ ابن الصَّلاح ودَلَّل به؛ وذلك: لأنَّ الظَّن والقطعَ ليسا صِفةً مُطَّردة للدَّليل في نفسِه، بل هما مِن عوارضِ اعتقادِ النَّاظر المُستدِلِّ بحسبِ ما يظهر له مِن الأدلَّة، أمَّا الخبرُ في نفسِه فلم يكتسب صفةً في ذاتِه، حتَّى يُستنكَر تحوُّله إلى صفةٍ أخرى (^٢)!\nوعلى هذا: فإنَّ وصفَ الحديثِ بالقطعيَّة أو الظنيَّة وَصفٌ نِسبيٌّ ليس مُطَّردًا، يختلف باختلافِ مَداركِ المُستدلِّ في نظرِه إلى أحوالِ النَّاقلين، وأحوالِ طُرقِ المَنقولاتِ، وفي قوَّةِ الإدراكِ والاستقراءِ أو ضعفِه، وكثرةِ البحثِ وقِلَّتِه ونحو ذلك؛ فانصراف نظر الباقلَّاني عن هذا التَّقرير الدَّقيق هو ما أوجب له ذاك السُّؤال.\n_________\n(^١) انظر «التقرير والتحبير» (٣/ ١١٠) لابن الموقت الحنفي، و«الإجماع في الشريعة الإسلامية» لـ د. رشدي عليان (ص/٦٨).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٤٤).","vol":"1","page":553},{"text":"وأمَّا الجوابُ عن مُستنَدِهم النَّقلي في نفي دلالة التَّلقي للحديث بالقبول على الجزم بصدقه، فمِن وجوه:\nالوجه الأول:\nاعتقادُ ابن الوزيرِ كفالةَ الشَّارع العِصمة فيما وَجبَ على المعصومِ فعله، لا فيما طَلب مِن الحقِّ (^١): غير صَحيح، فإنَّه يُنافي الحِكمة مِن بعثِ الرُّسُل ﵈، مع إفضائه إلى تجويز اجتماعِ الأمَّة على خطأٍ، يقول فيه ابن تيميَّة: «يلزم منه أنْ لا يكون قولُ أهلِ الإجماع حُجَّة، بل هو كقولِ الواحدِ مِن المُجتهدين، وليس هذا مذهبَه، وإن لَزِم تناقضُه» (^٢).\nوما استدَّل به ابن الوزير مِن أمثلةِ ما جازَ أن يُخطئ فيه الأنبياء، ثمَّ قياسه على ذلك أن يُخطِئ الإجماعُ الحقَّ بجامعِ العِصمة فيهما: استدلالٌ منه خارج عن محلِّ النَّزاعِ، كونُ ما مثَّل به واقعًا في ما لم يكفل فيه الشَّارعُ عصمةً لنبيٍ أصلًا؛ بيان ذلك:\nأنَّ عِصمة الرُّسل ﵈ إنَّما كُفلت فيما يخصُّ تحمُّلَهم للدِّين وتبليغه، فلا يجوز أن يستقرَّ في ذلك شيءٌ مِن الخطأ البتَّة (^٣)؛ وحيث احتجنا أن نقيسَ عِصمة الإجماعَ على عِصمة الأنبياء، فليكُن في هذا النِّطاقِ من التَّبليغِ والتَّشريع، فما حَكمَت به الأمَّة أنَّه مِن دِين الله تعالى، فهو حُجَّة قطعيَّة لا يجوز المُعارضة فيه، كما أنَّ النَّبي إذا حَكَم على قولٍ أنَّه مِن الله، كان حُجَّة قطعيَّة.\n_________\n(^١) بمعنى أنَّه قد عُصم عمَّا وجب عليه أن يُخلَّ به، ولم يُعصم عن الإخلال بما يطلبُه ويريدُه من الإتيان بالواجب على الوجهِ المطابقِ لما في نفسِ الأمرِ، فإنَّه يُطلبُ الإتيانُ به عليه، لكنَّه لم يُعصم عن أن يخطئه.\n(^٢) «جواب الاعتراضات المصرية» (ص/٤٥).\n(^٣) انظر «منهاج السنة» (١/ ٤٧١)، و«النبوات» لابن تيمية (٢/ ٨٧٤).\nويلتحق بهذا النوع من العصمة ما كان تابعًا لها: كالإفتاء، وما كان من لوازمها كحفظِ الله ﷿ لظواهرِ الأنبياء وبواطِنهم مِمَّا تستقبِحه الفِطر السَّليمة قبل النُّبوة، وحفظِهم من الكبائر وصغائر الخِسَّة بعدها، وغير ذلك مِمَّا يدلُّ على دناءة الهِمَّة، ويُنفِّر النَّاس عنهم وعن دعوتِهم، وتوفيقهم للتوبة من الصغائر وعدم إقرارهم عليها، انظر «عصمة الأنبياء بين المسلمين وأهل الكتاب» لأحمد آل عبد اللطيف (ص/٢٤).","vol":"1","page":554},{"text":"أمَّا في غير التَّبليغ الدِّينيِّ -كالأمورِ البشريَّة المَحضة، أو ما لا وحيَ فيه مِمَّا يَستوجبُ اجتهادًا مِن الأنبياءِ- فيجوز على الأنبياء في ذلك ما يجوزُ على غيرهِم مِن البَشر مِن الخطأِ والنِّسيان، وإن كانوا أكملَ النَّاس في الأمرين عقلًا وتدبيرًا، وهم لا يُقرُّون على خطأ في التَّشريع.\nفكان منشأ الغلَط الَّذي وقع فيه ابن الوزير: أنَّه استشهد بأمثلة من تصرُّفات الأنبياء مُتعلِّقة بغير التَّبليغ والتَّشريع؛ كسهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة، إذ كان واقعًا منه مِن غير تقَصُّد، بل لمَّا استُفسِر عنه أزالَ احتمالَ التَّشريع مِن تصرُّفه، وبيَّن بقولِه أنَّ فِعلَه خطأٌ خارجٌ عن قصدِ التَّبليغ.\nوكذا ما ذكره من مثال أقضيةِ النَّبي ﷺ المَبنيَّةِ على شهادة الخصومِ، فإنَّ الأمور القضائيَّة على الأعيانِ ليست مِن ذاتِ التَّشريعِ، فإنَّ الله تعالى لم يتَكفَّل بحفظِ الدِّماء أن تُهرق، ولا بصيانةِ الأموالِ أن تُؤخَذ، ولا بالفروج أن تُستباح بغير حقٍّ، في الخصوماتِ والأقضيةِ، لا في عهد النُّبوة ولا بعدها، وهذا من بصائر قوله ﷺ: «إنَّما أنا بَشر، وإنَّه يأتيني الخصم، فلعلَّ بعضكم أنْ يكون أبلغ من بعضٍ، فأحسب أنَّه صَدَق، فأقضي له بذلك، فمَن قضيتُ له بحقِّ مسلم، فإنَّما هي قطعةٌ من النَّار، فليأخذها أو فليتركها» (^١).\nأمَّا اتِّفاق العلماء على صحَّة حكم شرعيٍّ، فهو مِن لبِّ التَّشريع! وما يَترتَّب على احتمالِ الكذبِ أو الوَهم في الرِّوايةِ مِن المَحظورات، لا يَترتَّب على احتمالِ كذبِ الشَّاهدِ في قضاءٍ مِن الأقضية، فلا يصحُّ قياسه على تلك الأمثلة.\nيقول المُعلِّمي: «إنْ استمرَّ الحالُ على إثباتِ حديثٍ ولم يَتبيَّن فيه خطأٌ، فقد يُقال إنَّه صارَ مَقطوعًا بصحَّته؛ وهذا بخلافِ الشَّهادة، فإنَّها قد تكون باطلةً في نفسِ الأمرِ، ولا يفضحها الله ﷿، لأنَّها في واقعةٌ واحدةٌ، لا تقتضي الحكمةُ أن لا يقع الحُكم بها» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: المظالم والغصب، باب: إثم من خاصم في الباطل وهو يعلمه، رقم: ٢٤٥٨)، ومسلم (ك: الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، رقم: ١٧١٣).\n(^٢) «رسالة في الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه» (١٩/ ١٥٤ - آثار المعلمي).","vol":"1","page":555},{"text":"ومِن هنا يظهر خطأ آخر لابن الوزيرِ، حينَ أوجب استيفاء حكم الواحدِ مِن الرُّسلِ بين الخصمين للبيِّنات، وأنَّه «قد عُصم عن مُخالفتِه، فلا يَحكم إلَّا حُكمًا جامعًا لشرائطِ الصِّحة» (^١)، دون لزومِ إصابة الحقِّ في نفس الأمر كما ادَّعاه.\nونحن نقول: أنَّ ذاتَ الآلياتِ القضائيَّة لا عصمةَ فيها أيضًا! وقِصَّة قضاءِ داود ﵇ على مَن تسوَّروا المِحراب، وعِتابُ الله له عدمَ استيفاء السَّماع مِن الطَّرفين لأكبر شاهدٍ على ما نقول.\nالوجه الثَّاني:\nأنَّ ما طابقَ ما في نفسِ الأمر مِن أفعالِ الرُّسل وأقوالهم أكثرُ مِمَّا خالَف، فإنَّ المُخالفَ أندرُ شيءٍ بالنِّسبة إلى ما طابقَ، وما خالفَ منه جاءَ الوحيُ بتصويبِه، فلا يُقتدَى بما لم يُصادِف الحقَّ (^٢)؛ لكن لا سبيلَ لنا إلى العلمِ بأنَّ المَعصومَ قد أخطأَ في نفسِ الأمرِ إلَّا بوحيٍ، وابنُ الوزيرِ قد جَوَّز الخطأَ على المُجمِعين، فكذا لا سبيلَ لنا إلى معرفةِ خطأِ هذا الإجماع لمِا طُلِب إلَّا بدليل الوحي! والوحي قد انقطع؛ فيبقى الأصلُ في الإجماع مُطابقته للشَّرع.\nالفرع الثَّالث: الاعتراضُ على دعوى الاتِّفاق بنفيِ تحقُّق لوازِمه.\nمِن الأدلَّة الَّتي سَعى بها المُعارضون لنفيِ إفادة أحاديثِ «الصَّحيحين» للعلم، قولهم بانتفاءِ تحقُّقِ بعضِ لوازم هذا القولِ، وأنَّه لو كان صحيحًا، لوُجِدت معه تلك اللَّوازم.\nهذه اللَّوازم ثلاثة:\nاللَّازم الأوَّل: أنَّه لو حَصَل العلمُ بأخبارِ «الصَّحيحين»، لمَا «وَقَع فيهما أحاديثُ مُتعارضةٌ لا يُمكن الجمعُ بينهما، والقَطعيُّ لا يَقع فيه التَّعارض» (^٣).\n_________\n(^١) «إسبال المطر» (ص/٢١٢).\n(^٢) انظر «الفصل في الملل» لابن حزم (٤/ ٢)، و«الكليات» لأبي البقاء الكفوي (ص/٦٤٥).\n(^٣) «المقنع في علوم الحديث» لابن الملقن (١/ ٧٧)، وانظر نفس هذا الاعتراض من ابن الوزير: في «إسبال المطر» للصنعاني (ص/٢١١)، وكذا عند ابن عبد الشَّكور في «مسلم الثبوت» (٢/ ١٢٣).","vol":"1","page":556},{"text":"واللَّازم الثَّاني: أنَّه لو حصَل العلمُ بأخبارِهما، «لَحصل لكافَّةِ النَّاسِ كالمُتواتر» (^١).\nواللَّازم الثَّالث: أنَّه لو حصَل العلم بأخبارهما، لأوجبنا عِصمةَ صاحِبَيهِما! و«البخاريُ ليس مَعصومًا، وأهلُ العلمِ غلَّطوهما في مَواضع» (^٢)؛ ومن هنا ادَّعى (صادق النَّجميُّ) على علماء السُّنةِ أنَّهم يقولون بعصمةِ «الصَّحيحين»! وأنَّهما مُنَزَّهين «مِن أنْ تَنالهما الآراءُ والأفكارُ وإبداء الرَّأي فيهما، وأنَّ البحثَ والتَّحقيقَ فيهما، يكادُ يكون تَوهينًا لهما، وهذا بمثابةِ التَّوهين للقرآن، ولا توبةَ ولا غفرانَ لِمن يقومُ بذلك»! (^٣).\nفأمَّا الجواب عن اللَّازم الأوَّل:\nقد سَبق ذكر احتِرازِ ابن حجَر باستثناء ما تَعارض مِن أحاديثِهما من غير مرجِّح أن يفيد العلم، فلا طائل من إعادة الكلام فيه.\nوأمَّا الجواب عن اللَّازمِ الثَّاني، في دعوى أنَّ العلم بتلك الأحاديث لو حصل لكان لكافَّة النَّاس كالمتواتر:\nفقد نبَّهنا قريبًا إلى كونِ الحديثِ ظنِّيًا أو قطعيًّا أمرٌ نسبيٌّ لا يعمُّ، إذ ليسَا صفةً مُلازمةً للدَّليل في نفسِه، بل يختلفُ الأمر بحسبِ ما وَصل إلى المُدرِكِ مِن الأدلَّة، وقدرتِه على الاستدلالِ بها؛ والنَّاس يختلفون في هذا وذاك، ومِن ثمَّ فلا يجوزُ نفيُ قطعيَّة الدَّليل عند زيدٍ، لمجرَّدِ أنَّ عمروًا رآه ظنيًّا، كما لا يجوز نفيُ القطعيَّة عن الخبرِ عند المُحدِّثين أهل الاختصاص، لمُجرَّد أنَّ العوامَّ يرونَه ظنِيًّا (^٤).\n_________\n(^١) «الوصول إلى علم الأصول» لابن برهان البغدادي (٢/ ١٧٢).\n(^٢) «الوصول إلى علم الأصول» لابن برهان البغدادي (٢/ ١٧٢).\n(^٣) «أضواء على الصحيحين» (ص/٨٠).\n(^٤) انظر تقرير هذا المعنى في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٧١).","vol":"1","page":557},{"text":"وأمَّا الجواب عن اللَاّزم الثَّالث في دعوى أنَّ الجزم بأخبار «الصَّحيحين» يقتضي عصمة صاحبيهما:\nفإنَّ عدم عِصمة الشَّيخين تُنتج احتمال الخطأ، لا الجزم بالخطأ! وهذا الاحتمال ارتفع بتواتر أنظار النُّقاد على كتابيهما طيلة قرون؛ فما في «الصَّحيحين» لم يُفِدنا العلمَ بصحِّته لمجرَّد أنَّهما مِن تصنيفِ البخاريِّ ومسلمٍ؛ فما نبس بهذا أحدٌ من أهلِ الفهم، وما ينبغي للعاقل أن يقولَه، بل هذا الحكم نتاجُ تراكمِ مُعطياتٍ علميَّة أخرى أفادت أحاديث الكتابين ذلك، أي أنَّ مُتعلَّق العصمة هو نظر الأُمَّة إلى كِتابيهما، لا شَخصا البخاريِّ ومسلم! ونتيجةً لعدمِ إدراكِ هذا الفرق، دخل الالتباس على من يعترض بهذه الشُّبهة.\nثمَّ إنَّا قد قدَّمنا أنَّ أهلَ النَّقد قد خَطَّؤوا الشَّيخين في مَواضع من كِتابيهما، وكان الرَّاجح في مَواضع منها قول مَن خطَّأهما -وإن كان نادرًا-؛ ولذلك نقول على وجه الدِّقة: (جمهور) أحاديث الصَّحيحين تفيد العلم، أو: أحاديث الصَّحيحين مقطوع بصحَّتها (في الجملة) لا مطلقًا.\nفها نحن ذا نُثبت أخطاء في الصَّحيحين! فأيُّ مَحلٍّ مِن الإعرابِ يبقى لذكرِ العِصمة هنا؟ وأيُّ حقِّ أريد به باطل أبين مِن هذه المُغالطة؟! فلَكَم ارتُكِبت في هذا الزَّمان مِن جرائم في حقِّ العلمِ وأهلِه بهذه الذَّريعة:\nيُتطاوَل على جَنابِ الصَّحابة ﵃، بحجَّةِ عدم عِصمتِهم!\nويُغمَط فقهُ الأئمَّة الأربعة، بحُجَّة عدم عِصمتِهم!\nوتُنقَض أصول العلوم الإسلاميَّة، بحجَّة أنَّها نتاجُ بشريٌّ غير مَعصوم!\nوهكذا يُطعَن في «الصَّحيحين»، بحُجَّة أنَّ الشَّيخينِ غيرُ مَعصومين!\nوكأنَّ نَفْيَ العِصمةِ عن هؤلاء الأكابرِ، يُبيح للأصاغرِ الكلامَ فيما ليس لهم به علمٌ، مع جرعةٍ زائدة مِن قلَّةِ الأدبِ!\nولسنا في المُقابل نمنعُ تخطئةَ العلماء ونقدَ نتاجِهم عمَّن كان مُؤهَّلًا بدعوى أنَّ لحوم العلماء مسمومة! كما لا نَدَّعي أنَّ الدَّعوةَ إلى تنقيةِ التُّراث الإسلاميِّ في","vol":"1","page":558},{"text":"مُجملها دعاوى مَشبوهة ممنوعة بإطلاقٍ، بحُجَّة أنَّ مَن يُدندِن عليها هم مِن المُتلاعبِين بالدِّين!\nفلسنا ننزع إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ فإنَّهما آفةُ العلم في زمانِنا، وكلُّ طائفةٍ منهما فتنةٌ لأختها، وضجيجُهما في العلمِ أكثرُ ما يَملأ السَّاحةَ العلميَّة والفكريَّة في زمانِنا للأسف؛ وإلى الله المُشتكى.","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الفصل الثَّالث\nدعوى إغفال البخاريِّ ومسلم لنقد المتون</span>","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المَبحث الأوَّل\nمقالات المُعاصرين في دعوى إغفال الشَّيخين لنقد المتون</span>\nإغفال تفحُّص المتونِ في عمليَّة النَّقد الحديثيِّ، بعرضِها على أصولِ الشَّرعِ ومُسَلَّمات العقلِ؛ تُهمة اتُّخذت مِعوَلًا توسَّل به كلُّ مَن أزَّته نفسُه لرَدْمِ ما لم يَستسِغه عَقلُه أو ذَوْقُه مِن أخبارِ «الصَّحيحين».\nوهي لا شكَّ تهمةٌ وشَيْنٌ لذاتِ المنهجِ النَّقديِّ الَّذي ابتَنَى عليه الشَّيخانِ أحكامهما الحديثيَّة، واعتمداه في تميِيز الأخبارِ كسائرِ المُحدِّثين، منهجٍ بانَتْ مَعالِمه جَليَّةً في مُمارساتِهم النَّقديَّةِ للتُّراثِ الشَّرعي عبر دهورٍ مِن الزَّمن؛ قومٌ أنهكوا أعمارَهم في تفحُّصِ الرِّواياتِ وِفقَ نظرٍ مَنهجيٍّ صارمٍ لا يحابي أحدًا، وممارساتٍ تطبيقيَّةٍ دَؤوبةٍ لهذا الفنِّ، لا ينكرُ جهدَهم في ذلك إلَّا جاحدٌ يُزري بنفسِه.\nوكثيرٌ مِمَّن تجاسرَ مِن أهل زمانِنا على أخبار «الصَّحيحين» بالطَّعنِ، يشكرون للشَّيخينِ جهدَهما في ما تَقصَّداه مِن التَّصنيفِ، لكنَّهم يحكمونَ على مُحاولتِهما في ذلك بالفَشَلِ! بحجَّة اختلالِ المَسْلكِ النَّقديِّ الَّتي اتَّبعوه في ذلك؛ منشأ هذا الخَلَلِ كامنٌ بزعمهم في تَمَحورِ عملهما -كباقي المُحَدِّثين- حول رُكنٍ واحدٍ مِن رُكْنَي الرِّوايةِ، وهو الإسنادَ وما تعلَّق به مِن مَباحث، فلم يَرعوا المتنَ تلك العنايةِ اللَّازمة.","vol":"1","page":563},{"text":"وفي تثبيت هذه الدَّعوى على البخاريِّ بصفة خاصَّة، يقول (حُسين أحمد أمين) (^١) بعد أن سَخر مِن حديثٍ أخرجه: «كان انتقاءُ البخاريِّ للأحاديثِ الصَّحيحةِ على أساسِ صحَّةِ السَّندِ لا المتن، فالإسنادُ عنده وعند غيرِه هو قَوائم الحديث، إنْ سَقَط سَقَط، وإنْ صَحَّ السَّند، وَجَب قَبول الحديث، مهما كان مَضمون المتن»! (^٢).\nويقول (عابد الجابري) في حقِّ روايةٍ صحَّحها البخاريُّ: «بوسعِ المَرءِ أن يَشُمَّ في الرِّواية الَّتي أوردَها البخاري شبهةً سِياسيَّة، ولا لَوْمَ للبخاريِّ عليها، مادامَ قد قَصُر مُهمَّتَه على اعتبارِ السَّند لا غير» (^٣).\nوغير هذين من المعاصرين اختاروا تلطيف الكلامِ في انتقاد نهجِ البخاريِّ والتَّمهيد له بشكر لطيف، أعقبه بغمزٍ سخيف! كالَّذي سطَّره (حسن عَفانة) في قوله:\n«جَزَى الله البخاريَّ ومسلمًا وإخوانَهما أصحابَ السُّنَن وكتبِ الحديثِ والرِّجال عن الإسلامِ خيرَ الجزاء، وأدخلَهم فسيحَ جنانِه، لِما بَذلوه مِن جُهدٍ، ولَزِموه مِن أمانةٍ في نقلِ وتدوينِ ما سمعوه بعد تمحيصِ سَنَده، حتَّى وَصَلنا منه ذخيرةٌ لا مَثيل لها في أيِّ دينٍ سَبَقه.\nعلى أنَّ ثِقَلَ المهمَّة، وصعوبةَ العمل في تحقيقِ سندِ الحديث، قد أخَذ مِن أولئكِ العلماءِ الأفذاذ جُلَّ أوقاتِهم، فلم يَبْقَ لهم مِن الوقتِ ما يَكفِي ليُمَحِّصوا متونَ الأحاديث!» (^٤).\n_________\n(^١) حسين أحمد أمين: كاتب ومفكر ودبلوماسي مصري، ابن الكاتب والمؤرخ المشهور أحمد أمين صاحب «فجر الإسلام» وأخواتها، تخرج في كلية الحقوق، جامعة القاهرة عام ١٩٥٣ م، وعُين في عدة مناصب ديبلوماسية وإعلامية، وحصل كتابه «دليل المسلم الحزين» على جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام ١٩٨٤، توفي سنة ٢٠١٤ م.\n(^٢) «دليل المسلم الحزين» لحسين أحمد أمين (ص/٥٩ - ٦٠).\n(^٣) نقلًا عن المَطبوعِ مِن «ملتقى أعلام الإسلام - البخاري نموذجًا» (٢/ ٢٧٨).\n(^٤) «اللِّباس الشرعي وطهارة المجتمع» (ص/٨).","vol":"1","page":564},{"text":"كذلك قال الَّذين مِن بعده مثل قولِه (^١)! وكأنَّ شُغل المُحدِّثين من المُتقدِّمينَ كان مُنحصرًا في التَّقميشِ لِما يسمعون، دون تفتيشٍ عن صلاحِيَتِه للحُجَّة! وكأنَّهم مَعاشرُ دَراوِيش غير مُخاطَبين بتلكِ النُّصوص النَّبويَّةِ، فأجْزَأَهم -لقلَّةِ أفهامِهم وضِيقِ أوقاتِهم- أن ينقلوها إلى الأجيالِ اللَاّحقةِ، لتنظرَ هي في حُجِّيَتِها دونهم.\nلكنْ وَا أسفَ (عَفانةَ) على تَرِكةِ السَّلف! فإنَّه لم يَجِد مَن «يَأتِ بعدَهم فيُمحِّص متونَ الآثارِ والأحاديث! ليَقِف النَّاس على صَحيحِها مَتنًا وسَندًا، وذلك برَدِّها إلى كتابِ الله الكريم، وعَرْضِها على روحِ الشَّريعةِ، إنَّه للأسفِ الشَّديدِ لم يحدُث مِن ذلك إلَّا القَليل، بل الَّذي حَصَل: هو تسليمُ غالبيَّةِ الفقهاءِ بصحَّةِ متنِ الحديثِ إذا صَحَّ سَندُه» (^٢).\nفهذا الظَّن السَّيء في جهودِ الشَّيخين وسائر إخوانهما من المُحدِّثين لحفظِ السُنَّة، هو ما أَزَّ هذا الكاتبَ ومن على شاكِلَتِه للسَّعيِ في سَدِّ ما يَرونَه فجوةً تراثيَّة عظيمة، تَعَلَّلوا بها تسويدَ نَقَداتٍ في مُخلَّفاتِ الآثارِ، يبتغونَ تخليصَ الدِّينِ مِن مُقحَماتِ الأخبارِ الزَّائفة؛ حتَّى رأينا مَن تعَذَّر بنفسِ هذه الدَّعوى لتَصنيفِ كتابٍ في «تجريدِ البخاريِّ ومسلمٍ مِن الأحاديثِ الَّتي لا تَلزم»، يزعم فيه «أنَّ الاعتمادَ شِفاهًا أو عَنْعَنةً على السَّنَدِ، لتقديرِ حالةِ الحديثِ، وصِحَّتِه مِن عَدَمِه، لا يُمكِن أن يُقبَل، وإنَّها -دون أقلِّ شكِّ- سَمَحت بدخولِ الكثيرِ مِن الأحاديثِ المَوضوعة أو الضَّعيفةِ أو الرَّكيكةِ» (^٣)!\nوبهذا يكون لُبُّ دعوتِهم هو «استمرارُ عمليَّة نقدِ نصوصِ الحديث النَّبوي، وإبقاءِهذه النُّصوص مُنفتحةً ومُتحرِّكةً، وقابلةً للتَّجدُّد، عن طريق مُواصلة عمليَّةِ\n_________\n(^١) انظر -مثلا- «الحقُّ الَّذي لا يريدون» لعدنان الرفاعي (ص/٢٦).\n(^٢) «اللِّباس الشرعي وطهارة المجتمع» (ص/٨).\n(^٣) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» لجمال البنا (ص/٨، ١٣)، انفتقَت فيه قريحتُه عن اكتشافِ اثنَي عَشر معيارًا قِرآنيًّا لنقدِ المتون، يُفتَرض ألَّا يخالفَ أيُّ حديثٍ واحدًا منها، هذه المَعايير كافيةٌ عنده لتكون العِوَضَ عن منهجِ المحدِّثين عُشَّاقِ الأسانيدِ!","vol":"1","page":565},{"text":"تصحيحِ الحديث قبولًا ورفضًا، بناءً على مَعايِير اجتهاديَّة، ووفقَ فكرٍ إنسانيٍّ مُتطوِّرٍ» (^١)، يتجاوز ذاك النَّقد الحديثيَّ القديم الَّذي قام على الأسانيد والرُّواة، والحفظ والإتقان والمُقارنات؛ فكلُّ ذلك لا يَكفي! بل ينبغي نَقْد الأحاديث وفق مَعايِيَر اجتهاديَّة جديدةٍ تستجيبُ لروحِ العصرِ -بزعمهم- ولمقاصد الإسلام.\nلقد كان من اللَّازم أن يُعيدوا النَّظَر في منهجِ الشَّيْخَينِ النَّقديِّ مِن أساسِه؛ كونه قواعد لا تَقبَل الجديدَ والتَّطوُّرَ والإبداعَ في ذاتِها، قد بَلَغت حَدَّ النُّضجِ عند أربابِها؛ لم يجِدْ (نَصْر أبو زَيد) فيه للشَّيْخَينِ مَوقفًا لتجديدِ مَعالِمه إلَاّ «مَوقفَ التَّرديدِ والتَّكرار، إذْ يتَصوَّر كثيرٌ مِن علمائِنا أنَّ هذا النَّمَطَ مِن العلومِ يَقَع في دائرةِ العلومِ الَّتي نَضَجت واحترَقتْ، حتَّى لم يَعُد فيها للخَلَف ما يُضيفُه إلى السَّلَف» (^٢).\n_________\n(^١) مقال لـ (فيصل خرتش) في قرائته لكتاب «الحديث النبوي» لمحمد حمزة، منشور بمجلَّة «البيان» الإماراتية (بتاريخ ٣ أكتوبر ٢٠٠٥ م).\n(^٢) «مفهوم النص» لنصر أبو زيد (ص ١١/) بتصرف يسير.","vol":"1","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>المَبحث الثَّاني\nدعاوي تسبُّب منهج المُحدِّثين في تَسرُّب المُنكرات إلى كتب التُّراث قديمة</span>\nهذا الذي تقدَّم من عَيْبِ المُحْدَثِينَ على المُحدِّثين استغراقَهم في دراسةِ الأسانيدِ دون المتونِ ليس أصيلًا مِن بناتِ أفكارهم، ولا عن جهدٍ في استقراءِ عَملِ المُحدِّثينَ وتأمُّل مُصنَّفاتهم؛ بل هي إشاعةٌ كاذبةٌ قَديمةٌ، تُلقِّفت مِن عَهدِ الصِّراعِ العَقديِّ الدَّائر بين أهلِ السُّنةِ ومُخالِفيهم، ترجع في مُجمَلِها إلى مقالات الجَهْمِيَّة، والَّتي «جَعَلَت جُلَّ همِّها النَّظَرَ في نفسِ الحديثِ، فإنْ راقَها أمرُه حَكَمَت بصحَّتِه، وأسندَته إلى النَّبي ﷺ وإن كان في إسناده مَقالٌ .. وإنْ رَاعَهم أمرُه لمخالفتِه لشيءٍ ممَّا يقولون به، وإن كان مَبْنيًّا على مجرَّد الظَّنِ: بادَروا لردِّ الحديثِ! والحكمِ بوضعِه، وعدمِ صِحَّة رفعِه، وإن كان إسنادُه خاليًا عن كلِّ عِلَّة» (^١).\nمِثلُ هذه النَّظرةِ المُزدريةِ لقَدْرِ المُحدِّثينَ، كانت مَقْنَعًا للفخرِ الرَّازِي (ت ٦٠٦ هـ) -مع وافر عقله- لأَنْ يَدَّعِيَ «بأنَّ جماعةً مِن المَلاحدة وَضعوا أخبارًا مُنكَرة، واحتالوا في ترويجِها على المُحَدِّثين، والمُحَدِّثون لسلامةِ قلوبِهم ما عَرَفوها، بل قَبِلوها ..»!\n_________\n(^١) «توجيه النَّظر» لطاهر الجزائري (١/ ١٩٣).","vol":"1","page":567},{"text":"ولأنَّ الرَّازيَّ يَعلمُ قَدْرَ الشَّيْخَين في قلوبِ العَامَّةِ والخاصَّةِ، اعتذَر لهما لكن بما يؤول إلى نعتِهما بنوعِ دَروشةٍ، فقال: «.. البخاريُّ والقشيريُّ (^١) ما كانا عَالِمين بالغُيوب، بل اجتهدا، واحتاطا بمقدار طاقتهما، .. غايةُ ما في البابِ أنَّا نُحسن الظَّن بهما وبالَّذين رَوَيَا عنهم، إلَّا أنَّا إذا شاهدنا خَبرًا مُشتملًا على مُنكرٍ لا يُمكن إسناده إلى الرَّسول ﷺ، قَطَعنا بأنَّه مِن أوضاعِ المَلاحدةِ، ومِن تَرويجاتِهم على المُحدِّثين» (^٢).\nفمَقالة الدَّسِ هذه في الصِّحاحِ قديمة، قد بلغت مِن القُبحِ في تَصَوُّر هذا العِلْم ما لأجله شنَّع أبو المظفَّر السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ) على مُحْدِثِها بنعتِه «جاهلًا، ضالًّا، مبتدعًا، كذَّابًا، يريد أن يُهجِّن بهذه الدَّعوى الكاذبة صِحاحَ أحاديثِ النَّبي ﷺ وآثاره الصَّادقة، فيغلِّط جُهَّالَ النَّاس بهذه الدَّعوى؛ وما احتجَّ مُبتدع في ردِّ آثارِ رسولِ الله ﷺ بحجَّةٍ أوهى منها، ولا أشدَّ استحالةً مِن هذه الحجَّة».\nولم تسمح للسَّمعانيِّ نَخوَتُه على أهلِ الحديثِ حتَّى ردَّ على هذه الدَّعوى بقوله: «لَئِن دَخَل في غِمار الرُّواة مَن وُسم بالغَلط في الأحاديث، فلا يروج ذلك على جهابذة أصحابِ الحديثِ ورُتوتِ العلماء، حتَّى أنَّهم عَدُّوا أغاليطَ مَن غلط في الأسانيد والمتون، بل تراهم يَعدُّون على كلِّ رجلٍ منهم في كَمْ حديثٍ غلط، وفي كمْ حرفٍ حرفٍ، وماذا صَحَّف؛ فإذا لم ترُج عليهم أغاليط الرُّواة في الأسانيد والمتون والحروف، فكيف يروج عليهم وضعُ الزَّنادقة وتوليدهم الأحاديث؟!» (^٣).\nوالَّذي يُلمُّ بشيءٍ مِن حالِ الرِّوايةِ والتَّصنيفِ الحديثيِّ مِن حين نشأتِه، والجُهدِ المبذول في تفحُّصِ أدقِّ تفاصيلِه، والمتعلِّقة بالرَّاوي ورِوايتِه ومَن رَوى\n_________\n(^١) يعني مسلم بن الحجَّاج.\n(^٢) «أساس التَّقديس» (ص/٢١٨).\n(^٣) «الانتصار لأصحاب الحديث» للسَّمعاني (ص/٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":568},{"text":"عنه، وطريقةِ روايتِه، مِن قِبَلِ أئمَّةٍ نَذروا أنفُسهَم لهذا الشَّأن، خصيصةً لهذه الأمَّة شهِد بفضلِها بعضُ الدَّارسين الغربيِّين أنفسِهم (^١): يجعلُ مِن القولِ بتَسرُّبِ المَكذوباتِ فيما صنَّفوه مِن أحاديث، دون أن يفطَنَ لذلك أحدٌ مِن أولئك الجهابذة طولَ تلك القرون المتلاحقة، ضربًا مِن ضروبِ الخيالِ المَمجوجِ.\n_________\n(^١) انظر عددًا مِن شهاداتهم في «المستشرقون والحديث النَّبوي» لمحمد بهاء الدِّين (ص/٣٠).","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المَبحث الثَّالث\nأَثَر الأطروحاتِ الاستشراقيَّة في استخفاف المعاصرين بمنهج المُحدِّثين</span>\nمع مرور الزَّمن وخمولِ علمِ الحديثِ في هذه الأعصرِ المتأخِّرة، انبعثَ مِن المُستشرقين مَن جَدَّد النَّفخَ في هذه الشُّبهة، والتَّرويج لها عبر المُنتدياتِ العِلميَّة، والمجلَّات البَحثيَّة، دون إمعانٍ للنَّظر في الدَّعوى، أو إعمال للفكر في كلامِ المُدَّعى عليهم، أو سبرٍ في البحثِ في مُصنَّافتهم، زاعمين أنَّ حكمَهم على منهجِ المُحدِّثين نتاج بحث موضوعيٍّ، اقتضاه المنهج النَّقديُّ المُستحدَث في توثيقِ الأخبار.\nبل هؤلاء المُستشرقون قد زادوا على تشنيعِات الأقدمينَ على المحدِّثين أمثلةً مِن عندِهم جديدة، حسِبوها شاهدةً على اختلال الأُسسِ المنهجيَّة الَّتي ابتنَى عليها المُحدِّثون صناعةَ الأخبار؛ فإذا بَلغوا مُنْيتَهم في هدمها -وهيهاتَ لهم- انهدمَ تَبعًا لهذا العلم باقي العلومِ النَّقليَّة مِن تَفسيرٍ وفقهٍ ولُغةٍ وتاريخٍ! لاعتمادِ المُشتغلين بها على منهجيَّةِ أهل الحديث في الرِّواية والإسناد،؛ وهنا تكمُن خطورةُ إسقاطِ علمِ الحديثِ على الإسلامِ كلِّه!\nترى شاهدَ هذا الالتفاتِ الخطيرِ لحربِ المُحدِّثين في مثلِ قولِ (عابدٍ الجابريِّ): «.. إنَّ الموروثَ الثَّقافي العربيَّ الإسلاميَّ الَّذي تناقلته الأجيالُ،","vol":"1","page":570},{"text":"منذ عصر التَّدوين إلى اليومِ، ليس صحيحًا على وجعِ القطعِ، بل هو صحيحٌ فقط على شروطِ أهل العلم، الشُّروط الَّتي وَضَعها وخَضَع لها المُحدِّثون والفقهاء والمُفسِّرون والنُّحاة واللُّغويُّيون الَّذين عاشوا في عصرِ التَّدوين، ما بين مُنتصف القرن الثَّاني، ومُنتصف القرن الثَّالث للهجرة» (^١).\nفما هذا الكلام إلَّا علقمٌ من مشروعٍ أقامه المستشرقون في دراستهم للسُّنة، ونُقرُّ لهم بنجاح تسريبِ كثيرٍ مِن أحكامِهم البَحثيَّة وإنفاذِها في عقولِ جمهرةٍ مِن المُثقَّفين المُحْدَثين؛ كتلك الإشكالات الفنيَّة المتعلِّقة بالتَّدوينِ، وتحريفِهم لمفهوم بعض المصطلحات كـ «السُّنة»، وقضيَّة اختلاطِ الأحاديث بالإسرائيليَّات .. إلخ؛ ومِن أكثر ما راج لهم مِن ذلك في القرنين المنصرمين: مَقولُهم بإغفال المُحَدِّثين لنقدِ المُتونِ في توثيقِهم للأحاديث (^٢).\nكان مِن أوائل من هوَّش بهذه التُّهمة عليهم مستشرق إيطاليٌّ يُدعى «كايتاني»  Caetani» (^٣)؛  تَضمَّنت فقرةٌ مِن كتابه «الحَوْلِيَّات الإسلاميَّة» (^٤) زبدةَ ما خلُصَ إليه في هذا الباب، وهي قوله: «كلُّ قَصدِ المحدِّثين ينحصر ويتركَّز في وادٍ جدبٍ مُمحِلٍ مِن سَردِ الأشخاص الَّذين نَقلوا المَرويَّ، ولا يشغل أحدٌ نفسَه بنقدِ العبارة والمتنِ نفسه! ..»؛ ثمَّ خمَّن عِلَّة هذه الغفلة منهم بقوله: «.. إنَّ المحدِّثين والنُّقادَ المسلمين لا يجسرون على الاندفاعِ في التَّحليل النَّقدي للسُّنة إلى ما وراء الإسناد، بل يَمتنعون عن كلِّ نَقدٍ للنَّص، إذ يرَونه احتقارًا لمَشهوري الصَّحابة، وقِحةً ثقيلةَ الخطَرِ على الكَيانِ الإسلاميِّ» (^٥).\n_________\n(^١) «تكوين العقل العربي» (ص/٦٤).\n(^٢) انظر «المستشرقون والسنة» لسعد المرصفي (ص/٢٤).\n(^٣) ليوني كايتاني: مستشرق إيطالي، اشتهر بكتابه «الحوليات»، وهو أوسع تاريخ استشراقي لعهد النبوة والخلفاء، توفي (ت ١٩٣٥ م)، انظر «موسوعة المستشرقين» للبدوي (ص/٤٩٣).\n(^٤) «المستشرقون والحديث النبوي» لمحمد بهاء الدين (ص/١٢٩).\n(^٥) «دائرة المعارف الإسلامية» (مادة: أصول، المجلد الثاني، هامش ٢٧٩)، وانظر «المستشرقون والحديث النبوي» لـ د. محمد بهاء الدين (ص/١٢٩ - ١٣٠).","vol":"1","page":571},{"text":"غير أنَّ المرجعيَّة الاستشراقيَّة قد تركَّزت قبله في استقاء ما صَوَّبه (جولدزيهر) إلى منهج المحدِّثين مِن مَعاوِل النَّقض (^١)؛ فكانت مُؤلَّفات هذا المَجَريِّ هي الأكثرَ تَداوُلًا في هذا الفنِّ بين الدَّارسين (^٢)، وهو كسالِفه (كايتاني) يعتبرُ «أنَّ نقدَ الأحاديث عند المسلمين قد غَلَب عليه الجانب الشَّكلي منذ البداية، وأنَّه لا يخضع للنَّقدِ إلَاّ الشَّكل الخارجيُّ للحديث.\nذلك أنَّ صِحَّة المَضْمون عندهم مُرتبطة أوثق الارتباط بنقد سلسلة الإسناد، فإذا استقامَ سَنَد حديثٍ لقواعد النَّقد الخارجيِّ، فإنَّ المتن يُصَحَّح، حتَّى ولو كان مَعناه مُجانبًا للواقع، أو احتوى على مُتناقضات، ويكفي للإسناد أن يكون مُتَّصل الحلقات، وأن يكون رواتُه ثقاتٍ، اتَّصل الواحد منهم بشيخه، حتَّى يُقبل مَتن مَرويِّه» (^٣).\nوقد جاء بعد هؤلاءِ مَن خَصَّ البخاريَّ صراحةً بهذه الفِرية، فأقحمَه في زمرةِ المُتهالكين على الإسنادِ من غير تفهُّمٍ، كالَّذي زعمه المستشرق (ألفريد كيُوم) (^٤) فيه بقوله: «مَتى ما اقتنعَ البخاريُّ بتحديدِ بحثِه في سلسلةِ الرُّوَاةِ\n_________\n(^١) ككِتاباتِه المُضمَّنه في الجزءِ الثَّاني مِن كتابه «دراسات إسلاميَّة»، حيث خصَّص نصفه الأوَّل عن علم الحديث وتاريخه وتطوُّره، وهذا الجزء طُبع سنةَ ١٨٩٠ م، وكتابه الآخر «مذاهب التَّفسير الإسلاميِّ»، المترجم إلى العربيَّة باسم «العقيدة والشَّريعة في الإسلام، وهو في أساسه مجموعة محاضرات ألقاها أمام اللجنة الأمريكية للمحاضرات في تاريخ الأديان، والكتاب طبع سنة ١٩٤٦ م، وانظر مقدمة المترجمين للكتاب (١/ ٥).\n(^٢) تولي هذه الدعوى جماعة غير (جولدزيهر)، منهم (نيكولاس أغنائدس) و(وِليام مُوير) و(إسبرنجر)، انظر مقالاتهم في «الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية» لـ د. ساسي الحاج (ص/٥٨٥ - ٦٣٠)، و«منهج النقد عند المحدثين» لـ د. محمد مصطفى الأعظمي (ص/١٢٨ - ١٤٩).\n(^٣) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث» لمحمد حمزة (ص/٢١٠).\n(^٤) ألفريد كيوم: إنجليزي معاصر، اشتهر بالتعصب ضد الإسلام، حاضر في جامعات انجلترا وأمريكا، وتغلب على كتابته وآرائه الروح التبشيرية، من كتبه (الإسلام)، يقول محمد البهي: «من المؤسف أنه تخرَّج عليه كثير ممن أرسلتهم الحكومة المصرية في بعثات رسمية للخارج لدراسة اللغات الشرقية!»، انظر ترجمته في كتاب هذا الأخير «المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإسلام» (ص/٢٣).","vol":"1","page":572},{"text":"في السَّند، مُفضِّلًا ذلك على نقد المتن، صارَ كلُّ حديثٍ مَقبولَ الشَّكلِ قطعيًّا بحكمِ الطَّبع» (^١).\nفهذه الدِّراساتُ الغربيَّةُ بما أفرزته من نتائج حُكميَّة على عمل المحدِّثين، قد تبنَّتها شرائح واسعة مِن مُثقَّفين إسلاميِّين وغير إسلاميِّين، تراها منتثرةً في كتاباتِ مثل (أحمد أمين)، و(علي عبد الرَّازق) (^٢)، و(محمود أبو ريَّة) (^٣)؛ وكان (رشيد رضا) في مقدِّمة هؤلاء المتأثِّرين في هذا الباب بسموم الاستشراق، وعليه يُثني (محمَّد حمزة) أحدُ حَداثيِّي تونس بقوله: «محمَّد رشيد رضا كان بحقٍّ مِن أوائِل المُفكِّرين في بداية هذا القرن الَّذين نَبَّهوا إلى ما اعترى منهجَ المُحدِّثين القُدامى مِن خللٍ، حين رَكَّزوا نقدَهم على السَّندِ دون المتن» (^٤).\nإلى أن جاء الحَدَاثِيُّون ليحتسبوا الجُهدَ في تَعْريبِ تلك الدِّراساتِ الاستشراقيَّة في هذا موضوعه السُّنة والحديث، ثمَّ الاستعانةِ بها للتَّشكيكِ بمَصادر التَّلقي عند أهل السُّنةِ بصفةٍ خاصَّة (^٥).\n_________\n(^١)  Guillaume، Alfred: The Traditions of Islam، P. ٥٥  نقلًا عن «موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية» لأكرم العمري (ص/٧٤).\n(^٢) علي بن حسن بن أحمد عبد الرَّازق: باحث من أعضاء مجمع اللغة العربية بمصر، ولد بإحدى أعمال المنيا بمصر، وتعلم بالأزهر، ثم بجامعة أكسفورد، وأصدر كتابه المثير للجدل «الإسلام وأصول الحكم» سنة ١٩٢٥ م، توفي سنة (١٣٨٦ هـ)، انظر «الأعلام» للزركلي (٤/ ٢٧٦).\n(^٣) انظر أثر تلك الأطروحات الاستشراقية في السُّنة على هؤلاء الكُّتاب وغيرهم في «المستشرقون والحديث النبوي» (ص/٢٧٢ - ٢٨٠) لـ د. محمد بهاء الدِّين.\n(^٤) «الحديث النبوي» (ص/٢١١).\n(^٥) فلا يُسأَل بعدُ عن فرحةِ الشِّيعة الإماميَّة بهذه الطُّعونِ، وهي بأقلامِ مَن يُحسبُ في ظاهرِه على أهل السُّنةِ، والاستشهادِ بها في طَيَّات ردودِهم على علماءِ السُّنة، كما تراه - مثلًا - في كتاب «أبو هريرة» لعبد الحسين الموسوي (ص/٣٩ - ٥١)، و«معالم المدرستين» لمرتضى العسكري (١/ ٣٦١).","vol":"1","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المَبحث الرَّابع\nالمُراد بـ «نقد المتن» عند عامَّة المعاصرين النَّاقدين «للصَّحيحين»</span>\nأُولى المَعاركِ في ساحة التَّدافع الفكريِّ بين أهلِ الحديثِ وخصومِهم ينبغي أن تبدأ بـ: تحديد المُراد بالمُصطلحات، فإنَّ حُسن التَّصوُّرِ لمُراد الخصمِ من «النَّقد للمتن» -مثلًا- كَفيلٌ بإفحامِ جوابِه، واختصارِ وقتِ نِزالِه، بدل التِّيه الحاصل في كثيرٍ من الجدالات العقيمةِ النَّاجمة عن اختلافِ مُراد كلِّ طرف من هذا المُصطلح.\nفقد كنت ألاحظ في تَتبُّعي لجملةٍ مِن كتاباتِ المُعترِضينَ على منهج المحدِّثين، أنَّها تحصر معنى النَّقدِ للمتنِ في معنى «تمحيصِ الأحاديثِ مِن جهة مَعقوليَّةِ مَعانيها، بعرضِها على الأصولِ القطعيَّة».\nترى مثال ذلك في قول (محمَّد حمزة): «نقد الحديث يَتفرَّع إلى قِسمين:\nقسم: يستند فيه على الرِّواية وصحَّتها والرَّجال، ومقدار الثِّقة بهم.\nأمَّا القسم الثَّاني: فيعتمد فيه على الحديث نفسِه ووضعوا له علومًا، منها: علم غريب الحديث ومُختلِفه، وناسخِه ومنسوخِه.\nبيدَ أنَّ النَّظر في صحَّة المتن، وما إذا كان مُساوقًا للظَّرف الَّذي قيل فيه، واتِّفاق ذلك الحديث مع سُنن الحياة، والقوانين الطَّبيعيَّة، وحكم العقل: لم يحظَ","vol":"1","page":574},{"text":"بما حظيَ به القسم الأوَّل من عناية المُحدِّثين، وهو ما حدا بالباحثين المُحْدثين إلى توجيه نقدِهم إلى هذا الخلل في منهج المحدِّثين» (^١).\nغير أنَّ فئةً مِن أذنابِ المُستشرقين تُصرُّ على أن تفهم مِن عبارات المُستشرقين نفيَ نظرِ المُحدِّثين في المتونِ بالمرَّة، حتَّى ما تَعلَّق بالشُّذوذِ واختلافِ الألفاظ! وأنَّهم يتَعبَّدون بالحديثِ لمُجرَّد وثاقةِ رواتِه واتِّصالِ سنده! فيَتَعلَّقون في هذا الفهم بمثل فقرةٍ للمستشرق (كايتاني) قال فيها: «إنَّ المحدِّثين لا يجسُرون على الاندفاعِ في التَّحليلِ النَّقدي للسُّنة إلى ما وراء الإسناد، بل يَمتنعون عن كلِّ نقدٍ للنَّص» (^٢).\nولا أخالُ أحدًا أشهرَ مِن (أبو ريَّة) في إشاعةِ هذا التَّعميم الظَّالم في حقِّ المُحدِّثين، فقوَّلهم ما لم يقولوا حين زعم تنكُّبهم عن «غَلَطِ المتون، فهم يقولون: مَتَى صَحَّ السَّند صَحَّ المتن» (^٣).\nوعلى هذا المنوالِ في الفِرَى جرى (إبراهيم فوزي) في قوله عن المُحدِّثين: «يعتبرونَ نقدَ المتن لا يجوز البحثُ فيه متَى صحَّ الإسناد، فابتعدوا عنه» (^٤).\nفهذا التَّصوُّر السَّيء لمنهج المُحدِّثين انسحب على عَمل البخاريِّ ومسلمٍ في صحيحيهما، فلم يُتوَرَّع عن إلزاقِ هذه التُّهمة بهما بالتَّبع، إذ كانا في نَظرِ المُعترضين لا يَعدُوان العناية «بالتَّحقيقِ في السَّند، وبَنيَا صَحيحَيهما على شروطِهما فيه، أو على ما صَحَّ عندهما مِن الإسناد، فإذا صَحَّ الإسناد وكان رجالُه ثِقاتًا في حكمِهما عليهم، كان مَتنُ الحديث صَحيحًا، بمعنى أنَّه ممَّا قاله رسول الله ﷺ على وجهِ التَّحقيقِ» (^٥).\n_________\n(^١) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي المعاصر» (ص/٢٠٩).\n(^٢) من حاشية الخولي على «أصول الفقه المحمدي» لشاخت (ص/٦٥ - ٦٦).\n(^٣) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/٢٥٨).\n(^٤) «تدوين السنة» لإبراهيم فوزي (ص/١٦٦ - ١٦٧) بتصرف يسير.\n(^٥) «قراءة في منهج البخاري ومسلم في الصحيحين» للأدهمي (ص/٢٧).","vol":"1","page":575},{"text":"فتلك المَقولة من (محمود أبو ريَّة) -هو ومَن تأبَّطَها معه- لا يستحيي من الإعلان بها، وهو يَعلمُ يقينًا بأنَّ علم «مصطلح الحديث» زاخرٌ بمباحثِ الشُّذوذِ والاضطرابِ، والقَلْبِ، والإدراج، والعِلَل، ومختلف الحديث، وهذه كلُّها من مَباحث المتون؛ ويعلم أنَّ علماءَ الحديثِ قد أوْلَوا هذه المَباحث المَتنيَّة حَيِّزًا في مُصنَّفات العِلَل والتَّخاريج.\nهذا الإقرار تجده في مثل قولِ (كايْتَاني) نفسِه: «إنَّ المحدِّثين صرَّحوا أنَّه لا يلزم من صحَّة السَّند صحَّةُ المتن، فكانوا صريحين في عدم ربط السند بالمتن بالقبول والرفض، وإن كل واحد منهما وحدة مستقلة لإجراء النقد والتحليل عليه، وإن هناك أشياء تؤثر على المتن مع صحة السند كالشُّذوذ ووجود علَّةٍ في المتن» (^١).\nفالَّذي أفهمه من هذا الكلام، أنَّ المُستشرقين المُعتنين بموضوع الحديث، يريدون مِن إطلاقِ هذا النَّفيِ للنَّظر المَتنيِّ عن المُحدِّثين: نفي النَّظر إلى مَعقوليَّة معاني المتون في نفسها، ومدى انتفاء المُعارضات الحِسيَّة والتَّاريخية ونحوها عنها؛ ولكن كثيرٌ من المُثقَّفين العرب انساقوا وراء تلك الإطلاقاتِ مِن غير وَعيٍ تامٍّ بحقيقتها وسِياقاتها، فوقعوا في كذبٍ مفضوح على المُحدِّثين؛ ولعلَّهم تقصَّدوه من باب التَّهويلِ في التَّوصيفِ! تشنيعًا وتصغيرًا لأقدار المُحدِّثين في نظرِ النُّخَب المُثقَّفة المُسلِمَة.\nفلهذا أجِدُني مُستثقِلًا بعضَ كتاباتِ الإسلاميِّين مِمَّن تَعنَّى الردَّ على المستشرقين وأفراخِهم في هذا الباب، وهم يَستجلبونَ رُكامًا مِن أمثلةِ نقدِ المُحدِّثين لألفاظِ المتونِ، زيادةً، ونقصًا، وتفرُّدًا، واضطرابًا .. إلخ، ممَّا يذكره العلماء في كُتبِ «المصطلح»، مِمَّا يعلمه المُستشرقون قبلهم (^٢)؛ فهذا عندي\n_________\n(^١) انظر قوله في «دائرة المعارف الإسلامية (٢/الهامش ٢٢٩ - الخولي).\n(^٢) كما ترى هذا الصنيع -مثلا- عند عبد الله الخطيب في كتابه «الرد على مزاعم المستشرقين: جولدزيهر وشاخث» (ص/٣٦)، وصالح رضا في «النظر في متن الحديث في عصر النُّبوة» (ص/٣٧٨) وغيرهما كثير.","vol":"1","page":576},{"text":"-والله- مَضيعة لوقت القارئ، واستكثار للأوراقِ بلا فائدةِ، وخروج عن مَحلِّ النَّزاع، بما يَعود على أفهامِ أهلِ الحقِّ بالمَثلبةِ.","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المَبحث الخامس\nدَوْرُ بعض كبارِ كُتَّابِ العَربيَّةِ\nفي تَفَشِّي تُهمة إغفال المحدِّثين لنقد المتون</span>\nلقد ساهم في استشراءِ هذه الشُّبهة في أوساطِ المثقَّفين قامةُ مَن تَصدَّر القولَ بها مِن العلماءِ والمفكِّرين في النِّصفِ الأوَّل مِن القرن الماضي؛ نستحضر منهم -على سبيل المثال- أحمد أمين (ت ١٣٧٣ هـ).\nفلَكَم أبدى هذا الرَّجل تحسُّرًا على افتقارِ المُحدِّثين إلى النَّظر الاعتزاليِّ العقلانيِّ إلى المتونِ، فإنَّهم كانوا -بزعمه- «يعنون عِنايةً تامَّةً بالنَّقدِ الخارجيِّ، ولم يُعنوا هذه العنايةَ بالنَّقد الدَّاخلي، .. فقَلَّ أن تظفر منهم بنقدٍ من ناحية أنَّ ما نُسب إلى النبي ﷺ لا يتفق والظُّروف التَّاريخيَّة، أو أنَّ الحوادث التَّاريخيَّة تناقضه، أو أنَّ عبارة الحديث نوع من التَّعبير الفلسفي يخالف المألوف من تعبير النَّبي ﷺ، أو أنَّ الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه، وهكذا .. فلم نَظْفَر منهم في هذا البابِ بعُشْرِ مِعشار ما عُنوا به في جرحِ الرِّجال وتعديلِهم» (^١).\nومِمَّن يعنيهم (أحمد أمين) بهذا المثلبة البخاريُّ؛ فإنَّه على ما يُكنُّه له لمُحاولات نقده للأحاديث مِن تقديرٍ، يراه مِمَّن «يُثبتُ أحاديثَ دَلَّت الحوادث الزَّمنية والمشاهدة والتَّجربة على أنهَّا غير صحيحة» (^٢).\n_________\n(^١) «فجر الإسلام» (ص/٢٣٨) بتصرف.\n(^٢) «فجر الإسلام» (ص/٢٣٨).","vol":"1","page":578},{"text":"والَّذي علينا التَّنبه إليه هنا: أنَّ طبيعة هذه الشُّبهة كانت محتاجةً لكشفِها وقتَ بروزها على يَدِ مثل هؤلاءِ الكُتَّاب المُبرَّزين، إلى مَن يسبر أقوال المُحدِّثين، ويستحضر مُمارساتهم النَّقديَّة مِن مَظانِّها، ومَن له اطِّلاعٌ واسعٌ على تأصيلاتهم في كُتب الحديثِ والتَّواريخ، واستقراءٌ لأحكامهم التَّطبيقيَّة في كتب التَّخاريج والعِلَل.\nوهذه درجة لم يكُن قادرًا على بلوغِها إلَّا النَّادر من العلماء وقتئذ! من بعض مَن كان له فهم لهذا الفنِّ ونوعُ إلمامٍ بمُصنَّفاته؛ فقلَّ أن تجد هذا الصِّنف إبَّان تلك الحقبة العلميَّةِ المُوحِشة مِن تاريخ المسلمين، والَّتي عرفت ركودًا في شتَّى العلوم الشَّرعيَّة والكَونيَّة، فما ظنُّك بعلمٍ دقيقٍ مثل علم الحديث في نُدرةِ مشايخِه؟!\nلقد كان غياب الدَّرس الحديثيِّ المتخصِّص، وقِلَّة الغائصين في أعماقِ نقده ودقائقِه، سببًا مؤثِّرًا في توالي الطُّعونِ في أربابِه، وتكاثر الاستشكالات مع تأخُّر الإجابات، والتباس الأمورِ على جملةٍ كبيرةٍ من المُثقَّفين، بسبب التَّسلُّط الفكريِّ الغَرْبيِّ على العقل العَربيِّ، أكرهَ الجماهير على مُسايرتِه والخنوع له.","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المَبحث السَّادس\nمركزيَّة مقالات (رشيد رضا)\nفي انتشارِ الشُبهة في الطَّبقات اللَّاحقة من المُثقَّفين</span>\nمع ما قُلناه عن تلك الحقبة من القرن الماضي، فلسنا مِمَّن يحُطُّ مِن قيمةِ بعضِ الرُّموزِ الجليلةِ القدرِ وقتَها، المُتفهِّمة لجملة من هذا الفنِّ العزيز مِن فنونِ الشَّريعةِ، أعني منهم بالدَّرجة الأولى (محمَّد رشيد رضا)، في محاولاتِه لإحياِء ما اندثرَ مِن هذا العلمِ، وبَثِّ شيءٍ مِن ثقافتِه في الأوساط العِلميَّة والأدبيَّة.\nلكنَّ الشَّيخَ مع هذا - مثله مثل كثيرٍ مِن المُتشرِّعين الإصلاحيِّين وقته - لم ينجُ مِن سطوة التَّيار الكلاميِّ الجاري في أروقةِ أغلب المعاهد الشَّرعيَّة في ربوعِ البلادِ الإسلاميَّة، المُتلكِّئة في حُجِّية الآحادِ في العقائد؛ فرشيد أحدُ خرِّيجيها، وقد ورِثَ مِن تمعقُلات شيخِه (محمَّد عبدُه) في نقدِ النُّصوص الشَّرعيَّة ما ورِث، فضلًا عمَّا علِق في ذهنِه مِن مَقالات المُستشرقين.\nفكان لكلِّ هذا الدَّافعُ له لأن يجترِئ على المُحدِّثين في مَواطن مِن كتاباتِه، لأنَّهم في اعتقادِه «قلَّما يُعنَون بغَلَطِ المتونِ فيما يخصُّ مَعانيها وأحكامَها، وإنَّما كانت عِنايتهم التَّامة بالأسانيدِ، وسِياق المتونِ وعباراتها» (^١).\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٢٩/ ٣٧).","vol":"1","page":580},{"text":"ويبلُغَ بـ (رشيد) الغَمز في بديهةِ البخاريِّ ومسلمٍ، إلى أن يَتعقَّبَ اتِّفاقَهما على تصحيحِ حديثٍ أودَعاه كِتابَيهما بقولِه: «.. أمَّا علماء الرَّوايات، فليسوا ممَّن يُطلب منهم معرفة هذه الحقائق في نقد المتون» (^١)!\nحتَّى صارَ (رشيد رِضَا) في نَظرِ المناوئين للمُحدِّثين «بحقٍّ مِن أوائلِ المفكِّرين في بدايةِ هذا القرن الَّذين نَبَّهوا إلى ما اعْتَرَى منهجَ المحدِّثين القُدامَى مِن خَلَل، حين رَكَّزوا نقدَهم على السَّنَدِ دون المتنِ» (^٢).\nولأجل ما كان لـ (رشيدٍ) مِن مكانةٍ في قلوبِ أهلِ الدَّعوة وأرباب القَلَم بمختلفِ مَشاربهم الفكريَّة، فضلًا عمَّا كان لمجلَّتِه «المنار» مِن صيتٍ ذائعٍ؛ فقد تمكَّنت مَقالاته النَّاقمة على منهجِ المُحدِّثين مِن تبوُّئِ مساحةٍ مهمَّةٍ مِن تفكير العقل المُسلم.\nوهذه نتيجة طبيعيَّة؛ فإنَّ الرَّأيَ المَدخول -كما يقول الجُرجانيُّ- «إذا كان صُدورُه عن قومٍ لهم نباهةٌ، وصِيتٌ، وعلوُّ منزلةٍ في أنواعٍ مِن العلومِ غيرِ العلمِ الَّذي قالوا ذلك القول فيه، ثمَّ وَقَع في الألسُن، فتداوَلته، ونَشَرته، وفَشا وظَهر، وكثُر النَّاقلون له، والمُشِيدون بذِكرِه: صارَ تَرْكُ النَّظَر فيه سُنَّة، والتَّقليد دينًا؛ فكَم مِن خطأٍ ظاهرٍ، ورأيٍ فاسدٍ، حَظِي بهذا السَّبَب عند النَّاس، حتَّى بوَّأوه أخَصِّ مَوضعٍ مِن قلوبِهم، ومَنحوه المحبَّةَ الصَّادقة مِن نفوسِهم، وعَطفوا عليه عطفَ الأمِّ على واحدِها، وكم مِن داءٍ دَوِيٍّ قد استحكَم بهذه العِلَّة، حتَّى أعْيَا علاجه» (^٣).\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٣٣/ ٣٣).\n(^٢) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي المعاصر» لمحمد حمزة (ص/٢١١).\n(^٣) «دلائل الإعجاز» (ص/٤٦٤) بتصرف يسير.","vol":"1","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المَبحث السَّابع\nمحاولة استبدال المنهج النَّقدي للمُحدِّثين بمنهجِ النَّقد الداخليِّ الغربيِّ</span>\nوهكذا لم يَزل الأمر في سفولٍ بعد (رشيد رضا) حتَّى صارت هذه النَّزعة إلى نقد منهج المُحدِّثينَ مُستَراحًا لفِئامٍ مِن المُستَغْرِبين لاقتحامِ سِياجِ التُّراثِ، على أساسِ النَّقد العقليِّ لنصوصه الموافقِ لأساليب النَّقد الغربيِّ للتَّواريخ؛ «نقدٌ للأحاديثِ بميزانٍ جديدٍ، يقوم على أساسِ سلامةِ ومَعقوليَّة المتن ذاتِه، لا على أساسِ سلامةِ الرُّواة» (^١).\nفهذا الاختراع الجديد يُسمُّونه «النَّقدَ الدَّاخلي»، وهو أساسُ المَعارف عند الحَداثيِّين (^٢)، يتمُّ وفقَ آليَّةٍ مُبتدعةٍ، تُفضي إلى أنَّ الحقيقةَ العلميَّة لا تَتقرَّر بمُجرَّد الشَّهادة (^٣)، بل على «مَناهج مُستحدثةٍ، تفيد مِن الثَّورة المَنهجيَّة المعاصرة، مُعوِّلةً على نقدِ المتونِ، بقياسِها على رُؤَى الإسلام، وجوهرِه، ومَبادئِه العامَّة كما وردت في القرآن، فهو يطرحُ جانِبًا منهجَ الإسناد» (^٤)، الَّذي يكرِّس تقديسَ النَّص وشموليتَه، ويقصي مبدأ تاريخيَّته ومحدوديَّته.\n_________\n(^١) «تحديث العقل الإسلامي» للعشماوي (ص ١٢/)، نقلًا عن كتاب «النَّص القرآني» لتيزيني (ص/٣٣١).\n(^٢) «من العقيدة إلى الثورة» لحسن حنفي (٤/ ٤٠ - ٤١).\n(^٣) «المدخل إلى الدراسات التاريخية» لأنجلوا وسينوبولس (ص/١٢٥ - ١٢٣).\n(^٤) «التراث وقضايا العصر» لمحمود إسماعيل (ص/٥٣) بتصرف يسير.","vol":"1","page":582},{"text":"فأهلُ النُّصوص من أهل الحديث عندهم مَنعوتون بسَطْحِيَّة النَّظر، وسذاجةِ التَّفكير، لاعتمادِهم على مجرَّدِ السَّمع مِن الثِّقات (^١)، «وليس ثَمَّ معيارٌ خارجيٌّ للأمانةِ ولا للدِّقة» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «الحداثة وموقفها من السنة النبوية» (ص/٢١٦ - ٢١٧).\n(^٢) «المدخل إلى الدراسات التاريخية» لأنجلوا وسينوبولس (ص/١٢).","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المَبحث الثَّامن\nباعث انكبابِ المُستشرقينَ على قضيَّة نقد المتونِ</span>\n«المنهج التَّاريخي الاستردادي» الغَربيُّ مَسلك حديث في توثيقِ التَّواريخ، يقوم على استردادِ أحداثٍ وقعت في الماضي تبعًا لما ترَكَته مِن آثار؛ مِن أساساتِه اعتمادُه على الملاحظةِ غير المباشرة، يسعى فيه المؤرِّخ إلى الوصول إلى نقاطٍ معرفيَّة قديمةٍ لا يصل إليها إلَّا مِن خلال وسائط مِن وثائقَ وشواهد، فهو يجمع تلك الوقائع المتفرِّقة، ويُناسق بينها، في خطٍّ معاكس لمسيرة الزَّمن، ليُنتج بها معرفةً تاريخيَّة، أقرب ما تكون عنده إلى الحقيقة (^١).\nوبما أنَّ تاريخَ هؤلاءِ فَقيرٌ إلى المُعطياتِ التَّاريخيَّة المُؤسِّسة، منقطعةٌ مُستنداتُه بمَصادرها الأصليَّة، لغفلةِ آبائهم عن توثيقِ أخبارِهم بالتَّسَلسُل الشَّفَوي أو الكِتابيِّ، كانت في أغلبها أخبارًا ومَصادر مُفرَّقة ومُفرغةً في كثيرٍ مِن حلقاتها، أثمنُ ما يظفرونَ به وِجاداتٌ، هي أضعَفُ أدواتِ التَّحمُّل عند المسلمين: فحينئذٍ انحصرَ عملُ المُستشرقِ في دراسةِ متونِ الأخبارِ دون أسانيدها اضطرارًا.\nهذا الفراغُ التَّاريخيُّ السَّحيقُ عند أهل المِلَل قبل الإسلام قال عنه محمَّد بن المظَفَّر الحافظ (ت ٤١٥ هـ) (^٢) قديمًا: «ليس لأحَدٍ مِن الأُمَم كلِّها قديمِهم\n_________\n(^١) «المنهج النَّقدي عند المُحدِّثين، وعلاقته بالمناهج النَّقدية التاريخية» لعبد الرحمن السُّلمي (ص/٩٣).\n(^٢) محمد بن المظفر بن علي بن حرب أبو بكر المقرئ الدينوري الحافظ: سكن بغداد، وحدث بها عن أبي إسحاق النيسابوري، وأبي بكر القطيعي، قال الخطيب البغدادي: «كتبنا عنه، وكان شيخا صالحا، فاضلا، صدوقا». انظر «تاريخ بغداد» (٤/ ٤٣٠).","vol":"1","page":584},{"text":"وحديثهِم إسنادٌ، وإنمَّا هي صُحف في أيديهِم، وقد خَلطوا بكُتبِهم أخبارَهم، وليس عندهم تَمييزٌ بين ما نَزَل مِن التَّوراة والإنجيل ممَّا جاءهم به أنبياؤهم، وتمييز بين ما ألحقوه بكُتبهِم من الأخبار الَّتي أخذوا عن غير الثِّقات» (^١).\nفلعلَّك قد لمحتَ السِّرَ في تركُّز أغلبِ شُغلِ الأوربِيِّين النَّقديِّ على دراسةِ متونِ الرِّوايات التَّاريخيَّة، وتحليلِها بمعايِير استحدثوها تُقرِّبهم فيما يظنُّون إلى صورة ماضيهِم قدرَ الإمكانِ، لانعدامِ تَسلسُلِ الشُّهودِ الموصِلِ إلى الصُّوَر التَّاريخيَّة المُتوخَّاة (^٢)؛ فلم يكن لهم مِن خيارٍ لتضييقِ هذه الفجوةِ إلَّا باللُّجوء إلى التَّخيُّلِ في استعادةِ تلك الصُّور التَّاريخيَّة، وتمحيص الأخبارِ بالنَّظر العقليِّ في ما تفيده، والاعتماد على شهودٍ غير مُباشِرين للأحداث (^٣).\nفذاك السَّند الرِّوائيُّ الإسلاميُّ حين افتقَدَه المنهجُ الغَربيُّ في دراستِه للوثيقة المدوَّنة، اضطرَّ إلى «الفَرْضِ والتَّخمين، لمعرفةِ أصولهِا ومصادِرها القديمة» (^٤)، مِمَّا كان له الأثر السَّلبي على ذات المنهجِ وتأخرِّ نضجِه، بقيت لأجله طبيعةُ المعرفة التَّاريخيَّة عند أربابِه ضعيفة، والوصول إلى درجاتِ اليقينِ عندهم ضَئيلةٌ، والقدرة على المُحاكَمات التَّفصيليَّة تكاد تَنعدم.\nثمَّ إنَّ هذا المنهج الغربي الحديث -مع ذلك- مَنهجٌ مُجمَلٌ غير مُتخصِّص، موضوع لجميع الدِّراسات التَّاريخيَّة على حَدٍّ سَواء، ما يجعله غير فعَّالٍ في بلوغِ الحقائق على وجه الدِّقة (^٥).\n_________\n(^١) «شرف أصحاب الحديث» للخطيب البغدادي (ص/٥٩).\n(^٢) «منهج النقد عند المحدثين» لـ د. أكرم العمري (ص/٤٩).\n(^٣) انظر «دراسات تاريخية» لأكرم العمري (ص/٢٧).\n(^٤) انظر «منهج النقد التاريخي الإسلامي والمنهج الأوروبي» لعثمان موافي (ص/١٧٤).\n(^٥) «المدخل إلى الدراسات التاريخية» (ص/٦ - ٢٥)، و«المنهج النقدي عند المحدثين وعلاقته بالمناهج النقدية التاريخية» (ص/٨٩،٢٢١).","vol":"1","page":585},{"text":"وهو وإن اتَّفق مع منهجِ النَّقدِ الحَديثيِّ الإسلاميِّ في أصولِ النَّظر التَّاريخي العامِّ، إذ كلاهما مُرتَكزٌ على مُقدِّماتٍ عقليَّةٍ متَّفق عليها: إلَّا أنَّ قُصارى مَبلغ أولائكَ رَسْمُ خطوطٍ عَريضةٍ لنقدِ التَّواريخ، دون مُراعاةٍ لاختلافِ طَبائعها.\nوهذا بخلافِ ما تَفتَّقت عنه عبقريَّة المُحَدِّثين، حيث تواردت عقولهم على ابتكار مَنهجٍ نقديٍّ يخصُّ مَجالًا تاريخيًّا بعينِه، مَحصورٍ في التَّاريخ النَّبَوي ومُتعلِّقاته، الزَّاخرِ بالشَّواهدِ والوثائقِ، لم تعرف له البشريَّة سميًّا في العناية والصِّيانة والاهتمام والنَّشر؛ ما أسهم في تهيئة منهج المحدِّثين للاكتمالِ، وتوفير الأدوات المناسبة لنقده، وضبطِه بقواعدَ يصلح تطبيقها على جميعِ جزئيَّاتِ هذا التَّاريخ.\nممَّا أبطأ بمنهج الغربيِّين أن يَصلَ إلى المحاكماتِ التَّفصيليَّة الَّتي وَصَل إليها المُحدِّثون (^١).\n_________\n(^١) «المنهج النقدي عند المحدثين وعلاقته بالمناهج النقدية التاريخية» للسُّلمي (ص/٩٧).","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المَبحث التَّاسع\nخطأ تطبيق «النَّقدِ الدَّاخليِّ» لمنهج الغربيِّ على تاريخِ السُّنة</span>\nمِن هنا يظهر غلط المُستشرقين ومَن قلَّدهم في تطبيقِ المنهج التَّاريخيَّ المُتَمَعقِلِ على تاريخِ السُّنة النَّبويَّة، مِن جهةِ: كونِه إجماليًّا لا يُثمِر نتائجَ دقيقةَ؛ ومِن جِهة: افتقادِ العاملين به للخِبرةِ بتاريخِ السُّنة النَّبوية الَّذي يُراد انتقاده؛ مع الإضرابِ عمَّن ينظر منهم إلى النُّبوَّةِ عبر مِنظارٍ فكريٍّ عَدائي، وما يَكتنف كتاباتِهم من خطايا منهجيَّة في النَّقدِ (^١).\nفحين يستصحب الغَربيُّ هذه الحمولةَ الفكريَّة في دراستِه للسُّنة، يتَوهَّم بعد استقراءٍ ناقصٍ لدواوينِها، وتتبُّعٍ عَيِيٍّ لتواريخها، ونظرٍ مُستَكِثرٍ لكُتبِ رجالها: أنَّ منهج المحدِّثين -على خلافِ مَنهجِهم- مَيَّالٌ إلى النَّقد الخارجيِّ دون الدَّاخليِّ، نزَّاع إلى الأشكالٍ دون المَضامين.\nومِمَّا يعَزِّز هذا الاعتقاد الفاسد في نظره: وقوفه على أحاديثَ صحيحةِ الإسناد استشكلَها عقلُه، فيعتقد اختلاقَها مِن قِبَل المُتفقِّهة المسلمين، ليُشرِّعوا بها بعضِ الاتِّجاهاتِ السِّياسية وقتهم، أو بغيًا على بعضِ الطَّوائف المخالفة لأهل السُّنة؛ فيقول: كان حَقُّ مثل هذه المُنكراتِ أن تُطوى ولا تُروى؛ فإذْ لم\n_________\n(^١) انظر كشف شيءٍ من هذا الزَّيف في «العيوب المنهجيَّة في كتابات المستشرق شاخث المتعلقة بالسنة النبوية» لخالد الدريس، و«نقدات المستشرق الألماني هولدموتسكي لبعض النظريات الاستشراقية حول السنة النبوية» لأحمد صنوبر.","vol":"1","page":587},{"text":"يستنكِرها المُحدِّثونَ وهم أهل الاختصاص، فلا محالة أنَّ مَسلَكَهم في دراسة الأسانيدِ قاصرٌ عن تَنقيةِ الأخبار مِن الزُّيوف الواضحة (^١)، وأنَّ عزوفَهم عن النَّظرِ العقليِّ في المتون، واهتمامَهم بالأشكالِ الإسناديَّة، طريقةٌ «لا يُمكن التَّعويل عليها في الأغلبِ، لفُشوِّ الوَضع فيها» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث» لمحمد حمزة (ص/٢١٠).\n(^٢) «تاريخية الدعوة المحمدية في مكة» لهشام جعيط (ص/٢٢).","vol":"1","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المَبحث العاشر\nتسرُّب النَّظرة الاستشراقيَّة إلى دراساتِ الإسلاميِّين لتُراثِ المُحدِّثين</span>\nمِن هناك بدأت دعواتِ تجديدِ آلياتِ النَّقد الحديثي، وإعادةِ تشكيل قواعدها، تَتوالى داخلَ المنظومةِ الفكريَّةِ الإسلاميَّةِ نفسِها، وصار كثيرٌ من رجالاتِ الفكرِ ينظرون إلى قواعد المُحدِّثين وأحكامِهم نَظرَ المُنافرِ بينها ومُتطلَّباتِ الواقع.\nفهذا (طه العلوانيَّ) (^١) يدعو صراحةً إلى تغيِير منهجِ النَّقد الإسلاميِّ للأخبار، واستحداثِ بديلٍ له، فيقول في كلامٍ له عن عَملِ المُحَدِّث: «.. اِنتهى إلى تقليدِ الرُّواة والنَّقلةِ في قضايا الجرح والتَّعديل، والتَّوثيق، والتَّضعيف، أو تقليد ومتابعة الرُّواة في فهمِهم لتلك المَرويَّات، وفي ذلك ما فيه مِن تَوقُّف عن الإضافةِ إلى العلم، وتكريسِ العقليَّة السُّكونية؛ ولذلك، فإنَّا نرى الحاجة مُلحَّةً إلى إعادةِ النَّظر في بِنية علومِ الحديثِ الفكريَّةِ والمنهجيَّةِ» (^٢).\n_________\n(^١) طه جابر العلواني: مفكر إسلامي، كان رئيس المجلس الفقهي بأمريكا، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بفرجنيا بأمريكا، حصل على الدكتوراة في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر في القاهرة عام ١٩٧٣، ثم كان أستاذًا في أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، شارك عام ١٩٨١ م في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة، وباسمها أصدر مجلة «إسلامية المعرفة»، كما كان عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة، توفي سنة ٢٠١٦ م.\n(^٢) من مقدمته لمجلة «إسلامية المعرفة» (العدد ٣٩، ص/٤١).","vol":"1","page":589},{"text":"مثلُ هذه الرَّغبة المعاصرة الجامحة لاستبدالِ ما تَوارثته الأمَّة من مناهج التَّوثيق الحديثيِّ، مُستمد مِن جذرٍ أقدم، يرجع إلى (محمَّد عبده) في سوءِ تصوُّرِه لأساساتِ هذا العلم، فقد كان مِن السَّابقينَ إلى التَّقليلِ مِن قيمةِ الأسانيدِ الرَّائجةِ في صدر هذه الأُمَّة؛ يقول مَرَّةً في جدالِ أحَدِ علماءِ الهنود: «.. ما قيمة سَنَدٍ لا أعرف بنفسي رجالَه، ولا أحوالَهم، ولا مكانَهم مِن الثِّقةِ والضَّبط؟! إنَّما هي أسماءٌ تلقَّفَها المشايخُ بأوصافٍ نُقلِّدهم فيها، ولا سَبيلَ لنا إلى البحثِ فيما يقولون» (^١).\nوهذا لا شكَّ منه تطلُّبٌ للمُحَال، وهي مَقالةٌ منه خطيرةٌ! مُنطويةٌ على جهلٍ بطبيعةِ تلك الأسانيد، والمَعايير الَّتي وضعها العلماء قبله للتَّحقُّق من مراتب الرُّواة، مع ما في رفضِه لها من خرمٍ لإجماعِ الأمَّة على اعتبارها بضوابِطها، وما إليه تَؤُول عبارتُه من دعوةٍ إلى الانفلاتِ مِن السُّنَن جملةً.\nوبمثل هذه الدَّعوى يُعلِّل مَن يلغ في حياض «الصَّحيحين» بأنَّ الكِتابَين على غيرِ منهجيَّةٍ مَوضوعيَّةٍ متينة! ترى ذلك -مثلًا- في ما استنكره (عبد الحميد أبو سليمان) من أحاديثِ في «صحيح مسلم»، حيث أرجعَ باللَّائمةِ سِراعًا إلى المنهجِ النَّقدي الَّذي سارَ عليه مسلم بن الحجَّاج في انتخابِه للأخبار، فقال: «إنْ صحَّت مثل هذه النُّصوص، وما أظنُّ كثيرًا منها يَصحُّ بحرفه على الأقلِّ، مِن باب الدِّراية ونقدِ المتن: وذلك لِما قد يكون لحِقها مِن عيوب الرِّواية، الَّتي يغلب على الظَّن أنَّه لم يتنبِه لها علماء الحديث» (^٢).\n_________\n(^١) «الأعمال الكاملة» لمحمد عبده (١/ ١٨٤).\n(^٢) في مقاله «حوارات منهجية في قضايا نقد متن الحديث الشريف»، المنشور بمجلة «إسلامية المعرفة» (العدد ٣٩، ص/٢٤٨).","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المَبحث الحادي عشر\nلزوم النَّظر الإسناديِّ في عمليَّة النَّقدِ الحديثيِّ</span>","vol":"1","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المَطلب الأوَّل\nمنشأ فكرة الإسناد للأخبار الشَّرعيَّة</span>\nعلى خلاف ما يظنُّ كثيرٌ من المُعترضين على المحدِّثين، فإنَّ منهجهم في أصلِه هو كمنهجِ الغَربيِّين مِن جهة النَّظرِ إلى أنَّ الوقائع التَّاريخيَّة الَّتي حَدَثت في زمنِ سابقٍ تَركت وثائق أو شواهد، وأنَّ إثباتها يحتاج إلى تَتبُّع هذه المُخلَّفاتِ، حتَّى الوصول إلى تلك الواقعةِ، في خطٍّ مُعاكس لمسيرة الزَّمن -كما أشرنا إلى هذا سابقًا-؛ فإنَّ المُحدِّثينَ لإثباتِ حَدَثٍ للنَّبي ﷺ، يجمعون المَنقول في ذلك عن (الرُّواة)، باتِّجاهٍ معاكس لاتِّجاه نقلِ الرِّواية فيهم، فيَبدؤون بالتَّحقُّقِ مِن تحديثِ الرَّاوي الأخير، ثمَّ مِن شيخِه، وهكذا إلى أن يَعلوا إلى الرَّاوي الأوَّل الَّذي رأى أو سمعَ النَّبي ﷺ.\nلكن ميزة عملِ المحدِّثين على منهج المؤرِّخين الغربيِّين، هي في حُسنِ اختيارِ الأدواتِ المنهجيَّة المناسبةِ لنَقْدِ ما تخصَّصوا بنقدِه؛ كان من أبرزِ تلك الأدوات الَّتي اتَّسم بها منهجهم النَّقدي، أنَّهم حين علموا بأهميَّة الملاحظةِ المباشرةِ مبكِّرًا، لَحَموا بين هذه التَّقطُّعاتِ الواردة في جميعِ التَّواريخ الأخرى، بابتكارِ بديعٍ يَتَمثَّل في «سَلاسل الإسنادِ»، بحيث أنَّ كلَّ راوٍ في هذه السِّلسلة، يعتمدُ على ما نقله عمَّن فوقه مِن ملاحظةٍ مباشرةٍ، ثمَّ مُقارنتِها بغيرها مِن","vol":"1","page":593},{"text":"الملاحظاتِ المباشرةِ لأقرانهم للواقعةِ ذاتِهما، مع ملاحظةِ العَدالة ومُشامَمَةِ الدِّيانة، ليخلُصوا بمجموعِ ذلك إلى الحكم الأدقِّ على ضبطِهم للأخبار (^١).\nلقد أدرك المحدِّثون منذ الصَّدر الأوَّل ما للإسناد من أهميَّةٍ بالغةٍ في الصِّناعة التَّوثيقيَّة؛ فهو مُرتكزُها الأساس في الحكمِ على الأخبار النَّبويَّة، وإلزامُهم به يَسَّر عليهم الكشف عن مَصدر الخبر؛ فلذا كان التَّفتيش عنه مُبكِّرًا، ظاهرًا في آخر زَمنِ الصَّحابة ﵃ وكبارِ التَّابعين، ثمَّ ازدادَ الإلحاح في طَلبِه بعد جيلِ هؤلاء لشيوعِ الوَضع، وتكاثر أهلِ الأهواء، وتَقالِّ الوَرَع، حتَّى أصبحَ الإخبارُ بمصدرِ الخَبَرِ لا مَناصَ للرَّاوي عنه إذا أراد لرواياتِه القَبول.\nوفي تقريرِ هذا المنهج وَرَد مَشهورُ قولِ ابنِ سِيرِين (ت ١١٠ هـ): «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمَّا وقعت الفتنة، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السُّنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البِدع فلا يؤخذ حديثهم» (^٢)، يعني بالفتنة هنا: مقتل عثمان ﵁ (^٣).\nوبهذا نتحقَّق أنَّ دعوى التَّقليلِ مِن قيمةِ الإسنادِ، بالاقتصارِ في النَّقد الحديثيِّ على مُجرَّدِ اختبارِ المتونِ بالعقول: هو في حقيقته شَيْنٌ للمنهجِ العقليِّ نفسِه، فإنَّ مِن غير المَعقولِ إثباتُ مَقولٍ إلى قائلٍ بمجرَّد نقدِ دلالة متن ذاك المَقال، اللَّهم إلَّا إن كان غرض هذا النَّقدِ النَّظرُ في استقامةِ المتنِ من حيث هو، فلا علاقةَ لهذا بما نحن بصَددِه من توثيقِ الرِّوايات؛ مع أنَّ أكثر المتونِ لا يُقدَر على مَعرفةِ استقامتِها أو فسادِها في ذاتِها، لانتفاء المانِع مِن نِسبتِها إلى الشَّارع، فـ «مِن المستحيل إذن استعمالُ العقلِ -مِن النَّاحيةِ العقليَّة نفسِها- في تقويمِ كلِّ حديث» (^٤).\n_________\n(^١) انظر «منهج النقد عند المحدثين مقارنا بالمنهج الغربي» لأكرم العمري (ص/٢٧ - ٣٨).\n(^٢) مقدمة «صحيح مسلم» (١/ ١٥، باب: في أن الإسناد من الدين)\n(^٣) انظر «الإمام الزهري وآثاره في السُّنة» لحارث الضاري (ص/٣١٤)، وفيه ذكر لجملةٍ من الأسباب التي تعزز تفسير الفتنة بمقتل عثمان ﵁.\n(^٤) «منهج النَّقد عند المُحدِّثين» لمحمد مصطفى الأعظمي (ص/٨١)، وانظر أيضا «مَرويات السِّيرة النَّبوية بين قواعد المُحدِّثين وروايات الأخباريين» لأكرم العمري (ص/١٧).","vol":"1","page":594},{"text":"فظهر بهذا أنَّ المشكلة مع هؤلاءِ المُزَمِّرينَ للنَّقدِ الباطنيِّ: أنَّهم ألبسُوا المتنَ حُلَّة (الشَّرطيَّة)، وهي على غير قياسِه، ولا هي مِن شأنِه! إنَّما هي حُلَّة الإسنادِ، تَكالبوا على خَلْعِها عنه غصْبًا، فلا المتنُ قَبِلَ التَّحلِّي بها إذْ لم تُوائِمه، ولا هم تَركوها بعدُ لمُستحِقِّها الطَّبيعيِّ!\nوما هو إلَّا الهوى يُعمي ويصمُّ، وفي أمثالِهم يقول مصطفى السِّباعي:\n«فتحُ البابِ في نقدِ المتنِ بناءً على حكمِ العقلِ الَّذي لا نَعرِفُ له ضابطًا، والسَّيرُ في ذلك بخُطىً واسعةٍ على حَسبِ رأيِ النَّاقد وهواه، أو اشتباهه النَّاشئ في الغالبِ عن قلَّةِ اطِّلاع، أو قصر نَظَرٍ، أو غفلةٍ عن حقائق أخرى؛ إنَّ فتح البابِ على مِصراعيه لمثلِ هؤلاء النَّاقدين يُؤدِّي إلى فوضى لا يَعلَمُ إلَّا الله مُنتهاها، وإلى أن تكون السُنَّة الصَّحيحة غير مُستقِرَّة البُنيان، ولا ثابتة الدَّعائم؛ ففُلان يَنفي هذا الحديث، وفلانٌ يُثبِته، وفلانٌ يَتوقَّف فيه، كلُّ ذلك لأنَّ عقولهم كانت مختلفةً في الحُكْمِ والرَّأي والثَّقافة والعُمق، فكيف يجوز هذا؟!» (^١).\n_________\n(^١) «السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» (ص/٢٧٨).","vol":"1","page":595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المَطلب الثَّاني\nمَدار النَّقدِ عند المُحدِّثين على المقارنةِ بين الأخبار</span>\nإنَّ الحكم الصَّحيحَ على منهجِ المُحدِّثين في نقدِ الأخبارِ فرعٌ عن حُسنِ تَصوُّر هذا العلمِ، واستيعابِ أساساتِه الَّتي قامت عليه، فإذا كان نَقدُ المُعاصرين للأحاديثِ قائمٌ كما يزعمون على ملاحظةِ خِلافها لِما هو أقطعُ منها، فكذلك «مَدار التَّعليلِ عند المُحدِّثين هو على بَيانِ الاختلافِ» (^١) بين الرُّواة في أداءِ الأسانيد من جِهة، وبين المتونِ الَّتي تنتهي إليها من جِهة أخرى.\nفهي عَمليَّة نقديَّة لا تقوم أصلًا إلَّا على قوَّة ملاحظةِ المُختلِفات، وحُسن التَّرجيحِ بينها باستعمالِ القرائن؛ ومَشهورٌ في تقريرِ هذا النَّظرِ المُقارِن أصلًا للنَّقد، قولُ ابنِ المَدينيِّ: «البابُ إذا لم تُجمع طُرقه، لم يَتبيَّن خطؤُه» (^٢).\nوإذا كان أوَّلَ مُرتكزاتِ النَّقدِ التَّاريخيِّ الغَّربيِّ: «نقدُ المَصدر» (^٣)، وهو الَّذي يَتوجَّه إلى مَصدر الوثيقة ونحوها، للتَّأكُّدِ مِن ضبطِ المصدر لها: فإنَّ المُقرَّر في بدائِه علمِ الحديث، أنَّ ضَبط الأخبارِ شَرطٌ أسَاسٌ لتوثيقِ مَصدرِ الرِّوايةِ -وهو الرَّاوي- ولا يكون ذلك إلَّا بأن يُطمَأنَّ إلى إتقانِه لِما يَرويه حِفظَ صَدرٍ أو حِفظَ\n_________\n(^١) «النكت على ابن الصَّلاح» لابن حجر (٢/ ٧١١).\n(^٢) «الجامع» للخطيب البغدادي (٢/ ٢١٢)، و«مقدمة ابن الصَّلاح» (ص/٩١).\n(^٣) انظر «مناهج البحث» لعبد الرحمن بدوي (ص/١٨٨، ١٩٤، ٢٠٥).","vol":"1","page":596},{"text":"كِتابٍ، عالِمًا بمعنى ما يَروِيه وما يُحيله عن المُراد إن رَوَى بالمعنى (^١)، ليَثِقَ المطَّلعُ على روايتِه والمتتبِّعُ لأحواله، بأنَّه أدَّى الأمانة كما تَحمَّلها، لم يُغيِّر مِن حقيقتِها شيئًا، فليس يُسَمَّى ثقةً إلَّا إذا اجتمع فيه شَرْطا العدالةِ والضَّبط (^٢).\nوهذا الضَّبط هو مَناط التَّفاضل بين الرُّواة الثِّقات في منهج المُحدِّثين، يُتحقَّق من اتِّصاف الرَّاوي به بعَرضِ ما يحدِّث به حِفظًا على ما في كُتبِه إن كان له كتاب، أو بعرضِ روايتِه على رواياتِ الثِّقات الضَّابطين المتقِنين، لمعرفةِ مَدى مُوافقةِ حديثِه لحديثهِم أو مخالفتِه، بل تُعرض روايته على باقي رواياتِه نفسِه (^٣)! فإن كثُرَت مخالفته دلَّ على اختلالِ ضبطِه، فلا يُحتج بحديثه، ولا تضرُّه المخالفة النَّادرة (^٤).\nوفي التَّنويه بهذه المنهجيَّة النَّقديَّة المقارنة، يقول الخطيب البغداديُّ (ت ٤٦٣ هـ): «هذه الأمَّةُ إنَّما تَنصُّ الحديثَ مِن الثِّقة المَعروف في زمانه، المشهور بالصِّدق والأمانة عن مثله، حتَّى تَتَناهى أخبارهم، ثمَّ يبحثون أشدَّ البحث، حتَّى يعرفوا الأحفظَ فالأحفظ، والأضبطَ فالأضبط، والأطولَ مجالسةً لمِن فوقه ممَّن كان أقلَّ مجالسة، ثمَّ يكتبون الحديثَ مِن عشرين وجهًا وأكثر، حتَّى يُهذِّبوه من الغَلط والزَّلل، ويضبطوا حروفَه ويعدُّوه عدًّا» (^٥).\n_________\n(^١) انظر «تدريب الرَّاوِي» للسيوطي (١/ ٣٠١).\n(^٢) انظر «فتح المغيث» للسخاوي (١/ ٢٨).\n(^٣) وبهذا عللَّ حُذَّاق النُّقاد بعض أحاديث الثِّقاتِ، بكونِها لا تُشبه أحاديثه، وأنَّها أشبهُ بأحاديث بعضِ المَجروحين، وذلك لأنَّهم «لكثرة ممارستهِم للحديث ومعرفتهِم بالرِّجال وأحاديث كلِّ منهم، لهم فَهْم خاصٌّ يفهمون به أنَّ هذا الحديث يُشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، انظر «شرح علل الترمذي» لابن رجب (١/ ٥٥).\n(^٤) انظر «الرسالة» للشافعي (ص/٣٨٠)، ومقدمة «صحيح مسلم» (١/ ٧)، و«الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان» (١/ ١٥٣ - ١٥٥)، ولمزيد معرفة بطرق المُحدِّثين في معرفة ضبط الراوي مع أمثلة ذلك انظر «تحرير علوم الحديث» لعبد الله الجديع (١/ ٢٦١ - ٢٧٢).\n(^٥) «شرف أصحاب الحديث» (ص/٥٩).","vol":"1","page":597},{"text":"العَجيب؛ أنَّ اكتشاف الإسنادِ آليَّةً لافتِحاصِ الأخبارِ واختبارَ رُواتِها لاختيارِ الأخْيَار، هذا الرِّزق الَّذي خُصَّت به الأُمَّة وحُقَّ الفَخرُ به على سائرِ الأُمَم، وَدَّ مِن الغَرْبِيِّين مَن لو أُورِثوا مثل هذا الكنزَ من أسلافِهم، فدوَّنوا بها تواريخَهم وسِيَر أنبيائهم، إذن لفاخَرُوا به حَضاراتِ الدُّنيا أجمعِها؛ في الوقت الَّذي طُمِسَت فيه عيونُ بعضِ أبناءِ الإسلامِ عن تلمُّحِ حسناتِه!\nفبِحقٍّ قال المُستشرقِ (مَرْجِيلْيُوث)، يُعلِنها في لحظةِ إنصافٍ لخصومِه: «مع أنَّ نظريةَ الإسنادِ قد أوجبَت الكثيرَ مِن المتاعب، نظرًا لما يَتَطلَّبَه من البَحثِ في ثقةِ كلِّ راوٍ، ولأنَّ وضعَ الأحاديثِ كان أمرًا مَعهودًا، وجرَى التَّسامح معه بسهولةٍ أحيانًا، إلَّا أنَّ قيمَتَها في تحقيقِ الدِّقةِ لا يُمكن الشَّكُ فيها، والمسلمون مُحِقُّون بالفَخْرِ بعِلْمِ حَديثِهِم» (^١).\n_________\n(^١) \"  lectures on arabic historians\" p. ٢٠.\nوعبارة (مارجليوث) هذه - وهي من كتابِه المَرقومِ بالإنجليزيَّة - أدَّقُ مِمَّا اشتهر من نقلِ المُعلِّمي في الأنوار الكاشفة» (ص/١٠٣) عنه: «ليفتخر المسلمون بعلم حديثهم ما شاؤوا».","vol":"1","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>المَبحث الثَّاني عشر\nعدم قَبول المحدِّثين لأخبارِ الثِّقات بإطلاق</span>\nيُزري بنفسِه مَن يَدَّعي على المُحدِّثين قَبولَهم لحديثِ الرَّاوي لمجرَّدِ أنَّه ثِقة، أو لأنَّ إسناده صَحيحٌ في ظاهرِه؛ فإنَّ الخطأ والوَهم في الرِّوايةِ سَجيَّةٌ في البَشريَّة، وهما أمْرانِ جائزانِ في أحاديثِ الثِّقاتِ بإجماعِ العقلاء، وإن كان الأصلُ في خبرِ الثِّقة مُطابقة الواقع، والخَطأ طارئٌ مُحتمل،\nوفي تقرير هذه البديهةِ على الحُفَّاظ يقول مسلم بن الحجَّاج: «ليسَ مِن ناقلِ خَبرٍ، وحاملِ أثرٍ مِن السَّلف الماضين إلى زماننا، وإن كان مِن أحفظ النَّاس، وأشدِّهم توقِّيًا، وإتقانًا لما يحفظ وينقُل، إلَّا الغَلط والسَّهو ممكنٌ في حفظِه ونقلِه» (^١).\nواعتبارًا لهذا الاحتمالِ في رواية الثِّقات، اشترطَ المحدِّثون في حَدِّ «الصَّحيحِ» أن لا يَكون الخبرُ شاذًّا ولا مُعَلَّلًا بعلَّةٍ خَفيَّةٍ، ومَنشأ هذين الخَطأ قطعًا، وبهما وَهَّم أئمَّة الحديثِ أكابرَ الرُّواة في غلَطاتٍ عُدَّت عليهم، مِن غيرِ اتِّكالٍ على سلامةِ الظَّاهر من الإسنادِ، بل يعتقدون أنَّ «الإسنادَ قد يكون كلُّه ثقاتٍ، ويكون الحديثُ مَوضوعًا أو مَقلوبًا، أو قد جَرَى فيه تَدليسٌ، وهذا أصعبُ الأحوال، ولا يَعرفُ ذلك إلَّا النُّقاد» (^٢).\n_________\n(^١) «التمييز» (ص/١٧٠)، وانظر أيضًا «العلل الصغير» للترمذي (ص/٧٤٦ - بآخر الجزء الخامس من طبعة أحمد شاكر لجامع الترمذي).\n(^٢) «الموضوعات» لابن الجوزي (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":599},{"text":"يقول ابن تيميَّة عن صرامة موقف المُحدثِّين من أخبار الثِّقات:\n«إنَّهم يُضعِّفون من حديثِ الثِّقة الصَّدوق الضَّابط أشياءَ تبيَّن لهم أنَّه غلط فيها بأمورٍ يستدلُّون بها، ويسمُّون هذا علم عِلل الحديث، وهو من أشرف علومِهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه، وغلطُه فيه عُرِف .. كما عَرفوا أنَّ النبي ﷺ تزوَّج ميمونة وهو حلال، وأنه صلَّى في البيت ركعتين؛ وجعلوا رواية ابن عبَّاس لتزوجها حرامًا، ولكونه لم يصلِّ: ممَّا وقع فيه الغَلَط، وكذلك أنَّه اعتمر أربع عُمَر؛ وعَلِموا أنَّ قول ابن عمر إنَّه ﷺ اعتمر في رجب: ممَّا وقع فيه الغلط؛ وعَلِموا أنَّه تمتَّع وهو آمن في حجَّة الوداع، وأنَّ قول عثمان لعليٍّ: «كنَّا يومئذٍ خائفين» ممَّا وقع فيه الغَلط؛ وأنَّ ما وقع في بعضِ طُرق البخاريِّ «أنَّ النَّار لا تمتلئُ حتَّى يُنشئ الله لها خلقًا آخر» ممَّا وقع فيه الغَلَط، وهذا كثيرٌ» (^١).\nهذا الَّذي قرَّرناه مِن عَملِ المُحدِّثين في نقد أخبارِ الثِّقات قد أكبَرَه فيهم رُوَّاد المنهجِ التَّاريخي الغَربيِّ أنفسُهم حين وَصلوا إلى شيءٍ من ممارسةِ حقائقِه، ليُخبرونا مُتأخِّرين بقرون كثيرة: أنَّه لا يَقوم بهذا النَّقدِ «على وجهِ الدِّقةِ، إلَّا الخُبراء الحُذَّاق، الَّذين طالت مُمارستهم للنَّقد، وعظُمت مَعارفهم بالمعلوماتِ المؤثِّرة فيه» (^٢).\nوصدقًا قالوا؛ فإنَّ معرفةَ هذه الأخطاءِ واستخراجِها مِن حديث الثِّقاتِ، لا يتمكَّن منه إلَّا الأئمَّة النُّقاد الجامعون، مَعرفةً لم يُؤتاها الواحد منهم بمجرَّد النَّظر في إسنادِ الحديث نَظرًا رياضيًّا بَحْتًا، ولكنها عمليَّة مُرَكبَّة دقيقة لا تُوهَب إلَّا لحادِّ الذِّهن، كثيرِ المِران بأحوالِ الرُّواة وصفاتِهم، واسعِ الاطِّلاعِ على الأسانيد ومَخارج أحاديثهم، حديدِ الفهم لمتونِها وما يكتنفُها مِن مُشكلات؛ وهو\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٣٥٣).\n(^٢) «المنهج النقدي عند المحدثين وعلاقته بالمناهج النقدية التاريخية» (ص/٨٧ - ٨٨).","vol":"1","page":600},{"text":"ما عناه السَّمعاني (ت ٤٠٣ هـ) بقوله: «الصَّحيح لا يُعرف بالرِّواية مِن الثِّقات فقط، وإنَّما بالفَهم، والحفظ، وكثرة السَّماع» (^١).\n_________\n(^١) «قواطع الأدلة في الأصول» (١/ ٣٩٩).","vol":"1","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المَبحث الثَّالث عشر\nشرطُ سَلامةِ المتن مِن القَوادِح لتمامِ النَّقدِ الحديثيِّ</span>\nمنهج المُحدِّثين معتمدٌ على النَّظرة التَّكامليَّة في النَّقدِ بين النَّظَرِ في عُنْصُرَي الرِّواية مِن غير اجتزاءٍ، لعلمِهم بالعلاقةِ الشَّرطيَّةِ بين الإسناد والمتن، فكثيرًا ما يقرِّرون بأنَّ صِحَّة الإسناد لا تستلزم صِحَّة المتن (^١)، وإن كانت شرطًا لا بدَّ له منه؛ كما أنَّ استقامةَ المتنِ لا تعني بالضَّرورةِ صحَّة الإسناد، فرُبَّ خَبرٍ صَحيحِ المَعنى، فصيحِ المَبْنى، يمنعُ مِن نسبتِه إلى لفظ الشَّارع وَهاءُ إسنادِه.\nومن هنا نستطيع أن نقول:\n_________\n(^١) انظر «النُّكت على ابن الصَّلاح» للزَّركشي (١/ ١٢٢)، و«النُّكت الوفيَّة» للبقاعي (١/ ٢٩١).","vol":"1","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المَطلب الأوَّل\nطبيعة العلاقة بين الإسناد والمتنِ</span>\nإنَّ العلاقةَ بين الإسناد والمتن علاقة تلازمٍ شرطيٍّ، لا تلازم اطِّرادي؛ بمعنى: أنَّه يَلزمُ لوجودِ المَشروطِ وجودُ الشَّرط، ولا يلزمُ مِن وجودِ الشَّرطِ وجودُ المشروطِ ضرورةً؛ فصحَّة السَّند هنا شرطٌ مِن شروط صحَّة الحديث، وصحَّة المتن مَشروط له، وعليه يلزَمُ لصحَّةِ المتنِ صِحَّةُ السَّند، وليست صحَّةِ السَّندِ موجبة لصحَّة المتن (^١).\nفإذا تقرَّر هذا؛ فإنَّ النَّظر في السَّندِ والمتنِ مَعًا أساسٌ لعمليَّة النَّقد الحديثيِّ عند المتقدِّمين، إذْ لا سبيل إلى الحكمِ بصحَّةِ الحديثِ، إلَّا بعد ثبوتِ شرطِه مِن الإسنادِ، وانتفاءِ المانع من ذلك في المتن؛ وبهذا قد أعطى المحدِّثون رُكْنَي الخبرِ حقَّهما مِن النَّظر، فلا هم نسبوا إلى الرُّواة الوَهَم والخَطأ ونحوَ ذلك لمجرَّدِ كونِ المتنِ يدلُّ على خلاف رأيٍ لهم مبنيٍّ على الظَّن، ولا هم اعتقدوا فيهم العصمةَ عن الخطأ والنِّسيان (^٢).\nوعلى هذا يُخرَّج تَصرُّفهم حِيالَ ما كان صحيحَ الإسنادِ باطلَ المتنِ، فإنَّهم لا يحكمون على السَّندِ وحدَه بِما يظهر مِن صحَّتِه، لمِا فيه مِن إيهامٍ لقَبولِ المتن،\n_________\n(^١) «الفروسية» (ص/٢٤٦).\n(^٢) انظر «توجيه النَّظر» (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":603},{"text":"ولكنَّهم يقرِنون مع حكمِ الإسنادِ ما يُفيد المنعَ مِن قَبولِ مُقتضاه في المتن في الغالب، كأن يقولوا: «سَنَده صَحيح، والحديث باطل، أو مُنكَر المتنِ» ونحو هذا مِن العِبارات (^١)،\nولا يَكتفون بقولِ: «إسنادُه صحيح» فقط، نظرًا لما عُهِد مِن منهجِهم أنَّ الإمامَ مِنهم إذا اقتصَرَ على ذلك، دَلَّ غالبًا على أنَّه لم يَطَّلِع على عِلَّةٍ في المتن، فيكون تصحيحًا للحديثِ كلِّه (^٢).\n_________\n(^١) وأمثلة هذا في مُمارسات المحدِّثين كثيرة، منها -على سبيل المثال- حديث: «الربا ثلاثة وسبعون بابا، أيسرها أن ينكح الرجل أمَّه ..»، قال فيه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٣٦٣): «هذا إسناد صحيح، والمتن منكر ..، ولا أعلمه إلا وهمًا».\n\nويقول السَّخاوي في «فتح المغيث» (١/ ١٢١): «أورَدَ الحاكم في مُستدركِه غيرَ حديثٍ يحكم على إسناده بالصِّحة، وعلى المتن بالوَهاء، لعلَّتِه أو شذوذِه، إلى غيرهما [يعني النَّسائي والحاكم] مِن المتقدِّمين، وكذا من المتأخِّرين كالمزِّي، حيث تكرَّر منه الحكم بصلاحيَّة الإسناد ونكارة المتن».\n(^٢) انظر «معرفة أنواع علوم الحديث» لابن الصلاح (ص/٣٨)، واختار ابن حجر التمييز بين من يُفرِّق في حكمه بين (إسناد صحيح) و(حديث صحيح)، وبين من يعبِّر بقوله (إسناد صحيح) عن الحديث كليَّةً سندًا ومتنًا، بحسب الاستقراء من حاله، انظر «نُكته على ابن الصلاح» (١/ ١١٨ - ١١٩).","vol":"1","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>المَطلب الثَّاني\nتعليلُ المحدِّثين للخَبرِ إذا عارَضه ما هو أقوى</span>\nقد علِمنا قبلُ أنَّ مَدار عَملِ النُّقادِ قائم على بَيانِ الاختلافِ بين رواياتِ الحديثِ الواحدِ، فيُقارِنون مُتونَ الطُّرقِ بعضها ببعضٍ؛ فبدهيٌّ أنَّهم بهذا المنطقِ لنْ يحكموا بصحَّة الحديثِ إذا خالَفَ حديثًا آخرَ مخالفةً حقيقيَّةً رواتُه أرجح، ولا أن يقولوا: كلُّ ذلك صَحيح!\nبهذا الاعتبار نرى المُحدِّثين كثيرًا ما أعلُّوا حديثَ الثِّقةِ إذا رَوَى ما يُخالف رأيَه (^١)،\nأو خِلافَ الثَّابتِ المَعروفَ مِن السُّنَنِ المَستفيضة؛ كما تراه - مثلًا- في قولِ أحمد (ت ٢٤١ هـ) في حديثِ أسماءَ بنتِ عُمَيس: «تَسَلَّبي ثلاثًا، ثمَّ افعلِي ما\n_________\n(^١) ضعَّف أحمد بن حنبل وأكثر الحُفَّاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا الاعتبار، وإن كان لا يخلو هذا المسلك من نظر في بعض الأحيان، إذ قد يكون الراوي حين جاء عنه ما يخالف روايته فعَل ذلك لمعارض راجح بلغه، فترك موجِبَ روايته وعمل أو أفتى بالراجح، أو يكون لناسخٍ بلغه؛ وقد يكون نسي ما روى كما قال قتادة في فُتيا الحسن بخلاف روايته في قتل الحرِّ بالعبد.\n\nعلى أنَّ الصَّحيح أن هذه الاعتبارات لا تُضعِّف اعتماد هذا المسلك، لأنَّ النُّقاد لمَّا اعتمدوه في نقد المتونِ لم يكن اعتمادهم عليه اعتمادًا كليًّا، بل نقدهم لا يخلو معه من نظر في الأسانيد، ولا يخلو إسناد لمتن منتقد بهذه العلَّة -في الغالبِ- من وجود علَّة إسناديَّة توجب ضعفه، من إرسال، أو سماع من مختلط بعد الاختلاط، أو تفرُّد ممن لا يحتمل تفرُّده، لكن الشَّاهد عندنا من إيراد هذا المثال اعتناء المحدِّثين بالنَّظر في المتون وما يعارضها أثناء العمليَّة النقديَّة.\nوانظر «الفقيه والمتفقه» (١/ ٣٧٠)، و«شرح علل الترمذي» (١/ ١٥٨)، و«منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث» لبشير عمر (٢/ ٩٣٢).","vol":"1","page":605},{"text":"بَدَا لكِ»: إنَّه «مِن الشَّاذِ المُطَّرح»؛ هذا مع أنَّه يُصحِّح ظاهر إسنادِه! وذلك لمخالفةِ مَتنِه عنده للأحاديثِ الصَّحيحةِ الكثيرةِ في الإحْدادِ (^١).\nفإذا تَقرَّر هذا؛ فإنَّ مُعارضةَ الحديثِ بما هو أوسعُ دائرةً مِن جنسِه في الباب الواحد هو مِن أُسسِ عَملِ النُّقاد في حكمِهم على الحديث، فإنَّهم إذا قَدِروا على تَعليلِ خَبرٍ لمجرَّدِ مُعارضتِه لِما هو أرجحُ منه وأشهر، مع كونِ هذا كلِّه في نِطاقِ إخباريٍّ واحد؛ فما الَّذي يَمنعُهم مِن أن يُعِلُّوا خَبَرًا يرونه مُعارضًا لقَطْعيٍّ خارجَ هذا النِّطاق، أكانَ قاطعًا قُرآنيًّا، أو تاريخيًّا، أو إجْماعيًّا .. إلخ؟!\nوالأصلُ في هذا ما قعَّده الشَّافعي (ت ٢٠٤ هـ)، في اشتراطِ خُلُوَّ المتنِ مِن قادحٍ أو مخالفةِ الأقوى ليصحَّ الحديث، في قولِه: «لا يُستدلُّ على أكثرِ صدقِ الحديثِ وكذبِه إلَّا بصدقِ المُخبِر وكذبِه، إلَّا في الخاصِّ القليل مِن الحديث، وذلك أن يُستَدَلَّ على الصِّدقِ والكذبِ فيه:\nبأن يُحدِّثَ المُحدِّث ما لا يجوز أن يكون مثلُه.\nأو ما يخالفه ما هو أثبتُ وأكثرُ دلالاتٍ بالصِّدقِ منه» (^٢).\nوعلى مِنوالِ هذا التَّقعيدِ جَرت صياغةُ ابن أبي حاتم الرَّازي (ت ٣٢٧ هـ) لقاعدتِه الَّتي أسَّسَ عليها المعيار العلميِّ لتعليل الأخبار، حيث قال: «يُقاس صحَّة الحديث بعدالةِ ناقِليه، وأن يكون كلامًا يصلُح أن يكون مِن كلام النُّبوة» (^٣).\nفقولُه: «يصلُح أن يكون مِن كلام النُّبوة» جمع به الأصلين الَّذَين أشارَ إليهما الشَّافعي في كلامِه، فإنَّ أيَّ حديثٍ يَستحيلُ أن يكون مثلُه، أو يخالفُه ما هو أثبتُ وأكثر دلالاتٍ بالصِّدق منه: لا يصلُح أن يكون مِن كلامِ النُّبوة.\n_________\n(^١) انظر أمثلةً لهذا النَّوع مِن الإعلال في شرح ابن رجب لـ «علل الترمذي» (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥).\n(^٢) «الرسالة» (ص/٣٩٩).\n(^٣) «الجرح والتعديل» (١/ ٣٥١).","vol":"1","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المَطلب الثَّالث\nالاكتفاء بتعليل الإسنادِ عادة المُحدِّثين إذا استنكروا المتنَ</span>\nإنَّ المتونَ الباطلة لمَّا كانت تأتي في الغالبِ الأعمِّ مِن جِهة الضُّعفاء والمَتروكين، صار المُحدِّثون إذا استنكروا الحديثَ نَظَروا في سَنَدِه، فوَجَدوا ما يُبيَّن وَهْنَه فيذكرُونَه، فيَسْتَغنون بذلك عن التَّصريحِ بحَالِ المتنِ.\nوهذا ما تراه شائعًا في كُتب المَوْضوعاتِ والعِلَل، وما يُعَلُّ مِن الأحاديث في التَّراجم؛ تجدُ غالبَ ذلك ممَّا يُنكَر مَتْنُه حقيقةً، ولكنَّ الأئمَّة يَستغنون عن بيانِ ذلك اختصارًا بقولهم: (مُنكر) ونحوه، أو بالكلام في الرَّاوي والتَّنبيه على خَلَلِ الإسنادِ، إذْ لا حاجة للاستمرارِ بعدها في كشفِ نكارةِ المتنِ إذا انهارَ السَّندُ أمامَ النَّقد (^١).\nفحِينَ أن كانت هذه الطَّريقة هي الأصلَ في نقدِ المحدِّثين، وكانت مُنكراتِ الضُّعفاء والمَتروكين أكثرَ مِن مُنكراتِ الثِّقاتِ بما لا يُقارَن: ظَنَّ مَن ظَنَّ مِن خلالِ مُلاحظتِه لعَملِ المحدِّثين أنَّ أكثرَ الأحاديثِ المُنكَرة في مَتنِها لم يَرْعِها المُحَدِّثون اهتمامًا، وأنَّ أغلبَ نظرهم مُنصرفٌ إلى الإسنادِ فقط، بدليل خلوِّ أحكامهم من التَّنبيه على نكارة تلك المتون!\n_________\n(^١) انظر «الأنوار الكاشفة» (ص/٢٦٤)، و«منهج النقد عند المحدثين» (ص/٤٧)، و«مرويَّات السِّيرة النَّبوية» (ص/١٧) كلاهما لـ د. أكرم العمري.","vol":"1","page":607},{"text":"والحقيقةُ ما أوضحناه لك، أنَّ المُحدِّثين فعلًا قد تَفحَّصوا سند الحديثِ ومتنَه، وأنَّ نقْدَهم للسَّند في حقيقتِه هو لمصلحةِ المتن، لكن آثروا بيانَ ما في سَنَدِ الرِّواية المُنكرة مِن كذَّاب أو مَتروك، دون تكلُّفِ شرحِ ما في المتنِ مِن عيوب، اكتفاءً ببُطلانِ مَصدرِها عن إبطالِ مَخبَرِها؛ وهذا - كما قلنا - في الغالبِ.\nولكن لمَّا غفل بعضُ المعاصرين عن هذه العادة، ظنُّوا أنَّ المُحدِّث ليس له أن يَتَعرَّض للنَّقدِ مِن جهة المَتنِ أصلًا! وكأنَّهم تَوَهَّموا ذلك مِن حصرِ بعضِ مَن كَتَب في علمِ المصطلحِ وظيفةَ المُحدِّثِ في نقدِ الإسنادِ فقط (^١)، وقول بعض المُحقِّقين أنَّ صِحَّة الحديثِ إنَّما تُحصَّلُ بمعرفةِ الرُّواة ومَراتبهم (^٢)!\nغير أنَّ في هذا الإطلاقَ نظرًا! ولو أنَّا سلَّمنا صِحَّتَه، فإنَّ مَبناه على الغَالب الأعمِّ لا مطلقًا، ويكون مَقصودُ مَن أطلقَه: أنَّ النَّقدَ مِن جهةِ الإسنادِ هو مِن خَصائصِ المُحدِّث المُتأخِّر خاصَّة، لمِا قَرَّرنا آنفًا من أنَّ أغلبَ ما تَجيءُ المَناكيرُ في المتونِ مِن جِهةِ الضُّعفاءِ والمَتروكين، فاكْتُفِي بالرُّسومِ الإسناديَّة في حَدِّ الصَّحيح، لكونِ مَراتِب الرُّواةِ مُبتَناةٌ من الأساس على سابق نَظرٍ المُتقدِّمينَ في مُتونِ مَرويَّاتِهم.\nلكنْ إذا ما استبانَ للمُحدِّثِ مخالفةُ متنٍ لواقعٍ قطعيٍّ، فإنَّ «اعتبارَ الواقعِ حينئذٍ أَوْلى مِن المَشيِ على القَواعدِ، وإنَّما القواعدُ للفَصلِ فيما لم يَنكشِف أمرُه مِن الخارج على وجهِه» (^٣).\nفالحقُّ أن يُقال هنا:\nأنَّ أئمَّةَ الحديثِ كانوا حقًا أدقَّ نظرًا، وأبعدَ غورًا، وأهدأ بَالًا، حين لم يَجرُوا في نقد المتنِ الأشواطَ البعيدةَ الَّتي جَرَوها في نقدِ السَّند؛ ذلك لاعتبارٍ\n_________\n(^١) كما يُفهم من عبارة لابن القطَّان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٣١٧)، ولابن حجر في «نكته على مقدمة ابن الصَّلاح» (١/ ٤٥٤).\n(^٢) انظر «شرح علل التَّرمذي» لابن رجب (٢/ ٤٦٧).\n(^٣) «فيض الباري» للكشميري (٤/ ١٣٠).","vol":"1","page":608},{"text":"مَنهجيٍّ لاحظوه مِن مجموعِ أدلَّة الشَّرْع، وهو أنَّ «اعتقاد الاستشكال لا يَستلزِمُ البُطلان» (^١).\nفقد يرى المُحدِّث الحديثَ مُشكلًا في ذهنِه، متشابهًا له في فهمِه، لكنَّه على بالٍ بأنَّ الخَلل في ظَنِّ البطلانِ أكثر جدًّا مِن الخللِ في الأحاديثِ الَّتي يرويها الثِّقات، وأنَّه لا يلزم مِن هذا المُشكل عليه أن يكون كذلك عند غيرِه؛ فإنَّ كثيرًا ما يَستشكل أحدُهم آيةً أو حديثًا، فيأتي من يُجلِّي وجهَ هذا الإشكالِ، ويَكشف الشُّبهة بمزيدِ مُوضِحاتٍ فَتَح الله بها عليه (^٢).\nفإذا ما استبانَت في المتنِ عِلَّة قادحة واضحة، ورَكنَتْ إلى إثباتها نفسُه بعد أن يكون قد استوفى النَّظر في ما قد يرفعها؛ فحينئذٍ لا يجوز له أن يُقصِّرْ فيما يُطلَب منه، فيجوز له تعليل الحديث مِن جهة المتن بخاصَّة، «كما أنَّ غيرَه له أن يَتَعرَّض للنَّقدِ مِن جهةِ المتنِ إذا ظَهَر له ما يُوجِبه، فله هو ذلك إذا ظَهرَ له ما يُوجِبه، بل هو أرجحُ مِن غيره» (^٣).\nولقد تَعَرَّض كثيرٌ مِن أئمَّةِ الحديثِ للنَّقدِ مِن جهةِ المتنِ، والَّذي يَعْنِينا من ذلك: إثباتُ نماذج في ذلك مِن تطبيقاتِ البخاريِّ ومسلمٍ، وذلك لتكتملَ الصُّورة في ذهنِ القارئِ لطبيعةِ نقدِ المُحدِّثينَ مِن تطبيقاتِ عَلَمَيْنِ شامِخيْن مِن أسْيادِهم، وليَزولَ الارتيابُ بعدُ عن المنهجِ العِلْميِّ الَّذي اعتمده الشَّيْخان في نقدِ المتونِ على وَجهِ الخصوص، فتُستَأصلَ حُجَّة مَن يدَّعي تَباعُدهما عن نقدِ المتونِ مِن جذورِها، وتكُفَّ يَدُ الجهالةِ عن تشطيبِ ما لم يَرُقها مِن أخبارِ كِتابَيْهما.\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢٩٣).\n(^٢) انظر قريبا من هذا المعنى «دفاع عن السُّنة ورد شبه المستشرقين» لمحمد أبو شهبة (ص/٤٣)، علي أنَّه أخطأ في بعضِ التَّمثيل لهذه الأحاديث المتشابهة غير مفهومةِ العبارة، كجعله أحاديث الصِّفات الإلهيَّة من هذا الصِّنف لأجل استحالة ظاهرها في نظره، والمخرج الَّذي ارتآه من هذا الإشكالِ هو تفويض علم حقيقة هذه الأحاديث إلى الله ﷿، أو تأويلها بما يوافق العقلَ وما أُحكم من النَّقل.\n(^٣) «توجيه النَّظر» (٢/ ٧٤٣).","vol":"1","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المَبحث الرَّابع عشر\nنماذج من نقدِ البخاريِّ ومسلم للمتون</span>\nقد أَوْلى الشَّيخان اهتمامًا بليغًا بحال المتونِ في نظرِهما النَّقدي للأحاديث، فلم يكونوا يَتَردَّدون أبدًا في إعلالِ حديثٍ تَبَيَّن لهم خَلَلُ مَتْنِه، أو مُعارضَتِه ما هو أثبتُ منه دلالةً ونقلًا؛ بل كثيرًا ما أدخل البخاريُّ الرَّجلَ غير المُكثِر في الضُّعفاء بحَديثٍ خالَفَ متنُه فيه المعروفَ مِن التَّاريخ أو السُّنةَ الثَّابتةَ؛ فمَن لم يكن له مِن المَروِيَّاتِ ما يَتَبيَّن به أمرُه إلَاّ ما يُستَنْكَر، فهو المستحِقُّ لاسمِ الضَّعف عنده، ولو لم يعلم أحدًا قبله جرحَّه تجريحًا صريحًا (^١).\nفقد قرَّرنا سابقًا أنَّ عِلْمَ العِلَل أحد الأصول الَّتي ينبني عليها عِلْم الرِّجال، وبه توصَّل الشَّيخانِ وغيرهما من النُقَّاد إلى فَرْزِ مَراتِبِ الرُّواة، عبر سَبْرِ مَرويَّاتِهم والتَّحقُّقِ مِن سلامتها مِن القَوادح؛ وهذا ما يُفسِّر توافرَ أمثلة نقدِ البخاريِّ للمتون في كِتابيه في الرِّجال: «التَّاريخ الكبير»، و«التَّاريخ الأوسط».\nلقد كان بَيانُ هذا التَّرابط بين تعليل المتون وعلم الرِّجال مِن أجَلِّ مَقاصد مسلم في تأليفِه لكتاب «التَّمييز»، وقد أعرب عن هذه العَلاقة التَّلازميَّة فيه بقوله: «أهلُ الحديث هم الَّذين يَعرفونهم ويُميِّزونهم، حتَّى يُنزلوهم مَنازلهَم في التَّعديل\n_________\n(^١) انظر رسالة ماجستير بعنوان «الأحاديث الَّتي قال فيها البخاري: لا يُتابع عليه، في التاريخ الكبير» لعبد الرحمن الشايع (ص/٣٧١).","vol":"1","page":610},{"text":"والتَّجريح، وإنَّما اقتصصنا هذا الكلام لكي نُثبتَه مَن جَهِل مَذهبَ أهلِ الحديث، ممَّن يُريد التَّعلُّم والتَّنبُّه على تثبيتِ الرِّجال وتَضعيفِهم، فيعرفَ ما الشَّواهد عندهم والدَّلائل الَّتي بها ثبَّتوا النَّاقل للخَبر مِن نقلِه، أو سقطوا مَن أسقطوا منهم» (^١).\nإنَّ الملاحَظ على كثيرٍ مِن أحكامِ الشَّيخينِ على الرُّواة، أنَّهما يجمعان في كثيرٍ من نقدِهما للمرويِّ بين النَّظر المَتنيِّ والإسناديِّ، وبخاصَّة البخاري؛ فإنَّ دلَّ هذا على شيءٍ، فعلى تحرِّيهما الدِّقة في هذا الباب، واعتقادهما لاقتضاء علَّة المتن لعلَّةٍ في السَّند ظاهرة كانت أو خفيَّة؛ فإن لم يظهر منشأ خلل المتن في السَّند، فقد يُعلَّان الحديَث ولو كان رُواته ثقاتًا -كما سيأتي بيان مثاله- وهذا الغاية في الإعلاء من قيمة النَّظر المَتنيِّ عندهما أثناء عمليَّة النَّقد.\nولإن كان الشَّيخان قد أظهرا مِن مُمارسة النَّقدِ أمثلةً كثيرةً تُنبِي عن تَبصُّرهما بالمتونِ حال تحقُّقهم من الأخبار، فإنَّ عنايةَ البخاريِّ بالمتونِ فائقةٌ في ذلك عنايةَ مسلم بكثيرٍ، لتفاوتِ ما بينهما ذكاءً وفهمًا وحفظًا؛ فلِلبخاريِّ في باب التَّعليل فَضلٌ على تلميذِه، و«لولاه ما ذَهب مسلمٌ ولا جاء» (^٢)! وهذا ما سيتَبيَّن لك في ما انتخبتُه مِن نقداتِهما الكثيرةِ؛ مع تنبُّهي إلى اختلافِ مَقاصد التَّصنيف لديهما.\nفهذا أوانُ الشُّروعِ في سَوقِ شواهد الإمتاع والإبداع في نقد الشَّيخين للمتون، على أنَّ في المِثال أو مِثالين مِن ذلك كفايةً للمُنصِفِ لنقضِ قولِ مَن فاهَ من المعاصرين بإغفالِهما تمحيصِ المتون؛ فإنَّ الكُليَّة السَّالبةَ تَنتَقِضُ بجزئيَّةٍ مُوجَبةٍ (^٣)؛ ولكن غرضي حشدُ الدَّلائل في مثل هذا المَقام واستكثارها بما يَثلَجُ صدرَ القارئ يقينًا يُحجِم به عن تلمُّسِ غير ما في هذا المَبحثِ حُجَّةً على الخصمِ.\n_________\n(^١) «التَّمييز» (ص/١٩٦).\n(^٢) قاله الدَّارقطني، كما في «تاريخ بغداد» (١٥/ ١٢١).\n(^٣) انظر «شرح لقطة العجلان» لزكريا الأنصاري (ص/١١٩)، و«ضوابط المعرفة» للمَيداني (ص/١٥١).","vol":"1","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المَطلب الأوَّل\nتعليلُ الشَّيخينِ لأحاديثَ رُوِيَت عن الصَّحابة\nبالنَّظر إلى مخالفة مُتونِها لما هو مَعروفٌ مِن رِواياتِهم </span>(^١)\nفمِن أمثلة ذلك عند البخاريِّ:\nما أخرجه (^٢) مِن طريق: أفلت بن خليفة، عن جَسرة بنت دجاجة، عن عائشة ﵂ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا لجُنب، إلَّا لمحمَّدٍ وآل محمَّد» (^٣).\nفقد عَلَّل البخاريُّ هذا الحديث بمخالفة حديث آخرَ لعائشة، حيث قال: «قال عروة، وعبَّاد بن عبد الله، عن عائشة، عن النَّبي ﷺ: «سُدُّوا هذه الأبواب إلَّا باب أبي بكر» (^٤)، وقال: «وهذا أصحُّ».\nفهذا البخاريُّ حين لاحَظَ تعارضًا بين هذين المَتْنَين، إذ أنَّ حديثَ (جَسرة) الَّذي يَستثني محمَّدا ﷺ وآله ولم يَسْتَثنِ أبا بكر ﵃، مخالفٌ لِما صحَّ عن عائشة مِن استثناءِ أبي بكر ﵁؛ فلو كانت رَوَت هذين الحَديثين حقيقةً، لبيَّنت حين\n_________\n(^١) انظر هذا المسلك في التَّعليل في «شرح علل الترمذي» لابن رجب (٢/ ٨٠٢).\n(^٢) في «التَّاريخ الكبير» (٢/ ٦٧).\n(^٣) أخرجه ابن راهويه في «مسنده» (٣/ ١٠٣٢)، والدولابي في «الكنى والأسماء» (٢/ ٤٦٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (ك: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، رقم: ٤٦٦).","vol":"1","page":612},{"text":"ذكَرَت أحدَهما المُستثنى الآخرَ الَّذي جاء في الرِّواية الأخرى؛ لمَّا لاحظ البخاريَّ ذلك، دلَّ عنده على انتفاءِ ما زَعَمته (جسرةُ) عنها (^١).\nولا يُعلَم أحَدٌ مِن المتقدِّمينِ أعَلَّ حديثَ (جَسرة) مِن حيث المتنِ سِوى البخاريِّ (^٢).\nوأمَّا مثال هذا الباب عند مسلم:\nفما أخرجه (^٣) من طريق أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵁ قال: «سمِعتُ رسولَ الله ﷺ أكثرَ مِن عشرينَ مرَّةً، يقرأ في الرَّكعتين بعد المغرب والرَّكعتين قبل الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» (^٤).\nيقول مسلم: «وهذا الخبر وَهْمٌ عن ابن عمر ﵁، والدَّليل على ذلك:\nالرِّواياتُ الثَّابتة عن ابن عمر ﵁: أنَّه ذَكَر ما حفِظَ عن النَّبي ﷺ مِن تَطوُّع صلاتِه باللَّيل والنَّهار، فذَكَر عشرَ ركعاتٍ، ثمَّ قال ﵁: «.. ورَكْعَتي الفجر: أخبَرتني حفصةُ أنَّ النَّبي ﷺ كان يُصلِّي ركعتين خَفيفتين إذا طَلَع الفجر، وكانت ساعةً لا أدخلُ على النَّبي ﷺ فيها».\nفكيف سَمِع منه أكثر مِن عشرين مرَّةً قراءتَه فيها، وهو يُخبر أنَّه حفِظَ الرَّكعتين مِن حفصةَ عن النَّبي ﷺ؟!».\n_________\n(^١) حديث (جَسرة) ضعَّفه جمعٌ من النُّقاد لجهالةِ (أفلتَ بنِ خليفة) راويه عن (جَسرة)، ومنهم من ضعَّفه لأجل (جسرة) نفسِها، انظر «معالم السنن» للخطابي (١/ ٧٧)، و«سلسلة الأحاديث الضعيفة» (١٣/ ٧٧ - ٧٨).\n(^٢) انظر «الأحاديث التي أعل الإمام البخاري متونها بالتناقض» (ص/١٩٤ - ١٩٥).\n(^٣) في «التَّمييز» (ص/١٧٣).\n(^٤) أخرجه أحمد في «المسند» (٨/ ٥٠٩، رقم: ٤٩٠٩)، وعبد الرزاق في «المصنف» (ك: الصلاة، باب: القراءة في ركعتي الفجر، رقم: ٤٧٩٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (ك: صلاة التطوع والإمامة، باب: ما يقرأ فيهما، رقم: ٦٣٣٦)","vol":"1","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المَطلب الثَّاني\nتعليلُ الشَّيخين لأحاديث تناقض متونها\nالمعروفَ مِن رَأيِ راوِيها ومَذْهَبِه </span>(^١)\nفمِن أمثلةِ هذا عند البخاريِّ:\nما أخرجه (^٢) مِن طريق عبد الملك بن عُمير، عن سالم البرَّاد، عن أبي هريرة ﵁ مَرفوعًا: «مَن صلَّى على جنازةٍ فله قيراط» (^٣).\nثمَّ ساق إسنادًا آخر لهذا الحديث، قال فيه: «وقال ابن أبي خالد، سمع سالمًا أبا عبد الله البرَّاد، سمِعَ ابنَ عمر عن النَّبي ﷺ مِثلَه».\nفأنكرَ أن يكونَ هذا الحديث مَن روايةِ ابن عمر، لأنَّ هذا كان يُنكر على أبي هريرة هذا الخبر! فقال: «وهذا لا يصحُّ، لأنَّ الزُّهري قال عن سالم: إنَّ ابن عمر أنكرَ على أبي هريرة، حتَّى سأل عائشة!» (^٤).\nفها هو البخاريُّ يستبعِد أن يكونَ الحديثُ عن ابن عمر، مع كونِ راوِيه (إسماعيل بن أبي خالد) ثقةً في نفسِه! بل هو أوثقُ عند النُّقادِ مِن (عبد الملك بن\n_________\n(^١) انظر هذا المسلك في التَّعليل في «شرح علل الترمذي» لابن رجب (١/ ١٥٨).\n(^٢) في «التَّاريخ الكبير» (٢/ ٢٧٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (ك: الجنائز، باب: من انتظر حتى تدفن، رقم: ١٣٢٥)، ومسلم (ك: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، رقم: ٩٤٥).\n(^٤) وقال في جوابه للترمذي في «علله الكبير» (ص/١٤٨): «حديث ابن عمر ليس بشيءٍ».","vol":"1","page":614},{"text":"عُمير) راوي الحديث عن أبي هريرة! لكنَّ البخاريَّ مع ذلك يُقدِّم روايةَ عبد الملِك عليه، لأنَّ متنَها معروفٌ عن أبي هريرة، مخالفٌ للمعروفِ من ابن عمر.\nفلم يَرُج على البخاريِّ نقاوةُ الإسنادِ كما «راجَ على الحافظِ الضِّياء، فأخرج هذا الحديث في (المُختارة)؛ وهو معلول كما ترى» (^١).\nومثال هذا الباب عن البخاريِّ أيضًا:\nما رواه (^٢) عن مُسدَّد: حدَّثنا عيسي بن يونس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «مَن استقاءَ فعليه القَضاء» (^٣).\nقال البخاريُّ: «ولم يصحَّ»، وفي رواية: «ما أرَاه مَحفوظًا» (^٤).\nفمع أنَّ سَند الحديثِ ظاهرُ الصِّحة، إلَّا أنَّ البخاريَّ ردَّه، عادًّا إيَّاه مِن أوهامِ هشام -وهو ابن حسَّان- نظرًا إلى مخالفةِ متنِه للمعروفِ الثَّابتِ عن أبي هريرة ﵁ بنفيِه الفطرِ بالقيءِ مُطلقًا؛ كالَّذي أخرجه في نفسِ هذا المَوطن مِن حديثِ عمر بن حَكم بن ثوبان، أنَّه سمع أبا هريرة ﵁ قال: «إذا قاءَ أحدُكم، فلا يفطِر، فإنمَّا يُخرِج ولا يُولِج».\nوأمَّا مثاله عند مسلم:\nفما رواه تحت ما ترجمه بـ «خبر آخر غير محفوظ المتنِ» (^٥)، من طريق:\nعمر بن عبد الله ابن أبي خَثعم، حدَّثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،\n_________\n(^١) «إطراف المسند المعتلي» لابن حجر (٣/ ٣٩٦)؛ وبغض النَّظر عن إمكان توجيهِ روايةِ إسماعيل عن ابن عمر، فالقصد هنا إثبات تعليل البخاري للمتن من وجهة نظره هو.\nوقد أشار الدَّارقطني في «العلل» (١١/ ١٦) إلى متابعة (القاسم بن أبي بزَّة) لرواية (عبد الملك بن عُمير) عن سالم البرَّاد عن أبي هريرة، وترجيحه لها على رواية بن أبي خالد عن البرَّاد عن ابن عمر.\n(^٢) في «التَّاريخ الكبير» (١/ ٩١).\n(^٣) أخرجه الترمذي في «الجامع» (ك: الصوم، باب: ما جاء في من استقاء عمدا، رقم: ٧٢٠)، وابن ماجه في «السنن» (ك: الصيام، باب: ما جاء في الصائم يقيء، رقم: ١٦٧٦)\n(^٤) «علل الترمذي الكبير» (ص/١١٥).\n(^٥) في «التَّمييز» (ص/١٧٧).","vol":"1","page":615},{"text":"عن أبي هريرة: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، ما الطَّهور بالخُفَّين؟ قال: «للمُقيمِ يومٌ وليلةٌ، وللمسافر ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ» (^١).\nيقول مسلم: «هذه الرِّواية في المسحِ عن أبي هريرة ﵁ ليست بمَحفوظة، وذلك أنَّ أبا هريرة لم يحفَظ المسحَ عن النَّبي ﷺ، لثبوتِ الرِّوايةِ عنه بإنكارِه المسحَ على الخُّفين ..»، قال: «ولذلك أضعفَ أهلُ المعرفةِ بالحديثِ عُمرَ بن عبد الله بن أبي خثعم وأشباهَم مِن نَقلة الأخبار، لرِوايتهِم الأحاديثَ المُستنكَرة الَّتي تُخالف رواياتِ الثِّقاتِ المَعروفين مِن الحُفَّاظ».\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: الطهارة، باب: التوقيت في المسح، رقم: ١٥٧)، والترمذي في «الجامع» (ك: الطهارة، باب: المسح على الخفين للمسافر والمقيم، رقم: ٩٥)، وابن ماجه في «السنن» (ك: الطهارة وسننها، باب: ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر، رقم: ٥٥٢).","vol":"1","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المَطلب الثَّالث\nإعلالُ الشَّيخين للحديثِ إذا خالفَ متنُه\nالصَّحيح المشهورَ مِن سُنَّةِ النَّبي ﷺ</span>\nوهذا النَّوع مِن التَّعليل من أكثرِ ما يستعمله الشَّيخان في نقدِ المتون، وقد رَدَّ النُّقادُ كثيرًا مِن الأحاديث بهذه العِلَّة (^١).\nفمِن أوضحِ أمثلتِه عند البخاريِّ:\nما أخرجه (^٢) عن عبد الله بن مالك اليحصُبي، عن عقبة بن عامر:\nأنَّ أختَه نَذَرت أن تحُجَّ ماشيةً، فقال النَّبي ﷺ: (لِتحُجَّ)، وقال بعضهم: (ولتُهدي»)، قال البخاريُّ: «ولا يصحُّ فيه الهَديُ، لقولِ النَّبي ﷺ: «مَن نَذَر أنْ يَعصي الله فلا يَعصِه» اهـ.\nيشير البخاريُّ في هذا النَّص إلى حديثِ عقبة بن عامر في شأنِ أختِه الَّتي نَذَرت أن تذهبَ إلى الكعبة راجِلةً، وقد اختلَفَت الرَّوايات في جوابِ النَّبي ﷺ له، وأغلبُها مَدارها على عِكرمة، ورُواتها ثقات، فمنها: ما فيه أمرها بالرُّكوب والصَّوم ثلاثة أيَّام، ومنها: ما فيه الرُّكوب والهدي، والرِّواية الَّتي اختارها الشَّيخان في «صحيحيهما» تقتصرُ على الأمرِ بالرُّكوب فقط، دون إلزامٍ بكفَّارة (^٣).\n_________\n(^١) كالإمام أحمد وأبي حاتم الرازي، انظر «منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث» (٢/ ٩٣٤).\n(^٢) في «التَّاريخ الكبير» (٥/ ٢٠٤).\n(^٣) انظر تخريج هذه الرِّوايات في «فتح الغفَّار» للرُّباعي (٤/ ٢٠٤٠)، و«إرواء الغليل» للألباني (٨/ ٢١٨).","vol":"1","page":617},{"text":"ولِذا اختارَ البخاريُّ لهذا الحديثِ في «صحيحه» (^١) إسنادًا آخر إلى عقبة ﵁ ليس فيه عكرمة، ولفظ متنِه فيه: «لتَمشِ ولتركبْ»، لأجل أن يُوافق المشهورَ من سُنَتِّه ﷺ في أحاديث خرَّجها هو نفسه في «صحيحه» (^٢)، والَّتي تخلو من ذكر كفَّارةٍ على النَّاذِر، لا بصيامٍ ولا هدي.\nوهنا نلحظ أنَّ البخاريَّ لم يسلُك في هذا المثالِ ما سَلكه بعض العلماء من طريقة التَّوفيق بين هذه الرِّوايات (^٣)؛ فليس هو مِمَّن يقنع بهذا المنهج المُتكلَّف، وإنَّما يأخذ بالرِّواياتِ المَشهورة الثَّابتة، ويردُّ ما عَداها ولو كانت بأسانيدِ جيِّدةً في ظاهرِها، إذ الأخذُ بالأصحِّ في مثل هذه الحالات أوْلى عنده مِن تعسُّفِ التَّأويلات (^٤).\nفكان من حصيفِ تَعاملِ الشَّيخينِ مع الأخبارِ، أنَّ الحديثَ الضَّعيفَ لا يَلتفِتانِ إليه ولا يُعارِضان به الصَّحيحَ، ولا يشتغلانِ بتأويلِه، ما داما يَريانِ في إسنادِه خَلَلًا (^٥).\n_________\n(^١) في (ك: الحج، باب: من نذر المشي إلى الكعبة، رقم: ١٨٦٦).\n(^٢) أوردها في (ك: الأيمان والنذور، باب: النذر في ما لا يملك وفي معصية).\n(^٣) كما تراه عند الطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٥/ ٣٩٩) قال: «إنَّه لا تضادَّ في شيء من ذلك ولا اختلاف فيه؛ لأنَّ أخت عقبة بن عامر كان في نذرها المشي إلى بيت الله لحجِّها، وكان ذلك من الطَّاعات لا من المعاصي، فوجب عليها، فلما قصُرت عنه أمرها رسول الله ﷺ بمثل ما يُؤمر به من قصر في حجِّه عن شيءٍ منه، من طوافٍ محمولًا مع قدرته على المشي وهو الهدي، وكانت في نذرها بمعنى الحالفة لكشفها شعرها في مشيِها، فلم يكن منها ما حلفت عليه، لمنع الشَّريعة إيَّاها عنه، فأُمرت بالكفَّارة عنه، كما يُؤمر الحالف بالكفَّارة عن يمينه إذا حنث فيها».\n(^٤) انظر أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة ردها الشافعي لمخالفة متونها للمشهور من سنة النبي ﷺ في كتابه «اختلاف الحديث - ملحق بكتابه الأم» (ص/٦٢٣، ٦٣٣، ٦٣٤)؛ وذكر بعض الباحثين عدَّة أمثلةٍ على ذلك من ردِّ البخاريِّ لبعض ما صحَّحه غيره بهذه العلَّة، كما في رسالة دكتواره «منهج الإمام البخاري في التعليل» لـ د. أحمد عبد الله أحمد (ص/٢٥٠، ٢٥٥، ٢٦٤، ٢٦٥، ٢٧٦، ٢٨٣).\n(^٥) «منهج الإمام البخاري في التعليل» لأحمد عبد الله (ص/٢٩١).\n\nخلافًا لمِا قد نجده في بعضِ كُتب «مختلفِ الحديث» ممَّن ينزل أصحابها عن درجةِ البخاريِّ في معرفة الحديث، حيث تكلَّفوا التَّوفيق بين بعضِ الصِّحاح والضِّعاف، كما تراه -مثلًا- في «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة، عند كلامِه على حديث «نية المرء خير من عمله» (ص/٢٢٤)، و«صيام رمضان في السفر كالمفطر في الحضر» (ص/٣٥٢)، وكلاهما ضعيفان.","vol":"1","page":618},{"text":"ومثاله الآخر عند البخاريِّ:\nما رواه (^١) مِن حديثِ حُصين بن عبد الرَّحمن، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة الأنصاري في أكلِ بعضِ الصَّحابةِ الضَّب، وفيه: «فلم يأكل ﷺ ولم يَنْهَ» (^٢).\nوقد تابع حصين بن عبد الرَّحمن كلٌّ مِن: عديِّ بن ثابت، ويزيد بن أبي زِياد، عن زيد بن وهب به.\nأمَّا الأعمش فخَالفهم، فرواه هو عن زيد بن وهب، عن عبد الَّرحمن بن حسنة، عن النَّبي ﷺ قال: «فأكفِئوها» (^٣).\nفلم يتردَّد البخاريُّ في الحكم بخطأِ الأعمش في روايتِه هذه، مع أنَّ مخرجَها غير مخرج الأولى؛ فهما بهذا حديثان مستقلَّان! فلم تمنعه إمامةُ الأعمش البخاريَّ مِن توهيمِه، مُحتجًّا فيما احتجَّ به بغلط متنِه، فقال: «وحديث ثابتٍ أصحُّ، وفي نفس الحديثِ نَظر! قال ابن عمر ﵁ عن النَّبي ﷺ: «لا آكله ولا أحرِّمه»، وقال ابن عبَّاس ﵁: «لو كان حرامًا لم يُؤكل في مائدة النَّبي ﷺ» (^٤).\nومثاله أيضًا عند البخاريِّ:\nما ذكره البخاريُّ في ترجمة (حَشْرج بن نَباتة) (^٥): أنَّه سمِع سَعيد بن\n_________\n(^١) في «التَّاريخ الكبير» (٢/ ١٧٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: الأطعمة، باب: في أكل الضب، رقم: ٣٧٩٥)، والنسائي في «الصغرى» (ك: الصيد والذبائح، باب: الضب، رقم: ٤٣٢٠)، وابن ماجه في «السنن» (ك: الصيد، باب: الضب، رقم: ٣٢٣٨)\n(^٣) قال البخاريُّ كما في «علل الترمذي» (ص/٢٩٦): «ولم يُعرف أنَّ أحدًا روى هذا غير الأعمش».\n(^٤) «التاريخ الكبير» (٢/ ١٧٠).\n(^٥) في كتابه «الضُّعفاء الصَّغير» (ص/٥٤).","vol":"1","page":619},{"text":"جُمهان، عن سفينة ﵁، أنَّ النَّبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر وعثمان ﵃: «هؤلاء الخلفاء بعدي» (^١).\nفبيَّن البخاريُّ تفرُّدَ (حشرج بن نَباتة) بهذا الحديث، وأنَّه مِن أوهامِه باستنكاره لمتنِه، ولأجله أدخلَ حشرجًا في «الضُّعفاء (^٢) «! يقول: «وهذا حديث لم يُتابع عليه؛ لأنَّ عمر بن الخطاب وعليَّ بن أبي طالب قالا: «لم يستخلف النَّبي ﷺ» (^٣).\nفهذا الحديث لفظه صريحٌ في النَّص النَّبويِّ على خلافةِ أبي بكر ﵁ ثمَّ صاحبيه مِن بعده، والثَّابت المعروفُ أنَّه ﷺ لم يستخلف تصريحًا (^٤).\nوالبخاريُّ إذا أطلق «نفيَ المتابعة» على متنٍ من المتونِ، فالعادة أنَّه يريد به ردَّ الحديث (^٥).\nوأمَّا مثال هذا البابِ عند مسلم:\nفما رواه (^٦) من طريق أبي معاوية محمَّد بن خازم، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أمِّ سلمة:\n«أنَّ رسول الله ﷺ أمَرها أن توافي معه صلاة الصُّبح يومَ النَّحر بمكَّة» (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ١٠٣، رقم: ٤٥٣٣)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ١٩٨)، والحارث في «المسند» (٢/ ٦٢١ - بغية الحارث).\n(^٢) انظر العلل المتناهية لا بن الجوزي (١/ ٢١٠)، و«ميزان الاعتدال» للذهبي (٢/ ٣١٠)، وأراد ابن حجر أن يتوسط بين تضعيف البخاري لحشرج وتوثيق أحمد وابن معين له فقال في «التقريب» (ص/١٦٩): «صدوق يهِم».\n(^٣) وذكر البخاري هذا أيضا في «تاريخه الكبير» (٣/ ١١٧)، وفي «تاريخه الأوسط» (١/ ٣٣٦).\n(^٤) كما في «صحيح البخاري» (ك: الأحكام، باب: الاستخلاف، رقم: ٧٢١٨)، و«صحيح مسلم» (ك: الإمارة، باب: الاستخلاف وتركه، رقم: ١٨٢٣)، وانظر في هذه المسألة تفصيلا متينا لابن تيمية في «منهاج السنة» (٦/ ٤٤٣ - ٤٥٦).\n(^٥) انظر «الأحاديث التي قال فيها الإمام البخاري (لا يتابع عليه) في التاريخ الكبير» (ص/٣٦٧).\n(^٦) في «التَّمييز» (ص/١٢١).\n(^٧) أخرجه أحمد في «المسند» (٤٤/ ٩٦، رقم: ٢٦٤٩٢)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٩/ ١٣٩، رقم/٣٥١٨)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٣/ ٣٤٣، رقم: ٧٩٩).","vol":"1","page":620},{"text":"عقبَّ عليه مسلم ببيان علَّتِه فقال: «وهذا الخبر وَهم من أبي معاوية (^١) لا من غيره، وذلك أنَّ النَّبي ﷺ صلَّى الصُّبح في حجَّته يوم النَّحر بالمزدلفة، وتلك سُنَّة رسول الله ﷺ، فكيف يأمر أمَّ سَلَمة أن تُوافي معه صلاة الصُّبح يومَ النَّحر بمكَّة وهو حينئذٍ يصلِّي بالمزدلفة؟!».\nفقد أعلَّ مسلم الحديث لما رأى في مَتْنِه مِن فسادِ معارضته للمعروف مِن صلاتِه ﷺ الصُّبحَ بمزدلفة، مُبيِّنًا مَوضعَ اللَّفظ الَّذي أفسد معناه بقوله: «إنَّما أفسد أبو معاوية معنى الحديث حين قال: تُوافي (معه»).\nومثاله أيضًا عند مسلمٍ:\nما رواه تحت باب «ذكرُ خبرٍ واهٍ تدفعه الأخبارُ الصِّحاح» (^٢)، مِن طريق سَلمة بن وردان، عن أنس ﵁:\n«أنَّ النَّبي ﷺ رأى رجلًا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوَّجت؟»، قال: لا، وليس عندي ما أتزوَّج به! قال: «أليس معك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟»، قال: بلى، قال: «رُبع القرآن»! قال: «أليس معك: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن»! قال: «أليس معك: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن»! قال: «أليس معك: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن!» قال: «أليس معك آية الكرسيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾؟» قال: بلى، قال: «رُبع القرآن!»، قال: «تزوَّج، تزوَّج، تزوَّج!» (^٣).\n_________\n(^١) يقول ابن حجر في «التقريب» (ص/٤٧٥): «ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم فى حديث غيره، وقد رمى بالإرجاء».\n(^٢) في «التَّمييز» (ص/١٤١ - ١٤٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي في «جامعه» (ك: فضائل القرآن، باب: ما جاء في (إذا زلزلت)، رقم: ٢٨٩٥) غير أنه قال في (قل هو الله أحد: ثلث القرآن)، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وأحمد في «المسند» (٢١/ ٣٢، رقم:١٣٣٠٩).","vol":"1","page":621},{"text":"فقال مسلم: «هذا الخبر الَّذي ذكرناه عن سَلمة عن أنسٍ: خبرٌ يخالف الخبرَ الثَّابت المشهور، فنَقلَ عوامُّ أهل العدالة ذلك عن رسول الله ﷺ، وهو الشَّائع من قولِه: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثُلث القرآن»، فقال ابن وردان في روايتِه: «إنَّها رُبع القرآن»، ثمَّ ذَكر في خبره مِن القرآن خمسَ سُور، يقول في كلِّ واحدٍ منها: «رُبع القرآن»، وهو مُستنكر غير مفهومٍ صحَّةُ معناه!».\nهكذا أعلَّ مسلم الحديث بنظره المُستنكر لمتنِه، وهو يتعجَّبُ مِن سلمة بن وردان كيف جَعَل القرآن خمسةَ أرباع، كيف تكون خَمْسُ سُوَرٍ كلٌّ منها رُبُعًا للقرآن؟! والرُّبع رابعُ أربعة؛ على ما في متنِه مِن مخالفة الرِّوايات الصَّحيحة، في عدلِ سورةِ الصَّمدِ الثُّلثَ من القرآن لا الرُّبع؛ فهذا أحدُ الأحاديث الَّتي استُنكرت على ابنِ وردان، ولأجلِها ضُعِّف (^١).\n_________\n(^١) قال ابن حبان: «كان يروى عن أنس أشياء لا تشبه حديثه، وعن غيره من الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، كأنه كان قد حطَمه السِّن، فكان يأتى بالشئ على التوهم حتى خرج عن حد الاحتجاج»، وقال ا بن عدى: «وفى متون بعض ما يرويه أشياء منكرة يخالف سائر الناس»، انظر «تهذيب الكمال» (١١/ ٣٢٦).","vol":"1","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>المَطلب الرَّابع\nوقوع الاضطراب في إسنادِ حديث، مع ظهور نكارة في متنه سَبيلٌ عند البخاريِّ لردِّه، دون أن يتشاغلَ بترجيحِ إحدَى أوجُه الاضطراب</span>\nوهذا مِن توظيفِه للنَّقدِ المتنيِّ في ردِّ الحديثِ، مقابلَ مَن قد يقبل مثل هذه الصُّورة من المُحدِّثين بدَعوى أنَّ تعدُّد الطُّرق تُعطيه قوَّة (^١).\n_________\n(^١) مثاله «حديث ردِّ الشَّمس لعليِّ بن أبي طالب ليصليَّ العصر»، قال الإمام أحمد: «لا أصل له» وتبعه ابن الجوزي فأورده في «الموضوعات»، ولكن صحَّحه الطَّحاوي والقاضي عياض، كما في «كشف الخفاء» للعجلوني (ص/٤٩٠).\nيقول الجوزقاني في «الأباطيل والمناكير» (١/ ٣١١) نقدًا لمتنِه: «فرسول الله ﷺ أفضل من عليٍّ، وكذلك عمر بن الخطاب خير من عليِّ، فلم تُرد الشَّمس لهما، وصلَّيا بعد ما غربت الشَّمس، فكيف رُدَّت الشَّمس لعلي بن أبي طالب ﵁؟!».\n\nوقد أملى أبو القاسم الحسكاني مجلسًا في هذا الحديث فقال: «رُوي ذلك عن أسماء بنت عميس، وعليٍّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد بأسانيد متَّصلة»، فتعقَّبه الذَّهبي في تلخيصه لـ «كتاب الموضوعات» (ص/١١٨) قائلًا: «لكنَّها ساقطة ليست بصحيحة، .. ثمَّ نقول: لو رُدَّت لعليٍّ ﵁ لكان بمجرَّد دعاء الرَّسول ﷺ، ولكن لمَّا غابت خرج وقت العصر، ودخل وقت المغرب، وأفطر الصَّائمون، وصلَّى المسلون المغرب، فلو رُدَّت الشَّمس للزم تخبيط الأمَّة في صومِها وصلاتها، ولم يكن في ردِّها فائدة لعليٍّ ﵁؛ إذ رجوعها لا يعيد العصر أداءً، ثمَّ هذه الحادثة العظيمة لو وقعت لاشتهرت، وتوفرَّت الهِمم والدَّواعي على نقلِها، إذ هي في نسق العادات جارية مجرى طوفان نوح، وانشقاق القمر».","vol":"1","page":623},{"text":"فقد ردَّ الحديثَ المُختلف في إسنادِه: «أُمَّتي أمَّةٌ مَرحومة، جُعِل عذابُها بأيدِيها في الدُّنيا» (^١)، حين رَأى مَتْنَه يخالف المشهورَ الثَّابتَ عن النَّبي ﷺ في الشَّفاعةِ؛ مع أنَّ في «صحيحه» بعضُ أحاديث وَقع اختلاف في أسانيدها أشدَّ ممَّا وقع في هذا الحديث (^٢)، لكن لِما رآه في متنِه مِن مخالفة انحازت نفسُه إلى ردِّ الحديث.\nومثاله أيضًا عند البخاريِّ:\nما رواه (^٣) من حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عبَّاس ﵁ مرفوعًا: «بَنيَّ أفيضوا، ولا تَرموا الجمرةَ، حتَّى تطلُعَ الشَّمس» (^٤).\nقال: «حديث الحَكم هذا عن مِقسم مضطرب ..، ولا يُدرى الحَكم سمِع هذا من مقسم أم لا».\nثمَّ أردف هذا التَّعليل الإسناديَّ ببيانِ مخالفةِ متنِه لخمسةِ أحاديث تُثبت أنَّ الَّذين رخَّص لهم في الانصراف من مُزدلفة بليلٍ قد رموا جمرةَ العَقبة قبل طلوع الشَّمس، ثمَّ قال: «وحديث هؤلاء أكثرُ في الرَّمي قبل طلوع الشَّمس، وأصحُّ».\nفقد ضمَّ البخاريُّ إلى نفيِه المتابعة عن هذين الحديثين السَّابقين الإشارةَ إلى جهالة السَّماع في هذا الحديث المنتقد، وفي هذا إناطة للعلَّة المتنيَّة بموضعِها المحتَملِ في الإسناد (^٥).\n_________\n(^١) انظر «التاريخ الكبير» (١/ ٤٠).\n(^٢) انظر أمثلة ذلك في «منهج الإمام البخاري في التعليل» (ص/٢٩٢).\n(^٣) في «التَّاريخ الأوسط» (١/ ٤٣٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: المناسك، باب: التعجيل من جمع، رقم: ١٩٤٠)، والترمذي في «الجامع» (ك: الحج، باب: ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل، رقم: ٨٩٣) وقال: «حسن صحيح»، وابن ماجه في «السنن» (ك: المناسك، باب: من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمرات، رقم: ٣٠٢٥).\n(^٥) انظر «الأحاديث التي قال فيها الإمام البخاري (لا يتابع عليه) في التاريخ الكبير» لـ د. عبد الرحمن الشايع (ص/٣٧٠).","vol":"1","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>المَطلب الخامس\nإشارة البخاريِّ لنكارة المتنِ تعضيدًا لما أعلَّ به إسناده</span>\nفمن أمثلتِه عنده: قوله (^١): رَوى حمَّاد بن سَلمة، عن عليِّ بن زيد، عن أبي نَضرة: «أنَّ معاوية ﵁ لمَّا خَطب على المنبر، قام رجل فقال -قال: ورَفَعه-: «إذا رأيتموه على المِنبر فاقتلوه»، وقال آخر: اكتبوا إلى عمر، فكتبوا، فإذا عمر قد قُتل» (^٢).\nعَلَّل البخاريُّ إسنادَه بقولِه: «وهذا مُرسل، لم يشهد أبو نضرة تلك الأيَّام».\nثمَّ عرَّج على نكارةِ متنِه، فقال: «وقد أدركَ أصحاب النَّبي ﷺ معاوية أميرًا في زمان عمر، وبعد ذلك عشرين سنةً، فلم يقُم إليه أحدٌ فيقتله، وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ هذه الأحاديث ليس لها أصول، ولا يثبُت عن النَّبي ﷺ خَبرٌ على هذا الَّنحو في أحدٍ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ».\nفلأجل هذه النَّكارة الشَّديدة في متنِه، حكم كثيرٌ من النُّقاد على الحديث بالوَضعِ (^٣).\n_________\n(^١) في «التَّاريخ الأوسط» (١/ ١٣٦).\n(^٢) أخرجه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٢/ ٣٨٢)، والعقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٢٨٠)، والجورقاني في «الأباطيل والمناكير» (١/ ٣٥٠).\n(^٣) انظر «الأباطيل والمناكير» (١/ ٣٥١)، و«الموضوعات» (٢/ ٢٤ - ٢٧) و«البداية والنهاية» (١١/ ٤٣٤).","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>المَطلب السَّادس\nترجيح الشَّيخين لإسناد على آخرَ أو لفظٍ في متنٍ على ما في متنٍ آخر، بالنَّظر إلى أقومِ المتون دلالةً</span>\nفمِن أمثلة ذلك عند البخاريِّ:\nما نقله التِّرمذي عن البخاريِّ قال: «سألت محمَّدًا -يعني البخاريَّ- عن حديث الحسن: «خَطَبنا ابنُ عبَّاس ﵁ فقال: «إنَّ رسول الله ﵁ فرضَ صدقةَ الفِطر»، فقال البخاريُّ: «روى غيرُ يزيد بن هارون، عن حُميد، عن الحسن قال: «خَطبَ ابن عبَّاس».\nيقول التِّرمذي: «وكأنَّه رأى هذا أصحَّ، وإنَّما قال محمَّد هذا: لأنَّ ابن عبَّاس كان بالبَصرة في أيَّام علي ﵁، والحسن البصريُّ في أيَّام عثمان وعليٍّ كان بالمدينة» (^١).\nفرجَّح البخاريُّ أن تكون صيغة التَّحديث مِن غير الضَّمير المُتَّصل (نا)، لأنَّ الحسن كان غائبًا عن البصرة وقتَ خُطبة ابن عبَّاس بها.\n_________\n(^١) «العِلَل الكبير» للتِّرمذي (ص/١٠٨).\nوينقل البيهقي «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٣) عن الحاكم النَّيسابوري أنَّه أجاب عن قول الحسن: «خطبنا ابن عباس بالبصرة» قال: «إنَّما هو كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، الحسن لم يسمع من ابن عباس»، يعني أن الحسن عنى أن ابن عباس خطب أهل البصرة وهو منهم.","vol":"1","page":626},{"text":"ومثاله أيضًا عند البخاريِّ:\nقوله (^١): قال لي عبد الله بن محمَّد: حدَّثنا هشام قال: حدَّثنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما أدري أَعُزيرٌ نبيًّا كان أم لا، وتُبَّع لَعينًا كان أم لا، والحدود كفَّارات لأهلها أم لا» (^٢).\nفهذا إسناد مرسل؛ قد ساق البخاريُّ عقبه طريقًا آخر عن عبد الرَّزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ، ثمَّ قال: «والأوَّل أصحُّ، ولا يثبت هذا عن النَّبي ﷺ؛ لأنَّ النَّبي ﷺ قال: الحدود كفَّارة» (^٣).\nفقد رجَّح البخاريُّ فيهما الإرسالَ على الوَصل، كون المتن المُستنكَر أوْلى بذلك الإسنادِ المنقطع من المَوصول.\nوأمَّا مثاله عند مسلم:\nفما ذكره عند تعليلِه روايةَ من قصر سند حديثَ جبريل ﵇ على ابن عمر ﵁، فقال: «ذَكرنا روايةَ الكوفيِّين حديثَ ابن عمر ﵁ في سؤال جبريل النَّبي ﷺ عن الإيمان والإسلام، وقد أوهموا جميعًا في إسناده! إذ انتهوا\n_________\n(^١) في «التَّاريخ الكبير» (١/ ١٥٢).\n(^٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: الحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٧، رقم: ٢١٧٤)، والبزار في «المسند» (١٥/ ١٧٦، رقم:٨٥٤١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ك: الأشربة والحدود فيها، باب: الحدود كفارات، رقم: ١٧٥٩٥).\n(^٣) وقد رجَّح غير واحد من الأئمة الوجه المرسل الذي رواه هشام بن يوسف الصَّنعاني عن معمر، على الوجه الموصول الذي رواه عبد الرزاق عن معمر من جهة تقديمهم لهشامٍ على عبد الرَّزاق، فهو من أقرانِه، لكنَّه أجلُّ منه وأتقن. انظر سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٨٠).\nوقد أبان البخاريُّ أنَّ من أسباب تعليله للحديث: كون حديث «الحدود كفارة» متقدم عن الحديث الأوَّل في نفي العلم بكونه كفارة، لأنَّه من حديث عبادة ﵁ وقد كان في بيعة العقبة الأولى، وقد أسلم بعده أبو هريرة بسبع سنين عام خيبر، بيد أنَّ ابن حجر في «الفتح» (١/ ٦٦) خالف البخاريَّ ورجَّح صحَّة حديث أبي هريرة ﵁: «ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا ..» وأنَّ البيعة التي ورد فيها الحديث وقعت بعد فتح مكة عند نزول سورة الممتحنة، والله أعلم.","vol":"1","page":627},{"text":"بالحديث إلى ابن عمر ﵁، حُكي ذلك من حضورِ رسول الله ﷺ حين سأله جبريل ﵇.\nوإنَّما روى ابن عمر ﵁ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه هو الَّذي حَضر ذلك دون أن يحضره ابن عمر، ولو كان ابن عمر عايَن ذلك وشاهده لم يجُز أن يحكيه عن عمر!» (^١).\nوالأمثلة غير هذه كثيرة جدًا مِن ممارساتِ الشَّيخينِ لنقدِ الأحاديث بالنَّظر إلى حال مدلولات متونها؛ وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) «التَّمييز» (ص/١٥٣).","vol":"1","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>المَبحث الخامس عشر\nغمز البخاريِّ في فقهِه للمتون بدعوى اختلالِ ترجماته للأبواب ونكارةِ فتواه</span>","vol":"1","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المَطلب الأوَّل\nعبقريَّة البخاريِّ في صناعة «صحيحه»</span>\nالبخاريُّ مجتهد مُطلق، وفقيهٌ اكتسابًا وتحصيلًا، أوْقَد فيه مَلَكةَ التَّفقُّه عنايتُه الشَّديدةُ بالقرآن، واطِّلاعُه الفسيحُ على السُّنةِ وآثارِ الصَّحابة والتَّابعين، حتَّى أذعنَ لفهمِه علماءُ الحَرَمَينِ، فأقرُّوا له بالإمامةِ والفقه (^١).\nفهذا شيخُه إسحاق ابن راهُويه (ت ٢٣٨ هـ) إمامُ الفقه والحديث، لم يستنكف أن يُوصي بالبخاريِّ طُلَاّبَه، يحثُّهم عليه بقوله: «اكتبُوا عن هذا الشَّاب، فلو كان في زَمنِ الحسنِ، لاحتاجَ إليه النَّاس، لمعرفتِه بالحديثِ وفقهِه» (^٢).\nهذه الحِرفة العقليَّة والطَّبعُ الفقهيٍّ في البخاريِّ، اصطَبَغ به كتابُه «الجامع» اصطباغًا ظاهرًا، فاشتهرَ عند المُتمرِّسين بمَعانيِ المَنقولِ أنَّ «فقهَ البخاريِّ في تَراجِمه» (^٣)،\nكونُه التزَمَ مع انتقاءِ الصِّحاحِ من الأحاديث استنباطَ الفوائدَ الفقهيَّة،\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٤٢٥).\n(^٢) «سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٤٢٥)، و«هُدى السَّاري» لابن حجر (ص/٣٠٧).\n(^٣) «التوضيح» لابن الملقن (١/ ٨٧)، و«هُدى السَّاري» لابن حجر (ص/١٣).\n\nيقول العَينيُّ: «فقه البخاري في تراجمه، له محملان، أحدهما: أن مسائل الفقه المختارة عنده تظهر من تراجمه، وثانيهما: أن ذكاءه يظهر من تراجمه، والبخاري سابق الغايات في وضع التراجم، فإنه قد تحيرت العقلاء فيها؛ وأسهل التراجم تراجم الترمذي، وتراجم أبي داود أعلى من تراجم الترمذي، واقتفى النسائي في تراجمه أثر شيخه البخاري، وبعض تراجمهما متحدة حرفًا حرفا، .. وما وضع مسلم بنفسه التراجم»؛ «العُرف الشَّذي» للكشميري (١/ ١٠).","vol":"1","page":631},{"text":"والنُّكتَ الحكميَّة، والتَّعليق على إثرِها برأيهِ أحيانًا، مُستشهِدًا في ذلك كلِّه بآثارِ الصَّحابةِ والتَّابعين، إذْ لم يكُن «مَقصوده الاقتصارَ على الأحاديثِ فقط، بل مُراده الاستنباط منها، والاستدلالُ لأبوابٍ أرادَها» (^١).\nفكان مِن أسبابِ تفضيلِ العلماءِ -مُحدِّثين وفقهاءَ- لـ «صحيحِه» على سائرِ دواوين السُّنة، وتلقِّيهم إيَّاه بالقَبول، وانكبابِهم على دراسته وتدريسه: هذا الاهتمامُ من صاحبِه بوضعِ تراجم فريدةٍ مُمتعةٍ لأبوابِه، تضمَّنت كثيرًا مِن المعاني الغامضة، والاستنباطات الدَّقيقة.\nيقول ابن حجر عن هذا النَّجيز: «الجهة العُظمى الموجبة لتقديمه، هي ما ضَمَّنه أبوابَه مِن التَّراجم الَّتي حَيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، وإنَّما بَلغت هذه الرُّتبة، وفازت بهذه الحُظوة، لسببٍ عظيمٍ أوجب عظمها، وهو ما رواه أبو أحمد ابن عديٍّ، عن عبد القدُّوس بن همَّام قال: شهدت عدَّة مشايخ يقولون: حَوَّل (^٢) البخاريُّ تراجمَ جامعِه بين قبر النَّبي ﷺ ومِنبرِه، وكان يصلِّي لكل ترجمة رَكعتين (¬٣») (^٤).\nفكان أجلى لمسات الإبداعِ مِن البخاريِّ في مُصنَّفه مُتجلِّيةً في صياغتِه لتلك التَّراجم، وحُسنِ اقتناصِه لعجائب المعاني من الأحاديث الَّتي يسوقها في تبويباتِه، مُعربًا عن فهمٍ ميَّزه الله به عن أقرانِه من فقهاءِ أهل الحديثِ.\nبذا نستطيعُ تلمُّحَ بعضٍ من أسرار عبقريَّة البخاريِّ في «صحيحِه»، تتَجلَّى بادئ الرَّأي في ثلاثِ ميزاتٍ أصبَغها كتابَه:\nالأولى: اشتراطه لأعلى مَراتبِ الصِّحة في الحديث.\nالثَّانية: دقَّة الاستنباطِ للمَعاني في التَّراجم.\n_________\n(^١) «هُدى السَّاري» لابن حجر (ص/٨).\n(^٢) أي: بيَّضَ.\n(^٣) رواه ابن عدي في «أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري» (ص/٦١).\n(^٤) «هُدى السَّاري» (١/ ١٣).","vol":"1","page":632},{"text":"الثَّالثة: التَّناسب بين الكُتبِ والتَّراجم والأحاديث.\nوفي تقرير هذه الميزاتِ الثَّلاث في البخاريِّ، يقول أبو بكرٍ الإسماعيليُّ (ت ٢٩٥ هـ) (^١): «إنَّ أحدًا مِن المُحدِّثين لم يبلُغ مِن التَّشدد مبلغَ أبي عبد الله، ولا تَسبَّب إلى استنباطِ المعاني، واستخراجِ لطائفِ فقهِ الحديثِ، وتراجمِ الأبواب الدَّالة على ما له وَصلةٌ بالحديثِ المَرويِّ فيه تسبُّبَه، ولله الفضلُ يختصُّ به مَن يشاء» (^٢).\nومع ما أنعم الله عليه به على البخاريِّ من هذه الفضائل العزيزة في الفهم والتَّصنيف، إلَّا أنَّه قد حَظِيَ بالنَّصيبِ الأوفرِ مِن طعونِ المُعاصرينَ في فقهِه للنُّصوصِ، وامتازَ عن سائرِ المُحدِّثين بمَوفورِ التَّشكيكِ في فهمِه واستيعابِه لمَرامِ الأحاديث، ليخلُص أقوامٌ من مناوئيه إلى نزعِ أهليَّته في تَميِيزِ صِحاح المتونِ مِن مُنكراتِها؛ والجواب على عليهم مُضمَّن تفصيلًا في المَطالب التَّالية:\n_________\n(^١) محمد بن إسماعيل بن مِهْران الحافظ أبو بكر الإسماعيليُّ: إِمَام أهل جرجان والمرجوع إِلَيْهِ فى الْفِقْه والْحَدِيث وَصَاحب التصانيف، منها «المستخرج على صحيح البخاري»، انظر «أعلام النبلاء» (١٤/ ١١٧).\n(^٢) «هدى السَّاري» (ص/١١).","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المَطلب الثَّاني\nانغلاق فهم بعض المُعاصرين عن إدراك وجه المُناسبة\nبين تراجمِ البخاريِّ وأحاديثِها سبيل عندهم لتسفيهِه</span>\nالمُتقرَّر عند مُصَنِّفي الحديثِ شَرطُ صِحَّةِ التَّرجمةِ بتَحَقُّقِ المناسبةِ بينها وبين المُترجَم له (^١)، فإنَّ كثيرًا مِمَّن نظر في تراجم أبواب البخاريِّ تَعَسَّر عليهم الرَّبطُ بينها وما انتقاه تحتها مِن أخبار؛ ذلك أنَّ البخاريَّ لم يخُض نفسَ الأساليبِ التَّأليفيَّة، والمناهج الوَضعيَّة الَّتي جَرى عليها المُحدِّثون وقتَه في تصنيفِ العلومِ، بل نحى طريقًا خاصًّا في التَّدوينِ، لم يقتصر فيه على مُجرَّدِ ما يَتبادر مِن النُّصوصِ مِن مَعاني.\nفلقد كان البخاريُّ في تراجمِه سَبَّاقَ غاياتٍ، وصاحبَ آياتٍ في وَضعِ تراجمَ لم يُسبَق إليها، لم يَستطع أن يُحاكيه أحَدٌ مِن المتأخِّرين في طريقتها، حتَّى نَبَّه على مسائل مَظانِّ الفقه مِن القرآن، بل أقامَها منه، ودَلَّ على طُرق التَّأنيس منه، وبه يتَّضح ربطُ الفقه والحديث بالقرآن بعضِه ببعض.\nفكانت تراجمُه صورةً حَيًّة لاجتهادِه وعَبقريَّته في مَنهجيته (^٢)، جامعًا في كتابِه المُباركِ «العِلْمين والخَيْرين الجَمَّين، حازَ كتابُه مِن السُّنةِ جَلالَتها، ومِن\n_________\n(^١) «توضيح الأفكار» للصنعاني (١/ ٤٤).\n(^٢) «فيض الباري» للكشميري (١/ ٣٥).","vol":"1","page":634},{"text":"المَسائلِ الفقهيَّة سُلالتَها، وهذا عِوَضٌ ساعَدَه عليه التَّوفيق، ومَذهبٌ في التَّحقيقِ دقيق» (^١).\nوالسِرُّ في غموضِ هذه التَّراجم كامنٌ في تنوُّعِ مَقاصد البخاريِّ وبُعد مَراميه، وفرْطِ ذكائِه، وتَعمُّقه في فهمِ الحديث، وحرصِه على الاستفادةِ والإفادة منه أكبرَ استفادةٍ ممكنة؛ «كنَحْلةٍ حريصةٍ توَّاقَة -والله- تجتهدُ أن تَتَشرَّب مِن الزَّهرةِ آخرَ قطرةٍ مِن الرَّحيق، ثمَّ تُحوِّلها إلى عَسَلٍ مُصَفَّى، فيه شفاء للنَّاس» (^٢).\nفلأجل ذا أُلِّفت في فقهِ تَراجمِه كُتبٌ بحالِها قديمًا وحديثًا، أجَالَ العلماء في هذا الموضوعِ قِداحَهم، وأرْكَضوا في هذا المَيْدانِ جِيادَهم، قد اعْتصَروا فيها عقولَهم الرَّاجحة، وعلومَهم الرَّاسخة (^٣)، «فلم نَعرِفْ أديبًا ولا لُغويًّا تَعمَّق في فهمِ بيتٍ مِن الأبيات، ومَعرفةِ معنىً مِن المعاني الشِّعريَّة، والوصولِ إلى غايةٍ مِن غاياتِ الشُّعراء، مثل تَعمُّق شُرَّاحِ «الجامعِ الصَّحيحِ» والمُشتغلين بتدريسِه، في فهمِ مَقاصد المؤلِّفِ وشرحِ كلامِه» (^٤).\nوالمقصود؛ أنَّ البخاريَّ لمَّا أودع كتابَه مِن الفقهِ الَّذي اشتملت عليه التَّراجم ما أودَع، ورَصَّع في عقودِ تلك الأبوابِ مِن جواهرِ المعاني ما رَصَّع، ظهرَتْ مِن تلك المَقاصد فوائد، وخَفِيَت فوائد، فاضطرَبت بعض الأفهامِ فيما خَفِيَ، فمِن مُحوِّم وشاردٍ.\n_________\n(^١) «المتواري على تراجم أبواب البخاري» (ص/٣٩).\n(^٢) «نظرات على صحيح البخاري» لأبي الحسن الندوي (ص/٣٣).\n(^٣) من أشهر ما كُتب في شرح مناسبات تراجم اليخاري: «المتواري على أبواب البخاري» لابن المنير المالكي الذي سيأتي ذكره هنا، و«مناسبات تراجم البخاري» لبدر الدين ابن جماعة، و«تراجم أبواب البخاري» للشَّاه ولي الدَّهلوي، و«شرح تراجم أبواب البخاري» للكاندِهلوي، وكلُّها هذه مطبوعة، ولعل أجودها كتاب «ترجمان التراجم» لابن رشيد السبتي، غير أنه لم يكمله، حتى قال فيه ابن حجر في «الفتح» (١/ ٩٣): «ووقفت على مجلد من كتاب اسمه ترجمان التراجم، لأبي عبد الله بن رُشيد السبتي، يشتمل على هذا المقصد، وصل فيه إلى كتاب الصيام، ولو تم لكان في غاية الإفادة، وأنه لكثير الفائدة مع نقصه»، وقد عثر مؤخَّرًا على جزءٍ صغير منه طُبع بتحقيق د. زين العابدين رستم.\n(^٤) «نظرات على صحيح البخاري» (ص/٢٥)، وأصلها مقالة قدَّم بها أبي الحسن الندوي لكتاب «لامع الدراري على جامع البخاري» للكاندهلوي.","vol":"1","page":635},{"text":"فقائلٌ يَقول: اختُرِم ولم يُهذِّب الكتابَ، ولم يُرتِّب الأبواب.\nوقائلٌ يقول: جاءَ الخَلل مِن النُّساخ وتجزيفِهم، والنَّقَلَة وتحريفِهم.\nوقد سَبَق الجواب على هذين بِما يكفي بالَ المُنصِف مِن الانشغال بهما.\nيَبقى النَّظر محصورًا في هذا الموطن في قول مَن قال: «قد أبعْدَ البخاريُّ المنتجَعَ في الاستدلال، فأَوْهَمَ ذلك أنَّ في المطابقةِ نوعًا مِن الاعتدال» (^١)، وما هو منه إلَّا الغلَط في فهمِ الأحاديث؛ «فإنَّ أدلَّتَه عن تراجِمه مُتقاطعة، فيُحمَل الأمرُ على أنَّ ذلك لقصورٍ في فكرتِه، وتجاوزٍ عن حَدِّ فِطرتِه.\nوربَّما يجِدون التَّرجمةَ ومعها حديثٌ يُتَكَلَّف في مُطابقتِه لها جِدًّا، ويجدون حديثًا في غيرها هو بالمطابقةِ أوْلى وأجْدَى! فيحمِلون الأمرَ على أنَّه كان يَضع التَّرجمةَ ويُفكِّر في حديثٍ يُطابقها، فلا يَعِنُّ له ذكرُ الجليِّ، فيعدِل إلى الخَفيِّ، إلى غير ذلك مِن التَّقادير الَّتي فَرَضوها في التَّراجم الَّتي انتقدوها، فاعْترَضوها» (^٢).\nومِمَّن عَلِمتُه سَبَّاقا إلى هذا التَّخريجِ الحاطِّ مِن فقهِ البخاريِّ: أبو الوَليد الباجِيُّ (ت ٤٧٤ هـ)؛ فبعدَ سَوْقِه لمَشهورِ نَصِّ المُستَمْلي في إلحاقاتِ تراجمِ نُسخةِ الفِرَبري مِن «الجامع الصَّحيح» - وقد ذكرناه في موضع سابق - «أتبعَه الباجيُّ بما كانَ الواجبُ عليه تَركُه» (^٣)، فإنَّه قال: «.. إنَّما أوْرَدتُ هذا، لمِا عُنِيَ به أهلُ بَلدِنا مِن طَلَبِ مَعْنىً يجمَعُ بين التَّرجمةِ والحديثِ الَّذي يَلِيها، وتَكلُّفهم في تعسُّفِ التَّأويلِ ما لا يَسوغ، ومحمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، وإنْ كان مِن أعلمِ النَّاسِ بصحيحِ الحديثِ وسَقيمِه، فليس ذلك مِن عِلْمِ المعاني وتحقيقِ الألفاظ وتمييزها بسَبيلٍ» (^٤).\n_________\n(^١) «المتواري على أبواب البخاري» لابن المنير (ص/٣٦).\n(^٢) «المتواري على أبواب البخاري» (ص/٣٦)\n(^٣) «إفادة النَّصيح» لابن رشيد السبتي (ص/٢٦ - ٢٧).\n(^٤) «التَّعديل والتجريح» (١/ ٣١٠ - ٣١١).","vol":"1","page":636},{"text":"وهذا القولُ منه بمَنأىً عن التَّحقيق! وما ينبغي لِمن استعْصَى عليه الظَّفرُ بوجهِ تلك المناسبات أن يُسارع بردِّ العَيْبِ في المُتَرْجِم، ما دام القصورُ في فهمِ النَّاظرِ واردٌ.\nفلأجل هذا الَّذي بدر من الباجيِّ، تَعقَّبَه ابنُ رشيد السَّبتي (ت ٧٢١ هـ) بما يَدفع اللَّومَ به عن البخاريِّ، قائلًا: «إنَّما وَقَع للبخاريِّ ﵁ هذا، لِما كان عليه مِن النُّفوذِ في غوامضِ المَعاني، والخلوصِ مِن مُبهماتِها، والغَوصِ في بحارِها، والاقتناصِ لشَوارِدها، وكان لا يَرضى إلَّا بدُرَّة الغائص، وظَبْية القانِص، فكان ﵁ يَتأنَّى ويَقف وقوفَ تخيُّرٍ لا تحيُّرٍ، لازدحامِ المعاني والألفاظ في قلبِه ولسانِه، فحُمَّ له الحِمام، ولم تُمهله الأيَّام، لا لمِا قاله أبو الوليد مِن قولِه الخطأِ الَّذي ضَربنا عن ذكرِه؛ ومَن تأمَّل كلامَه فِقهًا واستنباطًا وعربيَّةً ولغةً، رأى بحرًا جَمَع بحارًا، إلى ما كان عليه مِن حُسنِ النِّيَّة، وجميل الفِعلة في وضعِ تراجم هذا الكتاب» (^١).\nغير أنَّ هذا المُستَحْسَن عند ابن رُشيدٍ يَسلُب حُسْنَه مَن يُسيء فهمَ مَقاصِد البخاريِّ في تراجِمه، مِن بعضِ الاتِّجاهاتِ المُنحرفة المُعاصرة، فعَابوها عليه حينَ عَزَّ عليهم إدراكُ كثيرٍ مِن مُناسَباتِها؛ فلم يَجد (حسن حَنفي) بُدًّا ليتَخلَّصَ مِن دوَّامةِ فهمِها إلَّا بتحقيرِ هذه التَّبويباتِ، كونُها عنده «اختيارًا إيديولوجيًّا طِبقًا للسُّلوكِ القَديم، وما يَتَّفق مع البِيئَةِ العَربيَّة الأولى» (^٢)؛ فما البخاريُّ في اختياراتِه لتبويباتِه إلَّا خادِمٌ للتَّوجُّهاتِ السُّلطويَّة والاجتماعيَّة (^٣).\nمن هنا، حسُن بنا التَّعريج بإيجازٍ على طبيعةِ التَّبويباتِ الَّتي حبكها البخاريُّ في «صحيحِه» ومنهجه في ترجمتها، كي نجليَّ أنظار من استشكلوا ذلك مِن الغبشِ الحاصل في أفهامهم تُجاه فقهِ البخاريِّ وفهمِه للأحاديث؛ فنقول:\n_________\n(^١) «إفادة النَّصيح» لابن رشيد (ص/٢٦ - ٢٧)\n(^٢) «من النَّقل إلى العقل» (٢/ ٢٣).\n(^٣) «في فِكرنا المعاصر» لحسن حنفي (ص/١٨٠).","vol":"1","page":637},{"text":"الفرع الأوَّل: أنواع التَّراجم المودعة في «الجامع الصَّحيح».\nيُقرِّر بعضُ المُتحقِّقين بـ «صحيح البخاريِّ»، أنَّ المناسبة بين التَّراجم والمُترجم لها فيه تأتي على جهتين:\nالجهة الأولى: جهة المطابقة، وهي نوعان (^١):\nالنَّوع الأوَّل: المطابقة الكليَّة: وهي الَّتي تكون التَّرجمة فيها مطابقةً للمُترجم مطابقةً تامَّةً مِن كلِّ وجه، فكلُّ ما دلَّ عليه فهو واردٌ في التَّرجمة.\nالنَّوع الثَّاني: المطابقة الجزئيَّة: وهي الَّتي تكون التَّرجمة فيها مطابقةً للمُترجم مطابقةً ناقصة، فليس كلُّ ما دلَّ عليه المُترجَم واردًا في التَّرجمة، بل إنَّ التَّرجمة دالَّة على جزءٍ من المُترجم فقط.\nوكِلتا الجِهتين مِن المطابقة لا إشكال فيها فيمن ينظرُ في كتابِ البخاريِّ، لتَنصيصه على المناسبة في نفس التَّرجمة كليًّا أو جزئيًّا (^٢).\nأمَّا الجهة الثَّانية: فجِهة إدراكِها، وهي قسمان:\nالقسم الأوَّل: المناسبة الجَليَّة: وهي الظَّاهرة الَّتي لا تحتاج إلى كثيرِ تدبُّر وتأمُّل، وإنَّما هي الظَّاهر المنقدح في الذِّهن مباشرةً، وهذه واقعة في تراجم البخاريِّ كثيرًا (^٣).\nوليس ذكر هذه الجهة من غرضنا في هذا المبحث أصالةً؛ وفائدتها: الإعلام بما ورد في ذلك الباب من اعتبار لمقدار تلك الفائدة، فكأنَّه يقول: هذا الباب الَّذي فيه كذا وكذا، أو باب ذكر الدَّليل على الحكم الفلاني مثلًا (^٤).\n_________\n(^١) مُستفاد من «تراجم أحاديث الأبواب» لـ د. علي الزبن (بحث منشور في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود، العدد: ٥، محرم ١٤١٢ هـ، ص ١٥٨ - ١٦٢).\n(^٢) انظر هذا التقسيم في «المتواري» لابن المنير (ص/٣٧)، و«الحِطَّة» لصدِّيق حسن خان (ص/١٧٠ - ١٧١).\n(^٣) انظر «المتواري» لابن المنير (ص/٣٧).\n(^٤) انظر «هُدى السَّاري» (١/ ١٣).","vol":"1","page":638},{"text":"القسم الثَّاني: المناسبة الخَفيَّة: وهذه الَّتي تحتاج إلى سِعة علمٍ، وتَوقُّدٍ ذِهنيٍّ حاضر، فآثَرَها البخاريُّ على ما ظهر من التَّراجِم، حيث اقتصَرَ على ما يدلُّ بالإشارةِ، وحَذَف ما يدلُّ بالصَّراحةِ، وهذه الَّتي يَعِزُّ على الأكثرين دَرْكُها، حتَّى سُمِّيت بـ «التَّراجم الاستنباطيَّة» (^١).\nفهذا النَّوع مِن التَّراجِم عند البخاريِّ أجلُّ أنواعِ تراجمه وأنفسِها، حتَّى كانت عادتَه الأشهرَ في تَبويباتِ كتابِه، والصِّفةَ السَّائدة فيها؛ وفيها يقول ابن حَجر: «ظَهَر لي بالاستقراء مِن صَنيع البخاريِّ، اكتفاءُه بالتَّلويحِ عن التَّصريح ..، قال: وقد سَلَك هذه الطَّريقة في مُعظَمِ تَراجِم صحيحِه» (^٢).\nفمَن أنْعَم النَّظَر في هذه التَّراجم، وقُدِّر له أن يَتَصَفَّحها ويَتلَمَّحها برَويَّةٍ، مُستَعينًا في ذلك بما سَطَّره شُرَّاح الحديثِ، استطاعَ أن يُمسِك بالحبلِ الرَّابطِ بينها، فلَاحَ له عن كثبٍ مَغزى البخاريِّ منها.\nوثمَّة تَنويعٌ ثانٍ نفيس لتراجمِ البخاريِّ في «صَحيحِه»: وهو ما نحى إليه أبو الحسن السِّندي (ت ١١٣٨ هـ)، يقربُ أن يكون جمعًا بين كِلا الجِهتين السَّالِفتين في التَّقسيمِ الأوَّل: جِهة المُطابقة، وجهة الإدراك، يُعينُ على حَلِّ كثيرٍ مِن الإشكالاتِ الَّتي قد تَكتنِف علاقةَ بعضِ التَّراجم بمُترجَمِها عند بعضِ النَّاظرين، يقول فيه:\n«اِعلم أنَّ تراجِمَ الصَّحيحِ على قِسمين:\n١ - قِسمٌ: يذكرُه لأجلِ الاستدلالِ بحديثِ البابِ عليه.\n٢ - وقِسمٌ: يذكره ليُجعَل كالشَّرح لحديثِ الباب: فيُبيِّن به مُجمَل حديث الباب -مثلًا- لكونِ حديثِ البابِ مُطلقًا قد عُلِم تقييدُه بأحاديث أُخَر، فيأتي بالتَّرجمةِ مُقيَّدةً، لا ليستدِلَّ عليها بالحديثِ المُطلَق، بل ليُبيَّن أنَّ مُجمَل الحديث هو المُقيَّد، فصارَت التَّرجمةُ كالشَّرحِ للحديث.\n_________\n(^١) «الإمام البخاري وفقه التَّراجم في جامعه الصَّحيح» لنور الدِّين العتر (ص/٧٤).\n(^٢) «فتح الباري» (١/ ٨).","vol":"1","page":639},{"text":"والشُّرَاح جَعَلوا الأحاديثَ كُلَّها دلائل لمِا في التَّرجمة، فأشكَلَ عليهم الأمرُ في مَواضع، ولو جَعَلوا بعضَ التَّراجم كالشَّرحِ، تخلَّصوا من الإشكالِ في مَواضع» (^١).\nفلِلْغَفلةِ عن مثلِ هذه المَقاصد الدَّقيقة، «اعتَقَد مَن لم يُمعِن النَّظرَ، أنَّ البخاريَّ تَرَك الكتاب بلا تَبيِيضٍ» (^٢) -وقد أسلفنا التَّنبيه إلى غلطه- ومَن تأمَّل ظَفَر!\nالفرع الثَّاني: الحِكمة مِن إيثارِ البخاريِّ للتَّلميحِ دونَ التَّصريحِ في أكثرِ تَراجِمه.\nاختارَ البخاريُّ هذا النَّمط مِن التَّلميحِ في تراجم أبواب كتابه، شحْذًا منه لعقلِ قارِئ كتابِه، وتَدريبًا لفهمِ طلبةِ الحديثِ على الاستنباطِ، وصقلًا للمَلَكاتِ في ذلك، وتنبيهًا على مَواطن العِلَّة؛ وفي تقرير هذه المَقاصد التَّربويَّة الجليلة يقول المُعَلِّمي: «لِلبخاريِّ ﵀ وُلوعٌ بالاجْتِراءِ بالتَّلويح عن التَّصريح، كما جَرى عليه في مَواضع مِن جامِعِه الصَّحيح، حِرصًا منه على رياضةِ الطَّالب، واجتذابًا له إلى التَّنبُّهِ والتَّيقُّظِ والتَّفهُّمِ» (^٣).\nوقد وَجدنا العلماءَ قديمًا وهم يَنْعَمون بمثلِ هذا الحِسٍّ الرَّائقِ في تَلقين العلم، فيتَفنَّنون في تَقليبِ المادةِ العِلميَّة على وجوهٍ مُختلِفةٍ، حِرْصًا على استنهاضِ مَلَكةِ الاستحضارِ في الطَّلَبة.\nفكان مِن طرائقِ ذلك عندهم -مثلًا-: أن يُورِد الشَّيخ آيةً، ثمَّ يَستفزَّ أذهانَ الطُّلابِ لذكرِ كلِّ ما يَتَعلَّق بها، تفسيرًا وفِقهًا وحديثًا ولُغةً (^٤)؛ وهذه الطَّريقة\n_________\n(^١) حاشية السندي على «صحيح البخاري» (١/ ٥).\n(^٢) «هُدى السَّاري» لابن حجر (ص/١٤).\n(^٣) مقدِّمته لتحقيق كتاب «مُوضِّح أوهام الجمع والتَّفريق» للخطيب (١/ ١٤).\n(^٤) وقد كان يسلك هذه الطَّريقة في التَّعليمِ إبراهيم بنُ جماعة في تمرينِه لتلامذتِه، يقول ابن حَجر في «رفع الإصر عن قضاة مصر» (ص/٢٩): «ذَكَر لي القاضي جلال الدِّين البلقيني، أنَّه حضر دروسَه، ووَصَفه بكثرةِ الاستحضار، قال: وكانت طريقتُه أنَّه يُلقي الآيةَ أو المسألة، فيَتَجاذب الطَّلبةُ القولَ في ذلك والبحث، وهو مُصْغ إليهم، إلى أن يَتَناهى ما عندهم، فيَبتدئ فيُقرِّر ما ذكروه، ثم يَستدرك مَا لم يَتَعرَّضوا له، فيُفيد غرائبَ وفَوائد».","vol":"1","page":640},{"text":"النَّافعة لتنميِة مَلَكة الاستحضارِ لا تَصلحُ إلَّا بإزاءِ شَيخٍ مُتمَكِّن في مثل مقام البُخاريِّ!\nالفرع الثَّالث: ألوانٌ من خفيِّ تراجم البخاريِّ الدَّالةِ على غَوْصِه في المعاني واستحضارِه للأدلَّة.\nلقد ألْفَى المُحقِّقون من أهل المعرفة بـ «الصَّحيح» هذه المناسباتِ الخفيَّة فيه عدَّةَ أنواعٍ:\nفمنها: أن يكون في التَّرجمةِ لفظٌ يُفيد مَعنىً مُعيَّنًا لا ذِكر له في الحديث الَّذي أثبَتَه، لكن يكون هذا الحديث ذا طُرقٍ، أثبتَ منها البخاريُّ ما يُوافق شرطَه في كتابه، ولم يُثبته مِن الطَّريق الموافقةِ للتَّرجمة، لقصورِ شَرطِها عن شَرطِه، فيأتي بالزِّيادةِ الِّتي لم تُوافق شرطَه في التَّرجمة.\nكما أنَّه كثيرًا ما يَذكرُ التَّرجمةَ بخلافِ لفظِ الحديث، ويكون الغَرَض منه: الإشارةُ إلى اختلافِ ألفاظِ الرِّوايةِ الواردةِ في الباب، وهذا مُطَّرد في كتابه (^١)؛ فيظنُّ الجاهلُ بالرِّوايات أنْ لا علاقةَ بين ما في التَّرجمةِ والحديث! ومثل هذا لا يَنتفِعُ به إلَّا المَهَرة مِن أهلِ الحديث.\nمثل ما أوردَ من حديثِ الخوارج: ««إنَّ مِن ضِئْضِئِ هذا قومًا يَقرءون القرآنَ، لا يُجاوز حَناجِرَهم ..»؛ أورده البخاريُّ في بابِ «قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾» (^٢).\nفقد بيَّن العَسْقَلانيُّ أنَّ حديث الخوارج هنا جاءَ في بعضِ رواياتِه -غير الرِّواية الِّتي ساقها البخاريُّ في الباب المذكورِ- بلفظ: «ألَا تأمنُوني وأنا أمينُ مَن\n_________\n(^١) مثاله في «المتواري» لابن المنير (ص/٢٧٣).\n(^٢) «صحيح البخاري» (٧/ ١٨٦).","vol":"1","page":641},{"text":"في السَّماء؟»؛ قال: «وبهذا تظهرُ مُناسبة هذا الحديث للتَّرجمة، لكنَّه جَرى على عادتِه في إدخالِ الحديثِ في البابِ للَفظةٍ تكون في بعضِ طُرقِه، هي المناسبة لذلك الباب، يُشير إليها، ويُريد بذلك شحذَ الأذهانِ، والبَعْثَ على كثرةِ الاستحضارِ» (^١).\nومن أنواع الخفيِّ من تراجم البخاريِّ: أنَّه يُترجِم للبابَ على صورةٍ ما، فيُورِد فيها أحاديث مُتعارضةً في ظاهرِها، فينبِّه على وجه التَّوفيق بينهما أحيانًا، وقد يَكتفي بصورةِ المُعارضة، تنبيهًا منه على أنَّ المسألةَ اجتهاديَّة (^٢)، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافِها، ليُقرِّب إلى الفقيه مِن بعدِه أمرَها، كما فَعَل في بابِ «خروج النِّساءِ إلى البُرازِ» (^٣).\nومن ذلك: أنَّه يذكرُ حديثَ صحابيٍّ ما لا يُناسب التَّرجمة، وهو يُشير بذلك إلى حديثٍ آخرَ لنفسِ هذا الصَّحابي المُناسب لهذه التَّرجمة! وهذا مِن أشدِّ تَشحيذاتِه للأذهانِ، لِتلتفِتَ إلى مُتعلَّقاتِ الحديث وأشباهِه.\nيتَّضح هذا بما تَرجَم به بابًا، قال فيه: «باب: طولِ القيامِ في صلاةِ اللَّيل»، أورَدَ في آخره حديثَ حذيفة ﵁: «أنَّ النَّبي ﷺ كان إذا قام للتَّهجدِ مِن اللَّيل، يَشوص فاهُ بالسِّواك».\nفقد استشكلَتْ بعضُ الأفهام العلاقة بين طول القيامِ وهذا الحديث في التَّسويك؛ حتَّى أبانَ البدرُ بن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) عن وجهِ ذلك بقوله: «أرادَ بهذا الحديث استحضارَ حديثِ حذيفة ﵁ الَّذي أخرجه مسلم: «أنَّه صَلَّى مع النَّبي ﷺ ليلةً، فقرأ البقرةَ وآل عمران والنِّساء في ركعة، وكان إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيح سبَّح، أو سؤالٍ سَأل، أو تعوِّذٍ تعوَّذ، ثمَّ ركَع نحوًا ممَّا قام» الحديث،\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١٣/ ٤١٨).\n(^٢) «المتواري» لابن المنير (ص/٧٣).\n(^٣) «شرح أبواب صحيح البخاري» لولي الله الدهلوي (ص/٢٠).","vol":"1","page":642},{"text":"قال: «وإنَّما لم يخرجه البخاريُّ لكونِه على غير شرطه، فإمَّا أن يكون أشار إلى أنَّ اللَّيلة واحدة، أو نبَّه بأحدِ حديثي حذيفة ﵁ على الآخر» (^١).\nبينما رأى العَينيُّ (ت ٨٥٥ هـ) بعده بأنَّ «التَّرجمةَ في طولِ القيام في صلاة اللَّيل، وحديثُ حذيفة فيه القيامِ للتَّهجُّد، والتَّهجُّد في اللِّيل غالبًا يكون بطولِ الصَّلاة، وطولُ الصَّلاة غالبًا يكون بطولِ القِيامِ فيها، وإن كان يَقعُ أيضًا بطولِ الرُّكوع والسُّجود» (^٢).\nومن ذلك: أن يأتيَ البابُ خاليًا مِن ترجمةٍ أصلًا، ويكتفي عنها بكلمة (بَابٌ)، مع إيراده للأحاديث تحتها، وتُسمَّى بـ «الأبوابِ المُرسَلة» (^٣)، فيكون هذا الباب بمَنزلةِ الفَصْلِ مِن البابِ السَّابق، فلا بُدَّ له مِن تَعلُّق به (^٤).\nأو أنَّه يحذِف التَّرجمةَ تكثيرًا للفوائد، فإنَّ الحديث الواردَ في البابِ يُستنبط منه مسائل عديدة مُناسبة لهذا المَحَلِّ، فيَحذف التَّرجمة، تشحيذًا للأذهان في إظهارِ مُضمَره، واستخراجِ خَبيئه، وإيقاظًا للنَّاظِرين أن يُخرِجوا منه تَراجم عديدةً مُناسبة لهذا الحديث (^٥).\nومن ذلك: أنْ يورِدَ بعد التَّرجمةِ حديثًا يُوافقها، ثمَّ يذكرَ بعده حديثًا لا يُوافقها، ويكون ذكرُه للحديثِ الثَّاني لمصلحةِ الحديثِ الأوَّل، كتَوضيحِ إجمالٍ فيه، أو يكون في إسنادِ الثَّاني تصريحٌ بسماعِ راوٍ قد عَنْعنَ في الحديث الأوَّل، فيُثبت به الاتِّصال، على المَعروفِ مِن شرطِ البخاريِّ في ذلك، وهكذا.\nوالفائدة المُنتزعة مِن هذا: أنَّ كثيرًا ما يَتَحصَّل وجهُ المناسبةِ بالنَّظرِ إلى مَجموعِ الرِّواياتِ في البابِ، فلا تَسْتَقلُّ كلُّ روايةٍ بإفادةِ ما وُضِعَت له التَّرجمة.\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٢٠).\n(^٢) «عمدة القاري» (٧/ ١٨٦).\n(^٣) «الإمام البخاري وفقه التراجم في جامعه الصحيح» لـ د. نور الدين عتر (ص/٨٥).\n(^٤) «هُدى السَّاري» لابن حجر (١/ ١٢٥)، وانظر «عمدة القاري» للعيني (٤/ ٢٤١)، ونحا نحو هذا الترمذي في «جامعه»، والخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية في معرفة أصول علم الرواية».\n(^٥) «الأبواب والتَّراجم» للكاندهلوي (١/ ٩٧).","vol":"1","page":643},{"text":"وفي تقريرِ هذه الفائدة في النَّظر إلى تراجم البخاريِّ، يقول السِّندي (ت ١١٣٨ هـ): «كثيرًا ما يذكُر بعد التَّرجمةِ آثارًا لأدْنَي خاصيَّةٍ بالباب، وكثيرٌ مِن الشُّراحِ يَرَوْنها دلائلَ للتَّرجمة، فيَأتون بتَكلُّفاتٍ باردةٍ لتصحيحِ الاستدلالِ بها على التَّرجمةِ، فإن عَجزوا عن وجهِ الاستدلال، عَدُّوه اعتراضًا على صاحبِ «الصَّحيح»، والاعتراضُ في الحقيقةِ مُتوجِّه عليهم، حيث لم يَفهموا المَقصود» (^١).\nومن ذلك: أن يُضَمِّن التَّرجمةَ ما لم تَجرِ العادة بذكرِه في كُتبِ الفقه، وهذا ممَّا يَستغربه بعضُ أهلُ العلمِ مِن تَراجمه، وقد يَظنُّه بعضُ المُعاصرين مِمَّن لا يَعرف البخاريَّ: أنَّه مِن ضَعف إلمامِه بتقسيماتِ الأبوابِ! وأنَّه ذكرٌ لِما لا جَدْوى منه (^٢)!\nيُمثِّلونَ لذلك بترجمتِه لبابِ «أكل الجُمَّار»؛ فقد يَظنُّ الظَّانُ أنَّ هذا لا يُحتاج إلى إثباتِه بدليلٍ خاصٍّ، لأنَّه على أصلِ الإباحةِ كغيره، لكنَّ البخاريَّ لاحَظ أنَّه رُبَّما يُتَخيَّل أنَّ تجميرَ النَّخلِ إفسادٌ للمالِ وتَضييع له، فنَبَّه على بُطلانِ هذا التَّوهُّم إنْ سَبَق إلى ذهنِ أحَدٍ.\nفلأجل نفاسة هذا المَلمح، عقَّب على البخاريِّ ابنُ المنيِّر (ت ٦٨٣ هـ) في هذا الموطن بأن قال: «رضيَ الله عنك! وقد سَبَق الوَهم إلى بعضِ المُعاصرين، فانتَقَد على مَن جمَّر نخلةً واحدةً بعد أخرى ليَقتات بالجُمَّار، تحرُّجًا وتَورُّعًا مِمَّا في أيدي النَّاس، لما عُدِم قُوتَه المعتاد في بعضِ الأحيان، وزَعَم هذا المُعترض أنَّ هذا إفسادٌ خاصٌّ للمال، وفساد عامٌّ في المال، وربَّما يُلحِقه بنهيِ مالك ﵀ عن بيع التَّمرِ قبل زهوه على القطع إذا كثُر ذلك، لأنَّ فيه تسبُّبًا إلى تقليلِ الأقوات؛ فلمَّا وَقفتُ على ترجمة البخاريِّ، ظَهَرت لي كرامَتُه بعد ثلاثِ مائةِ سنةٍ ونيِّف! ﵀» (^٣).\n_________\n(^١) «حاشية السندي على البخاري» (١/ ٥).\n(^٢) كما ادَّعاه عبد الصَّمد شاكر الإمامي في كتابه «نظرة عابرة إلى الصحاح الستة» (ص/٥٩).\n(^٣) «المتواري» (ص/٣٨).","vol":"1","page":644},{"text":"مع ما يجب التَّنبُّه له في هذا الباب من استكناه مقاصد البخاريِّ من تراجمه: أنَّ أكثرَ ما يُترجِم به لمثلِ هذا -مِمَّا قد يظهر منه عدمُ جَدواه- إنَّما يكون تَعقُّباتٍ وتَنكيتاتٍ على عبد الرَّزاق (ت ٢١١ هـ) وابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) في تَراجم «مُصَنَّفيهما»! ومِن ثمَّ فإنَّ مثل هذه التَّوجيهات لهذا النَّوع مِن التَّراجم، لا يَهتدي إليها إلَّا مَن مَارَس المُصَنَّفَيْنِ، واطَّلَع على ما فيهما (^١)!\nثمَّ إنَّ البخاريَّ قد يَعقِد بابًا يأتي له بترجمةٍ ما، ليس له مِن وراءه قَصدٌ إلَّا نَقضُ ما انتَشَر في النَّاسِ مِن فتوى فقيه، هي عنده مخالفةٌ لدَلالةِ سُنَّة؛ ومَن كان مُطِّلعًا على ما كان سائدًا في عصره مِن آراءٍ يكثر فيها الخِصام، تلَمَّح ذلك في مثلِ هذه التَّراجم مِن طرفٍ خَفيٍّ (^٢)!\nإلى غير ذلك من أنواعِ التَّراجِم الَّتي انبرى العَالِمون الفاهِمونَ لتَجلِيتها، وما ذلك منهم إلَّا حَسَنةٌ مِن حَسناتِ فِقهِ البخاريِّ وواسِع فهمِه للشَّريعة.\n_________\n(^١) «شرح تراجم أبواب البخاري» (ص/٢٢).\n(^٢) «نظرات على صحيح البخاري» لأبي الحسن الندوي (ص/٣٨).","vol":"1","page":645},{"text":"الفرع الخامس\nمجاوزة عبقريَّة البخاريِّ أوجهَ التَّناسب في التَّراجم\nإلى تناسبِ الكُتِب والأبواب فيما بينها وترتيبها\n\nسَيزيدُ انبهارُك بهذه العقليَّة البُخاريَّة وشفوفِ روحِه الإبداعيَّة، حينما تعلمُ أنَّ ما مَرَّ بك مِن أمثلةٍ قليلةٍ في «صحيحِه الجامع» مِن المُناسباتِ، ليس مُقتصرًا على ما كان بين تراجِم الأبوابِ وما ضَمَّته مِن أحاديث وآثار، بل قد طالت يدُ إبداع البخاريِّ الكُتبَ المَوضوعيَّة نفسَها، بالرَّبط فيما بينها من جهة، وبين الأبوابِ في الكتابِ الواحدِ من جهة (^١)، بل بين الأحاديثِ في البابِ نفسه من جهة أخرى! فكان يُرتِّبها بحسب الغَرض الَّذي مِن أجله يَسوق تلك الأحاديث.\nفتارةً يبدأ بالحديث العَالي، ويُتبعه ذكر النَّازل.\nوتارةً يبدأ بالحديثِ المُعنعَن، ثمَّ يردفه بما فيه التَّصريح بالسَّماع.\nوتارةً يبدأ بالحديثِ الأكثر دلالةً على الحكم الفقهيِّ، ثمَّ يتبعه بالشَّواهد، وهكذا ..، كلُّ ذلك وِفقَ منهجٍ مُحكم (^٢).\nفلقد سارَ في هذا كلِّه على ترتيبٍ مُبتَكرٍ لم يُسبَق إلى مثلِه ولا قُورِبَ، حتَّى أصبح الكتاب عِقْدًا مَنظومًا، ووَحدةً مُتناسقةً مُتكاملةً، يخدم غايةً واحدةً.\n_________\n(^١) كان بدر الدين العَيني في شرحه «عُمدة القاري» أكثر من التزم بيانَ هذا التَّناسب في كتب «الصَّحيح» أكثر من غيره، مع بيانه لنوعِ هذا التَّناسب، انظر بعضا من أمثلته فيه (١/ ٩٩) و(١/ ١٠٠) و(١/ ١٠٣).\n(^٢) بيَّن ابن حجر بعض أمثلته في «هُدى السَّاري» (ص/٢١٠).","vol":"1","page":646},{"text":"يَكفيك مَثلًا على ذلك: براعةُ استهلالِه بكتابِ «بدء الوَحي»، وإتباعُه بكتاب «الإيمان»، ثمَّ «العِلم»، وهكذا حتَّى خَتَم التَّسلسل بكتاب «التَّوحيد».\nوإلى هذا النَّوع مِن التَّناسب، كان التِفاتُ البُلقينيِّ (ت ٨٠٥ هـ) فيما كتبه عن «الصَّحيح» عن علاقةِ كُتبِه فيما بينها تقديمًا وتأخيرًا، فكان ممَّا قاله:\n«قدَّمَه -أي كتاب بدء الوَحي- لأنَّه مَنبع الخيرات، وبه قامت الشَّرائع، وجاءت الرِّسالات، ومنه عُرف الإيمان والعلوم، وكان أوَّله إلى النَّبي ﷺ بما يقتضي الإيمان من القراءةِ والرُّبوبية وخلق الإنسان، فذَكر بعدُ كتاب (الإيمان) و(العلوم)، وكان الإيمان أشرفَ العلوم، فعقَّبه بكتاب (العلم)، وبعدَ العلم يكون العمل! وأفضل الأعمال البدنيَّة الصَّلاة، ولا يُتوصَّل إليها إلَّا بالطَّهارة، فقال (كتاب الطهارة)، فذكر أنواعها وأجناسها ..».\nوهكذا حتَّى ساق البلقينيُّ (ت ٨٠٥ هـ) جميعَ كُتبِ» الصَّحيح» بحسب تَرتيبها، مُبيِّنًا وجهَ التَّناسب بينها؛ ليختم ذلك بقوله: «ولمَّا كانت الإمامةُ والحُكم يَتمنَّاها قومٌ، أردَف ذلك بـ (كتابِ التَّمَني)! ولمَّا كان مَدار حكم الحُكَّامِ في الغالب على أخبارِ الآحاد، قال: (ما جاء في إجازةِ خبرِ الواحد الصَّدوق).\nولمَّا كانت الأحكام كلُّها تحتاج إلى الكتاب والسُّنة، قال: (الاعتصام بالكتاب والسُّنة)، وذكر أحكام الاستنباط مِن الكتاب والسنة، والاجتهاد، وكراهية الاختلاف، وكان أصل العِصمة أوَّلًا وآخرًا هو توحيد الله، فختم بكتاب (التَّوحيد) ..» (^١).\nثمَّ جاء اعتناء تلميذه ابن حَجرٍ (ت ٨٥٢ هـ) بنوعٍ آخرَ مِن المُناسباتِ، دَلَّلَ به على بَراعةِ الاختتامِ عند البخاريِّ للأبوابِ، وبيَّن أنَّه لم يَرَ مَن نَبَّه عليه، بحيث أنَّ البخاريَّ «يَعتني غالبًا بأن يكون الحديث الأخير مِن كلِّ كتابٍ مِن كُتُبِ هذا الجامع مُناسبًا لختمِه، ولو كانت الكلمةُ في أثناءِ الحديثِ الأخير، أو مِن الكلامِ عليه» (^٢).\n_________\n(^١) «هُدى السَّاري» لابن حجر (ص/٤٧٠ - ٤٧٣)\n(^٢) «فتح الباري» (١٣/ ٥٤٣)، وانظر مثالًا لهذا النوع من المناسبات في «هدى الساري» (ص/٣٥٨).","vol":"1","page":647},{"text":"فهذا عن ختم البخاريِّ للكتابِ الواحد من «صحيحِه».\nأمَّا عن اختتامِه لصحيحِه كلِّه: فقد جاء الحديث فيها مُتناسبًا مع أوَّلِ حديثٍ صَدَّر به «الصَّحيح»، تناسبًا يُبقِ لمن تأمَّله أثرًا بليغًا يوجب رِقَّة في قلبِه، يقول العَينيُّ في بيانِ سَبَبِ بَدْءِ البخاريِّ الكتابَ بحديثِ «إنَّما الأعمال بالنِّيات»: «أرادَ بهذا إخلاصَ القَصدِ، وتصحيحَ النِّية، وأشارَ به إلى أنَّه قَصَد بتأليفِه الصَّحيحَ وجهَ الله تعالى، وقد حَصَل له ذلك، حيث أُعْطِي هذا الكتابُ مِن الحَظِّ ما لم يُعْطَ غيره مِن كُتبِ الإسلام، وقَبِلَه أهلُ المَشرق والمَغرب» (^١).\nأمَّا عن آخر حديثٍ خَتم به «صحيحه»، فهو حديثِ أبي هريرة ﵁: «كلِمتان حبيبتان إلى الرَّحمن، خَفيفتان على اللِّسان، ثَقيلتان في الميزان: سُبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، حيث جعله آخرَ بابِ: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، مِن كتاب (التَّوحيد):\nفوجه تناسبه مع الحديث الأوَّل في النِّيات، قد أبانَ عن حُسنِه البُلقيني بقولِه:\n«لمَّا كان أصل العِصمة أوَّلًا وآخرًا هو توحيد الله، فختم بكتاب التَّوحيد، وكان آخر الأمور الَّتي يظهر بها المُفلح من الخاسر ثقلُ الموازين وخفَّتُها، فجعله آخر تراجم كتابه ... فبدأ بحديث: «إنَّما الأعمال بالنِّيات»، وخَتَم بأنَّ أعمال بني آدم تُوزن، وأشار بذلك إلى أنَّه إنَّما يُتقبَّل منها ما كان بالنيَّة الخالصة لله تعالى» (^٢).\nوهكذا قد أبان البخاريُّ بهذا التَّناسب عن (فكرٍ مَنظوميٍّ) بَديعٍ، تَجلَّى في هذه الوحدةِ المَوضوعيَّة المترابطة في كلِّ كتابٍ مِن كُتبه وأبوابِه، ابتنى آخرَها على أوَّلها، وأوَّلها على آخرِها، مُتوخِّيًا في ذلك الكمالَ في هندسةِ كتابِه، على تصميمٍ\n_________\n(^١) «عمدة القاري» (١/ ٢٢).\n(^٢) «هُدى السَّاري» لابن حجر (ص/٤٧٣).","vol":"1","page":648},{"text":"يجعل «أجزاءَ الكلام بعضُها آخذًا بأعناقِ بعض، فيقوَى بذلك الارتباط، ويَصير التَّأليف حالُه حال البناءِ المُحكَمِ والمُتلائمِ الأجزاء» (^١).\nفلقد أطنبتُ الكلام في هذا الباب المُتعلِّق بتراجم البخاريِّ ومُناسباتِه، كي ينزجِر السَّاخر مِن فقهِ البخاريِّ، فيَعلَم أنَّه بنفسِه كان أوْلى بأن يَسخر؛ وما يُلقِّنه أساتذة الرَّفضِ لِطَلَبتِهم في هذا الباب مِن انخرام أهليَّة البخاريِّ للتَّأليف (^٢)، الخرْمُ لأهليَّتِهم لتفهُّم الحقِّ هم به أوْلى! والله غالبٌ على أمرِه.\n_________\n(^١) «البرهان في علوم القرآن» للزركشي (١/ ٣٦)، ولمزيد تفصيل في أنواع التناسب في «صحيح البخاري» انظر «التناسب في صحيح البخاري - دراسة تأصيلية» لـ د. علي عجين (ص/٩ - ١٦).\n(^٢) يذكر حيدر حبُّ الله -وهو باحث إمامي، صاحب كتاب «المدخل إلى موسوعة الحديث النبوي عند الإمامية» - في موقعه الشَّخصيِّ على الشَّبكة العالميَّة بتاريخ ١٠ - ٧ - ٢٠١٤ عن أستاذه أحمد عابدي: أنه مما كان يقرره في كراسته التي دوَّنها للتدريس في كلية أصول الدين في مدينة قُم الإيرانية إشكالا على كتاب البخاري: وهو أنه غير منظَّم، ولا مرتَّب الأبواب، ولا يوجد تنسيق منطقي بين أبوابه، فقد بدأ بكتاب (بدء الوحي) ثم (كتاب الإيمان) ثم كتاب (العلم) ثم كتاب (الطهارة)، ثم انتهى إلى كتاب (التوحيد)، فلا يوجد رتبية ولا ترابط منطقي بين هذه الأبواب حسبَ فهمِه!","vol":"1","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المَطلب الثَّالث\nتهكُّم بعض المُناوئين للبخاريِّ\nبفتوًى تَحُطُّ مِن فَهمِه لنصوصِ الشَّريعة، وبيان كذبها عنه</span>\nلم يَقتصر أمر خصومِ البخاريِّ على أن يُسفِّهوا عقلَه في ما سَطَّره هو في «صَحيحِه»، بل تجاوَزوا هذا إلى أن يَتناقلَ بعضُ الإماميَّةِ المُعاصرينَ (^١) حكايةً مُلَفَّقةً عليه، نَقَلها السَّرَخسِيُّ في «المَبسوط»، يَبْتغون بها الإزراءَ بعقلِ البخاريِّ، والحَطَّ مِن مكانتِه في فقه النُّصوص الشَّرعيَّة؛ فلقد صارت سُبَّة يَتَندَّرون بها على هذا الفَذِّ ويصمونه عليها بالبلادة.\nفبعدَ أن قَرَّر السَّرَخسِيُّ (ت ٤٨٣ هـ) مسألةَ اشتراكِ الصِّبيانِ في الشُّربِ مِن لَبَنِ بهيمةٍ، أنَّه لا يُعدُّ رَضاعًا، قال: «.. ومحمَّد بن إسماعيل -صاحب الأخبارِ رحمه الله تعالى- يقول: يَثبتُ به حُرمة الرَّضاع! فإنَّه دَخَل بُخارى في زمَنِ الشَّيخِ الإمام أبي حفص -رحمه الله تعالى-، وجَعَل يُفتي، فقال له الشَّيخ -رحمه الله تعالى-: لا تَفْعَلْ! فلسْتَ هنالك، فأبَى أن يَقبلَ نُصحَه، حتَّى استُفتِيَ عن هذه المسألة: إذا أَرْضَع صبيانٌ بلَبنٍ شاةٍ، فأفتى بثبوتِ الحُرمةِ، فاجتمَعوا وأخرجوه مِن بُخارى بسببِ هذه الفتوى» (^٢)!\n_________\n(^١) منهم شيخ الشَّريعة الأصبهاني في «القول الصُّراح» (ص/٩١)، والنَّجمي في «أضواء على الصحيحين» (ص/٦٧) وغيرهما.\n(^٢) «المبسوط» (٥/ ١٣٩).","vol":"1","page":650},{"text":"ليُعلِّق (شيخ الشَّريعة الأصفهانيُّ) على هذا النَّقلِ بقولِه: «هذه الفَتاوى إنْ دَلَّت على شيءٍ، فإنَّها تدلُّ على جهلِ البخاريِّ وسذاجَتِه، لأنَّ نشرَ الحُرمة في الرِّضاعِ فرعُ الأبوَّةِ والأمومةِ، ولا يُعقَل أن يكون حيوانٌ أبًا لإنسانٍ أو أُمًّا له» (^١).\nإنَّ هذه الحِكايةَ الَّتي شَانَ بها السَّرخسيُّ هذا الموطِنَ مِن كتابِه النَّافع ليتَه -إذْ أحَبَّ أن يَسُوقَها في كتابه لفائدةٍ غير التَّشفِّي في الخصومة! - أنْ يُورِدَها بصيغةِ التَّمريضِ لا الجَزمِ! ليُشعِرَ القَارئ بضَعفِ نَقْلِها.\nومثلُ هذه الإشاعة المُستبْعَدِ صُدورُها مِمَّن شُهد له بالفَضلِ والعِلمِ، لا ينبغي للمُنصِف رِوايتُها إلَّا بعدَ التَّثبُّتِ مِن نسبتِها؛ هذا إن رأى في رِوايتها مَصلحةٌ أصلًا! وإلَّا فما نُسِبَ إلى البخاريِّ مِن هذا الخبر لا خِطَام له ولا زِمام، ولا إسنادَ له يُنظَر فيه؛ بل هي حِكايةٌ تَصرخُ ببُطلانِها، وتَشتكي مِن سوءِ طَويَّةِ مَن اختلَقَها!\nوذلك أنَّ المُقرَّر عند المُؤرِّخينَ وأهلِ التَّراجِم عدم خروج البخاريِّ مِن بَلَدِه بُخارَى إلَاّ مرَّةً واحدةً، وذلك حين نَفَاه أميرُها خالد بن أحمد الذُّهلي، بعد امتناعِ البخاريِّ مِن إتيانِه لتحديثِه بـ «صحيحِه» و«تاريخِه» (^٢).\nوالغالبُ على الظَّن: أنَّ المفتريَ لهذا الهُراءِ على البخاريِّ مُتفقِّهٌ حَنَفيٌّ «أراد أن يثأرَ لأبي حَنيفة» (^١)؛ فقد كان بين البخاريِّ وأهلِ الرَّأيِ نوعُ نُفرةٍ عِلميَّة، وكانَ كثيرَ الإلماحِ في الرَدِّ عليهم في «صَحيحِه»، في أكثرِ المَواضِع الَّتي قالَ\n_________\n(^١) «القول الصُّراح» (ص/٩١).\n(^٢) سبب ذلك: ما أبان عنه البخاريُّ لرسول الأمير حين طَلَبه بقوله: «أنا لا أذلُّ العلم، ولا أحمله إلى أبواب النَّاس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة، فاحضر في مسجدي، أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فإنَّك سلطان، فامنعني من المجلس، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأنِّي لا أكتم العلم لقول النبي ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار»، فكان سبب الوحشة بينهما هذا».\nانظر تفاصيل الحادثة في «تاريخ بغداد» (٢/ ٣٤٠)، و«سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥).","vol":"1","page":651},{"text":"فيها: «وقالَ بعضُ النَّاسِ» أو «قال بعضُهم» (^٢)، ومن ثمَّ لا نَجِدُ هذه الفِريةَ مَنقولةً إلَّا في كُتبِ الحنفيَّة غالبًا (^٣).\nوالله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) «حياة البخاري» لجمال الدين القاسمي (ص/٤٨).\n(^٢) انظر «انتقاض الاعتراض» لابن حجر (٢/ ٧٢٣)، و«فيض الباري» للكشميري (٣/ ١٦١).\n(^٣) كالبَابَرتي في كتابه «العناية في شرح الهداية» (٣/ ٤٥٦)، وابن الهمام في «فتح القدير» (٣/ ٤٥٧)؛ وزادَ ابن نُجيم الطِّين بلَّة في كتابه «البحر الرائق» (٣/ ٢٤٦)، حين ألزق بالبخاريِّ فريةَ الاستدلالِ على تلك الفتوى بحديثٍ مَوضوع!","vol":"1","page":652},{"text":"المعارضات الفكرية المعاصرة\n\nلأحاديث الصحيحين\n\nدراسة نقديَّة\n\nد. محمد بن فريد زريوح\n\nالمجلد الثاني","vol":"2","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>الفصل الرَّابع: الاحتجاج بسبقِ نقدِ العلماء لأحاديث الصَّحيحين في القديم والحديث</span>","vol":"2","page":654},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المَبحث الأوَّل: استناد الطَّاعنين في أحاديث «الصَّحيحين» على سابق عمل المُحدِّثين في نقدهما</span>\nلا يتحرَّجُ فئام من المُعاصرين مِن إنكارِ خبرٍ مُودَع في «الصَّحيحين» إذا ضاقت أعطانهم عن تقبُّل متنِه، بدعوى أنَّ باب النَّقد للكتابين مفتوح، لِما رأوه مِن تتابع نُقَّاد أهلِ الحديث ودُقَّاق النَّظرِ من الفقهاء على نقدِهما إلى يومنا هذا، من غير تحرُّج يُبدونه في ذلك.\nفبهذا المُستندِ التَّاريخيِّ سوَّغ (جمال البَنَّا) في مقدِّمة كتابه إسقاط ثُلثَيْ أحاديثِ «الصَّحِيحين»! (^١) وبمثله تذرَّع (سعيد القنوبي) (^٢)، و(إسماعيل الكرديُّ) (^٣)، و(محمد الأدهمي) (^٤) لإلحاق ما تلقَّاه المحدِّثون بالقَبول فيهما برُكام الموضوعات، وذلك كلُّه باسم تنقية التُّراث الإسلاميِّ وتجديده.\nوالواحد مِن هؤلاءِ يَتصوَّر أنَّه بهذا الاعتذارِ المَشروخ لا يخرج عن جادةِ العلماء في النَّقدِ للأخبار، وأنَّ منهجَه الثَّوْرِيَّ على الصِّحَاحِ سائرٌ فيه على نفسِ المَهْيَعِ الَّذي سَلكوه؛ لا يرى نفسَه إلَّا مُتطوِّعًا لإكمالِ ما بَدأوه! على ما قد يلقاه\n_________\n(^١) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» (ص/١٦ - ٣١).\n(^٢) في كتابه «السَّيف الحادِّ في الردِّ على مَن أخذ بحديث الآحاد في الاعتقاد» (ص/٨٣).\n(^٣) في كتابه «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٤٧).\n(^٤) في كتابه «قراءة في منهج البخاري ومسلم» (ص/١٣).","vol":"2","page":655},{"text":"المسكين جرَّاءها من مشقَّة نفسيَّة لتشنيعِ العامَّة عليه، فلا يجد ما يشفي به غيضَه إلَّا أنْ يعذل أهل الحديث أنْ كانوا السَّبب في صدِّ العامَّة عن سبيل «الصَّحيحين» وغربلتهما من جديد.\nيقول أحد هؤلاء الَّذين أُشربت قلوبهم بُغضَ حُرَّاس الشَّريعة: «علماء الحديث المُعاصرون كُسَالى عن التَّنقيبِ والبحثِ، ومَرعوبون مِن فكرةِ تنقيحِ أحاديثِ البخاريِّ! برغم أنَّه قد رَفَض مَن قبلَهم أئمَّةٌ ورجال دينٍ مُستنيرون بعضَ أحاديث البخاريِّ، لتَعارُضها مع العقل» (^١).\nوقبله (أبو ريَّة) في عجيبةٍ من مُستهجنات كتابه المتكاثرة، يتوسَّل باتِّفاقِ العلماءِ على مشروعيَّةِ نقدِ الأخبارِ على وجه العموم، لردِّ ما اتَّفقوا على قَبولِه من أخبار على وجه الخصوص! تجده يُغالط القُرَّاء بهذا التَّناقض قائلًا: «لا يَتوَهمنَّ أحَدٌ أنِّي بِدْعٌ في ذلك، فإنَّ علماءَ الأمَّة لم يأخذوا بكلِّ حديثٍ نَقَلته إليهم كُتب السُّنة، فليَسَعْنِي ما وَسِعَهم!» (^٢).\nدعْ عنك عَريضَ الوِسادِ هذا؛ وانظُرْ إلى قامةٍ جليلةٍ مِن قاماتِ الدَّعوة والأدب الإسلاميِّ؛ إلى (محمَّد الغزالي السَّقا) في كتاباتِه النَّقديِّة للمرويَّات؛ كيف تَلمَّحُ منها حرصَه على إفهامِ قارِئِيه بأنَّ إنكارِه لِما أنَكر من صِحاحِ الآثار، ما هو فيه إلَّا مُتَّصِلَ الإسناد بنقداتِ مَن مَضى مِن أهل العلمِ، غير شاردٍ عن منهجِهم في نقد ما يستوجب النَّقد.\nيقول في ذلك: «إنَّنا نلتزم بما وضعه أئمَّتنا الأوَّلون، ولا نفكِّر في البُعد عنه، كلُّ ما لَفَتنا النَّظرَ إليه، أنَّ الشُّذوذَ والعِلَل في متونِ الأحاديثِ يَتَدخَّل فيها الفقهاء إلى جانبِ الحُفَّاظ، وقد تَدخَّلوا فِعلًا في الماضي، وجَدَّ في عَصرِنا ما يَستدعي المزيدَ مِن البحثِ والاستقصاء» (^٣).\n_________\n(^١) «وهم الإعجاز العلمي» لخالد منتصر (ص/٤٢).\n(^٢) «أضواء على السُّنة المحمدية» (ص/٢٥ - ٢٦).\n(^٣) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٠٢).","vol":"2","page":656},{"text":"فهذه المسوِّغات التَّي يقدِّمها هؤلاء الكُتَّاب المُعاصرين للطَّعنِ في الصِّحاح -وإن كانت من بعضهم عن حسن قصدٍ، لا على سبيل التَّحيُّل- لم تكُن وَليدَة النَّكبة الفكريَّة المعاصرِة قطُّ، بل قديمة قِدَم الفِرَق المُجافية للسُّنة والجماعة؛ الَّذين إذا راعَهَم أمرُ حديثٍ نَبويٍّ لمخالفتِه لشيءٍ ممَّا يقولون به -وإن كان مَبنيًّا على مجرَّد الظَّن- بادروا لتكذيبِه، والحكمِ بوَضعِه، أو نفيِ صحَّةِ رَفعِه، وإن كان إسنادُه خاليَّا عن كلِّ علَّةٍ؛ وإن ساعَدَهم الحالُ على تأويلِه على وجهٍ لا يُخالف أهواءَهم بادروا إلى ذلك، وهو خير أحوالهم.\nفهذا نهج الاعتزال ومَن حَذا حذوَه في التَّمعقُل على النُّصوص، وإلي أربابِه نسبةُ مَن «نَسَبوا رُواة ما أنكروه مِن الأحاديثِ إلى الاختلاقِ والوَضعِ، مع الجهلِ بمَقاصد الشَّرع، والمُجامِلون منهم اكتَفوا بأنْ نَسَبوا إلى الرُّواةِ الوهمَ والغَلطَ والنِّسيان، وهو ممَّا لا يخلو عنه إنسان، وقالوا: إنَّ المُحدِّثين أنفسُهم قد رَدُّوا كثيرًا مِن أحاديثِ الثِّقاتِ بناءً على ذلك» (^١).\nولِمن يَعترضُ على أحاديثِ «الصَّحيحين» بسَبقِ الأئمَّةِ إلى ذلك مَآربُ أخرى غير مسألة استحلال نقد الصِّحاح في نظر العامَّة، من أبرزها:\nإقناعُ النَّاس بأنَّ في ما يذكرونه من نَقداتِ العلماء المتقدِّمين للصَّحيحين خرْمًا لِما يَدَّعيه أهل السُّنة مِن إجماعٍ على صِحَّة ما في الكتابين! وإكذابًا لدعوى تَلقِّي الأمَّة لهما بالقَبول.\nبل نجد مِن الطَّوائف البدعيَّة مَن يستكثر النَّقلَ عن نُقَّاد أهل السُّنة في تعليلهم لأحاديث «الصَّحيحين»، قِيامًا بالحُجَّةِ على أهلِ السُّنةِ -بزعمهم- بكلام علماء السُّنة أنفسِهم!\nوباستحضار هذا المَقصد، تفهمُ سببَ اقتصار (سعيد القَنوبيِّ) العُمانيُّ على سَرْدِ نقداتِ أهل السُّنةِ لما فيِ «الصَّحيحين»، دون أن يجلب كلام طائفته في هذا المقام من الرَّد، مُعلِّلًا ذلك لمُريدِيه الإباضيَّةِ بقوله: «أرَاني مُضطَرًّا لذكرِ كلامِ\n_________\n(^١) «توجيه النَّظر» لطاهر الجزائري (ص/١٩٣) بتصرف يسير.","vol":"2","page":657},{"text":"طائفةٍ مِن العلماءِ مِن أصحابِ المَذاهبِ الأربعةِ، أو مِمَّن يَعترفُ الحَشْويَّة (^١) بآرائِهم، ويُكثِرون مِن نقلِ كلامِهم، حول وجودِ بعضِ الأحاديثِ الضَّعيفةِ في الصَّحِيحَين أو أحدهِما» (^٢).\nوعلى نفس هذا الأسلوبِ مشى (إسماعيل الكرديِّ) في مقدَّمة كتابه، تمهيدًا لتقبُّل نفوس قارئيه لعبثه في الكتابين، فلذلك قال: «أَتَيتُ بهذا الكتابِ، الَّذي كانت مُعظم اقتباساتِه ونقودِه الَّتي تَنقد البخاريَّ ومسلم مُوجَّهةً مِن الأئمَّةِ الأربعة ومِن تلاميذهم، ومِمَّن هم مَرجعٌ وثِقةٌ لهم بالذَّاتِ، أي لتلك الفئةِ المُتشبِّثةِ بالماضي ..» (^٣).\nوكان مِن دَهاءِ بعض هؤلاءِ، أنْ أمعنوا في الاستشهاد بعلماءَ مُعاصِرين مُشتغِلين بالحديثِ وتخريجِه خاصَّة، لهم رأيٌ في بعضِ أحاديثِ «الصَّحِيحين»؛ أبرزُهم حسب تتبُّعي لكتاباتهم في هذا الشَّأن خمسة: محمَّد رشيد رضا، ومحمَّد زاهد الكوثري، وأحمد وأخوه عبد الله الغُماريَّان، وناصر الدِّين الألباني (^٤)؛ فقد كانوا أحرصَ على نقلِ كلامِ هؤلاء مع من مَضى من المتقدِّمين، لغايةِ إقناع الجماهيرِ بأنَّ بابَ النَّقدِ للكتابينِ لم يُغلَق بعدُ ولن يُغلَق، وأنْ لا مَزيَّة لهؤلاءِ المُعاصرين عليهم، فكلُّهم باحثون على الحقيقة أبناءُ عَصرٍ واحدٍ!\nفهذا أوان الشُّروع في تزييف هذه الدَّعاوي المُسوِّغات لمِا نراه من عبثٍ بدواوين أهل السُّنة، وذلك منِّي ببيانِ طبيعةِ تعليلاتِ المُتقدِّمين لما في\n_________\n(^١) الحشوية: مصطلح قديم تنبز به المعتزلة ومن تأثَّر بهم أهلَ السُّنة، لأنَّهم يجُرون آيات الله تعالى على ظاهرها ويعتقدون أنَّها مرادة، و«لكثرة روايتهم للأخبار، وقبولها ما وَرد عليها من غير إِنكار»، انظر «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/١٣٦)، و«شمس العلوم» لنشوان الحميري (٣/ ١٤٥٢).\n(^٢) «الطوفان الجارف» لسعيد القنوبي (٣/ ١/٥٩)، وانظر أيضًا كتابه «السَّيف الحاد» (ص/٨٣).\n(^٣) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» لإسماعيل الكردي (ص/٨).\n(^٤) انظر أمثلة الاستشهاد بهؤلاء المعاصرين في «تجريد البخاري ومسلم» (ص/٢٥ - ٢٩) لجمال البنا، و«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» لإسماعيل الكردي، وكذا في عدد من الصُّحف المصريَّة ذوات التَّوجه اللِّبرالي، كصحيفة «المصري اليوم»، في مقالها الذي نشرته بتاريخ ٦ أبريل ٢٠١٥ م، بعنوان: «أشهر اثني عشر عالما إسلاميًّا انتقدوا البخاري!».","vol":"2","page":658},{"text":"«الصَّحيحين»، وأنَّها بمنأى عن طريقة خبطِ الطَّاعنين في السُّنَن؛ وببيانِ غلطِ الاعتماد على الخمسةِ العلماءِ المُحْدَثين الَّذين ذكرتهم قريبًا في تعليلاتهم لأحاديث الكتابين -سوى رشيد رضا الَّذي سبق الكلام عنه-، كيْ لا يُتَّخَذَ ذلك وليجةً للاعتضادِ.\nذلك أنَّ بيانَ مَآخذِ أهلِ العلم، ونَفيَ مَوارد الظُّنون عنهم، مِن أشرفِ ما تتغيَّاه هذه الأطروحة؛ مع الإعلانِ بخطأِ مَن أخطأ من العلماء في نقده وحكمه، قطعًا لعَلائقِ المُتأوِّلين المُتعلِّقين بأذيالِ أهلِ العلم بباطل؛ فضلًا عن كونِ ذلك مِن لوازمِ الدِّيانة؛ فأقول مستعينًا بربِّي ﵎:","vol":"2","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المَبحث الثَّاني\nنبذةٌ عن أشهرِ مَن نقد «الصَّحيحين» مِن المُتقدِّمين</span>\nعلِمنا قبلُ اهتمامَ أهل الحديث وحُذَّاق العللِ بفحصِ أحاديثِ «الصَّحيحين» منذ وقت مُبكِّر، حيث احتفوا بهما كأشدِّ ما تكون الحَفاوة والإجلال، من غير أن يمنعهم ذلك أن يُعلنوا بأحاديثَ رأوا فيها نوعَ عِلَّةٍ تخِلُّ بشرطِ المُصنِّفَيْن، مَيَّزوها في مُصنَّفاتٍ مستقلَّة عديدة.\nوليس يخفى على حَدِيثيٍّ أنَّ أبرز مَن تَوجَّه إلى نقد الكتابين مِن أئمَّةِ العِلَل أبو الحسَن الدَّارقطني (ت ٣٨٥ هـ)، وذلك في ثلاثةٍ مِن مُصنَّفاتِه، تفاوتت في عَدد ما أعَلَّته في «الصَّحِيحين»، أشهرُها «التَّتبُّع»؛ مُحصِّل ما في هذا الكتاب من أحاديثَ مُتكلَّم فيها -مِن غير المُكرَّر- مِائَتا حديثٍ (^١).\nوالدَّارقطني لم يَتغَيَّ في هذا السِّفْر استيعابَ جميعِ ما يراه مُنتقدًا على الشَّيخين، فإنَّا نجد في كتابِه الآخر المَشهور بـ «العِلَل الواردة في الأحاديثِ النَّبويَّةِ» أحاديثَ أعَلَّها لم يذكرها في كتابِ «التَّتبُّع»، قد بلَغَ تِعدادها سبعةً وثلاثين حديثًا (^٢).\n_________\n(^١) انظر «الإلزامات والتتبع» بتحقيق مقبل بن هادي الوادعي (ص/٣٨٢).\n(^٢) اشترك الشَّيخان في ثمانٍ منها، وانفرد البخاريُّ بأربعة أحاديث منتقدة، ومسلم بخمسٍ وعشرين، وهذا حسب الطَّبعة الأولى من الكتاب بتحقيق محفوظ الرحمن السلفي سنة ١٤٠٥ هـ، والتي في إحدى عشر مجلدا من أول حديث أبي بكر ﵁، إلى نهاية حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ وانظر «أحاديث الصَّحيحين التي أعلَّها الدراقطني في كتابه العلل وليست في التَّتبع»، لـ د. عبد الله بن عبد الهادي القحطاني (ص/٥٢٠ - ٥٢٢).","vol":"2","page":660},{"text":"فضلًا عن جُزءٍ آخرَ له مُفرَدٍ صغيرٍ أملاه على أحَدِ السُّؤَالِ مِن حِفظِه، اشتمَلَ على اِثني وعشرينَ حديثًا في البخاريِّ تَكلَّم في أسانيدِها، فيه زوائدُ قليلة على ما في «العِلَل» وفي «التَّتبُّع» (^١).\nوالدَّارقطنيُّ مع ما أبداه في هذه الصُّحف من كلامٍ في بعض أسانيد «الصَّحيحين»، شديدُ التَّعظيم للكتابين صاحبيهما، كثيرُ الإحالة عليهما، مُعتَدٌّ بتوثيقهماِ للرُّوَاة (^٢).\nوقبله تكلَّم بعضُ الحُفَّاظِ على ما أورده مسلم في «صحيحه»، أشهرهم ابنِ عمَّار الشَّهيد (ت ٣١٧ هـ)، حيث تكلَّم في كتابِه «عِلل الأحاديثِ في كتابِ الصَّحيحِ لمسلم بن الحجَّاج» على سِتة وثلاثين حديثًا، منها ما لم يُورِده الدَّارقطني في «التَّتبع» (^٣).\nثمَّ أتى بعدهما مَن اشتغل بذكر نقداته على «الصَّحيحين»، أشهرهم أبو عليٍّ الغسَّاني (ت ٤٩٨ هـ) في كتابِه «تَقييد المُهمل، وتمييز المُشكل»، عُنِي في فَصلين منه بذكرِ الأحاديثِ المُعلَّة في الكتابين مِمَّا لم يذكره الدَّارقطني (^٤)؛ لِيلْحَقه\n_________\n(^١) كالحديث العاشر والحادي عشر من هذا الجزء المطبوع باسم «بيان أحاديث أودعها البخاري في كتابه الصحيح وبين عللها الحافظ أبو الحسن الدراقطني» بتحقيق د. سعد الحميد، سنة ١٤٢٥ هـ، وقد وقع هذا الجزء لابن حجر العسقلاني ونقل منه بعض المسائل التي ليست في «التتبع»، غير أنه ليس من مسموعاته التي ذكرها في «معجمِه المفهرس» و«المجمع المؤسس»، انظر (ص/٢٢) من مقدمة المحقق لهذا الجزء.\n(^٢) يذكر عبد الله الرحيلي في كتابه «الإمام أبو الحسن الدارقطني وآثاره العلمية» (ص/١٦٠ - ١٦١) جملةً من المواضع مِن كتب الدارقطني التي تدل على اعتداده بالصَّحيحين وتعظيمه لهما.\n(^٣) منها ثلاثة أحاديث عزاها إلى «صحيح مسلم» برقم (٢٧،٢٩، ٣٢) ولا توجد في النسخ المطبوعة منه ولا في شروحه.\n(^٤) إلَّا حديثا واحدًا ظنَّ الغساني في «تقييده» (٣/ ٨٦٦) أنَّ الدارقطني لم يورده، وهو حديث مسلم: «أتى الله بعبد من عباده أتاه الله مالًا، فقال له: ما عملت في الدنيا ..»، مع أن الدَّارقطني أورده في «التتبع» (ص/٣٠٧).","vol":"2","page":661},{"text":"أبو الحسن ابنِ القطَّان الفاسيُّ (ت ٦٢٨ هـ)، الَّذي تَكَلَّم في شيءٍ ممَّا فيهما في «بيان الوَهم والإيهام» (^١).\nفي مُقابل هؤلاء؛ برزَ مِن أهل الفنِّ مَن تَصدَّى للردِّ على أكثرِ تلك التَّعليلاتِ، والانتصار للشَّيخينِ في أغلبِ ما انتُقِد عليها؛ وذلك قول السُّيوطيِّ (ت ٩١١ هـ):\nوانتقدوا عليهما يسيرًا ... فكَمْ تَرى نحوهما نصيرًا (^٢)\nأشهرهم في ذلك أبو مَسعودٍ الدِّمشقي (ت ٤٠١ هـ) في كتابه «الأجوبة عمَّا أشكلَ الشَّيخ الدَّارقطني على صحيح مسلم»، وهذا النَّوع مِن الجوابِ هو أغلب مادَّة الكتاب (^٣).\nوليس يَستغني أحدٌ ينشد متينَ جوابِ عن تلك النَّقدات، عَمَّا دبَّجته يراعُ ابن حجر العَسقلانِيِّ (ت ٨٥٢ هـ)، وذلك في مُقدِّمته البديعة لشرحِ البخاريِّ «هُدَى السَّاري»؛ أورَدَ فيه مائةَ حديثٍ وعشرةً (١١٠) مِمَّا أعَلَّه الدَّارقطني وغيرُه على البخاريِّ بخاصَّةٍ، ذَكر أنَّ مسلمًا شاركه في أربعٍ وأربعين حديثًا، دافعَ عنها على سَبيل الإجمالِ، ثمَّ فصَّل القولَ في كلٍّ حديثٍ منها على تَرتيبِ أبوابِ «الصَّحيح»؛ وما لم يذكره في المُقدِّمة، استدركَ الكلامَ عليه في مَواضعِ شَرحِه لها (^٤).\n_________\n(^١) يقول إبراهيم بن الصديق الغماري في كتابه «علم علل الحديث من خلال كتاب الوهم والإيهام» (٢/ ٣١٦): «.. تارة يضعِّف -يعني ابن القطان- ما أخرجه في الصحيح، وتارة يقول: إن ما صححه البخاري كغيره يجب النظر فيه».\nوقال (ص/٣٤٧): «علَّل ابن القطان كثيرا من أحاديث الصحيحين أو أحدهما بالطعن في رجل في إسناد من أسانيدهما، واعتبر الحديث المتكلم فيه إما ضعيفا وإما حسنا».\n(^٢) «ألفية الحديث» للسيوطي (ص/٧).\n(^٣) وفيه إيراده تعقُّبه على مسلمٍ في روايتِه عن بعض الرُّواة مع رميِهم بالضَّعف -وهم قِلَّة- والجواب عن ذلك كلِّه، وقد يوافق الدَّارقطنيَّ على تعليلِه، لكنَّه لا يأل جهدًا في الاعتذار عن مسلم ما أمكنه إلى ذلك، انظر مقدمة تحقيق كتاب «أجوبة أبي مسعود الدمشقي عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم» لإبراهيم الكليب (ص/٩٧) وما بعده.\n(^٤) انظر «هدى الساري» (ص/٣٤٦).","vol":"2","page":662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المَبحث الثَّالث\nطبيعة تعليلِ النُّقاد المُتقدِّمين لأخبار «الصَّحيحين»</span>\nهدفي مِن هذا المَبحث إيقاف القارئ على الشَّريعةِ الَّتي اقتفاها نُقَّادُ الحديثِ في تَعامُلِهم مع «الصَّحيحين» إجمالًا، ورَسمُ الخطوطِ العَريضة الَّتي خطَّها المُتقدِّمون منهم في نقد ما في الكِتابين؛ لتستنيرَ بذلك بعضُ الدُّروبِ المُوحشةِ للجَدل القائمِ حول هذه المُشكلاتِ عند المُعاصرين، ولتنكشفَ اضطراباتُ كثيرٍ مِمَّن لم يَسلكوا شيئًا مِن طرائقِ التَّعليل لدى الأسلاف، وإنَّما هي أوجهٌ فَضفاضًة للنَّظرِ في الأخبار، تتَّسِعُ لكلِّ لابِس ثوبِ زُورٍ في هذا الفنِّ؛ فنقول:","vol":"2","page":663},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المَطلب الأوَّل\nأقسام الأحاديث المُعلَّة في «الصَّحيحين» من قِبَل المُتقدِّمين</span>\nلأجل أن تُفهمَ طبيعة التَّعليلِ القديم لأحاديثِ الكِتابين، والَّتي كانت سِمةً للعَمليَّة النَّقدية للمُحدِّثين الأُوَل، فتُتصوَّر على مُراداتِ أصحابِها ومناهجهم فيها، نُسهِّل سُبل تحصيلها للمُبتدي بإيجازٍ، عبر تقسيمِ ما تُكلِّم فيه من «الصَّحيحين» إلى أربعةِ أقسامٍ نوعيَّة، كلُّ قسمٍ نُتبعه بحكمِه ومسالكِ الأئمَّة في التَّعامل معه.\nهذه الأقسام قد أشار إليها ابن حجر في معرض تقيِيمه لما وُجِّه إلى أحاديث البخاريِّ من تعليلات بقوله: «ليست كلُّها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر، والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تَعسُّف» (^١).\nفأمَّا القسم الأوَّل: فما أخرجه أحد الشَّيخين مِن طريقٍ فيه كلامٌ، لكن جاء مِن طُرق أخرى صَحيحة في نفس كتابيهما.\nفهذا النَّوع يُعِلُّ النَّاقد فيه الرِّواية الَّتي جاءت بهذا الإسنادِ المُتكلَّم فيه، لا أصل الحديث؛ وهذا القسم أمره سهل لا إشكال فيه.\nوأمَّا القسم الثَّاني: فأن يُخرج الشَّيخانِ أو أحدهما حديثًا مِن طريقٍ مُتكَلَّم فيه، وله طُرقٌ أخرى أو شواهد عاضدة عند غيرهِما مِن أصحاب المُصنَّفاتِ الحديثيَّة.\n_________\n(^١) «هدى الساري» (ص/٣٤٨، ٣٨٣).","vol":"2","page":664},{"text":"ولا إشكال في هذا القِسم كسابقه، فإنَّ الحديث في النِّهاية صحيحٌ وإن ضَعفَّ النُّقاد طريقَه الَّتي في «الصَّحيحين»، وقد يُصرِّحون هم بصحَّتِه مِن تلك الطُّرق الأخرى (^١)؛ وإنَّما يختار الشَّيخان هذا الطَّريق المُتكلَّم فيه لفائدة ما، سيأتي عليها البيان.\nفهذان القِسمانِ الأوَّل والثَّاني حالُ أغلبِ المُعَلِّ في «الصَّحيحين»! والشَّيخان إنَّما أوردا أغلبَ أمثلتهما في المُتابعاتِ والشَّواهد (^٢) لا في الأصولِ (^٣)، إذ جَرَت عادَتُهما في هذا النَّوع مِن الأحاديث على تخفيفِ حِدَّة النَّقدِ فيها، بخلافِ أصول الأبواب المُصفَّاةِ للصَّحيح الصِّرف.\nثمَّ كثيرًا ما يكون غَرضُهما مِن إيرادِ هذه الرِّواياتِ المُتكلَّمِ فيها (الإشارةُ إلى الخلافِ عليها)، فإنَّهما لا يكَادان يَرويان لفظًا مُنتقدًا في «صحيحيهما» إلَّا ويَرويان اللَّفظَ الآخر الَّذي يُبيِّن أنَّه مُنتَقد (^٤)؛ فلا يصحُّ الاستدراك عليهما في مثل\n_________\n(^١) انظر أمثلةً لهذا التصحيح من وجوه أخرى لما نتُقد في «الصحيحين» في مقدمة تحقيق «التتبع والإلزامات» للدارقطني (ص/٦)، و«الأحاديث المنتقدة في الصحيحين» لمصطفى باحو (١/ ٧٢).\n(^٢) المتابعة: أن يُوافَق راوي الحديث على ما رواه مِن قِبل راوٍ آخر فيرويه عن شيخه أو عمَّن فوقه.\nيقول ابن حجر في «النُّزهة» (ص/٧٤ - ٧٥): «لا اقتصار في هذه المتابعة على اللَّفظ، بل لو جاءت بالمعنى لكفت، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي، وإن وجد متن يروى من حديث صحابي آخر يشبهه في اللَّفظ والمعنى، أو في المعنى فقط فهو الشَّاهد.\nوخصَّ قوم المتابعة بما حصل باللَّفظ، سواء كان من رواية ذلك الصَّحابي أم لا، والشَّاهد بما حصل بالمعنى كذلك، وقد تطلق المتابعة على الَّشاهد وبالعكس، والأمر فيه سهل».\nوالمقصود بكلٍّ منهما هو تقوية الحديث، ولذا فلا انحصار للمتابعاتِ في الثِّقات، كما نبَّه عليه ابن الصَّلاح في «مقدمته» (ص/٨٤) قائلًا: «اعلم أنَّه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتجُّ بحديثه وحده، بل يكون معدودًا في الضُّعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضُّعفاء ذكراهم في المتابعات والشَّواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك».\nيقول السَّخاوي في «فتح المغيث» (١/ ٢٥٧): «قد يكون كلٌّ من المتابِع والمتابَع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوَّة»!.\n(^٣) انظر الفرق بين أحاديث الأصول والمتابعات لدى الشَّيخين في «الموقظة» للذهبي (ص/٧٩ - ٨٠)، و«هُدى السَّاري» لان حجر (ص/٣٨٤).\n(^٤) نبَّه على هذا ابن تيمية في «منهاج السنة» (٧/ ٢١٦).","vol":"2","page":665},{"text":"هذه المواطن، ولو تنبَّه النَّاظر إلى أنَّ «الصَّحيحين» ليسا كتابي سرد للحديث المَحضٍ، بل هما من كتب التَّعليل أيضًا -ولو على قلَّته فيهما- لانحلَّت له الكثير من الإشكالات المنتشرة اليوم بخصوص بعض أسانيد الكتابين.\nأو يكون إيراد الشَّيخان للسَّند المُتكلَّم فيه رغبةً للعُلوِّ في الإسنادِ، ويكون أصلُ حديثه مَعروفًا مِن رواية الثِّقاتِ؛ وبهذا أجاب مسلمٌ أبا زُرعةَ الرَّازيَ (ت ٢٦٤ هـ) حين بَلَغه إنكاره روايته في «صَحيحِه المُسند» عن رُواةٍ ضعفاءَ، كأسباطِ بنِ نَصر، وقَطن بن نسير، وأحمد بن عيسى، حيث قال: «إنَّما قُلت: صَحيح، وإنمَّا أدخلتُ مِن حديثِ أسباطَ وقَطن وأحمد ما قد رَواه الثِّقات عن شيوخِهم، إلَّا أنَّه ربَّما وَقَع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي مِن روايةِ مَن هو أوثقُ منهم بنزولٍ، فأقتصِرُ على أولئك، وأصلُ الحديث مَعروف مِن روايةِ الثِّقات» (^١).\nوهذا كلُّه على فرضِ كونِ تلك التَّعليلات المُوجَّهةِ لأحاديث «الصَّحيحين» صحيحة في ذاتها! وإلَّا فإنَّ كثيرًا منها غير مُعتبر عند المُحقِّقين (^٢).\nأو يكون المُعِلُّ لم يذكُر ما ظاهره التَّعليل إلَّا على وجهِ الاحتمالِ (^٣).\nأو يكون إعلالهم يَسيرًا غير مُؤثِّر في أصل صحَّةِ الرِّواية، بحيث يكون الجوابُ عنه مُتَناولًا (^٤).\n_________\n(^١) «الضُّعفاء» لأبي زرعة الرازي (ص/٦٧٦).\n(^٢) كأن يُعلِّل ابن القطَّان الفاسي أحاديث باختلاطِ رُواتِها أو تدليسِهم، ويتبيَّن بجمعِ الطُّرق أنَّ الرُّواة عن المختلط قد أخذوا عنه قبل اختلاطه، أو أنَّ الشَّيخين أو غيرهما خرجوها من طُرق صرَّح فيها المدلِّس بالسَّماع ونحو ذلك، انظر أمثلة لذلك في «بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٣٤٤،٣٤٥).\n(^٣) ويُبيِّن هو نفسُه صوابَ ما أخرجه الشَّيخانِ، في نفس الكتابِ، أو موطنٍ آخر، كأحاديث مَروية في «الصَّحيحين» بالإجازة والمراسلة، ذكرها الدارقطني في «التتبع» (ص/٢٩١، ٣٠٥)، ثمَّ صرَّح بأنَّ مثل هذه الأحاديث حُجَّة في قبول الإجازة والمكاتبة، وكأنَّه يردُّ على بعض من لا يصِّحح حديث المكاتبة، انظر «منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها» لأبو بكر كافي (ص/٢٢٢ - ٢٢٣).\n(^٤) كأن يُغلِّطَ الشيخين أو أحدهما في اسم راوٍ، وهو يصحح الحديث لكن باسم الراوي الصحيح، انظر أمثلته في «الأحاديث المنتقدة في الصحيحين» (١/ ٢٥٩، ٢٩١).","vol":"2","page":666},{"text":"وبعد هذا البيانِ بأكملِه، يأتينا اليومَ من جَهَلةِ الإماميَّة ومَن يحذو حذوَهم في عَداوةِ السُّنن، مَن يطعنُ في «الصَّحيح» باكتشافِ رواة ضعفاء في بعض أسانيدهما! وهم يجدون البخاريَّ نفسَه يضعَّفهم في كُتب التَّراجم! فاستعصى عليهم حلُّ هذه المعادلة، لفرطِ جهلِهم بمناهج التَّصنيف الحديثيِّ، ثمَّ جهلهم بأنَّ علماء الإسلام مُتَّفقون على أنَّ البخاريَّ ومسلما قد يخرجان للضَّعيف انتقاءً إذا ثَبَت ضبطُه لحديث معيَّن، بأدلَّةٍ مُعتبرة عندهم وقرائن، قد مرَّ ذكر بعضها آنفا (^١).\nوأمَّا القسم الثَّالث: فأنْ يُخرجَ الشَّيخان الحديثَ المُتكلَّم فيه، وله شَواهد ضعيفة ضَعْفًا يَسيرًا.\nوهذا القسم أقلُّ القِسمين السَّابقين حَديثًا في «الصَّحِيحين»؛ فإذا انضَمَّ إليها ورودُها مِن أوجهٍ أخرى في أسانيدها ضَعف يَسيرٌ، فلا رَيب أنَّها تَتَقوَّى بمجموعها، ويكون أقلُّ أحوالها أن تُبوَّأ رُتبةَ الحُسن.\nثمَّ على «تقديرِ توجيه كلامِ مَن انتقدَها عليهما، يكون قولُه مُعارِضًا لتَصحيحِهما، ولا ريبَ في تقديمِهما في ذلك على غيرهِما» (^٢).\nوأمَّا القسم الرَّابع والأخير: فما أخرجَاه وأُعِلَّ بعِلَلٍ مُؤثِّرةٍ، لا يوجد له ما يُقوِّيه.\nوهذا القسم صحيح الأصلِ (في أغلبِه)، لكن وَقَع في أحاديثه زياداتٌ مُرسَلة، أو مُدرجة، أو وَهمٌ مَا (^٣)؛ ولا يصل مَجموع أحاديثِ هذا القسمِ إلَّا إلى خمسة عشر حديثًا، أو قريبًا مِن ذلك (^٤).\n_________\n(^١) ولتفصيل هذه المسألة، يُنظر «منهج الحافظ ابن حجر في دفاعه عن رجال صحيح البخاري المتكلم فيهم» لصالح الصيَّاح (٢/ ٥٤٥).\n(^٢) «هدى الساري» لابن حجر (ص/٣٤٩).\n(^٣) كالحديث الطَّويل الَّذي رواه شريك بن أبي نمر في الإسراء، حيث أنَّ أصله صحيح، لكن وقعت في روايته ألفاظ أعلَّها كثير من النُّقاد بلغت اثني عشر فقرةً، لبعضها شواهد، وبعضها أعلالها غير قادح، وبقيت ستة ألفاظ لا شاهد لها، انظر تخريجها في «الإسراء والمعراج» للألباني (ص/٢٦).\n(^٤) وهو عَدُّ مصطفى باحو في كتابه «الأحاديث المنتقدة في الصحيحين» (ص/٦٣)، ومنه استفدت هذا التقسيم للأحاديث المُعلَّة عندهما، وتجد في الكتاب أمثلةً كثيرةً عن كل قسم مِن الأربعة الَّتي ذكرتها، غير أنَّ المؤلِّف زاد قسمًا خامسًا جعله للأحاديث التي ذكر فيها الناقد تعليلا، ثم رجَّح ما أخرجه الشيخان، أو ضعَّف التَّعليل هو نفسه، كما فعله الدارقطني مرَّات، لكن استغنيتُ عن هذا القسم، لأنه في حقيقته ليس تعليلًا.","vol":"2","page":667},{"text":"وفي هذا القسم يقول ابن تيميَّة: «كذلك التَّصحيح لم يُقلِّد أئمَّة الحديث فيه البخاريَّ ومسلمًا، بل جمهور ما صَحَّحاه كان قبلهما عند أئمَّة الحديث صَحيحًا مُتَلقًّى بالقَبول، وكذلك في عصرِهما، وكذلك بعدهما، قد نَظَر أئمَّةُ هذا الفنِّ في كِتابيهما، ووافَقوهما على تصحيحِ ما صَحَّحاه، إلَّا مواضعَ يسيرة نحو عشرين حَديثًا، غالبها في مُسلم، انتقدَها عليهما طائفةٌ مِن الحُفَّاظ» (^١).\nويقول ابن حجر: «جملة أقسام ما انتقده الأئمَّة على «الصَّحيح»، قد حرَّرتها، وحقَّقتها، وقسَّمتها، وفصَّلتها، لا يظهر منها ما يؤثِّر في أصل موضوع الكتابِ -بحمد الله- إلَّا النَّادر» (^٢).\n_________\n(^١) «منهاج السنة» لابن تيمية (٧/ ٢١٦).\n(^٢) «هدى الساري» (ص/٣٤٨، ٣٨٣).","vol":"2","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المَطلب الثَّاني\nتصدير الأمَّة للصَّحيحين فرعٌ عن نقد مُحقِّقيها لهما</span>\nالحالُ أنَّ مَزيَّة «الصَّحيحين» وجَلالَتهما ثابتةٌ ثُبوتَ الجِبال الرَّواسي، «لا يُهوِّن مِن أمرِهِما إلَّا مُبتدِعٌ مُتَّبعٌ غيرَ سَبيلِ المؤمنين» (^١)؛ وهذا الإجماعُ من علمائهم إنَّما هو على جمهورِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، لا على كلِّ حرفٍ فيهما على حِدَة، هو في ذاته فضيلةٌ لم يبلغها غير الشَّيخان.\nوالعاقل من النَّاس يعلم أنَّ مَن نَقدَ سبعةَ آلاف درهمٍ مُتنوِّعةٍ، أتَتَه مِن بلادٍ مُختلفة، فلم يَرُج عليه منها إلَاّ دراهمُ مَعدودة، «وهي مع هذا مُغيَّرةٌ ليست مَغشوشةً مَحضةً: فهذا إمامٌ في صَنعتِه!\nفالكِتابان سَبعة آلافِ حديثٍ وكَسر» (^٢)، واشتمالُهما على أحرُف يَسيرةٍ خُولِفا فيها مِن حُذَّاقِ الفَنِّ لا يَعيبُهما في شيءٍ، بل مَحمدةٌ استحقَّا عليها التَّنويه من النُّقاد العارفين بوُعورة ما اشترطاه في كتابيهما، والتَّسليم للشَّيخين بالحِذقِ في هذا الفنِّ، ونُفوذ بَصيرتِهما في انتقاءِ المتونِ، وشِدَّة احتياطِهما في تَصحيحِ الأسانيد.\n_________\n(^١) «حجة الله البالغة» للدهلوي (١/ ٢٣٢).\n(^٢) «منهاج السنة» لابن تيمية (٧/ ٢١٦).","vol":"2","page":669},{"text":"هذا لنفهمَ مُستندَ ما انْبَنى عليه قَبول الأُمَّةِ للكِتابين؛ لم يكُن أبدًا أمرًا اعتباطيًا أو ناشئًا عن تعصُّب، بل الإجماع المَذكور مَردُّه إلى اختبارِ المُتَخصِّصينَ وتَوافقهم في الحكمِ العامِّ عليهما؛ على خلاف ما ادَّعاه (جُولدْزيهر) من «أنَّ مِن الخطأ اعتقادُ أنَّ مَكانةَ هذين الكِتابين مَردُّها إلى عَدمِ التَّشكيكِ في أحاديثهما، أو نتيجةً لتحقيقٍ عِلميٍّ، فسُلطانُ هذين الكِتابين يَرجع لأساسٍ شَعبيٍّ لا صِلةَ له بالتَّدقيقِ الحُرِّ للنُّصوص، هذا الأساس هو إجماعُ الأمَّة» (^١).\nولم يكُن للمُتأخِّرون مِن حَمَلة الشَّرعِ أن يخفوا هذه النَّقدات «للصَّحيحين» ويطمسوها عن العامَّة -كما يفتريه بعض من يُلقي الكلام على عواهنه- بل على العكسِ من ذلك! نَراهم يُلقِّنونَنها صغارَ الطَّلَبةِ في حلقات التَّدريس لمتونِ المُصطلَح؛ لعلمهم بأنَّ ما أكْسَبَ «الصَّحِيحين» هذا القَبول العارم، ورَفَعَهما على سائرِ مُصَنَّفاتِ السُّنة، هو تَظافر المُحقِّقينَ على مُناقشتِهما، وفرز ما فيهما مِن عِلَل، وبلوغهم في تَقيِيمهما النِّسبةَ العاليةَ من حيث إصابةِ غرَضِ مُصنِّفيْهما.\nنعم؛ قد يَحجُب الرَّبَّانيُّون مِن العلماءِ على عَوامِّ النَّاسِ ذكرَ تفاصيل الخلافِ في أحاديثِ «الصَّحِيحَين»، ومَبعثَ كلِّ ناقدٍ في تعليلِه وطبيعتَه، فإنَّ أعْطانَ العَامَّة تَضيق عن استيعابِ ذلك في الغالِب! بل قد يَؤول إلى مَفسدةِ التَّشكُّك في هذا العلمِ وانتقاص أئمَّتِه!\nوهذا من البصائر الَّتي ضمَّنها أبو داود (ت ٢٧٥ هـ) رسالتَه لأهل مكَّة حين أوصاهم بقوله: «.. ضَررٌ على العامَّةِ أن يُكشَف لهم كلُّ ما كان مِن هذا الباب فيما مَضى مِن عيوبِ الحديثِ، لأنَّ عِلمَ العامَّة يَقصُر عن مثلِ هذا» (^٢).\nوأجمل منه، ما أعقبَ به ابن رَجبٍ (ت ٧٩٥ هـ) هذه الوصيَّة حين قال: «هذا كما قال أبو داود، فإنَّ العامَّة تقصُر أفهامهم عن مثلِ ذلك، وربَّما ساَء\n_________\n(^١) «دراسات محمدية» (ص/٢٣٦).\n(^٢) «رسالة أبي داود إلى أهل مكَّة» (ص/٣١).","vol":"2","page":670},{"text":"ظنُّهم بالحديثِ جملةً إذا سمعوا ذلك، وقد تسلَّط كثيرٌ مِمَّن يطعَنُ في أهلِ الحديثِ عليهم بذكرِ شيءٍ مِن هذه العِلَل، وكان مَقصوده بذلك الطَّعن في الحديثِ جملةً والتَّشكيك فيه» (^١)!\n_________\n(^١) «شرح علل التِّرمذي» (١/ ٣٥٧).","vol":"2","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المَطلب الثَّالث\nكلام المتقدِّمين في «الصَّحِيحَين»\nأغلبُه في رسوم الأسانيدِ دون رَدٍّ للمتون</span>\nبتتبُّعِ الانتقاداتِ المُوجَّهة مِن أئمَّة العِلَل إلى أحاديثِ «الصَّحيحين»، والَّتي تبلغُ في مَجموعِها زهاءَ (عِشرينَ وأربعمائةِ) حديثٍ مُتكَلَّمٍ فيه (^١)، نجد أغلبَ هذه الإعلَالاتِ مُتَّجه إلى الصّنعةِ الإسناديَّةِ البَحتةِ (^٢).\nوذلك أنَّا رأينا الدَّارقطنيَّ وغيرَه يَتكلَّمون في سَندٍ مُعيَّنٍ، ومِن وجهٍ خاصٍّ لا مُطلقًا، كأنْ يُعِلُّوا طريقًا أو روايةَ شيخٍ بعينِه، خَلَّط في إسنادِه، أو زادَ راوِيًا أو أسقطَه تَوهُّمًا، أو أنَّه مُدلِّس، وفيه ضَعف، أو أنَّ الإسنادَ مُضطَربٌ، أو مُرسَل، أو مَوقوف .. إلخ (^٣)؛\nفأكثر استدراكاتِهم على الشَّيخينِ إنَّما هو قَدحٌ\n_________\n(^١) أوصلها مصطفى باحو في كتابه «الأحاديث المنتقدة في الصَّحيحين» إلى ثلاثمئةٍ وستة وتسعين (٣٩٦) حديثًا، واستدرك عليه عبد الله القحطاني ثلاثين (٣٠) حديثًا أعلَّها الدَّارقطني في «العلل» لم يذكرها الباحث الأوَّل في كتابه، وذلك في رسالتِه العلميَّة «أحاديث الصَّحيحين التي أعلها الدراقطني في كتابه العلل وليست في التتبع» (ص/٨).\n(^٢) انظر مصداق هذا في أنواع الأحاديث السبعة المنتقدة على «الصحيحين» في «هدى الساري» لابن حجر (ص/٣٤٧).\n(^٣) لم أقف على تعليل متنيٍّ للدراقطني لأحاديثِ «الصَّحيحين» إلَّا في مِثالين:\nما أخرجه من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: «إذا جاء أحدُكم والإمام يخطب أو قد خرج فليصل ركعتين»، حكَم عليه بالشُّذوذ في «التَّتبع» (ص/٣٦٨)، وأجابَ عنه ابن حجر في «هدى الساري» (ص/٣٥٥).\n\nوما أخرجه مسلم (برقم ١٤٨٠) مِن حديث فاطمة بنت قيس في نَفَقة البائن، حَكم على قول عمر فيه: «.. ولا سُنَّة نبيِّنا» بالشُّذوذ، في كتابِه «العِلل» (٢/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"2","page":672},{"text":"في بعض ما أورداه من أسانيدِ (^١)، غيرُ مُخرجٍ لمتونِ الحديثِ مِن حَيِّز الصِّحة (^٢).\nأمَّا كلام النُّقاد في ذات المتونِ فقليلٌ جدًّا، وهو مع ذلك مُتَّجِه في أكثرِه إلى طَرفٍ مِن المتنِ لا أصله، كوَهمٍ في لفظٍ، أو شذوذِه، أو قَلْبٍ فيه ونحو ذلك (^٣)؛ اللَّهم إلَّا في النَّادرِ من الحديث، وهم في ذلك يُرجعون خلل المتن إلى سببه في الإسناد.\nفأين هذا مِن منهجِ مَن يَروغُ على أحاديثِهما ضَرْبًا باليَمينِ لأدنى إشكالٍ يَتَوهَّمه في متونِهما، ولا هو يُبالي بالنَّظر إلى مَكمنِ الخَلل في إسنادِه؟!\n_________\n(^١) وقلت هنا: (أكثر)، تفاديًا لما وقع فيه بعض الأفاضل مِن تَعميم الدَّفعِ عن كلِّ الأحاديث المُنتقدة، لمِا مرَّ معنا من كونِ بعض الأئمَّة قد علَّلوا أحاديثَ في «الصَّحيحين» تعليلًا حقيقيًّا، يودِي بالحديث إلى الرَّدِ، وخاصَّةُ أمثلة هذا موجودة في القسم الثَّالث والرَّابع من أقسام الأحاديث المُعلَّة الَّتي ذكرت آنفًا.\nوبه نعلم خطأ ما أطلقه (أحمد شاكر) في تحقيقه لـ «مسند أحمد» (٦/ ٥٥٣) من دعواه أنَّ انتقادات الأئمَّة لما انتقدوه فيهما ليس غرضها إلَّا بيان الأصحِّ من أوجه الحديث فحسب، مع التَّسليم بكونِ ما في «الصَّحيحين» صحيح كلُّه؛ فتراه يقول في ذلك: «غَلا بعضُهم، فزعَم أن في الصَّحيحين أحاديث غير صحيحة، إن لم يزعم أنَّها لا أصل لها، بما رأوا من شبهات في نقد بعض الأئمَّة لأسانيد قليلة فيهما، فلم يفهموا اعتراض أولئك المتقدِّمين الَّذين أرادوا بنقدهم أنَّ بعض أسانيدهما خارجة عن الدَّرجة العُليا من الصِّحة الَّتي التزمها الشَّيخان، لم يريدوا أنَّها أحاديث ضعيفة قطُّ».\nوتبعه على مثل هذا الإطلاقِ بعض من تصدَّى للذَّب عن الصَّحيحين من المعاصرين، كالَّذي وقع فيه الباحثون في موسوعة «بيان الإسلام» (٦/ ٧٢) مِن دعوى أنَّ إجماعِ علماء الحديث على أنَّ أحاديث «صحيح مسلم» صحيحة!\nوهذا نموذج من الأخطاء النَّقليَّةِ الَّتي يَستمسك بها أولئك الطَّاعنون، للتَّهوينِ من ردودِ أهل السُّنة، والسُّخرية مِن تقريراتهم، للأسف.\n(^٢) انظر تقرير هذا في «صيانة صحيح مسلم» لابن الصَّلاح (ص/١٧٧)، و«النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي (١/ ٢٧٨).\n(^٣) من أمثلته: ما أخرجه البخاري في «صحيحه» (٥/ ١٣٢، برقم:٤٢٠٣) من طريق الزُّهري قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب أنَّ أبا هريرة ﵁ قال: «شهِدنا خَيبر ..»، فأصل الحديث صحيح، إلَاّ قوله في آخره: «قُم يا بلال فأذِّن ..» فمدرج في روايةِ شعيب الَّتي خرَّج البخاري، كما قرَّره ابن حجر في «هدى الساري» (ص/٣٧٠).","vol":"2","page":673},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المَبحث الرابع\nالتَّفاوت الفسيح بين منهجِ المُتقدِّمين وطُرق المُعاصرين\nمن غير ذوي الأهليَّة في تعليلِ «الصَّحيحين»</span>\nمِمَّا يتأكدُّ التَّذكير به ابتداءً قبل استجلاء أوجه الاختلاف بين الفريقين: أنَّ الَّذي يُسوِّي في أيٍّ عِلمٍ كان، بين الرَّجلِ المَعروفِ بالعلمِ به والدِّقةِ فيه والسَّعيِ في تحصيلِه، والمَهارةِ البَحثيَّةِ المُكتسبَةِ فيه عبر أزمان مَديدةٍ، وشهادةِ النَّاس له بالدِّينِ والصِّدقِ في الطَّلَب؛ ومَن هو دونَه مِمَّن تخلَّفَت عنه هذه الأوصاف، بجامعِ أنَّ الكلَّ بَشَر يُصيب ويُخطئ؛ إنَّ التَّسويةَ بين هذين في العلومِ لمِن أفسدِ القياس! والسَّببُ في ما ابتُليت به الأمَّة من هذه الفوضى في استصدار الأحكام، والعبث بمصادر تشريعها.\nفهذا الصِّنفِ الثَّاني لا يحِقُّ له التَّبجُّح بنَقداتِ الفُحولِ القُدامى للتُّراث مِمَّن سبق ذكرهم، ولا التَّعذُّرَ بسابقِ نَظراتِهم في مرويَّات السُّنة، بل كان الأستَر لهمُ التَّحايَدُ عن هذا المَسلكِ بالمرَّة! إذ حادوا عن جادتهمِ تَنظيرًا وتطبيقًا، وذلك مِن عِدَّة وجوه:\nالوجه الأوَّل: حِيادُهم عن منهجِ المُتقدِّمين في الصِّناعةِ الحديثيَّة وأصولها، وعدم مُراعاتِهم للضَّوابطِ الآليَّةِ الَّتي التزموها في النَّقدِ، وتراميهم على نقد المتون -أو ما يسمِّيه بعضهم بالنَّقد الدَّاخلي- دون مراعاة لأحوال الأسانيد ومراتب الرُّواة وحيثيَّات الرِّواية؛ ومَردُّ ذلك إلى اختلافِ الرُّؤى الفكريَّة بين الفَرِيقين،","vol":"2","page":674},{"text":"والمَقصِد من النَّظرِ في السُّنة ومرتبتها في التَّشريع؛ ما أدَّى إلى تباينٍ في المَعايير النَّقديَّة المُحدِّدة للمقبول منها والمَردود.\nفلمَّا تَنافَرت هاتان المَنهجيَّتان الصِّناعيَّتان في نقد السُّنة، تَوَسَّعت رُقعةُ المَنقودِ المَنقوض منها عند هؤلاء المُحْدَثين لصِحاحِها، حتَّى بَلغوا بها قراطيسَ غَفيرة! في الوقت الَّذي ضاقَ فيه الباب على المُتقدِّمين لنَقدِ «الصَّحيحين»، فلم يُعِلُّوا فيهما إلَّا أحاديث مَعدودة، نظرًا لانضباطِهم بأنظار دقيقةٍ للأخبار، ضاقت صدورُ المُعاصرين عن دَرْكِ مآخِذها، وضبطِ قواعدِها (^١).\nالوجه الثَّاني: جهلُهم بمناهجِ الأئمَّةِ المُتقدِّمين في التَّعليلِ والتَّخريجِ والاعتبارِ، وضَعفُ تَصوُّرِهم لكثيرٍ مِن مَسائِل «علمِ الحديث»، أوقعَهم في خَطايا عِلميَّةٍ جسيمةٍ في أحكامهمِ على الأحاديثِ المَدروسةِ (^٢).\nالوجه الثَّالث: غفلتُهم عن طُرق المُتقدِّمين ومقاصدهم من التَّصنيفِ؛ كما نراه من توهُّم بعضِ المُتعجِّلين أنَّ صاحِبَي «الصَّحيحين» إنَّما أخرجوا كلَّ حرفٍ\n_________\n(^١) انظر بحثًا معروضًا في مؤتمر «الانتصار للصَّحيحين» منشورًا باسم «المنهجية المنضبطة في تعليل بعض أحاديث الصحيحين عند النقاد المتقدمين» لجميل بن فريد أبو سارة (ص/١٥ - ٢٠).\n(^٢) من أمثلة هذا الجهل بقواعد المحدِّثين في التَّعليل: ما أعَلَّ به حسن السَّقاف حديثَ عبد الله بن عمرو المشهورَ في «صحيح البخاري» (رقم: ٢٦٦٩) وغيره مرفوعًا: «بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النَّار»، حيث قال في تحقيقِه لكتاب «العلو» للذَّهبي (ص/٣٩): «هذا اللَّفظ لا يصحُّ، لأنَّ لفظ رواية مسلم مخالفٌ لذلك، ونصُّه: (وحدِّثوا عنِّي ولا حرج ..)، وليس حديث (حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)؛ فالَّذي أراه وأعتمده: أنَّ النَّبي ﷺ لا يقول هذه المَقالة ..».\nثمَّ اتَّجه إلى تأكيدِ هذا التَّعليل الإسناديِّ، بدعوى أنَّ المتن مخالفًا لظاهر القرآن.\nوهذا منه هُراء، أبعد ما يكون عن منهجِ المُحدِّثين، فإنَّ اللَّفظ الَّذي عَزاه السَّقاف إلى مسلمٍ حديثٌ لصَحابيٍّ آخر، هو أبو سعيد الخدري، والحديث الَّذي رَدَّه به هو لعبد الله بن عمرو، فمَخرج الحديثين على هذا مُختلفين تمامًا، كلٌّ منهما حديث مُستقلٌّ بحالِه، فيجوز أن يُعَلَّ لفظُ أحدهما بالآخر؛ والحَقُّ أنَّهما مُتوافقان من جِهة المعنى غير مُتعارضين، ومع ذلك أعَلَّ السَّقاف أحدَهما بالآخر تعليلًا هو أوْلى بوصفِه به! وهذا مثال لا تكاد تجده إلَّا عند هؤلاءِ المُتعالِمين، فلا يُعرف لهذا العبث نظير في كُتب التَّخريج والعِلل.","vol":"2","page":675},{"text":"فيهما على وجهِ التَّصحيحِ والاحتجاجِ به! والواقع أنَّهما يُخرِجان ما يَعْلَمان عِلَّتَه أحيانًا، لمقاصد لا تخفى على المُتَمَرِّسينِ بأساليبِ المُحَدِّثين في التَّأليف.\nالوجه الرَّابع: تَحايُدهم -في الجملة- عمَّا تستوجبه المنهجيَّة العلميَّة الرَّصينة مِن الإنصاف والموضوعيَّة في نقدِ «الصَّحِيحين»؛ فإنَّ أئمَّة العِلل لا يُغمطون في غَرَضِهم مِن نَقدِ السُّنَنِ بسَببِ عَداوةٍ مَذهبيَّةٍ أو شَخصيَّة؛ بل تجد جبلًا مثل الدَّارقطنيَّ يخطِّئ البخاريَّ في حديث ما، لكن يُصوِّب حكمَ البخاريِّ في آخر مُختلَفٍ عليه بين النُّقاد.\nفالإشكال أنَّ دَوافع المتأخِّرين مِمَّن ترامَوا على الصَّحيحين بالطَّعن، غالبًا ما يَكتنِفُها الانحيازُ إلى المَذهبِ العَقديِّ أو التَّيار الفِكريِّ؛ يكفي الحَصيف أن يفهم هذا مِن لَحْنِ تَصريحاتِهم في حَقِّ السُّنةِ؛ فلقد سَالَت البغضاءُ مِن أقلامِهم وما تُخفِي صدورُهم أكبر!\nهذه البواعث الإيديلوجيَّة هي بحَقٍّ مِن أبرزِ إشكالاتِ الفِكر الحديثِ في نَقدِه للتُّراثِ الإسلاميِّ؛ تَرى الواحد من الإماميَّة يَردُّ كلَّ حديثٍ يُخالف اعتقادَه برِدَّةِ الصَّحابة ﵃ ولزوم الوَصيَّة لعليٍّ ﵁!\nوالإِباضيَّ يضَعِّف من السُّنةِ كلَّ أصلٍ لا يجده في حَفنةِ الكُتب الَّتي ورثها من أسلافه، وآخرَ جهميًّا غالٍ في تَكذيبِ كلِّ أثرٍ يَهدم مَذهبَه في تعطيل الصَّفات؛ وذاك حَداثيٌّ سَاخطٌ على التُّراثِ وكلِّ إسلاميٍّ قديم؛ .. وهَلُمَّ جَرًّا، فيحملهم تعصُّبهم هذا للطَّائفة على تنقص قدر الشَّيخين في نقد المتون لروايتهما ما يخالف قولَهم.\nوأمَّا الوجه الأخير: فإنَّ الألفاظَ نفسَها المُستعمَلة في نَقدِ «الصَّحيحين» متنافرة فيما بين الفريقين!\nفبينما نجِدُ تقديرًا مِن علماء الحديث والفقه للخِلافِ والمُخَالَف أثناءَ نقدهم لبعض مرويَّات الكتابين، وقَبولَهم الاحتمالَ فيها بلطيفِ العِبارات، وتخيُّرِ أنسبِ النَّقداتِ في أوجُهِ التَّعليلات، كقولِهم: هذا أشبه، وهذا أصَحُّ، وهذا خالَفه","vol":"2","page":676},{"text":"فلان، والأرجح عندي كذا، ونحو هذه العباراتِ المُحتاطةِ؛ نُصعَق في مقابلها مِن كمِّ شراسة ألفاظ الطَّاعنين المُعاصرين، وتكذيبِهم الفجِّ للأخبار المُتَّفق على صحَّتها، بلغةٍ جازمةٍ وساخرة، مع التَّجنِّي على الشَّيخينِ بشَتَّى الاتِّهاماتِ والتَّهكُّماتِ.\nوكلُّ إناءٍ بما فيه يَنضح!\nيقول الحجْويُّ: «الَّذين انتقدوا الصَّحيحين -كالدَّراقطنيِّ- لم يجرؤوا أن يقولوا في حديثٍ واحدٍ أنَّه مَوضوع، أو لم يقُله النَّبي ﷺ، أو قالوا في راوٍ واحدٍ من رُواتهما وضَّاع أو كذَّاب! أو أنَّه مِن أهل الإلحادِ الَّذين أسلموا كرهًا! وصاروا يكيدون للإسلام بالزِّيادة في السُّنة! كما قال هذا الزَّاعم نقلًا عن الشَّيخ عبدُه المصريِّ؛ فهذه مَقالةٌ مُخترعة، لم يجسُر أحدٌ أن يطعنَ بها في الصَّحيحين، بل ولا سمعنا أحدًا تجاسَر وقال ذلك» (^١).\nفكان على ما بيَّناه قبيحًا بهؤلاء المُحْدَثين أن يتذرَّعوا بنَقداتِ الأئمَّة وتعليلهم لبعض ما في «الصَّحيحين»، لتبايُن ما بينهما في المكانة والمنهج والآلةِ والأغراض.\nوسيزيد انكشاف هذا التَّباين بذكر أمثلة ذلك من تعليلات الأئمَّة الأربعة لبعض أخبارهما، لكثرة ما ينقُله المُعاصرون عنهم في هذا البابِ، بعد أن تكلَّمنا إجمالًا عن أئمَّة الحديث المُتقدِّمين، لتستبين المَحجَّة على أنَّ هؤلاء الأعلام يا بُعدَهم عن عبث المُعاصرين! فأقول مُستعينًا بالله تعالى:\n_________\n(^١) «الدفاع عن الصحيحين دفاع عن الإسلام» للحجوي الفاسي (ص/١١٨).","vol":"2","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المَبحث الخامس\nنقد احتجاجِ المُعاصرين على طعنِهم في أحاديث «الصَّحيحين» بالأئمَّة الأربعة</span>","vol":"2","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المَطلب الأوَّل\nدراسة ما أعلَّه أبو حنيفة النُّعمان (ت ١٥٠ هـ)\nوهو في «الصَّحيحين»</span>\nبلغَت أحاديث «الصَّحيحين» الَّتي يُدَّعَى على أبي حنيفة طعنُه فيها سِتَّةَ أحاديث، نأخذها واحدةً تلو الأخرى، لنستبين حقيقةَ دعوى اتِّباعه في إنكارِ المتون إذا صحَّت أسانيدها، والمنهجَ الَّذي يُعامل به هذا الإمام مَنقولاتِ السُّنة، فنقول:\nالفرع الأوَّل: دراسة ما نُسب إلى أبي حنيفة إعلالُه في أحد «الصَّحيحين».\nالحديث الأوَّل:\nأخرج الشَّيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: عَدا يهوديٌّ في عهدِ رسول الله ﷺ على جارية، فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخَ رأسها، فأتى بها أهلُها رسولَ الله ﷺ وهي في آخر رَمق وقد أُصمتت (^١)، فقال لها رسول الله ﷺ: «مَن قَتلك؟ فلان؟» -لغيرِ الَّذي قَتلها- فأشارت برأسها: أن لا،\n_________\n(^١) أي اعتُقل لسانها فلا تقدر على الكلام، انظر «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٢٢٩).","vol":"2","page":681},{"text":"قال: فقال لرجلٍ آخر غير الَّذي قَتلها، فأشارت: أن لا، فقال: «ففُلان؟» لقاتلِها، فأشارت: أن نعم، فأمرَ به رسول الله ﷺ، فرضخَ رأسَه بين حَجرين (^١).\nهذا الحديث ادَّعى (زكريَّا أوزون) (^٢) و(إسماعيل الكرديُّ) (^٣) و(جمال البَنَّا) (^٤) أنَّ أبا حنيفةَ رَدَّه لمُعارضتِه ما هو مَعروفٌ في الشَّرعِ من قتلِ المَقتولِ مِن غير بيِّنةٍ، وينقلون عنه أنَّه قال فيه: «إنَّه هَذَيان» (^٥)!\nومثل هذا لا يثبُت عن أبي حنيفة، حيث جاء عنه من طريقين:\nالأوَّل: من طريق زكريَّا السَّاجي، عن عصمة بن محمد، عن العباس بن عبد العظيم، عن أبي بكر بن أبي الأسود، عن بشر بن المفضل، أنَّه سأل أبا حنيفة .. إلخ الكلام (^٦).\nوزاد ابن عبد البرِّ في سنده مع عصمة هذا: سعيد بن محمد بن عمرو (^٧).\nوكلاهما عصمة وسعيد لم أجد لهما ترجمة، والرَّاجح أنَّهما غير مَعروفين، فلا تقوم بمثلهما حجَّة.\nوالثَّاني: من طريق محمَّد بن عمر بن بهتة، عن أحمد بن محمَّد بن سعيد المعروف بابن عقدة الكوفي، عن موسى بن هارون بن إسحاق، عن العبَّاس بن عبد العظيم بنفس الإسناد الأوَّل (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري بهذا اللفظ في (ك: الطلاق، باب الإشارة في الطلاق والأمور، رقم:٤٩٨٩)، ومسلم في (ك: القسامة، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره، رقم: ١٦٧٢).\n(^٢) «جناية البخاري» (ص/٧٤).\n(^٣) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٥٢).\n(^٤) «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٦).\n(^٥) «تاريخ بغداد» (١٥/ ٥٣٠).\n(^٦) أخرجه ابن حبَّان في «المجروحين» (٣/ ٧٠).\n(^٧) «الانتقاء» لابن عبد البر (ص/١٥١).\n(^٨) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٥/ ٥٣٣).","vol":"2","page":682},{"text":"وابن عقدة -مع حفظِه وإكثاره من الرِّواية- قد ضَعَّفه الدَّارقطني (^١)، وكان من أعلمِ النَّاس به مِمَّن أخذ عنه؛ بل رَماه بالإكثار من المناكير (^٢)، وقال: «لم يكنْ في الدِّينِ بالقويِّ، ولا أزيدُ على هذا» (^٣)؛ ومن ثَمَّ خلُص الذَّهبي إلى كونه «صاحب تصانيف، على ضعفٍ فيه» (^٤).\nوالَّذي يتحرَّر عندي مِن مجموع ما قيل في ابن عقدة، من سرقة للكُتب، والأمر بالكذب وبناء الرِّواية عليه: «أنَّ الرَّجل ليس بعُمدة» (^٥)، وبخاصَّة فيما يُستغرَب متنه أو ينفرد به، كحال هذه الحكاية عن أبي حنيفة؛ ومِمَّا يَشهدُ لبُطلانِها: أنَّ أحدًا من تلاميذ أبي حنيفة لم يذكرها عنه، فلذا لم يعتمدها الحَنفيَّة في كُتبِ المَذهب.\nوهذا (الكرديُّ) نفسُه، يعلمُ بطعنِ أعلامٍ من الحنفيَّة في هذه الحكايةِ ونقلها، ومع ذلك يُصرُّ على التَّهويشِ بها في كتابِه ذاك! ليصدُقَ عليه قولُ (الكوثريِّ) عقب ردِّه لهذا الهَذيان عن إمامه: «حَاشا أن يقول في حديثٍ صَحَّ عنده: هذا هَذيان؛ وهو نَزيهُ اللِّسان في مخاطبتِه للنَّاس، فكيف يقول هذا في مثل هذا الموقف؟! .. وبعدَ استذكارِ ما في سنِدِه مِن وجوهِ السُّقوط، لا تشُكَّ لحظةً أنَّ الهاذي هو مَن ينسِب الهذيانَ إليه بمثل هذا السَّند» (^٦).\nوأمَّا عن أئمَّة الحنفيَّةِ: فليس في وَدْعِهم الاحتجاجَ بهذا الحديثِ في بابِ القَصاص ما يدلُّ على ردِّه، كما يَدَّعيه مَن لم يَدر مآخذ أقوال الفقهاء ومَناطاة أحكامهم؛ فإنَّ الحنفيَّة يُصَحِّحونه أيضًا تبعًا لأهل الحديث؛ ولكنْ مذهبُ إمامهم أنَّ القَصاص لا يكون إلَّا بالسَّيف، لأدلَّة خاصَّة مُقدَّمة عندهم في هذا الباب،\n_________\n(^١) كما في «السنن» له (٣/ ٣٠٧، برقم: ٢٦٣١).\n(^٢) «تاريخ يغداد» (٦/ ١٤٧).\n(^٣) «سؤالات السُّلمي للدارقطني» (ص/١٠٧).\n(^٤) «أعلام النبلاء» (١٥/ ٣٥٤).\n(^٥) انظر «التَّنكيل» (١/ ٣٧٣).\n(^٦) «تأنيب الخطيب» للكوثري (ص/١٦٠).","vol":"2","page":683},{"text":"وهم يُخرِّجون حديث الرَّضخِ: إمَّا على النَّسخ، أي بنسخِ المُثْلَة، أو على أنَّه خاصٌّ بقُطَّاعِ الطُّرق (^١).\nوالمُؤسِف حقًّا: أنَّ مَن ذكرتُ آنفًا مِن بعض المُعاصرين لجهلِهم بمناهجِ الأئمَّة في التَّصنيفِ، ادَّعوا أنَّ الحديث فيه إقامة للحدِّ على مُتَّهم من غير إقامة بيِّنة سوى إشارة المقتولة، فتوجَّهوا بإنكار رواية الحديث الَّتي في غيرِ مَوضِعه الأصليِّ من «صحيح البخاريِّ»، وهو كتاب الطَّلاق، وشَنَّعوا على البخاريِّ ما اختارَه في ذلك الموطِن من لفظِ مُختصَرٍ للحديث، وأنَّه يخلو مِن اعترافِ القاتل بالقتل؛ وتَجاهلوا باقي المواضِع الثَّلاثة الأخرى في «صَحيحِه» الَّتي فيها ذكرُ هذا الاعتراف في نصِّ المتن!\nوالباعث للبخاريِّ لإخراج تلك الرِّواية النَّاقصة في كتاب الطَّلاق: عادته في ذكره تحت كلِّ بابٍ ما يَتَعلَّق به مِن أحاديث تامَّة يُخرجها مناسبة لتراجمها، وإذا احتاج لحديث منها في باب آخر، فإنَّه يُخرجه فيه مقتصرا على موضع الشَّاهد منه.\nوجملة الاعترافِ في الحديث قد ذَكَرها البخاريُّ في أبوابِ الحدودِ، حيث بَوَّب فيه على الحديث بِبابين: باب: «سؤال القاتل حتَّى يقرَّ، والإقرار في الحدود» (^٢)، وباب: «إذا أقرَّ بالقتل مرَّة قُتل به» (^٣)؛ فلمَّا جاء إلى كتاب الطَّلاق، اختصَرَ الرِّوايةَ هناك، واقتصَرَ على الشَّاهِد منها المتعلِّق بموضوع الطَّلاقِ.\nوالحاصل أنَّ أبا حنيفة بريء من الطَّعن في هذا الحديث، فضلًا عن ازدراءه.\n_________\n(^١) انظر «المبسوط» للسرخسي (٢٦/ ١٢٢)، و«اللُّباب» للمنبجي (٢/ ٧١١)، و«تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق» للزَّيلعي (٦/ ١٠٦).\n(^٢) «صحيح البخاري» (٦/ ٢٥٢٠، برقم: ٦٤٨٢).\n(^٣) «صحيح البخاري» (٦/ ٢٥٢٤، برقم: ٦٤٩٠)، وانظر أيضا (٢/ ٨٤٩، باب: ما يذكر في الأشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهودي).","vol":"2","page":684},{"text":"الحديث الثَّاني:\nادَّعى (الكرديُّ) (^١) و(جمال البنَّا) (^٢) إعلالَ أبي حنيفة لِما اتُّفق عليه من حديث عبد الله بنِ عمر ﵁ في رفعِ اليدين عند الرُّكوعِ والقيام منه، وتقديمَه حديثَ ابن مسعود ﵁ عليه، في قوله: «صلَّيتُ مع النَّبي ﷺ، ومع أبي بكر، ومع عمر، فلم يرفعوا أيديهم إلَّا عند التَّكبيرة الأولى في افتتاح الصَّلاة» (^٣).\nوهذه دعوى غير صحيحة عن الإمام، فليس المَنقول عنه إلَّا أنَّه لم يكُن يَرى رفع اليَدين، فإنَّه وأهلَ الكوفةِ اقتصروا على ما بَلغَهم مِن تَركِ ابن مسعودٍ ﵁ للرَّفعِ (^٤)، وغيرُ لازمٍ من عدمِ عمل العالمِ بالنَّصِ تضعيفه (^٥)، ولكن لم تبلغهم باقي الأحاديث في سُنيَّةِ الرَّفعِ؛ وهذا كافٍ في الاعتذارِ لأبي حنيفة عن دعوى إنكارِ الحديث في ذلك.\nوفي تقرير هذا العُذر له، يقول ابن تيميَّة:\n«أمَّا رفعهما عند الرُّكوعِ والاعتدال مِن الرُّكوع فلم يَعرفه أكثرُ فقهاءِ الكُوفة، كإبراهيم النَّخعي، وأبي حنيفة، والثَّوري، وغيرهم، وأمَّا أكثر فقهاء الأمصار وعلماء الآثار، فإنَّهم عَرفوا ذلك، لِما استفاضت به السُّنة عن\n_________\n(^١) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٥٣).\n(^٢) «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٦).\n(^٣) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٢/ ٥٢، برقم: ١١٣٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ١١٣، برقم: ٢٥٣٤)، وضعَّفه الدارقطني قائلًا: «تفرَّد به محمد بن جابر وكان ضعيفًا، عن حماد، عن إبراهيم، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا، عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي ﷺ، وهو الصواب».\n(^٤) يقول ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٤٨): «.. وابن مسعود لم يصرح بأن النبي ﷺ لم يرفع إلا أول مرة؛ لكنهم رأوه يصلي ولا يرفع إلا أول مرة، والإنسان قد ينسى، وقد يذهل، وقد خفي على ابن مسعود التَّطبيق في الصلاة؛ فكان يصلي وإذا ركع طبَّق بين يديه كما كانوا يفعلون أول الإسلام، ثم إن التطبيق نُسخ بعد ذلك، وأُمروا بالرُّكب، وهذا لم يحفظه ابن مسعود».\n(^٥) وهذا الكوثريُّ -وهو المتعصِّب لأبي حنيفةَ- قد أقرَّ بصحَّةِ حديث ابن عمر، انظر «التنكيل» (٢/ ٧٧٠).","vol":"2","page":685},{"text":"النَّبي ﷺ، كالأوزاعيِّ، والشَّافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، وهو إحدى الرِّوايتين عن مالك» (^١).\nالحديث الثَّالث:\nما اتَّفق عليه الشَّيخانِ من حديثِ زيدِ بن ثابت ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص في العَرايا (^٢) في أن تُباع بخَرصِها كَيلًا» (^٣).\nفقد زَعَم (الكرديُّ) أنَّ هذا الحديث مَرويٌّ مِن طريق زيد بن ثابت ﵁ وحده، وأنَّ «أبا حنيفةَ وأصحابه ردُّوا ذلك الخبرَ، لأنَّه مُخالف للقياس، إذ هو مِن الأموالِ الرِّبَويَّة، فلا يجوز إلَّا مِثلًا بمِثلٍ، ويحرُم فيه رِبا الفَضل، وفي بَيعهِ بالخرصِ مَظنَّة الرِّبا، وشُبهة الرِّبا تَعمل كالرِّبا، فتُوجب التَّحريم» (^٤).\nوحديث التَّرخيصِ في العَرايا -على نقيضِ ما ادَّعاه- لم يَنفرد به زيد بن ثابت، بل هو ثابتٌ عن أبي هريرة أيضًا (^٥)، وغيرهما مِن أصحابِ النَّبي ﷺ (^٦).\nثمَّ إنَّ أبا حنيفةَ لم يرُدَّ الحديث لمخالفتِه الكتابَ والسُّنة المشهورةَ -كما هي دعوى (محمَّد أبو زهرة) أيضًا (^٧) - فهذا الطَّحاوي وهو الأعلمُ بالمَنقولِ عن\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨) بتصرف.\n(^٢) العرايا: جمع عرية، الأَصْل فِيهَا أَنه إِذا عرض النّخل على بيع ثَمَرهَا عريت مِنْهَا نَخْلَة أَي عزلت عَن المساومة فَتلك النَّخْلَة عرية أَي معراة من البيع، والمقصود بها: بيع الرُّطب في رؤوس النخل خرصا، بالتمر على وجه الأرض كيلا، فيما دون خمسة أوسق، لمن به حاجة إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه مثلا، وانظر «تفسير غريب ما في الصحيحين» للحميدي (ص/١٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (ك: البيوع، باب: تفسير العرايا، برقم: ٢٠٨٠)، ومسلم (ك: البيوع، باب: تحريم بيع الرطب بالتمر، برقم: ١٥٣٨).\n(^٤) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٥٦).\n(^٥) أخرجه عنه أحمد في «المسند» (برقم: ٧٢٣٥)، وصحَّحه ابن حبان في «صحيحه» (١١/ ٣٧٩، برقم: ٥٠٠٦) وعن غيره.\n(^٦) نقله بشير بن يسار عن أصحابِ رسول الله ﷺ، في «صحيح مسلم» (ك: البيوع، باب: تحريم بيع الرطب بالتمر غلا في العرايا، برقم: ١٥٤٠).\n(^٧) في كتابه «أبو حنيفة» (ص/٣٢٧) حين ادَّعى أنَّ أبا حنيفة وأصحابه ردَّوا هذا الحديث لمخالفته للكتاب أو السنة المشهورة.","vol":"2","page":686},{"text":"أبي حنيفةَ ومَذهبِه يقول: «جاءت هذه الآثار عن رسولِ الله ﷺ وتَواترت في الرُّخصةِ في بَيعِ العَرايا، وقَبِلَها أهل العلمِ جميعًا، ولم يَختلفوا في صحَّةِ مَجيئها، وتَنازعوا في تأويلِها» (^١).\nفالتَّأويل الفِقهيُّ للحديث هو مَحلُّ الخِلاف بين أبي حنيفةَ والفقهاء لا صِحَّته، حيث نزعَ الحنفيَّة بالحديثِ إلى مَعنى الثَّمرِ الَّذي وَهبه صاحبُه، وهو ما زال في رؤوسِ النَّخل، ثمَّ تَراجع عن هِبَته، لتَحرُّجِه مِن دخول المَوهوبِ له بُستانَه أو لنحوِ ذلك، فيُباح له أن يُعطِيَه بَدَله بخَرْصِه تمرًا.\nواستبعدَ أبو حنيفة أن يكون المُراد بالعَرايا فيه بيعُ الرُّطبِ على رؤوسِ النَّخلِ بالتَّمر خَرْصًا (^٢)؛ فردَّ أن يكونَ معنى التَّرخيصِ هنا داخلًا في البيوع، بل في معنى الهِبَة، توفيقًا منه بين هذا الحديثِ وحديثِ النَّهيِ عن المُزابنةِ (^٣).\nولا شكَّ أنَّ هذا التَّأويل كلَّه مِن أبي حنيفةَ فرعٌ عن تصحيحِه الخَبر.\nالحديث الرَّابع:\nعن أبي هريرة ﷺ عن النَّبي ﷺ قال: «لا تُصَرُّوا (^٤) الإبلَ والغنمَ، فمَن ابتاعها بعدُ فإنَّه بخير النَّظَرَيْن بعد أن يحتلِبها: إن شاءَ أمسَكَ، وإن شاء رَدَّها وصاعَ تمرٍ» (^٥).\nفقد نَسبَ (الكرديُّ) إلي أبي حنيفة الإعراضَ عن هذا الحديثِ (^٦)، و«يُبرِّر\n_________\n(^١) «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٤/ ٣٠).\n(^٢) انظر «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٤/ ٣١)، و«المبسوط» للسرخسي (١٢/ ١٩٣).\n(^٣) الَّذي فيه بيع التَّمر بالتَّمر خرصًا، انظر «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٤/ ٣١)، و«فتح القدير» لابن الهمام (٦/ ٣٨١)، و«فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٣٦٤).\n(^٤) على وزنِ (تُزكُّوا)، من التَّصرية: وهي الجمع والشَّد، ومعناها في الحديث حبس اللبن في ضروع الأنعامِ لتُباع كذلك فيغتر بها المشتري، انظر «مشارق الأنوار» (٢/ ٤٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (ك: البيوع، باب: باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل، والبقر والغنم وكل محفلة، برقم: ٢٠٤١)، ومسلم (ك: البيوع، بابك حكم بيع المصراة، برقم: ١٥٢٤).\n(^٦) نسب هذا القول إلى أبي حنيفة أيضًا محمد أبو زهرة في كتابه «أبو حنيفة» (ص/٣٢٧).","vol":"2","page":687},{"text":"فخرُ الإسلامِ البزدويُّ الحنفيُّ عدمَ اعتمادِ الأحنافِ هذا الخبَرَ بأنَّه مُخالفٌ للقواعدِ والأصول» (^١).\nوالحديث لم يَتفرَّد به أبو هريرة -كما أوهمه (الكرديِّ) في مَعرض كلامِه- بل رواه معه ابن عمر، وأنس، وعمرو بن عوف، وأفتى بمُوجِبه ابن مسعود وأبو هريرة، ولا مُخالف لهؤلاء مِن الصَّحابة، وقال به مِن التَّابعين ومَن بعدهم مَن لا يُحصى عددًا، وبظاهرِه أخَذَ جمهور الفقهاء (^٢).\nثمَّ الأحناف أنفسُهم لم يتَّفقوا على تركِ العَملِ به، فقد أخَذَ به زُفَر، وأبو يوسف في روايةٍ (^٣).\nوما أُثِر عن أبي حنيفةَ تركُه لهذا لحديث، فهو مِن جهة العَمل بظاهِرِه لا غير، وقد حكى ابن عبد البرِّ عن بعضِ أصحابِه أنَّ مُستند تركِه العمَلَ به كونُه مَنسوخًا (^٤)، والقول بنسخ الخبر فرع تصحيحِه.\nيؤكِّد هذا قول الطَّحاويِّ: «ذَهبوا -يعني الحَنفيَّة- إلى أنَّ ما رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ في ذلك مَنسوخٌ، فرُوِي عنهم هذا الكلام مُجمَلًا، ثمَّ اختُلِف عنهم مِن بَعدُ في الَّذي نَسَخَ ذلك ما هو ..» (^٥)؛ والله أعلم.\nالحديث الخامس:\nأخرجَ الشَّيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن أدركَ مالَه بعَيْنِه عند رجلٍ -أو إنسانٍ- قد أفلَسَ فهو أحَقُّ به مِن غيره» (^٦).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٥٦).\n(^٢) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٦)، وما نُقل في «العُتبية» عن مالكٍ ردَّ هذا الحديث قد أنكره عنه ابن عبد البرِّ في «التمهيد» (١٨/ ٢٠٣) قال: «هذه رواية منكرة، والصحيح عن مالك ما رواه ابن القاسم»، يعني أخذه بحديث المصراة.\n(^٣) انظر «فتح القدير» لابن الهمام (٦/ ٤٠٠)، و«البحر الرائق» لابن نجيم (٦/ ٥١).\n(^٤) «التمهيد» لابن عبد البر (١٨/ ٢٠١).\n(^٥) «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٤/ ١٩).\n(^٦) أخرجه البخاري في (ك: الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب: إذا وجد ماله عند مفلس في البيع، والقرض والوديعة فهو أحق به، برقم: ٢٢٧٢)، ومسلم في (ك: المساقاة، باب: باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس فله الرجوع فيه، برقم: ١٥٥٩).","vol":"2","page":688},{"text":"قال الكرديُّ: «ورَدَّ أبو حنيفة الحديث المَرويَّ عن أبي هريرة وحدِه، أنَّ رسول الله ﷺ قال ..» وذكر الحديث (^١)؛ وتَبِعه على هذه الدَّعوى (جمال البنَّا) (^٢).\nولم يَرِدْ عن أبي حنيفةَ التَّنصيصُ على ردِّ الحديث، إنَّما الوارد عنه وأصحابِه تأويلُه، وذلك أنَّ الحديث عندهم يحتملُ مَعْنَيين:\nالمعنى الأوَّل: أن يكون استردادُ هذا المالِ بعد أن انتقلت مِلكيَّتُه إلى الَّذي أفلسَ بعدُ؛ فهذا المعنى مَردودٌ عندهم، لأنَّها لم تَعُد في مِلكيِّة البائعِ حتَّى يَحِقَّ له استرجاعُها بعَيْنِها.\nوالمعنى الثَّاني: أنَّ المُفلِسَ لم يَتَملَّك ذلك المالَ أصلًا، فقد جاء فيه قوله: «.. فأصابَ رجلٌ مالَه بعينِه»، وإنَّما مالُه بعينِه يَقعُ على المَغصوبِ والعَواري والوَدائع وما أشبه ذلك، فذلك مالُه بعينِه، فهو أحقُّ به مِن سائرِ الغُرمَاء؛ أمَّا المَبيع: فلم يَبقَ بالبيعِ مِن أموالِه حقيقةً! وكان حملُ الكلامِ على الحقيقةِ أولى (^٣).\nوهذا المعنى هو المُراد عند الحَنفيَّةِ مِن حديثِ أبي هريرة ﵁، توفيقًا منهم بينه وقواعدِ الباب وباقي الآثارِ فيه (^٤)؛ فبانَ بذا بأنَّهم يُصحِّحون الحديثَ بدليلِ تأويلِه.\n_________\n(^١) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٥٤).\n(^٢) «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٦).\n(^٣) وهو ما ذهب إليه محمَّد بن الحسن -أحدُ صاحِبَي أبي حنيفة- في كتابه «الحجَّة على أهل المدينة» (٢/ ٧١٦)، وانظر «شرح معاني الآثار» للطحاوي (٤/ ١٦٥)، و«الغرَّة المنيفة» لأبي حفص الغزنوي (ص/٩٩).\n(^٤) مِن الأحاديث التي يحتجون بها في هذا الباب مما يعضد المعنى الثاني للحديث دون الأول: ما ذكره البدر العيني في «البناية شرح الهداية» (١١/ ١٢٨) قال:\n«أبو هريرة ﵁ رَوى أيضًا عن النَّبي ﷺ قال: «أيُّما رجل باع سلعةً فأدركها عند رجل قد أفلس فهو ماله بين غرمائه»، أخرجه الدارقطني، فاختلفت الرِّواية، وذلك يوجب وهنًا في الحديث على ما عُرف.\nفإن قلتَ: في إسناده ابن عيَّاش، وهو ضعيف! قلتُ: قد وثَّقه أحمد، وقد احتج بالحديث الخصَّاف والرَّازي.\nفإن قلتَ: قال الدَّارقطني: لا يثبت هذا الحديث عن الزُّهري مسندا، وإنما هو مرسل! قلتُ: المرسل عندنا حجَّة».","vol":"2","page":689},{"text":"بيدَ أنَّ المعنى الأوَّل الَّذي استبعدوه، قد جاء التَّأكيد عليه في ألفاظٍ أخرى صحيحةٍ للحديث ورَدَ فيها لفظ (البيعِ) صراحةً، بمعنى أنَّ المَتاعَ خَرَج مِن البائع إلى مُلكِ المُشتري الغارِم حَقيقةً، فأذِنَ النَّبي ﷺ للبائِع أن يُعيدَ تملُّكَه بعينِه إذا أفلَس المُشتَرِي، كما في قوله ﷺ مثلًا: «أيمُّا رجلٍ باعَ مَتاعًا، فأفلسَ الَّذي ابتاعَه منه، ولم يَقبِض الَّذي باعَه مِن ثمنِه شيئًا، فوَجَده بعينِه، فهو أحقُّ به» (^١).\nوظنِّي بأبي حنيفةَ أن لو وقفَ على مثلِ هذه الرِّواياتِ الصَّحيحِة سندًا، والصَّريحة دلالةً على هذا المعنى، لتَركَ قولَه الآخر، ولأذعَنَ لسنَّةِ نَّبيِّه ﷺ دونما تَردُّدٍ؛ وهذا عينُ ما ظنَّه الطَّحاويُّ بإمامِه؛ فبعد أن رَجعَ الطَّحاويُّ عن القولِ بمَذهبِ إمامِه أبي حنيفةَ في هذه المسألة، قال في تقريرٍ له يَصلُح مثالًا لحُسنِ التَّجرُّدِ للحقِّ وتركِ التَّعصُّب للأشياخِ:\n«.. وقد كُنَّا نقول في هذا الحديث: إنَّ قول رسول الله ﷺ فيه: «.. فوَجَد رجلٌ مالَه بعينِه»: أنَّ ذلك قد يحتملُ أن يكون أُريدَ به الودائعُ والعَواري، وأشباههما الَّتي مَلَك واجِدِها قائمٌ فيها، ليست الأشياء المَبيعات الَّتي ليست لواجدِها حينئذٍ، وإنَّما هي أشياء قد كانت له، فزالَ مُلكه عنها، كما يقول أبو حنيفة وأصحابه في ذلك.\nوقد كان بعض النَّاس مِمَّن يذهب في ذلك مَذهب مالك ومَن تابعه، على قولِه في ذلك، يحتجُّ علينا في ذلك (^٢)، وكُنَّا لا نرى ذلك حُجَّةً له علينا في خلافِنا إيَّاه الَّذي ذَكرنا، لانقطاعِ هذا الحديث ..».\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في «سننه» (ك: البيوع، باب: في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده، برقم: ٣٥٢٢)، والدارقطني في «سننه» (برقم: ٢٩٠٢)، والبيهقي في «سنن الكبرى» (٦/ ٧٨ - ٧٩)، وصحَّحه ابن التُّركماني في «الجوهر النقي» (٦/ ٤٧)، والألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ٢٧٢).\n(^٢) وذكَرَ الحديثَ بلفظه الآخر: «أيُّما رجلٍ باعَ متاعًا ..».","vol":"2","page":690},{"text":"ثمَّ أقرَّ بأنَّه استدرَكَ على ما كان قاله آنفًا، بما حُدِّث به مِن هذا الحديثِ مَوصولًا مِن الثِّقاتِ، فقال: «.. فقَوِيَ بذلك هذا الحديث في قلوبِنا، لمَّا اتصَّل لنا إسناده عن رسولِ الله ﷺ كما قد ذَكرنا .. فلم يَسَع عندنا خِلافُ هذا الحديث لمِن بَلَغه، ووَقَف عليه مِن هذه الوجوهِ المَقبولةِ خلافه، ورجعنا في هذه المعاني المَرويَّة فيه إلى ما كان مالِكٌ يقولُه فيها، وعَذَرنا مَن خالَفَها في خلافِه إيَّاها، إنمَّا كان ذلك منه لأنَّها لم تَتَّصل به هذا الاتِّصال، ولو اتَّصَلَت به هذا الاتِّصال، وقامَت عنده كمِثلِ ما قامت عندنا: لمَا خالَفَها، ولرَجَع إليها وقال بها» (^١).\nالحديث السادس:\nأخرج البخاريُّ عن أبي جحيفة قال: قلت لعليٍّ ﵁: هل عندكم شيءٌ مِن الوَحيِ إلَّا ما في كتابِ الله؟ قال: «لا والَّذي فَلَق الحَبَّة، وبَرَأ النَّسمة، ما أعلمُه إلَّا فهمًا يُعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصَّحيفة»، قلتُ: وما في الصَّحيفة؟ قال: «العَقل، وفكاكُ الأَسِير، وأنْ لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ» (^٢).\nقال (محمَّد الغزاليُّ): «أبو حنيفة يَرى أن مَن قاتَلَنا مِن أفرادِ الكُفَّار قاتلناه، فإنْ قُتل فإلى حيث ألْقَت، أمَّا مَن له ذِمَّة وعهدٌ، فقاتِلُه يُقتَصُّ منه، ومِن ثَمَّ رَفَضَ حديثَ: «لا يُقتَل مسلمٌ في كافر»، مع صِحَّةِ سندِه، لأنَّ المَتن مَعلول بمخالفتِه للنَّصِ القرآنيِّ» (^٣).\nقلت: لم يَرفُض أبو حنيفة هذا الحديث، ولا أعَلَّ متنَه بمخالفةِ القرآن كما ادَّعى الغَزاليُّ؛ وإنَّما حملَه أبو حنيفة وأصحابُه على السِّياقِ الآخر لحديث عليٍّ ﵁: «.. لا يُقتَل مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهدِه» (^٤)، فإنَّ هذه الرِّواية\n_________\n(^١) «شرح مشكل الآثار» (١٢/ ١٧ - ١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الديات، باب: لا يقتل مسلم بكافر، رقم: ٦٩١٥).\n(^٣) «السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٤ - ٢٥).\n(^٤) أخرجه أبو داود في (ك: الديات، باب: باب أيقاد المسلم بالكافر، رقم:٤٥٣٠)، والنسائي في (ك: القسامة، باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس، رقم: ٤٧٣٥) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":691},{"text":"أتَمُّ مِن الأولى، وهي عندهم على «التَّقديمِ والتَّأخيرِ في المعنى: أي لا يَقتل مؤمنٌ ولا ذو عهدٍ في عهدِه بكافرٍ؛ فيكون الكافر المُراد بذلك هو: الكافر غير ذي العَهد» (^١).\nفالمُراد -إذن- بالكافر: الحَربيُّ، لأنَّ الكافر عندهم متى أُطلِق، يَنصرِفُ إلى الحربيِّ عادةً وعُرْفًا، فصَرَفوا الحديث إليه، توفيقًا بينه وبين عمومات القرآن، وما يَروُونَه أيضًا مِن آثارٍ في هذا الباب، كحديث جابر ﵁: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ، وقال: أنا أَحَقُّ مَن وَفَى بِذِمَّتِهِ» (^٢).\nفهذه جملةُ الأحاديث المَشهورة الَّتي ادُّعِي على أبي حنيفةَ إنكارها، وهي في «الصَّحيحين» أو أحدِهما، قد لاحَت براءتُه عن دعوى إنكارِ متونها، ولله الحمد.\nالفرع الثَّاني: عدم صحة المَقولة المَنسوبة إلى أبي حنيفة في عرضِ الحديث على القرآن.\nولا يصحُّ استدلال المُعاصرين بما يُنسَب إلى أبي حنيفة في كتابِ «العالم والمُتعلِّم» مِن تقرير طويل في ضرورة عرضِ الأحاديثِ على القرآنِ، فإنَّ الكتابَ مَطعون النِّسبةِ إليه (^٣).\nومَعلومٌ تعظيم أبي حنيفة ﵁ للحديثٍ النَّبويِّ واحتجاجه به، بل «أصحاب أبي حنيفة مُجمعون على أنَّ مذهبَ أبي حنيفة أنَّ ضعيفَ الحديث عنده أوْلى مِن\n_________\n(^١) «شرح مشكل الآثار» للطحاوي (٣/ ٢٧٧).\n(^٢) «الحجة على أهل المدينة» لمحمد بن الحسن (٤/ ٣٣٩)، وانظر «بدائع الصنائع» للكاساني (٧/ ٢٣٧)، و«الاختيار لتعليل المختار» لأبي الفضل الحنفي (٥/ ٢٧)، و«فتح القدير» للكمال ابن الهمام (١٠/ ٢١٩).\n(^٣) ذكره النَّديم في «فهرسته» (ص/٢٥١) وحاجي خليفة في «كشف الظنون» (٢/ ١٤٣٧)، وقد درس محمد الخميس في كتابه «أصول الدِّين عند الإمام أبي حنيفة» (ص/١٤١) نسبته إلى الإمام أبي حنيفة، وخلُص إلى عدم ثبوته إسناديًا عنه، وإنَّما هي أمال وأقوال جُمعت ونسبت إليه فيما بعد لا تُدرى صحَّتها.\nومن ثمَّ يخطئ من يعتمد على الكتاب لنسبة مذهبٍ إلى أبي حنيفة، كما فعله علي الخضر في رسالته «الموازنة بين منهج الحنفية ومنهج المحدثين» (ص/٤٩٠ - ٤٩١).","vol":"2","page":692},{"text":"القياس والرَّأي! وعلى ذلك بَنى مَذهبَه؛ كما قَدَّم حديثَ القهقهةِ -مع ضعفِه- على القياسِ والرَّأي» (^١)؛ وإن كان قد خولِف مِن الجمهور في منعِه تخصيصَ الآحادِ لعامِّ القرآن، لاعتبارِه إيَّاه نسخًا، والظَّني عنده لا ينسخ القطعيَّ (^٢).\nوأمَّا تلك القواعد الَّتي يوردها بعض الحنفيَّة فهي مِن اختراعِ عيسى بن أبان (ت ٢٢١ هـ) (^٣)، فهو مَن أصَلَّ لوجوبِ عرضِ الصِّحاحِ على القرآن (^٤)، وأنَّه يُردُّ منها فيما تَعُمُّ به البَلوى، وقام باستخلاصِ ما يُؤيِّد ذلك مِن بعضِ فتاوى أبي حنيفة وصَاحِبَيه أبي يوسف ومحمَّد الشَّيباني، «وهو كذِبٌ عليه، وعلى أبي يوسف ومحمَّد، فلم يَقُل ذلك أحدٌ منهم البتَّة» (^٥)؛ ومع ذلك اغترَّ بها بعض الحنفيَّة كأبي الحسن الكرخي (^٦).\nوبهذا نكون قد أنهينا ما يَتعلَّق بأبي حنيفة؛ وعلى نفسِ هذا المَهيعِ نمشي في تفحُّصِ ما نُسب إلى مالكٍ من الطَّعنِ في بعض أحاديث «الصَّحيحين»، فنقول:\n_________\n(^١) «إعلام الموقعين» (١/ ٦١).\n(^٢) انظر تفصيل الأدلة الفريقين في «إرشاد الفحول» للشوكاني (١/ ٣٨٧).\n(^٣) عيسى بن أبان بن صدقة، قاض من كبار الحنفية، كان عفيفا، وسريعا بإنفاذ الحكم، وولي القضاء بالبصرة عشر سنين، من كتبه (إثبات القياس) و(الجامع في الفقه)، توفي سنة (٢٢١ هـ)، انظر «الجواهر المضية» (١/ ١٠٤).\n(^٤) انظر «المعتمد» لأبي الحسين البصري (١/ ١٥٤).\n(^٥) «مختصر الصواعق المرسلة» لابن القيم (ص/٦٠٧).\n(^٦) انظر «المبسوط» للسرخسي (١/ ٣٦٤ - ٣٦٧) و«كشف الأسرار» للعلاء البخاري (٣/ ٨).","vol":"2","page":693},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المَطلب الثَّاني\nدراسة ما أعلَّه مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) وهو في «الصَّحيحين»</span>\nالحديث الأوَّل:\nروى الشَّيخان من طريقِ مالكٍ نفسِه، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعًا» (^١).\nفقد نقلَ (الكرديُّ) (^٢) و(جمال البنَّا) (^٣) عن أبي إسحاق الشَّاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ردَّ مالكٍ لهذا الحديث (^٤)؛ وذلك أنَّ تلميذه ابنُ القاسم (ت ١٩١ هـ) سُئِل عنه: «هل كان يَقول بغسلِ الإناءِ سبعَ مرَّاتٍ إذا وَلغ الكلبُ في الإناءِ في اللَّبن وفي الماء؟ فقال: قال مالك: قد جاء هذا الحديث، وما أدري ما حقيقتُه، قال: وكأنَّه كان يَرى أنَّ الكلبَ كأنَّه مِن أهلِ البيتِ، وليس كغيرِه من السِّباع.\nوكان يقول: إن كان يُغسَل ففي الماء وحده، وكان يُضعِّفه ..» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الوضوء، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، برقم: ١٧٢)، ومسلم في (ك: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب، برقم: ٢٧٩).\n(^٢) «تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٥٧).\n(^٣) «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٧).\n(^٤) «الموافقات» للشاطبي (٣/ ١٩٦).\n(^٥) «المدونة» (١/ ١١٥).","vol":"2","page":694},{"text":"قلت: ليس في كلامِ ابنِ القاسم رَدُّ مَالكٍ للحديث، بل الثَّابت عنه كما في بعض الرِّواياتٍ تصحيحُه إيَّاه؛ إنَّما الخلاف عن مالكٍ في وجه تأويلِه، لِما في ظاهره من إشكال على بعض الأصول.\nومردُّ ذلك: إلى أنَّ الحديث دَلَّ على وجوبِ غسلِ الإناء مِن ولوغِ الكلبِ فيه، ومُقتضى هذا أنَّ لُعابَه نَجسٌ، والقرآن دَلَّ على حِلِّ صيدِ الكلبِ، بدون غسلِ موضعِ العَضِّ، مع أنَّ لُعابَه مُختلطٌ بالحيوان المَصِيد، ومُقتضى هذا أنَّ لُعابَ الكلب طاهرٌ.\nوقد نَصَّ مالكٌ على هذا السَّببِ بقوله: «لا أدري ما حقيقته .. يُؤكل صيدُه، فكيف يُكرَه لعابُه؟» (^١).\nمن هنا جاءت رواية ابن القاسمِ عنه بطهارةِ سُؤرِ الكلبِ، ممَّا يعني أنَّ الحكم الَّذي لم يَأخُذ به مالكٌ مِن الحديث: هو نجاسة الكلب فقط -على المَشهورِ مِن قولِه- لا أنَّه ينكر الحديث؛ بل يأخذ بالغسلِ فيه على وجهِ الاستحبابِ، وأمَّا الأمرُ بعَددِ الغَسلاتِ فتَعَبدٌّ مَحضٌ عنده لا لعِلَّة (^٢).\nيقول ابن رُشد الجدُّ: «واختَلَف قول مالك في الحديثِ الواردِ في الكلب، فمرَّةً حملَه على عمومِه في جميعِ الكلابِ، ومرَّةً رآه في الكلبِ الَّذي لم يُؤذن في اتِّخاذه، وتفرقة ابن الماجشون بين البدَوِيِّ والحضريِّ قولٌ ثالث» (^٣).\nفيظهر جليًّا مِن أقوالِ مالكٍ وأصحابِه خُلوُّها مِن إنكارِ الحديثِ (^٤)، والاختلاف بينهم كامن في تحديدِ المسلكِ الأرجحِ لدَفعِ ما يبدو مِن تعارضٍ بينه وبين آية صيدِ الكلب، وهذا -لا شكَّ- فرعٌ عن قولِهم بصحَّتِه.\n_________\n(^١) «المدونة» (١/ ١١٦).\n(^٢) يقول ابن عبد البر في «الاستذكار» (١/ ٢٠٦): «مذهب مالك عند أصحابه اليوم: أنَّ الكلب طاهر، وأنَّ الإناء يُغسل منه سبعًا عبادةً، ولا يُهرق شيء مما ولغ فيه غير الماء وحده، ليسارة مئونته».\n(^٣) «المقدمات الممهدات» (١/ ٨٩)، وانظر «الجامع» لابن يونس الصقلي (١/ ٨٧).\n(^٤) وقد نقل الخلاف في هذه المسألة عن مالك أيضًا: القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) في كتابه «الطهور» (ص/٢٧٠) ولم يذكر عنه قولًا بتضعيفِ الحديث فيها.","vol":"2","page":695},{"text":"لكن يبقى الإشكالُ فيما نقله ابن القاسم عن مالكٍ قوله عنه: «.. وكان يُضعِّفه»! وبها تَشبَّث مَن نَسبَ إلى مالكٍ طعنَه في الحديث؛ ومن يُقلِّب كُتَب مُحقِّقي المالكيَّة، يجدُ جمهورَهم يَدفعون هذا المعنى المُتبادَر إلى بعضِ الأذهانِ أن يكون مُرادًا لإمامِهم.\nترى مثالَ هذا الدَّفعِ في قولِ القاضي عِياض (ت ٥٤٤ هـ): «الأشبهُ عندي أنْ يُريدَ به الوجوبَ، كما نَحا إليه القَابِسيُّ، ويدلُّ عليه: تخصيصُه (الماءَ) بذلك، وأنَّه أعْظَمَ إراقةَ الطَّعامِ؛ ولا حُجَّة لمِن قالَ: إنَّه ضَعَّف الحديثَ بقوله: «ولا أدري ما حَقيقتُه»، فليسَ في هذا ما يَرُدُّه، ولعلَّ المُراد: ما حقيقةُ مَعناه، وحكمةُ الله في هذه العبادة» (^١).\nوأبو عمران الفاسيَّ (ت ٤٣٠ هـ) (^٢) وإن نَحى إلى احتمالِ قصدِ مالكٍ بتلك العبارة تضعيفَ الحديث حقيقةً (^٣)، فقد تَعقَّبَه ابنُ رشدٍ الجدُّ (ت ٥٢٠ هـ) في هذا الاحتمالِ وأبطله (^٤).\nوالصَّحيحُ أنَّ سَبَب تركِ مالكٍ للأخذِ بظاهرِ هذا الخبرِ راجعٌ لِما تَقرَّر عنده مِن طهارةِ لُعابِ الكلبِ في ظاهرِ القرآن (^٥)، لكن لم يُختلَف عنه أنَّه يقول بمَشروعيَّةِ غسلِ إناءِ الماءِ لهذا الحديثِ بالذَّاتِ (^٦) -كما أشرنا إليه- وهو عنده للنَّدبِ، لاعتبارِه مخالفةَ ظاهرِه للأصلِ القرآنيِّ، فكان بمثابةِ الصَّارِف للأمرِ مِن الوُجوب إلى الاستحبابِ.\n_________\n(^١) «التنبيهات المستنبطة» للقاضي عياض السبتي (١/ ٣٨ - ٤٠).\n(^٢) ولعله أول من جعل احتمال تقصد تضعيف مالكٍ للحديث احتمالًا واردًا على كلامه فيما وقفتُ عليه، كما في «الجامع لمسائل المدونة (١/ ٨٥) لابن يونس، وهو من أعلام فقهاء المالكية في المغرب، انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٧/ ٥٤٥)، و«الصِّلة» لابن بشكوال (١/ ٥٧٧).\n(^٣) كما نقله عنه ابن يونس في «الجامع لمسائل المدونة» (١/ ٨٦).\n(^٤) «المقدِّمات الممهِّدات» لابن رشد (١/ ٩١)، وقد ذكر احتمال تضعيف مالك الحديث غيره من أعلامِ المذهب، لكن أبطلوه، كخويز منداد في «الجامع» لابن يونس (١/ ٨٥)، والباجي في «المنتقى» (١/ ٧٣)، وأبي بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» (٣/ ٤٤٣).\n(^٥) «الموافقات» (٣/ ٢١).\n(^٦) انظر «المنتقى» للباجي (١/ ٧٣).","vol":"2","page":696},{"text":"وفي تقريرِ هذا الموقف من مالكٍ، يقول أبو العبَّاس اليَزْلِيتي -المشهور بِحْلُولو- (تبعد ٨٩٥ هـ): «أمَّا مسألة الولوغ: فلم يُسقِط فيه العملَ بالخبرِ، بل حَمَل الأمرَ فيه على النَّدبِ، لمُعارضته للقياس (^١)، فهو مِن بابِ الجمعِ بين الدَّليلين، لا مِن بابِ تقديمِ القِياس» (^٢).\nالحديث الثَّاني:\nأخرج الشَّيخان مِن حديثِ ابن عمر ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «المُتبَايِعانِ كلُّ واحدٍ منهما بالخيار على صاحبِه، ما لم يَتفرَّقا، إلَّا بيع الخِيار» (^٣).\nفينقُل ابن القاسم عن شيخِه مَالك قوله: «البَيعُ كلامٌ، فإذا أَوْجَبا البيعَ بالكلامِ، وَجَبَ البيع، ولم يكُن لأحدِهما أن يَمتنعَ ممَّا قد لَزِمه» (^٤).\nوبيان المُخالفة عند مالكٍ في هذا: مَنعُ تَعليقِ البيعِ على الجهالةٍ، وهذا الحديث قد أثبتَ خيارَ المجلسِ، والمَجلسُ مَجهولُ المدَّةِ مِن وجهةِ نَظرِ مالكٍ، وعليه قال عَقِب الحديث: «ليسَ لهذا عندنا حَدٌّ مَعروف، ولا أمرٌ مَعمولٌ به فيه» (^٥).\nيقول الشَّاطبي في شرحِ هذا عن مالكٍ: «.. إشارةٌ إلى أنَّ المجلس مَجهول المدَّة، ولو شرَطَ أحدٌ الخيارَ مُدَّةً مجهولةً لبطَلَ إجماعًا؛ فكيف يَثبتُ\n_________\n(^١) المقصود بالقياس هنا: القواعد والأصول المقررة شرعًا، لا القياس بمفهومه الأصوليِّ، وهو إطلاق مستعمل عند كثير من العلماء، انظر «أصول فقه الإمام مالك - أدلته النقلية» لعبد الرحمن الشعلان (٢/ ٧٩٣).\n(^٢) «التوضيح في شرح التنقيح» لحلولو (ص/٣٣٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في عدة مواضع من «صحيحه»، منها في (ك: البيوع، باب: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، برقم: ٢١١١)، ومسلم في (ك: البيوع، باب: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، برقم: ١٥٣١).\n(^٤) «المدونة» (٣/ ٢٢٢)، وانظر «الموطَّأ» (ك: البيوع، باب: بيع الخيار، ٢/ ٦٧١).\n(^٥) «المدونة» (٣/ ٢٢٢)، وانظر «الموطَّأ» (ك: البيوع، باب: بيع الخيار، ٢/ ٦٧١).","vol":"2","page":697},{"text":"بالشَّرعِ حكمٌ لا يجوز شرطًا بالشَّرع؟ (^١) فقد رَجَع إلى أصلٍ إجماعيٍّ؛ وأيضًا فإنَّ قاعدةَ الغَرَر والجهالةِ قطعيَّة، وهي تُعارض هذا الحديث الظَّنيَّ» (^٢).\nفتوهَّمَ (الكرديُّ) و(جمال البنَّا) (^٣) مِن هذا الكلامِ للشَّاطبيِّ، أنَّ مالكًا طَعَنَ في صِحَّةِ هذا الحديثِ! وليس في عبارة الشَّاطِبيِّ ما يُفيد ذلك، «إنَّما أرادَ به أنَّه لو كان هذا أمرًا مَعمولًا به، لتشاغل النَّاس بتحديدِ هذا المجلسِ، وتوقيتِ لزومِ البَيعِ» (^٤).\nوالغلَط على مالكٍ في هذا الحديث قَديم، بَلَغ بابنِ أبي ذئبٍ (ت ١٥٨ هـ) أن قال في مالكٍ حين بلغه تركه له: «يُستَتَاب، وإلَّا ضُربِت عُنُقه!»؛ فتصدَّى له أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) بقوله: «مَالكٌ لم يُرِد الحديثَ، ولكنْ تَأوَّلَه على غير ذلك» (^٥).\nهذا؛ وليس في أصحابِ مالكٍ مَن يطعنُ في ثبوتِ الحديث، ومُحصَّل مُدافعاتهم لظاهرِه لا يخرجُ عن مَسْلَكين: إمَّا القول بنسخِه (^٦)، أو تأويله على مَعنى الافتراقِ بالأقوالِ، وأنَّ المُتَبايِعين فيه بمَعنى المُتسَاوِمَين (^٧).\n_________\n(^١) هذا النص اقتبسه الشاطبي إلى هنا من كلام ابن العربي في كتابه «القبس» (ص/٨٤٥).\n(^٢) «الموافقات» (٣/ ١٩٧).\nومِن أظهرِ الأدلَّة الَّتي تحول دون العمل بالحديث عند المالكيَّة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والعقد هو الإيجاب والقبول، والأمر على الوجوب، وخيار المجلسِ يوجب ترك الوفاءِ بالعقدِ، لأنَّ له عندهم أن يرجعَ في البيعِ بعد ما أنعمَ ما لم يفترَّقا.\nوأمَّا القياس: فإنَّهم قالوا: عقدُ معاوضة، فلم يكن لخيارِ المجلسِ فيه أثرٌ، أصلُه سائرُ العقود، مثل النِّكاح، والكِتابة، والخلع، والرُّهون، والصُّلح على دم العَمد.\n(^٣) «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٧).\n(^٤) «شرح التلقين» للمازري (٢/ ٥٢٢).\n(^٥) «المعرفة والتاريخ» للفسوي (١/ ٦٨٦).\n(^٦) انظر «المقدمات الممهدات (٢/ ٩٦)، وأشار المازري في «شرح التَّلقين» (٢/ ٥٢١) أنَّ مالكًا أشار إلى هذه الطريقة في «الموطَّأ» (ك: البيوع، باب: بيع الخيار، ٢/ ٦٧١).\n(^٧) انظر «التنبيهات المستنبطة» للقاضي عياض (٣/ ١٢٦٣)، و«بداية المجتهد» (٣/ ١٨٨).","vol":"2","page":698},{"text":"يقول المَازَريُّ (ت ٥٣٦ هـ): «وقد سَلكَ أصحابُنا هاتين الطَّريقتين ..» (^١)، وكِلا المَسْلَكين فَرعٌ عن تَصحيحِهم للخَبر.\nعلى أنَّ المَازريَّ اجترَأَ على مخالفةِ أساطينِ مَذهبِه في موقفِهم مِن العملِ بظاهرِ الحديث، فكان يقول: «الإنصافُ يَمنع مِن أن يكون تَركُ حكمِ مَسألةٍ مِن النَّبيِّ ﷺ مِن كلامٍ أورَده مُختصًّا بها، مُعلَّقًا حُكمُها مِن كلامٍ آخرَ قصدُه بيانُ مَعانٍ أُخَرَ لا تدخل هذه المسألة فيها إلَاّ بحكمِ العَرض، أو الاتِّفاقِ، أو دعوى عمومٍ بَعُدَ ادِّعاؤُه، وجميعُ ما أوردناه عن أصحابِ هذه الطَّريقة هذا شأنُهم فيه» (^٢).\n\nوأَفْيَدُ منه موقف ابنِ رشدٍ الحفيد (ت ٥٢٠ هـ) من تركِ أئمَّته للعمل بظاهر هذا الحديث، حيث قال: «أمَّا أصحابُ مالكٍ، فاعتمدوا في ذلك على ظواهر سَمعيَّة، وعلى القياس؛ فلمَّا قيل لهم: إنَّ الظَّواهر الَّتي تَحتجُّون بها يُخصِّصها الحديث المذكور، فلم يبقَ لكم في مقابلةِ الحديثِ إلَّا القياس، فيلزَمُكم على هذا أن تكونوا مِمَّن يَرى تغليبَ القياسِ على الأثَر، وذلك مَذهبٌ مَهجورٌ عند المَالكيَّة ..؛ فأجابوا عن ذلك: بأنَّ هذا ليس مِن بابِ رَدِّ الحديثِ بالقياسِ ولا تَغليبٍ، وإنَّما هو مِن بابِ تأويلِه وصَرفِه عن ظاهرِه» (^٣).\nالحديث الثَّالث:\nأخرج الشَّيخان مِن حديث عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَن ماتَ وعليه صيامٌ، صامَ عنه وَلِيُّه» (^٤).\n_________\n(^١) «شرح التَّلقين» للمازري (٢/ ٥٢١)\n(^٢) «شرح التلقين» (٢/ ٥٢٤).\n(^٣) «بداية المجتهد» لابن رشد الحفيد (٣/ ١٨٨).\n(^٤) أخرجه البخاري في (ك: الصوم، باب: من مات وعليه صوم، برقم: ١٩٥٢)، ومسلم (ك: الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت، برقم: ١١٤٧).","vol":"2","page":699},{"text":"وأخرج مسلم من حديث ابن عبَّاس ﵁، أنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ أُمِّي ماتَت، وعليها صومُ شهرٍ، أفَأقضِيه عنها؟ فقال: «لو كانَ على أَمِّك دَيْنٌ، أكُنتَ قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدَيْنُ الله أحَقُّ أن يُقضَى» (^١).\nفهذان -كالحديثِ السَّابق- تَوَهَّم (الكرديُّ) (^٢) و(جمال البنَّا) (^٣) مِن كلامٍ للشَّاطبي (^٤) أنَّ مالكًا يُعِلُّهما، لمنافاتِهما للأصلِ القرآنيِّ الكُليِّ: ﴿أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨].\nوبالرُّجوعِ إلى كلامِ مالكٍ نفسِه، نجده يذكر في هذا الباب بَلاغًا عن ابنِ عمر ﵁ سُئِل فيه: هل يَصوم أحَدٌ عن أحَدٍ، أو يُصَلِّي أحَدٌ عن أحَدٍ؟ فقال: «لا يَصومُ أحَدٌ عن أحَدٍ، ولا يُصلِّي أحَدٌ عن أحدٍ» (^٥)؛ فقال مَالك: «وَهذا أمرٌ مُجتَمع عليه عندنا» (^٦).\nفأين ذِكرُ حديثِ عائشة أو ابن عبَّاسٍ في كلامِ مالكٍ؟! غايةُ ما في النَّص\n_________\n(^١) رواه مسلم في (ك: الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم: ١١٤٨).\n(^٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٥٨).\n(^٣) «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٨)، وزاد البنَّا أنَّ أحمد بن حنبل استنكره أيضًا، ونقل ذلك عن الذَّهبي في «أعلام النبلاء» (٦/ ١٠) قال: «.. وقد قال أحمد بن حنبل مرَّة -يعني في عبيد الله بن أبي جعفر راوي حديث عائشة هذا-: ليس بالقوي، واستنكر له حديثًا ثابتًا في (الصَّحيحين) في مَن مات وعليه صوم، صام عنه وليه» اهـ.\nقلت: عبيد الله بن أبي جعفر جمهور النُّقاد على توثيقه، وأحمد نفسُه ورد عنه توثيقه كما في «العلل ومعرفة الرجال» برواية المروذي (١/ ٦٤).\nأما عن نسبة استنكار الحديث إلى أحمد فهي غريبة! والمعروف عن أحمد تصحيحه إيَّاه كما في «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ١٤٦٣)، على أنه قد صرفه عن إطلاقه إلى صوم النذر كما نقله عنه أبو داود في «السنن» (٢/ ٣١٥) وغيره.\n(^٤) «الموافقات» للشاطبي (٣/ ١٩٨).\n(^٥) «الموطأ» برواية يحيى الليثي (ص/٣٠٣).\n(^٦) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٩/ ٢٧).","vol":"2","page":700},{"text":"مَنعُ الصِّيامِ عن الميِّت بدلالةِ الأصلِ القرآنيِّ العامِّ، مُستصحِبًا إجماعَ أهلِ المدينةِ على أنَّه لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، ولا يَصوم أحَدٌ عن أحَدٍ (^١).\nفأمَّا نقلُ مالكٍ لهذا الإجماعِ: فنقرُّ بكونه الأصلَ في هذا الباب؛ إنَّما مَحلُّ الخلاف في بعضِ الحالاتِ الَّتي ورَد استثناؤها بالنَّص!\nكما قال ابن عبد البرِّ: «.. أمَّا الصَّلاة: فإجماعٌ مِن العلماء أنَّه لا يُصلي أحَدٌ عن أحدٍ فرضًا عليه مِن الصَّلاة ولا سُنَّة ولا تَطوُّعًا، لا عن حَيٍّ ولا عن ميِّت، وكذلك الصِّيام عن الحيِّ، لا يُجزِئ صومُ أحدٍ في حياتِه عن أحَدٍ، وهذا كلُّه إجماعٌ لا خلاف فيه؛ وأمَّا مَن ماتَ وعليه صيامٌ: فهذا مَوضع اختلف فيه العلماء قديمًا وحديثًا ..» (^٢).\nثمَّ قولُ مالكٍ بعد بلاغِه عن ابن عمر: «ولم أسمع أنَّ أحدًا من أصحابِ رسول الله ﷺ ولا مِن التَّابعين بالمدينة أنَّ أحدًا منهم أمر أحدًا قطُّ يصوم عن أحدٍ، ولا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، وإنَّما يفعل ذلك كلُّ إنسانٍ لنفسِه، ولا يَتأدَّى مِن أحدٍ» (^٣).\nفليس في هذا الكلامِ ما يدلُّ على أنَّ إجماعَ أهل المدينةِ واقعٌ على تركِ حديثِ عائشة بخصوصِه -كما فهِمَه بعضُ المالكيَّة (^٤) - إنَّما هذا من مالكٍ توكيدٌ لأصلِه السَّالف: «لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ ..».\nفمالكٌ نَفَى عِلمَه أنَّ أحَدًا مِن سَلَفِ المدينةِ قال بمَشروعيَّة الصِّيام عن المَيِّت، وعدمُ علمِ مالكٍ بذلك لا يَستلزم نفيَ القائل به في الواقع، فقد ورد عن سعيد بن المُسَيِّب، وهو أحد فقهاء المدينة السَّبعة (^٥)!\n_________\n(^١) ذكر الطاهر ابن عاشور في «كشف المغطى» (ص/١٦٨) أنه نُقل عن مالك قال: «ما سمعت أحدًا من الصحابة والتابعين بالمدينة أفتى بما روته عائشة وابن عباس»، ولم أجد هذا القول في المصادر الأصلية لأقول مالك وأصحابه بعد بحثي فيها.\n(^٢) «الاستذكار» (٣/ ٣٤٠).\n(^٣) «الموطأ» لمالك برواية أبي مصعب الزهري (١/ ٣٢٣)، ورواية القعنبي (برقم: ٥٢٤).\n(^٤) انظر «المفهم» لأبي العباس القرطبي (٣/ ٢٠٩).\n(^٥) نقله عنه ابن حزم في «المحلى» (٤/ ٤٢٦)، وانظر «عمدة القاري» للعيني (١١/ ٥٩).","vol":"2","page":701},{"text":"ومثلُ هذا قد وقَع لمالكٍ في مَسائلٍ أخرى، حَكَم فيها بمُقتضى عدمِ بلوغِه مَن عَمِل بخبرِ ما؛ ويتَّضِح بعدُ بأنَّه قد قال بمُوجبه عَددٌ مِن الصَّحابةِ ومَن بعدهم، فيُتعَقَّب مالكٌ في ذلك (^١).\nالشَّاهد عندي مِن هذا: أنَّ هذا التَّصرُّف الأصوليَّ مِن مالكٍ لا يَقتضي بلوغَ حَدِيثَا عائشة وابن عبَّاس إليه مِن وجهٍ تقوم به الحُجَّة (^٢)؛ وهو ما مَال إليه الدَّاودي (ت ٣٠٧ هـ) في قوله: «لعلَّ مالكًا لم يبلُغه هذا الحديث، أو ضَعَّفه لما في سَنَدِه مِن الخلاف» (^٣).\nهذا الاحتمال إذن وارِدٌ عليه، لا يوجد ما يَقطع بخلافِه، وماَلكٌ على إمامتِه في السُّنَن لم يُحِط بكلِّ السُّنة، فكم مِن مَسألةٍ أفتى فيها بخلافِ حديثٍ لم يبلُغه، قد عُلِمت صِحَّتُه عند غيره (^٤).\nثمَّ على فَرضِ عِلمِ مالكٍ بهذين الحَديثين: فليس يَعني تكذيبَه لهما بحالٍ! فهؤلاء مِن بعده أصحابُه وأتباعُ مَذهبِه لم يَذهَب أحَدٌ منهم إلى مخالفةِ أهلِ\n_________\n(^١) من أمثلة ذلك -ممَّا هو قريبٌ جدًّا من مسألتِنا- ما تراه من تعقُّبِ بعضِ العلماء مالكًا في قوله: «لا يحجُّ أحدٌ عن أحدٍ»، قال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٥٨٥): «.. وفيها تُعقِّب على ما نُقل عن مالكٍ .. واحتجَّ بأنَّه لم يبلغه عن أحدٍ من أهلِ دارِ الهجرة منذ زمن رسول الله ﷺ أنَّه حجَّ عن أحدٍ، ولا أَمر به، ولا أذِن فيه، فيُقال لِمن قلَّد: قد بلَغ ذلك غيره، وهذا الزُّهري معدودٌ في فقهاءِ أهلِ المدينة ..».\nوكذا مثال رجوعه عن فتواه بعدم المسح على الخفين للمُقيم بدعوى عدم علمه بمن فعل ذلك من أهل العلم بالمدينة، ثم رجوعه عن تلك الفتوى بعد ثبوت من فعل ذلك منهم، انظر «البيان والتحصيل» (١/ ٨٤)، و«أصول فقه الإمام مالك - أدلته النقلية» (٢/ ٨٧٧ - ٨٧٩).\n(^٢) ويغلب على الظَّن أن لو بلغه ذلك من وجهٍ صحيح لكان ذكره ولم يقتصر في هذا الباب على بلاغ ابن عمر من قوله، كما ذكر حديث الخثعميَّة في جواز الحجِّ عن الوالدِ العاجز، ثم تركِه العملَ بظاهرِه، مع إخراجه له في «الموطأ» (١/ ٣٥٩)، وكذا حديث «البيِّعان بالخيار»، ليُنبِّه على أنَّ تركَه له كان عن علمٍ به، وأنَّه ترك العمل بظاهره لِما هو أرجح دلالةً منه.\n(^٣) «التوضيح» لابن الملقن (١٣/ ٣٨٨).\n(^٤) انظر بعض أمثلة ذلك في «المسالك» لابن العربي (٣/ ٥٣٧)، و«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٤/ ٣٩٨)، وشرح الزرقاني على «مختصر خليل» (٢/ ٥٠٢).","vol":"2","page":702},{"text":"الحديثِ في تَصحيحِه (^١)، بل أقوالُهم دائرةٌ فيه بين القولِ بنَسْخِه (^٢)، أو القولِ بتَأويلِه على ما يُوافق الأصول (^٣)؛ والله أعلم.\nالحديث الرَّابع:\nروى الشَّيخان من حديث رافع بن خديج ﵁ قال: «كُنَّا مع النَّبي ﷺ بذي الحليفة، فأصاب النَّاس جوعٌ، وأصَبْنا إِبِلًا وغَنمًا، وكان النَّبي ﷺ في أُخْرَيات النَّاس، فعَجَّلوا فنَصبوا القدور، فأمَرَ بالقدورِ فأُكفِئت» (^٤).\nفقد ذكَرَ (الكُرديُّ) (^٥) و(جمال البنَّا) (^٦) هذا الحديث في جملةِ ما ردَّه مالكٌ وهو في «الصَّحِيحين»، مُعتَمدين على قولِ الشَّاطبي: «أنكرَ مالكٌ حديثَ إكفاءِ القُدور الَّتي طُبِخت مِن الإبلِ والغَنم قبل القسمِ، تَعويلًا على أصلِ رَفعِ الحَرجِ، الَّذي يُعبَّر عنه بالمصالحِ المُرسلَة، فأجازَ أكلَ الطَّعام قبل القَسم لمِن احتاجَ إليه، قاله ابن العَربيُّ» (^٧).\nوعند الرُّجوعِ إلى كلامِ مالكٍ في المسألة، لا نجد له إنكارًا للحديث!\n_________\n(^١) يقول البيهقي كما في مختصر «الخلافيات» (٣/ ٧٠): «لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها» ا. هـ، ولذا فإني أرى أن ما جزمَ به د. الحسين ألحيَّان في كتابه «منهج الاستدلال بالسنة في المذهب المالكي» (٢/ ٨٦١) -تبعا للشاطبي في «الموافقات» (٣/ ٢٢) - من أن مالكًا ضعَّف حديث عائشة بالأصل القرآني الكلي غير دقيق.\n(^٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٤/ ١٠٠).\n(^٣) بحمله على أن يُفعل ما ينوب منابَ الصَّوم مِن الصَّدقة والدُّعاء، انظر «الذخيرة» للقرافي (٢/ ٥٢٤) و«المُفهم» للقرطبي (٣/ ٢٠٩)، وانظر «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» لعبد الوهاب البغدادي (١/ ٤٤٦)، و«إكمال المعلم» للقاضي عياض (٤/ ١٠٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (ك: الجهاد والسير، باب: ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم، برقم: ٢٩١٠)، ومسلم (ك: الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام، برقم:١٩٦٨).\n(^٥) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٥٨).\n(^٦) «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٨).\n(^٧) «الموافقات» (٣/ ١٩٨).","vol":"2","page":703},{"text":"ولا نَقل عنه تلاميذه شيئًا من ذلك، غايةُ ما في «الموَّطإ» تجويزُ الأكلِ مِن الغنيمةِ قبل القِسمة للجيشِ في دار الحرب، بقيْدِ الحاجةِ وبقدرِها.\nونصُّ كلامِ مالك قوله:\n«لا أرَى بأسًا أن يأكُل المسلمون إذا دَخلوا أرضَ العدوِّ مِن طعامهم ما وجدوا مِن ذلك كلِّه قبل أن يَقَع في المقاسم، وأنا أرَى الإِبلَ والبقرَ والغَنَم بمنزلةِ الطَّعام، يأكل منه المسلمون إذا دَخلوا أرضَ العَدوِّ، كما يأكلون مِن الطَّعام، ولو أنَّ ذلك لا يُؤكَل حتَّى يَحضُر النَّاس المَقاسم، ويُقسَم بينهم أضَرَّ ذلك بالجيوش، فلا أرى بأسًا بما أُكِل مِن ذلك كلِّه على وجهِ المَعروفِ، ولا أرَى أن يَدَّخِر أحدٌ من ذلك شيئًا يَرجع به إلى أهله» (^١).\nفأين ردُّ مالكٍ لحديثِ رافعٍ؟!\nوالَّذي يشهد لقولِ مالك في هذه التَّفصيل قولُ ابنِ عمر ﵁: «كُنَّا نُصِيبُ في مَغازِينا العسلَ والعنبَ، فنأكله ولا نَرفعُه» (^٢)؛ يقول ابن حجر: «أي ولا نحمِلُه على سَبيلِ الادِّخار، أو: ولا نَرفَعُه إلى مُتولِّي أمرَ الغنيمة، أو إلى النبَّي ﷺ، ولا نَستأذنه في أكلِه، اكتفاءً بما سَبَق منه مِن الإذن» (^٣).\nفهذا قولُ مالكٍ له وجهه القويُّ مِن جِهة النَّقلِ والتَّعليل، وليس في حديثِ رافعٍ ما يُناقضه، ولا ما يَدلُّ على النَّهيِ عن الأكلِ مِن الغنيمةِ قبل القسم مُطلقًا، ولا صُرِّح فيه بالعِلَّة من إهراقِ القدورِ أصلًا حتَّى يعارَضَ به فتوى مالك.\nومِن ثمَّ اختلفَ المالكيَّة في تحديدِ العِلَّة في الحديثِ على أقوال:\nمنها: أنَّهم كانوا قد انتَهوا إلى دارِ الإسلامِ، وهو المَحلُّ الَّذي لا يجوز فيه الأكلُ مِن مالِ الغَنيمة المُشتركة، وإنَّما مُباحٌ الأكلُ منها قبل القِسمة في دارِ الحرب (^٤).\n_________\n(^١) «الموطأ» برواية يحيى الليثي (٢/ ٤٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: الجهاد، باب: ما يصيب من الطعام في أرض الحرب، برقم: ٢٩٨٤).\n(^٣) «فتح الباري» (٦/ ٢٥٦).\n(^٤) ذكره القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٦/ ٤٢١)، ورجَّحه النَّووي في «شرحه على مسلم» (١٣/ ١٢٦).","vol":"2","page":704},{"text":"وقيل: أنَّ الصَّحابة أرادوا الأكلَ ممَّا نَهبوه مِن أُناسٍ في أرضِ العَدوِّ مُتأوِّلين لضرورةِ الجوع، فزَجَرهم النَّبي ﷺ عن هذا التَّأويل، وليس لأنَّهم أكلوه قبل القِسمة (^١).\nوقيل في تعليلِ إهراقِ النَّبي ﷺ غيرُ ذلك (^٢)، وليس فيها ما يُعارض كلامَ مالكٍ بفضلِ الله.\nفعندي أنَّ الشَّاطبيَّ وَهِم في دعواه إنكارَ مَالكٍ للحديث، وتعليل ذلك بمُعارضةِ المصلحةِ اجتهادٌ منه.\nوقد لاحظنا أنَّ إسنادَ الشَّاطبيِّ لِما ادَّعاه على مالكٍ كان إلى ابنِ العَربيِّ (ت ٥٤٣ هـ)، فلمَّا رَجعتُ إلى كلامِ الأخير في شرحِه لـ «المُوطَّأ»، وجدته ينقُل تجويزَ مالكٍ للأكلِ مِن الغنيمةِ قبل القِسمة بقيْدِ الحاجةِ دون ادِّخارٍ! وهو عَينُ ما قرَّرناه آنفًا مِن كلامِ مالكٍ!\nيؤيِّد ذلك: المقصدَ الَّذي لأجله نقل ابنِ العَربيِّ هذه الفتوى مِن مالكٍ، حيث استعملها للرَّد على مَن يُجوِّزُ الأكلَ مِن الغنيمة قبل القِسمة مُطلقًا مِن غير قَيْدٍ، وقرَّر أنَّ ما أفتى به مالك في هذه المسألةِ، هو مِن دلائلِ المَصلحةِ الَّتي تميَّز بها (^٣)؛ والله تعالى أعلم.\nالحديث الخامس:\nأخرجَ مسلمٌ عن أبي أيُّوب الأنصاري ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَن صامَ رمضانَ، ثمَّ أتبعَه سِتًّا مِن شوَّال، كان كصيامِ الدَّهرِ» (^٤).\n_________\n(^١) ذكره القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٦/ ٤٢١)، وعنه ابن حجر في «فتح الباري» (٩/ ٦٢٦)، ويقوِّي هذا المعنى مُرادًا للحديث: ما ذكره رجلٌ من الأنصارِ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فأصاب النَّاس حاجةٌ شديدةٌ وجهد، وأصابوا غنمًا فانتهبوها، فإنَّ قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله ﷺ يمشي على قوسِه، فأكفأَ قدورَنا بقوسِه، ثمَّ جعلَ يرمل اللَّحم بالتُّراب، ثمَّ قال: «إنَّ النُّهبة ليست بأحلَّ من الميتة»؛ أخرجه أبو داود في «السُّنن» (رقم: ٢٤٠٥)، وجوَّد إسناده ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٦٢٦).\n(^٢) انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٣/ ١٢٦).\n(^٣) «القبس» لابن العربي (٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (ك: الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعا لرمضان، برقم: ١١٦٤).","vol":"2","page":705},{"text":"فقد ذكر (الكرديُّ) (^١)، و(جمال البنَّا) (^٢) أنَّ مالكًا لم يَعمل بهذا الحديث، وعَدُّوا ذلك مَطعنًا منه فيه، بل غَلا بعضُ مُتعجِّلةِ الصُّحفِيِّين حتَّى ادَّعوا بِدعيَّةَ العملِ ما فيه، لترْكِ مالكٍ له (^٣).\nوليست نسبةُ التَّركِ إلى مالكٍ بصحيحةٍ بهذا الإطلاقِ المُتَوهَّم، ولم يَثبُت عنه طَعنٌ صريحٌ في هذا الحديث، والَّذي في «مُوطَّئِه» فيما نَقَله عنه يحيَى اللَّيثي قال: «سمعتُ مالكًا يقول في صيام ستَّة أيامٍ بعدَ الفطر من رمضان: إنَّه لم يرَ أحدًا مِن أهلِ العلمِ والفقه يَصومُها، ولم يَبلُغني ذلك عن أحَدٍ من السَّلَف، وإنَّ أهلَ العلمِ يَكرهون ذلك، ويَخافون بِدعتَه، وأن يُلحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالةِ والجفاءِ لو رَأوا في ذلك رُخصةً عند أهلِ العِلمِ، ورَأَوهم يَعملون ذلك» (^٤).\nوهؤلاء أعلمُ النَّاسِ بمذهبِ مالكٍ، قد حملوا كلامَه هذا على ثلاثِ مَحاملٍ، تخلو ثلاثتُها مِن تعليلٍ للحديث:\nالمَحمل الأوَّل: أنَّ مالكًا قاله لأنَّه لم يبلغه الحديث:\nوهذا ما نقله المازريُّ عن بعضِ الشُّيوخ، قالوا: «لعلَّ الحديث لم يبلغ مالكًا» (^٥).\nوهو احتمال تَردَّد ابن عبدِ البَرِّ في الرُّكونِ إليه، فقال: «لم يبلغ مالكًا حديثُ أبي أيوب، على أنَّه حديث مدنيٌّ، والإحاطة بعلم الخاصَّة لا سبيل إليه ..»؛ ثمَّ رَجَع عن هذا الظنِّ، فقال: «وما أظنُّ مالكًا جَهِل الحديثَ والله أعلم، لأنَّه حديثٌ مَدنيٌّ، انفرَدَ به عمر بن ثابت، وقد قيل إنَّه رَوى عنه مالك، ولولا عِلمُه به ما أنكَرَه، وأظنُّ الشَّيخ عمر بن ثابت لم يكُن عنده مِمَّن يُعتَمَد عليه، وقد تَرَك\n_________\n(^١) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٥٩).\n(^٢) «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٨).\n(^٣) منهم (جميل خيَّاط) في جريدة الوطن الكويتية عدد ٢٥٦٧ بتاريخ ٢٨/ ٩/١٤٢٨ هـ، وقلَّده في ذلك كاتب آخر يسمى (نجيب عصام يماني)، في جريدة عكاظ السعودية عدد ٣٠٣٣ بتاريخ ١٧/ ١٠/١٤٣٠ هـ.\n(^٤) «الموطأ» (ص/٣١١).\n(^٥) «التاج والإكليل» للمواق الغرناطي (٣/ ٣٢٩).","vol":"2","page":706},{"text":"مالكٌ الاحتجاجَ ببعضِ ما رَوَاه عن بعضِ شيوخِه، إذا لم يثِق بحفظِه ببعضِ ما رواه».\nثمَّ عاد مرَّةً أخرى لاحتمالِه الأوَّل فقال: «وقد يُمكن أن يكون جهلِ الحديثَ، ولو علمه لقال به، والله أعلم» (^١).\nوالَّذي نخلُص إليه من كلامِ ابن عبد البرِّ: أنَّ مالكًا إمَّا أنَّه لم يبلُغه حديث أبي أيُّوب، وإمَّا:\nالمحمل الثَّاني: أن الحديثَ بَلَغ مالكًا، لكن مِن طريقٍ ضعيفٍ:\nيقول الباجيُّ: «الأصلُ في صيامِ هذه الأيَّام السِّتة: ما رواه سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيُّوب الأنصاري؛ وسعد بن سعيد هذا مِمَّن لا يَحتمِلُ الانفرادَ بمثلِ هذا، فلَّما ورَدَ الحديثُ على مثل هذا، ووَجَد مالكٌ علماءَ المدينةِ مُنكرين العملَ بهذا: احتاطَ بتركِه، لِئَّلا يكون سَبَبًا لمِا قاله» (^٢).\nوهذا الَّذي رَجَّحه ابن رشد الحفيد (^٣).\nالمحمل الثَّالث:\nأنَّ الأمر لا يتعلَّق بثبوت الحديث من عدمه عند مالك، بل هو صحيح عند مالك، وإنَّما كرِه صيامِ هذه السِّت بعد الفطر من رمضان خشيةَ إلحاقها به، وأن لا يُميِّزوا بينها وبينه، ويعتقدوا مع طولِ العهدِ فَرضِيَّتَها، سدًّا منه للذَّريعة إلى ذلك (^٤)، وإبقاءً للعبادةِ المُقدَّرة على حَالهِا غير مُختلِطةٍ بغيرها (^٥)؛ أمَّا للرَّجُلِ في خاصَّةِ نفسِه يصوم صومًا، فلا يكره مالكٌ له صِيامَها لهذا الحديث.\n_________\n(^١) «الاستذكار» (٣/ ٣٨٠).\n(^٢) «المنتقى شرح الموطأ» (٢/ ٧٦) باختصار.\n(^٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٧١).\n(^٤) تأصيل هذه المنزع الأصولي عند مالك تجده في «الموافقات» (٤/ ٤٠١ - ٤٠٢)، و«مجالس التذكير» لابن باديس (ص/٥٤).\n(^٥) وهذا مَسلك قويٌّ معتبر عند الأصوليِّين، وابن قيم الجوزية مع استماتتِه في تصحيح هذا الحديث، والرَّدِّ على مَن لم يأخُذ بمُقتصاه: اعترفَ بقوَّةِ هذا المحمل من مالكٍ، وحِدَّته في النَّظر الفقهي، كما في كتابه «تهذيب سُنن أبي داود» (٧/ ٦٨).","vol":"2","page":707},{"text":"يقول القاضي عياض: «يُحتمَل أنَّ كراهةَ ما كرِه مِن ذلك وأخبرَ أنَّه غير مَعمول به: اتِّصالُ هذه الأيَّام برمضان إلَّا فضل يوم الفِطر، فأمَّا لو كان صومُها في شوَّال مِن غير تَعيينٍ ولا اتِّصالٍ، أو مُبادرةٍ ليوم الفطر: فلا، وهو ظاهرُ كلامه بقولِه: في صِيامِ ستَّة أيام بعد الفطر» (^١).\nومِن ثمَّ يحتمل الأمر أنَّ مالكًا حَمَل حرف (مِن) في قوله ﷺ: «مِن شوَّال» على الابتداء لا التَّبعيض، أي أنَّها تُصام في أي أيَّام من أيَّام الشُّهور ابتداءً من شوَّال، وذلك أنَّ مالكًا لم يجد من أهل المدينة ولا بلغه عن أحدٍ من السَّلف مَن كان يتحرَّى صيامها في شوَّال؛ فضلًا عمَّا رأى في ذلك من مفسدة الابتداع.\nوهذا ما انتصر له ابن العربي في قوله: «كره علماء الدِّين أن تُصام الأيَّام السِّتة الَّتي قال النَّبي ﷺ فيها: «مَن صام رمضان وستًّا من شوال، فكأنمَّا صام الدَّهر كلَّه» متَّصلةً برمضان، مخافةَ أن يَعتقد أهل الجهالة أنَّها من رمضان.\nورأوا أنَّ صومَها من ذي القعدة إلى شعبان أفضل؛ لأنَّ المقصود منها حاصلٌ بتضعيف الحسنة بعشرة أمثالها متى فُعلت؛ بل صومها في الأشهر الحُرم وفي شعبان أفضل؛ ومن اعتقد أن صومها مخصوص بثاني يوم العيد فهو مبتدع سالكٌ سَنن أهل الكتاب في الزِّيادات» (^٢).\nوعلى هذا المحملِ مَشى مشهور مذهب المالكيَّة في فهمِ مَوقفِ إمامنا مِن صيامِ السِّت مِن شوَّال (^٣): أنَّها مكروهة من غير أن يُرَدَّ الحديث فيها؛ يَشهدُ لهم بذلك تَصريحُ مُطَرِّف بنِ عبد الله (^٤) عن مالكٍ، قال: «إنمَّا كرِه صومَها لِئلَّا يُلحِقَ\n_________\n(^١) «إكمال المعلم بفوائد مسلم» (٤/ ١٤٠).\n(^٢) «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ١٠٩).\n(^٣) كما تراه في «الاستذكار» لابن عبد البر (٣/ ٣٨٠)، و«المنتقى شرح الموطأ» للباجي (٢/ ٧٦)، و«النوادر والزيادات» لابن أبي زيد القيرواني (١/ ٧٨)، و«المقدمات الممهدات» لابن رشد (١/ ٢٤٣)، و«المفهم» لأبي العباس القرطبي (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، وغيرهم.\nوهو قول الحنفيَّة أيضًا، انظر «فتح القدير» للكمال ابن الهمام (٢/ ٣٤٩).\n(^٤) مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان ابن يسار اليساري الهلالي، ابن أخت مالكٍ، تفقه عليه عشرين سنة! وهو ثقة في الحديث، توفي سنة (٢٢٠ هـ)، انظر «ترتيب المدارك» للقاضي عياض (٣/ ١٣٣)، و«شجرة النور الزكية» لمخلوف المالكي (١/ ٨٦).","vol":"2","page":708},{"text":"أهلُ الجاهليَّة ذلك برمضان، فأمَّا مَن يَرغبُ في ذلك لمِا جاء فيه [يعني حديثَ أبي أيُّوب] فلَم يَنْهَه» (^١).\nوحاصل هذا المبحث: أنَّ مالكًا لم يصحَّ أنَّه ردَّ حديثًا صحيحًا أخرجه الشَّيخان بعده في «الصَّحيحين»، ولكن بصرف معناه عن ظاهره على سبيل التَّأويل.\n_________\n(^١) «النوادر والزيادات» للقيرواني (١/ ٧٨)، و«المنتقى» للباجي (٢/ ٧٦)، والقرطبي في «تفسيره» (٢/ ٣٣٢).","vol":"2","page":709},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المَطلب الثَّالث\nدراسة ما أعلَّه الشَّافعي (ت ٢٠٤ هـ) وهو في أحد «الصَّحيحين»</span>\nالحديث الأوَّل:\nروى الشَّيخان مِن طريقِ عمرو بن ميمون، عن سليمان بنِ يَسار، عن عائشة ﵂ قالت: «كنتُ أغسِلُ الجنابةَ مِن ثوبِ النَّبي ﷺ، فيخرجُ إلى الصَّلاة، وإنَّ بُقَع الماء على ثوبِه» (^١).\nفأورَدَ (الكرديُّ) (^٢) و(القنُّوبي) (^٣) و(جمال البنَّا) (^٤) كلامًا للشَّافعي على الحديث، يقول فيه: «هذا ليس بثابتٍ عن عائشة، هم يَخافون فيه غَلطَ عمرو بن ميمون، إنَّما هو رأيُ سليمان بن يَسار، كذا حَفِظه عنه الحُفَّاظ أنَّه قال: (غُسْلُه أحَبُّ إليَّ)؛ وقد رُوِيَ عن عائشة خلافُ هذا القول، ولم يَسمع سليمان -عَلِمناه- مِن عائشةَ حرفًا قَطُّ، ولو رَواه عنها كان مُرسلًا» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: الوضوء، باب: غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة، برقم: ٢٢٧)، ومسلم (ك: الطهارة، باب: حكم المني، برقم: ٢٨٩)، واللفظ للبخاري.\n(^٢) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٦٠).\n(^٣) «السيف الحاد» (ص/١٢٦)\n(^٤) «تجريد البخاري وسلم» (ص/٢٠).\n(^٥) «الأم» للشافعي (١/ ٧٤).","vol":"2","page":710},{"text":"قلت: فأمَّا قولُ الشَّافعي: «لم يَسمَعْ سليمانُ -عَلِمناه- مِن عائشة حرفًا قطُّ»، فهو مِن ورَعِه في الحيطَة، فقد قيَّد كلامَه بحسبِ ما يَعلمُه من ذلك (^١)؛ كما أنَّ في قولِ الشَّافعيِّ: «.. هم يَخافون فيه غلطَ ميمون»، ما يوحي بعدمِ جزمِه بذلك أيضًا.\nلكن الصَّحيح سماعُ سليمان مِن عائشة ﵂ مِن وجوهٍ عدَّة، منها ما هو ما مُصرَّح به عند الشَّيخين في «صَحِيحَيْهما» (^٢)؛ وعليه بَوَّب ابنُ حبَّان بقوله: «ذِكرُ الخَبرِ المُدْحِضِ قولَ مَن زَعَم أنَّ سليمان بن يسار لم يَسمع هذا الخبَر مِن عائشة» (^٣).\nوعمرو بن ميمون راويه عن سليمان -وهو مَن خاف الشَّافعي غلَطه فيه- مِن الثِّقاتِ المَشهورين (^٤)، قد رَواه عنه أحدَ عشرَ راويًا فيهم أئمَّةٌ كِبار (^٥)؛ فضلًا عن ورودِ الحديث مِن طُرقٍ أخرى عن غيرِ سليمان بنِ يَسار (^٦).\nفالحديث بهذا ثابتٌ عنه بلا رَيبٍ.\nوأمَّا شُبهة احتمالِ غَلَطِ (عمرو بن ميمون)، فمبعثها: مَجيء روايةٍ عنه أنَّها فتوًى لسليمانَ؛ وهذا الاختلاف قد أجابَ عنه ابنُ حَجر بقوله: «ليس بين فَتواه ورِوايته تَنافٍ، وكذا لا تأثيرَ للاختلافِ في الرِّوايتين، حيث وَقَع في إحداهما أنَّ عمرو بن ميمون سألَ سليمانَ، وفي الأخرى: أنَّ سليمان سأل عائشة، لأنَّ كلًّا منهما سَأَل شيخَه، فحفظ بعضُ الرُّواة ما لم يحفظ بعضٌ، وكلُّهم ثِقات» (^٧).\n_________\n(^١) وجَزَم بنَفيِ السَّماع البزَّارُ، نقله ابن الجوزي في «التَّحقيق» (٢/ ١٦٢).\n(^٢) جاء في البخاري (برقم: ٢٢٨) بإسناده عن سليمان قال: «سمعت عائشة ..» وفي لفظ: «سألت عائشة ..»، وكذا في مسلم (برقم: ٢٨٩) عن سليمان قال: «أخبرتني عائشة ..».\n(^٣) «صحيح ابن حبان» (٤/ ٢٢٢، برقم: ١٣٨٢)، أورده فيه من طريق يزيد بن هارون.\n(^٤) انظر «الكاشف» للذهبي (٢/ ٨٩)، و«تقريب التهذيب» لابن حجر (ص/٤٢٧) وقال: «ثقة فاضل».\n(^٥) انظر أسمائهم في «المسند الجامع» لمحمود خليل (١٩/ ٣٠٠).\n(^٦) تجدها في «السنن» للدراقطني (١/ ١٢٥)، و«شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ٥١)، و«المسند» لأبي عوانة (١/ ١٧٤).\n(^٧) «فتح الباري» (١/ ٣٣٤).","vol":"2","page":711},{"text":"وأمَّا قول الشَّافعي: «وقد رُوي عن عائشة خلاف هذا القول»، فيعني به روايةَ فَرْكِ المنيِّ بدلَ غسلِه (^١).\nوكثيرٌ مِن الفقهاءِ آلَفوا بين الرِّوايتين، ونَفوا التَّضاَد بينهما بأوجهٍ مُتعدِّدة (^٢)، مِن ذلك: ما ذكره الشَّافعي نفسُه بقولِه: «إنْ جَعَلناه ثابتًا، فليس بخلافٍ لقولها: «كنتُ أفركُه مِن ثوبِ رسولِ ﷺ ثمَّ يُصلي فيه»، كما لا يكون غَسله قَدمَيْه عُمرَه، خلافًا لمسحِهِ على خُفَّيه يومًا مِن أيَّامه، وذلك أنَّه إذا مَسَح عَلِمنا أنَّه تُجزئ الصَّلاة بالمسحِ، وتُجزئ الصَّلاة بالغسل، وكذلك تجزئ الصَّلاة بِحَتِّه، وتجزئ الصَّلاة بغسلِه، لا أنَّ واحدًا منهما خلاف الآخر» (^٣).\nفبانَ خطأ الشَّافعيِّ في تضعيف هذا الحديث، والشَّافعيَّة من بعده على خلاف قوله فيه.\nالحديث الثَّاني:\nأخرجَ مسلمٌ مِن حديثِ أنس بن مالك ﵁ قال: «صَلَّيتُ خلف النَّبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ (الحمد لله ربِّ العالمين)، لا يذكرون (بسم الله الرَّحمن الرَّحيم) في أوَّل قراءةٍ ولا في آخرِها» (^٤).\nفقد زعمَ (الكرديُّ) (^٥) أنَّ الشَّافعي ضَعَّف الحديثَ هو وعَددٌ مِن الحفَّاظ.\nوالحَقُّ أنَّ الشَّافعيَّ مُثبِتٌ لأصلِ الحديث، إنَّما تَكَلَّم في الجملة الأخيرة فقط: «لا يذكرون (بسم الله الرَّحمن الرَّحيم) .. إلخ»، حيث انفردَ مسلم بإخراجها مِن حديث أنسٍ بهذا اللَّفظ المُصرِّح بنفيِ قراءةِ البسملة.\n_________\n(^١) ١) أخرجه مسلم في (ك: الطهارة، باب: حكم المني، رقم: ٢٨٨).\n(^٢) انظر «جامع» الترمذي (١/ ٢٠١)، و«تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/٢٥٥).\n(^٣) «الأم» للشافعي (١/ ٧٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (ك: الصلاة، باب: حجة من قال لا يجهر بالبسملة، برقم: ٣٩٩).\n(^٥) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٦٠).","vol":"2","page":712},{"text":"فأعَلَّ الشَّافعي (^١) وبعضُ النُّقادِ (^٢) روايةَ اللَّفظ المُصَرِّح بالبسملة، لِما رأوه مِن الأكثرينَ أنَّهم قالوا فيه: «فكانوا يَستفتحون القراءةَ بالحمدُ لله ربِّ العالمين»، مِن غيرِ تَعرُّضٍ لذكرِ البسملةِ، وعليها اقتصر البخاريُّ في «صَحيحِه» (^٣).\nوهؤلاء رأوا أنَّ مَن رواه باللَّفظ الزَّائدِ المَذكورِ إنَّما رواه بالمعنى الَّذي وَقَع له، حيث فَهِم مِن قولِه: «كانوا يَستفتحون بالحمد لله» نفيَ البسملة، فرَوَاه على ما فهِم، ورَأوه قد أخطأَ في فهمِه، إذ المعنى المُراد عندهم: أنَّ السُّورةَ الَّتي كانوا يَفتَتِحون بها هي «الفاتحة»، وليس فيه تَعرُّضٌ لذكرِ الجهرِ بالبَسملةِ (^٤).\nوالحديث بهذه الجملة أخرجه مسلم في المُتابعات لا الأصول، وغيره مِن بعض الحُفَّاظ قد صَحَّحوا الحديث بتلك الجملة، فلم يَرَوها مُخالفةً للرِّوايةِ الأخرى (^٥)؛ كما أنَّ ابن حَجرٍ قد دافع على صحَّتها أيضًا، نافيًا عنها وصف\n_________\n(^١) «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (٢/ ٣٧٩).\n(^٢) كالدراقطني وتبعه البيهقي كما في «السنن الكبرى» (٢/ ٧٤)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ٢٢٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (ك: الصلاة، باب: ما يقال بعد التكبير، برقم: ٧٤٣)، عن أنس ﵁ بلفظ: «إن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵃ كانوا يفتتحون الصلاة بـ (الحمد لله رب العالمين»).\n(^٤) انظر «التقييد والإيضاح» للعراقي (ص/١١٨).\n\nقلت: ذهب ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤١٣) إلى أنَّ حمل الافتتاح بـ (الحمدُ لله رب العالمين) على السُّورة لا الآية ممَّا تستبعده القريحة، وتمجُّه الأفهام الصحيحة، لأنَّ هذا من العلم الظَّاهر الَّذي يعرفه العام والخاص، كما يعلمون أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، وأن الركوع قبل السجود، والتشهد بعد الجلوس إلى غير ذلك، فليس في نقل مثل هذا فائدة، فكيف يجوز أن نظن أن أنسًا قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه؟ وإنما مثل هذا مثل من يقول: فكانوا يركعون قبل السجود، أو فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاة الظهر والعصر .. إلى غير ذلك من الأدلَّة الَّتي ذكرها ابن تيمية في ردِّ هذا القول، وقد نقلها عن ابن تيمية العَينيُّ في شرحه لـ «سنن أبي داود» (٣/ ٤٠٣) بنفسِ عباراتِ ابن تيمية دون أن يعزوها إليه!\n(^٥) صحَّح الحديث بهذه الجملة في آخره: مالك في «الموطأ» (ص/٨١)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١/ ١٤٩ - ١٥٠) من حديث حميد الطويل عن أنس بمعناه، وحسَّنه الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل في «جامعه» (٢/ ١٢) وقال: «والعَمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ».\nوصحَّحه أيضًا: ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤١٤)، وابن كثير في «الأحكام الكبير» (٣/ ٤٦)، وابن رجب في «فتح الباري» (٦/ ٣٨٩)، وابن عبد الهادي في «المحرر في الحديث» (١/ ١٨٧).","vol":"2","page":713},{"text":"الاضطرابِ أو الإدراجِ أو الشُّذوذ (^١).\nفإذا سَلَّمنا لتعليلِ الشَّافعي وغيره من الحفَّاظ لهذه الجملةِ، فإنَّها بذلك تندرج في الحروف اليسيرة من «الصَّحيحين» التي تُستثنى مِن تَلقَّي الأمَّة، لوقوع الخلاف فيها قديمًا بين المُعتبرين من النُّقاد؛ فلا حرج على مَن أخذَ بأحدِ القَوْلين بدليله؛ والحمد لله.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٢/ ٢٢٨).","vol":"2","page":714},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المَطلب الرابع\nدراسة ما أعلَّه أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) وهو في أحد «الصَّحيحين»</span>\nالحديث الأوَّل:\nأخرج الشَّيخان مِن حديثِ أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يُهلِكُ النَّاسَ هذا الحَيُّ مِن قريش» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «لو أنَّ النَّاسَ اعتزلوهم» (^١).\nذكر (الكرديُّ) (^٢) و(جمال البنَّا) (^٣) أنَّ أحمد أنكره، بدلالةِ أمرِه وَلَدَه عبد الله بالضَّربِ عليه، كما هو مُثبَتٌ في «مُسنَدِه» عقِب سَوقِ هذا الحديثِ، حيث قال عبد الله: «قال أبي في مَرَضِه الَّذي ماتَ فيه: اِضرِبْ على هذا الحديث، فإنَّه خِلافُ الأحاديث عن النَّبي ﷺ، يعني قوله: «اِسمَعوا، وأطيعوا، واصْبِروا» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم: ٣٦٠٤)، ومسلم (ك: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، برقم: ٢٩١٧).\n(^٢) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٦٣).\n(^٣) «تجريد البخاري وسلم» (ص/٢٠).\n(^٤) «المسند» لأحمد (١٣/ ٣٨٣، برقم: ٨٠٠٦).","vol":"2","page":715},{"text":"فظاهرٌ من كلامِ أحمدَ إنكارُ الجملةِ الأخيرة مِن الحديث فقط: «لو أنَّ النَّاس اعتزلوهم».\nلكن قيل: ليس فيه تضعيفٌ للحديث! ولكن قاله منعًا لفُشوِّ ما ظاهره الخروج على الوُلاةِ (^١)، خوفًا مِن قصورِ فهمِ بعضِ النَّاس له، فيُظنُّوا أنَّ الاعتزال معناه المُحاداة والخروج، فيَقعوا بذلك في مفاسد أشَدَّ؛ وهذا تخريجُ أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ) لكلامِه (^٢)، وتبِعَه عليه بعضُ المُعاصِرين (^٣).\nوكلام أحمد يَأْبى هذا التَّأويل، فإنَّه ظاهرٌ في إنكارِ متنِه، فقد نَصَّ على كونِه مُخالفًا لمِا تَظافرت به السُّنةِ مِن الأمرِ بالسَّمع، والطَّاعة، ولزومِ الجماعةِ، وتركِ الشُّذوذ والانفرادِ؛ فأيُّ محلٍّ للاجتهاد في صرفِ كلامِه عن معناه مع نَصِّه على مُرادِه؟!\nومِمَّا يَشهد على أنَّه يُعِلُّ الحديث حقيقةً: صَريحُ ما نقله عنه تلميذُه المَرُّوذي (ت ٢٧٥ هـ) من نَبْزه للحديث بقولِه: «هو حديثٌ رَديءٌ أُرَاه، هؤلاء المعتزلة يَحتجُّون به، يعني في تَرْكِ حضورِ الجُمعة» (^٤)؛ فلو كان الحديث صحيحًا عند أحمد، ما كان أبعَدَه أن يَصِفَه بالرَّديء (^٥)!\nنعم؛ لا يَمنع مِن تعليلِه إيَّاه أن يمسَحه مِن «مُسنَده» لمِا يخاف أيضًا مِن\n_________\n(^١) يقول ابن حجر في «الفتح» (١/ ٢٢٥): «وممَّن كره التحديث ببعضٍ دون بعضٍ: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان».\n(^٢) في تخريجه لـ «مسند أحمد» (٨/ ١١٨).\n(^٣) كبشير علي عمر في كتابه «منهج الإمام أحمد في إعلال الحديث» (٢/ ٩٤٧)، و(علي رضا) في «مجموع رسائله الحديثية» (٢/ ٣٨٢) وكاد يجزم به!\n(^٤) «الورع» لأحمد برواية أبي بكر المروذي (ص/٤٥)، و«المنتخب من عِلل الخلال» لابن قدامة (ص/١٦٣).\n(^٥) وهذا الذي فهمه أيضا جماعة من أهل العلم من كلام أحمد في هذا الحديث، كابن الجوزي في كتابه «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٣/ ٤٧١)، وابن القيم في «الفروسية» (ص/٢٦٦) وغيرهم.","vol":"2","page":716},{"text":"مَفسدتِه أن يكون مَطِيَّةً لأهل الأهواء للخروجِ على الإمام؛ وإلَّا ففي «مُسندِه» أحاديث مَعلولةٌ كثيرةٌ لم يأمر بالضَّربِ عليها، إذْ لم يشتَرط هو الصِّحة (^١).\nفلذا تَعقَّب أحمدَ في إعلالِه لمتنِ الحديث عَددٌ من العلماء، ونفوا تعارضه مع أصل الطَّاعة، فينقُل عنهم ابن القيِّم وجهَ الحديثِ بقولِه: «.. هذا في أوقاتِ الِفتَن والقِتالِ على المُلك، ولزومُ الجماعةِ في وقتِ الاتِّفاق والتِئام الكلمةِ؛ وبهذا تجتَمِعُ أحاديثُ النَّبي ﷺ الَّتي رَغَّب فيها في العُزلةِ والقعود عن القتالِ، ومَدَح فيها مَن لم يكُن مع أحدِ الطَّائفتين، وأحاديثَه الَّتي رَغَّب فيها في الجماعةِ والدُّخول مع النَّاس؛ فإنَّ هذا حالُ اجتماعِ الكلمةِ، وذاك حالُ الفتنةِ والقتالِ، والله أعلم» (^٢).\nهذا ما أقرَّه المُحقِّقون مِن الشُرَّاحِ في معنى الحديث (^٣)؛ وما خَشِيَه أحمد مِن معنى الحديث أن يُؤدِّي إلى مَفسدة (^٤)\nقد أثبتَ ابنُ بطَّالٍ (ت ٤٤٩ هـ) من معناه\n_________\n(^١) على خلاف ما ذهب إليه أبو موسى المديني في «خصائص مسند الإمام أحمد» (ص/١٦ - ١٨)، حيث زعم أنَّ أحمد لم يروِ فيه إلَّا ما صحَّ عنده.\n(^٢) «الفروسية» لابن القيم (ص/٢٦٦).\n(^٣) انظر «الإفصاح» لابن هبيرة (٦/ ٤٤٤)، و«الإحكام» لابن حزم (٣/ ٣٦)، و«إكمال المعلم» للقاضي عياض (٨/ ٤٦٠)، و«كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٤٧١)، و«عمدة القاري» للعيني (١٦/ ١٣٩)، و«فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ١٠).\n(^٤) وإلى يومنا هذا، لايزال هذا الفهمُ للحديثِ - كما خشيه الإمام أحمد - قابعًا في عقولِ كثيرٍ من منظِّري بعضِ الأحزابِ الإسلاميَّة المناكفةِ للسُّلطةِ السِّياسية في بعض البلدان الإسلاميَّة! بله في بلدنا المغرب، وا أسَفاه! حيث اتَّخذوه وأمثالَه من الأحاديث مطيَّةً لتسويغِ نهجهم التَّصادميِّ، وذريعةً شرعيَّةً -زعموا- لإسقاطِ ما لا يرتضونه من السَّاسة ولو بالقوَّة.\nفهذا مثالٌ لما أقول: مَقالٌ لأحَدِ رُوَّادِ الفكر في إحدى الجماعاتِ الإسلامية في المغرب، عنون لها بـ «نظرات في فقه الاعتزال السياسي»، منشور بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠١٥ م على الموقع الرَّسمي «لجماعة العدل والإحسان»، يقول معلِّقًا على الحديث:\n\n«.. فهذا الحديث يفتح لنا بابًا فقهيًّا عظيمًا في كيفية التَّعامل مع أنظمة الاستبداد الَّتي ما زال عُودها شديدًا، وقوَّة النَّاهضين ما زالت لم تستوِ بعد على سوقها، فيأمر الرسول ﷺ عندها بأنَّ اعتزال الظَّلمة المهلكين للأمَّة هو المفتاح، ويجب أن نلحظ أنَّ الحديث لا يدعو إلى اعتزال الظَّلمة فُرادى، بل يدعو إلى العمل حتَّى يعتزلهم النَّاس! وذلك يفترض بداهةً أنَّ هناك دعوةً وسطهم وبينهم لاعتزال مهلكي الأمَّة، ومقاطعتهم عبر إسقاط هيبتهم في نفوس النَّاس، وتثبيت كراهيتهم وبغضهم، وهو أدنى الإيمان الَّذي يكون بالتَّغيير القلبي، ويكون المقدِّمة الأولى من أجل حصول التَّغيير باليد عندما يشتد ساعد المقاطعة والاعتزال والممانعة، فيلجأ عندها إلى وسائل أكثر قوة واشد مضاء»!","vol":"2","page":717},{"text":"نقيضَ ما خَشِيَه أحمد! حيث جعله «حُجَّةً لجماعةِ الأمَّةِ في تركِ القيامِ على أئمَّة الجَور، ووجوبِ طاعتِهم، والسَّمعِ والطَّاعةِ .. وأنَّه مِنْ أقوى ما يُرَدُّ به على الخوارج» (^١)!\nقلت: لعلَّ ما جَرَّأَ أحمدَ على تعليلِ هذا الحديث ما رآه من تَفرُّد شُعبة بن الحجَّاج (ت ١٦٠ هـ) بجملةِ الاعتزالِ في آخرِه، حيث جاء الحديث مِن أوجهٍ أخرى صحيحةٍ ليس فيها تلك الجملة، فرآه مِن غرائب شُعبة، كما قاله ابن حَجر (^٢).\nلكن شُعبة قد رَواه على الوَجهين جميعًا! بجملةِ الاعتزالِ وبدونِها، وكِلا الوَجهين رواتُهما ثِقات أثبات (^٣)، وهذا إن دَلَّ على شيءٍ فعلى ضبطِ شُعبة للحديث على كِلا الوَجهين؛ بل الأقربُ مِن حيث الصَّنعة أنْ تكونَ روايةُ الوجهِ الَّذي بجملةِ الاعتزالِ أصحَّ مِن الَّتي بدونها (^٤).\nفلهذا كلِّه لم يَتَردَّد البخاريُّ ومسلم في إخراج رواية شعبة بجملةِ الاعتزالِ، ليتَبيَّن غَلطُ شيخِهما أحمدَ في تعليلِه إيَّاها، والله يأجُره على اجتهادِه.\n_________\n(^١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (١٠/ ١٠).\n(^٢) ذكر هذا ابن حجر في «الفتح» (٦/ ٦١٥).\n(^٣) فقد شارك شعبةُ سفيانَ الثَّوريَّ وأبا عوانةَ وابنَ أبي زائدةَ في روايةِ هذا الحديث: عن سِماك، عن مالك بن ظالم، عن أبي هريرة، دون ذلك اللَّفظِ.\nثمَّ رواه شعبة باللَّفظِ الزَّائد من طريقٍ آخر: عن أبي التَّياح يزيد بن حميد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة؛ وانظر تخريج هذين الوجهين في «المسند الجامع» (١٨/ ٣٨١)، و«المسند المصنف المعلَّل» (٣٤/ ٤٩٧).\n(^٤) فإن رواية مالك بن ظالم فيها اختلاف، فمرة يروى عنه أنه عبد الله بن ظالم، وأخرى عن مالك بن ظالم، انظر هذا الاختلاف في «تعجيل المنفعة» لابن حجر (٢/ ٢٢٥).\nوقال الأزدي -كما في «ميزان الاعتدال» (٣/ ٤٢٧) - عن رواية مالك هذا عن أبي هريرة هذا الحديث: «لا يتابع عليه»،","vol":"2","page":718},{"text":"الحديث الثَّاني:\nروى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:\n«ما مِن نبيٍّ بَعثه الله في أمَّةٍ قبلي، إلَّا كان له مِن أمَّتِه حواريُّون وأصحاب، يأخذون بسنَّتِه، ويقتدون بأمرِه، ثمَّ إنَّها تخلُف مِن بعدهم خُلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون، فمَن جاهدَهم بيدِه فهو مؤمن، ومَن جاهدَهم بلسانِه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبِه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك مِن الإيمان حبَّة خردل» (^١).\nفقد ذكرَ (الكرديُّ) (^٢) أنَّ أبا عليٍّ الجيانيَّ (ت ٤٩٨ هـ) نقلَ عن أحمدَ تكلَّمه في هذا الحديثِ بقولِه: «هذا الحديث غير مَحفوظ، قال: وهذا الكلام لا يُشبه كلامَ ابنِ مَسعود، وابنُ مسعود يقول: اصْبِروا حتَّى تَلْقوني».\nوقد أحالَ (الكرديُّ) هذا النَّقلَ إلى النَّووي في شرحِه لـ «صحيح مسلم» (^٣)، وجهل أنَّ النَّوويَّ إنَّما أخَذَه عن عِياضٍ في شَرحِه «الإكمال» (^٤)، الَّذي نَقَله بدَورِه مِن كتابِ الجِيَّاني حيث تَعَقَّب مُسلمَ بن الحجَّاج (^٥)، ومَصدر هذا النَّص عن أحمد في «مَسائل أبي داود لأحمد»!\nوبرجوعنا إلى هذا الأصلِ وتَركِ تلك الوَسائط، وجدنا أنَّ أبا داود يَنقُل عن شيخهِ أحمد كلامًا مُختلِفًا عمَّا نَقَلته هذه الوسائط عنه! يقول هو فيه: «سَمِعتُ أحمدَ ذكَرَ حديثًا لصالح بنِ كيسان، عن الحارثِ بن فُضيل الخَطمي، عن جعفر بنِ عبد الله بنِ الحَكم، عن عبد الرَّحمن بنِ المِسْور بنِ مخَرمة، عن أبي رافعٍ، عن عبد الله بنِ مَسعود، عن النَّبي ﷺ: «يكون أُمَراء يَقولون ما لا يَفعلون، فمَن جاهدَهم بيَدِه ..».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (ك: الإيمان، باب: كون النهي عن المنكر من الإيمان، برقم: ٥٠).\n(^٢) «نحو تفعيل نقد متن الحديث» (ص/٦٥).\n(^٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٢٨).\n(^٤) «إكمال المعلم» للقاضي عياض (١/ ٢٩٢).\n(^٥) «تقييد المهمل وتمييز المشكل» لأبي علي الجياني (٣/ ٧٧٦).","vol":"2","page":719},{"text":"قال أحمد: جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، و(الحارث بن فضيل) ليس بمَحمودِ الحديث (^١)، وهذا الكلام لا يُشبه كلامَ ابنِ مسعود، ابنُ مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ: اصْبِروا حتَّى تَلقوني» (^٢).\nفبَانَ بهذا النَّص أنَّ كلامَ أحمد مُتَّجِّهٌ إلى لفظٍ آخرَ للحديث، ليس هو لفظُ مسلمٍ محلُّ البحث كما أوهَمَته عبارةُ الجيَّاني!\nفالمَنكور عند أحمد هو الَّذي بلفظِ «الأُمَراء»، أمَّا ما في «صحيحِ مسلم» فبلفظ: «خُلوف»، وفَرقٌ بين اللَّفظين مِن جِهة المعنى؛ فالأولى قد أعلَّها أحمد لكونِ ظاهرِها بابًا للخروجِ على الوُلَاة (^٣)، أمَّا الَّتي في «مسلم»: فليس للأُمراءِ فيها ذِكرٌ، فـ (الخُلوف) جَمع خَلْف، «وهو القَرنُ بعد القَرن، واللَّاحقُ بعد السَّابق» (^٤)، وهذا عامٌّ في النَّاس.\nوأحسَبُ أنَّ هذا القَدْر مِن البَيانِ كافٍ في نَقضِ دَعوى (الكرديِّ) في نسبةِ تعليلِ هذا الحديث الَّذي بلفظِ مسلمٍ إلى أحمد.\nلكن يبقى الإشكال في مَوضِعين مِن كلامِ أحمدَ:\nالأوَّل: ذِكرُه للحديثِ الَّذي بلفظ «الأمراء» في «مسائلِ أبي داود له»، بنفسِ السَّنَد الَّذي أخرج به مسلم حديثَ «الخلوف»! مِن طريق (صالح بن كيسان)، عن (الحارث بن فضيل) إلى آخر السَّند؛ مع أنَّي لم أقِف على طَريقٍ عن صالحٍ هذا\n_________\n(^١) وفي رواية المهنَّى بن يحيى عنه: «غير محفوظِ الحديث»، «تهذيب التهذيب» (٢/ ٢٦٥).\nوقد خالف أحمد بحكمه هذا عليه جمهور النُّقاد وقد وثَّقوه، ولا ريبَ أنَّ كلامَهم مُقدَّم على جرحِه إيَّاه مِن غير بيِّنة مفسِّرة، اللَّهم إلَّا إن كان هذا الحديث نفسَه ما اقتضى تجريحه عنده! ولذلك لم يعتبر كلامَه فيه أحدٌ مِمَّن صنَّف في «الرِّجال» مِن المتأخِّرين بخاصَّةٍ.\n(^٢) «مسائل الإمام أحمد» برواية أبي داود السجستاني (ص/٤١٨)، ونقله عنه الخلَّال بنفس لفظِه في كتابه «السُّنة» (١/ ١٤٢).\n(^٣) وقد تُعقِّب أحمد في إنكارِه لمتنِ هذا الحديث، وبيَّنَ العلماء وجهَه الصَّحيح، منهم ابن رجبٍ في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٤٩)، وابن الصَّلاح في «صيانة صحيح مسلم» (ص/٢٠٩).\n(^٤) «المُفهم لما أشكل من صحيح مسلم» لأبي العباس القرطبي (١/ ٢٣٦).","vol":"2","page":720},{"text":"بلفظِ «الأمراء»! فكُلُّها بلفظِ «الخلوف» (^١)، وتَابعَه عليه (عبد العزيز الدَّراوَردي) (^٢).\nأمَّا لفظ «الأمراء»: فمَرويٌّ مِن طريقِ (عبد الله بن جعفر المَخرمي) (^٣) عن (الحارث بن فضيل)، قال فيه: «خَوَالف أُمَراء» (^٤)، وهو عند أحمد في «مُسنده»، لكنْ من دونِ ذكرِ «الجهادِ» في آخرِه (^٥)؛ وهذا سند مَقبولٌ عند أحمد إلى (الحارث بن فضيل) (^٦).\nيتحصَّل بهذا أنَّ (الحارث بنَ فُضيل) قد ثَبَت عند أحمد أنَّه مَرويٌّ عنه بكِلا اللَّفظين: بلفظِ «الخلوف»: مِن طريق صالح بن كيسان عنه، مع جملة «المُجاهدة» في آخره؛ وبلفظِ «الأمراء الخَوالف»: مِن طريق المخرميِّ عنه، بدون جملة «المجاهدة».\n_________\n(^١) كما أخرجه أحمد نفسه في «مسنده» (٧/ ٣٨٧، برقم: ٤٣٧٩).\nولعلَّ هذا ما أوهمَ الجيَّاني ومن تابعه كالقاضي عياض وابن الصَّلاح والنَّووي وغيرهم أنَّ أحمد قد تكلَّم في حديث مسلمٍ بذاته الَّذي بلفظِ «الخلوف»!\n(^٢) أخرجه مسلم (ك: الإيمان، باب: كون النهي عن المنكر من الإيمان، برقم: ٥٠)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ١٣، برقم: ٩٧٨٤) وابن حبان في «صحيحه» (١٤/ ٧٣، برقم: ٦١٩٣) لكن بلفظ «أقوام».\n\nوالدراوردي: صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ كما في «التقريب»، ومتابعة ابن كيسان له دليل على ضبطه لهذه الرواية.\n(^٣) هو ثقة عند أحمد في الجملة، انظر «موسوعة أقوال الإمام أحمد في رجال الحديث وعِلله» (٢/ ٢٣٤).\nورَاوي هذا الحديث عنه (أبو سعيد البصري) كان أحمد يرضاه أيضًا، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد، مولى بني هاشم، وانظر كلامه فيه في «تهذيب الكمال» (١٧/ ٢١٩)، وقال ابن حجر في «التَّقريب»: «صدوق ربَّما أخطأ».\n(^٤) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (١/ ٤٣، برقم: ٩٨)، وابن بطة في «الإبانة» (١/ ٢١٢، برقم: ٥٤).\n(^٥) «المسند» لأحمد (٧/ ٤١١، برقم: ٤٤٠٢) بلفظ: «خوالف أمراء»، وكذا رواه من غير لفظ المجاهدة الطبراني في «الأوسط» (٩/ ٥٠، برقم: ٩١٠٧).\n(^٦) مع ما يُضمُّ إليه من متابعةٍ قاصرةٍ له أودعها «مسندَه» (٧/ ٣٧٤، برقم: ٤٣٦٣): مِن طريق عامر بن السَّمط، عن معاوية بن إسحاق، عن عطاء بن يسار، عن ابن مسعود به، ورجال هذا الإسناد ثقات، على اختلاف في سماع عطاء من ابن مسعود، وجزم أبو حاتم الرازي بعدمِه، كما في «المراسيل» لابنه (ص/١٥٦).","vol":"2","page":721},{"text":"وغَرضي: بيانُ كونِ (ابنِ كيسان) هذا لم يُروَ عنه لفظُ «الأمَراءِ» أصلًا حتَّى يَستنكِره عليه أحمد! وكأنَّ أحمد وَهم فيه، حيث خَلَّط في كلامِه بين روايةِ ابن كيسان وروايةِ غيرِه -والله أعلم-.\nثمَّ على التَّسليمِ بصحَّةِ لفظةِ «الأُمراء» عن (المَخرميِّ): فينبغي مُعارَضتها بروايةِ (صالح بن كيسان)؛ وصالحٌ هذا لوحدِه أوثقُ وأجَلُّ مِن (المخرميِّ) بدَرجاتٍ، فضلًا عن مُتابعةِ (الدَّراوردي) له في لفظه!\nمِمَّا لا يَدع مجالًا للشَّكِ عندي بأنَّ زيادةَ (المخرميِّ) للفظِ «الأمراء» هي مِن أوهامِه، يبلُغ بها الحكمَ بالشُّذوذ، خصوصًا أنَّها تُسبِّبُ إشكالًا في معنى الحديث.\nوالَّذي جَرَّأني على تخطِئةِ هذا الإمام الكبير قرينةٌ أخرى في كلامِه تُلَوِّح بخَطَئِه:\nوهو ما عنيته بالمَوضع الثَّاني مِن مُشكِل كلامِ أحمد:\nحيث نَسَب حديثَ «اصْبِروا حتَّى تَلقوني» إلى روايةِ ابنِ مسعود ﵁، وابنُ مَسعود لم تَصحَّ روايةٌ عنه بهذا اللَّفظ أصلًا! بل هي روايةُ غيرِه مِن الصَّحابةِ (^١)، أمَّا ابن مسعود فقد رَوى حديثَ: «أنا فَرَطُكم على الحوضِ» (^٢)؛ والله أعلم.\n_________\n(^١) وهم: أسيد بن حضير، وأنس بن مالك، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وكعب بن عجرة، انظر رواياتهم لهذا الحديث في «المسند المصنف المعلل» (١/ ٣٤٤) (٣/ ٥٢٨) (٤/ ٢٢٥) (١١/ ٢٥٤)، ويتبيَّن أيضًا عدم رواية ابن مسعود لهذا الحديث بخلوِّ أحاديثه التي في «تحفة الأشراف» للمزِّي مِن هذا الحديث بهذا اللَّفظ الَّذي ذكره أحمد.\n(^٢) كما عند البخاري في (ك: الرقاق، باب: في الحوض، برقم: ٦٥٧٥)، ومسلم (ك: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته، برقم/٢٢٩٧).","vol":"2","page":722},{"text":"وبعد؛\nفبعد هذا العرض والنَّقدِ لِما استُشهِد به مِن كلامِ الأئمَّة الأربعةِ على تَعليلِ بعضِ أحاديث «الصَّحيحين»، يَتبيَّنُ أنَّ أغلبَ ما سِيق لهم من أمثلةٍ في ذلك، إنَّما هي في صَالحِ الشَّيخينِ، لم تخالفهما فيما صَحَّحاه مِن أخبارٍ؛ فلم يَثبُت عن أحدٍ من أولئك الأئمَّة المتبوعين كلامٌ فيه على وجه التَّحقيق، وإنَّما هو سوء فهمٍ للمُستشهِد المُعاصِر.\nولم أجِدَ مِمَّا أعَلَّه الأربعة مِمَّا خَرَّجه أحدُ الشَّيخينِ على وجهِ التَّحقيقِ إلَّا ثلاثة أحاديث، تَكلَّم الشَّافعيُّ في اثنين: أخطأَ في الأوَّل، وتُرك فيه قوله؛ والحديث الثَّاني فيه خلاف قديم بين النُّقاد، فيخرج من حيِّز التَّلقِّي، مع أنَّ مسلمًا إنَّما أخرجه في المُتابعات لا الأصول.\nوتَكلَّم أحمدُ في واحدٍ، قد أثبتُّ غلَطَه فيه.\nفصَوَّبتُ تصحيحَ الشَّيخين لهذه الثَّلاثة كلِّها، وجمهورُ أتباعِ مَذهبِي الشَّافعي وأحمد على قَبولِ هذه الثَّلاثة أيضًا؛ فيكون الخلاف فيها قديمًا، ثمَّ اندثر بتتابع العلماء على قبولها.\nوالحمد لله على ما وَّفق ويسَّر.","vol":"2","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المَبحث السَّادس\nالاحتجاج بتَضعيفِ المُحدِّثين المعاصرين لبعضِ أحاديثِ «الصَّحِيحَين»</span>","vol":"2","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المَطلب الأوَّل\nالمعايير المُصحِّحة لأيِّ نقدٍ مُعاصرٍ لأحاديث «الصَّحيحين»</span>\nتوجَّه بعضُ المُشتغلينَ بالنَّقدِ الحديثيِّ في عصرنا إلى «الصَّحيحين» ببيانِ ما ظَهر لهم من عِلَلٍ أحاديثهما، مُتمرِّسين في ذلك بقواعدِ «علم المُصطلَح»؛ قد ساروا فيها على مناهجَ مُتباينةٍ مِن حيث التَّنزيل، حتَّى تَبايَنَت أحكامُهم على المَنقودِ مِن أحاديث الكِتابينِ، حسبَ تمكُّنِ كلٍّ منهم مِن آلاتِ النَّقدِ، وتمكُّنِ النَّزعةِ الفِكريَّة أو المَذهَبِيَّة من هواه.\nفقد كان أبرزَ هؤلاءِ المُعاصرينَ الَّذين تَكلَّموا في بعضِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، وأمْكَنَ أقرانهمأقرانهم مِن الصَّنعةِ الحديثيَّة، وكان لآرائِهم النَّقديَّة الوَقْعَ الأكبرَ على أبناءِ زمَنِهم ومِن جاء بعدَهم، وتُذرِّع بأقوالِهم كثيرًا مِن أربابِ النِّحَلِ الفكريَّةِ المختلفةِ في للكلام في «الصَّحيحين»: محمَّد زاهد الكَوثريُّ، ثمَّ أحمد بن الصِّديق الغُمَاري، وشقيقه عبد الله بن الصِّديق، ثمَّ محمَّد ناصر الدِّين الألباني، آخر الأربعةِ وَفاةً.\nومنعًا لأيِّ خَطلٍ مَنهجَيٍّ يُودِي بالصِّحاحِ المُتَّفق عليها، وقبل دراسة ما أعلَّه هؤلاء المعاصرون من الصَّحيحين: وجبَ التَّنبيه إلى ثلاثةِ مَعايِير شَرطيَّة، لا بدَّ لكلِّ من تعنَّى النَّظر في «الصَّحيحين» أن يَعتبِر بها قبل الاستعلَانِ بحُكمِه، فأيُّ نقدٍ لم تتحقَّق فيه عُدَّ هملًا، ولم يكُن له قيمةٌ عند المُحقِّقين من أهل الحديث، وهي على النَّحو التَّالي:","vol":"2","page":727},{"text":"المعيار الأوَّل: الانضباطُ بقواعدِ الأئمَّة المُتَقدِّمينَ في التَّعليلِ وقواعِد النَّقد؛ وهذا لا أُرى خلافًا عليه بين من تحقَّق علوم الحديث على أصولها.\nالمعيار الثَّاني: مُراعاة طريقةِ تَصنيفِ «الصَّحيحين»، ومَنهجُ الشَّيخينِ في انتقاء أحاديثهما؛ فمِن غير اللَّائقِ -مثلًا- أن يُقَدَم على تَضعيفِ ما عَلَّقه البخاريُّ في «صحيحه» بصيغةِ التَّمريضِ، أو أن يُنكِرَ عليهما ما أخرجَاه على وجهِ التَّعليل له، أو ما ذَكروا له أوجُهًا مُتباينةً إشارةً إلى عِلْمِهما بالخلافِ، فيأتي مَن لا يَفهم عوائدَهما في التَّصنيفِ، ليَستدرِكَ عليهما مثلَ هذه الأمثلةِ.\nالمعيار الثَّالث: أن يكون تعليلُ الحديث في أحدِهما مَسبوقًا إليه مِن أحَدِ الحُفَّاظِ المتقدِّمين بعد الشَّيخين؛ وهنا نحتاج إلى نوعِ تفصيلٍ لهذا الشَّرط، للتَّفريقِ بين وَجْهين مِن أوجهِ التَّعليلِ لأخبارِ «الصَّحيحين»، فنقول:\nإنَّ تعليلَ المُعاصِرين لِما في «الصَّحيحين» لا يخرج عن حالَتين:\nالأولى: أن يُعِلَّ أحدهم أصلَ حديثٍ بتَمامِه، احتَجَّ به الشَّيخان في «الصَّحيحين»، دون أن يُسبق إلى ذلك مِن أحدِ الحفَّاظِ المُتقدِّمين:\nفهذا مِمَّا لا يُقبل مِن صاحبِه؛ وعِلَّة ذلك: أنَّ الكِتابين قد تَلقَّت الأمَّة جملةَ أخبارهما بالقَبول؛ وليس مِن المَقبول اعتقادُ قُدرةِ أحَدِنا على استدراكِ حديثٍ بالتَّعليلِ، وقد مَرَّ على أعيُنِ أكابرِ النُّقادِ والحُفَّاظِ والفقهاءِ طيلةَ قرونٍ مُتتابعةٍ، معتقدين لمُقتضاه؛ بخلاف ما يُنازع فيه بعضُ النُّقاد، فقد بيَّنا قبلُ أنَّ ذلك مِن مَوارِدِ الاجتهادِ في التَّصحيحِ، كمَوارِدِ الاجتهادِ في الأحكامِ الفقهيَّة.\nيقول ابن تيميَّة: «ما اتَّفَقَ العلماءُ على صِحَّته، فهو مثل ما اتَّفَق عليه العلماء في الأحكام، وهذا لا يكون إلَّا صِدقًا، وجمهور مُتون «الصَّحيح» مِن هذا الضَّربِ، وعامَّة هذه المتون تكون مَروِيَّةً عن النَّبي ﷺ مِن عِدَّة وجوهٍ، رَوَاها هذا الصَّاحِب، وهذا الصَّاحِب، مِن غير أن يَتَواطآ، ومثلُ هذا يُوجِب العِلمَ القَطعيَّ» (^١).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٢).","vol":"2","page":728},{"text":"فهؤلاءِ الَّذين يَتذَرَّعون مِن المُعاصِرينَ بقواعدِ المصطلح ليَتَسلَّطوا بها على أخبارِ «الصَّحيحين» بالإعلالِ، لشيءٍ ظهر لهم في أسانيدها، هم مخالفون بادي الرَّأي لأولئك العلماء الَّذين أخذوا عنهم تلك القواعد! فلكم أعلموهم أنَّ أحاديثَ الكِتابينِ قد جاوَزَت القنطرة، وفُرِغَ مِن دراستِها، وتُلقِّيت بالتَّصديقِ لجملةِ ما فيها.\nيقول العلائيُّ (ت ٧٦١ هـ): «إذا جَزَم المحدِّث بالخَبرِ وصَحَّحه، واطَّلع غيرُه فيه على عِلَّةٍ قادحةٍ فيه، قُدِّمت على تَصحيحِ ذاك، ما عَدا تصحيح الشَّيخين، لاتِّفاقِ الأمَّةِ على تَلقِّي ذلك منهما بالقبول» (^١).\nفكان حقًّا مِن الجَهل بالحقيقةِ والشَّرع في الحكمِ، أن يَخضع الدَّارسون للأحاديث لتلك القواعدِ المَرسومةِ المَحدودةِ الَّتي جاءت في كُتبِ مَن تأخَّر زمانه عن زمانِهم، وانحَطَّ مَكانُه عن مكانهم، فيُؤخَذ «تهذيب الكمال» للمِزِّي -مثلًا- أو مُختصراتِه للحافظِ ابنِ حَجر، أو «ميزان الاعتدال» للذَّهبي -على فَضلِ هذه الكُتب، وفَضلِ مُؤلِّفيها على المُشتغلين بهذا العلمِ- فيَحكُم على «الجامعِ الصَّحيح» للبخاريِّ، أو «الجامع الصَّحيح» لمسلم، أو «الموطَّأ» للإمامِ مالكٍ.\nفيُعادَ الأمرُ جذعًا! ويُستَأنف النَّظرُ في هذه الكُتبِ الَّتي تَلقَّتها الأمَّة بالقَبول، وبَلغ أصحابُها إلى أقصى دَرجاتِ التَّحقيقِ والدِّقةِ والتَّحرِّي، وتُشرحَ تشريحَ الأجسام، وتُسَلَّطَ عليها المَقاييسُ المَحدودة، الَّتي تَقبل النِّقاشَ، ويَتَّسع فيها مَجال الكلام.\nفهذا النَّوع مِن القسوةِ العِلميَّة، والجَفافِ الفكريِّ، والعَملِ التَّقليديِّ -على حدِّ تعبير النَّدْوي- «سيُحدِثُ فوضَى تَزلزلُ بها أركانُ الدِّين، وتَتَضعضَعُ بها العقيدةُ واليَقين، ويَتَورَّط المسلمون في اضطرابٍ قد أغناهم الله عنه، وكفاهم شَرَّه» (^٢).\n_________\n(^١) «جامع التحصيل» للعلائي (ص/٧٤).\n(^٢) «نظرات في صحيح البخاري» لأبي الحسن النَّدوي (ص/١٦).","vol":"2","page":729},{"text":"الحالة الثَّانية: أن يكون كلام المُعاصِر فيما يَتَعلَّق ببعضِ الألفاظِ اليَسيرةِ في أخبارِ «الصَّحِيحَين»، لا في أصلِ الخَبرِ:\nفهذا باب مَفتوحٌ لِمن انطبقَ عليه المِعيارانِ الأوَّلان مِن مَعايير نقدِ المعاصرين «الصَّحيحين»، لأنَّ الأمَّة إنَّما تَلقَّت أخبارَ «الصَّحيحين» بالقَبول في الجملة، ولم تُطبق على تصديقِ ما فيهما بكلِّ الحروفِ والألفاظِ! فهذا ليس إلَّا لكتابِ الله، فهو الَّذي قَبوله فَرضٌ بحروفِه وألفاظِه؛ وما نُقل إلينا مِن أحاديثِ -سواء في «الصَّحيحين» أو غيرهِما- لم يَكُن النَّبي ﷺ تَلَفَّظ بها جميعَها بحروفِها، بل منها ما رُوِي بالمعنى كما هو مَعلوم.\nفمَن بانَ له عِلَّة لفظٍ في حَديثٍ لا تُؤثِّر في أصله ومَعناه، أو زيادةٌ يراها ضَعيفةً في مَبناه، فله أن يُفصِح عن ذلك بشرطِه المُتقدِّم؛ وعلى هذا جَرى المُحَقِّقون مِن الحفَّاظِ المتأخِّرين في نَقدِ «الصَّحِيحَين»، منهم النَّوَويُّ، وابنُ القطَّان الفَاسيُّ، وابن تَيميَّة، وابن القَيِّم، والذَّهبي، وابنُ حَجر، وغيرهم كثير، لمِنَّ تَأمَّل مَواطنَ ذلك في مُصَنَّفاتِهم.\nفبهذه المَعايِير الثَّلاثةِ المُقرَّرة على ناقدِ الكِتابين، مُعتمَدنا في اسْتِكناهِ مَوقفِ المَشايخ الأربعةِ المعاصرين مِن أخبارِ «الصَّحِيحين»، ونقد تعليلاتِهم لما أعلُّوه منها، اختبارًا لسلامةِ المنهج الَّذي سَلكوه في ذلك، وتبيُّنًا لمَدى وهاء الفكرةِ الَّتي عَوَّل عليها مَن سَوَّلت له نفسُه الطَعنَ في أحاديثِ «الصَّحِيحين» في تذرُّعه بهؤلاء المُعاصرين؛ فنقول مُستعينين بالله تعالى:","vol":"2","page":730},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المَطلب الثَّاني\nموقف محمَّد زاهد الكَوْثَريُّ (^١) (ت ١٣٧١ هـ) من «الصَّحيحين» ونقد عمله في إعلال بعض أخبارهما</span>\nالفرع الأوَّل: موقف الكوثريِّ مِن «الصَّحيحين».\nلا شكَّ أنَّ الكوثريَّ رأس مِن رؤوسِ الحَنفيَّةِ في وقتِه، ورافعُ رايتِهم في صِقعِه، ذاع صِيتُه في الأوساطِ العلميَّة، بين مادحٍ لمؤلَّفاتِه مُتيَّمٍ بها، وذامٍّ لطريقتِه في الاستدلال والمُغالبة؛ تَميَّز عن أكثرِ مُعاصِريه بمشاركاتِه في العلومِ النَّقلية الَّتي عجزَ أكثر أقرانِه عن خوضِها، كعلومِ الحديثِ والتَّواريخ والسِّيَر، فضلًا عن مَعرفةٍ واسعةٍ بمُصنَّفاتِ العلماءِ مَطبوعِها ومَخطوطِها.\n_________\n(^١) محمد زاهد بن الحسن الكوثري: فقيه حنفي تركيٌّ، جركسي الأصل، له اشتغال بالأدب والحديث والسِّير؛ وُلد ونشأ في قرية من أعمال (دوزجة) بشرقي إسطنبول، وتفقه في جامع (الفاتح)، وتولَّى رياسة مجلس التَّدريس، واضطهده (الاتحاديون) في خلال الحرب العامة الأولى، لمعارضته خطتهم في إحلال العلوم الحديثة محلَّ العلوم الشَّرعيَّة، ولمَّا تولَّي (الكماليون) وجاهروا بالإلحاد، أريد اعتقاله، فركب إحدى البواخر إلى الإسكندرية (١٩٢٢ م)، وتنقَّل زمنًا بين مصر والشَّام، ثم استقرَّ في القاهرة موظفا في (دار المحفوظات) لترجمة ما فيها من الوثائق التركية إلى العربية، وتوفي بالقاهرة.\nوله من التآليف: «تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب» ويعني بالخطيب صاحب تاريخ بغداد، و«النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أَبي شَيْبَة على أبي حنيفة» ووله نحو مئة مقالة جمعها أحمد خيري في كتاب «مقالات الكوثري»، انظر «الأعلام للزركلي» (٦/ ١٢٩).","vol":"2","page":731},{"text":"فقد أَسالَ مِدادَ المُنتقدين عليه -بحقٍّ وباطلٍ- في نُصرة ما يعتقد، مُنفلتَ العنان في الرَدِّ على مَن خالَفه في ذلك، ذَرَب اللِّسانِ -أحيانًا- بالإيلاغِ في كثيرٍ من أساطين العلماءِ من أهل الحديث ورجالاتِ الفقه، في سبيل الدِّفاع عن إمامه أبي حنيفة.\nفلقد طالت نِبالُه البخاريَّ نفسَه! حتَّى لمَزَه في مُعتقَده أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، وأنَّه به في سَبيلِ الانحيازِ إلى المعتزلةِ أو الخوارجِ! فكان مِمَّا قالَه في حَقِّه: «مِن الغَريب أنَّ بعضَ مَن يَعدُّونه من أمراء المؤمنين في الحديث! يتَبجَّح قائلًا: إنِّي لم أُخرِج في كتابي عَمَّن لا يَرى أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، يَزيد ويَنقُص، مع أنَّه أخرَجَ عن غُلاةِ الخوارجِ ونحوهِم في كتابه!» (^١).\nولستُ أدري مِن أين أتَى الكوثريُّ بذاك اللَّفظِ ينسبه إلى البخاريِّ، فإنَّ المَشهورَ عنه قولُه: «كَتَبتُ عن ألفِ نَفرٍ مِن العلماءِ وزيادة، ولم أكتُب إلَّا عَمَّن قال: الإيمانُ قولٌ وعمَلٌ، ولم أكتب عَمَّن قال: الإيمان قولٌ» (^٢).\nوالفرق بين العِبارَتين لائحٌ! فإنَّ الَّتي للكوثريِّ تَنفي أن يكونَ في كتابِ البخاريِّ روايةَ أحدٍ رُمِي بالإرجاء، بينما اللَّفظ الصَّحيح عن البخاريِّ، يدلُّ على عدمِ أخذِه هو عن شيخٍ مُرجئٍ كتابةً عنه، لا أنَّ أسانيدَ كتابِه خاليةٌ مِمَّن رُموا بالإرجاءِ بالمرَّة، ولو تَقدَّموا في الطَّبقة! ولا وَردَ في عبارتِه ذِكرٌ لـ «جامعِه الصَّحيح» أصلًا.\nوعلى خلافِ ما تَقصَّدَ الكوثريُّ بنقلِ تلك العبارةِ مِن حَشرِ البخاريِّ في المَيَّالينَ إلى الخَوارِج، فقد استبطنَ تحامُله هذا تغافلًا عن منهجِ البخاريِّ في الرِّواية عن أصحابِ المَقالاتِ.\n_________\n(^١) «تأنيب الخطيب» (ص/٩٠ - ٩١).\n(^٢) كذا رواه عنه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٥/ ٩٥٩ برقم: ١٥٩٧)، وانظر «تغليق التعليق» لابن حجر (٥/ ٣٨٩).","vol":"2","page":732},{"text":"بيان ذلك: أنَّ مَن رُمِي مِن رجالِ «صحيحِه» ببدعةِ الإرجاءِ قد بَلغوا أحدَ عَشرَ راويًا (^١)، رَوَى لهم في الأصولِ والمُتابعاتِ على السَّواء (^٢)؛ بينما لم يَروِ عَمَّن رُمِي بقولِ الخَوارجِ إلَّا ثلاثة فقط! وهم:\nعِكرمة مَولى ابن عَبَّاس (ت ١٠٤ هـ): على فَرضِ تَلبُّسِه بهذه البِدعة، فلا تَضرُّ حديثَه، فقد كان صادِق اللَّهجةِ، غير دَاعٍ إلى مقالته؛ والحالُ أنَّها لم تثبُت عليه على وجه التَّحقيق (^٣).\nوالوَليد بن كثير (ت ١٥١ هـ): وهذا صَدوقٌ غير دَاعٍ إلى نِحلتِه، قد وَثَّقه كثيرٌ مِن النُّقاد (^٤).\nوعِمران بن حِطَّان (ت ٨٤ هـ): ويُروَى رجوعُه عن ذلك بأخرة (^٥)، وهو أشهَرُ مَن يُستَشكلُ على البخاريِّ روايتَه عنه، مع كونِه لم يُخرِّج له في «صَحيحِه» إلَّا حَديثي في المُتابعاتِ فقط، وفي هذه لا يَضرُّ التَّخريج لمثلِه، ولا صِلةَ لحَدِيثَيْهِ بالخوارج (^٦)، مع كونِهما ثابِتان مِن وجوهٍ عَديدة أخرى (^٧).\nوقد بيَّنا منهج البخاريِّ ومسلمٍ في الرِّواية عن أهل البِدع في مَبحثٍ سابقٍ (^٨).\n_________\n(^١) «هدى السَّاري» (ص/٤٥٩ - ٤٦٠)، منهم مَن لن تثبُت عليه هذه البدعة.\n(^٢) كعبد الحميد الحماني (ت ٢٠٢ هـ)، وعثمان بن غياث البصري، وعمر بن ذر (ت ١٥٣ هـ)، انظر «منهج الإمام البخاري في الرواية عمن رُمي ببدعة» لأندنوسيا بنت خالد (١/ ١٨٥).\n(^٣) انظر «هدى الساري» (ص/٤٢٥).\n(^٤) انظر «ميزان الاعتدال» للذهبي (٤/ ٣٤٥).\n(^٥) قد سبق تحقيق حاله في (١/ ١٩٥ - ١٩٧)، انظر «تهذيب التهذيب» لابن حجر (٨/ ١٢٨).\n(^٦) في كتاب اللِّباس برقم (٥٨٣٥) و(٥٩٥٢)، وليس حديثًا واحدًا كما ظنَّه ابن حجر في «هدى السَّاري» (ص/٤٣٢)، وتابعه عليه عطا الله المعايطة في بحثه «رد الشُّبهات المثارة حول روايات البخاري ومسلم لأحاديث الخوارج» (ص/١٢) المقدم لمؤتمر «الانتصار للصحيحين» المنعقد بكلية الشريعة بعمَّان الأردنية ١٤ - ١٥/ ٧/٢٠١٠ م.\n(^٧) انظر «منهج الحافظ ابن حجر في دفاعه عن رجال صحيح البخاري المتكلم فيهم» لصالح الصياح (٢/ ٤٢٦).\n(^٨) انظر (١/ ١٩٥) من هذا البحث.","vol":"2","page":733},{"text":"وإن كنتُ مع ذلك لا أرتاب في كونِ الكوثريِّ مُبجِّلًا لصحيحي البخاريِّ مسلمٍ، محتجًّا بأحاديثهما على المُخالف، موصيًا طَلَبة العلم والقائمين على المعاهد بالحرص على تدارسِهما والاعتناء بحفظ أحاديثِهما (^١).\nالفرع الثَّاني: تعثُّر الكوثريِّ في نقدِ بعض أحاديث «الصَّحيحين» جرَّاء صلابتِه المَذهبيَّة.\nلقد أُطِيحَ بالكوثريِّ في أخطائه على الرُّواة والعلماء بردودٍ مُتعاقدةٍ مُتناصرةٍ، لاسِيَما في تعقُّب المُعلِّمي لكتابِه «تَأنيب الخَطيب» الغامِز بجمهرةٍ من الرُّواة بغيرِ وجهِ حَقٍّ؛ فتصدَّى المُعَلِّمِي في «التَّنكيل» للذَّب عن ذِمارِ ثلاثٍ وسبعين ومائتي ترجمةٍ من المُحدِّثينَ وغيرهم، وذلك بالَّتي هي أحسن فهمًا ومَنهجًا وتَقريعًا، فلم يجِدْ (المُؤَنِّبُ) بعدُ مِن الرَّاسِخين تَبِيعًا.\nوالَّذي آلَ بالكَوثَرِيِّ إلى مثلِ هذه الهنَاتِ العِلميَّة، تسرُّعه في إثباتِ ما يراه صوابًا من غير مزيد تقليبِ نظرٍ فيما هو بصدد تحقيقِه، جرَّاءَ صلابتِه في مذهبِ إمامِه أبي حنيفةَ في الفروع، وعقيدةِ أبي مَنصورٍ في الأصول، تصل أحيانًا إلى حدِّ التَّعصّب! و«العَصَبيَّة لها هُوَاة، وكَمْ جَرَّت مِن مَهازل»! (^٢)\nيَشهَد عليه بهذه العصبيَّةِ السِّلبيَّة أحدُ مُعجبيه مِن علماء المغرب؛ أعني به عبد الله الغُمارِيَّ، فقد قال في حقِّه: «كُنَّا نُعجَب بالكَوثريِّ، لعلِمِه وسَعةِ اطِّلاعِه، كما كُنَّا نَكره مِنه تَعصُّبَه الشَّديدَ للحَنفيَّة، تَعصُّبًا يفوق تَعصُّبَ الزَّمخشرِيِّ لمذهبِ الاعتزال، حتَّى كان يقول عنه شقيقُنا الحافظ أبو الفَيض: مَجنونُ أبي حنيفة!» (^٣).\n_________\n(^١) انظر شيئًا من أخبار ذلك في وصيته للقائمين على جامعة الأزهر في «مقالاته» (ص/٤٨١).\n(^٢) «براءة أهل السنة» لبكر أبو زيد (ص/٢٧٦).\n(^٣) «بِدع التَّفاسير» لعبد الله الغماري (ص/١٨٠).\nوهذا الوصف بدوره مُجحفٌ من الغُماريِّ غير مُنصفٍ، فإنَّ الكوثريَّ وإن بالغَ غير مرَّةٍ في الدِّفاع عن أبي حنيفة ومذهبه بنوع شططٍ على المخالف، بدافع نفسيٍّ مما كان يعتقده تنقُّصًا من مُخالفه لإمامِه ومذهب أصحابِه، فإنَّه كان يؤصِّل نظريًّا لكونِ دين الله ليس وقفًا على أحدٍ من المجتهدين، وما من أحدٍ من الفقهاء -ومنهم أبو حنيفة- إلَّا وفي كلامه ما يؤخذ منه ويُرَدُّ.\n\nفتراه -مثلًا- يقول في مقدمة «تأنيب الخطيب» (ص/١٢) في سياق تجويزه لاتِّباع أحد المُجتهدين من أرباب المذاهب الأربعة المعروفة: «.. وأمَّا ادِّعاء أنَّ إمامَه هو المُصيب في المسائل كلِّها في نفس الأمر، فرجمٌ بالغيب .. ومَن أقررنا له بأنَّه مجتهد، فقد اعترفنا له بأنَّه يخطئ ويُصيب .. فيكون القول في أحدِ المجتهدين بأنَّه مًصيب مطلقًا، مجازفةٌ يبرأ منها أهل العلم المُنصفون، لأنَّه يؤدِّي إلى رفعه لمقام العصمة».\nولا يُقال عن هذا مجرَّد تنظير منه قد جفاه في تطبيقاته؛ لا! بل قد خالفَ الكوثريُّ إمامَه أبا حنيفة نفسَه في مسائل عدَّة، بل بَيَّن خَطأَه فيها، كردِّه عليه في «مقالاته» (ص/١٩٧) في إلزامه الوقف عند حكم القاضي به وعدم لزومه عند عدم حُكمه، وبيَّن الكوثريُّ أنَّ الدَّليل الصحيح يخالفه، وكذا في بعض المسائل الأخرى الَّتي خالفه فيها في كتابه «النُّكت الطَّريفة»، كمسألة انتباذ الخليطين، والمُزارعة.","vol":"2","page":734},{"text":"والمنهج العلميُّ الدَّقيق المتناسق دلالةٌ على حسن تصور صاحبِه، وسلامة فطرته؛ وإنِّي لآسف أن أقول أنَّ الكَوثَريَّ كان في كثيرٍ مِن مَقالاتِه وردودِه -ما تَعلَّق منها بمَسالك التَّصحيحِ والتَّعليل بخاصَّة- يكلَمُ بيدٍ ويَأسو بأخرى! قد نبَّأ بهذا عامَّة مَن تناول الكوثريَّ بالرَّد؛ فلذا خصَّ له أحمد الغُماريُّ «سِفْرًا نارِيًّا تجاوزَ في الحدِّ، بعاملِ ردِّ الفعلِ العَنيفِ» (^١)، طُبع بعد وفاةِ الرَّجُلَين، جَمعَ فيه مُتناقِضاتِ الكوثريِّ، وضَمَّ إليه مُتضارِباته، وسَمَه بـ «بيانِ تلبيسِ المُفتري» (^٢).\nالفرع الثَّالث: مثالان للخلل القابع في منهجِ الكوثريِّ في إعلالِ الصِّحاح.\nولقد كان لهذا التَّجانف مِن الكوثريِّ عن إنصافِ أهل الحديثِ في منهجِ النَّقدِ، آثاره الوَخيمة على نظرِه إلى أحاديث «الصَّحيحين»، بحيث تراه جرِّيئًا على نسفِ كلِّ ما لم يَرُقه مِن مُتونِهما بدعاوي عقديَّةٍ ومذهبيَّة.\n_________\n(^١) من تقدمة محمد الأمين بوخبزة لكتاب «تكحيل العينين» (ص/٦).\n(^٢) مع أنَّ أحمد بن الصِّديق قد استجاز الكوثريَّ بمرويَّاته فأجازه! ذكر روايته عنه في ثَبته الكبير «البحر العميق» (١/ ٤٢٦)، وكذلك في ثَبته المختصر «المعجم الوجيز» (ص/١٠)، إلَّا أنَّه لم يستحمل من مُجيزِه خطاياه العلميَّة، خاصَّةً بعد أن عرَّض به الكوثري في بعضِ ردودِه.","vol":"2","page":735},{"text":"فمِن أشهرِ أمثلةِ هذا في بابِ العقائد (^١):\nردُّه لحديثِ معاوية بنِ الحَكمِ ﵁ في سؤالِ النَّبيِ ﷺ للجارية: بـ «أين الله؟» (^٢)، نَحى فيه إلى تَعليلِه بعد انصارفِه عن تأويلِه، فراحَ يَضرب رواياتِ الحديثِ بعضَها ببعضٍ بدعوى الاضطرابِ، فاستروَحَ الكوثريُّ لإسقاطِ الحديث بذا، مع علمِه بضعفِ كثيرٍ منها، والتَّوفيق بينها مُمكنٌ غير مُتكلَّف (^٣).\nومثال ذلك منه في بابِ الفقه:\nإعلالُه لما اتُّفِق عليه مِن حديث ابن عبَّاس وابن عمروٍ ﵃: أنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبي ﷺ يومَ مِنى، فقال: حَلقتُ قبل أن أذبح، فقال: اِذبحْ ولا حَرج، وجاء آخرُ فقال: ذَبحتُ قبل أن أرمِي، فقال: اِرمِ ولا حَرج ..» الحديث (^٤).\nفتعَجَّل الكوثريُّ في مقام نصرة مذهبه إلى تضعيفِ هذا الحديث بكلامٍ عَجيب والله! يقول فيه: «إنَّ هؤلاء السَّائلين مجاهيل في هذه الرِّوايات»! (^٥)\nفلم تُسعِف الغُماريَّ نفسُه أن يتجاوز عنه هذه الهناتٍ! حتَّى استشاطَ عليه حَنقًا في ردِّه عليه قائلًا: «هذا أقسى ما يكون في الوقاحةِ والإجرام! .. فهذا -كما تَراه- خَرقٌ لإجماعِ العقلاءِ والمسلمين في آنٍ واحدٍ، فإنَّ العقلَ بالضَّرورةِ يقضي أنَّه لا دخلَ لإبهامِ السَّائلين والجهلِ بهم في الرِّواية، لأنَّهم ليسوا بنَقَلة، إنَّما ذُكِروا في الخبرِ سائلين، فلو ذَكَر النَّبي ﷺ ذلك الحكم ابتداءً مِن غير ذكرِ\n_________\n(^١) انظر جملة من أحاديث العقائد الَّتي ردَّها الكوثري في «الصَّحيحين» في «زاهد الكوثري وآراؤه الاعتقادية» لعلي الفهيد (ص/٣٨٧) وما بعده.\n(^٢) أخرجه مسلم (ك: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، رقم: ٥٣٧).\n(^٣) سيأتي الرَّد على بعض مُعارضاته لمتنِ هذا الحديث في محلِّه من الجزء الثاني من هذا البحث.\n(^٤) أخرجه البخاري (ك: العلم، باب: الفتيا وهو واقف على الدابة ونحوها، رقم: ٨٣)، ومسلم (ك: الحج، باب: من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي، رقم: ١٣٠٦).\n(^٥) «النُّكت الطَّريفة» للكوثري (ص/٥٦ - ٥٧).","vol":"2","page":736},{"text":"سؤالِ سائلٍ، لَما كان لذكرِهم أيُّ تأثيرٍ في الحديث، لا في المتنِ، ولا في الإسناد» (^١).\nفهذان حديثان في «الصَّحيح» قد عمِه رأيُ الكوثريِّ في تضعيفهما، لم يسلك في ذلك مسلكًا علميًّا صحيحًا، ولا سبقه إلى تعليلهما أحدٌ أعرفه مِن المُعتبرين، فما كان جائزًا الاستشهاد به في ما زلَّ فيه، فضلًا عن اتِّخاذ نقداته وليجةً لاعتضاد المعاصرين به في استباحة الصِّحاح؛ والله يغفر له.\n_________\n(^١) «بيان تلبيس المفتري» (ص/١٢٥).","vol":"2","page":737},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>المَطلب الرَّابع\nموقف أحمد بن الصِّدِّيق الغُماري (^١) (ت ١٣٨٠ هـ) من «الصَّحيحين»</span>\nالفرع الأوَّل: تَميُّزُ الغُماري في علوم الحديث وسِعة اطِّلاعه على مُصنَّفاتها.\nتَبوَّأ الغُماريُّ مكانةً في معرفة الحديثِ لا تكاد تُسامَى في عصرِه ومِصره، لم يُنازِع مُنصفٌ لقِيَه في قُوَّة حفظِه لمتونِ الأحاديث، وسِعَة معرفتِه بدَواوينِها، وغزارةِ تصنيفِه في علومِها (^٢)؛ فلستُ أبالغ إن نَفَيْتُ له مُسَاويًا في ذلك ببلاد المغرب كلِّها، في زمنِه ولا قبله! (^٣)\n_________\n(^١) أحمد بن محمد بن الصِّدِّيق بن أحمد أبو الفيض الغماري الحسني: محدِّث مغربي طُلَعة، ميَّال إلى فقه الظاهرية، من نزلاء طنجة؛ تعلَّم في الأزهر، وكانت بينه وبين السُّلطة في المغرب جفوة، واستقبله جمال عبد الناصر ووَعده بأن يبني له دار حديث بمصر، وأخلفه! ثمَّ توفي بالقاهرة كمدًا حين سمع بخبر اعتقال أخيه عبد الله بالمغرب.\nمن تآليفه: «توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين في الصوم والإفطار»، و«التصور والتصديق» في سيرة والده محمد، و«المعجم الوجيز للمستجيز» رسالة في شيوخه ولمحة من تراجمهم، و«المداوي لعلل المناوي» وغيرها كثير، انظر «الأعلام» للزركلي (١/ ٢٥٣).\n(^٢) يتبيَّن هذا لمن طالع كتابه «ليس كذلك» في الاستدراك على الحفَّاظ كثيرًا من الطُّرق وما يتعلَّق بالرُّواة بما أدَّاه إليه اجتهاده، فأصاب في كثير، وأخطأ في بعض.\nهذه المصنفات فيها المطبوع والمخطوط، وقد ذكر أحمد الغماري قائمةً بجلِّها في كتابيه «البحر العميق في مرويات ابن الصِّديق» وترجمته لنفسه «سبحة العقيق»، وفي آخر كتابه «توجيه الأنظار إلى توحيد المسلمين في الصوم والإفطار» (ص/١٥١ - ١٥٨) جدول بأسماء مصنَّفاته.\n(^٣) اعتنى سعيد ممدوح المصري بسرد أسماء مصنفات الغُماري الحديثية، وتمييز المطبوع منها من المخطوط، في كتابه «الاتجاهات الحديثية في القرن الرابع عشر» (ص/٣٨٦)، فبلغت (٩٣) مصنَّفًا، ما بين رسالةٍ صغيرةٍ إلى عدَّة مجلَّدات، بل جاوزت المائة على عدِّ محمد بن عبد الله التليدي في كتابه «تراث المغاربة في الحديث النبوي وعلومه»، وبنظرةٍ إلى سردِ الأخير لمصنَّفات الحديث وعلومه في بلاد الأندلس والمغرب الأقصى منذ الإسلام، نجد عدَّها (١٢١١) مصنَّفًا مع فوتِ الكثير عليه، لتكون نسبة مصنَّفاتِ الغُماري منها لوحدِها قرابة (٩%)!","vol":"2","page":738},{"text":"يقول عنه تلميذه محمَّد الأمين بوخبزة: «لقد كان الغُماريُّ كثيرَ الكتابةِ سريعًا، فهو يكتبُ في مجلسٍ واحدٍ ما يعجزُ عنه جماعةٌ في ساعاتٍ، واتَّفقَ له أن كتَبَ مُؤلَّفات يَوميَّة، أي أنَّه يكتبُ مُؤلَّفًا في كرَّاساتٍ ثلاثةٍ أو أربعةٍ في يومٍ أو بعضِه! ولكن الحِلو لا يَثِمُّ -كما يقول المَثَل-، فإنَّ عَيْبَ هذا الرَّجلِ أنَّ عِلمَه أكثرُ مِن عَقلِه، فهو مُتسرِّعٌ وصاحب مُبالغة، ولا يَتَحرَّى كثيرًا مِن النَّقل» (^١).\nوحقًّا وجدته في عامَّة تحقيقاته كما قال؛ يحشُر الطُّرق والأسانيد حشرًا دون نقدٍ ولا تمييز، وكثيرًا ما يبني على مُجرَّد ذلك أحكامًا لا تصحُّ، وهذا شيءٌ يعرِفُه مَن طالَع مُؤلَّفاتِه بتَجرُّدِ النَّاقد، خاصَّةً منها «المُداوي لعِلَل المُناوي»، و«فتح الملِك العليِّ بصحَّة حديث باب مدينة العلم عليّ».\nوعلى ما هو عليه مِن سِعَة اطِّلاع وفهمٍ لهذا الفنِّ، ودُربة في مُمارسته، هو وأَخَوَاه عبد الله وعبد العزيز؛ فإنَّ ذلك لم يعصِمه من الوقوعِ في هناتٍ قبيحةٍ في مَسائل منه، خالفَ بها المُحدِّثين في منهجَ التَّعليل والجرح والتَّعديل؛ ممَّا يُعطي النَّاظر في كثيرٍ من مُصنَّفاته هو والآخرَين انطباعًا باستحكامِ الهَوى في أحكامِهم؛ فلقد وقعوا فيما أنكروه على الكوثريِّ مِن التَّعصُّبِ للرَّأي والشُّذوذ فيه!\nالفرع الثَّاني: نقد كلامٍ للغُماري يُحتَجُّ به لفتح باب الطَّعن لأخبار «الصَّحيحين».\nتَهَاوى بعض المُعاصرين المَهْوُوسين بفكرة تنقية التُّراث الإسلاميِّ على تردادِ بعض مُقرَّرات الغُماريِّ، أشهرها فقرةٌ مِن كلامه طاروا بها كلَّ مَطارٍ، يذكر فيها بعض مَعايير معرفةِ الحديثِ المَوضوع (^٢)، يقول فيها:\n_________\n(^١) «جراب الأديب السَّائح» لبوخبزة الحَسني (١/ ١١٣ مخطوط).\n(^٢) كما تراه في كتاب «السَّيف الحاد» (ص/١٠٢ - ١٠٣) لسعيد القنوبي محدِّث الإباضية، و«تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» لجمال البنا (ص/٢٨).","vol":"2","page":739},{"text":"«كمْ مِن حديثٍ صَحَّحه الحُفَّاظ وهو باطلٌ! بالنَّظر إلى مَعناه ومُعارضتِه للقرآن، أو السُّنةِ الصَّحيحةِ، أو مخالفةِ الواقعِ والتَّاريخِ؛ وذلك لدخولِ الوَهم والغلَطِ فيه على المَعروف بالعدالةِ، بل قد يَتَعمَّد الكذب! فإنَّ الشُّهرةَ بالعدالةِ لا تُفيد القَّطعَ في الواقع.\nومنها أحاديث «الصَّحِيحين»، فإنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانِه! فلا تَغتَرَّ بذلك، ولا تَتَهيَّب الحُكمَ عليه بالوضعِ لِما يذكرونه مِن الإجماعِ على صِحَّة ما فيهما، فإنَّها دعوى فارغةٌ! لا تثبُت عند البحثِ والتَّمحيصِ، فإنَّ الإجماعَ على صِحَّةِ جميعِ أحاديثِ الصَّحيحين غير مَعقولٍ ولا واقعٍ» (^١).\nفعامَّة هذا الكلام محضُ غلط، والغُماريُّ يُشنِّع على الكوثريِّ تناقُضاتِه وهو واقعٌ بها! فها هو ذا يفتحُ بابَ التَّكذيب لمِا في «الصَّحيحين» بدعوى أنْ لا إجماع على ما فيهما؛ مع أنَّه هو نفسُه مَن أنكرَ على الكوثريِّ طعنًا له في حديثٍ أخرَجه الشَّيخان، محتجًّا عليه بأنَّه «طَعْنٌ في أحاديثِ الصَّحِيحين المُجمَعِ على صِحَّتها» (^٢)!\nوهو نفسُه مَن دافع على أحدِ الرُّواة مِمَّن تُكلِّم فيه بقوله: «يُعتَبر توثيقُ مسلم له ومَن وافقه على توثيقه، فيكون الحديث صحيحًا، لاسيما بعد دخوله في الكتاب المُجمَع مِن الأمَّة على صِحَّتِه» (^٣)!\nولقد حَوت فقرَتُه السَّابقة جملةً مِن المغالطاتٍ، لنا في كشفِها ثلاثُ وَقفات:\nالوقفة الأولى: قول الغُمارِيِّ أنَّ كثيرًا مِمَّا صَحَّحه الحُفَّاظ باطلٌ بالنَّظر إلى متنِه:\nفهذا مثال لمِا ذكرناه عنه آنفًا مِن تسرُّعه في أحكامه المبالغِة! وهو كلام عمومه مُشكلٌ يُستفصَل عنه:\n_________\n(^١) «المُغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير» (ص/١٣٧ - ١٣٨).\n(^٢) «بيان تلبيس المفتري» (ص/١٢٥).\n(^٣) «المُداوي لعلل المُناوي» (٢/ ٥٤٨).","vol":"2","page":740},{"text":"فإن كان قصدُه ما اتَّفقَ الحُفَّاظُ على تصحيحِه من الأخبار، وتلقَّوها بالقَبول -كحال أصولِ المَرفوعات في «الصَّحيحين» -: فكلامه ردٌّ؛ فإنَّ جريان عملهم على تصحيحِها والاحتجاجِ بها مُستَلزِمٌ لاستقامةِ مُتونِها ضرورةً، فلن يَغيب عن جميعِهم نَكارةُ متنِها إن وُجِدَت؛ وسبق الكلام حول هذه المسألة.\nوإن كان يريدُ بإطلاقِه بعضَ الحُفَّاظِ، وأنَّ آخرين يُخالفونهم: فهذا يقع كثيرًا؛ يَتنازع النُّقاد في ترجيحِ صِحَّة حديثٍ من عدمه، فما يُصحِّحه جماعةُ ويقبلون متنه، قد يراه آخرون مَعلولًا ويُبطلون مَدلولَه! فلا حَرَج مِن اختيارِ أحَدِ القولينِ بدليلِه.\nوالظَّاهر من كلامِ الغُماريِّ نزوعه إلى المقصد الأوَّل لا الثَّاني! فإنَّ مِن كبائرِ الغُماريِّ وأصل بلِيَّتِه: استحقارُه لإجماعاتِ المُحدِّثين! فلا يكاد يُبالي بأقوالِ سَاداتِهم إذا خالَفَت رأيَه.\nتَرى شاهدَ هذا صارخًا من قبيح قوله: «في المُحدِّثين عادةٌ قبيحةٌ! هي تَقليد السِّابقِ منهم، والاعتماد على ما يقول مِن غير تأمُّلٍ ولا رويَّةٍ، ومع صرفِ النَّظر عن التَّحقيق والاستدلال والبحث فيما يُؤيِّد قولَ ذلك السَّابق أو يُبطله ويَردُّه، لأنَّهم ليسوا أهل نظرٍ واستدلال، وإنَّما أهل رواية وإسناد.\nفإذا قال واحدٌ منهم، مثل أحمد، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة، في حديثٍ أو رجلٍ قولًا، فكلُّ مَن جاء بعدهم سيعتَمِد ذلك القول، ويردُّ به الأحاديث المتعدِّدة ويضعِّفها، لا لدليل ولا برهان ..\nفلا يهولنك اجتماعُهم على أمرٍ واتِّفاقُهم على شيءٍ! ولا تعتمد عليه، حتَّى تعلم صحَّتَه أو بُطلانه مِن جهة الدَّليل، فإنَّ أهل التَّحقيق والنَّظر لو سَلَكوا طريقتَهم هذه، لأبطلوا ثُلث الشَّريعة! وردُّوا أكثر الأحاديث الصَّحيحة، لولا أنَّ الله أيَّدهم بنورِه، وأمدَّهم بتوفيقِه، فضربوا بأقوالهم عرضَ الحائط، وداسوا اتِّفاقاتهم بالأقدام، وتطلَّعوا بنظرهم الصَّائِب إلى الحقائق ..","vol":"2","page":741},{"text":"فإذا بحثت في الأمر وحقَّقت المسألة، وجدتهم يتِّفقون في وقت الضُّحى على إنكارِ وجودِ الشَّمس في السَّماء، لأنَّ أوَّلهم الأعمى أنكرها فتابعوه على ذلك! ثقةً منهم بقولِه، وتقديمًا لتقليدِه على يقينِ حسِّهم، وهكذا تجدُ اتِّفاقهم على تضعيفِ عبد السَّلام بن صالح الهروي (^١)، وعلى إبطالِ حديث: «الطَّير»، وحديث: «أنا مدينة العلم» (^٢)، وغير هذا ممَّا يطول ذكره، ويصعب تتبُّعه» (^٣).\nالوقفة الثَّانية: قوله أنَّ سببَ بطلانِ المتنِ راجعٌ إلى دخولِ الوهم على العَدلِ:\nنَعم؛ مُسلَّم به أنَّ الثِّقاتِ مهما بَلغوا في قوَّة ضبطِهم، فلا بدَّ لهم مِن هناتٍ في كثير ما يَروُونَه، والمَعصوم مَن عصَمَه الله؛ لكنَّ الغماريَّ أتبعَ كلامَه بما كانَ الواجبَ تَركُه، ادَّعى فيه على مَشهورِ العدالةِ إمكانَ تعمُّدِ الكذِبَ في الحديث!\nوهذا لغوٌ لا طائل منه؛ فإنَّ النُّقادَ لم يُنزلوا العَدْلَ مكانتَه إلَّا بعد تَتبُّعٍ لسيرَتِه ونَخلِ مَرويَّاتِه، فإذا اجتمعوا على تعديلِ راوٍ، فهم شُهداء الله في الأرض، والأصل الثَّابت عند العلماءِ لا يُشَغَّب عليه بمثلِ هذه الاحتمالات.\nولا يُستغرب الشَّيء مِن مَعدِنه! فإنَّ الغُماريَّ هو مَن فاه بـ «أنَّ الجرحَ والتَّعديلَ غيرُ مُحقَّقِ النِّسبةِ إلى جميعِ المُوثَّقين والمَجروحِين، فكم مِن ثقةٍ جَرَّحوه! وكم مِن مَجروحٍ وَثَّقوه!» (^٤).\nوهذا -لا شكَّ- مِن بَقايا تأثُّرِه بالزَّيدية ومُحدِّثِهم محمَّد بنِ عَقيل الحضرَميِّ (^٥)؛ فَلَكَم أثنى على كتابِه «العَتَب الجميل» في الطَّعنِ على أهلِ الجرحِ\n_________\n(^١) قال ابن حجر في «التَّقريب»: «صدوق له مناكير، وكان يتشيَّع، وأفرَط العُقيلى فقال: كذَّاب».\n(^٢) قد سبق الكلام تفصيلًا على هذين الحديثين، في مبحث «موقف الإمامية من الصَّحيحين».\n(^٣) «المُداوي» للغُماري (٥/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\n(^٤) من كلام الغماري في الجزء الأول من كتابه «جُؤنة العطَّار» (ص/١٦).\n(^٥) محمد بن عقيل بن عبد الله (ت ١٣٥٠ هـ): مِن آل يحيى، العلويُّ الحَسيني: رحَّالة تاجر، مِن بيت علم زَيديٍّ بحضرموت، كان شديد التَّشيع؛ له كُتب منها: «النَّصائح الكافية»، تحامَل فيه على معاوية بن أبي سفيان ﵁ ونالَ منه، و«العَتب الجميل على علماء الجرح والتَّعديل»، انظر «الأعلام» للزركلي (٦/ ٢٦٩).","vol":"2","page":742},{"text":"والتَّعديل؛ فلقد «أفسدَ هذا الرَّجلُ وقَبِيلُه مِن آلِ السَّقاف الزَّيْدِيِّين بدَسائِسِهم الشَّيخَ أبا الفَيض الغُماري، وقَلبوه زَيْديًّا أكثرَ منهم! كما تراه جَلِيًّا في كتابه «فتح المَلِك العَليِّ، بصحَّةِ حديثِ: باب مدينة العلمِ عَليّ (¬١»)، حتَّى جعلَ المحدِّثين أغلبَهم زَيديَّة! (^٢)\nولا عَتَب على نُقَّادِ الرِّجال وهم مَن قام بأعباءِ ما حُمِّلوا مِن أمانةِ نَبيِّهم فتَحمَّلوها، فكَشفوا عن أحوالِ الرُّواةِ عَوارَهم، ومَحوا عن السُّنةِ عارَههم، فمُحالٌ أن يَتوافقوا على عدالةِ رَاوٍ هو خِلافُ ما حَسِبوه، ثمَّ تتبعَهم الأمَّة في التَّديُّنِ بأخبارِه، ولا يَنصب الله لهم عَلامةً على سوء حالِه، وبراءةِ وَحْيِه مِن مُفترَياتِه! و«الله ما سَتَر أحَدًا يكذِبُ في الحديث»، كما قال سفيان بن عُيينة (ت ١٩٨ هـ) (^٣).\nيقول المُعلِّمي: «إذا استمَرَّ الحالُ على توثيقِ رَجلٍ، ولم يَطعن فيه أحدٌ بحُجَّة، فمِن المُحالِ أن يكون ذلك الرَّجل مِمَّن قد يكذِبُ في الحديث، إذْ لو كان كذلك، لفَضَحه الله تعالى، لِما يَلزم مِن سترِه مِن التصاقِ مَروِيِّه بالشَّريعةِ، وقد تَكفَّل الله بحفظِها؛ نعم، يبقى احتمالُ الغَلطِ في بعضِ ما رَوى، ولكنَّه لا بُدَّ أن يُنبِّه الله ﷿ عليه بعضَ أهلِ العلمِ» (^٤).\nالوقفة الثَّالثة: قول الغُماريِّ عن أحاديثِ «الصَّحيحين» أنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانِه .. إلخ:\nقد سَبق الكلام عن أقسامِ ما انتَقَده الحُفَّاظ مِن أحاديثِ «الصَّحيحين»، وأنَّ منها أحاديث مَردودة معدودة على أصابع اليَدين لا تَصمد أمامَ النَّقد، منها ما أخرجَه الشَّيخان وهُما يَعلمانِ علَّته.\n_________\n(^١) «رونق القرطاس» لمحمد الأمين بوخبزة (ص/١٧٢ مخطوط) بتصرف يسير.\n(^٢) في كتابه «جؤنة العطَّار» (١/ ١٥٠).\n(^٣) «الضُّعفاء» للعقيلي (١/ ١٤٦).\n(^٤) «رسالة في الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه» (١٩/ ١٥٤ - آثار المعلِّمي).","vol":"2","page":743},{"text":"لكن ما يَشين عبارةَ الغُماريِّ إطلاقُه للفظِ (الوَضع) على حديث في «الصَّحيحين»! بل ودعوته غيرَه إلى عَدمِ التَّهيُّبِ مِن الحكمِ عليها بذلك إن بَدا له! مُتذرِّعًا بانتفاءِ الإجماعِ عليها؛ ولا ريبَ أنَّه تَهوُّرٌ يفتحِ ذرائعَ لإنكارِ كلِّ مُتَطفِّل جَهولٍ ما لا يَرُوقه مِن الكِتابين؛ فلم يُبقِ الرَّجل بذا للصَّحيحين حُرمةٌ!\nفمَن يدلُّني على ناقدٍ مُعتبَرٍ رمَى راويًا في «الصَّحيحين» بالكَذبِ والوَضعِ قبل الغُماريِّ لمُجرَّدِ نكارةٍ رآها في مَتنٍ رواه؟! وأيُّ ناقدٍ مُعتَبرٍ حَكَم على حديث في «الصَّحيحين» بأنَّه موضوعٌ؟! (^١) اللَّهم إلَّا ابنَ حزم (ت ٤٥٦ هـ)! وما أشبَهَ الغُماريَّ به في حِدَّتِه! فقد تابَعَه في تكذيبِ قصَّةِ عَرضِ أبي سفيان لابنتِه حبيبة على النَّبي ﷺ وهي في «صحيح مسلم» (^٢)، ووافقه في اتِّهام عكرمةَ بنِ عمَّار رَاوِيه بوَضعِه (^٣)!\nوفي الشَّهادة على هذا التَّأثُّر الغُماريِّ بابن حزم، يقول بوخبزة الحَسنيُّ: «شيخنا أحمد ابن الصِّدِّيق الغُماري الطَّنجي .. كان لهِجًا بابن حزمٍ، داعِيًا إلى كُتُبِه، حتَّى إنَّه أوْلَم لمَّا خَتم المرَّة الأولى مِن «المُحَلَّى» عن طبعتِه الأولى! وخَرَج منها -وهو شابٌ يَتوقَّد ذكاءً وطُموحًا- نِقمَةً على الفقهاء، ولعنةً على المُتَعصِّبة!\n_________\n(^١) وأمَّا ما نُسب إلى «صحيح البخاريِّ» من حديث: «كيف بك يا ابنَ عمر إذا بقيتَ في قومٍ يُخبِّئون رزقَ سَنتهم، ويضعفُ اليقين»، وهو قطعةٌ من حديث موضوع، تفرَّد بروايته الجرَّاح بن منهال، وهو متروك مُتَّهم: فهذا الحديث لا تصحُّ نسبتُه إلى «صحيح البخاريِّ» في أيِّ روايةٍ من رواياتِ «الصَّحيح»، وما اشتهر في بعض كُتب المُصطلح وبعض كُتب المَوضوعات من أنَّ ابن الجوزيَّ ذكر هذا الحديث في كتابه «الموضوعات» ونَسَبه إلى البخاريِّ: هو محضُ وَهمٍ على ابن الجوزيِّ، وابنُ الجوزيِّ إنَّما عنَى حديثًا آخر؛ وقد وَقَع في هذا الوَهم العراقي وبعده السُّيوطي، مع أنَّ البخاريَّ بريءٌ من هذا الحديث، وانظر تحرير هذه المسألة في جزءٍ بعنوان «بطلان نسبة الحديث الموضوع: (كيف بك يا ابن عمر إذا بقيت ..) إلى صحيح البخاريِّ» لأستاذنا عبد الباري الأنصاري.\n(^٢) أخرجه مسلم (ك: الفضائل، باب: من فضائل أبي سفيان بن حرب، رقم: ٢٥٠١).\n(^٣) «جؤنة العطَّار» (١/ ١٦)، وتبعه على هذا الحكم بالوضعِ أخوه عبد الله بن الصِّديق في تعليقه على «أخلاق النبي» لأبي الشيخ (ص/٥٤) فقال: «هذا الحديث موضوع، لمخالفته للواقع».","vol":"2","page":744},{"text":"فكان يُجرِعهم الحنْظلَ، ويُلقمهم الجنْدَلَ؛ حتَّى إنِّي استفظَعتُ نعتَه لأبي حنيفةَ بـ (أبي جِيفة)! .. في حين أنَّه يَصفُ كثيرًا مِن جَهلةِ المُتصوِّفة بالخُصوصِيَّة والولايةِ الكُبرى، وهم لا يُؤهَّلون لحملِ نِعالِ أبي حنيفة» (^١).\nإنَّ الأصلَ في حكم النُّقاد على الرَّاوي الثِّقة، إذا خَلَّط في ذكر حديثٍ فوَهِم في نسبتِه إلى النَّبي ﷺ، أنْ يُدرجوا حديثَه هذا في حَدِّ النَّكارةِ أو البُطلانِ -على أشدِّ تقديرٍ-؛ أمَّا أن يصِموه بالموضوع -كما فعَلَ الغُماريُّ بحديث مسلمٍ- فما أبعدهم عن هذا الغلُوِّ! فإنَّ الموضوع في عامَّة استعمالهم -كما استخلصه الذَّهبيُّ من رحيق كلامهم- «ما كان متنُه مخالفًا للقواعد، وراويه كذَّابًا» (^٢)؛ وقد سلَّم الله عكرمةَ بن عمَّار أن يكون كذلك.\nوسيأتي مزيد بسط في نقضِ شديد كلامِ ابن حزم والغُماريِّ في حقِّ حديث عَرْض أبي سفيان لابنته على النَّبي ﷺ في «صحيح مسلم»، وذلك في مبحثه الخاصِّ من القسم الثَّاني للبحث.\nوللغُماريِّ مِن مثل هذا الشَّطَط في أحكامه على المُحدِّثين ودواوينِهم الشَّيء الكثير؛ فهو الَّذي شَنَّ الغارَة على التِّرمذي وأئمَّة الحديثِ بتُهمةِ جمودِهم على ظاهرِ السَّند، وزَعم أنَّ هذا الجمودَ هو العِلَّةُ في إخراجِ البخاريِّ ومسلم للأباطيلِ في صحيحيهما (^٣)، ثمَّ لم يَرْعَوِ عن غَيِّه حتَّى بهَتَ البُخاريَّ بنصبِ العَداوةِ لأهلِ البيت! (^٤) نسأل الله السَّلامة.\nإنَّ آفةَ الغُماريِّ في نظري -فضلًا عمَّا أمضيناه مِن بوائقه- تَسرُّع نفسِه المضطربةِ إلى إصدارِ الأحكامِ المُنفعلة! لا أكاد أراه في كثيرٍ من الأحاديثِ الَّتي يدرسها يُكلِّف نفسَه التَّفتيش في أسانيدها بنَفَسِ المُقمِّش، ولا استقراءَ كلامِ الأئمَّة عنها بنَفسِ المُوازِن؛ ولكن يُطلق لقلمِه العَنان بما أملاه بادئُ رأيِه.\n_________\n(^١) «جراب الأديب السَّائح» لبوخبزة (١١/ ٢٣٨ مخطوط).\n(^٢) «الموقظة» (ص/٣٦)\n(^٣) انظر «جؤنة العطَّار» (١/ ١٦).\n(^٤) «رونق القرطاس» لمحمد الأمين بوخبزة (ص/١٢٠ مخطوط).","vol":"2","page":745},{"text":"وسترى أمثلَة هذا مِلْءَ العَينِ إن طالعت رسالتَه المَوسومةِ بـ «المُغِير على الأحاديثِ المَوضوعةِ في الجامعِ الصَّغيرِ»؛ حيث السَّرْدُ المُمِلُّ والتَّعقيب بالطَّعنِ المُجَرَّدِ سِمتانِ بارزتان له؛ والدِّيانة تَستوجِب الوَرع في دراسةِ الوَحي، والتَّحري يَفرض التَّريُّثَ واستفراغَ الجُهد في إثباتِ شيءٍ فيها أو نفيِه؛ والله من وراء القصد.","vol":"2","page":746},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>المَطلب الخامس\nموقف عبد الله بن الصِّديق الغُماري (^١) (ت ١٤١٣ هـ) من «الصَّحيحين» ودراسة بعضِ ما أعلَّه فيهما</span>\nعبد الله بن الصدِّيق أعلمُ الغُمارِيِّين بالحديثِ بعد أخيه البِكْر أحمد، فبسبَبِه أحبَّ هذا الفنِّ وتَوجَّه لدراستِه، وأثرُه على قلمِه الحديثيِّ واضح في مُؤلَّفاته؛ وإن كان عبد الله ألطفَ عِبارةً منه في النَّقد، وألْيَن جانبًا في الرَّد.\nفإنَّه مع ضعف اندفاعه هذا -مقارنةً بأحمد- لم يكُن لينجُو مِن بعض العيوبِ المنهجيَّة الَّتي وقَع فيها شقيقه تصحيحًا أو تعليلًا، والعَجلة في رَميِ الحديثِ بالوَضعِ مِن غيرِ دَليلٍ رجيح، وهذا يحصل منه أحيانًا لاستحكامِ النَّزعاتِ المَذهبيَّة عليه (^٢).\n_________\nعبد الله بن محمد بن الصديق الحسني: أبو الفضل الغُماري، تلقى تعليمه الأوَّلي في زاوية أبيه الصدِّيقية، ثم ارتحل إلى جامع القرويين بفاس فأخذ عن علمائها، ثم التحق بالجامع الأزهر بمصر سنة ١٩٣٠ م فحصل على شهادة العالمية الأزهرية فيها، إلى أن استقر بطنجة خطيبا بزاويتهم الصدِّيقية ومُدرِّسا بها؛ من تآليفه: «بدع التفاسير»، و«الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة»، انظر ترجمته لنفسه في كتابه «سبيل التوفيق في ترجمة عبد الله بن الصديق».\n(^٢) كحكمِه في كتابه «بدع التفاسير» (ص/١٨١) على حديث أبي هريرة الَّذي في «مسند أحمد» (١٣/ ٣٣٢ برقم: ٧٩٥٠): «لوكان العلم معلَّقا بالثُّريا، لتناوله قوم من أبناء فارس» بالوضعِ، وأنَّ بعض الرُّواة الوَّضاعين هم من غيَّر لفظَ (الإيمان) و(الدِّين) -وهما اللَّفظان الصَّحيحان في الحديث- بلفظِ (العلمِ).\nوحكمه مبالغٌ فيه، والصَّواب ما أثبته أخوه أحمد بن الصِّديق من شذوذِه فحسب، في جزءٍ له سمَّاه «إظهار ما كان خفيًّا، من بطلان حديث: لو كان العلم بالثُّريا»، ووافقه عليه الألباني في «سلسلة الضعيفة» (٥/ ٧٥، رقم: ٢٠٥٤)، فجملة القول أنَّ الحديث ضعيف بهذا اللَّفظ: (العلم)، وإنمَّا الصَّحيح فيه (الإيمان) و(الدِّين)، والله أعلم.","vol":"2","page":747},{"text":"ومِن مَظاهرِ تحكُّم عبد الله بن الصِّديق في نقدِ «الصَّحيحين»: بما ندَّعيه عليه من استحكام النَّزعة المذهبيَّة: محاوَلتُه اليائسة للطَّعنَ في حديثِ مُعاوية بن الحَكم ﵁ الَّذي سأل فيه النَّبي ﷺ الجارية عن الله بأين\n(^١) حيث حكَمَ عبد الله بشذوذِ هذا الحديث الصَّحيح وهو في «مسلم»! وبنفسِ العِلَل التَّي ساقَها سَلَفه الكَوثريُّ لإبطال الحديث؛ ثمَّ زاد عليه أشياءَ تَنقضُ المتنَ في زعمِه لم يذكرها الكوثريُّ\n(^٢).\nوقد تَمادى بعبد اللهِ الخَطلُ في مثالٍ آخر أبطلَ فيه الحديثَ المُتَّفق على صِحَّته بين العلماء! مِن قولِه ﷺ آخرَ عُمرهِ المُباركِ: «لَعَنَ الله اليَهود والنَّصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مَساجد» (^٣)؛ بل أبطلَ أحاديثَ هذا البابِ كلِّها! بدعوى مُخالَفتِها لمِا يَفهمه مِن القرآن غيرَ مُبالٍ بتَكاثر طُرقِها، وتَواترِ مَعناها عن النَّبي ﷺ (^٤).\nهذا وهو المُقرُّ بأنَّ أكثرَ أهل العلم متقدِّمين ومتأخِّرين قد عَمِلوا به، لكن عذرُهم في ذلك عنده: أنَّهم لم يَتَفطَّنوا لِما تَفَطَّن له فيه مِن العِلَل الَّتي تَقضي بتركِ العَمل به واعتقاده.\nيقول: «هذا حديثٌ ثابتٌ في الصَّحيحين وغيرهِما مِن طُرق، وقد عَمِل به كثيرٌ مِن العلماء المُتقدِّمين والمتأخِّرين، ولم يتَفَطَّنوا لمِا فيه مِن العِلَل الَّتي تقتضى\n_________\n(^١) «الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة» لعبد الله الغماري (ص/٨٧ - ٩١).\n(^٢) ستأتي مناقشتها في موضعها المُناسب من هذا البحث (٢/ ٧٧٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (ك: الجنائز، باب: ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵃، رقم: ١٣٩٠)، ومسلم (ك: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، رقم: ٥٢٩).\n(^٤) ذكره الكتَّاني في «نظم المتناثر» (ص/١٣٠ - ١٣١).","vol":"2","page":748},{"text":"ترك العمل به، وذلك أنَّ القرآن الكريم يُعارض هذا الحديث مِن ثلاثة أوجه ..» (^١).\nوخلاصة الوجوه الثَّلاثة عنده: أنَّ اليهود آذوا الله ورسولَه بتُهم شائنةٍ، استحقُّوا عليها اللَّعنة، وأنَّهم كانوا يَقتلون الأنبياء، وأنَّهم حاولوا قتل عيسى ﵇ ومحمَّد ﷺ، فلا يَتَصَوَّر هو بعدَ عُدوانَهم هذا على المُرسلين أن يتَّخذوا قبورَهم مساجد!.\nوما أحسنَ ما فنَّد به (محمَّد الغزاليِّ) هذه الشُّبهة الَّتي ألقى بها الغُماريُّ بجوابٍ مُختصرٍ، يقول فيه: «إنَّ الله وَصَف اليهودَ بقولِه: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]؛ فالصَّالحون أبَوا الاعتداءَ على الأنبياء، والمُجرمون سَفَكوا دماءَهم، وبعد قتلِهم، بُنِيَت المَعابد على قبورِهم، تكريمًا لهم، على أنَّ هذه المقابر وساكنِيها حُصِدَت مع اجتياحِ الأعداءِ للأرض المُقدَّسة، فليس هناك الآن قبرٌ قائمٌ به نبيٌّ معروف! وحَلَّ محلَّ القبورِ الدَّارسةِ أصنامٌ وأنصابٌ ومَذابح في الكنائس المسيحيَّة» (^٢).\nلقد كان عبد الله في دراستِه النَّقديَّة لهذا الحديثِ وأشباهِه مِن حيث تخريجُه، مُتَمِّمًا هو فيه لِما بَدَأه قبلُ أخوه أحمد مِن دراستِه مِن جِهة الفقه، في كتابِه «إحياء المقبورِ، بأدلَّةِ استحبابِ المَساجد والقِباب على القبور»! (^٣)\n_________\n(^١) «الفوائد المقصودة» (ص/١٠٥).\n(^٢) «تراثنا الفكري في ميزان العقل والشرع» (ص/١٥٢).\n(^٣) سأل محمد بوخبزة شيخَه أحمد الغُماري عن تناقضه في كتابه هذا مع ما قرَّره في رسالته «الاستنفار لغزو التَّشبه بالكُّفار»، حيث عقد بابًا في تحريم اتِّخاذ المساجد على القبور لعلَّةِ التَّشبُّه بالكُفَّار، فتردَّد الغماريُّ واضطرب! ثمَّ أشار له إلى أنَّ المدار على القصد والنِّية!\nيقول بوخبزة في كتابه «صحيفة سوابق» (ص/٢٤٤): «.. ولعلَّ ظهور البطلان فيما ذهب إليه هو الَّذي حدا بعبد الله التَّليدي -تلميذ أحمد الغُماري- إلى مخالفته في هذه المسألة في تهذيبه لكتاب شيخه «الاستنفار» (ص/٤٠ - ٤١)، وَلَيته -يعني التَّليدي- نَهج هذا المنهج في سائر موبقاته، وفيها ما هو أبشع وأفظع، ولكنَّها الزَّاوية والطَّريقة» ا. هـ","vol":"2","page":749},{"text":"فلَكَم أغضب هذان الكتابان عند طباعتهما صهرَهما الأمين بوخبزةَ! فسارع بعد انعتاقه من طريقتهما إلى إخراجِ جزءٍ صغيرٍ مطبوعٍ، يرُدُّ فيه عليهما ضمنًا تجويزَهما بناء المساجد على القبور، حَوَت واحدًا وأربعينَ حديثًا في النَّهيِ عن ذلك.\nفما كان يجسُر عليه عبد الله مِن إسقاطِ ما اتُّفِق عليه من النُّصوص وجَرَى عَملُ الأئمَّة عليها، تَعصُّبًا لمذهبِ الطُّرقيَّةِ المُتأخِّرِ، ودَفْعًا للرِّيَبِ عَمَّا آلَ إليه آلُ الغُماريِّ مِن بناءِ الزَّاويةِ على قبْرِ أبيهم، وبيعِ قبورِها للنَّاس! (^١) لَأمرٌ قبيحٌ، يتسامى عنه المُتجرِّدون للحقِّ مِن أهل الحديث ومن غيرهم.\nيقول الأمين بوخُبزة: «حدَّثني الفقيه التُّجكاني أنَّه سمِعَ ابن خالِه وصهرَه الأستاذ عبد الله ابن الصِّدِّيق يُنكر خروجَ يأجوج ومأجوج، ويقول: إنَّهم التَّتار! كما سمِعَه يقول: إنَّ الأعمى الَّذي عَبَس النَّبي ﷺ لمَّا جاءَه ونَزَلَت في شأنِه سورة (عَبَس)، ليس هو ابن أمِّ مكتوم! كما قال المُفسِّرون، واتَّفقَ عليه الأوَّلون والآخرون.\nورأيتُ له في بعضِ كُتُبه كـ «خواطره الدِّينيَّة» أشياء مِن هذا القَبِيل، يُريد بها الانفرادَ والإتيانَ بالجديدِ دون برهانٍ ولا بيانٍ، على قاعدة: خالفْ تُعرفْ!» (^٢).\nولعبد الله مِن مثل ذاك العُدوان على أحاديث «الصَّحِيحين» كثيرٌ (^٣)؛ يَعمِد إلى حديث منها مُتَّفق عليه ثبوتًا، صريح المعنى ظاهرِ الدَّلالة، فيُبطِله بآياتٍ قرآنيَّة ظنِيَّةِ الدَّلالة، على خلاف ما فهمه منها السَّلف الأوَّلون؛ قد تَعقَّبه فيها بعضُ المُشتغلينَ بالتَّخريج وغيرهم (^٤).\n_________\n(^١) وكان أخوهم محمَّد الزَّمزمي بن الصِّديق يُنكرُ هذا الفعل من إخوتِه، ويُصرِّح في كتابه «الزَّاوية وما فيها من البدع» (ص/١٣) أنَّ والدَهم محمَّد بن الصِّديق قد غَيَّر رأيَه فيما كان عليه مِن الغُلوِّ في الطُّرقيَّة، وأنَّه كان ميَّالًا في آخر عمره إلى التزامِ السُّنة المحضةِ والاجتهاد.\n(^٢) «جراب الأديب السَّائح» لمحمد بوخبزة (ج ١، ص ٨ مخطوط).\n(^٣) أمثلة هذا في كتابه «الفوائد المقصودة» عديدة، وكذا كتابه «الصُّبح السَّافر»، ردَّ ما اتَّفق عليه المُحدِّثون والفقهاء مِن حديث عائشة: «فُرضت الصَّلاة رَكعتين ركعتين ..» بدعوى المخالفةِ نفسِها للقرآن.\n(^٤) انظر «آداب الزَّفاف» للألباني (ص/٥٦ - ٥٧)، و«ردع الجاني» لطارق عوض الله (ص/٤٤).","vol":"2","page":750},{"text":"فكيف يَصحُّ بعد هذه المَعايبِ العلميَّة كلِّها أن يُستباحَ حِمَى «الصَّحِيحين» تأسِّيًّا به؟!","vol":"2","page":751},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154><span data-type=\"title\" id=toc-155>المَطلب السَّادس</span>\nموقف الألبانيِّ (^١) (ت ١٤٢٠ هـ) مِن «الصَّحيحين»</span>\nالألبانيُّ لونٌ آخر من رتوت المُحدِّثين وأفذاذ المُخرِّجين في هذا العصر، كرَّس حياتَه لمشروعِ «تقريب السُّنةِ بين يَدَي الأمَّة» (^٢)، فهو في هذا البابِ من التَّخريجِ نهاية لا تُقارَب، وهمَّةٌ في البحث لا تعُارَض، يحشُد لمِا يَراه حَقًّا مِن النُّقولاتِ ما يُحرِج المُخالفَ، ويُبهِرُ المُؤالِف.\nأقول هذا إنزالًا له منزلته المُستحقَّة لا تحيُّزًا -معاذ الله- فلقد لامَستُ بنفسي قُوَّة عريضتِه النَّقديَّة أثناء دِراسَتي لمِا أعلَّه مِن أحاديثِ «الصَّحِيحين»؛ فأخَذَ الرَّد عليه مِن جهدي وزادَ نقدُه في كَدِّي ما لم أجِده مِمَّن عرَّجتُ عليهم مِن مُعاصِريه مِمَّن ذكرتهم قريبًا.\n_________\n(^١) محمد بن نوح نجاتي، الشهير بمحمد ناصر الدين الألباني: وُلد بمدينة أشقودرة بألبانيا ١٩١٤ م، هاجرت به أسرته إلى الشَّام هربًا بدينها بعد أن تولَّى حُكم ألبانيا العلمانيُّ أحمد زوغو، تعلَّم على والده هناك شيئًا من العربيَّة وفقه الحنفيَّة، ثمَّ حُبِّب إليه علم الحديث تأثُّرًا بمجلة المنار لرشيد رضا، فانكبَّ على دراسته حتَّى برع فيه واشتُهر به، وله العديد من المؤلَّفات، منها: سلسلتا الأحاديث الصحيحة والضعيفة، و«إرواء الغليل»، و«جلباب المرأة المسلمة»؛ انظر ترجمته في كتاب «حياة الألباني وآثاره» لمحمد الشيباني.\n(^٢) أفصح عن ذلك في مُقدمته لـ «مختصر صحيح مسلم» (ص/٥).","vol":"2","page":752},{"text":"الفرع الأوَّل: موقف الألبانيُّ من أحاديث «الصَّحيحين».\nالألبانيُّ مُعترِفٌ بعَظيمِ فضلِ «الصَّحيحين»، شديدُ الحَفاوةِ بهما، وهو على جَلَده في التَّحقيق، وحرصِه على التَّدقيق، إذا بَدا له ضَعفُ شيءٍ فيهما، تَباطَأ في إصدارِ حُكمِه، وأنعمَ النَّظرَ تمحيصًا لنقدِه، هِيبةً منه للشَّيخينِ، وإجلالًا منه للكِتابين، خلافًا للثَّلاثةِ المعاصرين قبله!\nفكان من جميل ما يقول في حقِّ البخاريِّ: «إنَّ حديثًا يخُرِجه الإمامُ البخاريُّ في «المسندِ الصَّحيح» ليسَ مِن السَّهلِ الطَّعن في صِحَّته لمُجرَّدِ ضعفٍ في إسناده، لاحتمالِ أن يكون له شَواهد تأخذُ بعضُدِه وتُقوِّيه» (^١).\nوكلام الألبانيِّ هنا متوجِّهٌ فيه بالنَّصيحةِ إلى مَن يجري في مِضمارِ العلماءِ، ويستعمل أدَواتِ نقدهم الَّتي أصَلُّوها في كُتبِ المُصطَلح والتَّخاريج، فيُنبِيه بوعورةِ مَسالكِ النَّقدِ للصَّحِيحين؛ وأمَّا الحائدون عن منهجِ المُحدِّثين المُترامون على الكِتابينِ بشبهاتِ العقلنةِ وهوى النُّفوس، فقد كان الألبانيُّ لهم بالمِرصاد!\nفهذا الكوثريُّ وهو الطُّلَعة اللَّوْذَعي، حين تَعَدَّى حَدَّه بإعلال حديث مُتَّفَق عليه في «الصَّحيحين» دون دليل مُعتبر، لم يَسكُت له الألبانيُّ، بل أخَذَ قلمَه يُسطِّرُ به غلطاته ويُبيِّن تَعالُمَه فيه، حَمِيَّةً منه لهذين الأصلين العظيمين من أصول السُّنَّة (^٢).\nومثلُ ذلك فعَلَ بالغُماريِّ عبدِ الله حينَ أعَلَّ حَدِيثَيْن فيهما، واحدًا مُتَّفَقًا عليه، والآخَر في «مسلم»؛ فتصدَّى له بأن نَفَى العِلَّة عن أسانيدهما، وبَرَّأهما مِن الشُّذوذِ في مَتْنَيهما، ودَلَّ على أنَّ المُعِلَّ أحقُّ بوصف الشُّذوذِ، إذ خالف فيهما أئمَّة الحديث (^٣).\n_________\n(^١) «السِّلسلة الصَّحيحة» (٤/ ١٨٥).\n(^٢) انظر مقدمة تخريجه لـ «العقيدة الطحاوية» (ص/٥٠ - ٥١).\n(^٣) انظر «السِّلسلة الصَّحيحة» (رقم: ٢٨١٤)، و«آداب الزَّفاف» (ص/٥٦ - ٥٧).","vol":"2","page":753},{"text":"إلى غير هذين مِمَّن تصدَّى الألبانيُّ لدفعِ مُعارضاتِهم عن «الصَّحيحين» (^١)؛ قد بَلَغَ ما دافعَ عنه فيهما خمسةً وعشرين حديثًا (^٢).\nالفرع الثَّاني: المُآخذاتِ على نقداتِ الألبانيِّ لأحاديث «الصَّحيحين».\nومعَ ما أظهرَه الألبانيُّ مِن مَوضوعيَّةٍ في النَّقدِ، وتَجرُّدٍ في الأحكامِ، وذَبٍّ عن «الصَّحِيحين» يُشكَر عليه؛ إلَّا أنَّه أُوخِذَ عليه في أحاديث رأى أنَّ البخاري ومسلمًا -مع جلالتِهما في الفنِّ- قد أخطآ في تصحيحها، والفرضُ أنَّهما غير معصومين في ما اجتهدا فيه، فجائز عنده الاستدراك عليهما مادام هذا النَّقد مبنيًّا على قواعده العلميَّة المعتبرة، بدليل نقد الحفَّاظ لهما على مرِّ القرون.\nفلمَّا طبَّق ما دَرَسه مِن قواعدِ علمِ الحديث على ما مَرَّ به من أحاديث «صحيح البخاري»، وَجَد بعضَها تقصُر عن مرتبةِ الصَّحيح أو الحسن؛ فضلًا عمَّا وَجَده من ذلك في «صحيح مسلم».\nيقول بعد حكمِه على جملةٍ من حديث في «البخاريِّ» بالشُّذوذ: «هذا الشُّذوذ في هذا الحديث مثال من عشرات الأمثلة الَّتي تدلُّ على جهل بعض النَّاشئين الَّذي يتعصَّبون لـ «صحيح البخاري» وكذا لـ «صحيح مسلم» تعصُّبًا أعمى، ويقطعون بأنَّ كلَّ ما فيهما صحيح! ويُقابل هؤلاء بعض الكُتَّاب الَّذين لا يقيمون لـ «الصَّحيحين» وزنًا، فيردُّون من أحاديثهما ما لا يوافق عقولهَم وأهواءَهم، .. وقد رددتُّ على هؤلاء وهؤلاء في غير ما موضع» (^٣).\nفهو يرى أنَّ من الواجبِ بيان حالِ مثل هذه الضِّعاف في «الصَّحيح»، أداءً لأمانة العلمِ، ومنعًا لدخولِ ما ليس بسُنَّة في السُّنَّة، وردعًا لمن يُخرج منها ما هو ثابت فيها؛ فقد كان يُبدي هذه النيَّة أحيانًا أثناء تخريجِه لبعض أحاديث البخاريِّ،\n_________\n(^١) راجع تَعقُّباته الكثيرةِ لحسَّان عبد المنَّان في تضعيفِه لعددٍ من أحاديث «الصَّحيحين» في كتابه «النَّصيحة، في التَّحذير من تخريب ابن عبد المنَّان لكُتب الأئمَّة الرَّجيحة».\n(^٢) انظر «ردع الجاني» لطارق عوض الله (ص/٥٢).\n(^٣) «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٩٣).","vol":"2","page":754},{"text":"كما تراه في تضعيفِه للفظٍ في البخاريّ، قال أثناءه: «لو جاز لنا أن نحابيَ الإمام البخاريَّ، لقُلنا: إنَّه قد توبع الفُضيل على لفظِه، ولكن مَعاذ الله أن نحابي في حديث رسول الله ﷺ أحدًا» (^١).\nولأجل الوقوف على منهج الألبانيِّ في نقد أحاديث «الصَّحيحين»، ومدى مُوافقته في ذلك للمنهج النَّقدي عند المحدِّثين، تبيُّنًا لنسبةِ الصَّواب في أحكامِه الَّتي قَضى فيها بالضَّعف أو النَّكارة لما في «الصَّحيحين»، فقد درستُ هذه الأحاديث المُعلَّة ممَّا وقفتُ عليه من تخريجاتِه لها في مُصنَّفاته المتنوِّعة (^٢)؛ ومشيتُ في تقسيم هذه المَعلولات على نفسِ الطَّريقة الَّتي ذكرها في جوابِه لبعضِ من سَأله عن حقيقةِ تضعيفِه لبعض ما في «البخاري»، فقال خلالَه: «نقدي الموجود في أحاديث «صحيح البخاري» تارةً يكون للحديثِ كلِّه، يُقال: هذا حديث ضعيفٌ؛ وتارةً يكون نقدًا لجزءٍ من حديثٍ، وأصل الحديث صحيح، لكن يكون جزءٌ منه غير صحيح» (^٣).\nوأزيد علي هذين القسمين قسمًا آخر، وهو ما تكلَّم فيه في «الصَّحيحين» إسنادًا مع تصحيحِه للمتنِ، فوجدتُ النَّتائج التَّالية:\nالقسم الأوَّل: ما أعلَّه الألباني إسنادًا في «الصَّحيحين» والمتنُ صحيح عنده.\nمثاله: كلامه في إسنادِ حديثَيْ أبي هريرة ﵁ في «صحيح البخاري»: «مَنْ عادَى لي وَليًّا» (^٤)، و«ليس مِنَّا مَن لم يَتَغنَّ بالقرآن» مِن روايةِ أبي عاصم الضَّحاك (^٥)، وهو يُصحِّحهما من أوجه أخرى.\n_________\n(^١) «السلسلة الصحيحة» (١٤/ ١٠٥٥).\n(^٢) أرجو الله تعالى أن يوفقني لنشرها في رسالة مستقلة؛ آمين.\n(^٣) سلسلة الهدى والنور، الشريط الصوتي رقم: (٧٣٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (ك: الرقاق، باب: التواضع، رقم: ٦٥٠٢)، وتخريج الألباني له في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ١٨٣ برقم: ١٦٤٠).\n(^٥) أخرجه البخاري (ك: التوحيد، باب: قوله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به)، رقم: ٧٥٢٧)، وكلام الألباني عليه في «أصل صفة الصلاة» (٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦).","vol":"2","page":755},{"text":"ومثلها في «صحيح مسلم» قد بَلغَت ثلاثة عشر حديثًا (^١)\nمنها تسعةُ أحاديث مِن طريقِ أبي الزُّبير عن جابر بن عبد الله ﵁، يُضَعِفُّ الألبانيُّ أسانيدَها بدعوى تدليسِ أبي الزُّبير وقد عَنْعَن، لكنَّ مُتونها صحيحةٌ عنده مِن أوجهِ أخرى.\nفهذا القسم لا إشكال فيه، ما دام نقد الألباني متعلِّقًا برسومِ الإسنادِ البَحتة، مع إقرارِه بصحَّةِ المتونِ مِن وجوهٍ أخرى.\nوأمَّا القسم الثَّاني: ما أعلَّه الألباني مُطلَقًا وهو في «الصَّحيحين».\nفمجموعُ ما أعَلَّ فيهما الحديثَ كاملًا: اثنا عشر حَديثًا:\nسبعة منها في البخاريِّ: أخطأَ الألبانيُّ في تعليلِها جميعًا! ولم يكن له سَلَفٌ في ذلك.\nوخمسة منها في مسلم: أخطأ في ثلاثة أحاديث ولم يكُن له سَلفٌ من المُتقدِّمين في تضعيفها؛ وأصاب في حديثين كان مسبوقًا في أحدهما إلى تعليله مِن بعضِ المُتقدِّمين، والآخر أخرَّه مسلم في الباب عن الرِّواية الأصحِّ إشارة إلى علَّته.\nوأمَّا القسم الثَّالث: مِمَّا قد أعَلَّ الألباني فيهما جزءًا من حديث دون أصلِه: فبلغت ستة عشر حديثًا (^٢).\nما كان مِن ذلك مُتَّفقًا عليه: فحديث واحد، وهو حديث أبي هريرة: «إن أمَّتي يُدعَون يوم القيامة غرًّا مُحجَّلين مِن آثارِ الوضوء، فمَن استطاعَ منكم أن\n_________\n(^١) انظر «دراسات في صحيح مسلم» لعلي الحلبي (ص/١٠٤).\n(^٢) أعرضت عن إيرادِ كلامِ الألباني في حديث أبي الدَّرداء من طريق شعبة في «صحيح مسلم» مرفوعًا: «مَن حفظَ عشرَ آياتٍ من آخر سورة الكهف عُصم من الدجال»، وحكمِه على لفظ «من آخر» بالشُّذوذ، وأنَّ المحفوظ قول الجماعة: «من أوَّل»، لأجلِ أنَّ الألباني يعلمُ أنَّ مسلمًا نفسَه بيَّن شذوذه من طريق شعبة، وقد أورده بعد الرِّواية المحفوظةِ في «صحيحه» (١/ ٥٥٦)، فهو تحصيل حاصل.","vol":"2","page":756},{"text":"يُطيل غُرَّته فليفعَلْ» (^١)، فقد حكم الألبانيُّ على الجملة الأخيرة: «فمَن استَطاعَ ..» بالوقفِ على أبي هريرة، وذكر أنَّ بعضَ الرُّواةِ أدرَجَها في المرفوع (^٢)؛ وهو مَسبوق في هذا من عدَّة حفَّاظ متأخِّرين، والأمر عندي فيه محتمل.\nوسبعة منها في البخاري: أخطأ الألبانيُّ في أربعةٍ منها، وأصابَ في ثلاثة، ثلاثتها خُرِّجَت في المتابعاتِ أو الشَّواهدِ، قد سُبق إلى تضعيف ذلك الجزء فيهما من متقدِّمين.\nوتسعة منها في مسلم: أصاب الألبانيُّ في ثمانية، وأخطأ في واحد، لكن أغلبها في المتابعات.\nوالخلاصة: أنَّ الألبانيَّ لم يُصِبْ فيما أعَلَّه مِن أصول «الصَّحيحين» جملةً إلَّا في اثنين في «صحيح مسلم» قد سُبِق إلى تعليلهما من المُتقدِّمين؛ أمَّا ما كان كلمةً أو فقرةً مِن الحديث، فقد أصابَ في اثني عشر مِن مجموعِ سبعة عشر، وواحد محتمل، أغلبُها في «مسلم»، وأغلبُ هذه عنده في المتابعات والشَّواهد لا في الأصول.\nومن تكلَّم فيهم من الرُّواة الَّذين احتجَّ بهم البخاري: الصَّحيحُ أنَّهم في درجةِ الصَّدوق، كفُليح بن سليمان، ويحيى بن سليم، وأبو شهاب الحنَّاط؛ أو تكون تهمة الاختلاط منتفية عن بعضهم، كحال أبي إسحاق السَّبيعي؛ فإن كانوا ضعفاء حقيقةً فيكونون متابعين في ما أخرجه لهم البخاريُّ، كفضيل بن سليمان وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن دينار؛ ومَن ثبت عليه الضَّعف من غير متابعة، فقد سُبق الألبانيُّ إلى التَّنبيه عليه من المتقدِّمين، كحال شريك بن عبد الله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: الوضوء، باب: الوضوء، ومسلم (ك: الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل، ٢٤٦).\n(^٢) «السلسلة الضعيفة» (٣/ ١٠٤).","vol":"2","page":757},{"text":"وأمَّا الَّذين في صحيح مسلم، فمن ضعَّفهم الألبانيُّ فإمَّا أن يكون مسبوقًا في ذلك من المتقدِّمين، كحال عمر بن حمزة العمري؛ أو يكونوا مِمَّن أخرج لهم مسلم في المتابعات والشَّواهد لا الأصول، كهشام بن حسَّان وعياض بن عبد الله الفهريِّ.\nلتصدُق بذا مقولةُ الذَّهبي في الرَّاوي الَّذي أخرج له الشَّيخان في الأصول: «تارةً يكون الكلام في تَليينِه وحفظِه له اعتبارٌ، فهذا حديثُه لا ينَحطُّ عن مرتبةِ (الحسن)، الَّتي قد نُسمِّيها: (مِن أدنى درجاتِ الصَّحيحِ)، فما في الكِتابين -بحمدِ الله- رجلٌ احتجَّ به البخاريُّ أو مسلم في الأصول ورواياتُه ضعيفة، بل حسنةٌ أو صحيحةٌ» (^١).\n\nولقد رأيتُ كيف أقدم في نقدِه للصَّحيحين على تعليلِ أحاديث كاملةٍ لم يُسبَق فيها مِن ناقدٍ متقدِّم، بل العلماء على الإقرارِ بصحَّتِها روايةً ودرايةً، ثمَّ تأكَّد هذا الغلط في التَّعليل من غير سلفٍ بخطئه فيها مِن حيث الصَّنعة الحَديثيَّة.\nولن أستدلَّ في هذا المقامِ على غلط الألبانيِّ بأكثر من أن أنقل كلامَه هو الموافقِ على منع تعليل ما تلقَّته العلماء بالقبول في «الصَّحيحين»، وهو ما علَّق به على نصِّ ابن حجر لإفادة الحديث المتلقَّى بالقبول العلمَ، يقول فيه:\n«.. وقد غفل عن هذا التَّلقي وأهميَّته كثير من النَّاس في العصر الحاضر، الَّذين كلَّما أشكل عليهم حديثٌ صحيحُ الإسناد لجؤوا إلى ردِّه، بحجَّة أنَّه لا يفيد القطع واليقين، فهم لا يقيمون وزنًا لأقوال الأئمَّة المتخصِّصين الَّذين قيَّدوا قولَهم بأنَّ حديث الآحاد يفيد الظَّن بقيود، منها: إذا كان مختلفًا في قبوله.\nأمَّا إذا كان مُتَلقًّى مِن الأمَّة بالقبول، لا سيما إذا كان في «الصَّحيحين» على ما بيَّنه المؤلِّف ﵀: فهو يفيد العلمَ واليقينَ عندهم، ذلك لأنَّ الأمَّة معصومة عن الخطأ، .. فما ظنَّت صحَّته، ووجب عليها العمل به، فلا بدَّ أن يكون صحيحًا\n_________\n(^١) «الموقظة» (ص/٨٠).","vol":"2","page":758},{"text":"في نفس الأمر، كما قال العلَاّمة أبو عمرو بن الصَّلاح في مقدِّمته، وتبعه الحافظ ابن كثير وغيره» (^١).\nوفي كلامٍ له آخر أبْيَن في المقصود يقول: «خبر الآحاد يُفيد العلمَ واليقين في كثيرٍ من الأحيان، مِن ذلك: الأحاديث الَّتي تلقَّتها الأمَّة بالقَبول، ومنها ما أخرجه البخاريُّ ومسلم في صحيحَيهِما، ممَّا لم يُنتقَد عليهما، فإنَّه مَقطوع بصِحَّته، والعلمُ اليقينيُّ النَّظري حاصلٌ به ..» (^٢).\nفليتَ الألبانيَّ أخذَ بهذا التَّأصيل القويم بعينِ الاعتبارِ أثناء تعليلِه لبعضِ أحاديثِ «الصَّحيحين»؛ والَّذي ظَهَر لي في سِرِّ هذا التَّناقض بين ما أصلَّه هنا في هذه المسألة، وبين تَضعيفِه ما ليس له فيه سَلَفٌ مِن المُتقدِّمين من آحاد «الصَّحيحين»:\nأنَّ الألبانيَّ متابع لرشيد رضا في تسويتِه بين نوعين مِن النَّقدِ مختلفين في تعليلِ أحاديث «الصَّحيحين»، كان ينبغي التَّفريق بينهما:\nبين تضعيفِ كلمةٍ مِن حديثٍ، أو شطرٍ منه، لشذوذٍ ونحو لذلك: فهذا جائزٌ كما قدَّمنا تقريره لمِن تَأهَّل له بشروطه.\nوتضعيفِ أصل حديثٍ بأكملِه من غير سلفٍ في ذلك! فهذا الَّذي نمنعُه.\nولعلَّ الألبانيَّ لمَّا رأى بعضَ المُحدِّثين المتأخِّرين مَشوا في نقدِ أحاديث «الصَّحيحين» على النَّوع الأوَّلِ -كابن القطَّان، وابن تيميَّة، وابن حجرٍ- قاسَ على ذلك النَّوع الثَّاني فاستجاز فيه ما استجازَ في الأوَّل!\nظَهر لي هذا التَّأليفُ منه بين هذين النَّوعين المُختلفين في مثالِ جوابِه لمِن سَألَه عمَّن سَبَقه إلى إعلالِ بعضِ أحاديث «البخاريِّ»، حيث قال: «.. في أثناءِ البحثِ العلميِّ، تَمرُّ معي بعضُ الأحاديثِ في «الصَّحيحين» أو في أحدهما، فينكشِفُ لي أنَّ هناك بعضُ الأحاديث الضَّعيفة، لكن مَن كان في ريبٍ ممَّا أحكُم\n_________\n(^١) «النكت على نزهة النظر» لعلي الحلبي (ص/٧٤).\n(^٢) «الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام» للألباني (ص/٦٢).","vol":"2","page":759},{"text":"أنا على بعضِ الأحاديث، فليَعُد إلى «فتحِ الباري»، فسَيَجِدُ هناك أشياءَ كثيرةً وكثيرةً جِدًّا، يَنتقِدُها الحافظ أحمد ابنُ حَجَرٍ العَسقلاني» (^١).\nوكنَّا قرَّرنا آنفًا أنَّ نقداتِ ابن حجر لبعضِ ما في «الصَّحيحين» هو مِن النَّوع الثَّاني المُتعلِّق بكلمةٍ أو بعضِ كلماتٍ في الحديث، لا أصل الحديث كما فَعَل الألبانيُّ!\nوكان الألبانيُّ قد قدَّم لجوابه السَّالف بأن قال للسَّائل: «أمَّا ما يَتَعلَّق بغيري مِمَّا جاء في سؤالِك: وهو هل سَبَقك أحَدٌ؟ فأقول -والحمد لله- سُبِقت من ناسٍ كثيرين، هم أقعد منِّي وأعرفُ منِّي بهذا العلم الشَّريف، وقُدامى جدًّا بنحوِ ألفِ سنةٍ، كالإمام الدَّارقطني وغيره، فقد انتقدوا الصَّحيحين في عشرات الأحاديث، أمَّا أنا فلم يبلغ بي الأمر أن أنتقد عشرة أحاديث ..».\nوهذا أُراه خطأً منهجيًّا في تسويغِ مذهبه هذا؛ فالألبانيُّ وإن سُبق من سلفِ المحدِّثين في أصلِ النَّقد والتَّعليل لأحاديثِ «الصَّحيحين»، لكنَّه لم يُسبَق إلى تعليلِ أفرادٍ منها بعينِها! ومحلُّ النِزاع في هذا لا الأوَّل.\nوهذا نفسُ ما وقع فيه (رشيد رضا) قبله، غير أنَّ هذا كان يلِج إلى ذلك من خلالِ طعونه العقليَّة في المتون، والألبانيُّ يلج إلى تعليلها من خلال الصَّنعة الإسناديَّة!\nوقد ظهر مِن خلال دراسةِ أحاديث الأقسامِ الثَّلاثة السَّابقة، أنَّ الألبانيَّ قد أصابَ في بعضِ ما أعلَّه مِن أحاديث القسمِ الثَّالث، وأكثرها قد سُبِق إليه مِن الحفَّاظ، لكنَّه غلِطَ في تضعيفِ ما وَهَّنه مِن أحاديث «الصَّحيحين» بأكملِها، صَنعةً وانعدامَ سَلَف.\nهذا وهو الألبانيُّ! وقد أمضى ستِّين سنةً مِن عُمره بين أسفارِ الحديثِ نقدًا وتخريجًا وتحقيقًا، فكيف بأقزامِ زمانِنا مِن أصاغر هذا العصر، مِمَّن توجَّهوا إلى «الصَّحيحين» بالطَّعنِ من غير عُدَّةٍ علميَّةٍ ولا سَلفٍ مِن الأُمَّة؟!\n_________\n(^١) «فتاوى الشيخ الألباني» (ص/٥٢٦) جمع عكاشة الطيبي.","vol":"2","page":760},{"text":"حتَّى إذا جاءَهم عَالِمٌ ناصحٌ بالكَفِّ عن هذا العَبَثِ في الصِّحاح، أَخذتهُم العِزَّةُ بالإثمِ، وقالوا: أليسوا رجالًا ونحنُ رجال؟! فهذا الألبانيُّ طَعَنَ، فلِمَ التَّحجير علينا نحن؟!\nتسمعُ مثل هذا القياسِ الباطل على نقدات الألبانيِّ مِن أحدِ المُتهوِّرين في نقد ما اتُّفق عليه بمحضِ الرَّأي، حيث يقول: «إنَّ نقدَ أحاديث بعينِها لن يكون مَطْعَنًا في السُّنَة، ولا في مَن قامَ بالنَّقد، وهذا الشَّيخ ناصر الألباني، قد نَقدَ عشراتِ الأحاديثِ في صحيحِ مسلمٍ، وشيئًا يَسيرًا في صحيح البخاري! ..» (^١).\nفحينئذٍ نقول لأمثالِ هؤلاء: إن أبَيْتم إلَّا اقتحامَ أرضِ السِّباع، فاتركوا عنكم الاحتجاجَ بالألبانيِّ وأمثالِه مِن العلماءِ، فإنَّ عذرَ هذا فيما تَولَّاه مَعقول -على ما فيه من هناتٍ- صادرٌ في ذلك كلِّه عن تخصُّصه في قواعد النَّقد وخِبرةٍ، ثمَّ المُتخَصِّصون يَتَعقَّبونه بنفسِ تلك القواعد؛ فأين هذا مِن مَنهجكم؟!\nفها هي أحاديث «الصَّحيحين» التَّي تَكلَّم فيها الألبانيُّ مبثوثة في كُتبه، فتأمَّلوها؛ هل رأيتموه يَطعن في أيٍّ من متونها لأنَّ عقلَه أو ذوقَه لم ترُقه كما تفعلون؟!\nوالألبانيُّ إذْ تكلَّم مِن ذلك في سِتَّة متونٍ -بصرفِ النَّظر عن صواب نقدِه من خطئه- قد كان مُتبِعًا لذلك بنقدِ أسانيدِها! مُعلِّلًا مصدر ذلك مِن النَّاحية الحديثيَّة كما هي الجادَّة عند المُتقدِّمين.\nفاسمعوها منه يُعلِنها مُدْوِيةً في أذانِ المُتصَيِّدين لبعضِ اجتهاداتِه ذريعةً للطَّعن في أحاديث «الصَّحيحين» بمَحضِ التَّمَعقُلِ والتَّشهِّي، حيث يقول بعد تضعيفه لفقرةٍ مِن حديثٍ في البخاريِّ:\n_________\n(^١) من مجموع مقالات لحمد سعيد حوَّا بعنوان: «منهجية التعامل مع السنة النبوية» برقم: ٦٨، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، بتاريخ ١٢/ ٤/٢٠١٠ م.","vol":"2","page":761},{"text":"«.. قد أطَلتُ الكلامَ على هذا الحديثِ وراويه، دفاعًا عن السُّنة، ولِكَي لا يَتَقوَّل مُتقوِّل، أو يقول قائلٌ مِن جاهلٍ أو حاسدٍ أو مُغرضٍ: إنَّ الألبانيَّ قد طَعَن في «صحيح البخاريِّ» وضَعَّف حديثَه! فقد تَبيَّن لكلِّ ذي بصيرةٍ، أنَّني لم أُحَكِّم عقلي أو رأيِي، كما يفعل أهلُ الأهواء قديمًا وحديثًا، وإنَّما تمسَّكَت بما قاله العلماء في هذا الرَّاوي، وما تَقتضيه قواعدُهم في هذا العلم الشَّريف ومُصطلحِه مِن ردِّ حديثِ الضَّعيف، وبخاصَّةٍ إذا خالَف الثِّقة، والله وليُّ التَّوفيق» (^١).\nويقول في موضعٍ آخر:\n«بعضُ النَّاس مِمَّن لهم مُشاركةٌ في بعضِ العلومِ، أو في الدَّعوةِ إلى الإسلام -ولو بمفهومِهم الخاصِّ- يَتَجرَّؤون على رَدِّ ما لا يُعجِبُهم مِن الأحاديث الصَّحيحة وتضعيفِها، ولو كانت ممَّا تَلقَّته الأمَّة بالقَبول! لا اعتمادًا منهم على أصولِ هذا العلم الشَّريفِ، وقواعدِه المعروفةِ عند المحدِّثين، أو لشبهةٍ عَرَضت لهم في بعضِ رُواتِها -فإنَّهم لا عِلمَ لهم بذلك، ولا يُقيمون لأهلِ المعرفةِ به والاختصاصِ وَزنًا- وإنَّما يَنطلقون في ذلك مِن أهوائِهم، أو مِن ثقافاتِهم البعيدةِ عن الإيمانِ الصَّحيح القائمِ على الكتاب والسُّنة الصَّحيحة، تقليدًا مِنهم للمُستشرقين أعداءِ الدِّين، ومَن تَشبَّه بهم في ذلك مِن المُستغربين، أمثالِ أبي ريَّة المصريِّ، وعزِّ الدين بليق اللُّبناني ..» (^٢).\nالفرع الثالث: بيان ما أقرَّه الألبانيُّ من كلام الغُماري بوجود مَوضوعاتٍ في «الصَّحيح».\nيَزعُمُ بعض المعاصرين (^٣) مُوافقةَ الألبانيِّ لما سبق من كلامِ أبي الفيضِ الغُماريِّ في أحاديث «الصَّحيحين» من «أنَّ فيها ما هو مَقطوعٌ ببُطلانه، فلا تغترَّ\n_________\n(^١) «السلسلة الضعيفة» (٣/ ٤٦٥).\n(^٢) مقدمته لـ «مختصر صحيح الإمام البخاري» (٢/ ٨).\n(^٣) كما تراه مثلًا عند القنُّوبي الإباضيِّ في كتابه «السَّيف الحاد» (ص/١٠٦).","vol":"2","page":762},{"text":"بذلك، ولا تتهيَّب الحُكم عليه بالوضعِ لِما يذكرونه مِن الإجماعِ على صحَّة ما فيهما ..» (^١).\nفيزعمون أنَّه قد أقرَّ الغُماريَّ على وجودِ المَوضوعاتِ في «الصَّحيحين»، وأنَّه لا ينبغيِ التَّهيُّبِ مِن الحكمِ بذلك فيهما، يَعْنونَ ما عقَّب به الألبانيُّ كلامِ الغُماريِّ حيث قال: «وهذا مِمَّا لا يَشكُّ فيه كلُّ مُتمرِّس في هذا العلمِ، وقد كنتُ ذَكرتُ نحوَه في مُقدِّمة «شرح العقيدة الطَّحاوية» .. غير أنِّي أتَخوَّف مِن قولِ الغُماري أخيرًا: «.. لمُخالفتِها للواقع»، لِما يُخشَى مِن التَّوسُّع في ذلك» (^٢).\nهذا كلامُ الألبانيِّ؛ وعند نظري في سياقِه وباقي نصوصِه في هذه المسألةِ، خلُصت إلى أنَّ الألبانيَّ -وإن أخطأ في عباراته تلك الَّتي توهم الموافقة للغُماريِّ! إذ كان ينبغي في مثل هذه المضايق التَّفصيل والاحتراز والدِّقة في انتقاء الألفاظ كما عهدناه من مزايا الألبانيِّ في الجملة- غير أنِّي أحيد بتعليقه ذاك أن يكون صريحًا في مُوافقة كلامِ الغُماريِّ كلِّه؛ ذلك أنَّ كلام الغُماريِّ تَضَمَّن عدَّة أفكار:\nأولَاها: القطع ببطلان أحاديثَ في «الصَّحيحين» لمخالفتِها للواقع.\nثانيها: لزوم الحكم على مثل هذه الأحاديث فيهما بالوضعِ.\nثالثُها: نفي الإجماع على صحَّة كلِّ أحاديثهما.\nرابُعها: أنَّ هذه الأباطيل والمُنكرات ليست سِمةً في الكتابين، وليس كثيرةً فيهما.\nوالَّذي يَتأمَّل تعليقَ الألبانيِّ -مع استحضار ما نقلناه من نصوص كلامه آنفًا في موقفه من الصَّحيحين- سيظهر له أنَّه إنَّما استشهد بالفِكرتين الأخيرتين من كلام الغُماريِّ فحسب، والدَّليل استعمالُه لهذا النصِّ الغُماريِّ في مَعرضِ الرَدِّ\n_________\n(^١) سبق نقله (١/ ٧٤٠).\n(^٢) «آداب الزفاف» للألباني (ص/٥٩ - ٦٠).","vol":"2","page":763},{"text":"على مَن أنكرَ عليه إعلالَه لبعضِ أحاديثِ «صحيح مسلم» (^١)، بدعوى أنَّ العلماء أجمعوا على صِحَّة كلِّ ما فيه.\nفتقصَّد الألبانيُّ نسفَ هذا الادِّعاءَ من مُدَّعيه بإثباتِ انتقادِ العلماء لأحاديث «الصَّحيحين» قديمًا وحديثًا، واختصَّ منهم أبا الفيضِ الغُماريَّ بالتَّمثيلِ لكونِه مُبجَّلًا عند المُنكرِ عليه وأنَّه تلميذ لمدرسته!\nفكأنَّه يُحاجُّ هذا الدَّعِيَّ بشيوخِه الغُماريِّين أنَّهم كذلك يعلُّون في الصَّحيحين كما أعلَّ الألبانيِّ، بل أشدَّ! ليُلزِمَه الإنكارَ عليهما كما فعل معه، أو السُّكوتَ والتَّبرُّم مِن أصلِ الفكرةِ الَّتي لأجلها أنكر عليه مِن الأساسِ.\nوقد تَتبَّعتُ الأحاديث الَّتي تَكلَّم فيها الألبانيُّ في أحدِ «الصَّحيحين»، فلم أجَدْ له في مؤلَّفاته كلِّها حديثًا حَكَم عليه بالوضعِ؛ قُصارى حُكمِه لا يُجاوز دائرةَ التَّضعيفِ؛ فليس مِن المعقولِ أن يترك هو الأحاديثَ الموضوعةَ دون بيانٍ، ليتَّجه إلى بيانِ ما دونها في الضَّعف!\nومن ثمَّ فإنَّ عبارة الألبانيِّ لا يُمكن بحالٍ أن يُستشهد بها على ادِّعاءِ وجودِ موضوعاتٍ في البخاريِّ مِن جِهة الواقع العلميِّ للمتمرِّسين؛ بل على العكسِ مِن ذلك نجدُ الألبانيَّ يَنفي عن نفسِه ما اتَّهمه به بعضِ أقرانِه من العلماء من أنَّه يُسَوِّي بين «الصَّحيحين» وباقي كتبِ السُّنَن في التَّوقُّف حتَّى يُعلم درجة كلِّ حديثٍ فيها (^٢)، بل دافع عن نفسِه بالإقرارِ بأنَّ «الصَّحيحين» أصحُّ الكتب بعد كتابِ الله تعالى باتِّفاقِ علماء المسلمين مِن المحدِّثين وغيرِهم، يقول فيهما: «قد امتازا على غيرهِما مِن كُتب السُّنة بتفرُّدِهما بجمع أصحِّ الأحاديث الصَّحيحة، وطرحِ الأحاديث الضِّعيفة والمتونِ المنكرة، على قواعد متينةٍ وشروط دقيقةٍ، وقد وُفِّقوا في ذلك توفيقًا بالغًا لم يُوفَّق إليه من بعدهم ممَّن نحا نحوَهم في جمع الصَّحيح،\n_________\n(^١) وهو محمود سعيد ممدوح المصريَّ، في كتابه «تنبيه المسلم، إلى تعدِّي الألبانيِّ على صحيح مسلم».\n(^٢) من كلام عبد الفتاح أبو غدة في الألبانيُّ كما نقله عنه في مقدمة «شرح الطَّحاوية» (ص/٢٣).","vol":"2","page":764},{"text":"كابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، وغيرهم، حتَّى صار عرفًا عامًّا أنَّ الحديث إذا أخرجه الشَّيخان أو أحدهما فقد تجاوز القنطرة ودخلَ في طريقِ الصِّحة والسَّلامة، ولا ريب في ذلك، وأنَّه هو الأصل عندنا» (^١).\nفلقد كان -إذن- مِن الأمانة والمروءة على مَن يَنقلُ تعليقَ الألبانيِّ على كلامِ الغُماريِّ يوهِم بذلك إقرارَه، أن ينقُلَ في مُقابلِه تشنيعَ الألبانيِّ على الغُماريِّ تضعيفَه لأحاديثِ «الصَّحيحين» بمَحضِ الهَوى والتَّحُكم! ولْيَذكُر أيضًا قولَه عنه: «بعضُ المُشتَغلين بهذا العِلم، لغَلَبة التَّعصُّبِ المَذهبيِّ عليهم، وتَمكُّن الأهواءِ منهم، فإنَّهم في كثيرٍ مِن الأحيانِ يُضعِّفون الأحاديثَ الصَّحيحة، كالشَّيخِ الكوثريِّ، وعبدالله الغُماري، وأخيه الشَّيخ أحمد ..» (^١)!\nوالله الهادي إلى سواء الصِّراط.\n_________\n(^١) مقدمة «شرح الطَّحاوية» (ص/٢٢ - ٢٣).\n(^٢) مقدمة «مختصر الإمام البخاري» (٢/ ٩)","vol":"2","page":765},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الباب [الثالث] [*]\nنقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريةِ المُعاصرةِ لأحاديث «الصحيحين»</span>\nويشتمل على ثمانية فصول:\n* الفصل الأوَّل: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالإلهيَّات.\n* الفصل الثَّاني: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالتَّفسير.\n* الفصل الثَّالث: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالغَيبيَّات.\n* الفصل الرَّابع: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالنَّبي ﷺ.\n* الفصل الخامس: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بباقي الأنبياء.\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع: «الأول»","vol":"2","page":767},{"text":"* الفصل السَّادس: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالطَّبيعيَّات.\n* الفصل السَّابع: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالمرأة.\n* الفصل الثَّامن: نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُدَّعاة أنَّها مِن الإسرائيليَّات.","vol":"2","page":768},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الفصل الأول\nنقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالإلهيَّات</span>","vol":"2","page":769},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المبحث الأوَّل\nنقد دعاوي المعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الجارية</span>","vol":"2","page":771},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديث الجارية</span>\nعن معاوية بن الحَكم السُّلمي ﵁، بعد ذكرِه قصَّةَ دخوله لمسجدِ النَّبي ﷺ وكلامِه في الصَّلاة، ثمَّ سؤالِه النَّبيَّ ﷺ عن الكُهَّانِ والتَّطير، قال:\nكانت لي جاريةٌ تَرعى غَنمًا لي قِبل أُحُد والجوَّانيَّة (^١)، فاطَّلعتُ ذاتَ يومٍ، فإذا الذِّئب قد ذَهب بشاةٍ مِن غَنمِها، وأنا رجلٌ مِن بني آدم، آسَف كما يأسفون، لكنِّي صَكَكتُها صكَّةً.\nفأتيتُ رسول الله ﷺ، فعظُم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله، أفلا أُعتِقها؟ قال: «ائتِني بها»، فأتيته بها، فقال لها: «أين الله؟»، قالت: في السَّماء، قال: «مَن أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتِقها، فإنَّها مُؤمنة» (^٢).\n_________\n(^١) الجَوَّانِيَّة: موضع أو قرية قرب المدينة من جهة الشَّمال، انظر «معجم البلدان» (٢/ ١٧٥).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، رقم: ٥٣٧).","vol":"2","page":773},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ لحديث الجارية</span>\nتمهيد:\nلا يَزال حديث الجارية مُشكلًا على كثيرٍ مِن المُحصِّلين حقيقةُ ما أريد به، قد تَشعَّبت بهم صِيَغ القول فيه؛ حتَّى أفضى بفريقٍ إلى ادِّعاء ما لا يُعرَف له في تأويلِ الحديث أصل (^١)، فهؤلاء لا نتشاغل بنقدِ مَقالتِهم تلك ما داموا يُقرِّون لنا بثبوتِه؛ وإنَّما وِجهة النَّقد صَوْبَ فريقٍ انتهى إلى النَّكير والطَّعن في الحديث على عمياء! فلم يعُد إليهم مِن ذلك إلَّا إفكٌ صَريح، إذْ قابلوا الصِّدقَ بالكذب، وعارضوا اليَقين بالشَّك.\nفكان أشهر مَن تولَّى منهم كِبرَ ذلك في زمانِنا هذا رجُلان، أحدهما في المشرقِ والآخر في المغرب؛ فأمَّا المَشرقيُّ: فمحمَّد زاهد الكوثريُّ، وأمَّا المَغربيُّ: فعبد الله بن الصِّديق الغُماري؛ ثمَّ رَدَّد مزاعمَهما واغتَّر بشُبهاتهما مَن لا تحقيقَ له في فنِّ الرِّوايةِ، ولا فهمَ له في علم الدِّراية، ألصقُهم بهذين الوصفينِ تلميذٌ أردنيٌّ للغُماريِّ يُدعَى (حسن السَّقاف).\n_________\n(١) انظر بعضًا من هذه التَّأويلات لحديث الجارية في: «مشكل الحديث» لابن فورك (ص/١٥٨)، و«المواقف» للآمدي (٣/ ٣٧)، و«كشف المشكل من حديث الصحيحين» لابن الجوزي (٤/ ٢٣٥)، و«شرح النووي على مسلم» (٥/ ٢٤).","vol":"2","page":774},{"text":"وليس يشكُّ حَديثيٌّ أنَّ القولَ بضعفِ حديث معاوية بن الحكم ﵁ تَنكُّب عن جماعةِ المُحدِّثين، ونَقضٌ لمِا توارَدت عليه أجيالُ الأمَّة مِن تَلقِّيه بالقَبول؛ فأهل الصَّنعةِ مُسلِّمون بثبوتِه، منهم: البَيهقيُّ (^١)، وابن عبد البرِّ (^٢)، والبَغويُّ (^٣)، والجورقاني (^٤)، وابن قدامة المقدسيُّ (^٥)، والذَّهبي (^٦)، وابن حجر العسقلانيُّ (^٧)، وابن الوزير اليَماني (^٨)، وغيرهم كثير.\nلكن بعض مَن أسلفتُ ذكرَ أسَاميهم مِن مُنكري الحديث لم يرفعوا بكلامِ هؤلاءِ الأعلامِ رأسًا، بل طافوا حولَ الحديث تهويشًا بكلِّ شُبهةٍ وقذفًا بكلِّ مَظِنَّة، قصد الانفكاك عن مُقتضى ما في السُّؤالِ عن الله بأين مِن إثباتِ العُلوِّ له سبحانه.\nوالسَّبيل فيما صحَّ عن رسول الله ﷺ أن يُتلقَّى بالقَبول، والإذعان لخبرِه على مُرادِه، فقد كان ﷺ أعرفَ الخلق بالله -بأبي هو وأمِّي-، وأعلمهم بطريق الهداية إليه؛ فليس لأحدٍ مِن خلقِ الله أن يشمئزَّ عن قَالةٍ قالها، أو يتنكَّب عن مَحجَّة سَلكها، فما يأتي منه ﷺ إلَّا ما طابَ وكرُم، وما له مِنَّا فيما بلَغنا عنه إلَّا السَّمع والطَّاعة، والرِّضا والتَّسليم.\nهذا؛ وإنَّ المُتنفِّر عن مثلِ هذا الحديث، المُجِدَّ في الهربِ عنه، لو أنعمَ النَّظر فيه، مع ما يُتلى عليه مِن الآياتِ والذِّكر الحكيم، ويُروى له مِن السُّنَن بالنَّقل القويم: لن يُعدَم له نظائر في القَبِيلَيْن.\n_________\n(^١) «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٢٥).\n(^٢) «الاستيعاب» (٣/ ١٤١٥).\n(^٣) «شرح السُّنة» (٣/ ٢٣٩).\n(^٤) «الأباطيل والمناكير» (٢/ ٣٩١).\n(^٥) «إثبات صفة العلو» (ص/٦٩).\n(^٦) «العلو» (ص/١٤).\n(^٧) «فتح الباري» (١٣/ ٣٥٩).\n(^٨) «العواصم والقواصم» (١/ ٣٨٠).","vol":"2","page":775},{"text":"تأمَّل لوائحَ هذا في قولِ أبي الحسن الأشعريِّ (ت ٣٢٤ هـ):\n«قال تعالى حاكيًا عن فرعون -لعنه الله-: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]؛ كذَّب موسى ﵇ في قوله: إنَّ الله سبحانه فوق السَّماوات.\nوقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [المُلك: ١٦]: فالسَّماوات فوقها العرش، فلمَّا كان العرش فوق السَّماوات قال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾، لأنَّه مُستَوٍ على العرش» (^١).\nونَظير ذلك في سُنَّة رسول الله ﷺ قوله: «اِرحموا مَن في الأرض، يرحمكم مَن في السَّماء» (^٢)؛ وقوله ﷺ: «ألَا تأمنوني وأنا أمين مَن في السَّماء؟! ..» (^٣).\nفما جاء من جوابِ الجاريةِ في الحديث واقعٌ بمثلِ ما نَطق به التَّنزيل الكريم، وأبانت عنه سُنة الهادي الأمين، وتوارثه النَّاس عن الصَّحابة والتَّابعين، وهؤلاء «لا يقولون شيئًا مِن ذلك إلَّا وقد أخذوه عن رسول الله ﷺ، لأنَّهم لا مساغَ لهم في الاجتهاد في ذلك، ولا أن يقولوه بآرائِهم» (^٤).\nفلأجلِ ذلك نرى الأشعريَّ يُدرج حديثَ الجارية هذا في ما توارثه السَّلف من أدلَّةٍ في إثباتِ العلوِّ لله تعالى، معلِّقًا عليه بقوله: «هذا يدلُّ على أنَّ الله تعالى على عرشه، فوق السَّماء ..» (^٥).\n_________\n(^١) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص/١٠٦).\n(^٢) خرَّجه الترمذي في «الجامع» (ك: البر والصلة، باب: ما جاء في رحمة المسلمين، رقم: ١٩٢٤)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، رقم: ٤٣٥١)، ومسلم في (ك: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، رقم: ١٠٦٤).\n(^٤) «العرش» للذهبي (٢/ ١٥٩).\n(^٥) «الإبانة» (ص/١١٩).","vol":"2","page":776},{"text":"وابن كُلَّاب (ت ٢٤٥ هـ) (^١) نفسُه قد بَيَّن أنَّ إنكارَ ما في هذا الخبرِ مِن سؤال النَّبي ﷺ للجاريةِ عن الأيْنيَّة وجوابِها له، مِن قبائحِ ما تقحَّمته الجهميَّة دون سائرِ الأمَّة، فقال: «رسول الله ﷺ، وهو صَفوة الله من خلقِه، وخيرته مِن بريَّتِه، وأعلمهم جميعًا به، يجِيزُ قولَ الأَين، ويقوله، ويستصوب قولَ القائل: إنَّه في السَّماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهمُ بن صفوان وأصحابه لا يُجِيزون الَّذي زَعموا، ويُحيلون القولَ به».\nثمَّ قال: «.. ولو كان خطأً، كان رسول الله أحقَّ بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك، فتوهِمين أنَّه ﷿ مَحدود، وأنَّه في مكانٍ دون مكانٍ؛ ولكن قولي: إنَّه في كلِّ مكان، لأنَّه هو الصَّواب دون ما قلتِ.\nكلَّا! لقد أجازه رسول الله ﷺ، مع علمِه بما فيه، وأنَّه أصوب الأقاويل، والأمر الَّذي يجلِب الإيمان لقائلِه، ومِن أجلِه شهدَ لها بالإيمان حين قال، وكيف يكون الحقُّ في خلاف ذلك والكتاب ناطقٌ به وشاهد له؟!».\nيقول أبو بكر ابن فورك (ت ٤٠٦ هـ) بعد نقلِه لنصِّ كلامِ ابن كُلَّاب: «قد حَقَّق ﵀ في هذا الفصل شيئًا مِن مَذاهِبه:\nأحدها: إجازة القول بـ «أين الله» في السُّؤال عنه.\nوالثَّاني: صحَّة الجواب عنه بأن يُقال: في السَّماء.\nوالثَّالث: أنَّ ذلك يَرجِعُ فيه إلى الإجماعِ مِن الخاصَّة والعامَّة» (^٢).\nومع هذه البصائر البيِّنات كلِّها، لم يقنَعوا مَن عَنينا قبلُ مِن المُتأخِّرينَ بهذه الدَّلائل ولا تبصَّروا بكلامِ مَن مَرَّ مِن الأوائل، ومع إعلانِهم التَّقليدَ في العقائد، وتبجُّحهم باقتفاءِ تأصيلِهم للقواعد، فقد أجْلَبوا على الحديثِ بما قَدِروا مِن بِدع المعارضات، مُجمَلةٌ فيما تَعلَّق منها بالمتنِ في الآتي:\n_________\n(^١) عبد الله بن سعيد ابن كُلَّاب، أبو محمد القطان: من رؤوس المتكلمين، يقال له ابن كُلَّاب: لأنه كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا ناظر عليه كما مجتذب الكلاب الشئ! له كتب، منها: «الصفات»، و«خلق الأفعال»، و«الرد على المعتزلة»، انظر «الأعلام» (٤/ ٩٠).\n(^٢) نقله ابن تيمية عن كتاب «الصِّفات» لابن فورك في كتابه «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٨٩ - ٩١).","vol":"2","page":777},{"text":"المعارضة الأولى: أنَّ الحديثَ مُضطرب المتن، إذ أنَّ لفظ معاوية بن الحَكم فيه أنَّ النَّبي ﷺ سأل الجارية: «أين الله؟»، بينما غيره مِن الصَّحابة وقع في حديثِهم أنَّ سؤاله للجاريةِ كان بلفظ: «مَن ربُّك؟»، أو «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله؟»، فلا يُدرى عندهم أيُّ الألفاظِ هو لفظ النَّبي ﷺ.\nوقالوا بعدُ: إنَّ البيهقيَّ قد أشار إلى هذا الاضطراب، حيث قال بعد روايتِه له: «.. وقد ذكرتُ في كتاب الظِّهار مِن السُّنن مخالفةَ مَن خالفَ معاويةَ بنَ الحكم في لفظِ الحديث» (^١).\nولعلَّ ما أبردَ يقينَهم بهذا الاضطراب، أن رأوا بعض الرُّواةِ عن معاوية بن الحكم يقول بأنَّ الجارية كانت خرساء، وأنَّها أشارت إشارة، وأنَّ النَّبي ﷺ مَدَّ يدَه إليها، وأشار مستفهمًا: مَن في السَّماء؟ فجاء الرَّاوي الَّذي في «صحيح مسلم» فسَبَك ما فهِمه مِن الإشارةِ في لفظٍ اختاره، فرواه بحسب المعنى الَّذي فهمه (^٢)!\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ المعهود مِن حالِ النَّبي ﷺ، والمتواتر عنه في تلقين الإيمان واختبار إسلام الإنسان، إنَّما كان منه بكلمةِ التَّوحيد، وليس بالسُّؤال عن الأيْنيَّة؛ فما وَقع في بعضِ الرِّوايات لهذا الحديث بلفظ: «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله»، هو اللَّفظ الوحيد الَّذي ينبغي أن يكون جاريًا على الجادَّة، وأجدر أن يكون هو اللَّفظ النَّبوي (^٣).\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّ البخاريَّ لم يروِ هذا الحديث في «صحيحه»، بل أخرجه في جزء «خلق أفعال العباد» دون ذكرِ ما يتعلَّق بكونِ الله في السَّماء، ولم يُشِر هو إلى أنَّه اختصَرَ الحديث، مِمَّا يدلُّ على تعليلِه لهذه الجُمَل منه (^٤).\n_________\n(^١) «الأسماء والصفات» للبيهقي (٢/ ٣٢٧).\n(^٢) انظر تعليق الكوثري على «الأسماء والصفات - بتحقيقه» (ص/٣٩١)، وتعليقه على «السَّيف الصقيل» للسبكي (ص/٨٢)، وتعليق عبد الله الغُماري على «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٣٥)، وتعليق السَّقاف على «دفع شُبه التَّشبيه» لابن الجوزي (ص/١٠٨).\n(^٣) انظر تعليق الغُماري على «التمهيد» (٧/ ١٣٥)، وتعليق الكوثري على «السَّيف الصقيل» (ص/٨٣).\n(^٤) انظر تعليق الكوثري على «السَّيف الصقيل» (ص/٨٢).","vol":"2","page":778},{"text":"المعارضة الرَّابعة: أنَّ مسلمًا أخرجَ هذا الحديث في باب تحريم الكلام في الصَّلاة، ولم يروِه في (كتابِ الإيمان)، فدلَّ صنيعُه على كونِه مُتعلِّقًا متنُه ببابِ الأعمال، ولا دخلَ له في باب الاعتقاد (^١).\nالمعارضة الخامسة: أنَّ في الحديث إثباتًا لعلوِّ الذَّات الإلهيَّة وفوقيَّته على خلقِه، و«الإشكال الكبير في هذا السِّياق هو أنَّ جمهور أهل الإسلام مُتَّفقون على أنَّ الله تعالى لا يحدُّه مكان ولا زمان، ولا يُقال عنه أين ولا كيف، ورسول الله أعلم الخلقِ بالله، فلا يمكن أن يَسأل مثلَ هذا السُّؤال عن الله تعالى» (^٢).\nالمعارضة السَّادسة: أنَّ اعتقادَ عُلوِّ الله تعالى على خلقِه في السَّماء عقيدة العرب المشركين في الجاهليَّة! شاهد ذلك قصَّة إسلام حُصين والدِ عمران، حيث سأله النَّبي ﷺ: «كم إلهًا تعبد؟ فقال: ستَّة في الأرض، وواحد في السَّماء ..» الحديث (^٣)، فكيف يكون هذا الاعتقاد دليلًا على الإيمان وهو اعتقاد الجاهليَّة؟! (^٤)\n_________\n(^١) انظر تعليق الكوثري على «السَّيف الصقيل» (ص/٨٢).\n(^٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» للكردي (ص/٢١٨ - ٢١٩).\n(^٣) أخرجه الترمذي في «الجامع» (ك: الدعوات، باب، رقم: ٣٤٨٣)، وقال: «هذا حديث غريب، وقد رُوي هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه».\n(^٤) انظر «فتح المعين بنقد الأربعين» للغُماري (ص/٢٨)، وتعليقه على «التمهيد» (٧/ ١٣٥).","vol":"2","page":779},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المَطلب الثَّالث\nدفعُ دعوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن حديثِ الجاريةِ</span>\nفأمَّا دعوى المخالِفين في المعارضةِ الأولى قيامَ التَّعارضِ بين ألفاظِ الحديثِ تعارضًا يُفضي إلى اضطرابه:\nفقولهم أوَّلًا: إنَّ بعض روايات الحديث عن معاوية بن الحكم تُثبِت أنَّ الجارية لِخَرسها كان الكلام بينها وبين النَّبي ﷺ إشارةً، بخلافِ رواية مسلم الَّتي يظهر منها أنَّه كلام لفظيٌّ؛ فجوابه مِن وجهين:\nالوجه الأوَّل: أنَّه إذا تَعارض حديثٌ في أحدِ «الصَّحيحين» مع حديثٍ خارجهما، مع انسدادِ وجوه الجمع بينهما، فالقواعد الحديثيَّة تَقتضي تقديمَ روايةِ «الصَّحيحين» على ما في باقي المُصنَّفات (^١)؛ ولا يُقال هنا إذا تَعارضا تَساقطا، ولا أنَّه مُضطرب مِن الأساسِ، لأنَّ ذلك عند تساويهما في القوَّة، واتِّحادِ مخرجِهما (^٢).\nفإن قدَّرنا جدلًا تساوي الرِّوايتين في القوَّة كما يوهِمه المُعترض، وتعَذَّر الجمع بينهما: تَعيَّن التَّرجيح حينئذٍ، ولا ترجيحَ لغيرِ ما في «الصَّحيحين»! فتُقدَّم رواية مسلم الَّتي باللَّفظ: «أين الله؟»، على الواردة بالإشارة خارجها؛ وهذا على\n_________\n(^١) انظر «نزهة النظر» لابن حجر (ص/٧٦)، و«النكت الوفية» للبقاعي (١/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٢) انظر «هدي الساري» لابن حجر (ص/٣٤٨).","vol":"2","page":780},{"text":"التَّسليم بأنَّ الرِّواية المعارضِة مُساوية في القوَّة لما في «صحيح مسلم»، فكيف وهي في حقيقتِها واهيةٌ لا تقوى على المدافعة؟! بيان ذلك في:\nالوجه الثَّاني: أنَّ الرِّواية المُعارَض بها مِن قِبَل الكوثريِّ لا تنهض بحالٍ لمزاحمةِ ما في «الصَّحيح»، فإنَّ الذَّهبي أوردَ روايةَ الإشارة في كتابه «العلوِّ» مُعلَّقةً مِن غير إسنادٍ، فقال: «عن عطاء بن يسار قال: حَدَّثني صاحب الجارية نفسُه قال: كانت لي جارية ترعى الحديث .. وفيه: فمدَّ النَّبي ﷺ يدَه إليها، وأشار إليها مستفهمًا: مَن في السَّماء؟ ..» (^١).\nوالكوثريُّ إنَّما احتجَّ فيما احتجَّ به على بطلانِ رواية مسلم بهذه الرِّواية الَّتي أوردها الذَّهبيِّ (^٢)؛ والعَجب منه؛ كيف استباح تقديمَها -وهي بغير إسنادٍ- على ما جاء في «الصَّحيح» بأصفى إسنادٍ وأصحِّه؟! (^٣)\nعلى أنَّ هذا الَّذي تمسَّك به الكوثريُّ لإسقاطِ لفظِ مسلمٍ -دون أن يعلمَ هو حقيقةَ إسنادِه- قد ذكرَ المزِيُّ إسنادَه كاملًا في «تحفة الأشراف»! وذلك من طريق: سعيد بن زيد -أخي حمَّاد بن زيد-، عن توبة العنبري، عن عطاء بن يسار، قال: حدَّثني صاحب هذه الجارية نفسه ..، فذكر الحديث (^٤).\nوهؤلاء ثقات، ما عدى سعيد بن زيد الَّذي اختلفَ النُّقاد فيه (^٥)؛ فكان\n_________\n(^١) «العلو» للذهبي (ص/١٥).\n(^٢) تعليقه على «الأسماء والصفات - بتحقيقه» (ص/٣٩١).\n(^٣) يزول شيءٌ من العجب إذا أدركت صدقَ مقولة عبد الله الغُماري فيه في كتابه «سبيل التوفيق فى ترجمة عبد الله بن الصديق» (ص/٣٨)، حيث وصفه بقوله: «.. أمَّا العلَّامة الشَّيخ محمَّد زاهد الكوثرى صديقنا ومُجيزنا: هو عالم بالفقه، والأصول، وعلم الكلام، ومتخصِّص في علم الرِّجال، .. لم يكن يعرف الحديث؛ نعم إذا أراد البحث عن حديث يعرف كيف يبحث عنه، ويعرف ما في رجاله من الجرح والتَّعديل بحكم تخصُّصه، لكن ليس هذا هو علم الحديث!».\n(^٤) «تحفة الأشراف» (٨/ ٤٢٦).\n(^٥) بين مَن يُمشِّي حديثَه ويُحسِّنه، كأحمد بن حنبل، وسليمان بن حرب، والعجلي، انظر «الجرح والتعديل» (٤/ ٢١ - ٢٢)، و«الثقات» للعجلي (ص/١٨٤). وبين مَن يصرِّح بتضعيفِه ويُوهِّنه، كابن معين، والجوزجاني، والدارقطني، انظر «الجرح والتعديل» (٤/ ٢١)، و«سؤالات الحاكم للدارقطني» (ص/٢١٣)، و«أحوال الرجال» (ص/١١٤). بل كان يحيى القطَّان يضعِّفه جدًّا، كما في «الجرح والتعديل» (٤/ ٢١).","vol":"2","page":781},{"text":"أعدل الأحكام فيه ما وُفِّق إليه ابن حبَّان بقولِه: «كان صَدوقًا حافظًا، مِمَّن كان يخطئ في الأخبار، ويَهِم في الآثار، حتَّى لا يُحتجَّ به إذا انفرد» (^١).\nقلت: روايته هذه لحديث الجارية بالإشارةِ، قد خالفَ فيها ما رَوَاه الثِّقات بصيغة التَّلفظ، فقد انفردَ عنهم في ذلك وهم أوثق منه وأضبط؛ فهي بهذا الاعتبار مِن قَبيل المنكر أو الشَّاذ! ولفظ مسلمٍ: «أين الله؟» هو المَحفوظ الصَّحيح.\nوأمَّا قول المعترضِ ثانيًا: أنَّ الرُّواة مِن الصَّحابة تَفرَّقوا في ألفاظِ الحديث، فتارةً يقولون: «أين الله؟»، وتارةً: «مَن ربُّك»، وتارةً: «أتشهدين ألَّا إله إلَّا الله»:\nفجوابه: نفسُ ما دفعنا به المعارضةَ قبلَه: أنَّ رواية معاوية بن الحكم في «صحيح مسلم»، وباقي الرِّوايات المُدَّعاة معارضتها له خارج «الصَّحيح»، والمنهج الحديثيُّ يقتضي تقديم ما في «الصَّحيح» على ما في غيره عند التَّعارض.\nهذا على فرضِ تساويِ جميع الطُّرق في القوَّة.\nودعوى الكوثريِّ إشارةَ البيهقيِّ إلى تركِ مسلمٍ ذكرَ قصَّة الجارية في حديث معاوية بن الحكم، ثمَّ تعليله لهذا التَّركِ منه باختلافِ الرُّواة في لفظِه: ففيه نظر لا يخفى؛ فإنَّ قصَّة الجارية قد ذكرها مسلم ضمنَ حديث معاوية بن الحكم في «صحيحه» حقيقةً، ونُسخ كتابِه شاهدة، ولم يَزَل العلماء يَنسبون القِصَّةَ إلى «صحيح مسلم» مِن قَبلِ عهدِ البيهقيِّ.\nوالتَّحقيق: أنَّ ما وَقع مِن اختلافٍ مُدَّعًى في بعضِ ألفاظِ هذا الحديث، ليس من الاختلاف المُفضي إلى الاضطرابِ -كما يريده الكوثريُّ- لمِا قام عليه الدَّليل مِن كونِ بعضِ تلك الرِّواياتِ إمَّا حكاية حادثةٍ مُستقِلَّة، أو ضعيفة لا تنتهض للمعارضةِ أصلًا، كما سيأتي تحقيقه.\n_________\n(^١) «المجروحين» لابن حبان (١/ ٣٢٠).","vol":"2","page":782},{"text":"وبما أنَّ الحكم في هذا المَقامَ يفتقر إلى دراسةِ الأسانيد ومقارنتِها فيما بينها، ليُطَّرح منها ما لا يَصحُّ أن يُعارَض به، وما صَحَّ يُنظر في سياقِه ودعوى المخالفة فيه؛ ناسب أن يُحقَّق القول في ذلك لتنكشف الغُمَّة عن ضعيف الآلة في تمييز الصِّحاح عن الضِّعاف من الأخبار، فأقول:\nأمَّا حديث معاوية بن الحكم الَّذي أخرجه مسلم، فقال في إسنادِه:\n«حَدَّثنا أبو جعفر محمَّد بن الصَّباح، وأبو بكر ابن أبي شيبة -وتقاربا في لفظ الحديث- قالا: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حجَّاج الصَّواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السُّلمي» به.\nقلت: هذا الإسناد مُسلسل بالحُفَّاظِ الأثبات لِمن طالعَ تراجمهم في مظانِّها، قد أُجمِع على وثاقتهم مِن أئمَّة الفنِّ، غير أنَّ يحيى بن أبي كثير فيه -مع جلالتِه في الحديثِ- كثير الإرسال، بل نَعَته النَّسائي بالتَّدليس (^١)؛ وهذا الوصف فيه مِمَّا اعتلَّ به الكوثريُّ لتضعيف هذا الخبر (^٢)!\nوليس يَصفو له هذا الاعتلال، فإنَّ يحيى بن كثير قد صرَّح بالتَّحديث عند أحمد في «مسنده» (^٣)؛ وعلى افتراض عدم التَّصريح، فقد توبع يحيى عن شيخِه هلال بن أبي ميمونة مِن اثنين:\n١ - مالك بن أنس (^٤)؛ وكفى به إمامةً في الدِّين، وغُنيةً في المتابعات.\n_________\n(^١) «تعريف أهل التقديس» لابن حجر (ص/٣٦).\n(^٢) تعليق الكوثري على «الأسماء والصفات - بتحقيقه» (ص/٣٩٠).\n(^٣) (٣٩/ ١٨٤، برقم: ٢٣٧٦٧).\n(^٤) كما في «الموطأ» (ك: العتق والولاء، باب: ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة، رقم: ٨)، إلا أنه قال: «عن عمر بن الحكم» بدل «معاوية بن الحكم»، وقد وهم مالك في اسمه، كما بيَّنه تلميذه الشَّافعي في «الرسالة» (ص/٧٣)، ومثله البزَّار، وغيرهما، كما نقله عنهم ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ٧٦).","vol":"2","page":783},{"text":"٢ - وفُليح بن سليمان، وحديثه في رتبة الصَّدوق -كما سبق بيانُه- ومتابعته ليحيى مختصرةُ المتن (^١).\nفبانَ بذا نَقاوةُ إسنادِ مسلمٍ، ويحيى بن كثير الذي فيه يكفيه فضلًا أنَّه «أحسنُ النَّاس سِياقًا له عن هلال بن أبي ميمونة» (^٢).\nوأمَّا عن الرِّوايات الأخرى الَّتي عورض بها حديث معاوية بن الحكم:\nفأسمَنُ ما وقفتُ عليه -على غثاثتِه، ممَّا يستدعي نوعَ نظرٍ فيه- رِوايتان (^٣):\nأُولاها: ما رواه أبو هريرة ﵁: أنَّ رجلًا أتى النَّبي ﷺ بجاريةٍ سوداء أعجميَّة، فقال: يا رسول الله، إنَّ عليَّ عتقَ رقبةٍ مؤمنة، فقال لها رسول الله: «أين الله؟»، فأشارت إلى السَّماء بإصبعها السَّبابة، فقال لها: «مَن أنا؟»، فأشارت بإصبعها إلى رسول الله وإلى السَّماء، أي: أنتَ رسول الله، فقال: «أعتِقها» (^٤).\n_________\n(^١) أخرج حديثه من هذا الوجه: أبو داود في «السنن» (ك: الصلاة، باب: تشميت العاطس في الصلاة، رقم: ٩٣١) بذكر قصة العطاس فقط، وكذا البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص/١٠٧) مختصرا جدا، ورواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٤٦)، وأحال به على رواية يحيى بن أبي كثير، فقال: «ثم ذكر نحوه».\n(^٢) شهد له به ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٣/ ١٤١٥)، حيث جاء الحديث في بعض المصنَّفاتِ تامًّا، وفي الأخرى مختصرًا، مع ما فيها مِن تقديم وتأخير فيما يختصُّ بالقِصَّة.\n(^٣) قد أعرضت عن إيراد رواية ثالثة، احتجَّ بها (السَّقاف) في كتابه «تنقيح الفهوم العالية بما ثبت وما لم يثبت في حديث الجارية» (ص/١١) على إبطال لفظ حديث معاوية بن الحكم الَّذي في «مسلم»، وهو ما أخرجه النسائي في «سننه» (٣٦٥٣) وغيره، من طريق: حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن الشريد، قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إنَّ أمِّي أوصت أن تُعتق عنها رقبة، وإنَّ عندي جارية نوبيَّة، أفيجزئ عني أن أعتقها عنها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها النبي ﷺ: «من ربُّك؟» ... الحديث. فهذه الرِّواية كما تراها سندُها ومتنُها في وادي، وسند ومتنُ الَّتي في «صحيح مسلم» في وادٍ آخر! تلك أمُّ شريد من تريد إعتاقَ رقبةً، استفسر ابنُها النَّبي ﷺ عن جوازِ ذلك في جاريةٍ له أعجمية، أمَّا الَّذي في «مسلم» فالمُعتِق هو معاوية، والمُعتَق جاريته هو لا أمُّه، تكفيرًا منه عن صكِّه لها، فأين هذا من ذاك؟!\n(^٤) أخرجه أحمد في «المسند» (١٣/ ٢٨٥، رقم: ٧٩٠٦)","vol":"2","page":784},{"text":"فهذا الحديث قد جاء مِن طريق: يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة ﵁.\nوهذا إسناد رجاله ثقات، والمسعوديُّ وإن كان قد اختلطَ بأخرة (^١)، وكان يزيد بن هارون -الرَّاوي عنه- مِمَّن أخذ عنه بعد الاختلاط (^٢): فإنَّ هذا توبع عنه مِن عبد الله بن رجاء (^٣)، وهو مِمَّن أخذ عن المَسعوديِّ قبل اختلاطِه (^٤)؛ غير أنَّه رواه عن المَسعوديِّ بلفظ: «مَن ربُّك؟»، فيُقدَّم على لفظِ يزيد عنه في السُّؤالِ عن الأينِ.\nفالحديث بذا «مَحفوظٌ عن المَسعوديِّ» (^٥)، مُتردِّدٌ بين الصِّحة والحُسن (^٦).\nإذا تقرَّر هذا الحكم لهذه الرِّواية: أمكنَ الانفصالُ عن دعوى التَّعارض والاضطراب المزعومِ بينها وبين حديثِ معاوية بن الحكم بالنُّزوعِ إلى اختلاف الواقِعتين من الأساسِ! وهذا ظاهر لمِن تأمَّل سياقيهما:\nأ- فإنَّ الرَّجل في حديثِ أبي هريرة: هو مَن جاء بالجارية ابتداءً دون طلب، وكان عتق رقبةٍ عليه واجبة؛ بخلافِ حديث ابن الحكم: حيث لم يَأتِ هو بجاريته إلَّا بعد طلب النَّبي ﷺ، وكانت رغبته في عتقها نَدبًا منه، تكفيرًا عن صَكِّها.\nب- والجارية في حديث أبي هريرة عَجماء لا تُفصِح، بينما جارية ابن الحكمِ فصيحة اللِّسانِ!\n_________\n(^١) انظر «المختلطين» للعلائي (ص/٧٢)، و«الاغتباط» لابن العجمي (ص/٢٠٥).\n(^٢) انظر «الجرح والتعديل» (٦/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، و«الضعفاء» للعقيلي (٢/ ٣٣٦).\n(^٣) وهو ثِقة بصريٌّ، وقيل صدوق لا بأس به، انظر «تهذيب التهذيب» لابن حجر (٥/ ٢١٠).\n(^٤) انظر «الكواكب النيرات» لابن الكيال (ص/٢٩٤).\n(^٥) كما قال الدَّارقطني في «العلل» له (٩/ ٣٠)، بخلافِ من ضعَّف هذا الحديث مِن المعاصرين كونه من طريق المسعودي برواية يزيد بن هارون عنه، كما تراه عند الألباني في «مختصر العلو» (ص/٨١ - ٨٢)، وتابعه عليه سليم الهلالي في كتابه «أين الله؟ دفاع عن حديث الجارية» (ص/٢٣ فما بعده).\n(^٦) كما نحا إليه الذَّهبي في «العلو» له (ص/١٦).","vol":"2","page":785},{"text":"ج- أضِف هذا إلى اختلافِ مَخْرَجَي الحديثين، وهو قرينةٌ قويَّةٌ على انفصالِ كلٍّ مِن الحديثين عن الآخر، وكونهما حادثتين مُستقلِّتين.\nثمَّ على فرضِ انسدادِ وجوه الجمعِ بينهما -كما يوهِمه الكوثريُّ-: فقد كرَّرنا مِرارًا أنَّ قواعد العلماءِ تقتضي الانتقالَ إلى التَّرجيح، وحينئذٍ لا مَحيد عن ترجيحِ رواية معاوية بن الحكم على رواية أبي هريرة، لعدَّة اعتبارات:\nأولاها: أنَّ حديث ابن الحكمِ في «الصَّحيح»، ورواية أبي هريرة خارجه.\nثانيها: لأنَّ رُواتَه أضبط وأكثر مِن رواةِ حديث أبي هريرة.\nثالثها: لأنَّ حديثه لم يُختلَف في سندِه، بخلافِ حديث أبي هريرة ﵁ فقد اختُلف في وصلِه وإرسالِه (^١)؛ ولا شكَّ أنَّ ما لم يُختلف فيه أرجح ممَّا اختُلف فيه (^٢).\nرابعها: أنَّ معاوية بن الحكم هو صاحب القِصَّة، فروايته لها مُقدَّمَة على روايةِ غيره (^٣)، وهذا كافٍ في التَّرجيح وحده.\nوهذا -كما قدَّمنا- على تقديرِ كونِ الحديثين حادثةً واحدةً، وأنَّ الجمعَ بينهما عَويصٌ؛ وقد تبيَّن لك أنَّ الحديثين مُتغايران في الحادثة، مختلفان في المَخرجِ، فلا وجهَ لتكلُّف الاضطراب فيما بينهما.\nوأمَّا ثاني الرِّوايات الَّتي عورض بها حديث معاوية بن الحكم:\nفنفس حديث أبي هريرة السَّابق، لكن بسياقٍ مُغايرٍ له، جاء مِن رواية معمر بن راشد، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن رجلٍ من الأنصار:\nأنَّه جاء بأَمَةٍ سوداء إلى النَّبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، فإن كنت ترى هذه مؤمنةً، فقال لها النَّبي ﷺ: «أتشهدين أن لا إله\n_________\n(^١) ذكره الدراقطني في «العلل» (٩/ ٢٩)، وسيأتي ذكر هذا الاختلاف قريبًا.\n(^٢) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٣٨، ٣١٥).\n(^٣) انظر «الواضح في أصول الفقه» لابن عقيل (٥/ ٨٢)، و«العُدة» لابن الفراء (٣/ ١٠٢٥).","vol":"2","page":786},{"text":"إلا الله؟» قالت: نعم، قال: «أتشهدين أني رسول الله ﷺ؟» قالت: نعم، قال: «أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: نعم، قال: «أعتِقها» (^١).\nكذا رواه معمر عن الزُّهري مَوصولًا، وخالفه ثِقتان ثَبتان في الزُّهري، حيث أرسلَا الحديث، هما: مالك بن أنس (^٢)، ويونس بن يزيد الأيلي (^٣)،\nفلا ريبَ بعدُ في تقديم رواية هذين المرسلة، على رواية مَعمر الَّتي ظاهرها الاتِّصال (^٤).\nوعليه؛ فالصَّواب في الرِّواية الثَّانية لأبي هريرة الإرسال (^٥)، والمُرسَل لا يَقوى على معارضةِ حديثِ معاوية بن الحكم، فضلًا عن أن يُرمَى بالاضطرابِ لأجلِه.\nوحاصل القول:\nأنَّ حديث الجاريةِ برواية مسلمٍ له راسخٌ في ثبوتِ سندِه، بليغٌ في استقامة متنِه، لم تقع الرِّواية فيه بالمعنى كما زعمه الكوثريُّ والغُماريُّ، بل السُّؤال فيه بـ «أين الله» هو عينُ لفظ النَّبي ﷺ؛ وهذا ما أَقَرَّ به، لم ينهَض أحَدٌ من الحُفَّاظ النُّقَاد لمسلمٍ باعتراضٍ عليه في ذلك، حتَّى خَرَجَ علينا الاثنان بما يُناقض إجماعَهم بِما قد علِمتَه مِن وَاهِي العِلَل؛ والله يغفر لهما.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (ك: المُدبر، باب ما يجوز من الرقاب، رقم: ١٦٨١٤)، ومن هذا الطريق عن عبد الرزاق أخرجه غير واحد من المصنفين.\n(^٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٧٧٧، رقم: ٩)، وعنه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٦٣٨، رقم: ١٥٢٧١).\nقال ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» (٩/ ١١٤): «لم يختلف رُواة الموطَّأ في إرسالِ هذا الحديث».\n(^٣) أخرجه عنه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ٩٨، رقم: ١٩٩٨٨).\n\nويونس ثقة، قال أحمد بن صالح: «نحن لا نقدِّم في الزُّهري على يونس أحدًا»، انظر «تهذيب الكمال» (٣٢/ ٥٥٦).\n(^٤) قالَ الذَّهبي في مَعمر: «ما نزال نحتجُّ بمعمرٍ، حتَّى يلوح لنا خطؤه بمخالفةِ مَن هو أحفظُ منه، أو نعدُّه من الثِّقات»، قاله في «الرُّواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم» (ص/١٦٦).\n(^٥) رواها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة مرسلةً، ولم يرد في طريق من طرق الحديثِ ما يدلُّ على أنَّ عبيد الله هذا قد سمعه من ذاك الأنصاريِّ، وهو ما استظهرَه الدَّارقطني من علَّةٍ في هذه الرواية، فقال في «العلل» (٩/ ٣٠): «الصَّحيح عن الزُّهري مرسلًا».","vol":"2","page":787},{"text":"وأمَّا دعواهم في المعارضة الثَّانية: أنَّ المَعهودَ مِن حال النَّبي ﷺ تلقينُ الإيمان واختبارَ إسلام الإنسان بكلمة التَّوحيد، وليس بالسُّؤال عن الأيْنيَّة .. إلخ، فجواب ذلك:\nأنَّ هذا التَّقعيدَ العامَّ لمثل هذا الحكم، إن كان مستندَه استقراءُ الأحاديث: فإنَّ حديث الجاريةِ واحدٌ مِن تلك الأحاديث! فعدم اعتبارِه في عمليَّة التَّقعيدِ للأحكامِ العامَّةِ انتقائيَّةٌ سِلبيَّة، وخَللٌ في منهجيَّة الاستقراءِ.\nوما ردَّ به المُعترض مَبدأ السُّؤالَ النَّبويِّ للجاريةِ بكونِه على غير المَعهود منه ﷺ: إنَّما كان ذلك مِنه ﷺ تَنَزُّلًا إلى قدر فهم جاريةٍ نَاشئةٍ مع قومٍ مَعبوداتُهم في بيوتِهم، بما تَبصَّره مِن حالِها، وتبيَّن له مِن مِقدارِ عقلِها، حيث أرادَ ﷺ أن يَتعرَّف منها بذاك الأسلوب ما يَدلُّ على أنَّها ليست مِمَّن يعبدُ الأصنام الَّتي في الأرض (^١).\nفإن كانت هي مِن المشركين: تَبيَّن بأن تشير إلى صنمِ بلدٍ أو قوم (^٢)؛ فلمَّا أجابته بأنَّ مَعبودَها واحدٌ في السَّماء، عَلِم مِن ذلك أنَّها مُوَحِّدة، إذْ علامةُ الموحِّدين قصرُ العبوديَّة على الله في عَليائه، دون ما يُرى مِن الآلهةِ المعبودةِ في الأرضِ.\nيقول أبو سليمان الخطابيُّ (ت ٣٨٨ هـ): «إنَّ هذا السُّؤال هو عن أمارةِ الإيمان، وسِمَةِ أهلِه، وليس بسؤالٍ عن أصلِ الإيمانِ وصفةِ حقيقتِه.\nولو أنَّ كافرًا يريد الانتقالَ مِن الكفرِ إلى دين الإسلام، فوصفَ مِن الإيمان هذا القدرَ الَّذي تكلَّمت به الجارية: لم يصِر به مسلمًا حتَّى يشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله ﷺ، ويتبرَّأ من دينه الَّذي كان يعتقده.\nوإنمَّا هذا كرجلٍ وامرأة يوجدان في بيتٍ، فيُقال للرَّجل: مَن هذه منك؟ فيقول: زوجتي، وتصدِّقه المرأة، فإنَّا نصدِّقهما في قولِهما، ولا نكشفُ عن أمرهِما، ولا نطالبهما بشرائطِ عقدِ الزَّوجيَّة، حتَّى إذا جاءانا وهما أجنبيَّان،\n_________\n(^١) انظر «المفهم» للقرطبي (٥/ ٧٣، ٧٥).\n(^٢) «المفاتيح في شرح المصابيح» للمُظهري (٤/ ١٠٨).","vol":"2","page":788},{"text":"يريدان ابتداءَ عقدِ النِّكاح بينهما، فإنَّا نطالبهما حينئذٍ بشرائطِ عقدِ الزَّوجية، مِن إحضارِ الوليِّ والشُّهود وتسميةِ المهر.\nكذلك الكافر إذا عُرِض عليه الإسلام، لم يُقتصر منه على أن يقول: إنِّي مسلم، حتَّى يصفَ الإيمانَ بكمالِه وشرائطِه، وإذا جاءنا مَن نجهلُ حالَه بالكفرِ والإيمانِ، فقال: إنِّي مسلم، قبِلناه، وكذلك إذا رأينا عليه أمارةَ المسلمين، مِن هَيئةٍ، وشارةٍ، ونحوهما: حَكمنا بإسلامه، إلى أن يظهر لنا منه خلاف ذلك» (^١).\nوأمَّا جواب المعارضة الثَّالث: في دعواهم أنَّ البخاريَّ تركَ إخراجَ الحديث في «صحيحه»، وأخرجه في جزء «خلق أفعال العباد» دون ذكر ما يتعلَّق بكونِ الله في السَّماء .. إلخ:\nفليس يخفى على مُبتدئٍ في التحصيل أنَّ البخاريَّ لم يقصد في «صحيحِه» إخراجَ كلِّ الصَّحيح، وهو مَن أشارَ إلى قصدِ الاختصارِ في عنوانِ كتابِه نفسِه، تبصرةً لمن عَمِي عن هذا المقصد مِن تأليفه، فسمَّاه «الجامعَ المسندِ الصَّحيح (المختصرِ) مِن أمورِ رسول الله ﷺ وُسنَنه وأيَّامِه».\nوكذا إخراجُه للحديثِ في كتابه «خلق أفعال العباد» مختصرًا، لا يلزمه فيه التَّصريح باختصارِه، فقد أخرج في هذا الجزءِ نفسِه غيرَه ممَّا اختصَره دون إشارةٍ منه إلى اختصاره، مع ورودِه كاملًا في مواضع أخرى مِن كُتبه (^٢)!\nوأمَّا جواب المعارضة الرَّابعة: في دعواهم أنَّ مسلمًا أخرج الحديث في باب تحريم الكلام في الصَّلاة، ولم يروه في كتاب الإيمان .. إلخ:\nفدعوى الكوثريِّ فيها تزيُّد ظاهرٌ على مسلم؛ وقد تقدَّم البيان على أنَّ مسلمًا لم يَتَصَدَّ لمِا تَصدَّى له البخاريُّ مِن استنباطِ الأحكامِ وتقطيع الأحاديث\n_________\n(^١) «معالم السنن» للخطابي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣).\n(^٢) مثاله: حديث هانئ بن يزيد ﵁ قال: قلت للنَّبي ﷺ: أخبرني بشيء يدخلني الجنة، قال: عليك بحسن الكلام، وبذل الطعام»، هكذا رواه مختصرًا في «خلق أفعال العباد» (ص/٦٨)، دون أن يشير إلى اختصاره، مع أنَّ في الحديث قصة حذفها منه، قد أسندها البخاري بنفس إسناد المختصرةِ في «الأدب المفرد» (ص/٤٣٦، رقم: ٣٥٣)، وانظر «تكحيل العين» (ص/١٤٢).","vol":"2","page":789},{"text":"على أبوابِها المناسبة، بل مسلمٌ يجمعُ طرق الحديث في أنسب مكانٍ، لا يكاد يكرِّر الحديث في أكثرَ من بابٍ إلَّا نزرًا يسيرًا.\nفلمَّا كان أغلب لفظِ حديث معاوية بن الحكم هذا مندرجًا في الفقهيَّات، ارتأى مسلمٌ وضعَه في كتابٍ فِقهيٍّ، فيما اختاره مِن كتاب الصَّلاة والمساجد.\nوإذْ لم يرُق للكوثريِّ إلَّا تبويب مسلمٍ لهذا للحديث في الفقهيَّات، فإنَّ غيره مِن أربابِ المصنَّفاتِ قد احتسَبوه في أبوابِ الاعتقاد وما تعلَّق بها (^١)! بل منهم مَن استدلَّ بهِ في العَقديَّات والفقهيَّات مَعًا (^٢)! فأين هو من هؤلاء؟!\nوأمَّا دعوى المخالف في المعارضة الخامسة: أنَّ الله لا يُسأل عنه بأين، وأنَّ في إثباتِ علوِّ الله وفوقيَّته على خلقِه تحيِيزًا له في جهة، وتموضعًا في مكان، وهذا ينافي تنزيهَه .. إلخ؛ فجوابه:\nأنَّ ما جاء في هذا الحديث وأمثالِه مِن إثباتِ العلوِّ لله تعالى وجوازِ السُّؤال عنه بأينَ والإشارة له في جِهة العلوِّ، ليس هو قول المجسِّمة ولا المُشبِّهة، بل قول ربِّنا في كتابه ونبيِّنا في سُنِّته؛ وهو ما اجتمع على الإيمانِ به علماء المسلمين وعوامُّهم صدر هذه الأمَّة المباركة، كما قاله نجمُهم مالك بن أنس: «إنَّ الله فوق السَّماء، وعلمُه في كلِّ مكان» (^٣).\nيقول ابن عبد البرِّ (ت ٤٦٣ هـ): «قوله في هذا الحديث للجارية أين الله: على ذلك جماعةُ أهل السُّنة، وهم أهل الحديث، ورواتُه المتفقِّهون فيه، وسائر نقلَتِه كلِّهم، نقول ما قال الله تعالى في كتابه ..»، وبعد أن سَرَد بعضَ الآيات في إثبات العلوِّ قال: «.. ولم يزل المسلمون إذا دَهَمهم أمرٌ يُقلِقهم فزَعوا إلى\n_________\n(^١) منهم النَّسائي حين أخرجه في «السنن الكبرى»، في بابِ تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، برقم: ١١٤٠١.\n(^٢) كابن خزيمة، حيث أورده في كتابِ الصَّلاةِ من «صحيحه» (٢/ ٣٥، رقم: ٨٥٩)، والبيهقيِّ، حيث أورده في كتاب «الأسماء والصِّفات» (١/ ٢٧٨)، ثمَّ احتجَّ به في كِتاب الظِّهار وكِتاب الأَيمانِ مِن «سُننه الكبرى» (٢/ ٣٢٥، رقم: ٨٩٠).\n(^٣) رواه عنه أحمد بسنده في «العلل ومعرفة الرجال» (٣/ ١٨٠)، و«مسائل الإمام أحمد - رواية أبي داود» (ص/٣٥٣).","vol":"2","page":790},{"text":"ربِّهم، فرَفعوا أيديَهم وأوجهَهم نحوَ السَّماء يدعونه، ومخالفونا ينسبونا في ذلك إلى التَّشبيه، والله المستعان، ومَن قال بما نَطق به القرآن فلا عيبَ عليه عند ذوي الألباب» (^١).\nفعلى أيِّ أساسٍ نَقليٍّ يُقال بأنَّ المسلمين على تحريمِ السُّؤال عن الله بأين؟ بل كيف يُجتَرؤ على حديثه ﷺ أن يُوصف سؤالُه فيه بـ «أنَّه اللَّفظ المستشنع» (^٢)؟!\nفأمَّا ظاهر ما أفاده حديث الجارية: فليس فيه من كونِ الله تعالى في السَّماء أنَّه في جَوفِها! أو أنَّ السَّموات تحصره وتحويه؛ هذا لم يقُله أحدٌ مِن سَلف الأمَّة ولا عاقل باقٍ على فطرتِه؛ بل العلماء متَّفقون على أنَّ الله فوق سمواته، مُستوٍ على عرشه، بائنٌ مِن خلقه؛ ليس في مخلوقاته شيءٌ مِن ذاته، ولا في ذاته شيء مِن مخلوقاته، ويعلمون أنَّ الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا أفعاله.\nبل عقلاء المسلمين يؤمنون بأنَّ مَن اعتقدَ أنَّ الله في جوفِ السَّماء، محصورٌ محُاط به، تحويه المصنوعات، وتحصره السَّموات، فيكون بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، أو أنَّه مُفتقِر إلى العرش أو غير العرش مِن المخلوقات: أنَّه ضالٌّ مُبتدِعٌ، إن لم يكن زنديقًا!\nونقول -في مُقابِل ذلك- فيمَن اعتقدَ أنَّه ليس فوق السَّموات إله يُعبَد، ولا على العرش رَبٌّ يُصَلَّى له ويُسجد! وأنَّ محمَّدًا ﷺ لم يُعرَج به إلى ربِّه؛ ولا نَزل القرآن الكريم مِن عنده: أنَّه مُعطِّل مبتدع.\nوقد احتجَّ مُجَوِّزو الأيْنيَّة -مع ما قد وَرَد في ذلك من النُّصوص الشَّرعيَّة وإجماعِ السَّلف- بأنَّه لا يُعقَل الوجود بدونِها، وأنَّه مِن أجلى البَديهيَّات وأوضحِ الضَّروريَّات (^٣)؛ والله ﷻ قد فَطَر العبادَ عرَبهم وعجَمهم على أنَّهم إذا دَعوا الله توجَّهت قلوبهم إلى العلوِّ؛ لا يقصدونه عن أيمانهم ولا عن شمائلهم أو تحت\n_________\n(^١) «الاستذكار» (٧/ ٣٣٧).\n(^٢) تعليق السقاف على «دفع شبه التشبيه» (ص/١٨٨).\n(^٣) «القائد إلى تصحيح العقائد» للمعلمي (ص/٢٠٨).","vol":"2","page":791},{"text":"أرجلهم؛ فِطرةً أفحمَ بها أبو جعفر الهمدانيُّ (ت ٣٥١ هـ) (^١) أبا المعالي الجوينيَّ (ت ٤٧٨ هـ)، وذلك فيما حكاه عنه قال:\n«سمعتُ أبا المعالي الجوينيَّ وقد سُئِل عن قولِه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: كان الله ولا عرش ..، وجَعَل يتخبَّط في الكلام.\nفقلتُ: قد علِمنا ما أشرتَ إليه، فهل عندك للضَّرورات مِن حِيلة؟\nفقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟\nفقلت: ما قال عارفٌ قطُّ: يا رَبَّاه، إلَّا قبل أن يتَحرَّك لسانُه، قامَ مِن باطنه قصدٌ لا يلتفت يمنةً ولا يسرةً، يقصد الفوق! فهل لهذا القصد الضَّروري عندك مِن حيلة؟ ..\nوبكيتُ وبَكى الخلقُ، فضَربَ الأستاذ بكمِّه على السَّرير، وصاح: يا للحيرة! وخرق ما كان عليه، .. ونَزلَ ولم يُجبني، .. فسمعتُ بعد ذلك أصحابَه يقولون: سمعناه يقول: حيَّرني الهَمداني!» (^٢).\nفهذه الفطرة الَّتي ما بُعث الرُّسل إلَّا بتكميلها وتقريرها، لا بتحويلها وتغييرها كما يفعل مَن خالفَ سُنَّتهم، مِن الحلوليَّة والجهميَّة ونحوهم، فيستنكرون أن يُشارَ إلى الله بأين، ويَورِدون على النَّاس شُبهاتٍ، بكلماتٍ مشتبهاتٍ، لا يفهم كثير من النَّاس مقصودَهم بها؛ ولا تُحسن مع ذلك أن تُجيبَهم.\nيقول ابن كُلَّاب: «لو لم يشهد لصحَّةِ مذهبِ الجماعةِ في هذا الفنِّ خاصَّة إلَّا ما ذكرتُ من هذه الأمور، لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غُرس في بَنية الفطرة، وتَعَارفِ الآدميِّين مِن ذلك، ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؟ بل لا تسأل أَحدًا مِن النَّاس عنه، عَربيًّا ولا عَجميًّا ولا مؤمنًا ولا كافرًا، فتقول: أين ربُّك؟\n_________\n(^١) محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمذاني الحافظ، قال السمعاني: «ما أعرف أن في شيوخ عصره سمع أحد أكثر مما سمع هو»، وقال الذهبي: «الحافظ الرَّحال الزاهد، بقية السلف والأثبات»، انظر «سير أعلام النبلاء» (٢٠/ ١٠١).\n(^٢) أخرجها الذهبي في «العرش» (١/ ١٥٣)، و«العلو» (ص/٢٥٩)، بإسناد رواته ثقات حفَّاظ.","vol":"2","page":792},{"text":"إلَّا قال: في السَّماء، إن أفصح، أو أوْمأَ بيدِه، أو أشار بطرْفِه، إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرضٍ ولا سهلٍ ولا جبلٍ.\nولا رأينا أحدًا داعيًا له إلَّا رافعًا يديه إلى السَّماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهميَّة يُسأل عن ربِّه فيقول: في كلِّ مكان! كما يقولون، وهم يدَّعون أنَّهم أفضل النَّاس كلِّهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى (جهمٌ) وحده وخمسون رجلًا معه! نعوذ بالله من مضلات الفتن» (^١).\nومن ثمَّ نقول: إنَّ أصلَ ضلال مَن طَعن في مثل هذا الحديث تكلمُّه فيه بكلماتٍ مُجملةٍ لا أصل لها في الشَّرع؛ ولا قالها أحدٌ مِن أئمَّة المسلمين، كما تراه في نصِّ ما مرَّ عليك من هذه المعارضةِ الخامسةِ، كلفظ التَّحيز، والجسم، والجِهة، ونحو ذلك.\nومنشأ الغلطِ عند هؤلاء النُّفاة: خلطُهم بين نَوعي الأمكنة: الوجوديَّة المخلوقة، والعَدميَّة، فلم يفهموا مِن كونِه فوق السَّماوات إلَّا بالمعنى الأوَّل للمكان المخلوقِ الَّذي يعهدونه في الشَّاهد! وهذا لم يقُل به إمام للسُّنة قطُّ.\nوتفصيل الردِّ على هذه الشُّبهة في دفع المعارضات الواردة على حديث «رؤية الله في الجنَّة» من هذا البحث.\nوأمَّا دعواهم في المعارضة السَّادسة: أنَّ اعتقاد علوِّ الله تعالى في السَّماء على خلقِه عقيدةٌ للعَرب القدامى في جاهليَّتهم .. إلخ؛ فجواب ذلك:\nأنَّ إيمانَ المشركين العرب بأنَّ الله تعالى فوق السَّماء هو من القضايا المركوزة في الفِطَر، فليس للعرب الجاهليِّين اختصاصٌ بذلك، ما هو إلَّا كإقرارِهم بباقي مُقتضياتِ ربوبيَّته سبحانه، كالخلق، والإحياء، والإماتة، والتَّدبير، ونحو ذلك مِمَّا جاء في مثل قول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١].\n_________\n(^١) نقله ابن تيمية عن كتاب «الصِّفات» لابن فورك في كتابه «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٩١).","vol":"2","page":793},{"text":"ثمَّ إنَّا إذْ نقرُّ بسؤالِ النَّبي ﷺ للجاريةِ عن الأينيَّة في مقامِ استكشافه لدينها، فلسنا ندَّعي أنَّ الإقرار بعلوِّ الله تعالى دليل على الإيمان بمُجرَّده! ولا هذا ما رَمى إليه النَّبي ﷺ مِن سؤاله ذاك.\nبل نقول: إنَّ الإيمان بالعلوِّ هو (مِن) الإيمان وليس الإيمان كلَّه؛ وإنَّما استحضره ﷺ في سؤالِه للجاريةِ بخاصَّة استجلابًا لأمارةِ إيمانها، بمِا سبق شرحه مِن مُلابساتٍ في جوابِ المعارضةِ الثَّانيةِ، بما لم يجري به لسانه ﷺ إلَّا مرَّةً أو مرَّتين طولَ حياتِه لاعتبارٍ ضيِّق.\nفما أرى مِن الكياسة اختبارُ العامَّة بمثلِ هذا السُّؤال، فضلًا عن أن يكون سُنَّة! -كما قد يعتقده بعضُ المُتنطِّعة- بل هو بباب الكراهة والتَّحريم ألصق إن آلَ أمره إلى الخصومات وانفكاكِ الجماعات، في زمنٍ صار النَّاس ينسلخون فيه مِن دين الله سِراعًا!\nوالأصل في مثل هذه المقامات -كما يقرِّره ابن تيميَّة- أن يُمنع العامَّة عن الخوضِ في التَّفاصيل الَّتي تُوقِع بينهم الفُرقةَ والتَّناحر، وجمعُهم على الجُمَلِ الثَّابتة بالنصِّ والإجماع، فإنَّ الفُرقةَ والاختلاف مِن أعظم ما نَهى الله عنه ورسولُه (^١)؛ والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٢٣٧)، و«الاستقامة» (١/ ١٩٢) لابن تيمية.","vol":"2","page":794},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المَبحث الثَّاني\nنقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديث «احتَّج آدمُ وموسَى»</span>","vol":"2","page":795},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديث «احتجَّ آدمُ وموسى»</span>\nعن أَبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنت أبونا، خيَّبتنا، وأخرجتنا مِن الجنَّة!\nقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخَطَّ لك بيده: أتلومني على أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنةٍ؟! (^١)\n_________\n(^١) قد يتوهَّم القارئ نوعَ معارضةٍ بين هذه الجملة من الحديث، مع ما ثبت في «صحيح مسلم» (رقم: ٢٦٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنَّ كتابة المقادير متحقِّقة قبل خلق السَّماوات والأرض بخمسين ألف سنة، إذْ ظاهره أنَّ تقدير معصية آدم متأخِّر عن كتابة المقادير، فلا يشملها التقدير المتقدم.\nوالحاصل أنَّه يمكن الإجابة عن هذا المعارض بالتَّالي:\nالأوَّل: أنَّ تقدير معصية آدم مخصوص من التَّقدير العام المتقدِّم، فتكون الكتابة حاصلةً قبل خلق آدم بأربعين سنة، وقد يكون وقوعها مدَّة لبثه طينًا إلى أن نُفِخت فيه الرُّوح؛ على ما رُوِيَ أن ما بين تصويره ونفخ الرُّوح فيه كان مدَّة أربعين سنة، وكلا التَّقديرين العام والخاص قد أحاط الله بهما علمًا؛ وهذا القول اختاره ابن الجوزي، كما في كتابه «كشف مشكل أحاديث الصَّحيحين» (٣/ ٣٨٣).\nالثَّاني: أنَّ هذا التَّقدير حاصل بعد التَّقدير الأوَّل، والتَّقدير الأول قد انتظمه واشتمل عليه، فلم يخرج عنه، وهذا اختيار ابن القيم في «شفاء العليل» (١/ ٨٢).\nالثَّالث: أنَّ هذه الكتابة هي الكتابة في التَّوراة، كما ورد في رواية مسلم التالية، وهذا اختيار المازري في «المعلم» (٣/ ١٧٨).","vol":"2","page":797},{"text":"فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى -ثلاثًا-» متَّفق عليه (^١).\nوفي لفظٍ لمسلم (^٢) تفرَّد به: قال رسول الله ﷺ:\n«احتجَّ آدم وموسى ﵉ عند ربِّهما، فحجَّ آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الَّذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأَسْجَد لك ملائكته، وأسكنك في جنَّته، ثُمَّ أَهبطتَ النَّاسَ بخطيئتك إلى الأرض!\nفقال آدم: أنت موسى الَّذي اصطفاك الله برسالته، وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيًّا، فبِكم وجدتَ اللهَ كَتبَ التَّوراة قبل أن أُخلَق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدتَ فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قال: نعم، قال: أفتلُومني على أنْ عملت عملًا كتبه الله عليَّ أن أَعملَه قبلَ أن يخلقني بأربعين سنةً؟!\nقال رسول الله ﷺ: فحَجَّ آدمُ موسَى».\n_________\n(^١) رواه البخاري في (ك: القدر، باب: تحاج آدم وموسى عند الله، رقم: ٦٦١٤)، ومسلم في (ك: القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉، رقم:٢٦٥٢).\n(^٢) في (ك: القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉، رقم:٢٦٥٢).","vol":"2","page":798},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المَطلب الثَّاني\nسَوْق دَعوى المُعارَضاتِ الفِكريَّةِ المُعاصرةِ لحديثِ «احتَّج آدمُ وموسَى»</span>\nأُسُّ المُعارضاتِ الدَّارجة على لسان الطَّاعنين في قدحِهم بهذا الحديثِ تتركَّز في دعواهم: أنَّ آدم ﵇ فيه احتجَّ بما ليس بحُجَّةٍ؛ ولو كان كذلك لكان لِفرعون وهامان وسائرِ الكفَّارِ أن يَحتجُّوا بها، ولمَّا بَطُل ذلك، عَلِمْنا فسادَ هذه الحجَّة.\nوفي تقريرِ هذه الشُّبهة، يقول (إسماعيل الكرديُّ):\n«الإشكالُ الكبير في الحديث: أنَّه يَنسِب لآدمَ احتجاجَه على معصيته لله، بأنَّ الله تعالى قَدَّرها عليه مِن قبل؛ وبالتَّالي: فلا يجوز مَلامَته عليها! وهذا عَينُ قولِ فرقةِ الجبريَّة، وعليه لا يجوز لَوْمُ أحدٍ مِن العُصاة جميعِهم مِن البَشر؛ لأنَّ كلَّ ما فَعلوه كان مُقدَّرًا عليهم مِن الأزَل! إذن فلماذا الحدود، والقَصاص، والجنَّة، والنَّار؟!\nوالأنكى مِن ذلك: أنَّه يَنسبُ للرَّسول موافقتَه لكلامِ آدم، واعتباره أنَّه غلب موسى وحَجَّه؛ مكرِّرًا ذلك أكثر مِن مرَّة! هذا مع أنَّ القرآن أبطل هذا النَّوع من الاحتجاج بصريح العبارة .. ويستحيل أن يعلِّمنا رسولُ الله أمرًا يخالف القرآن» (^١).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢٨٤).","vol":"2","page":799},{"text":"ويقول (سامر إسلامبولي): «النَّبي موسى يلوم آدمَ على إِخراجِ الذُّريَّةِ من الجَنَّة، وسببُ ذلك هو معصيةُ آدم، فاللَّوم هو على المعصيةِ الَّتي نتَج عنها الإخراج من الجنَّة، ولا علاقة هنا لكونِ آدمَ تاب مِن المعصية أو لم يَتُب؛ لأنَّ ذلك متعلِّقٌ به وبمغفرة الله له، والَّذي يهمُّنا ما ترتَّب على المعصية الَّذي هو الإخراجُ من الجَنَّةِ؛ أمَّا تبرير آدم فكان بالقَدَر، واحتجَّ أنَّ ذلك الإخراجَ كان مكتوبًا عليه قبل خلْقه بأربعين سَنة، والجواب النَّبوي هو: أنَّ آدم حجَّ موسى.\nولاشَكَّ هنا أَنَّ احتجاج آدم بالقَدر على إخراجه من الجنَّة يتضمَّن تبرير المعصية؛ لأنَّ الإخراجَ نتيجة المعصية، ولا مُبرِّر لأيِّ تأويلٍ ولَفٍّ ودوران لجعل النَّصِّ صحيحًا، وأنَّ الاحتجاج بالقَدر كان على الإخراج فقط دون معصيةٍ، أو أنَّه يصحُّ الاحتجاج بالقَدر على المعصية الَّتي تاب منها الإنسان وهي في حكم الماضي: ذلك كلُّه تأويل متهافت لنصٍّ باطل، فالنَّص صريحٌ في ترسيخ فكرة أنَّ المعاصي وما يَنتُجُ عنها إنَّما هو بتقدير الله ﷿، وذلك مكتوب قبل الخلق، وذلك يُرسِّخُ فكرة الإجبار والإكراه على الأعمال»! (^١).\nوهذان المعترضان ومَن وافقهما في هذا الفهمِ للخَبرِ أذيالٌ للمعتزلة؛ فقد سُئل كبيرُهم الجبَّائيُّ (ت ٣٠٣ هـ): «ما تقول في حديث أبي الزِّناد، عن الأَعرج، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ: ألَّا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها؟\nفقال الجبَّائي: هو صحيح.\nقال البركاني: فبهذا الإسناد نُقل حديث: حَجَّ آدم موسى!\nفقال الجبَّائي: هذا خَبَرٌ باطل!\nفقال البركاني: حديثان بإسناد واحدٍ؛ صحَّحت أحدهما، وأبطلت الآخر!\nقال الجبَّائي: لأنَّ القرآن يدلُّ على بطلانه، وإجماع المسلمين، ودليل العقل.\nفقال: كيف ذلك؟\n_________\n(^١) «تحرير العقل من النَّقل» (ص/٢٣٧ - ٢٣٨).","vol":"2","page":800},{"text":"قال الجبَّائي: أليس في الحديث: إنَّ موسى لقي آدم في الجنة ...، قال الجبَّائيُّ للبركاني: أليس هذا الحديث هكذا؟ قال: بلى، قال الجبَّائي: أليس إذا كان عذرًا لآدم يكون عذرًا لكلِّ كافر وعاصٍ من ذريِّته، وأن يكون مَن لامهم محجوجًا؟ .. فسكَتَ البركاني» (^١).\nفأنت ترى أنَّ الجُبَّائي لمَّا استقرَّ عنده ما هو نَقيض الظَّاهر مِن الحديث؛ انبنَى على ذلك اعتقادُه مناقضةَ الحديث للضَّرورتين النَّقليَّة والعقليَّة، فردَّ الحديث بناءً على فهمِه المغلوط هذا، وعلى ذلك سار المُحْدَثون من أشياعِه.\n_________\n(^١) «طبقات المعتزلة» (ص/٨١).","vol":"2","page":801},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المَطلب الثَّالث\nدَفع دعوى المعارضِات الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن حديثِ «احتجَّ آدمُ وموسَى»</span>\nقبل الإبانة عن تهافتِ ما استندَ إليه الطَّاعنون في هذا الحديثِ مِن المعاصرين وأُسوتِهم في ذلك بالمعتزلة؛ فإنَّه يجدر الإشارة إلى أنَّ تحرُّرَ القول في الحديث يكمُن في نَظرين:\nالنَّظَر الأوَّل: في صحَّة الحديث، وتلقِّي الأمَّة له بالقَبول.\nالنَّظر الثَّاني: في جَريان ظاهرِه على مقتضى الأصول، والفهم المغلوط لظاهره من قِبل المُعترضين.\nوضبطُ القولِ في النَّظرِ الأوَّلِ أن يُقال:\nاتَّفقَ أَهل السُّنة والجماعة على صحَّةِ الحديث، وأنَّه لا مَطعن فيه؛ لا مِن جهة إسناده، ولا مِن جهة متنِه، وبتلقِّي العلماء له بالقَبول يرتقي إلى إِفادةِ العلم، هذا إن لم يُقَل بتواترِه، لينحسِمَ بذا الخوض عند أهل الشَّأنِ في صِحَّتِه.\nوفي تقريرِ صِحَّة هذا الخَبر، يقول أبو عبد الله ابن مَنْدَه فيه: «.. هذه أَحاديث صِحَاح ثابتةٌ لا مَدْفع لها، ولهذا الحديث طُرُقٌ عن أبي هريرة» (^١).\n_________\n(^١) «الرَّد على الجهميَّة» لابن منده (ص/٣٧).","vol":"2","page":802},{"text":"ويقول ابن عبد البرِّ: «هذا حديث صحيح ثابت مِن جهة الإسناد، لا يختلفون في ثبوتِه، رواه عن أبي هريرة ﵁ جماعة مِن التَّابعين، ورُوي مِن وجوه عن النَّبي ﷺ مِن روايةِ الثِّقات الأئمَّة الأثبات» (^١).\nويقول ابن القيِّم: «هذا حديث صحيح متَّفق على صحَّتِه، لم تزل الأمَّة تتلقَّاه بالقَبول مِن عهد نبيِّها ﷺ قرنًا بعد قرنٍ، وتقابله بالتَّصديق والتَّسليم، ورواه أهل الحديث في كتبِهم، وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنَّه قاله، وحكموا بصحَّته» (^٢).\nومِمَّن نصَّ على بلوغِه مبلغَ التَّواتر عن صَحابِيِّه ابنُ كثير الدِّمشقي (ت ٧٧٤ هـ)، حيث قال: «مَن كذَّب بهذا الحديث فمُعانِد؛ لأنَّه متواتر عن أبي هريرة ﵁، وناهيك به عدالةً، وحفظًا، وإتقانًا؛ ثمَّ هو مَرويٌّ عن غيره مِن الصَّحابة ..» (^٣).\nوأمَّا النَّظر الثَّاني: فإنَّ الحديثَ جارٍ على مُقتضى الأُصُول الشرعيَّة، ليس مخالفًا لشيءٍ منها؛ حتى قال ابن عبد البرِّ: «هذا الحديث مِن أَوضح ما رُوِيَ عن النَّبي ﷺ في إثبات القَدَر ودفع قول القدريَّة» (^٤).\nووَجه ذلك: أنَّ الحديثَ قد انتظمَ مَعاقد الإيمان بالقَدر، بدلالةِ المنطوقِ والمَفهوم.\nفأمَّا دَلالَته على هذه المَعاقد بالمَنطوق:\nفمِن جِهة أنَّه وَقع التَّنصيصُ في الحديث على كتابةِ الله السَّابقة لمعصية آدم ﵇، ولِمَا ترتَّب عليها مِن مصيبة الإخراج.\n_________\n(^١) «التَّمهيد» (١٨/ ١٢).\n(^٢) «شفاء العليل» (ص/١٣).\n(^٣) «البداية والنهاية» (١/ ١٩٨)، وانظر «العواصم والقواصم» لابن الوزير (٨/ ٣٦٢).\n(^٤) «التمهيد» (١٨/ ١٧).","vol":"2","page":803},{"text":"والمَدلول عليه مِن هذه الأصول بدلالة المَفهوم:\nتحقُّق العلمِ السَّابِق للكتابة؛ وأيضًا فإنَّ في جوابِ آدم ﵇ ما يُشعِر بدلالة المفهوم على الأمور التَّالية:\nالأوَّل: خلْقُ الله لهذه المعصية، ولِما انْبَنى عليها بعد ذلك مِن الإخراج، ولازم هذا الخَلق، هو:\nالثَّاني: سَبْق المشيئة له؛ إذْ المشيئة تَسْبق الخلقَ، ولا خلقَ بلا مشيئةٍ تستلزمها.\nوكما أنَّ الخلق يستلزم المشيئة، فإنَّ المشيئة تستلزم:\nالثَّالث: سَبْق العلم بها؛ إذْ يستحيل إيجاده ﷿ للأشياءِ مع الجهل؛ لأنَّ إيجاد الأشياء بإرادة الرَّب ﵎، وهذه الإرادة تستلزم تَصوُّرَ المُراد، فالإرادة مستلزمةٌ للعلم قطعًا.\nالرَّابع: إثبات أنَّ للعبد فِعلًا اختياريًا يُنسَب إليه، ووجهُ هذا اللُّزوم: أنَّه لا معنى من لَوْمِ موسى لآدم ﵉ على عَمَلٍ لا اختيار له فيه، ولم يَجْرِ احتجاجه ﵇ بالقدَر لينفي اختيارَه! إذْ لو كان كذلك، للَزِم أيضًا أن يكون احتجاجُه هو أيضًا لا اختيارَ له فيه! فلا تقوم الحجَّة إذَنْ، وسيأتي بيان فساد مَن فَهِم هذا الحديث على خلاف ظاهره.\nوالمقصود: أنَّ هذا الحديث -كما قال ابن عبد البرِّ- مُتضمِّنٌ لمراتبِ الإيمان بالقَدر الَّتي انعقد إجماع أهل السُّنة عليها:\nالمرتبة الأولى: إثباتُ عِلمِ الله تعالى المُحيطِ بكل شيء.\nالمرتبة الثَّانية: إثبات أنَّ الله كَتب كلَّ ما يكون مِن حين خلق الَقلم، حتَّى قيام السَّاعة وأحصاه؛ فلا يخرج شيءٌ عمَّا كَتبه.\nالمرتبة الثالثة: إِثبات المشيئة النَّافذة في خلقِه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكُن، على أنَّ الإرادة الخَلْقيَّة الكونيَّة ليست كالشَّرعيَّة مستلزمةً لرضا الرَّب ومحبَّتِه.","vol":"2","page":804},{"text":"المرتبة الرَّابعة: إثبات خلق الرَّب ﵎، فهو الخالق وما سِواه مَخلوق.\nوقد أسلفنا الإشارة إلى أنَّ للعبد مَشيئةً وقُدرةً وفِعلًا تُنسب إليه، وكلُّ ذلك ليس خارجًا عن إرادةِ الله ﷿ الكونيَّة ومشيئتِه، يتجلَّى هذا الأصل في أنواع الدَّلائل الَّتي تضمَّنها القرآن الكريم، مِن إسنادِ الفعلِ أو الصُّنعِ أو المشيئةِ ونحوِ ذلك إلى عبده (^١).\nفبهذه الأصول نطَقَ أهل السُّنة والجماعة، وعليها انعقدَ إجماعُهم؛ كما تراه في مثل قول الأشعريِّ: «قد أجمعَ المسلمون قبل حدوثِ الجهميَّة والمعتزلة والحروريَّة على أنَّ لله عِلمًا لم يزَلْ .. وعِلْم الله سابق في الأشياء .. فمَن جَحَدَ أنَّ لله علمًا فقد خالف المسلمين، وخَرج عن اتِّفاقهم» (^٢).\nوكذا في ما نقله ابنُ القطَّان الفاسيُّ (ت ٦٢٨ هـ) بقوله: «أجمعوا على أنَّ الإقرارَ بالقَدَر مع الإيمان به واجب .. وأجمع المسلمون على قول: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، وعلى قول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن .. وأجمعوا على أنَّه تعالى قدَّر أفعال جميع الخلق، وآجالهم، وأرزاقهم قبل خلقِه لهم، وأثْبت في اللَّوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم، وأجمعوا على أنَّه الخالق لجميع أفعال العِباد، وأرزاقِهم، والمُنشئ لجميع الحوادث وحده؛ لا خالق لشيءٍ منها سِواه» (^٣).\nوبهذا يتبيَّن ما انطوَى عليه حديث المُحاجَّة مِن الأصولِ العظيمة في هذا الباب الَّتي قام الإجماع عليها.\nإلَّا أَنَّ هناك قَدْرًا مِن الحديث جالت فيه فهوم أهلِ العِلم: وهو حقيقةُ ما وَقَع عليه لَوْمُ موسى ﵇، وحقيقةُ ما احتجَّ به آدَّم ﵇.\n_________\n(^١) انظر في أدلَّة هذه المراتب «شفاء العليل» لابن القيم (ص/٢٩)، وفي تقرير كونها ظاهر الحديث «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٦١٦ - ٦٢٠).\n(^٢) «الإبانة» (ص/١٤٥).\n(^٣) «الإقناع في مسائل الإجماع» (١/ ٥٤ - ٥٦).","vol":"2","page":805},{"text":"وحاصل هذه الأنظار تتمحور في ثلاثة (^١):\nالنَّظر الأوَّل: أنَّ موسى لَامَ آدم ﵉ على الذَّنْبِ نفسِه، فكان الاحتجاج بالقَدَر عليها، على اختلافِ أرباب هذا النَّظر في وجهِ غَلَبة آدم ﵇ بالحُجَّةِ، ذَهب إلى هذا النَّظر بعضُ أهلِ لعلم، منهم: القَنازعي (^٢)، وتلميذه ابن عبد البرَّ (^٣).\nوهذا نَظر مَرْجوحٌ؛ ذلك أنَّ موسى ﵇ لم يَنُطْ لَوْمَه بالذَّنب، ولم يَنطق به أصلًا، فإناطة اللَّوم بذلك مع سكوتِ النَّص عنه دعوى لا دليل عليها؛ على أنَّ موسى ﵇ أعلم بالله وبدينِه أن يلومَ آدم ﵇ على ذنبٍ قد أخبره الله تعالى أن فاعله تابَ منه، وأنَّه اجتباه بعدُ وهَداه (^٤).\nوالنَّظَرُ الثَّاني: أنَّ لَوْمَ موسى لأبيه آدم كان على مصيبة الإخراجِ لا على الذَّنب، وهذا القول نَصَرَه ابن حزم (^٥)، واختاره ابن تيمية (^٦)، وابن كثير (^٧).\nأمَّا النَّظَر الثَّالث: فهو تصحيح للنَّظَرَين، أي: جواز أن يكون لَوْمُ موسى ﵇ على المصيبة، وأن يكون اللَّوم متوجِّهًا على الذَّنب لكونِه سبَبَ المصيبة، فلَوم موسى ﵇ على الذَّنبِ لكونِه سَببًا لإخراج آدم والذُّرية مِن الجنَّة؛ لا أنَّه لَوْمٌ على الذَّنب لِذاتِه كما ذَهب إليه أصحاب النَّظرِ الأوَّل.\nوهذا الثَّالث مَذهب ابن قيم الجوزيَّة، فقد قال بعد سوقه لكلام ابن تيميَّة في الحديث بما يوافق النَّظر الثَّاني:\n«قد يَتوجَّه جوابٌ آخر؛ وهو: أنَّ الاحتجاجَ بالقَدر على الذَّنب يَنفع في موضعٍ، ويضرُّ في موضعٍ؛ فينفع إذا احتجَّ به بعد وقوعِه والتَّوبة منه، وتركِ\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٦٢١).\n(^٢) «تفسير الموطأ» للقنازعي (٢/ ٧٤٠).\n(^٣) «التمهيد» لابن عبد البر (١٨/ ١٥).\n(^٤) انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٣١٩،٣٢١)، و«شفاء العليل» (١/ ١٤).\n(^٥) انظر «الإحكام في أصول الأحكام» له (١/ ٢٦).\n(^٦) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣١٩).\n(^٧) انظر «البداية والنهاية» (١/ ١٩٨).","vol":"2","page":806},{"text":"معاودتِه -كما فعل آدم ﵇- فيكون في ذِكْر القَدَر إذْ ذاك مِن التَّوحيد ومعرفةِ أسماءِ الرَّب وصفاتِه وذكرِها ما ينتفعُ به الذَّاكرُ والسَّامِعُ؛ لأنَّه لا يدفع بالقدَر أمرًا ونهيًا، ولا يُبطل به شريعة؛ بل يخبر بالحقِّ المحض على وجه التَّوحيد والبراءةِ مِن الحول والقُوَّةِ ..\nوأمَّا الموضعُ الَّذي يَضرُّ الاحتجاج به: ففي الحالِ أو المستقبل؛ بأن يرتكبَ فِعْلًا مُحرَّمًا، أو يترك واجبًا، فيلومه عليه لائم، فيحتجَّ بالقَدر على إقامتِه وإصرارِه، فَيبْطل بالاحتجاج به حقًّا، ويرتكب باطلًا.\nونكتةُ المسألة: أنَّ اللَّومَ إذا ارتفع صَحَّ الاحتجاج بالقَدَر، وإذا كان اللَّوم واقعًا، فالاحتجاجُ بالقَدَرِ باطلٌ» (^١).\nواختار هذا الجمعَ ابنُ الوزير اليَمانيُّ (^٢)؛ فهو متضمِّن للنَّظرِ الثَّاني وزيادة، وكلاهما له ما يدلُّ عليه (^٣).\nوقصدي مِن سَوْقِي لهذه الأنظار في القَدْرِ المختلف فيه مِن الحديث:\nإثباتُ كونِ ورثةِ الأنبياءِ مع اختلافِهم في هذا القَدْر، مُتَّفقون على أنَّ حقيقةَ ظاهرِه لا تَدلُّ على تسويغِ الاحتجاجِ بالقَدَر على المَعايب، وإسقاط المَلامة عمَّن أذنبَ، قد حكى الإجماعَ على ذلك غَيرُ واحدٍ.\nيقول أبو بكر ابن العَربي: «أجمع العلماء على أنَّه غير جائزٍ لأَحدٍ إذا أتَى ما نَهى الله عنه أو حَرَّمه عليه أنْ يحتجَّ بمثل هذا، فيقول: أفتلومني على أنِّي قتلتُ، وقد سَبق في علم الله أن أَقْتُل؟! وتَلومني على أن أسرق وأزني، وقد سَبق في علمِ الله وقدره؟! هذا ما لا يسوغ لأحدٍ أن يجعله حُجَّةً لنفسه.\nوالأمَّةُ مُجتمعةٌ على أنَّه جائز لَوْمُ مَن أتى ما يُلام عليه مِن معاصي الله، وذمُّه على ذلك، كما أنَّهم مُجْمِعون على حَمْدِ مَن أَطاع، وأتى مِن الأمور المحمودة ما يُحمَدُ عليه» (^٤).\n_________\n(^١) «شفاء العليل» (ص/١٨).\n(^٢) انظر «الرَّوض الباسم» (٢/ ٤٦٥).\n(^٣) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٦٢١).\n(^٤) «المسالك في شرح موطأ مالك» (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"2","page":807},{"text":"ويقول ابن بطَّال الأندلسيُّ (ت ٤٤٩ هـ): «أمَّا مَن عَمِلَ الخطايا ولم تَأْتِهِ المغفرةُ؛ فإنَّ العلماء مُجمِعون أنَّه لا يجوز له أن يحتجَّ بمثل حجَّة آدم، فيقول: أتلومني على أن قتلت، أو زنيت، أو سرقت؛ وقد قدَّر الله عليَّ ذلك؟! والأمَّة مجمعة على جواز حمْد المحسن على إحسانه، ولَوْم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه» (^١).\nوفي مقابل هؤلاء؛ نرى مخالفيهم مِن القَدريَّة يفهمون مِن الحديث خلاف هذا الظَّاهرِ، فتقاطعت فهومُهم على أنَّه يدلُّ على صحَّةِ الاحتجاجِ بالقَدَر على المَعايب! وعلى هذا الاعتبار يسقط اعتبارُ التَّكليف والمؤاخذةِ على الجُرْم؛ وبهذا الفهمِ المغلوطِ للخَبر، والتَّأسيس لظاهرٍ ليسَ هو في الحقيقةِ الظَّاهر الحقيقيَّ الَّذي قَصد المتكلِّم بالنِّص الإفصاحَ عنه، أسَّسوا لردِّ الحديث والطَّعن في دلالتِه.\nوقد بيَّنا انَّ الظَّاهرِ الحقيقيِّ للحديث مفارقٌ للظَّاهرِ الَّذي ادَّعوه؛ فإنَّ نصَّه بسياقِه يدلُّ على أَحدِ أمرين:\nإمَّا أنَّ اللَّومَ لا يتوجَّه في المصائب، لجَرَيان القَدر السَّابقِ بها؛ فيرتفع حينئذٍ اللَّوم.\nب- أو أَنَّ اللَّوم لا وجهَ له بعد التَّوبة مِن الذَّنب، لا قبله.\nوفي كِلتا الدَّلالتين ما يَنفي دلالة النَّصِ على تسويغِ الاحتجاج بالقَدَر على غِشيان الذُّنوب، وركوبِ المَحارم؛ لمُجرَّدِ جَرَيان القَدَر بها؛ والبَوْن فسيح بين الظَّاهر الحقِّ المَدلول عليه بهذا الحديث، وبين الظَّاهر المتوَهَّم الَّذي استبطنَه الطَّاعنون به.\nفإذا تحرَّر لنا مَثَار الغَلط في فهم المسألة؛ تبيَّن أنَّ ما أثاره الطَّاعنون حول الحديثِ قضايا ليست موضوعيَّة، وما ساقوه في حقيقته طعنٌ في الظَّاهر الَّذي تَوهَّموه، لا الظَّاهر الَّذي دَلَّ عليه الخَبر وأراده مُخبِرُه؛ والحمد لله ربِّ العالمين.\n_________\n(^١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (١٠/ ٣١٥ - ٣١٦).","vol":"2","page":808},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المَبحث الثَّالث\nنقد دعاوى المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث رؤية الله في الجنَّة</span>","vol":"2","page":809},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المَطلب الأوَّل\nسَوْقُ أحاديثِ رُؤيةِ الله تعالى في الَجنَّة</span>\nعن أبي موسى الأشعري ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «جَنَّتَان مِن فضَّة، آنيتُهما وما فيهما، وجنَّتان مِن ذهب، آنيتُهما وما فيهما، وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلَّا رداء الكِبْر على وجهِه في جنَّة عَدن» متَّفق عليه (^١).\nوعن عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: كُنَّا جلوسًا عند النَّبي ﷺ، إذْ نظَرَ إلى القمر ليلةَ البدر، قال: «إنَّكم سَتَرون ربَّكم كما ترَون هذا القَمر، لا تضامُّون في رُؤيتِه، فإنْ استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشَّمس، وصلاةٍ قبل غروب الشَّمس، فافعلوا» (^٢).\nوعن صهيب ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «إذا دَخَل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهَنا؟ ألم تدخلنا الجنَّة وتُنجِّنا مِن النَّار؟ قال: فيكشفُ الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم مِن النَّظر إلى ربِّهم ﷿، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾، رقم: ٤٨٧٨)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾، رقم: ٢٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، رقم: ٧٤٣٤)، ومسلم في (ك: المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما، رقم: ٦٣٣).\n(^٣) أخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، رقم: ٢٩٧).","vol":"2","page":811},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلأحاديثِ رؤيةِ الله تعالى في الجنَّة</span>\nحاصِلُ ما ساقَه المخالفون لأهلِ السُّنةِ على نصوصِ الرؤيَّةِ مِن معارضاتٍ عقليَّةٍ، يمكننا إجماله في مَقامَين:\nالأوَّل: مُعارضات مُورَدةٌ على أصل الرُّؤية.\nالثَّاني: مُعارضات سِيقت على بعضِ الألفاظِ الواردةِ في أحاديثِ الرُّؤية، تستلحقُ ردَّ الحديثِ كلِّه.\nفأمَّا المَقام الأوَّل: فمِمَّا أُورِد على أصلِ الرُّؤية: دعواهم أنَّ ما تضمَّنته تلك الأحاديث مُصادِمٌ للدَّلائلِ العقليَّة والنَّقليةِ:\nأمَّا العقليَّة: فادَّعوا أنَّ البَصر لا يُدرِك إلَّا الألوانَ والأشكال، والله تعالى ذاتٌ غير ماديَّة، فمِن المستحيل إذن أن يَقع عليه بَصرٌ سبحانه، والقول به هدْمٌ للتَّنزيه، وتَشبيهٌ لذاتِ الله؛ ذلك أنَّ الرُّؤية لا تحصل إلَّا بانطباعِ صورة المَرئيِّ في الحَدقة، ومِن شرطِ ذلك انحصارُ المَرئيِّ في جِهةٍ معيَّنةٍ مِن المكان، حتَّى يمكن اتِّجاه الحَدقة إليه، وهذا شأن الأجسام، والله تعالى ليس بجسمٍ، ولا تحدُّه جِهةٌ من الجِهات، ولو جاز أن يُرَى في الآخرةِ لجازت رؤيتُه الآن، فشروط الرُّؤيةِ لا تَتغيَّر في الدُّنيا والآخرة (^١).\n_________\n(^١) انظر مجمل شبهات المعتزلة لنفي الرؤية في «الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار (ص/٧٤).","vol":"2","page":812},{"text":"وأمَّا الدَّلائل النَّقلية: فاستدلَّ نُفاة أحاديث الرُّؤية ببعض الأدلَّة القرآنيَّة، زعموا تأكيدَها لما دلَّ عليه نظرهم العقليُّ، مِن أشهرِها:\nقول الله تعالى: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، والمعنى عندهم: لا تراه الأبصار.\nوقول الله تعالى لموسى ﵇ بعد طلبِه النَّظرَ إليه: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، و(لن) تفيد التَّأبيد.\nوفي تقرير هاتين المُعارَضين لتلكم الأحاديث، يقول (جعفر السُّبحاني):\n«ما قيمة روايةٍ تخالف الذِّكرَ الحكيم؟! .. وتخالف أيضًا العقل الصَّريح الَّذي به عرفنا الله سبحانه، والَّذي يحكم بامتناع رؤيتِه، لاستلزامها كونه جسمًا أو جسمانيًّا، مُحاطًا، واقعًا في جِهةٍ ومكان، تعالى عن ذلك علُوًّا كبيرًا» (^١).\nوعلى هذا أطلقَ سَمِيٌّ له في مِلَّة الرَّفضِ (^٢)\nدعوى عريضةً على أهل السُّنة، يتَّهِمهم فيها بتوليةِ ظهورِهم عن الآيات النَّافية للرُّؤية، وانجرارِهم وراءَ سرابِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، كما تراها في قول (صادق النَّجمي):\n«إنَّ مُستند علماء أهل السُّنة في إثبات الرُّؤية هو الأحاديث الَّتي رواها البخاريُّ ومسلم في كتابيهما، وأخرجها أرباب الكُتب المعتبرة عند أهل السُّنة، وبالتَّالي إنَّ هذه الأحاديث هي الَّتي صدَّتهم ومنعتهم عن التَّدبُّر والتَّفكُّر في آيات القرآن المجيد» (^٣).\n_________\n(^١) «الحديث النَّبوي بين الرواية والدراية» (ص/٢٤٣).\n(^٢) ذهبت الشيعة الإماميَّة إلى نفي الرُّؤية مجاراةً للمعتزلة، وجاءت رواياتٌ عديدة ذكرها ابن بابويه في كتابه «التوحيد»، وجمع أكثرها صاحب «بحار الأنوار»: تنفي ما جاءت به النُّصوص من رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، حتَّى جعل الحرُّ العامليُّ في كتابه «الفصول المهمَّة في أصول الأئمَّة» (ص/١٢) نفيَ الرُّؤية مِن أصول الأئمَّة الاثني عشر الَّتي يكفُر من قال بخلافها.\n\nونفيُ الاثنا عشريَّة لرؤية المؤمنين ربَّهم في الآخرة هو خروج عن مذهب أهل البيت أنفسِهم! فقد اعترفت بعض رواياتهم بذلك، منها ما رواه ابن بابويه القمِّي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ﵇ قال: قلتُ له: أخبرني عن الله ﷿ هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم»، انظر «مختصر التحفة الاثني عشرية» (ص/٩٧)، و«أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية» (٢/ ٥٥١ - ٥٥٢).\n(^٣) «أضواء على الصَّحيحين» (ص/١٤٣).","vol":"2","page":813},{"text":"ومِن قِحة ما تقحَّمه الإماميَّة في خصومتِهم مع أهل السُّنة، أن احتجُّوا عليهم في بطلانِ أحاديث الرُّؤية بكلامِ أمِّهم عائشة ﵂ وهم يطعنونَ فيها! فزَعموا استدلالَها على نفيِ رؤيةِ النَّبي ﷺ لربِّه بقوله سبحانه: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾، وهو نفس ما استدلُّوا به على نفيِ عمومِ الرُّؤية أيضًا، حيث سُألِت: «يا أَمَتاه؛ هل رأى محمَّد ﷺ ربَّه؟ فكان مِمَّا قالته: .. مَن حَدَّثك أنَّ محمَّدًا ﷺ رأى ربَّه فقد كَذب، ثمَّ قرأت: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾» (^١).\nفأمُّ المؤمنين عائشة إذ أنكرت هذا القولَ في رؤيةِ محمَّد ﷺ ربَّه ليلة المعراج، تمسَّكت في نصرةِ مَذهبِها بهذه الآية، فلو لم تكن هذه الآية مفيدةً للعمومِ بالنِّسبة إلى كلِّ الأشخاصِ وكلِّ الأحوالِ لما تمَّ ذلك الاستدلال عندها.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة يقول (هاشم معروف): «هذه الرِّواية تَتنافى مع الرِّوايات الَّتي تنصُّ على أنَّه يُرى كما يُرى القمر ليلة تمامِه، .. ولا بدَّ من تكذيب إحدى الطَّائفتين، ولا شكَّ أنَّ رواية السَّيدة عائشة تتَّفق مع الكتاب، ويؤيِّدها العقل، فهي أولى بالقَبول والاعتبار» (^٢).\nوأمَّا المَقام الثَّاني مِن المعارضات المستنكرةِ لبعضِ ألفاظِ أحاديث الرُّؤية، فأهمُّهما اثنتان، تتلخَّصان في الآتي:\nالأولى: ادَّعى فيها (حسن السَّقاف) بأنَّ حديث أبي موسى الأشعريِّ في الرُّؤية: «جنَّتَان مِن فضَّة، آنيتهما وما فيهما ..»، مُعارَضٌ بمِا ورَد عن النَّبي ﷺ في وصفِ الجنَّة أنَّها «لبِنة من ذهبٍ، ولبِنة من فضَّة» (^٣)، فليست ذهبًا خالصًا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري هكذا مختصرًا في (ك: تفسير القرآن، باب: قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، رقم: ٤٨٥٥)، وأخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، وهل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء، رقم:٢٨٧).\n(^٢) «دراسات في الكافي وصحيح البخاري» لهاشم معروف (ص/٢٠٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي في «جامعه» (ك: صفة الجنة، باب: باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، رقم: ٢٥٢٦)، وأحمد في «المسند» (رقم: ٨٧٤٧)، وصحَّحه ابن حبان في «صحيحه» (باب: وصف الجنة وأهلها، ذكر الإخبار عن وصف بناء الجنة التي أعدها الله ﷿ لأوليائه وأهل طاعته، رقم: ٧٣٨٧)، وأشار إليه مخرِّجو «مسند الإمام أحمد» (١٣/ ٤١٠) بالصَّحة لشواهده.","vol":"2","page":814},{"text":"أو فضَّةً خالصةً، كما في حديث أبي موسى، ولذا قال هذا السَّقاف: «والجمع بينهما مُتكلَّف، لا ينتظِم مع عِلمنا به» (^١).\nالثَّانية: ادَّعى فيها نفسُ (السَّقاف) بأنَّ ما في حديث أبي موسى مِن قوله ﷺ: «.. وما بَين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلَّا رداء الكِبْر على وجهِه في جنَّة عَدن»: دالٌّ على خلافِ مقصودِ أهلِ السُّنة، إذ فيه أنَّ الرِّداءَ حاجبٌ عن الرُّؤية، فيقول: «.. فالحديث ليس فيه إثبات رؤية النَّاس لربِّهم، والله مُنزَّه عن الحلول في جنَّة عَدن، وهذا الحديث غريب الإسناد، باطل المتن، والله المستعان» (^٢).\n_________\n(^١) «مسألة الرؤيا» لحسن السقاف (ص/٢٨).\n(^٢) «مسألة الرؤيا» لحسن السقاف (ص/٢٩).","vol":"2","page":815},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن أحاديثِ رؤيةِ الله تعالى في الجنَّة</span>\nتمهيد:\nقبل الشُّروعِ في دحضِ شُبهات المعاصرين في أحاديث الرُّؤية، ننبِّه إلى أنَّ هذا المبحث مِن أجلِّ مسائلِ أصولِ الدِّين وأجلاها أدلَّةً، وأنصعها بيانًا في مدوَّنات عقائد أهل السُّنة؛ كيف ورؤية الله ﷻ هي الغاية الَّتي شَمَّر إليها المُشمِّرون، وتنافس فيها المتنافسون، وحُرمها الَّذين هم عن ربِّهم مَحجوبون، وعن بابِه مَطرودون!\nولقد دلَّ أكثر من دليلٍ من الكتاب والسُّنة والعقل على إثباتِ رؤية المؤمنين لربِّهم ﷿ في الجنَّة.\nفمِن الكِتاب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].\nوهذه مِن أظهر الآيات على إثبات الرُّؤية من عدَّة أوجُهٍ، منها:\nأ- أنَّ الله أضاف النَّظر إلى الوجه الَّذي هو محلُّ البصر.\nب- تعدِّي (النَّظر) في الآية بأداة الجرِّ (إلى)، وهي في لسانِ العربِ","vol":"2","page":816},{"text":"صريحة في نظر العَينِ فقط، دون ما سوى ذلك مِن المعاني المُحتمَلة (^١).\nج- خلوُّ الكلامِ مِن قرينةٍ تدلُّ على خلاف الحقيقة، وتصرُّف اللَّفظ عن معناه الحقيقيِّ المُتبادَر (^٢).\nوكذا في قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: فالحُسنى فيها الجَنَّة، والزِّيادة بعدها النَّظر إلى وجه الله الكريم؛ بذا فسَّرَها نبيُّنا ﷺ (^٣)، ثمَّ الصَّحابة ﵃ مِن بعده (^٤).\nوكذا قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]: وفيها يقول الشَّافعي: «لمَّا حَجَب الله قومًا بالسُّخط، دلَّ على أنَّ قومًا يرونه بالرِّضا» (^٥).\nأمَّا دلالة العقل على جوازِ الرُّؤية:\nفإنَّ كلَّ ذاتٍ مَوجودةٍ يجوز في الأصلِ رؤيتها، ووجود الله تعالى هو أكمل وجود، فجائز رؤيته سبحانه.\nيقول الأشعريُّ: «ممَّا يدلُّ على رؤيةِ الله تعالى بالأبصار: أنَّه ليس مَوجود إلَّا وجائزٌ أن يُرِينَاه الله ﷿، وإنمَّا لا يجوز أن يُرى المَعدوم، فلمَّا كان الله ﷿ موجودًا مُثبَتًا، كان غير مستحيل أن يُرينا نفسَه ﷿» (^٦).\nيُوِضِّح ذلك:\nأنَّ تَعذُّر الرُّؤيةِ يكون إمَّا: لخفاءِ المَرئي عن نظر الَّرائي، أو لضعفٍ وآفةٍ في الرَّائي.\n_________\n(^١) انظر «تصحيح الفصيح» لابن المرزبان (ص/١٥٤)، و«شرح المفصَّل للزَّمخشري» لابن يعيش (٤/ ٤٦٤).\n(^٢) انظر «الإبانة» للأشعري (ص/٤٠)، و«التَّوحيد» لأبي منصور الماتريدي (ص/٨٤).\n(^٣) كما مرَّ في حديث صهيب في «صحيح مسلم» أوَّل هذا المبحث.\n(^٤) انظر «جامع البيان» (١٢/ ١٦٥) فما بعده.\n(^٥) «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (١/ ١٩١).\n(^٦) «الإبانة» (ص/٥١).","vol":"2","page":817},{"text":"فالله تعالى ليس به خفاء، وإنَّما تَعذَّرت رؤيته في الدُّنيا لضعفِ القوَّة الباصرةِ للمخلوق أن تتحمَّل رؤيةَ بارِيها ﷻ، كما جرى لموسى ﵇ حين تجلَّى ربُّه للجَبل حتَّى ﴿جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nففي هذا إبطالٌ لقولِ من ادَّعى أنَّه لو جازَ أن يُرى في الآخرة لجازت رؤيته في الدُّنيا، فإنَّما «الدُّنيا دار فناء، ولا يجوز أن يُرى الباقي في الدَّار الفانية، ولو رأوه في الدُّنيا، لكان الإيمان به ضرورةً، والجملة أنَّ الله تعالى أخبر أنَّها تكون في الآخرة، ولم يخبر أنَّها تكون في الدُّنيا، فوَجَب الانتهاءُ إلى ما أخبرَ الله تعالى به» (^١).\nوبهذا تتعاضد أدلَّة القرآن والعقل مع السُّنةِ النَّبويَّة لإثباتِ عقيدة الرُّؤية لله تعالى في الجنَّة، لا كما افتراه (النَّجمي) على أهل السُّنة من أنَّهم لم يسُوغوها إلَّا مِن مصدرٍ واحد، وأنَّها عقيدة لم تَرِد إلَّا بأخبار آحاد!\nوليس الأمر كذلك، فإنَّه مع ما قد علِمنا من أدلَّة الكتاب والعقل عليها، فإنَّ ما وَرد في هذا الباب مِن المتواتر المَعنويِّ القطعيِّ، فقد رُويت عنه ﷺ بعباراتٍ متنوعةٍ، مِن وجوه كثيرةٍ، يمتنع بمثلها في العادة التَّواطؤ على الكذبِ.\nفعن يحيى بن معين قال: «عندي سبعة عشرَ حديثًا في الرُّؤية، كلُّها صِحاح» (^٢).\nوجمعَ الدَّارقطني طُرقَ الأحاديث الواردةِ في رؤية الله تعالى في الآخرة (^٣)، فزادت على العشرين، ثمَّ تَتبَّعها ابن القيِّم (^٤)، فبلغت الثَّلاثين، يقول ابن حجر: «وأكثرُ أسانيدها جِياد» (^٥).\n_________\n(^١) «التعرف لمذهب أهل التصوف» للكلاباذي (ص/٤٣).\n(^٢) «العواصم والقواصم» لابن الوزير اليماني (٥/ ١٩٣).\n(^٣) في جزئه المَطبوع «رؤية الله».\n(^٤) في كتابه «حادي الأرواح» (ص/٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٥) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٤٣٤).","vol":"2","page":818},{"text":"وفي تقريرِ هذه الحقيقة المتواترة يقول أبو الحسن الأشعري: «.. وخالفوا -يعني المعتزلة- رواياتِ الصَّحابة ﵃ عن نبي الله ﷺ في رؤية الله ﷿ بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الرِّوايات مِن الجِهاتِ المختلفات، وتواترت بها الآثار، وتتابعت بها الأخبار» (^١).\nويقول أبو بكر الكَلاباذي (ت ٣٨٠ هـ): «الأخبار في هذا مشهورةٌ متواترةٌ، وَجب القولُ به، والإيمان والتَّصديق له» (^٢).\nوممَّن جهر بتواتر أحاديث الرُّؤيةِ غيرُ مَن سَبق جَمٌّ غفيرٌ مِن أئمَّة الإسلامِ، منهم: أبو محمَّد ابن حزم (^٣)، وابن عطيَّة (^٤)، وابن قيِّم الجوزيَّة (^٥)، وأبو الفداء ابن كثير (^٦)، وأبو العبَّاس القرطبي (^٧)، وابن أبي العزِّ الحنفي (^٨)، وابن حجر العسقلاني (^٩)، وغيرُ هؤلاء كثير.\nولذلك قال ابن تيميَّة:\n«وأهل العلمِ بالحديثِ يعلَمون أحاديثَ الرُّؤية متواترةً، أعظمَ مِن تواترِ كثيرٍ ممَّا يظنُّونه متواترًا، وقد احتجَّ أصحابُ الصَّحيح منها أكثرَ ممَّا خرَّجوه في الشُّفعة، والطَّلاق، والفرائض، وسجود السَّهو، ومناقبِ عثمان وعليٍّ، وتحريم المرأة على عمَّتِها وخالتِها، والمسحِ على الخفين، والإجماعِ، وخبِر الواحدِ، والقياسِ، وغيرِ ذلك مِن الأبواب الَّذين يقولون إنَّ أحاديثها متواترة؛ فأحاديث\n_________\n(^١) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص/١٤).\n(^٢) «التَّعرُّف لمذهبِ أهل التَّصوف» للكلاباذي (ص/٤٢).\n(^٣) «الفِصل في الملل والنحل» (٣/ ٣).\n(^٤) «المحرر الوجيز» (٢/ ١٣١).\n(^٥) «حادي الأرواح» (ص/٢٩٦).\n(^٦) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٣٠٩).\n(^٧) «المُفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (٣/ ٢١).\n(^٨) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ٢١٥).\n(^٩) «فتح الباري» (٨/ ٣٠٢).","vol":"2","page":819},{"text":"الرُّؤية أعظم مِن حديث كلِّ نوعٍ مِن هذه الأنواع، وفي الصِّحاح منها أكثر ممَّا فيها مِن هذه الأنواع» (^١).\nفعلى ما تَضمَّنته هذه المُتواتراتِ مِن وجوب الإيمان برؤية المؤمنين لربِّهم ﷻ يومَ القيامة، انعقد إجماع الصَّدر الأوَّل من هذه الأمَّة.\nيقول عثمان الدَّارمي (ت ٢٨٠ هـ) بعد إيرادِه ما في هذا العقدِ مِن دلائل نقليَّة:\n«هذه الأحاديث كلُّها وأكثرُ منها قد رُويت في الرُّؤية، على تصديقها والإيمان بها أدركنا أهلَ الفقهِ والبَصر مِن مشايخنا، ولم يَزل المسلمون قديمًا وحديثًا يَروُونها ويؤمنون بها، لا يستنكرونها ولا يُنكِرونها، ومَن أنكرها مِن أهلِ الزَّيغ نَسبوه إلى الضَّلال .. فإذا اجتمع الكتاب، وقول الرَّسول، وإجماع الأمَّة: لم يبقَ لمتأوِّلٍ عندها تأوُّل، إلَّا لمكابرٍ أو جاحدٍ» (^٢).\nوبعد أن أوردَ البيهقيُّ (ت ٤٥٨ هـ) جملةَ أحاديث الباب، عَقَّب ببيانِ اتِّفاقِ السَّلف على ما تضَمَّنته، وأنَّ الخلافَ فيها لم يوجد بينهم أبدًا، إذْ لو وُجِد لنُقل إلينا كما نُقل في مسائل هي أدنى شأنًا مِن مسألتنا هذه، فتراه يقول:\n«رُوِّينا في إثبات الرُّؤية عن: أبي بكر الصديق ﵁، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبَّاس، وأبي موسى، وغيرهم ﵃، ولم يُرو عن أحدٍ منهم نفيُها، ولو كانوا فيه مختلفين لنُقل اختلافُهم إلينا.\nوكما أنَّهم لمَّا اختلفوا في الحلال والحرام والشَّرائع والأحكام: نُقل اختلافهم في ذلك إلينا، وكما أنَّهم لمَّا اختلفوا في رؤيتِه بالأبصارِ في الدُّنيا: نُقل اختلافهم في ذلك إلينا، فلمَّا نُقلت رؤية الله بالأبصار عنهم في الآخرة، ولم ينُقَل عنهم في ذلك اختلاف -يعني في الآخرة- كما نُقِل عنهم فيها اختلاف في\n_________\n(^١) «درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ٣٠).\n(^٢) «الرد على الجهمية» للدارمي (ص/١٢٢).","vol":"2","page":820},{"text":"الدُّنيا: علِمنا أنَّهم كانوا على القولِ برؤيةِ الله بالأبصارِ في الآخرةِ مُتَّفِقين مُجتمِعين» (^١).\nولا ريبَ أنَّ ما نَقَله البيهقيُّ وغيره (^٢) مِن إجماعٍ على هذه المسألة، هو القولُ الَّذي لا يجوز العدول عنه، لصراحةِ ما أورده في ذلك من أدلَّة، فكان الواحد مِن أولاءِ الأئمَّةِ لصراحةِ النُّصوص في هذه المسألةِ، وتظافر الأدلَّة على ذات المعنى: لا يرتاب في تضليلِ كلِّ مَن ينكر الرُّؤية، وإلحاقِه على الفورِ بالجهميَّة (^٣).\nفأمَّا دعاوي المخالفين فيما أورَدُوه في المقام الأوَّل مِن المعارضات العقليَّة على أصلِ الرُّؤية: في زعمِهم أنَّ كلَّ ما يكون مَرئيًّا فلا بدَّ وأن تنطبع صورته ومثاله في العَين، والله تعالى يتنزه عن الصُّورة والمثال، وأنَّ كلَّ ما كان مرئيًّا فلا بدَّ له من لَون وشكل، والله تعالى منزَّه عن ذلك، فوَجَب ألَّا يُرى.\nفجوابه أن يُقال: إنَّ كون الرُّؤية بالانطباعِ، ومنعِ كونِ المرئيِّ ذا لونٍ وشكلٍ: هو مِن لوازم المَرئيِّ المخلوقِ المُشاهَد في الدُّنيا، أمَّا رؤية الخالقِ في الدَّار الآخرة، فليست هي كرؤية المخلوق قطعًا، وبِما أنَّ المختلفات في الماهيَّة لا تستوي لوازمها، فليست تجِب تلك اللَّوازم المُدَّعاة في حقِّ الله تعالى.\nوكذا دَعواهم أنَّ المَرئيَّ لا بدَّ وأن تنطبع صورتُه ومثالُه في العين، وأنَّه لا بدَّ وأن يكون ذا لونٍ وشكلٍ: هو مَبنيٌّ على أنَّ هذه الأشياء المشاهَدة المُحسَّة لا تُرى إلَّا كذلك، وقِياس رؤيةِ الخالق سبحانه عليها في الآخرةِ مِن أبطلِ الأقيسةِ قطعًا، فإنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء (^٤)، «ولا تُقاس شئون البَشر في\n_________\n(^١) «الاعتقاد» للبيهقي (ص/١٣٠).\n(^٢) نقل الإجماع أيضا: أبو الحسن الشعري في «رسالة إلى أهل الثغر» (ص/١٣٤)، وابن القيم في «حادي الأرواح» (ص/٣٤٢)، ونقل قبله أقوال جمع غفير من علماء السَّلف من الصحابة ومن بعدهم في إثبات الرؤية.\n(^٣) كما ثبت ذلك عن وكيع بن الجراح، انظر «السنة» لعبد الله بن أحمد (١/ ٢٣١)، و«الصفات» للدارقطني (ص/٤١).\n(^٤) «رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها» (ص/٧١ - ٧٢).","vol":"2","page":821},{"text":"الآخرة على شئونِهم في الدُّنيا؛ لأنَّ لذلك العالمِ سُنَنًا ونواميسَ، تخالف سُنَنَ هذا العالَم ونواميسَه» (^١).\nفيبقى أنَّ الرُّؤية الَّتي يُهيِّؤها الله ﵎ لعباده المؤمنين في الجنَّة، هي مِن الأمورِ الغيبِيَّة الَّتي نقطع فيها الطَّمعَ عن إدراكِ حقيقَتها وكيفيَّتها على وجهِ الإحاطة واليقين، وذلك يدلُّ على مذهبِ السَّلف، الَّذي عُبِّر عنه بأوْجَزِ عبارةٍ اتَّفق عليها جميعُهم، في قولهم: «رؤيةٌ بلا كيف»، فهي خاليةٌ «عن الشَّرائطِ والكيفيَّاتِ المُعتبرةِ في رؤيةِ الأجسامِ والأغراضِ» (^٢).\nوأمَّا قولهم: بأنَّ إثباتَ الرُّؤية يستلزم إثباتَ الجِهة لله تعالى والتَّحيُّز له، وأنَّه مُنَّزه عن ذلك .. إلخ، فجوابه:\nأنَّ لفظ (الجِهة) مِن الألفاظ المُجملَة الَّتي لم يَرِد نفيُها ولا إثباتُها في الشَّرع، فتأخذ حكمَ مَثيلاتها مِن استفسارِ قائلِها عن مُرادِه منها، فإنْ أرادَ حَقًّا قُبِل، وإن أراد باطلًا رُدَّ، وإن احتملَ حقًّا وباطلًا: لم يُقبَل مُطلقًا، ولم يُرَدَّ جميعُ معناه، بل يُتوَقَّف في اللَّفظِ، ويُفسَّر المعنى.\nفيُقال هنا لمِن نَفى ما سَّماه بالجِهة:\n«أتريد بالجهةِ أنَّها شيءٌ مَوجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات؛\nأم تريد بالجهة ما وراء العَالَم؟ فلا ريب أن الله فوق العالَم، بائنٌ مِن المخلوقات.\nوكذلك يُقال لمِن قال: إنَّ الله في جِهة:\nأتريد بذلك أنَّ الله فوق العالِم؟ أو تريد به أنَّ الله داخلٌ في شيءٍ مِن المخلوقات؟!\nفإن أردتَ الأوَّل فهو حقٌّ، وإن أردتَ الثَّاني فهو باطل، ولا معنى (الجِهة)\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ١٣٥).\n(^٢) «جلاء العينين» لخير الدين الآلوسي (ص/٤٧٤)، وانظر «تفسير المنار» (٩/ ١٥٤).","vol":"2","page":822},{"text":"يُسعفُكَ على ذلك، لأنَّ الجِهة ليست أمرًا وجوديًّا، بل أمرٌ اعتِباريٌّ، ولا شكَّ أنَّ الجهات لا نهاية لها، وما لا يوجد فيما لا نهاية له فليس بمَوجود» (^١).\nوكذلك نقول في لفظ «التَّحيُّز»:\nإن أريدَ به أنَّ الله تحُوزُه المخلوقات: فالله أعظم وأكبر، بل قد وَسِع كرسيُّه السَّموات والأرض .. وإن أريدَ به أنَّه مُنحازٌ عن المخلوقات، أي مُبايِنٌ لها، مُنفصل عنها، ليس حالًّا فيها: فهو سبحانه كما قال أئمَّة السُّنة: فوقَ سمواته على عرشه، بائنٌ مِن خلقه (^٢).\nوكذا إذا قيل: أنَّه في جِهة بذلك الاعتبار الَّذي قُرِّر هنا قريبًا، فهو صحيح، ومعناه: أنَّه فوق العالم حيث انتَهَت المخلوقات، فهو بذا فوق الجميع، عالٍ عليهم.\nوالحاصل: أنَّ هذه اللَّوازم السَّالف إيرادها مِن قِبل المُعترضين، من لفظ الجِهة والمُقابلة ونحوها: ليست ممتنعةً عند أهلِ السُّنة؛ فإذا كانت (المُقابلة) لازمةً للرُّؤية فهي حَقٌّ، وما كان حقًّا وصوابًا، فلازمه كذلك (^٣).\nوأمَّا استدلال المعترض على نفيِ أحاديث الرُّؤية بآية: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾:\nفالاستدلال بهذا منه عجيب، لأنَّه لو تَأمَّله بتجرُّد، لوَجده عليه لا له! بكِلَا قَوْلي الصَّحابة في تفسيرِها.\nفأوَّل قَوْلَيهم في ذلك: أنَّ الإدراكَ في الآية بمعنى الرُّؤية، وحَملوا الآيةَ على نفيِ الرُّؤية في الدُّنيا بخصوصِها، لقوله ﷺ: «إنَّكم لنْ تَرَوا ربَّكم حتَّى\n_________\n(^١) «شرح الطحاوية» لابن أبي العز (١/ ٢٦٧) بتصرف يسير.\n(^٢) «التَّدمرية» (ص/٦٦ - ٦٧).\n(^٣) وما مرَّ من تفصيلٍ في هذا الجواب، يقول عنه ابن تيميَّة: «ممَّا خاطبتُ به غيرَ واحدٍ مِن الشِّيعة والمعتزلةِ، فنفعه الله به، وانكشفَ بسببِ هذا التَّفصيل ما وقع في هذا المقامِ مِن الاشتباهِ والتَّعطيل»، «منهاج السنة» (٢/ ٣٤٩).","vol":"2","page":823},{"text":"تموتوا» (^١)، فهذا هو مُراد عائشة ﵂ حينَ استدلالِها بالآيةِ على نَفيِ رؤيةِ النَّبي ﷺ ربَّه ليلةَ المعراجِ، غايةُ ما في ذلك أنَّها فهِمت مِن الآيةِ عدمَ قدرةِ أبصارِنا على رؤيتِه سبحانه في الدُّنيا، ولم يُنقَل عن أحدٍ من الصَّحابة ﵃ مِن طريقٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه أراد بذلك نفيَ الرُّؤية في الآخرة (^٢).\nوبهذا ينتفي التَّعارض المُتوهَّم بين تلك الآيةِ على قولِ عائشة ومَن وافقها (^٣)، وباقي الآياتِ الصَّريحةِ على ثبوتِ الرُّؤية في الآخرة.\nوثاني القَوْلين في الآية: أنَّ الإدراكَ فيها هو بمعنى إحاطةِ الرَّائي بربِّه ﷿، وهذا ما جَرت عليه أقوال جلَّةٍ مِن الصَّحابة والأئمَّة بعدهم، تراه -مثلًا- في تفسيرِ ابن عبَّاس ﵁ للآية: «لا يحيطُ بَصرُ أحدٍ بالملِكِ»، وقولِ عطيَّة العوفي: «ينظرون إلى الله، ولا تحيط أبصارهم به مِن عظمتِه، وبصرُه يحيط بهم» (^٤).\nوقد قرَّر ابن تيميَّة وجهَ الاستدلال من الآيةِ على مسألةِ الرُّؤية أحسنَ تقريرٍ وألطفَه في قوله:\n«أنا ألتزِمُ أنَّه لا يَحتجُّ مُبطِلٌ بآيةٍ أو حديثٍ صحيحٍ على باطلِه، إلَّا وفي ذلك الدَّليل ما يدلُّ على نقيضِ قوِله! فمنها هذه الآية، وهي على جواز الرُّؤية أدلُّ منها على امتناعها، فإنَّ الله سبحانه إنَّما ذكرها في سياقِ التَّمدح، ومَعلوم أنَّ المدحَ إنَّما يكون بالأوصافِ الثُّبوتية، وأمَّا العَدم المحض فليس بكمالٍ ولا يُمدح به.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (ك: النعوت، باب: المعاقاة والعقوبة، رقم: ٧٧١٦)، وابن ماجه في «السنن» (ك: الفتن، باب: فتنة الدجال، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج، ومأجوج، رقم: ٤٠٧٧)، وصحَّحه الضِّياء المقدسي في «المختارة» (٨/ ٢٦٤)، والألباني في «صحيح الجامع» (٤٠٧٦).\n(^٢) «معارج القبول» للحَكمي (١/ ٣٦١)؛، فلا وجهَ لنصبِ الخلاف بين الصَّحابة ﵃ في ذلك كما أراد أن يوهمه (هاشم معروف)!\n(^٣) وهذا مذهب إسماعيل ابن عليَّة، وهشام بن عبيد الله الرازي، ونعيم بن حمَّاد، انظر «شرح اصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (٣/ ٥٧٧)، وبه أخذ أحمد بن حنبل في «ردِّه على الجهمية» (ص/٧٨)، وعثمان الدرامي في «نقض المريسي» (٢/ ٧٣٨)، وأبو الحسين الملطي في «التنبيه والرد» (ص/٦٠).\n(^٤) انظر القولين في «جامع البيان» للطبري (٩/ ٤٥٧ - ٤٥٩).","vol":"2","page":824},{"text":"وإنمَّا يُمدح الرَّب -﵎- بالعدمِ إذا تضمَّن أمرًا وجوديًّا، كتمدُّحه بنفيِ السِّنة والنَّوم، المتضمِّن كمالَ القيوميَّة، ونفيِ الموت المتضمِّنِ كمال الحياة، ونفيِ اللُّغوبِ والإعياء المتضمِّن كمال القدرة، ونفيِ الشَّريك والصَّاحبة والولد والظَّهير المتضمِّن كمالَ ربوبيَّتِه وإلهيَّته وقهرِه، ونفيِ الأكلِ والشُّرب المتضمِّن كمالَ الصَّمدية وغناه، ..\nولهذا لم يتمدَّح بعدمٍ محضٍ لا يتضمَّن أمرًا ثبوتيًّا، فإنَّ المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العَدم، ولا يوصف الكامل بأمرٍ يشترك هو والمعدوم فيه.\nفلو كان المُراد بقوله: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ أنَّه لا يُرى بحالٍ: لم يكُن في ذلك مَدحٌ ولا كمال، لمشاركة المَعدوم له في ذلك، فإنَّ العَدم الصِّرف لا يُرى ولا تدركه الأبصار! والرَّب ﷻ يَتعالى أن يُمدَح بما يشاركه فيه العَدم المَحض.\nفإذن المعنى: أنَّه يُرَى ولا يُدرك ولا يُحاط به ..» (^١).\nفالآية على هذا دالَّة على كمالِ عظمتِه سبحانه، وهو لعظمتِه أجَلُّ وأكبر وأوسع من أن يُدرَك ويُحاط به، فإنَّ (الإدراك) هو الإحاطة بالشَّيء، وهو بذا قدْر زائدٌ على الرُّؤية، والنَّفي في الآية الكريمة ورد على الرُّؤية المحيطة، لا جنسَ الرُّؤية، فهو يُرى بلا إدراكٍ له.\nنظير ذلك ما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، والمَعنى: يحيطُ بهم علمًا، لأنَّه يَعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يحيطون به عِلمًا، وإن كانوا يَعلمون عنه ما أَذِن الله به، لأنَّ إحاطةَ المُحاط به بالمحيطِ مُحالٌ (^٢).\nفكلا الآيتين جارٍ على قاعدةٍ معروفةٍ في اللُّغة: أنَّ النَّفيَ إذا وَرَد على مُقيَّدٍ\n_________\n(^١) نقله عنه ابن القيم في «حادي الأرواح» (ص/٢٩٣).\n(^٢) انظر «جامع البيان» للطبري (٩/ ٤٥٩).","vol":"2","page":825},{"text":"بقيدٍ، كان النَّفي مُنصَبًّا على القيدِ لا المُقيَّد، وأنَّ نفيَ وصفٍ خاصٍّ لمعنى عامٍّ، يستلزم إثباتَ ذلك العامِّ (^١).\nوأمَّا استدلال المُعترضِ بقولِه تعالى: ﴿لَن تَرَانِي﴾، وأنَّ (لن) تفيد التَّأبيد:\nفالآية كسابقتها حُجَّة عليهم لا لهم! فإنَّ الاستدلال بها على ثبوتِ الرُّؤيةِ من عِدَّة وجوهٍ:\nالوجه الأوَّل: أنَّه لا يُظَنُّ بكليمِ الله ورسوله الكريم، وأعلمِ النَّاس بربِّه في وقتِه، أن يسأل اللهَ ما لا يجوز عليه، بل هذا مِن أعظمِ المُحال، بدليل:\nالثَّاني: أنَّ الله تعالى لم يُنكِر عليه سؤالَه، في حين أنَّه لمَّا سأله نوح ﵇ نجاةَ ابنِه، أنكرَ عليه سؤالَه، وزجَره إذ سأَله المُحالَ بقولِه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].\nالثَّالث: أنَّه تعالى إنَّما قال: ﴿لَن تَرَانِي﴾، ولم يقُل: إنَّي لا أُرَى، أو لا يجوز رؤيتي، أو لستُ بمَرئيٍّ.\nوالفرق بين الجوابين ظاهر، مَثَّلَ له الفخر الرَّازي (ت ٦٠٦ هـ): بأنَّ مَن كان في كمِّه حَجر، فظنَّه رجلٌ طعامًا، فقال له: أطعمنيه، فالجواب الصَّحيح أن يقول له: إنَّه لا يُؤكل، أمَّا إذا كان طعامًا صحَّ أن يقول: إنَّك لن تأكله (^٢)؛ فالآية -على ذلك- تدلُّ على أنَّه سبحانه مَرئيٌّ، ولكنَّ موسى ﵇ لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدَّار؛ يوضِّحه:\nالوجه الرَّابع: قوله تعالى له: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فالله أعلَمَه أنَّ الجبَلَ مع قُوَّتِه وصلابتِه لا يثبُت للتَّجلي في هذه الدَّار، فكيف بالبَشر الَّذي خُلق مِن ضعف؟! ولا شكَّ أنَّ الله قادر على أن يجعل الجبلَ مستقرًّا، وقد عَلَّق به الرُّؤية، ولو كانت مُحالًا لكان\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ١١٩).\n(^٢) «معالم أصول الدين» للرازي (ص/٧٨)","vol":"2","page":826},{"text":"نظيرَ أن يقول: إن استقرَّ الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام -تعالى الله عن ذلك- فالكلُّ عندهم سواء (^١)!\nوأمَّا دعوى المُعترضِ تأبيدَ النَّفي بـ (لن)، وأنَّه يدلُّ على نفيِ الرُّؤية في الآخرة:\nفهو قول فاسد مِن جِهة العَربيَّة نفسِها، وفي تقريرِ عدمِ إفادتِها للتَّأبيد، يقول ابن مالك الأندلسيُّ في «ألفيَّته» المشهورة:\nومن رأى النَّفي بـ «لن» مُؤبَّدا *** فقولَه ارْدُد وسواه فاعضُدا\nثمَّ (لَنْ) لو قدَّرْنا أنَّها للتَّأبيد في الآيةِ، لمَا دلَّ ذلك على دوامِ النَّفي في الآخرة، لوجود أدلَّة خارجيَّة تفيد خلافَ ذلك؛ نظيرُها في كتاب الله، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥].\nثمَّ هو يُخبر عنهم وعن أمثالِهم مِن أهل النَّارِ بتمنِّيهم للموتِ في الآخرة، كما في قولِه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nهذا؛ مع أنَّ في ذاتِ سياقِ الآية ما يدلُّ على عدمِ التَّأبيد، وهو ما أبَانَ الباقلَّاني عنه بقولِه: «أرادَ في الدُّنيا -يعني طلبَ موسى ﵇ الرُّؤية-، لأنَّه إنَّما سَأل ربَّه أن يُريَه نفسَه في الدُّنيا، فقوله: ﴿لَن تَرَانِي﴾ جوابُ هذا السُّؤال» (^٢).\nوأمَّا قولُ (حسن السَّقاف) في المقام الثَّاني مِن معارضاتِ أحرفٍ في متنِ أحاديث الرُّؤية: في دعواه أنَّ حديثنا هذا: «جنَّتَان مِن فضَّة، آنيتهما وما فيهما ..»، مُعارَضٌ بحديثٍ آخر لأبي هريرة ﵁ في وصفِ الجَّنة أنَّها «لبِنة مِن ذَهبٍ، ولبِنة مِن فضَّة»، فيُقال له:\nإنَّ الظَّاهر مِن قولِ النَّبي ﷺ في حديث أبي موسى: «آنيتهما وما فيهما ..» أنَّه بَدَل اشتمالٍ لمِا قبلها: «جَنَّتَان مِن فضَّة .. مِن ذهب»، وعليه فإنَّ الَّذي هو مِن فضَّة وذَهب: ما كان داخلَ تلك الجنَّتين مِن أواني، وقصورٍ، ونحو ذلك (^٣).\n_________\n(^١) انظر «المواقف» للآمدي (٣/ ١٧٥)، و«شرح الطحاوي» لابن أبي العز (١/ ٢١٢ - ٢١٥).\n(^٢) «تمهيد الأوائل» للباقلاني (ص/٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٣) انظر «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٤٣٢).","vol":"2","page":827},{"text":"أمَّا ما أحاطَ بتلك الجِنان، مِن أسوارٍ وحوائطَ، فلم يُشِر له حديث أبي موسى هذا، وإنَّما دلَّ على طبيعةِ هذا البناء الخارجيِّ ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: «لبِنة من فضَّة، ولبِنة من ذهب ..»، ويؤيِّده أنَّه وقع في حديثٍ آخر لأبي هريرة نفسِه: «حائط الجنَّة مبنيٌّ لبنة من ذهب، ولبنة من فضَّة ..» (^١).\nفبهذا يتَّسق الحديثان ويتكاملان، ولا يتعارَضان كما يشتهيه (السَّقاف)!\nوأمَّا دعواه الثَّانية: بأنَّ ما في حديث أبي موسى: «.. وما بَين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلَّا رداء الكِبْر على وجهِه في جنَّة عَدن» دالٌّ على أنَّ الرَّداء مانع من رؤيتِه:\nفهذا كلام مَن غلبت عليه عُجمَتُه، وانبطحت لثقلِ رأسِه وِسادَتُه! فإنَّ الحديث قد جاء في سياقِ التَّبشير والتَّفضُّل مِن الله تعالى على أهل الجنَّة، فأيُّ تبشيرٍ وتفضُّلٍ عليهم إذا أخبرهم بأنَّه سيمنعهم مِن رؤيتِه؟!\nفليت شعري؛ إذا لم تكن الرُّؤية له في جنَّة عَدن وهي دار القرار والنَّعيمِ، وقد وعدهم بها في آياتٍ كثيرة، فمتى تكون؟!\nإذا قال لك إنسان: رُدَّ لي مالي، فقلتَ: ما بينك وبين أن أُرجعَ لك مالكَ اليومَ إلَّا أن أصلِّي العصرَ ..، فهذا يدلُّ على ردِّه مالَه إذا صلَّى أو على عدمِه؟! فانظر كيف يُفسَد الوَحيُ ويُحرَّف معناه بهذه الطُّرق السَّخيفة.\n_________\n(^١) أخرجه عنه مرفوعًا: ابن عبدويه في «الغيلانيات» (٧٣٢)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (١٣٨)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٢٥٦).\n\nورواه عنه موقوفًا: معمر بن راشد كما في «جامعه» (١١/ ١١٦ - آخر مصنف عبد الرزاق، رقم: ٢٠٨٧٥)، وابن المبارك في «الزهد والرقائق» (٢/ ٧٢).\nوقد رجَّح غير واحد وقفه على أبي هريرة دون الرفع، كالدراقطني في «العلل» (١١/ ١٣٩)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٨٣)، وابن القيم في «حادي الأرواح» (ص/٢٧٧).\nوهو وإن كان موقوفًا علي أبي هريرة، إلَّا أنَّ له حكم الرَّفع، فمثله لا يُقال بمجرَّد الرَّأي.\nوقد ورد له شاهد من حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه المخلِّص البغدادي في «المخلصيات» (١/ ٤٤٠، رقم:٧٨٢) أبو نعيم في «صفة الجنة» (٢٣٧)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٢١٤، ٢٦١)، وابن بشران في «أماليه» (١٠٦٥)، لكن في إسناده عدي بن الفضل، وهو متروك الحديث كما في «التقريب».","vol":"2","page":828},{"text":"ومن ثمَّ نقول: إنَّ الغَرض مِن الحديث حاصل؛ فإنَّ المعنى بيان قُربِ النَّظر، «فكأنَّ في الكلام بعد قولِه (إلَّا رداء الكبرياء) حذفًا تقديره: فإنَّه يمُنُّ عليهم برفعِه، فيحصلُ لهم الفوز بالنَّظر إليه» (^١)؛ والله أعلم.\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٤٣٢).","vol":"2","page":829},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>الفصل الثاني نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالتَّفسير</span>","vol":"2","page":831},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المَبحث الأوَّل نقد المعارضات الفكريَّة المعاصرة لأحاديث الموافقات القرآنيَّة لعمر بن الخطاب ﵁</span>","vol":"2","page":833},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المَطلب الأوَّل سَوق أحاديث الموافقات القرآنيَّة لعمر بن الخطاب</span>\nعن أنس بن مالك قال: قال عمر ﵃:\n«وافقت الله في ثلاثٍ، أو وافقني ربِّي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتَّخذتَ مقام إبراهيم مصلَّى.\nوقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البَرُّ والفاجر، فلو أمرتَ أمَّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.\nقال: وبلغني معاتبة النَّبي ﷺ بعضَ نسائه، فدخلتُ عليهن، قلت: إن انتهيتنَّ أو ليبدلنَّ الله رسولَه ﷺ خيرًا منكنَّ، حتَّى أتيتُ إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أَمَا في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءَه حتَّى تعظهنَّ أنت؟ فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] الآية» (^١).\nوعن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵃ أنه قال:\n«لمَّا مات عبد الله بن أبي ابن سلول، دُعي له رسول الله ﷺ ليصلِّي عليه، فلمَّا قام رسول الله ﷺ وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلِّي على ابن أبيٍّ وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟! أَعدُد عليه قولَه، فتبسَّم رسول الله ﷺ وقال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في «ك: تفسير القرآن، باب: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، رقم: ٤٤٨٣)، وأخرجه مسلم مختصرا في (ك: فضائل الصحابة، باب: فضائل عمر ﵁، رقم: ٦٣٥٩) لكن بذكر أسارى بدر عوضا عن موعظة أمهات المؤمنين في الثالثة.","vol":"2","page":835},{"text":"«أخِّر عنِّي يا عمر»، فلما أكثرت عليه، قال: «إنِّي خُيِّرت فاخترت، لو أعلم أنِّي إن زدتُ على السَّبعين يغفر له لزدت عليها»، قال: فصلَّى عليه رسول الله ﷺ ثمَّ انصرف.\nفلم يمكث إلَّا يسيرًا حتَّى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، قال: فعجبتُ بعدُ من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذٍ، والله ورسوله أعلم» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، رقم: ٤٦٧١)، ومسلم من حديث ابن عمر في (ك: صفات المنافقين وأحكامهم، رقم: ٢١٤٠).","vol":"2","page":836},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>المطلب الثاني سَوق دعوى المعارضات الفكريَّة المعاصرة لأحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطاب</span>\nفأمَّا ما وَرد في الموافقة الأولى مِن الحديث الأوَّل:\nفقد زَعَمَ (ابن قرناس) أنَّ آيةَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] قد نزلت في السَّنة الأولى للهجرة، «في وقت لم يكن يُتوقَّع أن تُفتح مكَّة بعد سبع سنوات، وعندها يمكن أن يُتَّخذ المقام مُصلَّى باقتراح من عمر مزعوم» (^١).\nوالَّذي أوهَمه نفيَ تنزُّلها موافقةً لكلامِ عمر ﵁ كونها «ضمن الحديث عن إبراهيم ﵇ وما حدث له، أي أنَّها تخبر عن تاريخ مَضى، .. وقد أمر الله النَّاس بأن يتَّخذوا مقام إبراهيم مصلَّى منذ ذلك العهد» (^٢).\nوأمَّا عن الموافقة الثَّانية من الحديث الأوَّل نفسِه:\nفأُورِد عليها جملةٌ مِن المعارضات، يرجع مُجملها إلى أمرين: دعوى التَّناقض بينها، والقدح في العلمِ الإلهيِّ.\nأمَّا دعوى التَّناقض: فزعموا أنَّ الأحاديث في هذا الشَّأن متضاربة، فبعضها يشير إلى أنَّ الآية نزلت بعد أن طلب عمررضي الله عنه مِن النَّبي ﷺ حجبَ\n_________\n(^١) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٤٤٢).\n(^٢) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٤٤٢).","vol":"2","page":837},{"text":"نسائِه حين قال: «يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنَّه يكلِّمهنَّ البَرُّ والفاجر»، ورواية أخرى تقول: إنَّها نزلت عندما لبَّى عمر دعوة النَّبي ﷺ للأكل، وأصابت يده إصبعَ عائشة، فقال عمر: «حسّ! لو أُطاع فيكنَّ ما رأتكُنَّ عين» (^١).\nثمَّ حديث آخر يروي أنَّها نَزلت عندما أرادت سَودة أمُّ المؤمنين الخروجَ لقضاء الحاجة، فلمَّا رآها عمر، وكان حريصًا على نزولِ آية الحجابِ، ناداها: «يا سودة، أمَا والله ما تَخفين علينا، فانظري كيف تَخرجين ..» (^٢).\nثمَّ رواية أخرى يجزم فيها أنس بن مالك ﵁ أنَّها نزلت يوم أصبح النَّبي ﷺ عروسًا بزينب بنت جحش، وقد دعا قومًا لطعامِه، فجعلَ النَّبي ﷺ يخرج ثمَّ يرجع، وهم قعود يتحدَّثون، وكان النَّبي ﷺ شديدَ الحياء، فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة ﵂، فأُخبر أنَّ القوم خرجوا فرَجع، يقول أنس ﵁: «حتَّى إذا وضَع رجلَه في أسكفَّة الباب داخلة، وأخرى خارجة، أرخى السِّترَ بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب» (^٣).\nوفي تقرير دعوى التَّضارب بين هذه الرِّوايات، يقول (صادق النَّجمي): «هذه التَّناقضات في قصَّة واحدة -نزول آية الحجاب موافقة لرأي عمر- مصداق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (رقم: ١٠٥٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (ك: التفسير، باب: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم، رقم: ١١٣٥٥) وغيرهما من طريق مسعر، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن أم المؤمنين عائشة.\nقال الدراقطني في «العلل» (١٤/ ٣٣٨): «يرويه مسعر، واختلف عنه:\nفرواه ابن عيينة، عن مسعر، عن أبي الصباح موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة.\nوغيره يرويه عن مسعر، عن أبي الصباح، عن مجاهد مرسلًا، والصَّواب المرسل» ا. هـ\n(^٢) أخرجه البخاري أخرجه البخاري (ك: تفسير القرآن، باب: باب قوله: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، رقم: ٤٧٩٥)، ومسلم (ك: السلام، باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان، رقم: ٢١٧٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (ك: تفسير القرآن، باب: باب قوله: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، رقم: ٤٧٩١ - ٤٧٩٤) ومسلم (ك: النكاح، باب: باب زواج زينب بنت جحش، ونزول الحجاب، وإثبات وليمة العرس، رقم: ١٤٢٨).","vol":"2","page":838},{"text":"بارزٌ، ودليل بيِّن على صحَّةِ المثَل المعروف الَّذي يقول: الكذَّاب كثير النِّسيان! ولا حافظة للكذاب!» (^١).\nوأمَّا عن دعوى القدحِ في العِلمِ الإلهيِّ:\nفيقول (ابن قرناس) في آية الحجاب (^٢): «هذه الآية لم تنزل لوحدِها، وبسببِ اقتراحِ عمر أعجبَ الله -أستغفر الله- فأنزل فيه آية، ولكن الآية جاءت ضمنَ موضوع كاملٍ يحثُّ نساء النَّبي ﷺ أن يتمسَّكن بالحشمة .. ولم تنزل آيةٌ واحدةٌ في هذه السُّورة ولا في القرآن الكريم بناءً على اقتراحِ عمر بن الخطَّاب، أو سعد بن معاذ، أو حتَّى رسول الله! فالله أعلم وأحكم مِن أن يحتاجَ لمقترحاتِ خلقِه» (^٣).\nوأمَّا عن الموافقة الثَّالثة المتعلِّقةِ بآية سورة التَّحريم:\nفقد عورِضت بنفسِ المعارضةِ الثَّانية للموافقة الأولى، بدعوى أنَّها لم تنزل لوحدها، «ولكن ضمنَ خمسِ آياتٍ افتُتحت بها سورة التَّحريم، وتَتحدَّث عن مشاكلَ أُسريَّة بين الرَّسول وزوجاتِه» (^٤).\nوأمَّا فيما يتعلَّق بصلاةِ النَّبي ﷺ على ابنِ سَلول:\nفقد اعتُرِض على متنِه بعدَّةِ اعتراضات، قد كانت مثارَ جدلٍ قديمٍ بين بعضِ الطَّوائف الإسلاميَّة، مِن أبرزِها:\nما أورَده (رشيد رضا) في «تفسيرِه» وناقشه، مع كونِه أمْيلَ إلى ردِّ الحديثِ، مع إعذاره لِمن أثبتَه؛ حيث كان أقوى ما عَوَّل عليه في موقفِه منه دعوى أنَّ ظاهرَ الأمرِ في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وَاردٌ للتَّسوية بين الأمرين، أي: أنَّ الاستغفار وعدَمه سيَّان، وبها استدَلَّ عمر ﵁ على تركِ\n_________\n(^١) «أضواء على الصحيحين» (ص/٣١٣).\n(^٢) وقد جعلَ كلامَه هذا في سبب نزولها ينطبق على الموافقتين الأخريين أيضًا.\n(^٣) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٤٤٣ - ٤٤٥).\n(^٤) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٤٤٤).","vol":"2","page":839},{"text":"الصَّلاة على ابن سلول، لكنَّ الحديثَ بخلافِ هذا الظَّاهر القرآنيِّ، حيث فيه حَملُ (أو) على التَّخيير.\nفلقد كان هذا الخَبر بحقٍّ مَزلَّةَ أقدامِ لبعضِ المُتقدِّمين مِن أهل العلمِ! حتَّى أنكر أبو بكر الباقلَّاني صحَّته بقوله: «هذا الخبر مِن أخبارِ الآحادِ الَّتي لا يُعلَم ثُبوتها» (^١).\nوقال الجُوَينيُّ: «هذا لم يصححه أهل الحديث» (^٢).\nوقال الغزالي: «الأظهر أنَّه غير صَحيح» (^٣).\nوقال الدَّاودي وهو شارحُ البخاريِّ: «هذا الحديث غير مَحفوظ» (^٤).\nونظرًا إلى مقام هؤلاء القائلين قال ابن حجر: «استُشكِل فهمُ التَّخيير مِن الآية، حتَّى أقدمَ جماعةٌ مِن الأكابر على الطَّعنِ في صحَّةِ هذا الحديث! مع كثرةِ طُرقِه، واتِّفاقِ الشَّيخين وسائرِ الَّذين خرَّجوا الصَّحيحَ على تصحيحِه، وذلك يُنادي على مُنكري صحَّتِه بعدمِ معرفة الحديثِ، وقِلَّةِ الاطِّلاع على طُرقِه» (^٥).\nوالسَّبب في إنكارهم صحَّتَه: ما تَقرَّر عندهم -وهو الَّذي فهمه عمر ﵁- مِن أنَّ أداة (أو) تُحمل على التَّسويةِ، لمِا يقتضيه سياقُ القِصَّة، ولفظ (السَّبعين) يُحمل على المبالغةِ؛ وأهل البيانِ لا يتردَّدُون في أنَّ التَّخصيصَ بالعددِ في هذا السِّياق غير مُراد، ومِن هنا شكَّك (رشيد رضا) في صحَّةِ الحديث، فقال:\n«إنمَّا يظهر التَّخييرُ لو كانت الآية كما ذُكر في الحديث ولم يكن فيها بَقيَّتُها، أي: التَّصريح بأنَّه لن يغفر الله لهم بسببِ كفرِهم، وأنَّ الله لا يهدي القوم الفاسقين، ومِن ثَمَّ كان المتبادَر مِن (أو) فيها أنَّه للتَّسوية بين ما بعدها وما\n_________\n(^١) «التقريب والإرشاد» للباقلاني (٣/ ٣٤٤).\n(^٢) «البرهان» لأبي المعالي الجويني (١/ ١٧٠).\n(^٣) «المستصفى» (ص/٢٦٧).\n(^٤) «التَّوضيح» لابن الملقن (٩/ ٤٨٤).\n(^٥) «فتح الباري» (٨/ ٣٣٨).","vol":"2","page":840},{"text":"قبلها لا للتَّخيير، وبه فَسَّرها المحقِّقون، كما فهِمها عمر، واستشكلوا الحديثَ، إذْ لا يُعقل أن يكون فهمُ عمر أو غيره أصحُّ مِن فهم رسول الله ﷺ لخطابِ الله له! ولذلك أنكرَ بعضهُم صحَّته» (^١).\nوقد تَوارد مِن بعد رشيد رضا على فهمِ الآيةِ على هذا المعنى من التَّسوية فئامٌ أنكروا أن تكون للتَّخيِير، وهو ما جنح إليه من طعن في الحديث من المعاصرين، كـ (جعفر السُّبحاني) (^٢)، و(صادق النَّجمي) (^٣)، و(فتح الأصبهاني) (^٤)، و(الكُردي) (^٥)، وغيرهم.\nفأمَّا (السُّبحاني)، فكان أسهبَ هؤلاءِ في تفصيلِ هذا الفهمِ دليلًا على نُكرانِه للحديث (^٦)، فناسبَ إيرادُ معارضاتِه، وفي ضمنها كلامُ (رشيد رضا)، ليتمَّ الرَّد على كلِّ فرعٍ منه على حِدَة، ويستتِمَّ لنا دحض مُعارضتها جملةً، فنقول مُستعينين بالله (^٧):\nيقول هذا المُعترِض:\n«أوَّلًا: إنَّ المتبادر مِن لفظة (أو) في الآية من قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] أنَّها للتَّسوية، أي الاستغفار وعدمه سيَّان، لأنَّ المحلَّ غير قابل للاستفاضة، لكنَّ النَّبي ﷺ حسب الرِّواية حملها على التَّخيير، حيث قال: إنَّما خيَّرني الله .. فكيف خفي على النَّبي مفاد الآية؟!\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (١٠/ ٤٩٦).\n(^٢) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٥١٨ - ٥٢٠).\n(^٣) «أضواء على الصحيحين» (ص/٣١٨ - ٣١٩).\n(^٤) «القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع» (ص/١١٥ - ١١٦).\n(^٥) «نحو تفعيل قواعد نقد المتن» (ص/١٥٤).\n(^٦) ومَن يطالع كلام رشيدٍ عن الحديث في «تفسير المنار»، يعلم أنَّ (السُّبحاني) قد اختلسَ من كلام (رشيد رضا) ما ناسب طعنَه في الحديث، متغافلًا عن المناقشات المفيدة الَّتي سجَّل (رشيد رضا) أكثرَها عن ابن حجر في الدِّفاع عن الحديث!\n(^٧) غايرت بين ترتيب الشبهتين الأوليين في الأصل لأن الرد على الثاني مضمن جزء منه في الأول كما سيأتي.","vol":"2","page":841},{"text":"ثانيًا: المتبادر مِن الآية عند النَّاطقين بالضَّاد، هو أنَّ عدد السَّبعين فيها كناية عن الكثرة، بمعنى أنَّ الاستغفار لا يُجدي لهم مهما بلغ عددها، سواء أكان أقلَّ من سبعين أو أزيد منه، وهذا ما يفهمه العَربي الصَّميم مِن الآية، ويؤيِّد ذلك أنَّه: سبحانه علَّل عدم الجدوى بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠].\nولكن الظَّاهر أنَّ النَّبي ﷺ فهِم من الآية أنَّ لعدد السَّبعين خصوصيَّة! وأنَّه ما أقدم على الصَّلاة على عبد الله بن أُبيٍّ وهو رأس المنافقين إلَّا لأجلِ أن يستغفر له أزيدَ مِن السَّبعين، الَّذي ربَّما تكون الزِّيادة نافعة لحاله، ولا خفاءَ في أنَّه على خلاف ما يفهمه العربيُّ الصَّميم من الآية، فكيف بنبيِّ الإسلام، وهو أفصح مَن نَطق بالضَّاد؟!\nثالثًا: كيف قام النَّبي ﷺ بالصَّلاة على المنافق وهو يشتمل على الاستغفار، مع أنَّ المَرويَّ في الصِّحاحِ أنَّه سبحانه نَهى النَّبي ﷺ عن الاستغفار للمشركين وهو في مكَّة المكرمة؟! قال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].\nرابعًا: أنَّه سبحانه نهى النَّبي ﷺ عن الاستغفار في سورة المنافقين، وقد نزلَت في غزوة بني المُصطلق، وغزاهم النَّبيُّ في العامِ السَّادس مِن الهجرة، قال سبحانه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦].\nومع هذا البيان الصَّريح، كيف أقدم النَّبي ﷺ على الصَّلاة على المنافق، والَّتي لم تكن إلَّا عملًا لغوًا غير مفيد؟\nوما ربَّما يُتوهَّم أنَّه ﷺ قدم على الصَّلاة استمالةً لقلوب عشريتِه، فهو كما ترى، لأنَّ القرآن يخبر بصراحةٍ أنَّ الصَّلاة والاستغفار لا تفيد بحالِه، أفيكون عملُ النَّبي ﷺ بعد هذا التَّصريح سببًا للاستمالة؟!» (^١).\n_________\n(^١) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٥١٨ - ٥٢٠).","vol":"2","page":842},{"text":"ثمَّ أتانا (صادق النَّجمي) مُتبرِّعًا من كيسِ فهمِه بشُبهةٍ أخرى، يقول فيها:\nالخامسة: إنَّ القول بموافقةَ اللهِ لعمر في تركِ الصَّلاة على ابن أبيٍّ منافٍ للعقل، «ذلك أنَّ قبولَه يستلزم أن يكون هناك مَن هو أعلم مِن النَّبي ﷺ بالأحكام والتَّعاليم السَّماوية، وأدرى منه في معرفةِ فلسفةِ الأحكامِ الإلهيَّة وأسرارها، وأعرف بالمصالح والمفاسد المترتِّبة على التَّعاليم الإسلاميَّة، لأنَّنا نشاهد في الحديث أنَّ الله تعالى قد أنزل آيةً تؤيِّد فكرةَ فردٍ ما غير النَّبي ﷺ، وتُفنِّد عملَ رسولِ الله، وتنهاه، وتمنعه! .. ألم يكن مِن الأفضل أن يُنزَّل الوحي على هذا الرَّجلِ بدلًا مِن رسول الله ﷺ؟!» (^١).\n_________\n(^١) «أضواء على الصحيحين» لصادق النجمي (ص/٣١٧).","vol":"2","page":843},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>المَطلب الثَّالث دفع دعوى المعارضات الفكريَّة المعاصرة عن أحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطَّاب</span>\nأمَّا دعوى المُعترضِ بأنَّ آية مقامِ إبراهيم هي مِن أوائل ما نَزل في المدينة بعد الهجرة، فلا يُقال فيه أكثر مِن أنَّه: قولٌ يُعدم دليلًا يقيمُه!\nنعم؛ قد ذكرَ بعض أهل العلمِ أنَّ سورة البقرة أوَّل ما نَزل في المدينة بعد الهجرة (^١)، لكن لا يستلزم ذلك أنْ تكون جميع آياتِها كذلك في الأوَّليَّة؛ إذْ من المُتحقَّق علمُه أنَّ القرآن نَزَل مُنجَّمًا لا جُملة، تنزل السُّورة في وقتٍ، ثمَّ تُلحَق بها آياتٌ قد نَزَلت بعدَها بوقتٍ، فكان النَّبي ﷺ يُرشد كُتَّابَه إلى ما نَزَل مِن الآياتِ حديثًا، فيكتبوها ضمنَ سُورٍ قد تنزَّلت قبلُ، والإجماع والنُّص مترادفان على أنَّ ترتيبَ الآيات في سُوَرها واقعٌ بتوقيفِه ﷺ وأمرِه، من غيرِ خلافٍ في هذا بين المسلمين (^٢).\nوالَّذي يظهر عند تبصُّرِ حديثِ عمر ﵁: أنَّ آية مَقامِ إبراهيم قد تَأخَّر نزولها إلى وقتِ اعتمارِ المسلمين، أو وقتِ فتحِهم لمكَّة، أو قبلَ حَجَّة الوداع،\n_________\n(^١) مروي عن عكرمة في «أسباب النزول» للواحدي (ص/٢١ ت: الحميدان) بإسناده إليه، وانظر الخلاف في أول ما أنزل من السور في المدينة في «الإتقان» للسيوطي (١/ ٩٦).\n(^٢) انظر هذا الإجماع في «البرهان» للزركشي (١/ ٢٥٦)، و«الإتقان» للسيوطي (١/ ٢١١ - ٢١٢).","vol":"2","page":844},{"text":"فإحدى هذه الأزمانِ الثَّلاثة أنسبُ الظُّروفِ المَوضوعيَّةِ لاستثارةِ الفكرةِ في ذهنِ عمر رضي الله عنهبلا شكٍّ، ثمَّ اقتراحِها بعدُ على النَّبي ﷺ (^١).\nوأمَّا زعمُ المعترضِ بأنَّ سياقَ الآياتِ دالٌّ على أنَّ الأمرَ باتِّخاذ المقامِ إنَّما خوطب به النَّاس في ذلك الوقت الَّذي ابتُنيت فيه الكعبة فيما مضى، وليس هو أمرًا لأمَّةِ المسلمين:\nفقد غفل المعترض عن تفصيلٍ في معنى الآية، كان أجدى لتقويةِ شُبهتِه الواهيةِ هذه لو تَأمَّل! فنحن نفيدُه به وبضدِّه كذلك، فنقول:\nلو جعلَ المُعترِضُ الأمرَ في الآيةِ مُحتملًا أحدَ مَعنيين ابتداءً:\nإمَّا أن تكون الآية مُجرَّد إخبارٍ إلهيٍّ بخطابٍ تَزامَن مع بناءِ الكعبةِ، قد خُصَّ به النَّاسُ وقتَها، كما يدَّعيه هو.\nأو تكون أمرًا لأمَّةِ محمَّدٍ ﷺ؛ وهنا على المعترِضِ السَّعيُ إلى ترجيحِ المعنى الَّذي يوافق هوَاه، بأن يورِد القراءةَ الثَّانيةَ للآية الَّتي جاءت بصيغةِ الإخبار: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بفتح الخاءِ (^٢)، فكان هذا المَسلك أقوى دلالةً على مُرادِه مِمَّا هَرَف بهِ في تفسيرِه للآية!\nولو سَلَك هذا الأقوى لتهاوى أيضًا وما نَفَعه في رصفِ شُبهتِه! وذلك أنَّا جوابِ هذا المِسلك في الاعتراضِ على كِلا القراءتين للآيةِ:\nأنَّا إن حَملنا الآيةَ على صيغة الأمر: يكونُ حديث عمر ﵁ بذا قد أبانَ أنَّ القصدَ بها أمَّة المسلمين، ولا غروَ؛ وهم المخاطَبون بأوامرِ القرآن ابتداءً وأصالةً، فمناسبٌ على هذا أن يكون الحديث مِثالًا لتعيِينِ السُّنة أحدَ المعاني الَّتي تحتملُها الآية.\n_________\n(^١) يقويِّ هذا النَّظر عدَّة روايات تدلُّ على أنَّ اقتراح عمر ﵁ كان زمن الفتحِ أو حجَّة الوداع، أوردها ابن رجب في كتابه «فتح الباري» (٢/ ٣١٧ - ٣١٨)، وإن كان لا يخلو إسناد منها من ضعف كما ذكر، لكن قد يفيدُ مجموعها وجودَ أصل لها.\n(^٢) وهي قراءة نافع وابن عامر، انظر «السبعة في القراءات» لابن مجاهد (ص/١٧٠).","vol":"2","page":845},{"text":"وأمَّا إن سَلَّمنا أنَّ الأمرَ في الآية مُوَجَّه في أصله إلى إبراهيم ﵇ وأتباعِه، أو أنَّها بصيغة الإخبار: فيكون حديثُ عمر ﵁ هنا دَالًّا على فضلِ اقتداءِ المسلمين بمِلَّةِ إبراهيمَ في هذه الشَّعيرة وغيرها، بل هو الموافق للأصلِ القرآنيِّ، في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].\nوبهذا يُعلَم وِفاقُ حديث عمر للآية على كِلا التَّفسيرين والقراءتين.\nوأمَّا دعوى المعترضِ التَّناقضَ بين الرِّواياتِ في سببِ نزولِ آية الحجاب، فيُقال في جوابِه: أنْ ليسَ ثمَّةَ تعارضٌ في الحقيقة بين تلك الأخبارِ، وأبْيَنُ طريقٍ للجمعِ بينها: أن يُقالَ بتعدُّدِ أسباب نزولِ الآيةِ ولا بأسَ، فيكون خبرُ قصَّةِ زينب ﵂ هي آخر هذه الرِّواياتِ حدوثًا، للنَّصِ على قصَّتها في الآية الكريمة، وكذا حديث أنس ﵁.\nولا مانعَ مع ذلك أن تكون الآية نزلت بعدَ المجموعِ، وكان ذلك سنةَ خمسٍ مِن الهجرة، وليس ببِدعٍ أن يكونَ للآيةِ الواحدةِ عدَّةُ أسبابٍ مُستويةِ الدَّرجة، أو بعضُها أقرب مِن بعضٍ (^١)، فيَنسِبُ الرَّاوي النُّزولَ إلى سببٍ منها دون الآخر، باعتبارِ القُربِ منه، ولا يكون القصدُ أنَّها نَزلت فورَ وقوعِ ذلك السَّبَب.\nوفي تقريرِ سَواغِ هذا الجمعِ، يقول ابن حجر: «يُمكن الجمع بأنَّ ذلك وَقَع قبل قصَّةِ زينب، فلِقُربِه منها أَطلَقت -يعني عائشة- نزولَ الحجابِ بهذا السَّبب -يعني قصَّة سَودة-، ولا مانعَ مِن تعدُّدِ الأسبابِ» (^٢).\nفالحاصل: أنَّ عمرَ ﵁ كان مُلِحًّا في حجبِ أمَّهاتِ المؤمنين، و«النَّبي ﷺ كان ينتظِر الوحيَ في الأمورِ الشَّرعيَّة، ولذا لم يأمرهُنَّ بالحجابِ مع وضوحِ الحاجةِ إليه» (^٣)، فلم يزَل ذلك عنده إلى أن نَزَل الحجاب (^٤).\n_________\n(^١) «نظم الدرر» للبقاعي (١٥/ ٣٩٩).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٨/ ٥٣١).\n(^٣) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٥٠) بتصرف يسير.\n(^٤) «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» لابن الملقن (٢٣/ ١٣٧)، و«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٤٩).","vol":"2","page":846},{"text":"على أنَّ البخاريَّ روى في «كتاب التَّفسير» في سياقِ آيةِ الحجابِ ما هو صَريحٌ في كونِ قصَّة سَودة ﵂ كانت بعد الحجابِ لا قبله، وهو المشهور عند أهلِ العلم (^١)، كما تراه في قول عائشة: «خرجَت سَودةُ بعدما ضُرِب الحجابُ لحاجتِها، وكانت امرأةً جَسيمةً، لا تخفى على مَن يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سَودة، أمَا والله ما تَخفَين علينا، فانظرِي كيف تخرجين ..» الحديث (^٢).\nفيُقال على هذا: إنَّ الأمرَ حينَ وَقَع على وِفق ما أراده عُمر قبلُ مِن إيجابِ حجابِ الوجوهِ على أمَّهاتِ المؤمنين، أحَبَّ أيضًا أن يُحجَب أشخاصُهنَّ مُبالغةً في التَّستُّر، فلذا قال لسَودة: «قد عرفناك ..»، حِرصًا منه على أن ينزِل حكم الحجاب أضيقَ منه، فلا تُرى أشخاصُهنَّ البتَّةَ ولو مع حِجابِهنَّ، لكنَّ الله تعالى أذِنَ لهنَّ بخلافِ رغبةِ عمر، وأنزل آيةَ الحجابِ وليس فيها التَّضييقُ الَّذي أرادَه عمر، لأجلِ ما فيه مِن الحَرج (^٣)، فلِذا قال النَّبي ﷺ لسَودة بعد شكواها له قولَ عمرَ في الحديث السَّابق: «إنَّه قد أُذِن لكنَّ أنْ تخرُجنَ لحاجتِكُنَّ».\nوإنَّما عُدَّ الحجابُ مِن موافقات عمر في قصَّةِ سَودة هذه (^٤)، لنزولِ حِصَّةٍ منه على وفقِ رأيه (^٥).\nويُقال في الجمعِ بين هذا وحديثِ أَنَس ﵁ في نزولِ الحجابِ بسبب زينب: أنَّ عمر ﵁ حَرَص على ذلك، حتَّى قال لسودة ما قال، فاتَّفَقَت القصَّة\n_________\n(^١) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٦/ ٤٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: تفسير القرآن، باب: باب قوله: لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، رقم: ٤٧٩٥)، ومسلم (ك: السلام، باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان، رقم: ٢١٧٠).\n(^٣) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٤٩).\n(^٤) كما في روايةٍ عن عائشة في البخاري (ك: الاستئذان، باب: آية الحجاب، رقم: ٦٢٤٠)، ومسلم (ك: السلام، باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان، رقم: ٢١٧٠).\n(^٥) «فيض الباري» للكشميري (١/ ٣٤٦).","vol":"2","page":847},{"text":"للَّذين قَعدوا في البيتِ في زواج زينب، فنَزَلت الآية، فكان كلٌّ مِن الأمْرَين سَببًا لنزولهِا (^١).\nوفي تقرير ما مضى من الجمعِ بين سَبَبَيْ النُّزولِ، يقول أبو العبَّاس القرطبي:\n«الأَوْلى أن يحُمَل ذلك على أنَّ عمر ﵁ تَكرَّر منه هذا القول قبل نزولِ الحجاب وبعده، ولا بُعدَ فيه .. فإنَّ عمر بن الخطاب ﵁ وَقَع في قلبِه نُفرة عظيمةٌ، وأَنَفة شديدة مِن أن يطَّلِع أحَدٌ على حَرَم النَّبي ﷺ، حتَّى صرَّح له بقوله: «احجِب نساءَك، فإنَّهن يراهن البَرُّ والفاجر ..»، ولم يَزَل ذلك عنده، إلى أن نَزَل الحجاب وبعده، فإنَّه كان قصدُه ألَّا يخرُجنَ أصلًا، فأفرطَ في ذلك! فإنَّه مُفضي إلى الحرجِ والمشقَّةِ والإضرارِ بهن، فإنَّهن محتاجاتٌ إلى الخروج» (^٢).\nوأمَّا دعوى المُعترضِ قدحَ الحديثِ في العلمِ الإلهيِّ، فيُقال له:\nإنَّ جعلَك موافقةَ عمر اقتراحًا على الله تعالى واستدراكًا عليه مَنزعٌ خَبيثٌ في فهمِ النُّصوصِ، مَنشأه التَّحاملُ على الصَّحبِ الكِرام ﵃، فأيُّ تَلازمٍ عقليٍّ بين الموافقةِ والاستدراكِ حتَّى يُطعنَ به على الأخبار؟!\nولو ادَّخرَ المُعترض فرطَ ضغينتِه عليهم بمَزيدِ تأمَّلٍ لهذه الأخبارَ، دون انتهاضٍ منه لمُجرَدِّ الاعتراض: لتبيَّنَ له أنَّ ذاك الاقتراحَ -كما يسمِّيه- إنَّما تَوَجَّه به عُمر ﵁ إلى شخصِ النَّبي ﷺ وزوجاته، لا إلى الله أصالةً! ولا خَطَر ببالِ عمر أن يُنزِلَ ربُّه في ذلك آياتٍ توافق مُرادَه، فضلًا عن أن يَتقصَّد الاستدراكَ على آياتِه كما تَوهَّمه المُعترض، وحاشاه، وحاشا عاقلًا أن يَفهم ذلك.\nوقد أسلفنا التَّنبيه مرارًا أنَّ القرآنَ نَزل مُنجَّمًا ثلاثًا وعشرين سنةً، منه ما نَزل ابتداءً مِن غير سببٍ مَعلومٍ بعينِه، ومنه ما نَزَل عَقِب واقعةٍ أو سُؤال ونحو ذلك، كلَّما أُلقِيت على النَّبي ﷺ آيةٌ أو أكثر، أُمِر بوضعِها مِن فورِه في مكانٍ\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٢٣).\n(^٢) «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (١٨/ ٣).","vol":"2","page":848},{"text":"مُرتَّب مِن سورةٍ مُعيَّنة كما قد سبق تقريره، فلم يكُن هذا التَّنجيم في التَّنزيلِ ليُخِلَّ بالوحدةِ الموضوعيَّةِ لكلِّ سورةٍ من القرآن على حِدَّة (^١).\nوفي هذا رَدمٌ لمِا أرادَ (ابنُ قرناسٍ) أن يُفهِمَه قُرَّاءَه، من نفيِه أن يكون لآية الحجاب سَبب نزولٍ مُستقِّل، كونُها «جاءت ضمنَ موضوعٍ كاملٍ يحثُّ نساءَ النَّبيَّ ﷺ أن يتمسَّكنَ بالحشمة ..» إلخ تخرُّصاتِه (^٢)؛ فإنَّ التَّرابطَ المَوضوعيُّ بين الآيات في المقطعِ الواحدِ مِن القرآن، لا يَنفي نزولَ بعضِها قبل بعض، ولا أنَّ لبعضِها سببًا للنُّزولِ مختلفًا عن الآخر.\nفكم مِن سورةٍ نَزَلت جميعًا أو أشتاتًا في الفترات بين النُّجوم مِن سورةٍ أخرى، وكم مِن آيةٍ في السُّورةِ الواحدةِ تَقدَّمت فيها نزولًا وتأخَّرت تَرتيبًا، وكم مِن آيةٍ على عكسِ ذلك ..\nوهذا -وربِّي- مِن أجلِّ مَظاهرِ إعجازِ القرآنِ في تنزيله، وعلوِّ نظمِه أن يبلغَه بَشر، فـ «هذا القرآن الَّذي نَزل مُنَجَّمًا على رسول الله ﷺ في أكثر من عشرين عامًا، تنزِلُ الآيةُ أو الآياتُ على فتراتٍ مِن الزَّمن، يقرؤه الإنسانُ ويتلو سوَرَه، فيجِده محكمَ النَّسج، دقيقَ السَّبك، مترابطَ المعاني، رصينَ الأسلوب، متناسقَ الآيات والسُّور، كأنَّه عقد فريدٌ نُظمت حبَّاتُه بما لم يُعهَد له مَثيل في كلامِ البَشر!\nولو كان هذا القرآن مِن كلام البَشر، قيل في مناسباتٍ متعدِّدة، ووقائع متتاليةٍ، وأحداثٍ متعاقبةٍ: لوَقَع فيه التفكُّك والانفصام، واستعصى أن يكونَ بينه التَّوافق والانسجام» (^٣).\n_________\n(^١) انظر «مناهل العرفان» للزرقاني (١/ ٤٤ - ٤٥).\n(^٢) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٤٤٣ - ٤٤٥).\n(^٣) «مباحث في علوم القرآن» لمناع القطان (ص/١١٦ - ١١٧)، ولمحمد عبد الله درَّاز في كلام نفيس رائق في كتابه العظيم «النبأ العظيم» (ص/١٨٧ - ١٨٩) عن دلالة التناسق بين التنزيل والترتيب على الإعجاز القرآني، فليراجع هناك.","vol":"2","page":849},{"text":"وبهذا الجواب ندحضُ حُجَّة (ابن قرناس) في اعتراضِه على الموافقةِ القرآنيَّة لعمر في آيةِ سورةِ التَّحريمِ.\nوأمَّا المعارضات المُتَّجِهةُ إلى خبرِ موافقةِ عمر في النَّهيِ عن الصَّلاة على المنافقين، فيُقال في أولاها، وهي دعوى حملِ النَّبي ﷺ لـ (أو) في الآيةِ على التَّخييرِ، وهي للتَّسوية .. إلخ:\nفإنَّه يجدر بنا الاستنارةُ بأقوالِ السَّلف الأقدمين في هذا الحديث، فبهم فهِمنا الكِتاب والسُّنة، وهم أجدرُ أن ينزعوا عنَّا قيدَ الإشكالِ الظَّاهر منهما، فنقول:\nنَحا جمع مِن أهلِ التَّفسيرِ إلى أنَّ مقصودَ هذه الآية التَّسويةُ بين الاستغفارِ للمنافقين وعدمِه من حيث أثرُه، ومِن ثَمَّ التَّيئيس مِن أن تلحقهم أيُّ مغفرةٍ، وأنَّ عِلَّة ذلك مَنصوص عليها آخرَ الآية، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠].\nذَهَب إلى هذا التَّأويل ابن جرير (^١)، وأبو بكر الجَصَّاص (^٢)، وابن الجوزي (^٣)، في آخرين مِن أهل التَّفسير.\nوهؤلاءِ مع هذا القول، لم ينزِعوا يدًا عن قبولِ حديثِ عمر ﵁، ولكن أعملوا آلةَ التَّأويلِ له على معنى يَتِمُّ به وِفاق الآية، ولنِعم ما فَعلوا.\nفمِن ذلك قولهم: إنَّ النَّبي ﷺ استغفرَ لابن سلولٍ لعدمِ يَقينِه بوفاتِه على الكفر، وكان الظَّاهر منه الإقرارَ بالإسلام (^٤)، وأنَّه لفرط رحمته ﷺ بالنَّاس، وحرصِه على نجاتِهم، اختارَ الأخذَ بمفهومِ العَددِ في لفظِ (السَّبعين) على حقيقتِه، وتَرَك المعنى المجازيَّ له، استقصاءً لمظنَّةِ الرَّحمةِ، ولو مِن وجهٍ ضَعيف (^٥).\n_________\n(^١) «جامع البيان» (١٤/ ٣٩٤).\n(^٢) «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٣٥١).\n(^٣) «زاد المسير» لابن الجوزي (٣/ ٤٧٧).\n(^٤) انظر «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٣٥١)، و«زاد المسير» لابن الجوزي (٣/ ٤٧٧)، و«أنوار التنزيل» للبيضاوي (١/ ١٦١).\n(^٥) انظر «جامع البيان» للطبري (١٤/ ٣٩٥)، و«الكشاف» للزمخشري (٢/ ٤٥٣).","vol":"2","page":850},{"text":"وذهب آخرون: إلى أنَّ المقصودَ بالآية حقيقةً تخييرُ النَّبي ﷺ بين الاستغفارِ وعدمِه، اعتمادًا على ظاهرِ الحديث، منهم: أبو بكر ابنُ العربيِّ (^١)، وابن عطيَّة (^٢)، وابن جُزَي (^٣)، والآلوسي (^٤).\nوهؤلاء أجابوا عن دلالةِ التَّيئيسِ في الآية: بأنَّه مُستفادٌ مِن طريقِ الاستنباط، والحديث أقوى منه من حيث أنَّه نصٌّ صَريح فيُقدَّم عليه؛ فما فوقَ السَّبعين لم تُبيِّن الآية حكمَه، وبيَّن الحديثُ حكمًا مخالفًا (^٥).\nوالَّذي يظهر لي بعد تَأملٍ في الآية الكريمة -والعلم عند الله تعالى-: عدم التَّنافي بين كِلا هذين القولين، فأقول:\nإنَّ الآية تحتمِل معنَى التَّسويةِ والتَّيئيسِ مع معنى التَّخيِير أيضًا (^٦)، فإنَّها خِلوٌ مِن نهَيٍ صَريحٍ عن الاستغفار للمنافقين، غايتها إعلامُ النَّبيِّ ﷺ بأنَّ الله تعالى لا يغفرُ لهم، ولو أكثرَ مِن الدُّعاء لبعضِهم، فالمعنى أنَّ الاستغفارَ مِن عدمه سواءٌ مِن حيث المَآل في آخِرَتِهم، ليَكونَ التَّيئيس مُنصَبًّا في هذه الجهةِ فقط.\nأمَّا حكم ذلك مِن حيث المآل في الدُّنيا من جهةِ تحقُّق المصالِح ودرءِ المَفاسِد: فلم تتطَّرق الآية له، فيبقى تحقيقُ هذه الحيثيَّة على أصلِه راجعًا إلى سياسةِ النَّبي ﷺ، ومَعلومٌ مع هذا كونُه ﷺ يُجري على المنافقينَ أحكامَ ظاهرِ أحوالِهم بين عامَّةِ المسلمين، «والقرآن ينعتُهم بسيماهم، كيلا يطمئِنَّ لهم المسلمون، وليأخذوا الحذرَ منهم، فبذلك قُضِيَ حَقُّ المصالحِ كلِّها» (^٧).\n_________\n(^١) «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٥٥٧).\n(^٢) «المحرر الوجيز» لابن عطية الأندلسي (٣/ ٦٤).\n(^٣) «التسهيل لعلوم التنزيل» لابن جزي (١/ ٣٤٤).\n(^٤) «روح المعاني» للألوسي (٧/ ٣٠٩).\n(^٥) انظر «المحرر الوجيز» لابن عطية (٣/ ٦٤)، و«أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٥٥٨)\n(^٦) ثمَّ وجدت الألوسي قد أشار في تفسيره (٥/ ٣٣٦) إلى قول من سبق إلى هذا الجمع من «بعض المحقِّقين بعد اختياره للتَّسوية في مثل ذلك: إنَّها لا تنافي التَّخيير ..».\n(^٧) «التحرير والتنوير» لابن عاشور (١٠/ ٢٧٩).","vol":"2","page":851},{"text":"وابن سلولٍ نفسُه، لم يكن يعاجِلُه النَّبي ﷺ بعقوبةٍ، مع ما صَدَر منه مِن بَوائق، مُراعاةً منه للمَآلاتِ والعواقبِ في إدارةِ المجتمعِ المَدنيِّ بكافَّةِ طوائِفه، ودفعًا منه لِما يُتوَقَّع مِن مفاسدَ على الدَّعوةِ الإسلاميَّةِ ودولتِها الفتيَّة آنذاك (^١)، مع ما جُبِل عليه مِن فرطِ رحمةٍ يُحمَد عليها إلى يوم الدِّين.\nفلمَّا لم تَقتضِ المصلحةُ إهانةَ ابن سلولٍ حين وفاتِه، مع ما له مِن حَظوةٍ عند عشيرَتِه، ومُراعاةً منه لولَدِه الصَّالِح، تطييبًا لقلوبِ بعض الأحياءِ مِن قراباته، ورغبةً منه في استمالةِ قومِه إلى الدِّينِ إذا ما رَأوه لَبَّى طلبَ ابنِ زعيمِهم في إكرامِ مَثواه: بادَرَ النَّبي ﷺ إلى هذا الإجراءِ مِن بابِ السِّياسةِ الشَّرعيَّة، طالما المانِع مِن ذلك غير قطعيٍّ ولا صَريحٍ في كتاب الله، فالآية -كما قُلنا- وإن قَطَعت رجاءَ حصولِ المغفرةِ للمنافقين، فلم تمنع فعلَ الاستغفارِ صَراحةً كما هو الحال مع المشركين الصُّرحَاء.\nفتخيَّل معي بعد هذا، لو كان النَّبيُّ ﷺ «تَركَ الصَّلاةَ عليه قبلَ ورودِ النَّهي عنها: لكان سُبَّة على ابنِه! وعارًا على قومه! فاستعملَ ﷺ أحسنَ الأمرين وأفضلَهما في مبلغِ الرَّأي، وحقِّ السِّياسة في الدُّعاء إلى الدِّين، والتَّأليفِ عليه، إلى أن نُهي عنه فانتهى» (^٢).\nونفيُ المُعترضِ أن تكون لهذه الصَّلاة على ابن سَلولٍ فائدةٌ مِن جهة استمالةِ قلوبِ عشيرتِه، بدعوى أنَّ القرآنَ يُخبر أنَّ الاستغفارَ لا تفيد بحالِه: هو نفيٌ صحيحٌ لو كُنَّا على علمٍ بأنَّ قومَه على علمٍ بأنَّ زعيمَهم هذا واحدٌ مِن أولئك المنافقين الَّذين عناهم القرآن بشخصه! إذن لاستهجنوا فعلَ النَّبي ﷺ واستخفُّوا به، إذْ كيف يُصلِّي مُحمَّد ﷺ على غير أهلِ مِلَّتِه؟!\nفي حين أنَّ هذا العلمَ منهم ممَّا يستحيلُ إثباته عنهم.\n_________\n(^١) أشار إلى هذا المعنى ثلة من أهل العلم، كأبي العباس القرطبي في «المفهم» (٢/ ٦٤٢)، وأبو عبد الله القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (٨/ ٢٢٠)، وابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ١٧٨).\n(^٢) «أعلام الحديث» للخطابي (٣/ ١٨٤٩).","vol":"2","page":852},{"text":"فهذا عبد الله رضي الله عنهوهو ابنه، قد خفِيَ عليه استصحابُ أبيه للكفر! فما كان إلَّا أن «حَملَ أمرَ أبيه على ظاهر الإسلام، ولدفعِ العارِ عنه وعن عشيرتِه، فأظهرَ الرَّغبةَ في صلاةِ النَّبي ﷺ، ووقعت إجابتُه إلى سؤالِه على حسبِ ما ظَهر مِن حالِه، إلى أن كشَفَ الله الغطاء عن ذلك» (^١)؛ هذا مع كونِه أقربَ النَّاس إليه لحالِ البُنُوَّة، فكيف الظَّنُّ بغيرِه مِن قومِه ممَّن هم أبعدَ منه عنه، ممَّن لا يعلم عنه إلَّا ظاهره؟! لم يكُن هؤلاء إلَّا ليحسِبوه واحدًا مِن أفراد المسلمين.\nوبعد هذا البيان، يبقى لنا الإشكال المُتعلِّقُ بآخر الآيةِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠]: فالمعلوم ضرورةً من الدِّين: أنَّ مَن ثَبت كفرُه لا يُستغفَر له، قولًا واحدًا، وبه تَشبَّث مَن حَصَر الآية في التَّسويةِ المستلزمة للنَّهيِ عن الفعلِ البتَّة.\nوقد وَرَدت في بعضِ جواباتِ أهل العلمِ ما يحلُّ هذا الإشكال، مِن ذلك ما تراه في قول ابن حجر: «في بقيَّة هذهِ الآية من التَّصريح بأنَّهم كفروا بالله ورسوله ما يدلُّ على أنَّ نزولَ ذلك وقع مُتراخيًا عن القصَّة، ولعلَّ الَّذي نَزَل أوَّلًا وتمسَّك النَّبي ﷺ به، قولُه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، إلى هنا خاصَّة، ولذلك اقتصرَ في جوابِ عمر على التَّخييرِ وعلى ذكرِ السَّبعين (^٢).\nفلمَّا وقعت القَّصة المذكورة، كشَفَ الله عنهم الغطاء، وفضحَهم على رؤوسِ الملَأ، ونادَى عليهم بأنَّهم كفروا بالله ورسولِه، ولَعلَّ هذا هو السِّر في اقتصارِ البخاريِّ في التَّرجمة مِن هذه الآيةِ على هذا القدرِ إلى قوله: ﴿فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ولم يقع في شيء من نُسخِ كتابِه تكميل الآية، كما جرت به العادة مِن اختلاف الرُّواة عنه في ذلك ..\n_________\n(^١) «عمدة القاري» للعيني (١٨/ ٢٧٣).\n(^٢) معنى ذلك أنه ﷺ ما دام اقتصر على ذلك الجواب، ولم يجب عمر عن التعليل الذي في آخر الآية، دلَّ ذلك أنَّها لم تنزل بعدُ، وإلا لبقي الإشكال قائمًا لم يزل بعدُ لنقصان جوابه، ولم يكن له ﷺ عذر في الاستغفار بعد نزولها.","vol":"2","page":853},{"text":"فكونُ ذلك وَقَع مِن النَّبي ﷺ متمسِّكًا بالظَّاهرِ على ما هو المشروع في الأحكامِ إلى أن يقوم الدَّليلُ الصَّارف عن ذلك: لا إشكالَ فيه، فللَّه الحمد على ما أَلهم وعلَّم» (^١).\nوعندي في جواب ابن حجر هذا نوعُ نظر، أقول فيه -والعلم عند الله-:\nإنَّ القول بتأخُّر نزولِ تتِمَّةِ الآيةِ -والَّتي فيها ذكر تعليلِ نفيِ المغفرة- يُحتاجُ في إثباتِه إلى دليلٍ نقليٍّ مستقلٍّ، فإنَّ الكلامَ في نزول سُور القرآن وآيِه وتنجيمِه مُتوقِّف علمُه على الرِّوايةِ أصالةً، لا على اجتهادٍ في الرَّأي.\nومع ذلك يُقال هنا: إنَّه إذا تَبيَّن ما سَلف تقريرُه مِن تفريقٍ بين المآل الأخرويِّ والفائدة الدُّنيويَّة في الصَّلاة على المنافقين، لم نحتج بعدُ إلى القولِ بتأخُّرِ نزولِ باقي الآية مِن الأساس، حتَّى على فرضِ عِلْمِ النَّبيِّ ﷺ بكفرِ ابن سلولٍ في الباطن، فإنَّ ذلك لا يمنَعُ مِن الصَّلاة عليه، جريًا على حكمِ الظَّاهر، على ما جَرَت به عادتُه الحكيمة في معاملةِ هذا الصِّنفِ مِن العَدوِّ.\nوأمَّا دعوى المعارضةِ الثَّانية من كونِ المتبادرِ مِن الآيةِ كنايةُ السَّبعين عن الكثرة .. إلخ، فجوابها:\nأنَّ في روايات قصَّةِ النَّبي ﷺ مع عمرَ ﵁ في شأنِ ابن سَلولٍ بعض اختلافٍ في ألفاظها، قد نَبَّه غير واحدٍ مِن أهل العلم إلى ذلك، حتَّى قال الآلوسيُّ: «.. والأخبارُ فيما كان منه ﷺ مع ابنِ أبيٍّ من الصَّلاة عليه وغيرها لا تخلو من التَّعارض ..» (^٢).\nفأمَّا رواية عمر ﵁ نفسِه للحادثة: فجاءت مِن رواية ابن عبَّاس ﵁ عنه، والَّذي فيها أنَّ النَّبي ﷺ قال له: «أخِّرْ عنِّي يا عمر»، قال عمر: فلمَّا أكثرتُ عليه قال: «إنِّي خُيِّرت فاخترتُ، لو أعلمُ أنِّي إن زِدتُ على السَّبعين يُغفر له، لزِدتُ عليها» (^٣).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٨/ ٣٣٩).\n(^٢) «روح المعاني» (٥/ ٣٤٢)، وانظر «التحرير والتنوير» لابن عاشور (١٠/ ٢٧٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: ما يكره من الصلاة على المنافقين، والاستغفار للمشركين، رقم: ١٣٦٦)، وفي (ك: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، رقم: ٤٦٧١).","vol":"2","page":854},{"text":"وأمَّا رواية عبد الله بن عمر ﵁، فوقع في ألفاظها اختلاف:\nففي طريق أنسِ بن عياض (^١) وأبي أسامة (^٢) عنه، أنَّ النَّبي ﷺ قال لعمر: «إنمَّا خيَّرني الله .. وسأزيدُه على السَّبعين» (^٣).\nوجاء مِن طريق صَدقة بن الفضل (^٤) عن يحيى بن سعيد (^٥): أنَّه ﷺ لم يزِد على أن تَلَا الآية في جوابِه لعمر (^٦).\nففي هذا الاختلاف في بعض ألفاظِ المتنِ دلالة على تصرُّفِ بعضِ الرُّواة في المتن، ونقلِهم لفظَ كلامِ النَّبي ﷺ بالمعنى الَّذي استقَّرَ في حافظتهم على ما فهِموه، ظَهَر هذا الاختلاف بين لفظِ روايةِ عمر ﵁ الأولى -وهي كما ترى تفيدُ علمَ النَّبي ﷺ بانتفاءِ مفهومِ العددِ في الآية، وعدم الفائدة مِن الزِّيادة على السَّبعين- وبين روايةِ ابنِه عبد الله مِن طريقِها الأولى بخاصَّة، حيث أفادت عزمَ النَّبي ﷺ على الزِّيادةِ على السَّبعين.\nفلا شكَّ بعقد هذه المقارنة يتَّضح أنَّ رواية عمر هي الصَّحيحة الرَّاجحة، وذلك لثلاثة اعتبارات:\nالأوَّل: لموافقةِ رواية عمر ﵁ دلالةَ الآية على التَّيئيسِ مِن المغفرة للمنافقين لكفرهم، حيث لا تنفع معه كثرة استغفار، والسَّبعون فيها جارٍ مَجرى المَثلِ للتَّكثُّر.\n_________\n(^١) أنس بن عياض بن ضمرة، أبو ضمرة المدني، ثقة من أوساط أتباع التابعين كما في «التقريب»، توفي سنة ٢٠٠ هـ.\n(^٢) حماد بن أسامة بن زيد القرشى مولاهم، أبو أسامة الكوفى، من صغار أتباع التابعين، قال ابن حجر في «التقريب»: «ثقة ثبت ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره»، توفي ٢٠١ هـ.\n(^٣) أخرجها البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، رقم: ٤٦٧٠)، ومسلم في (ك: فضائل الصحابة، باب: فضائل عمر بن الخطاب، رقم: ٢٤٠٠).\n(^٤) صدقة بن الفضل أبو الفضل المروزى، ثقة من كبار الآخذين عن تبع الأتباع كما في «التقريب»، توفي سنة ٢٢٣ هـ وقيل ٢٢٦ هـ.\n(^٥) يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، أبو سعيد البصري، ثقة إمام قدوة، من صغار أتباع التابعين كما في «التقريب»، توفي سنة ١٩٨ هـ.\n(^٦) أخرجها البخاري في (ك: اللباس، باب: لبس القميص، رقم: ٥٧٩٦).","vol":"2","page":855},{"text":"الثَّاني: عمر ﵁ هو مَن عايَش الحَدثَ، وسمِع مِن النَّبي ﷺ مباشرةً، ومعلومٌ مِن قرائنِ التَّرجيحِ: أنَّ روايةَ صاحبِ القصَّةِ مُقدَّمةٌ على غيرِها عند اختلافِ المتون (^١).\nالثَّالث: رواية عمر ﵁ مستقِلَّةُ الإسنادِ عن رواية عبد الله بن عمر ﵁؛ ثمَّ رُواتُها لم يختلفوا في ألفاظِها كما اختلفَ رواة حديث عبد الله بن عمر، وترجيحُ ما اتُّفِق على ألفاظِه أولى ممَّا اختُلِف في ألفاظه (^٢).\nوبهذه الثَّلاثة يرجح ضعفُ روايةِ عبد الله بن عمر: «وسأزيدُه على السَّبعين»، ويَغلبُ على الظَّنِّ -كما قال ابن عاشور (^٣) - أنَّه لفظ زائد وَهِم الرَّاوي فيه بحسبَ ما فهِمه.\nفإذا كانت هذه الجملة ساقطة، فقد انزاح عن الحديث مُعضِلة كانت أكثرَ ما استشكَلَه الشُّرَّاح والمُفسِّرون من حديث عمر هذا، حتَّى ساروا مذاهبَ شتَّى في التَّوفيق بينه ودلالةِ الآية الكريمة (^٤)، والحمد له وحدَه على توفيقِه.\nأمَّا دعوى المعارضةِ الثَّالثة: في استنكارِهم صلاةَ النَّبي ﷺ على منافقٍ، مع سبقِ نهيِ القرآنِ عن الصَّلاةِ على المُشركين، فجواب ذلك أن يُقال:\nقد ألمْحنا قبلُ إلى أنَّ النَّهيَ عن الاستغفارِ لمِن ماتَ مُشركًا لا يستلزِم النَّهيَ عنه لمِن ماتَ مُظهرًا للإسلام، لاحتمالِ أن يكونَ معتقدَه صَحيحًا (^٥)، ولعلَّ\n_________\n(^١) انظر «الإشارة» للباجي (ص/٨٤)، و«الإحكام» للآمدي (٤/ ٢٤٣).\n(^٢) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٨/ ١٨٢ - ١٨٣).\n(^٣) في «التحرير والتنوير» (١٠/ ٢٧٨).\n(^٤) بل توقَّف بعضهم في تفسير الحديث، فجعله الصنعاني في كتابه «التحبير لإيضاح معاني التيسير» (٢/ ١٩٦) «من المتشابه الَّذي لا يعلم تأويله إلا الله، والمتشابه من الحديث ثابت كالمتشابه من القرآن»!\nوتكلَّف آخرون الجمع بطرق بعيدة المآخذ، ترى كثيرا منها وما أجيب عليها في «روح المعاني» (٥/ ٣٣٨)، من ذلك ما في «المفهم» لأبي العباس القرطبي (٨/ ١١٦) أنَّه جعل رواية ابن عمر مِن الوعد المطلق منه ﷺ، ليحمله على رواية عمر المقيِّدة، فيكون المعنى عنده: وسأزيد على السَّبعين لو نفعه استغفاري، والواقع أنَّه لا ينفعه يا عمر! وإن كان القرطبي يرى في نفس الموضع أن رواية عمر أولى من هذا اللفظ التي في رواية ابنه عبد الله.\n(^٥) يقول ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ٣٣٩): «وهذا جواب جيد».","vol":"2","page":856},{"text":"هذا الاحتمالَ ما حدا بعبدِ الله وَلدِ ابن سَلولٍ إلى أن يطلبَ مِن النَّبي ﷺ الصَّلاةَ عليه، مع علمِه بما كان مِن أبيه مِن جرائمَ في حقِّ الإسلامِ وأهلِه.\nلكنْ مخالطةُ أمثالِ هؤلاءِ لأحوالِ الإيمانِ، ولو في ظاهر الحال، قد يجرُّ إلى تعلُّقِ هديِه بقلوبِهم بأقلِّ سَبب، وهذا بخلافِ المُعلِنِ لكفرِه، المجاهرِ بعداوتِه للدِّين، وقد علِمنا أنَّ سياسة النَّبي ﷺ مع كِلا الفريقين مُتباينةٌ بالكُليَّة، وابنُ سَلولٍ بَقي على دعوى الإسلامِ إلى أن مات، والنَّبي ﷺ يُجري على المنافقين أحكامَ ظاهرِ حالهِم في عامَّةِ المسلمين.\nيقول ابن عاشور:\n«.. مِن أجلِ هذا الجَري على ظاهرِ الحالِ، اختلفَ أسلوبُ التَّأيِيس مِن المغفرةِ، بين ما في هذه الآية -يعني قولَه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ - وبين ما في آية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، لأنَّ المشركين كفرُهم ظاهرٌ، فجاء النَّهي عن الاستغفار لهم صريحًا، وكفر المنافقين خَفيٌّ، فجاء التَّأييسُ مِن المغفرةِ لهم مَنوطًا بوصفٍ يعلمونه في أنفسِهم، ويعلمُه الرَّسول ﷺ، ولأجلِ هذا كان يستغفر لمِن يسأله الاستغفارَ مِن المنافقين، لِئلَّا يكونَ امتناعُه مِن الاستغفارِ له إعلامًا بباطنِ حالِه، الَّذي اقتضت حكمةُ الشَّريعة عدمَ كشفِه» (^١).\nأما دعوى المُعترضِ: في كونِ موافقةِ القرآنِ لعمر في هذا مُستلزم أن يكون مَن هو أعلم مِن النَّبي ﷺ بمفهومِ الآيات ومقاصد الشَّريعة:\nفقد مَرَّ جوابُه في ثنايا جوابِ الاعتراضِ الأوَّل المتعلِّق بالمعنى المقصودِ مِن آية: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، حيث بَيَّنا أنَّ الآيةَ لا تحوي نهيًا صَريحًا عن الاستغفار للمنافقين، بل هي حمَّالةٌ لمعنى التَّسوية والتَّيئيس، ومحتملة لمعنى التَّخييرِ إذا ما بانَ للنَّبي ﷺ فائدة في إحدى الخِيرَتين.\n_________\n(^١) «التحرير والتنوير» (١٠/ ٢٧٩).","vol":"2","page":857},{"text":"فاختيار النَّبي ﷺ الاستغفارَ لابن سَلولٍ كان صَحيحًا وقتَها في حَقِّه، لاحتمالِ الآية له، ولم يكُن غَلطًا منه في فهم الآيةِ كما توهَّمه المعترض.\nكما أنَّ ما نزَعَ إليه عمر مِن معنى منعِ الآية للاستغفارِ بلازمِ نفيِ الفائدةَ منه في المآل الأخرَويِّ: هو أيضًا فهمٌ منه صَحيح، تحتمله الآية بهذا القيدِ أيضًا، «فإنَّه إذا لم يكُن للاستغفارِ فائدةُ المغفرةِ يكون عَبثًا، فيكون مَنهيًّا عنه» (^١).\nلكنَّ فهمَ النَّبي ﷺ للآية وتأويلِها باعتبارِ مآلِها المَصلَحيِّ في الدُّنيا هو الأقرب إلى الحقِّ بلا شكٍّ، كلُّ ما في الأمرِ أنَّ عمرَ ﵁ لطبعِه الشَّديد وقُوَّتِه في ما يَراه حَقًّا، أخَذَ بالمعنى الَّذي يَتَضمَّن الشِّدةَ على المنافقين وإهانَتهم، جزاءَ ما لقِي المسلمون مِن أذاهم؛ وأمَّا النَّبي ﷺ، فلأنَّه أرحمُ الأمَّةِ بالأمَّة، وأعلم بالمصالحِ في حالِها ومآلِها، ولأنَّه «لم يُنهَ عن الصَّلاةِ عليه صَراحةً: مَشى على محتملِ اللَّفظِ، وليسَ في الآيةِ إلَّا أنَّ استغفارَك غير مُفيد له، فلَمْ يَبحثْ عن النَّفعِ الأُخرويِّ، فإنَّه لمَّا أرادَ أن يُصلِّي عليه، اكتفى بسِعةِ الألفاظِ فقط، ولم يكن فيها إلَّا عدمُ نفعِ صلاتِه» (^٢)، وهذا سبق تقريره.\nوهو مع ذلك ﷺ لم يخفَ عليه المناط الَّذي علَّق عمر عليه المنعَ!\nفإنَّه لم يُنكِر عليه ما كان يذكِّره به ﵁ مِمَّا جرى على لسانِ ابن سَلولٍ مِن قبائح، ولكن نظرُه ﷺ كان أبعدَ مِن عمر في اعتبار المصالح، والمعلوم مِن حالِه ﷺ أنَّه ما خُيِّر بين أمرين إلَّا اختارَ أيسرهما وأنفعهما، ولم يكن مَيَّالًا إلى جانب العقوبة والتَّشديد إلَّا بوحيٍ، أمَّا عمر، فلم يلتفِت إلى احتمالِ إجراءِ الكلامِ على ظاهِره، لمِا غلَب عليه مِن الصَّلابةِ المذكورةِ.\nفأين عمر ﵁ مِن النَّبي ﷺ؟! وأين فهمُه من فهمِه؟! فإنَّه كان نبيَّهم وأوْلى به وبالمؤمنين مِن أنفسهم.\n_________\n(^١) «الكواكب الدراري» للكرماني (١٧/ ١٣٩).\n(^٢) «فيض الباري» للكشميري (٣/ ١٨).","vol":"2","page":858},{"text":"والَّذي ينبغي تبيُّنه هنا: أنَّ نزولَ ظاهرِ الآيةِ بموافقةِ رأيِ عمر ﵁، إنَّما هي موافقة جُزئيَّة في النَّتيجة، وليست موافقة تامَّة في مقدِّماتِ تلك النَّتيجة!\nبيانُ ذلك: أنَّ عمر ﵁ احتجَّ في حوارِه بما صَدَر مِن ابن سَلولٍ مِن جرائم على نفيِ استحقاقِه للاستغفار، لكن الآية الكريمة قد راعَت في نهيِها الصَّريحِ أمرًا آخرَ أجلَّ: إنَّه متغيِّرات الحالةِ الإسلاميَّة، وتَمركُزٌ في موقعِ قوَّةٍ وهَيبةٍ لم يَكُن مُتاحًا للمسلمين من قبلُ، هذا ما لم يجرِ اعتبارُه على بالِ عمر في مجادلَتِه.\nذلك أنَّ «النَّبي ﷺ في أوَّلِ الأمرِ كان يَصبِر على أذى المشركين، ويعفو ويصفح، ثمَّ أُمِر بقتالِ المشركين، فاستمرَّ صفحُه وعَفوُه عمَّن يُظهِر الإسلامَ، ولو كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحةِ الاِستئلافِ وعدمِ التَّنفير عنه، .. فلمَّا حَصَل الفتح، ودَخَل المشركون في الإسلام، وقَلَّ أهل الكفر وذَلُّوا: أُمِر بمجاهرةِ المنافقين، وحملِهم على حكمِ مُرِّ الحقِّ» (^١).\nفلأجلِ ذا نُهي النَّبيُّ ﷺ عن إغداقِ رحمتِه على العدُوِّ الباطِن والاستغفار له، لا لِمجرَّد أنَّهم فَعلوا وفعلوا كما قال عمر ﵁، لكن عاجلُ عقوبةٍ لهم قبل يومِ التَّلاقِ، واقتلاعٌ لجذورِ الخَوَنةِ مِن تُربةِ النِّفاقِ.\nوإنَّ في إعراضه ﷺ عن ابن أبي سلولٍ مع اتسِّاع صحيفة هذا بسواد أعماله، لدليلًا حيًّا على أنَّه ﷺ أبعدُ النَّاس عن إغراءاتِ السَّيف، وطموحاتِ المُستكبرين في الأرض!\nفصلِّ اللهم عليه وسلَّم، والحمد لله على توفيقه.\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٨/ ٣٣٦).","vol":"2","page":859},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>المَبحث الثَّاني نقد دعاوي المُعارضات المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾</span>","vol":"2","page":861},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>المَطلب الأوَّل: سَوق التَّفسير النَّبوي لآية: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾</span>\nعن أبي هريرة ﷺ عن النَّبي ﷺ قال:\n«قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، فدخلوا يزحفون على أستاهِهم (^١)، فبدَّلوا وقالوا: حِنطة، حبَّة في شعرة» (^٢).\n_________\n(^١) أي ينجرُّون على ألياتهم فعل المقعد الذي يمشي على أليته، يقال: زحف الصبي إذا مشى كذلك، والأستاء جمع أست وهو الدبر، انظر «طرح التثريب» (٨/ ١٦٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: باب (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا)، رقم: ٤٤٧٩) واللفظ له، ومسلم في (ك: التفسير، رقم: ٣٠١٥).","vol":"2","page":863},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>المَبحث الثَّاني:\nسَوق المعارضات المعاصرة للتَّفسير النَّبوي لقوله تعالى:\n﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾</span>\nهذا الحديث قد ردَّه بعضُ المُعترضينَ على الشَّيخين، وجَعَله (جمال البَنَّا) فاتحةً لأحاديثِ التَّفسير الَّتي يَنبغي في نظرِه إسقاطُها مِن جملةِ «الصَّحِيحين» (^١).\nوتَتلخَّص اعتراضاتهم على متنِ الحديث في ما يلي:\nالمعارضة الأولى: إنَّ المقصود بالسُّجود مِن الآية: مطلقُ الطَّاعةِ وإقامُ الصَّلاة، حَثًّا لبني إسرائيلَ على شُكرِ المُنعِم عليهم، فيكونُ القصدُ بالتَّبديلِ تركُ الطَّاعةِ وكفر النِّعمة.\nالمعارضة الثَّانية: كيف لبني إسرائيل زمنَ موسى ﵇ أن يَتَلفَّظوا بكلِمَتين عَربيَّتين، مع أنَّ لسانُهم آنذاك بغيرِها؟!\nوفي تقريرِ هذه الشُّبهة، يقول (دروزة عِزَت): «الحقُّ أنَّ في الحديثِ شيئًا غَريبًا، وبخاصَّة هذا التَّوافق في الألفاظِ العَربيَّة، وهو قولهم: (حنطة)، مقابلَ أمرِهم بأن يقولوا (حِطَّة)! وبنو إسرائيل إنَّما كانوا يَتَكلَّمون العِبرانيَّة في زمنِ موسى ﵇، الَّذي يحكي عنهم هذه المخالفة» (^٢).\n_________\n(^١) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» لجمال البنا (ص/٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٢) «التفسير الحديث» لدروزة عزت (٢/ ٤٥٢)، وقد رتب تفسيره للآيات القرآنية حسب الترتيب الزمني لنزولها!","vol":"2","page":864},{"text":"وقد جَمع (ابن قِرناسٍ) كِلتا الشُّبهتين السَّالفتين في جملةِ شبهاتٍ له يقول فيها:\n«معنى قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، تعني الامتثالَ لأوامر الله وأداء الصَّلاة .. لكنَّهم كَفروا بأنعُم الله ولم يطيعوا أمره، فهو معنى قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾، وليس المعنى أنَّ الله طلب منهم أن يدخلوا البابَ وهم في وضعِ السُّجود! ويرَدِّدون (^١) كلمةَ (حِطَّة)، فدخلوا يزحفون على أسْتاهِهم وقالوا: (حِنطة، حبَّة في شعرة)! وكأنَّهم يتكلَّمون العَربيَّة!\nلكنَّ الإسلامَ ابْتُلي بخيالاتِ بعضِ المفسِّرين والمحدِّثين، الَّتي ورِثناها عنهم، واعتبرناها دينًا لله ..» (^٢).\nوقد سَبق هؤلاءِ إلى الغَمزِ في هذا الحديثِ مَن كان أعلَم منهم بالشَّرع (محمَّد عبدُه)! حيث ارتمى على هذه الأخبارِ ضَربًا بتُهمةِ الإسرائيليَّة، يقول في هذا الحديث: «.. ولليهودِ في هذا المقامِ كلامٌ كثير، وتأويلاتٌ خُدِع بها المفسِّرون، ولا نُجيز حشوَها في تفسيرِ كلام تعالى» (^٣).\nوقد أقرَّه على هذا النُّكرانِ تلميذُه (رشيد رضا)، وتَبرَّعَ بالاستدلالِ له وتعزيزِه بجملةٍ مِمَّا لا يُحسِن الشَّيخُ الخوضَ فيه، فكان مِمَّا قال:\n«.. ولا ثقة لنا بشيءٍ مِمَّا رُوي في هذا التَّبديل مِن ألفاظٍ عبرانيَّةٍ ولا عربيَّة، فكلُّه مِن الإسرائيليَّات الوضعيَّة، كما قاله الأستاذ الإمام هنالك، وإن خُرِّج بعضُه في الصَّحيح والسُّنن موقوفًا ومرفوعًا، كحديث أبي هريرة ﵁ المرفوعِ في «الصَّحيحين» وغيرهما.\nولم يُصرِّح أبو هريرة ﵁ بسماعِ هذا مِن النَّبي ﷺ، فيحتمل أنَّه سمعه مِن كعبِ الأحبار، إذْ ثبتَ أنَّه رَوى عنه، وهذا مدرَك عدمِ اعتمادِ الأستاذِ على مثلِ\n_________\n(^١) كذا في أصل كتابه، والصواب نصبه بحذف النُّون، لدخول (أنْ) الناصبة على الفعل المعطوف عليه.\n(^٢) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٣٣٥ - ٣٣٧).\n(^٣) «تفسير المنار» (١/ ٢٦٩).","vol":"2","page":865},{"text":"هذا مِن الإسرائيليَّات، وإن صحَّ سندُه، ولكن قلَّما يوجد في الصَّحيحِ المرفوعِ شيءٌ يقتضي الطَّعنَ في سندِها» (^١).\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ٣١٥).","vol":"2","page":866},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المَطلب الثَّالث:\nدفعُ المعارضاتِ المعاصرةِ للتَّفسيرِ النَّبويِّ لقوله تعالى:\n﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾</span>\nفأمَّا دعوى المعترضِ في المعارضةِ الأولى: بأنَّ قصدَ الآيةِ بالسُّجود مُطلق الطَّاعةِ وأداءِ الصَّلاة:\nفمخالفٌ لظاهرِ الآية نفسِها، وسجودُ كلِّ شيءٍ بحسبه، وإذا أُطلِق في الإسنان فالأصل فيه أنَّه خروره بوجهِه على الأرضِ، خضوعًا منه لخالقِه، وتحتمِل الآيةُ أن يكون معناه السُّجودِ فيها انحِناءُهم خُضَّعًا مُتواضعين كالرَّاكع، ولم يُرَد به نفسُ السُّجودِ المعهودِ عندنا بالجبهة (^١).\nوعلى كِلا المَعنَيين لا تَخالُف بين الآيةِ والحديثِ، والَّذي يتعارض والآيةَ حَقَّا تأويلُ المَعترضِ لها على مَعنى الطَّاعةِ وإقامِ الصَّلاة، فإنَّ الآية قَيَّدت السُّجودَ بلحظةِ دخولِ البابِ، ومطلق الطَّاعةِ ليس خاصًّا بتلكِ اللَّحظة، ولا بتلك البُقعة، فلا معنى لتقيِيده بذلك.\nليبقى المعنى الأجدرُ بالآيةِ: أنَّ الأمرَ فيها بالسُّجودِ أمرٌ لبَني إسرائيلَ بسُجودٍ جَسديٍّ حَقيقيٍّ عند دخولهم بابَ القريةِ، إظهارًا للافتقارِ إلى مَن مَنَّ عليهم بفتحِها، واستغفارًا منهم لما سَلَف مِن خَطاياهم.\n_________\n(^١) «لباب التأويل في معاني التنزيل» للخازن (١/ ٤٨).","vol":"2","page":867},{"text":"فقيل لهم: قولوا حِطَّة، أي: حُطَّ عنَّا رَبَّنا ذنوبنَا، ولا تُعذِّبنا بما فيه أسرَفنا، لكنَّهم بدلَ ذلك استهزءوا بموسى ﵇، وقالوا: «ما يَشاء موسى أن يلعبَ بنا إلَّا لعِب بناَ؟ حِطَّة، حِطَّة، أيُّ شيءٍ حِطَّة؟! وقال بعضهم لبعض: حِنطة!» (^١).\nو«الحِنطة»: القَمح، و«حَبَّة في شَعرة»: تَفسير لها، وفي بعضِ الرِّواياتِ: «حِطَة» دون «حِنطة» (^٢)،\nأي قالوا هذه الكلمةَ بعينِها، وزادوا عليها مُستهزئين: «الحَبَّة في الشَّعرة» (^٣)، ضَمُّوا إليه هذا الكلامَ الخاليَ عن الفائدةِ، تتميمًا للاستهزاءِ، وزيادةً في العُتوِّ (^٤).\nفهم قد بدَّلوا السُّجودَ بالزَّحف، واستبدلوا تلك الكلمةَ الضَّارِعةَ الخاشِعةَ، بكلمةٍ أخرى قريبةِ اللَّفظ، لكن بمعنى آخرَ مُغاير، فبدَل أن يَتوجَّهوا إلى الله تعالى بالضَّراعة، تَوجَّهوا إليه بطلبِ القُوتِ! و«أُمِروا بالإخلاصِ لله نظرًا إلى حياةِ قلوبِهم، فطَلبوا الِحنطةَ نظرًا إلى حياةِ جُسومِهم!» (^٥).\nوفي هذا مِن التَّلاعب بدين الله تعالى والاستهزاءِ بأوامِره والعدولِ عن إرضاءِه إلى الإعلانِ بما يُرضي أهواءَهم، ويُشبع شهواتَ بطونهم، ما سطَّرَه الوَحيُ عنهم فضحًا لقبيحِ أخلاقِهم إلى يومِ القيامة.\n_________\n(^١) «جامع البيان» للطبري (١/ ٧٢٨).\n(^٢) جاء في «مطالع الأنوار» للقاضي عياض (٢/ ٢٧٥): «رواه المروزي: حِطَّة، بدلا من: حِنْطَة، وبالنُّون أصوب؛ لأنَّهم بدَّلوا اللَّفظ بزيادة النُّون، كما روي من قولهم: حِطى سمهاثا، معناه: حنطة حمراء».\nيقول ابن الدماميني في كتابه «مصابيح الجامع» (٨/ ١٥٥) متعقبا هذا القول:\n\n«إذا حملوا القول الَّذي أُمروا به على غير المراد منه، وعَنوا به ما يحملهم عليه استهزاؤهم وجرأتهم، وزادوا مع ذلك لفظًا آخر من تلقاء نفوسهم يُبين ما زادوه من المعنى المخترع صِدْق التبديل، ولا شك أن قولهم: حِطَّة، حَبَّة في شعرة، هو غير القول الذي أُمروا به، فقد بدَّلوا، وبذلك يظهر أن ليس لفظ (حِنطة) -بالنون- أصوبَ من (حِطَّة) بدونها».\n(^٣) أي: حبة حنطة في شعرة الحطة، وهو السفاء، وهو شوك الحنطة، انظر «التوضيح» لابن الملقن (٢٢/ ٣٤).\n(^٤) انظر «الكواكب الدراري» للكرماني (١٧/ ٨)، و«طرح التثريب» للعراقي (٨/ ١٦٧).\n(^٥) «تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي» (ص/٢٢٥).","vol":"2","page":868},{"text":"يقول البِقاعيُّ (ت ٨٨٥ هـ): «ذَكَر تعالى عُدولَهم عن كلِّ ذلك، واشتغالهَم ببطونِهم وعاجلِ دنياهم، فطلبوا طعامَ بطونِهم الَّتي قد فرغ منها التَّقدير، وأظهَر لهم الغَناء عنها في حالِ التِّيه، بإنزال المَنِّ والسَّلوى، إظهارًا لبلادةِ طباعِهم، وغلبةِ حُبِّ العاجلةِ عليهم» (^١).\nفتحريفُ القولِ عن مواضعِه سِمَة لا تُستغرب مِن يَهود، والله أخبرَ أنَّهم ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وكانوا يَأتون النَّبي ﷺ يقولون: رَاعِنا، يعنونَ الرُّعونةَ، لَيًّا بألسنتِهم، وإذا جاءوه حَيَّوه بما لم يُحَيِّه به الله، وقالوا: السَّام عليك يا محمَّد، يُوهِمون بسريعِ اللَّفظ أنَّهم سَلَّموا (^٢).\nفما يُستغربُ بعدُ أن يُحرِّفوا لفظَ أمرِه كما في خَبر أبي هريرة؟!\nوأمَّا دعوى المُنكِر في المعارضةِ الثَّانية: أنَّ تحريفَ لفظِ (حِطَّة) إلى لفظِ (حِنطة) لا يُتأتَّى إلَّا بلِسانٍ عَربي مُبين، ولسان بني إسرائيل عبرانيٌّ، فجواب ذلك مِن وجوه:\nأوَّلها: إن كان قصدُ المعترضِ بالعبرانيَّةِ اللُّغةَ العِبريَّة بما نعرفه اليوم: فإنَّها لم تكُن لسانَ قومِ موسى ﵇ أصلًا على الصَّحيحِ مِن كلام المختصِّين في علمِ اللُّغاتِ العَتيقة؛ فإنَّ أولئك الإسرائيليِّين إن كانوا «يحتفظون بلغةٍ لأنفسِهم إلى جانبِ المصريَّة الَّتي هي لغةُ المَحَلِّ الَّذي سَكنوه لعدَّةِ قرونٍ، فإنَّ هذه اللُّغة الخاصَّة لا يُمكن أن تكون هي اللُّغة العِبريَّة المعروفةَ لدينا، فهذه لم تتبلوَر إلَّا بعدَ وفاةِ موسى بحوالي أربعةِ قرون»! (^٣).\n_________\n(^١) «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» (١/ ٤٠٠).\n(^٢) كما في حديث عائشة في البخاري (ك: الجهاد والسير، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، رقم: ٢٩٣٥)، وحديث ابن عمر في مسلم (ك: الآداب، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، رقم: ٢١٦٤).\n(^٣) «لغات الرسل وأصول الرسالات» لمجموعة من الباحثين الأكاديميين (ص/٤٩).","vol":"2","page":869},{"text":"ثانيها: لو افترَضنا أنَّ لغة القومِ زمنَ موسى ﵇ كانت العِبريَّة -تنزُّلًا- فإنَّه لا تعارضَ بين ما وَرد في الحديث، بيانُ ذلك من جِهتين:\nالجِهة الأولى: أنَّ العَربيَّة والعِبريَّة كِلاهما مِن الأسرةِ السَّامية (^١)، والمُشترَك اللُّغوي بين اللُّغاتِ مِن أسرةٍ واحدةٍ يكون كبيرًا، فلا مانعَ مِن أن يكون لفظَا (حِطَّة) و(حِنطة) مَن هذا المشترَك (^٢).\nيقول ابن حزم: «إنَّ الَّذي وَقفنا عليه وعلِمناه يقينًا: أنَّ السِّريانيَّة والعبرانيَّة والعَربيَّة -هي لغة مُضر وربيعة، لا لغة حِمير- لغةٌ واحدةٌ، تَبدَّلت بتبدُّلِ مَساكن أهلِها، فحدَث فيها جَرش كالَّذي يحدث مِن الأندلسيِّ إذا رام نغمةَ أهل القيروان، ومِن القيروانيِّ إذا رام نغمةَ الأندلسيِّ .. وهكذا في كثيرٍ من البلاد، فإنَّه بمجاورةِ أهلِ البَلدة بأُمَّة أخرى، تتبدَّل لغتها تبديلًا لا يخفى على من تأمَّله» (^٣).\nوعليه؛ فإنَّ وجود تشابه بين العربيَّة وغيرها من اللُّغات السَّامية في مفرداتها وقواعدها ليس بالمستنكر؛ خاصَّةً مع قولِ ثلَّة من الباحثين في علم اللُّغات والاجتماع بكونِ العربيَّة هي الأصل الَّتي تفرَّعت عنها باقي اللُّغات السَّامية (^٤)، بل باقي اللُّغات بإطلاق (^٥).\n_________\n(^١) السَّاميون شعوب عديدة، بعضها انقرض أو اندمج في غيره من الشعوب، كالبابليين، والآشوريين، والفينيقيين، والآراميين، وبعضها لا يزال باقيًا إلى يومنا هذا، كالعرب، واليهود، والأحباش السُّمر، وقلة من بقايا الآرامية، وأول من أطلق عليها هذه التسمية (سامية) عالم ألماني اسمه (شلوتسر) بناءً على أقدم محاولة لتقسيم البشر إلى عائلات، وهي تلك التي وردت في سفر التكوين، وفي الإصحاح العاشر، ومع أن هذا التقسيم غير دقيق، فقد أبقى عليه علماء التاريج والاجتماع، لعدم وجود مصطلح أفضل منه للدلالة على مجموعة الشعوب تربطها معًا وحدة اللغة والجنس والذهنية، انظر «في قواعد الساميات» لـ د. رمضان عبد التواب (ص/٩ - ١٢).\n(^٢) هذا ما ذهب إليه الفخر الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب» (٦/ ٥٠٤).\n(^٣) «الإحكام» لابن حزم (١/ ٣١).\n(^٤) وهو ما ذهب إليه العالم الاجتماعي الإيطالي (ساباتينو موسكاتي) في كتابه الشهير «الحضارات السامية القديمة».\n(^٥) ألَّفت الدكتورة تحية عبد العزيز إسماعيل -المختصة بعلم اللغويات- كتابًا حافلًا أسمته «اللغة العربية أصل اللغات»، حشدت فيه دلائل كثيرة على أولية اللغة العربية، وأنها أصل اللغات، وشرحت فيه الكلمات اللاتينية واليونينية والهيروغليفية، وكشفت عن تراكيبها، وردتها إلى أصولها العربية فيما ترى، كما حشدت مزايا اختصت بها العربية عن غيرها، وقد بذلت فيه جهدا مشكورًا.\nوكذا لـ د. عبد الرحمن البوريني بحث قيِّم بلغ فيه نفس النتيجة السابقة أسماه «اللغة العربية أصل اللغات كلها»، مطبوع بدار الحسن للنشر - عمان، ١٩٩٨ م.","vol":"2","page":870},{"text":"الجهة الثَّانية: أنَّ العِبريَّة القديمة نفسَها خَليط مِن عدَّة لغاتٍ، أهمُّها الآراميَّة، والأكاديَّة البابِليَّة منها والآشوريَّة، والهيروغليفيَّة المِصريَّة، وكذا العَربيَّة، فوارِدٌ جدًّا أن يكون اللَّفظان الوارِدان في الحديثِ مِن المعجمِ العَربيِّ الَّذي اختلَط في ذاكَ المَزيجِ العِبْريِّ (^١)!\nوفي تقريرِ قريبٍ مِن هذا التَّأصِيلِ، يقول ابن تيميَّة: «الألفاظُ العِبريَّة تُقارب العربيَّة بعضَ المقاربة، كما تتقارب الأسماء في الاشتقاقِ الأكبر، وقد سمِعت ألفاظَ التَّوراة بالعِبريَّة مِن مسلمةِ أهل الكتاب، فوجدتُ اللُّغتين متقاربِتين غايةَ التَّقارب، حتَّى صِرتُ أفهم كثيرًا مِن كلامِهم العِبريِّ بمجرَّدِ المعرفة بالعَربيَّة ..» (^٢).\nثالثها: يذهب عَدد من الباحثين إلى أنَّ اللُّغة الَّتي كُتِبت بها التَّوراة الأصليَّة كانت الآرَاميَّة، فإنَّه لابدَّ أنَّ ما أُوتيَه موسى ﵇ مِن ألواحٍ قد كُتِب بلُغةٍ مُقعَّدةٍ مَفهومةٍ (^٣)، واللُّغة الَّتي كانت مُتداولة في الشَّامِ آنذاك هي الآراميَّة (^٤)، ومِنها تفرَّعَت السِّريانيَّة (^٥)، فلذا سُمِّيت باللُّغةِ المقدَّسة، وهاتان لُغتانِ قَريبتان في المعجمِ والقَواعد، ومنها أَخذت العِبريَّة قِسطًا وافرًا مِن لُغتها، وقد سبقت الإشارة إلى قريبٍ من هذا المعنى.\n_________\n(^١) وهذا موسى ﵇ مع علمهِ باللُّغة المصريَّة لغة المنشأِ - قد تعلَّم العربيَّة وتكلَّم بها حين ساكن أهل مَدين عدَّة سنين، وكانوا عربًا، وقد كان من آثار ذلك تضمُّن أسفارِ موسى الخمسة الموجودة في التَّوراة كلماتٍ كثيرةً من المصريَّة والعربيَّة.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ١١٠).\n(^٣) ويبعُد جدًّا أن تكون التَّوراة قد كُتبت بالرُّموز الهيروغليفيَّة المصريَّة القديمة التي نشأ عليها موسى ﵇ برسومها الحيوانيَّة وأشكالها المستغربة!\n(^٤) انظر «الحضارات السامية القديمة» لساباتينو موسكاتي (ص/١٨٠).\n(^٥) «في قواعد الساميات» لـ د. رمضان عبد التواب (ص/٨١).","vol":"2","page":871},{"text":"يؤيِّد هذا: ما أورده جَمعٌ مِن المفسِّرين مِن أخبارَ تدلُّ على أنَّ قولَ الفَسَقة من بني إسرائيل: (حِنطة) قد كان بالنَّبطيَّة، حيث قالوا: «حِطَا سمقاثا»، أي: حِنطة حمراء -كذا وَرَد عن ابن مسعود وابن عبَّاس وغيرهما (^١) - والنَّبطَ كانت لُغتهم الرَّسميَّة الآراميَّة (^٢)!\nوالعَربيَّة والآراميَّة السِّريانيَّة يجتمِعان في الأصلِ السَّامي الغَربيِّ، وفي نفسِ هذا الحديث ما يشهدُ لذلك، حيث إنَّ لفظ (حِنطة) في آراميَّة العَهد القديم هكذا: (ح ن ط ه) (^٣)، فهو بنفسِ حروفه في العَربيَّة تمامًا، فلا يُستبعد بهذا أن يكونَ لفظُ الفعلِ العَربيِّ (حَطَّ) الواردِ في حديث أبي هريرة هو بنفسِ حروفِه في الآراميَّة.\nفأخْلِق بهذه الحقائق أن يكون بها حديث أبي هريرة ﵁ شاهدًا في علمِ تاريخِ اللُّغاتِ، لا مَطعونًا به مِن طالبي الهَناتِ من صِحاحِ الرِّواياتِ! والحمد لله.\n_________\n(^١) انظر «جامع البيان» للطبري (١/ ٧٢٨)، و«الهداية» لمكي بن أبي طالب (١/ ٢٨١)، و«الكشاف» للزمخشري (١/ ١٤٣)، و«مدارك التنزيل» للنسفي (١/ ٩٢)، و«البحر المحيط» لأبي حيان الأندلسي (١/ ٣٦٣).\n(^٢) ولذا تُصنف النَّبطية بأنها إحدى تفرعات الأبجديَّة الآراميَّة، انظر «تاريخ دولة الأنباط» لإحسان عباس (ص/١٨).\n(^٣) «معجم المفردات الآرامية القديمة» لسليمان الذييب (ص/١٠٦).","vol":"2","page":872},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المعارضات الفكرية المعاصرة للتَّفسيرِ الأثَريِّ لآية: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بقتال الملائكة في بدر</span>","vol":"2","page":873},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المَطلب الأوَّل\nسَوق التَّفسيرِ الأثَريِّ لقولِه تعالى:\n﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بقتال الملائكة في بدر</span>\nورد في ذلك عن ابن عبَّاس ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال يوم بدر: «هذا جبريل، آخذ برأس فرسِه، عليه أداة الحرب»، أخرجه البخاريُّ (^١).\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يوم أُحد، ومعه رجلان يُقاتلان عنه، عليهما ثياب بِيض، كأشدِّ القِتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعد» (^٢).\nوعن ابن عبَّاس ﵁ قال: بينما رجلٌ مِن المسلمين يَومئذٍ يَشتدُّ في أثرِ رجل من المشركين أمامَه، إذ سمِع ضربةً بالسَّوطِ فوقه، وصوتُ الفارس يقول: أقدِم حَيْزوم! فنظَرَ إلى المُشركِ أمامَه، فَخَرَّ مُستلقيًا، فنظَر إليه، فإذا هو قد خُطِم أنفُه، وشُقَّ وجهُه، كضربةِ السَّوط، فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاريُّ، فحدَّث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صدقتَ، ذلك مِن مَددِ السَّماءِ الثَّالثةِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرا، رقم: ٣٩٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: المغازي، باب: «إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون»، رقم: ٤٠٥٤).\n(^٣) أخرجه مسلم في (ك: الجهاد والسير، باب: باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، رقم: ١٧٦٣).","vol":"2","page":875},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>المَطلب الثاني\nسَوق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرة للتَّفسير الأثريِّ لآية:\n﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بقتال الملائكة</span>\nأُورد على هذه الأحاديث المُخبِرةِ بقتال الملائكةِ جنبَ المسلمينَ في بدر جملةٌ مِن المعارضاتِ، ألخِّصُ جملتَها في الآتي:\nالمعارضة الأولى: أنَّ مَفاد الآياتِ حصرُ وظيفةِ الملائكة في بدرٍ في تبشيرِ المؤمنين وتطمينِهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠] وهذا أسلوب يفيد الحصر، فلا غرضَ من إنزالِ الملائكةِ إلَّا حصولَ البشرى، وهو ما ينفي إقدامَهم على القتالِ.\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ الأمرَ في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ مُوجَّه لمِن خوطِب بهذا القرآن، وهم الصَّحابة ﵁، وليسَ الملائكة.\nوفي تقرير هاتين الشُّبهتين، يقول (رشيد رضا):\n«مُقتضى السِّياق أنَّ وحي الله للملائكة قد تمَّ بأمره إيَّاهم بتثبيت المؤمنين، كما يدلُّ عليه الحصر في قوله عن إمداد الملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى﴾ إلخ، وقوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ﴾، بدءُ كلامٍ خوطب به النَّبي ﷺ والمؤمنون تتمَّةً للبشرى، فيكون الأمر بالضَّرب موجَّهًا إلى المؤمنين","vol":"2","page":876},{"text":"قطعًا، وعليه المحققِّون الَّذين جزموا بأنَّ الملائكة لم تقاتل يومَ بدرٍ، تبعًا لما قبله من الآيات ..\nفكفانا الله شرَّ هذه الرِّوايات الباطلة الَّتي شوَّهت التَّفسير وقَلَبت الحقائق، حتَّى إنَّها خالفت نصَّ القرآن نفسه، فالله تعالى يقول في إمداد الملائكة: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، وهذه الرِّوايات تقول: بل جعلَها مقاتلةً! ..» (^١).\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّ في القولِ بقتالِ الملائكة في بدرٍ تنقيصًا مِن شأنِ أهلِ بَدر من الصَّحابة ﵃، ونَفيًا لمزيَّتِهم عن باقي المسلمين، فأيُّ فائدةٍ مِن ابتلائِهم بقتالِ المشركين، إذا كانوا هم قد كُفوا ذلك مِن الملائكة؟!\nوفي تقرير الشُّبهة، يقول (رشيد رضا):\n«.. ما أدري أين يضع بعض العلماءِ عقولَهم عندما يغترُّون ببعض الظَّواهر وبعض الرِّوايات الغريبة الَّتي يردُّها العقل! ولا يثبتها ما له قيمة من النَّقل!\nفإذا كان تأييدُ الله للمؤمنين بالتَّأييداتِ الروحانيَّة الَّتي تُضاعف القوَّة المعنويَّة، وتسهيله لهم الأسباب الحسيَّة، كإنزالِ المطر وما كان له مِن الفوائد، لم يكن كافيًا لنصرِه إيَّاهم على المشركين بقتلِ سبعين وأسرِ سبعين، حتَّى كان ألفٌ -وقيل آلاف- من الملائكة يقاتلونَهم معهم! فيفلقون منهم الهام، ويقطعون مِن أيديهم كلَّ بنان.\nفأيُّ مزيَّة لأهل بدرٍ فُضِّلوا بها على سائر المؤمنين مِمَّن غزوا بعدهم، وأذلُّوا المشركين، وقَتلوا منهم الألوف؟!» (^٢).\nثمَّ حاول تعليلَ هذه الرِّوايات وهي في «الصَّحيحين» بكونِ ابن جريرٍ لم يذكرها في «تفسيره» البتَّة، لأنَّ مثلها في رأيِه «لا يصدرُ عن عاقلٍ إلَّا وقد سُلِب\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ٥١٠ - ٥١١).\n(^٢) «تفسير المنار» (٩/ ٥١١).","vol":"2","page":877},{"text":"عقلُه لتصحيحِ رواياتٍ باطلةٍ لا يَصِحُّ لها سَند .. وابن عبَّاس لم يحضر غزوةَ بدر؛ لأنَّه كان صغيرًا، فرواياته عنها حتَّى في «الصَّحيح» مرسلة، وقد روى عن غير الصَّحابة، حتَّى عن كعب الأحبار وأمثاله» (^١).\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ٥١١).","vol":"2","page":878},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المطلب الثالث\nدفع المعارضات الفكريَّة المعاصرة\nعن أحاديث تفسيرِ آية: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بقتالِ الملائكة</span>\nأمَّا عن المعارضةِ الأولى في دعوى المُعترضِ حصرَ الآياتِ لوظيفةِ الملائكة في تبشيرِ وتثبيتِ المسلمينَ يومَ بدر، فيُقال جوابًا لمثلِها:\nإنَّه استدلالٌ بمَحلِّ الخلاف غير جائز؛ ذلك أنَّا نَدَّعي أيضًا أنَّ الله تعالى قد كَلَّفهم في الآياتِ نفسِها بشيءٍ زائدٍ على مجرَّد التَّثبيت، وهو ما ذكره في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].\nفقول المُعترضِ بعدم قتال الملائكة في بدر، قرينةٌ على كونِ الأمرِ بالضَّربِ في هذه الآيةِ للمؤمنين: لا يصلُح، لأنَّ نفسَ هذه الدَّعوى نُنازعهم عليها، فأيُّ مانعٍ في أن تكون أمرًا للملائكة أيضًا؟\nثمَّ إنَّ نزولَ الملائكة لتسكينِ القلوب لا يعني بالضَّرورةِ عدمَ مشاركتِهم في القتال، فالأفيدُ أن يُنتقَل بالنِّقاشِ إلى إثباتِ مَن هو المُخاطَب بالأمرِ الإلهيِّ في الآية، وهو ما يظهر جوابه في:\nردِّ الاعتراضِ الثَّاني: وهو دعوى أنَّ الأمرَ بالقتالِ مُوَّجَه للصَّحابةِ لا الملائكةِ:\nفإنَّه لا يخفى الخلافُ القديم في المعني بالمُخاطَب هنا بين أهل التَّفسيرِ","vol":"2","page":879},{"text":"أنفسِهم (^١)، ولسنا نُنكِر أنَّ الآية ظنيَّة الدَّلالة، تحتمل كِلا الوَجهين؛ لكنَّ القواعد العلميَّة تقتضي تصحيحَ أحدِهما بالمرجِّحاتِ المُعتبرَة أصوليًّا، وباستعمالِ هذه يَتبيَّن رجحانُ قولِ الجمهورِ في كونِ قتالِ الملائكةِ كان بأمرِ الله تعالى، وقولُهم بعَودِ الأمرِ في الآيةِ إلى الملائكةِ يعتمد على أصلين:\nالأوَّل: دلالةُ الأحاديث على ذلك نَصًّا:\nوهذه تَلقَّاها أهلُ الحديثِ بالقَبول، يكفي منها ما أخرجه الشَّيخان ممَّا سبق سَوقَه، ومَعلوم من علمِ الأصولِ أنَّ نصوص السُّنة مُبيِّنة لمُجملِ الآيات، والنَّص إذا وَرَد لم يُعارَض بالمحتملاتِ.\nالثَّاني: دلالة السِّياق القرآنيِّ نفسه على ذلك:\nوذلك أنَّ الله تعالى أخبرَ أنَّه أنزلَ الملائكة في بدرٍ مُردِفين: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، أي: أُنزِلوا فرقةً بعد فِرقةٍ (^٢)، وهذا تَعبير يتضَمَّن حمولةً عسكريَّة واضحة! فكأنَّهم مجموعاتُ مآزَرةٍ، تأتي الواحدة تلوَ الأخرى، كما المعهود مِن الجيوش في الحروب، فجاء عَدد الملائكةِ مُساويًا لعددِ المشركين، وكان الصَّحابة زيادة.\nولو كانت الغاية مُجرَّد التَّسكين لقلوبِ مَن قاتلَ في بدرٍ، لمَا احتِيجَ إلى كلِّ هذا الإردافِ والتَّتابع بهذا الشَّكلِ مِن هذه الأعدادِ الكثيرة.\nثمَّ المعلوم من حال الحروب، أنَّ مَعنويَّات الجنودِ إنَّما تَتقوَّى في حمأةِ المعارك إذا علِموا بالتحاقِ فُرقٍ أخرى مِن حُلفاءِهم! تخفيفًا عنهم لضغطِ المعركة، وتحقيقًا للتَّفوُّقِ المَّاديِّ على العَدوِّ، ومِن ثَمَّ تزدادُ الرَّغبة في الإجهازِ على العَدوِّ، وتُشحذُ الهِمَم للظَّفر منه بالنَّصر.\n_________\n(^١) نسبَ القرطبي في «جامع أحكام القرآن» (٧/ ٣٧٨) كون الملائكة هي المعينة بالأمر بالضرب في الآية إلى الجمهور، وهو الذي اختاره النووي في شرحه لمسلم (٨/ ١٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٢٥)، وأبو حيان في «البحر المحيط» (٥/ ٢٨٥)، وذهب قلة من المفسرين إلى أن المعني به هم المؤمنون، كالفخر الرازي في «تفسيره» (١٥/ ٤٦٠)، وجعله ابن عطية في «المحرر الوجيز» (٢/ ٥٠٨) محتملًا لكليهما.\n(^٢) «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (٢/ ٤٠٣).","vol":"2","page":880},{"text":"وقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠] ليس يفيد الحصرَ بحال كما ادَّعاه المُعترض، لأنَّ الضَّمير في قوله: ﴿جَعَلَهُ﴾ عائِدٌ إلى فعلِ الله مِن الإمدادِ نفسِه، لا إلى الملائكةِ، أي: القَصدُ مِن إنزالِه الملائكةَ للقتالِ طَمأنةُ المؤمنين إذا عَلموا بزيادةِ عددِهم بعد ما رَأوا مِن وفرةِ المشركين وعدمِ تكافئهم، فنفسُ قتالِ الملائكةِ بجوارِهم تَطمينٌ لهم، وفيه تبشيرٌ ضِمنيٌّ بالنَّصر، بأن أوقعَ في نفوسِهم ظنَّ النَّصر، وهذا منه إلهامٌ وتثبيتٌ، وفيه إرشادٌ لما سيُطابق الواقع، ودفعٌ لأيِّ وَسوسةٍ شيطانيَّة.\nوفي سِباقِ الآياتِ نفسِها ما يدلُّ على كونِ المُخاطَبين بالضَّربِ الملائكةُ، حيث أنَّها افتُتِحَت بخطابِ الله لهم، في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فناسبَ أن يكون مُختَتَمها للملائكة أيضًا.\nلكنَّ (رشيد رضا) فَصَل هذا الأمرَ عن سياقِه القريبِ، وألحقَه بسياقٍ بعيدٍ عنه الَّذي فيه خطاب المؤمنين! ولا يجوز استصحابُ السِّياقات البعيدة دون القريبةِ إلَّا بدَليل، «فإنَّ قولَه تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ تفريعٌ على جملة: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ﴾ المفرَّعة هنا أيضًا على جملة: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في المعنى» (^١).\nهذا؛ ولو فَرَضنا أنَّ الأمرَ بالقِتالِ في الآية كان للمؤمنين، لنَزَلَت عليهم قبل المعركةِ بداهةً ليمتثِلوه! في حين أنَّ السُّورةَ نَزَلت بعدَ انكشافِ الملحمةِ، وفراغِ المؤمنين مِن القِتال!\nوعلى فرضِ أنَّ الأمرَ القرآنيَّ مُوجَّه للمؤمنين أصالةً، فما المانِعُ أن تكون الملائكة شاركَتهم في القتالِ؟! فلم يكن مِن داعٍ لرَدِّ الأخبارِ الصَّحيحة في هذا الباب.\n_________\n(^١) «التحرير والتنوير» لابن عاشور (٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨).","vol":"2","page":881},{"text":"وأمَّا دعوى المعترض في أنَّ قتالَ الملائكة تنقيصٌ مِن شأنِ أهلِ بَدر، ونَفيٌ لمزيَّتِهم عن باقي المسلمين .. إلخ:\nفهذا منه صحيح لو كان الحَسمُ في المَعركة مِن جهة الملائكةَ فقط، وكان الصَّحابة ﵃ في دَعةٍ لا يكادون يرفعون سيفًا؛ ولكن الواقع أنَّ قتال هؤلاء كان هو الأصل، وقد أبلوا فيه بَلاءً حَسنًا، وأنَّ الملائكة ما تَنزَّلت إلَّا عَونًا وتَسديدًا وتَبشيرًا، وما خَبر مبارزةِ الثَّلاثةِ مِن المؤمنين أوَّلَ المعركةِ عن أذهانِنا بغائب (^١)، فكلُّ هذا «لإرادةِ أن يكون الفعلُ للنَّبيِّ ﷺ وأصحابِه، وتكون الملائكة مَددًا على عادةِ مَدد الجيوش، رعايةً لصورةِ الأسبابِ وسُنَّتِها الَّتي أجراها الله تعالى في عباده» (^٢).\nفنَفي (رشيد رضا) أن تكونَ لأهلِ بَدر بقتالِ الملائكة مَزيَّة على مَن بعدهم قولٌ منه عجيب، فإنَّ أهلَ بدرٍ لِما اجتمعَ فيهم مِن الفَضائلِ خصَّهم الله بقتالِ الملائكةِ، وغزوتُهم كانت فاتحةَ الصِّراعِ المباشرِ بين الإسلامِ والكُفرِ، وفرقانًا بين الحَقِّ والباطِل؛ فلِما احتفَّ بهذه الغزوةِ مِن فرائد الخِصال، وما تَرتَّب عليها مِن أثرٍ على الدَّعوة في الحالِ والمآل، مع قلَّة عددٍ وعَتاد: اقتضَت حكمة الله أن تكون الغَلبة فيها للمسلمين، رحمةً منه وفَضلًا بعد استضعافِهم، ولعدوِّهم عَذابًا وإذلالًا بعد كِبرهم عن الحقِّ وطغيانِهم.\nفما جَرى بين الفريقين كان -في حقيقتِه- «إبدالًا للحقائقِ الثَّابتة باقتلاعِها ووضعِ أضدادِها، حيث جُعِل الجُبن شجاعةً، والخوف إقدامًا، والهَلع ثَباتًا في جانب المؤمنين، وجُعِلت العزَّة رُعبًا في قلوبِ المشركين، وقُطِعت أعناقهم\n_________\n(^١) حيث قَتل حمزة وعليٌّ ﵃ الَّذَين بارزاهما، وطُعن عبيدة بن الحارث ﵁ بعد قتلِه لعدوِّه عتبة بن ربيعة، ثمَّ مات بعدها، في نزالٍ شديد جرى بين هؤلاء الرَّهطِ السِّتة خلَّد الله تعالى ذكره في كتابه، فكان أبو ذرٍّ الغفاري ﵁في البخاري (رقم: ٤٧٤٣) ومسلم (رقم: ٣٠٣٣) - يُقسم بالله أنَّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.\n(^٢) مِن كلام السُّبكي، نقله ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ٣١٣).","vol":"2","page":882},{"text":"وأيديهم بدون سَببٍ من أسبابِ القطعِ المعتادة، فكانت الأعمال الَّتي عُهِد للملائكة عَملُها خوارق عادات» (^١)، بَعَث عليها عنايةُ الله بهذه العِصابة المؤمنةِ الَّتي لم هلكت لم يُعبَد في الأرض.\nثمَّ ما أدرى (رشيدًا) أنَّ الله لم يُنزِل ملائكةً تَقاتل مع غيرهم مِن «المؤمنين مِمَّن غَزوا بعدهم وأذلُّوا المشركين وقتلوا منهم الألوفَ» (^٢)؟ إذا ما حَقَّقوا شرطَ الإيمان، ونصرةَ الدِّين، والأخذَ بما تَوافر مِن أسباب، كما فعله أهل بدر؟!\nإنَّ إعلالَ (رشيد رضا) حديثَ البابِ بأنَّه مِن روايةِ ابن عبَّاس ﵁ وهي مرسلة لا يقوم على ساق في مقامِ الحِجاج، هو قول لم يَلتفِت إلى مثلِه المحقِّقون، فإنَّ العَمل جارٍ منهم على قَبولِ مَراسيل الصَّحابةِ والاحتجاج بها في العقائدِ والأحكام، فضلًا عن المَغازي والسِّيرة؛ فرواية الصَّحابةِ عن التَّابعين نادرة جِدًّا، لم يكونوا يَروون إلَّا عن الصَّحابة مثلِهم، وهم يبيِّنون ذلك عند المُحاقَقة (^٣).\nوما كان لابن عبَّاس أن يَلجأ إلى تابعيٍّ ليقُصَّ عليه أحداث بدرٍ، وحوله كبار الصَّحبِ مُتوافرون!\nولو سَلَّمنا لرشيدٍ قولَه في ابن عبَّاس، فما يقول في روايةِ سعد بن أبي وقَّاص وقد حَكى ما رأته عيناه في بدرٍ مِن قتالِ الملائكة؟!\nأمَّا دعواه آخرَ هذه المعارضةِ، بأنَّ هذه الأخبار لو كانت صَحيحةً لأخرجها الطَّبري في تفسيره:\nفإطلالةٌ مِن الشَّيخ خاطفةٌ لموضعِ تفسيرِ ابن جريرٍ لآيةِ: ﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ وهي في آل عمران نفسِها: كانت\n_________\n(^١) «التحرير والتنوير» (٩/ ٢٨١) بتصرف يسير.\n(^٢) «تفسير المنار» (٩/ ٥١١).\n(^٣) انظر «النكت على مقدمة ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٥٧٤ - ٥٧٥)، و«توجيه النظر» لطاهر الجزائري (٢/ ٥٦١).","vol":"2","page":883},{"text":"لتكون كفيلةً لتُخجِلَه من إيرادِ هذا الكلام! فإنَّ الطَّبريَّ قد مَلأ موضِعَ تأويلِ هذه الآيةِ من تفسيرِه بجملةٍ من الآثارِ الدَّالةِ على قتال الملائكة يومَ بدرٍ، وبأسانيد له صحيحة.\nوسبحان مَن لا يسهو ويغفل.","vol":"2","page":884},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المَبحث الرَّابع نقد دعاوي المعارضات المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لآية: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾</span>","vol":"2","page":885},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المطلب الأوَّل\nسوق التَّفسير النَّبوي لآية:\n﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾</span>\nعن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال:\n«اختصَمَت الجنَّة والنَّار إلى ربِّهما، فقالت الجنَّة: يا ربِّ، ما لها لا يدخلها إلَّا ضعفاء النَّاس وسَقطهم؟ وقالت النَّار: أُوثرت بالمتكبِّرين، فقال الله تعالى للجنَّة: أنتِ رحمتي، وقال للنَّار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلؤها، قال: فأمَّا الجنَّة، فإنَّ الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنَّه يُنشئ للنَّارِ مَن يشاء (^١)، فيُلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ -ثلاثًا- حتَّى يضع فيها قدمه فتمتلئ، ويُردُّ بعضها إلى بعض، وتقول: قطِ، قطِ، قطِ!» أخرجه البخاريُّ (^٢).\nوعند مسلم: «.. فأمَّا النَّار فلا تمتلئ حتَّى يضع الله ﵎ رجلَه،\n_________\n(^١) الصَّواب في هذه الجملة: «وإنَّه يُنشئ للنَّارِ مَن يشاء» أنَّها غير محفوظة، ولكن على جادةِ المُشاكلةِ مشى الرَّاوي فانقلب عليه لفظ الحديث، فالله يُنشئ للجنَّة خلقًا وليس للنَّار، وإلى هذا ذهب القابسي والبُلقيني كما في «فتح الباري» (١٣/ ٤٤٦)، وقد بيَّن أدلَّة هذا الغلط في الحديث ابن تيمية في «منهاج السنة» (٥/ ١٠١)، وابن القيِّم في «حادي الأرواح» (ص/٢٧٨)، وابن كثير في «تفسيره» (٥/ ٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، رقم: ٧٤٤٩).","vol":"2","page":887},{"text":"تقول: قط، قط، قط! فهنالك تمتلئ، ويُزوى (^١) بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله مِن خلقِه أحدًا، وأمَّا الجنَّة فإنَّ الله يُنشئ لها خلقًا» (^٢).\n_________\n(^١) أي تُجمع وتُقبض، انظر «لسان العرب» (١٤/ ١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم: ٢٨٤٦).","vol":"2","page":888},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المَطلب الثَّاني\nسَوق المعارضات الفكريَّة المعاصرة\nلتفسيرِ آيةِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾</span>\nترجع مُجمَل طعونِ المعاصِرين في حديثِ أبي هريرة ﵁ إلى سبعةِ أوجهٍ من المعارضاتِ المَتنيَّة:\nالمعارضة الأولى: أنَّ ظاهرَ الآية على أنَّ جهنَّم لا تَضيقُ بمَن فيها مهما بلغَت أعدادُهم، بينما يُشير الحديث إلى ضِيقِها من ذلك حتَّى تمتلِئ.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (ابن قرناس): «إنَّ الآيات تُصوِّر كيف أنَّ النَّار لن تضيق بمن يُلقى فيها من المكذِّبين مهما بلغت أعدادهم» (^١).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ في إثباتِ صِفةِ القَدمِ لله تعالى في الحديث نوعَ تجسيمٍ، والقَدَم صِفة للمَخلوقِ تُنزَّه الذَّات الإلهيَّة عن مثلِه.\nوفي تقرير هذا الاعتراضِ العَقديِّ يقول (زهير الأدهَمي): «.. عندما يضع الله -سبحانه وتعالى عمَّا يصفون- قدَمه على سطحِ هذا الوِعاء، تكون جَهنَّم قد امتلأت، تقول: حَسبي، كَفاني، وعندها تُجرُّ أطرافَ هذا الوِعاء بعضها إلى بعض، وتكون جَهنَّم قد تمَّ إغلاقها على أهلها، .. وعلى طريقة المجسِّمة\n_________\n(^١) «القرآن والحديث» (ص/٤١٤).","vol":"2","page":889},{"text":"أو المشبِّهة -تعالى الله الَّذي ليس كمثله شيء- يمكن أن نتخيَّل ربَّ العزَّة هنا على هيئة وصورة أقلُّ ما يُقال فيها إنَّها لا تليق بجلالة الله وعظمته» (^١).\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّه يلزم من وضعِ قدم الله تعالى في النَّار مَسُّ الخلقِ للذَّاتِ الإلهيَّة ومخالطتها، فإنَّ لفظ (في) في روايةِ أنس ﵁: «.. حتَّى يضع فيها ربُّ العالمين قدَمه» (^٢)، يفيد الظَّرفية، و«معنى ذلك أنَّ بعضَ أجزاءِ جسمِه تحلُّ بخلقِه، لأنَّ النَّارَ بعضُ خلقِه» (^٣)، وهذا باطل شَرعًا وعقلًا.\nثمَّ فرَّع المُعترض عن هذا التَّوهم الوجهَ التَّالي من أوجُه المعارضةِ، وهو:\nأنَّ القرآن أخبر أنَّ النَّار تمتلئ بإبليسَ وأتباعه فقط: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، بينما الحديث يذكر امتلائها بوضعِ قدمِ الرَّبِ فيها أيضًا (^٤).\nالمعارضة الرَّابعة: أنَّ الجنَّة والنَّار مِن الجمادات المَسلوبة العقلِ والحاسَّة، فلن يكون لهما «مَعرفةٌ بما حلَّ فيهما مِن مُتجبِّر ومتكبِّر، أو ضعيفٍ وساقط مِن النَّاس» (^٥)، وعليه فإنَّ في «متنِ هذا الحديث خَللًا في المعنى، لأنَّ الجنَّة والنَّار غير عاقلتين فتتكلَّمان» (^٦).\nثمَّ فرَّعوا عن هذا الاعتراض اعتراضًا لازمًا له، مفاده في:\nالمعارضة الخامسة: أنَّ مَن علِم أساليبَ العربيَّة في الخطابِ القرآنيِّ، يدرك أنَّ ما وَرد في آيةِ ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ مِن كلامِ جهنَّم، هو مَحمول على المجازِ\n_________\n(^١) «قراءة في منهج البخاري ومسلم» لمحمد زهير الأدهمي (ص/٣٥١)، وانظر «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾، ومن حلف بعزة الله وصفاته، رقم: ٧٣٨٤)، ومسلم (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم: ٢٨٤٨).\n(^٣) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٦٥١).\n(^٤) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٣٣٨)، وقوله آخر كلامه (لم يُعد) صوابه: لم يوعد.\n(^٥) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٣٣٨).\n(^٦) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» لإسماعيل الكردي (ص/١٦١).","vol":"2","page":890},{"text":"لا الحقيقة، ومَعناه: استيعابُها لمِن أُلقِيَ فيها مهما بلَغَت أعدادُهم، لكن الحديث صوَّر ذلك على أنَّه حَقيقة.\nوفي تقرير هذا الاعتراض، يقول إسماعيل (الكردي): «أغلب الظنِّ أنَّ واضعَ الحديث يُريد أن يفسِّر بهذا الحديث قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، مع أنَّ أدنى مَن له إلمام وتذوُّق للُّغة العربيَّة يُدرك تمامًا أنَّ الآيةَ بَيان بَلاغيٌّ تخويفيٌّ رائعُ التَّعبير عن مَدى سِعة جهنَّم، دون أن يُقصَد منه أنَّ هناك مخاطبةٌ حقيقيَّة، لجهنَّم وإجابة مِن قِبلها! هذا عَدا عن أنَّه لا ذِكر في الآيةِ لقَدَم الجبَّار أو رجلِه ..» (^١).\nوليتَ هؤلاءِ سَلكوا في الحديث ما سلكه (رشيد رضا) مِن تأويلِه متحاشيًا إنكاره (^٢).\nالمعارضة السَّادسة: أنَّه من المُحال أن تَتبرَّمَ الجنَّة مِمَّن فيها مِن أولياءِ الله تعالى وإن كانوا ضَعفة، وتغتبطَ النَّارُ بمَن فيها مِن المُتجبِّرين! وهذا ما ظَهَر للموسويِّ مِن الحديث، فيقول: «فأيُّ فضلٍ للمُتجبِّرين والمتكبِّرين لتفتخرَ بهم النَّار، وهم يَومئذٍ في أسفلِ سافلين؟! وكيف تظنُّ الجنَّة أنَّ الفائزين بها من سَقطة النَّاس، وهم مِن الَّذين أنعمَ الله عليهم بين نبيٍّ وصدِّيق وشهيد وصالح؟! ما أظنُّ الجنَّة والنَّار قد بلَغ بهما الجهلُ والحمقُ والخرفُ إلى هذه الغاية» (^٣).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد متن الحديث» (ص/٢٠٨)، وبهذه العلَّة أيضًا ردَّه ابن قرناس في «القرآن والحديث» (ص/٤١٥).\n(^٢) «تفسير المنار» (١/ ٢٣٣)، وهو قول عدد من المفسرين، منهم الزمخشري في «الكشاف» (٤/ ٣٩٢)، والبيضاوي في «تفسيره» (٥/ ٢٣٠).\n(^٣) «أبو هريرة» لعبد الحسين الموسوي (ص/٦٢).","vol":"2","page":891},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المَطلب الثَّالث\nدفع المعارضات الفكريَّة المعاصرة\nللتَّفسير النَّبوي لآية: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾</span>\nأمَّا قول المعترضِ في المعارضةِ الأولى: أنَّ جَهنَّم لن تضيقَ بِمَن فيها مَهما بلغَت أعدادُهم، فيُقال في الجواب عنه:\nإنَّ الآية مُحتملةٌ لمَعنيْين:\nالأوَّل منهما: أنَّ السُّؤالَ فيها جاء سؤالَ نَفيٍ، بمعنى: أنَّها تُخبر ألَّا احتمالَ لها لمزيدِ حيث امتلأت، فالآية بهذا المعنى مُتوائمة مع مدلول الحديث.\nالمعنى الثَّاني: أنَّ السُّؤال فيها سؤال طَلبٍ واستزادة، فحيث بَقي فيها مُتَّسَع لذلك، استزادت مِن ربِّها وَقودها.\nذَكر الطَّبري كِلا المَعنيْين اللَّذَين تَفرَّق عنهما قولُ أهلِ التَّفسير، ثمَّ رَجَّح المعنى الثَّاني مَقصودًا للآية، فقال: «وَأوْلى القَولين في ذلك عندي بالصَّواب، قول مَن قال: هو بمعنى الاستزادة، هل مِن شيءٍ أَزدَاده؟ وإنَّما قُلنا ذلك أولى القولين بالصَّواب: لِصحَّة الخبرِ عن رسولِ الله ﷺ ..» (^١).\nثمَّ ذَكَر حديثَ أبي هريرة ﵁ ونحوَه مِن أحاديث هذا الباب.\n_________\n(^١) «جامع البيان» للطبري (٢١/ ٤٤٥).","vol":"2","page":892},{"text":"والجمعُ بين هذا المعنَى الثَّاني ودلالةِ الحديث على امتلاءِ جَهنَّم مُتناولٌ مَيسور بفضلِ الله، وذلك أن نقول: بأنَّ جَهنَّم لن تَزال تَطلبُ المزيدَ مِن ربِّها، حتَّى يضَع عليها الجبَّار سبحانه قدَمه، فيُزوى بعضها إلى بعضٍ، وتَضيق، حتَّى تَمتلِئ بذلك.\nوفي تقريرِ هذا الوجهِ القَويم من التَّوفيق بين النَّصَّين يقول ابن تيميَّة: «الصَّحيح أنَّها تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ على سبيلِ الطَّلب، أي: هل مِن زيادةٍ تُزاد فيَّ؟ والمَزيد ما يَزيده الله فيها مِن الجنِّ والإنس، كما في الصَّحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺوذكر حديثنا هذا-.\nفإذا قالت: حَسبي، حَسبي! كانت قد اكتفَت بِما أُلقي فيها، ولم تقُل بعد ذلك: هل مِن مَزيد، بل تَمتلئ بما فيها، لانزواءِ بعضها إلى بعض؛ فإنَّ الله يُضيِّقها على مَن فيها لِسعَتها، فإنَّه قد وَعدها ليَملأنَّها مِن الجِنَّة والنَّاس أجمعين، وهي واسعةٌ فلا تَمتلئ، حتَّى يُضيِّقها على مَن فيها» (^١).\nوفضلًا عن هذا الجواب، يُمكن أن يُزاد عليه فيُقال:\nإنَّه يجوز أن يُقالَ للشَّيء: هو مُمتلئ، مع أنَّ فيه مَكانًا -ولو صَغُر- لا يَزال فارغًا! نبَّه عليه الدَّارمي في مَعرضِ تبكيتِه لِمن رَدَّ هذا الحديث، فقال: «يجوز في الكلامِ أن يُقال لممتلئٍ: استزادَ، كما يَمتلئ الرَّجل من الطَّعام والشَّراب، فيقول: قد امتلأتُ وشبعتُ، وهو يقدِر أن يزداد، كما يُقال: امتلَأ المسجد مِن النَّاس، وفيه فضلٌ وسِعة للرِّجال بعدُ، وامتلأ الوادي ماءً، وهو محتملٌ لأكثر منه ..» (^٢).\nوأمَّا دعوى المُعترضِ استنكارَه للقدَمِ أن تكون صِفةً لله تعالى في المعارضةِ الثَّانية، فجوابه أن يُقال:\nإنَّ مِن لوازم الإيمان بالله تعالى الإيمان بما وَصَف به نفسَه في كتابه، ووَصَفه به رسوله ﷺ في سُنَّتِه، مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل، ومِن غير تكيِيفٍ\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٦).\n(^٢) «رد الدارمي على المريسي» (١/ ٤٠٢).","vol":"2","page":893},{"text":"ولا تمثيل، مع قطعِ الطَّمَع عن إدراكِنا لكيفيَّةِ تلك الصِّفات، لقولِه تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وتنزيهِه سبحانه أن يُشبِه شيءٌ مِن صفاتِه شيئًا مِن صفاتِ المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nومعلوم أنَّ السَّمع والبصر مِن حيث هما سَمع وبَصر يتَّصِف بهما جميع الحيوانات، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nفكأنَّ الله يُشير للخلقِ: ألَّا يَنفوا عنه صِفةَ سمعِه وبصرِه، بدعوى أنَّ الحوادثَ تَسمع وتُبصر، بدعوى أنَّ ذلك تَشبيه؛ بل عليهم أن يُثبِتوا له صفةَ سمعِه وبصِره على أساسِ ليس كمثله شيءٌ؛ فالله ﷻ له صفات لائقةٌ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقات صفاتهم المناسبة لحالهِم، وكلُّ هذا حَقٌّ ثابت لا شكَّ فيه، وصِفة الربِّ أعلى وأكمل وأجلُّ مِن أن تُشبه صفاتِ المخلوقين (^١).\nهذا التَّأصيل العَقديُّ في باب الأسماء والصِّفات يشمل نَوعَيْ أدِلَّة هذا الباب:\nالصِّفات الشَّرعيَّة العقليَّة: وهي الَّتي يَشترك في إثباتِها الدَّليل السَّمعي، والدَّليل العقلي.\nوالصِّفات الخَبريَّة: وهي الَّتي لا سَبيل إلى إثباتِها عقلًا إلَّا بطريقِ الخبرِ عن الله تعالى أو رسولِه ﷺ؛ وهذه بدورها تكون فعليَّة: كالفَرح، والغَضب، والاستواءِ، وتكون ذاتيَّة: كالوَجه، واليَدين.\nفمِن هذا القسم الأخيرِ صِفة القَدم -كما ثبت في حدِيثِنا هذا وغيرِه ممَّا وَرَد في هذا البابِ- فيجري على هذه الصِّفة الذَّاتية ما يَجري على باقي الصِّفاتِ الثَّابتة شَرعًا، مِن الإيمان بها على ما يَليق بالله تعالى، مِن غير تعطيلٍ ولا تمثيلٍ بصفاتِ المخلوقين، تعالى الله عن ذلك، وفيها يقول أحمد بن حنبل: «قول النَّبي ﷺ: يَضَعُ قدَمَه، نُؤمِنُ به، ولا نردُّ على رسولِ الله ما قال» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» لمحمد الأمين الشنقيطي (ص/١١).\n(^٢) «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (١/ ١٤٤).","vol":"2","page":894},{"text":"وكذا في تنزيل هذا الأصل على هذه الصِّفةِ، قال الطَّيِبيُّ (ت ٧٤٣ هـ): «القَدَم والرِّجل المَذكوران في هذا الحديث مِن صفات الله تعالى المنزَّهة عن التَّكيِيف والتَّشبيه، وكذلك كلُّ ما جاء مِن هذا القَبيل في الكتاب والسُّنة، كاليَد، والأصِبع، والعَين، والمَجيء، والإِتيان، والنُّزول، فالإيمان بها فَرْض، والامتناعُ عن الخوضِ فيها واجب، والمُهتدي مَن سَلك فيها طريقَ التَّسليم، والخائضُ فيها زائغ، والمنكِر مُعطِّل، والمُكيِّف مُشبِّه» (^١).\nفالحاصل: أنَّه لا يَلزم مِن الاشتراكِ في جنسِ الصِّفة التَّماثلُ في حقيقتِها، وإلَّا لزِمَ مثله في آياتِ الصِّفاتِ الإلهيَّةِ الَّتي يتَّصِف بجنسِها المخلوقُ، وما أكثرَها في كتابِ الله تعالى.\nفإن زُعِمَ أنَّ هذه مَجاز، فيُقال: فلِمَ لا يُقال مثلَ هذا في تلك الأحاديثِ الَّتي نقضتموها أنَّها مَجاز؟! بل سَعيتم في إبطالِها، ولم يُنقَل عن أحدٍ من مُحَقِّقي المُتكلِّمين الطَّعن في ثبوتِها؛ ولولَا أنَّ الخبرَ ثابتٌ مِن جِهةِ النَّقل، ما تَكلَّف جمهورُهم التَّنقيبَ عن دلالتِه، والخوضَ في تأويلِه (^٢).\nأمَّا ادِّعاء المعارضة الثَّالثِة من أنَّ الخبر يُفيد حصول المُماسَّةِ بين الخالقِ والمَخلوق:\nفهذا كلام مَن يقيس صفات الله على صِفة المَخلوقِ، أو لم يفهمِ الحديثَ أساسًا! بأنْ تَوهَّم أنَّ قَدَم المولى سبحانه قد وَلَجت جَهَنَّم وبَقيت فيها مُدَّة! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا؛ وقد تَوهَّم هذا الإفك على أهلِ الإثباتِ من أهل السُّنةِ قَومٌ مِن المُعطلِّة (^٣).\nوهذا جَهل مِمَّن تَوهَّمه أو نَقله عنهم، فإنَّ في الحديث: «حتَّى يَضعَ رَبُّ العِزَّة عليها قدمَه ..»، وهذا لا يَلزم مِنه مماسَّة لا لُغةً ولا عقلًا، فهو كقولِ الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، و﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ونحوها.\n_________\n(^١) «الكاشف عن حقائق السنن» للطِّيبي (١١/ ٣٥٩٦).\n(^٢) انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٧/ ١٨٢)، و«فتح الباري» لابن حجر (٨/ ٥٩٥).\n(^٣) «جامع المسائل» لابن تيمية (٣/ ٢٤٠ - ٢٤١).","vol":"2","page":895},{"text":"وأمَّا لفظُ الحديث من روايةِ أنسٍ ﵁: «حتَّى يضَع فيها رَبُّ العالمين قدَمه»، فمَجيء (في) فيه بمعنى (على)، كما في قولِ الله تعالى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، والمعنى: على جذوعِ النَّخل (^١)، ولأنَّه ضُمِّن مَعنى شدَّةِ الالتصاقِ أُبدِل بحرفِ (في)؛ فكذا أبدِل حرفُ الجرِّ (على) في هذا الحديث بـ (في) لتضمنُّه معنى الإِملاءِ.\nوأمَّا جواب المعارضة الرَّابعةِ: في دَعوى كونِ الجنَّة والنَّار لا عقلَ لهما ولا مَعرفة ولا حاسَّة، وأنَّ ما وَرَد في الآية الكريمة من كلام جهنَّم لربِّها هو مجاز، فيُقال فيه:\nحملُ الألفاظ على الحقيقة أصل لا يُحاد عنه إلَّا بقرينةٍ على إرادةِ المخاطِبِ للمَجاز (^٢).\nفأين القرينة هنا؟! وأيُّ مانع شرعيٍّ أو عقليٍّ يَحول دون كلامِ جَهنَّم أو الجنَّةِ وتَمييزِهما إذا أرادَ الله منهما ذلك؟! وقياس عالمِ الغيب على ما عندنا في عالمِ الشَّهادة باطلٌ لا يجوز، وإن كان «لا يَلزم من هذا أن يَكون ذلك التَّميِيزُ فيهما دائمًا» (^٣).\nورَحِم الله ابنَ المنيِّر (ت ٦٨٣ هـ) على كلماتٍ رصيناتٍ سبكهنَّ في مَعرضِ تعقُّبِه للزَّمخشريِّ حملَه كلامَ النَّار في الآيةَ على المَجاز، يقول فيهنَّ: «نعتقِد أنَّ سُؤال جَهنَّم وجوابها حقيقة، وأنَّ الله تعالى يخلُق فيها الإدراكَ بذلك بشرطِه، وكيف نفرِض وقد وَرَدت الأخبار وتظاهرت على ذلك؟! منها هذا، ومنها: حِجاج الجنَّة والنَّار، ومنها: اشتكاؤُها إلى ربِّها فأذِن لها في نَفَسين.\nوهذه وإن لم تكن نصوصًا، فظواهرُ يجِبُ حملُها على حقائِقها، لأنَّا مُتعبَّدون باعتقادِ الظَّاهرِ، ما لم يَمنع مانع، ولا مانع هاهنا، فإنَّ القدرة صالحة،\n_________\n(^١) انظر «تهذيب اللغة» (١٥/ ٤١٨).\n(^٢) انظر «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢/ ٢٦٩).\n(^٣) «شرح النووي على مسلم» (١٧/ ١٨١).","vol":"2","page":896},{"text":"والعقل يجوِّز، والظَّواهر قاضيةٌ بوقوع ما صَوَّره العقل، وقد وَقع مثل هذا قَطعًا في الدُّنيا، كتسليمِ الشَّجر، وتسبيحِ الحَصا في كفِّ النَّبي ﷺ وفي يدِ أصحابه.\nولو فُتِح باب المَجاز والعُدول عن الظَّواهر في تفاصيلِ المقالة، لاتَّسع الخرق، وضَلَّ كثير مِن الخلق عن الحقِّ» (^١).\nفالحاصل أنَّ ما في هذه النُّصوصِ من المحاجَّة جاريةٌ على التَّحقيق، وعلى فَرضِ احتمالِ الآية لكلا الحقيقةِ والمجاز، فقد جاءت السُّنة تُعيِّن المُرادَ منهما، فوَجب الأخذُ بها مُبيِّنةً، وطرح أيِّ اجتهادٍ عداها.\nومع كونِ «جُلِّ المفسِّرين على أنَّ القولَ في الآيةِ حقيقةٌ» (^٢)، فقد نَحى بعضُ المفسِّرين إلى تأويلِ الآية على المجاز، فنَفوا حقيقةَ الحوارِ بين الله تعالى والنَّار (^٣)، وآخرونَ منهم توقَّفوا في ترجيحِ المُراد (^٤)، إلَّا أنَّهم لم يُقدِموا على ما أقدمَ عليه هؤلاء المُحدَثونَ من الغَمزِ في الحديثِ! إذ كانوا أعقلَ وأكثر اتِّساقًا مِن أن يُنكروا لفظَ خَبرٍ مثلُه كائنٌ في كتابِ الله.\nأمَّا قول المُنكرِ في المعارضة السَّادسة أنَّ في الحديث تبرُّمَ الجنَّة مِمَّن فيها من الضَّعفة .. إلخ، فجوابه:\nأنَّ المَفهومَ مِن ظاهرِ الحديث معنَيان، لا أرى الحقَّ يحيد عن أحدِهما:\nالمعنى الأوَّل: أنَّ الجنَّة والنَّار تخاصَمتا في الأفضلِ منهما، فأقامَت كلُّ واحدةٍ منهما الحجَّة على أفضليَّتها.\nوهذا المعنى أبان عنه أبو زرعة العِراقيُّ (ت ٨٢٦ هـ) بقوله: «الظَّاهر أنَّ المُراد بتحاجُج الجنَّة والنَّار: تخاصمُهما في الأفضلِ منهما، وإقامةُ كلٍّ منهما الحجَّة على أفضليَّتها، فاحتجَّت النَّار بقهرِها للمُتكبِّرين والمتجبِّرين، واحتجَّت الجنَّة بكونِها مَأوى الضُّعفاء في الدُّنيا، عوَّضهم الله تعالى عن ضعفهم الجنَّة،\n_________\n(^١) «الانتصاف فيما تضمنه الكشاف - المطبوع بهامش الكشاف للزمخشري» (٤/ ٣٨٨).\n(^٢) «غرائب التفسير وعجائب التأويل» للكرماني (٢/ ١١٣٣).\n(^٣) انظر مثلًا «الكشاف» للزمخشري (٤/ ٣٩٢)، و«أنوار التنزيل» للبيضاوي (٥/ ٢٣٠).\n(^٤) انظر مثلًا «البحر المحيط» لأبي حيان (٨/ ١٢٦)، و«التحرير والتنوير» لابن عاشور (١٠/ ١٣١).","vol":"2","page":897},{"text":"فقطع ﷾ التَّخاصمَ بينهما، وبيَّن أنَّ الجنَّة رحمتُه، أي: نعمتُه على الخلق، .. وأنَّ النَّارَ عذابه النَّاشئ عن غضبه، وإرادةِ انتقامِه جلَّ وعلا» (^١).\nوالمعنى الثَّاني: أنَّ المحاجَّة والتَّخاصُمَ بينهما ليسَ للمغالبة، بل بمعنى حكاية كلٍّ منهما بما اختُصَّت به على وجهِ الشِّكاية (^٢)، كأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما تُنكِر ما ابتُليَت به.\nوهذا المعنى ما أميلُ إلى كونِه الأرجح -إن شاء الله تعالى- لسياق الحديث؛ فانظر كيف ردَّ عليهما الله تعالى فقال للجنَّة: «أنتِ رحمتي»، وللنَّار: «أنتِ عذابي»! وكأنَّ فيه إفحامًا لكلٍّ منهما بما اقتضته مشيئته ﷾، بألَّا مَشيئة لهما إزاء مَشيئته.\nوفي تقريرِ هذا المعنى، يقول الكُورَانيُّ (ت ٨٩٣ هـ) في مَعرضِ ردِّه على أربابِ المَعنى الأوَّل: «إنَّ الخصام هنا مَجاز عن الشِّكاية، ألا تَرى إلى قول كلِّ واحدةٍ: (ما لها لا يدخلها إلَّا كذا -قول الجنة- من الضُّعفاء والسَّقط)، وقول النَّار: (ما لي لا يدخلني إلَّا المتكبِّرون والجبَّارون)؟ وهل يُعقل أن تفتخِر بمثلِ هذه الأشياء؟! وهل يُقال في معرضِ الافتخار: (ما لي)؟! ألا ترى قول سليمان: ﴿مَالِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]، كأنَّه يَرى نقصًا في مُلكِه! .. فقال الله للجنَّة: (أنتِ رحمتي، وللنَّار: أنت عذابي) أي: أنتما تحت مَشيئتي لا إرادة لكما» (^٣).\nوأمَّا استنكارُ المعترِض تنكُّرَ الجنَّة في الحديثِ لصِفاتِ مَن دخَلها، بكونِهم سَقطَ (^٤) النَّاس وضعفائِهم .. إلخ:\nفيُقال: إنَّ شكايةَ الجنَّة مِن صِفةِ ساكنِيها هو باعتبارِ الأغلب لا الكُلِّ، فلا يدخل في الشَّكوى الأنبياء، والمُرسلون، والملوك العادلة، والنُّبلاء مِن أهل\n_________\n(^١) «طرح التثريب» (٨/ ١٧٨).\n(^٢) انظر هذا المعنى في «الكاشف عن حقائق السنن» للطيبي (١١/ ٣٥٩٦)، و«إكمال إكمال المعلم» للأبيِّ المالكي (٧/ ٢١٧).\n(^٣) «الكوثر الجاري» للكوراني (١١/ ٢٥٠).\n(^٤) قال ابن هبيرة في كتابه «الإفصاح» (٧/ ٢٢٢): «سُمُّوا سَقطًا على معنى أنَّهم لا يُكرمون بصدر المجالس، ولا يُفتقدون إذا غابوا، ولا يعُرفون إذا حضروا، وهذا هو الأغلب من صفة أهل الجنَّة».","vol":"2","page":898},{"text":"العلم، ونحوهم، و«الأشياء تُوصَف بغالِبها، لأنَّ الجنَّة قد يدخُلها غيرُ الضُّعفاء، والنَّارُ قد يدخلها غير المتكبِّرين» (^١)، هذا أوَّلًا.\nوثانيًا: يمكن أن يُقال هنا: بأنَّ شِكاية الجنَّةَ هي مِن ذاتِ الصِّفاتِ، لا مِن المتَّصِفين بها، بمعنى أنَّها كرِهت أن يكونَ الضَّعف والمَسكنة صفةً لأهلها، وإن كانت هي في واقعِ الأمرِ فَرِحةً بهم، راضِيةً عن أشخاصِهم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٤٣٧).","vol":"2","page":899},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المَبحث الخامس نقد المعارضات الفكريَّة المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لآية: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾</span>","vol":"2","page":901},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المَطلب الأوَّل سَوق التَّفسير النَّبوي لآية: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾</span>\nفي هذه الآية، يقول النَّبي ﷺ فيما رواه عنه ابن عمر ﵁:\n«مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلَّا الله: لا يَعلم ما تَغيض الأرحام إلَّا الله، ولا يَعلم ما في غدٍ إلَّا الله، ولا يَعلم مَتى يأتي المَطر أحَدٌ إلَّا الله، ولا تَدري نفس بأيِّ أرض تموت إلَّا الله، ولا يَعلم متى تقوم السَّاعة إلَّا الله» (^١).\nوفي رواية: «مفاتيح الغَيب خمسٌ» ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» أخرجهما البخاريُّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾، رقم: ٧٣٧٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، برقم: ٤٧٧٨).","vol":"2","page":903},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ\nللتَّفسير النَّبوي لآية: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾</span>\nتَرجع مُجملُ نَقدَاتِ مُنكِري الحديثِ إلى أصلين:\nالأوَّل: ما تَعلَّق منها بجانبِ التَّفسير وكونِه مُصادمًا لنصِّ القرآن نفسِه.\nوالثَّاني: ما تعلَّق بجانبِ المكتشفاتِ العلميَّة الحديثة.\nفنقتصِرُ هنا على الأوَّل منهما لاندراجِه تحت موضوعِ هذا الفصلِ، والكلامَ عن الثَّاني نستوفيه في الفصل الثالث المُتعلِّق بالغيبيَّات -إن شاء الله-.\nأمَّا اعتراضاتُ المُعاصرينَ الخاصَّةِ بهذا التَّفسير النَّبوي، فتنحصر في أوجهٍ ثلاثة:\nالوجه الأوَّل: أنَّ في الحديثِ حصرَ مفاتحِ الغيبِ في خمسةٍ، والآية أطلَقت علمَ الله بالغُيوبِ، فدلَّت على عدمِ قصرِها على مجرَّد تلك الخمسة.\nوفي تقرير هذا الوجه من الاعتراضِ على الحديث، يقول (جواد عفانة): «أمَّا متنُ هذا الخبِر فتفسيرٌ خاطئٌ للآيةِ الكريمةِ، .. فكيف حَصَرها الرَّاوي بخمسةٍ فقط؟! .. ومَفاتح الغيب لا يعلَم عدَدَها وماهيتَها إلَّا الله!» (^١).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» (٢/ ١١٧٢، ٣/ ١٨٤١).","vol":"2","page":904},{"text":"الوجه الثَّاني: أنَّ الآيةَ لا تفيدُ اختصاصَ العلمِ بنزولِ الغيثِ، ولا العلمِ بما في الأرحامِ بالله تعالى وحده، كما يُفهِمه الحديث، بدلالةَ التَّغايرِ في التَّعبير في الآيةِ بين جملة إنزال الغَيث، فجاءت فعليَّة، وبين جملةِ (العلمِ بالسَّاعة) المَعطوفةِ عليها، حيث جاءت جملةً اسميَّة.\nوفي تقريرِ هذه الشُّبهة، يقول (جعفر السُّبحاني): «لا شَكَّ أنَّ النَّبي ﷺ إذا أخبرَ بأنَّ ثمَّة أمورًا خمسة لا يعلمها إلَّا الله، يحتَّم علينا القبول، لأنَّه خبر صادق مصدَّق، إنَّما الكلام إذا حاولنا استخراجَ هذا الخبر الغَيبيِّ مِن الآية الواردة في آخرِ سورةِ لقمان، فالظَّاهر أنَّ الآية لا تدلُّ على الانحصار إلَاّ في مَوارد ثلاثة:\nعلم السَّاعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.\nالعلمُ بما يكسِبه الإنسان في غَدِه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾.\nالعلمُ بالأرض الَّتي تموت فيها: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.\nهذه الأمور الثَّلاثة ممَّا استأثر الله سبحانه علمها لنفسه، وأمَّا الأمران الباقيان فلا دلالة في الآية على الاستئثار!\nأمَّا الأوَّل، أعني قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: فهو إخبارٌ عن كونِه سبحانه مُنزِّلَ الغيث، ولا دلالةَ في قولِه على استئثارِ علمِ النُّزولِ بنفسه، ويشهد لذلك تغيير الصِّيغة بين المعطوف عليه والمعطوف، فالمعطوف عليه جملة اسميَّة ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، والمعطوف جملة فعليَّة ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، فلو كانت الجملة الثَّانية هادفةً لبيانِ الانحصار، كان الأنسبُ أن يقول: (ونزولُ الغيث)!\nوأمَّا الثَّاني: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾: فهو بصددِ إثباتِ العلمِ لله سبحانه، لا بصددِ النَّفيِ عن غيرِه، واستفادة النَّفي منه يحتاج إلى دليلٍ قاطعٍ» (^١).\nالوجه الثَّالث: لو كان هذا الحديث وَحيًا حقًّا، لما استُعمِل لفظُ (المَطَر) فيه بَدلَ لفظ (الغَيث)، فهو الَّذي جاءَ في الآية، إذْ دلالةُ الأوَّل في القرآنِ على الشَّر، ودلالة الثَّاني فيه على الخير.\n_________\n(^١) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٤١٥ - ٤١٦).","vol":"2","page":905},{"text":"حتَّى جَعلَ (نيازي عزُّ الدِّين) هذا الوجهَ قاطعًا على وضعِ الحديثِ! مُدَّعيًا جهلَ راويهِ بأسلوب القرآن، فتراه يقول: «.. إنَّ راويَ الحديث وضَعَ بصمة التَّأليفِ بيدِه في قوله: «وما يدري أحدٌ متى يجيء المَطر»، فإنَّ الله سبحانه لم يستخدِم في كلِّ القرآن كلمةَ المطر إلَّا غَضبًا على العِباد، أمَّا إذا كان خيرًا استخدمَ الغيث!\nفلو كان -فِعلًا- وَحيًا ثانيًا مِن السَّماء كما يدَّعي أهل العلم مِن السُّنة، لوَجَب أن لا يَتناقض مع القرآن في استخدامِ الكلمات، ولوَجَب أن يلتزم في هذا الوحيِ كما التزم في الوحي الأوَّل!» (^١).\n_________\n(^١) «دين السلطان» (ص/٣٢٣).","vol":"2","page":906},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>المَطلب الثَّالث دَفع المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ عن حديث: «مفاتح الغيب خَمسٌ»</span>\nأمَّا جواب الوجه الأوَّل مِن أوجهِ ردِّ هذا الحديث، في دعوى المُعترضِ مخالفةَ الحديثِ القرآنَ بتقييِده لمفاتح الغيب في خمسة:\nفإنَّ المُتحقَّق علمُه عند الرَّاسخين في علمِ الوَحيَيْن، أنَّ أوْلى ما سَلكوه مِن طُرقٍ لتَفسيرِ كلامِ الله كلامُ الله نفسُه، ثمَّ تفسيرُهم إيَّاه بكلامِ أعلَمِ الخلقِ به ﷺ.\nومِن جميلِ مُوافقاتِ هذا الحديثِ وفضائلِه، أنَّه جَمَع بين هذين المَسلَكينِ الحُسنيَيْن؛ فإنَّ فيه تفسيرًا نَبويًّا لِما أُجمِل في القرآنِ بالقرآنِ، وهذا الرَّبطُ النَّبويُّ بين الآيَتين لا ريبَ في حُرمةِ فَكِّه ولو باجتهاد، اللَّهم إلَّا عند مَن لا يرفعُ للسُّنةِ رأسًا، فهؤلاء حَقُّهم أن يُرجَع بهم إلى أصولِ الإسلامِ بقناعة، واستِتابتِهم عن غيِّهم وشذوذِهم عن الجماعةِ.\nأقول هذا؛ لأنَّ مثلَ (جواد عفانة) حينَ تَأبَّط شرَّ هذه الشُّبهة، كان قد لهجَ بقدرِ السُّنة قبلُ وتبرَّم مِن إنكارها، ولا يَفتأ يُذَكِّر مُعجَبيهِ بـ «أنَّ الذِّكرَ هو القرآن، وأنَّ السُّنةَ هي بيانُه، بما يُفهَم منه أنَّ السُّنة تبيِّن القرآن: تُفصِّل بعضَ مُجملِه، وتقيِّد بعضَ مُطلقِه، وتخصِّصُ بعض عمومِه، ولا شيء غيره» (^١).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» (١/ ١).","vol":"2","page":907},{"text":"فأين تَقريرُه الحلوُ هذا مِن مَرارةِ إنكارِه تفسيرَ آيةٍ بسُنَّةٍ تَلقَّتها الأمَّة بالقَبول؟! لكنَّه الفَهمُ السَّقيم حين يَتجَرَّع الهَوى، فيجعلُ الدَّاءَ في أصلِ الدَّوَا؛ والهادي هو الله.\nفلننظُر بعدُ إلى حديثِ أبي هريرة هذا: هل فيه حصرٌ لمَفاتح الغيبِ في خمسةٍ بعينِها، دون أن يشملَ ذلك عالمَ الغَيبِ كلِّه، كما يدَّعي المعترض؟\nإنْ كان قولُه تعالى المُجمَل: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ ...﴾ دَالًّا على شُمولِ علمِ الله تعالى لكلِّ شيءٍ، بَدءً مِن الكُليَّات وما عَظُم منها -وهي مفاتح الغيب-، إلى الجزئياتِ الدَّقيقة وما خَفي منها: فغايةُ ما في الآيةُ الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ...﴾ تفصيلُ أصولِ تلك الغَيبيَّاتِ في الآية السَّابقة، بحصرِها في خمسةٍ كبرى ترجع إليها سائر المُغيَّبات.\nبيان ذلك:\nفي أنَّ تخصيصَ الحديثَ لتلكم الخمسةِ المذكورةِ فيه بلفظِ: «مَفاتح الغيب»، إنَّما هو باعتبارِ أنَّ تلك الخمسة هي «الأمَّهات، فإنَّ الأمورَ إمَّا أن تَتَعلَّق:\nبالآخرة: وهو عِلم السَّاعة.\nأو بالدُّنيا: وذلك إمَّا مُتعلَّق: بالجمادِ المَأخوذِ مِن الغَيب.\nأو بالحيوانِ في مَبدئِه: وهو ما في الأرحام.\nأو معاشِه: وهو الكَسب.\nأو معادِه: وهو المَوت» (^١).\nوهذا ما قرَّره ابنُ عطيَّة مُرادًا للحديثِ بقوله: «لن تجِدَ مِن المُغيَّبات شيئًا إلَّا هذه -يعني الخمسة- أو ما يُعيده النَّظرُ والتَّأويلُ إليها» (^٢).\n_________\n(^١) «فيض القدير» للمناوي (٥/ ٥٢٥).\n(^٢) «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٥٦).","vol":"2","page":908},{"text":"أمَّا وجهُ التَّعبير عنها بالمفاتيحِ: فـ «لتقريبِ الأمرِ على السَّامع، لأنَّ كلَّ شيءٍ جُعل بينك وبينه حجابٌ فقد غُيِّب عنك، والتَّوصُّل إلى معرفتِه في العادةِ مِن الباب، فإذا أُغلِق الباب، احتِيج إلى المفتاح، فإذا كان الشَّيء الَّذي لا يُطلَّع على الغيبِ إلَّا بتوصيله لا يُعرَف موضعُه، فكيف يُعرف المُغيَّب؟!» (^١).\nثمَّ دعوى المُعترضِ في الوَجه الثَّاني عدمَ دلالةِ الآية على استئثارِ الله تعالى بعلمِ نزولِ الغيث وما في الأرحامِ:\nلا يقوم على ساقِ العقلِ لكلامِ اللهِ ورسولِه، وهو مُنكر مِن القَولِ، لم ينبِس به أحدٌ مِن الأوَّلين والآخرين مِن أهلِ المِلَّة، وإجماعُ أهلِ السُّنة قائمٌ على اختصاصِ علمِ الله تعالى بهذه الخمسِ.\nومجادلةُ المعترضِ بتَغايُرِ صِيَغِ الجُمَل في الآية، ليَتوَسَّل بذلك إلى نَفيِ الاشتراكِ في المَذكوراتِ في معنى الحصرِ: قولٌ أجنبيٌّ عن أهل اللُّغة، يَأباه سياق الآيةِ نفسِها.\nفأمَّا لُغةً: فالأصل في (واو) العطفِ أن تفيد اشتراك المَعطوفِ في المعنى المُراد في المَعطوفِ عليه، ولا نزاع في دَلالةِ المعطوف عليه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ على الحصرِ، ومقتضى ذلك أن يَدلُّ ما عُطِف عليه، مِن إنزالِ الغيثِ والعلم بالأرحامِ على الحصرِ أيضًا.\nوأمَّا السِّياق: فالآية لم تُسَق إلَّا تمدُّحًا لله بالاختصاصِ، فإخراجُ بعضِ ما تشمَله دَلالةُ السِّياق إخلالٌ بما سِيق له، وهو منافٍ للبلاغة، وتفتيتٌ لتماسكِ الآية برُمَّتِها.\nوفي تقرير هذا الجواب، يقول العِراقيُّ (ت ٨٠٦ هـ): «إنَّه لو لم يكن مَعناه النَّفي (^٢) لقلَّت فائدتُه، لأنَّه تعالى عنده عِلم كلِّ شيء، فلا معنى لتخصيصِ هذه الأمورِ بالذِّكرِ إلَّا اختصاصُه بعلمِها» (^٣).\n_________\n(^١) نقله ابن حجر عن ابن أبي جمرة في «فتح الباري» (٨/ ٥١٤).\n(^٢) يعني نفيَ العلم بهذه الأشياء الخمسة في الآية عن غير الله.\n(^٣) «طرح التثريب» (٨/ ٢٥٥).","vol":"2","page":909},{"text":"أمَّا كون المَعطوفِ عليه جملةً اِسميَّة مُغايرًا لفعليَّةِ المَعطوف: فليس في ذلك إبطالًا لِما قرَّرناه مِن وجوبِ الاشتراكِ، بل هو مُثبتٌ لها مع زيادةِ فائدة، وذلك:\nأنَّ الجملة الفِعليَّة المَعطوفة ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ تقديرُها: وإنَّ الله يُنزِّل الغيث، «وهذا يُفيد التَّخصيصَ بتنزيلِ الغَيثِ، والمقصود أيضًا عنده: علم وقتِ نزولِ الغيث، وليس المقصود مُجرَّد الإخبارَ بأنَّه يُنزِّل الغيث، لأنَّ ذلك ليس ممَّا يُنكرونه، ولكن نُظِمت الجملة بأسلوبِ الفعلِ المضارعِ، ليحصُلَ مع الدَّلالةِ على الاستئثارِ بالعلمِ به الامتنانُ بذلك المَعلوم الَّذي هو نعمة، وفي اختيارِ الفعلِ المضارعِ إفادةُ أنَّه يُجدِّد إنزالَ الغيثِ المرَّة بعد المرَّة عند احتياج الأرض ..\nوعُطِف عليه ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾، وجِيء بالمضارع فيه: لإفادةِ تكرُّرِ العلمِ بتَبدُّل تلك الأطوار والأحوال، والمعنى: ينفرِد بعلمِ جميع تلك الأطوار الَّتي لا يعلَمُها النَّاس، لأنَّه عطفٌ على ما قُصِد منه الحَصر، فكان المُسنَد الفِعليُّ المتأخِّر عن المسند إليه مُفيدًا للاختصاصِ بالقرينة» (^١).\nوأمَّا رَدُّ المُعترِض للحديثِ في الوجهِ الثَّالث من المُعارضاتِ، بدعوى أنَّ الحديث استعملَ لفظَ (المطر)، فخالفَ استعمالَ القرآنِ له في العَذابِ:\nفإنَّ قولَنا بأنَّ السُّنة وَحي ثاني، لا يَلزم منه تطابُق ألفاظِه مع ألفاظِ الوَحي الأوَّل، فلِكلٍّ خَصائصه الَّتي تُميِّزه، ومَفادُهما واحدٌ لا اختلافَ فيه.\nوألسنةَ العَرب قد جَرت على الإبدالِ بين لَفظي (المَطَر) و(الغَيثِ) بلا غَضاضة (^٢)، وجاءت بذا الأخبار النَّبويَّة نفسُها عن الجَمٍّ الغَفيرٍ مِن أربابِ البَيانِ وفَصيحِ اللِّسانِ، ما سمِعنا أحدًا منهم اعترَض على الحديثِ كاعتِراضِ مَن ابتُلينا به مِن مُتفيهِقةِ الزَّمَان.\n_________\n(^١) «التحرير والتنوير» لابن عاشور (٢١/ ١٩٧).\n(^٢) انظر «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس (٥/ ٣٣٢)، و«لسان العرب» لابن منظر (٥/ ١٧٨).","vol":"2","page":910},{"text":"وأمَّا دعوى أنَّ لفظَ (المَطر) لم يَجِئ في القرآن إلَّا للعذابِ: فإنَّ استعمال القرآنِ للمَطرِ في العَذابِ أغْلَبيٌّ (^١)، ودعوى الاطِّرادِ يَرُدُّها القرآنُ في نحرِه، ويُكذِّبُ صاحِبَها في وجهِه، صادِحًا في أُذنِه بقولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]!\nوبقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]!\nفإنْ جَعَل الإمطارَ في الآيتين عَذابًا، فقد تُوُدِّع مِن عقلِه، وانتهت مقاولةُ مثلِه.\nوالحمد لله على هدايتِه بفضلِه.\n_________\n(^١) انظر «التحرير والتنوير» (٨/ ١٨٤).","vol":"2","page":911},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المَبحث السَّادس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للتَّفسير النَّبوي لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾</span>","vol":"2","page":913},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>المَطلب الأوَّل سَوق التَّفسير النَّبوي لقولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾</span>\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النَّبي ﷺ يقول: «يَكشِف ربُّنا عن ساقِه، فيسجُد له كلُّ مؤمنٍ ومؤمنة، فيبقى كلُّ مَن كان يسجد في الدُّنيا رياءً وسمعةً، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طَبقًا واحدًا»؛ أخرجه البخاريُّ (^١).\nوفي رواية مسلم: «.. فيكشفُ عن ساقٍ، فلا يبقى مَن كان يسجدُ لله مِن تلقاء نفسِه إلَّا أذِن الله له بالسُّجود، ولا يبقى مَن كان يسجد اتِّقاءً ورياءً إلَّا جَعل الله ظهره طبقةً واحدةً» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: تفسير القرآن، باب: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾، رقم: ٤٩١٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (ك: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، رقم: ٣٠٢).","vol":"2","page":915},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ للتَّفسير النَّبوي لآيةِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾</span>\nاعتُرضَ على حديثِ أبي سعيدٍ هذا بثلاثِ مُعارضاتٍ تَقضي عند أصحابِها بنكارةِ متنِه:\nفأمَّا المعارضة الأولى فقالوا فيها: إنَّ التَّعبيرَ القرآنيَّ بالكَشف عن السَّاقِ استعارة لغويَّة، وغَرَض الآيةِ تَصويرُ هَوْلِ المَشهدِ يَومئذٍ وشِدَّتِه، بينما الرَّاوي يجعلُ هذا التَّعبيرَ المَجازيَّ في الآيةِ حقيقةً في روايتِه، وينسِبُه صِفةً لله تعالى.\nوفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (إسماعيل الكُرديُّ):\n«مِن الواضح أنَّ الرَّاوي يُحاول أن يُفسِّر بهذا الحديث قولَه تعالى في سورة القَلم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، مع أنَّ معنى الآية يختلِف تمامًا عن المعنى الَّذي يريد إثباتَه! فالآية تتَحدَّث عن يومٍ عصيبٍ يُكشف فيه عن ساق، وهذا مَجاز عربيٌّ بَليغ مَعروف، يدلُّ على تعاظم الأمرِ واشتدادِ هولِه، وهو ما فَسَّر به عبد الله بن عبَّاس الآيةَ» (^١).\nوأمَّا المعارضة الثَّانية: أنَّ في هذا الحديث ذِكرًا لاختبارٍ يَجري للنَّاس يومَ القيامة، مع أنَّ الآخرةَ إنَّما هي دارُ جَزاءٍ لا دارَ اختبار كالدُّنيا.\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد متن الحديث» (ص/٢٠٣ - ٢٠٤).","vol":"2","page":916},{"text":"وفي تقرير هذا الاعتراض الثَّاني، يقول (محمَّد الغزالي): «قالوا: إنَّ السَّاق هي العَلامة الَّتي يَعرِف بها المؤمنون ربَّهم في امتحانِ عَصيبٍ يجري لهم يوم القيامة .. وليست الآخرة دارَ اختبارٍ، إنَّ الاختبار تمَّ في الدُّنيا، كما جاء في البخاري: اليومَ عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عَمل» (^١).\nوأمَّا المعارضة الثَّالثة: فإنَّ في نِسبة السَّاقِ صِفةً لله تعالى تَشبيهًا له سبحانه بصفاتِ خلقِه، وهو منافٍ للتَّنزيه الواجب له عقلًا وشرعًا.\nفبعد أن ذَكَر (الغَزاليُّ) ما وَرد عن ابنِ عبَّاس ﵁ في تفسيرِ الآيةِ بالشِّدة، قال:\n«ما نعرفُ إلَّا هذا التَّفسيرَ للوَحيِ الكريم؛ حتَّى جاء بعضُ المُولَعِين بمشكلِ الحديثِ وغريبِ الرِّوايات، فذكروا كلامًا آخرَ لا بدَّ مِن كشفِ حقيقته، لخطورةِ مَضامينه وشذوذها عمَّا يَعرف علماء المسلمين ..».\nوبعد أن ساقَ حديثَ أبي سعيدٍ ﵁، استشنعَ متنَه بأنْ قال:\n«هذا سِياقٌ غامضٌ، مضطربٌ، مبهَمٌ، وجمهور العلماءِ يرفضُه، ..\nوالحديثُ كلُّه مَعلول، وإلصاقُه بالآيةِ خَطأ، وبعضُ المَرضى بالتَّجسيمِ هو الَّذي يُشيع هذه المَرويَّات!» (^٢).\n_________\n(^١) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٥٣).\n(^٢) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٥٢).","vol":"2","page":917},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>المَطلب الثالث دفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن التَّفسير النَّبويِّ لآيةِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾</span>\nأمَّا دعوى المُنكرِ في شُبهتِه الأولى كونَ التَّعبيرِ في الآية مجرَّدَ استعارةٍ لُغويَّة .. إلخ:\nفيُقال في الجواب عنه:\nفلا يُنكَرُ قِدَمُ الخلافِ في تفسير هذه الآية مِن سورةِ القَلم مُنذ زَمنِ السَّلف، فقد «قال جماعةٌ مِن الصَّحابةِ والتَّابعين مِن أهلِ التَّأويل: يَبدو عن أمرٍ شديدٍ» (^١)، وهو مَنقولٌ عن ابنِ عبَّاس ﵁ وبعضِ أصحابِه، نزوعًا منهم إلى أساليبِ العَربِ في التَّعبِير.\nوأصل ذلك: أنَّ الرَّجل كان إذا وَقَع في أمرٍ عظيمٍ يحتاج إلى معاناةٍ وجِدٍّ فيه: شَمَّر عن ساقِه، فاستُعيرت السَّاق في موضعِ الشِّدة (^٢).\nونَحا جماعةٌ آخرون مِن الصَّحبِ الكِرامِ إلى روايةِ مثلِ ما في حديثِ\n_________\n(^١) «جامع البيان» للطبري (٢٣/ ١٨٦).\n(^٢) «البرهان في علوم القرآن» للزركشي (٢/ ٨٤).\nوقيل أصله: أن يموت الولد فى بطن النَّاقة، فيدخل المذمر يدَه فى رحِمها، فيأخذ بساقه فيخرجه، فهذا هو الكشف عن السَّاق، فجُعل لكل أمر فظيع، انظر «بصائر ذوي التمييز» للفيروزآبادي (٣/ ٢٨٠).","vol":"2","page":918},{"text":"أبي سعيدٍ في كونِ المَكشوف هو ساقٌ هي صِفةٌ لله تعالى، رُوي ذلك عن ابن مسعودٍ، وأبي هريرة ﵃ (^١).\nوالمقرَّر عند أربابِ أصولِ التَّفسير بالإجماع (^٢): أنَّ الخِلافَ إذا وَقَع في تفسيرِ مُجملِ آيةٍ من كتابِ الله، وكان فيها مِن النَّبي ﷺ بَيانٌ عنه صَحيح، فلا شكَّ أنَّ السُّنة قاضيةٌ في هذا المَقامِ.\nوإنَّما مناطُ الخلاف: في ما إذا كانَ الحديثُ ظاهرًا في تفسيرِ آيةٍ لا نَصًّا فيها، ففي هذه الحالة يُحتمَل الخلاف؛ وما نحن بصَددِ دراستِه مِن حديثِ أبي سعيد ﵁ مِن أوضحِ الأمثلةِ على هذه المسألة! ذلك أنَّ ابنَ عبَّاس ﵁ وإن نَحا في تفسيرِ الآيةِ مَنحًى لُغوِيًّا، وغيرُه أخَذَ فيها بما صَحَّ مِن خبرٍ مَرفوعٍ، فإنَّ ابن عبَّاس ومَن تبِعه لا يُعَدُّون بذا مُخالِفين للتَّفسيرِ النَّبوي نفسِه؛ فإنَّ الحديثَ وإن كان التَّشابه بينه وبين الآيةِ ظاهرًا، لكنْ لم يَنُصَّ صَراحةً على كونِه تَفسيرًا للآية! فتَرجِعُ المسألة حينئذٍ إلى الاجتهادِ.\nوفي تقرير هذه القاعدة في خلافِ المُفسِّرين، يقول ابن تيميَّة:\n«الصَّحابة ﵃ قد تَنازعوا في تفسيرِ الآية: هل المُراد به الكشفُ عن الشِّدة؟ أو المُراد به أنَّه يَكشف الرَّبُ عن ساقِه؟\nولم يتنازع الصَّحابة والتَّابعون في ما يُذكر مِن آياتِ الصِّفاتِ إلَّا في هذه الآية، بخلاف قولِه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [الرحمن: ٢٧] ونحو ذلك، فإنَّه لم يَتنازَع فيها الصَّحابة والتَّابعون.\nوذلك أنَّه ليس في ظاهرِ القرآنِ أنَّ ذلك صِفةٌ لله تعالى، لأنَّه قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، ولم يقُل: (عن ساقِ الله)، ولا قال: (يكشف الرَّب عن ساقِه)، وإنَّما ذَكَر ساقًا مُنكَّرة غيرَ مُعرَّفة ولا مُضافة، وهذا اللَّفظ بمجرَّدِه لا يدلُّ على أنَّها ساقُ الله.\n_________\n(^١) «جامع البيان» (٢٣/ ١٨٩).\n(^٢) انظر «مناهل العرفان» للزرقاني (٢/ ٢٣).","vol":"2","page":919},{"text":"والَّذين جَعلوا ذلك مِن صِفات الله تعالى، أثبتوه بالحديثِ الصَّحيحِ المفسِّرِ للقرآن، وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرَّج في «الصَّحيحين»، الَّذي قال فيه: فيكشِف الرَّب عن ساقِه» (^١).\nفعلى ذلك، أمكننا القولُ بأنَّ الباعثَ لابنِ عبَّاس ﵁ ومن تبعه إلى استعمالِ العُرفِ اللُّغويِّ في تفسيرِ هذه الآية، وتركِ اعتمادِه على الخَبرِ النَّبوي، أحدُ اعتبارين:\nالأوَّل: إمَّا أنَّ الحديثَ لم يَبلُغهم، فحمَلوا الآيةَ على المَعهود عندهم مِن لسانِ العَرب (^٢).\nالثاني: أنْ يكون عارِفًا بالحديثِ، لكن رأى أنَّ النَّبي ﷺ عنَى أمرًا آخرَ لم يتقصَّد به تفسيرَ الآيةِ، فكأنَّ الآيةَ ليست عند ابن عبَّاسٍ مِن آيات الصِّفات أصلًا.\nوأصل اعتباري لهذا الثَّاني، راجعٌ إلى أنَّ التَّشابهَ وإن كان مَوجودًا بين الآية والحديث، إلَّا أنَّه شَبَه جُزئيٌ لا كليٌّ، بدلالةِ الظَّاهرِ مِن حديثِ أبي سعيد نفسِه، إذْ فيه: أنَّ مَن يُكشف لهم السَّاق أهلُ الإيمانِ أو مُدَّعِيه مِن المنافقين؛ أمَّا الكُفَّار الصُّرَحاء فقد تبِعوا مَعْبوداتِهم إلى النَّار؛ في حين أنَّا نرى سياقَ الآيةَ في سورةِ القَلم جاءَ كلُّه في الكفَّار، والسُّورة مَكيَّة تخاطِبهم، والنِّفاقُ لم يَظهر بعدُ!\nفبهذا رجَّحْنا أنَّ المُرادَ مِن الحديث غيرُ منطبقٍ على الآيةِ بالتَّمام، فليس هو نَصًّا في تفسيرِها (^٣).\n_________\n(^١) «بيان تلبيس الجهمية» (٥/ ٤٧٣).\n(^٢) وهذا ما ذَهب إليه مساعد الطَّيار في رسالتِه للدُّكتوراه «التَّفسير اللُّغوي للقرآن الكريم» (ص/٨٧).\n(^٣) وهذا منِّي خلاف ما ذهب إليه (أحمد نوفل) الأردني في كتابِه «يوم يكشف عن ساق» (ص/١٠٢ - ١٠٣) مِن نفيِ التَّفسير عن حديث أبي سعيد الخدري للآية: «بكون الآية مكيَّة، والحديث مدنيٌّ، حيث أنَّ راويه من أهل المدينة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلا يصلح أن يكون الحديث مفسِّرًا للآية من الأساس»: فهي عَجلة منه أوقعت به في حفرة أغلاط!\nفكون الرَّاوي مدنيًّا لا يقتضي أنَّ ما رواه من الحديث لم يقله النَّبي ﷺ إلَّا في المدينة.\n\nكما لو وجدنا حديثًا من رواية صحابيٍّ ما، لا يقتضي ذلك انحصار سماع الحديث فيه، فرُبَّ حديث يسمعه كثرة من أصحابه، فلا يرويه منهم إلَّا البعض، ثمَّ لا يبلغنا إلَّا واحدٌ منهم!\nثمَّ الصَّحابي قد يسمع الحديثَ من صحابي آخر سمعه من النَّبي ﷺ في مكَّة فيُرسل عنه.\nهذا من النَّاحية التَّأصيليَّة في ردِّ استدلالِ نوفل.\nأمَّا فيما يتعلَّق بحديث السَّاق بخصوصه: فقد رواه عن النَّبي ﷺ غير أبي سعيد، فقد ثبت عن ابن مسعود أيضًا، في «تفسير عبد الرزاق» (٣/ ٣٣٥) و«المعجم الكبير» للطبراني (٩/ ٣٥٧، برقم: ٩٧٦٣) وغيرهما، ومَعلوم أنَّه من أوائل من أسلَم في مكَّة، فانخلعت بذا الشُّبهة مِن أساسها.","vol":"2","page":920},{"text":"وبه يُعلَمُ أنَّ ابنِ عبَّاس ﵁ وإن نَحى في تفسيرِ الآيةِ على نَحوِ أهلِ اللُّغةِ، فإنَّ ذلك منه غيرُ مُقتضٍ لنفيِ نفسِ الصِّفةِ المذكورة في الحديث، وقد وردَت هي في خبرٍ آخر عن الشَّارع، فإنَّ انتفاءَ الدَّليل المُعيَّن لا يقتضي انتفاءَ المَدلول (^١).\nومِن ثَمَّ قُلنا: إنَّ تفسيرَ ابن عبَّاس ﵁ ومَن تبِعه للآيةِ ليس تأويلًا منه للصِّفة كما تَوهَّمه عنه مَن لم يفهم كلامَه، فليست الآية نَصًّا في ذلك؛ إنَّما أخذ ابن عبَّاس بظاهرِ اللَّفظِ بما يتبادر إلى ذهنِ العَربيِّ إذا خُوطبِ بمثلِه، وهذا الطَّريقُ يُلجَأون إلى سلوكِه في حالِ لم يجدوا في نصوصِ الوَحيِ ما يُبِين عن المُرادِ منها (^٢).\nوحاصل الكلام في هذا المقام: أنَّ السَّببَ الحقيقيَّ في اختلافِ المتأخِّرين في هذه الآيةِ يرجع إلى اختلافٍ في الرِّوايةِ عن السَّلف:\nفمَن ذَهب إلى اعتمادِ الحديثِ تفسيرًا للآية، باعتبارِ التَّشابه الظَّاهرِ بينهما، فهو يَرى أنَّ النَّبي ﷺ قد حَدَّد المدلولَ المُراد من لفظِ السَّاقِ في الآية، فقائلُ هذا سائغٌ قولُه، وله فيه أئِمَّتُه.\n_________\n(^١) مثالُ هذا رواه الطَّبري في «تفسيره» (٢/ ٤٥٧) عن مجاهد بن جبر في تفسيرِ قولِ الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، قال مجاهد: «فثَمَّ قِبلةُ الله»؛ فمَن قال مثلَ قولِه في الآية، مَنَع أن يكونَ لفظُ الوجهِ فيها ظاهرًا في الصِّفة، بل الوجهُ عنده فيها كالوِجهة، كما في الآية الأخرى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، ومَن أثبتَ أنَّها صِفة لله تعالى، سلَك طريقةً أخرى في إثباتِ ذلك، غيرَ أنَّهم مُتَّفقون جميعًا أنَّ الوجهَ صِفة ذاتيَّة لله ﵎؛ انظر «جواب الاعتراضات المصريَّة» (ص/١١٠).\n(^٢) انظر أثرًا صحيحًا عن ابن عباس ﵁ في ترتيب مصادر التفسير عنده في «المقدمات الأساسية في علوم القرآن» لعبد الله الجديع (ص/٢٨٦).","vol":"2","page":921},{"text":"ومَن ذَهب في تفسيرِ الآيةِ إلى اعتمادِ اللُّغة، ولم يَرَ الحديثَ واردًا لتفسيرِها: فقولُه سائغٌ، وله فيه أيضًا أئِمَّتُه (^١).\nالشَّاهد الأهمُّ مِن هذا كلِّه: أنَّ أحَدًا مِن هؤلاء الأئمَّةِ لم يَطعن في خبرِ أبي سعيدٍ ﵁ بأيِّ دعوًى كانت كما فَعَله المُحْدَثون!\nوأمَّا جوابُ المعارضةِ الثَّانية: في دعوى المُنكرِ للحديثِ كونَ الآخرةِ دارَ جزاءٍ، لا تَكليفَ فيها بسجودٍ ولا بغيرِه، فيُقال فيه:\nإنَّ ما استشهدَ به (الغزاليُّ) مِن كلامٍ أورده البخاريِّ في كتابِه، ليتوصَّل به إلى إبطالِ خبرٍ صحيحٍ، لا يَصِحُّ منه مَسلكًا علميًّا مُعتبرًا في النَّقدِ، لأمرين:\nأوُّلاهما: أنَّ الأثرَ الَّذي عَناه بالاستشهادِ، لا يصِحُّ مَرفوعًا إلى النَّبي ﷺ، كما قد يتوهَّمه مَن لا خبرةَ له بشأنِ مُصنَّفاتِ الحديث، بل هو مَوقوف على عليٍّ ﵁، ونسبة الغزاليِّ له إلى «الصَّحيح» مُطلقًا يُوهِم كونَه في «الصَّحيح» مُسندًا للاحتجاجِ، في حينِ أنَّ البخاريَّ قد ذَكَره مُعَلَّقًا، مُترجِمًا به أحدَ أبوابِ كتابِه لا غير (^٢).\nثانيهما: على فرضِ صِحَّةِ هذا الأثرِ عن عليٍّ ﵁ فإنَّ عمومَه غير مُراد، والاستدلال بالعُمومِ لنفيِ الخصوصِ لا يمشي عند الأصوليِّين، وعمومُ هذا الأثرِ يَقتضي قصْرَ الاختبارِ والتَّكليفِ في حالِ الدُّنيا فقط، ونَفْيَ ذلك عن النَّاسِ مُطلقًا مِن لحظةِ الموتِ إلى دخولِ إحدى الدَّارين!\nوهذا ما لا يقول به عالِم قَطُّ، ولا حَتَّى الغزاليُّ يقول به، فإنَّه يُثبِت سؤالَ المَلَكيَين للنَّاسِ في البَرزخ وفتنتهم (^٣).\n_________\n(^١) انظر «شرح مقدمة التسهيل» لمساعد الطيار (ص/١١٣).\n(^٢) أورد البخاري هذا الأثر عن علي في «صحيح» (٨/ ٨٩) بعد قوله: (باب: في الأمل وطوله)، ووصله ابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ١٥٨).\n(^٣) انظر «عقيدة المسلم» (ص/٢٠٩ - ٢١٠)، و«كيف نتعامل مع القرآن» كلاهما لمحمد الغزالي (ص/١١٦).","vol":"2","page":922},{"text":"ولذا كان الصَّحيح أن يُقال في هذا الباب: إنَّ التَّكليفَ أو الاختبارَ إنَّما يَنقطِعان عند دخولِ دارِ القَرار، أمَّا في البرزخِ وعَرَصاتِ يومِ القيامةِ فلا يَنقطع مُطلقًا، وهذا ما حكاه الأشعريُّ عن مذهبِ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ (^١)، بل عَدَّه بعضُ المُحَقِّقين مِن المَعلومِ مِن الدِّين بالضَّرورةِ (^٢).\nلكن هذا التَّكليف وقتئذٍ لا يَقتضي ترتيبَ ثوابٍ أو عقابٍ خاصَّيْنِ على المُكَلَّفين بالضَّرورة، بل الغايةُ منه إظهارُ حالِ المُختَبرين وتقريع مَن خالَف منهم، وهو بذا نوع عقوبة (^٣)؛ و«مَن لم يُكلَّف في الدُّنيا يُكلَّف في عَرصات القيامة، وهذا ظاهرُ المناسبةِ، فإنَّ دارَ الجزاءِ لا امتحانَ فيها، وأمَّا الامتحان قبل دارِ الجزاء، فمُمكنٌ لا مَحذور فيه» (^٤).\nهذا هو المَنقول عن علماءِ السُّنة والحديث، ونقَلَه ابن حجرٍ موافقًا له (^٥).\nوأمَّا دعواهم في الاعتراضِ الثَّالث: أنَّ ظاهرَ الحديث التَّشبيه والتَّجسيم.\nفالجواب عليه: وإن كان مُضمَّنًا في الجوابِ عن المعارضةِ الأولى آنفًا، فقد سَبق الإجابة عن شبيهِه عند الكلامِ عن شبهةِ مَن نَفَى (صِفة القَدم) في مَبحثٍ قبل هذا: في كونِها تُثبَت لله تعالى كما أثبتَها له نبيُّه ﷺ، مِن غير تَكييفٍ ولا تمثيل لها بصفةِ المَخلوقين، فإنَّ مثلَها مثلُ باقي الصِّفاتِ الذَّاتية، والكلام في هذا الباب واحد، ما يُقال في بَعضِ الصِّفاتِ، يُقال في البعضِ الآخر؛ فلا يُستفصل عن حقيقة ذلك وكيفيَّتِه، ويُفوَّض علم ذلك إلى الله.\n_________\n(^١) في سياقِ تقريره لامتحانِ الأطفالِ يوم القيامة، انظر «تفسير ابن كثير» (٥/ ٥٨).\n(^٢) «طريق الهجرتين» لابن القيم (ص/٤٠١).\n(^٣) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» لـ د. عيسى النعمي (ص/٥٧٤)\n(^٤) «جامع المسائل» لابن تيمية (٣/ ٢٣٨).\n(^٥) «فتح الباري» لابن حجر (٣/ ٢٤٦).","vol":"2","page":923},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>الفصل الثالث نقدُ دَعاوى المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديث المُتعلِّقة بالغَيبيَّات</span>","vol":"2","page":925},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>المَبحث الأوَّل نقد دعاوى المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث «مفاتيحُ الغيبِ خمسة»</span>","vol":"2","page":927},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>المَطلب الأوَّل سَوْق حديث «مفاتيحُ الغيبِ خمسة»</span>\nقول الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].\nفسَّره النَّبي ﷺ بآية أخرى في كتاب الله تعالى، فيما رواه ابن عمر ﵁ عنه ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلَّا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلَّا الله، ولا تدري نفس بأيِّ أرض تموت إلَّا الله، ولا يعلم متى تقوم السَّاعة إلَّا الله» (^١).\nوفي رواية عند البخاري: «.. ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام» (^٢).\nوفي رواية عند الشَّيخين قال ابن عمر: قال النَّبي ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس، ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: التوحيد، باب: قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا)، رقم: ٧٣٧٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الاستسقاء، باب: لا يدري متى يجيء المطر إلا الله وقال أبو هريرة: عن النبي ﷺ: «خمس لا يعلمهن إلا الله»، رقم: ١٠٣٩).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى (إن اله عنده علم الساعة)، برقم: ٤٧٧٨)، ومسلم (ك: الإيمان، باب: الإيمان ما هو وبيان خصاله، رقم: ٩).","vol":"2","page":929},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المَطلب الثَّاني سَوق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لحديث «مفاتح الغيب خمسة»</span>\nممَّا أورده المعارضون على حديثِ ابن عمر ﵁، شبهاتٌ تدَّعي معارضته لبعضِ مُكتشفاتِ العلومِ التِّقنيَّة الحديثة، فمِن ذلك:\nأوَّلًا: أنَّ الإنسان في هذا العصر المتأخِّر استطاع بواسطةِ ما اخترعه من آلاتٍ رصديَّة معرفةَ أوقات نزول الأمطار في مختلف البلدان، بل وأصبح قادرًا على استمطار الغيومِ نفسها، بما يسمُّونه (المطرَ الصِّناعي).\nثانيًا: أنَّه صار مِن السَّهل معرفة جنس الأجنَّة في الأرحامِ وعددها بتصويرها عن طريق تسليط نوعٍ مِن الأشعَّة الكاشفة على بطونِ الحوامل.\nفما دام أنَّ العلم البشريَّ قد توصَّل إلى معرفة هذه الأشياء، فلا يجوز إذن أن تكون قد كَشفتْ ما اختصَّ الله تعالى بعلمِه!\nيقول (جواد عفانة) في تقرير هاتين الشُّبهتين: «تُرى؛ لو كانت الآية تقول: ولا يُنزِّل الغيث إلَّا هو، ولا يعلم ما في الأرحام إلَّا هو، فما سيكون موقف المسلمين من القرآن هذه الأيَّام بعد أن صاروا هم أنفسُهم يستطيعون إنزالَ الغيث ومعرفة ما في الأرحام؟!» (^١).\n_________\n(^١) «دور السُنة في إعادة بناء الأمة» (ص/٢٣١).","vol":"2","page":930},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المَطلب الثَّالث دفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديثِ «مفاتح الغيب خمس»</span>\nتمهيد:\nلم يُمهِّد بعضُ الباحثين مِن مُعَظِّمي السُّنَن دراستَه لهذا الحديث بجمعِ النُّصوص الواردة في بابِه أوَّلًا قبل الخوضِ في إشكالاته سبيلًا لإزاحةِ شبهةِ التَّعارض بين ما ثَبت مِن الحقائق العلميَّة في علمِ الأجنَّة الحديث، والتَّفسيرِ الشَّائعِ لعلمِ ما في الأرحام؛ فلم يلبثوا أن أقحموا عِلمَ نوعِ الجنين وصفاتِه الخِلقيَّة في علم الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله حقيقةً! وكذا جَعلوا ذاتَ القدرةِ على إنزال المَطر مِن السَّحاب ممَّا اختصَّ به الله وحده؛ قد جعلوا هذا هو المُراد من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤].\nومن ثمَّ قالوا بنفيِ التَّعارض بين علم البَشر وعلمِ الله لمِا في الأرحام من جهة أنَّ عِلم البَشر علم جزئيٌّ ظنيٌّ، وأنَّ عِلم الله محيطًا شاملًا للذُّكورةِ، والأنوثةِ، والآجال، والأرزاق، والشقاوة، والسَّعادة، ونحو ذلك؛ وكذا جعلوا قدرةَ الله في إنزالِ المطرِ والعلمِ به كاملةً متحقِّقة، مقابل قدرةِ البشر النَّاقصةِ المُتوهَّمة.","vol":"2","page":931},{"text":"هكذا ارتآ بعض المعاصرين التَّوفيق بين الآية وما فهموه مِن الحديث، فأوقعهم هذا التَّفسير الخاطِئ في الخلطِ بين الغَيب المطلقِ المَقصور علمُه على الله تعالى وحدَه -المتمثِّل في مفاتح الغيب الخمس المذكورة في الحديث- وبين علمِ الله المحيط بعالم الشَّهادة مِن المَوجودات، والَّتي يُدرك بعضَه علمُ البَشر، بما يعلمونه مِن سننِ الكون والحياة! مع أنَّ الله تعالى قد فصل بين القضِيَّتين بجلاءٍ في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\nفقد دَلَّت هذه الآية على أنَّ مفاتح الغيبِ لا يعلمُها أحدٌ سِواه، وكذلك جملة ما في البرِّ والبَحر لا يعلمُ جميعَه أحدٌ سِواه، لكن لأنَّه مِن علمِ الشَّهادةِ، فقد يحصُل العلمُ ببعضِه لبعضِ خلقِه، مِمَّن توفَّرت لهم أسباب معرفته.\nوالنَّبي ﷺ قد أخبر أنَّ مفاتحَ الغيب المقصور علمُها على الله في هذه الآية هي الخمس الواردة في آية سورة لقمان، بتحديدٍ ظاهرٍ لا لبسَ فيه.\nفعلى هذا يكون العلمُ الأوَّل في الآية ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾: مِن الغيبِ المطلق المتعلِّق بالله سبحانه دون من سواه.\nوالعلم الثَّاني فيها ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...﴾ إلى آخرها: مِن الغَيبِ النِّسبيِّ الَّذي يمكن للمخلوقِ معرفتُه دون إحاطةٍ تامَّة، فهو علم شهادةٍ لِمن علِمه، وغيبًا لمِن فَقَدَ أسبابَ معرفتِه (^١).\nإذا تبيَّن هذا الفرق بين هذين العِلْمَين، فهل يُمكِن أن يعلمَ البَشر شيئًا مِن مَفاتحِ الغيب؟ والجواب أن يُقال:\nإنَّ كلمةَ العلماء مُجمعة على أنَّ مفاتح الغيب الخمسة لا يَعلمها إلَّا الله سبحانه، فلا يخضع أيٌّ منها في كُليَّاتِها وجُزئيَّاتها للسُّنَنِ الكونيَّة المطَّردة في عالم الشَّهادة، ولا يمكن لمخلوقٍ أن يَعلم أيَّ شيءٍ منها اعتمادًا على قوانين الاستكشافِ لهذا الكون المَنظور.\n_________\n(^١) انظر «علم الغيب في الشريعة الإسلامية» لـ د. أحمد الغنيمان (ص/٣٥ - ٣٦).","vol":"2","page":932},{"text":"يقول الطَّبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ﴾: «وعِند الله علم ما غابَ عنكم أيَّها النَّاس مِمَّا لا تعلمونه، ولن تعلموه، ممَّا استأثر بعلمِه نفسه، ويعلم أيضًا مع ذلك جميع ما يعلمُه جميعُكم» (^١).\nويقول ابن حجر: «المُراد بالغيبِ المَنفيِّ في قوله تعالى: ﴿قُل لَاّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ﴾ هو المَذكور في هذه الآية الَّتي في لقمان» (^٢).\nفنستخلص مِن هذا: أنَّ مَن اعتقدَ أنَّ العلمَ بنوعِ الجنينِ، هو المقصود بالآية مِن علمِ ما في الأرحام، وأنَّه مِن الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله: فقد أخطأَ الفهمَ عن الله ورسوله، بل هو مِن عالم الشهادة الخاضعِ لسُننِ المعرفةِ الَّتي بثَّها الله تعالى في خلقِه، والعلماء منذ القديمِ يقرُّون بإمكانِ معرفةِ جنسِ الجنينِ، لم يعدُّوا ذلك مَحظورًا معرفتُه على الخَلقِ.\nيقول العِراقيِّ: «قد يحصل لغير الأولياء مَعرفةُ ذكورةِ الحَملِ وأنوثتِه بطولِ التَّجارب، وقد يُخطِئ الظَّنُّ، وتَنخرم العادة» (^٣).\nوالَّذي أوقع بعض المُعاصرين في تلك المَزلَّةِ في الفهم: أخذه بمعنى العمومِ المستفادِ مِن الاسم المَوصول (ما)، في قولِه تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾، لتشملَ عنده معنى جنسِ الجَنين، مع ما يَتبادر في عُرفِ النَّاسِ إذا سألتهم عَمَّا في رَحمِ امرأةٍ حامل، دون تمعُّنٍ منه في ألفاظِ الحديث المفسِّر للآية الكريمة.\nشُبهة العِلمِ بوقتِ نزولِ المَطر:\nوأمَّا كون الإنسانِ قادرًا على معرفةِ أوقاتِ نزولِ الأمطارِ، كما يظهر في نَشراتِ الأخبار الجَويَّة: فإنَّ الَّذي نَطق به الحديث هو العلم بوقتِ نزولِ الغيث، وليس الظنَّ، أمَّا ما يَصل إليه المُختَصُّون في الأحوالِ الجَويَّة فقُصَاراه أن يكون\n_________\n(^١) «جامع البيان» للطبري (٩/ ٢٨٣).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٨/ ٥١٤).\n(^٣) «طرح التثريب» للعراقي (٨/ ٢٥٥).","vol":"2","page":933},{"text":"ظَنًّا غالبًا باعترافِهم هم، وكلُّنا يَعلم كثرةَ الأخطاءِ في تنبُّؤاتهم، مع ما تَوافر لديهم مِن آلاتٍ دقيقة، وبُدوٍّ لأسباب ما تَنبَّأوا به.\nذلك لأنَّ الجبهات الهوائيَّة، أو المنخفضات الجويَّة، قد تتلاشى، أو تتعمَّق، أو يتغيَّر اتِّجاهها وسرعتها بين لحظةٍ وأخرى فجأةً، دون سابق سَببٍ ظاهر، ولذا تراهم يُؤثِرون تسميةَ ما يتَكلَّمون به في هذا البابِ بـ (التَّوقُّعات)، فلا يجزمون فيه بشيءٍ.\nولو افترضنا جَدلًا أنَّ نسبةَ الخطأ في توقُّعاتهم مُنعدِم في ما يخصُّ نزولَ المطَر، فإنَّ هذه النِّسبة المنعدمةَ لن تكون إلَّا بعد حدوثِ الأسبابِ المباشرةِ الآنيَّةِ لنزولِ الأمطارِ؛ وهذا لم يَقع به التَّحَدِّي في الحديث، لأنَّ ذلك يظهر للعاميِّ أيضًا!\nفإنَّك ترى الفلَّاحَ يرى سَحابًا يُمطر أرضًا بعيدةً في الأُفق، وهو يجد الرِّياح وقتها تهبُّ بشدَّة جِهةَ أرضهِ أو بستانِه، فيعلم أنَّ ذلك السَّحابَ مُدركٌ أرضَه بالإمطارِ بإجراءِ الله تعالى العادة بذلك؛ فإذا قال هذا: ستُمطرُ على أرضي بعد قليل إن شاء الله، لم يُعدُّ بذلك مُعتديًا على ما اختصَّ الله بعلمِه.\nإنَّ العلم الكامل الحقَّ في هذا أن يُجزمَ بتشكُّلِ منخفضٍ جويٍّ في وقتِ كذا، ومكان كذا، بسرعة كذا، فينجم عنه سقوط أمطارٍ بقدرِ كذا، في ساعة كذا، بل في شهر كذا مِن عام كذا، ثمَّ يصدق قوله في كلِّ مرَّة! هذا الَّذي لا يستطيعه بَشرٌ.\nولو أنَّ مُذيعًا أخبرَ النَّظَّارة، بأنَّ يوم كذا، بعد عامينِ، يكون مَطيرًا، أو ملتهبًا بالشَّمس، لمَا شكَّ سامعوه أنَّها مَزحةٌ للتَّرويحِ عن نفوسِهم!\nوأمَّا عن استمطارِ السَّحاب المسمَّى بالمطر الصِّناعي:\nفحقيقته: أنَّه عبارة عن إنزالٍ لبخار الماء الموجود في الغيوم، بقذفها ببِلَّورات ثلجيَّة أو أبخرة مستخرجة من الفضَّة، مع شروطٍ أخرى متعلِّقة باتِّجاه الرِّياح، وحرارة الجوِّ، وقابليَّة السُّحب نفسها للإمطار، يساعد ذلك على تشكُّل","vol":"2","page":934},{"text":"النُّويَّات وتكاثف البخار حولها، ثمَّ تحوُّلها إلى قطرات ماء تسقط بعد ذلك، دون قدرة على التحكُّم في كمِّه أو مكانه أو زمانه (^١).\nوقد أشار الله تعالى إلى الأسباب المخلوقة الَّتي تتمُّ بها عمليَّة الإمطار في بضعِ آياتٍ من كتابه العزيز، منها قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٣].\nفهل يستطيع بَشَرٌ تحقيقَ هذه الأسباب، مِن تبخير تلك الكميَّات الضَّخمة من مياه البحار، ثمَّ تكثيفها في درجة برودة معيَّنة يُتحكَّم بها في جوِّ السَّماء، ثمَّ النَّفخ في الهواء لتوليدِ رياحٍ تنقل تلك السُّحب نحو الحقول والمزارع والسُّدودِ، ثمَّ التَّحكُّم في كميَّات المياه المنزلةِ الَّتي يحتاجونها من تلك السُّحب؟!\nغاية ما يفعله المُستمطِرون، أن يأتوا إلى السَّبب الأخير مِن تلك العمليَّة المرَكَّبة كلِّها، فيزوِّدوا الغيومَ المتشكِّلة ببعضِ المواد، تحفيزًا لها على إنزال ما تحمله مِن بخار ماء.\nفمَثَل ذلك منهم: كمَثل الفلَّاح مع زرعِه يُوفِّر له الظُّروف الملائمة للنُّمو، ويزيد فيه بعض الموادِ لتسريع نبْتِه، أو تكثير غلَّتِه، وليس في هذا ما ينفي أن يكون الزَّرع ممَّا اختصَّ به الله سبحانه على وجه الحقيقة: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤].\nلأجل ذلك، اِرتأى بعضُ علماءِ الأرصادِ الغَربيِّين تخطِئةَ تسميَّةِ هذه العمليَّة بالمطر الصِّناعي، لأنَّها عمليَّة في حقيقتِها لا تصنع مطرًا، واختاروا تسميتها بـ (التَّمطير الصِّناعي)، لأنَّها إنزال شيءٍ هو مَوجود أصلًا (^٢).\nومع هذا كلِّه؛ فإنَّ نتائج الاستمطار الصِّناعي لا تزال ضعيفةً إلى الآن، ولا يُمكن الجزم بنتائجِها، الَّتي لا تَتناسب أصلًا مع ضخامةِ الأموالِ الَّتي تُنفَق\n_________\n(^١) «الأرصاد الجويَّة» لمحمد الفندي (ص/١٥٦ - ١٥٧).\n(^٢) «الأرصاد الجويَّة» لمحمد الفندي (ص/١٧٤).","vol":"2","page":935},{"text":"عليها، وهو ما حالَ دون تعميمِها في البلدانِ الَّتي تحتاج إلى الأمطار، حتَّى تجد دُوَلًا متقدِّمةً كأستراليا، تلفحها سنينٌ عِجافٌ من الجفافِ، لا تلجأ إلى هذا الاستمطارِ الصِّناعيِّ، لمعرفتها بقلَّة جدواه أو عدمه.\nهذا مِنَّا كلُّه من بابِ مجاراة المعترضِ في مجادلتِه؛ وإلَّا فإنَّ قضيَّة الاستمطار خارجة عن محلِّ النِّزاع مِن الأساسِ! لأنَّ المقصور فعلُه على الله تعالى في حديث ابن عمر ﵁ هو: العلم بوقتِ نزول المطر، لا القدرة على إنزال المطرِ في ذاته!\nيتبيَّن هذا بصورةٍ أوضح في المقصود بالعلم الإلهيِّ المتعلِّق بما في الأرحام:\nحيث جاء الخبر عن رسول الله ﷺ في عدِّ مفاتح الغَيبِ بصيغتين اثنتين:\nالصِّيغة الأولى: تُشير إلى الغيوبِ الخمسة بذكرِ آيةِ سورةِ لقمان، وهي رواية عند البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: قال النَّبي ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس، ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ...﴾ [لقمان: ٣٤]» (^١).\nوهي أيضًا في «صحيح مسلم» من رواية ابن عمر في حديث جبريل الطَّويل (^٢).\nوأمَّا الصِّيغة الثَّانية مِن الخبر: فقد جاء فيها تفصيل الغيوب الخمس من لفظ النَّبي ﷺ نفسه، في قوله: «مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلَّا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلَّا الله، ولا تدري نفس بأيِّ أرض تموت إلَّا الله، ولا يعلم متى تقوم السَّاعة إلَّا الله» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى (إن اله عنده علم الساعة)، برقم: ٤٧٧٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (ك: الإيمان، باب: الإيمان ما هو وبيان خصاله، رقم: ٩).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: التوحيد، باب: قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا)، رقم: ٧٣٧٩).","vol":"2","page":936},{"text":"وفي رواية عند البخاري: «.. ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام» (^١).\nفنلحظ أنَّ الصِّيغتين قد اتَّفقتا في لفظ ثلاث مِن تلك الغيوب: في علمِ السَّاعة، وعدم درايةِ الأنفسِ لكسبِها، ومكان موتِها.\nوهذه الثَّلاثة غَيب مطلقٌ لا يعلمه إلَّا الله باتِّفاق، واختلفت الصِّيغتين في اثنتين الباقيتين: في إنزال المطر، وما في الأرحام.\nفالصِّيغة الأولى: أشارت إلى أن اللَّفظ العامَّ في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ هو مفتاح للغيبِ مِن غير تفصيل.\nأمَّا الصِّيغة الثَّانية: فقد عَدَلت عن عمومِ المعنى إلى قصدِ التَّخصيص، وذلك أنَّ النَّبي ﷺ قد حَدَّد معنى هذا المُجملِ مِن ذاك العمومِ في الآيةِ بقوله: «.. ولا يَعلم ما تغيضُ الأرحام إلَّا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ..».\nوإعمالًا للقواعد الأصوليَّة في مثل هذا المقام يكون الجمع بين النَّصين بحملِ العامِّ على الخاصِّ، أي بجعلِ (غَيض الأرحام) و(زمن الإمطارِ) هما الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله في الآية، فهما فقط مِفتاحا الغيبِ، لا مُطلقَ ما في الأرحام: مِن ذكورة، وأنوثة، وعلم بصفات الجنين، ولا مطلقَ إنزال الغيث الوارد في عموم الآية الكريمة؛ مع أنَّ في سورة الرَّعد إشارة إلى هذا المعنى المُخصَّص أيضًا، في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].\nفعِلمُ الله تعالى لمِا تحمِل كلُّ أنثى في هذه الآية، كعلمِ الله لما في الأرحام في آية لقمان، مِن حيث دلالة (ما) الموصولة في كِلتيهما على شمولِ علمِه سبحانه لعالمِ الغيبِ والشَّهادةِ في الحمل، هذا المعنى العام المجمَل فُصِّل في قوله بعدها: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الاستسقاء، باب: لا يدري متى يجيء المطر إلا الله وقال أبو هريرة: عن النبي ﷺ: «خمس لا يعلمهن إلا الله»، رقم: ١٠٣٩).","vol":"2","page":937},{"text":"وعلى هذا نقول: إنَّ علم ما تغيض الأرحام هو مِن الغيب المقصور علمُه على الله تعالى -كما دَلَّ عليه الحديث- أمَّا العِلم المتعلقُّ بازديادِ الأرحام بالأجنَّة، فهو مِن عالم الشَّهادة؛ وعلمُ الله فيه علمُ إحاطةٍ وشمول.\nالَّذي يؤكِّد لنا هذا المعنى الآيةُ الَّتي تتلوها مباشرةً، أعني قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩].\nففيها إشارة إلى أنَّ الآية السَّابقة تَضَمَّنت جزءً مِن عالمِ الغيبِ: وهو غيضُ الأرحام، وجزء متعلِّق بعالم الشَّهادة: وهو علم الله المحيط الشَّامل لأحوالِ وصفاتِ حملِ كلِّ أنثى، وما تزداد به أرحامهنَّ.\nفما المقصود إذن بغَيْضِ الأرحام؟\nيدور لفظ (الغَيْض) في لغةِ العَربِ على معنى: النَّقصِ، والغَور، والذَّهابِ، والنُّضوبِ، يُقال: غاضَ الماء غَيضًا ومَغاضًا: إذا قَلَّ ونَقص، أو غار فَذَهب، أو قلَّ ونَضَب، أو نَزَل في الأرض وغاب فيها، وغاضت الدرَّة: احتبس لبنُها ونقص (^١).\nوعلى هذه المعاني دارَ تفسير أهل العلم لغَيْضِ الأرحام في الآية، فجعلوه على معنيين:\nالأوَّل: أنَّه الدَّم النَّازل على المرأة الحامل.\nوالثَّاني -وهو لازم للأوَّل-: أنَّه السَّقط النَّاقص للأجِنَّة قبل تمام خلقها (^٢).\nيقول الرَّاغب الأصفهاني: «وما تَغيض الأرحام: أي تفسِدُه الأرحام، فتجعله كالماءِ الَّذي تبتلعُه الأرض» (^٣).\nيتبيَّن بهذا أنَّ السَّقط المفسِّر للغَيْضِ المرادِ في كلام علماء اللُّغة والتَّفسير هو: الجنين السَّاقط مِن بطنِ أمِّه قبل اكتمال خلقه، أو هو الجنين الَّذي يهلك في\n_________\n(^١) انظر «لسان العرب» (٧/ ٢٠١)، و«المعجم الوسيط» (٢/ ٦٦٨).\n(^٢) وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك والحسن البصري وغيرهم، انظر «جامع البيان» للطبري (١٣/ ٤٤٥)، و«الدر ا لمنثور» للسيوطي (٤/ ٦٠٨).\n(^٣) «المفردات في غريب القرآن» للأصفهاني (ص/٦١٩).","vol":"2","page":938},{"text":"الرَّحم؛ فيتحلَّل ويغور وتختفي آثاره منها، ويصدق عليه أنَّ الرَّحم تبتلعه كما تبتلع الأرض الماء.\nوعلم الأجنة الحديث يجلِّي هذه الحقيقة: حيث يقرِّر أهل التَّخصُّص بالأجِنَّة، أنَّ الأجِنَّة عندما تهلك في الأسابيع الثَّمانية الأولى مِن عمرها؛ إمَّا أن تسقط خارجَ الرَّحم، أو تتحلَّل ثمَّ تختفي من داخله، فيتغيَّر فيه حجم الرَّحم، ليأخذ في الصِّغر والجمود، نظرًا لامتصاص السَّائل (الأمنيوسي) الَّذي يعيش فيه الجنين، بسبب تهتُّك هذا الأخير، ويسمُّون هذا الهلاك بصورَتيه: «الإسقاطَ التلقائي المبكِّر»، وهو يكثر حدوثه خلال الأسابيع الثَّمانية الأولى مِن الحمل، فأمره شائع في الحوامل، تصل نسبة حدوثه عندهنَّ إلى ما يقرب من (٦٠%)! (^١)\nفهذا أقرب ما يكون إلى ما قرَّرناه في معنى غيضِ الأرحام.\nولله درُّ عبد الرَّحمن السَّعدي (ت ١٣٧٦ هـ)، كيف اهتدى إلى تفسيرِ الغَيْضِ في الآية بكِلتا صورَتي السَّقطِ السَّابقتين كما قرَّرناه؟! وكأنَّه طالع أحوال الأجِنَّة الهالكةِ في أحدث المراجع العلميَّة قبل أن يسطِّر تفسيرَه! فتراه يقول: «ما تغيض الأرحام: أي تنقص ممَّا فيها، إمَّا أن يهلك الحمل، أو يَتَضاءل، أو يضمَحِلَّ» (^٢).\nفقوله «إمَّا أن يهلِك الحمل»: هو السَّقط الَّذي يلفظه الرَّحم.\nوقوله «أو يتضاءل»: هو الإجهاض المخفيُّ، حيث ينكمش حجم الجنين ويتصاغر.\nوقوله: «أو يضمحلَّ»: هو الأجِنَّة الَّتي تَتلاشى في الرَّحم.\nفيتبيَّن مِن هذا التَّفصيل السَّالف، أنَّ المقصودَ بعلمِ ما تغيض الأرحام: هو العلم السَّابق بحدوث الإسقاط التِّلقائي المبكِّر بصورتيه قبل تمامِ تخليقِ الجنين، مع توفُّر مقدِّمات الخلق الضروريَّة ومادَّته الأولى، وتهيُّؤ أسباب ذلك وانتفاء\n_________\n(^١) انظر مقال لـ د. عبد الجواد الصاوي بعنوان «مفاتيح الغيب وعلم ما في الأرحام»، منشور في مجلة «الإعجاز العلمي» العدد ٢٨، ص/٨.\n(^٢) «تيسير الكريم الرحمن» للسعدي (ص/٤١٤).","vol":"2","page":939},{"text":"الموانع لحدوثه، فيتخلَّص الرَّحم من تلك المواد الأوليَّة بإسقاطها، أو بغورِها واندثارِها.\nوعليه، فإنَّ علمَ غَيْض الأرحام الَّذي لا يعلمه إلَّا الله: هو العلم بمستقبل هلاكِ الأجنَّة المبكرَّة أو حياتها، أو بمعنى آخر: العلم بإرادة الله تعالى في إتمامِ تخليقِ إنسان من عدمه، فهذا العلم هو المقصور على الله وحده، ويستحيل على الخلق جميعًا معرفته.\nاستحالةُ علمِ أهلِ التَّخصُّص الطبِّي بحدوثِ الإسقاط التِّلقائي المبكِّر:\nإنَّ المراجع الطبيَّة لا تزال تعجَز عن الإجابة عن سبب سقوطِ بعض الأجنَّة بعد موتِها دون بعضها الآخر، ذلك «لأنَّ الجنين في بطنِ أمِّه يمرُّ خلال مرحلة تخليقه بتحوُّلات مُعقَّدة إلى الغاية، لا تزال جوانب كثيرة منها تمثِّل لغزًا محيِّرًا للأطبَّاء أنفسِهم، وقد تحدث خلال هذه المدَّة الحرِجة تغيُّرات مفاجئة، ينجم عنها خلل في الصِّبغيَّات أو الجينات، فتؤدِّي إلى هلاك الجنين المبكِّر بنسبٍ عالية.\nهذه التَّغيرات المفاجئة المُميتة لا تزال خارجَ نطاقِ العلم القَطعيِّ بحدوثها، وذلك أنَّ معظم أسبابها مَجهولة، يستحيل الكشفُ عنها مُسبقًا، أو توقُّع حدوثها، لأنَّ الخلل في الصِّبغيات يحدث بطريقةٍ عشوائيَّة ومتفرِّقة، ولا يمكن العلمُ بحدوثه قبل أن يحدث.\nوكذا الاضطرابات في العوامل الجِينيَّة العديدة المسئولة عن تمايز الخلايا ونموِّها، وما يمكن أن يتعرَّض له الجنين من العوامل الماسخة، مِن الإشعاع والفيروسات والمواد الكيميائيَّة، وما يمكن أن تتعرَّض له الأمُّ من الصَّدمات النَّفسيَّة أو العصبيَّة، أو الأمراض المختلفة في المستقبل، كلُّ ذلك غَيْب، لا يستطيع أحدٌ مِن البَشر أن يجزم بحدوثِه أو عدم حدوثِه، وبالتَّالي فما يُبنى عليها مِن حدوثِ الإسقاط التلقائيِّ يظلُّ غَيْبًا لا يعلمه إلَّا الله» (^١).\n_________\n(^١) مقال لـ د. عبد الجواد الصاوي بعنوان «مفاتيح الغيب وعلم ما في الأرحام»، منشور في مجلة «الإعجاز العلمي» العدد ٢٨، ص/٩.","vol":"2","page":940},{"text":"وعلى هذا يتحرَّر الغيب الحقيقيُّ في (الغَيض) بكونه: علمًا بمستقبل حياة الأجنَّة وهلاكها، أو علمًا بسقط الجنين قبل أن يتمَّ خلقه، أو بالعلم بمستقبل تطوُّر مراحل خلق الجنين الأولى، من النُّطفة، إلى العلقة، إلى المضغة، إلى إنشاء الخلق الإنسانيِّ بعد نفخ الرُّوح فيه، إذ يستحيل على العلماء حاضرًا أو في المستقبل معرفة مصير أيِّ طَوْرٍ من أطوار الجنين قبل اكتمال تخليقِه ونفخ الرُّوح فيه، هل سيتخلَّق إلى الطَّور الَّذي يليه، أم يهلك وتغيض به الأرحام، لأنَّ هذه المعرفة لا تخضع لسنن في الخلق مطَّردة، بل علم ذلك عند الله الخالق وحده.\nوسؤال الملَك الموكَّل بالرَّحم ربَّه ﷿ عن مصير كلِّ طورٍ من أطوار الجنين الأوَّلي هل ستتخلَّق أم لا: لَخيرُ دليلٍ على هذا التَّقرير! فعن عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «وكَّل الله بالرَّحم ملَكًا، فيقول: أي ربِّ نطفة؟ أي ربِّ عَلقة؟ أي ربِّ مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: أي ربِّ أذكر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيد؟ فما الرِّزق، فما الأجل، فيُكتب كذلك في بطن أمِّه» (^١).\nمفاتح الغيب الخمس أمورٌ تَتعلَّق بالمستقبل:\nفهذا المعنى الَّذي قرَّرناه من علمِ غَيْضِ الأرحام، والعلمِ بوقت نزول المطر: هو الَّذي يَتناسب مع باقي مَفاتح الغيب، حيث إنَّها تَتَعلَّق في أصلِها بأمورٍ مستقبليَّة، لا بماضيةٍ أو حاضرة من أمور عالم الشَّهادة.\nذلك أنَّ العلم بالمُستقبل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأوَّل: العلم بمستقبلِ الأشياءِ الموجودةِ في عالم الشَّهادة، والخاضعة كليًّا للسُّنَن الكونيَّة: فهذه يُمكن العلمُ بمستقبلِ زمانِها مِن قِبَل العارفين بسُنَنِها، كمعرفة وقتِ طلوع الشَّمس وغروبها، ووقت الكسوف والخسوف وغير ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: القدر، باب: في القدر، رقم: ٦٥٩٥)، ومسلم (ك: القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم: ٢٦٤٦).","vol":"2","page":941},{"text":"فهذا القسم خارجٌ عن نطاق الغيب المطلق الَّذي لا يعلمه إلَّا الله، بل معرفة المستقبل فيه متاحة للخلقِ.\nالثَّاني: العلم بمستقبلِ الأشياءِ المَعدومةِ الَّتي لم تُوجد بعدُ في عالم الشَّهادة، هل ستوجد أم لا؟ فهذا القسم غَيْبٌ مُطلق، لا خلاف عند العقلاء أنَّ علمه عند الله تعالى وحده، فيستحيل على الخلقِ أن يعلموا منه شيئًا، لأنَّ أصلَه ومستقبلَه غير خاضعٍ لأيِّ سُنَّة كونيَّة معهودة، لانعدام وجوده من الأصلِ.\nالثَّالث: العلم بمستقبلِ أشياءٍ هي موجودة في عالم الشَّهادة، تخضع في وجودها لسُنَن الكون، لكن لا يخضعُ مستقبلُها لسُننٍ مَشهودة: فهذا هو القسم الَّذي يَتَجلَّى في مفاتح الغيب الخمس!\nوبيانُ هذه من الحديث: أنَّ هذه الدُّنيا المشهودة، لا يقدر أحدٌ أن يعلمَ زمنَ انتهائِها وزوالها، مع وجود علاماتٍ تدلُّ على قُربها بدلالةِ الشَّرعِ، فهو مُستقبل محظورٌ على الخلقِ معرفتُه، وهذا المَعنيُّ في الحديث بقولِه: «ولا يَعلمُ متى تقوم السَّاعة إلَّا الله ..».\nوهذه السُّحب الَّتي تغطِّي غلافَ الأرضِ، تُخلَق وفقَ سُنن الله تعالى الَّتي أودعها في الأرضِ والسَّماء على آناء اللَّيل والَّنهار، لا يقدِر مخلوقٌ أن يعلمَ يقينًا مُستقبلَ حركتِها، وأحجامها، ووقت نِتاجها مِن قبل أن يكتملَ تكوُّنها، وتنعقدَ أسباب إمطارها، لأنَّها لا تخضع لسُنَنٍ مشاهدةٍ مُطَّردة ثابتة، فهو بهذا في علمِ الله تعالى وحدَه، وهذا المَعنيُّ في الحديث بقول النَّبي ﷺ: «ولا يعلم متى يأتي المطرُ أحد إلَّا الله ..».\nثمَّ هذه الأنفس الَّتي تملأ الأرض ضَجيجًا وسعيًا في رزقِها وهنائِها، لا تعلم يقينًا كسبَها من خيرٍ أو شرٍّ، وما سيجري لها مِن حوادث، مع كدِّها وحرصِها على ذلك، فمستقبلُ كسبِها محجوبٌ عنها، ولو في الزَّمن القريب، إذ لا يخضع لسُنَنٍ مَعلومة محدَّدة، وهذا المَعنيُّ بقول الله تعالى الوارد في الحديث: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾.","vol":"2","page":942},{"text":"وهذه الأنفس عينُها، الخاضعة لنواميس الحياة، لا تعلم أيضًا مَوعدَ رحيلِها من دُنياها، ونهاية وجودها بالموتِ مكانًا وزمانًا، لأنَّها أمور لا تخضع أيضًا لسُننٍ كونيَّةٍ مَعهودة ثابتة، وهذا المَعنيُّ بقول الله تعا لى الوارد في الحديث: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.\nثمَّ هذه الأمشاج الَّتي يُخلق بها الإنسان، تنتقلُ في أرحامِ النِّساءِ مِن طَورٍ إلى طَور، في ظلمات ثلاث، بعد أن أصبحت مَرئيَّة مَشهودة، بهيئاتها الكُليَّة، وتفاصيلها الجزئيَّة، يبقى مصيرُها وتمامُ تخليقِها خلالَ هذه الأطوار مَجهولًا:\nأيتِمُّ تخليقُ هذا الإنسان، فيُنفخ بالرُّوح، ويصرخ خارجًا من بطنِ أمِّه بزغاريد الحياة؟ أم يسقط، وتَتلاشى أطوارُه في أغوارِ الرَّحم؟!\nإنَّ العِلمَ بمستقبلِ الأجنَّة المبكِّرة في أطوارِها الصَّحيحةِ أو شبهِ الصَّحيحة، هل هي هالكة أم مخلَّقة؟ هل يَغيض الرَّحم بها، أم ينشأ منها إنسان جديد تُنفخ فيه الرُّوح، ويزداد به الرَّحم؟ .. كلُّ هذا ممَّا اختصَّ به الخالق سبحانه.\nوالمَعنى أنَّ ما سيحدث في عالم الحيوان مِن التَّكوين في المستقبل هو مِن خزائن الغيب الَّتي لا يحيط بما فيها إلَّا هو، وهو الغيب المستقبليُّ المحجوب عن عِلمِ البشر، الَّذي لا يخضع لسُنَن مشهودة مُطَّردة، بل علمه خاضعٌ لسُنَن غيبيَّة لا يعلمها إلَّا الله تعالى، فهذا المَعنيُّ بقول النَّبي ﷺ: «ولا يَعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله ..»، كما أسلفنا تقريره.\nوالحاصل: أنَّه مادام أنَّ مُستقبل هذه الأشياء الخمسة ومَصيرَها لا يخضع لسُنَن الشَّهادة ونواميس الحياة، فإنَّه يَستحيل على البَشَرِ العلمُ بتفاصيلِها عِلمًا يُدرك بيقين، لا بظنٍّ أو تخمين.\nولقد تحدَّى الله النَّاس بها في كتابه وعلى لسانِ نبيِّه، في زمنٍ سادت فيه الكَهانة، والعرافة، والتَّنجيم، والسِّحر، ومع ذلك عجزوا، ولا يزال هذا التَّحدي ساريًا عبر القرون، حتَّى اكتشف الإنسان في هذا العصر -بما أذن الله به- بعضًا من سُنَنِه في الكونِ، ممَّا كان يجهله في حياته الدُّنيا؛ وهو مع هذا العلم عاجزٌ أن يدرك بيقينٍ هذه المغيَّبات الخمس، مع توفُّر مقدِّمات لها مِن جنسِها.","vol":"2","page":943},{"text":"يقول ابن كثير: «هذه مفاتيح الغيب الَّتي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلَّا بعد إعلامه تعالى بها؛ فعلم وقت السَّاعة لا يعلمه نبيٌّ مرسل ولا ملَك مقرَّب؛ وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلَّا الله، ولكن إذا أمر به عَلِمتهُ الملائكة الموكَّلون بذلك، ومَن شاء الله مِن خلقِه؛ وكذلك لا يعلم ما في الأرحام ممَّا يريد أن يخلقه الله تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا علم الملائكة الموكَّلون بذلك، ومن شاء الله من خلقِه» (^١).\nفقد قسَّم ابن كثير هذين الغَيبَين الأخيرين إلى قسمين:\nقِسم يتعلَّق بالحَدَث قبل إيجادِه، أي قبل تكوُّنِ الغيثِ واكتمالِ كلِّ أسباب الإمطار منه، وقبل تكوُّن ما في الأرحام وبروزه لعالم الشَّهادة: فهذا القدر هو الَّذي يدخل فيما اختصَّ الله وحده بعلمه، وهو المقصود ابتداءً من الآية، بنصِّ الحديث الَّذي حدَّدها بأنَّها مفاتح للغيب خمسة.\nوأمَّا القسم الثَّاني: فبعد بروزهما لعالمِ الشَّهادة، وخضوعهما لسُنَن التَّسخيرِ والخلق، فهذا الَّذي يُمكن لبعضِ الخلقِ العلم به بتعليمِ الله إيَّاه، «وهو لا يُنافي الاختصاصَ والاستئثارَ بعلمِ المَذكورات، لأنَّ المُراد بالعلمِ الَّذي استأثر به سبحانه: العلمُ الكامل بأحوال كلٍّ على التَّفصيل، وما يعلم به الملَك، ويطَّلع عليه بعض الخواصِّ دون ذلك العلم الكامل» (^٢).\nولذا فإنِّي على يقين أنَّ الإنسان سيظلُّ عاجزًا عن إدراكِ سِرِّ إنشائِه في بطنِ أمِّه، وعن معرفةِ كمالِ تخليقِه في أطوارِه مِن نقصانِه.\nكذلك سيظلُّ هذا الإنسان عاجزًا عن معرفةٍ قطعيَّةٍ بوقتِ نزولِ المطر قبل تكوُّن السُّحب الممطرة، أو أثناء تكوُّن أطوارها الأولى، ولن يزال الظَّن والاحتمال ديدنَ علماء الأرصاد في حديثهم عن وقتِ نزول الأمطار، ولو بعد بروز السُّحب الممطرة لعالم الشَّهادة وخضوعها لسُنَنِه!\n_________\n(^١) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٦/ ٣٥٢).\n(^٢) «كوثر المعاني الدراري» لمحمد الخضر الشنقيطي (٢/ ٣٦٥).","vol":"2","page":944},{"text":"كأن الله سبحانه يُعلِمنا بهذا: أنَّه وإن أَذِن في علمِنا ببعضِ ما أودعه في كونِه من سُنَن، فإنَّه لن يأذنَ لأحدٍ بفتحِ هذه الأبواب الخمسة حتَّى يعرفَ سُنَنَها ويخبَرَ عمَّا فيها بيقين، أمَّا غيرها مِن أبواب عالم الشَّهادة، فهي مَفتوحة لنا، وسُنَنُها مَبثوثة بين أيدينا، فسِيروا في الأرض، وانظروا في ملكوتِ السَّماوات، وتفكَّروا في آيات الأنفسِ، فكلُّ ذلك منه مسخَّر لكم.\nأليس الحديث إذن عَلَمٌ على نُبوَّة محمَّد ﷺ؟\nثمَّ يأتي مِن يُشكَّك في هذا الحديث أن يكون من خبرِه صِدقًا وعدلًا، فـ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.","vol":"2","page":945},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>المَبحث الثاني نقد دعاوى المعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث نخسِ الشَّيطان للمَولود</span>","vol":"2","page":947},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>المَطلب الأوَّل سَوق حديث نخسِ الشَّيطان للمَولود</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما من مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا نَخَسَهُ (^١) الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ (^٢) صَارِخًا من نخسة الشَّيْطَانِ إلا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ».\nقال أبو هُريرة: «اقرؤوا إن شِئْتُمْ: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]»، متَّفق عليه (^٣).\nوفي رواية له: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا» (^٤).\n_________\n(^١) النَّخْس: يكون بالشَّي المحدَّد؛ كرؤوس الأصابع، انظر «كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٣٢٥).\n(^٢) الاستهلال: الصِّياح، انظر «فتح الباري» (٦/ ٤٧٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، رقم: ٣٤٣١)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب: فضائل عيسى ﵇، رقم:٢٣٦٦).\n(^٤) أخرجه مسلم في (ك: الفضائل، باب: فضائل عيسى ﵇، رقم:٢٣٦٦).","vol":"2","page":949},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>المَطلب الثاني سَوق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ على حديث نخسِ الشَّيطان للمَولود</span>\nمع جلاءِ الحديث في تقريرِ عداوةِ الشَّيطانِ للإنسان منذ لحظةِ خروجِه إلى مُعتركِ الدُّنيا، وعدم منابذتِه للعقل إذْ كان خبرًا غَيبيًّا محضًا؛ إلَاّ أنَّه لَم ينْجُ من سِهامِ الاعتراضِ قديمًا وحديثًا؛ فكان القاضي عبد الجبَّار الهمَداني فرَطَ القومِ إلى مَلْءِ عَيبتِه منه (^١)، ثمَّ تبِعَه عليه فئامٌ مِن المُحْدَثين، كان إمامهم في عصرِنا (محمود أبو ريَّة)، حيث أنَّه قد شمَّ بأنْفِه النَّقديِّ أنفاسًا مِن أَثَرِ المَسيحيَّة في الحديث! يقول:\n«.. ومِن المَسيحيَّات في الحديث: ما رواه البخاريُّ [وذكر الحديث] .. وفِقه هذا الحديث الَّذي سمعه الصَّحابي الجليل مِن الرَّسول ﷺ: أنَّ الشَّيطان يطعن كلَّ ابنِ آدم، أو ينخسه؛ إلَّا عيسى بن مريم وأمَّه، وبذلك لم يسلَم مِن طعنِ الشَّيطان أحدٌ غيرهما مِن بني آدم أجمعين، حتَّى الرُّسل: نوح وإبراهيم، وموسى، وغيرهم، وخاتمهم محمَّد صلوات الله عليه وعلى جميع النَّبيِّين؛ فانظُر، واعجَب!» (^٢).\n_________\n(^١) نسبه إليه الرَّازي في «مفاتيح الغيب» (٨/ ٢٠٥).\n(^٢) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٨٦).","vol":"2","page":950},{"text":"وقد كان (محمَّد عبده) من فتح البابِ لأمثالِ هذا للوُلوغِ في هذا الحديث خاصَّةً، حيث قال: «المُحَقَّق عندنا أنَّه ليس للشَّيطانِ سلطانٌ على عبادِ الله المُخلَصين، وخيرُهم الأنبياء والمُرسَلون، وأمَّا ما وَرَد في حديثِ مريم وعيسى، مِن أنَّ الشَّيطان لم يمْسَسهما .. فهو مِن الأخبارِ الظَّنية، لأنَّه مِن رواية الآحاد، ولمَّا كان مَوضوعها عالم الغَيب، والإيمان بالغَيب مِن قسمِ العقائد، وهي لا يُؤخَذ فيها بالظَّن: كُنَّا غير مُكَلَّفين الإيمانَ بمَضمونِ تلك الأحاديث في عقائدِنا» (^١).\nوقد كان مِمَّا أورَده المخالفون مِن معارضاتٍ على هذا الحديث؛ قولهم:\nالمعارضة الأولى: أنَّ حِفظَ عيسى ﵇ وأمِّه مِن نَخسةِ الشَّيطان دون سائر الأنبياء، فيه نوعُ تفضيلٍ لهما عليهم، ومنهم نبيِّنا محمَّد ﷺ!\nوهذا ما يُفهم جَليًّا مِن تعليقِ (أبو ريَّة) آنفًا على الحديثِ (^٢).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ الحديثَ مُناقضٌ لِما ثَبَت في الطِّب مِن أنَّ سَبب صُراخِ كلِّ مَولود حين ولادتِه هو: دخولُ الَهواء لأوَّلِ مرَّةٍ لرِئَتِه.\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّ زوجةَ عمران (أمَّ مريم) ليست الوحيدة في الدُّنيا الَّتي أعاذت وليدَها وذرَّيته مِن الشَّيطان الرَّجيم؛ بل كلُّ مسلمٍ تقيٍّ يفعل ذلك!\nوفي تقرير الشُّبهتين الأخيرتين، يقول (إسماعيل الكرديُّ):\n«لقد ثَبَت في الطبِّ أنَّ سببَ صراخِ كلِّ مولود حين ولادته هو: دخول الهواء لأوَّل مرَّةٍ لرئتيه، بعد أن كان يَتلقَّى الأوكسجين مِن دَم أمِّه عبر الحبل السُّري، ولو لم يبكِ لاختنق.\nثمَّ؛ هل زوجةُ ابنِ عمران (أمُّ مريم) هي الوَحيدة في الدُّنيا الَّتي أعاذت وليدها وذريَّته مِن الشَّيطان الرَّجيم؟! أليسَ كلُّ مسلمٍ تَقِيٍّ يقول حين الجماع:\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٣/ ٢٤٠).\n(^٢) وبه شنَّع صاحب كتاب «صحيح البخاري نهاية أسطورة» (ص/١٥٧) على البخاري كون النَّبي ﷺ لم ينجُ من هذه الطعنة الشيطانية.","vol":"2","page":951},{"text":"(اللَّهم جنِّبنا الشَّيطان، وجنِّب الَّشيطان ما رَزقتنا)؟! فلماذا لا يُعيذُ الله مَوْلودَه -حسب الحديثِ- مِن نَخْسة الشَّيطان؟ وهل دعاءُ المسلمين جميعُهم غير مَقبول» (^١).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢٧٩).","vol":"2","page":952},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>المَطلب الثَّالث دفعُ دَعوى المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ عن حديث نخسِ الشَّيطان للمَولودِ</span>\nفأمَّا ما أوردوه في المعارضةِ الأولى، من دعوى أنَّ حِفظَ عيسى ﵇ وأمِّه مِن نَخسةِ الشَّيطان دون سائر الأنبياء تفضيلٌ لهما على سائر الأنبياء؛ فيُقال في ردِّه:\nإنَّ امتيازَ نبيِّ الله عيسى وأمِّه ﵉ بهذه الخَصيصةِ لا يستلزم تفضيلهما على رسول الله ﷺ ولا باقي الأنبياء، فإنَّ ذِكرَ فَضيلةٍ لا يستلزم الرُّجحان بالأَفضليَّة (^١)، وذلك للقطعِ بأَنَّ نبيَّنا ﷺ هو سَيِّد وَلد آدم، ويليه في الرُّتبةِ أبوه إبراهيم ﵇، والقطعُ بفضيلته ﷺ وتقَدُّمِه على جميع الأنبياء أمرٌ مَعلوم، وأمَّا مريم ﵍ فمهما سَمَت في مَراتب الوِلاية، فلن تصِل إلى مقام الأنبياء.\nوقد أخبرنا نبيُّنا ﷺ «أنَّه ما مِن أحَدٍ إلَّا وُكِل به قرينُه مِن الشَّياطين» (^٢)، فلا يخرج من عمومِ مقالتِه هذه لا مريم ولا ابنُها ﵉، وهما وإن عُصِما مِن نخْسِه، فإنَّهما لم يُعصَما «مِن مُلازمتِه لهما، ومُقارنتِه.\n_________\n(^١) انظر «قواعد الأحكام» للعز بن عبد السلام (١/ ٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: صفة القيامة والجنة والنار، باب: تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينا، رقم: ٢٨١٤)، وهذا لفظ أحمد في «المسند» (رقم: ٢٣٢٣).","vol":"2","page":953},{"text":"ولقد خَصَّ الله تعالى نبيَّنا ﷺ بخاصِّيةٍ كَمُل بها إنعامُه عليه؛ بأنْ أعانَه على شيطانِه حتَّى صحَّ إسلامُه، فلا يأمرُه إلَّا بخير، وهذه خاصَّة لم يُؤْتَها أحدٌ غيرُه، لا عيسى، ولا أمُّه» (^١).\nوأما دعوى المُعترضِ في الثَّانية: في أنَّ الحديثَ مُناقضٌ لِما ثَبَت في الطِّب مِن أنَّ سَبب صُراخِ كلِّ مَولود حين ولادتِه هو دخولُ الَهواء لأوَّلِ مرَّةٍ لرِئَتِه.\nفالجواب عليه:\nعلى تقديرِ أنَّ ما ذَكَره الأطبَّاء بَلَغ إلى حَدِّ الحقيقة العلميَّة المقطوع بها؛ فإنَّ قُصاراهُ: أن يكون كشْفًا عن السَّببِ القريبِ المَحسوسِ لاستهلالِ المَولودِ صارخًا، وهذا التَّفسير العِلميُّ لا يَقضي بامتناعِ أسبابٍ أخرى عَزُبَ الخلْق عن دركِها، لقصورِ مَدارِكِهم عن الإحاطةِ بكلِّ حقيقةٍ (^٢).\nنقول هذا على تقديرِ صِحَّة ما وَصل إليه بعض الأطبَّاءِ في بحثٍ في هذا المَجالِ، وبلوغه مَبلغَ القطعيَّات؛ فلمَّا توَّجَه نظرُنا إلى التَّحقُّقِ مِن هذا البلوغِ وصحَّته، وجدنا الأمرَ لا يَعدو أن يكون فرْضًا يَتطرَّق الوَهم إليه، لا حقيقةً علميَّةً عند الأطبَّاء، كما أوْهمَه المُعترِض!\nلقد لاحظَ الأطبَّاء تَزامن بُكاءِ الطِّفلِ حين الولادةِ مع أخذِه لأنفاسِه الأولى، فافترضَ بعضُهم أنَّ البكاءَ مَردُّه إلى إحساسِ المَولود بألَمٍ جرَّاء دخولِ الهواءِ إلى رِئَتَيه، وخالفهم آخرون، فافترضوا إيعازَ صرخةِ الوَليد الأولى إلى «الغَضبِ المُضْمَرِ فيه على عَمليَّة طردِه مِن الرَّحِم» (^٣).\nهذا فيما ظَهَر لهم، وإلَّا فإنَّ البروفيسور (ورْدون بُورْن  gordon bourne) -  وهو من كِبار أطبَّاء الولادة في بريطانيا- يعترِف في كتابِه «الحَمل» (^٤) بأنَّ السَّببَ الدَّقيق للبكاءِ وبدءِ عمليَّةِ التَّنفسِ: لا يزال مَجهولًا!\n_________\n(^١) «المفهم» لأبي العباس القرطبي (٦/ ١٧٨).\n(^٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٧٣٨).\n(^٣) «الجنين، متابعة مُوثقة بالصُّور» لـ د. توما شماني (ص/٢٧).\n(^٤) «الحَمل» ترجمة د. زيد الكيلاني) ص/٤٨٢).","vol":"2","page":954},{"text":"فلنترُك أقوالَ الأطبَّاء وخلافَهم في هذهِ الظَّاهرة المُلازِمة للإنسان، ولنتأمَّل دقيقَ كلامِ ابن القيِّم في جودةِ جمعِه بين السَّببِ الحِسِّي والغيبيِّ لهذا المَشهدِ العجيب للولادةِ، حيث قال:\n«إن قيل: ما السَّببُ في بكاءِ الصَّبي حالةَ خروجِه إلى هذه الدَّار؟\nقيل: ههنا سَبَبان:\nسَبَبٌ باطِن، أخبَرَ به الصَّادق المَصدوق، لا يعرفه الأطبَّاءُ، وسَببٌ ظاهر.\nفأما السَّبَب الباطن: فإنَّ الله سبحانه اقتَضَت حكمتُه أنْ وَكَّل بكلِّ واحد مِن وَلد آدمَ شيطانًا، فشيطان المَولود قد خَنس، ينتظر خروجَه، ليُقارِنَه ويَتوكَّل به، فإذا انفصَلَ، استقبلَه الشَّيطانُ وطعَنه في خاصِرَته، تحرُّقًا عليه وتَغيُّظًا، واستقبالًا له بالَعداوة الَّتي كانت بين الأبَوَين قديمًا، فيبكي المَولود مِن تلك الطَّعنة، ولو آمن زنادقةُ الأطبَّاء والطَّبائعيِّين بالله ورسولِه، لم يجدوا عندهم ما يُبطِل ذلك ولا يَرُدُّه ..\nوالسَّبَب الظَّاهر: الَّذي لا تُخبِر الرُّسُل بأمثالِه، لرُخْصِه عند النَّاس، ومعرفتهم له مِن غيرِهم: هو مفارقتُه الَمألوفَ والعادةَ الَّتي كان فيها إلى أمرٍ غريب، فإنَّه يَنتقل مِن جسمٍ حارٍّ إلى هواءٍ باردٍ ومكانٍ لم يألفه، فيستوحِشُ مِن مُفارقتِه وَطَنَه ومَألفَه» (^١).\nوأمَّا الجواب عن الاعتراض الثَّالث، في دعوى المُعترِض أنَّ امرأةَ عمران ليست وحدها من أعاذت وليدَها وذرَّيتَها مِن الشَّيطان، فيُقال:\nإنَّ سبَبَ انقداحِ هذا الاعتراض عند المُعترضِ أمران:\nالأول: ظنُّه أنَّ مُقتضى نفوذِ أَثَرِ الدُّعاء -عند توَفُّر شروطِه وانتفاءِ موانعه- بتجنيبِ المَولود الشَّيطان: هو ألَّا يحصُلَ النَّخسُ والطَّعن له!\nالأمر الَّثاني: ظنُّه أنَّ الطَّعن هو الضَّرَر الَّذي يُجنَّبه المَولود في الدُّعاء النَّبوي عند الجِماع.\n_________\n(^١) «التبيان» لابن القيم (ص/٣٦٠).","vol":"2","page":955},{"text":"فأمَّا الأمر الأول: فهو ناتج عن غَلَطِه في فهمِ الحديث، في أحسنِ أحوالِ الظَّنِ به؛ ذلك أنَّه لا يلزم مِن نُفوذِ أثرِ الدُّعاءِ ألَّا يحصل ما أخبر به النَّبي ﷺ مِن الطَّعن؛ لأنَّ المُراد مِن دُعاء الجِماع في الخبر النَّبوي: أن تَتَحقَّق الحَيْلولة بين الإضلالِ والإغواءِ -الَّذي سببُهما الشَّيطان- وبين المَولود، وليس المُراد مِن الدُّعاء الحيلولة بينه والطَّعن بخصوصِه.\nوالمُقتضي لهذا المُراد مِن هذا الحديث: ما ثَبَت في حديثِ البابِ: مِن وقوعِ النَّخس لكلِّ مَولودٍ سِوى ما استثناه الخَبر، فهذا التَّقدير لازمٌ لاستقامةِ الحديث، وجريانِه على السَّداد، دون تضارُبٍ بين الخَبرين؛ فتقديرُ الإضلال إذن أصْدَقُ مِن تقديرِ الطَّعن؛ لدلالةِ النَّصِ عليه.\nثمَّ إن الطَّعن ليس بِضَررٍ يقتضي تخصيصَه بدعاء؛ إذ لو كان كذلك ضَارًّا، لسَلِم منه الأنبياء والأولياء؛ إذْ همْ أَوْلى بهذا المَعنى (^١).\nيقول أبو العبَّاس القرطبي في بيانٍ مُتقَنٍ لمعنى قولِ النَّبي ﷺ في الحديث «لو أنَّ أحدَهم يقول حينَ يَأتي أهلَه: باسمِ الله، اللَّهم جنِّبني الشَّيطان، وجنِّب الشَّيطان ما رزقتنا، ثمَّ قُدِّر بينهما في ذلك، أو قُضيَ ولدٌ: لم يضُرَّه شيطانٌ أبَدًا»:\nقيل معناه: لم يضرَّه: لم يصْرَعْه الشَّيطان.\nوقيل: لا يَطعن فيه الشَّيطان عند ولادتِه، ويطعن في خاصرةِ مَن لا يُقال له ذلك.\nقال القاضي (^٢): لم يحْمِلْه أحَدٌ على العمومِ في جميعِ الضَّرر، والإغواء، والوسوسة.\nقلت -القائل: القرطبيُّ-: أمَّا قصرُه على الصَّرع وحده فليس بشيء؛ لأنَّه تحكُّمٌ بغير دليل، مع صلاحيَّة اللَّفظ له ولغيره.\n_________\n(^١) مُستفاد من «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٧٣٩).\n(^٢) يعني القاضي عياض السَّبتي في «إكمال المعلم» (٤/ ٦١٠).","vol":"2","page":956},{"text":"وأمَّا القول الثَّاني: ففاسدٌ؛ بدليل قوله ﷺ: «كلُّ مَولود يَطعن الشَّيطان في خاصرتِه إلَّا ابن مريم ...»، هذا يدلُّ على أنَّ النَّاجي مِن هذا الطَّعن إنَّما هو عيسى وحده ﵇؛ وذلك مَخصوصُ دعوةِ أمِّ مريم؛ حيث قالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].\nثمَّ إنَّ طعنَه ليس بضَررٍ، ألَا تَرى أنَّه قد طَعن في كثير مِن الأولياء والأنبياء، ولم يضرَّهم بذلك؟!\nومقصود هذا الحديث -والله تعالى أعلم-:\nأنَّ الوَلَد الَّذي يُقال له ذلك يُحفَظ مِن إضلالِ الشَّيطان وإغوائه، ولا يكون للشَّيطان عليه سلطان؛ لأنَّه يكون مِن جملةِ العبادِ المَحفوظين المَذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وذلك ببَركةِ نيَّة الأبَوَيْن الصَّالحَين، وبركةِ اسم الله تعالى، والتعوُّذ به، والالتجاء إليه، وكأنَّ هذا شَوبٌ مِن قولِ أمِّ مريم: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].\nولا يُفهَم مِن هذا نَفْيُ وَسوستِه، وتشعيثِه، وصرعِه! فقد يكون كلُّ ذلك، ويحفظ الله تعالى ذلك الوَلَد مِن ضَررِه في قلبِه، ودينِه، وعاقبةِ أمرِه، والله تعالى أعلم» (^١).\nأعاذنا الله مِن إغواءِ الشَّياطين إنسِهم وجنِّهم.\n_________\n(^١) «المفهِم» (٤/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"2","page":957},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المَبحث الثَّالث نقد دعاوي المعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث حديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»</span>","vol":"2","page":959},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>المَطلب الأوَّل سَوْق حديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»</span>\nعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «إذا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وإذا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ من الشَّيْطَانِ، فإنَّه رَأَى شَيْطَانًا» متَّفق عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال، رقم: ٣١٢٧)، ومسلم في (ك: الذكر والدعاء، باب: استحباب الدُّعاء عند صياح الديك، رقم: ٢٧٢٩).","vol":"2","page":961},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>المَطلب الثَّاني سَوق المعارضات الفكريَّة المعاصرة لحديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة»</span>\nقد وَلغت في هذا الحديث الشَّريف ألسِنة كثيرٍ مِن أربابِ التَّمعقُل في زماننا، وشطحت فيه أقلام مَن ضاعت أعمارُهم في ردمِ ما شيَّدته جهابذة الرِّوايةِ مِن قواعِد وسَنَن؛ حتَّى صار شعارًا عند بعضِ أولاءِ المُحدَثين على زوغان منهج المُحدِّثين، وتقبُّلهم لمُنكراتِ المتونِ و«ما لا يقبله العقل، وما لا فائدة منها للإسلام والمسلمين»! (^١).\nترى مثال هذا العارِ مِن الشِّعارِ -مثلًا-:\nفي ما عنوَن به (جواد عفانة) كتابًا له، تعنَّى فيه ردَّ الصِّحاحِ بقوله: «الإسلام وصِياح الدِّيَكة»! يُعلِّل ذلك في تقدِمَتِه بقوله: «قد قصدتُ بقولي (صياح الدِّيكة) لفتَ نظرِ القارئ الفَطين إلى إحدى الخرافات الَّتي نُظمت في قولِ نسَبه الرَّاوي إلى رسول الله ﷺ زورًا وكذبًا» (^٢).\nوترجع مُجمل المعارضات الموجَّهة إلى الحديث إلى واحدة رئيسةٍ تتعلَّق بالواقع المُشاهد، وهي:\nأنَّ تعليل صِياح الدِّيكة بكونها رأت مَلَكًا، مع تقرُّر أنَّ لكلِّ ابن آدم ملائكةً حَفَظة ومَلَكين يكتبان أعماله: يلزم منه أنْ تصيح الدِّيَكة ليلَ نهار كلَّما رأت\n_________\n(^١) بذا حكم نضال عبد القادر على هذا الحديث في كتابه «هموم مسلم» (ص/١٢٦، ١٢٨).\n(^٢) «الإسلام وصياح الدِّيك» لعفانة (ص/٦).","vol":"2","page":962},{"text":"إنسانًا! لرؤيتها الملائكةَ مع كلِّ إنسان، وبما أنَّ هذا لا يحدث: فالحديث كذِبٌ على رسول الله ﷺ؛ لتكذيبِ الواقعِ المحسوسِ له.\nهذا ما يتعلَّق بتعليلِ صِياح الدِّيك.\nوكذا تعليل نهيق الحِمار برؤيتِه الشَّيطان؛ فإنَّه يُشكل عليه أنَّ المتقرِّر شرعًا أنَّ لكلِّ إنسانٍ شيطانًا مُوكلًا به، وأنَّ الشَّيطان كثير الوَسوسة لبني آدم؛ فلو كانت العِلَّة كما ذكر في الحديث: لوجب أن تنهق الحُمر في الأوقات كلِّها لدى رؤيتها للنَّاس!\nبل إذا وُضع الحديث بجانب حديث: «إذا نُودي للصَّلاة أدبرَ الشَّيطان وَلَهُ ضُرَاطٌ حتى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ ..» (^١)، مع كثرة ما يصادف وجودَ حمار أو حمير عند المسجد، وحسب حديث المناداة وخروج الشَّيطان له ضراط، وحسب الحديث الآخر: أنَّ الحمار يرى الشَّيطان وينهق عند رؤيته! يلزم منه النَّهيق مع كلِّ أذان وإقامة، فلمَّا انتفى سماعِ نهيقِ الحمارِ حينئذٍ: لزم منه بطلان الحديث.\nوفي تقرير هذا الاعتراض يقول (إسماعيل الكردي):\n«وَرَد في الحديث استحباب الدُّعاء عند سماع صوت الدِّيك، خاصَّة أن الدِّيك يصيح عند الفجر، فيوقظ النَّاس لصلاة الفجر، وورَد أنَّ صياح الدِّيك تسبيحه، أمَّا كون صياح الدِّيك سببه أنَّه يرى مَلاكًا: فهذا مِن غرائب المرويَّات عن أبي هريرة ﵁، ويبدو لي أنَّه إضافة مُدرجة مِن حديث أبي هريرة، ظنَّ الرُّواة أنَّها مرفوعة.\nذلك لأَنَّ التَّعليل لسبب صياح الدِّيك يُشكِل عليه: أنَّ القرآن الكريم والحديث نصَّا على أنَّ لكلِّ ابن آدم ملائكةً حفَظَةً، ومَلَكين يكتبان أعماله، وعليه؛ فالمفروض أن تصيح الدِّيَكة ليلَ نهار كلَّما رأت إنسانًا؛ لأجلِ أنَّها ترى معه أولئك الملائكة، مع أنَّ شيئًا مِن هذا لا يحدث! ..\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الأذان، باب: الأذان مثنى مثنى، رقم:٥٨٣)، ومسلم في (ك: الصلاة، باب: فضل الأذان وهروب الشيطان عند سماعه، رقم: ٣٨٩).","vol":"2","page":963},{"text":"وكذلك تعليل نهيقِ الحمار برؤيته لشيطان؛ فإنَّه يُشكل عليه: ما ورد في صحيح الحديث: أنَّ لكل إنسانٍ شيطانًا موكلًا به، ومثله ما جاء في القرآن الكريم مِن وجود الَقرين للإنسان .. وقد بيَّن لنا الحقُّ تعالى أنَّ الشَّيطان كثير الوَسوسة للإنسان، وعلَّمنا أن نستعيذ بالله مِن شَرِّ الوسواس الخنَّاس ... إلخ.\nوالحاصل أنَّ النَّاس في غالب أحوالهم مُعرَّضون لمحاولات الإضلال مِن قِبَل الشَّيطان ولوساوسه، فلو كان نهيق الحِمار سببه رؤية الشَّيطان: لوَجَب أن تنهق الحمير في الأوقات كلِّها، ولدى رؤيتِها للنَّاس! ويلزم: أنَّه إذا كان الإنسان راكبًا حمارًا، فكلَّما وسوس له الشَّيطان بشيءٍ، وَجب أن ينهق الحمار مِن تحتِه لرؤيتِه الشَّيطان!\nوكذلك يُشْكِلُ متن الحديث إذا وضعناه بجانب الحديث الأخير؛ حيث كثيرًا ما يكون حمار أو حمير -في القُرى- على باب مَسْجد أو قريبًا منه، ثمَّ نرى أنَّ المؤذِّن يؤذِّن، ولكن لا نسمع نهيق الحمار! مع أنَّه مِن المفروض حسب الحديث الأوَّل: أنَّ الشَّيطان خرج مِن المسجد له ضراط، وحسب الحديث الثَّاني: أنَّ الحمار يرى الشَّيطان، وينهق عند رؤيته!» (^١).\nهذا؛ ولم ينسَ (عفانة) أن يفتِّش لإسناد هذا الحديث عن عِلَّةٍ يُنيط بها ما اكتشفه في المتنِ مِن نكارة، فلم يجِد إلَّا أن يَتَّهم به: عبد الرَّحمن بن هرمز راويه عن أبي هريرة، وحدسُه أنَّه ما سمعه إلَّا مِن كعب الأحبار (^٢).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد الحديث» لإسماعيل كردي (ص/٢٧٦ - ٢٧٧).\n(^٢) «الإسلام وصياح الدِّيك» لعفانة (ص/٧٥).","vol":"2","page":964},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المَطلب الثَّالث دفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديث «إذا سمعتم صياحَ الدِّيَكة .. وإذا سمعتم نهيق الحمار»</span>\nأمَّا عن معارض الحديث فيما يُدَّعى من تكذيب الحسِّ له .. إلخ؛ فقولُنا في دحضِه يَنبَجِسُ مِن عِدَّة وجوه:\nالوجه الأوَّل: أنَّ الحديث قد رواه الأئمَّة، واستهَمَ الشُّراح في بيانِه، فلم يقع لواحدٍ الإدلاءُ بهذا الاعتراض الَّذي اعترض به المعترضون مِن المعاصرين، مع سداد فهومِهم، وذكاء عقولهم، فتفرُّدهم بهذا الاعتراض على الحديث يُنبِئك عن مقدارِ فهمهم في جنبِ فهوم أولئك الأعلام.\nالوجه الثَّاني: أنَّ الحديث بتمامِه مِن قول رسول الله ﷺ، ودعوى أنَّ تعليل صياحِ الدِّيَكة في الحديث هو مِن إدراج أبي هريرة ﵁كما ادَّعاه الكرديُّ- أو غَلط مِن عبد الرَّحمن بن هرمز -كما ادَّعاه عَفانة-: مجرَّد دعوى يُعوزها البرهان، ولم أرَ أحدًا مِن نقَّاد الحديث صرَّح بذلك، مع كونِهم أدقَّ عينًا بِما تصحُّ نسبته لرسول الله ﷺ وما لا يصحُّ.\nوالمُعترضان إنَّما نَصَبا هذه الدَّعوى الإسناديَّة -فيما يظهر- لِئلَّا يستوحش النَّاظر مِن طعنهما في الحديث، وتكذيبهما له بدعوى مخالفتِه الواقع! (^١)\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٧٥٨).","vol":"2","page":965},{"text":"الوجه الثَّالث: أنَّ الحديث أخبرَ عن أمرٍ غَيبيٍّ، لا يَقع للعقل إدراك كُنْهِهِ؛ لعجزِه من جِهة، ولقصورِ الواسطة النَّاقلة للعقلِ -وهي: الحواسُّ- عن تحصُّل هذا الإدراك من جهة أخرى؛ فإذا تحقَّق ذلك، فلا طريق إلى معرفة هذا الغيب إلَّا عن طريق الوحي، وحينئذٍ يجب الإيمان بما أخبر به الصَّادق ﷺ؛ وذلك مِن مقتضيات الإيمان بالرَّسول ﷺ.\nوبناءً على ما قُرِّر، يَتبيَّن لك أنَّ دعوى المعترض أن لو كانت الدِّيَكة تصيح عند رؤيتها للملائكة، مع كون كلِّ إنسان محاطًا بملائكة يحفظونه، ومَلكين يكتبان أعماله؛ للَزِم مِن ذلك أن تصيح كلَّ وقت: هي دعوى باطلة، ذلك:\nأنَّ حصول صياح الدِّيَكة عند رؤية مَلَك، وكذا نهيق الحمار عند رؤية شيطان؛ لا يلزم منهما أن يكونا عند رؤيةِ كلِّ مَلَك أو كلِّ شيطان؛ لأنَّ الَّذي أشهدَ كُلًّا منهما لرؤيةِ ما لا يراه البشر: قادرٌ أن يحجُب عن الدِّيَكة رؤيةَ الملائكةِ الحَفَظة والمُوكَّلين بكتابة الأعمال؛ ويحجُبَ عن الحمارِ: قرينَ الإنسان، وهذا القرين نفسُه الَّذي يُدْبِر لِسماعِه الأَذَان، فهما نوعٌ واحد (^١).\nوكما عَلِمنا بدلالة الواقع عدمَ شهودِ الدِّيَكة رؤيةَ كلِّ أنواع الملائكة، وعدمَ شهود الحمير كلَّ أنواع الشَّياطين، فإنَّ في بعض الأحاديث ما يُعلِم بأنَّ هذا الشُّهود لا يقع لها في كلِّ حين، بل هي محصورة في اللَّيل.\nجاء القيدُ بهذا في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ رواها الثِّقات (^٢) بلفظ: «إذا سمعتُم صياحَ الدِّيكة باللَّيلِ؛ فاسألوا الله من فضلهِ، فإنَّها رأت ملَكًا، وإذا سمعتُم نهيقَ الحمارِ باللَّيلِ؛ فتعوَّذُوا باللهِ من الشَّيطانِ؛ فإنهُ رأى شيطانًا» (^٣).\n_________\n(^١) بأمارةِ وسوستِه للمُصلِّي في حديث الإدبار بقوله: «.. اُذْكُر كذا، اذْكُر كذا .. لِمَا لم يَكُنْ يَذْكُر ..»، وفي هذا التَّذكير منه بأمور تخصُّ المُصلِّي، وتعدادها عليه: أَمَارةٌ على معرفته الكاملةِ بهذا الإنسان ومُتعلَّقاته اليومِيَّة، ولا يتمُّ هذا إلَّا باقترانٍ منه وملازمة.\n(^٢) انظر «سلسلة الأحاديث الصَّحيحة» للألباني (٧/ ٥٦٠).\n(^٣) أخرجه النسائي في «السُّنن الكبرى» (ك: عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول إذا سمع نهيق الحمير، رقم: ١٠٧١٣)، وأحمد في «المسند» (رقم: ٨٦٧٤)، وقال أحمد شاكر: «إسناده صحيح»","vol":"2","page":966},{"text":"قال الشَّوكاني: «قوله في الحديث الآخر (مِن اللَّيل): يُقيِّد المطلقَ، فتكون الاستعاذة إذا سمِع النُّباح ليلًا لا نهارًا» (^١)، وكذلك قال علي القاريُّ (ت ١٠١٤ هـ) قبله (^٢)؛ ويكفي في ردِّ تلك الشُّبهة اليتيمة ما سُقناه مِن تلك الحُجَج؛ والحمد للِه.\n_________\n(^١) «تحفة الذاكرين» للشوكاني (ص/٢٨٣).\n(^٢) «مرقاة المفاتيح» (٧/ ٢٧٦١).","vol":"2","page":967},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>المَبحث الرَّابع نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المعاصرة لحديث «إذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده»</span>","vol":"2","page":969},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>المَطلب الأول سَوْق حديثِ: «إذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده»</span>\nعن جابر بن سمرة ﵁، عن النَّبي ﷺ قال: «إذا هَلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده، والَّذي نفسي بيده، لتُنفقنَّ كنوزُهما في سبيلِ الله»؛ متَّفق عليه (^١).\nوعن أبي هريرة ﷺ، عن النَّبي ﷺ قال: «هَلَك كسرى، ثمَّ لا يكون كِسرى بعده، وقيصر لَيهلِكَنَّ، ثمَّ لا يكون قيصر بعده، ولتُقسَمنَّ كنوزها في سبيل الله»؛ متَّفق عليه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، رقم: ٦٦٢٩)، ومسلم في (ك: الفتن وأشراط الساعة، باب: باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، رقم: ٢٩١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الجهاد والسير، باب: الحرب خدعة، رقم: ٣٠٢٧)، ومسلم في (ك: الفتن وأشراط الساعة، باب: باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء رقم: ٢٩١٨).","vol":"2","page":971},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>المَطلب الثَّاني سَوق المُعارضات الفكريَّةِ المعاصرةِ لحديثِ «إذا هَلك كِسرى فلا كِسرى بعده»</span>\nأشكلَ هذا الحديث على مَن سَمع أنَّ كِسرى لمَّا قُتِل مَلَك ولدُه، ثمَّ مَلَك بعده جماعة، آخرهم قُتل في زمانِ عثمان ﵁! ومخالفة الحديثِ في ظنِّ هؤلاء للتَّاريخ في شأن قيصرَ أشدُّ وأظهر، إذْ لم تَزَل مَملكة الرُّوم باقيةً بعد هرقل لقرونٍ عديدةٍ.\nوفي تقرير هذه المعارضة التَّاريخيَّةِ للحديث، يقول إسماعيل الكرديُّ:\n«بالنِّسبة لكسرى شاه الفُرس: البِشارة صحيحة مائةً بالمائة، فبعدَ عشر سنوات فقط مِن رحلةِ النَّبي ﷺ، وفي معركة نَهاوَند، سقطت فارس بيد المسلمين، وبعدها بقليل قُتل يَزْدَجِرد الثَّالث، وانقرضت بقتله سلسلة ملوك آل سَاسَان، فلم تَقُم لهم قائمةٌ فيما بعد.\nأمَّا بالنِّسبة لهلاك قيصر، فإنَّه لمَّا مات، استمرَّت سلسلة القياصرة بعده لِما يقارب ثمانية قرون! جاء خلالها تسعة وستون قيصرًا آخر! فلعلَّ هذه الزِّيادة مُدرجة من كلام أبي هريرة، فظنَّها بعضهم مرفوعةً عن النَّبي ﷺ» (^١).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٧٦).","vol":"2","page":972},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>المَطلب الثَّالث دفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديث «إذا هَلك كِسْرى فلا كِسْرى بعده»</span>\nقد سبق التَّنبيه إلى أنَّ مِن مَثارات الغَلط عند المُستشكلينَ للأخبارِ: فَهمُهم للنَّصِ على غير مُراد صاحبِه، بحيث يأخذون بظاهرِ عمومِه مُجرَّدًا دون اعتبارٍ لما يَحتفُّ به مِن قرائن تُوجِب التَّخصيص.\nوهذا الحاصل في هذا الحديث، وعليه ابتنَى بعض المُعاصرين إنكارَهم له؛ وكان الفَرض أن ينظروا في ما يحتمله لفظُه مِن أوجُه المعاني، فتُقَرَّ منها ما وافق الشَّرع والعقل، ويُستبعد منها ما يخالف ذلك مخالفةً بيِّنة.\nفلأجل هذا؛ لم نرَ أحَدًا مِن أئمَّةِ العلمِ -في القديم أو الحديثِ- يُجرِي هذا الخبر على معنى انقضاءِ مُلكِ الرُّومِ بالمَرَّة بعد هلاكِ هرقلَ، ولا قال أحدٌ منهم بانعدامِ مَن يخلُفه في مَملكتِه بعده، كيف والواقع المُعايَش عندهم خِلاف ذلك؟\nوالمعتزلة مع كثرة شَغَبهم على أخبارِ الغيبِ، لم يُعلَم عن أحدِهم طَعنٌ في هذا الحديث بخصوصِه، بل ولا أورَدَه الغُماري أبو الفضل في «الفوائد المقصودة» فيما ما شَذَّ مِن أحاديث الصَّحيحين وغيرهما في نظره.\nوقد سَلَك العلماء في تفسيرِ هذا الخبر مَسلكَ التَّخصيصِ لدلالتِه، يظهر ذلك في: حملِهم نَفيَ القَيْصَريَّةِ في الحديثِ على انقراضِها عن مَوضعٍ مَخصوصٍ، لا عن وجهِ الأرض كلِّها؛ وكذا الأمر في كِسرى.","vol":"2","page":973},{"text":"فيكون المعنى من الحديث: لا يَبقى كِسرى بأرضِه، وهي العراق، ولا قيصر بأرضِه، وهي الشَّام، كما كان الشَّأن في عهد النُّبوة، فإعلَامه ﷺ بانقصامِ مُلكِهما وزوالِه هو مِن هذين القُطرَين، ولذا «قوِيَتْ نفوسُ الَعرب على الاتِّجار مع هذين القُطرين، وكانوا مِن قبل يملكون المزَارع في الشَّام، ويقيمون، ويَنعمون» (^١).\nهذا القول مَنقول عن الشَّافعي، وأيَّدَه مُرادًا للحديثِ بسَوقِ سَببِ ورودِه، بأن قال: «كانت قريش تَنتابُ الشَّامَ انْتِيابًا كثيرًا، مع مَعايشها منه، وتأتي العِراق، فلمَّا دَخلت في الإسلام، ذَكَرت للنَّبي ﷺ خوفَها مِن انقطاعِ تعايُشها بالتِّجارة مِن الشَّام والعراق إذا فارقت الكفرَ ودَخلت في الإسلام، مع خلافِ مُلكِ الشَّام والعراق لأهل الإسلام، فقال النَّبي ﷺ: «إذا هَلَك كِسرى فلا كسرى بعده».\nقال: فلَم يكُن بأرضِ العراقِ كسرى بعدَه ثَبَت له أمرٌ بَعدَه.\nقال: «وإذا هَلَك قيصر فلا قيصر بعده»، فلم يكُن بأرضِ الشَّام قيصرٌ بعدَه، وأجابهم على ما قالوا له، وكان كما قال لهم رسول الله ﷺ، وقَطَع الله الأكاسرة عن العراق، وفارسَ وقيصر ومَن قام بالأمرِ بعدَه عن الشَّام.\nقال: قال النَّبي ﷺ في كِسرى: «يُمَزَّق ملكُه»، فلم يبقَ للأكاسرةِ مُلك، وقال في قيصر: «يثبتُ ملكُه»، فثَبَت له ملكٌ ببلادِ الرُّوم إلى اليوم، وتَنحَّى ملكُه عن الشَّام، وكلُّ هذا أمرٌ يصدِّق بعضُه بعضًا» (^٢).\nوإلى الإقرار بهذا الوجه مِن الشَّافعيِّ مُرادًا للحديث، جنح ابن حبَّان (^٣)، والخَطَّابي (^٤)، والقاضي عِياض (^٥)، والنَّووي (^٦)، وابن كثير (^٧)، وغيرهم.\n_________\n(^١) «خُطط الشَّام» لكرد علي (٤/ ٢٤١)\n(^٢) «الأم» للشَّافعي (٤/ ١٨٠ - ١٨١).\n(^٣) «صحيح ابن حبان» (١٥/ ٨٤).\n(^٤) «أعلام الحديث» (٢/ ١٤٤٧).\n(^٥) «إكمال المعلم» (٨/ ٤٦١).\n(^٦) «شرح النَّووي على مسلم» (١٨/ ٤٢).\n(^٧) «البداية والنهاية» (٦/ ٤٩١).","vol":"2","page":974},{"text":"فأمَّا كِسرى الثَّاني، المُلَقَّب بـ (بَرْويز) ابنِ هُرمز: فكان حاله كما أخبرَ النَّبي ﷺ في الحديث، فبعد أن قتله ابنُه (شِيرُويَه)، انقطعَ أمرُه بالكليَّة، ولم يَزل مُلك فارس إلى انمحاقٍ وانقراضٍ بعدَه بِدَعوتِه ﷺ.\nوهو وإن مَلَك بعده جماعةٌ، لكن لم يخلُفه أحَدٌ مثلُه، ولا ثَبَتَ المُلك لأيِّهِم (^١)، وكانوا عشرةً على الأقلِّ، كُلَّما خَلَف أحدُهم مَن سَبَقه قَتلوه، ومَن نَجى عاجَله المَرض بالموتِ بعد أشهرٍ قليلةٍ (^٢)، آخرُهم يَزْدَجِرد بن شَهريار، وقد هرَب مِن المدائن عند فتح المسلمين مُتخفِّيًا نحوًا مِن عشرين سنة، إلى أن قُتل في عهد عثمان ﵁ سنة (٣١ هـ) (^٣).\nفكان بهذا «كِسرى بن هُرمز آخرَ الأكاسِرة المُمَلَّكين، ومَن وَلِي بعده وُلاة مُتضَعِّفون» (^٤)، و«مَا مَلَكَ مَن لم يكُن لمُلكِه طائلٌ ولا ثبوت» (^٥)!\nفبانَ بذا أنْ لا كِسرى مِن بعدِه مِن حيث المُلك حقيقةً، إنمَّا هو اسم فارغٌ مِن المعنى.\nفإن قال قائل: قَدَّرنا صِحَّةَ هذا المعنى في كِسرى، فكيف بقيصرَ ومملكةُ الرُّوم لم تَزَل بعدَه قرونَ عديدة؟\nوجواب ذلك أن يُقال:\nإنَّ مُلك قيصرَ قد انجلى عن الشَّامِ بالكليَّة، واستُفتِحت خزائِنُه، ولم يخلُفه مِن ملوك الرُّومِ في تلك البلادِ أَحَد، والنَّبي ﷺ إنَّما أخبرَ العَربَ عن هلاكِه حيث كان في زَمانِه (^٦) -كما أسلفنا تقريرَه- إذْ كانت العَرَب لا تجعَلُ (قيصرَ) عَلَمًا إلَّا\n_________\n(^١) انظر «كشف المشكل» لابن الجوزي (١/ ٤٤٩)، و«التوضيح» لابن الملقن (٢٠/ ٢٠١).\n(^٢) انظر «إيران في عهد السَّاسانيِّين» للكاتب الدَّانماركي: أَرْثِر كريسْتِنْسِن (ص/٤٨٠).\n(^٣) انظر «تجارب الأمم وتعاقب الهِمم» لابن مسكويه (١/ ٢٤٦ - ٢٥٣).\n(^٤) «الجواب الصحيح» لابن تيمية (٦/ ١٠٠) بتصرف يسير.\n(^٥) «الوفا بتعريف فضائل المصطفى» لابن الجوزي (ص/٢٢٧).\n(^٦) انظر «فيض الباري» للكشميري (٤/ ٢٣٢).","vol":"2","page":975},{"text":"على مَن مَلَك الشَّام مع الجَزيرة (^١) مِن الرُّوم، فإذا سَقَطت الشَّام مِن مَملكتِه، انتفى لَقَب القَيصريَّة تَبعًا لذلك (^٢).\nهذا، وقد كانت الشَّام لقيصرَ «مَشْتاه ومَربَعُه، وبها بيت المَقدس، وهو المَوضع الَّذي لا يَتِمُّ نُسُك النَّصارى إلَّا فيهنَّ، ولا يُمْلِ على الرُّوم أحَدٌ مِن ملوكِهم، حتَّى يكونَ قد دَخَله سِرًّا أو جهرًا» (^٣).\nولذلك لوحِظَ تاريخيًّا تَخلِّي مُلوك الرُّومِ البِيزَنطيِّينَ عن لَقبِ (القَيصر) بعد ما جرى عليهم في تلك الأرض المُقدَّسة ما جَرى، وانْمحَى فيهم هذا الاسم بعدُ تَدريجيًّا.\nوفي ذلك يقول أبو زرعة العِراقي: «مِمَّا انقرَضَ ولم يعُد: بقاءُ اسمِ قيصر، لأنَّ ملوك الرُّوم لا يُسمَّون الآن بالأقاصِرة، وذَهَب ذلك الاسم عن مُلكِهم، فصَدَق أنَّه لا قيصر بعد ذلك الأوَّل» (^٤).\nهذا مع فقدِهم لبلادٍ واحدةٍ وهي الشَّام، فكيف يكون بُأسُ دولةِ هرقلٍ وقد فقدوا بعدها بلادَ مِصر؟!\nلقد كان هِرقلٌ نفسُه مُعترِفًا بأنَّ سقوط هذين القُطرَين العَظيمين لا يُسقِط حكمَ القيصريَّةِ فحسب، بل هو إيذانٌ باندثارِ دولةِ الرُّوم بأكملِها، فكان يقول: «لَئِن ظَهَرت العَربُ على الإسكندريَّة، إنَّ ذلك انقطاعُ مُلك الرُّوم وهلاكُهم؛ لأنَّه ليس للرُّوم كنائس أعظمُ مِن كنائس الإسكندريَّة، وإنَّما كان عيد الرُّوم بالإسكندريَّة حيث غَلَبت العَرب على الشَّام، فلَئِن غَلبونا على الإسكندريَّة لقد هَلَكَت الرُّوم، وانقطعَ مُلكها» (^٥).\n_________\n(^١) هي البلاد الَّتي بين نَهري دجلة والفرات، مجاورة الشَّام، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، تشتمل على دِيار مُضر وديار بكر، انظر «معجم البلدان» (٢/ ١٣٤).\n(^٢) انظر «البداية والنهاية» لابن كثير (٦/ ٤٩١)، و«مرآة الجنان» لليافعي (٢/ ٢٣٦).\n(^٣) «أعلام الحديث» (٢/ ١٤٤٧).\n(^٤) «طرح التَّثريب» (٧/ ٢٥٣).\n(^٥) «فتوح مصر والمغرب» لابن عبد الحكم (ص/٩٩).","vol":"2","page":976},{"text":"فقد كان ما خَشِيَه حقًّا! فإنَّه بعد تخلِّيه عن الشَّام، ورجوعِه القَهقرى إلى داخل بلادِه وقواعدِها مِن قُسطنطينية، هَلَك أثناء حصارِ عمرو بن العاص ﵁ للإسكندريَّة سنة (٦٤١ م)، «ولم يكُن قد بَقِيَ مِن أرض مصرَ في أيدي الرُّوم عند وفاةِ هرقل سِوى هذه المدينة، وبدخولهِا في حَوْزة المسلمينَ في السَّنةِ التَّاليةِ، تَمَّ لهم فتحُ مصرَ، واقتطاعُها نهائيًّا مِن الإمبراطوريَّة البِيزَنطيَّة» (^١).\nفظَهَر بهذا أنَّ قوله ﷺ: «لا قيصر» هو على حقيقتِه، لأنَّ القيصر لقبُ مَلِك الشَّام مِن الرُّوم، وليس لقبًا لمَلِك الرُّوم مُطلقًا، وقد انزاحَ مُلك الرُّومِ عن الشَّام، فانزاح معها لقب القيصريَّة تَبَعًا، «وفي هذا بِشارة عظيمةٌ بأنَّ مَلِك الرُّوم لا يعود أبدًا إلى أرض الشَّام» (^٢).\nوأمَّا قوله ﷺ: «لا كِسرى»: فالمُراد مِنه وَقَع لا مَحالة، لأنَّه لم تَبقَ مملكتُه على الوجهِ الَّذي كان زمنَ النَّبي ﷺ، ولم يثبُت لأحدٍ بعدَه مُلكٌ حتَّى اضمحلَّت دولتُه سَريعًا؛ وكان أنِ «افتَتَح المسلمون بلادَهما، واستقرَّت للمسلمين ولله الحمد، وأنفقَ المسلمون كنوزَهما في سبيلِ الله كما أخبرَ ﷺ، وهذه معجزات ظاهرة» (^٣).\nولذلك عَدَّ العلماء هذا الخَبر منه ﷺ مِن أعلامِ نُبوَّتِه (^٤).\n_________\n(^١) «تاريخ الامبراطورية البيزنطية» لـ د. محمد مرسي الشيخ (ص/٨٨) بتصرف يسير.\n(^٢) «البداية والنهاية» لابن كثير (٦/ ٤٩١).\n(^٣) «شرح النَّووي على مسلم» (١٨/ ٤٢).\n(^٤) كأبي نُعيم في «دلائل النبوة» (ص/٥٤٣)، وابن تيميَّة في «الجواب الصحيح» (٦/ ١٠٠).","vol":"2","page":977},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>المَبحث الخامس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث انقضاءِ قرن الصَّحابةِ بعد المائة</span>","vol":"2","page":979},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>المَطلب الأوَّل سَوْق أحاديثِ انقضاءِ قرن الصَّحابةِ بعد المائة</span>\nعن أنس ﵁: أنَّ رجلًا من أهل البادية أتى النَّبي ﷺ فقال: يا رسول الله، متى السَّاعة قائمة؟ قال: «ويلك! وما أعددت لها؟» قال: ما أعددتُ لها إلَّا أنِّي أحبُّ الله ورسوله، قال: «إنَّك مع من أحببت»، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: «نعم»، ففرحنا يومئذٍ فرحًا شديدًا، فمرَّ غلام للمغيرة، وكان من أقراني، فقال: «إنْ أُخِّر هذا، فلن يدركه الهَرم حتَّى تقوم السَّاعة» متَّفق عليه (^١).\nوعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلمَّا سلَّم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإنَّ على رأس مائة سنةٍ منها لا يبقى ممَّن هو على ظهر الأرض أحد»، قال ابن عمر: فوَهَل النَّاس في مقالة رسول الله ﷺ تلك، فيما يتحدَّثون مِن هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنمَّا قال رسول الله ﷺ: «لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد»، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، متَّفق عليه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الأدب، باب: ما جاء في قول الرجل ويلك، رقم: ٦١٦٧)، ومسلم في (ك: الفتن، باب: قرب الساعة، رقم: ٢٩٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: العلم، باب: السمر في العلم، رقم: ١١٦)، ومسلم (ك: فضائل الصحابة، باب: قوله ﷺ: لا تأتي مئة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة، رقم: ٢٥٣٧) واللفظ له.","vol":"2","page":981},{"text":"وعن عائشة ﵂ قالت: كان رجال من الأعراب جُفاة يأتون النَّبي ﷺ فيسألونه: متى السَّاعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إن يعش هذا لا يدركه الهَرم حتَّى تقوم عليكم ساعتُكم»، قال هشام: يعني موتهم؛ متَّفق عليه (^١).\nوعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النَّبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن السَّاعة وإنَّما علمها عند الله؟! وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسةٍ تأتي عليها مائة سَنة» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: الرقائق، باب: سكرات الموت، رقم: ٦٥١١) واللفظ له، ومسلم (ك: الفتن، باب: قرب الساعة، رقم: ٢٩٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: فضائل الصحابة، باب: قوله ﷺ: لا تأتي مئة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة، رقم: ٢٥٣٨).","vol":"2","page":982},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>المَطلب الثَّاني سَوق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لأحاديث انقضاءِ قرن الصَّحابة بعد مائة سنة</span>\nيَدَّعي جمعٌ مِن المعاصرين بأنَّ الأخبار في هذا البابِ كذب على النَّبي ﷺ، لمخالفتها لما هو معلوم بالضَّرورة والحسِّ عدمُ تحقُّقه، فإنَّ ربط قيام السَّاعة بانصرام مائة سنةٍ، أو بوفاة الغلام، يستلزم ذلك قيامها منذ أمَدٍ بعيد!\nفاسمع (أحمد أمين) وهو يقول: «نرى البخاريَّ نفسه -على جليل قدره ودقيق بحثه- يُثبت أحاديث دلَّت الحوادث الزَّمنية والمشاهدة التَّجريبيَّة على أنَّها غير صحيحة، .. كحديث: لا يبقى على ظاهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة» (^١).\nويقول (سامر إسلامبولي): «المُلاحظ من الحديث أنَّ الجواب قد حدَّد قيام السَّاعة خلال فترة زمنيَّة لا تتجاوز أن يبلغ الغلام سنَّ الهَرم، أي ما يقارب السِّتين عامًا، وقد مضى على قولِ الحديث ألف وأربعمائة عام ولم تقم السَّاعة! فهناك احتمالان: أنَّ الغلام لم يبلغ إلى الآن سنَّ الهَرم، أو أنَّ السَّاعة قد قامت ولم ندرِ نحن، ونكون قد نفذنا من الحساب!» (^٢).\n_________\n(^١) «فجر الإسلام» لأحمد أمين (ص/٢١٨)، مع التنبيه على أن البخاريَّ لم يروِ حديث جابر هذا الَّذي نسبه له أحمد أمين، بل هو في «صحيح مسلم».\n(^٢) «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٢٣).","vol":"2","page":983},{"text":"وآخرون يَعتبرون أنَّ هذه الأحاديث لا يجوز للنَّبي ﷺ أن يتفوَّه بها أصلًا وقد حُجِب عنه وعن الخلقِ كلِّهم علم السَّاعة؛ كما تراه في قولِ إسماعيل الكردي:\n«يُشْكِل على متن هذه الرِّواية أيضًا أنَّ فيها مخالفةً لآيات القرآن الكريم، الَّتي تؤكِّد مرارًا أن لا أحد يعلم متى السَّاعة إلَّا الله وحده والَّتي يأمر فيها الله سبحانه نبيَّه الكريم أن يجيب من يسأله عن السَّاعة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [المُلك: ٢٦]» (^١).\nوكذا يقول عز الدِّين نيازي: «.. إنَّ رؤية الحقِّ لا تحتاج إلى علم خاصٍّ ولا إلى ذكاء خارق، الله سبحانه في وحيه الأساسيِّ يقول لنا: إنَّ علم السَّاعة عند الله وحده، ولا يجلَّيها إلَّا هو، ونحن نصرُّ ونكذِّب آيات الله في القرآن، ونقول: بل إنَّ الرَّسول ﷺ يعلم! وقد قال: لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نَفْس منفوسة اليوم» (^٢).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٨٥).\n(^٢) «دين السلطان» (ص/٤١١).","vol":"2","page":984},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>المَطلب الثَّالث دَفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن أحاديثِ انقضاءِ قرن الصَّحابة بعد المائة</span>\nلا يَنقضي عَجبي مِن هؤلاء السُّرْعانِ في تجهيلِ المحدِّثين والطَّعنِ في مرويَّاتِهم، من دون تريُّثٍ وتأمُّل في صنيعِهم وما قد يرد عليه من وهمٍ وسوء فهمٍ، لربَّما كشف عنه أهل العلمِ منذ قرون عديدة.\nفلو سألناهم -مثلًا- عمَّا يزعمون مِن تكذيب الواقع لأحاديث هذا الباب: هل هو أمرٌ ظَهَر لكم مَعاشر المُحْدَثين بخاصَّة؟ أم ظَهَر لِمن سبَقكم مِن عقلاءِ السَّلف؟\nوبصيغةٍ أدقَّ نقول: متى كان سيظهر تكذيبُ الواقع لمثلِ هذا الخَبر الَّذي بَلَغ رتبة القطعِ عند المحدِّثين؟\nفلا بدَّ أن يقولوا: مثل هذا الأمر الجَليِّ الواضح في المخالفةِ للواقعِ لابدَّ أن يكون قد ظَهَر لِمن قَبلنا بداهةً، وتحديدًا بعد هرمِ الغُلامِ، أو انقضاء المائة سنةٍ بعد وفاةِ النَّبي ﷺ!\nفنقول لهم: إن كان النَّبي ﷺ قد قال هذا الحديث وغيره ممَّا في معناه سنة عشرٍ للهجرة، فسيكون المُجلِّي لكذبِ هذه الأخبار هو سنة (١١٠ هـ)! إذ به يكتمل قرنٌ من زمنِ تحديثه به.","vol":"2","page":985},{"text":"لكنَّا وجدنا المحدِّثين يصحِّحون هذه الأحاديث، ولو بعد مرور هذه السَّنة العاشرة بعد المائة! حيث رواه التَّابعون وأتباعهم في كُتبِهم، مع مخالفته القطعيَّة للواقعِ كما يدَّعيه المعترضونَ! بل أخرجها البخاريُّ ومسلم في «صحيحيهما»، وقد مَرَّ على ظهورِ كذبِه للأعمى -حسب دعواكم- أكثر مِن مائة وأربعين سنةً!\nفلن يبقى لنا في الحكمِ على هؤلاء المُحدِّثين حسب دعواكم إلَّا القول بأحدِ احتمالين:\nإمَّا مجانين كلُّهم! يصحِّحون ما يظهر كذبه لأغبى الخليقةِ، ثمَّ يلحقهم في هذا الجنونِ عوَّام المسلمين، حيث أقرُّوا علماءهم على تلك الغباوة المفرطة، وأخذوا عنهم هذه الأخبار.\nوإمَّا أنَّهم لم يجدوا في هذه الأخبار ما يُخالف الواقعَ بحالٍ، فلذلك قبلوها.\nإنَّ ظنِّي بالمُعترض أنَّه مهما خالفَ البخاريَّ ومسلمًا وأئمَّة الدِّين في منهج النَّقدِ للرِّوايات، فإنَّه لن يبلُغَ به الشَّطَط في الخصومةِ أن يعتقد فيهم الجنونَ والتَّغابي إلى هذه الدَّرجةِ من البَله.\nفعليه -إذن- أن يُقرِّر أنَّ لهؤلاء تفسيرًا للحديث يدفع ما قد يظنُّه معارضةً مِن الخبر للشَّرع والواقعِ، ولينظر في تفسيرِهم ذلك للحديثِ، ثمَّ لينقُده بعدُ إذا شاء أن ينقد، لكن لا يحِقُّ له أن يَتوهَّم في مَن صَحَّح الحديث مِن سادات الأمِّةِ أنَّهم كانوا في غفلةٍ عمَّا يستشكله أمثالُ المُعتِرض من الحديث.\nفإذا رجعنا إلى «الصَّحيحين» نفسيهما، في الَمواطن الَّتي أخرج فيها الشَّيخان حديث أنس ﵁: «إنْ أُخِّر هذا، فلن يدركه الهَرم حتَّى تقوم السَّاعة»، نجِدُهما قد أخرجا بإزاءِه الحديثَ المفسِّر لِما قد يُشكِل مِن فهمِه، وهو:\nحديث عائشة ﵂، وبه خَتمتُ أحاديث هذا الباب فيما مَرَّ، ليكون كاشفًا لِما مَضى قبلَه مِن أحاديث قد تكون مجملةً، حيث جاء في آخره قولُ النَّبي ﷺ: «إنْ يَعِش هذا، لا يُدركه الهَرَم حتَّى تقوم عليكم ساعتُكم»، قال هشام: يعني موتَهم».","vol":"2","page":986},{"text":"فلو فرَضنا أنَّ البخاريَّ لا يَعِي مِن فهمِ الحديثِ شيئًا، وأنَّه المسكينُ لا يَدْرِي أنَّ السَّاعة لم تَقُم بعد موتِ ذاك الغُلام! فلقد بَيَّن له هشام بن عورة هذا المعنى الواضح في آخر روايتِه للحديث بقوله: «يعني موَتهم»، أي: لن يهرم هذا الغلام حتَّى يموت السَّائل، فتقوم قيامَته، إذْ المَوتُ سَاعةُ كلِّ إنسان، ومن مات فقد قامت قيامتُه.\nغير أنَّ هذا الَّذي قاله هشام هو ما فهِمه البخاريُّ ومسلم وباقي الأئمَّة حقًّا، بل هو ما كان واضحًا عند علماء الصَّحابة قبلهم قبل أن يهرم ذلك الغلام! كما تراه في ثاني أحاديثِ هذا الباب، في قولِ ابن عمر ﵁: «.. إنمَّا قال رسول الله ﷺ: «لا يَبْقى مِمَّن هو اليومَ على ظهرِ الأرض أحدٌ»، يريد بذلك أن ينخرِمَ ذلك القرن».\nيقول ابن حجر: «قد بَيَّن ابنُ عمر في هذا الحديث مُراد النَّبي ﷺ، وأنَّ مُراده أنَّ عند انقضاءِ مائةِ سنةٍ مِن مقالتِه تلك ينخرم ذلك القَرن، فلا يبقى أحدٌ ممَّن كان موجودًا حال تلك المقالة.\nوكذلك وَقع بالاستقراء، فكان آخر مَن ضُبِط أمرُه ممَّن كان موجودًا حينئذٍ: أبو الطُّفيل عامر بن واثلة، وقد أجمعَ أهل الحديث على أنَّه كان آخر الصَّحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه أنَّه بَقِي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنةٍ مِن مقالة النَّبي ﷺ» (^١).\nونحن نَعلمُ أنَّ عبد الله بن عمر ﵁ توفي سنة (٧٣ هـ)، أي: أنَّه قد فهِم الحديث فهمًا صحيحًا قبل أن يُقطَع بمجيءِ سنة (١١٠ هـ)، وهو الوقت المضروب لظهورِ كذبِ الحديث، حسب زعمِ المعترضين من المعاصرين!\nوعلى نحوِ فهمِ ابن عمر ﵁ ينبغي أن تُفهم أحاديث النَّبي ﷺ مجموعًا طُرقها بعضها إلى بعض، لا بأن يُنظر في كلِّ واحدٍ منها مُنعزلًا عن الآخر؛ فما\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٧٥).","vol":"2","page":987},{"text":"جاء في روايةٍ مجملةٍ بلفظٍ: «السَّاعة» مُطلقةً دون إضافة، بيَّنته رواية أخرى بإضافتها إلى ساعةِ ذلك القَرنِ المُخاطَبِ: «تقوم عليكم ساعتُكم».\nيقول النَّووي: «هذه الأحاديث قد فَسَّر بعضُها بعضًا، وفيها عَلَم من أعلام النُّبوة، والمُراد أنَّ كلَّ نفسٍ منفوسةٍ كانت تلك اللَّيلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر مِن مائة سنة، سواء قلَّ أمرُها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفيُ عيشِ أحدٍ يوجد بعد تلك اللَّيلة فوق مائة سَنة» (^١).\nالعجيب في هذا: أنَّ ذاك المعنى الخاطئ الَّذي توَهَّمه المُحْدَثون من الحديث، فظنُّوه اكتشافًا حصريًّا لهم، قد وَقَع مثله قديمًا زمنَ المقالةِ النَّبوية نفسِها! فقد جاء في كلامِ ابن عمر ﵁: «.. فوَهَل النَّاس -أي غلِطوا- في مقالةِ رسول الله ﷺ تلك، فيما يتَحَدَّثون مِن هذه الأحاديثِ عن مائةِ سَنة».\nفعلماء الصَّحابة والتَّابعين قد نَبَّهوا على خطأِ هذا الفهمِ، وليس هو مَعنًى تأوَّله أهل السُّنةِ حَديثًا وتَعسَّفوا في تفسيرِ الحديث به، تفاديًا لتخطئةِ المُحدِّثين كما يزعمه المُبطِلون.\nفإن قال قائل: إن كان الأمرُ كما قرَّر مَن ذكرتَ مِن أهل العلم، فلماذا أجابَ النَّبي ﷺ بأنْ أشار إلى عُمْرِ الغُلامِ، أو انخرامِ القرن، ولم يكتفِ بنفِي علمِه بالسَّاعةِ رأسًا؟\nفجواب ذلك:\nأنَّ الأعرابَ مِن جفائهم كانوا يَسألون النَّبي ﷺ عن مَوعدِ السَّاعة، ومع أنَّ الجواب قد حُسِم في القرآن، إلَّا أنَّه ﷺ لم يحِبَّ أن يرُدَّ جفاءَهم ذاك كلَّ مَرةٍ بجفاءٍ منه، فأرادَ أن يُلفِت انتباهَهم بأسلوبِ الحكيمِ، إلى كون السُّؤال عن وقتِ السَّاعة -فضلًا عن جهلِ المَسئولِ به- لن يَنفعهم في شيء، إنَّما ينفع المرءَ عملُه ومحاسبةُ نفسِه عليه، كما قال للأعرابي: «وما أعددتَ لها؟!».\n_________\n(^١) «شرح النووي على مسلم» (١٦/ ٩٠).","vol":"2","page":988},{"text":"فأراد ﷺ أن يؤكِّد هذا المعنى للسَّائل فقال: «إنْ أُخِّرَ هذا، فلن يُدركه الهَرم حتَّى تقوم السَّاعة»، وفي الرِّواية الأخرى: «إنْ يَعش هذا، لا يُدركه الهَرم حتَّى تقوم عليكم ساعتُكم».\nفكأنَّه ﷺ يريد بهذا أن يقول له: إنَّه مهما يكُن مَوعدُ السَّاعةِ أيُّها السَّائل، فإنَّك لن تفوق في العُمرِ عمرَ هذا الغلامِ الصَّغير، وموتُك حينها قيامُ ساعتِك، فانظر فيما قدَّمتَ مِن عملٍ قبل موتك! (^١)\nوبذا يتبيَّن لكلِّ منصفٍ ألَّا تعارض بين الحديث وبين الواقع البتَّة، فضلًا عن أن يكون معارِضًا للقرآن في نفي علم السَّاعة عن غير الله تعالى.\nوالحمد لله على توفيقه.\n_________\n(^١) مُستفاد من مَقال جدليٍّ للدُّكتور حاتم العوني في الموقع الإلكترونيِّ لمركز نماء للبحوث والدِّراسات، المنشور بتاريخ ٤/ ٩/١٤٣٥ هـ.","vol":"2","page":989},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المَبحث السَّادس نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث «خلق التُّربة يوم السَّبت»</span>","vol":"2","page":991},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>المَطلب الأوَّل سَوق حديث خلق التُّربة يوم السَّبت</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: أخَذَ رسول الله ﷺ بيَدِي فقال:\n«خَلَق الله ﷿ التُّربةَ يوم السَّبت، وخَلق فيها الجِبال يومَ الأحد، وخلق الشَّجر يومَ الاثنين، وخلق المكروه يوم الثُّلاثاء، وخلق النُّور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدَّواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر مِن يوم الجمعة، في آخرِ الخلقِ، في آخرِ ساعةٍ مِن ساعاتِ الجمعة، فيما بين العَصر إلى اللَّيل». رواه مسلم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: صفة القيامة والجنة والنار، باب: ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇، رقم: ٢٧٨٩).","vol":"2","page":993},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>المَطلب الثاني سَوْق خِلافِ العلماءِ في صحَّةِ حديثِ خَلْقِ التُّربة يومَ السَّبت</span>\nقد اختلف أهل العلمِ في هذا الحديث قديمًا وحديثًا على طائفتين:\nالأولى: رَأت الحديثَ مُنكرَ المتنِ، واختلفت في أصل هذه النَّكارة من السَّنَد.\nفمِن أشهر هؤلاءِ المُعلِّين للحديث: ابنُ المَديني (^١)، والبخاريُّ (^٢)، وابن عطيَّة الأندلسي (^٣)، وأبو العبَّاس القرطبي (^٤)، وتلميذه المُفسِّر أبو عبد الله القرطبيُّ (^٥)، وابن تيميَّة (^٦)، وابن القيِّم (^٧)، وابن كثير الدِّمشقي (^٨)، ومحمَّد بن نصر القُرَشي (^٩)، وعبد الرَّؤوف المُناوي (^١٠)، وشهاب الدِّين الآلوسيُّ (^١١).\n_________\n(^١) انظر «الأسماء والصفات» للبيهقي (٢/ ٢٥٠).\n(^٢) «التاريخ الكبير» (١/ ٤١٣).\n(^٣) «المحرر الوجيز» (٣/ ١٥٢).\n(^٤) «المفهم» (٢٤/ ١١).\n(^٥) «الجامع لأحكام القرآن» (٦/ ٣٨٤).\n(^٦) انظر «الجواب الصحيح» (٢/ ٤٤٣)، و«مجموع الفتاوى» (١/ ٢٥٦) (١٨/ ١٨).\n(^٧) انظر «المنار المنيف» (ص/٨٤)، و«بدائع الفوائد» (١/ ٨٥).\n(^٨) «البداية والنهاية» (١/ ٣٢ - ٣٣).\n(^٩) في كتابه «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» (٤/ ٥٦٨).\n(^١٠) «فيض القدير» (٣/ ٤٤٧).\n(^١١) «روح المعاني» (٤/ ٣٧٣).","vol":"2","page":994},{"text":"ومِن المعاصرين: جمال الدِّين القاسمي (^١)، ومحمَّد رشيد رضا (^٢)، وعبد الحفيظ الفاسي (^٣)، وأحمد الغُماري (^٤)، ومحمَّد الأمين الشَّنقيطي (^٥)، ومحمَّد أبو شهبة (^٦)، وشعيب الأرنؤوط (^٧).\nوالطَّائفة الثَّانية: لم تَرَ في الحديثِ ما يُستنكر، فصَحَّحته لظاهرِ إسناده.\nوعلى رأس هؤلاء: مسلم بن الحجَّاج، وقبله محمَّد ابن إسحاق صاحب «السِّيرة» (^٨)، ثمَّ ابنُ حبَّان (^٩)، وابنُ الجوزي (^١٠)، والسُّهَيْلي (^١١).\nومِن أهل اللُّغةِ: ابن الأنباري (^١٢)، وتبِعَه أبو منصور الأزهريُّ (^١٣).\nومِن المعاصرين: أحمد شاكر (^١٤)، وانتصَرَ لصحَّتِه: عبد الرَّحمن المُعلِّمي (^١٥)، وناصر الدِّين الألباني (^١٦).\n_________\n(^١) «محاسن التأويل» (٥/ ٦٨).\n(^٢) «تفسير المنار» (٨/ ٣٩٩).\n(^٣) «الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المسلسلات» (ص/٢١٦).\n(^٤) «المُداوي لعلل المناوي» (٣/ ٤٨٤).\n(^٥) «العَذب النَّمير من مجالس الشَّنقيطي في التَّفسير» (٣/ ٣٤٥).\n(^٦) «دفاع عن السُّنة ودفع شبه المستشرقين» (ص/١٣٢ - ١٣٤).\n(^٧) وكان صحَّح إسنادَه في تخريجه لـ «صحيح ابن حبان» (رقم: ٦١٦١)، ثمَّ أبان عن علَّة الحديث في تخريجه لـ «مسند أحمد» (١٤/ ٨٢، رقم: ٨٣٤١).\n(^٨) انظر «تاريخ الطبري» (١/ ٤٤ - ٤٥).\n(^٩) حيث أخرجه في «صحيحه» (ك: بدء الخلق، باب: ذكر اليوم الذي خلق الله جل وعلا آدم ﷺ فيه، رقم: ٦١٦١).\n(^١٠) «المنتظم» (١/ ١٢٤)، و«زاد المسير» (٧/ ٢٤٣).\n(^١١) «الرَّوض الأُنف» (٢/ ١٩٧).\n(^١٢) «الزَّاهر في معاني كلمات النَّاس» لابن الأنباري (٢/ ١٣٨).\nوابن الأنباري: هو الشَّيخ المُعمِّر أبو بكر محمد بن جعفر بن الهيثم، مسند بغداد ومُحدِّثها، من علماء اللغة، توفي (٣٦٠ هـ)، انظر «تاريخ الإسلام» (٨/ ١٥٢).\n(^١٣) «تهذيب اللغة» (١٢/ ٢٦٩).\n(^١٤) انظر تعليقه على «مسند الإمام أحمد» (١٦/ ١٤٦).\n(^١٥) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٨٩ - ١٩٠).\n(^١٦) انظر «مختصر العُلو» (ص/١١٢)، و«سلسلة الأحاديث الصحيحة» (١٨٣٣).","vol":"2","page":995},{"text":"فأمَّا الفريق الأوَّل: فقد أعَلُّوا الحديث متنًا مِن عدَّة وجوهٍ من المعارضاتٍ (^١):\nالمُعارضة الأولى: أنَّ الحديثَ جَعَل استيعابَ الخلقِ في سبعةِ أيَّام، وهذا خلافُ القرآن، الَّذي أخبر أنَّ الله تعالى في عدَّة آياتٍ من كتابه أنَّه ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة: ٤].\nالمعارضة الثَّانية: أنَّه خَلَا مِن ذِكْرِ خَلقِ السَّموات.\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّه جَعَل خلْقَ الأرض وما فيها في سِتَّة أيَّام، والقرآنُ يُخبر أنَّ الأرضَ خُلِقَت في أربعةِ أيَّام، ثمَّ خُلِقَت السَّماءُ في يَومين، كما في قوله تعالى:\n﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].\nالمعارضة الرَّابعة: مخالفتُه للآثارِ المُصرِّحة بأنَّ أوَّل أيَّام الخَلْقِ السِّتة هو يوم الأحد (^٢)؛ وعلى ذلك نقَلَ ابن جرير الطَّبري إجماعَ السَّلف (^٣)، ودَلَّت عليه أسماءُ أيَّامِ الأسبوع: الأحد إلى الخميس.\nوفي تقرير هذه المعارضاتِ للحديث، يقول ابن تيميَّة:\n«ثَبَت بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ أنَّ الله تعالى خَلقَ السَّمواتِ والأرضَ في ستَّة أيام، وأنَّ آخرَ ما خَلَقَه هو آدم، وكان خَلْقُه يومَ الجمعة، وهذا الحديث\n_________\n(^١) ذكرها المعلمي في «الأنوار الكاشفة» (ص/١٨٨ - ١٨٩).\n(^٢) انظر الآثار في ذلك عن ابن عباس، وعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ومجاهد، والضحاك، والسُّدي، وغيرهم، في: «جامع البيان» للطبري (١/ ٤٦٤) (١٢/ ٣٢٩) (٢٠/ ٣٨٢)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٤/ ١٣٦١ - ١٣٦٥)، وانظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٧/ ٢٣٦)، و«البداية والنهاية» لابن كثير (١/ ٣٣).\n(^٣) انظر «تاريخ الرسل والملوك» (١/ ٤٥).","vol":"2","page":996},{"text":"المُختلَف فيه يقتضي أنَّه خَلَق ذلك في الأيَّامِ السَّبعة؛ وقد رُوِي إسنادٌ أصحُّ مِن هذا أنَّ أوَّلَ الخلقِ كان يومَ الأحد» (^١).\nوقال أيضًا: «لمَّا ثَبَت بهذه الأحاديث الَّتي في الصِّحاح والسُّنَن والمسانيد وغيرها، أنَّ آدمَ خُلِق يوم الجمعة، وثَبَت أنَّه آخرُ المَخلوقاتِ بلا نزاعٍ: عُلِم أنَّ ابتداءَ الخلْقِ كان يومَ الأحد، لأنَّ القرآنَ قد أخبرَ أنَّ الخلْقَ كان في سِتَّة أيَّام، وبهذا النَّقلِ المُتواترِ، مع شهادةِ ما عند أهلِ الكتابِ على ذلك، ومُوافقةِ الأسماء، وغير ذلك: عُلِم ضعفُ الحديث المُعارض لذلك.\nمع أنَّه في نفسِه مُتَعارِض! فهذا الحديث قد بَيَّن ما يُوافق سائرَ الأحاديث مِن أنَّ آدم خُلِق يوم الجمعة، وأنَّه خُلِق آخرَ الخلقِ، ومَعلومٌ بنصوصِ القرآنِ أنَّ الخَلق كان في ستَّةِ أيَّام، وذلك يَدلُّ على ما وَقع فيه مِن الوَهم بذكرِ الخلقِ يومَ السَّبت» (^٢).\nوقال ابن القيِّم عن يوم السَّبت: «لم يَكُن يومًا مِن أيَّامِ تخليقِ العالَم، بل ابتداءُ أيَّام التَّخليقِ الأحد، وخاتمتها الجمعة، هذا أصَحُّ القولين، وعليه يَدلُّ القرآن، وإجماعُ الأمَّة على أنَّ أيَّامِ تخليقِ العالَم ستَّة، فلو كان أوَّلُها السَّبت، لكان سبعة؛ وأمَّا حديث أبي هريرة الَّذي رواه مسلم في صحيحه: «خَلقَ الله التُّربة يوم السَّبت ..» .. فيَتَضمَّنُ أنَّ أيَّام التَّخليق سبعةٌ، والقرآن يردُّه» (^٣).\nوقال ابن كثير في الحديث: «في مَتنِه غَرابةٌ شديدةٌ! فمِن ذلك: أنَّه ليس فيه ذكرُ خلقِ السَّماواتِ، وفيه ذكرُ خلقِ الأرض وما فيها في سبعة أيَّام، وهذا خلاف القرآن؛ لأنَّ الأرض خُلِقت في أربعة أيَّام، ثمَّ خُلِقت السَّماوات في يومين مِن دخان» (^٤).\n_________\n(^١) «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لابن تيمية (ص/١٨٨).\n(^٢) «بغية المرتاد» لابن تيمية (ص/٣٠٥).\n(^٣) «بدائع الفوائد» (١/ ٨٥).\n(^٤) «البداية والنهاية» (١/ ٣٣).","vol":"2","page":997},{"text":"وأمَّا الفريق الثَّاني مِمَّنْ تابَعَ مُسلمًا في تصحيحِ الحديث:\nفكانت أغلبُ أجوبتِهم عن المُعارضاتِ السَّابقةِ مُنحصرةً في الإجابة عن العِلَّة الأساسةِ الأولى، أعني بها: «مخالفةَ الحديثِ لعَددِ أيَّام الخَلْقِ السِّتة المَذكورة في القرآن»، وهي إجابةٌ منهم تمثِّل في ذاتها توجيهًا لمَفهومِ الحديث، يخلُص النَّاظرُ فيها إلى أنَّهم: يجعلون بَدْءَ الخلقِ يومَ السَّبت، وخَتْمَه يومَ الخميس، فهذه سِتَّة أيَّامٍ كما في القرآن، أمَّا خَلْقُ آدم ﵇، فيجعلونه خارجًا عن هذه الأيَّامِ السِّتةِ للخَلْقِ؛ وبهذا يَندفعُ الإشكال مِن وجهةِ نَظرهِم.\nمع اختلافِهم في وَجهِ هذا الخروجِ لآدم ﵇ عن خلقِ الأيَّام السِّتة، على وَجْهينِ:\nالأوَّل: فيذهبُ فيه بعضهم إلى أنَّ خَلْقَ آدم ﵇ مُستَقلٌّ عن خَلْقِ الأرض، فليس هو مِنها، فلا يكون يومُه مَعدودًا في الأيَّامِ السِّتة أصلًا.\nوفي تقريرِ هذا الوجه، يقول ابن هُبيرة (ت ٥٦٠ هـ): «لمَّا كمُلَت هذه الأشياء في سِتَّة أيَّام كما قال ﷿، واستَتَبَّ أمرُ الدَّار، مُستدعيةً بلسانِ حالِها قدومَ السَّاكنِ حين تهيئةِ الأسبابِ، والفراغِ مِن الرِّزق والمَركب والرِّياش، وتبيِين ما يُكرَه وما يُطلب: كان خَلقُ ساكنِ الدَّارِ أبي البَشر في يومِ الجمعةِ عند آخرِ النَّهار» (^١).\nأمَّا ابن الجوزيِّ، فرأيُه أنَّ أصولَ الأشياءِ هي الَّتي خُلِقَت في الأيَّام السِّتة، وليس مُطلَق الأشياء، وآدم ليس أصلًا، وإنَّما هو كالفَرْعِ مِن بعضِها، وكأنَّ قولَه هذا شارحٌ لِما سَبَق مِن كلامِ ابنِ هُبيرة.\nيقول ابن الجوزيِّ: «إنْ قيل: فالقرآن يَدلُّ على أنَّ خلقَ الأشياء في ستَّة أيَّام، وهذا الحديث يدلُّ على أنَّها في سبعةٍ! فالجواب: أنَّ السَّموات والأرض وما بينهما خُلِقَ في ستَّة أيَّام، وخُلق آدم مِن الأرض، والأصول خُلِقت في ستَّة، وآدم كالفرعِ مِن بعضها» (^٢).\n_________\n(^١) «الإفصاح» لابن هبيرة (٨/ ١٤٩).\n(^٢) «كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٥٨٠).","vol":"2","page":998},{"text":"ولِما بين هذين القَولين مِن تَشاكل، جَمَع بينهما المُعلِّمي في جوابٍ له على وجه خروج آدم ﵇، وزاد عليهما: أنَّ خَالقيَّة الله تعالى لمْ تَتَوقَّف بعد الأيَّام السِّتة أصلًا حتَّى يُحصَرَ خَلقُ آدم فيها، فالله ما زال ولا يزال يخلُق، فخَلْقُ آدم كان بعدها، وليس في القرآنِ أنَّ خلْقَه كان في الأيَّامِ السِّتة فقط، حتَّى يُقال إنَّها صارت بهذا الحديث سبعة.\nيقول: «ليس في هذا الحديثِ أنَّه خَلق في اليوم السَّابع غيرَ آدم، وليس في القرآن ما يدلُّ على أنَّ خلق آدم كان في الأيَّام السِّتة، ولا في القرآن ولا السُّنة ولا المَعقول أنَّ خالقيَّةَ الله ﷿ وقَفَت بعد الأيَّام السِّتة، بل هذا مَعلومُ البُطلان؛ وفي آياتِ خَلْقِ آدم أوائلَ البقرة، وبعضِ الآثار، ما يُؤخَذ منه أنَّه قد كان في الأرضِ عُمَّارٌ قبل آدم عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القولَ بأنَّ خلق آدم متأخِّرٌ بمدَّةٍ عن خلقِ السَّموات والأرض» (^١).\nوأمَّا الوجه الثَّاني لخروجِ خلقِ آدم عن الأيَّام السِّتة: فقد جعل بعضهم الأيَّام المَذكورة في الحديثِ أيَّامًا أخرى غير الأيَّام السِّتة لبدء الخلق، وإنَّما هي بعدها! وهذا ما ارتآه الألبانيُّ بقولِه:\n«إنَّ الأيَّامَ السَّبعة في الحديثِ هي غيرُ الأيَّام السِّتةِ في القرآن، وإنَّ الحديث يَتحدَّث عن شيءٍ مِن التَّفصيل الَّذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيدُ على القرآن ولا يخالفه، وكان هذا الجمع قبل أن أقِف على حديثِ الأخضر، فإذا هو صريحٌ فيما كنتُ ذهبت إليه مِن الجمع، فالحمد لله الَّذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات!» (^٢).\nقلت: حديث الأخضر الَّذي عناه الألبانيُّ بالاستدلال:\nما رواه الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النَّبي ﷺ أخذ بيدي قال: «يا أبا هريرة، إنَّ الله خَلَق\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٩٠).\n(^٢) «مختصر العلو» (ص/١١٢).","vol":"2","page":999},{"text":"السَّموات والأَرَضين وما بينهما في ستَّة أيَّام، ثمَّ استوى على العرشِ يوم السَّابع، وخَلَق التُّربة يوم السَّبت، والجبال يوم الأحد، والشَّجر يوم الاثنين، والتَّقن (^١) يوم الثُّلاثاء، والنُّور يوم الأربعاء، والدَّواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعةٍ مِن النَّهار بعد العصر، وخلَق أديمَ الأرض أحمرَها وأسودها، وطيِّبَها وخبيثها، مِن أجل ذلك جعل الله ﷿ مِن آدم الطَّيب والخبيث» (^٢).\nفهذه أَوجُه جوابِ مَن صَحَّح الحديث، وهي تَنحصر -كما ترى- في الإجابةِ عن العِلَّةِ الأولى الرَّئيسةِ مِن عِلَل المتن، وحاصلُها: خروجُ يوم الجمعةِ الَّذي خُلِق فيه آدم ﵇ مِن الأيَّامِ السِّتة لخلقِ السَّموات والأرض.\nوأمَّا عن المعارضة الثَّانية، وهي خُلوُّ الحديثِ مِن ذِكرٍ لخلقِ السَّموات:\nفقد أجاب عنها المُعلِّمي بقولِه: «الحديث وإنْ لم يَنُصَّ على خلقِ السَّماء، فقد أشار إليه بذكرِه في اليومِ الخامس: النُّور، وفي السَّادسِ: الدَّواب، وحياةُ الدَّواب محتاجةٌ إلى الحرارةِ، والنُّورُ والحرارة مصدرهُما الأجرامُ السَّماويَّة» (^٣).\nوأمَّا المعارضة الثَّالثة؛ في أنَّ خلْقَ الأرضِ في الحديثِ كان في ستَّةِ أيَّام، بينما صريحُ القرآنِ يَدلُّ على أنَّها خُلِقت في أربعةِ أيَّام:\nفيقول المُعلِّمي في جوابِها: «الَّذي فيه -يعني الحديث- أنَّ خلقَ الأرض نفسِها كان في أربعة أيَّام كما في القرآن، والقرآن إذْ ذَكر خلقَ الأرض في أربعة أيَّام، لم يذكر ما يدلُّ على أنَّ جملة ذلك خلق النُّور والدَّواب، وإذْ ذَكر خلقَ السَّماء في يومين، لم يذكر ما يدلُّ على أنَّه في أثناء ذلك لم يُحدِث في الأرض شيئًا، والمَعقول أنَّها بعد تمام خلقها أخَذَت في التَّطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله سبحانه لا يُشغله شأن عن شأنٍ» (^٤).\n_________\n(^١) التَّقن: ما يقوم به المعاش ويصلح به التَّدبير، كالحديد وغيره من جواهر ا لأرض والخشاش، وهي حشرات الأرض وهوامها، وكل شيء يحصل به صلاح: فهو تقن، ومنه: إتقان الشيء أي إحكامه، انظر «المفهم» للقرطبي (٢٤/ ١٠).\n(^٢) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (ك: التفسير، باب: سورة السجدة، رقم: ١١٣٢٨).\n(^٣) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٩٠).\n(^٤) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٩٠).","vol":"2","page":1000},{"text":"وأمَّا عن المعارضة الرَّابعة؛ أعني مخالفةَ الحديثِ للآثارِ الدَّالة على أنَّ بدءَ الخلقِ كان الأحد:\nفقد أجاب عنها المُعلِّمي بأن قال: «الآثار القائلة أنَّ ابتداء الخلق يومَ الأحد: ما كان منها مرفوعًا فهو أضعف مِن هذا الحديث بكثيرٍ، وأمَّا غير المرفوع، فعامَّتُه مِن قول عبد الله بن سلام، وكعب، ووَهب، ومَن يأخذ عن الإسرائيليَّات» (^١).\nوأمَّا تتِمَّة هذه المعارضة مِن كونِ دلالةِ أسماءِ الأيَّامِ على أوَّليَّةِ الأحد في أيَّام الخلق: فقد استعانَ المُعلِّمي في الجوابِ عنها بقولِ السُّهَيلي (ت ٥٨١ هـ):\n«ليس في تسميةِ هذه الأيَّام (^٢) والاثنين إلى الخميس ما يشدُّ قولَ مَن قال إنَّ أوَّل الأسبوع الأحد، وسابعها السَّبت، كما قال أهل الكتاب، لأنَّها تسميةٌ طارئةٌ، وإنَّما كانت أسماؤُها في اللُّغةِ القديمة: شيار، وأول، وأهون، وجبار، ودبار، ومؤنس، والعروبة، وأسماؤها بالسِّريانية قبل هذا: أبو جاد، هوز، حطي، إلى آخرها.\nولو كان الله تعالى ذكَرَها في القرآنِ بهذه الأسماء المُشتَقَّة مِن العَددِ لقُلنا: هي تسميةٌ صادقةٌ على المُسمَّى بها، ولكنَّه لم يذكر منها إلَّا الجمعة والسَّبت، وليسا مِن المشتقَّة مِن العَدد!\nولم يسمِّها رسول الله ﷺ بالأحَدِ والاثنين إلى سائِرها إلَّا حاكيًا للُغةِ قومِه، لا مُبتدئًا لتسميتها، ولعلَّ قومَه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء مِن أهل الكتاب المُجاوِرين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماء اتِّباعًا لهم» (^٣).\nوذهب المُعلِّمي إلى هذا الاحتمال الأخير في كلام السُّهَيليِّ، فقال: «تسميةُ الأيَّام كانت قبل الإسلامِ تقليدًا لأهل الكتاب، فجاء الإسلامُ وقد اشتهرت\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٩١).\n(^٢) كذا في المطبوع، واو العطف هنا تقتضي سبق كلمة ساقطة في هذا الموضع، والسياق يدل على أنها (الأحد).\n(^٣) «الرَّوض الأنف» للسُهيلي (٤/ ٥٩).","vol":"2","page":1001},{"text":"وانتشرت، فلم يُرَ ضرورةٌ إلى تغييِرها، لأنَّ إقرارَ الأسماء الَّتي قد عُرِفت واشتهرت وانتشرت لا يُعَدُّ اعترافًا لمناسبتِها لِما أُخذت منه أو بُنيَت عليه، إذْ قد أصبحت لا تدلُّ على ذلك، وإنَّما تدلُّ على مُسمَّياتها فحسب، ولأنَّ القضيَّة ليست ممَّا يجب اعتقادُه، أو يَتعلَّق به نفسُه حكمٌ شرعيٌّ، فلم تَستحِقَّ أن يُحتاطَ لها بتغييرِ ما اشتُهرَ وانتشَر مِن تسميةِ الأيَّام» (^١).\nوبعد؛\nفقد لاحَتْ أوجُه مُعارضاتِ الفريق الأوَّل للحديث بأدِلَّتهم، وأعقبناها بأجوبةِ الفريقِ الثَّاني بتأويلاتِهم، فآنَ أوان الشُّروعِ في نقدِ كلِّ مُعارضةٍ والجوابِ عنها كلٍّ على حِدةٍ، ليَتَبيَّن وجهُ الصَّواب في الحديث على قدر المُستطاعِ، فأقول مُستعينًا بالله تعالى:\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٩١).","vol":"2","page":1002},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>المَطلب الثَّالث بيان رُجحان قول المُنكرين لحديثِ خلقِ التُّربةِ يومَ السَّبتِ</span>\nونقدُ مُعارضاتِهم في ذلك\nأمَّا عن المعارضة الأولى: فإنَّ ظاهرَ الحديثِ مُفيدٌ لاستغراقِ الخلقِ سبعةَ أيَّام، وهو بهذا الظَّاهر خلافُ ما قرَّره القرآن من استيعابِ خلقِ السَّمواتِ والأرضِ وما بينهما في ستَّةِ أيَّام.\nوما أُجيبَ به على هذا مِن كونِ خلق آدم ﵇ خارجٌ عن هذه الأيَّام السِّتة:\nفالصَّواب في ذلك أنَّ خلقَ آدمَ داخلٌ في أيَّام التَّخليقِ هذه، وكان هو في آخرِ أيَّامها، في آخرِ ساعاتِ يومِها، ليكون بهذا خاتِمَ الخلقِ، كما هو مَنطوق الحديثِ نفسِه!\nوالفصلُ في هذه المَسألة مَرَدُّه إلى المُرادِ مِن لفظ «الخلقِ» في الحديث، والظَّاهر الجَليُّ مِن متنِه: أنَّه إنَّما سِيقَ لتفصيلِ الخلقِ الأوَّل، أو إن شئتَ قُلت لتفصيلِ بَدْءِ الخلقِ لهذا العالَم المُشاهَد أوَّلَ مرَّة! وليس المَقصودُ مُطلَق الخلقِ الإلهيِّ، ففي هذا الحديثِ نفسِه قد جُعِلَ لهذا الخلقِ ابتداءٌ -وهو السَّبت- وجُعِلَ لآخرِه انتهاءٌ -وهو الجمعة- كما تراه في قولِه فيه: «.. في آخِرِ الخَلقِ»، والألف واللَّام هنا للعهد، وهذا يقتضي أنَّ هذا الخَلْقَ المَخصوصَ اكتملَ في سبعةِ أيَّام حسَبَ الحديث.","vol":"2","page":1003},{"text":"وبذا يظهرُ أنَّ الحديثَ حَمَلَ في طيَّاتِ متنِه ما ينقُضُه! -كما أشار إلى ذلك ابن تيميَّة- فإنَّه بَيَّن ما يُوافقُ سائرَ الأحاديث مِن أنَّ آدم خُلِق يوم الجمعة، وأنَّه خُلِق آخرَ هذا الخلق الَّذي نَتَكلَّم عنه؛ وبما أنَّ الخَلقَ كان في سِتَّةِ أيَّام، فالفَرضُ أن يكون ابتداءه يومَ الأحد لا السَّبت! وفي ذلك دلالةٌ على ما وَقَع في الحديثِ مِن الغلطِ بذكرِ الخلقِ يومَ السَّبت (^١)، ويدلُّ على أنَّ آدم داخلٌ في هذا الخلقِ الأوَّل في آخرها.\nوالقول بأنَّ خلقَ آدمَ ﵇ كان آخرَ الأيَّام السِّتة، هو المشهور أيضًا مِن مُعتَقَد أهلِ الكتاب، حتَّى كان عَديُّ بن زيد (^٢) في جاهليَّتِه يُنشد في ذلك شعرًا، يقول فيه:\nقضَى لستَّةِ أيَّامٍ خلائِقَه *** وكان آخرَ شيءٍ صَوَّرَ الرَّجُلَا\nوليس يعارض هذا التَّقريرَ قولُهم: إنَّ خلقَ آدم ﵇ مُستَقِلٌّ عن خَلقِ الأرض، وأنَّه ليس منها، فلا يدخل بذلك في الأيَّام السِّتة؛ فإنَّا نقول:\nإنَّ هذا الَّذي قدَّمتموه ليسَ مَحلًّا للنِّزاع! فلسنا نجادل في كونِ خَلْقِ آدمَ مِن جملةِ خلقِ السَّماوات والأرض أو لا، فإنَّا مُقِرُّون بعدمِ نسبتِه إلى ذلك، كيف لا والسَّماء والأرض إنَّما هُيِّئَتا لأجلِه؟! فهذا معلوم.\nإنَّما مَحلُّ النَّزاع الَّذي ينبغي تحريره: هل خَلْقُ آدم داخل في أيَّامِ الخلقِ الأولى أو لا؛ فنحن نقول بدخولِه فيها، وأنَّه آخرُ الخلقِ منها، مع قولِنا بتَقَدُّمِ خلقِ السَّمواتِ والأرضِ على خلقِه.\nفبان أنَّ ثمَّة فرقًا بين القولِ بدخولِ آدم ﵇ في خلقِ السَّماوات والأرض -ولسنا نقول به- وبين دخولِ خَلقِه ضمنَ الأيَّام السِّتة في آخرِها، وهذا ما نَدَّعي رُجْحانَه.\n_________\n(^١) انظر «بغية المرتاد» لابن تيمية (ص/٣٠٥).\n(^٢) عدي بن زيد بن حمَّاد العَبادي التَّميمي: شاعر من دهاة الجاهليِّين، كان قرويًّا من أهل الحيرة، فصيحًا، يحسن العربية والفارسية، وهو أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، ثمَّ وُجِّه رسولًا إلى ملك الرُّوم طيباريوس الثَّاني في القسطنطينية، مات (٣٦ ق. هـ)، انظر «معجم الشُّعراء العرب» (ص/١٦٨٨).","vol":"2","page":1004},{"text":"أمَّا ما تَوَسَّل به ابنُ الجوزيِّ لإخراجِ آدم ﵇ مِن الأيَّام السِّتة، من كونِ أصولِ الأشياء هي الَّتي خُلِقَت في الأيَّام السِّتة، وليس مُطلق الأشياء، وأنَّ آدم ليس أصلًا، وإنَّما فرعٌ مِنها:\nفعلى التَّسليم بصِحَّةِ مُقدِّمتِه تلك، فإنَّ آدمَ ﵇ أصلٌ للجِنسِ البَشريِّ، لا فرعًا لجنسٍ آخر!\nولا يُقال إنَّه فَرعٌ مِن الأرضِ، ليُخرَجَ مِن كونِه أصلًا؛ فإنَّ لازمَه -حسب قولِ ابن الجَوزيِّ- أن تَخرُج الجبالُ هي أيضًا مِن هذه الأيَّام السِّتة، لكونِها فرعًا عن الأرض! فهي أثَرٌ لتَداخلِ صفائِح قِشرتها! وكذا فلتَخْرُج كثيرٌ مِن أقواتِ الأرضِ من هذه الأيَّام السِّتة، فهي فرعٌ عن الأرضِ أيضًا!\nفإذا عُلِم بطلان هذا اللَّازم، بطُل به المَلزوم الَّذي أراد ابن الجوزيِّ تقريرَه.\nولو أنَّ ابن الجوزيِّ قالَ مثلَ ما قالَ ابن أبي زمنين (ت ٣٩٩ هـ): «خَلَقَ الله أصولَ الخَلْقِ في الأيَّام السِّتة، وخلَقَ آدمَ ﵇ يومَ الجمعة آخرَ الأيَّام السِّتة» (^١): لمَا كان لقولِه دافع مِن جهة النَّظر؛ فإنَّ معنى كلام ابن أبي زَمنين هذا، أنَّ أصلَ «الأنواعِ» لا «الأشياء» هي المَخلوقة في الأيَّام السِّتة، والَّتي هي أصولُ المَوَاتِ: كالمعادن، والأتربة، والسَّوائل، والأقوات، وأصول الأحياء: كالدَّواب، والطُّيور، والحيتان، والجِنِّ، والإنس، وهذا ما تَقتضيه البَيْنِيَّة في قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨].\nوأمَّا دَفعُ المُعلِّميِّ دخولَ خلقِ آدم ﵇ في الأيَّام السِّتة، بكونِ خالقيَّةِ الله تعالى لم تَتَوقَّف بعد الأيَّام السِّتة، فلا يُحصَر خلقُ آدم فيها:\nفقد قرَّرنا آنفًا أن لا أحَدَ يُنكر خالقيَّةَ الله تعالى بعد الأيَّام السِّتة، فإنَّ خَلْقَ الخلَّاقِ سبحانه لا نهايةَ له، لكن الحديث نفسُه يُثبتُ لهذا الخلق نهايةً بخلقِ بآدم! فعلِمنا أنَّ المَعْنِيَّ به خلْقًا مَخصوصًا، وهو ابتداء خَلقِ هذا العالَم المَشهود في ستَّةِ أيَّام، وقد أشرنا إلى هذا في ما مَضى.\n_________\n(^١) «تفسير القرآن العزيز» لابن أبي زمنين (٥/ ٦٩).","vol":"2","page":1005},{"text":"وأمَّا استدعاء المُعلِّمي لبعضِ الآثارِ الدَّالةِ على وجودِ عُمَّارٍ للأرضِ قبل آدم عاشوا فيها دَهرًا، في مقامِ الاحتجاج على أنَّ خلقَ آدم مُتأخِّر بمدَّةٍ طويلةٍ عن خلقِ السَّموات والأرضِ: فقد قَدَّمنا أنَّ تأخُّرَ خَلْقِ آدم ﵇ عن خلقِ السَّماء والأرضِ لا يُنازَع فيه.\nوأمَّا ما ذَكَره مِن وجودِ آثارٍ تفيد تعميرَ الجِنِّ في الأرضِ قبل آدم بدهر، ليخلُصَ إلى إخراجِ خلقِ آدم مِن جملةِ الأيَّامِ السِّتة: فهذا الَّذي يستَحِقُّ مناقشتَه بإسهابِ، لأنَّه مِن ركائزِ مَن يجادل عن صحَّةِ هذا الحديث، فنقول في ذلك:\nإنَّ القولَ بَسبْقِ أقوامٍ مِن الِجنِّ إلى سُكْنى الأرضِ قبل آدمَ بدهورٍ، وإن كان هو قولًا شائعًا في كُتُب التَّفسير، خاصَّةً عند آياتِ الخلقِ أوائلَ البقرة؛ فإنَّه يبقى مِن جملةِ الغُيوبِ الَّتي لم يَثبُت فيها دليل صَحيح صَريح مِن كتابٍ أو سُنَّة، فليس في هذا الباب على هذا حُجَّة نقليَّة (^١).\nوقد تَعَقَّب الطَّبريُّ مثلَ هذا القولَ بكلامٍ يحسُن أن يكون قاعدةً في قرائن التَّرجيح في التَّفسير، فقال: «.. إنَّما تركنا القولَ بالَّذي رواه الضَّحاك عن\n_________\n(^١) أقوى ما ورد في هذا الباب أثر لابن عبَّاس يقول فيه: «لقد أخرجَ الله آدمَ مِن الجنَّة قبل أن يدخلها أحَد، .. وقد كان فيها قبلَ أن يُخلَق بألفَي عام الجِنُّ بنو الجانِّ، فأفسدوا في الأرض، وسَفكوا الدِّماء، .. فلمَّا أفسدوا في الأرضِ، بَعث عليهم جنودًا مِن الملائكة، فضَربوهم حتَّى ألحقوهم بجزائر البُحور ..».\n\nأخرجه الحاكم في «المستدرك» (رقم: ٣٠٣٥) من طريق: أبي بكر ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، وقال الحاكم: «هذا إسناد صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».\nواختُلف عن أبي معاوية فيه، فرواه عنه علي الطنافسي عند ابن أبي حاتم في «التفسير» (١/ ٧٧)، وسعدان بن نصر المخرمي عند قوام السُّنة في «الحُجَّة» (١/ ٣٨٦)، بنفس الطَّريق الأوَّل لكن عن عبد الله ابن عمرو، والأشبه بالصَّواب عندي أن يكون عن ابن عمرو، لشهرتِه برواية الإسرائيليات.\nنعم، روى الطَّبري هذا الأثر في «تفسيره» (١/ ٤٧٧) عن ابن عبَّاس من طريق أبي رَوق، عن الضَّحاك عنه، لكن الضَّحاك لم يسمع من ابن عبَّاس، فهو منقطع، مع في الضَّحاك من كلام بعض أئمَّة التَّجريح، وانظر «تهذيب الكمال» (١٣/ ٢٩٤).","vol":"2","page":1006},{"text":"ابن عبَّاس، ووافَقه عليه الرَّبيع بن أنس، وبالَّذي قاله ابنُ زيد في تأويلِ ذلك (^١)؛ لأنَّه لا خَبَر عندنا بالَّذي قالوه مِن وجهٍ يَقطعُ مجيئُه العذرَ، ويُلزِم سامعَه به الحجَّة.\nوالخبرُ عمَّا مَضى وما قد سَلَف، لا يُدرَك علمُ صِحَّتِه إلَّا بمجيئِه مَجيئًا يمتنِع منه التَّشاغب والتَّواطؤ، ويستحيلُ منه الكذب والخطأ والسَّهو، وليس ذلك بموجودٍ كذلك فيما حكاه الضَّحاك عن ابن عبَّاس» (^٢).\nهذا؛ وقد استنبطَ بعض المُحقِّقين من نفسِ آياتِ الخلقِ الَّتي في أوائل البقرةِ، والَّتي سِيقَت لأجلها تلك الآثار، من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٢٩ - ٣٠]؛ استنبطَ منها ما يدلُّ على أوليَّةِ آدمَ في سُكنى الأرض بعد خلقِها!\nذلك أنَّ المُتأمِّل في هذه الآياتِ، يخلُص إلى أنَّ القولَ بإعمار قومٍ للأرضِ قبل آدم يُنافي هذا السِّياق القرآني، «لأنَّ تعقيبَ ذكرِ خلقِ الأرضِ ثمَّ السَّماوات بذكرِ إرادتِه تعالى جعْلَ الخليفةِ، دليلٌ على أنَّ جعلَ الخليفةِ كان أوَّلَ الأحوال على الأرض بعد خلقِها، فالخليفة هنا الَّذي يخلفُ صاحبَ الشَّيء في التَّصرُّف في مَملوكاتِه، ولا يلزم أن يكون المَخلوف مُستقِرًّا في المكان مِن قبل؛ فالخليفة آدم، وخَلَفِيَّتُه قيامُه بتنفيذِ مرادِ الله تعالى مِن تعميرِ الأرض ..، وتلقينِ ذريَّتِه مرادَ الله تعالى» (^٣).\nقلت: وإنَّ تقديمَ الجار والمجرور ﴿لَكُمُ﴾ المُتعلِّق بالفعلِ ﴿خَلَقَ﴾ على المفعولِ به في الآية: فيه معنى الاختصاصِ أو السَّبَبيَّة، أي: أنَّ الله إنَّما خَلَق الأرضَ لأجلِكم ولانتفاعِكم أنتم (^٤).\n_________\n(^١) يعني تأويل قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ بأنَّ آدم خَلَف الجنِّ في تعمير الأرض.\n(^٢) «جامع البيان» (١/ ٥٠٠).\n(^٣) «التَّحرير والتَّنوير» (١/ ٣٩٩).\n(^٤) انظر «البحر المحيط» لأبي حيَّان الأندلسي (١/ ٢١٥).","vol":"2","page":1007},{"text":"فإذا كانت الأرض على هذا مَخلوقةً للإنس على وجه المِنَّة أصالةً، فكيف يُقال بسبقِ غيرهم إلى الاستمتاع بها؟! ففي هذا مناقضة لتلك المِنَّة والخصوصيَّة، والله أعلم.\nنعم؛ لا نُنكِرُ بأنَّ الجِنَّ مخلوقةٌ قبل آدم، فهذا مُحكَم التَّنزيل؛ إنَّما الشَّأنُ في إثباتِ أنَّهم كانوا في الأرض على وجهٍ استحكموا فيها بما فيها، وعمَّروا فيها أزمنةً مُتطاولة، فهذا الَّذي يَعُوزه الدَّليل.\nهذا مع صرفِ نظرنا عن طبيعة مُدَدِ تلك الأيَّام السِّتة! وطولِها الهائل، الَّذي لا يُمنَع معه القولُ بسبقِ بعض المَخلوقات على البعض الآخر بمُدَّةٍ هي في عرف البَشر دهورٌ مِن الزَّمن.\nوما لنا نَذهبُ بعيدًا في الاستدلال؟ وفي ظاهرِ حديث خلق التُّربة نفسِه ما يدلُّ على أنَّ خلقَ آدم ﵇ كان بعد خلقِ الأرض يومَ سابعةٍ!\nوفي تقرير هذا المعنى من الحديث يقول البِقاعيُّ (ت ٨٨٥ هـ): «ما يُقال مِن أنَّه كان قبل آدم ﵇ في الأرض خَلقٌ يَعصون، قَاسَ عليهم الملائكة -﵈- حالَ آدم ﵇، كلامٌ لا أصل له، والَّذي يدلُّ عليه حديث مسلم هذا -يعني حديث التُّربة- كما ترى أنَّه أوَّل ساكني الأرض» (^١).\nأقول: هنا قد ترى بعضَ مَن يُصحِّح الحديثَ يَفِرُّ من لازمِ هذا الظَّاهرِ المُشكِلِ على مَذهبِهم في تأخُّرِ آدمَ ﵇ عن خلقِ الأرض بدُهور، بأنْ يقولَ: إنَّ الجمعةَ المذكورة في الحديث ليست عَقِب يوم الخميس الَّذي قبله في الحديث، بل هي جمعةٌ أخرى مستقلَّةٌ، جاءت بعد تلك الأيَّام بأزمانٍ مَديدة!\nهذا التَّأويل المُتَكلَّف تجده في مثل قول ثناء الله المظهريِّ (ت ١٢٢٥ هـ) (^٢): «لا دليلَ في الحديثِ على أنَّ المُراد بالجمعة الَّتي خُلِق فيها آدم أوَّلَ جمعةٍ بعد\n_________\n(^١) «نظم الدُّرر» (١/ ٢٦٢).\n(^٢) محمد ثناء الله الهندي البَاني الحنفي العثماني المظهري، من تلاميذ ولي الله الدهلوي، كان يُسمى (بيهقي العصر) نظرًا إلى تبحُّره في الفقه والحديث، وله تفسير عظيم في أحاديث الأحكام، انظر ترجمته في «الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام» للطالبي (٧/ ٩٤٢).","vol":"2","page":1008},{"text":"خلق الأرض، لعلَّ ذلك الجمعة بعد مُضيِّ الدُّهور! ولولا هذا التَّأويل لزِم خلقُ السَّموات والأرض في سبعةِ أيَّام، والثَّابت بالقرآنِ خَلْقُ السَّمواتِ والأرضِ في ستَّة أيَّام» (^١).\nثمَّ قد يَستشهدون بقولِ ابنِ عطيَّة في أنَّ «الظَّاهرَ مِن القَصص في طينة آدم: أنَّ الجمعة الَّتي خُلِق فيها آدم قد تَقَدَّمتها أيَّامٌ وجُمَع كثيرة» (^٢).\nفنبدأ هنا بالجواب على كلامِ المظهريِّ، فنقول:\nلا ريب أنَّ القول بما تأوَّل به الحديث بعيدٌ عن ظاهر الحديثِ، وسِياقُه يأباه.\nنظير ذلك لو قُلتَ: أتيتُ بلدةَ كذا مُسافرًا، فتجوَّلتُ في أزقَّتها الاثنين، وأتيتُ مَتاحِفَها الثَّلاثاء، وفعلتُ كذا وكذا الأربعاء، وحَزمتُ حقيبتي ورَجعتُ الخميس»، فلن يُدركَ سليمُ البَديهة مِن كلامِك إلَّا تتابعَ هذه الأيَّام! إذ هو المُتبادَر إلى الفهم ابتداءً، والظَّاهر منه، وما كان خلاف الظَّاهر هو محتاجٌ إلى قرينةٍ واضحةٍ لحملِ معنى الكلام على خلافِه، وليس لِمن يَقول بمثل هذا في الحديث إلَّا الظَّن.\nثمَّ يلزمه على كلامه فوق هذا أن يكون التَّخليق الأوَّل ابتدأَ السَّبت، ولم ينتهِ إلَّا بعد أحقابٍ مِن الزَّمن حينَ ختَمه بآدم! ولا قائل بهذا فيما أعلمُ.\nوأمَّا كلام ابن عطيَّة عن آثارِ مُدَّة تخليق الطِّينة:\nفليس في هذا الباب إلَّا الأثر المَرويَّ عن سلمان الفارسيِّ ﵁ قال: «إنَّ الله خمَّر طينةَ آدم ﵇ أربعينَ ليلةً، أو أربعين يومًا، ثمَّ ضَرَب بيَدَيْه فيه ..» (^٣).\n_________\n(^١) «التَّفسير المظهري» (١/ ٤٩).\nوإلى مثل هذا التَّأويل نحى الكشميري في «فيض الباري» (٤/ ٣٤٠ - ٣٤١)، وأبو إسحاق الحُويني في تخريجه لـ «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣ ط ابن الجوزي).\n(^٢) «المحرَّر الوجيز» (٥/ ٥).\n(^٣) رواه الفريابي في «القدر» (رقم:١٠)، والآجري في «الشريعة» (٢/ ٨٥٤، رقم: ٤٣١)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٥/ ١٥٤٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٦٣)، وإسناده صحيح.","vol":"2","page":1009},{"text":"وقد كُفينا ردَّ هذا بما أجابَ به البَيهقيُّ قال: «مَعلومٌ أنَّ سلمان ﵁ كان قد أخَذَ أمثالَ هذا مِن أهلِ الكتاب حتَّى أسلَمَ بعدُ، ورُوي ذلك مِن وجهٍ آخر ضعيفٍ عن التَّيمي مرفوعًا، وليس بشيءٍ» (^١).\nوأمَّا جَعْلُ الألبانيِّ الأيَّامَ المذكورة في الحديثِ أيَّامًا أخرى غير الأيَّام السِّتة للتَّخليقِ، بل جعلها بعدها:\nفبِدعٌ من القولِ لا سَلَف له فيه! فإنَّ كلَّ مَن تَقدَّمه -سواء مِن مُصَحِّحي الحديث أو مُضعِّفيه- مُتَّفِقون على تنزيل الأيَّامِ السِّتةِ في القرآنِ على هذه الأيَّامِ الواردةِ في هذا الحديث، ودونك كُتُب المُفسِّرين وشُرَّاح الحديث لترى ذلك.\nعلى أنَّ في الحديثِ نفسِه ما يَرُدُّ فهمَه ذاك! فقد ورَد في نصِّه خلقُ الجِبال، وهذه يَقينًا لم تُخلق إلَّا في الأيَّامِ السِّتةِ لبدءِ الخليقةِ بنصِّ القرآن: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] (^٢).\nأمَّا ما استدَلَّ به مِن حديثِ الأخضر على فهمِه ذاك:\nفغير سالمٍ له ولا مُسَلَّم، لأنَّ الأخضر بن عجلان خالفَ في سندِه ومتنِه الثِّقاتَ مِن رُواة هذا الحديث عن ابن جريج، وهم: حجَّاج بن محمَّد المَصيصي (^٣)، وهشام بن يوسف الصَّنعاني (^٤)، ومحمَّد بن ثور (^٥)، والصَّواب روايتُهم دونه.\nوالأخضر صَدوق نازلٌ عن مرتبتهم في الضَّبط، فروايتُه بهذا السِّياقِ الشَّاذِ عن المعروفِ مِن متن الحديث وسندِه مَردودة.\n_________\n(^١) «الأسماء والصِّفات» للبيهقي (٢/ ١٥١).\n(^٢) وقد تدخل الأشجار المذكورة في الحديث في نصِّ الآية أيضًا إذا اعتبرناها من جملة الأقوات، وذلك كل ما يقوت الناس من الغذاء، ويصلحهم من المعاش.\n(^٣) وعنه رواه مسلم في «صحيحه».\n(^٤) وعنه رواه ابن معين في «تاريخه - الدوري» (٣/ ٥٢، رقم: ٢١٠).\n(^٥) وعنه رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٣/ ٣٠٣، رقم: ٣٢٣٢)، وأبو الشَّيخ في «العظمة» (٤/ ١٣٦٠).","vol":"2","page":1010},{"text":"وحاصل القول من مناقشةِ الأجوبةِ على المعارضة الأولى: يتبيَّن أنَّها لا تنهضُ لدفعِها، فتكون بذا معارضةً صحيحة.\nوأمَّا عن المعارضة الثَّانية والثَّالثة للحديث؛ من دعوى خُلوِّه مِن ذكرِ خلقِ السَّموات، وجعلِه خلقَ الأرض وما فيها في سِتَّة أيَّام (^١):\nفلا أُراها تَسلَمُ مِن دفعِ بعضِ أجوبةِ المُعلِّمي؛ وبيانُ ذلك في الآتي:\nأنَّ قول المُعلِّمي عن الحديث: إنَّه «وإنْ لم يَنُصَّ على خلقِ السَّماء، فقد أشارَ إليه بذكرِه في اليوم الخامس: النُّور ..» مَقالٌ منه صَحيح، فإنَّ النُّورَ مَصدرُه الأجرام السَّماويَّة كما قال، وفيه أنَّ النُّور خُلِق في اليوم الخامس، وهو اليومُ المُوافق لبدءِ خلقِ السَّماء في القرآن أيضًا.\nلكن قولُه بعدها مُشيرًا إلى خلقِ السَّموات: «.. وفي السَّادس: الدَّواب، وحياة الدَّواب مُحتاجة إلى الحرارة، والنُّور والحرارة مَصدرهما الأجرام السَّماوية»: فمِمَّا لا يصلح للاحتجاجِ به على ما ادَّعاه مِن تلك الإشارة، لأنَّ الدَّواب وإن كانت حياتُها لا تَستغني عن النُّور والحرارة، فإنَّ الشَّجر والنَّبات أحوجُ إلى ذلك مِنها، ومع ذلك قد ذُكِرت في اليوم الثَّالث يومَ الاثنين، أي قبلَ خلقِ السَّموات بيومٍ كاملٍ!\nوأمَّا دعوى استغراقِ خلقِ الأرضِ في الحديث ستَّةَ أيَّام:\nفتلك معارضة لا تَقوم على ساقٍ، وقد أجاد المُعلِّمي في ردِّها، حين بيَّن أنَّ خلقَ الأرضِ نفسِها في الحديثِ كان في أربعةِ أيَّام كما في القرآن، وأنَّ خلقَ النُّور والدَّواب خارجٌ عن جملةِ ذلك، وأنَّه لا مانعَ مِن أن يُحدِثَ الله في الأرضِ شيئًا أثناء خلقِ السَّماء.\nوأمَّا عن المعارضةِ الخامسة؛ أعني مخالفةَ الحديثِ للآثار الدَّالةِ على أنَّ ابتداءِ الخلقِ يوم الأحد:\nفصحيح قولُ المُعلِّمي أنَّ ما كان منها مَرفوعًا هو أضعف مِن هذا الحديث\n_________\n(^١) انظر «فيض القدير» للمُناوي (٣/ ٤٤٧)، و«الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/١٨٨).","vol":"2","page":1011},{"text":"من جِهة السَّند (^١)؛ لكن العِبرة هنا ليست بآحادِ هذه الآثار! ولكن بمجموعِ هذه الآثار واستِفاضَتِها في عمومِ السَّلف (^٢)، ولأجلها نَقل الطَّبريُّ الإجماعَ عنهم في ذلك، وهو مَن في استقراءِ كلامِهم، وتَتبُّعِ مَقالاتِهم، حتَّى لم يُبالِ بخلافِ ابن إسحاقَ لهم، لمِا استقرَّ عنده من اتِّفاقِ سَوادِهم على أنَّ الأحدَ أوَّل الأيَّام السِّتة.\nولو سَلَّمنا فرضًا باحتمالِ خطأِ الطَّبري في هذا الاستقراء: فلا أقلَّ أن يكون قولَ جُملتِهم الغالبة؛ وها هو ابنُ الجوزيُّ: يعترف بنسبةِ القولِ بابتداء الخلق يوم الأحد إلى أكثرِ أهلِ التَّفسيرِ مِن السَّلف أيضًا (^٣)، مع كونِه مِمَّن يُصحِّح حديثَ خلق التُّربة!\nفكان مُجرَّد هذا الاتِّفاق مِن السَّلف كافيًا للقُرشيِّ الحَنفيِّ (ت ٧٧٥ هـ) كي يُعلِّل حديثَ مسلم، فقال موجزًا: «.. واتَّفقَ النَّاس على أنَّ يوم السَّبت لم يقع فيه خلقٌ، وأن ابْتِدَاء الْخلقِ يوم الأحد» (^٤).\nوبهذا نعلمُ أنَّ ما زَعَمَه أبو بكر الأنباريِّ (ت ٣٢٨ هـ) مِن اتِّفاقِ أهلِ العلمِ على أنَّ ابتداءَ الخلقِ كان يوم السَّبت (^٥) مجرَّدُ دعوى غَلَّطَه فيها ابنُ تيميَّة (^٦).\nوأمَّا دعوى المُعلِّمي أنَّ غير المرفوع مِن تلك الآثارِ عامَّتُه مِن قولِ عبد الله بن سَلام، وكعب، ووَهب، ومَن يأخذ من الإسرائيليَّات:\nفقد قرَّرنا آنفًا أنَّ معنى هذه الآثار قول عامَّة السَّلف مِن المُفسِّرين وغيرهم.\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٩١).\n(^٢) قلت: يُنقل الدِّين بطريقين: إمَّا بالإسناد، أو بالشُّيوع والانتشار بين طبقات الأمَّة، ولو لم يأتِ في ذلك إسناد قائم، ومنشأ ذلك: عدم الحاجة إلى النَّقل بالطَّريق الأوَّل لشيوعِه، فاستغنُي عنه، ومَن لم يُدرك هذا المسلك عند العلماء أدَّاه إلى ردِّ بعض مسائل الشَّريعة ولا بدَّ.\n(^٣) «زاد المسير» لابن الجوزي (٤/ ٤٦).\n(^٤) «الجواهر المضيَّة» (٢/ ٤٢٩).\n(^٥) «الزَّاهر في معاني كلمات النَّاس» لابن الأنباري (٢/ ١٣٨).\n(^٦) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٢٣٧).","vol":"2","page":1012},{"text":"وعبد الله بن سلام ﵁ قد صَحَّ عنه بابتداءِ الخلقِ يوم الأحد، وختامِه يوم الجمعة (^١)، وهو وإن كان مِمَّن أخذَ عن أهلِ الكتاب قبلَ إسلامِه، فما كان لمثلِه -وهو صَحابيٌّ كريم- أن يَبقى على ذاك القولِ لو جاء عن الرَّسول ﷺ ما يُناقِضه! فضلًا عن أن يُقَرَّ بروايةِ ذلك للتَّابعين وهو مِن البَواطل!\nفنفهم أنَّ ما دعاه إلى البقاءِ على هذا القول في بدءِ الخلق: ما فهِمه مِن إقرارِ الشَّرع لذلك! وهذه نُكتة لم أرَ مَن انتبَه إليها، والله أعلم.\nوكذا نقول في كعب الأحبار وروايتِه الَّتي خالف بها ما نُسِبَ إلى أبي هريرة ﵁ مِن حديثِ خلقِ التُّرب: لو عَلِم كعبٌ مِن صاحِبه أبي هريرة ﵁ روايةَ ما يُناقض ما يعتقده ويرويه مِن بدءِ الخلقِ يوم الأحد (^٢)، ما بَقيَ كعبٌ على اعتقادِه ذاك، ولمَا انشغلَ بروايتِه تلك بعد روايةِ أبي هريرة عن رسول الله ﷺ.\nومِن لَطيف ما رأيتُه يدلُّ على أنَّ ما يَرويه أهلُ الكتاب في يومِ ابتداءِ الخلقِ صحيحٌ يُصَدِّقه الشَّرع: أنَّ الله تعالى حين أبطلَ قولَهم في السَّبت، إنَّما أنكرَ دعواهم أنَّه استراح فيه مِن الخلقِ، في حينِ لم يُنكِر قولَهم معه أنَّ الخلقَ انقطعَ فيه! فيُعَدُّ منه إقرارًا لهم (^٣)، والله أعلم.\nيقول قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]: «قالت اليهود: إنَّ الله خلق السَّموات والأرض في ستَّة أيَّام، ففرَغ مِن الخلقِ يوم الجمعة، واستراحَ يوم السبت، فأكذَبَهم الله تعالى، وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾» (^٤)، أي: مِن إعياءٍ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في «تاريخ الدول والملوك» (١/ ٣٧)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠) مِن طريقين عن عبد الله بن سلام، وهو صحيح.\n(^٢) ومعروف أنَّهما كانا يَتَذاكران هذه السَّوالِف من الأخبار، ومسألتنا هذه مِن أُمَّهاتِها!\n(^٣) تمامًا كما أنكر الله على الجاهليِّين نسبةَ ما هم عليه من الفواحش إلى أمر الله، ولم ينكر عليهم نسبتها إلى إرثِ آبائهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فأقرَّهم على الأولى بالسُّكوتِ عليها، وأنكرَ عليهم الثَّانية وشنَّع عليهم بسببها.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٣/ ٢٣٣)، والطَّبري في «تفسيره» (٢١/ ٤٦٦).","vol":"2","page":1013},{"text":"ونَصَب؛ ومثله قال الضَّحاك (^١)، وأبو مجلز (^٢).\nومِن عجيب قدَرِ الله تعالى فينا وفي أهلِ الكِتابين: أنَّ اليهودَ استصحَبوا نعتَ المغضوبِ عليهم في تعظيمِهم للسَّبتِ، إذْ جعلوه مُستَراحَ الرَّبِ من الخلقِ -تعالى عن ذلك سبحانه-؛ واستصحَبَ النَّصارى نعتَ الضَّلالِ في تعظيم الأحدِ، إذْ كان عندهم بدايةَ الخلق، وهل يُحتفَل بشيءٍ لِتوِّه بَدَأ ولم يَسْتَتِمَّ بعد؟!\nوهَدى الله المسلمين لاتِّخاذِ الجمعة عِيدًا، إذ كان آخرَ يومٍ خَلَق الله فيه العالَم، وكان فيه خلقُ أصلِهم آدم ﵇ (^٣)!\nوأمَّا تتِمَّة هذه المعارضة؛ في دعوى دلالةِ أسماءِ الأيَّامِ على أوَّليَّةِ الأحد في أيَّام الخلق:\nفكلام المُعلِّمي فيما تَعقَّبها به سَليم.\nغير أنَّ دعوى السُّهيليِّ بأنَّ تلك الأسامي طارئةٌ على أيَّامِ الأسبوع، وتعدادُه لأسمائها القديمة عند العَرب: وإن كان قولًا صَحيحًا مِن حيث التَّاريخ، لكن يُشكِل عليه أنَّ العَرَب كانوا أيضًا يُسَمُّون الأحدَ (أوَّل) (^٤) كما ذَكره السُّهيليُّ نفسُه عنهم! ويَجعلونه أوَّلَ أيَّام الأسبوع! فإمَّا أنَّهم تَبعوا فيه أهلَ الكتاب بخصوصِه لأسبابٍ غير مَعروفة (^٥)، أو تكون التَّسمية انْبَنت على ما بَقي فيهم مِن أثارةِ أخبارِ الأنبياء.\nثمَّ قول السُّهيلي في أسماء الأيَّام: «لو كان الله تعالى ذَكَرها في القرآن بهذه الأسماء المُشتقَّة مِن العدد، لقُلنا: هي تسميةٌ صادقةٌ على المُسَمَّى بها، ولكنَّه لم يذكر منها إلَّا الجمعة والسَّبت، وليسا مِن المشتقَّة مِن العدد»:\n_________\n(^١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٧/ ٦٠٩) منسوبًا لتفسير ابن المنذر.\n(^٢) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ٥١١).\nوأبو مجلز: هو لاحق بن حميد بن سعيد البصري، ويقال: شعبة السَّدوسى، إمام ثقة من أواسط التابعين، توفي (١٠٦ هـ أو نحوها)، انظر «تهذيب الكمال» (٣٤/ ٢٥٥).\n(^٣) انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٧/ ٢٣٧)، و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٨/ ١١٩).\n(^٤) انظر «النُّكت والعيون» للماوردي (٦/ ٩).\n(^٥) انظر «التَّحرير والتنوير» (٢٨/ ٢٢١).","vol":"2","page":1014},{"text":"يُشكِلُ عليه أنَّ السَّبتَ وإن لم يُشتَقَّ مِن العَدد، فهو مُشتَقٌ مِن معنى القَطع والسُّكون (^١)! يُقال: سَبَتَ الشَّيءَ، إذا قطَعَه (^٢)، ويُقال: أسْبَتَت الحَيَّةُ: إذا أطْرَقَت لا تَتحرَّك (^٣)، وعليه سُمِيَّ يومُ السَّبت سَبْتًا: لأنَّ الله قَطَع خَلْقَ العَالَم وفَرَغ منه فيه (^٤).\nفلو أنزلنا على أصلِ تَسمية السَّبت دعوى السُّهيليِّ أنَّ أسماء الأيَّام المُشتقَّة مِن العدد لو ذُكرت في القرآن لكانت «التَّسميةَ صادقةً على المُسَمَّى بها»، فإنَّ يوم السَّبت قد ذُكِر في القرآن، فتسميتُه على هذا صادقة على المُسمَّى به! إذ يتضمَّن قطع الرَّب للتَّخليقِ فيه، ومن لازم ذلك بدء التَّخليق في الأحد.\nومُحصَّل القول مِن مجموعِ هذه المناقشاتِ أن نقول ختامًا:\nإنَّ حديثَ «خلق التُّربة يوم السَّبت» قد وُجِّهَت له في القديمِ والحديثِ أربعُ مُعارضاتٍ تطعن في متنِه ذكرتها تباعًا: صَحَّت منها المعارضة الأولى، فلم تُزحزَح بجوابٍ مَكين، واندفعت عنه المعارضة الثَّالثة، لوَهائِها البيِّن للنَّاظر فيها، أمَّا المعارضتان الثَّانية والأخيرة: ففيهما ما يَسلم، وفيها ما فيه نَظر.\nوإن كانت المعارضة الأولى كافيةً في إسقاطِ الحديث وردِّه بالنَّكارة، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر «تهذيب اللُّغة» للأزهري (١٢/ ٢٦٨)، و«الزَّاهر» للأنباري (٢/ ١٣٧).\n(^٢) «تاج العروس» للزبيدي (٤/ ٥٣٤).\n(^٣) «المعجم الاشتقاقي المؤصَّل» لـ د. محمد حسن جبل (٢/ ٩٤٦).\n(^٤) انظر «جامع البيان» للطبري (٢/ ٦٦)، و«مقاييس اللغة» لابن فارس (٣/ ١٢٥)، و«النكت والعيون» للماوَردي (١/ ١٣٥).\nقلت: ولا يختلف هذا المعنى المقصود إن قيل بالقول الآخر في أصلِ التَّسميَّة: أنَّ اليَهود يَسْبِتُون فيه، أي يَقطعون فيه الأعمالَ - كما تراه في «النُّكت والعيون» (١/ ١٣٥) - لأنَّهم لم يفعلوا ذلك أصلًا إلَّا بعد اعتقادِ تعظيمِه أنْ قَطَع الله فيه الخلقَ! وجَعَلَه مُستراحًا له، وأمَرَهم باتِّخاذِه كذلك، فمَرَدُّ هذا إلى المعنى الأوَّل للتَّسمية.","vol":"2","page":1015},{"text":"لكن يبقى إشكال مهمٌّ يَعتري تعليلَ هذا الحديث؛ وهو:\nهل يكون حديث خلق التُّربة بهذا مِن قَبيل الإِسرائيليَّات، مع أنَّه في «صحيح مسلم»؟\nوالجواب: كلَّا!\nبل مُجرَّد غَلَطٍ مِن أحدِ رُواتِه، بدليل أنَّ الإسرائيليِّين أنفسُهم مُتَّفِقون على أنَّ الخلقَ ابتدأَ الأحد، وانتهى الجمعة، «وعليه بَنَوا قولَهم في السَّبت» (^١)، وليس في شيءٍ من صُحُفِهم أنَّ ابتداءَ الخلق كان يوم السَّبت، كما في متنِ هذا الحديث.\nوكعبُ الأحبار الَّذي يَنسِبُ إليه البعضُ هذه الرِّواية -بتخريجِ أنَّ الرَّاوي أخطَأ بروايتِها عن أبي هريرة ﵁ مَرفوعةً، وكان الفرض أن تكون عن كعب- المعروفُ مِن قولِه هو: أنَّ مُبتدَأ الخلق كان الأحَد لا السَّبت (^٢)!\nفيكون بهذا بريئًا مِن نسبةِ الحديث إلى مَقولِه، ونسبةُ بعض العلماء المتأخِّرين ذلك إليه غَلَطٌ، كابن تيميَّة (^٣)، القيِّم (^٤)، وابن كثير (^٥)، والمُناويُّ (^٦)، وتَبعهم بعض مُخرِّجي السُّنَن مِن المعاصرين (^٧).\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/١٨٩).\n(^٢) انظر «زاد المسير» لابن الجوزي (٢/ ١٢٧).\n\nوما رُوي عنه في ذلك أخرجه وكيع في «نسختِه عن الأعمش» (رقم: ٣٩)، ومن طريقه الطَّبري في «تفسيره» (٧/ ٥) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٢٦٩): عن الأعمش، عن أبي صالح، عن كعب قال: «بدأ الله بخلق السَّموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، ثمَّ جعل مع كل يوم سنة»، وهذا سَند منقطع بين الأعمش وأبي صالح، إذ لم يسمع منه شيئًا، وانظر «تهذيب التَّهذيب» (٤/ ٢٢٤).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ١٨).\n(^٤) «المنار المنيف» (ص/٨٤ - ٨٥).\n(^٥) «تفسير القرآن العظيم» (١/ ٢١٥).\n(^٦) «فيض القدير» (٣/ ٤٤٧).\n(^٧) كشعيب الأرنؤوط في تخريج «مسند أحمد» (١٤/ ٨٢)، ومُحقِّقا «الطُّيوريات» لأبي طاهر السِّلفي (٢/ ٣٤٧).","vol":"2","page":1016},{"text":"وكان مِن اشهر عُمَدِ هؤلاء في نسبةِ هذا الخبر إلى كعب: قولُ البخاريِّ في ترجمتِه لأيُّوب بن خالد الأنصاريِّ: «ورَوَى إسماعيل بن أميَّة، عن أيُّوب بن خالد الأنصاري، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ قال: خَلق الله التُّربة يوم السَّبت.\nوقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصحُّ» (^١).\nففَهِم البعضُ مِن هذا الكلامِ: وُرودَ حديثِ خلقِ التُّربة يوم السَّبت بإسنادٍ آخرَ وَقَف عليه البخاريُّ، يَنْميه أبو هريرة إلى كعبِ الأحبارِ ولا يرفعُه، فرَّجحوه على إسنادِ مسلمٍ المرفوع! مع جهلِهم بحقيقتِه، تقليدًا للبخاريِّ.\nلكن يُشكِل على مَسلكِهم هذا في التَّعليلِ: كونُه ترجيحًا للمَجهولِ مِن الإسناد على مَعلومٍ منه! فإنَّ ما ذَكَره البخاريُّ مِن روايةِ الحديث عن أبي هريرة عن كعب، لا نعلم إسنادَه لنتَحقَّقَ مِن صحَّتِه، والأصل اعتمادُ ما ظَهر مِن الأسانيد حتَّى يُكشف ما خَفِي منها (^٢).\nوما يزيد فهمَهم لكلامَ البخاريَّ إشكالًا: ما سَبَق تقريرُه مِن أنَّ المَحفوظ عن كعبٍ خلافُ ما في حديث خلق التُّربة، أي أنَّه يقول بأنَّ ابتداءَ الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب قاطبةً!\nفمِن أين سيأتي البخاريُّ بروايةٍ عن كعبٍ تناقض هذه الحقيقة؟!\nلقد حاوَل المُعلِّمي التماسَ عُذرٍ للبخاريِّ في هذا المَسلك الغريب من التَّرجيح، حين قال: «مُؤدَّى صنيعِه أن يحدُسَ أنَّ أيُّوب أخطأ، وهذا الحَدس مَبني على ثلاثةِ أمور:\nالأوَّل: استنكارُ الخَبر لمِا مَرَّ.\nالثَّاني: أنَّ أيَّوب ليس بالقَويِّ، وهو مُقِلٌّ، لم يُخرِج له مسلم إلَّا هذا الحديث؛ .. وتَكلَّم فيه الأزديُّ، ولم يُنقَل توثيقُه عن أحدٍ مِن الأئمَّة، إلَّا أنَّ ابن حبَّان ذكره في «ثقاته»، وشرط ابن حبَّان في التَّوثيق فيه تسامح معروف.\n_________\n(^١) «التَّاريخ الكبير» للبخاري (١/ ٤١٣).\n(^٢) ولذا قال الألبانيُّ مُتعقِّبًا كلامَ البخاريِّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٤/ ٤٤٩): «وهذا كسابقه - يعني أنَّه مَردود-، فمَن هذا البَعض؟! وما مَحلُّه في الضَّبط والحِفظ حتَّى يُرجَّح على روايةِ عبد الله بن رافع؟!».","vol":"2","page":1017},{"text":"الثَّالث: الرِّواية الَّتي أشار إليها بقوله: «وقال بعضهم»، وليته ذَكَر سندَها ومتنَها، فقد تكون ضعيفةً في نفسِها، وإنَّما قوِيَت عنده للأَمرين الآخَرين، ويَدلُّ على ضعفِها أنَّ المحفوظ عن كعب، وعبد الله بن سلام، ووهب بن منبِّه، ومَن يأخذ عنهم: أنَّ ابتداءَ الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبِهم، .. فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث مِن قولِ كعب» (^١).\nغير أنَّ هذا الكلام لا يُزيلُ الإشكالَ الثَّاني، وهو: أنَّ المَشهور عن كعبٍ خلاف حديث خلق التُّربة، فكيف ينسبُه البخاريُّ إليه؟\nوالَّذي تَبدَّى لي مِن كلامِ البخاريِّ وجهٌ آخرَ مِن التَّأويل، أزعمُ أنَّه أقرب ما تُحمل عليه مَقالَته السَّالفة، أقول فيها مُستَهديًا بالله:\nإنَّ البخاريَّ لا يعني أنَّ الخبر الَّذي قال فيه: «وقال بعضهم عن أبي هريرة عن كعب»: هو بنفسِ مَتنِ حديثِ خلقِ التُّربة! فليس يُعرَف لهذا الحديث في كلِّ صحائفِ الدُّنيا غير الإسناد الَّذي ساقَه مسلم له عن أيُّوب بن خالد! وليس لمِثل البخاريِّ في سِعة علمِه واطِّلاعِه أن يجهل أنَّ كعبًا لا يقول بما في متنِه من ابتداء الخلق يومَ السَّبت.\nإنَّما أراد البخاريُّ بقولِه ذاك: ما يدخلُ في جملةِ أخبار هذا الباب الَّذي يندرج فيه حديث مسلمٍ ولو اختلف في متنه، مادام مَوضوعها واحدًا -والله أعلم-؛ ما يعنيه المُحدِّثون بقولهم: «وفي الباب عن فلانٍ وفلانٍ مِن الصَّحابة ..»، أي أنَّ مَوضوع حديث ما قد وَرَد فيه أحاديث أخرى عن فلانٍ وفلانٍ، وهذه الأحاديث قد تختلف لفظًا ومعنًى، وأمثلة ذلك واضحة في «جامع التِّرمذي» (^٢).\nفعلى هذا، يكون متنُ الخَبر الَّذي عَناه البخاريُّ، والَّذي قد عَزاه هو إلى أبي هريرة عن كعب الأحبار، لا يُطابق متنَ حديثِ مسلمٍ في خلقِ التُّربة يوم\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٨٩).\n(^٢) انظر مثالًا له في «نزهة الألباب في قول الترمذي وفي الباب» لحسن الوائلي (٣/ ١٦٣٣ - ١٦٣٧).","vol":"2","page":1018},{"text":"السَّبت بالحرف! وإنَّما يُطابقُ مَوضوعَه العامَّ الجامع، هذا الموضوع هو حَدُّ ابتداءِ الخلق الأوَّل، وانتهاءهِ بخلقِ آدم.\nهنا يُقال: وهل يوجد خَبَرٌ آخر يرويه أبو هريرة عن كعب في بدءِ الخلقِ ونهايتِه غير ما في مسلمٍ؟\nأقول: نعم، أحدُس أن يكون مُراد البخاريِّ: ما رواه أبو هريرة عن كعب بعد أن قال له: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «خَيرُ يومٍ طَلَعت فيه الشَّمس وغابت يوم الجمعة»، فقال كعبٌ: «نعم، إنَّ الله خَلَق الخلقَ يومَ الأحد، حتَّى انتهى إلى الجمعة، فخَلَق آدمَ آخرَ ساعاتِ النَّهار يوم الجمعة» (^١).\nفكأنَّ البخاريَّ يقول: إنَّ الأصحَّ عن أبي هريرة في هذا الباب ما رواه بعضهم عنه عن كعب الأحبار مِن قولِه، وقولُ كعبٍ أنَّ ابتداءَ الخلق يوم الأحد.\nفكأنَّه أراد أن يشير بهذا إلى أنَّ حديث أيُّوب مَعلول من جِهتين:\nالأولى: أنَّ رفعَه عن أبي هريرة لا يصحُّ.\nالثَّانية: أنَّ الأصحَّ في متنِ الخبر ما جاء عن أبي هريرة عن كعب في أنَّ ابتداءَ الخلقِ يومَ الأحد.\nفإن قيل: إنَّ ما حَدَسته مِن خبرِ كعبِ هذا إسنادُه ضعيف! فكيف يجعله البخاريُّ أصحَّ من حديث التُّربة؟\nقلت: الحديث أخرجه ابن سلام قال: حدَّثنا عثمان، عن سعيد المقبري، أنَّ إنَّما الخلاف في يحيى بن سلام، وشيخِه عثمان، وهو الأخنسي.\nفأمَّا يحيى بن سلام: وإن كان قد تَكلَّم بعض العلماء في حفظِه، فقد مَشَّى حالَه آخرون، وأعدل الأقوال فيه ما قاله أبو زرعة: «لا بأس به، ربَّما وَهِم» (^٢).\nوأمَّا عثمان بن محمَّد الأخنسي: فالبخاريُّ وَثَّقه، وهذا المهمُّ لدينا (^٣).\n_________\n(^١) «تفسير يحيى بن سلام» (١/ ٢٩٢).\n(^٢) «الضعفاء» له (٢/ ٣٣٩)، وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٩/ ١٥٥): «صدوق»، ووَثَّقه ابن حبَّان (٩/ ٢٦١) وقال: «ربَّما أخطأ».\n(^٣) وكذا وثَّقه يحيى بن معين، انظر «التهذيب» لابن حجر (٧/ ١٥٢).","vol":"2","page":1019},{"text":"فيكون هذا الإسناد مُحتَمِلًا للتَّحسينِ عند البخاريِّ، مع ما يَشهَدُ لمتنِه من أحاديث أخرى، وقد مَرَّ ما رواه أبو صالح عن كعب في ما يوافق ذلك.\nوعلى فرضِ ضَعفِه، فإنَّ البخاريَّ قال: «.. هو أصَحُّ»، ولا يلزم من هذه العبارة أن يكون صَحيحًا في نفسِه، ولكن مِن بابِ: (أصحُّ ما في الباب)؛ ومع ما في متنِ حديث التُّربة مِن نكارةٍ اقتضت عنده تخليطَ راويه في سندِه ومتنِه (^١)،\nاستوجبَ تغليبَ غيره عليه.\n_________\n(^١) ومُؤدَّى صَنيعِ البخاريِّ في تغليطِه لحديث التُّربة في ترجمته أيُّوب بن خالد: أن يحدُسَ أنَّه هو مَن أخطأ فيه، وشأن الغلط في المتنِ أن يُناط بأوهى حلقة في الإسناد، ولعلَّ إدراجَ البخاريِّ لهذا المثال وحده لِما استُنكر على أيُّوب في ترجمتِه الموجزة له فيه إشارة إلى شيءٍ في ضبِطه، «فإنَّ من شأن البخاريِّ أن لا يخرج الخبرَ في التَّاريخ إلَّا ليدلَّ على وهن راويه» كما قرَّر المعلميِّ في مقدمة تحقيقه لـ «الفوائد المجموعة» (ص/١٨٠).\nفأيُّوب ليس بالقَويِّ باعتراف المُعلِّمي، وهو مُقِلٌّ، لم يُخرِج له مسلم إلَّا هذا الحديث؛ وليس حَدُّه أن يحتج به في الصَّحيح، ولم يُنقَل له توثيقٌ مُعتبر، بل قال الأزديُّ: «أيُّوب بن خالد ليس حديثه بذاك، تكلَّم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى ين سعيد ونظراؤُه لا يكتبون حديثَه» اهـ «التَّهذيب» (١/ ٤٠١).\nفلأجل هذا كلِّه قال عنه ابن حجر في «التَّقريب»: «ليِّن الحديث».\n\nوردُّ الألبانيِّ في «سلسلته الصَّحيحة» (٤/ ٤٥٠) لكلامِ الأزديِّ في أيوب، بدعوى ضعفِه هو في نفسه عند المُحدِّثين، لا يُسلَّم له على إطلاقِه، فإنَّ ضعفَ الأزديِّ يُحمَل على أحوالٍ خاصَّة لا مطلقًا، وهو مِن أئمَّة الاجتهاد في الجرح والتَّعديل، وأقواله في الرِّجال مقبولة في الجملة، فإنَّه لم يُتعقَّب فيما انفرد به إلَّا بأقلَّ من نصف العُشر مِن مجموع أقوالِه فقط، وانظر بحثًا مُحكَّمًا في التَّدليل لهذا التَّقرير بعنوان: «أبو الفتح الأزدي بين الجرح والتَّعديل» لعبد الله مرحول السَّوالمة، منشور في مجلة جامعة الملك سعود بالرياض (٤/ ٢/٤٢٩ - ٤٧٦)، بتاريخ ١٤١٢ هـ ١٩٩٢ م.\nوإلى نحو من نتائجه فيه وصل الطَّالب عمرو حلمي في رسالته للماجستير المُقدَّمَة في جامعة الأزهر، بعنوان: «أقوال الإمام أبي الفتح الأزدي في الجرح والتَّعديل»، والمنشور مُلخَّصها في عدد شوَّال ١٤٣٨ هـ من مجلة «الأزهر» (ص/٢٠٧١ - ٢٠٧٧).\nوقد قدَّمنا أنَّ أيُّوب لم يُوَثَّق توثيقًا يُعتَدُّ به، فأَوْلى هنا إعمال كلامِ الأزديِّ فيه بَدَلًا من إهمالِه، خاصَّة أنَّه يَنقل حكمَه عن غيره لا عن نفسِه فقط، ولو فرَضنا سقوطَ قولِ الأزديِّ، فإنَّ ما مرَّ من حالِه يُنبئ عن عدم حُجِّيتِه إذا انفرَد، خصوصًا إذا جاءنا بمتنٍ مُثخَنٍ بالإشكالات، كحديث خلق التُّربة هذا، فلا يُقبل منه بحال، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":1020},{"text":"هذا الَّذي أراه في توجيه كلام البخاريِّ، فإنِّي على اعتقاد بأنَّ مثله لا يُصحِّح نسبةَ الكلامِ إلى مَن يُعلَم نَأيُه عنه يقينًا.\nولعلَّ هذا المَلْحظ نفسَه هو ما به اطمأنَّت نفس مسلم لتصحيح الحديث! ذلك أنَّه عَلِم أنَّ خَبر خلقِ التُّربة لا يقول بمثلِه كعب، فكأنَّ الشُّبهة انتفت عنده في الحديث أن يغلطَ فيه الرَّاوي فيجعله عن أبي هريرة بينما هو عن كعب! حيث أنَّ كعبًا لا يقول بمثلِ متنِه أصلًا! فتمحَّضَ عنده أنَّه عن أبي هريرة مرفوعًا؛ مع تاويلِ مسلمٍ للمتنِ على وجهٍ يَراه غير مُناقضٍ للأصولِ، كما قد أشرنا إليه.\nومع كلِّ ما قُلته: يبقى كلامِ البخاريِّ مَزَّلة أفهامٍ، مُحتملَةً عندي، والمَقام لا يتَّسع لبَسطها بأكثر من هذا؛ ويكفينا القطعُ بأنَّ الحديث أشَدُّ ما يُقال فيه: أنَّه غَلط مِن الرَّاوي، وليس هو مِن الإسرائيليَّات في شيء، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":1021},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>المَبحث السَّابع نقد المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الجسَّاسة</span>","vol":"2","page":1023},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>المَطلب الأوَّل سَوْق حديثِ الجسَّاسة</span>\nعن عَامِرُ بن شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ -أُخْتَ الضَّحَّاكِ بن قَيْسٍ- وكانت من الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، فقال: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِهِ من رسول الله ﷺ لا تُسْنِدِيهِ إلى أَحَدٍ غَيْرِهِ.\nفقالت: «لَئِنْ شِئْتَ لأَفْعَلَنَّ، فقال لها: أَجَلْ؛ حَدِّثِينِي ..».\nفذَكرتْ له قصَّةَ تأَيُّمِها من زوجِها، واعتدادها عند ابن أمِّ مكتوم، ثمَّ قالت:\n«فلمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي، سمعتُ نِدَاءَ المُنَادِي مُنَادِي رسول اللَّه ﷺ يُنَادِي: الصَّلاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ، فَكُنْتُ في صَفِّ النِّسَاءِ الَّتي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ، فلمَّا قَضَى رسول الله ﷺ صَلاتَهُ، جَلَسَ على الْمِنْبَرِ وهو يَضْحَكُ، فقال: «لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ»، ثُمَّ قال: «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟» قالوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: «إنِّي والله ما جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ ولا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كان رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ، وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذي كنت أُحَدِّثُكُمْ عن مَسِيحِ الدَّجَّالِ: حدَّثني أَنَّهُ رَكِبَ في سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مع ثَلاثِينَ رَجُلًا من لخمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمْ المَوْجُ شَهْرًا","vol":"2","page":1025},{"text":"في الْبَحْرِ، ثُمَّ أرفَؤوا (^١) إلى جَزِيرَةٍ في الْبَحْرِ حتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا في أَقْرُب (^٢) السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ (^٣)\nكَثِيرُ الشَّعَرِ، لا يَدْرُونَ ما قُبُلُه من دُبُرِهِ من كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ! ما أَنْتِ؟\nفقالت: أنا الجسَّاسَةُ.\nقالوا: وما الجسَّاسَةُ؟\nقالت: أَيُّهَا الْقَوْمُ! انْطَلِقُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيرِ؛ فإنَّه إلى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ.\nقال: لَمَّا سَمَّتْ لنا رَجُلًا؛ فَرِقْنَا منها أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً؛ قال: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ؛ فإذا فيه أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلى عُنُقِهِ ما بين رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ.\nقُلْنَا: وَيْلَكَ! ما أنت؟!\nقال: قد قَدَرْتُمْ على خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي: ما أَنْتُمْ؟\nقالوا: نَحْنُ أُنَاسٌ من الْعَرَبِ رَكِبْنَا في سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حين اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الموْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إلى جَزِيرَتِكَ هذه، فَجَلَسْنَا في أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لا يُدرَى ما قُبُلُهُ من دُبُرِهِ من كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ! ما أَنْتِ؟ فقالت: أنا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت: اعْمِدُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ (^٤)؛ فإنَّه إلى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا منها، ولم نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً.\n_________\n(^١) أرفؤوا: يقال أَرْفَأْت السفينةَ: إذا قرَّبتها من الشطِّ، والموضع الذي تشد فيه المرفأ، انظر «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٢٤١).\n(^٢) أَقْرُب -بضم الراء-: سفن صغار تكون مع السفن الكبار كالجنائب لها، يتصرَّف فيها الركاب لقضاء حوائجهم، واحدها: قارَب، وجمعه: قوارب؛ وأمَّا أقرب فهو صحيح؛ ولكنه خلاف القياس، وقيل: أقرُب السفينة: أدانيها، وما قارَب الأرضَ منها. انظر «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٨/ ٨١).\n(^٣) أهلب: أي كثيرة الشعر، ذَكر الصِّفَة لأنَّ الدَّابَّة تَقَعُ على الذَّكَر والأنْثَى، انظر «النهاية في غريب الحديث» (٥/ ٦٢٥) ..\n(^٤) الدَّير: خانُ النَّصارى، جمعه: أدْيارٌ، انظر «القاموس المحيط» (ص/٥٠٦).","vol":"2","page":1026},{"text":"فقال: أَخْبِرُونِي عن نَخْلِ بَيْسَانَ (^١)؛ قُلْنَا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قال: أَسْأَلُكُمْ عن نَخْلِهَا: هل يُثْمِرُ؟ قُلْنَا له: نعم، قال: أَمَا إنه يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ.\nقال: أَخْبِرُونِي عن بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ؛ قُلْنَا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل فيها مَاءٌ؟ قالوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ؛ قال: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ.\nقال: أَخْبِرُونِي عن عَيْنِ زُغَرَ (^٢)؛ قالوا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل في الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا له نعم، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ من مَائِهَا.\nقال: أَخْبِرُونِي عن نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ؛ ما فَعَلَ؟ قالوا: قد خَرَجَ من مَكَّةَ، وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قال: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نعم، قال: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ: أَنَّهُ قد ظَهَرَ على من يَلِيهِ من الْعَرَبِ، وَأَطَاعُوهُ، قال لهم: قد كان ذلك؟! قُلْنَا: نعم.\nقال: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لهم أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عنِّي: إنِّي أنا الْمَسِيحُ! وإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لي في الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ، فَأَسِيرَ في الأرض، فلا أَدَعَ قَرْيَةً إلا هَبَطْتُهَا؛ في أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غير مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أو وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بيَدِه السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عنها، وَإِنَّ على كل نَقْبٍ منها مَلائِكَةً يَحْرُسُونَهَا».\nقالت -أي: فاطمة بنت قيس-: قال رسول اللَّهِ ﷺوَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ (^٣) في الْمِنْبَرِـ: «هذه طَيْبَةُ! هذه طَيْبَةُ! هذه طَيْبَةُ! -يَعْنِي: الْمَدِينَةَ- أَلَا هل كنت حَدَّثْتُكُمْ ذلك؟»، فقال النَّاس: نعم، «فإنَّه أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذي كنتُ أُحَدِّثُكُمْ عنه وَعَنْ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إنَّه في بَحْرِ الشَّام، أو بَحْرِ الْيَمَنِ؛ لا،\n_________\n(^١) بَيْسان: من أرض الأردن، بها عيون ومياه. انظر «معجم البلدان» (٢/ ٢٠٢).\n(^٢) عين زُغَر: عَيْن بالشَّام من أرْض البَلْقاءِ، انظر «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٧٤٩).\n(^٣) بمخصرته: ما يُتَوَكَّأُ عليه كالعَصا ونحوِه، وما يأخذه المَلِكُ يُشيرُ به إذا خاطب، والخَطيبُ إذا خَطب، انظر «القاموس المحيط» (ص/٤٩٢).","vol":"2","page":1027},{"text":"بَلْ مِن قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هو (^١)! مِن قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هو! مِن قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هو! .. وأَوْمَأَ بيدِه إلى الْمَشْرِقِ.\nقالت: فَحَفِظْتُ هذا مِن رسول اللَّهِ ﷺ» (^٢).\n_________\n(^١) من قبل المشرق ما هو: لفظة (ما) زائدة صلة للكلام، ليست بنافية، والمراد إثبات أنه فى جهة المشرق، انظر «شرح صحيح مسلم» (١٨/ ٣٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الفتن وأشراط السَّاعة، باب: قصَّة الجسَّاسة، رقم:٢٩٤٢).","vol":"2","page":1028},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المَطلب الثاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرة لحديث الجسَّاسةِ</span>\nتنقسم مواقف المخالِفين مِن المعاصرين مِمَّا دَلَّ عليه هذا الحديث إلى موقفين (^١):\nالموقف الأوَّل: مَن ذهب إلى ردِّ الحديث ضِمنًا لا تصريحًا.\nالموقف الثَّاني: مَن رَدَّهُ تَصْريحًا.\nفأمَّا الموقف الأوَّل: فيتَمثَّل في كلِّ مَن ردَّ الأحاديث الدَّالَّة على خروجِ الدَّجال وطَعن فيها بعامَّة؛ فرَدُّ تلك الأحاديث يَلحَق بها مِن باب أَوْلى «حديثُ الجسَّاسة» (^٢).\nوأمَّا الموقف الثَّاني: فأوَّل مَن علِمتُ تَولَّى رَدَّ هذا الحديث صَراحةً: (محمَّد رشيد رضا)، مُجلِبًا عليه بأوقارٍ مِن المُعارَضات مِن كِلا جِهتي الرِّواية والدِّراية.\nفكان مِمَّا قاله في هذا الحديث:\n«إنَّ روايةَ الرَّسول ﷺ عن تميم الدَّاري إنْ سَلِم سَندُها من العِلل: هل\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٤٦٠).\n(^٢) وعلى هذا؛ فكلٌّ من طوائف الجهمية والخوارج، وجماعات من المعتزلة، هم ممن يأبى القبول بدلالة حديث الجسَّاسة.","vol":"2","page":1029},{"text":"تجعل الحديثَ مُلحَقًا بما حَدَّث به النَّبي ﷺ مِن تلقاء نفسه، فيُجْزَمُ بصدق أصله، قياسًا على إجازته ﷺ أو تقريره للعمل إذ يدلُّ [على] حلِّه وجوازه؟\nوالظَّاهرُ لنا أنَّ هذا القياسَ لا مَحَلَّ له هنا، والنَّبي ﷺ ما كان يَعلم الغيب؛ فهو كسائرِ البَشر يحْمِل كلامَ النَّاس على الصِّدق؛ إذا لم تحُفَّ به شبهة، وكثيرًا ما صَدَّق المنافقين والكُفَّار في أحاديثِهم، وحديث العُرَنِيين (^١) وأصحاب بئر مَعونة (^٢) ممَّا يدلُّ على ذلك، وإنمَّا كان يعرف كذِب بعضَ الكاذبين بالوَحي، أو بعض طرق الاختبار، أو أخبار الثِّقات، ونحو ذلك مِن طُرق العلمِ البشريِّ، وإنَّما يمتاز عن غيرهم بالوحي، والعصمة من الكذب، وما كان الوحي ينزل إلَاّ في أمر الدِّين، وما يتعلَّق بدعوتِه وحفظِه وحفظ ما جاء به؛ وتصديقُ الكاذب ليس كذبًا ..» (^٣).\nوممَّا قاله أيضًا:\n«.. هل يجب أن تكون حكايته ﷺ لما حدَّث به تميم تصديقًا له؟ وهل كان ﷺ مَعصومًا مِن تصديقِ كلِّ كاذبٍ في خبر؛ فيُعَدُّ تصديقُه لحكايةِ تميم دليلًا على صدقه فيها؟ ويُعَدُّ ما يرِدُ عليها مِن إشكالٍ واردًا على حديث له حكم المرفوع؟ .. إنَّ ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا، فالمُجمَع عليه هو العصمة في التَّبليغ عن الله تعالى، وعن تعمُّد عصيانه بعد النُّبوة .. وتصديقُ الكاذب لا يُعدُّ ذنبًا ..» (^٤).\nوممَّن نَسج بعده على منوالِه: (محمَّد أبو ريَّة)، وسيأتي نصُّ كلامه -قريبًا-.\nوجاء بعده (أبو الأعلى المَوْدودي) فنَبَز الحديثَ بأنَّه «أسطورةٌ ووَهْم»!\n_________\n(^١) رواه البخاري في (ك: الوضوء، باب: أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، رقم: ٢٣٣)، ومسلم في (ك: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين، رقم: ١٦٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: المغازي، باب: غزوة الرجيع، ورعل، وذكوان، وبئر معونة، رقم: ٤٠٨٨)، ومسلم في (ك: المساجد ومواضع لصلاة، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، رقم: ٦٧٧).\n(^٣) «مجلة المنار» (١٩/ ٩٧).\n(^٤) «تفسير المنار» (٩/ ٤٩٥ - ٤٩٧).","vol":"2","page":1030},{"text":"وقال: «إنَّ الأمر الَّذي تحقَّقتُ فيه: أنَّه (أسطورة) هو ذلك الوَهم الَّذي يؤكِّد أنَّ الدجَّال محبوسٌ في مكانٍ ما» (^١).\nوآخر مَن علمتُه كتَبَ في هذا الحديث يردُّه د. حاكم المطيري في كُتَيِّبه «دراسة لحديث الجساسة، وبيان ما فيه من العلل في الإسناد والمتن».\nقلتُ: ومِن المُتَحقَّق علمُه بين نُقَّاد الحديث صِحَّة إسنادِ حديثِ فاطمة بنت قيس، وبراءةُ متنِه ممَّا يُستنَكر، وإن كان فيه ما قد يُستشكَل على بعضِ الأذهان، ولا أعَلمُ حتَّى ساعتي هذه مَن رَدَّه وطَعَن فيه مِن الأئمَّة المُعتبَرين قديمًا أو حديثًا؛ بل البخاريُّ مع إعراضِه عن إخراجِه، واكتفائِه بإخراجِ حديثِ جابرٍ الواردِ في ابن صيَّاد (^٢)؛ سالِكًا في ذلك نوعًا مِن مسالِك التَّرجيح: قد صرَّحَ بصِحَّتِه، كما سيأتي عليه البَيانُ تفصيلًا في موضعِه مِن هذا المَبحث.\nوكذا صَرَّح بصحَّتِه غيرُ واحدٍ مِن أئمَّة الحديثِ، منهم:\nالتِّرمذيُّ في قوله: «حَسن صَحيح غَريب» (^٣).\nوصَحَّحَه الدَّارقطنيُّ (^٤)، وابن عبد البرِّ (^٥)، بل عَدَّه أبو نُعيم الأصبهانيُّ مِن الأحاديث المُتَّفق على صِحَّتِها (^٦)؛ بل لا تَكاد تَرى مُصَنِّفًا في علومِ الحديثِ إلَّا مَثَّل به على روايةِ الأكابر عن الأصاغِر، لروايةِ النَّبي ﷺ ما سمِعه عن تميمٍ للصَّحابة.\nوعلى هذا؛ كان النَّظر مِنَّا مُتوجِّهًا إلى ما ثوَّره (رشيد رضا) وغيرُه على هذا الحديث مِن معارضات عقليَّةٍ، فكان أبرز ما وجدناه منهم عليه من نَقداتٍ مُنتظِمٌ في المعارضاتِ التَّالية:\n_________\n(^١) «الرسائل والمسائل» لأبي الأعلى المودودي (١/ ٤٧)، نقلًا عن «زوابع في وجه السنَّة» (ص/٢١٠).\n(^٢) سيأتي تخريجه قريبًا.\n(^٣) «جامع الترمذي» (٤/ ٥٢١).\n(^٤) «المؤتلف والمختلف» للدراقطني (٢/ ١٠٥٨).\n(^٥) «الاستذكار» (٨/ ٣٣٣).\n(^٦) «حلية الأولياء» (٨/ ١٣٦).","vol":"2","page":1031},{"text":"المعارضة الأولى: أنَّ الدَّواعي مُتوافرة لاستفاضةِ هذا الحديث لو كان حقيقةً، ورواية الآحادِ مِن النَّاس له مَظِنَّة قويَّة لنكارتِه.\nوفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (رشيد رضا):\n«مِن عِلل الحديث: أنَّه مِن الأحاديث الَّتي تَتوفَّر الدَّواعي على نقلها بالتَّواتر، لغرابة موضوعِه، ولاهتمام النَّبي ﷺ به، وجمعِه النَّاس له، وتحديثِه به على المنبر، واستشهادِه بقول تميمٍ على ما كان حدَّثهم به قبل إسلامه، ولسماع جمهور الصَّحابة له منه ﷺ، فمِن غير المعقول ألَّا يُروى إلَّا آحاديًّا؛ ويؤيِّده امتناع البخاريِّ عن إخراجِه في «صحيحه»، لشدَّةِ تحرِّيه ..» (^١).\nالمعارضة الثَّانية: على فرضِ صحَّة الواقعةِ، فإنَّ النَّبي ﷺ لم يُقِرَّ تميمًا ﵁ على كلِّ حديثِه، وأنَّ في إبطالِه ﷺ لبعضِ حديثِه نَزعًا للثِّقةِ مِن باقيه، وعلى فرضِ تصديقِ النَّبي ﷺ لكلِّه، فليس هو مَعصومًا مِن تصديقِ الكَذَبة.\nولتقرير هذه الاعتراضِ المتفرِّع إلى اثنين، استشهدَ (رشيد رضا) بكلام للطيِّبي مَفاده: أنَّ ظاهر قوله ﷺ: «ألَا إنَّه في بَحْرِ الشَّام، أو بَحْرِ الْيَمَنِ؛ لا، بَلْ مِن قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هو ..»، يدلُّ على تصديقِه لتميمٍ أوَّلَ الأمر، ثمَّ كُوشِف ﷺ في موقفِه بأنَّه في جهةِ المشرق، وليس في أحد البَحرين، فأعقبَ (رشيد رضا) هذا النَّقل عنه بقوله:\n«إنَّ نفيَ النَّبي ﷺ لبعض قولِ تميمٍ يُبطل الثِّقة به كلَّه، ويحصر عجبَه ﷺ في شيءٍ واحدٍ منه لا يُعرَف بالرَّأي، وهو موافقتُه لما سَبق إخباره به ﷺ مِن ظهورِ الدَّجال، وكونِه لا يدخل مكَّة ولا المدينة، وإن بقيَ الإعجاب ممَّا ذُكر منه في مَحلِّه ..» (^٢).\nثمَّ انتقلَ إلى تقريرِ الشُّبهةِ الثَّانيةِ في عدمِ عصمتِه ﷺ مِن تصديق الكاذب، وقد سَبق كلامه في أصحابِ الموقفِ الثَّاني مِن حديث الجسَّاسة، فأغنى عن إعادتِه هنا.\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ٤١٠).\n(^٢) «تفسير المنار» (٩/ ٤١٣).","vol":"2","page":1032},{"text":"المعارضة الثَّالثة: أنَّ الحِسَّ يَقضي بعدمِ صِحَّة هذا الحديث، وبيان ذلك:\nأنَّ الجزيرة الَّتي رَفأَ إليها تميم ﵁ وأصحابه بسفينِتهم لن تعدو أن تكون في إحدى البِحار المحيطة بالجزيرة العربيَّة أو القريبة منها، وكلُّها قد مسَحَها علماء البِحار في هذه الأزمنة مَسحًا؛ فلو صَحَّ وجود هذه الجزيرة، ووجود الدجَّال فيها: لتوافرت هِمَمهم على نقلِ ذلك، ولعَرَفه النَّاس.\nوفي تقرير هذا، يتساءَل (رشيد رضا) سُؤالَ مستنكرٍ:\n«أين هذه الجزيرة الَّتي رَفأَ إليها تميم وأصحابه في سفينتهم؟ إنَّها في بحر الشَّام، أو بحر اليَمن؛ كما في اللَّفظِ المرفوعِ -إنْ صحَّ الحديث-؛ أي: في الجهةِ المقابلةِ لسواحلِ سورية مِن البحر المتوسِّط، أو الجهة المجاورة لشواطئ اليَمن من البحر الأحمر: وكلٌّ مِن البَحرين قد مَسَحه البحَّارة في هذه الأزمنة مَسْحًا، وجابوا سطحَهما طولًا وعرضًا، وقاسوا مياهَهما عُمقًا عُمقًا، وعَرفوا جزائرَهما فردًا فردًا؛ فلو كان في أحدِهما جزيرةٌ فيها دير، أو قصرٌ حُبس فيه الدَّجال، وله جسَّاسة فيها تُقابل النَّاس، وتنقل إليه الأخبار: لعَرف ذلك كلَّه كلُّ الناس» (^١).\nومثله (محمود أبو ريَّة)، لكن بنبرةِ المُستهزِئ قال: «لعلَّ علماء الجغرافيا يَبحثون عن هذه الجزيرة، ويعرفون أين مكانها مِن البحر! ثمَّ يخبروننا؛ حتَّى نرى ما فيها من غرائب الَّتي حدَّثنا بها سيِّدنا تميم الداري ﵁ ..» (^٢).\nأمَّا (محمَّد الغزاليُّ)، فقد عَبَّر عن هذه المعارضةِ نفسِها بأسلوبه الأدبيِّ المعهود، قائلًا:\n«وهَاكُم مَوقفًا آخرَ مِن واعظٍ يحبُّ الحكايات، ويَستنصِتُ النَّاسَ بما تحوي من العجائب! قال: إنَّ الدجَّال موجود الآن في إحدى الجُزر ببحر الشَّام أو بحر اليَمن، مشدود الوِثاق، وقد رآه تميم الدَّاري بعدما غرق في السَّفينة الَّتي كان يركبها هو وصحبُه، وتحادثوا معه، وهو على وشك الخروج!\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ٤٩٤).\n(^٢) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٨٣ - هامش رقم [٢]).","vol":"2","page":1033},{"text":"وقد حدَّثتْ بذلك فاطمة بنت قيس في سياقٍ طويلٍ!\nقال لي طالب يسمع الدَّرس: هل يمكن أن نذهبَ في رحلةٍ إلى هذه الجزيرة؛ لنرى الدَّجال؟\nقلتُ له: وماذا تفعل برؤيتِه؟ الدَّجالون كثيرون، وإذا تحصَّنت بالحقِّ نَجوتَ منهم، ومن كبيرِهم عندما يخرج!\nقال: ألم يزُرْ أحدٌ هذه الجزيرة بعد تميم الدَّاري؟\nفآثرتُ السُّكوتَ، وحرَّفْتُ الطَّالبَ عن الموضوع بلباقةٍ.\nإنَّ أساطيلَ الرُّومان، والعرب، والتُّرك، والصَّليبيِّين؛ تجوب البحرَ الأبيض المتوسِّط والأحمر من بضعة عشر قرنًا، ولم ترَ هذه الجزيرة؛ وفي عصرنا هذا طُرِق كلُّ شِبرٍ في البرِّ والبحر، والتُقِطت صورٌ لأعماقِ المحيطات عن طريقِ الأقمار الصناعيَّة، فأين تقع هذه الجزيرة؟! ..» (^١).\nالمعارضة الرَّابعة: أنَّ الحديثَ مُعارَضٌ بقول النَّبي ﷺ: «لا تَأتي مائة سَنةٍ وعلى الأرض نفسٌ منفوسةٌ اليوم» (^٢):\nفلو كان الدَّجال مَوجودًا وقتَها لهلَك قبل تمامِ المائة، ولعارَضَ ما ثَبت قطعًا مِن خروجِه قُبيل السَّاعة.\nيقول محمَّد العُثَيمين (ت ١٤٢١ هـ) في تقريرِ هذه المعارضة: «ثَبَت في «الصَّحيحين» عن النَّبي ﷺ قال: «إنَّه على رأسِ مائةِ سنةٍ، لا يبقى على وجهِ الأرضِ مِمَّن هو عليها اليوم أحَد»، فإذا طَبَّقنا هذا الحديث على حديثِ تميم الدَّاري ﵁، صارَ مُعارضًا له؛ لأنَّ ظاهرَ حديث تميم الدَّاري ﵁ أنَّ هذا الدَّجال يبقى حتَّى يخرج، فيكون معارضًا لهذا الحديث الثَّابت في الصَّحيحين» (^٣).\n_________\n(^١) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه (برقم: ٢٥٧٣).\n(^٣) «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (٢/ ٢٠).","vol":"2","page":1034},{"text":"المعارضة الخامسة: أنَّ في طلب النَّبي ﷺ لتأييدِ رَجلٍ مِن أهل الكتاب لِما كان يحدِّث به: حَطٌّ من شأنِه، واستغنائِه بتصديقِ الله تعالى له في القرآن الكريم:\nيقول (جعفر السُّبحاني): «إذا كان ﷺ هو أعلمَ الأمَّة، فكتابه هو المهيمن على جميع الكتب السَّماوية .. فإذا كان الأمر كذلك، فما هي الحاجة للحصول على تأييدِ تميم الدَّاري لصحَّةِ كلامِه؟! وهذا يحطُّ مِن شأنِ النَّبي ﷺ وكتابه المُنزَّل، فتميمٌ الدَّاري أحوج إلى تأييدِ النَّبي ﷺ» (^١).\n_________\n(^١) «الحديث بين الرواية والدراية» (ص/١٩١).","vol":"2","page":1035},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>المَطلب الثَّالث دفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن حديثِ الجسَّاسة</span>\nأمَّا عن المعارض الأوَّل: وهو دعوى ردِّ الحديث لعَدمِ استفاضتِه، مع توفُّر الدَّواعي لذلك، فالجواب عنه:\nأنَّ تلك الدَّواعي لنقلِ الحديث مُتواترًا كما قرَّرها (رشيد رضا) لا توجِبُ أن يكونَ الحديثُ كذلك مِن جِهة واقع الرِّواية، فإنَّ عددًا مِن المَرويَّات قد تَوَفَّرت لها ذات الشُّروط لم تبلُغنا بالتَّواتر، هي مع ذلك ممَّا يقرُّ (رشيد رضا) بصحَّتها بلا شكٍّ، مثل خطبة حجَّة الوَداع، وقد كانت في جمعٍ لم يعرف الإسلام مثله عددًا في عهد النُّبوة، ومع ذلك لم يروِها إلَّا آحاد قلائل.\nفإن قيل: قد يُستشكَل على هذا الجواب أمور، منها:\nأنَّ أهل الأصولِ على أنَّ خَبر الواحدِ فيما تَتوافر الدَّواعي على نقلِه، إذا انفردَ الواحدُ بروايتِه عن باقي الخَلقِ لم يُقبَل؛ لكونِ الدَّواعي على نقلِه مُتوفِّرة عَقلًا وطَبعًا؛ إمَّا لغرابتِه، وإمَّا لتعلُّقِه بأصلٍ مِن أصول الدِّين، ولم يخالف في هذا إلَّا الإِمامِيَّة، فقالوا بقَبولِه (^١).\n_________\n(^١) انظر «المستصفى» للغزالي (ص/١١٤)، و«المحصول» للرازي (٤/ ٢٩٢)، و«روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٣٠٠)، و«الإحكام» للآمدي (٢/ ٤١)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ١٢٣).","vol":"2","page":1036},{"text":"وحديث الجسَّاسة هذا يُشبِه أن يكونَ مِن هذا النَّوع الَّذي تَتوافر الدَّواعي لنقلِه عن جمعٍ لا عن فرد، فهي خطبة عامَّة، خَصَّها النَّبي ﷺ بالنِّداءِ، وحَضرَها جَمعٌ مِن المسلمين رِجالًا ونِساءً، وقد حَوَت مِن أعاجيبِ الأخبارِ ما حَوَت.\nوالَّذي أرَاه سديدًا في ردِّ هذا الاستشكال، أن يُقال:\nليس الحديث غريبًا فردًا كما تَوَهَّمَه مَن رَدَّ الحديثَ، فقد شاركَ فاطمةَ بنتَ قيسٍ في روايتِها هذه الحادثةَ بعضُ أصحابِ النَّبي ﷺ، حيث قال ابن حجرٍ عند شرحِه للحديث: «قد تَوهَّم بعضُهم أنَّه غريب فَرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر» (^١).\nوالتَّحقيق عندي أنَّ الحديث قد تابعَ فاطمةَ فيه اثنان مِن الصَّحابة لا ثلاثة كما قال ابن حجر، أعني بالاثنين: أبا هريرة، وعائشة؛ فأمَّا جابر فلا يثبتُ عنه؛ وتفصيل ذلك في الآتي:\nأمَّا حديث أبي هريرة ﵁:\nفقد جاء مِن طريقِ مجالد بن سعيد عن الشَّعبي في آخر روايتِه لحديث فاطمة بنت قيس، يقول فيه الشَّعبي: «.. فلقيتُ المحرَّرَ بنَ أبي هريرة، فحدَّثتُه حديثَ فاطمة بنت قيس، فقال: أَشهدُ على أبي أنَّه حدَّثني كما حدَّثَتك فاطمةُ، غير أنَّه قال: قال رسول الله: إنَّه نحو المشرق ..» (^٢).\nومُجالد بن سعيد هذا وإن كان ضعيفًا في الأصل (^٣)، لكن تابَعه عن الشَّعبي: سليمانُ بن أبي سليمان الشَّيباني (^٤)، وهو ثِقة حافظ، حديثُه في غِنىً عن متابعةِ ثِقةٍ، فضلًا عن مثلِ مُجالد.\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٣٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» (٤٥/ ٥٨، رقم: ٢٤١٠٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٥١٠، رقم: ٣٧٦٣٦)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٤/ ٣٩٣، رقم: ٩٦١).\n(^٣) انظر «الضعفاء الصغير» للبخاري (ص/١٣٠)، و«المجروحين» لابن حبَّان (٣/ ١٠)، و«الكامل» لابن عدي (١٠/ ١٣ - ١٧).\n(^٤) كما عند الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٤/ ٣٩٢، رقم: ٩٦٠)، وابن منده في «الإيمان» (٢/ ٩٥٠، رقم: ١٠٥٧) بسندٍ صحيح إليه.","vol":"2","page":1037},{"text":"وكذا المُحرَّر في روايتِه عن والدِه أبي هريرة ﵁ تحديثَه بما في حديث فاطمة، قد جاء له شاهدٌ عن أبيه مِن طريق: محمَّد بن أبي بكر المقدَّمي، عن سعد بن زياد، عن نافع مولى حمنة، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ استوَى على المنبر، فقال: حدَّثني تميم الدَّاري، فرَأى تميمًا في ناحيةِ المسجد، فقال: قُمْ يا تَميم، فحَدِّث النَّاسَ بما حدَّثتني، فقال: كنَّا في جزيرة في البحر ..»، وذَكَر حديثَ الجسَّاسة (^١).\nوهذا إسناد وإن لم يكُن بالمَتين (^٢)، لكن يصلحُ مثله مقويًّا لحديثِ المُحرَّر بن أبي هريرة؛ ويتحصَّل من ذلك ثبوت حديثِ تميمٍ في الجسَّاسة عن أبي هريرة ﵁.\nوأمَّا متابعة عائشة ﵂:\nفقد جاءت مِن نفسِ طريق مجالد بن سعيد السَّابق آخرَ روايةِ الشَّعبي، حيث ورَد فيه مع سؤالِه للمُحرَّر عن حديث فاطمة: سؤالُه لمحمَّد بن القاسم عن قصَّة تميم، فكان جوابُ محمَّدٍ له بقولِه: «أشهدُ على عائشةَ أنَّها حَدَّثتني كما حدَّثَتك فاطمةُ ..» (^٣).\nوكما الحال في روايةِ المُحرَّر، قد صَحَّت هذه الفقرة عن عائشةَ مِن نفسِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى بهذا الإسناد كما في «البداية والنهاية» لابن كثير (١٩/ ١٣٧)، وأبو عوانة في «مسنده» (٢/ ٩٨، رقم: ١٧٩٣).\n(^٢) فإنَّ سعد بن زياد وإن ذكره ابن حبَّان في «الثقات»، قال فيه أبو حاتم (٤/ ٨٣): «يُكتَب حديثه، ليس بالمَتين».\nونافع مولى حمنة، ترجم له البخاري في «تاريخه» (٨/ ٨٣ - ٨٤)، وابن أبي حاتم (٨/ ٤٥٣ - ٤٥٤) ولم يذكرا فيه حكمًا، وذكره ابن حبَّان في الثِّقات، ولم يذكر سماعًا عن أبي هريرة، فلا يُدرى أسمع منه أم لا.\n(^٣) أخرجه أحمد في «المسند» (٤٥/ ٥٨، رقم: ٢٤١٠٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٥١٠، رقم: ٣٧٦٣٦)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٤/ ٣٩٣، رقم: ٩٦١).","vol":"2","page":1038},{"text":"طريق سليمان الشَّيباني، غير أنَّ المَسئول فيه ليس محمَّدَ بنَ القاسم -كما في روايةِ مجالد بن سعيد- بل عبد الرَّحمن بن أبي بكر، وهو الصَّحيحُ في إسنادِه (^١).\nوأمَّا عن متابعة جابر بن عبد الله ﵁:\nفالصَّواب أنْ لا أصلَ لهذا الحديث عنه! فلستُ أُرَاه إلَّا مِن تخاليطِ الوَليد بن جميع (^٢) وأوهامِه، إذْ جعَلَه عن أبي سلمة عن جابر (^٣)، والصَّواب المَعروف فيه أنَّه: عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس كما قال الدَّارقطني (^٤)؛ وقد نَصَّ ابنُ عَديٍّ على أنَّ الوليد لم يُتابَع عليه، وعَدَّه مِن مناكيرِه (^٥)، واستغربه ابن كثير جدًّا (^٦).\nفلا وجهَ عندي لاكتفاءِ ابن حجرٍ (^٧) والألبانيِّ (^٨) بظاهرِ هذا الإسنادِ لتحسينِه وهو بهذا النَّحوِ مِن العِلَّة (^٩).\n_________\n(^١) فإنَّه من رواية أسباط بن محمَّد عن سليمان الشيباني، كما في «مشكل الآثار» للطحاوي (٧/ ٣٨٩، رقم: ٢٩٤٧) و«الإيمان» لابن منده (٢/ ٩٥٠، رقم: ١٠٥٧)، وأسباط ثِقة ثبَت في الشَّيباني.\nأمَّا ما جاء في «المعجم الكبير» للطبراني (٢٤/ ٣٩٢، رقم: ٩٦٠) من طريق محمَّد بن فضيل عن سليمان الشيباني أنَّ المَسئول في الحديث هو عبد الله بن أبي بكر الصِّديق: ففضلًا عن كونِ أسباط أوثق من محمَّد بن فضيل، فتكون نسبة حديث عائشة إلى عبد الرَّحمن أرجحَ من هذه الجِهة، فإنَّ عبد الله بن أبي بكر تُوفيَّ مُبكرًا في سنة (١١ هـ)، أي قبل أن يسمع الشَّعبي الحديث من فاطمة إبَّانَ خلافة معاوية، فكيف يلتقيه الشَّعبي ويسأله عن حديث فاطمة؟! وعبد الرَّحمن بن أبي بكر قد عاشَ بعد (٥٣ هـ)، فمنه سمِع الشَّعبي، فعُلم بهذا أنَّ ذكرَ عبدِ الله وَهم مِن ابن فضيل.\n(^٢) الوليد بن عبد الله بن جميع (ت ١٦٠ هـ)، قال ابن حبان في «المجروحين (٣/ ٧٨): «كان ممَّن ينفرد عن الأثبات بما لا يُشبه حديث الثِّقات، فلمَّا فحُش ذلك منه بطل الاحتجاج به، وكان يحيى بن سعيد لا يحدِّث عنه»، وقال أحمد: «ليس به بأس»، ولذا قال ابن حجر في «التقريب»: «صدوق يهم، ورُمي بالتَّشيع»\n(^٣) أخرجه أبو داود في «سننه» (ك: الملاحم، باب: في خبر الجساسة، رقم: ٤٣٢٨).\n(^٤) «العِلل» للدارقطني (١٣/ ٣٩٦).\n(^٥) «الكامل في الضعفاء» لابن عدي (١٠/ ٢٦٧).\n(^٦) «البداية والنهاية» (١٩/ ١٣٦).\n(^٧) «فتح الباري» (١٣/ ٤٠٦).\n(^٨) «قصة المسيح الدجال» (ص/٨٧).\n(^٩) عِلمًا أنَّ الألبانيَّ قد ضعَّف إسنادَ حديث جابر هذا في «ضعيف سنن أبي داود»!","vol":"2","page":1039},{"text":"ومُحصَّل القول: أنَّ خبرَ تميمٍ ﵁ ليس غريبًا تفرَّدت به صحابيَّةٌ -كما تَوهَّم مَن أنكره مِن المعاصرين- بل شهِد لصدقِه مِن الصَّحابةِ أبو هريرة، وعائشة، وناهيك بهذين إمامةً في الحفظِ والدِّين.\nفكان حَقُّ الحديث أن يُعرَف بالشُّهرة لا الغُربة (^١)،\nوالمَشهور مِن الحديث مَقبول في ما تَوافَرت الدَّواعي إلى نقلِه، حتَّى الحنفيَّةَ قبِلوه في ما تَعمُّ به البَلوى، مع أنَّهم يشترطون فيه التَّواترَ خلافًا للجمهورِ، فحكمُ المَشهورِ عندهم حكمُ المُتواترِ في هذا الباب (^٢).\nولَعَمري؛ إنَّ الواحدَ مِن أولاءِ الصَّحبِ الكِرامِ ﵃، لتكفينا شهادتُه على نفسِه في ما سمِعه أو رآه مِن نبيِّه ﷺ لنصَدِّقَه فيه، ولو كان عجيبَ المَخْبَرِ، واسعَ المَحْضَر، فكيف باتِّفاقِ ثلاثتِهم على روايةِ نفسِ المَشهد؟ ثمَّ كيف لو رواه أكثرُ مِن هؤلاء، لكن لم تَتَّصِل بنا روايتَهم مِن جِهة التَّدوين؟!\nولذا قال ابن حجر: «دَلَّ ورُودَها علينا مِن روايةِ عائشة أمِّ المؤمنين، وأبي هريرة، وجابر وغيرهم ﵃، على أنَّ جماعةً آخرين رَووها، وإنْ لم تتَّصلْ بنا روايتُهم» (^٣).\nهذا كلُّه مِمَّا يَنفي عن فاطمة تُهمةَ الوَهمِ أو الخَلطِ في ما رَوته مِن قصَّة تَميم ﵁. فليت شعري؛ كيف بعد ذلك يُقال في مثلِها أنَّها وَهِيَت في حفظِها لحديثِ نبيِّها إلى دركةِ التَّخليطِ بين خطبةٍ سمعتها مِنه ﷺ على المنبر حينَ حَدَّث\n_________\n(^١) وأنا أتكلَّم هنا عن طبقة الصَّحابةِ لا مَن دونهم.\n\nأمَّا دعوى الألباني في كتابه «قصة المسيح الدَّجال» (ص/٨٢)، في قوله عن هذا الحديث: «اِعلَم أنَّ هذه القصَّة صحيحةٌ، بل متواترة ..»، فلا أدري وجه حكمِه هذا عليه بالتَّواتر، ولو مَع فرضِ متابعاتِ ثلاثةٍ لفاطمة ﵃، ولا أعلمُ أحدًا سَبَقه إلى ذلك.\n(^٢) انظر «بدائع الصَّنائع» للكاساني (١/ ١٤٧).\n(^٣) «الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة» لابن حجر (ص/٢٧).","vol":"2","page":1040},{"text":"عن الدَّجال (^١)، وقصَّةٍ مُستقلَّةٍ سمعتها عن تَميم؟! .. كما يزعمُه أحدُ الباحثين (^٢).\nأيُّ غفلةٍ هذه بَلَّغت صاحبَها أن يسمع كلامٍ يسرُده قَصَّاصٌ يُؤنِس به سَامِعِيه، ثمَّ يَنسِب ما سمعه بطولِه إلى المَعصومِ ﷺ؟! أليس هذا الخَرَف بعينِه؟!\nهل يُعلَم صحابيٌّ وَقَع في مثلِ هذا الخلطِ المَشينِ بين خَبَرين مُتبايِنين، بل النَّحْلِ على النَّبي ﷺ ما لم يقُله! وبهذه الصُّورة الفَجَّة الدَّالةِ على اختلاطِ صاحبها وشديدِ غفلتِه؟! (^٣)\nأيُّ عاقلٍ يُجيز أن تَقَعَ مثل تلك الفَقيهة في مثلِ ما ادُّعيَ عليها، وقد راكَمَت في عينِ حديثِها مِن قرائنِ الحفظِ، ومُعايشتِها لتفاصيلِ أحداثِه، ما يُنْبِي عن شديدِ تثبُّتٍ منها في الإِخبار، ويُحيلُ أيَّ احتمالٍ لخلطِ الأَخبار؟!\nفلقد ذَكَرتْ فاطمة ﵂ أنَّها سمِعتْ بأُذُنِها النِّداءَ للصَّلاة، وأنَّها إنَّما ذَهبتْ إلى المسجدِ تُجيبه، حتَّى ذَكَرتْ مَكانَ جلوسِها بتدقيقٍ! ثمَّ شَرعت في وصفِ مشهدِ ما رَأَته مِن حركاتِ النَّبي ﷺ قبل كلماتِه، وكيف ضحِك بدءَ خطابِهم، وماذا قال للنَّاسِ تسكينًا لارتياعِهم، وكيف أنَّ الجمعَ كان منه جرَّاءَ خبرٍ سُرَّ به، ثمَّ هو بعد سَرْدِ ما جرى مِن تفاصيل القصَّةِ، استشهدَ فاطمةَ ومَن معها مِن\n_________\n(^١) وهذا أصل هذا الحديث صحَّ عن عدَّة صحابة في «الصَّحيحين» وغيرهما، وحديث فاطمة فيه رواه عنها الشَّعبي عن رسول الله ﷺ قال: «إنَّه لم يكُن نبيٌّ قطُّ إلَّا وقد حذَّر أمَّته الدَّجال، وإنَّه فيكم أيَّتها الأمَّة، وإنَّه يطأ الأرض كلَّها غير طيبة» أخرجه ابن راهويه في «مسنده» (٥/ ٢١٩، رقم: ٢٣٦٠) والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٥١، رقم: ٤٢٤٥).\n(^٢) أعني به حاكم المطيري، رئيس حزب الأمَّة بالكويت، في بحثٍ له اكتفى بنشر مُلَخَّصه على موقِعه الرَّسمي، وقد عنونه بـ: «دراسة لحديث الجسَّاسة، وبيان ما فيه من العِلل في الإسناد والمتن»، بعد أن اعتذرت مجلة كليَّة الشَّريعة بجامعة الكويت من نشره لطوله، ورفضت عددٌ من المجلَّات العلميَّة السُّعودية والمصريَّة تحكيمَه ونشرَه لجلالةِ «صحيح مسلم»! كما يذكر الباحث نفسُه في مُقدِّمة بحثه ذلك.\n(^٣) فإن قيل: قد وقع منها الغلط في حديثِها المشهور عن المَبتوتة، ونسبتها إلى النَّبي ﷺ أنَّه نفى عنها السُّكنى والنَّفقة! فيُقال في ردِّ هذا الإيراد: أنَّ ما وقع من فاطمة في حديث المَبتوتة غايتُه أن يكون عن سوء فهمٍ عنه ﷺ، لا عن سوء حفظٍ عنه! بمعنى: أنَّها نَقَلَت ما فهِمته منه خَبَرًا عنه، في حين أنَّ النَّبي ﷺ لم يَعني بكلامِه لها التَّعميم، فكأنَّها عَّمَمت كلامَه وحقُّه التَّخصيص، وأطلقته وحقُّه التَّقييد.","vol":"2","page":1041},{"text":"الحضورِ بـ: «ألَا هل كنتُ حدَّثتكُم ذلك؟»، فذكرتْ إجابتَهم له بِنَعم، ثمَّ أنَّه ﷺ خَتَم خُطبَتَه إعجابًا بحديثِ تميم أنْ وافَق ما حدَّثهم به قبلُ عن الدَّجال، لتُنهيَ هذا السَّردَ العَجيبَ بما رأته مِن إشارتِه بيدِه الشَّريفةِ إلى مكانِ خروجِه.\nفمثلُ هذا لا يكون أبدًا عن وهمٍ، لا يكون إلَّا عن تعمُّدِ اختلاق! وقد برَّأ الله فاطمة ﵂ أن تقعَ في مثلِه؛ وقد علمنا مُتابعة غيرها لها فيه.\nوكان مِن جَليلِ فهمِ ابنِ القيِّمِ لأنماطِ الخِطابِ ودلالاتِه، أن جَعل ما حدَّثت به فاطمةُ دليلًا في نفسِه على صدقِ خبرِه، وفضلِ راوِيَتِه، كما في قوله: «إذا شئتَ أنْ تعرِفَ مقدارَ حِفظها وعلمِها، فاعرِفهُ مِن حديثِ الدَّجال الطَّويل الَّذي حدَّث به رسولُ الله ﷺ على المنبرِ، فوَعَته فاطمةُ وحفظته، وأدَّته كما سمعته، ولم يُنكِره عليها أحدٌ مع طولِه وغرابتِه» (^١).\nنعم؛ لم يُنكره عليها أَحدٌ البتَّة، وعلى مثلِ هذه الحالِ يَتنزَّل تقرير المَازَريِّ حين قال: «إنَّ الصَّاحِبَ إذا رَوَى مِثلَ هذا الأمرَ العجيبَ، وأحالَ على حضورِه فيه مع سائرِ الصَّحابة، وهم يَسمعون روايتَه ودعواه حضورَهم معه، ولا يُنكِرون ذلك عليه (^٢)، فإنَّ ذلك تصديقٌ له يُوجِب العلمَ بصحَّة ما قال» (^٣).\nفمَنْ ظَنَّ بها بعد كلِّ هذا ظنَّ سَوءٍ في التَّحديثِ، فإنَّا سائلوه:\nلِمَ لم يَتَنبَّه أحَدٌ مِن الأئمَّة قبلك طيلةَ قرونٍ إلى هذه العِلَّة في خبرِها حتَّى خَرجتَ علينا تُلوِّح باكتشافِكَ؟!\nأين الأمَّة مِن دعوى التَّعليل هذه؟\nمَن جَرُؤَ مِن علمائِها على رَميِ صحابيَّةٍ بالتَّضعيفِ أو التَّخليطِ كما فعلتَ؟\nفهذا عامر الشَّعبي، وهو الَّذي سمِع من فاطمةَ حديثَها عن النَّبي ﷺ في وصفِ الدَّجال، وسمِع منها أيضًا حديثَها في الجسَّاسة (^٤)، لم يَدَّعِ عليها هذا الخلْطَ أو تطرُّقَ الوَهمِ إليها في مَزجِهما، وقد كان أَوْلى أن يَتنبَّه لذلك!\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٥/ ٤٧٦).\n(^٢) هذا لمجردِّ عدم الإنكار، فكيف وقد أقرَّ فاطمةَ بنتَ قيسٍ على خيرها هذا اِثنان من جِلَّة الصَّحابة؟!\n(^٣) «المعلم بفوائد مسلم» (٢/ ٤١٤).\n(^٤) وهذان هما الخَبرانِ اللَّذان اتُّهِمَ د. المطيري فاطمة بالتَّخليطِ بينهما.","vol":"2","page":1042},{"text":"ثمَّ أئمَّة العِلَل بعده أجدرَ النَّاس أن يُوَفَّقوا لبيانِ ذلك، وأوْلى أن يُعِلِّوا حديثَها بهذا الانفرادِ المُدَّعى.\nبل أنا أقول: إنَّ في نفسِ تفرِقَتِها بين هذين الخبرين وهي تُحدِّث بهما، لأكبرُ دليل على تثبُّتِها ومَزيد عنايتِها وتمييزها لِما تُنميه إلى نبيِّها ﷺ مِن غيرِه!\nيبقى إشكال أخيرٌ قد يُشَوَّش به على أذهانِ من يعتقد صحَّة حديثِ فاطمة هذا، وهو: أنَّ عددًا مِن الصَّحابة ﵃ ظَلَّ على اعتقادِ أنَّ ابنَ صيَّادٍ (^١) هو الدَّجالُ، أو كان يرتابُ فيه على أقلِّ تقدير، حتَّى بعد وفاة النَّبي ﷺ، مع أنَّه قد خُطِب فيهم قبلُ بقصَّة تميم، مِن هؤلاء: ابن مسعود (^٢)، وأبو سعيد الخدري (^٣)، وابن عمر (^٤)، وأختُه حفصة (^٥)،\nوجابر بن عبد الله، وكان يحلِف على ذلك، فلمَّا سُئِل عن حلِفه هذا قال: «إنِّي سمعتُ عمرَ يحلِف على ذلك عند النَّبي ﷺ، فلم يُنكِره النَّبي ﷺ» (^٦).\nفالفَرض في حديث الجسَّاسةِ أن يكون قاطعًا للنِّزاع في ماهيَّة ابن صيَّاد بكونِه غير المَسيح الدَّجال، فإنَّ هذا مَحبوس في جزيرة، فلِم بَقوا على اعتقادِ ذلك فيه؟\n_________\n(^١) ويُقال له: ابن صيَّاد أيضًا، وسُمِّي بهما في الأحاديث، واسمه: صاف، وقيل: عبد الله، وهو من يهود المدينة، أظهر إسلامَه بعدُ، قال العلماء: وقصَّتُه مشكلة، وأمره مُشتبه في أنَّه هل هو المسيح الدَّجال المشهور أم غيره؟! ولاشكَّ في أنَّه دجَّال من الدَّجاجلة، قالوا: وظاهر الأحاديث أنَّ النَّبي ﷺ لم يُوحَ إليه بأنَّه المسيح الدَّجال ولا غيره، وإنَّما أوحي إليه بصفات الدَّجال، وكان في ابن صيَّاد قرائن محتملة، فلذلك كان النَّبي ﷺ لا يقطع بأنَّه المسيح الدَّجال ولا غيره، انظر «شرح النَّووي على مسلم» (١٨/ ٤٦).\n(^٢) كما في «مسند» لأبي يعلى (٩/ ١٣٢، رقم: ٥٢٠٧)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٧/ ٣٨٧، رقم: ٢٩٤٣)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ١٠٩، رقم: ١٠١١٩) بإسناد صحيح.\n(^٣) كما في «صحيح مسلم» (ك: الفتن، باب: ذكر ابن صياد، رقم: ٢٩٢٧).\n(^٤) في «سنن أبي داود» (ك: الملاحم، باب: في خبر ابن صائد، رقم: ٤٣٣٠) بإسنادٍ صحيح.\n(^٥) في «صحيح مسلم» (ك: الفتن، باب: ذكر ابن صياد، رقم: ٢٩٣٢) ..\n(^٦) كما في البخاري (ك: الاعتصام، باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة، لا من غير الرسول، رقم: ٧٣٥٥)، ومسلم في (ك: الفتن، باب: ذكر ابن صياد، رقم: ٢٩٢٩).","vol":"2","page":1043},{"text":"وما يُمكننا الجواب به عن هذا جوابان، يُكمِّل أحدُهما الآخر:\nأمَّا الأوَّل: فيُقال فيه باحتمالِ جهلِ مَن ذُكِر بقصَّة تميمٍ: فإنَّا لا نَتَخرَّص القولَ بأنَّ حضورَ الخطبةِ كان غَفيرًا، بل لعلَّه مَشهدٌ قد فَوَّته كثيرٌ مِن الصَّحابة، خاصَّةً أنَّه كان فُجاءةً، ثمَّ بعض الغائِبين لم تبلُغه بعدُ مع ذلك، لغيابِه وقتَها عن المَدينة مدَّةً، أو لم يكُن من شأنِه الرِّواية أصلًا، إلى غيرِ ذلك مِن أعذارٍ رَبُّنا أعلَمُ بها.\nوفي تقرير هذا الجواب يقول أبو جعفر الطَّحاوي:\n«إنْ قال قائل: فكيف بَقِي ابن مسعود، وأبو ذرٍّ، وجابر ﵃ على ما كانوا عليه فيه مِمَّا قد رويتُه عنهم في هذا الباب مِمَّا قالوه فيه بعد النَّبي ﷺ؟\nفكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله ﷿ وعونِه: أنَّه قد يحتمِل أنَّ ذلك كان منهم لأنَّهم لم يعلَموا بما كان مِن رسول الله ﷺ بِما حَدَّث به النَّاسَ عن تميم الدَّاري ﵁، ولا مِن سُرورِه به، فقالوا في ذلك ما قالوا ..» (^١).\nوإلى مثلِه نحا البيهقيُّ في جوابِه، فقال:\n«إنَّ الدَّجالَ الأكبرَ الَّذي يخرج في آخر الزَّمان غيرُ ابن صيَّادٍ، .. وكَأنَّ الَّذين يجزِمون بابنِ صيَّادٍ هو الدَّجال لم يسمعوا بقصَّة تميم، وإلَّا فالجمع بينهما بعيد جدًّا؛ إذْ كيف يلتَئِم أن يكون مَن كان في أثناءِ الحياةِ النَّبويَّة شِبهَ المُحتلِم، ويجتمعُ به النَّبي ﷺ ويسألُه، أن يكون في آخرِها شيخًا كبيرًا مَسجونًا في جزيرةٍ من جزائر البحر، مُوثَقًا بالحديدِ، يَستفهِمُ عن خبر النَّبي ﷺ هل خَرَج أو لا؟\nفالأَوْلَى أن يُحمَل على عدمِ الاطِّلاع.\nأمَّا عمر: فيحتمل أن يكون ذلك مِنه قبلَ أن يَسمع قصَّةَ تميم، ثمَّ لمَّا سمِعها لم يعُد إلى الحلِفِ المذكور» (^٢).\n_________\n(^١) «شرح مشكل الآثار» (٧/ ٣٩١).\n(^٢) نصُّ البيهقي نقله ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٦).","vol":"2","page":1044},{"text":"وأمَّا الجواب الثَّاني: فلعَلَّ ظاهرَ حديث تميم ﵁ لم يَكُن قاطِعًا في نفيِ كونِ ابن صيَّادٍ الدَّجالَ عند مَن رمَاه به من الصَّحابة، لِما ظَنَّه مِن قِرائن تقطعُ في مَجموعِها بكونِه هو، كما جَرى لجابرٍ في اعتقادِه، حيث شهِدَ حلِفَ عمر ﵁ عند النَّبي ﷺ بأنَّه هو، فاستصحَبَ ما كان اطَّلعَ عليه مِن عمر ﵁ بالحضرة النَّبويَّة، فظَنَّ هذا إقرارًا قاطعًا على صدقِ المَحلوفِ عليه (^١).\nوهذا بخلافِ قصَّةِ تَميم، إذْ كانت ظنيَّةَ في دلالتِها في نفيِ ذلك عنه؛ ذلك أنَّ ما رآه أمرٌ عَجيبٌ خارج عن العادة، فمُحتَملٌ أَن يكون ما لقِيَه شيطانًا صُوِّرَ له الدَّجالَ، أو كان قرينَه، فصارَ يتكَلَّم إلى تميمٍ بلسانِ الدَّجَال، كأنَّه مِن بابِ التَّمثيلِ له، وهذا أمرٌ عَجَبٌ لا شكَّ.\nوأمرُ الدَّجال مُلتبِسٌ على كلِّ الأحوال، يُتوقَّع منه أيُّ شيء مخالفٌ للمَألوف.\nوفي تقرير ذلك يقول المُعلِّمي: «قد يأذنُ الله تعالى للشَّياطين -لحكمةٍ خاصَّةٍ- فيتمثَّلون في صُوَرٍ يَراها مَن حَضَر، فأمَّا الجسَّاسة: فشيطان، وأمَّا الدَّجال: فقد قال بعضُهم إنَّه شيطان، وعلى هذا فلا إشكال، كَشَف الله تعالى لتميمٍ وأصحابه فرَأوا الدَّجالَ وجسَّاسَتَه وخاطبوهما، ثمَّ عادَ حالهما إلى طبيعةِ الشَّياطين مِن الاسْتِتار، وإنْ كان الدَّجال إنسانًا: فلا أَرى ذلك إلَّا شيطانًا مُثِّل في صورةِ الدَّجال ..» (^٢).\n_________\n(^١) هذا على فرضِ التَّسليم لجابر ﵁ فهمَه هذا من سكوت النَّبي ﷺ، وفيه نظر، فإنَّ مسألة ما إذا أُخبِر بحضرة النَّبي ﷺ عن أمرٍ ليس فيه حكم شرعيٌّ، هل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقةِ ما في الواقع، كما وقع لعمر هنا في حلفه على ابن صيَّاد هو الدَّجال ولم ينكِر عليه؟ فهل يدلُّ عدم إنكارِه على أنَّه هو الدَّجال كما فهمه جابر أو لا يدلُّ؟\n\nيقول ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» (١/ ٩٦): «الأقرب عندي: أنَّه لا يدلُّ؛ لأنَّ مأخذَ المسألة ومناطَها - أعني: كونَ التَّقرير حجَّةً - هو العصمةُ من التَّقرير على باطل، وذلك يتوقَّف على تحقُّق البطلان، ولا يكفي فيه عدمُ تحقُّق الصِّحة، إلَّا أن يدَّعيَ مُدَّعٍ: أنَّه يكفي في وجوب البيان عدم تحقُّق الصِّحة، فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو عاجزٌ عنه؛ نعم، التَّقرير يدلُّ على جواز اليَمين على حسب الظَّن، وأنَّه لا يتوقَّف على العلم؛ لأنَّ عمرَ ﵁ حلف على حسب ظنِّه، وأقرَّه عليه».\n(^٢) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٣٤).","vol":"2","page":1045},{"text":"نعم؛ كان بعضُ السَّلف مِمَّن عايَشَ تميمًا في الشَّامِ يعتقِدُ في الدَّجال المَحبوسِ في الجزيرة أنَّه شيطان، كجبير بن نفير (^١)، وعمرو بن الأسود (^٢)، وكثير بن مُرَّة (^٣)، ويزيد بن شريح (^٤)، وشريح بن عبيد (^٥)، والمقدام بن مَعدي يَكْرِب وهو صَحابيٌّ ﵁! هؤلاء كلُّهم كانوا يقولون: «الدَّجال ليس إنسانًا، إنَّما هو شيطان في بعضِ جَزائر البحر، مُوثَق بسبعينَ حلْقةً، لا يُعلَم مَن أوثقه ..» (^٦).\nولا أستبعدُ أنْ يكونَ أصلُ هذا الاعتقادِ في الدَّجالِ مَأخوذًا عن تميمٍ نفسِه، فإنَّ مِن هؤلاء مَن سمِع تميمًا، أو سَمِع مِمَّن سَمِع منه (^٧)؛ كما لا يبعُد أن يكون بعضُهم قد تَلَقَّاه أيضًا مِن بعضِ الكِتابيِّين (^٨)، لكنْ مُجرَّد تقريرِهم لطبيعةِ هذا الدَّجالِ المَحبوسِ كافٍ في عدمِ امتناعِ ذلك فيه.\nالشَّاهد عندي من هذا:\nأنَّ حديث تميمٍ قد تَطرَّق إليه احتمالٌ في ماهيَّة أشخاصِه عند جابرٍ، بصرفِ النَّظر عن قوَّة هذه الاحتمالاتِ مِن ضعفِها؛ خلافًا لما وقعَ في نفسِ جابرٍ مِن ابن صيَّادٍ، إذْ كان انطباقُ صِفاتِ الدَّجال عليه، وجَزمُ عمر به، مع إقرارِ النَّبي ﷺ له على حَلفِه فيما رآه، وكان الحقُّ يجري على لسانِ عمر وقلبِه: كلُّ\n_________\n(^١) جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، ثقة جليل من كبار التابعين، توفي (٨٠ هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٧٦).\n(^٢) عمرو بن الأسود أبو عياض العنسي الحمصي، أدرك الجاهلية والإسلام، وكان من سادات التابعين دينًا وورعًا، توفي في خلافة عبد الملك بن مروان، انظر «سير النبلاء» (٤/ ٧٩).\n(^٣) كثير بن مرة الرهاوى، ثقة من كبار التابعين، توفي (٨١ هـ وقيل ٩٠ هـ)، انظر «سير النبلاء» (٤/ ٤٦).\n(^٤) يزيد بن شريح الحضرمي الحمصي، تابعي ثقة، توفي (١١٠ هـ)، انظر «تاريخ الإسلام» (٣/ ١٧٩).\n(^٥) شريح بن عبيد الحضرمي الحمصي، تابعي ثقة، توفي بعد (١٠٠ هـ)، انظر «تاريخ الإسلام» (٣/ ٢٤٧)، وهذا ذكره ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٣٢٨) نقلًا عن نعيم بن حماد وليس في أصل المطبوع من كتابه «الفتن».\n(^٦) «الفتن» لنعيم بن حماد (٢/ ٥٤١) بإسنادٍ صحيح إليهم.\n(^٧) فإنَّ كثيرَ بن مُرَّة مِن أصحابِ تميم ﵁، وجبير مِن أصحابِ المقدام ﵁، وسائر هؤلاء التابعين مِن أهلِ حِمص قد أخَذَ بعضُهم من بعض.\n(^٨) كما احتمله ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٣٢٨)، ولعلَّ يزيد بن شريح منهم، فإنَّه مِمَّن سمِع من كعبِ الأحبار.","vol":"2","page":1046},{"text":"هذا أورثَ في نفسِ جابرٍ نوعَ قطعٍ بأنَّ ابن صيَّادٍ هو الدَّجال، فقَدَّم هذا القطعَ منه على ما في حديث تميم مِن ظَنٍّ في الماهيَّة، والله تعالى أعلم.\nويَغلِبُ على ظنِّي أنَّ هذا المَسْلكَ من جابرٍ في التَّرجيحِ عينَه هو ما مشى عليه البخاريُّ في كتابِه، فإنَّه لمَّا اشتدَّ التباس الأمرِ في هذه الأخبار، «اقتصَرَ في كتابِه على حديثِ جابر عن عمر في ابنِ صيَّاد، ولم يُخرِج حديثَ فاطمة بنت قيس في قصَّة تميمٍ» (^١) كما قال ابن حَجَرٍ، وهذا مَنزعٌ منه حَسن في توجيهِ اختيارِ البخاريِّ.\nوليس يَعني أنَّ البخاريَّ يُضعِّف حديثَ فاطمة (^٢) -كما تَوَهَّمه (رشيد رِضا) حين رَأى «الصَّحيحَ» خاليًا مِنه، فظَنَّه تضعيفًا مِن مُصَنِّفِه له- كلَّا؛ فإنَّه وإن لم يُخرِج حديثَ فاطمة بنت قيس ﵂ إلَّا أنَّه قد نَطَق بتصحيحِه.\nوذلك فيما نقَلَه عنه تلميذُه التِّرمذي؛ قال: «سألتُ محمَّدًا عن هذا الحديث -يعني: حديث الجسَّاسة- فقال: «يَرويه الزُّهري عن أبي سلمة، عن فاطمة ابنةِ قيس، .. وحديث الشَّعبي عن فاطمة بنت قيس في الدَّجال: هو حديث صحيح» (^٣).\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٣٢٨).\n(^٢) كما ظنَّه د. حاكم المطيري في بحثِه السَّابق ذكره.\n(^٣) «العلل الكبير» للترمذي (ص/٣٢٨).\nوما ذكره البخاريُّ هما الطَّريقان الوحيدان لحديث الجسَّاسة عن فاطمة بنت قيس، ويظهر من جوابِه أنَّه يُرجِّح طريقَ الشَّعبي على طريق الزُّهري عن أبي سلمة، وحقُّه ذلك، فإنَّ رواية الزُّهري جاءت عنه من طريقين:\nابن أبي ذئب، كما في «سنن أبي داود» (رقم: ٤٣٢٥)، وأبو يعلى في «معجمه» (رقم: ١٥٧)، والطبراني في «الكبير» (رقم: ٩٢٢).\nوإبراهيم بن إسماعيل بن مُجمع: كما في «الآحاد» لابن أبي عاصم (ص/٣١٨٠)، والطبراني في «الكبير» (رقم: ٩٢٣).\nفأمَّا ابن أبي ذئب: وإن كان هو ثقةً في نفسِه، غير أنَّ روايته عن الزُّهري خاصَّةً مُتكلَّم فيها، فطَعن بعضُهم فيها بالاضطراب والمُخالفة، انظر «تهذيب الكمال» (٢٥/ ٦٣٥).\nوأمَّا إبراهيم بن إسماعيل: فقال فيه البخاريُّ: كثير الوَهم، وقال ابن معين: ضعيف متروك الحديث، انظر «التهذيب» لابن حجر (١/ ١٠٥).","vol":"2","page":1047},{"text":"فلم يحمِلْهُ رجحانُ حديثِ جابرٍ ﵁ عنده على الطَّعنِ في حديثِنا هذا.\nوعلى ذلك نقول:\nإنَّ الرُّجحانَ المقصودَ مِن كلامِ ابن حجرٍ فيما تَعَلَّق بترجيحِ البخاريِّ إنَّما هو رُجحانُ دَلالة، لا رُجحانٌ صِحَّةٍ أو ضعفٍ؛ قد أبانَ ابن حَجرٍ نفسُه عن مُراده من ترجيح البخاريِّ في بعضِ جَواباتِه المنشورة، مما يُزيل ذاكَ التَّوهُّمَ عن تقريرِه الَّذي في «الفتح».\nفقلد سُئِل عن حديثِ الجسَّاسةِ: هل فيه عِلَّةٌ لأجلِها لم يُخرِجه البخاريُّ، مع أنَّه ليس في البابِ شَيءٌ يُغني عنه؟\nفأجاب ابن حجر بقولِه: «ليست له عِلَّةٌ قادحةٌ تقتضي تركَ البخاريِّ لتخريجِه، .. والَّذي عندي أنَّ البخاريَّ أعرضَ عنه لمِا وَقَع مِن الصَّحابة ﵃ في أمرِ ابنِ صيَّاد، ويظهر لي: أنَّه رجُحَ عنده ما رَجُح عند عمر وجابر وغيرهِما ﵃ مِن أنَّ ابن صيَّاد هو الدَّجال، وظاهر حديث فاطمة بنت قيس يَأبى ذلك، فاقتصَرَ على ما رَجُح عنده، وهو على ما يَظهر بالاستقراءِ مِن صنيعِه: يُؤثِر الأرجحَ على الرَّاجح، وهذا مِنه» (^١).\nفكِلا الحديثين عند البخاريِّ في حيِّزِ القَبول -حديث فاطمة وحديث ابنِ صيَّا- كلُّ ما في الأمرِ، أنَّه اختارَ أحدَهما على الآخر ورَّجحه من حيث الدَّلالة على المَطلوب، فإنَّ «مِن عاداتِ البخاريِّ أنَّه إذا اختارَ جانِبًا، ذَهب يُهدِر جانبًا آخرَ، كأنَّه لم يَرِد فيه شيءٌ» (^٢)؛ فكذا شأنُه مع حديثِ الجسَّاسة، ترَك أن يُدخلَه «جامِعَه الصَّحيح»، إذْ كان ظاهره مُعارِضًا لِما اختارَه مِن كونِ ابنِ صيَّادٍ هو الدَّجالَ.\n_________\n(^١) «الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللَّائقة» لابن حجر (ص/٢٤).\n(^٢) «فيض الباري» للكشميري (٢/ ١١٨).","vol":"2","page":1048},{"text":"وطالمَا أنَّ كتابَه «الصَّحيح» مَعنيٌّ فيه بالفقهِ وترجيح المعاني، اقتصرَ على الأرجحِ مِن حيث دلالتُه على المَطلوبِ دون الرَّاجحِ (^١)، والله أعلم.\nأمَّا عن المعارض الثَّاني: في دعوى (رشيد رضا) أنَّ النَّبي ﷺ لم يقرَّ تميمًا ﵁ على كلِّ حديثه، لمكاشفةِ الوحي له في ذلك، وفي هذا إبطال للثِّقة في باقيه .. إلخ:\nفهذه دعوى مُبتناة على غير تريُّثٍ في تأمُّلِ الحديث، نَتاجَ تجافي صاحبِها عن أخبارِ الخوارقِ والغَرائبِ، أدَّى به إلى ردِّ هذا الحديث بمثلِ هذا الاعتراضِ الواهي؛ وإلَّا فهل يُعقَل أنْ يَنقُل النَّبي ﷺ كَلامًا عن أحَدٍ مِن النَّاس ليستشهِدَ به على أمْرٍ غَيبيٍّ دينيٍّ كان يُخبِر به، ويجمَع له النَّاس، ويُشهِدهم عليه، ثمَّ هو في قرارةِ نفسِه غيرُ مُصَدِّقٍ به أصلًا ولا مُقِرٍّ له؟!\nويَعجبُ المرء مِن قولِ (رشيد رضا) أنَّ الرَّسول ﷺ قد يُصدِّق الكاذب، في سياقِ كلامِه عن تصديقِ النَّبي ﷺ لصحابيٍّ جليلٍ مثل تميمٍ الدَّاري!\nثمَّ يذهَبُ مَذهبًا بعيدًا حينَ يحمِلُ على الحديثِ، فيُؤدِّيه ذلك إلى الطَّعنِ بِراويه تميمٍ! وقد ثَبَتت صُحبَته ﵁، وحسُن إسلامُه، وزكَّاه عمر ﵁؛ هذا مع اعتِرافِ رشيدٍ بأنَّ أحدًا لم يذكُر فيه شبهةً، ومع ذلك بَقي رشيدٌ مُصِرًّا على الغَمزِ فيه بقولِه للقُرَّاء بعد كلِّ الفضائل فيه: «.. وستعلَمُ ما فيه!»، مدَّعيًا «أنَّ نفيَ النَّبي ﷺ لبعضِ قول تميمٍ يُبطِل الثِّقة به كلِّه»!\nإنَّ غايةَ ما أخبر به تميم ﵁ النَّبيَّ ﷺ وَصْفُ ما جرى له مع مَن خاطبَه بالدَّجال، فلم يُحدِّد هو مكانَ الدَّجالِ ولا حيث خروجُه حتَّى يُقال: أنَّ الوحيَ كاشفَ النَّبي ﷺ في غلطِ كلامِه!\n_________\n(^١) وكان غير البخاريِّ مِن العلماء مَن يذهب إلى كونِ الدَّجال هو ابن صيَّادٍ، وهم مع ذلك يُصحِّحونَ حديثَ الجسَّاسة، كابن بطَّال في «شرحه للبخاري» (١٠/ ٣٨٦)، وأبي العبَّاس القرطبي في «التذكرة» (ص/١٣٤٠)، وهو ظاهر كلامِ النَّووي في «شرحه لمسلم» (١٨/ ٤٦ - ٤٧)، والشَّوكانيِّ في «نيل الأوطار» (٧/ ٢٣٧ - ٢٤٢).","vol":"2","page":1049},{"text":"فمكان الدَّجال وخروجه أمرٌ نَطَق به النَّبي ﷺ ابتداءً مِن عندِه حيث اجتَهد، ولا علاقة لتميمٍ ﵁ به.\nوعلى فرضِ أنَّ المكاشفة كانت لكلامِ تميم ﵁ نفسِه؛ فإنَّ بطلان كلامِ المعترضِ في تضاعيف دعواه نفسِها! إذْ لَولا أنَّ النَّبي ﷺ قد أقرَّه على خبرِه، ما جَعَل بروزَ الدَّجال مِن بحرِ الشَّام أو بحر اليَمن، إذ هُما البَحْران المُتوَقَّع ضياع سَفينةِ تَميم فيهما، فظَنَّ النَّبي بمُقتضى كلامِ تميم ﵁ أنَّ الدَّجال في هذين، فكان كالفرعِ مِن الأصل، حتَّى كاشفه الوَحي بخلافِ اجتهادِه هذا.\nثمَّ يُقال لـ (رشيد رضا): كيف للوحيِ أن يَتنزَّل على نبيِّنا ﷺ ليُصحِّحَ له جِهةَ خروجِ الدَّجال، ثمَّ يسكتَ عن أكثرِ أباطيل القِصَّة لو كانت باطلة؟! فيتركَ النَّبيَ ﷺ والمسلمين معه يُصدِّقون هذا الباطلَ، بل ويُوثِّقون تميمًا ﵁ صاحبَ القصَّة، ويأخذون عنه بعدُ الأخبارَ مِن غير ريبةٍ؟!\nبل العقل الحصيف يفرض علينا القول بأنَّ إخبار النَّبي ﷺ عن تميم الدَّاري مُصِدِّقًا له، لمِن أجلى الأمثلةِ على أنَّ ما تَلقَّاه الرَّسول بالقَبول مِن الأخبارِ مُوجبٌ للعلمِ (^١).\nهذا؛ وما كان لنبيِّنا ﷺ أن يُصدِّق دعاوي المنافقين هكذا بإطلاقٍ كما أفرطَ في دعواه (رشيد رضا)، وهو منه ذهولٌ عن قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]؛ فإنَّه هو ﷺ يُصدِّق كلامَ المؤمنين، ولا يصدِّق المنافقين وإن سمِع قولَهم (^٢).\nالعجيب في هذا الادِّعاء من (رشيد)، أنَّه قد نَقَضَ شبهتَه هذه بنفسِه عند تفسيرِه لهذه الآية السَّابقة! حيث قرَّر عندها أنَّ النَّبي ﷺ «كان يُعامل المنافقين بأحكامِ الشَّريعة وآدابها الَّتي يعامل بها عامَّة المسلمين، كما أمره الله تعالى ببناء\n_________\n(^١) انظر «مختصر الصواعق المرسلة» (ص/٥٥٦).\n(^٢) انظر «المحرر الوجيز» لابن عطية (٣/ ٥٣).","vol":"2","page":1050},{"text":"المعاملة على الظَّواهر، فظنُّوا أنَّه يصدِّق كلَّ ما يُقال له .. إي نعم؛ هو أُذن، ولكنَّه نِعم الأُذن؛ لأنَّه أُذن خيرٍ لا كما تزعمون، فهو لا يقبل ممَّا يسمعه إلَّا الحقَّ وما وافق الشَّرع .. ولا يصدِّق ما لا يجوز تصديقه شرعًا أو عقلًا»! (^١)\nفالظَّاهر أنَّ «هدفَ الشَّيخ رشيد كان نزعَ صِبغة الإلزامِ الشَّرعيِّ عن الحديث مهما كلَّف الأمر، فإن لم يكُن مصنوعًا، فهو ليس بمرفوعٍ كلُّه» (^٢)؛ والله يغفرُ له.\nوأمَّا جواب المعارضة الثَّالثة في دعوى أنَّ البِحارَ قد مَسَحَها البَحَّارة في هذه الأزمنة مسحًا ... إلخ ما قالوا:\nفهذا اعتراضٌ شبه الرِّيح، لأنَّ العلم الحديث مع بلوغِه في الاتِّساع والتَّطوُّر شأوًا عظيمًا؛ إلَّا أنَّه مع هذا الترقِّي في العلوم، ما زال الحِسُّ يقضي بقصورِ مُنجَزاته عن الإحاطةِ بكلِّ شيءٍ، وليس عَدمُ علمِ البحَّارةِ بما غُبِّي عليهم بقاضٍ لِأَن يَنفي ما لم يعلموا؛ لأنَّ عدمَ العِلم بالشَّيءِ لا يسلبُه حقيقةَ الوجود.\nوالَّذي ينبغي الإقرار به: أنَّ الشَّرعَ الحكيم لا يأمر المُكَلَّف بالإيمانِ بأمرٍ لا وَاقع له؛ فإنَّ هذا مُنتَفٍ في تضاعيفِ الأدلَّة الشرعيَّة، لكنَّه يأمر امتحانًا وابتلاءً بالإيمان لواقعٍ مُغيَّبٍ غيرِ مَشهود، والمغالطة تَنشأ حين يُخلط بين البَابين (^٣).\nفإذا كان الأمر كذلك؛ فإنَّ قَبول أحاديث المصطفى ﷺ ليس مَرهونًا بتصحيح علوم بعض البَشر القاصرة لها، بل علوم البَشر مَرهونٌ قَبولُها بألَّا تُخالفَ ما صَحَّ عن النَّبي ﷺ، فلا يُترَكَ المقطوع بصحَّته لأمرٍ تَعتوِرُه الظُّنون، وتحيط به مِن كلِّ جانب؛ والمتأمِّل في أحوال العلوم -مع تطوُّرِها نسبيًّا- يجدُ أنَّها في طَوْر المَهْد بالنِّسبة لما يخْفى علينا.\nمثال على ذلك: ما نَراه مِن اكتشافاتٍ للكهوف، ومَعالم، وآثارٍ كانت في حيِّز المجهول، عَجَزت التِّكنولوجيا مِن قبلُ عن اكتشافها؛ مع وقوعِ هذه\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (١٠/ ٤٤٦).\n(^٢) «موقف المدرسة العقلية الحديثة من السنة النبوية» لـ د. شفيق شقير (ص/٣٢٤).\n(^٣) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٤٦٨)","vol":"2","page":1051},{"text":"المكتشفاتِ في دائرةِ أراضي هؤلاء المُكتشفِين (^١)، فأوْلَى أن يخفى عليها ما هو خارجٌ عن أرضها!\nومَّما يدلُّك على تهافت هذا الادِّعاء أيضًا: ما يَربو إلى سمعكِ بين الفَينة والأخرى عبر وسائل إعلامٍ عالميَّةٍ مِن أخبارِ كشوفاتٍ جديدةٍ لجُزرٍ نائيةٍ، قد عَمِي عنها العَالَم المتقدِّم حِقبًا مَديدة.\nفهذه جزيرة بركانيَّة تُكشَف جنوبَ طوكيو عاصمةِ اليابان قبل سِنين قليلة (^٢)!\nوأخرى تظهر في نفسِ سنةِ الأولى في ساحلِ باكستانَ الجنوبيِّ مِن بحرِ العَرب (^٣)!\nوثالثة تُكشَف في شواطئِ محافظةِ (أبْيَن) باليَمن، مِن قِبَل صيَّادٍ عن طريق الصُّدفة! (^٤) بعد أن أعمى الله عنها مَن تَبجَّحوا بأنَّهم أحاطوا بكلِّ بَحرِيٍّ خُبْرًا.\nولِم نذهب بعيدًا؟! فهذا كتاب ربِّنا يُخبر عن انحباسِ يأجوجَ ومأجوجَ في السَّدِ منذ عهد ذي القَرنين! وأنَّهم خارجون من رَدمِهم قبل قيام السَّاعة، وهذا بإجماع المسلمين، كما في قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].\nولا أخال أحدًا ذا دين وعقلٍ يرتابُ في هذه الآيات مِن سورة الكهف (^٥)، بدعوى أنَّ علماء الجيولوجيا قد مَسَحوا الأرضَ مسحًا، وجابوا سطحَ قارَّاتها طولًا وعرضًا، فلم يجدوا هذا السَّد، وأنَّ أحدًا منهم لم يلحَظ ذاك الحَفر.\n_________\n(^١) انظر «دفاع عن السنة» (ص/٩٦).\n(^٢) موقع قناة «سكاي نيوز العربية»، الخميس ٢١ نوفبر ٢٠١٣ م، والجزيرة اكتُشفت قبل بث الخبر بيوم، أي الأربعاء.\n(^٣) موقع «قناة العربية الفضائية»، يوم الأربعاء ٢٥ سبتمبر ٢٠١٣ م.\n(^٤) صحيفة «٢٦ سبتمبر» اليمنيَّة، يوم الأحد ٢٧ يونيو حزيران ٢٠٠٤ م.\n(^٥) أعني الآيات ٩٧ - ٩٩ منها: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾.","vol":"2","page":1052},{"text":"فما كان جواب المُعترضِ عن هذه الآية، فهو الجواب نفسُه عن الحديث؛ والَّذي قَدِر على إطلاع تميم ﵁ على هذه الجزيرة، قادرٌ على أن يُضِلَّ سائر النَّاس عنها، ليَجرِيَ قدَرُه على وِفق ما قضى وأراد (^١).\nوحسمًا لمادَّة هذه المعارضةِ يُقال:\nإنَّ الربَّ ﵎ إذا أراد شيئًا هيَّأَ أسبابَه، فالله ﷻ من حكمته أن أطلَعَ تميمًا الدَّاري ﵁ على أمر الدجَّال؛ ليكون ذلك توكيدًا لما كان يُحدِّث به النَّبي ﷺ أصحابَه من شأنَ الدجَّال، ولحِكَمٍ أخرى نجهلُها، «فيزداد المسلمون وثوقًا به، وهذا بيِّنٌ في الحديث» (^٢).\nوأمَّا دعوى المعارض الرَّابع: أنَّ الحديث مُعارَضٌ بقولِ النَّبي ﷺ: «لا تأتي مائة سنةٍ وعلى الأرض نفسٌ منفوسةٌ اليوم»؛ فيُمكن كشفُ إشكالِه بجوابين:\nالأوَّل: أن يكونَ النَّبي ﷺ إنَّما أراد بهذا الحديث «الآدميِّين المَعروفين، وأمَّا مَن خَرج عن العادة، فلم يَدخُل في العُموم، كما لم تدخل الجنُّ، وإن كان لفظًا يَنتظِم الجنَّ والإنسَ، وتخصيصُ مثل هذا مِن مثلِ هذا العمومِ كثيرٌ مُعتاد» (^٣).\nوالجواب الثَّاني: فيما حَرَّره محمَّد الأمين الشَّنقيطي بعدَ ذكرِه لحديثِ تميمٍ، قال:\n«هذا نَصٌّ صالحٌ للتَّخصيص، يُخرِج الدَّجالَ مِن عمومِ حديثِ مَوتِ كلِّ نفسٍ في تلكِ المائة، والقاعدة المقرَّرة في الأصول: أنَّ العمومَ يجِبُ إبقاؤُه على عمومِه، فما أخرجَه نَصٌّ مخصِّص خرَج مِن العموم، وبَقي العامُّ حجَّةً في بقيَّة الأفراد الَّتي لم يدلَّ على إخراجها دليلٌ، كما قدَّمناه مِرارًا، وهو الحقُّ ومذهبُ الجمهور، وهو غالبُ ما في الكتاب والسُّنة مِن العمومات، يخرج منها بعضُ الأفراد بنصٍّ مُخصِّص، ويبقى العامُّ حجَّةً في الباقي» (^٤).\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٤٦٧ - ٤٦٨).\n(^٢) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٣٤).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٤٠).\n(^٤) «أضواء البيان» (٣/ ٣٣٧).","vol":"2","page":1053},{"text":"وحيث أورَد العُثيمين حديثَ انخرامِ القرنِ إشكالًا على حديثِ الجسَّاسة، فإنَّه مع ذلك لم يجزِم بنُكرانِه كدأبِ المُتعجِّلين مِن مُنكري السُّنَن، بل اختارَ طريقَ السَّلامة، والتَّوقُّفَ في ما أشكلَ عليه؛ فعبارتُه قال فيها: «في نفسِه منه شيءٌ»، مُعترفًا بتقصيره في تتبُّع أقوال العلماء في هذه المسألة (^١)؛ فلعلَّه لو فعلَ، لانحازَ إلى صَفِّهم في قَبولِهم له.\nفإن قيل تفريعًا عن هذا الإشكال:\nأليس في هذا الطُّول المفرطِ في عمرِ الدَّجال، من عهد النَّبي ﷺ إلى قربِ قيامِ السَّاعة، ما يُثبت له الخلود، وهو ما قد نَفاه الله تعالى عن عموم البَشر؟\nفيُقال في الجوابِ عليه: إنَّ للخلودِ مَعنيَين:\nالمعنى الأوَّل: ما يُراد به انتفاء الموتِ عن الشَّخصِ، «وهو البَقاء الدَّائم» (^٢)، وهو المُراد مِن كونِ أهلِ الجَنَّة وأهلِ النَّارِ المُشركين خالدين فيهما، فإنَّهم باقونَ فيهما أبَدًا مِن غير مَوتٍ ولا تحوُّل.\nالمعنى الثَّاني: ما يُراد به الطُّول المفرِط في المَكثِ متجاوزًا المَعهود، وإن استتبَعَ عدمَ بقاء، وهو المَقصود بآياتِ خلودِ بعضِ أهلِ الكبائر في النَّار مِن غيرِ أهلِ الشِّرك.\nوكِلا هذين المَعنيينِ قرَّرهما الرَّاغب الأصفهانيُّ تعريفًا للفظِ الخلودِ، فقال: «الخلود: هو تبَرِّي الشَّيء مِن اعتراضِ الفسادِ، وبقاؤُه على الحالةِ الَّتي هو عليها؛ وكلُّ ما يَتباطَأ عنه التَّغيير والفساد، تصِفُه العَربُ بالخلودِ، كقولِهم للأثافي: خَوالِد، وذلك لطولِ مَكثِها، لا لدوامِ بقائِها» (^٣).\nفعلى هذا نقول:\nإنْ كان المقصود بالخلودِ في هذا الاعتراضِ ما كان بالمعنى الأوَّل: أي انتفاء الموت عن الشَّخص ودوام بقائِه: فليسَ في جميعِ أخبارِ الدَّجال ما يُفهِم\n_________\n(^١) كما في الجزء الثَّامن من برنامج «اللِّقاء المَفتوح»، وعنوان المسألة: «حال حديث الجسَّاسة».\n(^٢) «التفسير البسيط» للواحدي (١٥/ ٦٩).\n(^٣) «المفردات» للرَّاغب الأصفهاني (ص/٢٩١).","vol":"2","page":1054},{"text":"ذلك، بل الوارد فيها مَقتَلُه على يَدِ المَسيح ابن مريم ﵇ بُعيد نزولِه آخر الزَّمان، ثمَّ يعيشُ النَّاس بعدَ موتِه سَنواتٍ مَديدة.\nوإن كان المقصودُ بالخلودِ معنَى اللَّبثِ الطَّويلِ الخارجِ عن العادة: فليس في الشَّرعِ ما يَنفي ذلك عن أحدٍ إذا ما صَحَّ فيه الخَبر؛ والدَّجال كلُّ أمرِه خارقٌ للعادة، وقد علِمتَ حالَه من العَجب، فلا يصِحُّ أن يُقاسَ على سائرِ الأسواءِ من البَشر\nوعليه نفهمُ أنَّ نفيَ الله ﷿ لخلودِ أحدٍ مِن بني آدم في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] (^١)، إنَّما هو نَفيٌ للخُلدِ بالمعنى الأوَّل، أي نفيَ البقاءِ في الدُّنيا مِن غيرِ مَوتٍ، أي: أنَّه «لا يخلُد في الدُّنيا بَشَر، فلا أنتَ يا محمَّد ولا هُم إلَّا عُرضةٌ للمَوتِ؛ فإذا كان الأمرُ كذلك، فإنْ مِتَّ أنتَ أيبقَى هؤلاء؟» (^٢)، ولذلك أُعقِبَت الآيةُ بقولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥].\nوأمَّا جوابُ المعارض الخامس؛ في دعوى أنَّ استشهادَ النَّبي ﷺ برجلٍ كِتابيٍّ على ما كان يحدِّث المُسلمين به: حَطٌّ مِن شأنِه .. إلخ، فيُقال فيه:\nإنَّ النَّبي ﷺ لم يكُن المُبادر ابتداءً إلى إشهادِ تميمٍ الدَّاري ﵁ لمِا كان يخبر به عن الدَّجال، بل تميم ﵁ هو مَن وَفَد إليه فأخبره عفوًا بما جَرى له مع الدَّجال؛ فلمَّا أن وافقَ ما كان يحدِّث به النَّبي ﷺ أصحابَه، أعجبَه ﷺ ذلك، فأخبرَ بالقصَّة استزادةً في يقينِ السَّامِعين، وتثبيتًا لإيمانِهم؛ وليسَ مَن رَأى كمَن سمِع!\nثمَّ ما العيب، وهذا القرآن نفسُه قد أمرَ النَّبيَّ ﷺ بإشهادِ بعضِ أهلِ الكتابِ على صِدقِ نُبوَّتِه، مع أنَّ نُبوَّته قد شهِد له بها الوَحيُ نفسُه، فقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]؛ ولكن\n_________\n(^١) وبهذه الآية نفى حاكم المطيري في جملة ما نفى به جواز المكث الطويل للدجال كما يُفهم من حديث الجسَّاسة، وبه أنكر الحديث.\n(^٢) «الكشَّاف» للزمخشري (٣/ ١١٦)، وانظر «جامع البيان» للطبري (١٦/ ٢٦٨).","vol":"2","page":1055},{"text":"الغرض إقامة الحجَّة على الكافِرين، وزيادة يقين المؤمنين، وهذا أمرٌ مَطلوب شرعًا.\nفإذا كان استشهاد النَّبي ﷺ لأهل الكتابِ جائزًا في خبرٍ كُليٍّ مُتعلِّقٍ بأصلِ النُّبوة، فكيف لهذا المُعترض أن يُنكرَ استشهادَ النَّبي ﷺ بأحدِ المسلمينَ في خَبر جُزئيٍّ مُتعلِّق بخبرٍ فرعيٍّ مِن أخبار النُّبوة؟!\nوالله المُوفِّق للحقِّ.","vol":"2","page":1056},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>المَبحث الثَّامن نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ المسيح الدَّجال</span>","vol":"2","page":1057},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>المَطلب الأوَّل سَوق الأحاديث المُتعلِّقة بالمسيح الدَّجال</span>\nعن عبدالله بن عمر ﵁ قال: ذكر النَّبي يومًا بين ظهري النَّاس المسيحَ الدجَّال، فقال: إنَّ الله ليس بأعور، ألا إنَّ المسيح الدجَّال أَعور العين اليمنى، كأنَّ عينه عِنَبَةٌ طافيةٌ ..» (^١).\nوعن أَنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بُعث نبيٍّ إِلَاّ وقد أنذر أُمَّته الأَعورَ الكذَّاب، ألا إنَّه أَعور، وإنَّ ربَّكم ليس بأعور، وإنَّ بين عينيه مكتوب (كافر») (^٢).\nوعن أَبي سعيد الخُدري ﵁ قال: حدثَّنا رسول الله ﷺ حديثًا طويلًا عن الدجَّال، فكان فيما حدَّثنا به أن قال: «يأتي الدَّجال وهو مُحرَّم عليه أن يدخل نِقابَ المدينة (^٣)، فينزل بعض السِّباخ (^٤) الَّتي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الأنبياء، باب: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، رقم:٣٤٣٩)، ومسلم في (ك: الفتن وأَشراط السَّاعة، باب: ذكر الدّجال وصفته وما معه، رقم: ٢٩٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الفتن، باب: ذكر الدَّجَّال، رقم:٧١٣١)، ومسلم في (ك: الفتن وأَشراط السَّاعة، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه، رقم:٢٩٣٣).\n(^٣) نقاب وأَنقاب: جمع نَقَب، وهو الطريق في الجبل، والمعنى: أَنَّ على أَبوابها وكل موضع يُدخل منه إليها ملائكة. انظر «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٩٦).\n(^٤) السِّباخ: جمع سَبَخة، وهي الأرض التي تعلوها المُلُوحة، ولا تكادُ تُنْبِت إلَّا بعضَ الشَّجر، انظر «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٨٣٥).","vol":"2","page":1059},{"text":"وهو خير النَّاس، أو من خيار النَّاس، فيقول: أشهد أنَّك الدَّجال الَّذي حدَّثنا رسول الله ﷺ حديثَه، فيقول الدَّجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثمَّ أحييته هل تشكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثمَّ يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشدَّ بصيرةً منِّي اليوم! فيريد الدَّجال أن يقتله، فلا يسلَّط عليه» (^١).\nوعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سأل أحدٌ رسولَ الله ﷺ عن الدَّجالِ أكثر ما سألته، وأَنَّه قال لي: «ما يَضُرُّك منه؟»، قلت: لأنَّهم يقولون: إنَّ معه جبلَ خُبزٍ ونهرَ ماءٍ، قال: «هو أَهْون على الله مِن ذلك» (^٢).\nوعن النَّواسِ بنِ سمْعَانَ ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدَّجَّال ذاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فيه ورَفَّعَ (^٣)،\nحتَّى ظننَّاه في طائفة النَّخل! فلمَّا رُحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: «ما شأنكم؟» قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدَّجال غداة، فخفَّضت فيه ورفَّعت، حتَّى ظننَّاه في طائفة النَّخل، فقال: «غير الدَّجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجُه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤٌ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم، إنَّه شاب قَطَط (^٤)، عينه طافئة، كأنِّي أشبِّهه بعبدِ العزَّى بن قَطَن، فمَن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارج خَلَّةً بين الشَّام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد الله فاثبتوا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الفتن، باب: لايدخل الدجَّال المدينة، رقم: ٧١٣٢)، ومسلم في (ك: الفتن وأشراط، باب: صفة الدَّجَّال وتحريم المدينة عليه، رقم: ٢٩٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الفتن، باب: ذكرالدجال، رقم: ٧١٢٢)، ومسلم في (ك: الفتن وأَشراط السَّاعة، باب: ذكر الدجَّال وصفة ما معه، رقم: ٢٩٣٧).\n(^٣) فخفَّض فيه ورفَّع: في معناه قولان:\n\nأحدهما: أنَّ خفَّض بمعنى حقَّر، وقوله (رفَّع) أي عظّمه وفخمه، فَمِن تحقيره وهوانه على الله عَوَره، وأَنَّه لا يقدر على قتل أحد إلَاّ ذلك الرَّجل، ثُمَّ يعجز عنه، وأنَّه يضمحلُّ أمرُهُ، ويقتل بعد ذلك هو وأتباعه، ومن تفخيمه وتعظيم فتنته والمحنة به، هذه الأمور الخارقة للعادة، وأنَّه ما من نبي إلَاّ وقد أَنذر قومه.\nالوجه الثَّاني: أنَّه خفَّض من صوته في حال الكثرة فيما تكلَّم فيه، فخفَّض بعد طول الكلام والتعب، ليستريح، ثُمَّ رفع ليبلغ صوته كلَّ أحدٍ، انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٨/ ٦٣).\n(^٤) قَطط: أي شديد جعودة الشَّعر، انظر «شرح صحيح مسلم» (١٨/ ٦٣).","vol":"2","page":1060},{"text":"قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا، يوم كسَنةٍ، ويوم كشهرٍ، ويوم كجمعةٍ، وسائر أيَّامه كأيَّامكم»، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الَّذي كسنةٍ، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره».\nقلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيثِ استدبرته الرِّيح، فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السَّماء فتُمطر، والأرض فتُنبت، فتروح عليهم سارِحتُهم (^١) أطول ما كانت ذُرًا (^٢)، وأسبَغه ضُروعًا، وأمدَّه خواصر، ثمَّ يأتي القوم، فيدعوهم فيردُّون عليه قولَه، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلِين (^٣)، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرُّ بالخَرِبة، فيقول لها: أخرجي كنوزك! فتتبعه كنوزها كيعاسيبِ النَّحل (^٤)، ثمَّ يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسَّيف، فيقطعه جَزْلَتين رميةَ الغَرَض (^٥)، ثمَّ يدعوه، فيقبل ويتهلَّل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاءِ شرقيِّ دمشق بين مَهْرودَتين (^٦)،\nواضعًا كفَّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدَّر منه جُمان كاللُّؤلؤ، فلا يحلُّ لكافر يجد ريح نفسِه إلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طَرْفُه، فيطلبه حتَّى يدركه بباب لُدٍّ فيقتله» (^٧).\n_________\n(^١) السَّارحة: المواشي التي تخرجُ للسَّرحِ، وهو الرَّعي، انظر «المُفْهم» لأبي العباس القرطبي (٧/ ٢٨١).\n(^٢) ذُرًا: جمع ذُروة، وهي الأَسنمة، انظر «المُفهم» (٧/ ٢٨١).\n(^٣) مُمحلِين: مُجْدبين، انظر المصدر السابق.\n(^٤) يَعَاسيب النَّحل: فُحولها، وأحدها يعسوب، وقيل: أُمراؤها، ووجه التشبيه: أَنَّ يعاسِيب النَّحلِ يتبع كلَّ واحد منهم طائفةٌ من النَّحلِ، فتراها جماعاتٍ مُتفرِّقة، فالكنوز تتبع الدَّجَّال كذلك، انظر «المفهم» (٧/ ٢٨٢).\n(^٥) جَزْلَتَينِ رمية الغَرَض: قسَمه قطعتين وفرقتين، «رمية الغرض»: منصوب نصب المصدر، أي: كرمية الغرَضِ في السُّرعة والإِصابة، انظر «المفهم» (٧/ ٢٨٢).\n(^٦) مهرودتين: أي في شُقَّتَين أو حُلّتيْن، انظر «النهاية في غريب الحديث» (٥/ ٥٨٨) ..\n(^٧) أخرجه مسلم في (ك: الفتن وأَشراط السَّاعة، باب: ذكر الدجَّال وصفة ما معه، رقم: ٢٩٣٧).","vol":"2","page":1061},{"text":"وعن محمَّد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله ﵁ يحلف بالله أنَّ ابن الصَّائد الدَّجال، قلت: تحلف بالله؟! قال: «إنِّي سمعت عمر يحلف على ذلك عند النَّبي ﷺ، فلم ينكره النَّبي ﷺ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة، لا من غير الرسول، رقم: ٧٣٥٥)، ومسلم في (ك: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن الصياد، رقم: ٢٩٢٩).","vol":"2","page":1062},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ للأحاديث المتعلِّقة بالدَّجال</span>\nأورَد المخالفون عدَّة شُبهاتٍ عقليَّة متعلِّقة بحقيقة الدَّجال وتشخُّصِه، ومتعلِّقة أيضًا بصفاتِه الثَّابتة في السُّنة، أبرزها مُجملٌ في سبعة مُعارضاتٍ:\nالمعارضة الأولى: أنَّ أحاديث الدَّجال تُنافي حكمةَ إنذارَ القرآن النَّاسَ بقربِ السَّاعة وإتيانها بغتةً، «فالمسلمون المنتظرون لها -أي للسَّاعة- يعلمون أنَّ لها أشراطًا تقع بالتَّدريج، فهم آمنون من مجيئها بغتةً في كلِّ زمن، وإنَّما ينتظرون قبلها ظهور الدَّجال، والمهدي، والمسيح ﵇، ويأجوج ومأجوج» (^١).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ هذه الأحاديث نَسَبَت جملةً مِن الخوارق للدَّجال؛ تُضاهي أكبر الآيات الَّتي أيَّد الله بها أولي العزم من الرُّسل، أو تفوقها، وإثبات هذه الأحاديث يُعدُّ شبهةً على آيات الأنبياء، مما يُسقِط الثِّقة بها، والانتفاع بهدايتها.\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّ هذه الخوارق مخالفة لسُنَنِ الله في خلقه، ونصوص القرآن قاطعة في أنَّه لا تبديل لسُنَّة الله تعالى ولا تحويل.\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ٤٠٧).","vol":"2","page":1063},{"text":"وهذه الشبهات الثَّلاث تولَّى كِبرها ومصادمة الأدلَّة القاطعة بثبوتِ المسيح الدَّجال: (محمَّد رشيد رضا) في «تفسيره» (^١)، فأجلبَ على أحاديثه بأوقارٍ من الشُّبهات مِن جهة الرِّواية والدِّراية.\nوقد ساق غيره مُعارضًا لصِفةٍ من صفات الدَّجال الواردة في الحديث؛ وهي ما ورد مِن أنَّه مكتوب بين عينيه (كافر)، فزعم منْعَ حملِ هذه الكتابة على حقيقتها، ومناطُ المنع عنده:\nالمعارض الرَّابع: أنَّه لو حُمِلت تلك الكتابة على حقيقتها، لاسْتوَى في إدراكِ ذلك المؤمن والكافر، ولم يقَع الاختصاص بإدراكِ ذلك للمؤمن فقط، ثمَّ إنَّ مِن المؤمنين من هو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، أو مَن هو أعمى؛ فكيف يتَحَصَّل له إدراك ذلك؟\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (حسن حنفي) ساخرًا ممَّا صحَّ مِن أَمر هذه الكتابة: «.. ومكتوب بين العَين العوراء والعَين العمياء كافر! وكأنَّ الجبين سَبُّورة أو قرطاس! وبأيِّ لونٍ تكون الكتابة؟ وبأيَّة لغةٍ؟ وما حجمها؟ وماذا عن المؤمن الَّذي لا يعرف القراءة أو اللُّغة؟ أو المؤمن الأعمى؟ ..» (^٢).\nالمعارضة الخامسة: أنَّ بين أحاديثِ المسيحِ الدَّجال عِدَّة تَعارضاتٍ في تحديد شخصِ الدَّجال، وفي زمان خروجِه ومكانِه، وفي خوارِقه الَّتي تكون معه، وكلُّ هذه التَّعارضات يوجب تساقطَها بالمرَّة.\nيفصِّل هذه التَّعارضات (رشيد رضا) في «تفسيره» فيقول:\n«إنَّها متعارضة تعارضًا كثيرًا يوجب تساقطَها كما ترى فيما يلي؛ فمِن ذلك التَّعارض: .. أنَّه كان يشكُّ في ابنِ صيَّاد مِن يهود المدينة هل هو الدَّجال أم لا، وأنَّه وَصف ﷺ الدَّجال بصفاتٍ لا تنطبق على ابن صيَّاد، كما قال ابن صيَّاد لأبي سعيد الخدري ﵁.\n_________\n(^١) انظر «تفسير المنار» (٩/ ٤٨٩ - ٤٩١).\n(^٢) «من العقيدة إلى الثورة» (٤/ ٥٣١).","vol":"2","page":1064},{"text":"ومن التَّعارض أيضًا: أنَّه يُصرِّح في بعض الرِّوايات بأنَّه يكون معه -أي الدَّجال- جبل أو جبال من خبزٍ ونهر أو أنهار من ماء وعسل، .. مع ما رواه الشَّيخان -واللَّفظ للبخاري- من حديث المغيرة بن شعبة ﵁، قلت: لأنَّهم يقولون إنَّ معه جبل خبزٍ ونهر ماء، قال ﷺ: بل هو أهون على الله من ذلك.\nومن التَّعارض أيضًا: ما وَرَد مِن اختلاف الرِّوايات في المكان الَّذي يخرج منه، ففي بعضِ الرِّويات أنَّه يخرج من قِبل المشرق على الإبهام، وفي حديث النَّواس بن سمعان ﵁ عند مسلم: أنَّه يخرج مِن خَلَّة بين الشَّام والعراق، وفي رواية أخرى لمسلم: أنَّه يخرج مِن أصبهان، وفي حديث الجسَّاسة عنده: أنَّه محبوس بدِيرٍ أو قصرٍ في جزيرة بحر الشَّام -أي البحر المتوسِّط وهو في الشَّمال- أو بحر اليَمين، وهو في الجنوب، وأنَّه يخرج منها» (^١).\nالمعارضة السَّادسة: أنَّ المسيح الدَّجال لو كان حقيقةً لوَرَد ذكرُه في القرآنِ تحذيرًا للنَّاس مِن فِتَنِه، يقول (نيازي): «ليس في كلِّ القرآن ذكرٌ لأيِّ مسيح دجَّال، .. وإنَّما هي مِن محرَّفات أهل الكتاب جميعًا» (^٢)\nالمعارضة السَّابعة: أنَّ في الأحاديث الواردة في وصفِ المسيح الدَّجال تجسيمًا لله تعالى وتشبيهًا له بصفات خلقه، فهي تثبت ضمنًا أنَّ لله عينين.\nيقول إسماعيل الكردي: «الإشكال الكبير في الحديث أنَّه عندما يميِّز الدَّجال المدَّعي للألوهيَّة عن الله الحقِّ المتعال، يقول: إنَّ الدَّجال أعور، بعكس الله الَّذي ليس بأعور، وهذا يفيد أنَّ لله تعالى عين أو عينين! إذ لو لم تكن العينان ثابتتان لله تعالى أصلًا لما كان هنالك وجه لمثل هذه المقارنة!\nوهذا بالضَّبط ما يذهب إليه الحشويَّة، فيجعل هذا الحديث دليلًا على ما يسمِّيه صفة العينين أو الأعين لله! ومن هنا فإنَّ فخر المتكلِّمين الإمام محمد بن\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(^٢) «دين السلطان» (ص/٣٥٥).","vol":"2","page":1065},{"text":"عمر الرَّازي طعن في كتابه (أساس التَّقديس) في صحَّة هذا الحديث، وقال: لا يصحُّ متنه وإن كان مخرَّجًا في الصَّحيح، لأنَّ فيه تجسيمًا وتشبيهًا لله تعالى» (^١).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢٠٨ - ٢٠٩).","vol":"2","page":1066},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>المَطلب الثالث دَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديثِ المتعلِّقة بالدَّجالِ</span>\nقبل التَّصدي لدحضِ مجموعِ المعارضاتِ للأحاديث المتعلِّقة بالدَّجال، يحسُن في هذا المقام التَّأكيد على جملةٍ مِن المسائل دَلَّت عليها هذه الأحاديث المَسوقةُ آنفًا (^١):\nأوَّلًا: إثباتُ أنَّ للمسيح الدجَّال وُجودًا مَوضوعيًّا.\nثانيًا: أنَّ خروجه أعظم الفِتن الَّتي توارَد أنبياء الله تعالى على التَّحذير منها، وكان أشدَّهم تحذيرًا منه، وبيانًا لنعوته، وكشْفًا عن العِصَم الَّتي تَقي منه: نبيُّنا محمَّد ﷺ.\nثالثًا: أنَّ خروجه مِن أعظم دلائلِ قُربِ السَّاعةِ وأشراطها الكبرى.\nتلك الأحاديث المرويَّة في شأن الدَّجال فيما أفاد هذه المسائل قد تواترت تواترًا معنويًّا، ونظَمَها غيرُ واحدٍ من أهل العلم بمخارجِ الأحاديث في سلْكِ الأخبار المقطوع بثبوتِها (^٢).\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٤٢٩).\n(^٢) انظر «نظم المتناثر من الحديث المتواتر» لمحمد بن جعفر الكتاني (ص/٢٢٨).","vol":"2","page":1067},{"text":"قال أبو العبَّاس القرطبي: «الَّذي يجب الإيمانُ به: أنَّه لا بُدَّ مِن خروج الدجَّال يَدَّعي الإلهيَّة، وأنَّه كذَّاب أعور؛ كما جاء في الأحاديث الصَّحيحة الكثيرة، الَّتي قد حَصَّلت لِمن عاناها العلمَ القطعيَّ بذلك» (^١).\nومِمَّن حَكمَ بتواتُرِ أحاديث الدَّجال: أبو الحسن الأشعريُّ (^٢)، وابن قيِّم الجوزيَّة (^٣)، وابن كثير الدِّمشقي (^٤).\nولثبوتِ أحاديثِ الدجَّال، والقطع بنسبتها إلى الرَّسول ﷺ، درجَ أهل العلم على عدِّ الإيمان بما تَضمَّنته تلك الأحاديث مِن جُمَل عقائدهم؛ سواءً كان ذلك في مَطاوي مَعْلماتهم الجامعةِ لأحرفِ الاعتقاد (^٥)، أو ضمن أسفارِهم الَّتي عقدوها على جِهة الإفرادِ لبيانِ أشراط السَّاعة والفِتنِ الحاصلةِ في آخر الزَّمان (^٦).\nيقول أحمد بن حنبل: «الإيمان أنَّ المسيح الدَّجال خارجٌ، مَكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث الَّتي جاءت فيه، والإيمان بأنَّ ذلك كائن، وأنَّ عيسى بن مريم -﵇- ينزل، فيقتله بباب لدٍّ» (^٧).\nثمَّ إجماعُ أهلِ السُّنةِ مُنعقِدٌ على ما تضمَّنته هذه المتواترات من أخبار؛ كما حكاه ابن عبد البرِّ في تقريرِه لعَقدِ أهل السُّنة والجماعة، بعد أن أسند إلى سفيان بن عيينة قولَه: «الإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّة، والإيمان يزيد وينقص، والإيمان\n_________\n(^١) «المُفهِم» (٧/ ٢٦٥).\n(^٢) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص/١٦٦).\n(^٣) «المنار المنيف» (ص/١٤٢).\n(^٤) انظر «النهاية في الفتن والملاحم» لابن كثير (١٩/ ١١٣ وما بعدها).\n(^٥) انظر مثلًا «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» اللالكائي (٧/ ١٢٩٢)، و«السّنة» لابن أبي عاصم (١/ ٢٨٣)، و«أصول السنة» لابن أبي زمَنين الأندلسي (ص/١٨٨)، و«الشريعة» للآجرِّي (٣/ ١٣٠١)، وغيرها من أسفار أهل السنة التي تضمّنت أخبار الدجَّال ووجوب الإيمان بها.\n(^٦) انظر على سبيل المثال «أشراط السَّاعة وذهاب الأخيار وبقاء الأشرار» لعبد الملك بن حبيب الأندلسي (ص/١٣٤) و«النهاية في الفتن والملاحم» لابن كثير (١٩/ ١١٣ وما بعدها).\n(^٧) «أصول السنة» لأحمد بن حنبل (ص/٣٣ - ٣٤).","vol":"2","page":1068},{"text":"بالحوض، والشَّفاعة، والدَّجال»، قال: «على هذا جماعةُ المسلمين، إلَّا مَن ذكرنا فإنَّهم لا يُصدِّقون بالشَّفاعة، ولا بالحوض، ولا بالدَّجال» (^١).\nيُشير ابن عبد البرِّ بِمَن ذكَر إلى طوائف مِن الخوارج، والجهميَّة، والمعتزلة (^٢).\nوهذا ما وافقه عليه أبو محمد ابن حزم، حيث أشار إلى المنكرين للدجَّال وأحاديثِه بقوله: «أمَّا ضِرار بن عمرو وسائر الخوارج: فإنَّهم يَنفون أن يكون الدَّجالُ جملةً، فكيف أن يكون له آية؟!» (^٣).\nوقال القاضي عياض: «هذه الأحاديث الَّتي أدخلَها مسلم في قصة الدَّجال، حُجَّة أهل الحقِّ في صحَّة وجوده، وأنَّه شخصٌ معيَّن، ابتلى الله به عبادَه، وأقدره على أشياء مِن قدرته؛ ليَتميَّز الخبيث مِن الطيِّب .. هذا مذهب أهل السُّنة، وجماعة أهل الفقه والحديث ونُظَّارهم» (^٤).\nوقال أبو العبَّاس القرطبي: «فائدة الإنذار -أي بالدجَّال-: الإيمانُ بوجوده، والعزم على معاداتِه، ومخالفته، وإظهار تكذيبه، وصدقِ الالتجاء إلى الله تعالى في التعوُّذ مِن فتنتِه؛ وهذا مذهب أهل السُّنة، وعامَّة أهل الفقه والحديث؛ خِلافًا لمِن أنكرَه» (^٥).\nفأمَّا جوابُ المعارضةِ الأولى لكلِّ هذا الَّذي قرَّرناه من دعوى المخالِف أنَّ أحاديث الدجَّال تُنافي الحكمة من إنذارِ القرآن بقُربِ السَّاعةِ، وإتيانها إلى النَّاس بغتةً:\nفإنَّ مِن مَثارات الغَلط في هذه الدَّعوى نَصْبَ التَّلازم بين التَّصديق بهذه الأشراط، وبين انتفاءِ ما اختصَّت به السَّاعة من مجيئها بغتةً؛ والواقع أنَّ التَّلازمَ\n_________\n(^١) «التمهيد» (٢/ ٢٩١).\n(^٢) انظر «إكمال المعلم» (٨/ ٤٧٥).\n(^٣) «الفِصل» لابن حزم (١/ ٨٩).\n(^٤) «إكمال المعلم» (٨/ ٤٧٤ - ٤٧٥).\n(^٥) «المُفهم» للقرطبي (٧/ ٢٦٧).","vol":"2","page":1069},{"text":"مُنْتَفٍ؛ فإنَّ هذه الأشراط الَّتي يَقطع علماءُ المسلمين بصحَّةِ الخبرِ بها، غايتُها أن تتَميَّز بها السَّاعة قدرًا مِن التَّمْيِيز، وأمَّا التَّحديد التَّام فهو مِن الغيب المُطلق الَّذي اختَصَّ الله به.\nولعلَّ ما أوقعَ (رشيد رضا) في هذه المُغالطة: ظنُّه أنَّ ترتيبَ حَدثٍ بعد وقوع حَدَثٍ قبله، يمنعُ حدوثَ الأخير منهما في التَّرتيب أن يكون بَغتةً؛ وهذا فَهم خاطئ، يُتبيَّن زغله إذا علمنا:\nأنَّ معنى (البَغتة) في اللُّغة: المفاجأة بالشَّيء (^١)، أي: نفي عِلمِك بمَجيء وقتِ ذاك الشَّيء بالتَّعيين، فأمَّا عِلمُك بقربِ وقتِه لعلامةٍ ما، لا يعني معرفتَك بوقتِه تحديدًا، فلا تَلازم.\nهذا ما قرَّره ابن جرير الطَّبري بفصيح عبارةٍ في مَعرضِ حديثه عن السَّاعة وأشراطِها الكُبرى، فقال:\n«إنَّ تلك أوقاتٌ لا يَعلم أحدٌ حدودَها، ولا يعرف أحدٌ مِن تأويلِها إلَّا الخبر بأشراطِها، لاستئثارِ الله بعلمِ ذلك .. وكان نبيُّنا محمَّد ﷺ إذا ذكر شيئًا من ذلك لم يدلَّ عليه إلَّا بأشراطه، دون تحديده بوقتٍ، كالَّذي رُوي عنه ﷺ أنَّه قال لأصحابه إذا ذكر الدَّجال: «إنْ يخرُج وأنا فيكم، فأنا حجيجُه، وإن يخرج بعدي، فالله خليفتي عليكم»، وما أشبه ذلك مِن الأخبار .. الدَّالةِ على أنَّه ﷺ لم يكن عنده عِلمُ أوقاتِ شيءٍ منه بمَقادير السِّنين والأيَّام، وأنَّ الله -جلَّ ثناؤه- إنَّما كان عرَّفه مجيئَه بأشراطه، ووقتَه بأدلَّته» (^٢).\nوالَّذي أعجب منه، ليست غفلة (رشيد رضا) عن هذا الفرق اللُّغويَّ المهمِّ، ولكن عجبي من أنَّه -وهو المُعترض على هذه الأحاديث بدعوى أنَّ خروجَ الدَّجال وأشراط السَّاعة قاضيةٌ على الحكمةِ مِن إخفاء السَّاعة- هو نفسُه قبل مَوضعِ اعتراضِه هذا بصفحاتٍ يَسيرة، يقرِّر «أنَّ للسَّاعة أشراطًا ثَبَتت في الكتابِ\n_________\n(^١) «المفردات» للراغب الأصفهاني (ص/١٣٥).\n(^٢) «جامع البيان» للطبري (١/ ٦٨).","vol":"2","page":1070},{"text":"والسُّنة .. وأعظمها بعثةُ خاتم النَّبيَّين، بآخر هداية الوحي الإلهيِّ للنَّاس أجمعين؛ لأنَّ بعثتَه ﷺ قد كَمُل بها الدِّين .. وبكماله تكمُل الحياة»! (^١)\nومهما يكن حَصرُ (رشيد رضا) لتلك الأشراطِ في بعضِها القليلِ -كبعثة النَّبي ﷺ- فإنَّ ما أورَده مِن إشكالِ في الأشراط الأخرى واردٌ على ما أثبته من ذاك القليل، فما كان جوابه عنها فهو جوابنا عن سائرِها.\nثمَّ هذا الاعتراض وإن رَاشَه (رشيد رضا) على أحاديث أشراطِ السَّاعة، فقد فاته أنَّ ذلك يَسري إلى الآيات النَّاصة على أنَّ للسَّاعة أشراطًا -بإقراره هو أنَّها في القرآن- سواءً بسواء! مِن ذلك -مثلً- قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨].\nفلا مَحيص للمُعترضِ عن الوقوعِ في مخاضةِ هذا الإلزامِ إلَّا باتِّهام الرَّأي قبل التَّسارع في الطَّعن في الدَّلائل ببادي الرَّأي.\nومُحصَّل التَّحقيق في هذا الباب:\nأنَّ هذه الأشراط -ومنها خروج الدَّجال الأكبر- إنَّما تَدلُّ على قُربِ السَّاعة، لا على تحقُّقِ العلمِ بوقوعِها، وعلَّة ذلك: انتفاءُ العلم بالمدَّة الزَّمنيَّة المحدَّدة بين تلك الأَشراط وبين وقوع السَّاعة، «وبهذا يكون الأمرُ نَقيضَ ما ذكره المُعترضون؛ بأن يكون العلم بهذه الأشراط: باعثًا على العملِ، موقِظًا من الغفلة، زاجرًا عن التَّمادي في المعاصي.\nوهل قَطَّع قلوبَ الصَّالحين، وأذابَ أكبادَهم، كمثلِ تذَكُّر تلك الأهوالِ العِظام، وما فيها مِن فِتَنٍ تفزَع منها القلوب» (^٢).\nوأمَّا المعارضة الثَّانية: وهو دَعواهم أنَّ هذه الأحاديث نَسَبت جُملةً مِن الخوارقِ للدَّجَال تُضاهي أكبر الآيات التي أيَّد الله بها أولي العزم ... إلخ؛ فالجواب عنها أن يُقال:\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٩/ ٤٠٣).\n(^٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٤٢٤) بتصرف يسير.","vol":"2","page":1071},{"text":"إنَّ منشأ الخطأ عند هؤلاء راجعٌ في حقيقتِه إلى إغفال أمرين مهِمَّين:\nالأمر الأول: النَّظر في حقيقةِ دعوى الدَّجال التي يدَّعيها لنفسِه:\nفإنَّ دعوى الدَّجَّال الَّتي تصحبُها تلك الخوارق هي دَعوى الرُّبوبية، لا النُّبوَّة والرِّسالة! وعلى هذا، فاقترانُ هذه الخوارق بدعواه، ومُضاهاتها لآياتِ الأنبياءِ ليست مَثار إشكال؛ لكونِه لم يَدَّع الرِّسالة أصلًا حتَّى يُقال: إنَّ هذه الخوارق مُعجزات وآيات قامت مَقام تصديقِ الله تعالى له.\nالأمر الثَّاني: النَّظر في ما اقترنَ بالدَّجالِ مِن أحوال وصفات، تُبرهن على حقيقةِ أمرِه، وتكشِف عن زَيْفِ دَعواه:\nوهو أنَّ الدَّجال مَوسوم بصفاتٍ وعلاماتٍ تقوم مَقام تكذيبِه فيما يدَّعيه؛ سواء مِن أمرِ الرُّبوبية أو الألوهيَّة، وهذه الأمور المُقترِنة معه تُبطِل أثرَ تلك الخوارق، وتَزيدُ اليقينَ عند المؤمنين بكذبه؛ وإلَاّ لمَا كان للنبَّي ﷺ فَضلٌ ومَزيَّة على غيره مِن الرُّسل في الإبانةِ عن أمر الدَّجال، ولا في قولِه لهم: «ألا أحدِّثكم حديثًا عن الدَّجال ما حدَّث به نبيٌّ قومَه؟ ..» الحديث (^١)، ولَمَا كان في قوله ﷺ: «إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حجيجُه دونكم، وإنْ يخرج ولستُ فيكم فأمرُؤٌ حجيجُ نفسه» فائدةٌ تُذكر.\nفإنَّ المقصودَ من قولِه ﷺ: «.. فامرؤٌ حَجيجُ نفسه» أنَّ الدَّجال إنْ خرجَ ولستُ فيكم «فليحتجَّ كلُّ امرئٍ عن نفسِه بما أعلمتُه مِن صِفته، وبما يدلُّ عليه العقلُ مِن كذبه في دعوى الإلهيَّة؛ وهو خَبرٌ بمعنى الأمر، مع ما فيه مِن التَّنبيه على النَّظر عند المُشكلات، والتَّمسُّك بالأدلَّة الواضحات» (^٢).\nوالمؤمن ببصيرتِه يُسدِّده الله تعالى، فينكشِف له في أَزمانِ الفِتنِ ما لا ينكشفُ لغيره، ويَتبيَّن له صدق الصَّادق، وافتراء المفتري، والدَّجال أكذب الخلق، وكَذبه ظاهر، لا يُنفَق على أهلِ اليقين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، رقم: ٣٣٣٨)، ومسلم في (ك: الفتن وأشراط السَّاعة، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه، رقم: ٢٩٣٦).\n(^٢) «المفهم» للقرطبي (٧/ ٢٧٦ - ٢٧٧) بتصرف يسير.","vol":"2","page":1072},{"text":"يصدِّق هذا قول ابن تيميَّة: «المؤمن يَتبيَّن له ما لا يتبيَّن لغيره؛ لا سيما في الفِتن، وينكشفُ له حال الكذَّاب الوضَّاع على الله ورسوله؛ فإنَّ الدَّجال أكذبُ خلقِ الله، مع أنَّ الله يُجري على يَديه أمورًا هائلة، ومخاريقَ مُزَلزِلة؛ حتَّى أنَّ مَن رآه افتُتِن به، فيكشفها الله للمؤمن، حتَّى يعتقد كذبَها وبطلانَها، وكلَّما قوِيَ الإيمان في القلب قويَ انكشافُ الأمور له، وعَرَف حقائقَها مِن بواطلها؛ بخلافِ القلب الخَراب المُظلِم» (^١).\nفإن قيل: لكن مع وجودِ هذه الصفات المُخبَر عنها في الأحاديث الدَّالة على كذب الدَّجال؛ فإنَّ وجود ما يُضادُّها مِن الخوارق الَّتي يُجريها الله على يديه، يَبعثُ إلى الافتتانِ به، والحيرة في أمره!\nفيُقال: نعم هذا حقٌّ، فإنَّ ما يُجريه الله على يَديه فتنةٌ عظيمة، لا يخلُص منها إلَّا أهل الإيمان؛ كما قال ذلك الشَّاب المؤمن الَّذي قتَله الدجَّال ثمَّ أحياه: «ما كنتُ فيك أشدَّ بصيرةً مِن اليوم»؛ وكما يحصل لمَن في قلوبِهم مَرض، وأهل النِّفاق والكَفرة من ازدياد الارتياب والفتنة به؛ فهذا الأمر -كما يقرِّره الخطَّابيُّ- «جائزٌ على سبيلِ الامتحانِ لعبادِه؛ إذْ كان منه ما يدلُّ على أنَّه مُبْطِل، غير محقٍّ في دعواه؛ وهو أنَّ الدَّجال أعور عَينِ اليمنى، مكتوب على جبهته كافر، يقرؤه كلُّ مسلم، فدعواه داحضة مع وسْم الكُفر، ونَقْص العور، الشَّاهدَيْن بأنَّه لو كان ربًّا لقَدِر على رفع العَور عن عينِه، ومَحْو السِّمةِ عن وجهِه، وآياتُ الأنبياء الَّتي أُعطوها بَريئةٌ عمَّا يُعارضها ونقائضها، فلا يشتبهان بحمد الله» (^٢).\nوأمَّا المعارضة الثَّالثة: وهي زعمهم أنَّ هذه الخوارق مخالفة لسُنن الله ... إلخ:\nفالجواب عنها: ما أبنتُ عنه في المبحثِ المنعقدِ لدفعِ المُعارضِ العقليِّ عن الآياتِ الحسيَّة للأنبياء؛ والَّذي يأتي في مبحث مستقلٍّ.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٤٥).\n(^٢) «أعلام الحديث» للخطابي (٤/ ٢٣٣١).","vol":"2","page":1073},{"text":"وأمَّا المعارض الرَّابع: وهو قولهم أنَّ الكتابةَ لو حُمِلت على حقيقتها، لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر، وأنَّ مِن المؤمنين مَن هو أمِّيٌّ أو أعمى .. إلخ:\nفالَّذي يتحقَّقه العقلاء الأسوياء في درء هذه الشُّبهة، أنَّ العقل لا يُحيل ذلك، فهم يعلمون أنَّ الربَّ ﵎ الَّذي قَدِر على أن يَصرِف الكافر عن إدراك هذه الكتابة، لا يُعجِزه سبحانه أن يُمكِّن المؤمنَ الأميَّ والأعمَى مِن إدراكها! وكِلا الفِعلين الإلهيِّين -مِن الصَّرف عن تلمُّحِ الكتابةِ والتَّمكين من إدراكها- أمران غَيْبيَّان نجهل كيفيَّتهما على التَّحقيق.\nوعلى هذا؛ فحملُهم الخاطئ للوارد في هذا الحديث مِن أمرِ الكتابةِ على معنى ما ثَبت من شواهدِ عجْزِه وظهور نقصِه: هو «عُدولٌ وتحريفٌ عن حقيقةِ الحديث من غير مُوجبٍ لذلك، وما ذكره المعترض مِن لزوم المُساواةِ بين المؤمن والكافر في قراءةِ ذلك، لا يلزم من وجهين:\nأحدهما: أنَّ الله يَمنع الكافرَ مِن إدراكِه؛ ولا سيما وذلك الزَّمان قد انخرقت فيه عوائد؛ فليكن هذا منها! وقد فُهِم ذلك ممَّا جاء في بعضِ طُرقه: «يقرؤه كلُّ مؤمنٍ؛ كاتبٍ وغير كاتبٍ ..»، وقراءة غيرِ الكاتبِ خارقةٌ للعادة.\nوثانيهما: أنَّ المؤمن إنَّما يُدركه لتثبُّتِه ويقظتِه، ولسوءِ ظنِّه بالدَّجال، وتخوُّفه من فتنتِه، فهو في كلِّ حالٍ يستعيد النَّظر في أمرِه، ويَسْتزيد بصيرةً في كذبه؛ فينظر في تفاصيل أحواله، فيقرأ سطورَ كفرِه وضلاله، ويتبيَّن عينَ محالِّه.\nوأمَّا الكافر: فَمَصروفٌ عن ذلك كلِّه؛ بغفلتِه وجهلِه، وكما انصرف عن إدراك نقص عَوَرِه، وشواهد عجزِه؛ كذلك يُصرَف عن فهم قراءة سطورِ كفره ورَمْزِه» (^١).\n_________\n(^١) «المفهم» (٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩).","vol":"2","page":1074},{"text":"فالَّصحيح الَّذي عليه المحقِّقون من أهل العلم: أنَّ الكتابة المذكورة حقيقة، جعَلَها الله علامةً قاطعةً يُكذَّب بها الدَّجال، فيُظهِر الله المؤمنين عليها، ويخفيها على مَن أراد شقاوَتَه (^١).\nوالقاضي عياض وإن حكى في ذلك خلافًا، أنَّ بعضهم قال: هي مَجازٌ عن سِمة الحدوث عليه (^٢)؛ فهذا مذْهب ضعيف.\nيقول فيه ابن حجر: «ولا يَلزم مِن قولِه: «يقرؤُه كلُّ مؤمنٍ، كاتبٍ وغير كاتب ..» أن لا تكون الكتابةُ حقيقةً، بل يُقدِّر الله على غيرِ الكاتب عِلمَ الإدراك، فيقرأ ذلك، وإنْ لم يكن سَبق له معرفةٌ بالكتابة؛ وكأنَّ السِّرَّ اللَّطيفَ في أنَّ الكاتب وغير الكاتب يقرأ ذلك: لمناسبةِ أنَّ كونَه أعور يُدركه كلُّ مَن رآه» (^٣).\nفبهذا يَتبيَّن أنَّ مَن ذهب إلى تأويلِ الأحاديث الدالَّةِ على الوجودِ العَينيِّ للدَّجَّال، بحملِها على الرَّمزِ والإشارةِ؛ وأنَّها ترمز إلى الخرافةِ والدَّجل، الَّتي تزول بتقريرِ الشَّريعة على وجههِا -كما ذَهب إلى ذلك (محمَّد عبده) (^٤) -، أو أنَّها ترمزُ على الشرِّ واستعلائه -كما تأوَّلها (محمَّد أَسد)، وارتضاه (مصطفى محمود) (^٥) -: كلُّ هذه التَّأويلات لا تثبُت على قَدَمٍ، وبطلانُها بيِّنٌ مِن وجوه:\nالوجه الأوَّل: أنَّ هذه التَّأويلات مُؤسَّسة فيما يظهر على الإحالةِ العقليَّة، ولا إحالة تمنع مِن قبول أحاديثِ الدجَّال والتَّسليمِ بها؛ بل هي جاريةٌ على سَنَن العَقل، والشَّرعُ مُثْبِت لها، وما أثبته الشَّرعُ فهو يَقينًا مُوافقٌ للعقل، ومَن تأمَّل هذا في جميع ما أخبر به الرَّسول ﷺ، فمُحالٌ أن تَزِلَّ قدمُه عند ورودِ بعضِ ما يُشكِل على هذا الأصل.\n_________\n(^١) «شرح النَّووي على مسلم» (١٨/ ٦٠).\n(^٢) «إكمال المعلم» (٨/ ٤٧٦).\n(^٣) انظر «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ١٠٠).\n(^٤) نقله عنه تلميذه رشيد رضا في «تفسيره» (٣/ ٣١٧).\n(^٥) انظر كتابه «رحلتي من الشك إلى الإيمان» (ص/١٠٤ - ١٠٥)، ورأي (محمد أسد) منقول في هذا الموضع نفسه من الكتاب.","vol":"2","page":1075},{"text":"الوجه الثَّاني: أنَّ هذه التَّأويلات قَدْحٌ في تبليغِ النَّبي ﷺ؛ لأنَّه مِن المُتقرَّر شرعًا وعقلًا أنَّ مَن أراد النُّصحَ والبيانَ لأحدٍ مِن الخلق، فإنَّه لابدَّ أن يَعمَد إلى أقربِ الطُّرقِ للإفهام، ويَتخيَّر مِن الألفاظِ ما تحصل به الإبانة، وتقع به النَّصيحة، فإنْ تَحاشى مُريد النَّصيحةِ هذا السَّبيل بأنْ عَمد إلى الإبهام، مع الحاجة إلى البيان: استدلَّ النَّاظر في حال هذا المتنكِّب عن هذا السَّبيل على أنَّه: جاهلٌ عاجزٌ عن الإبانة، أو قاصدٌ لتضليل المُخاطَب، وإيقاعِه في الحِيرة!\nولا ريب أنَّ المُتأوِّلين لأحاديثِ الدَّجالِ ونحوها على خلاف الظَّاهر المُتبادر منها، وإن لم يَتَقصَّدوا أحدَ هذين الاحتمالين: فإنَّهم واقعون في وصفِ الرَّسول ﷺ بأحدِهما لزومًا.\nالوجه الثَّالث: أنَّ حملَ هذه الأحاديث الدَّالة على تشخُّصِ الدَّجال، وخروجِه على الرَّمز والتَّخييل، بلا قرينة توجب ذلك: هو عدولٌ عن الظَّاهرِ المُتبادَر بلا ضرورة عقليَّة ولا شرعيَّة تستدعيه.\nوطَرْقُ بابِ التَّأويل لأدنى إشكالٍ يَنقدح في عقل النَّاظر في مثل هذه الأحاديث، يَبعثُ على فتحِ البابِ على مصراعَيْه لتأويلِ أحرفِ الشَّريعة كلِّها، فلا يُوثَق بعدُ بخَبرٍ، ولا ينعقد القلب على دينٍ؛ وهذا هو الانحلال بعينِه، وهَدْم الشَّريعة وتَقْويضها (^١).\nوأمَّا المعارض الخامس: في دعوى المخالفِ تناقضَ أحاديث الدَّجال في تحديدِ شخصِه، أو في زمانِ خروجِه ومكانِه، أو في خوارِقه الَّتي تكون معه؛ فإنَّا نبيِّن زيفَ دعاوي التَّناقض هذه كلًّا على حِدة:\nفأمَّا دعواه أنَّه ﷺ كان يشكُّ في ابن صيَّاد هل هو الدَّجال أم لا، مع أنَّه وَصَف الدَّجال بصفاتٍ لا تنطبق على ابن صيَّاد: فالحقُّ أنَّ الاختلافَ في ابنِ الصَّياد (^٢) لا يُنكَر وقوعه بين العلماء، «وأشكلَ أمرُه، حتَّى قيل فيه كلُّ مَقيل» (^٣).\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٤٥٠ - ٤٥٢).\n(^٢) اسمه: صاف، وقيل: عبد الله، ويكنى أبا يوسف، وهو شاب من يهود المدينة، انظر «التذكرة» للقرطبي (ص/١٣١٧).\n(^٣) «معالم السنن» للخطابي (٤/ ٣٤٨).","vol":"2","page":1076},{"text":"والَّذي يَقتضيه المنهج العلميُّ الصَّحيح هنا: الرُّجوع بهذا الاختلاف وأدلَّته إلى قواعد الجمع، ثمَّ التَّرجيح بضوابطه إن تَعذَّرت الأولى، أمَّا أن يُقدم المخالف على قفزِ تلكم المراحلِ المنهجيَّة، والرِّضا بعدُ بإسقاطِ الأدلَّة كلِّها بدعوى الاضطراب: فنَأيٌ عن الجادَّة الَّتي تَوَالى الأصوليُّون على التَّوصيةِ بسلوكِها في مثل هذه القضايا النَّقليَّة.\nفمن ذلك: ذهاب بعضِ أهلِ العلمِ إلى كونِ ابن الصَّياد هو المسيح الدَّجال (^١)، وأنَّه هو الخارج آخر الزَّمان، واستشهدوا بما مَرَّ عن محمَّد بن المنكدر قال: «رأيتُ جابر بن عبد الله ﵁ يحلف بالله أنَّ ابن الصَّائد الدَّجال، قلت: تحلف بالله؟! قال: إنِّي سمعت عمرَ يحلف على ذلك عند النَّبي ﷺ، فلم ينكره النَّبي ﷺ» (^٢)، وبقول جابر ﵁ أيضًا: «فقَدْنا ابنَ الصيَّاد يوم الحَرَّة» (^٣)، وتأوَّلوا فقدَه هذا برجوعِه إلى جزيرتِه الَّتي رآه فيها تَميم الدَّاري مُوثَّقًا!\nيقول النَّووي: «أمَّا احتجاجُه هو -أي ابن الصَّياد على مَن اتَّهمه بأنَّه الدَّجال- بأنَّه مُسلم، والدَّجال كافر، وبأنَّه لا يولد للدَّجال، وقد وُلِد له هو، وأن لا يدخل مكَّة والمدينة، وأنَّ بن صيَّاد دخل المدينة، وهو متوجِّه إلى مكَّة: فلا دلالة له فيه، لأنَّ النَّبي ﷺ إنَّما أخبر عن صِفاته وقتَ فتنتِه وخروجِه في الأرض» (^٤).\n_________\n(^١) كابن بطَّال في «شرحه للبخاري» (١٠/ ٣٨٦)، وأبي العبَّاس القرطبي في «التذكرة» (ص/١٣٤٠)، وهو ظاهر كلامِ النَّووي في «شرحه لمسلم» (١٨/ ٤٦ - ٤٧)، والشَّوكانيِّ في «نيل الأوطار» (٧/ ٢٣٧ - ٢٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة، لا من غير الرسول، رقم: ٧٣٥٥)، ومسلم (ك: الفتن واشراط الساعة، باب: ذكر ابن الصياد، رقم: ٢٩٢٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود في «سننه» (ك: الملاحم، باب: في خبر ابن الصياد، رقم: ٤٣٣٢)، وصحح إسناده الألباني في «صحيح وضعيف سنن أبي داود» (٤٣٣٢).\n(^٤) «شرح النووي على مسلم» (١٨/ ٤٦).","vol":"2","page":1077},{"text":"وذهب غير هؤلاء إلى أنَّ المسيح الدَّجال الخارجَ آخر الزَّمان غير ابن الصَّياد الَّذي عاش في المدينة زمنَ النُّبوة (^١)، فإنَّ هذا «كان دجَّالًا مِن الدَّجاجلة، ثمَّ تِيب عليه بعد ذلك، فأظهرَ الإسلام، والله أعلمُ بَضميرِه وسَريرتِه» (^٢).\nودليلهم على ذلك: حديثُ تميم الدَّاري ﵁ الطَّويل المشهور في «صحيح مسلم» (^٣)، وقد مرَّ أنَّه أخبرَ النَّبيَّ ﷺ بلُقياه المسيحَ الدَّجالَ -بتقديرٍ مِن الله تعالى- مُوثقًا في دِيرٍ بإحدى الجُزر النَّائية في البحر، فذكره له بأوصافٍ تخالف ما عليه ابنَ الصَّياد.\nوحملَ بعضُ هؤلاءِ جزمَ عمر ﵁ على أنَّ ابن الصَّياد هو المسيحُ الدَّجال على عدم اطِّلاعِه على حديث تميمٍ وقتَ حلِفِه، وحملوا جزمَ جابر ﵁ لمَّا رأى سكوتَ النَّبي ﷺ عند حلف عمر ﵁ بأنَّه اجتهادٌ منه مَنقوض، وذلك أنَّ «الظَّاهر أنَّ النَّبي ﷺ لم يكُن قد أُوحِيَ إليه وقتئذٍ في أمره بشيءٍ، وإنَّما أوحي إليه بصفاتِ الدَّجال، وكان في ابن صيَّاد قرائن محتملة، فلذلك كان ﷺ لا يقطع في أمره بشيء» (^٤).\nفكان سِرُّ سكوتِه ﷺ على حَلفِ عمرَ: عَدمُ تحقُّقِه مِن بطلانِ ما حَلف عليه، فلا يُعَدُّ هذا السُّكوت في هذه الحالة تقريرًا، خصوصًا إذا عُلِم أنَّ مِن شرط العَمل بالتَّقرير: ألَّا يعارضَه تَصريحٌ يخالفه (^٥).\nفبهذا يرجُح عندي أنَّ قول مَن نفى أن يكون المسيح الدَّجال هو ابن الصَّياد هو الأصوب.\n_________\n(^١) منهم البيهقيُّ في «البعث والنشور» (ص/٣١، استدراكات عامر حيدر)، وابن تيمية في «الفرقان» (ص/١٦٦)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (١٩/ ٢٠٤).\n(^٢) «البداية والنهاية» لابن كثير (١٩/ ٢٠٤).\n(^٣) ستأتي دراسة هذا الحديث ودفع المعارضات المعاصرة عنه بتفصيل في مبحث مستقل.\n(^٤) «شرح صحيح الإمام مسلم» للنووي (١٨/ ٤٦).\n(^٥) وسيأتي تفصيلُ الكلام في حقيقة ابن صيَّاد في تضاعيف الكلام على حديث الجسَّاسة.","vol":"2","page":1078},{"text":"ومهما يكُن أحدُ القَولين هو الصَّواب، فكِلا قائلَيْه من أهل العلم قد أصابَ المنهجَ الصَّحيح، بسلوكهم لسبيل الجمعِ والتَّرجيح بين أدلَّة الباب، بدلَ الإقدامِ على خطيئة الطَّعنِ في البابِ جملةً.\nوأمَّا عن التَّعارض الثَّاني: في دعوى (رشيد رضا) أنَّ بعضَ الرِّوايات تُصرِّح بأنَّه يكون مع الدَّجال جبالٌ من خبزٍ ونهر أو أنهار من ماء وعسل .. إلخ، في حين أنَّ ما رواه الشَّيخان من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ ينفي ذلك عنه، حيث قال للنَّبي ﷺ: لأنَّهم يقولون إنَّ معه جبل خبزٍ ونهر ماء، فقال ﷺ: هو أهون على الله مِن ذلك.\nفجوابه: سائرٌ على منوالِ ما سبق تقريره مِن الجواب على دعوى التَّعارض قبله، ذلك أنَّ «إعمالَ الدَّليلين أَوْلَى مِن إهمالِها» (^١)، ثمَّ التَّرجيح إن استحكَم العجز عن الجمع، وقد سبق تقريره.\nفنقول: إنَّ قولَه ﷺ: «هو أَهْوَن على الله مِن ذلك» مُحتمل مَعنَيْين:\nالمعنى الأوَّل: أَنَّ الدَّجالَ أهونُ مِن أن يُجرِيَ الله على يديه هذه الخوارق؛ وإنَّما هو تخيِيل، وسِحرٌ يَسحر به أعينَ النَّاس.\nوهذا المعنى اختاره الطَّحاويُّ في تفسيرِ الحديث (^٢)، فقَرَّر أنَّ ما يُظهِره الدَّجال ليس إلَّا تخييلًا ومَخْرَقةً لا حقيقةَ تحتها، واستدلَّ تأييدًا لذلك بحديثِ أبي الزُّبير عن جابر ﵁ مرفوعًا: «.. ثمَّ يأمرُ السَّماءَ فتُمطر فيما يَرى النَّاس، ويقتلُ نفسًا ثمَّ يحييها فيما يَرى النَّاس» (^٣).\nوعلى الطَّريقة نفسِها في الجمعِ سارَ ابن حبَّان البُستي، فقرَّر أنَّ «إنكارَ المصطفى ﷺ على المغيرة بأنَّ مع الدَّجال أنهار الماء، ليس يُضادُّ خبرَ\n_________\n(^١) انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٤٩٢)، و«شرح المحلي على جمع الجوامع - مع حاشية العطار» (٢/ ٦٦).\n(^٢) انظر «شرح مشكل الآثار» (٢/ ٤٢٤).\n(^٣) أخرجه الطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٤/ ٣٨١، رقم:٥٦٩٤)، وأحمد في «المسند» (٢٣/ ٢١١، رقم: ١٤٩٥٤)، والحاكم في «المستدرك» (٣/ ٤٢٣) وصَّححه.","vol":"2","page":1079},{"text":"أبي مسعود ﵁ الَّذي ذكرناه، لأنَّه أَهْوَن على الله مِن أن يكون معه نهرٌ الماء يجري، والَّذي معه يرى أنَّه ماءٌ ولا ماءٌ، من غير أن يكون بينهما تَضادٌّ» (^١).\nوالمعنى الثَّاني: أنَّه أَهْون مِن أن يجعلَ ما يخلقه الله تعالى على يَديه مُضِلًّا للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوبِ الموقنين.\nيقول القاضي عياض: «قوله في هذا الحديث: «.. هو أهْوَن على الله مِن ذلك»، أي: مِن أن يجعلَ ما يخلقُه على يدِه مُضِلًّا للمؤمنين، ومُشكِّكًا لقلوبِ المُوقنين؛ بل يزيد الَّذين آمنوا إيمانًا، وليرتاب الَّذين في قلوبهم مَرض والكافرون» (^٢).\nوقال ابن حجر: «.. فدلَّ ما ثَبت مِن ذلك على أنَّ قوله ﷺ: «.. هو أهون على الله من ذلك» ليس المراد به ظاهره، وأنَّه لا يجعل على يديه شيئًا مِن ذلك؛ بل هو على التَّأويل المَذكور» (^٣)، يعني: تفسيرَ القاضي عياض السَّالف الذِّكر.\nفلمَّا أن كان هذا اللَّفظ مِن رسول الله ﷺ محتملًا لكِلا هذين المعنيين؛ كان المُتعيَّن البحث عمَّا يزيح أحد الاحتمالين؛ فوجدنا أنَّ الأحاديث الأخرى قد أبانت عن أنَّ ما مع الدَّجال من الخوارق على بابها وظاهرها، فلم يسعنا حينئذٍ إلَّا المصير إليها، واتِّخاذها أصلًا مُحكما يُردُّ إليها ما تشابه من الألفاظ (^٤).\nفأمَّا استدلالُ الطَّحاوي بحديثِ جابر ﵁: فلا يستقيم له إلَّا بعد التَّسليم بصحَّة ثبوتِه؛ وهذا ما لا يتمُّ له؛ لتفرُّد أبي الزُّبير عن جابر ﷺ بتلك الزِّيادة الَّتي لم تقع في الأحاديث الأخرى، أعني قولَه: «فيما يرى النَّاس»، فهي زيادةٌ تخالف رواياتِ الثِّقاتِ للحديث، لا أعلمها إلَّا مِن رواية أبي الزُّبير عن جابر (^٥).\n_________\n(^١) «صحيح ابن حبان» (١٥/ ٢١١).\n(^٢) «إكمال المعلم» (٨/ ٤٩٢).\n(^٣) «فتح الباري» (١٣/ ١١٦).\n(^٤) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٤٤٦).\n(^٥) ولست أنزع إلى التعليل بعنعنة أبي الزبير عن جابر بكونِه مدلسًا.","vol":"2","page":1080},{"text":"فكيف تثبت هذه الزِّيادة أنَّ الإمطارَ مجرَّد تخيُّلٍ لا حقيقة له، وقد أنبتت الأرض منه حقيقةً، وأكل النَّاس مِمَّا أخرجت؟!\nوإن كان الدَّجال قد خيَّل للنَّاسِ شَقَّ الشَّاب المؤمن فِلْقَتين، ثمَّ أرجعَه كما كان حيًّا، فهل يُعقل أنَّ الشَّابَ المفعول به ذاك قد شملَه ذاك التَّخييل وقد صرخ بوقوعه؟! وإلَّا فما منعه أن يجهر في النَّاس أنَّ ما أجراه الدَّجال عليه مجرَّد تخييلٍ وتدليسٍ لا حقيقة له لم يُمَسَّ فيه بسوء؟! في حين أنَّ الرِّوايات الصَّحيحة تُثبت أنَّ الشَّابَ قد تَيقَّن أنَّه قد أُحْيِيَ بعد مَقتلِه، فزاد بذلك يَقينُه بما كان أخبرَ النَّبي ﷺ مِن كونِ ذلك على الحقيقة!\nمِن هنا نتبيَّن: أنَّ ما ذهب إليه الطَّحاوي وابن حبَّان مِن تأويلٍ لمِا مع الدَّجال من الخوارق على معنى التَّمويه والتَّخييل تردُّه تلك الأحاديث البيِّنة الدالَّة على أنَّ ما يُظهِره الله على يَديه مِن أمرِ السَّماء بالإمطار فتُمطر، والأرضِ فتُنبت، واتِّباع كنوز الأرض له كيعاسيب النَّحل، وقتْله ذلك الشَّاب ثمَّ إحيائه له: كلُّه حقيقةٌ لا مَخْرقة، وليس هناك ما يَمنع من جريانِ تلك الخوارق على يَديه، والزَّمن زَمن انخراق السُّنَن.\nولذا قال أبو العبَّاس القرطبي: «أمَّا مَن قال: إنَّ ما يأتي به الدجَّال حِيَلٌ ومخارق فهو مَعزول عن الحقائق؛ لأنَّ ما أخبر به النَّبي ﷺ مِن تلك الأمور حقائق لا يحيل العقل شيئًا منها، فوَجَب إبقاؤها على حقائِقها» (^١).\nولا ريب أنَّ مثل الطَّحاوي وابن حبَّان لا يشملهما كلام القرطبيِّ هذا، لأنَّ مَردَّ تأويل هذين الإمامين ليس عن شبهةٍ عقليَّة -كما دأبُ المُحْدَثين- بل كان عن شبهةٍ نقليَّة؛ كما مَرَّ معنا مِن استدلالهم بروايةِ: «.. فيما يَرى النَّاس»، مع ما يعلمانه مِن الأحاديث الَّتي فيها ذِكرٌ لتلك الخوارق.\nهذا كي لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ تأويلهم نابعٌ عن استشكالٍ عَقليٍّ مَحْضٍ فيُتَّخَذ ذلك وليجةً للاعتضادِ به، وبيان مَآخذ أهلِ العلم، ونفيُ مَوارد الظُّنون عنهم، مِمَّا\n_________\n(^١) «المفهم» (٢٣/ ١٠٧)، وانظر «البداية والنهاية» (١٩/ ١٩٣ - ١٩٤).","vol":"2","page":1081},{"text":"يَتغيَّاه هذا البحث؛ لقطعِ علائقِ المتأوِّلين المُتعلِّقين بأذيالِهم؛ فضلًا عن كونِ ذلك مِن لوازمِ الدِّيانة.\nوأمَّا عن التَّعارض الثَّالث: في دعوى اختلافِ الرِّواياتِ في المكانِ الَّذي يخرج منه المسيح الدَّجال:\nفإنَّ الدَّجال خارجٌ مِن المشرقِ قولًا واحدًا، وهو ما أشارت إليه أكثر الأحاديثِ في هذا الباب، «ثمَّ جاء في روايةٍ أنَّه يخرج مِن خُراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم مِن حديث أبي بكر ﵁، وفي أخرى أنَّه يخرج مِن أصبهان، أخرجها مسلم» (^١).\nولا تعارض بين هذه الجهات الثَّلاثة، لأنَّ أصبهان جزءٌ من بلاد خراسان، وخراسان واقعة شرق الجزيرة العربيَّة.\nوالَّذي يظهر أنَّ النَّبي ﷺ ذكر في حديث الجسَّاسة خروجَ الدَّجال مِن بحر الشَّام أو بحر اليَمن قد رجعَ عنه النَّبي ﷺ في آخر الرِّواية نفسها، حيث قال ﷺ: «ألَا إنَّه في بحر الشَّام، أو بحر اليَمن، .. لا بل من قِبل المشرق ما هو! مِن قِبل المشرق ما هو! مِن قِبل المشرق ما هو!»، وأوْمأَ بيده إلى المشرقِ (^٢).\nيقول أبو العبَّاس القرطبي في هذه الجُمَل النَّبويَّة: «كلُّه كلامٌ ابتُدِئ على الظَّن، ثمَّ عَرض الشَّك أو قصد الإبهام، ثمَّ نَفى ذلك كلَّه، وأضربَ عنه بالتَّحقيق، فقال: لا، بل مِن قبل المشرق؛ ثمَّ أكَّد ذلك بـ (ما) الزَّائدة، وبالتَّكرار اللَّفظي، وهذا لا بُعدَ فيه؛ لأنَّ النَّبي ﷺ بَشرُّ يظنُّ ويشكُّ، كما يَسهو ويَنسى، إلَّا أنَّه لا يَتمادى، ولا يُقَرُّ على شيءٍ من ذلك، بل يُرشَد إلى التَّحقيقِ، ويُسلك به سواء الطَّريق» (^٣).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١٣/ ٩١).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الفتن وأشراط الساعة، باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض، ونزول عيسى وقتله إياه، وذهاب أهل الخير والإيمان، وبقاء شرار الناس وعبادتهم الأوثان، والنفخ في الصور، وبعث من في القبور، رقم: ٢٢٦٢).\n(^٣) «المُفهم» (٢٣/ ١٣٢).","vol":"2","page":1082},{"text":"والحاصل مِن هذا: أنَّه ﷺ ظَنَّ أنَّ الدجَّال المذكورَ في بَحرِ الشَّام؛ لأنَّ الظَّن أنَّ تميمًا رَكِب في بحر الشَّام، ثمَّ عرَض له احتمالُ أنَّه في بحرِ اليَمن؛ لقربه مِن أرض الشَّام، ثمَّ أطلعه العليمُ الخبير على تحقيقِ ذلك فحَقَّق.\nأمَّا ما جاء في حديث النَّواس بن سمعان ﵁ مِن أنَّ الدَّجال سيخرج من خلَّة بين العراقِ والشَّام: فيُحمَل على تعدُّدِ خروجه، فيكون «مُبتدأ خروجِ الدَّجال مِن خراسان، ثمَّ يخرج إلى الحجازِ فيما بين العراق والشَّام» (^١) خروجَه الأكبرَ، قصدَ استئصالِ جذرِ من جذور الإسلامِ مِن أصلِه.\nأمَّا جواب المعارضِ السَّادس: في دعوى المعترضِ أنَّ الدَّجال لو كان حقيقةً، لوَرَد ذكره في القرآن الكريم، تحذيرًا للنَّاس مِن فتنِه:\nفلقد جاء في القرآنِ الكريم الإخبار عن أشراط السَّاعة بإجمال، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]، ولا شكَّ أنَّ مهمَّة الرَّسول تفصيلُ هذا الإجمالِ وبيانُه، وقد تواترَ عن النَّبي ﷺ إدراجُ الدَّجال في جملةِ هذه الأشراطِ الَّتي ذكرتها الآية الكريمة، فوَجَب التَّسليم له به.\nوخفاءُ حكمةِ عدمِ التَّصريحِ بأمرِ الدجَّال في القرآنِ لا يُعكِّر على ما دَلَّت عليه الأحاديث القطعيَّة مِن ثبوتِ أمرِه؛ وإلَّا لاقتضى ذلك التَّجارِي في إنكارِ كلِّ ما يثبُت في السُّنَن مِن مَعاقِد الدِّين، بدعوى سكوتِ القرآن عنه!\nوأمَّا جواب المعارض السَّابع: من دعوى تضمُّنِ الأحاديث الواردةِ في وصفِ الدَّجال تجسيمًا لله تعالى وتشبيهًا بخلقه، حيث لازمها إثبات العَيْن له سبحانه:\nفقد تَقدَّم الكلام على أنَّ إثباتِ الصِّفاتِ لله تعالى الواردة في الكتاب والسُّنة، مِن غير تَكيِيفٍ لها ولا تمثيل، لا يُعَدُّ ذلك تجسيمًا للبَاري سبحانه، ولا تشبيهًا له بخلقِه.\n_________\n(^١) «المُفهم» (٢٣/ ١١٦).","vol":"2","page":1083},{"text":"وقد جَرى مَذهبُ أهل السُّنة والجماعة على حملِ ما جاء في الحديث الوارد في عور الدَّجال على إثباتِ صِفة العَينِ لله ﵎ على ما يَليق بجلالِ ذاتِه وعظمتِه، حيث ذَكَر النَّبي ﷺ الدَّجال بـ «أنَّه أَعْور، وأنَّ ربَّكم ليس بأَعْور»، و«الأعور عندهم ضدُّ البَصير بالعَينين» (^١).\nيقول البيهقيُّ تعليقًا على هذا الحديث:\n«في هذا نفيُ نقصِ العَور عن الله سبحانه وإثبات العَين له صِفةً، وعرفنا بقوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وبدلائل العقلِ أنَّها ليست بحَدقة، وأنَّ اليَدين ليستا بجارِحَتين، وأنَّ الوجهَ ليس بصورةٍ؛ وأنَّها صفات ذاتٍ أثبتناها بالكتاب والسُّنة بلا تَشبيه» (^٢).\nوعلى هذا مَشى الأشاعِرَة المتقدِّمون في إثباتِ تلكم الصِّفات الذَّاتية الخبريَّة، ولم يزيدوا على ذلك، اقتفاءً لمذهبِ مَن سَلف مِن علماء الأمَّة، مع تنزيههِم له تعالى عن المثيل والشَّبيه؛ يكفي في هذا ما نقله عنهم أبو الحسن الأشعريِّ وهو يُقرِّر عقائد أهل السُّنة، حيث قال: «قال أهل السُّنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم، ولا يُشبه الأشياء، وأنَّه على العرش .. وأنَّ له عَيْنين» (^٣).\nوقال في موضعٍ آخر مِن كُتبِه: «.. وأنَّ له -سبحانه- عَينين بلا كيف» (^٤).\nأمَّا مَن تأوَّل هذا الخَبر النَّبويَّ مِن مُنتسِبي هذا الإمامِ، بأنَّ المُرادَ منه مجرَّد نفي النَّقصِ والعَيبِ عنه سبحانه، أو كناية عن صِفة البَصرِ لا العَين (^٥)؛ فعلى قول هذا الفريقِ أيضًا يسلمُ الحديث من تُهمة التَّجسيمِ أو التَّشبيه؛ إذ أنَّه كما كانت\n_________\n(^١) «نقض الدارمي على بشر المريسي» (ص/٣٠٥).\n(^٢) «الاعتقاد» للبيهقي (ص/٨٩).\n(^٣) «مقالات الإسلاميين» (١/ ١٦٨ - تحقيق: عدنان زرزور).\n(^٤) «الإبانة عن أصول الديانة» (ص/٢٢).\n(^٥) تراه -مثلًا- في قولِ ابن فورَك في «مشكل الحديث وبيانه» (ص/٢٥٣) عند ذكرِه حديثَ عورِ الدَّجال: «معنى هذا الخبر أيضًا: تحقيقُ وصفِ الله تعالى بأنَّه بصير، وأنَّه لا يصحُّ عليه النَّقص والعَمى، ولم يُرد بذلك إثبات الجارحة، وإنَّما أراد نفي النَّقص، لأنَّ العور نقص».","vol":"2","page":1084},{"text":"ظواهر كثيرٍ من آياتِ الصِّفات أوَّلوها بكونِها غير مرادةٍ لظاهرها، فكذلك الشَّأن عندهم مع ما صحَّ من أحاديث الصِّفاتِ الخبريَّة.\nفالمُثبتون لصفةِ العَيْنِ يَجعلون الحديث دليلًا لهم يَنضاف إلى أدلَّةِ صحَّة مَذهبهم في ذلك، ومَن تأوَّل الحديث على غير ظاهرِه، فإنَّ تأويله فرعٌ عن تصحيحِه له.\nوبهذا تنتفي كلُّ دعاوي الاعتراضاتِ عن أخبار الدَّجال، ولله الحمد.","vol":"2","page":1085},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>المَبحث التَّاسع نقد المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم ﵇</span>","vol":"2","page":1087},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>المَطلب الأوَّل سَوق أحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم ﵇</span>\nعن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«والَّذِي نَفسِي بيده؛ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا: فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ (^١)، وَيَفِيضَ الْمَالُ حتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ؛ حتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا من الدُّنْيَا وما فيها».\nثمَّ يقول أبو هريرة ﵁: واقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]، متَّفق عليه (^٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «كَيْفَ أَنْتُمْ إذا نَزَلَ ابن مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟!» متَّفق عليه (^٣).\nوعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ على الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، قال:\n_________\n(^١) ويضع الجِزيةَ: أي لا يقبلها، ولا يقبل من الكفار إلَاّ الإسلام، ومَن بذل منهم الجزية لم يُكَفَّ عنه بها، بل لا يقبل إلَاّ الإسلام أَو القتل، انظر «شرح النووي لصحيح مسلم» (٢/ ١٩٠).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الأنبياء، باب: نزول عيسى ابن مريم ﵇، رقم: ٣٤٤٨)، ومسلم في: (ك: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ، رقم:١٥٥).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الأنبياء، باب: نزول عيسى ابن مريم ﵇، رقم:٣٤٤٩)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ، رقم:١٥٥).","vol":"2","page":1089},{"text":"«فَيَنْزِلُ عِيسَى بن مَرْيَمَ ﷺ فيقول أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لنا، فيقول: لَا؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ الله هذهِ الْأُمَّةَ» أخرجه مسلم (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بيده؛ لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرُّوحاءِ (^٢)؛ حَاجًّا، أو مُعْتَمِرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا» أخرجه مسلم (^٣).\nوعن النَّواس بن سمعان ﵁ قال: ذَكَرَ رسول الله ﷺ الدَّجَّالَ ذاتَ غَدَاةٍ ... الحديث، وفيه:\n«.. فبَيْنَما هُمْ كَذلِكَ، إِذْ بَعَثَ الله الْمَسِيحَ ابنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بين مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ؛ إذا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قد عَصَمَهُمْ الله منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ في الْجَنَّةِ ...» الحديث، أخرجه مسلم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب: نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ، رقم: ١٥٦).\n(^٢) فج الرُّوحاء: بين مكة والمدينة، كان طريق رسول الله ﷺ إلى بدر، وإلى مكة عام الفتح وعام الحج، انظر «معجم البلدان» (٤/ ٢٣٦).\n(^٣) أخرجه مسلم في (ك: الحج، باب: إهلال النبي ﷺ وهدْيِه، رقم: ١٢٥٢).\n(^٤) أخرجه مسلم في (ك: الفتن وأشراط السَّاعة، باب: ذِكر الدجال وصفته وما معه، رقم: ٢٩٣٧).","vol":"2","page":1090},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>المَطلب الثَّاني سَوْق الُمعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لأحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم ﵇</span>\nمع صراحةِ ما دَلَّت عليه النُّصوص مِن نزول عيسى ﵇، وتضافرها على ذلك، وبلوغها مَبْلغ القطْع: إلَاّ أنَّ طوائف مِن مخالِفي السُّنةِ جالَدوا الدَّلائل، وناقضوا البراهين؛ إمَّا برَدِّ الأدلَّةِ صراحةً، أو التَّلفُّعِ بمُرُطِ التَّأْويل، تَلطُّفًا منهم في رَدِّها.\nفمِمَّن نُقِل عنه الرَّدُّ مِن مُتقدِّمي الخَلَف بعضُ الخوارج، وبعض المُعتزلة (^١).\nومِن مُتأخِّري الخَلَف: (محمَّد عبدُه)، فقد نَقلَ تلميذُه (محمَّد رشيد رضا) موقِفَه مِن أحاديث نزول عيسى ﵇، ووافقَ أستاذَه في إبطالِ معاني تلك الأحاديث؛ من غيرِ أن يسلكَ مسلكَ شيخِه في تحريف معانيها، بل اكتفى بتفويضِ معاني تلك الأحاديث إلى الله تعالى (^٢)؛ وإن كان الاثنان متَّفقان في المآلِ على تعطيلِ مَدلول تلك الأَحاديث، فقد زاد (محمَّد عبده) أن اختارَ التماسَ غريب المعاني في تأويلها (^٣).\n_________\n(^١) انظر «إكمال المعلم» (٨/ ٤٩٢).\n(^٢) انظر «تفسير المنار» (١٠/ ٣٤٢).\n(^٣) مما تأوَّل به محمد عبده نزولَ عيسى ﵇ وحكمه في الأرض آخر الزمان: أن ذلك يكون «بغلَبَة روحه وسِرّ رسالته على النّاس، وهو ما غَلَب في تعليمه من الأمر بالرحمة، والمحبة، والسِّلم، والأَخْذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لُبابها ... فزمان عيسى على هذا التأويل: هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية؛ لإصلاح السرائر، من غير تَقيُّدٍ بالرّسُوم والظواهر»! «تفسير المنار» (٣/ ٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"2","page":1091},{"text":"و(محمَّد عبده) وإن لم يُصَرِّح هو بأنَّ هذا التَّعطيلَ مَوقفٌ علميُّ له؛ إذْ يَعزو ذلك للعلماء بتعبيرِه، إلَاّ أنَّ ظاهرَ طريقتِه يُفْهِم ذلك؛ فإنَّه جَعلَ للقولِ بأنَّ رفعَ عيسى ﵇ كان بروحِه دون جسدِه تخريجَين، مَفادُ الأوَّل منهما في:\nالمعارضِ الأوَّل: إنَّ أحاديث هذا الباب «آحادٌ متعلقٌّ بأمرٍ اعتقاديٍّ؛ لأنَّه مِن أمور الغَيب، والأمور الاعتقاديَّة لا يُؤخذ فيها إلَّا بالقطعيِّ، لأنَّ المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث متواترٌ» (^١).\nوهذا ما تبعه فيه أحمد المَراغي (ت ١٣٧١ هـ) (^٢) حين زَعم «أنَّ هذه الأحاديث لم تبلغ درجةَ الأحاديث المتواترة الَّتي تُوجِب على المسلم عقيدةً، والعقيدة لا تجب إلَّا بنصٍّ من القرآن أو بحديث متواتر .. وعلى ذلك فلا يجِب على المسلمِ أن يعتقد أنَّ عيسى ﵇ حَيٌّ بجسمِه وروحِه» (^٣).\nوكان ممَّن صرَّح بإنكارِ رفعِ المَسيحِ ونزولِه محمَّد شلتوت (ت ١٣٨٣ هـ)، فقد غَالَطَ هذا الحقائق وأنكر البَدَهِيَّات من عقدِ أهل السُّنة؛ من ذلك ما تراه في:\nالمعارضِ الثَّاني: حيث زَعَمَ أنْ ليس في القرآن «مُستَندٌ يَصْلح لتكوينِ عقيدةٍ يطمئنُّ إليها القلب بأنَّ عيسى رُفِع بجسمِه إلى السَّماء، وأنَّه حَيٌّ إلى الآن فيها، وأنَّه سينزل منها آخر الزَّمانِ إلى الأرض» (^٤).\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٣/ ٢٦١).\n(^٢) أحمد بن مصطفى المراغي: فقيه ومفسر مصري، تخرج بدار العلوم سنة ١٩٠٩ م، ثم كان مدرَّس الشريعة الإسلامية بها، وولي نظارة بعض المدارس، وعُين أستاذا للعربية والشريعة الإسلامية بكلية (غوردون) بالخرطوم، وتوفي بالقاهرة، من مؤلفاته: (الحسبة في الإسلام)، و(الوجيز في أصول الفقه) مجلدان، و(تفسير المراغي)، انظر «الأعلام» للزركلي (١/ ٢٥٨).\n(^٣) «مجلة الرسالة» (ص/١١)، العدد (٥١٩)، بتاريخ: ١٤/ ٠٦/١٩٤٣.\n(^٤) مقال بعنوان «نزول عيسى ﵇» لمحمد شلتوت، في «مجلة الرسالة» (ص/٤) العدد (٥١٤)، بتاريخ: ١٠/ ٠٥/١٩٤٣.","vol":"2","page":1092},{"text":"فإذا كان المُستنَد الَّذي يُثبِت هذه العقيدة منتفيًا في نظره؛ فإنَّ فُشُوَّها في المحيط الإسلاميِّ هو من آثار أحدِ العوامل الأجنبيَّة الَّتي ابتغت ترسيخ مثل هذه المعتقدات بينهم -يَعنون عاملَ الإسرائيليَّات (^١) - حيث تأثَّروا بها نتيجةً للانحطاط الدِّيني والحضاريِّ، فتعلَّقت آمالهم -كحالِ أهل الكتابِ قديمًا- بمُخلِّصٍ يَردُّ مَعايشهم إلى حالتها المُثلى.\nوفي تقرير دعوى هذا التَّأثير الخارجي في المُعتقد، يقول (حسن التُّرابي): «في بعض التَّقاليد الدِّينيَّة تَصَوُّرٌ عَقديٌّ، بأنَّ خطَّ التَّاريخ الدِّيني بعد عهد التَّأسيس الأوَّل ينحدر بأمرِ الدِّين انحطاطًا مُطَّرِدًا، لا يرسم نَمطًا روحيًّا، وفي ظلِّ هذا الاعتقاد؛ تتَركَّز آمال الإصلاحِ أو التَّجديدِ نحو حَدَثٍ أَو عَهد واحدٍ بعينه مَرجُوٍّ في المستقبل، يَردُّ أَمر الدِّين إلى حالته المُثْلى مِن جديد.\nوهذه عقيدةٌ نشأتْ عند اليهود، واعْتَرت النَّصارى، وقوامها: انتظارُ المسيح يأتي أو يعود، عندما يبلغ الانحطاطُ ذِرْوتَه بعهد الدَّجال؛ قبل أن ينقلب الحال صاعدًا بذلك الظُّهور ... وقد انتقلت هذه العقيدة بأثرِ مَن دَفَع الإسرائيليَّات إلى المسلمين، وما يَزال جمهورٌ مِن عامَّة المسلمين يُعوِّلون عليها في تجديد دينهم» (^٢).\nوبنفس هذا المنطق العِوَج من التَّفكير، وسم (مصطفى بوهندي) الأخبار في نزولِ المَسيح ﵇ بكونِها «مُشبَّعةً بالمفاهيم الكِتابيَّة الَّتي أَشرنا إليها عن المسيح المُنتظر، وهو ما يَكشِف عن مَصدريَّتها اليهوديَة والمسيحيَّة المخالفةِ لمِا في الإسلام» (^٣).\nالمعارض الثَّالث: أنَّ أَصحاب تلك المَرويَّات يَزعمون أَنَّ عيسى ﵇ إنَّما ينزل في آخر الزَّمان مُتَّبعًا للشَّريعةِ المحمديَّة، ومَن كان مُتَّبعًا لغيره؛ كيف يحمِل النَّاسَ على الإيمان به -حسبما جاء في تلك الرِّوايات-؟! وكيف تكون عاقبةُ مَن لم يؤمن به القتلُ؟!\n_________\n(^١) انظر «مجلة المنار» (٢٨/ ٧٤٧).\n(^٢) «قضايا التجديد - نحو منهج أُصولي» (ص/٧٧ - ٧٨).\n(^٣) «التأثير المسيحي في تفسير القرآن» (ص/١٩١).","vol":"2","page":1093},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>المَطلب الثالث\nدفعُ المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلأحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم ﵇</span>\nأمَّا دعوى المُعترضِ على أحاديثِ نزول المسيح أنَّها آحاد لا يُؤخَذ بها في الاعتقاد:\nفإنَّ على فرضِ كونِ تلك الأحاديث آحاد، فإنَّ خبرَ الآحاد متى صَحَّ عن النَّبي ﷺ وتَلقَّته الأمَّة بالقَبول، فحُجَّةٌ هو في العقائد والأَحكام، وجب المصير إليه، وعلى هذا انعقد إجماع أهل السُّنة.\nعلى أنَّ القائل بهذه الدَّعوى قد أبانَ عن جهلِه بالحديث، وأقرَّ على نفسِه بأنْ لا صلة له بهذا العلمِ؛ إذ مُسَلِّم به عند كلِّ حَديثيٍّ أنَّ الأخبارَ في نزول عيسى ﵇ قد بلَغَت في ذلك مَبلغ التَّواتر، وهي وإن كانت أفرادُها لا تدخل في حَدِّ التَّواتر اللَّفظيِّ، إلَّا أنَّها بيَقينٍ قد استفاضت وتَواترت تواترًا مَعنويًّا بمجموعِها، وبهذا صَدَعَ أَهل العلم في بيانه (^١)؛ فمِن أولئكم:\nابن جرير الطَّبري؛ حيث صَرَّحَ بتواترِ أحاديث نزول عيسى ﵇ (^٢).\n_________\n(^١) انظر «التصريح بما تواتر في نزول المسيح» للكشميري، ومقدمة محققه عبد الفتاح أبو غدة له نافعة.\n(^٢) «جامع البيان» (٥/ ٤٥٠).","vol":"2","page":1095},{"text":"ثمَّ محمَّد بن الحسين الآبُرِيّ (^١)؛ فقد قال في كتابه «مَناقب الشَّافعي»: «قد تواترت الأَخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ .. أنَّه يخرج عيسى ابن مريم، فيساعده -يعني محمد المهديَّ- على قتل الدَّجال بباب لُدّ بأرض فلسطين، وأنه يؤمُّ هذه الأمَّة، وعيسى ﵇ يُصلِّي خَلْفَه» (^٢).\nوكذا أبو الوليد ابن رشد القرطبيُّ (ت ٥٩٥ هـ)، حيث قال عنه: «لا بُدَّ من نزوله لتواتر الأَحاديث» (^٣).\nثمَّ أبو الفداء ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)؛ حيث ساقَ الأَحاديث المُثْبِتَةَ لنزوله ﵇، وقال: «فهذه أحاديثُ متواترةٌ عن رسول الله ﷺ» (^٤).\nوعلى ثبوتِ أحاديث النُّزول وبلوغِها مقامَ القطع في دلالتِها، جَرَت أَقاويل الأئمَّةِ على نَظمِ مَضمونِ تلك الأحاديث في أحرُفِ الاعتقادِ:\nتجده -مثلً- عند أحمد بن حنبل في قوله: «والدَّجالُ خارجٌ في هذه الأمَّة لا محالة، وينزل عيسى ابن مريم ﵇، ويقتله ببابِ لُدٍّ» (^٥).\nوقول أبي القاسم الأَصبهاني -الملقَّب بقوَّام السُّنة-: «وأَهل السُّنة يؤمنون بنزول عيسى ﵇» (^٦).\nوقولِ القاضي عياض: «نزول عيسى المسيح وقتله الدَّجَّالَ حقٌّ صحيح عند أهل السُّنة؛ لصحيح الآثار الواردة في ذلك؛ ولأنَّه لم يَرِدْ ما يُبطِلُه ويضعِّفُه» (^٧).\n_________\n(^١) محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم أبو الحسنين، وقيل: أبو الحسين السجستاني الآبري، الشافعي، أحد الأئمة الحُفّاظ، من كتبه «مناقب الشافعي»، توفي سنة (٣٦٣ هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٢٩٩)، و«طبقات الشافعية الكبرى» (٣/ ١٤٩).\n(^٢) نقل هذا النَّص عنه غير واحد من أهل العلم، منهم المزِّي في «تهذيب الكمال» للمزي (٢٥/ ١٤٩)، وابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٤٩٣).\n(^٣) نقله عنه الأُبِّي، كما في «إِكمال إكمال المُعلم» (١/ ٤٤٥).\n(^٤) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٤٦٤).\n(^٥) «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (٢/ ١٦٩).\n(^٦) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٤٦٣).\n(^٧) «إكمال المعلم» (٨/ ٤٩٢).","vol":"2","page":1096},{"text":"ونظمُهم لهذه المقولة في أحرُفِ الاعتقاد، وتضافرُهم على ذلك، هو مُحصَّل الأدِّلة الشَّرعية ممَّا سبق ذكر بعضِه مِن دلائل السُّنة، وما سيأتي ذكره مِن دلائل الكِتاب، وما تَركَّب منهما مِن الإجماع الثَّابتِ على نزوله ﵇، وقد نَصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ من الأئمَّة.\nفمِمَّن قَرَّر هذا الإجماع:\nأبو محمَّد ابن عطيَّة (ت ٥٤٢ هـ) في قوله: «أجْمَعَت الأمَّة على ما تضمَّنه الحديث المتواتر؛ مِن أَنَّ عيسى ﵇ في السَّماء حَيٌّ، وأنَّه ينزل في آخر الزَّمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصَّليبَ، ويقتل الدَّجال، ويُظْهِر هذه الملَّة ملَّة محمَّد ﷺ، ويحجُّ البيتَ ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعًا وعشرين سنة، وقيل: أربعين سنة، ثمَّ يُميته الله تعالى» (^١).\nوأقرَّه على الإجماع أبو إسحاق الثَّعلبي (^٢)، وابن تيميَّة (^٣)، والسَّفاريني (^٤)، وغيرهم كثيرٌ مِمَّن نقلَ الإجماع على نزولِ المسيحِ آخرَ الزَّمان (^٥).\nوبذا يَتَبيَّن خطأ (محمَّد عبده) -ومَن جَرى في مَهْيَعِه- في ردِّ هذه الأحاديث بكونها آحاد، على كِلَا الاعتبارين في مسألةِ قبول الآحاد في العقائد.\n_________\n(^١) «المحرر الوجيز» (١/ ٤٤٤).\n(^٢) «الكشف والبيان» (١/ ٢٧٢).\n(^٣) «بيان تلبيس الجهمية» (٤/ ٤٥٧).\n(^٤) «لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٩٤).\n(^٥) أمَّا ما نقله ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص/١٧٣) من خلاف في هذه المسألة بقوله: «اتَّفقوا ... أنَّه لا نبيَّ مع محمد ﷺ ولا بعده أبدًا، إلاّ أنَّهم اختلفوا في عيسى ﵇: أَيأتي قبل يوم القيامة أم لا؟ وهو عيسى بن مريم المبعوث إلى بني إسرائيل قبل مبعث محمد ﷺ»: فَوهْمٌ من ابن حزم، خَالفَ فيه أَهل العلم الذين حكَوْا الإجماعَ، وهو لم يسم المخالف، ولذا قال الأُبيّ في «إكمال إكمال المعلم» (١/ ٤٤٦) متعقّبًا ابنَ حزم: «ما ذَكر ابنُ حزمٍ من الخلاف في نزوله لا يصحُّ».\nوقد نَقَل ابن حزم نفسُه الإجماعَ على نزوله ﵇ في كتابه الموسوم بـ «الدُّرَّة فيما يجب اعتقاده» (ص/١٩٩) حيث قال فيه: «وقد صحَّ النَّصُّ، وإجماعُ القائلين بنزوله - وهم أهل الحقِّ - أنّه إذا نزل لم يبقَ نصرانيٌّ أَصلًا إلا أسلموا»؛ فعُلِم بذلك خطؤُه فيما ذكر من الخلاف؛ مُستفاد من «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٤٨١).","vol":"2","page":1097},{"text":"وأمَّا ما اعترض به المُخالف في شُبهته الثَّانية: مِن زعمِه أنَّ القرآن يخلو مِن ذكر هذه العقيدة في رجوعِ عيسى ﵇؛ فجواب ذلك:\nأنَّ عدم علمِ المخالف بدلائلِ ذلك في القرآن، لا يدلُّ على انتفاءها حقيقةً، فالحقُّ أنَّ في كتاب ربِّنا تعالى مِن الشَّواهد على نزولِ المسيح ﵇ ما يُذهِب عنه غُمَّة الجهل بذلك (^١)، وهي كالتَّالي:\nقول الله تعالى في سورة النِّساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٧٥ - ١٧٩].\nفقوله تعالى الآخَرُ الَّذي في سورة آل عمران: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، مع قوله ذاك في آية النِّساء السَّابقة: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾: نَصٌّ على إثباتِ رفعِه ﵇ رفعًا حِسِّيًا.\nفإن قيل: لِمَ لا يُحمَل الرَّفعُ هنا على رفعِ المكانةِ والحَظوة، والقرآن قد أتى بمثلِه؟ كما في قول جلَّ وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]؛ وعلى هذا فدعوى النَّصِيَّة والقطْع على أنَّ المُراد بالرَّفعِ هنا الرَّفع الحسِّيُّ فيها نظر!\nفجواب ذلك: أنَّ احتمالَ تأرجُحِ (الرَّفع) في كتابِ الله بين رفع المكانة والمنزلة وبين الرَّفع الحسِّي لا يُنكَر بالنَّظر إلى ذاتِ الوَضعِ؛ فحينئذٍ تُلتَمَس القرائن الَّتي تُبِينُ عن المُراد (بالرَّفع) في الآية.\nيقول ابن تيميَّة: «لفظُ التَّوفِّي لا يَقتضي تَوفِّي الرُّوح دون البَدن، ولا توفِّيهما جميعًا؛ إلَاّ بقَرنية مُنفصلةٍ» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٤٨٢ - ٤٩٤).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).","vol":"2","page":1098},{"text":"وبالنَّظر إلى مجموعِ هذه القَرائن، نجِد أنَّها تحسِم الاحتمالَ، وتقود إلى القطعِ بالمُراد مِن (الرَّفع)، بأنَّه الرَّفع الحسِّي لا غير.\nوجُملة هذه القرائن تنقسم إلى قسمين: القسم الأوَّل: قرائن خارجيَّة؛ والقسم الثَّاني: قرائن داخليَّة (دلالة السِّياق).\nفأمَّا القسم الأوَّل: وهي القرائن الخارجيَّة، فتدور حول جملةٍ مِن الدَّلالات:\nالدَّلالة الأولى: ما تواتر عن النَّبي ﷺ تواترًا مَعنويًّا مِن أَنَّ عيسى ﵇ ينزل في آخر الزَّمان، ولا معنى للنُّزولِ إلَّا كونه كان مُستقرًّا في الَّسماء.\nالدَّلالة الثَّانية: دلالة الآثار الواردةِ عن أصحابِ رسول الله ﷺ، ومِن ذلك: ما صَحَّ عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁ قال: «لمَّا أَراد اللهُ أن يرفع عيسى ﵇ إلى السَّماء ..»، وفيه: «ورُفِعَ عِيسى مِن رَوْزنَةٍ (^١) كانت في البيتِ إلى السَّماءِ ..» (^٢).\nومِثل هذا الأثر الثَّابت عن ابن عباس ﵁ لا يكون مِن قَبيل الرَّأي المُجرَّد، وما كان كذلك فهو في حكم المَرفوع.\nالدَّلالة الثَّالثة: دَلالةُ الإجماع المُتَيَقَّن الَّذي سبق بيانه.\nفهذه قرائن مِن خارج النَّص، فلو لم يكن في المسألة لبيان معنى الرَّفع في الآية إلَّا واحدة من تلك الدَّلالات: لكَفَت في نَفي الاحتمال، فكيف إذا تضافرت؟ بل كيف إذا اعتضدت بالقرينة الأخرى؟! وهي:\n_________\n(^١) الروزنة: الكوة أو الخَرق فِي أعلى السَّقفِ، انظر «المحكم» لابن سيده (٩/ ٢٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٤/ ١١١٠) من طريق الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير به، قال ابن كثير عن هذا الإسناد في «البداية والنهاية» (٢/ ٥١٠): «وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ»، ورواه أيضًا النَّسائي في «سنن الكبرى» (رقم:١١٧٠٣) من طريق أبي كريب عن أبي معاوية به نحوه.","vol":"2","page":1099},{"text":"القسم الثَّاني: دَلالة السِّياق.\nفالسِّياق بمفردِه قد ينقُل الدَّلالة مِن الاحتمال الَّذي يكتنفها إلى النَّصيَّة، فهو «مُرشد إِلى تبين المجمَلات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات» (^١)، وإنَّ مِن خُلْفِ القول، وفسادِ الرَّأي: إغفالُ هذه الدَّلالة؛ لتمهيد الطَّريق بعدُ للادِّعاء بأنَّ الآية ليست نَصًّا في إثبات رفع عيسى ﵇كما سبقَ زعمُه مِن شلتوت- (^٢)، وهذا القول مَبْنيٌّ على النَّظر في وَضْع الصِّيغ المُجرَّدة مَقطوعةً عن سياقاتها، وهذا ليس مِن نهج المتحقِّقين بالأصول.\nيقول أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ):\n«اِعتقدَ كثيرٌ من الخائضين في الأُصول عزَّة النُّصوص، حتَّى قالوا: إنَّ النَّصَّ في الكتاب قَولُ الله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وقولُه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وما يظهر ظهورهما! ولا يكاد هؤلاء يسمَحون بالاعترافِ بنَصٍّ في كتاب الله تعالى وهو مرتبط بحكم شرعيٍّ، وقضوا بِنُدُورِ النُّصوص في السُّنة، حتَّى عَدُّوا أَمثلةً معدودةً ومحدودةً ... وهذا قولُ مَن لم يُحِط بالغَرض من ذلك.\nوالمقصود من النُّصوص: الاستفادةُ بإِفادة المَعاني على قَطْعٍ، مع انحسَامِ جهاتِ التَّأويلاتِ، وانقطاعِ مَسلكِ الاحتمالات؛ وإنْ كان بعيدًا حُصُولُه بوضع الصِّيغ رَدًّا إلى اللُّغة، فما أكثرَ هذا الغَرَض مع القرائن الحاليَّة والمَقاليَّة! وإذا نحن خُضنا في باب التَّأويلات، وإبانة بطلانِ معظمِ مَسالك المؤوِّلين ..: استبانَ للطَّالب الفَطِنِ، أنَّ جُلَّ ما يحسبه النَّاسُ ظواهرَ مُعرَّضةً للتَّأويلات: هو نصوصٌ» (^٣).\nفسِياق الآيتين دَالٌّ على ثبوت رفعِ عيسى ﵇ رَفْعًا حِسيًّا؛ لا محيصَ عن ذلك لِمن أَنصفَ، وذلك مِن وجوه:\n_________\n(^١) انظر «الإمام في بيان أدلة الأحكام» للعز بن عبد السلام (ص/١٥٩).\n(^٢) انظر «نزول عيسى» لمحمود شلتوت (ص/٣٦٣)، مجلة الرسالة العدد (٤٩٦) (السنة الحادية عشرة ذو الحجة ١٣٦١).\n(^٣) «البرهان في أصول الفقه» (١/ ١٥١).","vol":"2","page":1100},{"text":"أمَّا الوجه الأوَّل: فإنَّ سِياقَ الآيات هو في بيان بُطلانِ ما افتراه اليهود مِنْ قَتْلِهِ ﵇؛ بأنَّ القتلَ إنَّما وَقع على شَبيهِه، فلِذا عَقَّب الرَّبُّ تعالى على قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ بقولِه تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.\nوهذا نَصٌّ في الرَّفْعِ الحِسِّيّ لا مَحالة؛ لأنَّ الإيقاف بـ (بل) هنا الَّتي تفيد الإضرابَ والإبطال، هو لنِفْيِ ما ظنَّ اليهود مِن تسلُّطهم على نبيِّ الله بالقتل، فيكون ما بعد (بل) مُنافيًا لما قبلها، بتكريرِ عدمِ تمكينِ الله لهم مِن التَّسلُّط على نبيِّه؛ وذلك برفعِه رفعًا حِسِّيًا، ولو كان المرادُ رَفعَ المكانةِ، لاختلَّ بذلك النَّظْمُ القرآنيُّ؛ لأمرين:\nالأوَّل: أنَّ رفْعَ المكانةِ ليس مُختصًّا بعيسى ﵇ في هذا المَوقف! فلا وجهَ لتخصيصِه به هنا؛ إلَّا لتضمُّنِه معنىً زائدًا ناسبَ ذلك إضافته إليه.\nالثاني: أنَّ القتلَ لا يُنافي رَفعَ المكانةَ، إذ رِفعة المكانة حاصلةٌ حتَّى مع تقديرِ قتلهِ ﵇، فلا معنى حينئذٍ لدخول (بل) بينهما، لانتفاء التضادِّ بينهما.\nوأمَّا الوجه الثَّاني: فهو أَنَّ وصْلَ ﴿رَّفَعَهُ اللَّهُ﴾ بـ ﴿إِلَيَّ﴾: يَقضي على احتمالِ كونِ المقصُودِ بـ (الرَّفعِ) هنا رفعَ المكانة، وعِلَّةُ ذلك: أنَّ رَفع المكانة لا مُنْتَهى له؛ بخلاف الرَّفع الحسِّي! وهذا ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، حيث أُضيفَت (إلى) إلى ضمير المُتكلِّم (الياء).\nفإن قيل: المقصود إذن بالرَّفع هنا رفع (روحِه) لا غير!\nقيل: أنَّ هذا التَّأويل ليس على السَّنَن المَحمود أيضًا، وبيان ذلك:\nأنَّ تعيينَ الرَّفع هنا بأنَّه بالرُّوح لا يُزيل شبهةَ قتْلِ عيسى ﵇ الَّذي سِيقت لأجلِه الآيات؛ لبقاءِ الشُّبهةِ بأنَّ ارتفاعَ الرُّوح إنَّما وقع بعد القتل! فلا معنى للإتيانِ بـ (بل) النَّافية لما قبلها مِنْ ظَنِّ تسلُّطِهم عليه، هذا مِن جهة.\nومِن جهةٍ أخرى: أنَّ تعيينَ الرَّفعِ (بالرُّوح) زيادةٌ لم يَنطِق بها النَّص، وتَقْديرٌ لم يَدُلَّ عليه المَقَامُ، فالأَصْلُ في كلام المُتَكلِّم أَنَّ ألفاظَه تامَّةٌ، والقول بأنَّ الكلام يفتقر إلى تقدير شيءٍ دعوى لا يُصار إليها إلَّا ببرهان واضح.","vol":"2","page":1101},{"text":"فلَمْ يَبق إلَّا أن يكون الرَّفعُ لشخصِه ﵇ روحًا وبَدَنًا؛ لا معنى إلَاّ ذلك (^١).\nوأمَّا مَعنى قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: فقابضٌ روحَك وبدَنَك، وهذا اختيار أئمَّة التَّفسير؛ كالحسن البصري، وزيد بن مسلم، وابن جريج، وابن جرير الطبري (^٢)، وأبي عبد الله القرطبي (^٣)، وابن تيميَّة (^٤)، والشوكاني (^٥)، وغيرهم -رحمهم الله تعالى-.\nوفي تقرير هذا المعنى، يقول ابن جرير: «وأَوْلى هذه الأَقوال بالصِّحة عندنا: قولُ مَن قال: معنى ذلك: إنِّي قابضُك مِن الأرض، ورافِعُك إليَّ، لتواتُرِ الأَخبار عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «يَنْزِلُ عيسى ابنُ مريم فيقتل الدَّجَّالَ، ثم يَمْكُث في الأرض مُدّةً -ذَكَرَها، واختلفت الرِّواية في مَبْلَغِها- ثمَّ يموتُ فيصلِّي عليه المسلمون، ويدفنونه» ..» (^٦).\nوقال ابن عبد البرِّ: «الصَّحيح عندي في ذلك قولُ مَن قال: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضُك مِن الأرض، لِما صَحَّ عن النَّبي ﷺ مِن نزولِه» (^٧).\nوقال القرطبيُّ: «والصَّحيح أنَّ الله تعالى رَفَعَهُ إلى السَّماء مِن غير وفاةٍ ولا نوم، .. وهو الصَّحيح عند ابن عبَّاس (^٨)، وقاله الضَّحاك ..» (^٩).\nواختيارُ هؤلاء الأئمَّةِ لهذا المعنى -أعني: القبضَ- مع دَورانِه في كتاب الله على مَعنيين آخرين؛ هما: (قَبضُ الرُّوح)، و(قَبضُ حِسِّ الإنسان\n_________\n(^١) انظر «نظرة عابرة» للكوثري (ص/٩٣ - ٩٥).\n(^٢) انظر أقوال هؤلاء الأربعة في «جامع البيان» (٥/ ٤٤٨ - ٤٥٠).\n(^٣) انظر «الجامع في أحكام القرآن» (٤/ ١٠٠).\n(^٤) انظر «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٢٣).\n(^٥) انظر «فتح القدير» (١/ ٣٩٥).\n(^٦) «جامع البيان» (٥/ ٤٥٠).\n(^٧) «التمهيد» (١٥/ ١٩٦).\n(^٨) سيأتي الكلام عن رواية أخرى عن ابن عباس قريبًا فيها تفسيره للوفاة في الآية بالموتِ.\n(^٩) «الجامع لأحكام القرآن» (٤/ ١٠٠).","vol":"2","page":1102},{"text":"بالنوم) (^١): لم يكُن منهم اعتِباطًا؛ بل لاعتباراتٍ سَبَقَ بيانها، ومِن أَبرزِها: ما قرَّرناه مِن دلالةِ السِّياق.\nولو كان المُراد بقوله ﵎: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ مجرَّد الموت، لَمَا كان في إضافةِ (التَّوفِّي) إليه مَعْنى يختصُّ به عن غيرِه مِن الرُّسل! فضلًا عن بقيَّةِ الخلق، فالمؤمنون يَعلمون أنَّ الله يقبض أرواحهَم، ويعرج بها إلى السَّماء، ولو كان قد فارقتْ روحُه جسدَه: لكان بدنُه في الأرض كبَدَنِ سائر النَّاس، فَعُلِمَ أنْ ليس في ذلك خاصيَّة (^٢).\nفاستبانَ بهذا أنَّ إضافةَ التَّوفي إلى عيسى ﵇، وعطفَ الرَّفع الموصول بـ (إلى) على قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: ليس له معنىً إلَّا قبضَ الرُّوح والبَدن جميعًا، لوجودِ القرائنِ الدَّالةِ على ذلك (^٣).\n_________\n(^١) انظر «النكت في القرآن» لأَبي الحسن المجاشعي (ص/١٧٩ - ١٨٠).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).\n(^٣) أما ما احتجَّ به مَن قال بأنَّ الرَّفع كان للرُّوح دون البَدَن: بما وراه علي بن أبي طلحة في صحيفته عن ابن عباس ﵁ في تَفْسير الوفاة في الآية بقوله: «إنِّي مُمِيتك»:\nفإنَّ الأئمَّة وإن ارتضوا صحيفة علي بن أَبي طلحة في التفسير في الجُمْلة، فإنه لا يلزم من ذلك الرضا بآحاد ما رَوى، وهذه الرواية عنه مُعَارَضة لما سبق نقله عن ابن عباس ممَّا صحَّ عنه قال: «.. أن عيسى رُفع من رَوْزنةٍ في البيت».\nفلعل هذا ممَّا جَعَل أَحمد بن حنبل يقول عن علي بن أبي طلحة: «له أشياء منكرات»، كما في «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٣٤).\nثم إنَّ التسليم بمقتضى رواية علي بن أبي طلحة يَسْتلزم أيضًا مخالفة صريح القرآن؛ ذلك بأَن الله أخبر أنَّ وقوع الموت على العباد يكون مرة واحدة، ثم يحييهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ﴾ [٤٠]، فلو كان قد أَماته الله ﷿ لم يكن بالذي يميته ميتةً أُخرى بعد نزوله، فيجمع عليه ميتتين! كما قرره ابن جرير في «تفسيره» (٥/ ٤٥١).\nفإذا حُكم بأنَّ هذه الرواية من مُنكر ما يرويه علي بن أَبي طلحة: انتفى الإشكال.\nأمَّا على احتمال صحِّتها أخذًا بعموم ثناء الأئمَّة على هذه الصَّحيفة من حيث الجملة:\nفيمكن حينئذٍ توجيه رواية بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ بالموتِ:\n\nبأنه ليس في كلامه بيان وقت الإماتة، والآية لا تدل على ذلك؛ لأن (الواو) في قول الله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ لا تقتضي الترتيب؛ فيكون مُرادُ ابن عباس ﵁ والله أعلم-: إنّي مُميتك بعد نزولك من السَّماء في آخر الزمان، كما صحَّت بذلك الأَخبار؛ ويكون هذا الوَجْهُ بناءً على أَن في الآية تقديمًا وتأخيرًا؛ أي: إِذْ قال الله يا عيسى إنِّي رافعك إليَّ .. ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إيَّاك إلى الدنيا.\nوقد ذهب إلى هذا الجَمْع ابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/ ١٩٦)؛ حيث قال: «والصَّحيح عندي -في ذلك-: قول مَن قال: متوفِّيك: قابضُك من الأَرضِ؛ لمِا صَحَّ عن النَّبي ﷺ من نزوله، وإذا حُمِلت رواية علي ابن أبي طلحة عن ابن عبَّاس ﵁ على التَّقديم والتأخير؛ أي: رافعُك، ومُمِيتُك: لم يكن بخلافِ ما ذكرناه»، والله أعلم.","vol":"2","page":1103},{"text":"ثمَّ من الأدلَّة القرآنية أيضًا على مَسألتِنا:\nقول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩].\nفهنا الضَّمير في كِلا الموضعين منها يعود على عيسى ﵇، ودلالة السِّياق يدُلُّ على هذا الاختيار، لأمرين:\nالأوَّل: أنَّ سِياق الآيات قبلها جاء في تقرير بطلان دعوى اليهود في زعمهم قتلَ عيسى ﵇، وبيان ضَلَال النَّصارى في تسليمهم لليهود فيما ادَّعَوه: بأنَّ الله نَجَّى نبيَّه، وطَهَّره مِن كيدِ أعدائِه، برفعِه حيًّا إلى السَّماء، وحصول القتلِ على شَبيهِه لا هو، وأنَّه سينزِلُ في آخرِ الزَّمان، فيكسر الصَّليب، ويضع الجزية، ولا يقبل إلَّا الإسلام، وحينئذٍ يُؤمِن به جميع أهل الكتاب، ولا يَتخلَّف عن التَّصديق به أحد منهم.\nالثَّاني: أنَّ عَوْد الضَّميرين في ﴿بِهِ﴾ و﴿مَوْتِهِ﴾ إلى عيسى ﵇ هو الأَليق بالسِّياق والنَّظم؛ لأنَّ «عَوْد أحدهِما على غيرِ ما يعود عليه الآخَر فيه تَشتيتٌ للضَّمائر، وهذا مِمَّا يُنَزَّه عنه الكتاب الكريم» (^١).\nيقول أَبو حيَّان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ): «الَّظاهر أنَّ الضَّميرين في ﴿بِهِ﴾ و﴿مَوْتِهِ﴾ عائدانِ على عيسى، وهو سِياق الكَلام؛ والمَعْنِيُّ ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: الَّذين يكونون في زمانِ نزولِه» (^٢).\n_________\n(^١) «نظرة عابرة» للكوثري (ص/١٠٠).\n(^٢) «البحر المحيط» (٤/ ١٢٩).","vol":"2","page":1104},{"text":"وهذا ظاهرُ اختيارِ أبي هريرة ﵁؛ حيث ربَطَ بين روايتِه لنزولِه ﵇ وهذه الآية؛ وكذا اختيارُ ابن عبَّاس ﵁ (^١)، وابن جرير (^٢)، وابن كثير (^٣).\nوثالث الأدلَّة القرآنيَّة على نزولِ عيسى ﵇ آخر الزَّمانِ:\nقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]؛ فالضَّمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائدٌ على عيسى ﵇، فيكون مَقصودُ الآية: إنَّ نزول عيسى ﵇ إشْعَارٌ بقُربِ السَّاعة، وأَنَّ مجيئَه في آخرِ الزَّمان شَرْطٌ مِن أشراطِها.\nوممَّا يؤيِّد عَوْد الضَّمير إلى عيسى ﵇ في هذه الآية أُمورٌ:\nالأمر الأوَّل: أنَّ سياق الآيات قبل هذه الآية في شأنِ عيسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٦١].\nالأمر الثَّاني: أنَّ قراءة ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ بفتحِ اللَّام والعَين: تُوَطِّد هذا الاختيار، وهي قراءةُ ابن عبَّاس، وأبي هريرة، وقتادة، ومجاهد، والأعمش (^٤).\nالأمر الثَّالث: أنَّ هذا الاختيار يَشهد له ظاهر القرآن، وبه تتَّسق الضَّمائر، وتنسجم بعضها مع بَعْضٍ؛ ليس في هذا الموطن فقط، بل في جميع المواطن التي ذُكِر فيها عيسى ﵇.\nالأمر الرَّابع: أنَّ هذا الاختيار تشهدُ له الأحاديث المتقدِّم ذكرها.\nالأمر الخامس: أنَّ هذا القول احتفَل به جِلَّة مِن أئمَّة التَّفسير من السَّلفِ والخَلَفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ، وأَبي هريرة، ومجاهد، وعكرمة، وأبي العالية، والحسن\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٧/ ٦٦٤) من طريق سعيد بن جبير، وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٤٩٢).\n(^٢) «جامع البيان» (٧/ ٦٧٢).\n(^٣) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٤٧).\n(^٤) انظر «المحرر الوجيز» (٥/ ٦١).","vol":"2","page":1105},{"text":"البصري، والضَّحاك (^١)، والبيضاوي (^٢)، وابن كثير (^٣)، والأَمين الشَّنقيطي (^٤)، ومجمع البحوث بجامعة الأزهر (^٥).\nومِن الدَّلائل القرآنية الدَّالة على نزولِه ﵇، وهو رابِعُها:\nقول الله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦]، وقوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة: ١١٠].\nووجه الدَّلالة مِن الآيتين: أنَّ تخصيصَ وقوعِ التَّكليم من عيسى ﵇ بِحالَيْ المَهْدِ والكهولة؛ مع كونِه مُتكلِّمًا فيما بين ذلك: دَلالةٌ ظاهرةٌ على أن لِتيْنِكَ الحالَين مَزيد اختصاصٍ ومَزيَّةٍ، فَارقَا بهما جميعَ كلامِه الحاصل بين تَيْنِكَ الحالين.\nتوضيح ذلك: أَنَّ الكلام في المَهْدِ خارقٌ للعادة، خارجٌ عن السُّنَن، وهذا بَيِّنٌ؛ فكذلك ينبغي لقوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾، فهو عَطف على مُتعلَّق الظَّرف قبله، آخِذٌ حكمَه؛ أي: يُكلِّم النَّاس في حال المَهد، ويُكلِّمهم في حال الكهولة، فـ «إذا كان كلامه في حالة الطُّفولة عقبَ الولادة مباشرةً آية؛ فلا بُدَّ أنَّ المعطوف عليه -وهو كلامه في حال الكهولة- كذلك؛ وإلَّا لم يُحْتَجْ إلى التَّنصيصِ عليه؛ لأنَّ الكلام مِن الكَهل أَمرٌ مَألوف مُعتاد، فلا يحسُن الإخبار به؛ لا سيما في مَقام البِشارة» (^٦).\n_________\n(^١) انظر أقوالهم في «تفسير القرآن العظيم» (٧/ ٢٣٣).\n(^٢) انظر «أنوار التنزيل» (٥/ ٩٤).\n(^٣) انظر «تفسير القرآن العظيم» (٧/ ٢٣٦)\n(^٤) انظر «أضواء البيان» (٧/ ٢٨٠).\n(^٥) انظر «التفسير الوسيط» (٩/ ٨٢٤).\n(^٦) «فصل المقال» للشيخ محمد خليل هرَّاس (ص/٢٠).","vol":"2","page":1106},{"text":"وهذا ما نصَّ عليه الحُسين بن الفضل البَجلي (ت ٢٨٢ هـ) (^١) بقوله: «في هذه الآية نَصٌّ في أنَّه ﵇ سينزِلُ إلى الأرض» (^٢).\nوأَمَّا مَن رَدَّ هذه الأَحاديث بزعمِ أنَّها نَتَاج «عُقْدة الانتظار» الَّتي نَبَعَت في أوَّل أمرِها عند اليهود، ثمَّ انتقلت إلى النَّصارى، ثمَّ تَسَرَّبت إلى المسلمين كما ادَّعاه (التُّرابي) ومَن تشرَّب فكرَه:\nفخَطلٌ أن تُتَّهم أمَّة الإسلام بهذه البلادة وقد عصَمَها الله أن تجتمع على ضلالٍ؛ وقد تَحقَّق أهل الصَّنعة مِن صِحَّة تلك الأخبار إلى رسول الله ﷺ؛ فضلًا عن غفلة صاحب هذه الشُّبهة عن أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ والتَّابعين وتابعيهم كانوا يَبُثُّونها في الأمَّة؛ مع كونِ عصرهم عصرَ انتصاراتٍ وعِزٍّ وتمكين! فأيُّ انحطاطٍ كان يعيشه هؤلاء السَّادات القادة حتَّى يختلِقوا أكذوبةَ الانتظار؟!\nوأمَّا وقوع الاتِّفاق بين أهل الإسلام وبين أَهل الكتاب في قضيَّةٍ عقديَّةٍ كهذه، فهذا أمرٌ لا يُستغرَب في الشَّريعة؛ ويقع مثله لبقاء بعض آثار النُّبوَّة في الدِّيانات السَّالفة، فيأتي خاتم الرُّسل ﷺ بإقراره؛ وأيُّ مَوروث كِتابيٍّ مُرْتهَنٌ صحَّتُه بتصحيحِ دين الإسلامِ، المهيمنِ على الدِّين كلِّه (^٣).\nوأمَّا جملة شبهاتِ (بوهندي) في المعارضة الثَّالثة: من دعواه أنَّ القول بنزولِ عيسى ﵇ متَّبِعًا لا مُشرِّعًا، يُلْزِم أهل السُّنة الوقوعَ في التَّناقض؛ لأنَّ مَن كان مُتَّبعًا لا يأمر النَّاس أن يؤمنوا به .. إلخ:\nفكشف هذه الشُّبهة، يتحصَّل بعلمنا أنَّ مِن أُصول النَّظر في الدَّلائل الشَّرعيَّة النَّظرَ إليها «كالصُّورة الواحدة؛ بحَسَبِ ما ثَبت من كُليَّاتِها وجزئيَّاتها المرتَّبة\n_________\n(^١) الحسين بن الفضل بن عمير البجلي: مفسِّر معِّمر، كان رأسا في معاني القرآن، أصله من الكوفة، انتقل إلى نيسابور، وأنزله واليها عبد الله بن طاهر في دار اشتراها له (سنة ٢١٧)، فأقام فيها يعلم الناس خمسة وستين سنة؛ وكان قبره بها معروفا؛ انظر «الأعلام» للزركلي (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) انظر «مفاتيح الغيب» للفخر الرازي (٨/ ٢٢٥).\n(^٣) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٥٠٨).","vol":"2","page":1107},{"text":"عليها، وعامِّها المُرتَّب على خاصِّها، ومُطْلَقِها المحمول على مُقيِّدها، ومُجْمَلها المفسَّر بمُبيِّنها، إلى ما سوى ذلك مِن مَنَاحيها؛ فإذا حَصَل للنَّاظر مِن جُمْلتها حُكْمٌ من الأحكام: فذلك هو الَّذي نَطقت به حين اسْتُنْطِقَت» (^١).\nوبمقتضى هذه الأُصول، فَهِمَ السَّلفُ أَحاديثَ نزولِ عيسى ﵇ في ضوءِ فهمِهم للأحاديث الدَّالة على خَتمِ النُّبوة، ولم يكُن قولُهم بأنَّ المسيح ﵇ ينزل تابعًا لشريعة النَّبي ﷺ مِن عِندياتهم! بل هو حاصلُ النَّظرِ في جُمْلة الأَخبار الواردة في ذلك، وأَخبار المصطفى ﷺ لا تَتناقض؛ لأنَّها حقٌّ وصِدق.\nومن ثمَّ؛ نقرِّر هنا عدَّة أمور:\nالأمرُ الأوَّل: أنَّ القول بنزولِ عيسى ﵇ مُتَّبِعًا لا مُشرِّعًا ليس مِن محضِ اختراع أَصحابِ الرِّوايات، بل هو مُقتضى ما دَلَّت عليه النُّصوص، برهان ذلك قولُ النَّبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «كيف أنتم إذا نَزَل ابنُ مريم فيكم، وإمامُكم منكم؟» (^٢).\nفرَفْضُ عيسى ﵇ التَّقدُّم للإمامةِ، وقَبولُه أن يكون مُقتديًا برجلٍ مِن هذه الأمَّة: فيه اجتثاثٌ لإشكالٍ يُمكن أَن يقَع في النَّفسِ مِن كونه نَزل مُبتدئًا شرعًا لا مُتَّبِعًا.\nالأَمر الثاني: أَنَّ معنى كونه ﵇ مُتِّبِعًا، لا ينزع عنه سِمَةَ النُّبوة! فكم مِن نَبيٍّ كان مُتِّبعًا لشرعِ مَن قبله.\nفإن قيل: يُشْكِلُ على هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقوله ﷺ: «لا نبيَّ بعدي» (^٣)!\nفجواب هذا الإشكال: أنَّ المُراد بهذه الآيةِ والحديث امتناعُ حدوثِ وَصفِ النُّبوة في أحدٍ مِن الخلقِ بعد النَّبي محمَّد ﷺ، ينسخُ بشريعتِه شريعةَ نبيِّنا ﷺ،\n_________\n(^١) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ٦٢).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص/؟).\n(^٣) جزء من حديث أخرجه البخاري في (ك: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم: ٣٤٥٥)، ومسلم في (ك: الإمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، رقم: ١٨٤٢).","vol":"2","page":1108},{"text":"لقيامِ القَواطِع عن امتناعِ ذلك؛ وعيسى عليه السلاملم يحدُث له هذا الوَصف، لأنَّه لم يَزَل مُتَّصِفًا به منذ أن تحلَّى به، ولم يُسلَب منه برفعِه إلى السَّماء.\nيقول الآلوسيُّ: «هو ﵇ حين نزولِه باقٍ على نُبوَّتِه السَّابقة لم يُعزَل عنها .. لكنَّه لا يَتعبَّد بها، لنسخِها في حقِّه وحقِّ غيره، وتكليفُه بأحكامِ هذه الشَّريعة أصلًا وفرعًا، فلا يكون إليه ﵇ وَحيٌ ولا نَصْبُ أحكامٍ، بل يكون خليفةً لرسول الله ﷺ، وحاكمًا من حكَّام مِلَّتِه» (^١).\nوعلى هذا؛ فقول (بوهندي) أنَّ «أَصحاب الرِّوايات يَدَّعون أنَّ المسيحَ عندما يجيء في آخر الزَّمان لن يكون نبيًّا» لم يُسَمِّ قائلَه مِن أهل الحديث، وإلَّا فيبقى الشَّكُّ في تَقوُّلِ هذا المدَّعِي واردًا! وما أكثرَ التَّقوُّلَ في طائفتِه!\nالأمر الثالث: زَعْمُ (بوهندي) أنَّ الرَّوايات تقول: (مَن لم يؤمن به ﵇ يُقْتَلْ)؛ نقول له: أين في الرِّوايات الصِّحيحة ما يفيد أنَّ عيسى ﵇ يقتل النَّاس حتَّى يؤمنوا به؟!\nبل قتالُه للكَفَرة مِن أهل الكتاب وغيرِهم لتصيرَ الدَّعوى واحدة، وهي دعوى الإسلام؛ فعيسى ﵇ إِنَّما يَدعو إلى دينِ الإسلام، لا إلى ذاتِه هو، قد دَلَّ على ذلك حديث أَبي هريرة: «.. فيقاتلُ النَّاسَ على الإسلامِ، فيدقُّ الصَّليب ..» الحديث (^٢).\nفقوله هنا: «على الإسلام»: صَريحٌ في نقضِ دعوى المُعترض، وأنَّ عيسى ﵇ إنَّما يُقاتل دون نشرِ الإسلامِ مَن تصدَّى له، كما قاتلَ مِن قبلُ أخوه محمَّد ﷺ دونَه.\nوأمَّا جواب الاعتراض الرَّابع؛ أعني دَعوى المُخالف أنَّ عيسى ﵇ لو كان ينزل في آخر الزَّمان متِّبِعًا لمحمَّد ﷺ، فعليه أن لا يُغيِّر في شريعتِه شيئًا .. إلخ؛ فيُقال فيه:\n_________\n(^١) «روح المعاني» (١١/ ٢١٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: الملاحم، باب: خروج الدجال، رقم: ٤٣٢٤)، وأحمد في «مسنده» (١٥/ ١٥٣، رقم: ٩٢٧٠)، وصحح إسنادَه ابن حجر في «الفتح» (٦/ ٤٨٦).","vol":"2","page":1109},{"text":"أمَّا وضْعُ الجِزية ودقُّ الصليب ونحو ذلك في زمن وجود عيسى ﵇ في آخر الزَّمان؛ ليس هو من المسيح ﵇ على معنى الإنشاءِ والنَّسخِ للشَّريعة المحمديَّة ابتداءً لتشريع آخرَ مِن قِبَلِه -كما تَوَهَّمه المعترض- وإنمَّا المقصود: أنَّ مَشروعية أخذِ الجِزية، وتخييرِ أَهلِ الذِّمةِ بين الإيمان وبين أداءِ الجزية أو القتال: مُقيَّدةٌ بزمَنِ ما قبل نزولِ عيسى ﵇، والتَّقييد جاء مِن قِبَل النَّبي ﷺ كما دَّلت عليه هذه الأحاديث؛ لا مِن قِبَل عيسى ﵇ (^١).\nوفي تقرير هذه الحقيقة يقول النَّووي: «ومعنى وضع عيسى الجزية؛ مع أنَّها مَشروعة في هذه الشَّريعة: أنَّ مَشروعيَّتها مُقيَّدة بنزولِ عيسى ﵇؛ لِما دَلَّ عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخٍ لحكمِ الجِزية، بل نبيُّنا ﷺ، وهو المُبيِّن للنَّسخِ بقولِه هذا» (^٢).\nوبهذا تذوب شُبهاتُ الباطلِ عن أحاديث نزولِ المَسيح، كما سيذوب الدَّجال إذا رأى المسيح ﵇! والحمد لله على توفيقِه في أوَّله ومُنتَهاه.\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض المعقلي» (ص/٥٠٣ - ٥٠٤).\n(^٢) «شرح صحيح مسلم» (٢/ ١٩٠).","vol":"2","page":1110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>المَبحث العاشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ سُجودِ الشَّمس تحت العَرشِ</span>","vol":"2","page":1111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديث سُجودِ الشَّمس تحت العَرشِ</span>\nعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال النَّبي ﷺ لأبي ذرٍّ حين غربت الشَّمس: «أتدري أين تذهب؟»\nقلت: الله ورسوله أعلم.\nقال: «فإنَّها تذهب حتَّى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيُؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يُؤذن لها، يقال لها: اِرجعي من حيث جئتِ، فتطلعُ من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]» (^١).\nوفي رواية لمسلم عن أبي ذرِّ ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال يومًا:\n«أتدرون أين تذهب هذه الشَّمس؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:\n«إنَّ هذه تجري حتَّى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش، فتخرُّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتَّى يُقال لها: اِرتفعي، اِرجعي من حيث جئتِ، فترجع فتصبحُ طالعةً من مطلعها، ثمَّ تجري حتَّى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش، فتخرُّ ساجدةً، ولا تزال كذلك حتَّى يُقال لها: اِرتفعي، اِرجعي من حيث جئت، فترجع فتصبحُ طالعةً من مطلعها، ثمَّ تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا، حتَّى تنتهي إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: بدء الخلق، باب: صفة الشمس والقمر بحسبان، رقم: ٣١٩٩).","vol":"2","page":1113},{"text":"مُستقرِّها ذاك تحت العرش، فيُقال لها: اِرتفعي، أصبحي طالعةً مِن مغربك، فتصبح طالعةً مِن مغربها»، فقال رسول الله ﷺ: «أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب: باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، رقم: ٢٥٠).","vol":"2","page":1114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرة\nلحديث سجودِ الشَّمسِ تحت العرشِ</span>\nحاصل ما أورده الطَّاعنون في الحديث أنَّه مُناقض للضَّرورة الحسيَّة، ولما بلغه العلم الحديث مِن جهات:\nالجهة الأولى: أنَّ الشَّمس لها مَسار تسير فيه، فلا تغرب عن مكان إلَّا وتشرق على آخر، فليست تغيب عن الأرض كما جاء في الحديث.\nالجهة الثانية: أنَّ الشَّمس لا عقل لها ولا إدراك، وعلى هذا فكيف تسجد سجود العاقل الواعي؟!\nالجهة الثَّالثة: أنَّ مِن البَدهيَّات العلميَّة استقرار الشَّمس في مكانها في مركز المجموعة الشَّمسية، لا تذهب للعرش ولا لمكان آخر، وشروقها ومَغيبها هو حاصلٌ بسبب دوران الأرض حول نفسها.\nففي تقرير دعوى الجهتين الأوليَين، يقول (رشيد رضا) في سياق نقدِه للرِّوايات المخالفةِ للواقع:\n«.. ومنه ما كان يَتَعذَّر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع، كظاهر حديث أبي ذرِّ عند الشَّيخين وغيرهما: أين تكون الشَّمس بعد غروبها؟ فقد كان المتبادَر منه للمتقدِّمين أنَّ الشَّمس تغيب عن الأرض كلِّها، وينقطع نورها عنها مدَّة اللَّيل؛ إذ تكون تحت العرش تنتظر الإذن لها بالطُّلوع ثانية.","vol":"2","page":1115},{"text":"وقد صار من المعلوم القطعيِّ لمئات الملايين من البشر أنَّ الشَّمس لا تغيب عن الأرض في أثناء اللَّيل، وإنَّما تَغيب عن بعضِ الأقطار وتطلع على غيرها، فنهارنا ليلٌ عند غيرنا، وليلنا نهارٌ عندهم، كما هو المتبادر من قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، وقوله جلَّت قدرته: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]، فنحن بعد العلم القطعيِّ الثَّابت بالحسِّ في مثل هذه المسألة وما في حكمها، لا مَندوحة لنا عن أحد أمرين:\nإمَّا الطَّعن في سند الحديث وإن صَحَّحوه؛ لأنَّ رواية ما يخالف القطعيَّ من علامات الوضع عند المحدِّثين أنفسهم ..\nوإمَّا تأويل الحديث: بأنَّه مَرويٌّ بالمعنى، وأنَّ بعض رواته لم يفهم المراد منه، فعَبَّر عمَّا فهمه، كعدم فهم راوي هذا الحديث الَّذي ذكرنا -على سبيل التَّمثيل- المراد من قوله ﷺ: إنَّ الشَّمس تكون ساجدةً تحت العرش ... إلخ، فعبَّر عنه بما يدلُّ على أنَّها تغيب عن الأرض كلِّها.\nوقد يكون المراد من معنى سجودها: أنَّه من قبيل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، كما أن توقُّف طلوعها على إذن الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، وهو إذن التَّكوين لا التَّكليف ..» (^١).\nويقول (سامر إسلامبولي): «مِن الواضح من قراءة النَّص أنَّه تركيبة غير موفَّقة صدرت من جهة جاهلة، وذلك من عدَّة أوجه:\nأوَّلًا: مِن المعلوم أنَّ الشَّمس لها نظام ومسار تدور وتسير بموجبه، فهي ما إن تغرب عن مكان إلَّا وتكون بالوقت نفسه تشرق على آخر، ولا تغيب عن الأرض أبدًا، ولا تخرج عن مسارها ..\nثانيًا: إنَّ الشَّمس من المخلوقات الَّتي لا تملك عقلًا، ولا إرادة، وبالتَّالي فهي لا تسجد سجود العاقل الواعي، وهي غير مكلَّفة ومسئولة حتَّى يُقبل منها السُّجود أو يرفض» (^٢).\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٢٧/ ٦١٠).\n(^٢) «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٤٥).","vol":"2","page":1116},{"text":"وفي تقريرِ الجهة الثَّالثة للشُّبهة الأصل الَّتي ارتكزوا عليها، يقول (إسماعيل الكردي): «إنَّه مِن المَعلوم لكلِّ طالبٍ دَرَس الجغرافيا أنَّ الشَّمس مستقرَّة في مكانها في مركز المجموعة الشَّمسية، لا تذهب لعرشٍ ولا لمكان آخر، ولا تأتي منه، وأنَّ شروقها ومَغيبها ليس بسبب حركتها هي، بل سببه دروان الأرض حول نفسها، وأنَّ هذا الشُّروق والمغيب مستمرَّان على مدار الـ (٢٤) ساعة، وفي كلِّ لحظة تكون في حالة شروقٍ بالنِّسبة لمكان في الأرض، وفي الوقت نفسه في حالة غروبٍ بالنِّسبة للمكان المقابل من الأرض، وهذا أصبح في علوم اليوم من البدهيَّات، بل مِن المشاهدات بالمَحسوس!» (^١).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٨٠).","vol":"2","page":1117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>المَطلب الثَّالث\nدفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن حديثِ سجودِ الشَّمسِ تحت العرشِ</span>\nالإبانة عن فسادِ ما ادَّعاه هؤلاء المعاصرون مِن مناقضة الحديث لضرورة العلمِ الحديث والحسِّ يتأتَّى في مقامين: مجملٍ، ومفصَّل.\nفأمَّا المُجمل: فدعوى مناقضة الحديث للضَّرورة الحسيَّة والعلميَّة لا تُسلَّم إلَّا عند التَّحقُّق من تضمُّن الحديث النَّبوي لخبرٍ مُفصَّلٍ عن واقعٍ مَحسوسٍ يناقض المستقِرَّ المشاهد أو المكتشف العلميَّ القطعيَّ ضرورةً، بحيث ينتفي الجانب الغَيبيُّ في هذا الخبر، أمَّا إذا لم ينتفِ هذا الجانب عن الخبر، فالمناقضة مُنتفِية، لكون الحسِّ لم يشهده، والعلم لم يقطع فيه كي تصحَّ دعوى مخالفة الضَّرورة (^١).\nوأمَّا المقام المفصَّل: فبيانه أنَّ الحديث تَضمَّن إخبارَ النَّبي ﷺ عن ذهاب الشَّمس وسجودها تحت العرش، وهذا خبر عن ثلاثِ حقائق مُغيَّبة، ليس للعقل يقين بإدراك كُنهِها، فضلًا عن نفيِها؛ هذه الحقائق هي: حقيقة العرش، وحقيقة حركة الشَّمس، وحقيقة سجود الشَّمس تحت العرش (^٢).\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٨٠٣).\n(^٢) انظر «رفع اللَّبس» لعبد الله الشهري (ص/٣).","vol":"2","page":1118},{"text":"فالعرش له حقيقة لا يعلمها إلا الله خالقه سبحانه، والعقل لا يملك إلا تعقُّل صفاته المخبَر عنها في الدَّلائل النَّقليَّة، مِن ذلك: أنَّه عظيم الخلقِ والوزن، ذو قوائم (^١)، وهو على عظمتِه كالقُبَّة على العالم (^٢).\nوالمقصود: أنَّ هذه الحقيقة مع إبانة الوحي عن بعضِ أوصافها يَستحيل على العقل إدراك كُنهها كما أسلفنا، وكذلك يُقال في ما يَتعلَّق بحقيقة حركة الشَّمس؛ فإنَّ العقل البشريَّ إلى يومنا هذا يَعجز عن الإحاطةِ بهذه الحركة بصورةٍ يقينيَّة، لأنَّ هذا يَتطلَّب الانْبِتاتَ عن هذه المجموعة الشَّمسيَّة، والتَّمركزَ خارجَها للوقوفِ على هذه الحركة، وأنَّى للإنسان ذلك؟! (^٣)\nوبناءً على جهلنا بهاتين الحقيقتين، يكون محصَّل ذلك: الجهلُ بحقيقة سُجودِ الشَّمس تحت العرش، وانتفاء هذا اليقين عن الإحاطة بتلك الحقائق لا يَنفي وجودها، فإنَّ ما كان ثابتًا في نفسِه لا يَنفيه جهلُ الجاهلين به، وعليه فطعنُ الطَّاعن في الخبر بكونِ الشَّمسِ لا تغرب عن مكان إلَاّ وتشرق على آخر، فلا تغيب عن الأرض .. إلخ: لا يُغيِّر مِن تلك الحقائق شيئًا، لأنَّ صاحبَه أسَّسَه ابتداءً على غلطٍ في إدراك مَرامي النَّص؛ حيث توهَّم أنَّ معنى الغروب المذكور في الحديث هو الغياب المطلق على أهل الأرض جميعًا، ليتِمَّ السُّجود المنصوص عليه في الحديث!\nوهذا غلطٌ في الفهم، يكشف عن غلطه أنَّ النَّبي ﷺ نفسه فسَّر هذا الغروب بالذَّهاب، فقال: «أتدري أين تذهب؟ ..»، والمقصود بالذَّهاب هنا: حَرَكتُها، بحيث تَغيب عن رَأْيِ العَيْن، فهو بذا غِياب نِسبيٌّ لا مُطلق.\n_________\n(^١) انظر ما ورد فيه من أحاديث صحيحة وغيرها في «العرش وما رُوي فيه» لأبي جعفر ابن أبي شيبة (ت ٢٩٧ هـ) بتحقيق د. محمد خليفة التميمي.\n(^٢) كما ورَد الخبر في ذلك عن النَّبي ﷺ في الحديث الطَّويل: «.. إنَّ عرشه على سماواته لهكَذا» وقال بأصابعه مثل القُبَّة، أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: السنة، باب: في الجهمية، رقم: ٤٧٢٦)، وقد انتصر ابن تيمية لتصحيح هذا الحديث في كتابه «بيان تلبيس الجهمية» (٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^٣) «رفع اللَّبس» (ص/٦).","vol":"2","page":1119},{"text":"وفي تقرير هذا المعنى للحديث يقول ابن تيميَّة: «إذا كان النَّبي ﷺ قد أخبرَ أنَّها تسجد كلَّ ليلة تحت العرش، فقد علم اختلاف حالها باللَّيل والنَّهار، مع كون سَيرها في فلكِها من جنسٍ واحدٍ، وأنَّ كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه، وإنَّما ذلك اختلاف بالنِّسبة والإضافة: عُلم أنَّ تنوُّع النِّسب والإضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه لا مختلف» (^١).\nويزيد المعلِّمي توضيحًا لذلك فيقول: «لم يَلزم مِمَّا في الرِّواية الثَّالثة مِن الزِّيادة -يعني روايةَ إبراهيم التَّيمي: «حتَّى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش فتخرَّ ساجدةً) - غَيبوبة الشَّمسِ عن الأرضِ كلِّها، ولا استقرارها عن الحركة كلَّ يومٍ بذاك المَوضع الَّذي كُتِب عليها أن تستقرَّ فيه متى شاء ربُّها سبحانه» (^٢).\nفغروب الشَّمس المذكور في الحديث إذن هو: سَيرُها وجريانُها الَّذي أخبرَ عنه النَّبي ﷺ، وإلَّا فليس للشَّمس مَغرب حقيقيٌّ ثابت، كما قال ابن عاشور: «المراد بمغرب الشَّمس: مكانُ مَغربِ الشَّمس مِن حيث يَلوح الغروب مِن جهات المَعمور .. إذْ ليسَ للشَّمسِ مَغرب حَقيقيٌّ إلَّا فيما يلوح للتَّخيل» (^٣).\nفإن قيل: إذا كان العرشُ كالقُبَّة على هذا العالم؛ فإنَّ لازم ذلك أن تكون الشَّمس في جميع أَحوالها ساجدة، فيبطل بذلك مَدلول «حتَّى» المفيدة للغاية! فجوابه:\nأنَّ الشَّمسِ كونها تحت العرش في جميعِ أحوالها لا يلزم منه حصول السُّجود المذكورِ في الحديث في كلِّ وقتٍ؛ وإنمَّا يَتحقَّق السُّجود عند مُسامَتَتِها لجزءٍ مُعيَّنٍ من العرشِ لا نَعلمه.\nثمَّ هذا السُّجود والاستئذان الشَّمسي واقع في جُزءٍ من الوقت لا يعلمه إلَّا الله؛ لا يلزم منه حصول توقُّفٍ في سَيْرِها؛ دَلَّ على ذلك قوله ﷺ: «ثمَّ\n_________\n(^١) «بيان تلبيس الجهمية» (٤/ ٥٤).\n(^٢) «الأنوار الكاشفة» (ص/٢٩٥).\n(^٣) «التحرير والتنوير» (١٦/ ٢٥).","vol":"2","page":1120},{"text":"تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا»، فليس في حصولِ السُّجودِ منها ما يُعيق دورانَها وحركتَها.\nيقول الخطَّابي: «لا يُنكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده، وإنَّما هو خبر عن غيب، فلا نكذِّب به، ولا نكيِّفه، لأنَّ علمنا لا يحيط به .. فلا يُنكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرشَ في مسيرها .. وليس في سجودِها لربِّها تحت العرش ما يعوقها عن الدَّأبِ في سيرِها» (^١).\nوعلى هذا؛ فلا تناقض بين ما قُرِّر في الآثارِ مِن أنَّ العرش كالقُّبة على هذا العالم، وبين الثَّابت في هذا الحديث.\nوأمَّا الشُّبهة الثَّانية: وهي دعوى المُعترِض انتفاء العقلِ والإدراكِ عن الشَّمس، فكيف تسجدُ سجودَ العاقل .. إلخ.\nفالجواب عن ذلك أن يُقال:\nليس هناك ما يَمنع -لا نقلًا ولا عقلًا- أن يكون للشَّمسِ إدراكٌ يناسب حالها، ليتحصَّل به السُّجود والاستئذان، فالسُّجود والاستئذان الواقع من الشَّمس هو سجود حقيقيٌّ كما هو ظاهر الحديث، وليس سجودًا مَجازيًا بمعنى الانقياد كما ذهب إليه البعض (^٢)؛ فإنَّ القول بالمَجاز خلافُ الأصلِ الظَّاهر، ولا يَصحُّ المصير إليه مع إمكانِ الحقيقة.\nفسجود الشَّمس حَقيقةً واستئذانُها ممَّا يدخُل في مقدورِه تعالى بلا ريْبَ، وإذا اعتبرتَ الدَّلائل القرآنيَّة، تبيَّن لك أنَّ لهذه الجمادات وسائر الحيوانات -سوى العقلاء- إدراكًا يناسبُ حالهَا؛ فإنَّ الله سبحانه حين ذَكر أصناف الحجارة قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، ولمَّا ذَكَر الطَّيرَ قال: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].\n_________\n(^١) «أعلام الحديث» للخطابي (٣/ ١٨٩٣).\n(^٢) كما في «دفاع عن السُّنَّة» لـ د. أبو شهبة (ص/٤٤).","vol":"2","page":1121},{"text":"يقول البَغوي: «مَذهب أهل السُّنة أنَّ لله عِلمًا في الجمادات وسائرِ الحيوانات سِوى العقلاء لا يَقف عليه غيره، فلها صلاةٌ وتسبيحٌ وخشيةٌ؛ كما قال جلَّ ذكره: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ... فيجِب على المرءِ الإيمان به، ويَكِلُ علمَه إلى الله تعالى» (^١).\nوما يُقال في مثل التَّسبيحِ والخَشْيةِ يُقال في السُّجود أيضًا؛ في مثل قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨].\nفقد نَصَّت هذه الآية على نسبةِ السُّجود إلى هذه المخلوقات، ومنها الشَّمس، ومَن فسَّره بأنَّه سجود مَجازيٌّ يُراد به الافتقارُ الدَّائم للرَّب ﵎، ونفوذُ مشيئته فيها، وقَصَر تفسيرَه على هذا المعنى: فإنَّ هذا التَّفسير منه باطل؛ فإنَّ هذا الوَصفَ لا تَنفكُّ عنه هذه الكائنات، بل هي في جميعِ حالاتِها ملازمةٌ للافتقار، منفعلةٌ لمشيئةِ الرَّبِ وقدرتِه (^٢).\nوالدَّلائلُ السَّابِقَةُ تدلُّ على أَنَّ السجود فِعلٌ لهذه المخلوقات -بما فيها الشَّمس- لا أنَّه اتِّصال؛ وإلَّا لمَا قسَّم السُّجود إلى طَوع وكَره، فلو كانت لا فعلَ لها، لمَا وُصِفت بطوعٍ منها ولا كُرهٍ (^٣).\nوهذا السُّجود من الشَّمس وغيرها مِن الجماداتِ، لا يَلزم منه أن يكون على هيئة سجود البَشر، بل هو خضوع منها للربِّ يُناسِب حالَها (^٤)، وهو فِعْلٌ لها يقع منها في بعضِ الأحوال، مع دوامِ افتقارِها وخضوعها للربِّ ﵎، لنفوذ مشيئته فيها.\nوكذا سجود هذه الشَّمس تحت العرش هو سجود مَخصوصٌ يُناسبها، وهذا السُّجود لا يَلزم منه سَلْب الخضوعِ والافتقارِ الدَّائم الَّذي تشترك فيه مع بقيَّة\n_________\n(^١) «معالم التنزيل» للبغوي (ص/٣٩).\n(^٢) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٨٠٩).\n(^٣) انظر «رسالة في قنوت الأشياء كلها لله» لابن تيمية (١/ ٣٤ - ٤٤ ضمن جامع الرسائل).\n(^٤) «رسالة في قنوت الأشياء كلها لله» (١/ ٤٥).","vol":"2","page":1122},{"text":"الخلق؛ فلكلِّ شيءٍ سجود يَختصُّ به يفارق غيرَه مِن المخلوقات، وسجودٌ يَشترك فيه مع غيره (^١).\nوأمَّا الشُّبهة الثالثة من دعوى (الكُرديِّ) أنَّ مِن البَدهيَّات المستقرَّة والمشاهدة: أنَّ الشَّمس مستقرَّة في مكانها، لا تذهب لعرش ولا مكانٍ آخر:\nفيُطالَب ابتداءً بتصحيحِ مُقدِّمَتيه الَّتي بَنَى عليهما بطلان الحديث؛ وذلك بالكَشْف عن وجهِ البَداهة المستقرَّة في كون الشَّمس ثابتةً لا متحرِّكة؛ كون ذلك ممَّا يشهده الحِسُّ، ودعواه أنَّ الشُّروق والغروب مِن حركة الأرض حول الشَّمس، وليس هو من فعلِ الشَّمس، واستنكر نسبةَ ذلك في الحديث إلى فعلِها في قوله ﷺ: «.. يقال لها: اِرجعي من حيث جئتِ، فتطلع من مغربها».\nفأمَّا المقدِّمة الأولى: فحَسْبُ المؤمنِ يَقينًا بالوَحيِ ما ذكره خالقُ الكونِ في كتابه وعلى لسانِ رسوله ﷺ؛ فإنَّ العَليم ﷻ قد أسندَ في كتابِه إلى الشَّمسِ ما هو أبلغ من الحركة، كالجَرْيِ والسَّبْح؛ فقال ﵎: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨]، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].\nوقد أثبتَ العِلمُ الحديث -الَّذي يتبجَّح به المعترض في تعالُمِه ذاك- هذه الحقيقة الشَّرعيَّة، فقد نَسبَ علماء الفَلك المعاصرون للشَّمسِ ثلاثَ حَركات في عدَّة مَسارات:\n١ - دورانُها حول نفسِها كما تفعلُ الأرض بنفسِ اتِّجاهِ دَورانها (^٢).\n٢ - وجريانُها حول مركز مَجرَّة (درب التَّبانة)، كما تفعل باقي النُّجوم الَّتي بداخل هذه المجرَّة (^٣).\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٨١٠).\n(^٢) ذكرت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) أن الأرض تدور بنفس اتجاه دروان الأرض، وهو المسمى بـ (دوران كارنغتون)، نسبةً إلى العالم الفلطي (ريتشارد كارنغتون)، الذي كان أول من لاحظ دوران البقع الشمسية مرةً كل ٢٧ أو ٢٨ يومًا، انظر «موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة» ليوسف الحاج (ص/٣٦٨).\n(^٣) المصدر السابق (ص/٣٦٨).","vol":"2","page":1123},{"text":"٣ - وجريانُ المجرَّة نفسِها في الفضاء الكونيِّ، فتسوق معها الشَّمسَ وأسرتَها من الكواكب الَّتي تدور حولها، والَّتي مِن ضمنِها الأرض (^١).\nفإذا أذِن الله تعالى بانتكاسِ هذا النِّظام الكونيِّ، أدَّى انعكاسُ جريانِ الشَّمس -وهو الَّذي يشير إليه حديث أبي ذرٍّ ﵁- باللُّزومِ إلى انعكاسِ دَوران الأرضِ حول مِحورِها (^٢)؛ هذا الانعكاسُ لحركةِ الأرض سيؤدِّي بدورِه إلى طلوعِ الشَّمس مِن جِهة المغرب فيما يشهده النَّاس!\nوعليه؛ فإنَّ نسبةَ الشُّروق مِن المغربِ إلى حركةِ الشَّمس هو باعتبارِ التَّأثير والسَّببيَّة، لا باعتبارِ أنَّها هي نفسُها مَن تدور حولَ الأرضِ حقيقةً كما توهَّمه المعترض مِن هذا الحديث.\nليَستبين بهذا للنَّاظر مُراغمة الطَّاعنين للضَّرورتين: النَّقليَّة، والعلميَّة الفلكيَّة، ويبطُل به تَبعًا ما أورده (رشيد رضا) مِن احتمالِ تصَرُّف الرَّاوي في ألفاظ الحديث، مع كونِه خلافَ الأصلِ في الحفَّاظ المُتقِنين، والحمد لله ربِّ العالمين.\n_________\n(^١) انظر «الموسوعة الفلكية» لـ د. زينب منصور (ص/٥٩ - ٦٠).\n(^٢) وذلك أنَّ الطَّاقة الَّتي تنفذ من الشَّمس هي القوَّة المحرِّكة، حيث تولِّد مجالًا مغناطيسيًّا يدفع الأرض للدَّوران حول محورها، هذه الحركة من الأرض تتناسب سرعةً وبطئًا مع كثافة تلك الطَّاقة الشَّمسية، وعلى هذا الأساس يعتمد الفلكيُّون في وضعِ واتِّجاه القطب الشَّمالي المغناطيسي، انظر لمزيد تفصيل «موسوعة الأفلاك والأوقات» لخليل الكيرنوري (ص/٦٧).","vol":"2","page":1124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>المَبحث الحادي عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث الدَّالةِ على أنَّ شِدَّة الحرِّ والبردِ مِن جهنَّم</span>","vol":"2","page":1125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>المَطلب الأوَّل\nسوق الأحاديث الدَّالةِ على أنَّ شِدَّة الحرِّ والبردِ مِن جهنَّم</span>\nعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ: «اشتكت النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ أكل بعضي بعضًا، فَأَذِن لها بِنَفَسينِ: نَفَس في الشتاء، ونفَس في الصَّيف؛ فهو أَشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشدُّ ما تجدون من الزَّمهرير» متَّفق عليه (^١).\nوفي روايةٍ لمسلم: «فأَذِن لها في كلِّ عام بِنَفَسَين: نَفَسٍ في الشِّتاء، ونَفَسٍ في الصَّيف» (^٢).\nوعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: أَذَّن مُؤذِّنُ رسول الله ﷺ بالظُّهر، فقال النبي ﷺ: «أَبْرِدْ (^٣) أَبْرِدْ»، أو قال: «انْتظِر انْتظِرْ»، وقال: «إنَّ شِدَّة الحَرِّ مِن فيح (^٤) جَهَنَّم؛ فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصَّلاة» متَّفق عليه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر، رقم: ٥٣٧)، ومسلم في (ك: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الإبراد بالظهر، رقم: ٦١٧).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) أَبْرِد: أي أَخِّر إلى أن يبرد الوقت، انظر «فتح الباري» (٢/ ١٦).\n(^٤) فيح جهنم: أي من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح أي متسَّع، وهذا كناية عن شدة استعارها، انظر «فتح الباري» (٢/ ١٧).\n(^٥) رواه البخاري (ك: مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر، رقم: ٥٣٥)، ومسلم في (ك: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الإبراد بالظهر، رقم: ٦١٦).","vol":"2","page":1127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ\nعلى الأَحاديثِ الدَّالة على أنَّ شدَّة الحرِّ والبرد مِن جهنَّم</span>\nمَدار شبهة الطَّاعنن في دلالةِ هذه الأحاديثِ تدور على ثلاثة أمور:\nالأوَّل: دعواهم أنَّ هذه الأحاديث تناكد ما دلَّت عليه الحقيقة العلميَّة الَّتي تقضي أنَّ سبب الحرِّ وشدَّته وكذا البرد: يعود إلى أنَّها مِن الظَّواهر الطبيعيَّة الَّتي تتعلَّق باقترابِ أو ابتعادِ الأرض مِن الشَّمس، فلا علاقة للبرد والحرِّ بسببٍ غيبيٍّ لا يمكن إدراكه ولا تفسيره.\nالأمر الثَّاني: أنَّ حديث أبي هريرة يصوِّر الأرضَ بأنَّها لا يجتمع فيها فَصْلان، فهي ذات جوٍّ واحدٍ؛ إمَّا صيف، أو شتاء، وهذا خلاف الضَّرورية الحسيَّة.\nالأمر الثَّالث: أنَّ قَبول هذه الأحاديث يلزم منه مخالفة الضَّرورة العقليَّة بامتناع اجتماع النَّقيضين، إذ كيف يصحُّ أن يتصوَّر عن النَّار نَفَسٌ يخالف طبيعتها؟!\nوفي تقرير الشُّبهتين الأولَيْين، يقول (إسماعيل الكرديُّ):\n«هناك حديث يُروى عن عدَّةٍ من الصَّحابة أنَّه ﷺ قال: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا عن الصَّلاة، فإن شدَّة الحرِّ مِن فيحِ جهنَّم»، وهذا سياق لا إشكال في معناه؛ إذْ يُحمل على أنَّ شدَّة الحرِّ من نَمَط، أو مِن جنس حَرِّ جهنَّم.","vol":"2","page":1128},{"text":"لكن حديث أبي هريرة اَّلذي ذكرناه لا يتحمَّل هذا التَّفسير؛ بل هو صريح في نسبة حَرِّ الصَّيف وبرد الشِّتاء إلى نَفَسَي جهنَّم بالتَّحديد ... فهذا السِّياق مَعْلولٌ بمخالفته الصَّريحة للعلم الَّذي أَثبت -بما أصبح الآن مِن البديهيَّات في علم الجغرافيا- أنَّ سبب الحرِّ واشتدادِه، وسبب البرد وشدته: إنَّما هو عوامل جغرافيَّة وجويَّة؛ مثل: درجة عموديَّة أو ميل الشَّمس على المنطقة، وبُعْد وقُرْب المنطقة من سطح الأرض إلى قُرْصِ الشَّمس.\nثمَّ إنَّه لا يوجد جَوٌّ واحد في الأرض؛ بل في كلِّ وقتٍ توجد على أَجزاء مختلفة مِن الأرض درجاتُ حرارة متفاوتة، مِن أقصى البرودة لأقصى الحرِّ؛ حسب الموقع الجغرافيِّ للمنطقة.\nفسياق رواية أبي هريرة للحديث تتعارض مع العلم، وحتَّى مع المحسوس؛ لأنَّ روايته تصوِّر أنَّ الأرض كلَّها ذات جَوٍّ واحد؛ إمَّا صيف .. أو شتاء .. هذا في حين أنَّ الأرض تشتمل على الفصلين معًا في الوقت، فعندما يكون نصف الكرة الشَّمالي في أشدِّ برد الشِّتاء، يكون نصفها الجنوبيُّ في أحرِّ الصَّيف، والعكس بالعكس» (^١).\nوفي تقرير الشُّبهة الثَّالثة يقول (ابن قرناس): «النَّار مصدر للحرارة، كما الشَّمس الَّتي هي عبارة عن كرَّة عملاقة ملتهبة، ولا يمكن أن يصدر منها برد، ولذلك فإنَّ أهل الجنَّة لن يروا الشَّمس كمصدر للحرارة، ولن يصيبهم برد برغم عدم وجود الشَّمس كمصدر للحرارة ..» (^٢).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢٨٢ - ٢٨٣).\n(^٢) «الحديث والقرآن» (ص/١٢٤).","vol":"2","page":1129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المَطلب الثَّالث\nدفع دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن الأَحاديث الدَّالة على أنَّ شدَّة الحرِّ والبرد مِن جهنَّم</span>\nتمهيد:\nتُدار المسائل الَّتي انطوى عليها هذان الحديثان في قضيَّتين:\nالقضيَّة الأولى: بيان معنى كون شدَّة البرد والحرِّ مِن جهنَّم؛ والقضيَّة الثَّانية: بيان معنى شكوى النَّار إلى ربِّها.\nفإذا حُقِّق القول في هاتين القضيَّتين، انجلت تلك المعارضات على الحديث عن زيفِها.\nفأمَّا القضيَّة الأولى:\nفقد اختلف أهل العِلم في معنى كونِ شدَّة البرد والحَرِّ مِن جهنَّم على قوليْن مِن حيث حمل الحديث على الحقيقة أو المجاز:\nالقول الأوَّل: أنَّ شدَّة البرد والحرِّ الحاصلين في الأرض مِن جَهنَّم حقيقةً.\nالقول الثَّاني: أنَّ ذلك مِن مجازِ التَّشبيه؛ أي: كأنَّ الزَّمهرير وشدَّة الحرِّ مِن جَهَنَّم، فاحذروه واجتنبوا ضررَه، وكذا يُقال في شدَّة البرد.","vol":"2","page":1130},{"text":"فأمَّا القول الأوَّل: فذهب إليه جَمْهرةٌ مِن المُحقِّقين (^١)، منهم القاضي عياض، حيث قال: «اختُلِف في معنى قوله ﷺ: «اشتكت النَّار إلى ربها ..» الحديث، وقولِهِ: «.. فإنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم»، فحمَله بعضهم على ظاهره، وقال: شكواها حقيقة، [و] (^٢) أنَّ شدَّة الحرِّ من وهَج جهنَّم حقيقةً؛ على ما جاء ما في الحديث، وأنَّ الله أَذِن لها بنفَسَين: نَفَسٍ في الَّصيف، ونَفَسٍ في الشِّتاء ... وقيل: إنَّه كلام خَرَج مخرج التَّشبيه والتَّقريب ... وكِلا الوَجهين (^٣) ظاهر، والأوَّل أَظهر، وحمْلُه على الحقيقة أوْلى» (^٤).\nوقال النَّووي بعد نقلِه كلام القاضي عياض موافقًا له: «الصَّواب الأوَّل؛ لأنَّه ظاهر الحديث، ولا مانع مِن حملِه على حقيقتِه، فوَجب الحكم بأنَّه على ظاهره والله أعلم» (^٥).\nوأمَّا القول الثَّاني: فمِمَّن ذهب إليه: ابن الأثير (^٦)، واحتملَه الخَطَّابيُّ وجهًا في معنى الحديث (^٧)، وهو مَذهب القَرَضاوي مِن المعاصرين (^٨).\nوالرَّاجح بادئ الرَّأي من القولين، ما ذهب إليه أَصحاب القول الأوَّل مِن حَمْلِ الحديث على الحقيقة، إذ المَصير إلى الأصل الظَّأهر هو الأقوى مِن جهة\n_________\n(^١) انظر «التمهيد» لابن عبد البر (١/ ٢٦٣)، و«إكمال المعلم» للقاضي عياض (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣)، و«المسالك شرح موطأ مالك» لابن العربي (١/ ٤٥٦)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (٥/ ١٢٠)، و«المفهم» للقرطبي (٢/ ٢٤٤)، و«فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٢٤٤)، و«فتح الباري» لابن حجر (٢/ ١٧)، و«فيض القدير» للمناوي (٧/ ١٠).\n(^٢) ما بين المعقوفتين زيادة ليستقيم بها الكلام.\n(^٣) يعني الحقيقة والمجاز.\n(^٤) «إكمال المعلم» (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣).\n(^٥) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٥/ ١٢٠).\n(^٦) «النهاية في غريب الحديث» (٣/ ٤٨٤).\n(^٧) وليس كما نسبه إليه ابن الملِك الحنفي في «مبارق الأزهار» (١/ ٣٠٢) أن المجاز مذهبه في الحديث، إنَّما جعَلَ الخطابيُّ هذا المجاز وجهًا في معنى الحديث، مع إيراده للوجه الآخر في كونه حقيقة، ولم يرجِّح بينهما، كما تراه في كتابه «معالم السُّنن» (١/ ١٢٩).\n(^٨) «كيف نتعامل مع السنة النبوية» (ص/١٧٨).","vol":"2","page":1131},{"text":"النَّظر، خصوصًا مع شهادة الرِّوايات بعضها لبعض وتعاضدها في نسبةِ شدَّة الحرِّ والبرد إلى جهنَّم نفسِها؛ وسيأتي بسط القرائن المرجِّحة لهذا القول حين التَّعرُّض للقضية الثَّانية التَّالية.\nوأمَّا القضيَّة الثَّانية: في بيان معنى إذن الرَّب تعالى لها بنَفَسين.\nوهذه القضيَّة قد انسحب عليها خلاف أهل العلم -تَبعًا للقضيَّة الأولى- على قولين:\nالقول الأوَّل: حَمل اللَّفظ على حقيقته، وأنَّ النَّفَسَ المضاف إليها هو تنفُّس حقيقيٌّ يناسب خِلْقتها: والقائلون بهذا القول قد تقدَّم الإشارة إليهم، وسيأتي النَّقل عن بعضهم.\nالقول الثَّاني: أَنَّ تنفُّس النَّار -وكذا شكواها (^١)\n- مجاز لا حقيقة؛ فنَفَسُها هو كناية عن الحرِّ والبرد في ابتدائِه، وامتِدادِه، وقوَّتِه، وضَعْفِهِ (^٢): وممَّن ذهب إلى هذا القول: البَيضاوي (^٣)، وابن الجوزي، بل جعَلَ هذه الكنايةَ «مِن أَحسنِ التَّشبيه» (^٤).\nوالَّذي يَظْهر رجحانُه -مِن جهةِ النَّظر- هو القول الأوَّل أيضًا؛ لأنَّ الأصل حمل الكلامِ على الحقيقةِ عندِ انتفاءِ القرائنِ النَّاقلة إلى المجاز؛ خصوصًا أنَّ الحديث خبَرٌ عن أَمر مُغيَّب لا يقع للحسِّ إدراكه ليصحَّ القول إنَّ قرينة المعايَنَة تَصرف الخطابَ مِن الحقيقة إلى المجاز.\nفلا مانعَ يمنع مِن إجراءِ الحديثِ على ظاهرِه؛ لصلاحيةِ قُدرة الرَّب لذلك، فضلًا عن قصْر النَّفَسِ على نَفَسَين اثنين فقط: كلُّ ذلك حارسٌ مِن توهمِّ جَرَيان\n_________\n(^١) أي أن الشكوى بلسان حالها لا مقالها، على جهة التوسُّع في الاستعمال، كما قال الشاعر:\nشكا إليَّ جملي طول السُّرى *** صَبْرٌ جميل فكلانا مُبتلى\n\nوكقول العرب: قالت السَّماء فهطلت، وانظر: «التمهيد» (١/ ٢٧٣)، و«المفهم» (٢/ ٢٤٤).\n(^٢) انظر «كشف مشكل الصحيحين» لابن الجوزي (٣/ ٣٧٠).\n(^٣) كما في كتابه «تحفة الأبرار» (١/ ٢٣٧).\n(^٤) «كشف مشكل الصحيحين» (٣/ ٣٧٠).","vol":"2","page":1132},{"text":"الخَبر على غيرِ ظاهرِه الحقيقيِّ؛ وذلك ممَّا يُضعِف جانبَ القولِ بالمجازِ؛ لخروجِه عن المألوفِ في استعمالِه (^١).\nيقول الكوراني (ت ٨٩٣) (^٢) في معرضِ استنكاره المجازَ في هذا الحديث: «قد تقرَّر في علم الكلام أنَّ قدرتَه تعالى نسبتُها إلى كلِّ الممكنات على السَّواء؛ فأيُّ وجهٍ لصرفٍ الكلامٍ عن الحقيقة والمعنى الجِزْل الدَّال على كمال القدرةِ إلى تلفيقِ التَّأويلات الرَّكيكة؟! وإنَّما يُصرف الكلام عن ظاهره إذا لم يستقم، أو كان في الصَّرف نكتةٌ» (^٣).\nفلِما سَبق ذكرُه مِن قرائنِ، يكون القول بإجراء الحديث على ظاهرِه أَسعد القولين بالصَّواب، وأعضدهما لعمومِ الخِطاب.\nولَئِن كان هذا الظَّاهر قد تَعسَّر على المعترض تقبُّله من الحديث، واحتجب عقله عن إدراك دلائله، أفلا كان الأَوْلى له ارتسام مسلكِ التَّأويل له، واتِّباعِ مَن قال بالمَجاز فيه مِن أولي العلمِ، ليتوافقَ الحديث مع ما يظنُّه بدَهيَّات بدل الطَّعنِ فيه؟!\nوبعد؛ فقد آن الشُّروع في دفع ما سَبق سَوقه مِن دعاوي المعارضاتِ عن هذا الحديث، فنقول في الجواب عن:\nالشُّبهة الأولى: وهي دعواهم أنَّ هذه الأَحاديث تخالف الحقيقة العلميَّة الَّتي تقضي أنَّ سبب الحرِّ وشدَّته وكذا البرد: متعلَّق باقترابِ أو ابتعادِ الأرض مِن الشَّمس، وبنحوِ ذلك مِن الظَّواهر الطبيعيَّة، فيُقال:\nإنَّ هذه الأَحاديث خَبَرٌ مِن النَّبي ﷺ المُوحَى إليه مِن مالِك الحقيقةِ وخالِقِ الكونِ ونظامه، ﷾، وما ساقه الطَّاعنون ممَّا تقرَّر في علوم الأحوالِ الجويَّة\n_________\n(^١) انظر «الاستذكار» لابن عبد البر (١/ ١٠٢)، و«فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٢٤٤)، و«فتح الباري» لابن حجر (٢/ ١٧).\n(^٢) أحمد بن إسماعيل بن عثمان الكوراني: مُفسر ومحدث حنفي، كردي الأصل، من أهل شهرزور، تعلم بمصر رحل إلى بلاد الترك فعهد إليه السلطان مراد بن عثمان بتعليم وليّ عهده (محمد الفاتح)، وولي القضاء في أيام الفاتح، وتوفي بالقسطنطينية، وصلى عليه السلطان بايزيد، له كتب منها «غاية الأماني في تفسير السبع المثاني»، انظر «الطبقات السنية» للغزي (ص/٨٢).\n(^٣) «الكوثر الجاري» للكوراني (٢/ ٢١٢).","vol":"2","page":1133},{"text":"والفَلَك وغيرها: هو خَبَرٌ عمَّن يبحث عن الحقيقة؛ وقد يصيبها، وقد يخطِئها، ومنهَج العقل يَقضي بتقديم خبر مالِك الحقيقة وخالقها على خبرِ مَن يبحث عنها ولا يملكها.\nفالعقل المَهْديُّ يَعْلمُ يقينًا -بعد تحقُّقه مِن صحَّة ثبوتِ الخبرِ إلى النَّبي ﷺ- أنَّه لا يمكن أن يقع ما نطق به الوحي معارضًا للحقيقة الحِسيَّة؛ فإن الحقَّ لا يتناقض، وإن كان في الحقِّ ما قد يُحار فيه! لِضَعْفِ مُدْركاتِنا عن الإحاطةِ بكلِّ حقيقة (^١)؛ فهذا ابتداءً مِن جِهة التَّأصيل.\nومع ما قد سلَف التَّنبيه عليه في مبحث «إشكالية الاستشكال المعاصر» مِن «التمهيد»: من أنَّ المعارف البشريَّة عن الطَّبيعة بإطلاقها لا تُمثِّل المَرجعيَّة النِّهائية عن الكون وما فيه؛ فالتَّراكميَّة والنِّسبيَّة تكتنفان كثيرًا مِن معارفِ البَشر، الَّتي ترتكز على وسائل تخضع للتَّجدد والتَّطور، حتَّى يُحيلا ما ظُنَّ قَبلُ حقائقَ إلى كونِها لا تعدو أن تكون نظريَّاتٍ، فضلًا عن أن تكون فرضيَّات.\nوعلى فرضِ التَّسليم بصحَّة التَّعليلِ الفلَكي الَّذي يطرحه أرباب الاختصاص تفسيرًا منهم لظاهِرَتي الحرارة والبرودة المُفرِطَتين على وجه الأرض: فإنَّ غايةَ ما يُقال هنا: إثباتُ أنَّ الشَّمس سببٌ ظاهرٌ لحصولِ مطلقِ الحرارةِ والبرودةِ على سطحِ الأرضِ، ولا يلزم مِن إثبات ذلك نَفْيُ أن تُعلَّل ظاهرة شدَّة البردِ والحرِّ بالسَّبب الغيبيِّ الَّذي أَخبر به الصَّادق المصدوق ﷺ؛ فإنَّ خبره قد جاء في خصوصِ شدَّةِ الحرِّ والبرد، لا عن مطلق الحرِّ والبرد! ولا تعارض بين السَّبَبَين الخاصِّ والعامِّ.\nثمَّ لا مانع أمامَنا مِن القول بأن تكون الشَّمس مِن النَّار وطاقتها مُستمدَّة منها، فتكون حرارة الصَّيف مِن الشَّمس، وحرارة الشَّمس مكتسبة مِن النَّار وآتية لها منها (^٢).\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٧٩٤).\n(^٢) انظر «مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها» للقصيمي (ص/٧٧).","vol":"2","page":1134},{"text":"يقول الكشميريُّ (ت ١٣٥٣ هـ): «تفصيل المقام: أنَّ الأسباب إمَّا ظاهرة أو معنويَّة، والأولى معلومة بالحسِّ والمشاهدة لا حاجة إلى التَّنبيه عليها، وإنَّما تدلُّ الشَّريعة على أسباب معنويَّة غير مُدركَة بالحسِّ، وهو الَّذي يليق بشأنها، فدلَّت على أنَّ معدِن الخير والسُّرور كلِّها هو الجنَّة، ومعدن المهالك والشُّرور كلِّها هو جهنَّم، فالخِزانة هي في الجنَّة والنَّار، وهذه الدَّار مُركبَّة مِن أشياء المعدنين، وليست بخزانة في نفسِها، فالحرارة وإن كانت في النَّظر الحسِّي مِن أجل الشَّمس، إلَّا أنَّها في النَّظر الغيبيِّ كلِّها مِن معدنها، فإذا رأيتهما أينما كان فهي من معدِنها» (^١).\nوأمَّا الجواب عن الشُّبهة الثَّانية: من دعواهم أنَّ الحديث يُصوِّر الأرضَ أنَّها ذات جوٍّ واحدٍ إمَّا صيف أو شتاء .. إلخ، فيُقال فيه:\nليس ذلك ظاهر الحديث كما تَوهم المُدَّعي، فالحديث دَلَّ على أنَّ لجهنَّم نَفَسَيْن في العام؛ وهذا ثابتٌ في نفسِه، وبالنِّسبة للمُخاطب بالحديث يكون أحد هذين النَّفَسَين في الصَّيف، والآخر في الشِّتاء، وما يحصل مِن الاختلافِ والتَّعاقب بين هذين الفَصْلين بالنِّسبة للكرة الأرضيَّة عند النَّاس لا يقدح في دلالة الحديث؛ لأنَّ تنوُّع النِّسب والإضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه (^٢).\nوللكشميريِّ زيادة مفيدة في جواب هذا الإشكالِ يقول فيها:\n«إن قُلتَ: إنَّ الصَّيف والشِّتاء إذا دارا على النَّفَسَين، فينبغي ألَّا يكون شتاءٌ عند نَفَس الصَّيف، وبالعكس، مع أنَّهما يجتمعان في زمن واحدٍ باعتبار اختلاف البلاد.\nقلتُ: ولعلَّ تنفُّسها بحرِّها مِن جانب وإرسالها إلى الآخر، فإذا تنفَّسَ من جانبٍ صار شتاءً، وإلى جانب صار صيفًا؛ ولعلَّ الحرَّ والبرد كيفيَّتان لا تتلاشيان أصلًا، بل إذا غلب الحرُّ دَفَعَ القَرَّ إلى باطن الأرض، وإذا غلَب القَرُّ دَفَع الحرَّ\n_________\n(^١) «فيض الباري» (٢/ ١٤١ - ١٤٢).\n(^٢) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٧٩٥ - ٧٩٦).","vol":"2","page":1135},{"text":"إلى باطنِها، لا أنَّ إحدى الكَفَّتَين تنعدم عند ظهور الأخرى، وهذا كما في الفلسفة الجديدة: أنَّ الحركات كلَّها لا تفنى، بل تنتقل إلى الحرارة ..» (^١).\nوأمَّا الجواب عن الشُّبهة الثَّالثة: وهي دعواهم باستحالةِ صدور شدَّة البردِ مِن جهنَّم؛ لكون ذلك مخالفًا لطبيعتِها؛ وإلَّا للزم الوقوع في التَّناقض، فيُقال فيه:\nإنَّ ذلكَ يَصحُّ لو كانت النَّار الأخرويَّة نَمَطًا وشكلًا واحدًا كنار الدُّنيا، أَما مع اختلافهما فلَا، فنار الآخرة نار تتكلَّم وتغضب، دار أَعدَّها الله تعالى للعقاب، وهي دَرَكات وطبقات، قد حَوَت صنوفًا مِن العذاب الأليم، فلا يبعُد أن تكون شدَّة البرد مُنبعثةً مِن طبقةٍ زَمهريريَّةٍ مِن طبقات جهنَّم (^٢)، فلا تناقض حينئذٍ.\nوفيما سَبَق قريبًا من نصِّ الكشميريِّ نوعُ جوابٍ عن هذا الإشكال لِمن تأمَّله! فإنَّ شدَّة الحرِّ الَّتي يسبِّبها نَفَس جهنَّم في شطرِ الأرض، هو المُتسبِّب في شدَّة بردِها في شطرها الآخر، من جِهة دفعِ هذا لهذا، والله تعالى أعلم.\nوالَّذي ينبغي أن يُعلم على كلِّ حال، أنَّ مثار الغَلَط في هذه الدَّعوى يكمن في القياس الفاسد، الَّذي جعل من الواقع المشاهد معيارًا للحكم على الغائب وأَصلًا يُردُّ إليه، ولو مع تحقُّق الاختلاف بين الأصل والفرع! والله الهادي.\n_________\n(^١) «فيض الباري» (٢/ ١٤٢).\n(^٢) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ١٩).","vol":"2","page":1136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>المَبحث الثَّاني عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث عذاب القبرِ ونَعيمِه</span>","vol":"2","page":1137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>المَطلب الأوَّل\nسَوْق أحاديث عذابِ القبرِ ونعيمِه</span>\nعن البراء بن عازب ﵁ عن أبي أيوب ﵃ قال: خَرجَ النبيُّ ﷺ وقد وَجَبَتِ الشَّمسُ (^١)، فَسَمِع صوتًا، فقال: «يَهُودُ تُعذَّبُ في قُبورها» متَّفق عليه (^٢).\nوعن أنس بن مالك ﵁ أنَّه حدَّثَهم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّ العبدَ إذَا وُضِعَ في قَبرِهِ، وتَولَّى عنه أصحابه، وإنَّه لَيَسْمَعُ قَرعَ نِعَالِهم: أَتَاهُ مَلَكَان فَيُقْعِدَانِهِ، فيقولانِ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ لمحمَّد ﷺ؟ فأمَّا المؤمنُ فَيقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُوله، فيُقالُ له: انْظُرْ إِلى مَقْعَدِكَ مِن النَّارِ، قَد أَبْدَلَكَ اللهُ بهِ مَقْعَدًا مِن الجَنَّةِ، .. فيراهما جميعًا»، قال قتادةُ: وذُكِرَ لنا أَنَّه يُفْسَحُ في قَبْرِهِ، ثُمَّ رَجَع إلى حديث أنس ﵁ قال: «وأَمَّا المنافقُ والكَافِرُ فَيُقال له: ما كنتَ تَقولُ في هذا الرَّجُلِ؛ فيقولُ: لا أَدْري، كُنتُ أَقولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيُقال: لا دَرَيتَ ولا تَليتَ (^٣)! ويُضْرَبُ بِمَطَارقَ مِن حَديدٍ ضَرْبَةً، فَيصيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها مَن يَليهِ غَيرَ الثَّقَلينِ» متَّفق عليه (^٤).\n_________\n(^١) وَجبت الشمس: سَقطَت مع المغيب، انظر «النهاية» لابن الأثير (٥/ ١٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: التعوُّذ من عذاب القبر، رقم: ١٣٧٥)، ومسلم في (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت في الجنة أو النَّار عليه ..، رقم: ٢٨٦٩).\n(^٣) ولا تليت: أي ما استطعت، وقيل: إنها إتباع ولا معنى لها، والأوَّل رجحه ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٢٣٩).\n(^٤) أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر، رقم: ١٣٧٤)، ومسلم مختصرًا في (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت في الجنة أو النَّار عليه ..، رقم: ٢٨٧٠)، واللفظ للبخاري.","vol":"2","page":1139},{"text":"وعن ابن عبَّاس ﵁ قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ بِقَبْرينِ فقال: «إنَّهُما لَيُعذَّبَانِ، ومَا يُعذَّبَان في كبيرٍ» (^١)، ثُمَّ قال: «بلى، أمَّا أَحدُهُما فكانَ يَسْعَى بالنَّمِيمَةِ، وأمَّا الآخر لا يَسْتَتِرُ من بَوْلِهِ»، ثمَّ أخَذَ عودًا رطبًا فكسَرَه باثْنتين ثمَّ غَرَزَ كُلُّ واحد منهما على قَبْرٍ، ثُمَّ قال: «لَعَلَّهُ يُخفَّفُ عَنْهُما مَا لم يَيْبِسا» متَّفق عليه (^٢).\nعن أبي هريرة ﵁ قال: كان الرَّسولُ ﷺ يدْعو: «اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُّ بك مِن عَذاب القَبْر، ومن عَذابِ النَّارِ، ومن فِتْنَةِ المَحيا والممات (^٣)، ومِن فتنة المسيح الدَّجال»، متَّفق عليه (^٤).\nوعن عائشةَ ﵁: أَنَّ يهوديةً دَخَلت عليها، فَذَكَرَت عَذابَ القَبرِ، فقالت لها: أَعاذَكِ اللهُ مِنْ عذابِ القَبْرِ، فَسَأْلَت عائشةُ رسولَ الله ﷺ عن عذَابِ القَبرِ، فقالَ: «نَعم، عذاب القبر حقٌّ»، قالت عائشة ﵂: «فما رَأيتُ رسولَ الله ﷺ بعدُ صَلَّى صَلاةً إلَاّ تعوَّذَ مِن عَذَابِ القَبر». أخرجه البخاري (^٥).\n_________\n(^١) اختُلف في تأويل قوله ﷺ «وما يُعذَّبان في كبير» على أقاويل، لعلَّ أقربها الَّذي يدلُّ عليه السِّياق هو أنَّ معناه: ليس بكبير عندهما، وهو عند الله كبير، فهو كبير في الذُّنوب، انظر «الفتح» لابن حجر (١/ ٣١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر، رقم:١٣٧٨)، ومسلم في (ك: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول وجوب الاستبراء منه، رقم: ٢٩٢).\n(^٣) فتنة المحيا: ما يعرض للمرء مدة حياته من الافتتان بالدُّنيا وشهواتها، وفتنة الممات: ما يُفتن به بعد الموت، انظر «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٣١٩).\n(^٤) أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: التعوُّذ من عذاب القبر، رقم:١٣٧٧)، ومسلم في (ك: المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يُستعاذ منه في الصلاة، رقم: ٥٨٨).\n(^٥) أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر، رقم: ١٣٧٢).","vol":"2","page":1140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nلأحاديث عذابِ القبرِ ونعيمه</span>\nمِمَّا استندَ إليه المُبطِلون لأخبار هذا الباب مجموع ضَرورتين لا يُمكن دفعُهما: الضَّرورة العقليَّة، والضَّرورة الحِسيَّة (^١).\nفأمَّا الضَّرورة الأولى: فإنَّه مِن المُحال عقلًا بعد موتِ الإنسان وتوسيدِه الثَّرى، وصيرورته إلى جثَّةٍ هامدةٍ لا حياة فيها: أن يشعر بالعذاب أو النَّعيم في قبره، أو أن تقع المساءلة والخطاب له؛ إذْ شرْطُ ذلك الحياةُ، والحياةُ زالت بزوالِ الرُّوحِ، والبنْيةُ قد انتَقَضت؛ فامتنعَ عقلًا ما ذُكِر في تلك الأحاديث.\nيقول (حسن التُّرابي) في تقريرِ هذا الاعتراض: «هناك أفكار مُتخلِّفة .. مثلًا هناك مَن يقول بمُنكرٍ ونكير، وعذابٍ داخلَ القبر، وهذا غير صحيح! والإنسان حينما يموت تصعد روحه لله ﷾، أمَّا الجسد فيَتآكل وينتهي، لا يُبعَث مرَّة أخرى» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٥٢٦).\n(^٢) نقلًا عن «سلسلة الدراسات الفكرية» (ص/٦)، إعداد الأمانة العامة لهيئة علماء السودان، العدد السَّادس، ١١ شوال ١٤٢٧ هـ الموافق ١ نوفبر ٢٠٠٦ م، نقلًا عن «الاتجاه العلماني المعاصر» (ص/٤٩١).","vol":"2","page":1141},{"text":"ويقول (نيازي عزُّ الدِّين): «الحياة أساس مِن أجلِ تواجد الألَم، والموت إيقاف له، ولذلك يقول لنا الله تعالى في القرآن لعلمه هذه الحقائق: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠]، فلا الميِّت قادرٌ على السَّمع، ولا الَّذي فقد حاسَّة السَّمع، كلاهما لا يَسمع، ثمَّ نحن نقول: لا؛ بل إنَّ الميِّت يسمع أصواتَ نعالِهم؟! .. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣]، الله يقول: (لا يموت فيها) حتَّى يُبقيه في العذاب الدَّائم، لأنَّه إن ماتَ تَوقَّف العذاب ..» (^١).\nأمَّا الضَّرورة الأخرى: فيقولون: أنَّنا بعد طول التَّجاربِ نكشِفُ عن القَبْر، فلا نجدُ ملائكةً يضربون بمطارق من حديد، ولا نرى فيه حيَّاتٍ، ولا ثعابينَ، ولا نيرانًا، بل نرى أجسادًا باليةً، أو عِظامًا نَخِرَةً، بل لو كشفنا عنه في كلِّ حالةٍ، لوجدْناه فيه لم يذهبْ ولم يتغيَّر عن حالته السَّابقة.\nفكيف يصِحُّ بعد ذلك الزَّعمُ بأنَّ الميت يُقْعَدُ في قبره؟ مع كوننا لو وضعْنا زِئْبَقًا بين عينيه، أو دُخنًا (^٢) على صدره، وأتيناه بعد بُرهة مِن الزَّمن؛ لَمَا تَغيَّر زِئْبَقٌ ولا دُخْنٌ عن وضْعِهما! ثمَّ إنَّا نفتح القَبْر فنجدُ لحْدًا ضيِّقًا على قدْرِ ما حفرْناهُ؛ فكيف تزعمون أنَّ القَبْر يتَّسع له وللمَلكين السَّائلين له؟! (^٣)\n_________\n(^١) «دين السلطان» (ص/٩٢٣).\n(^٢) الدُّخن: نَبَات عشبي أسود، حبُّه صَغِير أملس كحب السِّمسم، ينْبُت بريًّا ومزروعًا، انظر «المعجم الوسيط» (١/ ٢٧٦)\n(^٣) انظر «التذكرة» للقرطبي (ص/٣٧١).","vol":"2","page":1142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ دعاوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن أحاديث عذاب القبرِ ونعيمه</span>\nلقد دلَّت الأحاديث المُساقَة السَّابقة على ثبوتِ فتنةِ البَرْزَخ (^١)، وأنَّ في القَبْر عذابًا ونعيمًا للميِّت بِحَسَبِ عملِه، وذلك مُقتضى عدلِ المولى ﵎، وموجبِ أسمائه وكماله، أنْ يُنعِّم أرواحَ وأبدَانَ أوليائه، ويُعذِّبَ أرواحَ وأبدان أعدائه؛ فيُذيقَ بدَنَ المطيع له وروحَه مِن أنواع النَّعيم ما يَليق به، ويُذيقَ بَدَنَ الفاجِر والعاصي له ورُوحَه ما يناسبه (^٢).\nوقد نصَّ الأئمَّةُ على تواترِ الأحاديث في إثباتِ عذابِ القَبْرِ ونعيمِه، ومُساءَلةِ مُنكَر ونكير، وتَظاهُرِها عنه ﷺ، بل وانعقد إجماعُهم على ما حَوَته مِن أخبار.\n_________\n(^١) البَرْزَخ في اللغة: الحاجزُ والحدُّ بين الشيئَيْنِ، كما في «مقاييس اللغة» لابن فارس (١/ ٢٣٣)، وأمَّا عند أهل الاصطلاحِ: فهو اسمُ ما بينَ الدنيا والآخرة؛ من وقْتِ الموتِ إلى البعث، وقد ينوب عنه لفظ (القبر) فيُقال: عذاب القبر ونعيمه: من باب الأغلب، إذْ قد يموت إنسانٌ ولا يُدفَن في المقابر؛ بِأَنْ تأكلَه السباعُ، أو يُصلَب .. إلخ، انظر «الرُّوح» لابن القيِّم (ص/٥٨).\n(^٢) انظر «الرُّوح» لابن القيِّم (ص/٧٤).","vol":"2","page":1143},{"text":"يقول ابن العَطَّار (^١): «إثباتُ عذاب القبر هو مَذهب أهل السُّنة، وهو ممَّا يجب اعتقاد حقيقتِه، وهو ممَّا نقلته الأمَّة متواترًا» (^٢).\nوقال ابن عبد البرِّ: «ليس مِن أئمَّة المسلمين وفقهائهم، وحمَلَة الآثار منهم مِن الصَّحابة والتَّابعين ومَنْ بعدهم: أحدٌ يُنكِرُ فتنةَ القَبْر، فلا وجْهَ للاشتغالِ بأقاويلِ أهل البِدَع والأهواءِ المُضِلَّةِ» (^٣).\nويقول ابن القطَّان الفاسيُّ: «أجمع أهل الإسلام مِن أهل السُّنة على أنَّ عذاب القبر حقٌّ، وعلى أنَّ مُنكرًا ونكيرًا مَلَكيْ القبر حقٌّ، وعلى أنَّ النَّاس يُفتنون في قبورهم بعدما يُحيون فيها ..» (^٤).\nحتَّى المعتزلة -مُراغِمو السُّنَنِ بالعَقليَّات- مُجمِعون على الإقرارِ بعذابِ القبرِ إلَّا النَّادر! ترى إقرارهم في ما نصَّ عليه مُقدَّمُهم عبد الجبَّار الهمدانيُّ (ت ٤١٥ هـ) بقولِه: «فصلٌ في عذاب القبر: وجملة ذلك أنَّه لا خلاف فيه بين الأمَّة، إلَّا شيء يُنقَل عن ضرار بن عمرو (^٥)، وكان مِن أصحاب المعتزلة، ثمَّ التحقَ بالمُجبِّرة، ولهذا ترى ابن الرَّاوندي يُشنِّع علينا، ويقول: إنَّ المعتزلة يُنكرون عذابَ القبر، ولا يقرُّون به! ..» (^٦).\n_________\n(^١) هو علي بن إبراهيم بن داود، علاء الدين، أبو الحسن العطَّار الدمشقي الشَّافِعي، إمام حافظٌ زاهد، تتلمذ على النَّووي وتخرَّج به، من تآليفه «تحفة الطالبين في ترجمة الإمام النَّووي»، و«حكم صوم رجب وشعبان»، توفي سنة (٧٢٤ هـ)، انظر «معجم الشيوخ الكبير» للذهبي (٢/ ٧)، و«الأعلام» للزركلي (٤/ ٢٥١).\n(^٢) «العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام» لابن العطار (١/ ١٣٩)، وانظر الحكم على أحاديث عذاب القبر ونعيمه بالتواتر: عند ابن القيم في «الروح» (ص/٥٢)، والسيوطي في «شرح الصدور» (ص/١٢١)، والكتاني في «نظم المتناثر» (ص/١٢٣).\n(^٣) «الأجوبة عن المسائل المستغربة» (ص/١٨٩).\n(^٤) «الإقناع في مسائل الإجماع» (١/ ٥١).\n(^٥) ضرار بن عمرو الغطفاني: قاض من كبار المعتزلة، طَمَع برياستهم في بلده، فلم يدركها، فخالفهم، فكفَّروه وطَردوه؛ وصنَّف نحو ثلاثين كتابًا، بعضها في الرَّد عليهم وعلى الخوارج، وفيها ما هو مَقالات خبيثة، قال الجشمي: ومَن عدَّه من المعتزلة فقد أخطأ، لأنَّا نتبرَّأ منه فهو من المُجبِرة، توفي (٢٢١ هـ) انظر «تاريخ الإسلام» (٥/ ٧٣٨).\n(^٦) «شرح الأصول الخمسة» (ص/٧٣٠).","vol":"2","page":1144},{"text":"ثمَّ أخذَ يستدِلُّ لعذابِ القبر ونعيمِه؛ ومِن أهل العلم من يجعل مدارَ الآيات الدَّالَّة على هذا الأمر على ثلاث آيات؛ وهو المَفهوم من صنيعِ البخاريِّ (^١)، وبَلَغَ بها ابنُ القيِّم خَمْسَ آياتٍ (^٢)، وابنُ رجب سِتَّ آياتٍ (^٣).\nفمن الدَّلائل القرآنيَّة الَّتي أشارتْ إليها:\nقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].\nيقول الزَّمخشري: «عرضُهم عليها: إحراقُهم بها، يُقال: عَرَض الإمامُ الأسارى على السَّيف، إذا قَتَلهم به؛ وقُرئ: (النَّارَ) بالنَّصب، وهي تعضُد الوجهَ الأخير، وتقديره: يدخلون النَّارَ يُعرَضون عليها .. ويجوز أن يكون ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ عبارةً عن الدَّوام» (^٤).\nفمعنى العرض في هذه الآية كمعنى عرض الكفَّار على النَّار يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]؛ أي: أنَّ الكفَّار يبتدئُ نظرهُم إلى جهنَّم من تحريك لأجفانهم ضعيفٍ خفىٍّ بمُسارقة، كما ترى المَصبور ينظر إلى السَّيف من شدَّة الهول (^٥).\nفلصريح معنى آية عرض آل فرعون على النَّار في إثبات عذابٍ في البرزخ، قال ابن كثير: «هذه الآيةُ أصْلٌ كبيرٌ في استدلال أهل السُّنَّة على عذاب البَرْزَخ في القبور» (^٦).\nوقال ابن القيِّم في الآية: «ذكرَ ﷿ فيها عذابَ الدَّارَين ذكرًا صريحًا لا يحتمل غيرَه» (^٧).\n_________\n(^١) انظر «جامعه الصحيح» (ك: الجنائز، باب: ماجاء في عذاب القبر).\n(^٢) انظر «الرُّوح» لابن القيم (ص/٧٥).\n(^٣) انظر «أهوال القبور» لابن رجب (ص/٤٥ - ٤٨).\n(^٤) «الكشَّاف» (٤/ ١٧٠).\n(^٥) «الكشَّاف» (٤/ ٢٣١).\n(^٦) «تفسير القرآن العظيم» (٧/ ٣٠٧٩).\n(^٧) «الروح» (ص/٧٥)","vol":"2","page":1145},{"text":"ومِنْ تلكم الآيات القرآنيَّة الَّتي ألْمحَتْ أيضًا إلى مسألتنا:\nقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].\nقال ابنُ قَيِّم الجوزيَّةِ فيها: «هذا خطابٌ لهم عند الموت، وقد أَخْبَرت الملائكةُ -وهم الصَّادقون- أنَّهم حينئِذٍ يُجزَون عذابَ الهون، ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقِضاءِ الدُّنيا لَمَا صحَّ أن يُقالَ لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾» (^١).\nهذا ليتَقرَّر أنَّ عذابَ القَبْر ونعيمَه، وإنْ نصَّتْ الأحاديثُ عليها وجَلَّتْها؛ فلا يعني ذلك خُلُوَّ القرآن مِن الإشارة إليها.\nفأمَّا جواب ما ادَّعَوه مِن الضَّرورة العقليَّة، بيانُه في التَّالي:\nأوَّلًا: قاعدةُ أهل السُّنة والجماعة الَّتي فارقوا بها طوائف المبتدعة والضُّلَّال، والَّتي طَردوها في جميعِ أبواب الدِّين أصولهِ وفروعِهِ: أنَّه لا تقوم قدَمُ الإسلام إلَّا على ظَهْرِ التَّسليم والاستسلام.\nفأهل السُّنَّة ومَن تبِعهُم في ذلك، أقَرُّوا بهذه الأخبار النَّبويَّة وصدَّقوها، وأَجْرَوْها على حقائقِها، وآمنوا بأنَّ لله الحكمة البالغة في ذلك، يفعل ما يشاءُ مِن عقابٍ ونعيمٍ، وأنَّ الإيمان بذلك هو من الإيمان بالغيب، الَّذي هو مِن أخصِّ خصائص أهل الإيمان، وهو مدار الابتلاء.\nفوجبَ حَمْلُ ما تضافرتْ عليه النُّصوص، ودَلَّت عليه الأخبار من عذاب القَبْر ونعيمه، وحصول السُّؤال للميِّت من المَلَكَيْنِ: وجب حملُ كلِّ ذلك على الحقيقة، إذ ليس هناك ما يُحيلُها؛ لا مِن جِهة الدَّلائل النَّقلية، ولا العقليَّة؛ فعذاب القَبْر ونعيمه ثابتٌ في الأَخْبَارِ، وليس في بدائه العقل ما يدفعه، بل تلك الأخبارُ موافقة لأحكامِه أتمَّ الموافقة.\n_________\n(^١) «الرُّوح» (ص/٧٥).","vol":"2","page":1146},{"text":"ثانيًا: أنَّ دعواهم استحالةَ حصولِ العذاب للمقبور وقد صار مجرَّد جثةٍ هامدةٍ لا روح فيها، أو في حالِ انتقاضِ بِنْيَتِه، مع انتفاءِ الحياة عنه: دعوى باطلة؛ لأنَّ النُّصوص قد أبانتْ أن الرُّوح تُعاد إلى الميِّت إعادةً غير الإعادةِ المألوفةِ في الدُّنيا؛ ليَجرِي للميِّت السُّؤالُ والامتحان وما بعدهما، والدَّليل قد أَبانَ عن ذلك، والعقلُ لا يُحِيلُه، فيلزم التَّصديقُ بما وراء ذلك مِن السُّؤال والخطابِ، والعذاب والنَّعيم للمقبور.\nوالبراهين على حصولِ هذا النَّوع من الحياة كثيرةٌ:\nمنها ما جاء في حديث البراء بن عازب ﵁ المشهور في تشيِيعهم مع نبيِّهم ﷺ جنازةَ رجل من الأنصارٍ، حيث قال النَّبي ﷺ: «إنَّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدُّنيا، وإقبال من الآخرة، نَزل إليه ملائكة مِن السَّماء، بيضُ الوجوه ...»، والشَّاهد فيه قوله ﷺ بعد ذلك: «فتُعادُ روحه في جسده، فيأتيه ملَكَان، فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ ...» الحديث (^١).\nقال ابن القيِّم معلِّقًا على هذا الحديث: «قد كفانا رسول الله ﷺ أمْرَ هذه المسألة، وأغنانا عن أقوال النَّاس؛ حيث صرَّح بإعادةِ الرُّوح إليه» (^٢).\nوقد أورد ابنُ رجب آثارًا كثيرةً عن السَّلف، تشهدُ لحديث البراء بن عازب ﵁، ثمَّ أعقَب ذلك بقوله: «.. فهؤلاء السَّلف كلُّهم صرَّحوا بأنَّ الرُّوح تُعاد إلى البَدن عند السُّؤال، وصرَّح بمثل ذلك طوائفُ من الفقهاء والمتكلِّمين مِن أصحابنا وغيرهم؛ كالقاضي أبي يعلى وغيره، وأنكر ذلك طائفةٌ؛ منهم: ابن حزم وغيره، وذكر أنَّ السُّؤال للرُّوح خاصَّة، وكذلك سماع الخِطاب، وأنكرَ أن تُعاد الرُّوح للجسد في القَبْر للعذاب وغيره.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «مسنده» (رقم: ١٨٥٣٤)، يقول البيهقي في «إثبات عذاب القبر» (ص/٣٧): «هذا حديث كبير، وصحيح الإسناد، رواه جماعة الأئمة الثقات عن الأعمش»، والحديث حسَّنه ابن تيمية في «الفتاوى» (٤/ ٢٩٠)، وقال ابن القيِّم في «الروح» (ص/٦٥): «الحديث صحيح لا شك فيه، رواه عن البراء جماعة»، وأفاد أن الدارقطني جمع طرقه في جزء مُفرد.\n(^٢) «الرُّوح» (ص/٤١).","vol":"2","page":1147},{"text":"وقالوا: لو كان ذلك حقًّا لَلَزِم أن يموت الإنسان ثلاث مرَّات، ويحيا ثلاث مرات، والقُرآن دلَّ على أنهما مَوتتان وحَياتان (^١): وهذا ضعيفٌ جِدًّا؛ فإنَّ حياة الرُّوح ليست حياة تامَّةً مستقلَّة كالحياة الدُّنيا، كالحياة الآخرة بعد البعث، وإنَّما فيها نوع اتِّصالٍ بالبَدَنِ، بحيث يحصل شعور للبدن، وإحساس بالنَّعيم والعذاب وغيرهما؛ وليس هو حياة تامَّةً حتَّى يكون انفصالُ الرُّوح به موتًا تامًّا! وإنَّما هو شبيهٌ بانفصالِ روحِ النَّائمِ عنه، ورجوعها إليه؛ فإنَّ ذلك يُسمَّى موتًا وحياةً» (^٢).\nوليست تُشترط سلامة البِنْيَةِ وعدم انتقاضها ليصحَّ حلول الرُّوح فيها، فإنَّ هذا مَدفوعٌ مِن وجهين:\nالأوَّل: أنَّ البِنْيَةَ لا تنتقض بالموت نفسِه، فقد يبقى بعضُ الموتى في قبورهم على بِنْيتِهم زمانًا ولا يتغيَّر حالهم، وقد ثبتَ النصُّ بتخصيص الأنبياء ﵈ بذلك (^٣)؛ وكذا دلَّت المشاهدة على تحقُّقه لبعضِ الموتى (^٤).\nالثَّاني: أنَّه وإن انتقَضَت بعض البِنية؛ فلا يمنع هذا الانتقاض مِن حلول الرُّوح بالباقي من بَدَن الميت، ولهذا فإِنَّه من المشاهَد قطعُ يَدي الحيوان ورجليه وهو حيٌّ، وقد عقد البيهقيُّ بابًا في كتابه «إثبات عذاب القبر» وَسَمَه بِـ «باب: جواز الحياة في جزءٍ منفرد، وأنَّ البِنية ليست من شرط الحياة، كما أنَّها ليست من شرط الحيِّ، وفي ذلك جواز تعذيب الأجزاء المتفرِّقة» (^٥).\n_________\n(^١) يشيرون إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [١١].\n(^٢) «أهوال القبور» (ص/٨٣).\n(^٣) كالحديث الذي أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: الصلاة، باب: الاستغفار، رقم: ١٥٣١)، والنسائي في «السُّنن» (ك: الجمعة، باب: إكثار الصلاة على النبي يوم الجمعة، رقم: ١٣٧٤)، وابن ماجه في «السنن» (ك: إقامة الصلاة، باب: في فضل الجمعة، رقم:١٠٨٥) من حديث أَوْس بن أَوس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إنَّ الله ﵎ حرّم على الأرضِ أجسادَ الأنبياء»، وصحَّحه النَّووي في «الأَذكار» (ص/١١٥)، وابن قيِّم الجوزيَّة في «جلاء الأَفهام» (ص/٨٠).\n(^٤) كما حصل -مثلا- لجابر بن عبد الله ﵁ حين غيَّر قبرَ والدِه ﵁ المُستشهد في أُحد، حيث يقول: «.. فَأَخْرَجته بعد سِتَّةِ أشهر، فإذا هو كيَوْم وَضعته هُنيَّة غير أُذُنه»، رواه البُخاري في (ك: الجنائز، باب: هل يخرج الميِّت من القبر واللَّحد لعلَّة، رقم: ١٣٥١).\n(^٥) «إثبات عذاب القَبر» للبيهقي (ص/٦٤).","vol":"2","page":1148},{"text":"والله تعالى قادرٌ على إعادة الرُّوح إلى جميع البَدنِ، وإلى بعض أجزائِه، وكلاهما في متعلَّق قدرة الرَّب سواء، ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].\nفإذا تَبيَّن اختلاف تعلُّق الرُّوح بالجَسد في البرزخِ عنه في الدُّنيا، فقد فسدَ تبعًا لذلك قول المخالفِ: أنَّ فقدَ الميِّت لأدواتِ الإحساسِ يُفقِده الشُّعور بالعذاب أو النَّعيم؛ وذلك أنَّ الحقيقة الشَّرعيَّة دلَّت على أنَّ الإنسان مُركَّب من نفسٍ وبَدن، وانقسام الدُّورِ إلى ثلاثٍ: دار الدُّنيا، ودار البَرْزَخ، والدَّار الآخرة، ولكلِّ واحدةٍ من هذا الدُّور أحكامها الَّتي تختصُّ بها عن غيرها.\nفالله تعالى جعلَ أحكام الدُّنيا: على الأبدان، والأرواحُ تبعٌ لها؛ ولِذا أناط الأحكامَ الشَّرعية على ما يظهر من اللِّسان والجوارح، وإنْ أضْمرت النُّفوسُ خلافَه.\nوجعل أحكامَ البَرْزَخ: على الأرواح، والأبدانُ تَبع لها، وتجري أحكامُه على الأرواح، فتسري على الأبدان نعيمًا أو عذابًا، بحسَب تعلُّقها به.\nوجعل أحكام دار القَرار: على الأرواح والأبدان معًا (^١).\nفمَنْ مَاثَل بين هذه الدُّور في الأحكام، وساوى بينها، فقدْ خالَف مقتضى البراهين الشرعيَّة، والدَّلائل العقليَّة؛ إذْ العقل يمنعُ من الجمع بين المُختلفات، كما يأبى التَّفريق بين المتماثلات.\nفإذا عُلِم هذا الاختلافُ بين الدُّور: زالَ الإشكال، وانقشعت حُجُب الحيرة، واستبان «أنَّ النَّار الَّتي في القَبْر والخُضرةَ: ليست من نار الدُّنيا، ولا زرع الدُّنيا، وإنَّما هي من نار الآخرة وخُضْرتِها، وهي أشدُّ من نار الدُّنيا، فلا يحسُّ بها أهل الدُّنيا؛ فإنَّ الله يُحمي عليه ذلك التُّراب والحجارة مِن تحته، حتَّى تكون أعظم حَرًّا مِن جمر الدُّنيا، ولو مَسَّها أهل الدُّنيا لم يحِسُّوا بذلك، وقُدرة الرَّب تعالى أوسعُ وأعجبُ من ذلك» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «الرُّوح» لابن القيم (ص/٦٣).\n(^٢) «الروح» (ص/٦٦).","vol":"2","page":1149},{"text":"ومِن لطفِ الله ﵎، أنْ صرَفَ أبصارنا وأسماعنا عن إدراك ما يحصل للمَدفونين؛ رحمةً بعباده، لعلمه ﵎ أنَّ قُدَرَهم لا تثبتُ على رؤيةِ العذاب وسماعه، واختبارًا لنا؛ إذْ لو كان الغيبُ شهادةً لآمَنَ كلُّ النَّاس، ولزالَ أصل الجزاء، ولمَا حصل التمَّايُز بين المؤمنين والكافرين (^١)، وعلى هذا وِفاق أهل السُّنة.\nيقول ابن تيميَّة: «العذابُ والنَّعيم على النَّفس والبَدن جميعًا باتِّفاق أهل السُّنة والجماعة، تُنعَّم الَّنفس وتُعذَّب منفردةً عن البَدن، وتُنعَّم وتُعذَّب متَّصلةً بالبَدن، والبدن متَّصلٌ بها؛ فيكون النَّعيم والعذاب عليها في هذه الحال مجتمعين، كما تكون على الرُّوح منفردةً عن البَدن» (^٢).\nفالحاصل: أنَّه ليس في العقول ما يحيل أن يمسَّ الأبدانَ مِن العذابِ أو النَّعيم ما لا يحسُّ به النَّاس في الدُّنيا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠].\nفما في هذه الآية يجري كلُّه للميِّت الكافرِ أثناء موتِه، يُعذَّب بضربِ وجهِه ودُبُرِه، وليس أحدٌ ممَّن حوله يرى ذلك، ولا هو يشعر به إنسان، «فإنَّ ما وَهَبه الله تعالى له من نِعمة الحواسِّ مناسبٌ لضعفه وعجزه، فكانت حواسُّه على قدْره في الخَلق، ومهما جاهد الإنسانُ للبلوغ بها إلى حدٍّ يفوق طبيعتها البشريَّة المتَّصفة بالنَّقص والعجز: فَلنْ يُفْلح، لأنَّ هذا قَسْمُه الَّذي اختاره الله، وهذا القَسْم والخلقة جاريةٌ على مقتضى حكمة الله ﵎، العالِم بوجوه المصالح، وأَفنان الخيور» (^٣).\nوفي هذا بطلانُ الدَّعوى الثَّانية في إحالةِ الضَّرورة الحسيَّة.\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٥٣٤ - ٥٣٥).\n(^٢) نقله عنه ابن القيم في «الروح» (ص/٥١).\n(^٣) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٥٣٣).","vol":"2","page":1150},{"text":"أمَّا استدلال المعترض بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ على انتفاءِ قدرة الميِّت على السَّماعِ لفقدِ آلةِ ذلك:\nفمثالٌ منه مندرجٌ فيما يسمِّيه الجَدَليُّون بـ «الاستدلالِ بمحلِّ الشَّاهد»! وليس يصحُّ في باب الاحتجاج؛ ذلك أنَّه قد يُقال: بأنَّ نفيَ السَّماع في الآية هو لاختلافِ أحكامِ الدَّارَيْنِ، وانتفاءِ قناةِ التَّواصل بينهما، إلَّا بنصٍّ شرعيٍّ يثبت ذلك لبعضِ الأعيانِ (^١)، وليس لكونِ الميِّت فاقدًا للقدرة على جنسِ السَّماع لفقدِ آلته كما يدَّعيه المعترض.\nعلى أنَّ من العلماء من يذهب أنَّ المُراَ مِن السَّماع في الآية ما هو بمعنى الانتفاع والاستجابة، «فإنَّه في سياقِ خطابِ الكُفَّار الَّذين لا يستجيبون للهُدى ولا للإيمان إذا دُعوا إليه.\nنظير ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فالآية في نفي السَّماع والإبصار عنهم، لأنَّ الشَّيء قد يُنفى لانتفاء فائدته وثمرته، فإذا لم ينتفع المرء بما يسمعه ويبصره، فكأنَّه لم يَسمع ولا يُبصر، فسماع الموتى هو بهذه المثابة» (^٢).\nوالَّذي ينعقد القلبُ عليه في هذا الباب: أنَّ ما يجري للميِّت مِن صنوف العذاب والنَّعيم؛ وكيفيَّة بصرِه وسمعِه، ليس مِن جنسِ المعهود في هذه الدُّنيا.\n_________\n(^١) كالَّذي أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النعال، رقم: ١٣٣٨)، مسلم في (ك: الجنَّة وصفة نعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنَّة أو النَّار عليه، رقم:٢٨٧٠) مِن أنَّ «العبدَ إذا وُضع في قبره، وتولَّي وذهب أصحابه، حتَّى إنَّه ليسمع قرع نعالهم ..».\nوما أخرجه البخاري في (ك: المغازي، باب: قتل أبي جهل، رقم:٣٩٧٦)، ومسلم مختصرًا في (ك: الجنَّة وصفة نعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنَّة أو النَّار عليه، رقم:٢٨٧٥) من قول النَّبي ﷺ لعمر ﵁ جوابًا لاستغرابه مناداتَه أهل القليبِ وهم أموات: «والَّذي نفس محمَّد بيده، ما أنتم بأسْمَعَ لما أقولُ منهم»، قال قتادةُ راوي الحديث: أحياهم الله حتَّى أسْمَعَهم قولَه؛ توبيخًا، وتصغيرًا، ونَقِيمَةً، وحسْرةً، وندمًا».\n(^٢) «أهوال القبور» لابن رجب (ص/٨١).","vol":"2","page":1151},{"text":"وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن القيِّم: «سرُّ المسألة: أنَّ هذه السِّعة، والضِّيق، والإضاءة، والخُضرة، والنَّار؛ ليس من جنس المعهود في هذا العالَم، والله سبحانه إنَّما أشْهدَ بني آدم في هذه الدَّار ما كان فيها ومنها، فأمَّا ما كان من أمر الآخرة فقد أسبلَ عليه الغطاء؛ ليكون الإقرارُ به، والإيمان به سببًا لسعادتهم» (^١).\n_________\n(^١) «الرُّوح» (ص/٧١).","vol":"2","page":1152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المَبحث الثَّالث عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه</span>","vol":"2","page":1153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>المَطلب الأوَّل\nسَوق أحاديثِ عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه</span>\nعن عبد الله بن عمر ﵁ أنَّ حفصةَ بَكَت على عمر ﵃، فقال: مهلًا يا بُنيَّة؛ ألم تعلمي أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الميِّت يُعذَّب ببكاءِ أهلِه عليه؟!» متَّفق عليه (^١).\nوعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لمَّا أُصيبَ عمر ﵁ جعلَ صهيب ﵁ يقول: وا أخاه! فقال له عمر: يا صهيب؛ أَمَا علمتَ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء الحيِّ؟!» متَّفق عليه (^٢).\nوعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال: تُوفِّيت ابنةٌ لعثمان ﵁ بمكَّة، وجِئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عبَّاس ﵃، وإنِّي لجالس بينهما -أو قال: جلستُ إلى أحدِهما، ثمَّ جاء الآخر فجلس إلى جنبي- فقال عبد الله بن عمر ﵁ لعمرو بن عثمان: ألَا تنهى عن البكاء؟ فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري دون القصة في (ك: الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت، رقم: ١٢٩٢)، ومسلم في (ك: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، رقم: ٩٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: قول النبي ﷺ: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، رقم: ١٢٩٠)، ومسلم في (ك: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، رقم: ٩٢٧).","vol":"2","page":1155},{"text":"فقال ابن عبَّاس ﵁: قد كان عمر ﵁ يقول بعضَ ذلك، ثمَّ حدَّث قال: صَدرتُ مع عمر ﵁ من مكَّة، حتَّى إذا كنَّا بالبيداء، إذا هو بركبٍ تحت ظلِّ سمُرة، فقال: اِذهب، فانظر مَن هؤلاء الرَّكب، قال: فنظرتُ، فإذا صهيب ﵁، فأخبرته، فقال: ادعُه لي، فرجعتُ إلى صهيب، فقلت: اِرتحل فالْحَق أميرَ المؤمنين، فلمَّا أُصيب عمر دَخل صهيب يبكي، يقول: وَا أخاه! .. وَا صاحباه! فقال عمر ﵁: يا صهيب، أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الميِّت يُعذَّب ببعضِ بكاءِ أهلِه عليه؟!».\nقال ابن عبَّاس ﵁: فلمَّا مات عمر ﵁، ذكرتُ ذلك لعائشة ﵂ فقالت: رحِم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله ﷺ: «إنَّ الله ليُعذِّب المؤمنَ ببكاءِ أهله عليه»، ولكنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الله ليزيدُ الكافرَ عذابًا ببكاء أهلِه عليه»، وقالت: حسبُكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قال ابن عبَّاس ﵁: «عندَ ذلك والله هو أضحك وأبكى»، قال ابن أبي مليكة: «والله ما قال ابن عمر ﵁ شيئًا». متَّفق عليه (^١).\nوعن عروة بن الزُّبير قال: ذُكر عند عائشة ﵂ قول ابن عمر: الميِّت يُعذَّب ببكاء أهلِه عليه، فقالت: رحِم الله أبا عبد الرَّحمن، سمع شيئًا فلم يحفظه، إنَّما مرَّت على رسول الله ﷺ جنازةُ يهوديٍّ وهم يبكون عليه، فقال: «أنتم تَبكون، وإنَّه ليُعَذَّب» أخرجه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: قول النبي ﷺ: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، رقم: ١٢٨٨)، ومسلم في (ك: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، رقم: ٩٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الجنائز، باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، رقم: ٩٣١).","vol":"2","page":1156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ\nلأحاديث عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه</span>\nينحصِر مُجمَل ما أورده المعاصرون مِن معارضاتٍ لهذه الأخبارِ النَّبويَّة في واحدةٍ: وهي دعواهم أنَّها مصادمةٌ لصَريحِ القرآن الكريم، فالله تعالى في غير مَوضعٍ منه ينفي عن الإنسان حملَ أوزارِ غيره وتبعاتِ أفعالِهم ممَّا لا دخلَ له فيها.\nوفي تقرير هذا الاعتراضِ، يقول (جعفر السُّبحاني):\n«هذه الرِّواية وإن رواها مسلم بطرقٍ مختلفة، لكنَّها مَرفوضة جدًّا، لأنَّها تخالف صريح القرآن، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨].\nفكيف يمكن أن نقبلَ أنَّ الميِّت البَريء يُعذَّب بفعل الغير، وهو شيء يرفضه العقل والفطرة؟! .. ولأجل ذلك رَدَّت السَّيدة عائشة هذه الرِّواية» (^١).\nويقول (محمَّد الغزالي) مُستغربًا مِن بقاءِ المحدِّثين على قَبول هذا الرِّوايات: «إنَّها -يعني عائشة- تردُّ ما يخالف القرآن بجرأةٍ وثقة، ومع ذلك فإنَّ\n_________\n(^١) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٥٥).","vol":"2","page":1157},{"text":"هذا الحديث المَرفوض من عائشة ما يزال مُثبتًا في الصِّحاح! .. والخطأ غير مُستبعَدٍ على راوٍ، ولو كان في جلالةِ عمر!» (^١).\nويقول (أبو عبد الرَّحمن ابن عقيل الظَّاهري) مُعقِّبًا على حديث ابنِ عمر:\n«نَجِدُ صُورًا يجب فيها تقديم العقل على النَّقل؛ نجد ذلك في صُوَر ظَهَرَ فيها تنافي التَّناقض أَو التَّضادِّ في أَذهاننا لا في الواقع، كالخبر الصَّحيح: بأنَّ الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه، مع العلمِ القطعيِّ بأنَّه لا تزِر وازرةٌ وزرَ أخرى.\nالرُّجحان هاهنا تَعيَّن في العقلِ تَعيُّنًا لا احتمال فيه، بأنَّ تعذيب الله للميِّت بغير فعلٍ منه: ليسَ مِن العدل الَّذي أَوجبه ربُّنا على نفسِه؛ إذْ حَرَّم الظُّلمَ على نفسه، وليس مِن عصمةِ الشَّرع الَّتي حَكَم بها العقل ابتداءً، وتنافي ما بَيَّنه الشَّرع: أنَّ المكلَّف مَسئولٌ عمَّا جناهُ مباشرةً، أو بتسبُّب، وليس مَسئولًا عن جنايةِ غيره» (^٢).\n_________\n(^١) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٢ - ٢٣) بتصرف يسير.\n(^٢) «قانون التَّوفيق بين الدِّين والعقل» لابن عقيل الظَّاهري (ص/٢٢)، نقلًا عن «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٦٣).","vol":"2","page":1158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن أحاديثِ عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه</span>\nلا شكَّ أنَّ مَن ردَّ هذا الحديث في عذاب الميِّت ببكاء أهلِه عليه عَلَمان مِن أعلامِ العلمِ من الصَّحابة الكِرام: عائشة وابن عبَّاس ﵃؛ غير أنَّ هذا الرَدَّ منهما للخَبر ليس عن تقدمةٍ للعقلِ على النَّقلِ! -كما توهَّمه هؤلاء الطَّاعنون في الحديث-، وإنَّما تقديمًا لِما يرَيَانِه دَلالةً نَقليَّةً قاطعةً على دَلالةٍ نقليَّةٍ ظَنيَّةٍ؛ وفرقٌ بين المُوجِبين في النَّظر إلى الأخبار.\nفها هي عائشة ﵂ تجهرُ بأنَّ مقتضى استنكارِها للخبرِ: مُناقضته لآية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، مع ما نقلته هي عن النَّبي ﷺ مِن لفظٍ آخر يخالف لفظَ عمر وابنه عبد الله ﵃ للحديث.\nفكان ظاهر القرآن مُوجبًا عندها لتَقديمِ لفظِ روايتِها هي على روايةِ غيرها مِمَّا ظنَّته مُعارِضًا لظاهرِ القرآن؛ وإن كان هذا الاعتداد منها بلفظِ روايتِها دون لفظِ غيرها من الصَّحابة أمر قد أخطأت فيه ﵂.\nيقول الخطَّابي: «الرِّواية إذا ثَبَتَت، لم يُمكن إلى دفعِها سبيلٌ بالظَّن، وقد رواه ثلاثةُ أنفسٍ عن النَّبي ﷺ: عمر، وابن عمر، والمغيرة؛ وليس فيما حَكَت عائشةُ مِن مرورِ رسول الله ﷺ على يهوديةٍ يبكي عليها أهلُها ما يدفع روايةَ عمر","vol":"2","page":1159},{"text":"والمغيرة، لجوازِ أنْ يكون الخَبَران صَحيحين معًا، وكلُّ واحدٍ منهما غيرُ الآخر» (^١).\nوبتأمُّلنا في دعاوي المُعاصرين في إنكارِ هذا الخبرِ، نلحظ أنَّها ترتكز على أَمرين، لم يُصِب المخالفون في تصحيحِ أصلِه الَّذي ابتُني عليه إنكارُه (^٢):\nالأوَّل: توهُّمهم أَنَّ ظاهرَ الحديثِ مُعاقبةُ الميِّت بلا وِزرٍ اقترفه، ولا ذنبٍ جناه؛ هذا قادهم إلى القول بـ:\nالثَّاني: أنَّ هذا الظَّاهر مَدْفوع بيَقينِ العقلِ وضَرورة الشَّرع.\nوالحقيقة: أنَّ ظاهر الحديث لا ينافيه العقل؛ فضلًا عن الدَّلائل النَّقليَّة، وما ظنُّوه منافيًا لهذا الظَّاهر، ليس هو مَدلوله ولا ظاهره، بيان ذلك:\nأنَّ المعارِضين قَصَروا معنى (العذاب) على (العقاب)، والصَّواب: أَنَّ العذاب أَعمُّ من العِقاب؛ فكلُّ عِقابٍ عذاب بلا عكس.\nوالَّذي يُبرهن على هذه الدَّعوى الدَّلائل التَّالية:\nتسمية الله تعالى على لسان أيوب ﵇ ما ابْتَلى به عبدَه عذابًا، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، والعذاب هنا بمعنى: الضُرِّ في بدنِه وأهلِه الَّذي ابتلاه الله به (^٣)، لا على سبيل العقوبة له ﵇؛ وإنَّما ابتلاءً له.\nومِن البراهين الدَّالة على بطلان قصرِ مفهومِ العذابِ على العقابِ:\nما صحَّ عن النَّبي ﷺ مِن حديث أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: «السَّفرُ قِطعةٌ من العَذَابِ، يمنع أَحدكم طعامَه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نَهْمَتَهُ من سَفَرِه، فَلْيعجِّل بالرجوع إلى أهله» (^٤)، فَسَمَّى النَّبي ﷺ السَّفر قطعةً مِن العذاب، ومعلوم أنَّه إنَّما أراد الألم الحَاصِلَ للمسافر، وليس هو على جهة العِقَاب.\n_________\n(^١) «أعلام الحديث» (١/ ٦٨٤).\n(^٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٦٤ - ٦٧).\n(^٣) انظر «جامع البيان» لابن جرير (٢٠/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٤) رواه البخاري في (ك: العمرة، باب: السفر قطعة من العذاب، رقم:١٨٠٤).","vol":"2","page":1160},{"text":"ومن براهين ذلك أيضًا: أنَّ مِن العقوبات ما يصيب غيرَ المُعاقَب؛ فيكون مصيبةً في حقِّه، كما قال ﷺ: «إذا أنزلَ الله بقومٍ عذابًا أصاب العذابُ مَن كان فيهم، وبُعِثُوا على نيَّاتهم» (^١).\nفإذا تَحَصَّل مِن ذلك عموم معنى العقاب، عُلِم أنَّ ما يجده الميِّت مِن الألم بسببِ النِّياحة عليه:\nقد يكون عقوبةً له؛ إن كان مِن سُنَّة أَهله فِعْلُ ذلكَ، ولم ينههم، أو أمَرَ به بعد موته، وهذا مذهب البخاريِّ البيِّن مِن تبويبه للحديث بقوله: «باب: قول النَّبي ﷺ: يُعذَّب الميِّت ببعض بكاء أهله عليه، إذا كان النَّوح من سُنَّته» (^٢).\nوقد يكون ما يجده مِن الألم جرَّاء ذلك هو مِن جِنس الضَّغطة، وانتهار الملَكَين، والمرور على الصِّراط، وغيرها مِن أهوال يوم القيامة، فهذه الآلام تكون سببًا لتكفير خطايا المؤمن، وهذا ما نحا إليه جِلَّةٌ مِن العلماء؛ كابن جرير الطَّبري، والقاضي عياض (^٣).\nوفي بيان هذا المعنى يقول ابن تيميَّة:\n«فهذا الحديثُ قَبِلَه أَكابر الصَّحابةِ مثلُ عمرَ، وهو يُحدِّث به حين طُعن، وقد دخل عَليه المهاجرون والأنصار، وينهى صُهيبًا عن النِّياحة، ولا ينكر ذلك أَحد؛ وكذلك في حال إمرته يعاقِبُ الحيَّ الَّذي يُعذِّب الميِّتَ بفعله، وتلقَّاه أكابر التَّابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره، ولم يَردُّوا لَفْظَه ولا معناه.\nوالَّذي عليه أَكابر الصَّحابةِ والتَّابعينَ هو الصَّواب؛ فإنَّ النبي ﷺ قال: (يُعذَّب)، ولم يقل: (يُعاقب)! والعذابُ أعمُّ من العقاب .. فالعذاب هو: الآلام الَّتي يُحْدِثُها الله تعالى؛ تارةً يكون جزاءً على عَمَل فيكون عقابًا، وتارةً يكون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الفتن، باب: إذا أنزل الله بقوم عذابًا، رقم: ٧١٠٨)، ومسلم في (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، رقم: ٢٨٧٩).\n(^٢) «صحيح البخاري» (٢/ ٧٩)، ونَسب النَّووي هذا المذهب إلى الجمهور، انظر كتابه «المجموع» (٥/ ٣٠٨).\n(^٣) انظر «إكمال المعلم» (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢)، و«فتح الباري» لابن حجر (٣/ ١٥٥).","vol":"2","page":1161},{"text":"تكفيرًا للسَّيئات .. ثمَّ ذلك الألم الَّذي يَحْصُل للميِّت في البرزخ إذا لم يكن له فيه ذَنْبٌ: مِن جنسِ الضَّغطة، وانتهارِ منكر ونكير، ومِن جنس أهوال القيامة؛ يكفِّر الله به خطايا المؤمن، ويكون مِن عقوبة الكافر» (^١).\nولا يُعترض على هذا التَّفسير المتينِ مِن هؤلاءِ الأعلامِ بما اعترضَ عليهم به (محمَّد الغزالي) في دعواه منافاة هذا الألمِ لتبشيرِ المؤمنِ عند موتِه بعدم الحزن! حيث قال:\n«والقول بأنَّ المؤمن يتألَّم بعد موتِه لبكاء أهله مخالف للآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، روى ابن كثير أنَّ ذلك الموت، ونقل عن زيد بن أسلم: (يبشِّرونه عند موته، وفي قبره، وحين يُبعث)، وعلَّق على ذلك بأنَّ هذا القول يجمع الأقوال كلَّها، وهو حسن جدًّا، وهو الواقع! فأين يتعذَّب والحالة هذه؟ إنَّ الله مطمئنُّه على ما ترك وما سيلقى» (^٢).\nقلت: الَّذي في الآية: تبشير الملائكةِ للمؤمنين أن «لا تخافوا ما تقْدُمُون عليه مِن أمرِ الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلَّفتم من دُنياكم مِن أهلٍ وولدٍ، فإنَّا نخلُفكم في ذلك كلِّه» (^٣)، فطمأنتُهم للمؤمن على مصيرِه الأخرويِّ تنفي خوفَه ممَّا يقدُم عليه، والتَّبشير له برعايةِ أهلِه من بعده غايةُ ما فيه ذهابُ حزنِه على فقدِهم وإعالتِهم.\nوهذا -كما ترى- لا يَنفي أن يجدَ هذا المُبشَّر شيئًا مِن الألمِ إذا سمع بكاءَ أهلِه عليه، كما أنَّه يجد شيئًا مِن الألم عند الضَّمة، وعند انتهارِ المَلَكَيين له، ونحو ذلك ممَّا سبق في كلامِ ابن تيميَّة، فهذا كلُّه لا دخلَ له بالحزنِ المَنفيِّ في الآية الكريمة.\n_________\n(^١) «جواب الاعتراضات المصريَّة» (ص/٦٢ - ٧٢).\n(^٢) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٤).\n(^٣) من كلام مجاهد في تفسير الآية، انظر «جامع البيان» للطبري (٢٠/ ٤٢٧).","vol":"2","page":1162},{"text":"وبهذا يَسلم الحديث ممَّا وُجِّه إليها مِن نَقدات، والحمد لله على ما كشف من المُشكِلات.","vol":"2","page":1163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المَبحث الرَّابع عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الشفاعةِ الكبرى</span>","vol":"2","page":1165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديثِ الشَّفاعةِ الكبرى</span>\nعن عبد الله بن عمر ﵁ مرفوعًا: «إنَّ الشَّمسَ تدنو يوم القيامة، حتَّى يبلغَ العَرقُ نصفَ الأُذنِ، فبينا هم كذلك؛ استغاثوا بآدم، ثمَّ بموسى، ثمَّ بمحمَّد ﷺ، فيشفع ليُقضى بين الخلق، فيمشي حتَّى يأخذَ بحِلَقِ الباب، فيومئذٍ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أَهلُ الجمع كلُّهم»، رواه البخاري (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم، فرفع إليه الذِّراع، وكانت تعجبه، فنَهس منها نهسةً، فقال: «أنا سيِّد النَّاس يوم القيامة، وهل تدرون بمَ ذاك؟ يجمع الله يومَ القيامة الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ، فيُسمعهم الدَّاعي، وينُفذُهم البَصر، وتدنو الشَّمس، فيبلغ النَّاس مِن الغَمِّ والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، فيقول بعض النَّاس لبعض: ألا تَرون ما أنتم فيه؟ ألا تَرون ما قد بلغكم؟! ألا تنظرون مَن يشفع لكم إلى ربِّكم؟ فيقول بعض النَّاس لبعض: اِئتوا آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البَشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك مِن روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟! فيقول آدم: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشَّجرة، فعصَيته، نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اِذهبوا إلى نوح.\n_________\n(^١) في (ك: الزكاة، باب: من سأل الناس تكثرًا، رقم:١٤٧٥).","vol":"2","page":1167},{"text":"فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، أنت أوَّل الرُّسل إلى الأرض، وسمَّاك الله عبدًا شكورًا، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إنَّ ربِّي قد غضب اليومَ غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى إبراهيم ﵇، فيأتون إبراهيم، فيقولون: أنت نبيُّ الله وخليله مِن أهل الأرض، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بَلَغنا؟! فيقول لهم إبراهيم: إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذِباته، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى غيري، اِذهبوا إلى موسى.\nفيأتون موسى ﵇، فيقولون: يا موسى، أنتَ رسول الله، فضَّلك الله برسالاته، وبتكليمِه على النَّاس، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول لهم موسى ﵇: إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنِّي قتلت نفسًا لم أُومر بقتلها، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى عيسى ﵇.\nفيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلَّمتَ النَّاس في المهد، وكلمةٌ منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول لهم عيسى ﵇: إنِّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبًا، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى غيري، اِذهبوا إلى محمَّد ﷺ.\nفيأتوني فيقولون: يا محمَّد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدَّم مِن ذنبك، وما تأخَّر، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلقُ، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربِّي، ثمَّ يفتح الله عليَّ ويلهمني مِن مَحامده وحسنِ الثَّناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحدٍ قبلي، ثمَّ يُقال: يا محمَّد، اِرفع رأسك، سَلْ تُعطه، اِشفع تُشفَّع، فأرفعُ رأسي، فأقول: يا ربِّ،","vol":"2","page":1168},{"text":"أمَّتي أمَّتي، فيُقال: يا محمَّد، أدخل الجنَّة مِن أمَّتِك مَن لا حساب عليه مِن الباب الأيمن مِن أبواب الجنَّة، وهم شُركاء النَّاس فيما سوى ذلك مِن الأبواب، والَّذي نفس محمَّد بيده، إنَّ ما بين المصراعين مِن مصاريع الجنَّة لَكَما بين مكَّة وهَجَر، أو كما بين مكَّة وبُصرى». متَّفق عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: التفسير، باب: قوله: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ رقم: ٤٧١٨)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم: ١٩٤)، واللفظ لمسلم.","vol":"2","page":1169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المَطلب الثَّاني\nسَوْق دعاوي المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديث شفاعة النَبي ﷺ الكبرى</span>\nمع قيامِ البَراهين النَّقليَّةِ الكثيرةِ على ثبوتِ الشَّفاعةِ النَّبويَّةِ يومَ القيامة، إلَّا أنَّ فريقًا مِن مُخالِفي أهل السُّنةِ استَرْوَحوا إلى مُدافعتِها وعدمِ التَّصديقِ بها، وحاصلُ مَواقفِهم مِن حديثِ الشَّفاعة الكبرى لا يخرُج عن مَقامَين:\nالأوَّل: مُعارَضاتٌ مُجْلَبةٌ على أَصلِ الشَّفاعة.\nالثاني: مُعارَضاتٌ سِيقت لإنكارِ بعضِ مُتعلَّقاتِ حديثِ الشَّفاعة.\nفأمَّا المقام الأوَّل: فمِمَّا أُورد على أصلِ الشَّفاعة ما تَضَمَّنته:\nالمعارضة الأولى: وهي دعواهم أنَّ جَريان الشَّفاعة على يَدِ الشُّفعاءِ يَقتضي مشاركةَ الله في مُلكِه، ومُنازعتَه فيما تَفرَّد به.\nوممَّن قنِع بهذه الدَّعوى في رَدِّ أخبارِ هذا الباب: (مُصطفى محمود) (^١)، وهو مع حِرصِه على عَقْلَنة التَّصوُّرات، مُضطَرِبٌ في هذا الباب بخاصَّةٍ اضطرابًا ظاهرًا، فتارةً يُنكِر الشَّفاعة في الظَّاهر، وتارةً يُظهِر استحسانَ مَنْ أَثبتَها بقُيودِها؛ وإن كان جانبُ النَّفي عنده ظاهر التَّغليب.\n_________\n(^١) مصطفى كمال محمود: طبيب ومفكر مصري، كان متأثرًا بموجة الشيوعية الملحدة، ثم تاب، وتفرغ للكتابة من عام ١٩٦٠ م، فبلغ ما نشره زهاء تسعين كتابًا متنوعًا في الدين والفكر والروايات، منها كتابه: «حوار مع صديقي الملحد»، وشُهر بحلقاته التلفزية (العلم والإيمان).","vol":"2","page":1170},{"text":"ففي تقريرِ إنكارِه للشَّفاعةِ الكُبرى، يقول: «جمعيَّة الشَّفاعة كلُّها لله وحدَه، كما ذَكر القرآن، وكرَّر في مُحكمِ آياته، وأنَّه لا يُشرك في حُكمِه أحدًا .. وليس لله مُنافسٌ في هذا، ولا يجوز أن يكون له مُنافس» (^١).\nثمَّ يُقرِّر بأنَّ الاعتقادَ بالشَّفاعةِ لَونٌ مِن الشِّرك خَفيٌّ! وذلك أنَّه «لا يصلُح الإنسان أو المَلِك، أو رئيسُ الملائكة، أو أبو الأنبياء، أنْ يكون له ﷿ شريكٌ على أيِّ مُستوى .. وهو مُتفرِّد بالأمرِ والحُكمِ، ولا يجوز أن يَتدخَّل أحدٌ، أو أن يُعدِّل أن يُبدِّل في حكمِه .. وهذا جوهرُ الإسلام، وبدايةُ هذا الشِّرك الخَفيِّ كان مَعناها انحدارُ الإنسان ..» (^٢).\nويزيد (نيازي) عليه تَشنيعًا على مَن يؤمن بأحاديث هذا البابِ بقولِه:\n«إنَّ الكلام الَّذي سمِعناه، مَهما كان جميلًا وأحببناه، فإنَّه مُجرَّد وهمٍ وخيالٍ لا أصل له أبدًا، وإشراكٌ بالله، إذ كيف يريد لنا جنودُ السُّلطان أن نعود ونُشرك بالله مرَّةً أخرى بالإيمان مِن جديد بوجودِ شُفعاءَ مع الله؟! مع أنَّنا نعلمُ أنَّ سبب تسمية أهلِ الجاهليَّة القديمةِ مِن قريشٍ والجزيرة العَربيَّة بالمشركين، أنَّهم كانوا يُشركون مع الله شفعاءهم، أليس هذا هو الصَّحيح؟ أم هل نَسِينا آياتِ القرآن الكريم الَّتي تُنكر الشَّفاعة، وتحصرُها بالله تعالى في الآيات التَّالية:\n﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤].\n﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨].\n﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١].\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣]» (^٣).\n_________\n(^١) «الشفاعة» لمصطفى محمود (ص/٤٨).\n(^٢) «الشفاعة» لمصطفى محمود (ص/١١٣).\n(^٣) «دين السلطان» لنيازي عز الدين (ص/٩٢٥).","vol":"2","page":1171},{"text":"وأمَّا المَقام الثَّاني: فمِن المُعارضات المَقولةِ على بعضِ ما تَضَمَّنه حديث الشَّفاعة الكبرى:\nالمعارضةُ الثَّانية: أنَّ مِن صِفاتِ الرُّسُل العصمةُ مِن المَعاصي، فصدُورها منهم -كما يثبتُه الحديث- قادِحٌ في تلك العِصمة، ومُناقضٌ لأمرِ الله أقوامَهم باتِّباعهم في جميعِ أعمالِهم.\nوفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (محمَّد صادق النَّجمي): «الغاية مِن إرسالِ الرُّسل هي طاعتهم والانقياد لهم، ومَشيئتُه ﷿ تَعلَّقت بهذا الأمر، وهو أنَّ الأنبياء يجب أن يكونوا مُطاعين مِن الجهة القوليَّة والعمليَّة، لأنَّ قولهم وفعلهم وسيلةٌ لإرشاد وهداية النَّاس، .. ولو افترضنا أنَّه بَدَرَت منهم مَعصيةٌ، لا بدَّ وأن تكون هذه المعصية مُرادَة عند الله ومحبوبةً إليه! لأنَّه تعالى هو الَّذي أمَرَ النَّاس وفَرض عليهم طاعةَ الأنبياء واتِّباعَهم؛ ومِن جهةٍ أخرى، نشاهد أنَّ المعصيةَ مَنهيَّة ومَمنوعة، وقد نَهى الله ﷿ عن ارتكابها!» (^١).\nوالمعارضةُ الثَّالثة: أنَّ في اقتصارِ النَّبي ﷺ في دعاءِه على الشَّفاعةِ لأمَّتِه، تَخْيِيبًا لباقي الأُمَم الَّتي ترَّجَت منه الشَّفاعة، وهذا أبعدُ ما يكون مِن خُلُقه.\nيقول (السُّبحاني) في تقرير هذا الاعتراض: «.. إنَّ هؤلاء الَّذين رَجَعوا إلى أنبيائه سبحانه: إمَّا أن يكونوا مِن أمَّتِهم، أو مِن أمَّة محمَّد ﷺ؛ فإن كانوا مِن أمَّة نبيِّنا ﷺ، فما الَّذي دَعاهم إلى أن يسألوا آدم، فنوحًا، فإبراهيم، فموسى، فعيسى، فمحمَّدًا ﷺ؟ وإن كانوا مِن غيرهم: فلماذا خَيَّبهم سبحانه مِن شفاعةِ نبيِّنا إذا كانت فيهم قابليَّة الشَّفاعة؟ كما هو الظَّاهر مِن آخرِ الرِّوايةِ بأنَّه لا يَشفع إلَّا لأمَّته ..» (^٢).\n_________\n(^١) «أضواء على الصحيحين» (ص/١٩٤).\n(^٢) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٣٤٧).","vol":"2","page":1172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>المَطلب الثَّالث\nدفع دعاوي المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديث شفاعة النَبي ﷺ الكبرى</span>\nقد دَلَّت أحاديثُ «الصَّحيحين» وغيرهما على إثباتِ أصلِ الشَّفاعةِ ومُتعلِّقاتها، ولا خلافَ بين أهلِ السُّنة في هذا الفصلِ العظيمِ من فصولِ الآخرةِ وما يَتعلَّق به، مع ما اقتضته الدَّلائل القرآنيَّة مِن ثبوتِ أصلِ الشَّفاعة، فإنَّه في سائرِ مَوارده الصَّريحةِ مِن القرآن، جاء مَشروطًا لا مُطلقًا.\nفمِن تلك الدَّلائل: قول الله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٦٩].\nوقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَاّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].\nوقوله سبحانه: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].\nوبمُحصَّل هذه الدَّلائلِ القرآنيَّةِ والسُّنيَّة؛ انعقَدَ الإجماعُ على إثباتِ الشَّفَاعةِ، ومِمَّن نقله: أبو زكريَّا السَّلَمَاسي (^١)، وابن القطَّان الفاسيُّ (^٢).\n_________\n(^١) أبو زكريا السَّلماسي: يحي بن أبي طاهر إبراهيم الأزدي السَّلَمَاسي، إمام واعظ، وفقيه شافعي، من مؤلفاته «باب المدينة»، توفي (٥٥٠ هـ)، انظر «تاريخ دمشق» (٦٤/ ٤٥).\nوالإجماع نقله في كتابه «منازل الأئمة الأربعة» (ص/١٢٣).\n(^٢) «الإقناع» لابن القطَّان (١/ ٥٢).","vol":"2","page":1173},{"text":"وبالعَوْدِ إلى ما سِيق آنفًا مِن نصوصٍ شرعيَّةٍ في عَقْدِ الشَّفاعة، يَتَحصَّل بالنَّظر فيها شَرْطَا الشَّفاعةِ المُثبتَة، وهما:\nإِذْنُ الله للشَّافِع أن يَشفَع: وانتفاءُ تحقُّقِ الشَّفاعة إلَّا بإذنه تعالى مُتفرِّعٌ عن أَصلِ أنَّ الشَّفاعة مُلْكٌ له تعالى، لا يشاركه فيها أَحد من الخلق؛ فإذا تقرَّر أصل التَّفرد، لزِمَ أن يطلبها المَخلوق مِن مالِكها وحدَه؛ لانتفاءِ المُشارِك، وامتناعِ المنازِع له ﷾، وهذا المَفهوم مِن الآياتِ الَّتي توهَّم منها المُعترض نفيَ الشَّفاعة، كما أنَّ المفهوم منها أيضًا ما حواه:\nالشَّرطُ الثَّاني: رِضا الله تعالى عن المشفوع له: بأنْ يكون المَشفوع له ممَّن أَخلص في التَّوحيد، مِن الَّذين «ارتضَى الله لهم شهادةَ أن لا إله إلَّا الله» (^١)، فمَن انتفى عنه هذا التَّوحيد، فإنَّ الله لا يَرضى عن القَومِ الكافرين.\nومِمَّا يعضد هذا الأصل: أنَّ الله تعالى لم يقبلْ بعضَ الشَّفاعاتِ مِن خير الخَلْقِ، وهم رُسل الله تعالى، فلم يأْذَن لإبراهيم ﵇ أن يشفع لأبيه (^٢)، ولا للنَّبي ﷺ في أن يشفع لأمِّه (^٣)، مع كون هؤلاء الشُّفعاءِ أعظم الخلق جاهًا عنده سبحانه، ومع ذلك لم يقبل شفاعتَهم، لعدمِ تحقُّق شَرْط الرِّضا عن المَشفوع له؛ ففي هذا دَلالةٌ على أنَّه لا شريك له في ملكِه، وأنَّه المانحُ مَن شاء مِن خلقه، الشَّفيعُ لمن ارتضاه لذلك.\n«فإذا انتفى عن الشَّفاعةِ هذان القَيْدان؛ فإنَّها حينئذٍ تندرج تحت الشَّفاعةِ المُلغاة شَرعًا، وهذه هي الشَّفاعة الشِّرْكِية الَّتي تَعلَّق بها أهل الإشراك، وحقيقتها: اعتقادهم أنَّ للشَّافع حقًّا يستوجبُ به على الله شيئًا؛ مِن جنسِ ما يستحقُّ به الشُّفعاء على الملوك والمعظَّمين في الدُّنيا، فيجيبونهم إلى طِلْبَتهم لحاجةٍ إليهم، إمَّا رغبةً أو رهبةً، فتكون إرادة الشَّافع بهذا المعنى مُقيِّدةً لإرادةِ الخالقِ ومَشيئتِه» (^٤).\n_________\n(^١) قول ابن عباس ﵁، أخرجه عنه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٢٥٢) من طريق علي بن أبي طلحة به.\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، رقم: ٣٣٥٠).\n(^٣) أخرجه مسلم في (ك: الجنائز، باب: استئذان النبي ﷺ ربه ﷿ في زيارة أمه، رقم: ٩٧٦).\n(^٤) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/١٧٤).","vol":"2","page":1174},{"text":"وهذا ما كان يَعتقِده مُشركو العَرب فيمن اتَّخذوهم شفعاء في صورةِ أصنامٍ، حتَّى اعتقدوا استحقاقَها بعدُ لصُروفٍ مِن العبادات، وتَصوُّر هذا المعنى كافٍ في رَدِّه؛ لذا حَسَم الله مادة التَّعلق بغيره بإبانتِه عن تمامِ مُلكِه لها.\nغير أنَّ مصطفى محمود (ت ١٤٣٠ هـ) لمَّا تَصوَّر أنَّ الشَّفاعة الشَّرعية تُماثل هذا النَّمَطَ الدُّنيويَّ في شفاعاتِ النَّاس حيث يَتعلَّق المَشفوع له بالشَّافع، ومنه يَطلُب الشَّفاعة، ويقوم الشَّافع بالشَّفاعة دون إذْنٍ مِن المَشفوع عنده، ولا نَظرٍ إلى رِضاه عن الشَّفاعةِ له: انبعثَ الغَلط في اعتراضِه على إثباتها، كما قد رأيتَ من عبارته في المعارضة الأولى.\nوهذا منه قياسٌ فاسدٌ الاعتبار، لأنَّ الشَّفاعة الشَّرعية مَشروطة بقيودٍ -قد ذكرناها- لا تكون معتبَرةً إلا بتحقُّقها، فينتفي نفاذها إلَّا بعد توفُّر شروطها.\nوأمَّا جواب المعارضة الثَّانية: وهي دعوى أنَّ في إثباتِ حديث الشَّفاعة نقضًا لمِا أثبته الشَّرع مِن عصمةِ الأنبياء مِن الذُّنوب مطلقًا:\nفإنَّ القائل بهذا قد أنبأَ عن وجهٍ قبيحٍ من أوجه غُلوِّ الرَّافضة في أئمَّتِهم، تَفرَّعت عنه هذه الشُّبهة، وذلك أنَّهم «لمَّا ادَّعَوا في عَليٍّ ﵁ وغيرِه أنَّهم مَعصومون حتَّى مِن الخطأ، احتاجوا أن يُثبِتوا ذلك للأنبياء بطريقِ الأولى والأحْرى، ولما نزَّهُوا عليًّا ومَن هو دون عليٍّ مِن أن يكون له ذنبٌ يُسْتَغفَر منه، كان تنزيهُهم للرُّسلِ أولى وأَحْرى!» (^١)\nأمَّا جموع الأمَّة فمتَّفقةٌ على عِصمة الأنبياء في تحمُّلِ الرِّسالة وتبليغِها، كما اتَّفقَت على تنزُّهِهم مِن كبائر الذُّنوبِ وقَبائح العُيوبِ المُنفِّرة؛ إنَّما الخُلف بينهم مُنحصر في عصمتِهم مِن صغائِر الذُّنوب:\nفالجمهور منهم على أنَّ الأنبياء على غير عصمةٍ من الصِّغارِ غير الخسيئةِ، وهذا قول أكثر أهلِ الكَلام، بل لم يُنقَل عن أئمَّةِ السَّلَف إلَّا ما يُوافق هذا القول (^٢)، وهو الَّذي يَشهد لصحَّةِ جوازِه ووقوعِه ظواهرُ الكتاب العزيز، مِن مثل\n_________\n(^١) «جامع المسائل» لابن تيمية (٤/ ٣١).\n(^٢) انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٣١٩)، و«الرُّسل والرسالات» لعمر الأشقر (ص/١٠٧).","vol":"2","page":1175},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقولِه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وقولِه سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [ص: ٣٤ - ٣٥]، وقال عن يونس ﵇: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَاّ إِلَهَ إِلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].\nعلى أنَّ الأنبياء وإن وَقعوا في شيءٍ مِن هذا الَّلَمِ فإنَّهم لا يُقَرُّون عليه، بل يُسارعون إلى التَّوبةِ والإنابةِ على الفَورِ، وفي هذا ما يَكفي لدحضِ شُبهةِ مَن جعل القولَ بجواز وقوعهم في الصَّغائر مُستلزمًا لمحبَّةِ الله لها، بدعوى أمرِه باتِّباعهم.\nأمَّا ما زعمه المُنكرِ في دعوى المُعارضة الثَّالثة: من أنَّ في اقتصارِ النَّبي ﷺ على الشَّفاعةِ لأمَّته -كما هو ظاهر الحديث- تخييبًا لباقي الأُمم الَّتي ترَّجت منه ذلك، فيُقال في جوابه:\nإنَّ الشَّفاعة الَّتي وَرَدت في أحاديثِ المَقام المَحمودِ نوعان:\nأ- الشَّفاعة النَّبويَّة العامَّة لفصلِ القَضاء.\nب- والشَّفاعة الخاصَّة للمذنبين مِن أمَّته ﷺ (^١).\nفالَّذي طَلَبته الأُمَم من نبيِّنا محمَّد ﷺ هو النَّوعُ الأوَّل بخاصَّةٍ، وهو ما سيلبِّيه لهم.\nوسَبب اللَّبس عند المُعترض: أنَّ حديث أبي هريرة الطَّويل في الشَّفاعة الكبرى -ومثله حديث أنس ﵁ (^٢) - قد اختصَرَ فيه الرُّواة لفظَ الشَّفاعة العَّامة، وانتقلوا إلى ذكرِ لفظِ شفاعتِه الخاصَّة في عُصاة المسلمين، ولا رَيْب أنَّ حصول هذه الشَّفاعة الخاصَّة لا يكون إلَّا بعد حصول الشَّفاعة العامَّة، «وكان مَقصود السَّلَف في الاقتصارِ على هذا المِقدار من الحديث: هو الرَّد على الخوارج ومَن\n_________\n(^١) انظر «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٤٢٧).\n(^٢) الذي أخرجه البخاري في (ك: التفسير، باب: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، رقم: ٤٤٧٦)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلا، رقم: ٣٢٥).","vol":"2","page":1176},{"text":"تابعهم مِن المعتزلة، الَّذين أنكروا خروجَ أحدٍ مِن النَّار بعد دخولها، فيذكرون هذا القَدْر مِن الحديث الَّذي فيه النَّص الصَّريح في الرَّد عليهم فيما ذهبوا إليه مِن البدعةِ المخالفةِ للأحاديث» (^١).\nعلى أنَّه قد جاء في روايةٍ لحديثِ أنس ﵁ نفسِه تصريحُ النَّبي ﷺ بإجابته لاستشفاعهم به، في قوله: «.. فيأتوني -يعني النَّاسَ في المَحشر بعد ما أَتَوا عيسى ﵇- فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربَّي ..» (^٢).\nوكذا في حديث حذيفة ﵁ بيان المُضمَر من حديث أبي هريرة ﵁، في قول النَّبي ﷺ: «.. فيَأتون محمَّدا ﷺ، فيقوم، فيُؤذَن له، وتُرسل الأمانة والرَّحم، فتقومان جَنْبتي الصِّراط يمينًا وشمالًا، فيمرُّ أوَّلُكم كالبرق ..» (^٣).\nيقول القاضي عياض: «وبهذا يتَّصَلُ الحديث؛ لأنَّ هذه هي الشَّفاعة الَّتي لَجأ النَّاس إليه فيها، وهي الإراحةُ مِن المَوقف، والفصل بين العباد، ثمَّ بعد ذلك حلَّت الشَّفاعة في أمَّتِه وفي المُذنبين، وحلَّت شفاعةُ الأنبياء وغيرِهم والملائكة، كما جاء في الأحاديث الأُخر» (^٤).\nوبهذا تنمحي شُبهات العقول عن هذه الأخبارِ في شفاعتِه ﷺ، والحمد لله.\n_________\n(^١) «شرح الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، رقم: ٧٥١٠)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم: ٣٢٦).\n(^٣) أخرجه مسلم الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم: ٣٢٩). في (ك: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم: ٣٢٩).\n(^٤) «إكمال المعلم» (١/ ٥٧٨).","vol":"2","page":1177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>المبحث الخامس عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث شفاعة النَّبي ﷺ لعمِّه أبي طالب يوم القيامة</span>","vol":"2","page":1179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>المَطلب الأوَّل\nسَوْق أحاديث شفاعة النَّبي ﷺ\nلعمِّه أبي طالب يوم القيامة</span>\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه سمِع النَّبي ﷺ وذُكر عنده عمُّه، فقال: «لعلَّه تنفعُه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعَل في ضَحْضاحٍ (^١) مِن النَّار يبلغ كعبَيه، يغلي منه دماغُه» متَّفق عليه (^٢).\nوعن العبَّاس بن عبد المطلب ﵁ قال: يا رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء؟ فإنَّه كان يحوطُك ويغضبُ لك؟ قال: «نعم، هو في ضَحضاحٍ من نار، لولا أنا لكان في الدَّرك الأسفلِ من النَّار» متَّفق عليه (^٣)، وفي رواية لمسلم: «وجدتُه في غمراتٍ من النَّار، فأخرجتُه إلى ضحضاحٍ» (^٤).\nوعن ابن عباس ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أهونُ أهلِ النَّار عذابًا أبو طالب، وهو منتعلٌ بنعلين يَغلي منهما دماغُه» أخرجه مسلم (^٥).\n_________\n(^١) الضَّحضاح: في الأصل هو مارقٌ مِن الماءِ على وجهِ الأرض، ما يبلغ الكَعبين، فاستعارَه للنَّار؛ انظر «النَّهاية» لابن الأثير (٣/ ٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب: قصة أبي طالب، رقم: ٣٥٥٨)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم: ٣٦٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الأدب، باب: كنية المشرك، رقم: ٦٢٠٨)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم: ٣٥٧).\n(^٤) أخرجه ومسلم في (ك: الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم: ٣٥٨).\n(^٥) أخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب: أهون أهل النار عذابا، رقم: ٣٦٢).","vol":"2","page":1181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ\nلأحاديث شفاعة النَّبي ﷺ لأبي طالبٍ يوم القيامة</span>\nمُحصَّل ما أُورِد على هذه الأحاديثِ مِن معارضاتِ في مَطايا ردودِ المتأخِّرين مرتكزٌ على ثلاثةِ أمور:\nأولاها: أنَّ الحديثَ مخالفٌ لصَريحِ القرآن الكريم، حيث أخبرَ الله فيه أنَّ شرطَ الشَّفاعة رِضاه على المَشفوعِ له، في حينِ أنَّ أبا طالب ماتَ كافرًا، فليسَت تحِقُّ فيه الشَّفاعة.\nوفي تقريرِ هذا الاعتراضِ، يقول (حسن السَّقاف):\n«قد أخبرَ الله تعالى عن الكفَّار بأنَّهم ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وبأنَّهم ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥]، وبأنَّهم ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وبأنَّهم ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، إلى غير ذلك، والقائلون بعدمِ إيمانِ أبي طالب وكفرِه بموجب هذا الحديث أنَّه يُخفَّف عنه مِن العذاب بشفاعةِ النَّبي ﷺ! ونقول لهم: بأنَّ مِن شروط الشَّفاعةِ أن لا تكون إلَّا لمِن ارتضاه الله تعالى، لقوله ﷻ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]» (^١).\n_________\n(^١) من مقدمة تحقيق حسن السقاف لـ «أسنى المطالب في نجاة أبي طالب» لدحلان (ص/٢٣ - ٢٤).","vol":"2","page":1182},{"text":"الأمر الثَّاني: أنَّ الدَّرَك الأسفل مِن النَّار هي منزلةُ المنافقين خاصَّة، ولم يكُن أبو طالب منهم ليستحَقَّها.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (ابنُ قِرناس): «يبدو أنَّ مُختلقَ الحديثِ لا يعلم أنَّ عبارةَ (الدَّرك الأسفلِ مِن النَّار) لم تَرِد في القرآن إلَّا مرَّةً واحدةً وبحقِّ المنافقين، وليس بحقِّ المشركين الَّذين منهم أبو طالب!» (^١).\nالأمر الثَّالث: أنَّ ثَمَّة تناقضًا بين حَديثي أبي سعيدٍ الخدري والعبَّاسِ، يوجبان إسقاطهما، من جهتين:\nالجهة الأولى: أنَّ كلام النَّبي ﷺ جاء في حديث العبَّاس على سبيلِ الجزمِ: «لولا أنا لكانَ في الدَّرك الأسفلِ مِن النَّار»، بينما جاء في حديث الخدريِّ على سبيلِ الرَّجاء والارتيابِ: «.. لعلَّه تنفعُه شفاعتي يومَ القيامة» (^٢).\nالثَّانية: أنَّ الظَّاهرَ مِن حديثِ العبَّاس قِيامُ النَّبي ﷺ بالشَّفاعةِ لعمِّه أبي طالب وهو في الدُّنيا، بينما حديث أبي سعيد يدلُّ على أنَّ ذلك يكون في الآخرة (^٣).\n_________\n(^١) «الحديث والقرآن» (ص/٢٦٢).\n(^٢) من مقدمة تحقيقه لـ «أسنى المطالب في نجاة أبي طالب» (ص/٢٥).\n(^٣) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» لجعفر السبحاني (ص/٨٥).","vol":"2","page":1183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن أحاديثِ شفاعةِ النَّبي ﷺ لأبي طالب</span>\nأمَّا بخصوصِ دعوى مخالفةِ الحديثِ لشرطِ رِضا الله على المَشفوعِ له، وأبو طالب ماتَ كافرًا فليس بمرضيٍّ، فجوابه أن يُقال:\nلا خلافَ في أنَّ الكافرَ لا تنفعُه أعمالُه الحسنةَ نفعًا يخلِّصه مِن النَّار ويدخله الجنَّة، حتَّى ولو اقترنَ ذلك بشفاعةِ شافعٍ، فهذا مُنعَقدٍ عليه الإجماع (^١)؛ يبقى الكلامُ في تخفيفِ العذابِ عن الكافرِ بسبب حسناتِه؛ هل ذلك خاصٌّ بأبي طالب؟ أم أنَّه عامٌّ في مَن هو مثله؟ (^٢)\nوالرَّاجح مِن القَولين عند المُحقِّقين: اختصاصُ أبي طالب بهذا التَّخفيف دون غيره مِن المشركين، لورودِ النَّص بقبولِ شفاعةِ النَّبي ﷺ فيه خاصَّة، ولِذا عَدُّوه مِن جملةِ خصائِصه ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) نقل الإجماع: القاضي عياض في «إكمال المعلم» (١/ ٥٩٧)، والنووي في «شرحه على صحيح مسلم» (١٧/ ١٥٥).\n(^٢) انظر «المنهاج» للحليمي (١/ ٣٩٠)، و«إكمال المعلم» (٨/ ٣٤١)، و«فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٤٣١) ..\n(^٣) انظر «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٤٣١).","vol":"2","page":1184},{"text":"وهذا النَّوع من الشَّفاعة ليس مُناقضًا للدَّلائلِ القُرآنيَّةِ الَّتي تَنفي نفْعَ الشَّفاعة للمشركين؛ لأنَّ هذه المَنفيَّةَ في القرآنِ مَخصوصةٌ بالتَّخليصِ مِن العذابِ (^١)؛ فإنَّ الشَّفاعة في الخروجِ مِن النَّار لا تَتناول أهلَ الإشراكِ، وأبو طالب مات مُشركًا؛ فيكون المُراد بالنَّفعِ في آية: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]: «الخروج مِن النَّارِ كعُصاةِ الموحِّدين، الَّذين يخرجون منها ويدخلون الجنَّة» (^٢).\nثُمَّ إنَّ خروج فَردٍ من العمومِ لنَصِّ يَستثنيه مِمَّا لا ينتصب به التَّخالف بين الأدلَّة، إذ لا تَعارض بين عامٍّ وخاصِّ؛ اللَّهم إلَّا إن كان المُعترض ينكر مَذهبَ الجمهور في تخصيصِ السُّنةِ للكتابِ، فحينئذٍ يُنتقَل معه إلى نقاشِ هذ الأصل، وبيانِ بطلانِ قولِه فيه (^٣).\nيقول البيهقيُّ (ت ٤٥٨ هـ) في ردِّه على الحَليمي (ت ٤٠٣ هـ) (^٤) إنكارَه للحديث: «وجهُه عندي -والله أعلم- أنَّ الشَّفاعةَ للكُفَّار إنَّما امتنعَت لورودِ خبرِ الصَّادق بأنَّه لا يُشفَّع منهم أحد، وقد وَرد الخبرُ بذلك عامٌّ، فوردَ هذا عليه مَوردَ الخاصِّ على العامِّ» (^٥).\nوقال في موضعٍ آخر: «إنمَّا يَصِحُّ أن يقول: حديث أبي طالبٍ خاصٌّ في التَّخفيف عن عذابه بما صَنع إلى النَّبي ﷺ، خُصَّ به أبو طالب لأجلِ النَّبي ﷺ تطييبًا لقلبه، وثوابًا له في نفسِه، لا لأبي طالب، فإنَّ حسنات أبي طالب صارت بموتِه على كفرِه هَباءً منثورًا» (^٦).\n_________\n(^١) انظر «المُفهم» لأبي العباس القرطبي (٣/ ٨٤).\n(^٢) «التذكرة» للقرطبي (ص/٦٠٨).\n(^٣) انظر «الموافقات» للشاطبي (٤/ ٣٠٩)، و«إرشاد الفحول» للشوكاني (١/ ٣٨٦).\n(^٤) أنكره في كتابه «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٣٩٠) إلا من جهة تأوليه على معنى موافق للشرع.\nوالحليمي: هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني، أبو عبد الله الحَلِيمي، أوحدُ الشَّافعيين بما وراء النَّهر وأَنْظَرهم وآدَبُهُم بعد أستاذه أَبِي بَكْر القفَّال، كان رئيس أصحاب الحديث، وله التَّصانيف المفيدة، ينقلُ منها البيهقي كثيرًا، انظر «تاريخ الإسلام» (٩/ ٥٧).\n(^٥) «البعث والنشور» (ص/٦١).\n(^٦) «شعب الإيمان» (١/ ٤٤٥).","vol":"2","page":1185},{"text":"وقال: «حديث أبي طالبٍ صَحيح، ولا مَعنى لإنكار الحليميِّ ﵀ الحديثَ، ولا أدري كيف ذهبَ عنه صِحَّة ذلك! فقد رُوِي مِن أوجهٍ عن عبد الملك بن عمير، ورُوي مِن وجهٍ آخر صحيحٍ عن أبي سعيد الخدري عن النَّبي ﷺ بمعناه، وقد أخرجه صاحبا الصَّحيح وغيرهما مِن الأئمَّة في كتبهم الصِّحاح» (^١).\nوأمَّا دعوى المُخالفِ في المعارضة الثَّانية: أنَّ الدَّرْك الأسفل مِن النَّار منزلة المنافقين خاصَّة:\nفليس له ما يُسعِف به دعواه إلَّا مُجرَّد نفي أن يُسمِّي القرآن معهم فيه آخرين؛ ومَعلوم من حيث الأصول أنَّ ذكرَ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يَلزم منه تخصيص (^٢)، والآية تخلو مِن أيِّ أسلوب قصرِ، فليست تمنع وجود قومٍ سِوى المنافقين في تلك الدَّركة؛ بل لا مانع أن يُشاركهم فيها غيرهم مِمَّن يُساميهم في الإجرامِ، أو الاستخفاف بالدِّينِ والخديعةِ للمسلمين، ممَّن شاء الله أن يُغلِظَ لهم العذاب.\nيقول أبو العبَّاس القرطبي عن هذا الدَّركِ: «هو أشدُّ أطباقِ جهنَّم عذابًا -يعني الدَّركَ الأسفل- .. وكان أبو طالبٍ يَستحقُّ ذلك؛ إذْ كان قد عَلِم صدقَ النَّبي ﷺ في جميع حالاتِه، ولم يخفَ عليه شيءٌ مِن أموره، مِن مَولِده، وإلى حينِ اكتهالِه» (^٣).\nوأمَّا الدَّعوى الثَّالثة في توهُّم تعارضٍ بين حَديثِيْ العبَّاس والخدريِّ، لمَجيء الأوَّل بالجزمِ، والثَّاني بالرَّجاء والارتياب:\nفهي دعوى لا يَصحُّ النَّظر فيها إلَّا أن يُثبت المُخالف أنَّ الحديثين قِيلَا في زَمنٍ واحدٍ، أو أنَّ مَخرجهما واحدٌ على الأقلِّ؛ ودون هذا خَرط القتاد!\n_________\n(^١) «شعب الإيمان» (١/ ٤٤٤).\n(^٢) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٣٠٠)، و«إرشاد الفحول» (١/ ٣٣٦).\n(^٣) «المفهم» (٣/ ٨٣).","vol":"2","page":1186},{"text":"والقول باختلافِ زَمانَي الحديثين لا مَجال معه للقولِ بالتَّناقض، وبه يَلتئم الحديثان، بحيث يكون ما في حديث أبي سعيد الخدري تمنِّيًا منه ﷺ ودعاءً، ثمَّ أخبرَ بعدُ عن تحقُّقِه في حديثِ العبَّاس.\nيقول أبو العبَّاس القرطبي في شرحِ حديث الخدريِّ: «هذا المُترَجَّى في هذا الحديث قد تَحقَّق وقوعه؛ إذ قال ﷺ: «وجدتُه في غَمراتٍ فأخرجتُه إلى ضَحضاح»، فكأنَّه لمَّا ترجَّى ذلك أُعطيَه، وحُقِّق له، فأخبرَ به» (^١).\nهذا على فرضِ أنَّ (لَعلَّ) في حديث الخدريِّ خارجةٌ مَخرجَ التَّرجي والاحتمال، وإلَّا فمَعلومٌ عند النَّحويِّين أنَّ (لعلَّ) و(عَسى) تأتيانِ في لسانِ العرب للإيجابِ والتَّحقيق أيضًا (^٢)، ويحكُم في ذلك السِّياق والقَرائن، ولذا تَوارَد المُفسِّرون على القولِ بأنَّ (عَسى) و(لعلَّ) مِن الله واجبة التَّحقُّقِ (^٣).\nثمَّ دعوى المُعترضِ بأنَّ الظَّاهرَ مِن حديث العبَّاس ﵁ قيامُ النَّبي ﷺ بالشَّفاعة لأبي طالب وهو في الدُّنيا، بينما حديث أبي سعيد ﵁ يدلُّ على أنَّ ذلك سيكون في الآخرة: فهذا الَّذي حسِبه ظاهرًا مِن حديث العبَّاس حصرًا للنَّظر في صيغةِ الماضي في لفظِه ﷺ: «ولولا أنا (لكانَ) في الدَّرَك الأسفل مِن النَّار»: ليس هو الظَّاهر المُراد! فقد مرَّ تقرير أنَّ الظَّاهر إنَّما يُستفاد مِمَّا تبادر إلى فهمِ المُخاطَب وسَبق إلى ذهنِه مِن معناه (^٤)؛ وهذا يختلف بحسبِ السِّياق وما يُضاف إلى الكلام.\nإذا تَبيَّن هذا: فإنَّ المُتبادرَ إلى ذهنِ القارئ العربيِّ المُلِّم بجميعِ الرِّوايات: أنَّ لفظ «كان» -وإن كان في أصلِه فِعلًا ماضيًا- فإنَّه في هذا الحديث مُفيدٌ لمعنى الاستقبال.\n_________\n(^١) «المفهم» (٣/ ٨٤).\n(^٢) انظر «حروف المعاني والصفات» للزجاجي (ص/٣٠).\n(^٣) انظر «جامع البيان» (١٥/ ٤٣)، و«التحرير والتنوير» (٥/ ١٧٨).\n(^٤) انظر (ص/؟)","vol":"2","page":1187},{"text":"وفائدة الإتيانِ بهذه الصَّيغةِ للماضي في الحديث: «أنَّ الفِعلَ الماضي إذا أُخبِر به عن الفعلِ المُستقبل الَّذي لم يُوجَد بعدُ، كان ذلك أبلغَ وأوْكدَ في تحقيقِ الفعلِ وإيجادِه؛ لأنَّ الفعلَ الماضي يُعطي مِن المعنى أنَّه قد كان وَوُجِد، وإنمَّا يُفعَل ذلك إذا كان الفعل المُستقبل مِن الأشياءِ العَظيمةِ الَّتي يُستعظَم وُجودُها» (^١).\nوحسبُك مثالًا على هذا: إخبارُ المولى ﷿ عن تحقُّقِ قيام السَّاعة في قولِه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فكذا شفاعةُ النَّبي ﷺ لعمِّه أبي طالب، إنَّما محلُّها يوم القيامة، إلَّا أنَّ إخباره عن هذا بصيغةِ الماضي هو منه على سبيلِ التَّوكيد والتَّحقيق والتَّعظيم؛ والحمد لله على توفيقِه.\n_________\n(^١) «المثل السَّائر في أدب الكاتب والشَّاعر» لابن الأثير (٢/ ١٥).","vol":"2","page":1188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>المَبحث السادس عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ ذَبِح الموتِ بين الجنَّةِ والنَّارِ</span>","vol":"2","page":1189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديثِ ذَبِح الموتِ بين الجنَّةِ والنَّارِ</span>\nعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إذا صارَ أهل الجنَّة إلى الجنَّة، وأهل النَّار إلى النَّار، جِيء بالموتِ حتَّى يُجعل بين الجنَّة والنَّار، ثمَّ يُذبح، ثمَّ ينادي منادٍ: يا أهل الجنَّة لا موت! ويا أهل النَّار لا موت! فيزدادُ أهل الجنَّة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النَّار حزنًا إلى حُزنِهم» (^١).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«يُؤتى بالموت كهيئةِ كبشٍ أَمْلَح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنَّة! فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت! وكلُّهم قد رآه، ثمَّ ينادي: يا أهل النَّار، فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت! وكلُّهم قد رآه، فيُذبح، ثمَّ يقول: يا أهل الجنَّة: خلودٌ فلا موت، ويا أهل النَّار: خلودٌ فلا موت، ثمَّ قرأ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وهؤلاء في غفلةِ أهل الدُّنيا ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، رقم: ٦٥٤٨)، ومسلم في (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم: ٢٨٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: التفسير، باب قوله: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، رقم: ٤٧٣٠)، ومسلم في (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم: ٢٨٤٩).","vol":"2","page":1191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>المطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديث ذبِح المَوت بين الجنَّة والنَّار</span>\nمِن أشهرِ ما أورده المُعترضون على حديثِ ذبحِ الموت بين الجنَّة والنَّار: مُعارضة عقليَّة مرتكزها كون الموت عَرَضًا أو معنًى، وليس جسمًا، والأعراض لا تَنقلِب أجسامًا، فكيف للمَوتِ إذن أن يُذبح؟!\nفلأجل هذا التَّصوُّر توقَّف (جواد عفَّانة) «فيه متنًا، .. لأنَّ الموتَ ليس بكائنٍ حَيٍّ حتَّى يُذبَح» (^١).\nواستنبط من ذلك (نيازي) بأنَّ أصلَ الحديث مُقتبسٌ مِن الإسرائيليَّات! حيث عثر في «العهد الجديد: كتاب أهل المسيح، ما نصُّه: .. وطُرح الموتُ وهاويةُ الموتى في بُحَيرة النَّار»! (^٢)\nوأصل الاعتراضِ على هذا الحرفِ مِن الحديث قَديم، قد انقسمَ المُتكلِّمون حيالَه إلى طائفتين:\nطائفة لم تَرفع بحديثِ رسولِ الله ﷺ رأسًا، فلم تَتردَّد في إنكارِه والتَّشطيب عليه، ولم تُكلِّف نفسَها تفسيرَه على ما يُوافق العقلَ ولا الشَّرع.\n_________\n(^١) «صحيح البخاري مخرَّج الأحاديث محقَّق المعاني» (٣/ ١٦٣٨).\n(^٢) «دين السلطان» (ص/٩٢٢).","vol":"2","page":1192},{"text":"وأخرى لم تجحَد صحَّةَ الحديث، لكنَّها استفرَغت جُهدَها في تأوُّله على غير ظاهرِه بتأويلاتٍ مُتضاربةٍ، تنزِع عن الحديثِ وصمَ المصادمةِ لبَدهيَّات العقول.\nيقول أبو بكر ابن العربيِّ: «لمَّا سمِع النَّاسُ هذا الحديث .. قالت طائفة: لا نقبله، فإنَّه خَبر واحد، وأيضًا فإنَّه جاء بما يُناقض العقل، فإنَّ الموت عَرَض، والعَرض لا ينقلب جسمًا، ولا يعقل فيه ذبحًا، ولمَّا استحال ذلك عقلًا، وجب أن يُمنَح الحديث ردًّا!\nوقالت طائفة أخرى: إنْ كان ظاهره مُحالًا، فإنَّ تأويله جائز، واختلفوا في وجهِ تأويله على أقوال .. أصلها قولان:\nأحدهما: أنَّ هذا مَثَل، كما لو رَأى أحدٌ ذلك في المنامِ في زمانِ وَباء، فيُقال له: هذا الوَباء قد زال، ويقع في قلبِه في المنام أنَّ ذلك هو الوَباء، وأنَّه بِذبْحِه يرتفع عن المكانِ الَّذي هو فيه.\nالثَّاني: أنَّ الَّذي يُؤتى به مُتَوَلِّي الموت، وكلُّ مَيِّت يعرفُه، فإنَّه توَلَّاه، فإذا استقرَّت المعرفة به، أُعدِم لهم العَدَم الَّذي عهِدوه ..» (^١).\nيقول ابن حجر معلِّقًا على هذا القول الثَّاني: «وارتضَى هذا بعضُ المتأخِّرين، وحَمَل قولَه: هو الموت الَّذي وُكِّل بنا: على أنَّ المُراد به: مَلَك الموت، لأنَّه هو الَّذي وُكِّل بهم في الدُّنيا ..» (^٢).\n_________\n(^١) «العواصم من القواصم» (ص/٢٣٦).\n(^٢) «فتح الباري» (١١/ ٤٢١)، وقد سبق ابنَ العربيَّ إلى هذا التَّأويل: شيخُه أبو حامد الغزالي، كما تراه في رسالته «فيصل التَّفرقة «(ص/٢٥٨ - ضمن رسائل الغزالي).","vol":"2","page":1193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديث ذبح الموت بين الجنَّة والنَّار</span>\nفقد دَرجَ بعض أئمَّة السُّنة في مَطاوي مَعْلماتِهم الجامعةِ لأحرفِ الاعتقادِ، على عدِّ الإيمان بما تضَمَّنه حديثا ابنِ عمر وأبي سعيدٍ الخدري ﵃ مِن جُمَل عقائدِهم الَّتي يُجاهِرون بها أهلَ الأهواءِ والبِدَع، لِما صَحَّت عندهم في ذلك الأخبار عن النِّبي المختار ﷺ، ودوَّنه الجهابذة الأخيار، ونقَلوه للأمَّةِ مِن غير إنكار.\nيقول عبد الغنيُّ المقدسيُّ (ت ٦٠٠ هـ): «نُؤمِن بأنَّ الموتَ يُؤتَى به يومَ القيامة فيُذبَح، كما روى أبو سعيد الخدري ﵁» (^١).\nويقول ابن قُدامة (ت ٦٢٠ هـ): «.. ويُؤتى بالموتِ في صورةِ كبشٍ أملحٍ، فيُذبح بين الجنَّة والنَّار» (^٢).\nويقول صدِّيق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ): «.. والمَوت يُؤتى به يوم القيامة فيُذبح، كما روى أبو سعيد عن النَّبي ﷺ» (^٣).\n_________\n(^١) «الاقتصاد في الاعتقاد» (ص/١٩٤).\n(^٢) «لمعة الاعتقاد» (ص/٣٣).\n(^٣) «قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر» (ص/١٢٧).","vol":"2","page":1194},{"text":"وكثيرٌ مِن علماءِ الكلامِ -مع تسليمِهم بصحَّةِ الحديث- يُحيلون ظاهرَه، فيتأوَّلونه على المعنى الَّذي تَستسيغه العقول، ولا تنكره في نظرِهم:\nفمرَّةً يتأوَّلون الموتَ فيه: على أنَّه ملَك الموت -كما سبق نقله قريبًا عن ابن العربيِّ وابن حجر-.\nومرَّةً يتأوَّلونه على كونِه شخصًا يخلُقه الله يُسمِّيه الموت! (^١)\nومرَّةً يحمِلونه على مجرَّد التَّمثيل والتَّشبيه، وأن لا حقيقة لذلك في الخارج (^٢).\nوالَّذي يُستحسن بنا علمُه ابتداءً: أنَّا إذا وقفنا على أمرٍ من الغيوب المَحكيَّة في نصوص الوحيِ فلا نضرب له الأمْثالَ (^٣)؛ وجميع ما مرَّ من تلك التَّأويلات -وإن كانت خيرًا مِن جَلافةِ الطَّعنِ في الحديث بالمرَّة- لا داعيَ لها حيث أمكنَ حملُ معنى الحديثِ على الحقيقة؛ وليس مِن حقيقة الحديث تحوُّل الأعراضِ والمعاني نفسِها إلى أجسامٍ مَحسوسةٍ! هذا في بدائِه العقولِ مُمتنع لذواتِه، ولا نَطَق بهذا النَّبي ﷺ ولا أراده.\nوإنَّما معناه المُراد به: ما أجاد ابن قيِّم الجوزيَّة الإبانةَ عنه بأنصعِ عبارةٍ في قولِه:\n«هذا الكبش، والإضجاع، والذَّبح، ومُعاينة الفَريقين: ذلك حقيقةٌ، لا خيالٌ ولا تمثيلٌ، كما أخطأَ فيه بعض النَّاس خطأً قبيحًا، وقال: الموت عَرَض، والعَرض لا يَتجسَّم، فضلًا عن أن يُذبَح! وهذا لا يصحُّ، فإنَّ الله سبحانه يُنشئ مِن الموتِ صورةَ كبشٍ يُذبَح، كما يُنشِئ مِن الأعمالِ صورًا مُعايَنةً يُثاب بها ويُعاقَب.\nوالله تعالى يُنشِئ مِن الأعراضِ أجسامًا تكون الأعراضُ مادَّةً لها، ويُنشِئ مِن الأجسامِ أعراضًا، كما يُنشِئ ﷾ مِن الأعراضِ أعراضًا، ومِن الأجسامِ\n_________\n(^١) ممن قال بذا أبو عبد الله القرطبي في «التذكرة» (ص/٣٨٦).\n(^٢) وممن قال به: المازَري، نقله عنه السيوطي في «الحاوي للفتاوي» (٢/ ١٨٢).\n(^٣) «فيض الباري» للكشميري (٥/ ٣٢٢).","vol":"2","page":1195},{"text":"أجسامًا، فالأقسام الأربعة مُمكنةٌ مَقدورةٌ للرَّبِ تعالى، ولا يَستلزم جمعًا بين النَّقيضين، ولا شيئًا من المُحال.\nولا حاجة إلى تكلُّفِ مَن قال: أنَّ الذَّبح لملَكِ المَوتِ! فهذا كلُّه مِن الاستدراك الفاسدِ على الله ورسولِه، والتَّأويلِ الباطلِ الَّذي لا يُوجِبه عقلٌ ولا نقلٌ، وسببُه: قِلَّة الفهمِ لمُرادِ الرَّسول ﷺ مِن كلامِه؛ فظنَّ هذا القائلُ أنَّ لفظَ الحديثِ يدلُّ على أنَّ نفسَ العَرَضِ يُذبح، وظنَّ غالطٌ آخر أنَّ العَرَضَ يُعدَم ويزول، ويصير مكانَه جسمٌ يُذبح!\nولم يهتدِ الفريقان إلى هذا القول الَّذي ذكرناه، وأنَّ الله سبحانه يُنشِئ مِن الأعراض أجسامًا، ويجعلها مادَّة لها، كما في الصَّحيح عنه: «تَجِيء البقرة وآل عمران يومَ القيامة كأنَّهما غَمامَتان» الحديث (^١)، فهذه هي القراءة الَّتي يُنشِئها الله ﷾ غَمامتين.\nوكذلك قوله في الحديث الآخر: «إنَّ ما تذكرون مِن جَلال الله: مِن تسبيحِه، وتحميدِه، وتهليلِه، يتَعاطَفن حول العرشِ، لهن دَوِيٌّ كدَويِّ النَّحل، يُذكِّرنَ بصاحبهنَّ»، ذكره أحمد (^٢).\nوكذلك قوله في حديث عذابِ القبر ونعيمه، للصُّورة الَّتي يراها فيقول: «مَن أنت؟ فيقول: أنا عملُك الصَّالح، .. وأنا عملُك السَّيء» (^٣).\nوهذا حقيقةٌ لا خيال، ولكنَّ الله سبحانه أنشأَ له مِن عملِه صورةً حسنةً وصورةً قبيحةً، وهل النُّور الَّذي يُقسَم بين المؤمنين يومَ القيامة إلَّا نفسُ إيمانهم؟!\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: الصلاة، باب: فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة، برقم: ٨٠٤).\n(^٢) أخرجه في «المسند» (٣٠/ ٣٣٧، رقم: ١٨٣٨٨)، وقال مخرجوه في هامشه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصَّحيح، غير موسى بن مسلم الطحان، فمِن رجال أصحاب السُّنن عدا الترمذي، وهو ثقة».\n(^٣) أخرجه أحمد في «المسند» (٣٠/ ٥٠١، برقم: ١٨٥٣٤)، والحاكم في «المستدرك» (ك: الإيمان، رقم: ١٠٧) وغيرهما، قال البيهقي في «الشُعب» (١/ ٦١٠): «هذا حديث صحيح الإسناد»، وقال ابن منده في «الإيمان» (٢/ ٩٦٢): «هذا إسناد متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء .. وهو ثابت على رسم الجماعة».","vol":"2","page":1196},{"text":"أنشأ الله سبحانه لهم منه نورًا يَسعى بين أيديهم، فهذا أمرٌ مَعقولٌ لو لم يَرِد به النَّص، فورود النَّص به مِن باب تطابق السَّمع والعقل» (^١).\nوإلى هذا المعنى نَزَع أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ) في تخريجه لـ «المُسند»، فبعد أن نَقل استشكالَ ابنَ العربيِّ للحديثِ ومحاولَته تأويلَه، قال مُعلِّقًا عليه:\n«كلُّ هذا تكلُّفٌ وتَهجُّم على الغيبِ الَّذي استأثر الله بعلمِه، وليس لنا إلَّا أن نؤمن بما وَرد كما وَرد، لا نُنكر ولا نتأوَّل؛ والحديث صحيح .. وعالم الغيب الَّذي وراء المادَّة لا تُدركه العقول المقيَّدة بالأجسام في هذه الأرض، بل إنَّ العقول عَجزت عن إدراكِ حقائق المادَّة الَّتي في مُتناول إدراكها، فما بالها تسمو إلى الحكمِ على ما خرج مِن نطاق قدرتِها ومِن سِلطانها؟! .. فخيرٌ للإنسانِ أن يُؤمن وأن يعمل صالحًا، ثمَّ يَدَع ما في الغيبِ لعالمِ الغيبِ، لعلَّه ينجو يومَ القيامة» (^٢).\nوالحمد لله.\n_________\n(^١) «حادي الأرواح» (ص/٤٠١ - ٤٠٢).\n(^٢) «مسند الإمام أحمد» بتخريج أحمد شاكر (٥/ ٣٣٣).\n\nقلت: د. يوسف القَرضاوي -وهو مِمَّن نحا مَنحى الاستبعادِ والإحالةِ للحديث- بعدَ نقلِه إنكارَ أحمد شاكرٍ على ابنِ العربيِّ تأويلَ الحديث، اعترِفَ أنَّ مسْلكَ شاكرٍ يقوم على «مَنطقٍ قَويٍّ ومُقنِعٍ»، لكنَّه رجَّح مع ذلك طريقةِ المُتأوِّلين للحديث، حيث قال في كتابه «كيف نتعامل مع السنة النبوية» (ص/١٨٢):\n«كلام الشَّيخ -يعني أحمد شاكر- .. يقوم على مَنطقٍ قويٍّ مُقنِعٍ، ولكنَّه في هذا المَقام خاصَّةً غير مُسَلَّم، والفِرار مِن التَّأويل هنا لا مُبرِّر له، فمِن المَعلوم المُتيقَّن الَّذي اتَّفَق عليه العقل والنَّقل: أنَّ الموتَ الَّذي هو مفارقةُ الإنسانِ للحياةِ ليس كبشًا، ولا ثورًا، ولا حيوانًا مِن الحيوانات؛ بل هو معنىً مِن المعاني، أو كما عبَّرَ القدماء: عَرَضٌ من الأعراض، والمعاني لا تنقلِبُ أجسامًا ولا حيواناتٍ؛ إلَاّ مِن بابِ التَّمثيل والتَّصَوُّر الَّذي يجسِّم المعاني والمَعقولات، وهذا هو الأليق بمخاطبةِ العقلِ المعاصرِ، والله أعلم».\nوقد سبق ترجيح النَّأي عن هذا المسلك في التَّعامل مع الحديث في أعطافِ كلامِ ابن القيِّم، ولَم أرَ د. القَرضاويَّ يشير إليه موافقةً أو مخالفةً، فلعلَّه لم يَرَه أو لم يُقنعه، والله أعلم.","vol":"2","page":1197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>الفصل الرابع\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث المُتعلِّقة بالنَّبي ﷺ</span>","vol":"2","page":1199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>المَبحث الأوَّل\nنقد المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للحديثِ الدَّالِ على سِحْرِ النَّبي ﷺ</span>","vol":"2","page":1201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>المَطلب الأوَّل\nسَوق الحديث الدَّال على سِحر النَّبي ﷺ</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: سَحرَ رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُريق يقال له (لَبِيد بن الأعصم)، حتَّى كان رسول الله ﷺ يُخيَّل إليه أنَّه كان يفعل الشَّيء وما فعَلَه، حتَّى إذا كان ذات يومٍ -أو ذات ليلة- وهو عندي، لكنَّه دعا ودعا، ثمَّ قال: «يا عائشة، أشَعَرْتِ أنَّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدُهما عند رأسي، والآخر عند رجلي:\nفقال أحدُهما لصاحبه: ما وَجع الرَّجل؟\nفقال: مَطبوب (^١).\nقال: مَن طبَّه؟\nقال: لَبيد بن الأعصم.\nقال: في أيِّ شيء؟\nقال: في مشطٍ ومُشاطة (^٢)، وجُفِّ طَلع (^٣) نخلةٍ ذَكَر.\nفقال: وأين هو؟\n_________\n(^١) مطبوب: أي مسحور، كناية بالطِّب عن السِّحر تفاؤلًا بالبُرءِ، انظر «النهاية» لابن الأثير (٣/ ١١٠).\n(^٢) مُشط ومُشاطة: هي الشَّعر الَّذي يسقط من الرأس واللِّحية عند تسريح بالمُشط، انظر المصدر السابق (٤/ ٣٣٤).\n(^٣) جفُّ طلع: وِعاء الطَّلع، وهو الغِشاء الَّذي يكون فوقه، انظر المصدر السابق (١/ ٢٧٨).","vol":"2","page":1203},{"text":"قال: في بئر ذروان».\nفأتاها رسول الله ﷺ في ناسٍ مِن أصحابه، فجاء فقال: «يا عائشة، كأنَّ ماءَها نُقاعة الحنَّاء (^١)، وكأنَّ رؤوس نخلِها رؤوس الشَّياطين».\nقلتُ: يا رسول الله، أفلا استخرجتَه؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهتُ أن أثير على النَّاس فيه شرًّا»، فأمر بها فدُفِنت) (^٢).\nوفي رواية للبخاريِّ (^٣): عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ سُحر، حتَّى كان يرى أنَّه يأتي النِّساء، ولا يأتيهنَّ -قال سفيان: وهذا أشدُّ ما يكون السِّحر إذا كان كذا- فقال: «يا عائشةُ، أعلمتِ أنَّ الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ ..»، الحديث.\nوجاء فيه: أنَّ «لَبيد بن الأعصم، رجل مِن بني زُريق، حليف لليهود، كان منافقًا».\nوجاء فيه: «في جفِّ طلعةٍ ذَكَر تحت رَعُوفَةٍ (^٤) في بئر ذروان».\n_________\n(^١) نُقاعة الحناء: النُّقاعة هو الماء الَّذى يُنقع فيه الحنَّاء، انظر «شرح النووي على مسلم» (١٤/ ١٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الطب، باب: السحر، رقم: ٥٧٦٦) ومسلم في (ك: السَّلام، باب: السِّحر، رقم: ٢١٨٩).\n(^٣) أخرجها في (ك: الطب، باب: هل يستخرج السحر؟ رقم: ٥٧٦٥).\n(^٤) الرُّعُوفة: صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفُرت، تكون ناتئة هناك، فإذا أَرادوا تنقية البئر جلس المُنقِّي عليها، وقيل: هي حجرٌ يكون على رأْس البئر يقوم المُستقي عليها، انظر «الصِّحاح» للجوهري (٤/ ١٣٦٦).","vol":"2","page":1204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضات الفكريَّةِ المعاصرةِ\nلحديثِ سحرِ النَّبي ﷺ</span>\nحاصل مُعارضات الآبِينَ لتَقبُّلِ خبرِ سحرِه ﷺ ترتكز على أربعِ مُعارضات:\nالمعارضة الأولى: أنَّ السِّحرَ ليسَ له حقيقةٌ أصلًا.\nوهذا المسلك جَنح إلى سلوكِه طائفةٌ مِن المعتزلةِ، وأبو مَنصور المَاتريديُّ (^١)، وتَبِعهم جماعةٌ مِن فضلاء المُتأخِّرينَ، كجمالِ الدِّين القاسِمي (^٢)، والطَّاهر ابن عاشور (^٣)، وغيرهما مِمَّن تأثَّرَ في هذا البابِ بمادَّةٍ اعتزاليَّةٍ تقوم على أساسِ التَّسويةِ بين جنسِ مُعجزاتِ الأنبياءِ وجنسِ سِحْرِ السَّحَرة، فالقولُ عندهم بحقيقةِ الثَّاني يَنشأ عنه نوعُ تَلبيسٍ في التَّميِيزِ بينهما.\nفلِكَيْ يَسلمَ للمُعتزلةِ بابُ النُبوَّة، أَنكروا خرْقَ العادةِ لغيرِ نَبيٍّ! والتَزَموا لذلك إنكارَ السِّحرِ وكراماتِ الأولياء، وكلِّ ما هو خارقٌ للعادة (^٤).\nلِذا نجدُ عبدَ الجبَّار المُعتزليَّ (ت ٤١٥ هـ) حين ظَنَّ أنَّ إثباتَ حَقيقةٍ للسِّحر يقتضي أن يَجْريَ على يَدِ السَّحَرة ما هو مِن قَبِيل ما يَعجزُ عنه الإنسُ والجنُّ،\n_________\n(^١) انظر «التوحيد» للماتريدي (ص/٢٠٩).\n(^٢) انظر «محاسن التأويل» (٩/ ٥٧٧).\n(^٣) انظر «التحرير والتنوير» (١/ ٦٣٣).\n(^٤) انظر «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار (ص/٥٦٨ - ٥٧٢)، و«النبوات» لابن تيميَّة (١/ ٤٨٤).","vol":"2","page":1205},{"text":"حَصَر أَثرَ السِّحرِ فيما لا يَخرجُ عن الوجهِ الَّذي يَحتالُ أحدُنا فيه مِن أَنواعِ المَضرَّة، فأَنكرَ بذلك استطاعةَ السَّاحِر أَن يُلحِق الضَّرَرَ بالمَسحورِ على وجهٍ لا يُباشر فيه السَّاحرُ المسحورَ بالأَذى.\nفلمَّا كان حديثُ عائشةَ ﵂ في تأثُّرِ النَّبيِّ ﷺ بسِحْرِ لَبِيدٍ عن بُعْدٍ دَليلًا بيِّنًا على خلافِ ما اعتقَده: سارَعَ عبد الجبَّارِ إلى إنكارِ الخبر (^١)! بل غَلَا أبو بكرِ الجصَّاص فنَسَبه إلى وَضعِ المُلحِدين! (^٢)\nوإنكارُ مثلِ الجصَّاص -كما يقول الحجويُّ- «لا يُؤثِّر في الحديث شيئًا، لأنَّ ابنَ الجصَّاص ليس مِن أئمَّة الحديث، وكتابُه (أحكام القرآن) بين أيدينا، فما رأيناه يَلتفتُ إلى أحاديث «الصَّحيحين» بنَفيٍ ولا إثباتٍ، كأنَّه لا روايةَ له فيهما!» (^٣).\nمثل هذا الاعتقاد المَشِين في الحديث قد انْطَوَى في عباراتٍ لـ (محمَّد عبده) أثناءَ حَصرِه لفظَ (السِّحر) في الحديث في مَعناه اللُّغويِّ على مَعنى التَّخيِيل، دون أن يلتفت إلى ما فهمه عليه السَّلف في مَوارِدِه الشَّرعيَّة؛ يقول: «.. جاء ذِكرُ السِّحرِ في القرآنِ في مَواضع مختلفةٍ، وليس مِن الواجبِ أن نَفهم منه ما يَفهمُ هؤلاء العُمْيان! فإنَّ السِّحْرَ في اللُّغةِ مَعناه: صَرفُ الشَّيء عن حَقيقتِه .. وماذا علينا لو فَهِمنا مِن السِّحرِ الَّذي يُفَرِّقُ بين المَرءِ وزوجِه تلك الطُّرق الخبيثةِ الدَّقيقةِ الَّتي تصرف الزَّوجَ عن زوجتِه، والزَّوجة عن زوجِها؟!» (^٤).\nوعلى نفس هذا المهْيَعِ في التَّأويل جرى (سيِّد قطب) في خواطره عن آيةِ النَّفاثَّاتِ مِن سورةِ الفَلَق، يقول فيها: «السِّحرُ لا يُغيِّر مِن طبيعةِ الأشياء، ولا يُنشئ حقيقةً جديدةً لها، ولكنَّه يُخيِّل للحواسِّ والمَشاعرِ بما يريده السَّاحر، وهذا هو السِّحرُ كما صَوَّرَه القرآن الكريم في قصَّةِ موسى ﵇ .. وهكذا لم\n_________\n(^١) انظر كتابه «متشابه القرآن» (ص/١٠٢،٧٠٨).\n(^٢) انظر «أحكام القرآن» للجصاص (١/ ٦٠).\n(^٣) «الدفاع عن الصحيحين دفاع عن الإسلام» للحجوي الفاسي (ص/١٠٧).\n(^٤) «مجلة المنار» (٣٣/ ٤١ - ٤٣).","vol":"2","page":1206},{"text":"تَنقلب حِبالُهم وعِصيُّهم حيَّاتٍ فِعلًا، ولكن خُيِّل إلى النَّاسِ -وموسى معهم- أنَّها تَسعى ..\nهذه هي طبيعة السِّحر كما ينبغي لنا أن نُسلِّم بها، وهو بهذه الطَّبيعة يؤثِّر في النَّاس، ويُنشِئ لهم مَشاعر وِفقَ إيحائِه .. مَشاعرَ تُخِيفهم وتُؤذِيهم، وتُوَجِّههم الوِجهةَ الَّتي يريدُها السَّاحر، وعند هذا الحَدِّ نقِفُ في فهمِ طبيعةِ السِّحرِ والنَّفثِ في العُقَد» (^١).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ في إثباتِ الحديثِ زَعْزعةَ الثِّقةِ بعصمةِ النَّبي ﷺ، خصوصًا ما تَعلَّق بأمرِ التَّبليغ؛ إذْ لو جُوِّز أنَّه سُحِرَ، وأنَّه يُخيَّل إليه أنَّه يفعلُ الأَمر ولا يفعله: فليس عندئذٍ ما يَمنعُ مِن جريانِ هذا التَّخيِيل فيما يُبلِّغُهُ رسول الله ﷺ، فتسقطُ عند ذلك الثِّقةُ بالدِّين.\nوفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (محمَّد عبده) في تفسيرِه لـ «جزءَ عمَّ»:\n«لا يخفى أنَّ تأثيرَ السِّحرِ في نفسِه ﷺ حتَّى يَصِلَ به الأمرُ إلى أن يظنَّ أنَّه فَعَلَ شيئًا وهو لا يفعله: ليس مِن قَبِيل تأثيرِ الأمراضِ في الأبدان، ولا قَبيل عُروضِ السَّهو والنِّسيانِ في بعض الأمور العاديَّة، بل هو مَاسٌّ للعقلِ، آخذٌ بالرُّوح ..\nوإذا خولِط النَّبي ﷺ في عقلِه كما زَعموا، جازَ عليه أن يَظُنَّ أنَّه بلَّغ شيئًا، وهو لم يبلِّغه، أو أنَّ شيئًا نَزَل عليه، وهو لم يَنزل عليه!» (^٢).\nويختارُ (سيِّد قُطب) السَّيْرَ على مِنوالِ (عبدُه) مرَّة أخرى في مَوقِفه مِن هذا الحديث، مُوثِرًا الشَّطبَ على كلِّ ما يَمَسُّ في رأيِه جَناب التَّبليغ، فتراه يقول: «هذه الرِّوايات تُخالف أصلَ العِصمة النَّبوية في الفعلِ والتَّبليغ، ولا تَستقيم مع الاعتقادِ بأنَّ كلَّ فِعلٍ مِن أفعاله ﷺ، وكلَّ قَوْلٍ مِن أقوالِه سُنَّة وشريعة» (^٣).\n_________\n(^١) «في ظلال القرآن» (٦/ ٤٠٠٧).\n(^٢) «مجلة المنار» (٣٣/ ٤١ - ٤٣).\n(^٣) «في ظلال القرآن» (٦/ ٤٠٠٨).","vol":"2","page":1207},{"text":"فـ (عبدُه) و(قُطب) إنْ كانا قد تَوَهَّما بتكذيبِهما للخَبر أنَّهما بذلك قد نصرا السُّنةَ وأثبتا دعائِمَها، فقدَ تكالبَ غيرهُما على ترداد نفسِ شُبهتِهما مِن طوائف أهلِ الرَّفضِ ومُنكري السُّنن لهدمِ صَرحِ السُّنَةِ بالمرَّة! وقذْفِ الرِّيَبِ في قلوبِ أهلِها منها.\nترى قُبحَ ما انطوَت عليه صُدور هؤلاء القومِ في مثل قول (هاشم معروف) الإماميِّ: «كيف يصِحُّ على نبيٍّ لا ينطق عن الهوى كما وصَفه ربُّه، أن يكون فِريةً للمُشَعوذين، فيفقدَ شعورَه، ويَغيبَ عن رُشدِه، ومع ذلك يصفه القرآن بأنَّه لا يَنطق إلَّا بما يوحى إليه، ويفرض على النَّاس أجمعين أن يقتدوا بأقوالِه وأفعالِه؟! والمَسحور قد يقول غير الحقِّ، ويفعل ما لا يجوز فعله على سائر النَّاس، وقد يخرج عن شعورِه وإدراكِه» (^١).\nوكذا في قولِ (سامر إسلامبولي): «هذا السِّحرُ في العقلِ يَتصادم بشكلٍ صريحٍ مع مَقامِ النُّبوة، لأنَّ النَّبي ﷺ (^٢) مَعصومٌ عن أيِّ شيءٍ يُصيب عقلَه مِن تخريفٍ وهَلوسةٍ وهذيانٍ وجنونٍ، وغير ذلك مِن الأمراض الَّتي تُصيب العقل، وهذا الحفظ الرَّبانيُّ هو ضرورة لحفظ مادَّة الوحيِ مِن الضَّياع أو التَّشكيك فيها، فالقولُ بسِحر النَّبي ﷺ هو طعنٌ بمادَّةِ الوحي، لأنَّ المَسحور لا يُؤخَذ منه شيء، لفقدانِه أهليَّة التَّبيلغ، وعدم الثِّقة بعقله وحكمه على الأشياء» (^٣).\nأمَّا (إسماعيل الكرديُّ)، فبلَّغه فهمُه ليُسنِد هذه الشُّبهة إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، قال: «أيُنكِرون قولَ الله بأنَّه عَصَم رسولَه مِن أيِّ تأثيرٍ للنَّاس عليه؟ ويُثبِتون حديثًا مُلفَّقًا لا لشيءٍ، إلَّا لأنَّه في البخاريِّ ومسلم؟!» (^٤).\n_________\n(^١) «دراسات في الكافي وصحيح البخاري» (ص/٢٤٧).\n(^٢) الصَّلاة على سيدي رسول الله ﷺ زيادة مِني على نصِّ المنقول عنه، حيث حُرم الصَّلاة عليه متى ذكره، كما هي عادة المنكرين للسنة عمومًا في خطاباتهم ومؤلَّفاتهم.\n(^٣) «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٤٤).\n(^٤) نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث ص/١٦٠.","vol":"2","page":1208},{"text":"المعارضة الثَّالثة: أنَّ في إثباتِ سحرٍ للنَّبي ﷺ تَكذيبًا لنَفْيِ القرآن عنه ﷺ ذلك، بيان ذلك:\nفي ما شَنَّعه (محمَّد الغزالي) على أهلِ الحديثِ من روايتهم لهذا الخبر قائلًا: «إذا صَحَّ هذا، فلِمَ لا يَصِحُّ قولُ المُشركين: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨]؟!» (^١).\nوالمَنزع القُرآنيُّ لهذه الشُّبهة اعتزاليٌّ قديم، لا يَكاد يخلو منه كلامُ مَن ردَّ الحديث مِن الأقدمين، وتوارثته المُنكِرون، حتَّى أورده (محمَّد عبده) ليردَّ به على بعضِ الأزاهرةِ الَّذين أنكروا عليه ردَّ حديث السِّحر، فكان يسخرُ من أحدِهم قائلًا:\n«يحتجُّ بالقرآنِ في ثبوتِ السِّحرِ، ويُعرِض عن القرآنِ في نفيِه السِّحرَ عنه ﷺ، وعَدِّه مِن افتراءِ المشركين عليه، ويؤوِّل في هذه، ولا يؤوِّل في تلك! مع أنَّ الَّذي قَصَدَه المشركون ظاهرٌ، لأنَّهم كانوا يقولون: إنَّ الشَّيطانَ يُلابسُه ﵇، ومُلابسة الشَّيطان تُعرف بالسِّحر عندهم، وضربٌ مِن ضُروبِه، وهو بعينِه أثرُ السِّحر الَّذي نُسِب إلى لَبِيد، فإنَّه قد خالط عقلَه وإدراكَه في زعمهم» (^٢).\nالمعارضة الرَّابعة: أنَّ السِّحرَ مِن عَملِ الشَّيطان، وأَثَرٌ مِن آثارِ النُّفوسِ السُّفليَّة الخَبيثة، ولا يَقَع تأثيرهُ إلَاّ على الأنفسِ الضَّعيفة، وأَصحابِ الطَّبائعِ الشَّهوانيَّةِ، ومُحالٌ أن يُؤثِّر ذلك على جَسَدِ خَيِر البَريَّة صاحبِ النَّفسِ الزكيَّة!\nوفي تقرير هذا الاعتراضِ يقول (رشيد رضا): «مِن المُقرَّر عند العلماء المتقدِّمين والمتأخِّرين: أنَّ هذا التَّأثير لا يكون إلَّا مِن نفسٍ ذات إرادةٍ قويَّةٍ في نفسٍ ذات إرادةٍ ضعيفة، وأنَّ الأنفسَ الضَّارةَ لا يمكن أن تؤثِّر في الأنفس الزَّكيَّة العالية .. فإنَّ نفس النَّبي ﷺ أعلى وأقوى مِن أن يكون لِمن دونه تأثيرٌ فيها» (^٣).\n_________\n(^١) «الإسلام والطاقات المعطلة» (ص/٥٤).\n(^٢) «مجلة المنار» (٣٣/ ٤١ - ٤٣).\n(^٣) «مجلة المنار» (٣٣/ ٣٣)، بتصرف يسير في الترتيب.","vol":"2","page":1209},{"text":"ويقول (محمَّد الغزالي): «لو ساغ أنَّ هذا التَّخيِيل أن يؤثِّر في النُّفوس الضَّعيفة، فكيف يَقوى يهوديٌّ على التَّأثيرِ في أقوى نفسٍ بَشريَّة وهي نفس الرَّسول ﷺ؟! وما معنى أنَّ هذا التَّأثير في أعضائِه لا في روحِه، مع أنَّ السِّحر يعَتمد على قوى خفيَّة في زعم مُثبتيه، لا على وسائل ماديَّة؟ ..» (^١).\n_________\n(^١) «الإسلام والطاقات المعطلة» لمحمد الغزالي (ص/٥٤).","vol":"2","page":1210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>المَطلب الثَّالث\nدفع المعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن الحديث الدَّالِ على سحرِ النَّبي ﷺ</span>\nأمَّا دعوى المُعارضِ الأوَّل: من أنَّ السِّحر ليس له حقيقة، وإنَّما هو تمويه وتخيِيل وإيهام بكونِ الشَّيء على غير ما هو به، فيُمهَّد لجوابه بما يلي:\nقد اتَّفق أهل السُّنة على أنَّ للسِّحر تحقُّقًّا وُجوديًّا، وأنَّ منه ما يُمرِضُ، ومنه ما يَقتلُ، ومنه ما يُفرِّق بين المرءِ وزوجه، إلى غير ذلك مِن الآثارِ الَّتي يُحدثها بإذن الله تعالى، ودليلُهم في ثبوته وأَنَّ له حقيقة؛ هو مَجموع عِلمين ضَروريَّين:\nالأوَّل: العلم النَّاتج عن الأدلَّة الشَّرعيَّة.\nالثَّاني: العلم المُستنِد إلى الضَّرورةِ الحِسِّية (^١).\nفأمَّا الأوَّل: فقد انعقدَ الإِجماع على ذلك، ولم يُعرَف له مُخالف مِمَّن يُعتَدُّ بقوله، إلَاّ شيءٌ يُحكى عن أَبي حنيفة.\nفمِمَّن نَقَل الإجماعَ على ذلك:\nالوزير ابن هُبيرة، حيث قال: «أجمعوا على أنَّ السِّحر له حقيقة، إلَاّ أبا حنيفة، فإنَّه قال: لا حقيقة له عنده» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٢٣٩).\n(^٢) نقله عنه ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣٧١).","vol":"2","page":1211},{"text":"وابن القطَّان الفاسيُّ، حيث جاء في «إقناعه»: «أَجمعوا على الإيمان أَنَّ السِّحر واقع، وعلى أَنَّ السَّحَرة لا يضرُّون به أَحدًا إلَاّ بإذن الله» (^١).\nوقال أبو عبد الله القرطبي: «هو مَقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ على وجودِه ووقوعِه، وعلى هذا أَهل الحلِّ والعقد، الَّذين يَنعقد بهم الإجماع، ولا عِبرةَ مع اتِّفاقِهم بحُثالةِ المعتزلةِ، ومخالفةِ أهل الحقِّ» (^٢).\nوقال ابن القيِّم بعد أن ذَكَر نفيَ المعتزلة أن يكون للسِّحر حقيقة: «.. وهذا خلاف ما تَواترت به الآثارُ عن الصَّحابة والسَّلف، واتَّفق عليه الفقهاء، وأَهل التَّفسير، والحديث، وأَرباب القلوب من أَهل التّصوُّف، وما يعرفه عامَّةُ العقلاء» (^٣).\nومستندُ هذا الإجماع النُّصوص الورادة مِن الكتاب والسُّنَّة المُثبتةِ أنَّ للسِّحر حقيقةً وأَثرًا، فمِن تلك النُّصوص:\nقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nفقد استدلَّ أَهلُ العلمِ بهذه الآية على أنَّ للسِّحر حقيقةً مِن عدَّة أَوجه، منها:\nالوجه الأوَّل: أنَّ الله ﷿ نفى السِّحر عن سليمان ﵇، وأضافه إلى الشَّياطين (^٤)، إذ كانوا ينسبون ما يجري على يديه ﵇ من ضبطِ الإنسِ والجنِّ والمعجزات إلى سحرٍ اختصَّ به، فكذَّبهم الله تعالى في ذلك (^٥).\n_________\n(^١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (١/ ٥٨)، وقد وقع في الأصل: «وأجمعوا على أن الإيمان واقع ..»، فاستظهر فاروق حمادة محقق طبعة دار القلم (ص/٩٣): سقوط لفظة «السحر»، وأنَّ الصواب ما أثبته.\n(^٢) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٢/ ٤٦).\n(^٣) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٢/ ٢٢٧).\n(^٤) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٩/ ٤٤٢).\n(^٥) انظر «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٢٣).","vol":"2","page":1212},{"text":"الوجه الثَّاني: أنَّ الله أخبرَ أنَّ المَلَكين قد علَّما السِّحرَ، فلو لم يكن له حقيقة لمَا أَمكن تَعلُّمه ولا تعليمه (^١).\nالوجه الثَّالث: في ذِكْرِه سبحانه تفريقَ السَّحَرة بين المرءِ وزوجِه: دلالةٌ بيِّنة على أنَّ للسِّحرِ أَثرًا وحقيقةً يَقَع به التَّفريقُ بين المرأة وزوجها، «قد عبَّر الله عنه بـ (ما) الموصولة، وهي تَدلُّ على أَنَّه شيءٌ له وجودٌ حقيقيٌ» (^٢).\nفليس هو مجرَّد طُرقٍ خبيثةٍ دقيقةٍ تصرف المرءَ عن زوجِه -كما ادَّعاه (محمَّد عبده) - اعتمادًا منه على أصل الوضعِ اللُّغويِ للفظِ السِّحر، بل رتَّب الله على فعلِه التَّكفير لفاعلِه! ولا يُرتَّب الكفرُ على مُجرَّدِ التَّخبيب بين الأزواج.\nومن الأدلَّة القرآنيَّة الأخرى الَّتي احتجُّوا بها:\nقول الله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤].\nووَجه الشَّاهد منها: أَمرُ الله لنبيِّه ﷺ الاستعاذةَ به مِن شرِّ النَّفَّاثات، سواء كان المُراد بالنِّفاثات: السَّواحرَ اللَّاتي يَعْقِدن في سِحْرِهن وينفُثن (^٣)، أَو كان المُراد الأنفسَ الخبيثة (^٤)؛ فلولا أنَّ للسِّحْرِ حقيقةً، لما أَمَرَ الله نبيَّه بالاستعاذةِ مِن خطرِه؛ مع ما ذَكَره كثيرٌ مِن أئمَّةِ التَّفسير أنَّ سَبَب نزول سورة «الفلق»: ما كان مِن سِحر لَبيدِ بن الأعصم للنَّبي ﷺ (^٥).\nيقول ابن قيِّم الجوزيَّة فيها: «هي دَليلٌ على أَنَّ هذا النَّفث يَضرُّ المَسحورَ في حال غَيْبته عنه، ولو كان الضَّرَر لا يحصُلُ إِلَّا بمباشرةِ البَدَن ظَاهرًا -كما يقوله هؤلاء- لم يكن للنَّفثِ، ولا للنِّفاثات شَرٌّ يُستَعاذ منه!» (^٦).\n_________\n(^١) انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٢/ ٤٦).\n(^٢) «أضواء البيان» (٤/ ٥٤٦).\n(^٣) انظر «جامع البيان» للطبري (٢٤/ ٧٤٩).\n(^٤) كما هو استظهار الإمام ابن القيِّم في «بدائع الفوائد» (٢/ ٢٢١).\n(^٥) انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٢/ ٤٦)، و«معاني القرآن» للفرَّاء (٣/ ٣٠١)، و«أَسباب نزول القرآن» للواحدي (ص/٤٧٣).\n(^٦) «بدائع الفوائد» (٢/ ٢٢٧).","vol":"2","page":1213},{"text":"أمَّا ما توهَّمه المُعترضون من أنَّ دليلَ حَصرِ تأثيرِ السِّحرِ في مجرَّدِ التَّخييل آية تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]: فليس في ما أناطوا به شُبهَتهم ما يفيدهم في مَقَام الحِجاج على أهل السُّنةِ؛ ذلك لأنَّ أهل السُّنة لا يُنكرون أنَّ سِحرَ التَّخييلِ ضَربٌ مِن ضروبِ السِّحر، لكن مع وجود ما هو حقيقة لا خيال فيه؛ فالضَّرب الأوَّل تُثبته الآية، والثَّاني لم تُنكره! وذكرُ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يستلزم التَّخصيصِ! فهم لأجل ذلك ينكرون حصر السِّحر في التَّخيِيل.\nوفي تقريرِ هذا التَّفصيل، يقول ابن حَجَر: «الآيةُ عمدةُ مَن زَعَم أنَّ السِّحرَ إنمَّا هو تَخيِيل، ولا حُجَّة له بها، لأنَّ هذه وَرَدت في قصَّةِ سَحَرَة فرعون، وكان سِحْرُهم كذلك، ولا يَلزم منه أنَّ جميعَ أنواعِ السِّحر تَخيِيل» (^١).\nوأمَّا دَعوى المعترض أنَّ إثباتَ هذا الحديثِ لازمٌ لبُطلانِ النُّبَوَّةِ؛ فيُقال له:\nأمَّا في عَقدِ أهلِ السُّنَّة فليس بلازمٍ؛ لأنَّ الفرقَ عندهم أجْلَى مِن الشَّمسِ بين آياتِ الأَنبياءِ، وِسحْرِ السَّحَرَة والكُّهان، حَدًّا وحقيقةً، والشُّبهة إنَّما تقبعُ في أذهانِ مَن سوَّى بين مُعجزات الأنبياءِ، وبين ما تَأتي به السَّحَرة والكُّهان، فلم يُثبِت فرقًا يعود إلى جنسِ كلٍّ منهما، ولا فرقًا يعود إلى قصدِ الخالِق، ولا قدرتِه، ولا حكمتِه (^٢).\nفما ادَّعاه المعتزلة ومَن وافقهم -كأبي بكر الجَصَّاص- مِن أنَّ حديث عائشة ﵂ هذا وغيره مِمَّا يدلُّ على تَحَقُّقِ السِّحر فيه إبطالٌ لمُعجزاتِ الأنبياء، بحيث يَستوي ما يَأتون به وما يَأتي به السَّحرة: هي دعوى باطلة؛ إذْ الفرق بين آياتِ الأَنبياء -الَّتي هي خارجةٌ عن مَقدور الإنسِ والجنِّ، الخارقةِ لسُنَن الله الكونيَّة الَّتي اختصَّ الله بالقُدرةِ عليها- وبين سِحر السَّحَرة -الَّذي لا يخرجُ عن كونِه مِن العجائبِ، لخروجه عن نظائره وعمَّا اعتاده النَّاس-: الفرق بينهما واضحٌ جَليٌّ لِمن تدبَّر الوجوه التَّالية:\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٥).\n(^٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٢٤٩).","vol":"2","page":1214},{"text":"الوجه الأوَّل: أَنَّ السِّحرَ والكهانةَ ونحوهما أَمورٌ مُعتادة مَعْروفةٌ لأَصحابِها، ليْست خارقةً لعادَتِهم، بل كُلُّ ضَرْبٍ منها مُعتادٌ لطائفةٍ غير الأَنبياء؛ تُكتسَب بنَوعِ تعلُّمٍ وممارسةٍ، وتَسخيرٍ للشَّياطين؛ أمَّا آياتُ الأنبياء، فليست مُعتادة لغيرِ مَن صَدَّقهم الله بنُبوَّته، فلا تكون إلَاّ لهم ولِمن تَبِعَهم، فلا ينالها أَحَدٌ باكتسابِه.\nالثَّاني: أنَّ ما يَأتي به السَّحَرة والكُهَّان يُمكن أَن يُعارَض بمثلِه، وآياتُ الأنبياءِ لا يمكن لأحدٍ أن يُعارضها بمثلِها.\nالثَّالث: أنَّ السِّحرَ -البَصَريَّ منه بخاصَّة- يحتاجُ إلى بقاءِ تَوجُّه نفسِ السَّاحِر والتفاتِه إليه، وتَعلُّق عزيمتِه به، فإذا غَفَل عنه، بَطُل أثرُه؛ بخلافِ المعجزة، فإنَّها غنيَّةٌ عن مثل ذلك لكونِها مِن الله ﷿.\nالرَّابع: أَنَّ النَّبيَّ لا يأمرُ إلَاّ بمصالح العِبادِ في المَعاش والمَعاد، فيأمر بالمَعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتَّوحيد، والإخلاص، والصِّدق، وينهى عن الشِّرك، والكذب، والظُّلم؛ فالعقول والفِطَرُ توافقه؛ وتُؤالِف بين ما جاء به وما جاء به الأَنبياء قبلَه؛ فيصدِّقه صريحُ المعقول، وصحيح المَنقول الخارج عمَّا جاء به، أمَّا مُخالفوهم يَأمرون بالشِّرك، والظُّلم، ويُعظِّمون الدُّنيا، وفي أَعمالهم الإِثمُ والعدوان، ويعتري أغراضَهم الخذلان.\nالخامس: أنَّ النبيَّ قد تَقَدَّمه أَنبياء؛ فهو لا يَأمر إلَاّ بجِنسِ ما أَمَرت به الرُّسل قبله، فله نُظَراء يَعتَبِر بهم، ويُعتَبر هو بهم؛ وكذلك السَّاحر له نُظراء يُعتبر بهم!\nإلى غير ذلك مِن الفوارق الَّتي بيَّنها أهل العلمِ بين كِلا الفريقين (^١).\nوأمَّا الكشف عن مَدى مُخالفةِ مَن أنكر حقيقةَ السِّحرِ للضَّرورة الحسِّية، فيُقال في جوابه:\nالأُمَم بشَتَّى دياناتِهم وأَعراقِهم واختلافِ دِيارهم: يُثْبِتون أنَّ للسِّحر حقيقةً، لمِا يُشاهدونه مِن آثارِه في الواقعِ، مِن عَوارض تَلحَق بالمَسحور أَلمًا يجده في\n_________\n(^١) انظر «إكمال المعلم» (٧/ ٨٩)، و«النبوات» لابن تيمية (١/ ٥٥٨ - ٥٥٦٠) بتصرُّف، وانظر أيضًا ذات المصدر (٢/ ١٠٧٤ - ١٠٩٠)، و«فيض الباري» للكشميري (٦/ ١٤١).","vol":"2","page":1215},{"text":"نفْسِه، أَو تُصيبه في عقلِه أو بَدَنِه، أَو تُفرِّق بينه وبين أَهله، أَو تقتله، أو تصرف عنه دُنيًا، أو تجلِب له مَحبَّةَ شخصٍ أو كُرهَه، أو يحبِس امرأة عن جِماع زوجِها، وهو المعروف بـ «سِحر التَّصفيح»؛ فإذا عُثِر عليه مَدفونًا فأُبطِل ببعض الرُّقى، أو مَأكولًا فاستُفرِغ: رَجَعَت المرأة إلى طبيعتِها مع زوجِها، وإن لم تعلم هي بفكِّ السِّحر! وقد شاهدتُ أنا من هذا عددًا!\nفالحقُّ أنَّ لبعضِ أصنافِ السِّحرِ تأثيرًا حقيقيًّا في القلوب، كالحبِّ، والبُغض، وإلقاء الخير والشَّر، وفي الأبدانِ بالألمِ والسُّقم، فترى السَّاحرَ يَعمل أعمالًا لا مُباشرةَ لها بذاتِ مَن يُراد سِحْرِه، ويكون غائبًا عن السَّاحر، وشرط ذلك استعمال أثَرٍ لمن يُراد سحره، فيدَّعون بواسطتِه تأثيرَه فيه، أو تسليطِ الشَّياطين عليه.\nوأكثر ذلك يَقع بمثلِ رسمِ أشكالٍ يُعبَّر عنها بالطَّلاسم، أو عقد خيوطٍ والنَّفثِ عليها برُقيات مُعيَّنة تَتضمَّن الاستنجادَ بالكواكبِ لاستجلابِ الجِّن، أو الدُّعاء بأسماء الشَّياطين وآلهةِ الأقدمين، وكذا كتابة اسم المَسحورِ في أشكال، أو وضعِ صورتِه أو بعضِ ثيابِه وعلائقِه، وتوجيه كلام إليها، للتَّأثيرِ في ذات المَسحور بإذن الله، أو يَستعملون إشاراتٍ خاصَّةٍ نحو جهتِه، أو نحو بلده، وهو ما يُسمونَّه بالأرصاد (^١).\nإنَّما الخارجُ عن مَقدورِ السَّحَرة قلْبُ المَوادِّ وتحويلُها، كما يقول فيه ابن حجر: «.. إنَّما المَنكور أنَّ الجمادَ يَنقلِبُ حيوانًا، أو عكسَه بسحرِ السَّاحر، ونحو ذلك، فهذا ممَّا لا يقدر عليه السَّاحر» (^٢)\nولأجل أنَّ هذه الأعمال السِّحريَّة متحقِّقةٌ حِسًّا، متواترةٌ خَبرًا، ترى الفقهاء يَعقدون لها في مُصنَّفاتهم مَسائل (^٣)، يَبحثون في حُكمِ الآثارِ المُترتِّبة عليها،\n_________\n(^١) انظر «التحرير والتنوير» لابن عاشور (١/ ٦٣٣ - ٦٣٤).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٢٣).\n(^٣) انظر على سبيل المثال: «البيان والتحصيل» لابن رشد الجد (١٦/ ٤٤٤)، و«المغني» لابن قدامة (٩/ ٢٨)، و«روضة الطالبين» للنووي (٩/ ٣٤٧)، و«البحر الرائق» لابن نجيم الحنفي (٥/ ١٣٩ - ١٣٩).","vol":"2","page":1216},{"text":"فيبحثون -مثلًا- في التَّكييف الفقهيِّ لمِن قَتَلَ بسحرِه، وفي حكمِ السَّاحر مِن جهةِ ارتدادِه وكفرِه؛ فلو لم يكن للسِّحرِ حقيقة إلَّا مجرَّد التَّمويه على العَيْنِ، ما خُصَّ بهذه الفروعِ كلِّها.\nفالمُشاحةُ بعدُ في وجود السِّحر وإنكارُه، أعدُّه مخالفةً لمقتضى الضَّرورة الحِسيَّة، مِمَّأ لا يُماري فيه في بلدِي المغرب بخاصَّة إلَّا مُتحَجِّر الرَّأسِ بَليد القلبِ! لكثرةِ ما يُعانيه النَّاس مِن حثالةِ السَّحَرةِ والمشعوذين وآثارِهم القبيحةِ في بيُوتاتهم؛ طهَّر الله بلدَنا وسائر بلاد المسلمين من رجسِهم، وأراحَ العبادَ مِن شَرِّهم.\nيقول أَبو العبَّاس القرطبي: «هو أَمرٌ مَقطوعٌ به بإخبار الله تعالى به ورسوله ﷺ عن وجوده ووقوعه؛ فمن كذَّب بذلك فهو كافرٌ (^١)، مُكِّذبٌ لله ولرسوله، منكرٌ لما عُلِمَ مُشاهدةً» (^٢).\nوقد تعجَّب قديمًا ابنِ قُتيبة (ت ٢٧٦ هـ) مِن قالةِ مَن يَنفِي حقيقة السِّحر فكان يقول: «إنَّ الَّذي يَذهب إلى هذا مُخالفٌ للمسلمين، واليهود، والنَّصارى، وجميع أَهل الكتاب، ومخالفٌ للأمم كلِّها: الهندِ -وهي أَشدُّها إِيمانًا بالرُّقى- والرُّوم، والعَرب في الجاهليَّة والإِسلام ..» (^٣).\nفلأجل ما تأكَّد من دلائل تحقُّق السِّحر، وحملًا لكلامِ أئمَّة الإسلام على أحسن المَحامل: يرجح عندي أنَّ ما حُكِي عن أبي حنيفة مِن إنكارِ حقيقة السِّحرِ قصدُه منه: إنكار أن يكون للسِّحر حقيقة مِن جِهة تغيير الأعيانِ واستحالتِها! كأنْ يحوِّل السَّاحرُ العِصِيَّ أفاعيَ حَقيقةً تأكل وتشرب، بل لا يفعل هذا إلَّا تخيِيلًا؛ فإنَّ أبا حنيفة لم يثبت عنه نفي مُطلقِ الحقيقةِ والتَّأثيرِ الحِسِّي للسِّحر؛ والله أعلم.\n_________\n(^١) إلَّا أن يمنع الحكم فيهم أحد موانع التَّكفير، كالتَّأويل الَّذي هو حال جملةِ المعتزلة ومن تأثر بهم في مقولتهم.\n(^٢) «المفهم» (٤/ ٥٦٩).\n(^٣) «تأويل مختلف الحديث» (ص/٢٦١).","vol":"2","page":1217},{"text":"ومِمَّا يعضد هذا القول عن أبي حنيفة: أنَّه مع ما نُقِل عنه من حكاية نَفيه لحقيقٍ السِّحر، فقد نُقِل عنه إثباتُ حقيقةٍ للسِّحر أيضًا (^١)! بل جَعَل أئمَّةٌ من الأحنافِ هذا النَّقل الثَّاني مَذهبَ أصحابِهم (^٢)؛ ومن أهلِ التَّحريرِ مِن مَذهبهم مَن سبق إلى تخريج كلامِ أبي حنيفة على ما رجَّحناه؛ إذ كان أَوْلى مِن نسبةِ إمامٍ جَليلٍ مثلِ أبي حنيفةَ إلى مُناقضةِ الأدلَّة الشَّرعيَّة، وخرمِ الإجماعِ، ومُكابَرةِ الحِسِّ.\nترى شاهد هذا التَّوجيه في مثل قول أنور شاه الحَنفيُّ (ت ١٣٥٣ هـ): «إنَّ السِّحرَ له تأثير في التَّقليب مِن الصِّحة إلى المرض، وبالعكس، أمَّا في قلب الماهيَّة فلا، وما يتراءى فيه مِن قلب الماهيَّة لا يكون فيه إلَّا التَّخييل الصِّرف، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]؛ فلم تنقلب الحِبال إلى حَيَّات، ولكن خُيِّل إليه أنَّها انقلَبَت، وهذا ما نُسِب إلى أبي الحنيفة أنَّ في السِّحر تخييلًا فقط، ولا يريد به نفيَ التَّأثير مطلقًا، فإنَّه مَعلوم مَشهود، بل يريد به نفيَ التَّأثير في حقِّ قلبِ المَاهيَّات» (^٣).\nوهذا الَّذي اطمأنت إليه نفسُ الماورديِّ (ت ٤٥٠ هـ) (^٤) أن ينسبه إلى أبي حنيفةَ، حيث قال: «قد اختلفَ النَّاسُ فيها -يَعني في حقيقةِ السِّحر-، فالَّذي عليه الفقهاء، والشَّافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وكثير مِن المتكلِّمين أنَّه له حقيقةً وتأثيرًا ..» (^٥).\n_________\n(^١) انظر «التوضيح» لابن الملقن (٢٧/ ٥٣٦).\n(^٢) انظر «النهر الفائق» (٣/ ٢٥٤)، و«الدُّر المختار» (١/ ٤٤).\n(^٣) «فيض الباري» (٤/ ٢٩٣).\n(^٤) علي بن محمد حبيب، أبو الحسن الماوردي: ولد في البصرة، وانتقل إلى بغداد، قد ولي القضاء في بلدان كثيرة، ثم جُعل رئيس القضاة في أيام القائم بأمر الله العباسي، وكان يميل إلى مذهب الاعتزال! نسبته إلى بيع ماء الورد، ووفاته ببغداد؛ من أشهر كتبه: (أدب الدنيا والدين)، و(الأحكام السلطانية)، انظر «الأعلام» للزركلي (٤/ ٣٢٧).\n(^٥) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٩٣).","vol":"2","page":1218},{"text":"وقد حرصتُ على هذا النَّقل مِن الماورديَّ لأنَّه مُعتَزليُّ المَشرب (^١)! مُنكرٌ للسِّحر أن يكون حقيقةً، فلو كان لهذا الإمام الجليل قولٌ يَعضُد به مذهبَه ما أفلتَه!\nوأمَّا دعوى المُعارضِ الثَّاني أنَّ في التَّصديق بهذا الحديث زعزعةً للثِّقة فيما يبلِّغه الرَّسول ﷺ وعصمتِه في ذلك (^٢)؛ فيقال في جوابه:\nليس في إثبات سحر النِّبي ﷺ ما يؤدِّي إلى القول بتجويز ذلك، فإنَّ عصمته ﷺ في التَّبليغ قد انتصبت البراهين القطعيَّة على تحقُّقِها، فلن يكون ثبوتُ الاعتقادِ بذلك متوقِّفًا على نفيِ لحوقِ السِّحر به! إذ العصمة ثابتةٌ في ذاتها بدلائلِها، متحقِّقةٌ ببراهينها في جميع الحالات، ومنها هذه الحالةُ الَّتي هي مَحلُّ المدافعة.\nوفي تقرير هذا يقول المازَريُّ: «قد أنكر بعض المبتدعةِ هذا الحديث مِن طريقٍ ثابتةٍ، وزعموا أنَّه يحطُّ منصب النُّبوءة ويشكِّكُ فيها، وكلُّ ما أَدَّى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أنَّ تجويز هذا يُعدم الثِّقة بما شرعوه مِن الشَّرائع، ولعلَّه يتخيَّل إليه جبريل ﵇، وليس ثمَّ ما يراه، أو أنَّه أُوحي إليه، وما أُوحي إليه؛ وهذا الَّذي قالوه باطل، وذلك أنَّ الدَّليلَ قد قام على صرفهِ فيما يبلِّغه عن الله سبحانه وعلى عصمتِه» (^٣).\nوعليه نقول لهؤلاء النُّفاة: إنْ كان لديكم براهين ودلائل على عصمةِ الرَّسول ﷺ مِن الخطأِ في التَّبليغ، فليس هناك ما يَحمِل على الطَّعنِ في الحديثِ الَّذي يُثبِت سحرَه؛ إذ ثبوتُ عصمته ﷺكما تقدَّم- ليس مُتوقِّفًا على نفيِكُم لهذا الحديث.\n_________\n(^١) يقول عنه الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٥٥): «علي بن محمد، أقضى القضاة، أبو الحسن الماوردى، صدوق في نفسه، لكنه معتزلي»، توفي سنة (٤٥٠ هـ).\n(^٢) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٢٥٥).\n(^٣) «المُعْلِم» للمازري (٣/ ١٥٩).","vol":"2","page":1219},{"text":"ثمَّ نقول: إنَّ السِّحرَ قد يَعمل في أبدانِ الأنبياء، لأنَّهُم بَشَر، يجوز عليهم مِن العِلَل والأمراضِ ما يجوز على غيرِهم، وليسَ تأثيرُ السِّحر في أبدانِهم بأكثرَ مِن القتلِ (^١)؛ فما لحِقَ نبيَّنا ﷺ مِن أذى ذلك لا يعدو أَن يكون عَرَضًا مِن الأَعراض الَّتي تَعْتري البَشَر، ومَرضًا مِن الأمراض الَّتي لم يَتَعدَّ أثرُها الجوارحَ، فهو الَّذي «قالَ لمَّا حُلَّ السِّحر: «إنَّ الله شَفاني ..»، والشِّفاء إنَّما يكون برفعِ العِلَّةِ وزوال المَرضِ» كما قاله ابن القصَّار المالكيُّ (ت ٣٩٧ هـ) (^٢).\nوسواء قيل: إنَّ ذلك التَّأثير في نفسِه ﷺ وإدراكِه؛ فذاك أخوه موسى ﵇ قد سُحر بَصرُه وإدراكهُ! حتَّى خُيِّل إليه أنَّ الحِبال والعِصيَّ تسعى، وأثرَّ ذلك في نفسِه الشَّريفةِ، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ [طه: ٦٧]؛ ولم يُعَدَّ هذا خارمًا لجنابِ العِصمةِ فيه؛ أو قيل: إنَّ غاية ما بَلغ إليه تأثير السِّحر هو إصابته ﷺ في جسمِه فقط؛ فهذا القول يَتَماشى مع مذهب مَن فَسَّر قولَ عائشة ﵂ «إنَّه ليُخَيَّل إليه ..»: على أنَّه ﷺ كان «يظهر له مِن نَشاطِه أنَّه قادرٌ على إتيانِ النِّساء، فإذا دَنا منهنَّ أخذَتَه أخذةُ السِّحر، فلم يَتَمكَّن من ذلك» (^٣).\nفليس في تَثبيتِ أحدِ هذين الأمرين ما يكون خارِمًا لجنابِ العِصمة بحالٍ.\nوكذا الحال فيما لو قيل: إنَّ ما أصابَه ﷺ مِن السِّحر قد سَرى أثرُه في نفسِه الشَّريفة، بعد أن أصاب شيئًا مِن مُخيِّلتِه أو بصرِه، فإنَّ هذا أثَرٌ نَفسِيٌّ عَارضٌ لا يُوهِن العصمة، وهو كحالِ لحوقِ الحُزنِ والهمِّ به، والنِّسيان والسَّهوِ.\nوحصيلة الرِّوايات لِمن سَبَرها لا تخرُج في دلائلِها عن أن يكون ما عَرَض له ﷺ: إمَّا مجرَّدُ تخييلٍ عارضٍ، أَو خَاطرٍ طَارئ يهجُم عليه، بأنَّه قد أتَى عائشةَ ﵂ وهو عَالمٌ أنَّه لم يَأتِها، وأنَّ هذا الخاطر يُعاوِده على خلافِ عادَتِه (^٤)، أو يَرْقى هذا الخاطرُ إلى الظنِّ، والظَّنُّ في حَقِّه غير مُمتنِع (^٥).\n_________\n(^١) «مرقاة المفاتيح» لعلي القاري (٩/ ٣٧٩٥).\n(^٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٩/ ٤٤٢).\n(^٣) «الكاشف عن حقائق السنن» للطيبي (١٢/ ٣٧٧٢).\n(^٤) «الأنوار الكاشفة» للمُعلِّمي (ص/٢٤٩).\n(^٥) انظر «إكمال المعلم» (٧/ ٨٧)، و«فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٢٧).","vol":"2","page":1220},{"text":"ثمَّ إنَّ هذا الظَّن ليس مُطَّردًا، إِنَّما كان في أَمرٍ خاصٍّ مِن أُمُور الدُّنيا -وهو أمر النِّساء- لم يَتَعدَّاه إلى غيره؛ بيانه فيما قالته عائشة ﵂ من رواية ابن عُيينة: «.. كان يَرى أنَّه يأتي النِّساء، ولا يَأتيهنَّ»، وفي رِوايةِ الحُميدِيِّ: «.. أنَّهُ يأتِي أهلَه، ولا يأتِيهِم».\nفأمَّا قولها في الرِّواية الأخرى: «أنَّه يفعَلُ الشَّيء ولا يفعله»: هو مِن بابِ الكِنايةِ، مُكتفيةً بتلمُّحِ السَّامع لقصدِ الجماع، وقد جاء التَّصريح في غيرها مِن الرِّواياتِ -كما قد علمتَ- تبيِينًا للمُجمَل مِن تلك، لِئَلَّا يُظَنَّ أنَّ التَّخيُّل الَّذي كان يقع لرسول الله ﷺ عامٌّ في كلِّ أفعالِه؛ فما يُتوَهَّم فيه العمومُ مِن بعضِ ألفاظِ الرُّواة مَحمول على هذا التَّخصيص.\nوأمَّا ما استدلَّ به المُعترض لتدعيم دعواه من قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، مِن جهةِ أنَّ الواردَ في الحديثِ لا يَقوى على مُعارضة الآية (^١):\nفإنَّا لا نجد في نصِّ الآية عصمةَ النَّبي ﷺ مِن السِّحر؛ إنَّما المَعصوم منه فيها مُجمَلٌ، لا يتَّضح بيانه إلَاّ بتقديرِ محَذوفٍ دَلَّ عليه السِّياق مَعروفٍ عند الأُصوليِّين بدلالةِ «الاقتضاءِ» (^٢).\nهذا المُقَدَّر لا يخلو:\nإمَّا أن يكون هو (القَتْلُ): وهو ما اختاره الشَّافعيُّ وبعضُ أَئمَّةِ التَّفسير (^٣)، وبهذا التَّقديرِ تَنتقضُ مُعارضتَهم للحديثِ بالآية (^٤).\nوإمَّا أن يكون المُقدَّر هو (أَذى النَّاس): وهذا غير صَحيحٌ تَقديرُه؛ لأنَّ كلَّ مَن له أَدنى اطلاعٍ على سيرتِه ﷺ، يَعلمُ أنَّه قد نالَه مِن الأَذى ما نَالَه، كالشَّتم،\n_________\n(^١) انظر «محاسن التأويل» للقاسمي (٩/ ٥٧٧)، و«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» للكردي (ص/١٦٠).\n(^٢) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٢١٩).\n(^٣) انظر «السنن الكبرى» للبيهقي (٩/ ١٤، تحت حديث رقم: ١٧٧٣٠)، و«معالم التنزيل» للبغوي (٣/ ٧٩).\n(^٤) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٢٥٩).","vol":"2","page":1221},{"text":"وإدماءِ عَقِبه، وكسرِ رُباعيتِه، وتأثُّرهِ بسُمِّ اليهوديَّة، وغير ذلك مِن صنوفِ الابتلاءِ الَّتي أراد الله له بها رِفعةَ المنزلة، وجعلَه قدوةَ السَّائرين إليه.\nفإذا ثَبَت عدمُ عِصمتِه مِن الأَذى، فإنَّ السِّحرَ داخلٌ في مُسَمَّاه بلا شكٍّ!\nثمَّ على تقديرِ كون المَحذوفِ: (أَذى النَّاس)، فلا بدَّ من حمله على أَذى مَشروط، وهو الأَذى المانعِ مِن التَّبليغ، لا مُطلَق الأَذى؛ وهذا ما اختارَه عددٌ من المحقِّقِين مِن أهل التَّفسير (^١)، وليس في ما أصابَ النَّبي ﷺ في حديث السِّحر ما أعقاه عن تبليغ رسالتِه كما حَقَّقناه سابقًا.\nوأمَّا دعواه في المعارضة الثَّالثة: أنَّ في إثباتِ سحرِ النَّبي ﷺ تَكذيبًا لنَفيِ القرآن عنه ذلك، في قوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾:\nفيكفي في دحضِ هذا الفهمِ، ما أحسنَ المُعَلِميُّ سبكَ جوابه حيث قال:\n«كان المشركون يَعْلَمون أنَّه لا مَساغ لِأنْ يَزعُموا أنَّه ﷺ يَفتري الكذبَ على الله ﷿ فيما يُخبِر به عنه، ولا لِأَن يَكذب في ذلك مع كثرته غير عامدٍ، فلجَأوا إلى مُحاولةِ تقريبِ هذا الثَّاني، بزعمِ أنَّ له اتِّصالًا بالجِنِّ، وأنَّ الجِنَّ يُلقون إليه ما يُلقون، فيُصَدِّقهم، ويُخبرُ النَّاسَ بما ألقوه إليه.\nهذا مَدار شُبهتِهم، وهو مُرادهم بقولهِم: به جِنَّة، مَجنون، كاهنٌ، ساحرٌ، مَسحور، شاعرٌ، .. كانوا يَزعمون أنَّ للشُّعراء قُرَناء مِن الجنِّ تُلقي إليهم الشِّعر، فزَعَموا أنَّه شاعرٌ، أي أنَّ الجِنَّ تُلقِي إليه كما تُلقي إلى الشُّعراء، ولم يقصدوا أنَّه يقول الشِّعر، أو أنَّ القرآن شِعرٌ.\nإذا عُرِف هذا؛ فالمشركون أرادوا بقولهم: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾: أنَّ أمر النُّبوة كلُّه سِحْرٌ، وأنَّ ذلك ناشئٌ عن أنَّ الشَّياطين استَولوا عليه -بزعمِهم- يُلقون إليه القرآن، ويأمرونَه، ويُفهمونه، فيصدِّقهم في ذلك كلِّه، ظانًّا أنَّه إنَّما\n_________\n(^١) انظر «جامع البيان» للطبري (٨/ ٥٦٧)، و«أنوار التنزيل» للبيضاوي (٢/ ١٣٦)، و«تفسير القرآن العظيم «لابن كثير (٣/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"2","page":1222},{"text":"يَتَلقَّى من الله وملائكتِه؛ ولا ريبَ أنَّ الحال الَّتي ذُكِر في الحديثِ عُروضُها له ﷺ لفترةٍ خاصَّةٍ، ليست هي هذه الَّتي زَعَمها المشركون، ولا هي مِن قِبَلِها في شيءٍ مِن الأوصافِ المَذكورة» (^١).\nوعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ الحال الَّتي عَرَضت للنَّبي ﷺ لم تَلْبَث طويلًا حتَّى كشَفَها الله تعالى عنه، فلم يَشتهر أنَّ مرَضَه هذا قد طَال به، ولو طال به ﷺ لنُقِل ذلك مُتواترًا، لتوفُّرِ الدَّواعي لنقلِه، لمزيدِ اعتناءِ أصحابِه بشأنِه ﷺ، لكنَّه لم يَتَعدَّ حالَ مَن عُقِد عن النِّساء مُدَّةً يَسيرةً (^٢).\nولذا وَقَع في روايةِ أبي ضِمرة عند الإسماعيليِّ: «فأقامَ أربعينَ ليلةً» (^٣).\nأمَّا ما جاء في روايِة وُهيب عن هشام بن عروة: «ستَّة أشهر» (^٤): فالجمَعُ بينها وبين المُدَّة السَّابقة: «بأنْ تكون السِّتة أشهرٍ مِن ابتداءِ تغيُّر مَزاجِه، والأربعين يومًا مِن استحكامِه» (^٥).\nوأمَّا الجواب عن دعواهم أنَّ السِّحر مِن عَمَلِ الشيطان، وأَثَرٌ من آثارِ النُّفوس الخَبيثةِ؛ فمُحال أن يؤثِّر ذلك على جسدِ النَّبيِّ ﷺ .. إلخ؛ فيُقال فيه:\nإنْ كان جائزًا على النَّبي ﷺ أن يَعرِضَ له أذَى شيطانِ الإنسِ -مع كونِ هذا خسيسًا في نفسِه، هزيلًا في قِواه إزاءَ قوَّة النَّبي- فأيُّ مانعٍ مِن أن يَعْرِض له ذلك مِن شيطان الجِنِّ؟! ثمَّ يكشف الله عنه أذى الكُلِّ ومَكرَهما؛ ليس في العقلِ ولا النَّقل ما يمنعُ ذلك.\nفذاك أخوه أَيُّوب ﵇، قد تَسلَّط الشَّيطان على جسدِه حتَّى أمرضَه، قد أنزلَ الله تعالى فيه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» (ص/٢٥٢).\n(^٢) انظر «زاد المسلم» لمحمد حبيب الشنقيطي (٢/ ٢٢٤).\n(^٣) أشار إليها ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢٣٧).\n(^٤) أخرجها أحمد في «المسند» (٤٠/ ٤٠٥، رقم: ٢٤٣٤٧)، وصحَّحها ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢٣٧).\n(^٥) «الفتح» (١٠/ ٢٣٧).","vol":"2","page":1223},{"text":"يقول محمَّد الأمين الشَّنقيطي: «هذا لا يُنافي أنَّ الشَّيطانَ لا سُلطانَ له على مثلِ أيُّوب ﵇؛ لأنَّ التَّسليطَ على الأهلِ، والمالِ، والجَسدِ، مِن جِنْسِ الأَسبابِ الَّتي تَنشأ عنها الأعراضُ البَشريَّة: كالمرضِ، وذلك يقعُ للأنبياء، فإنَّهم يُصيبهم المَرض، وموت الأهل، وهلاك المال؛ لأسبابٍ مُتنوِّعة، ولا مانعَ مِن أن يكون جملة تلك الأسباب: تسليطُ الشَّيطان على ذلك للابتلاءِ ...» (^١).\nفإذا جاز تسلُّطه على نبيِّ الله أَيُّوب ﵇؛ فما المانع من إمكانِ تسلُّطِه على النَّبي ﷺ؟!\nيقول المهلَّب بن أبي صفرة (ت ٤٣٥ هـ): «صَوْنُ النَّبي ﷺ مِن الشَّياطين لا يَمنع إرادَتهم كيدَه، فقد مضَى في «الصَّحيح» أنَّ شيطانًا أرادَ أن يُفسِد عليه صلاتَه، فأمكنه الله مِنه، فكذلك السِّحر، ما نالَه مِن ضررِه ما يُدخل نقصًا على ما يتعلَّق بالتَّبليغ، بل هو مِن جنسِ ما كان يناله مِن ضَرر سائرِ الأمراض، مِن ضعفٍ عن الكلام، أو عجزٍ عن بعضِ الفعل، أو حدوثِ تخيُّل لا يستمر بل يزول، ويُبطلُ الله كيدَ الشَّياطين» (^٢).\nقلت: ودعواهم بأنَّ نَفْسَ محمَّد ﷺ زكيَّة عَليَّة، فحاشاها أن تَمسَّها النُّفوسُ الخَبيثةِ الدَّنية بسوءٍ: فإنَّه وإن كان وصفُهم لنفسِ النَّبي ﷺ صادقًا في ذاتِه، فإنَّ تأليفَ الكلامِ في مجملِه مُجرَّد عاطفة عَريَّة عن مَحجَّة، لا يصمدُ أمامَ ما تَقَدَّم مِن الحُججِ النَّقليَّة والعقليَّة.\nوهل كان مَن تَسلَّط عليه في أُحُدٍ، فأدْمَوا رِجلَه الشَّريفة، وكسروا رُباعيتَه، وكادوا يقتلونه؛ إلَّا أصحابُ نفوسٍ خَبيثةٍ دنيَّةٍ؟!\nثمَّ مَن قال أنَّ السِّحر الَّذي مَسَّ النَّبي ﷺ كان بواسطةِ أرواحٍ شَيطانيَّة تمكَّنت من جسَدِه؟! فليس كلُّ سِحْرٍ يكون معه عارِض شيطانيٌّ أو خادم سحر؛ بل الظَّاهر مِن الحديث أنَّه مِن نوعِ السِّحر الَّذي تُستعمَل فيه بعض المَوادِّ لطبائعَ\n_________\n(^١) «أضواء البيان» (٤/ ٨٥٢).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٢٧).","vol":"2","page":1224},{"text":"فيها خاصَّة، كالبرودةِ الَّتي في ماء البِئر، وظُلمتِه إذْ كان في قَعْرِه، ورَمزيَّة الماءِ إلى مَاءِ الرَّجل، ليكون أمكنَ في حبسِه عن نسائِه، .. وهكذا.\nفهذه المَواد تُؤثِّر في أعضاءِ الجسَدِ المُرادِ سِحرُه عن طريقِ أثَرٍ مِن هذا الجَسد، وهذا المَعروف في علمِ السِّحر بـ «قانون الاتِّصال»، مُنْبَنٍ على أنَّ كُلَّ شيءٍ مُنفصلٍ من الجَسد لا يزال مُرتبطًا به عبرَ الأثِير؛ هذا الأثَر في الحديث شَعراتٌ مِن مُشطِ النَّبي ﷺ! جعلهنَّ السَّاحرُ صِلةَ وَصْلٍ بين طَبائعِ تلك المَوادِّ وجَسِدِ المَسحور، بواسطة طلاسِم مُعيَّنة يعرفونها، وربطِ عُقَدٍ مُوثَّقة، لتُأثِّر في الجسدِ وِفقَ طبائعِ ما استعمَلَه مِن مَوادَّ في سِحره، كما أسلفنا الإشارة إليه.\nفهذا السِّحر هو عَينُ ما استعمله لَبيدٌ، وهو مِن أخطرِ وأقوى أنواع السِّحر، والله تعالى أعلم، وهذا لا مانع عقلًا أن يصيب جسد النَّبي ﷺ إذا شاءه الله لحكمة؛ وإلَّا، فما فائدة أمرِه لنبيِّه ﷺ بالتَّعوُّذِ مِن شرِّ النَّفاثاتِ في العُقد -وهنَّ ممَّا يَنشأ عنهنَّ السِّحر- إذا امتنع أن يؤثِّر فيه السِّحر من الأساس كما يقول أولئك النُّفاة؟!\nهذا؛ وإنَّ في إثباتِ ما تَضَمَّنه الحديث مِن مُصاب النَّبي ﷺ بالسِّحرِ مِن الفرائدِ واللَّطائفِ والعِبَر ما لا يَتَسنَّى إيرادُه في هذا المَقام، وليس في ذلك غَضٌّ مِن مَنصب النُّبوة، بل الدَّلائل الشَّرعية تدلُّ عليه، إمَّا نَصًّا أَو ظاهرًا.\nوقد تلقَّاه أئمَّة الحديث بالقبول (^١).\n_________\n(^١) ولا يفرَحْ عَجِلٌ بتكذيبِ الحديث بما يلقاه عند الحاكم في «مدخله إلى الإكليل» (ص/٣٩) مِن قوله في هذا الحديث: «هو مخرَّجٌ في الصَّحيح، وهو شاذ بمرَّة».\n\nوذلك أنَّ للحاكم اصطلاحًا خاصًّا للشَّاذ، قد أوضحه في «معرفة علوم الحديث» (ص/١١٩) أنَّه «ما انفرد به الثِّقة، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثِّقة في المتن أو الإسناد». اهـ فليس الشُّذوذ وصفًا مناقضًا عنده للصِّحة مطلقًا، بدليل تمثيلِه له بثلاثة أحاديث، منها ما نَفى عنه العِّلة! بل فيها ما صرَّح بتصحيحه في «المستدرك»!\nثمَّ إنَّ في كتابِه «المدخل إلى الإكليل» عينِه ما يُبين عن مُراده من هذا اللَّفظ، فإنَّه أورد فيه هذا الحديث في سحر النبَّي ﷺ مثالًا للقسم الرابع من أقسام الحديث الصَّحيح (المتَّفق عليه!)، وهو قسم قد ذكر أنَّه خاصٌّ بالأحاديث الأفراد والغرائب الَّتي يرويها الثِّقات العدول، تفرَّد بها ثقة من الثِّقات، وليس لها طرق مخرَّجة في الكتب .. إلخ.\nفظاهر بهذا موافقته على أنَّ حديث عائشة هذا صحيح حجَّة، وأنَّ وصفَه له بالشُّذوذ إنَّما كان باعتبار التَّفرد لا غير؛ بغضِّ النَّظر عن قبوله أو تعليلِه؛ والله تعالى أعلم.\nوانظر لمزيد تفصيل «الشاذ والمنكر وزيادة الثقة» لعبد القادر المحمدي (ص/٨٦ - ٩٤).\nالشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين (ص: ٩١)\nويظهر بجلاء منهج الحاكم في عد تفرد الثقة شذوذًا، إذ عد حديث أنس: «كان منزلة قيس بن سعد ...»، شاذًا وهو مخرج في صحيح البخاري (٢)، قال الحافظ ابن حجر: «والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذًا، ولا مشاحة في الاصطلاح».\nأقول: ويؤيد ما استنتجه منه علماء المصطلح من أنه أراد به تفرد الثقة مطلقًا؛ صنيعه في أمكنة أخرى، منها ما ذكره في كتابه المدخل إلى الإكليل، والأمثلة التي مثل بها، وكذلك بعض الأحاديث التي أعلها في المستدرك.\nففي كتابه المدخل إلى الإكليل ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه، وفي (القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه) قال: «هذه الأحاديث الأفراد والغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب\nثم ضرب لهذا القسم أمثلة منها: حديث اتفق على إخراجه الشيخان وهو حديث عائشة ﵂ في سحر النبي - ﷺ فالحاكم هنا موافق على أنه صحيح حجة لكنه يصفه بالشذوذ باعتبار التفرد فقط.\nالشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين (ص: ٩٣)\nوهكذا لا يبقى شك في أن الشذوذ عند الحاكم ليس وصفًا مناقضًا للصحة، بل هو عبارة عن وصف الحديث بالتفرد بأصل لا متابع له فيه بغض النظر عن قبوله أو رده\nالشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين (ص: ٨٦)\nقال الحافظ ابن حجر: «والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح فكلامه أعم، وأخص منه كلام الحاكم لأنه يقول: إنه تفرد الثقة فيخرج تفرد غير الثقة فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ،\nالشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين (ص: ٨٨)\nأقول: إن أبا عبد الله الحاكم أول من تكلم من كتّاب المصطلح في الشاذ وكلامه في كتابه «معرفة علوم الحديث» واضح بين، وهو أن الشاذ ما انفرد به الثقة وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة في المتن أو الإسناد، وقد مثل بثلاثة أمثلة، منها نفى عنها العلة، بل منها ما صرح بتصحيحه في كتابه المستدرك!","vol":"2","page":1225},{"text":"والله المُستعَاذُ مِن كلِّ ذي شَرٍّ.","vol":"2","page":1226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>المَبحث الثَّاني\nنقد دعاوي المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ لأحاديثِ الآياتِ الحسِّيَّة للنَّبي ﷺ</span>","vol":"2","page":1227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>المَطلب الأوَّل\nسَوق دعاوي المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ\nلأحاديثِ الآياتِ الحسِّيَّة للنَّبي ﷺ</span>\nمَوقف مُخالفي أهلِ السُّنَّة حيالَ أحاديث الآيات الحسيَّة للمصطفى ﷺ يمكن إِجماله في مَوقفين:\nالأوَّل: تأويلُها تأويلًا طَبَعِيًّا:\nوهؤلاء يعمِّمون هذا التَّأويل على جميع آياتِ الأنبياء، مُتأثِّرين بطائفةٍ من الفَلاسِفة كابن سِينَا (ت ٤٢٨ هـ)، الَّذي وإن جَوَّز صدورَ الآياتِ عن الأنبياء، لكنَّه يفسرِّها تفسيرًا يسلبها خاصيَّةَ الخروجِ عن مُقتضى السُّنَن وخَرْقِ العادة، ذلك لأنَّه يُرجِعها إلى القانونِ الطَّبيعي وأسبابِه (^١).\nومُحصَّل مذهب هؤلاءِ: أنَّهم لا يَقبلون التَّسليم بخرقِ تلك الآيات لنواميسِ الكونِ، وخروجها عن مَقدور الثَّقَلين، بل يحملون ما يَرونه قابلًا منها للتَّعليل حملًا لا يُخرجها عن حَدِّ القانون الطَّبيعي، بناءً على أَصلِهم الفاسد: مِن أنَّه لا يُتصَّوَر أن تَفعل القِوى والطَّبائع والمؤثِّرات إلَّا في المَواد والأَعيان القابلة لذلك.\n_________\n(^١) انظر «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا (٤/ ١٥٠).","vol":"2","page":1229},{"text":"فـ «الهواء» -مثلًا- لمَّا كان قابلًا لأن يَستحيلَ ماءً، أمكنَ أن يؤثِّر فيه مؤثِّرٌ، فيصبح ماءً وينزل المَطر؛ وأمَّا ما لم يكُن قابلًا لذلك فلا (^١).\nفمِمَّن انتحلَ هذا القول مِن أَتباع المدرسة الباطنيَّة المُعاصرة (محمَّد شحرور)! فلقد عدَّ ما يقع للأنبياء مِن خوارق العاداتِ لا يخرج عن كونِها ظاهرةً طبيعيَّةً قُدِّم زمنُها، وليست خروجًا عن مُقتضَى السُّنَن الكونيَّة، فهي «تَقَدُّمٌ في عالَم المَحسوس (ظاهرة طبيعيَّة)، عن عالَم المعقول السَّائد وقتَ المُعجِزة، كشَقِّ البحرِ، ولكنَّها بحالٍ من الأحوال ليست خروجًا عن قوانين الطبيعة أَو خَرْقًا لها» (^٢).\nوالحقُّ أنَّ تفسيرَ آياتِ الأنبياءِ تفسيرًا طَبيعيًّا مُخالفٌ للحقيقةِ المَوضوعيَّة لهذه الآيات، فأيُّ عَلاقةٍ لإحياء الموتى، وانشقاقِ القَمر، وانفلاقِ البحر، وخروج النَّاقةِ من الجبل، بِقوى النَّفْسِ الَّتي ادَّعاها ابن سينا (^٣)! أو القَفْزات الزَّمانيَّة الَّتي ابتدَعها شحرور؟! كلُّ هذه الآيات الرِّساليَّة وغيرها خارجة عن سُنَن الطَّبيعة وقوانينها، ولا يمكن وقوعها إلَاّ لنبيٍّ، ولن تقع لغيرِ الأنبياءِ مهما تقدَّم الزَّمَن.\nومثل هذه الدَّعاوي مَعلومة الفساد، حيث تنطوي على تعجيزِ الرَّب ﵎، وهذا لازمٌ لِمن نفاها، وهي خَوضٌ في آياتِ الله بالباطل، لأنَّها تَقيِيد لإرادةِ الله تعالى بمخلوقاته، والله تعالى لا مانعَ لما أراد، ولا دافع لما قضى، وليس مِن شأنِنا تفصيل الكلام عن أربابِ هذا الموقفِ والإسهابِ في نقضِ سفسطَتِهم، لجلاءِ قُبحِها في عَيْنِ كلِّ مسلم.\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقليِّ» (ص/٣١٣).\n(^٢) «الكتاب والقرآن» لشحرور (ص/١٨٥).\n(^٣) انظر «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا (٤/ ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"2","page":1230},{"text":"الموقف الثَّاني: استنكارُ هذه الآيات الحسيَّة:\nحيث ذَهَبت طائفةٌ مِن المُستغرِبين إلى رَدِّ ما وَرَد من أخبارِ مُعجزاتِ النَّبي ﷺ أو غيره من الأنبياء، أمَّا الآيات القرآنيَّة فارتكَبوا كلَّ عَسِرٍ لنفْيِها، ولَيِّ أعناقِ النُّصوص الَّتي تُثْبِتها (^١).\nوكان الباعث لكثيرٍ منهم على ذلك: تأثُّرُهم البيِّن بالمَنهج الوَضْعيِّ، الَّذي ينطلِقُ أَساسًا مِن نَفي الغيبيَّات، واستبعادِ كلِّ ما لا يَقع عليه الحِسُّ؛ فأرباب هذا المذهب حين تَوهَّموا أنَّ قيام الحضارةِ الغَربيَّة الكافرة لم يَتحقَّق إلَاّ برَفْضِ كلِّ ما يَتعدَّى الواقع الحِسِّي، افترضوا بالقِياسِ أنَّ المسلمين لا يمكنهم اللَّحاقُ برَكْبِ الحضارةِ الغربيَّة إلَّا باقتفاءِ سَنَن مَن استحدثَها حذو القذَّة بالقذَّة!\nوالأَساسُ الَّذي يرتكزُ عليه المنهج الوَضعيُّ الَّذي تَأثَّر به طوائفُ مِن المسلمين في رَدِّ الآياتِ الحِسيَّة النَّبويَّة ثلاثُ معارضات:\nالمعارضة الأولى: أنَّ العِلم التَّجريبيَّ لا يستطيع إثباتَها، وإِذا كان الأمر عندهم كذلك، فليست هذه الآيات والبَراهين حَقائقَ علميَّة تَستدعي الإيمان بها، ولا بِمَن جاءتْ على يَدَيه.\nفالشُّبهة -إذن- مَبناها على منع الاعتدادِ بما لا يَمرُّ عبرَ قناةِ الحِسِّ والتَّجربة؛ فلا سَبيل إلى المعرفةِ إلَّا مِن بوابة الواقع الحِسِّي؛ قد ألغوا أَيَّ حقيقةٍ تُجاوز عندهم الواقع، فإنَّ للطَّبيعة قوانينها الثَّابتة التي تُفسِّرُها، والَّتي لا يُمكن في تَصوُّرِهم أَن تَتَغيَّر أَو تُخرَق، مع تجويزِهم ما دون ذلك ممَّا يُعَدُّ انحرافًا عارِضًا عن جَوهر الطَّبيعة، من غيرِ أن يصلُ إلى حَدِّ خَرْقِ السُّنَن، كـ «العادات غير العقلانيَّة والجَرائم» (^٢).\n_________\n(^١) انظر بعضًا من تأويلاتهم المستكرهة: فيما نقله عنهم رشيد رضا في «تفسير المنار» (١/ ٢٦١) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾.\n(^٢) انظر «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة» لـ د. عبد الوهاب المسيري (١/ ٢٩١).","vol":"2","page":1231},{"text":"ومِمَّن أبان عن عُمقِ هذا التَّأثُّر بهذا المذهب الفكريِّ (محمَّد فريد وجدي) (^١)، فهو مِمَّن دَرَجوا على تطويعِ الدَّلائلِ الشَّرعيَةِ لتوافق ما رَسَمه الغَرب في صورةِ قوالب وقوانين عِلميَّة، مع إعادةِ صياغة أفكارهم، والتَّنقير في كُتُبِ التُّراث عمَّا يُسْعفها.\nفانظر قولَه -مثلً-: «تمتاز العصور النَّبوية بالخوارق والنَّواميس الطبيعيَّة؛ فأساطير الأديان مَلْأى بذكرِ حوادثَ من هذا القبيل، كان لها أقوى تأثيرٍ في حمل الشُّعوب الَّتي شهِدتْها على الإذعان للمرسَلين الَّذين حدثتْ على أيديهم.\nوقد حَدثتْ أمورٌ مِن هذا القَبيل في هذا العصر المُحمَّديِّ؛ صاحبت الدَّعوةَ في جميع أطوارها .. ولستُ أقصد بها ما تناقَله النَّاسُ عن شَقِّ الصَّدر (^٢)، وتظليل الغمامة (^٣)، وانشقاقِ القَمر، وما إليها ممَّا لا يُمكن إثباتُه بدليلٍ مَحسوسٍ، أو يتأتَّى توجيهه إلى غير ما فُهِم منه؛ ولكنِّي أقصد تلك الانقلابات الأدَبيَّة والاجتماعيَّة التي تمَّت على يدِ محمَّد ﷺ في أقلِّ من رُبع قرنٍ، وقد أعوزَ أمثالُها في الأُمم القرونَ العديدةَ، والآمادَ الطويلةَ» (^٤).\nفعلى أساسِ هذه المُغالَطاتِ للحقائق، ترى (بسَّام الجَمل) يَسِمُ الآياتِ النَّبويَّةِ بأنَّها «تَوليدُ المِخْيالِ الجَمعيِّ»، لا أنَّها حقائق تَواترت عنهم تَواترًا قطعيًّا؛ ويَصِف ما أنزَل القرآنُ الكريم في شأنِها بقوله: «عَثرنا في بعضِ أَخبار النُّزولِ\n_________\n(^١) محمد فريد وجدي (ت ١٣٧٣ هـ): باحث مصري، عمل محررا لعدد من الجرائد والمجلات المصرية، كـ «جريدة الدستور»، و«الوجديات»، من مؤلفاته: «دائرة معارف القرن الرابع عشر، العشرين»، و«ما وراء المادة»، انظر «الأعلام» للزركلي (٦/ ٣٢٩).\n(^٢) سيأتي تخريجه.\n(^٣) أخرجه الترمذي في «الجامع» (ك: المناقب، باب: بدء نبوَّة النبي ﷺ، رقم: ٣٦٢٠)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وتعقَّبه الذَّهبي بقوله في قسم السِّيرة النبوية من «تاريخ الإسلام» (١/ ٥٠٣): «تفرَّد به قُرَاد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثِقةٌ، احتجَّ به البخاري والنَّسائي؛ ورواه النَّاس عن قُراد، وحسَّنه الترمذي، وهو حديثٌ مُنكرٌ جِدًّا»، ثُمَّ ساق علل هذا الخبر.\n(^٤) سلسلة «السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة» من «مجلَّة الأزهر»، مقال: «الأمور الخارقة للنواميس الطبيعية في وقعة بدر» (ج ١، المجلد ١١، ص/٣٨٥).","vol":"2","page":1232},{"text":"على ضَرْبٍ مِن ضروب المُتخَيَّل، لا تكونُ فيه الأَحداث مَبنيَّةً على قانونٍ في السَّببيَّةِ، .. إِنَّنا نُصادف داخلَ هذا المُتخيَّل نماذج مِن وقائع حَصَلَت على عهدِ الرَّسولِ، أَلغت النِّظامَ المنطقيَّ الَّذي تَتأسَّسُ عليه قوانين الطَّبيعة والعالَم الفِيزيائيُّ عُمومًا، ممَّا يُقيم البُرهان على أَنَّ للمُتخيَّل مَعقوليَّته الخاصَّة، المُباينة للمَعقوليَّة العلميَّة القائمة على الاستدلالِ والتَّعليلِ وغيرهما» (^١).\nوإذا كانَ إثباتُ الآياتِ المَادِّيَّة الحاصلةِ للنَّبي ﷺ عند المتأثِّرين بهذا المَنهج غيرُ مُتأتٍّ حيث كان الدَّليل الحِسِّي بزعمهم لا يقوم بإثباتِها؛ فلقد خَطَوا خطواتٍ بعيدة في مسايرةِ مَن لا يؤمنون بالنُّبوَّة ولا بآياتِ الأنبياء؛ مُعانين صرْفَ كلِّ آيةٍ عن مُقتضى الإعجازِ، وتفسيرَها على ضوء المنهج المادِّي الكافرِ بخَرقٍ للسُّنَنَ الكونيَّة بالمَرَّةِ.\nثمَّ برز فريقٌ آخر معترضٌ على أخبار الآيات النَّبويَة مِن غير أن يصرِّحوا باعتمادِ ذاك المَنهجِ الوضعيِّ في إثبات الحقائق، ولكنْ بدعوى أخرى تَتَمثَّل في:\nالمعارضةِ الثَّانية: حصْرُ ما اختَصَّ به النَّبيُّ ﷺ مِن المعجزات في القرآنِ وحده، وأنَّه ليس مِن اختصاصِه الإتيانُ بآياتٍ خارقةٍ للعادةِ:\nوفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (محمَّد عابد الجابري):\n«نحنُ نؤكِّد -فعلًا- أنَّ الشَّيء الوحيد الَّذي يُفْهَم مِن القُرآن بأكملِه أنَّه معجزةٌ خاصَّةٌ بالنَّبي محمَّد ﷺ: هو القرآن لا غير، فالقُرآن يَكفي ذاته بذاته في هذا الشَّأن.\nوالدَّليل على ذلك: أنَّ كُفَّار قُريش قد أكثروا مِن مُطالبةِ الرَّسول ﷺ بالإتيان بآيةٍ (مُعجزةٍ) تخرقُ نظامَ الكون واستقرار سُنَنِه؛ كدليلٍ على صدقِ نُبوَّته؛ فكان جواب القرآن أنَّ مهمَّة محمَّد بن عبد الله هو أنْ يُبلِّغ لأهل مكَّة (أمِّ القُرى) ومَن حولها رسالةَ الله إليهم (القرآن)، وليس من اختصاصِه الإتيان بآيات مُعجزاتٍ خارقة للعادة».\n_________\n(^١) «أسباب النُّزول» لبسام الجمل (ص/٤٠٢ - ٤٠٣).","vol":"2","page":1233},{"text":"ثمَّ نزع إلى الاستدلالِ على ما تَوهَّمه دعامةً لدعواه، بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]، مُعلِّقًا عليها بقوله: «واضحٌ أنَّنا أمامَ إغلاقٍ نهائيٍّ لمسألة إمكانيةِ تخصيصِ خاتم النَّبيين والمرسلين بمعجزةٍ من جنس ما طالبت به قريش؛ لقد قرَّرت الآية أنَّ القرآن كافٍ وحده كمعجزة للنَّبي ﷺ» (^١).\nأمَّا (جمال البنَّا)، فجارَ في القضيَّة بأن زعم كونَ «هذه الأحاديث عن المُعجزات لا تُكسِب الرَّسولَ ﷺ فخرًا، لأنَّها تجعله رَسولًا كبقيَّة الرُّسل، أمَّا القرآن الكريم -معجزته الحقيقيَّة والوحيدة- فهو ما يجعله رسولَ الفكرِ والعقلِ» (^٢).\nومِن الفَوَاقر الَّتي وَقَع فيها هؤلاءِ في غمزِهم بهذا النَّوع من الأخبار، قولهم:\nبالمعارضة الثَّالثة: في أنَّ إثباتَ تلك المُعجزاتِ الحِسيَّةِ -ومنها البَرَكة في جَسَدِه الشَّريف- إخراجٌ له عن طَوْرِه البَشَريِّ:\nفلمَّا كان مِن طرائق إثباتِ النُّبوة ما يُجريه الله تعالى على يَدَي النَّبي ﷺ من الآيات والبراهين الخارجةِ عن مَقدور الثَّقَلين، وكان هذا يوجب له الامتيازَ عن غيره مِن الخَلق، مع ما تضمَّنه ذلك من خَرقِ للسُّنَن الكونيَّة: سارعت هذه الطَّائفة إلى نَفْيها عنه ﷺ.\nفانظر -مثلًا- إلى (ابن قِرناسٍ)، كيف نفي امتيازَ النَّبي ﷺ بمثل تلك الخصائصِ الَّتي خَصَّه الله بها دون النَّاسِ، بقوله: «ما كَتَبه بعض الإخباريِّين عن محمَّد ﷺ، يُصورِّه على أنَّه شخص فوق البَشر، لدرجةِ أنَّ المعجزاتِ الحسيَّة قد جَرت بين يَديه! .. أمَّا القرآن فقد أورد صورةً للرَّسولِ ليس فيها ممَّا نقله عنه\n_________\n(^١) «مدخل إلى القرآن الكريم» لمحمد الجابري (ص/١٨٧ - ١٨٨).\n(^٢) «تجريد البخاري ومسلم» (ص/٢٥٤).","vol":"2","page":1234},{"text":"الإخباريُّون شيئًا، فهو إنسان عاديٌّ جدًّا بالنِّسبة لمُواصفات البَشر، ولم يَكُن طبيبًا، ولا صاحب مُعجزات» (^١).\nويؤكِّد (نيازي) هذا التُّهمة لأهل الحديثِ في اختلاقهم لهذه الأخبارِ بقوله: «استطاعَ جنودُ السُّلطان أن يحلِّقوا بنا وبخيالنا وتصوُّراتنا، بإبعادِ الرَّسول محمِّد ﷺ عن الأرض، وعن بَشريَّته، ورفعه إلى مستوى الله تعالى، بجعله .. له القدرة على فعلِ المعجزات ذاتيًا، وله قدرات خارقة» (^٢).\nوأمَّا (صالح أبو بكر)، فقد ارتأى فوق ذلك الطَّعنَ في الأحاديث المُثبتةِ لبركةِ جسدِه الشَّريف ﷺ، بدعوى أنَّها وَثنيَّة مَقيتة، ورَفعٌ له ﷺ إلى مَقام الرُّبوبية؛ فبعد إعرابِه عن اشمِئزازِه مِن خَبرِ تَبرُّك الصَّحابةِ ﵃ بفضلِ وَضوءِه ﷺ، قال: «إنَّ النَّبي ﷺ بُعِث محاربًا لعقائدِ التَّقديس لغير الله، وجاء إلى النَّاس ليُخرِجَهم مِن وَثنيَّة التَّعلُّق بغير ربِّه، ومِن الشِّرك في طلب البَركة إلَّا مِن الله وحده، فكيف يَنهى النَّاس عن ذلك، ويُحاربهم في التَّعلقِ بغير الله، ثمَّ يتركهم يقدِّسون فضلاته هو على هذا الحدِّ المَشين؟!» (^٣).\nوبعدُ؛\nفهذه نُبَذٌ ممَّا جَرتْ به أقلامُ هؤلاء الطَّاعنين في هذا النَّوعِ مِن الأخبارِ النَّبويَّة، وفيما يلي نقضٌ لتلك المعارضاتِ، فنقول بتوفيق الله:\n_________\n(^١) «سُنة الأوَّلين» لابن قرناس (ص/٥٢).\n(^٢) «دين السلطان» (ص/٥٩٢).\n(^٣) «الأضواء القرآنية» (٢/ ١٤٤).","vol":"2","page":1235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>المَطلب الثَّاني\nدَفعُ دعاوي المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن أحاديث الآياتِ الحسِّيَّة للنَّبي ﷺ</span>\nفإنَّ أخبار الآيات الحِسيَّة الَّتي أجراها الله تعالى على يَدي نبيِّه ﷺ كثيرة، بلغ بها بعض أهل الحديثِ مبلغَ التَّواتر المَعنويِّ، الَّذي لا شكَّ بعده في ثبوتها عنه من جِهة النَّقل.\nيقول المَازريُّ: «مُعجزات النَّبي ﷺ ضُروب.\nفأمَّا القرآن: فمَنقول تواترًا.\nوأمَّا مثل هذه المعجزة، ذلك فيها طَريقان:\nأحدهما: أنْ تقول: تَواترت على المعنى، كتواترِ جُود حاتم، وحِلم الأحنف، فإنَّه لا تُنقل قصة بعينها في ذلك تواترًا، ولكن تكاثرت القِصص مِن جهة الآحادِ، حتَّى صارَ مَحصولها التَّواتر بالكَرَم والحِلم، وكذلك تَواترت مُعجزات سِوى القرآن، حتَّى ثَبَت انخراقُ العادةِ له ﷺ بغيرِ القرآن.\nوالطَّريقة الثَّانية: أن تقول: فإنَّ الصَّاحب إذا رَوَى مثلَ هذا الأمرِ العجيبِ، وأحالَ على حضورِه فيه مع سائرِ الصَّحابة وهم يَسمعون روايتَه ودعواه حضورَهم معه، ولا يُنكرون ذلك عليه: فإنَّ ذلك تصديقٌ له، يوجب العلم بصحَّة ما قال» (^١).\n_________\n(^١) «المُعلِم» للمازري (٢/ ٤١٤).","vol":"2","page":1236},{"text":"أمَا وإنَّا معاشر المسلمين مُستيقِنون بكرامةِ الله لنبيِّه بتلك الآياتِ الباهرات، فإنَّا نقول في دحضِ ما شَغَّب به المُبطلون لهذه الكرامةِ الإلهيَّةِ، في دعوى أنَّ إثباتَ الآياتِ المادِّيَّة الحاصلةِ للنَّبي ﷺ غيرُ متأتٍّ؛ لأنَّ الدَّليل الحسِّي لا يقوم بإثباتها:\nإنَّ دعواكم هذه عَريَّة عن التَّحقيقِ وحُسنِ التَّصوُّر لِما يُحتَجُّ به مِن مناهج الاستدلال، وذلك أنَّ الحِسَّ ليس المَصدر الوَحيدَ للمعرفةِ، لم يكُن كذلك في تاريخ البشريَّة كلِّها ولن يكون، وخروج بعض المَعارف عن دائرتِها لا يَنفي عنها كونها حقائق ثابتة بمصدرٍ آخر صحيح مُعتبَر.\nهذا ما قد صَرَّح به كثيرٌ مِن النَّاقدين للأديانِ من الغَربيِّين أنفسِهم، كان مِن أشهرِهم: (هِنْري بوانْكارِيه) (ت ١٩٢١ م) المَنعوتِ بـ «المُمثِّل النَّموذجي لنقدِ العِلمِ»؛ فقد ألزَم الوَضعيَّةَ بأنَّ حصرَ الحقيقةِ في المنهجِ التَّجريبيِّ دعوى مُشبعة بقدرٍ من المجازفةٍ والتَّعميمِ المتعسِّف الَّذي لا برهان عليه (^١).\nوذلك لأنَّ الحقائقَ المَوجودة في الكَوْنِ مُختلفةٌ في طبائِعها، ومتباينة في سِماتها؛ فالحقيقة الفيزيائيَّة -مثلًا- مختلفة عن الحقيقةِ الإنسانيَّة، والظَّواهر الإنسانيَّة مُباينةٌ للظَّواهر الكونيَّة، .. إلخ؛ فمِن غير المَعقول أن تُحصَر كلُّ هذه المجالات المتباينةِ في منهجٍ واحدٍ للتَّعامل معها، بل لا بدَّ مِن تَضافر عِدَّة مَصادر مَعرفيَّة وتكاملِها، لأجلِ استيعابِ جميعِ المُكوِّنات الوُجودِيَّة.\nفلو افترضنا جدلًا أنَّ العِلْمَ التَّجريبيَّ استطاعَ الجوابَ عن كلِّ الأسئلةِ المَاديَّة التَّجريبيَّة، فإنَّ هناك ركامًا من الأسئلةِ الأخرى تبقى مُلقاةً على قارعة الطَّريق لا طاقةَ لمعاملِ التَّجريب في الجواب عنها! كونها لا تدخل في نظامِ بحثه من حيث طبيعتُها وماهيَّتها؛ كسُؤالِ الخَيرِ والشَّر، وسؤال الحكمةِ والتَّعليلِ، والمَبادئ والأخلاق، والغَيْبِيَّات، ونحو ذلك مِن الأسئلة الوجوديَّة الكبرى.\n_________\n(^١) انظر شيئا من ترجمة (هِنْري بوانْكارِيه) وموقفه هذا في «مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا» لـ ج. بنروبي (ص/٢٩٣).","vol":"2","page":1237},{"text":"مُحصِّل ما تقدَّم: أنَّ الحقائق العلميَّة لا يمكن حصرها في دائرة الحِسِّ والتَّجربة؛ ولكن طبيعة المَوضوع المَبحوث فيه هي الكفيلةُ بتَحديدِ المَنهجِ العلميِّ الأنسبِ له (^١)!\nومع التَّسليم بعملِ المنهج الوضعيِّ على إثباتِ ما كان داخلًا في الحسِّ والتَّجربة، فإنَّه لا يَلزم مِن عَدم قدرةِ منهجٍ ما على إثباتِ شيءٍ نفيُه في حقيقة الأمر! ومِن ثَمَّ جاز لنا القول بأنَّ حكم الوضعيِّين على الآياتِ الحسيَّة بالبُطلان هو «خروجٌ عن مفهوم هذا المنهج نفسِه ووقوعٌ في التَّناقض! لأنَّ الحكمَ بالصِّحة والبطلان تحكُّم ميتافيزيقيٌّ، ليس مِن أصُولِ هذا المنهج ولا مِن شأنِه» (^٢)!\nفمَنْ مارى في هذه الحقيقة المنهجيَّة، لا بدَّ أن تَجْبهَه مَعارفُ أضحَتْ حقائقَ لا تَقبَل الشكَّ عند أصحاب المنهج التَّجريبيِّ أنفسهم؛ مع أنَّها لم تُباشرْها الحَواسُّ، ولم تُدرَك في مَعامل البحث، ولم تخضع للتَّجريب! (^٣)\nونفيُ المتأثِّرين برَهَج المنهجِ التَّجريبيِّ لآيات الأنبياءِ لكونِها بطريقِ النَّقلِ لا التَّجربة يَلزمُهم على قولِهم نَفيُ الحقائق التَّجريبيَّة الَّتي لم يُباشِرها النَّاس! ولم يدركوها بحواسِّهم! لأنَّها إِنَّما نُقِلَت إليهم نقلًا عمَّن جَرَّبها! فنفيُ الأوَّل دونَ الثَّاني تحكُّمٌ (^٤).\nوما أبلغَ تعبير بحَّاثة غَربيٍّ عن عَجزِ التَّجربةِ في إثباتِ جميعِ الحقائق، في اعترافٍ له آخرَ عُمْرِه يقول فيه: «إنَّ العلمَ يَصطاد في بحرِ الواقعِ بنوعٍ مُعيَّنٍ مِن\n_________\n(^١) من أشهر فلاسفة العلمِ الَّذين نادوا بتعدُّد المناهج العلميَّة: الفيلسوف (باومر فيير أيند) (ت ١٩٤٤ م)، حيث ألَّف كتابًا أسماه «ضدَّ المنهج: مخطَّط تمهيديٌّ لنظرية موضوعيَّة في المعرفة»، يقوم على فكرة أساسةٍ مفادها: أن العلم لم يكن أبدا أسيرَ منهج واحد محدَّد، وإنَّما عملت فيه مناهج متعدِّدة، اشتركت جميعًا في بناء هيكله، واستدلَّ بشواهد كثيرة من تاريخ العلم، انظر «فلسفة العلم في القرن العشرين» ليُمني الخولي (ص/٣٦٧).\n(^٢) انظر «الفكر المادي الحديث وموقف الإسلام منه» لمحمود عبد الحكيم عثمان (ص/٤٤٨).\n(^٣) انظر «الإسلام يتحدى» لوحيد الدين خان (ص/٤٧).\n(^٤) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٣١ - ٣٣٢).","vol":"2","page":1238},{"text":"الشِّباك، يُسَمَّى المنهجَ العلميِّ، وقد يكون في البحرِ الَّذي لا يُمكننا أن نَسبر غورَه، الكثير ممَّا تعجز شِباك العلم عن اقتناصِه» (^١).\nوأمَّا دعوى (الجابريِّ) في المعارضِ الثَّاني: كون القرآنَ الآيةَ الَّتي اختُصَّ بها النَّبي ﷺ، فلا تكون له آيةٌ أخرى تخرق العادَة:\nفهذه بيِّنة البطلان؛ لأنَّ الاختصاصَ بالقرآن لا يَقضي على الآياتِ الأخرى بالنَّفي، واستدلاله على نفيِه ذاك بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: ليس له فيه مُستمسك؛ لأنَّ الإغلاقَ واقعٌ في إجابةِ أهلِ مكَّةَ فيما اقترحوه مِن الآياتِ بعينِها، وليس في مُطلق الآيات، لأنَّ (الـ) التَّعريف في قولِه: ﴿الآيَاتِ﴾ عَهديَّة، وسَيأتي تحقيقه قريبًا.\nأمَّا حصول الكفايةِ بالقرآن: فهو حقٌّ لا نُماري فيه، فهي الآية الكبرى لنبيِّنا ﷺ، لكنْ لا يقتضي هذا نفيَ ما عداه مِن الآيات الحسيَّة الَّتي تواترت بها أخبار الثِّقات! فإنْ كان «القرآن مُعجِزًا ثابتًا بالتَّواتر اللَّفظي، فباقي المعجزاتِ بالتَّواتر المَعنَوِيِّ» (^٢)؛ ومثل هذه السُّنَن المُتناقلة مُفسِّرة للقرآن، ومبيِّنة لمُجمَلِه، فوُرود هذه الآيات ورودًا قطعيًّا من جِهة النَّقل مُبيِّنٌ عن المعنيِّ بالآياتِ.\n_________\n(^١) «بساطة العلم» لـ بيك ستانلي (ص/٢٢٩).\n\nوللبروفيسور (سوليفان) كتاب خاصٌّ في هذه القضيَّة أسماه «حدود العلم»، قد محَّض كاملَه للتَّأكيد على قصور العلم الإنسانيِّ، واستحالةِ إحاطته بكلِّ الحقائق الوجوديَّة، وإثبات أنَّ له حدودًا لا بدَّ أن يقف عندها، وأثبت أنَّ التَّحوُّلات العلميَّة في القرن العشرين تؤيِّد تلك النَّتيجة، فكان ممَّا قال فيه (ص/٣٢): «.. لقد أصبحَ العلم شديد الحساسيَّة، ومتواضعًا نسبيًّا، ولم نعد نلقِّن الآن أنَّ الأسلوب العلميَّ هو الأسلوب الوحيد النَّاجع لاكتساب المعرفة الحقيقيَّة .. إنَّ عددًا من رجال العلم البارزين يصرُّون بمنتهى الحماس على حقيقةٍ مؤدَّاها: أنَّ العلم لا يقدِّم لنا سوى معرفةٍ جزئيَّة عن الحقيقة، وأنَّ علينا لذلك أن لا نعتبر أو لا يُطلب منَّا أن نعتبر كلَّ شيءٍ يستطيع العلم تجاهله مجرَّدَ وهمٍ من الأوهام\n(^٢) «الانتصارات الإسلاميَّة» لنجم الدين الطُّوفي (٢/ ٥٧١).","vol":"2","page":1239},{"text":"هنا أنقل عن (محمَّد الغزالي) بَديعةً مِن بدائعِ تأمُّلاتِه في سيرةِ نبيِّنا ﷺ، جلَّى فيها بعضَ الحِكَم الَّتي لأجلها أيَّد الله نبيَّه ﷺ ببعضِ الآياتِ المرئيَّةِ، مع كونِه مُؤيَّدًا بتنزُّل أعظمِ آيةٍ عليه وهي القرآنِ، فيقول:\n«.. حتَّى تنقطع الألسنة المعاندة، وحتَّى لا يُقال: إنَّ محمَّدًا ﷺ لم يُسلَّح بما سُلِّح به الأنبياء السَّابقون مِن خوارق حسيَّة: أجرى الله خوارق حسيَّة على يَد نبيِّه محمَّد ﷺ، مِن الَّنوع الَّذي يقهر أهلَ العِنادَ على الإيمان.\nإنَّه أرى النَّاس أنَّ محمَّدًا مَوصول بالسَّماء، وأنَّ سُنَن الله الكونيَّة يُمكن أن تَلين له، وأنَّ خوارق العادات يمكن أن تَقع على يده، ولكنَّ مُعجزته الكبرى ليست هذه، مُعجزته الأولى هذا الكتاب الَّذي جاء يَفتح العُقول، ويصقل المعادن، ويرفع المُستويات.\nممكنٌ جدًّا أن تكثر هذه المعجزات، ولكنْ كما قيل: هذه خوارق أيَّد الله بها نبيَّه ﷺ، ولكن لم يعطها المكانةَ الأولى في الشَّهادة له بالنُّبوة، لأنَّ الشَّهادة له بالنُّبوة وتصديق الرِّسالة جاءت على النَّحو الَّذي يليق برسالةٍ عامَّةٍ خالدةٍ ..\nوإذا كانت المعجزة تُورث أصحابَها الَّذين رأوها يقينًا، فإنَّ هذا القرآن لا يزال - كما قُلنا - يصنع اليَّقين، ويؤكِّد أنَّ الإسلام هو الحقُّ الفذُّ إلى يوم الدِّين» (^١).\nأمَّا ما أبداه الطَّاعنون في أحاديث المعجزات الحسيَّة مِن مُعارضتها لبَشريَّة الرَّسول، فجوابه أن يُقال: إنَّه لابدَّ للمعجزةِ بداهةً أن تكون خارقةً للعادةِ وفوق قدرةِ البَشرِ كي تُسمَّى آية، إذ لو كانت بمَقدورِ البَشر، لانتفت عنها صِفة الإعجاز أو التَّصديق بالنُّبوة؛ فلا يستقيم عقلًا أن يُكذَّب بأخبارها بدعوى أنَّها تَتَجاوز بَشريَّة النَّبي ﷺ!\nوإذا نَفوها عن نبيِّنا ﷺ لبَشريتِه، فلينفوا مثلَها عن إخوانِه الأنبياء وقد وردت صراحةً في القرآن! فهل أولاءِ الرُّسل -بما أُيِّدوا به مِن آيات- إلَّا بَشرٌ مثل نبيِّنا؟!\n_________\n(^١) «خطب الشيخ محمد الغزالي» (٣/ ٦٩).","vol":"2","page":1240},{"text":"لقد أمكنَ لمثل هذه المعارضةِ أن تجد مَحلًّا وسيعًا من نظر العقول لو أنَّ تلك المُعجزاتِ الحسيَّة كانت مَقدورةً للنَّبي ﷺ لذاتِه، مَأتيةً مِن عند نفسِه؛ أما وهي ممَّا قد أجراه الله تعالى وحده على يَدَيه بإذنِه ليُقيم الدَّليل بها على صدقِه، وليس لنبيِّه فيها يَدٌ ولا مَشيئة: فاستشكالُ الآياتِ بعد هذا -فضلًا عن استنكارِها- ساقطُ الاعتبارِ.\nتأمَّل ما جاء على لسان النَّبي ﷺ نفسِه من نسبةِ ما جرى على يَدَيه من بعضِ الآيات إلى إيجادِ الله وتسخيره، من حالِه مسافرًا وقد قلَّ الماء مع أصحابه، فقال: «اطلُبوا فضلةً مِن ماء»، فلمَّا جاءوا بإناءٍ فيه ماء قليل، أدخل يده فيه، ثمَّ قال: «حيَّ على الطَّهور المبارك، والبركةُ مِن الله»، يقول ابن مسعود: فلقد رَأيتُ الماءَ ينبُع مِن بين أصابع رسول الله ﷺ (^١)!\nيقول العينيُّ في قوله ﷺ: «.. والبَركةُ مِن الله»: «إشارةٌ إلى أنَّ الإيجاد من الله» (^٢).\nوكذا جاء في حديث جابر ﵁ قال:\n«سِرنا مع رسول الله ﷺ، حتَّى نزلنا واديًا أفيحَ، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجتَه، فاتَّبعته بإداوةٍ من ماء، فنَظر رسول الله ﷺ فلم يرَ شيئًا يستتر به، فإذا شجَرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذَ بغصنٍ مِن أغصانها، فقال: «اِنقادي عليَّ بإذن الله»، فانقادت معه كالبَعير المخشوشِ الَّذي يصانع قائده، حتَّى أتى الشَّجرة الأخرى، فأخذَ بغصنٍ من أغصانها، فقال: «اِنقادي علي بإذن الله»، فانقادت معه كذلك، حتَّى إذا كان بالمنصف ممَّا بينهما، لأَمَ بينهما، فقال: «اِلتَئِما عليَّ بإذن الله»، فالتأمتا ..» الحديث (^٣).\nفمَنشأ غَلَطِ أصحابِ هذا المنهج: قياسهم الفاسد لأحكام النُّبوة على سائر النَّاس؛ مع تحقُّق الفَرق بينهما بمقتضى النَّقل والعقل، فأدَّاهم إلى جحود ما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم: ٣٥٧٩).\n(^٢) «عمدة القاري» (١٦/ ١٢٣).\n(^٣) أخرجه مسلم في (ك: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر، رقم: ٣٠١٢).","vol":"2","page":1241},{"text":"فضَّل الله به الرُّسل ﵈؛ والنَّظر الصَّحيح يوجب التَّفريق بين أمرين عند اتِّصاف أحدِهما بما يُوجب امتيازَه عن الآخر (^١).\nالعجيب؛ أنَّ الله ﷾ قد ذكر هذا القياس الفاسدَ مانعًا للكفَّار من الإيمان بآياتِ الأنبياءِ والانقيادِ لهم! فقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤].\nيقول ابن تيميَّة: «وجِماعُ شُبَه هؤلاء الكفَّار: أَنَّهم قاسوا الرَّسول على مَن فرَّق الله بينه وبينه، وكفروا بفضل الله الَّذي اختصَّ الله به رُسُلَه؛ فَأوتُوا مِن جهة القياس الفاسد، ولا بُدَّ في القياس من قَدرٍ مُشْتَرَكٍ بين المُشَبَّه والمُشَبَّه به» (^٢).\nوأمَّا دعوى (صالح أبو بكر) بأنَّ التَّبرُّك بالنَّبي ﷺ نوعُ وثنيَّة وتعلُّق بغير الله تعالى: فمُؤنةٌ مِن عقلِ هذا الرَّجل! فاضحةٌ لسوء فهمه لمصطلحاتِ الشَّريعة؛ فإنَّ لفظَ التَّقديس يحتمل معاني:\nإن قُصدَ منه معنى التَّطهير ورفعِ الدَّرجة (^٣): فإنَّه بهذا غير مختصٍّ بالله، بل هو ثابت لبعضِ خلقِه اصطفاءً، كقول الملائكة لمريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢].\nوإن قُصدَ بلفظ (التَّقديس): معنى التَّعظيم والتَّنزيه التَّعبُّدي، كالمَعنيِّ في حوارِ الملائكة لربِّهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: فإنَّ هذا غير مَقصود في التَّبرُّك، فإنَّ التَّبرُّك هو التماس زيادة الخيرِ ونمائه وثبوته ودوامه (^٤)، وليس هو عبادةً في نفسِه، ولا يلزم منه تعلُّقٌ بذاتِ المُتبرَّك به ممَّن أجاز الله تعالى فيه التَّبرك.\nوالمؤمنون يعلمون أنَّ الله هو خالق البركة وحدَه، وهو مَن وضعها في تلك الذَّات المُباركة، أو الزَّمان المُبارك، أو المكان المُبارك، وهو مَن أعلمنا بثبوتها\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٢٤).\n(^٢) «تفسير آيات أَشكلت» لابن تيمية (٢/ ٧٢٦).\n(^٣) انظر «لسان العرب» (٦/ ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٤) «التبرك، أنواعه وأحكامه» لناصر الجديع (ص/٣٠).","vol":"2","page":1242},{"text":"فيه، وهو مَن شرع لنا التِماسِها فيه، ولولا خبره ﷻ لنا بذلك، ما تبرَّكنا بذلك كلِّه، فما بغيتنا إلَّا استزادة الخيرِ من مظانِّه الَّتي شرعها الله.\nفكيف يُقال بعد هذا أنَّ التَّبرك بالنَّبي ﷺ وثنيَّة وشرك بالله في ربوبيَّته وألوهيَّته؟! .. فاللَّهم غُفرًا.","vol":"2","page":1243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>المَبحث الثَّالث\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ انشقاقِ القَمرِ</span>","vol":"2","page":1245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>المَطلب الأول\nسَوق أحاديث انشقاقِ القمر</span>\nعن أَنس بن مالك ﵁ قال: «سأل أَهلُ مكَّة أَن يريَهُم ﷺ آيةً، فأراهم القمرَ شقَّتَين، حتَّى رَأوا حِراء بينهما» متَّفق عليه، وفي لفظ لمسلم: «فأرَاهم انشقاق القمر مرَّتين (¬١») (^٢).\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «انشقَّ القمر على عهد النَّبي ﷺ شِّقَّتين، فقال النَّبي ﷺ: «اِشهْدوا» (^٣).\nوعن عبد الله بن عبَّاس ﵄: أَنَّ القمر انشَّق على زَمَان رسول الله ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) بيَّن ابن حجر في شرحه لهذا الحديث أن جميع رواياته تذكر أن القمر انشق «فرقتين»، أو «فِلقتين»، أو «شقَّتين»، ولم تأتِ أيُّ رواية أخرى فيها «مرَّتين»، غير هذه الَّتي في مسلمٍ إشارةً منه إلى شذوذها، انظر «الفتح» (٧/ ٥٧٨).\nوقبله ابن كثير أورد رواية (المرَّتين) في «البداية والنهاية» (٤/ ٣٠٤) وعقَّب عليها بقوله: «فيه نَظر، والظَّاهر أنَّه أراد فِرقتين»، وكذا ابن القيِّم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٣٠١) قال: «هذا ممَّا يَعلم أهل الحديث ومَن له خبرة بأحوال الرَّسول ﷺ وسيرته أنَّه غَلط، وأنَّه لم يقع الانشقاق إلَّا مرَّة واحدة».\n(^٢) رواه البخاري في (ك: المناقب، باب: سؤال المشركين أَن يريَهم النبي ﷺ آية، رقم:٣٦٣٧)، ومسلم في (ك: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر، رقم:٢٨٠٢).\n(^٣) رواه البخاري في (ك: المناقب، باب: سؤال المشركين أَن يريَهم النبي ﷺ آية، رقم: ٣٦٣٦)، ومسلم في (ك: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر، رقم:٢٨٠٠).\n(^٤) رواه البخاري في (ك: مناقب الأَنصار، باب، رقم: ٣٨٧٠)، ومسلم في (ك: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر، رقم: ٢٨٠٣).","vol":"2","page":1247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>المَطلب الثَّاني\nسَوْقُ دعاوي المُعارِضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعلى أحاديثِ انشقاقِ القَمر</span>\nأَورَد بعض المُعاصرين على حديثِ انشقاقِ القمر جملةً مِن المعارضات؛ تَتلخَّص في ثلاثٍ رئيسةٍ:\nالمُعارِض الأوَّل: أنَّ انشقاقَ القمر لو وَقع لجاءَ متواترًا؛ إذْ يَستحيل أن يَقَعَ مثلُ هذا الحدَث الكونيِّ، ولا تَتوفَّر الدَّواعي على نقلِه وتدوينِه، ولا يَشتهر في سائرِ الأمصار؛ فخفاءُ ذلك يدلُّ على انتفاءِ وقوعِه.\nوأوَّل مَن نُسبِت إليه هذه الشُّبهة إبراهيم النظَّام (ت ٢٣١ هـ) من كبار المعتزلة، وعَلَّل إنكارَه لهذا الانشقاقِ بأنَّه «لو كان قد انشَقَّ، لَعَلِم بذلك أهل الغرب والشَّرق؛ لمشاهدتهم له» (^١)، ثمَّ بلَغت القِحة بنفسِه الأمَّارةِ أن كَذَّب ابنَ مسعود ﵁ في روايته (^٢).\nثمَّ تلقَّفها عنه تلميذُه وربيبُ نِحلته الجاحظُ (ت ٢٥٥ هـ)؛ فقد نُقِل أنَّه كان يَنفي ذلك، ويقول: «لم يَتواتر الخَبر به» (^٣).\n_________\n(^١) ذكر ذلك القاضي عبد الجبَّار المعتزليُّ في «تثبيت دلائل النُّبوة» (١/ ٥٥ - ٥٦) في معرض الردِّ على النَّظَّام إنكارَه أحاديث الانشقاقِ.\n(^٢) انظر «الفصل» لابن حزم (١/ ٥٧ - ٥٨).\n(^٣) «الأزمنةُ والأمكنة» لأبي علي المرزوقي (ص/٥٤).","vol":"2","page":1248},{"text":"وقد سَلَّم لهذه الشُّبهةِ مِن المتأخِّرين (محمَّد رشيد رضا)، ونظمَها في سِلك اعتراضاتِه على الحديث، قائلًا في إنكارها: «ذَكَر علماءُ الأصولِ أنَّ الَخبرَ اللُّغوي ما يحمل الصِّدقَ والكذبَ لذاتِه .. وذَكروا أنَّ مِمَّا يُقطعُ بكذبه: الخبرُ الَّذي لو كان صحيحًا لتَوفَّرت الدَّواعي على نقله بالتَّواتُر؛ إمَّا لكونه مِن أصول الشَّريعة، وإمَّا لكونه أمرًا غريبًا؛ كسقوطِ الخطيب عن المنبر وقتَ الخطبة.\nومِن المَعلوم بالبداهة أنَّ انشقاقَ القمرِ أمرٌ غريبٌ؛ بل هو في مُنتهى الغرابة الَّتي لا يُعَدُّ سقوط الخطيب في جانبها غريبًا؛ لأنَّ الإغماءَ كثيرُ الوقوع في كلِّ زَمَن .. وانشقاق القَمر غير مَعهودٍ في زَمَنٍ مِن الأزمان، فهو محالٌ عادةً وبحسب قواعد العلمِ مادام الكونُ ثابتًا، وإنْ كان ممكِنًا في نفسه لا يُعجِزُ الخالقَ تعالى إن أراده، فلو وقع لتوفَّرت الدَّواعي على نقله بالتَّواتر؛ لشدَّة غرابتِه عند جميع النَّاس في جميع البلاد، ومِن جميع الأُمَم» (^١).\nالمعارض الثَّاني: أنَّ هذه الأحاديث معارضة للقرآن الَّذي دلَّ على امتناعِ إرسالِ الآياتِ الحسيَّة، لأنَّ التَّكذيبَ بها مُوجبٌ لتعجيل العذابِ، كما حصلَ للأُممِ السَّابقةِ حين كَذَّبت، فلَّما لم يُستأصَلْ أهل مكَّة بالعذاب، علِمنا أنَّ آية انشقاقِ القمر لم تَقَع.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة يقول (محمَّد الغزالي):\n«عندما قَرأتُ حديثَ الانشقاقِ، شرعتُ أفكِّر بعمقٍ في موقف المشركين، إنَّهم انصرفوا مُكذِّبين إلى بيوتِهم ورِحالهِم، بعدما رَأوا القَمر فلقتين عن يمينِ الجبل وشماله، قالوا: سَحَرنا محمَّد، ومَضوا آمنين سالمين، لا عقابَ ولا عتابَ .. !\nقلتُ: كيف هذا؟ .. إنَّ التَّكذيب بعد وقوع الخارقِ المَطلوب يوجِبُ هلاكَ المُكذِّبين! فكيف يُترَك هؤلاء المَكيُّون بدون توبيخٍ ولا عقوبةٍ بعد احتقارهم لانشقاق القمر؟! .. يؤكِّد القرآن الكريم هذا المنطق في سورة الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَنَا\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٣٠/ ٢٦١).","vol":"2","page":1249},{"text":"أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، فإذا كان إرسال الآيات ممتنعًا لتكذيبِ الأوَّلين بها، فكيف وَقَعَ الانشقاق؟!» (^١).\nالمعارض الثَّالث: أنَّ الثَّابتَ في القرآن الاكتفاء بالقرآنِ آيةً مُعجزةً واحدةً برهانًا على نبوَّة محمَّد ﷺ.\nوفي تقرير هذا الاعتراض يقول (رشيد رضا) في مَعرضِ استبعادِه لحادثة انشقاقِ القمر:\n«قد ثبتَ بآياتِ القرآن المحكمة الكثيرةِ القطعيَّة الدَّلالة أنَّ آيةَ الله تعالى وحجَّته على صحَّة نُبوَّة خاتم رسلِه محمَّد ﷺ الَّتي تحدَّى بها الكُفَّار، ولم يحتجَّ عليهم بغيرها، هي كتاب الله، المعجز للبَشر ولغيرهم مِن الخلق، وثبتَ بالحديث الصَّحيح الصَّريح أيضًا، فقد قال ﷺ: «ما من الأنبياء نبيٌّ إلَّا أُعطي ما مثله آمن عليه البَشر؛ وإنَّما كان الَّذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» رواه الشيخان ..\nوصرَّح الله في بعض آياته بأنَّ آيته الكتاب العزيز المشتمل على آياتٍ كثيرة في آيةِ الله الكبرى .. ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١]» (^٢).\nهذا مُجمَل ما أوردوه مِن المعارضات المَسوقَةِ على أَحاديث انشقاق القمر؛ حيث جعله بعض الحَداثيِّين مِن «المُتخَيَّل» القابع في العقليَّة الإسلاميَّة، والَّذي نُسِج لسدِّ فراغ كبير في القرآن حيث لم يَتحدَّث البتَّة عن أيِّ معجزةٍ للنَّبي ﷺ، خلافًا لما كان للأنبياء قبله! (^٣)\n_________\n(^١) «الطريق من هنا» (ص/٥٨)، والشُّبهة متلقفة عن رشيد رضا في «مجلته المنار» (٣٠/ ٣٦١).\n(^٢) «مجلة المنار» (٣٠/ ٣٦٢) بتصرف يسير في آخره.\n(^٣) انظر «المخيال العربي في الأحاديث المنسوبة إلى الرسول» لمنصف الجزار (ص/٣٦٢)، و«دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٤٧).","vol":"2","page":1250},{"text":"يقول (بسَّام الجمل): «لقد عَدَّ المُفسِّرون وعلماء القرآنِ انْشِّقاقَ القمرِ حَدَثًا خارقًا للعادةِ، واعتبروه دليلًا على نُبوَّة محمد ﷺ، ومعجزةً من معجزاته؛ ولذلك فَسَّروا الآية تفسيرًا مُباشرًا، وسَلَّموا بحقيقة انشقاق القَمر نِصفين.\nوجَليٌّ أَنَّ وظيفة المُتخيَّل في هذا الخبر: سَدُّ فراغٍ كبيرٍ في القرآن، فهو لم يَتحدَّث البتَّة عن أَيِّ معجزةٍ لمحمَّد ﷺ، خلافًا لما كان لسابقيه مِن الأنبياء مِن معجزات، خاصَّة منهم موسى وعيسى، فنَقَّب المفسِّرون في نصِّ المُصحف عمَّا يَصلحُ شاهدًا على حُصول معجزاتٍ في طَورِ النُّبوَّة» (^١).\nأَمَّا (حسن حنفي)؛ فقد جعل الغرض من هذا التَّخييل وسيلةً لإقناع جمهرةٍ مِن النَّاس يعيشون في مُجتمعٍ صحروايٍّ، لم يكن للآلهة أو للسَّحَرَة فيه أيُّ قُدرةٍ على خرق قوانين الطَّبيعة، مع جهلهم بقوانين العلم، فـ «كان مِن الطَّبيعي أن يكون انشقاقُ القَمَر، وتوقُّف الشَّمس، في الخيال الشَّعبي ولدى رُواة المدح: أحدَ وسائل التَّخييل، وطُرق الإقناع» (^٢)!\n_________\n(^١) «أسباب النُّزول» (ص/٣٩٥ - ٣٩٦).\n(^٢) «من العقيدة إلى الثَّورة» لحسن حنفي (٤/ ١٤٩ - ١٥٠).","vol":"2","page":1251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>المَطلب الثَّالث\nدفع المُعارِضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن أحاديثِ انشقاقِ القَمَر</span>\nوالجواب عن تلك المعارضات الثَّلاث في الفِقَر التَّالية:\nأمَّا دعوى أنَّ انشقاق القَمر لو وَقع لتوافرت الدَّواعي على نقله متواترًا، ولَمَا خفِي على أهل الأقطار.\nفيُقال في تَفصيلِ جوابها إمعانًا في تَفهيمِ المُعترض:\nأوَّلًا: هذه الحادثة وَقَعتْ ليلًا، وذلك أنَّه شيءٌ طَلَبه قومٌ مخصوصون مِن أهل مكَّة، ومِن شأنِ اللَّيل أن يكون أكثرُ النَّاس فيه في غفلةٍ، أو نومٍ، أو سكونٍ عن المشي في الطُّرق، سيما في موسم البرد، مُستكنِّين بالأبنية ونحوها.\nأفلا نرى إلى خسوفِ القمر؟ فإنَّه يكون كثيرًا، وأكثر النَّاس لا يحصلُ لهم العلم به، حتَّى يُخبِرهم أحدٌ به في السَّحَر (^١).\nيقول أبو سليمان الخطَّابي: «الأيقاظ البارِزون منهم في البوادي والصَّحارى قد يتَّفِق أن يكونوا في ذلك الوقت مَشاغيل بما يُلهيهم مِن سَمر وحديثٍ، وبما يهمُّهم مِن شغلٍ ومِهنة، ولا يجوز أن يكونوا لا يزالون مُقنعِي رؤوسِهم، رافعين لها إلى السَّماء، مُترصِّدين مركزَ القَمر مِن الفَلك لا يغفلون عنه، حتَّى إذا حَدَث بجُرمِ القمر حَدثٌ مِن الانشقاق، أبصروه في وقتِ انشقاقِه، قبل التئامِه واتِّساقِه!\n_________\n(^١) انظر «إظهار الحق» للهندي (٤/ ١٠٣٨)، و«فيض الباري» للكشميري (٥/ ٤٠٨).","vol":"2","page":1252},{"text":"وكثيرًا ما يَقع للقمر الكسوف، فلا يشعر به النَّاس، حتَّى يخبرهم الآحاد منهم والأفراد مِن جماعتهم، وإنَّما كان ذلك في قدرِ اللَّحظة الَّتي هي مدرك البَصر» (^١).\nثانيًا: أنَّ هذا إِنَّما يَلزَم لو جُوِّزَ استواءُ أهل الأرض في إدراكِ مَطالِعِه، ومِن المَعلوم أنَّ القَمَر لا يطلع على أهلِ الأرضِ كلِّهم في زمانٍ واحدٍ؛ بل يطلع على قوم قبل طلوعه على آخَرين (^٢).\nهذا إن لم يَحُل دون رؤيتِه في كثيرٍ مِن الأمكنة والأوقات سَحابٌ غَليظ أو جبال! وأهلُ البلاد الشَّمالية كشَمالِ آسيا وأورُبا في موسم نزول الثَّلج والضَّباب، لا يَرَون الشَّمسَ إلَّا أيَّامًا في كثير من الأوقات، فضلًا عن أن يروا القَمر! مع شيوع الجهلِ في تلك الدِّيار وقتئذٍ، وعدم رسوخ الكتابِ فيهم (^٣).\nومع الأخذِ بعينِ الاعتبارِ: أنَّ زَمنَ الانشقاقِ كان قصيرًا لم يطُل، ولم تَتَوافر الدَّواعي على الاعتناءِ بالنَّظرِ إليه وقتها، إذْ لم تكُن مُتوقَّعة! فانتبهَ له مَن استشهدوا به، ولم يَرَه مَن كانوا في الأطرافِ، ولا استحالة في هذا (^٤).\nيقول أبو حامد الغزاليُّ: «إنَّ مِثلَ هذا إنَّما يَعلَمُه مَن قيل له: اُنظر إليه، فانشقَّ عقيبَ القولِ والتَّحدي، ومَن لم يَعلم ذلك، ووَقَع عليه بصرُه، ربَّما تَوهَّم أنَّه خَيالٌ انقَشَع، أو كوكبٌ كان تحت القَمر، فانجلى القَمرُ عنه، أو قطعةُ سحابٍ ستَرت قطعةً مِن القمر، فلهذا لم يتواتر نقلُه» (^٥).\nثالثًا: دعواهم أنَّ أهلَ التَّواريخ لم ينقلوا ذلك؛ ممَّا يؤكِّد عدم حصول هذه الآية، يُقال فيه: نَفيُ العلمِ ليس بعلمٍ؛ ويكفي في تثبيتِ مثل هذا ألَّا يَرِدَ عن\n_________\n(^١) انظر «أعلام الحديث» للخطَّابي (٣/ ١٦١٩).\n(^٢) انظر «المُفهِم» للقرطبي (٧/ ٤٠٤)، و«إظهار الحق» (٤/ ١٠٤٠).\n(^٣) انظر «إظهار الحق» (٤/ ١٠٤٠).\n(^٤) «فيض الباري» للكشميري (٥/ ٤٠٨).\n(^٥) «المستصفى» (ص/١١٥).","vol":"2","page":1253},{"text":"أحدٍ من أهل التَّاريخ ولا المُعانين للتَّنجيم نفيُ الواقعةِ نفسِها؛ «فالحُجَّة فيمن أثبتَ، لا فيمن يوجدُ عنه صريح النَّفي؛ حتَّى إن وُجِد عنه صريح النَّفي، يُقدَّم عليه مَن وُجِد منه صريحُ الإثبات» (^١).\nوعلى خلافِ ما سارعوا إليه مِن النَّفيِ المطلقِ عن أربابِ التَّواريخ تدوين هذه الواقعة، فقد ذكر ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) أنَّها قد أُرِّخ لها في بعضِ بلاد الهندِ، وأنَّه بُنِي بناءٌ تلك اللَّيلة، وأُرِّخ بليلةِ انشقاقِ القمر! (^٢)\nيعزِّز هذا النَّقلَ ما ذكره الكشميريُّ (ت ١٣٥٣ هـ) عن كتاب «تاريخ فَرِشْتَه» للاستربادي (^٣): أنَّ أحد ملوكِ الهند رأى الانشقاقَ، يُسمَّى: (راجهُ وجبال)، وأنَّ على اسمه سُمِّيت بلدة (بَهوبال) (^٤)!\nوينقل رحمة الله الهندي (ت ١٣٠٨ هـ) عن نفسِ كتاب الاسترابادي: أنَّ أهل مِلِيبار من إقليم الهند رأوه أيضًا، وأسلَمَ والي تلك الدِّيار، الِّتي كانت مِن مجوس الهند، بعد ما تحقَّق له هذا الأمر (^٥).\nيشهد لهذا النَّقل: ما وَقَف عليه بعض الأكاديميِّين في مكتبة المركز الهنديِّ بالمتحف البريطانيِّ بمدينة لندن: حيث رأوا في إحدى المخطوطات الهنديَّة القديمة المحفوظة فيها: أنَّ أحدَ ملوك مِليبارْ -وهي إحدى مُقاطعات جنوب غربيِّ الهند- وكان اسمه «شاكْرُوتي فارْماد»: عايَنَ انشقاقَ القمر على نفسِ عهدِ محمَّد ﷺ، وأنَّه أخذ يحدِّث النَّاس بذلك! (^٦)\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٧/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٢) انظر «البداية والنهاية» (٤/ ٢٩٩).\n(^٣) لمؤلفه: محمد قاسم هندوشاه الاستربادي، نزيل الهند، الملقب بـ (فرشته)، المتوفى في حدود سنة ١٠١٨ هـ، اشتهر بهذا التاريخ، كتب فيه بالفارسية تاريخ الهند من الفتح الإسلامي، إلى العام الذي توفي فيه، واعتمد على عدة مصادر هي الآن مفقودة، ولم يُترجم بعد حسب علمي، انظر «كشف الظنون» (٦/ ٢٦٨).\n(^٤) «فيض الباري» (٥/ ٤٠٨).\n(^٥) «إظهار الحق» للهندي (٤/ ١٠٣٩).\n(^٦) نقلًا عن «السماء في القرآن الكريم» لـ د. زغلول النجار (ص/٥٤٢ - ٥٤٣).","vol":"2","page":1254},{"text":"وقد تحقَّقتُ بنفسي مِن وجود هذه المخطوطة الهنديَّة القَديمة بمُراسلةِ نفسِ القَائِمين على هذه المكتبة العَريقة بلندن، فردُّوا عليَّ بالإيجاب، وأنَّها عندهم بعنوان: «قِصَّة شاكْرُوتي فارْماد»، وأَفَادوني بوجودِ نصٍّ فيها يُفيد رؤيةَ هذا الملِك لانشقاق القَمر زمنَ النَّبي محمَّد! وأنَّ رؤيتَه هذه كانت سَببًا فيما بعدُ لتوطينِ (المُحَمَّديِّين) - يعنون: المسلمين - في مِليبار! (^١)\nبل قريبًا منَّا؛ نشرت أحد المواقع العلميَّة التَّاريخيَّة المتخصِّصة في حضارة (المَايا) في أمريكا الجنوبيَّة، مقالًا عجيبًا يؤكِّد وقوع انشقاق القمر في القرن السَّابع الميلاديِّ - أي في نفس وقت وجود النَّبي ﷺ في مكَّة! - وأنَّ أغلب الأمَم في تلك القارَّة رأته، بل قامت بتغيير تقويمها الفلكيِّ ليوافقه! (^٢)\nولم يكُن قد خطر ببالِ مَن نشروا هذا المَقال أنَّهم بذلك يُثبتون آيةً من أعظم الآيات على نبوَّة محمَّد ﷺ! فلمَّا بلغهم ما أحدثه من ضجَّة اعتلى فيها المسلمون، سارعوا إلى تغيير عنوان المَقال أربعةً وخمسين مرَّةً تعميةً عليه! (^٣)\nوالله مُتِّم نورَه ولو كره الكافرون.\nرابعًا: أنَّ خَبَر انشقاقِ القَمرِ ممَّا تواتر علمُه عند أهلِ الإسلام، وقد ثَبت في مَعْلَمات السُّنَّة ودواوينها، وفي كُتب أهل السِّيَر، وفي أسفار مَنْ صَنَّف في دلائل نبوَّته ﷺ، وتناقَلَه الأئمَّة الثِّقات؛ فالقدْح في روايتهم مع ما عُلِم بالضَّرورة عنهم من شدَّة تمحيص الرِّوايات، ومعرفة أصول نقلِها، والبلوغ في هذا الشَّأن أعلى درجات التثبُّت، مع ما في هذه الحادثة من الإعجاز الَّذي تحدَّى به\n_________\n(^١) رقم رفَّة المخطوطة في المكتبة (٢٨٠٧ - O)،  وموضع الكلام عن حادثة انشقاق القمر موجود منها في (ص/٨١) و(ص/١٤٠).\n(^٢) المقال بعنوان:\nThe split moon of the madrid codex and persian manuscripts\nأو: القمر المنشق في وثائقيات مدريد والمخطوطات الفارسية.\n(^٣) مُستفاد من مقال بموقع (الباحثون المسلمون) بعنوان: هل لانشقاق القمر من شواهد علميَّة وتاريخيَّة؟! وفيه أدرجوا روابط المقال الأصلي لذاك الموقع التَّاريخيِّ.","vol":"2","page":1255},{"text":"النَّبي ﷺ مَن عايَن هذه الواقعة من المشركين، لا شكَّ أنَّ مَن جَعل ذلك كلَّه دَبْرَ أُذنيه فقد كابر المقطوع به في شريعتِنا (^١).\nوقد حكى جلَّةٌ مِن الأئمَّة إجماعَ الأوائلِ على وقوع هذه الحادثة، وحكم بعضهم بالتَّواتر لها، مُستفادًا مِن «روايةِ خَلقٍ مِن الصَّحابة، وعنهم خَلْق» (^٢)، إلى أن دُوِّنت الواقعة في دواوين الإسلام، حتَّى نظمها ابن جعفر الكتَّاني في سِلك الأحاديث الَّتي بلغتْ مبلغَ «التواتُر» و«الاستفاضة» (^٣).\nفمِن أولئك الأعلامِ الَّذين صرَّحوا بذلك:\nابن عبد البَرِّ؛ حيث قال: «قد روى هذا الحديث جماعةٌ كثيرة من الصَّحابة، وروى ذلك أمثالهم من التَّابعين، ثمَّ نقله عنهم الجمُّ الغفير، إلى أن انتهى إلينا، ويؤيَّد ذلك بالآية الكريمة، فلم يبقَ لاستبعادِ مَن استبعدَه عذرٌ» (^٤).\nوقال القاضي عياض: «أجمع المفسِّرون وأهلُ السُّنة على وقوعه» (^٥)، ثمَّ ذَكرَ مَن رواه مِن الصَّحابة، منهم: عليٌّ، وابن مسعود، وحذيفة، وجُبير بن مُطعِم، وابن عمر، وابن عبَّاس، وأنس ﵃ (^٦).\nوكذا قال ابن كثير: «قد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمِنِه ﵊، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة مِن طرق متعدِّدة، تفيد القطعَ عند مَن أحاط بها، ونَظر فيها» (^٧).\nوقال أبو العبَّاس القرطبي: «قد روى هذا الحديث جماعةٌ كثيرة من الصَّحابة .. وفاضتْ أنوارُه علينا، وانضافَ إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٥٣).\n(^٢) «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ١٢٥).\n(^٣) انظر «نظم المتناثر» (ص/٢١٢)، وانظر «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ٢٩٨).\n(^٤) نقلًا عن «فتح الباري» لابن حجر (٧/ ١٨٦)\n(^٥) «الشفا» (١/ ٢٨١).\n(^٦) انظر «موافقة الخُبر الخبر» لابن حجر (١/ ٢٠١).\n(^٧) «البداية والنهاية» (٤/ ٢٩٣).","vol":"2","page":1256},{"text":"المتواترِ عند كلِّ إنسان؛ فقد حَصل بهذه المعجزةِ العِلمُ اليقين الَّذي لا يَشكُّ فيه أحدٌ من العاقلين» (^١).\nوما حوته تلك الأحاديث المتظافرة مِن إثباتِ حادثة الانشقاقِ، قد ثبت بنصِّ القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]، والقرآن مَنقولٌ بنقلِ الكافَّة عن الكافَّة، لا يمتري في هذا اثنان.\nوفي تقرير هذين التَّواترين: التَّواتر القرآني، والتَّواتر الحَديثيُّ، يقول ابن تيميَّة:\n«مَعلوم أنَّ هذه المعجزات لا ريبَ فيها، وانشقاق القمر قد أخبر الله به في القرآن، وتواترت به الأحاديث، كما في «الصَّحيحين» وغيرهما، عن ابن مسعود، وأنس، وابن عبَّاس، وغيرهم، وأيضَّا فكان النَّبي ﷺ يقرأ بهذه السُّورة في الأعياد، والمجامع العامَّة، فيسمعها المؤمن، والمنافق، ومَن في قلبه مرض، ومِن المعلوم أنَّ ذلك لو لم يكن وقع لم يكن ذلك:\nأمَّا أوَّلًا: فلِأنَّ مَن مقصوده أنَّ النَّاسَ يصدِّقونه ويقِرُّون بما جاء به، لا يُخبرهم دائمًا بشيءٍ يعلمون كذبه فيه، فإنَّ هذا يُنفِّرهم، ويوجب تكذيبَهم لا تصديقَهم.\nوأمَّا ثانيًا: فلِأنَّ المؤمنين كانوا يسألونه عن أدنى شبهةٍ تقع في القرآن .. فكيف يقرأ عليهم دائمًا ما فيه الخبر بانشقاق القمر، ولا يَردُّ على ذلك مؤمنٌ، ولا كافرٌ، ولا مُنافق؟!» (^٢).\nفإن زَعم زاعمٌ: أنَّ أسلوبَ الماضي في قوله تعالى: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ليس على حقيقِته، وإنَّما غَرضه التَّأكيد على تحقُّقِ الفعل في المستقبل (^٣) عند قيام\n_________\n(^١) «المفهمِ» (٧/ ٤٠٣).\n(^٢) «الصفدية» (١/ ١٣٩ - ١٤١).\n(^٣) انظر «دين السلطان» لنيازي عز الدين (ص/٤٨٤).","vol":"2","page":1257},{"text":"السَّاعة، نظير قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فأمر الله الَّذي هو قيام السَّاعة لم يأتِ بعد، ولكن المراد المبالغة في تحقُّق وقوعِه، فنُزِّل منزلة الواقع.\nفجواب ذلك مِن ثلاثة وجوه:\nالأوَّل: أنَّ هذا المعنى الَّذي نَزع إليه المُعترض هو خلاف الظَّاهر من استعمال صيغة الماضي، الدَّالة في الأصلِ على الفراغِ من وقوعِ الفعل، وظواهر الكتابِ لا يجوز الخروج عنها إلَّا بقرينةٍ، ومَن تقحَّم الخروجَ بغير قرينةٍ توجب ذلك، فقد رامَ إفسادَ الخِطاب على النَّاس، وتلبيسَ المُراد من الكلام عليهم.\nالثَّاني: ما أورده المعترضون دعمًا لشبهتهم مِن التَّمثيل بقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ على استعمالِ الماضي في القرآن للمبالغةِ في تحقيق الأمر في المستقبل: هو في حقيقته عاضدٌ لما قرَّرناه مِن وجوبِ وجودِ القرينةِ الصَّارفةِ عن الأصل!\nوذلك أنَّ هذه الآية الكريمة قد دلَّت على تحقُّقَ إتيان السَّاعةِ في المستقبل القريب، لا أنَّ الأمر أتى ووَقع، بقرينة قوله في آخرها: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، واستعجالُ الشَّيء لا يكون إلَّا عند عدم مَجيئِه أو تحقُّقه.\nالثَّالث: ممَّا يؤيِّد أنَّ صيغةَ الماضي في آيةِ الانشقاقِ على ظاهِرها قوله تعالى بعدها: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، «فإنَّ ذلك ظاهرٌ في أنَّ المُراد بقوله: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾: وقوع انشقاقِه، لأنَّ الكُفَّار لا يقولون ذلك يومَ القيامة! وإذا تَبيَّن أنَّ قولهم ذلك إنمَّا هو في الدُّنيا، تَبيَّن وقوعُ الانشقاق، وأنَّه المراد بالآية الَّتي زعموا أنَّها سِحرٌ» (^١) «مستمرٌّ مِن سِحرِه، وحيلةٌ مِن حِيَلِه، كما قد كانوا يقولون في غير ذلك مِن أعلامِه ﷺ» (^٢).\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٧/ ١٨٦).\n(^٢) «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/٧٥).","vol":"2","page":1258},{"text":"وأمَّا دعوى (رشيد رضا) في المعارضة الثَّانية: أنَّ هذه الأحاديث مُعارِضةٌ للقرآن الَّذي دلَّ بالقطعِ على امتناعِ إرسالِ الآياتِ الحسيَّة، لأجل أنَّ التَّكذيب بها مُوجِبٌ لتعجيل العذابِ .. إلخ؛ فجوابه:\nأنَّ المعترض بمثل هذه الشُّبهة مُلزَم بخِيارين لا ثالث لهما:\nأولاهما: أن علماءَ الإسلامِ اجتمعوا على ضلالةٍ حين اتَّفقوا على إثباتِ انشقاقِ القَمر آيةً للنَّبي ﷺ، وكانوا في ذهولٍ عمَّا اهتدى إليه هو مِن استحالةِ ذلك له!\nثانيهما: أن تكون تلك الآيات الَّتي استدَّل بها المعترض غيرَ قطعيَّة الدَّلالة على نفيِ تلك الحادثة، وأنَّ معناها لا يَتعارض معها حقيقةً، لانفكاكِ الجِهة.\nولا ريبَ أنَّ هذا الخيار الثَّاني هو الواجب التَّسليم له، فإنَّ مُشركي قريشٍ في ما ساقه المعترض مِن الآيات: إنَّما طَلَبوا مِن نبيِّنا ﷺ آياتٍ حِسيَّةً بعينِها تَدُلُّ عندهم على صِدقِه، طلبوا ذلك تعجيزًا له ومعاندةً، فلم يُستجَب لهم، حتَّى لا يُعجَّل لهم العذاب، كما عُجِّل لمن قبلهم من الأُمَم السَّابقة ممَّن كابروا ما عَاينوه مِن الآياتِ، فهذه هي سُنَّة الله فيمَن اقترحَ آياتٍ ثمَّ كفَر بها مُستهترًا بعِنادٍ، والمُراد مِن قول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَاّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].\nففي أسلوب الآيةِ حذف، والتَّقدير: فما مَنَعَنا أن نُرسِل بالآياتِ الَّتي اقترحوها إلَّا أن يُكذِّبوا بها كما كَذَّب الأوَّلون (^١)، والمعنى: لو أرسلناها فكَذَّبتم، لأُهلكتم كما أُهلك أولئك (^٢)، وعلى ذلك تكون (أل) في قوله: ﴿بِالآيَاتِ﴾ للعهدِ لا للجنسِ (^٣).\n_________\n(^١) «الجامع في أحكام القرآن» للقرطبي (١٠/ ٢٨١).\n(^٢) انظر «كشف المشكل» لابن الجوزي (١/ ٢٩٢).\n(^٣) انظر «التحرير والتنوير» (١٥/ ١٤٣).","vol":"2","page":1259},{"text":"وممَّا يوطِّد هذا المعنى من السِّيرةِ النَّبوية:\nما ثبت على لسانِ ابن عبَّاس ﵁: مِن سؤالِ أهل مكَّة النَّبيَّ ﷺ أن يجعلَ لهم الصَّفا ذهبًا، وأن يُنحيَّ الجبالَ عنهم فيزرعوا، فقال الله له: «إن شئتَ أن تَستأنيَ بهم، وإن شئتَ أن نُؤتيهم الَّذي سألوا، فإن كفروا أُهلكوا كما أَهلكتُ مَن قبلهم»، فقال: «لا، بل أستأني بهم» (^١).\nلكنَّ حادثة انشقاق القمر تختلف عن هذا، فإنَّ النَّفر مِن أهل مكَّة حين سألوا النَّبي ﷺ آيةً قد أطلقوا الطَّلَبَ في ذلك، فلم يقترحوا آيةً من عندهم بعينِها يعلِّقون بها إيمانَهم! فقضى الله أن يُريَهم آيةَ انشقاقِ القمر (^٢).\nفهذا الفرق بين الحالتين؛ و(رشيد رضا) نفسُه أقرَّ بأنَّ آية الانشقاقِ إن صحَّ وقوعها بدون اقتراح سيزول هذا الإشكال مِن أصله (^٣)؛ فها هو قد زال!\nوأمَّا دعواهم في المعارضةِ الثَّالثة: أنَّ الآية الوحيدة الَّتي أُوتِيَها النَّبي ﷺ هي القرآن: فقد سَبَق الجواب عنها في مَبحثِ مُعجزات النَّبي ﷺ الحسيَّة في «الصَّحيحين»، والحمد لله الَّذي بنعمتِه تتِمُّ الصَّالحات.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٢١٦٦)، وقال أحمد شاكر: «إسناده صحيح».\n(^٢) وما ساقه (منصف الجزَّار) في كتابه «المخيال العربي في الأحاديث المنسوبة إلى الرَّسول» (ص/٣٦٩) في سياقِ تدليله على تناقضِ أحاديث انشقاق القمر، وهو ما أخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» (ص/٢٧٩) من حديث ابن عباس ﵁ قال:\nاجتمعت المشركون إلى رسول الله ﷺ .. فقالوا: إن كنتَ صادقًا، فشُقَّ القمرَ لنا فرقتين، نصفًا على أبي قُبيس، ونصفًا على قعيقعان، فقال لهم رسول الله ﷺ: إن فعلت تؤمنوا؟ قالوا: نعم .. فأمسى القمر قد مُثِّل نصفًا على أبي قبيس ونصفَا على قعيقعان ..».\nفهو حديث ساقط لا يصلح أن يُروى، فضلًا عن أن يُستشهد به، ففي إسنادِ أبي نعيم ثلاث فواقر: بكر بن سهل الدُّمياطي، عن عبد الغني بن سعيد الثَّقفي، وكلاهما ضعيفان، انظر «تاريخ ابن يونس» (١/ ٣٢١)، و«لسان الميزان» (٢/ ٣٤٤)، وعبد الغني هذا يرويه عن شيخه: موسى بن عبد الرحمن، وهو المعروف بأبي محمد المفسِّر، قال ابن حبان: دجَّال، وقال ابن عدي: منكر الحديث، انظر «لسان الميزان» (٨/ ٢١٠).\nفالحديث منكر الإسناد والمتن معًا، ولو كان صحيح الإسناد لما قوي على دفعِ باقي الصِّحاح التي تثبت عدم اقتراح المشركين لشقِّ القمر، وإطلاقهم في الطلب.\n(^٣) «مجلة المنار» (٣١/ ٦٣).","vol":"2","page":1260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>المَبحث الرَّابع\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ الإسراءِ والمِعراجِ</span>","vol":"2","page":1261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>المَطلب الأوَّل\nسَوْق أحاديثِ الإسراءِ والمِعراجِ</span>\nعن أنس بن مالك ﵁، عن مالك بن صعصعة ﵁، أنَّ نبي الله ﷺ حدَّثهم عن ليلة أُسري به: «بينما أنا في الحَطيم (^١) -وربما قال: في الحِجْرِ (^٢) - مضطجعًا، إذْ أتاني آتٍ فَقَدَّ -قال (^٣): وسمعته يقول: فشقَّ ما بين هذه إلى هذه -فقلتُ للجارود (^٤) وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قالَ: مِن ثُغْرَةِ (^٥) نحرهِ إلى شِعْرَتِهِ (^٦)، وسمعتُه يقول: من قَصِّهِ (^٧) إلى شِعْرَتِهِ- فاستخرجَ قلبي، ثمَّ أُتيت بطستٍ من ذهب مملوءةٍ إيمانًا، فغسل قلبي، ثمَّ حُشي، ثمَّ أعيد، ثمَّ أُتيت بدابَّة دون البغل وفوق الحمار أبيض -فقال له الجارود: هو البُراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم- يَضَعُ خَطْوَهُ عِندَ أَقصى طَرْفِهِ، فَحُمِلتُ عليه.\n_________\n(^١) الحطيم: الحِجر، انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٧/ ٢٠٤).\n(^٢) قال ابن حجر: الشكُّ من قتادة، «الفتح» (٧/ ٢٥٥).\n(^٣) القائل قتادة، والمقول عنه أنس ﵁، انظر «الفتح» (٧/ ٢٥٦).\n(^٤) الجارود قال عنه ابن حجر: لم أر من نسبه من الرُّواة ولعلَّه ابن أبي سبرة البصري صاحب أنس، فقد أخرج له أبو داود من روايته عن أنس حديثًا غير هذا» المصدر السَّابق.\n(^٥) من ثُغرته: الموضع المنخفض الَّذي بين الترقوَّتين، المصدر السَّابق.\n(^٦) شِعْرته: أي شعر العانة، المصدر السَّابق.\n(^٧) من قَصِّه: أي رأس صدره، المصدر السَّابق.","vol":"2","page":1263},{"text":"فانطلقَ بي جبريلُ حتَّى أتى السَّماء الدُّنيا فَاسْتَفْتَحَ، فقيل: مَنْ هَذا؟ قال جبريل، قيل: ومَن مَعك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قِيل: وقَدْ أُرسِلَ إليه (^١)؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنِعمَ المجيءُ جاء، فَفَتَح، فَلمَّا خَلَصْتُ، فإذا فيها آدَم، فقال: هذا أبوك آدمُ فَسَلِّمْ عليه، فَسَلَّمْتُ عليه، فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قال: مرحبًا بالابنِ الصَّالحِ، والنَّبي الصَّالحِ.\nثُمَّ صَعَدَ، حَتَّى أَتى السَّماء الثَّانية، فَاسْتَفْتَحَ، قِيل مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قِيل: ومَن مَعَكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيل: وقَد أُرْسِلَ إليهِ؟ قال: نعم، قِيل: مرحبًا به، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ، فَلمَّا خَلَصْتُ، إذا يَحْيَى وعِيسى، وهما ابْنَا الخالة، قَال: هذا يحيى وعيسى، فَسَلِّم عَليهِما، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّا، ثُمَّ قالا: مرحبًا بالأخِ الصَّالِحِ، والنَّبيِّ الصَّالِحِ.\nثمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماء الثَّالثة فاسْتَفْتحَ، قِيلَ: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن مَعك؟ قال: مُحمَّدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فَفُتِحَ، فَلما خَلَصْتُ، إذا يوسفُ، قَال: هذا يُوسُفُ، فَسلِّمْ عليه، فَسَلَّمتُ عليه، فَردَّ، ثمَّ قال: مرحبًا بالأخِ الصَّالحِ، والنَّبيِّ الصَّالحِ.\nثُمَّ صَعِدَ بي، حَتَّى أَتى السَّماءَ الرَّابعةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قِيل: أَوَ قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحَبًا به، فنِعمَ المجيءُ جاءَ، فَفُتِح، فلمَّا خَلَصْتُ إلى إدريس، قال: هذا إدريسُ فَسلِّم عليه، فَسَلَّمتُ عليه، فَرَدَّ، ثُمَّ قال: مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالحِ، والنَّبيِّ الصالحِ.\n_________\n(^١) أي للعروجِ، وليس المراد أصل البعث؛ لأنَّ ذلك كان مُشتهرًا في الملكوت الأعلى، المصدر السَّابق (٧/ ٢٦٢).","vol":"2","page":1264},{"text":"ثُمَّ صَعِدَ بي، حتَّى أتى السَّمَاءَ الخامسةَ، فاسْتَفْتَحَ، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَن مَعَك؟ قال: مُحمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرْحبًا به، فَنِعمَ المجيءُ جاءَ، فلمَّا خَلَصْتُ، فإذا هارون، قال: هذا هارونُ فَسَلِّم علي، فَسَلَّمْتُ عليه، فَرَدَّ، ثُمَّ قال: مَرحبًا بالأَخِ الصَّالحِ، والنَّبيِّ الصَّالحِ.\nثُمَّ صَعِدَ بي، حتَّى أتى السَّماء، فَاسْتفتحَ، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: مَن مَعَكَ؟ قال: مُحمَّدٌ، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فَنِعمَ المجيءُ جاءَ،.فلما خَلَصْتُ، فإذا موسى، قال: هذا مُوسَى فَسَلِّم عليه، فَسَلَّمْتُ عليه، فَرَدَّ، ثُمَّ قال: مرحبًا بالأخِ الصَّالِحِ، والنبيِّ الصَّالحِ، فَلمَّا تجاوزتُ بَكَى، قيل له: ما يُبْكِيك؟ قال: أَبكي لأنَّ غُلامًا بُعثَ بَعْدِي يدخلُ الجَنَّةَ من أُمَّته أكثرُ مِمَّن يَدْخُلُها من أُمَّتي.\nثُمَّ صَعد بي إلى السَّماء السَّابعةَ فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعم، قال: مَرحبًا به، فَنِعمَ المَجيءُ جاءَ، فَلمَّا خَلصْتُ فإذا إبراهيمُ، قال: هذا أبوكَ فَسلِّم عليه، قال: فَسَلَّمتُ عليه، فَرَدَّ السَّلام، قال: مَرحبًا بالابنِ الصَّالح، والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ رُفِعَتْ لي سِدْرَةُ المُنْتَهى. فإذا نَبِقُها (^١) مثلُ قِلالِ هَجَرَ (^٢)، وإذا ورقها مثل آذان الفِيَلة، قال: هذه سِدرة المُنْتهى، وإذا أربعةُ أَنهارٍ نهرانِ باطنانِ، ونَهرانِ ظَاهرانِ، فقلتُ ما هذان يا جبريل؟ قال: أَمَّا الباطنان فنهران في الجنَّة، وأمَّا الظَّاهران: فالنِّيلُ والفُراتُ، ثُمَّ رُفِعَ لي البيتُ المَعمورُ، يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف مَلَك، ثُمَّ أُتِيتُ بإِناءٍ مِن خَمر، وإناء مِن لَبَنٍ، وإناءٍ مِن عَسَل؛ فأخذتُ اللَّبنَ، فقال: هي الفِطرةُ الَّتي أنتَ عليها وأمَّتك.\nثُمَّ فُرضتْ عليَّ الصَّلواتُ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم، فَرجعتُ فَمررتُ على مُوسى، فقال: بِمَ أُمرتَ؟ قال: أُمرتُ بخمسين صلاةً كلَّ يوم، قال: أمَّتُك لا تستطيع خمسينَ صلاةً كُلَّ يومٍ، وإنِّي -والله- قد جرَّبتُ النَّاس قبلَك، وعَالجْتُ بني إسرائيل أشَدَّ المعالجةِ، فارْجِعْ إلى ربِّك فاسْألهُ التَّخفيفَ لأُمَّتِك، فرجعتُ، فوضعَ عَنِّي\n_________\n(^١) النَّبِقُ: ثمر السِّدر، واحدته: نَبِقة ونَبْقَة، انظر «النهاية» لابن الأثير (٥/ ١٠).\n(^٢) قِلال هجر: القلال جمع قُلَّة: وهي الجرَّة العظيمة، وهَجَر: قرية قريبة من المدينة، وليست هجر البحرين، المصدر السابق (٤/ ١٠٤).","vol":"2","page":1265},{"text":"عَشْرًا، فرجعتُ إلى مُوسى فقال مثله، فرجعتُ فَوضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرجعتُ إلى مُوسى فقال مثلَهُ، فرجعتُ فوضعَ عنِّي عَشْرًا، فرجعتُ إلى موسى فقال مثلَهُ، فرجعتُ فَأُمرتُ بعشر صلواتٍ كلَّ يوم، فَرجعتُ فقال مثلَهُ، فرجعت فأُمِرتُ بخمسِ صَلَواتٍ كلَّ يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بمَ أُمرتَ؟ قلتُ: أُمرتُ بخمسِ صلواتٍ كلَّ يوم، قال: إنَّ أُمَّتَك لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كلَّ يوم، وإنِّي قد جرَّبتُ النَّاسَ قبلك وعالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربِّك فاسأله التَّخفيف لأمَّتك، قال: سألتُ ربِّي حتَّى استحييتُ، ولكن أرضى وأُسَلِّم، قال: فَلمَّا جاوزتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضيتُ فريضتي، وخَفَّفْتُ عن عبادي» متَّفق عليه (^١).\nوعن أنس قال: كان أبو ذر ﵁ يُحدِّثُ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «فُرِجَ سَقْفُ بيتي وأنا بمكَّةَ، فنزلَ جبريلُ، فَفَرَجَ صدري، ثُمَّ غَسَلَهُ بماءِ زَمْزَم، ثُمَّ جاءَ بطست من ذهبٍ مُمتلئٍ حكمةً وإيمانًا، فأفرغَها في صدري، ثُمَّ أَطبَقه، ثُمَّ أَخذَ بيدي فَعَرَجَ بي إلى السَّماءِ، فَلمَّا جاء إلى السَّماء الدُّنيا، قال جبريل لخازن السَّماء: اِفتح، قال: مَن هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: معك أحدٌ، قال: معي مُحَمَّدٌ، قال: أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، فَافْتَح، فلمَّا عَلَونا إلى السَّماء إذا رَجُلٌ عن يمينه أَسْوِدَةٌ (^٢)، وعن يَساره أَسودة، فإذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحك، وإذا نَظَرَ قِبل شماله بكى، فقال: مَرحَبًا بالنَّبيِّ الصَّالحِ، والابنِ الصَّالحِ، قلتُ: مَن هذا يا جبريل؟ قال: هذا آدم، وهذه الأَسْودةُ عن يمينه وعن شماله نَسَم بَنيِهِ (^٣)، فَأهْلُ اليمينِ مِنهمْ أهْلُ الجنَّةِ، والأَسْوِدة الَّتي عن شماله أَهل النَّارِ، فإذا نَظَر قِبَل يَمِينهِ ضَحِكَ، وإذا نَظَر قِبل شماله بكى ..» الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: مناقب الأنصار، باب: المعراج، رقم: ٣٨٨٧)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ، رقم: ١٦٤).\n(^٢) أَسْوِدة: جمع سواد، كسنام وأسنمة، وفسر الأسودة في الحديث بأنَّها نَسَم بنيه، وتجمع الأسودة على أساود، والسواد: الشخص، وقيل السواد: الجماعات، انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي (٢/ ٢١٨).\n(^٣) نَسَم بنيه: الواحدة نسمة، وهي نفس الإنسان، والمراد: أرواح بنى آدم، المصدر السَّابق.","vol":"2","page":1266},{"text":"قال: وأَخبرني ابن حزم (^١)، أنَّ ابن عباس ﵁ وأبا حَبَّةَ الأَنْصَاري ﵁، كانا يقولانِ: قال النَّبيُّ ﷺ: «ثمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهَرتُ لِمُستوًى أَسمَعُ صَرِيفَ الأَقْلامِ» (^٢).\nوعن ابن حزم وأنس بن مالك ﵃: أنَّ النَّبي ﷺ قال: «.. ثُمَّ انْطَلَقَ، حتَّى أتى بي السِّدرةَ المُنْتهى، فَغَشِيها أَلوانٌ لا أدري ما هيَ! ثمَّ أُدْخِلتُ الجنَّةَ، فإذا فيها جَنابِذُ اللُّؤلؤ (^٣)، وإذا تُرابُها المِسْكُ» متَّفق عليه (^٤).\nوعن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أُتِيتُ بالبُراقِ، وهو دابَّة أَبيض طويل، فَوْق الحِمار، ودون البغل، يضع حافِره عندَ مُنْتهى طَرْفِهِ، قال: فركِبْتُه، حتَّى أَتيتُ بيْتَ المَقْدِسِ، قال: فَرَبطْتُهُ بالحَلْقَةِ، الَّتي يَربِطُ به الأَنبياءُ، قال: ثُمَّ دَخَلتُ، فَصَلَّيتُ ركعتين، ثُمَّ خرجتُ، فجاءني جِبريل ﵇ بإناءٍ من خَمْر، وإناءٍ من لَبَنٍ، فاخترتُ اللَّبن، فقال جبريلُ ﵇: اخْتَرتَ الفِطْرةَ (^٥)، ثُمَّ عُرج بنا إلى السَّماء» أخرجه مُسلم (^٦).\n_________\n(^١) قال ابن رجب: «الظاهر أنَّه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم»، «فتح الباري» له (٢/ ٣١٨).\n(^٢) صريف الأقلام: صوت ما تكتبه الملائكة بأقلامها من أقضية الله تعالى ووحيه، أو ما ينسخونه من اللَّوح المحفوظ، أو ما شاء الله من ذلك، انظر «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٣١٨).\n(^٣) جنابذ اللُّؤلؤ: جمع جُنْبُذة: وهي القُبَّة، انظر «النهاية» (١/ ٣٣٣).\n(^٤) أخرجه البخاري في (ك: أخبار الأنبياء، باب: ذكر إدريس ..، رقم: ٣٣٤٢)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات، رقم:١٦٣).\n(^٥) فيه أقوال، أوجهها: الإسلام، أو الاستقامة، أو الحنيفيَّة، وهذا هو اختيار القاضي عياض في «إكمال المعلم» (١/ ٥٠١)، واقتصر عليه النَّووي في «شَرحه لمسلم» (٢/ ٢١٢).\n(^٦) أخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات، رقم: ١٦٢).","vol":"2","page":1267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>المَطلب الثَّاني\nسَوْق الُمعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلأحاديثِ الإسراءِ والمعراجِ</span>\nقد أُورِدَتْ على حديث الإسراء عِدَّةُ اعتراضات؛ تختلف باختلاف مَشارِب المُورِدين، ومُحصَّل هذه الشُّبهات يؤول إلى ثلاثٍ:\nالمعارضة الأولى: أنَّه مِن المقرَّر فلكيًّا: أنَّ الهواء يُفقَد بعد أميالٍ فوق الأرض؛ وعلى هذا فلا يتأتَّى العيشُ لأحدٍ بعد انقطاع الهواء، وهذا الاعتراض نقله عبد الله القَصيمي عن بعضِ المُعاصرين، قالوا: «.. فلو كان رسول الله ﷺ عُرِج به إلى ما فوق الهواء، لَما أمكنَ أن يَبْقى حَيًّا» (^١).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ إثباتَ الحديث يَلزم منه إضافة الجهل لله تعالى؛ ذلك أنَّه جاء في الحديث: أنَّ الله بعد أن فَرَض على نبيِّه ﷺ خمسين صلاةً، لم يَفقهْ استحالةَ أدائها على البَشَر إلَّا موسى ﵇، وكأنَّ الله لا يَعلمُ بقُدرة عبادِه، ومَدى تحمُّلِهم!\nوفي تقريرِ هذه الشُّبهة، يقول (محمود أبو ريَّة):\n«في حديث المعراج أنَّه: لمَّا فَرَض الله خمسين صلاةً على العباد في النَّهار وفي اللَّيل، لم يستطِع أحدٌ من الرُّسل جميعًا غير موسى أن يفقه استحالة أدائها\n_________\n(^١) «مشكلات الأحاديث النبوية» للقصيمي (ص/١٢٢).","vol":"2","page":1268},{"text":"على البشر! .. وكأنَّ الله ﷾ لمَّا فَرَض الصَّلاة على المسلمين، كان لا يعلم مَبلغ قوَّة احتمال عباده على أدائها -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وكذلك لا يعلم محمَّد الَّذي اصطفاه للرِّسالة العامَّة إلى النَّاس كافَّة .. لا يعلم إنْ كان مَن أُرسِل إليهم يستطيعون احتمال هذه العبادة أو لا يستطيعون، حتَّى بصَّره موسى! وهكذا ترى الإسرائيليَّات تنفذ إلى ديننا، وتسري في معتقداتنا، فتعمل عملها، ولا تجد أحدًا إلَّا قليلًا يزيِّفها أو يردُّها» (^١).\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّ في خبر عُروجِه ﷺ ما هو مخالِفٌ لمقتضى الضَّرورة العقليَّة؛ إذ كيف يصلِّي بالأنبياء في بيت المقدس، ويكونون في الوقتِ نفسِه في السَّماء، ويكون أيضًا موسى ﵇ يصلِّي في قبره، كما ورد بذلك الحديث في «صحيح مسلم»؟! (^٢).\n_________\n(^١) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٣٥)، وقد تكرر إيراد هذه الشبهة على حديث المعراج كثيرًا في كتب الطاعنين المعاصرين، منها: «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٤٢٧ - ٤٣٠)، و«دين السلطان» (ص/٣٧٤)، و«جناية البخاري» لأوزون (ص/١٤٣)، «البخاري وصحيحه» للهرساوي الإمامي (ص/٤٠).\n(^٢) انظر «مشكلات الأحاديث النبوية» للقصيمي (ص/١٢١ - ١٢١)، والحديث الذي في مسلم أخرجه في (ك: الفضائل، باب: فضائل موسى ﵇، رقم: ٢٣٧٥) أنَّ النَّبي ﷺ قال: «مررتُ على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلِّي في قبره».","vol":"2","page":1269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ دعاوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن أحاديثِ الإسراءِ والمعراج</span>\nمُحصَّل ما مرَّ مِن الشُّبهاتِ آيلٌ إلى إحالةِ هؤلاء المُعترضين لما تضمَّنه الحديث، ومَناطُ إحالتِهم: خروجُ حادثة «الإسراء والمعراج» عن مقتضى العادة، وعدم مباشرة الحسِّ لها، فالتبس عليهم الأمرُ، فظنُّوا أنَّ ذلك يستوجبُ إحالة العقل لهذا الحديث، فلا يمكن على مقتضى ذلك التَّسليمُ بهذه الآية الَّتي أكرم الله ﷻ نبيَّه ﷺ بها.\nفزلَّتْ بهم أقدامُهم إلى ردِّ الحديث، وتطلُّبُ العِلَل الواهية الَّتي لا تقوى على إبطال حقيقة ما دلَّت عليه هذه الآية العظيمة.\nومَن ألطَفَ النَّظرَ فيما انطوت عليه بعض هذه الطُّعون، تحصَّل لديه أنَّها لا تصدُر إلَّا مِمَّن يَشكُّ في قدرة الخالق ﷾ على خَرْقِ سُنن الكون، لا ممَّن يؤمن بالله تعالى، وبكمال قُدرته (^١).\nوقبل إِيراد المعارضات العقليَّة المعاصرة، وإسلافِ جواباتِ أهل العلمِ عن آحاد هذه الاعتراضات على الحديث؛ فإنَّه يَتعيَّن الإِشارة إلى مَلحظ مهمٍّ:\nوهو انعقاد إجماع الأمَّة على وقوع الإسراء والمعراج، وأنَّ هذه الحادثة مِن البراهين والآيات الدالَّة على نبوَّة محمَّد ﷺ؛ لذلك ترى مدى احتفالِ أهلِ\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٧٧).","vol":"2","page":1270},{"text":"السِّيَر والحديث واحتفائِهم بهذه الحادثة، وعقْدهم المصنَّفات في بيانها، والتماس العِبَر منها، ونظْمها في دلائلِ النبوَّة (^١)، وما ذاك إلَّا لكونها -كما أسلفتُ- مِن الدَّلائل العظيمة الَّتي أكرمَ اللهُ بها نبيَّه ﷺ.\nوممَّن نقل الاتِّفاق على ذلك: القاضي عياض السَّبتي، حيث قال: «لا خلاف بين المسلمين في صحَّة الإسراء به ﷺ ..» (^٢)، وأبو الخطَّاب ابن دِحية (^٣)، حيث قال: «حديثُ الإسراء أجمع عليه المسلمون، واعترض فيه الزَّنادقة المُلحِدون ..» (^٤).\nومُرتكَز هذا الإجماع: القرآن والسُّنة، فقد نَصَّ الله سبحانه على الإسراء في موضعين من كتابه العزيز:\nأولاهما: قوله ﷻ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].\nفقد أخبر المولى أنَّه أسرَى بعبدِه، والعَبد مجموعُ الرُّوحِ والجَسد، ولم يُخبر أنَّه أَسرى بروحِه فقط، كما غَلِط في تأويلِه قِلَّةٌ مِن أهلِ العلم (^٥)، ولذا نراه\n_________\n(^١) من تلك الأسفار التي خَصَّتْ هذه الحادثة بمزيد عناية: «الآيات العظيمة الباهرة في معراج سيد أهل الدنيا والآخرة» لشمس الدين محمد بن يوسف الشامي، وله عدَّة مصنفات في هذه الحادثة كلُّها مخطوطة، و«السراج الوهاج في ازدواج المعراج» لابن ناصر الدين الدمشقي، و«رسالة في المعراج» لأبي الحسن علي بن محمد اللخمي، و«الإسراء» لعبد الغني المقدسي، و«نور المسرى في تفسير آية الإسرا» لأبي شامة المقدسي، و«الآية الكبرى في شرح قصة الإسرا» لجلال الدين السيوطي، و«الإسراء والمعراج» للقاسمي، و«الإسراء والمعراج» لمحمد ناصر الدين الألباني، وغيرها كثير بين مطبوع ومخطوط، تجدها مسرودةً في «معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي» لعبد الله الحبشي (١/ ٩٣ - ٩٦).\n(^٢) «الشِّفا» (١/ ١٧٧).\n(^٣) أبو الخطاب عمر بن الحسين بن دحية الكلبي (ت ٦٣٣ هـ): المعروف بـ «ذي النَّسَبين» الأندلسيُّ السَّبتي، أحد الحُفَّاظ، من أعيان أهل العلم وفقه مالك، متقنا لعلم الحديث النبوي وما يتعلق به، عارفًا بالنحو واللُّغة وأيام العرب وأشعارها، من مصفاته «المطرب من أشعار أهل المغرب»، و«عَلم النصر المبين، في المفاضلة بين أهل صفِّين»، انظر «سير أعلام النبلاء» (٢٢/ ٣٨٩).\n(^٤) «الابتهاج في أحاديث المعراج» لابن دحية (ص/٥٩).\n(^٥) انظر «زاد المعاد» لابن القيم (٣/ ٣٦)، حيث ردَّ على هذا القول، مع تنبيهه على أنهم لم يريدوا به أن الإسراء كان منامًا.","vol":"2","page":1271},{"text":"تعالى يُقدِّم التَّسبيحَ قبل سَوْقِ خَبر الإسراءِ، لبَيانِ أنَّ هذا الخبرَ مِن الأمورِ العِظام، فلو كان مَنامًا كما ظَنَّه ابن إسحاقَ (^١)، لم يكُن مُستعظَمًا، ولم يكن للتَّسبيح معنى عنده (^٢)!\nفقصْرُ الإسراءِ على الرُّوح تَعَدٍّ لِما قاله اللهُ إلى غيره، والقولُ به مخالفةٌ لظاهرِ القرآن، وما استفاضت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وما جاءت به الآثار عن الصَّحابة والتَّابعين.\nوثانيهما: ما أشار الله تعالى فيه إلى رؤية نبيِّه ﷺ لجبريل على خلقتِه الأصليَّة حين عُرج به في السَّماء السَّابعة، في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٨].\nولقد تواترَت الأخبار بحادثة الإسراء والمِعراج؛ فمِمَّن نقَلَ هذا التَّواتر:\nأبو الخطَّاب ابن دِحية (^٣)، والزُّرقاني (^٤)،\nوابن تيميَّة، حيث قال: «أحاديثُ المِعراج، وصعوده إلى ما فوقَ السَّموات، وفرض الرَّب عليه الصَّلوات الخمس حينئذٍ، ورؤيته لما رآه مِن الآيات، والجنَّة والنَّار، والملائكة والأَنبياء في السَّموات، والبيت المعمور، وسِدرة المُنتهى، وغير ذلك: معروفٌ متواترٌ في الأحاديث» (^٥).\nمِمَّا دعا ابنَ جعفر الكتَّاني (ت ١٣٤٥ هـ) لإيداعها كتابَه «نَظْم المُتَناثر» (^٦).\n_________\n(^١) انظر «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٩٩)، وقد أجاد ابن جرير في الرَّد عليه في «جامع البيان» (١٤/ ٤٤٦).\n(^٢) انظر «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٥/ ٤٣).\n(^٣) «الابتهاج» لابن دحية (ص/٥٩).\n(^٤) «شرح الزرقاني على المواهب اللَّدُنيَّة» (٨/ ١٥).\n\nوالزُرقاني (ت ١١٢٢ هـ): هو محمَّد بن عبد الباقي الزُّرقاني، أبو عبد الله المالكي، إمام متفنِّن، من مؤلفاته «شرح موطأ مالك»، انظر «شجرة النور الزكية» (١/ ٤٦٠).\n(^٥) «الجواب الصحيح» لابن تيميَّة (٦/ ١٦٨).\n(^٦) «نظم المتناثر» (ص/٢٠٧).","vol":"2","page":1272},{"text":"وبعد تحقيق القولِ في ثبوتِ إجماعِ السَّلفِ على وقوعِ الإسراء والمعراج بجسده ﷺ، لم يَبْقَ إلَّا قطعُ سُوقِ الشُّبهاتِ بسَيفِ البراهين، فدونك بيانُ ذلك في الأجوبةِ التَّالية.\nأمَّا جواب المعارضة الأولى: في دعوى أنَّ الهواءَ يُفقَد بعد أميالٍ فوق الأرض؛ وعلى هذا فلا يتأتَّى العيشُ لأحدٍ بعد انقطاع الهواء:\nأنَّ حادثة الإسراء والمعراج وإن جَرى فيها مِمَّا هو خارج عن مَقدور الثَّقلين؛ ليتمَّ بها نَصْبُ الدَّلائل على نُبوَّته ﷺ: إلَّا أنَّها ليست مُخالفةً لبدائِه العقلِ البتَّة، والعقل لا يَستعصي عليه تَصوُّر ذلك، فمَن خَلَق الإنسان مُفتقرًا إلى الهواء؛ قادرٌ على أن يجعَلَه مُستغنيًا عنه، وإِنَّما لعَدَم مُباشرةِ الحِسِّ لمثلِ ذلك، تراه يُنكر كلَّ ما لا يَقع في دائرةِ إدراكِه، وهذا هو القصور بعينِه.\nفالتَّكذيبُ بهذه الأحاديث لكونِها أثبتَت وقوعَ أمرٍ خارقٍ لمِا اعتاده البَشَر من مُقوِّماتِ مَعيشتِهم: يؤُول إلى الطَّعنِ في كمالِ قدرةِ الله تعالى والإيمان به؛ فإنَّ مثل هذا الاعتراضِ لا يكاد يصدرُ إلَّا ممَّن لا يؤمن بالله أو ويشكُّ في قدرته ﷻ، فمثل هؤلاء يكون الخطاب معهم في تثبيتِ هذا الأصل، فإذا ثَبت ثبتَ لازمه (^١).\nأما قول المُعترضِ في الشُّبهة الثَّانية: إنَّ إثباتَ أخبارِ المِعراج يلزم منه تجويزُ الجهل على الله تعالى -تعالى الله عمَّا يقول الظَّالمون علوًّا كبيرًا- بما هو في مَقدرة عبادِه، وما ليس هو في مقدورهم .. إلخ:\nفالجواب عن ذلك أن يُقال:\nليس في الحديث ما يَستلزم ذلك أبدًا؛ فليس في الخمسين صلاةً الَّتي فرضها الله تعالى على عبده وخليلِه محمَّد ﷺ ما يكون في أدائِها استحالةٌ مِن جِهة تعذُّر قُدرةِ العبادِ على أدائها.\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٨٥).","vol":"2","page":1273},{"text":"أمَّا قول موسى ﵇ في الحديث: «إنَّ أمَّتَك لا يستطيعون ذلك، فارجعْ إلى ربِّك، فاسأله التَّخفيف لأمَّتك ..»، فلا يُحقِّق مَطلوبَهم؛ ذلك أَنَّ نفْيَ الاستطاعةِ مِن موسى ﵇ لا يُرادِفُ الاستحالةَ بحالٍ في هذا المقام، وإِنَّما مقصوده ﵇ مَشقَّةُ ذلك على أمَّة محمَّد ﷺ، برهان ذلك: أنَّه أطلق هذا اللَّفظ؛ حتَّى بعد صَيْرورة الصَّلاةِ مِن خمسين إلى خمس؛ فقال: «إنَّ أمَّتَك لا تستطيع خمسَ صلواتٍ كلَّ يوم» (^١)!\nيقول المُعَلِّمي: «كانت الصَّلاة قبل الهجرة رَكعتين رَكعتين؛ كما ثَبَت في الصَّحيح (^٢)، فخمسون صلاةً مائةُ ركعةٍ؛ وليسَ أداءُ مائةِ ركعةٍ في اليومِ واللَّيلة بمستحيل، وفي النَّاس الآن مَن يُصلِّي نحو مائةِ ركعةٍ، ومنهم مَن يزيدُ، وفي تراجم كثير مِن كبار المسلمين: أنَّ منهم مَن كان يصلِّي أكثرَ مِن ذلك بكثيرٍ (^٣)؛ بل إنَّ أداءَ مائةِ ركعةٍ في اليوم واللَّيلة ليس بعظيمِ المشقَّة في جانب الله ﷿ مِن الحقِّ، وما عنده مِن عظيم الجزاء في الدُّنيا والآخرة ...\nفأمَّا الله تعالى؛ فالفرضُ في علمِه خمسُ صلواتٍ فقط؛ ولكنَّه سبحانه إذا أراد أن يرفعَ بعضَ عباده إلى مرتبةٍ، هَيَّأَ له ما يستحقُّ به المرتبة؛ ومن ذلك: أن يهيِّئ ما يَفهم منه العبدُ أنَّه مُكلَّفٌ بعمل مُعيَّن شاقٍّ، فيقبَل التَّكليف، ويستعدَّ لمحاولةِ الأداء، فحينئذٍ يُعفِيهِ اللهُ تعالى من ذلك العمل، ويكتبُ له جزاءَ قَبوله، ومحاولةِ الوفاء به، أو الاستعدادِ لذلك: ثوابَ مَن عمِلَه، ومِن هذا القبيل قصَّة إبراهيم ﵇ في ذبحِ ابنه.\nوأمَّا محمَّد ﷺ فكان يعلم أنَّ الأداء ممكِنٌ -كما مَرَّ-، وكان في ذلك المقام الكريم مُستغرقًا في الخضوعِ والتَّسليم، ووَفَّقه الله ﷿ لقبولِ ما فهمه في\n_________\n(^١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء، رقم: ٣٥٠)، ومسلم في (ك: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين وقصرها، رقم: ٦٨٥).\n(^٣) كما تراه -مثلًا- في «مناقب الإمام أحمد بن حنبل» لابن الجوزي (ص/٣٨٢) بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: «كان أبي يُصلِّي في كلَّ يوم وليلة ثلاث مئة رَكعة، فلمَّا مَرض من تلك الأسواط أضعفته، فكان يُصلِّي كلَّ يوم وليلة مئة وخمسين ركعة، وقد كان قُرب من الثَّمانين».","vol":"2","page":1274},{"text":"فرْضِ خمسين، والاستعدادِ لأدائِها؛ ليكونَ هذا القبول والاستعداد مقتضيًا لاستحقاقِ ما أراد الله ﷿ أن يعطيَه وأمَّتَه مِن ثوابِ خمسين صلاة ...\nفأمَّا المراجعة للتَّخفيف بعد مشورةِ موسى ﵇: فإِنَّما كانت بعد أن استقرَّ القَبول والعزمُ على الأداء، وعلى وجه الرَّجاء؛ إنْ خفَّف به فذاك، وإلَّا فالقبول والاستعداد بحاله.\nولم يُذكَر في الحديث أنَّ أحدًا من الرُّسل اطَّلع على فرض الصَّلاة، وإِنَّما فيه: أنَّه لمَّا مرَّ محمَّد بموسى ﵉ سأله موسى، فأخبره .. واختُصَّ موسى بالعناية؛ لأنَّه أقرب الرُّسل حالًا إلى محمَّد ﷺ؛ لأنَّ كُلًّا منهما رسولٌ مُنَزَّلٌ عليه كتابٌ تشريعيٌّ سائسٌ لأمَّة أريد لها البقاء، لا أنْ تُصْطَلَم بالعَذاب» (^١).\nوبهذا يتقرَّر انتفاءُ هذا اللَّازم عمَّن يُثبِت أخبارَ المعراج؛ إذ لا ريب في شمول علم الله تعالى لأحوال عباده وما يصلحهم، «ولكنَّ الباري ﷻ أراد أن يُظهِر فضيلةَ محمَّد ﷺ في خضوعِه وتسليمِه، وفضيلة موسى ﵇، بأن جعَلَه سَببًا للتَّخفيفِ عن هذه الأمَّة، مع إبرازِ عظيمِ رحمتِه بهذه الأمَّة، ومع ما في هذه المُراجعةِ مِن كريمِ المُناجاة بين الله تعالى ونبيِّه ﷺ» (^٢).\nوأمَّا قول القائلِ في المعارضةِ الثَّالثةِ: أنَّ في ثبوتِ هذا الخَبرِ ما يَستلزم التَّناقضَ؛ إذْ كيف يَرى النَّبيُ ﷺ الأنبياء في بيت المقدس ويُصلِّي بهم، ثمَّ يكون في الوقتِ ذاتِه في السَّماء؟ وكيف يكون موسى ﵇ في السَّماء السَّادسة، ويراه في الوقتِ نفسِه في قبره يصلِّي؟\nفيُقال له: ليس هناك تَناقضٌ إلَّا في ذهنه؛ فإنَّ شرطَ التناقُضِ وَحدةُ الزَّمان؛ وهذا غير مُتحقِّق هنا، ذلك أنَّه ﷺ حينما أُسْرِي به إلى بيتِ المَقدس، أَمَّ الأنبياءَ -عليهم الصَّلاة والسَّلام-، ومِن المَعلوم أنَّ وقتَ صلاتِه بهم لم يكُن وقتَ رؤيتِه لهم في السَّماء حينما عُرِج به.\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٢٠ - ١٢١).\n(^٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٨٧).","vol":"2","page":1275},{"text":"وفي بيان انتفاءِ هذا التَّناقض، يقول عَقِيل القُضاعِيُّ المُرَّاكشي (ت ٦٠٨ هـ) (^١) متعقِّبًا الحُميديِّ (ت ٤٨٨ هـ) في استشكاله ما حَصَل مِن رؤيتِه ﷺ لإخوانِه الأنبياءِ في مَواطِن مختلفة حين قال: «ومِن المحال أَن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحدٍ!»؛ فقال القُضاعِيُّ:\n«قولُ الحُميديِّ .. قولٌ صَحيح في نفسِه، مَعلومٌ ببديهةِ العقلِ .. إنَّ كونهم -أي الأنبياء- تلك اللَّيلة في السَّماوات، إِنَّما كان بسبب عروج النَّبي ﷺ إلى السَّماوات، فيكون كونهم هنالك، ككونهم ببيتِ المقدس، وككونِ موسى في قبره يُصلِّي، ثمَّ ينتقلون مِن ذلك الموضع إلى حيثُ شاء الله من الجنَّة، أو من غيرها.\nويجوز أن يكون ذلك مَوضعهم في الغالب، ولا نقول إنَّه مَوضعهم على الدَّوامِ بسبب كونهم ببيت المقدس تلك الَّليلة، وكما جاز في تلك اللَّيلة يجوز في غيرها؛ وعلى الجُملة: فالدُّخول في مثل هذه المَضايقِ لا يَنبغي لعاقِلٍ، فإنَّها مُغيَّبة عنَّا، وإِنَّما نتكلَّم فيها بِحَسَبِ ما فهمناه مِن الشَّريعة» (^٢).\nفإن قيل: فكيف لموسى ﵇ أن يصلِّي في قبرِه وهو مَيِّت، وروحه في السَّماء؟\nفيُقال: إنَّ لِعالَم الأرواح خصوصيَّةً تختلف عن شأنِ البَدَن، وقد بيَّن ابن تيميَّة جواب هذا السُّؤال في قوله: «وأمَّا كونُه ﷺ رأى موسى ﵇ قائمًا يُصلِّي في قبره، ورآه في السَّماء أيضًا: فلا منافاة بينهما؛ فإنَّ أمرَ الأَرواحِ مِن جِنس أَمرِ الملائكة، في اللَّحظة الواحدة تصعدُ وتهبِطُ كَالمَلَكِ، ليست في ذلك كالبَدَنِ» (^٣).\n_________\n(^١) عقيل بن عطية القُضاعي الطَّرطوشيُّ ثمَّ المرَّاكشيُّ: حافظ متقن، مُتصرف في فنون من العلم، مع حسن الخطِّ والمشاركة في الأدب، وليَ قضاء غرناطة وسجلماسة، من مصَّفاته: «شرح مقامات الحريري»، و«رد على ابن عبد البر في بعض تواليفه وتنبيه على أغلاطه»، انظر «التكملة لكتاب الصلة» لابن الأبَّار (٤/ ٣٣)، وانظر مُقدِّمة مصطفى باحو لتحقيق كتابه «تحرير المقال».\n(^٢) «تحرير المقال» لعقيل بن عطية (١/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٢٩).","vol":"2","page":1276},{"text":"وبهذا تنجلي غيوم الشُّبهات عن نور هذه الآية النَّبويَّة الرَّفيعة، والحمد لله على توفيقه وهدايته.","vol":"2","page":1277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>المَبحث الخامس\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث شَقِّ صدر النَّبي ﷺ، وحفظِه مِن وسواس الشَّيطان</span>","vol":"2","page":1279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديث شَقِّ صدر النَّبي ﷺ\nوحفظِه مِن وسواس الشَّيطان</span>\nعن أنس بن مالك ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يَلعبُ مع الغِلمَان، فأخذَه فصرعَه، فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه عَلقة، فقال: هذا حظُّ الشَّيطان منك، ثُمَّ غَسَلَه في طَسْتٍ مِن ذَهَبٍ بماءِ زَمْزمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ (^١)، ثُمَّ أَعَادَهُ في مَكَانِهِ، وجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَون إلى أُمِّه -يعني ظِئرَهُ (^٢) - فقالوا: إنَّ مُحمدًا قد قُتِل! فاسْتَقْبلوه وهو مُنْتَقَعُ اللَّونِ، قال أنسٌ: وقد كنتُ أرى أثرَ ذلك المِخْيَطِ في صدره»، أخرجه مسلم (^٣).\nوعن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ ﷺ خرجَ من عندِهَا ليلًا، قالت: فَغِرتُ عليه، فجاءَ، فرأى ما أَصْنعُ، فقال: مَالَكِ يا عائشةُ، أَغِرْتِ؟ فقلتُ: وما لِي لا يَغَارُ مِثْلي على مِثْلِكَ؟ فقال رسول ﷺ: أَقْد جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قالتْ: يا رسولَ الله، أَوَ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قال: نَعَم، قلت: ومع كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قال: نعم، قُلتُ: ومعك\n_________\n(^١) لَأَمَه: أي جمع مُفَرَّق القلب وضمَّ أجزاءه وشَدَّه، انظر «مجمع بحار الأنوار» (٤/ ٤٥٨).\n(^٢) ظئره: المُرضع، وهي الَّتي ترضع غير ولدها، انظر «النهاية في غريب الحديث» (٣/ ١٥٤).\n(^٣) أخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات، وفرض الصلوات، رقم: ١٦٢).","vol":"2","page":1281},{"text":"يا رسولَ الله؟ قال: نعم، ولكنْ ربِّي أَعَانَنِي عَليْهِ حَتَّى أَسْلَمَ»، أخرجه مُسلم (^١).\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم مِن أحَدٍ إلَّا وقَد وُكِّل به قَرِينُهُ مِن الجِنِّ»، قالوا: وإِيَّاك يا رسولَ الله؟ قال: «وإِيَّاي، إِلَّا أنَّ الله أَعانَني عليه فأَسْلَمَ، فلا يأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيرٍ» أخرجه مُسلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في «ك: صفات المُنافقين وأحكامهم، باب: تحريش الشَّيطان، وبعثه سراياه ..، رقم: ٢١٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم في «ك: صفات المُنافقين وأحكامهم، باب: تحريش الشَّيطان، وبعثه سراياه ..، رقم: ٢١٨٤).","vol":"2","page":1282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلأحاديث شَقِّ صدرِ النَّبي ﷺ وحفظِه مِن وسواس الشَّيطان</span>\nحاصلُ الطُّعونِ في هذه الأحاديثِ تَتلخَّص في المُعارضاتِ التَّالية:\nالمعارضة الأولى: أنَّ قَبول حديثِ «شقِّ صدرِه ﷺ، وانتزاعِ حَظِّ الشَّيطان منه»؛ يلزم منه الجَبْرُ، ونَفْي الاختيارِ للنَّبي ﷺ؛ إذِ انتزاعُ حَظِّ الشَّيطان منه لا يُفهَم منه إلَاّ سَلبُ حريَّة الإرادةِ والاختيارِ الثَّابتة لكلِّ أحدٍ.\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ لازمَ إثباتِ حَديثي أنس وعائشة ﵄ الوقوعُ في التَّناقض؛ فإنَّ الحديث الأوَّل يُفهِمُ إزالةَ حظِّ الشَّيطان بالكليَّةِ؛ فلا يعود يُوسوِسُ له، وفي حديث إسلامِ شيطانِه ﷺ ما يلزم منه رجوعُه بالوَسوسةِ والتسلُّط.\nوفي تقرير هذين الاعتراضين، يقول (حسن حنفي):\n«إذا كان الله قد قَرَن بكلِّ إنسانٍ شيطانًا، وأنَّ الله تعالى أعَان النَّبي على شيطانِه فأسلَم، فلا يأمرُه إلَّا بخَيرٍ: فذاك أيضًا قَضاءٌ على حريَّة الفعلِ الإنسانيِّ أصلًا، وبالتَّالي يضيعُ الاستحقاق، ووَضعُ النَّبي في مرتبةٍ أعلى مِن سائر البَشر، أقربُ إلى (الملائكة) منهم إلى سائر الخلق، فيستحيل التَّكليفُ، وبالتَّالي يَستحيل الثَّواب والعقاب، ولا يرجع الفضل في العصمةِ حينئذٍ إلى الرَّسول، بل إلى الله، وتكون هذه المِيزة له وحده دون سائر الأنبياء؛ مثل داود، وسليمان ..","vol":"2","page":1283},{"text":"وإذا كان الرَّسول قد تمَّ شقُّ قلبه مِن قبل؛ لاستنزاعِ الشَّيطان مَرَّةً قبل البعثة من كراماته، أو مرَّةً بعد البعثة في بداية الإسراء والمعراج، فكيف يَعود إليه مِن جديدٍ كي يُخطئ النَّبي ﷺ، فيُعينه الله عليه، ويَعصمه منه؟!» (^١).\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّ الشَّرَ في قلبِ الإنسانِ ليسَ غُدَّةً ماديَّة حتَّى تُستأصَل وتنقطع ترشُّحاتها، فـ «الخيرُ والشرُّ لم يكونا مِن نوعِ الأمورِ الماديَّةِ والظَّاهرةِ، كالموَّادِ المأكولة الَّتي يتغذَّى جسم الإنسان بها بواسطة الإبرة، وهكذا العلم والحكمة، ليست من نوع الأجسام الماديَّة المَحسوسة الَّتي يمكن انتقالها مِن إناءٍ إلى إناءٍ» (^٢).\n_________\n(^١) «من العقيدة إلى الثورة» (٤/ ٢١٢ - ٢١٣).\n(^٢) «أضواء على الصحيحين» للنجمي (ص/٢٣٩).","vol":"2","page":1284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>المَطلب الثَّالث\nدفع المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن أحاديثِ شقِّ صدر النَّبي ﷺ، وحفظه مِن وسواس الشَّيطان</span>\nأمَّا ما يخصُّ الاعتراضَين الأوَّلين:\nففي تَضاعيف كلام (حسن حنفي) أَغاليط عدَّة؛ منشأها اعتقاد أنَّ العِصمةَ لا تَتحقَّق إلَّا بسَلْبِ الاختيار، والَّذي يَقتضي الجَبْر، فيَترتَّب على ذلك انتفاءُ استحقاق المصطفى ﷺ للثَّواب والعقاب.\nوهذا غَلطٌ بيِّنٌ في فهمِ خَصيصةِ الأنبياءِ بعصمتِهم، فهذه لا تقتضي سَلْبَ الاختيارِ المُناطِ به الثَّواب كما توهَّمه المعترض؛ وإنَّما حقيقة العصمة مَزيدُ عنايةٍ وحفظٍ، يَستلزم التَّصَوُّن عن مُقارفةِ الذُّنوبِ المُخلَّةِ بمَقامِ الرِّسالةِ وجانبِ التَّبليغِ، وهو مَحضُ فضْلٍ مِن الله تعالى على أنبيائه.\nيقول ابن الجوزيِّ: «تبيَّن للخلقِ إنعامُ الحقِّ في حقِّه، ولو خُلِق ﷺ سليمَ القلبِ ممَّا أُخرج في باطنه: لم يعلم بذلك، فالإعلام بإخراج شيءٍ كان بقاؤُه يؤذي إنعامٌ آخر، على أنَّه خُلِق طاهرًا، لكنَّه زِيدَ تَنظيفُ طريقِ الوَحيِ، وتأكيدُ أمرِ العِصمة» (^١).\n_________\n(^١) «كشف المشكل من حديث الصَّحيحين» (٣/ ٣٠٣).","vol":"2","page":1285},{"text":"فالتَّصوُّن -إذن- لا يَلزم منه جَبْر، بل الفِعْل صادرٌ عن اختيارِ الأنبياء ﵈ وإرادتِهم، بأمارةِ صدورُ الخطأِ منهم بما لا يَقدح في جانبِ التَّبليغ والرِّسالة! وحصولِ التَّوبة من ذلك بعد صدوره، وكِلا الفِعْلَين مِن التَّوبة والخطأ المُتاب منه، لا شكَّ أنَّهما صادران عن اختيارٍ؛ فإنَّه لا معنى للتَّوبةِ مِن عملٍ صَدر عن جَبرٍ!\nوتكلُّف الأدلَّة على ثبوتِ اختيارِ الأنبياءِ مع تحقُّقِ العِصمةِ لهم في الوقتِ نفسِه قد يوهم خفاءَه وعدم جلائِه؛ وإِنَّما المقصود هو الكشف عن هذا الوضوح لمن غامَ أُفُقَه، وأضْحَت الدَّلائل الجليَّات في منزلة المُعمَّيات، والحقائق الواضحات كالمُشتِبهات!\nفكذا الجواب على مسألةِ إسلامِ شيطانِ النَّبي ﷺ؛ ليس فيها ما يَستلزم نفيَ الاختيار عنه، بل زيادة تفضيل وتكرمةٍ له، لِما تَقرَّر مِن تفضيلِه ﷺ على جميع البَشَر؛ فإنَّ فيها زيادة عِنايةٍ وتصوُّنٍ له، لمُعاناتِه -﵊- دعوةَ الثَّقَلين بعامَّة، ولأنَّ رسالتَه لا يَنسخُها شيءٌ إلى يومِ الدِّين، كانت هذه المَزيَّة -على فرضِ أنَّها مزيَّةٌ لم تُؤتاها باقي الرُّسل- لزيادةِ تكليفِه عن تكاليفِ باقي الرُّسل ﵈.\nثمَّ إنَّ (حسن حَنفي) قد أخلَّ بالأمانة العلميَّة حين أعْمَل يدَ التَّحريف في حديث أنسٍ ﵁! حيث جعَلَ شقَّ صدره ﷺ «لاستنزاعِ الشَّيطان»، بينما الَّذي ورد في الحديث: «.. حظّ الَّشيطان»، والفرق جليٌّ بين اللَّفظين! وإِنَّما صنَع ذلك، ليتمَّ له غَرَضُه مِن اختلاقِ التَّناقض بين هذا الحديث وحديث إسلام شيطانه ﷺ! وهذا صنيع مَن لا ينشد الحقَّ ولا يبتغي الهُدى.\nولزيادةِ نفْيِ التَّناقض المدَّعَى يُقال: إنَّ هذه العَلَقة المُستخرَجة مِن قلبِ النَّبيِّ ﷺ، والَّتي قيل له عندها: «هذا حظُّ الشَّيطان»: هي -فيما يظهر- «مَنْفَذ ومَركز إغواء الشَّيطان في بني آدم»، ليست هي شرًّا في ذاتها، أو مُولِّدَةً له -كما فهمه (النَّجمي) في المعارضة الثَّالثة! - فبانتزاعِ هذا المَنفذ أو المَركزِ منه ﷺ،","vol":"2","page":1286},{"text":"يُنظَّف طريقُ الوَحي إلى قَلْبه كما أشار إليه ابن الجوزيُّ، ويأمنُ مِن تَسلُّط الشَّيطان عليه بالإغواءِ والتَّضليل.\nغير أنَّ انتفاءَ منْفذ الشَّيطان ومركز تسلُّطِه لا يعني التَّخلُّصَ مِن قرينِه البتَّة! ولا انتفاء الوَسوسة منه؛ فالوَسوسة جائزة عليه بعد استخراجِ حظِّ الشَّيطان منه ﷺ، لكنَّ الإغواءَ مُنتَفٍ؛ وهكذا إلى أنْ أعانَه اللهُ عليه فأَسْلَمَ (^١).\n_________\n(^١) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٧٦٩ - ٧٧٢).","vol":"2","page":1287},{"text":"المعارضات الفكرية المعاصرة\n\nلأحاديث الصحيحين\n\nدراسة نقديَّة\n\nد. محمد بن فريد زريوح\n\nالمجلد الثالث","vol":"3","page":1288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>المبحث السادس\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديث غارَتِه ﷺ على بني المُصطلِق</span>","vol":"3","page":1290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديثِ غارَتِه ﷺ على بني المُصطلِق</span>\nعن ابن عونٍ (^١) قال: كتبتُ إلى نافعٍ (^٢) أسأله عن الدُّعاء قبل القِتال، فكتبَ إليَّ:\n«إنَّما كان ذلك في أوَّلِ الإسلام، قد أغارَ رسول الله ﷺ على بَني المُصطلق وهم غَارُّون، وأنعامُهم تُسقَى على الماء، فقَتل مُقاتِلَتهم، وسَبَى سَبْيَهم، وأصابَ يَومئذٍ جُويرية -أو قال البتَّة: ابنةَ الحارث-، وحدَّثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذاك الجيش» متَّفق عليه (^٣).\n_________\n(^١) عبد الله بن عون بن أرطبان المزنى، أبو عون البصرى، ثقة ثبت فاضل من أقران أيوب فى العلم والعمل والسن، توفي (١٥٠ هـ)، انظر «تهذيب الكمال» (١٥/ ٣٩٤).\n(^٢) نافع أبو عبد الله المدني: مولى عبد الله بن عمر، ثبت فقيه، من أئمة التابعين وأعلامهم، توفي (١١٧ هـ) أو بعد ذلك، انظر «تهذيب الكمال» (٢٩/ ٢٩٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: العتق، باب من ملك من العرب رقيقا، فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية، رقم: ٢٥٤١)، ومسلم في (ك: الجهاد والسير، باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، من غير تقدم الإعلام بالإغارة، رقم: ١٧٣٠)، واللفظ له.","vol":"3","page":1291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>المَطلب الثَّاني\nسَوق المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديث إغارته ﷺ على بني المُصطلق</span>\nضاقت أعطانُ بعض الكُتَّابِ المعاصرين عن اعتقادِ ما ورد في هذا الحديث، لما توهَّموه فيه من مُصادَمةٍ للقرآنِ الآمرِ بالبدء بتبليغِ الدَّعوة، وتصوير النَّبيِّ ﷺ فيه على صورةِ جَبَّار غدَّار طمَّاعٍ في الغنيمةَ والسَّبْي!\nترى هذا الاستنكارِ لروايةِ نافعٍ في مثل قول (محمَّد الغزالي):\n«نافع -غفر الله له- مُخطئ!\nفدعوةُ النَّاس إلى الإسلامِ قائمةٌ ابتداءً وتكرارًا، وبنو المُصطلق لم يَقع قتالُهم إلَّا بعد أن بَلَغتهم الدَّعوة، فرَفَضوها وقرَّروا الحرب، ورواية نافعٍ هذه ليست أوَّلَ خَطأٍ يَتَورَّط فيه، فقد حَدَّث بأسوأ مِن ذلك! ..\nإنَّه مع اهتزازِها، فإنَّ أهلَ الحديثِ لقلَّةِ فقهِهم رَوَّجوا لها! ..\nغارةٌ بلا إنذار؟! أين هذا المَسلك مِن قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]» (^١).\n_________\n(^١) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٢٧ - ١٢٨).","vol":"3","page":1292},{"text":"وقال أيضًا: «رواية الصَّحيحين تُشعر بأنَّ رسول الله ﷺ باغَت القومَ وهُم غارُّون، ما عُرِضت عليهم دعوة الإسلام، ولا بَدَا مِن جانبهم نُكوص، ولا عُرِف مِن أحوالهم ما يُقلِق! وقتالٌ يَبدؤه المسلمون على هذا النَّحو مُستنكَر في مَنطقِ الإسلام، مُستبعَد في سِيرةِ رسوله ﷺ، ومِن ثَمَّ رَفضتُ الاقتناعَ بأنَّ الحربَ قامت وانتهت على هذا النَّحو.\nوسَكَنتْ نفسي إلى السِّياقِ الَّذي رواه ابن جرير (^١)، فهو -على ضعفِه الَّذي كشَفَه الأستاذ الشَّيخ ناصر- يَتَّفق مع قواعدِ الإسلام المُتيقَّنة، أنَّه لا عُدوان إلَّا على الظَّالمين» (^٢).\nويقول (سامر إسلامبولي): «هل عَملُ النَّبي الأعظم ﷺ هو الدَّعوة إلى الله وهداية النَّاس، ومحاربة الظُّلمِ والاستبدادِ؟ أم عمله هو قاطع طريقٍ، وهمُّه الأموال والنِّساء؟! .. إنَّ الغدر يَتنَافى مع تعاليم القرآن، ويَتنافى مع الهدفِ والغايةِ مِن الرِّسالة الإلهيَّة، ويَتَنافى مع أخلاقِ النُّبوة، ممَّا يؤكِّدُ بطلانَ هذا الحديث مَتْنًا» (^١).\n_________\n(^١) في «تفسيره» (٢٢/ ٦٦٧) وفيها: «بلغ رسولَ الله ﷺ أنَّ بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار ..؛ فلمَّا سمِع بهم رسول الله ﷺ خرج إليهم، حتَّى لقيهم على ماءٍ من مياههم يُقال له المُريسِيع ..» الحديث.\n(^٢) «فقه السيرة» (ص/١٢).","vol":"3","page":1293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>المَطلب الثَّالث\nدفع المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديثِ غارَتِه ﷺ على بني المُصطلق</span>\nفقبل الشُّروعِ في تفاصيلِ الرَّد على هذا الطَّعْنِ في حديثِ نافعٍ، يحسُن بنا التَّمهيد من جهة التَّأصيل بأنَّ بَدْءَ قتالِ المسلمينَ للكُفَّارِ -بَسْطًا لحكمِ الإسلام عليهم، ولو مِن غيرِ اعتداءٍ سابقٍ منهم: لا يجوز تسميته عُدوانًا! ما دامت مَشروعيَّته قد نَطَق بها الشَّارع نفسُه؛ وذلك: أنَّ حَمَلة الشَّريعةِ مُتَّفِقون على أنَّ جِهادَ المُشركينَ إنَّما شُرِع في المدينةِ بعد الهجرة النَّبوية المُباركة (^١)، وأنَّه تَدرَّج على مَراحِل ثلاث:\nالأولى: الإذْنُ العامُّ في القِتال دون فَرْضِه، بعد أن كان مَمنوعًا في مكَّة:\nوهذا الإذْن المُبيح للقتِال بعد منعِه أوَّل الدَّعوة، دَلَّ عليه قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠].\nقال غير واحدٍ مِن السَّلف: «هذه أوَّل آيةٍ نَزَلَت في الجهاد» (^٢)، فكانت بذا مُعلِمةً بضرورةِ الإعدادِ، مُهيِّئةٌ للأنفُسِ لما هي مُقبِلةٌ عليه مِن أحداث وأحكام تخصُّ المرحلةَ التَّالية:\n_________\n(^١) «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٢٩)، وانظر أيضا «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٢٣٣ - ٢٣٤).\n(^٢) انظر «تفسير القرآن العزيز» لابن أبي زمنين (٣/ ١٨٣)، و«الوجيز» للواحدي (ص/٧٣٥)، و«تفسير ابن كثير» (٥/ ٤٣٣).","vol":"3","page":1294},{"text":"وهي المرحلة الثَّانية: أمرُهم بقتالِ مَن قاتلَهم، والكفِّ عمَّن كفَّ عنهم:\nوذلك حين رَمَتهم العَربُ عن قوسٍ واحدةٍ، وشَمَّروا لهم عن ساقِ العَداوةِ والمحاربةِ، وصاحوا بهم مِن كلِّ جانبٍ، فبعد أمرِه سبحانه للمؤمنين بالصَّبر والعفو والَّصفح: أَمَرهم أمرًا مباشرًا ألَّا يقاتلوا إلَّا مَن قاتلَهم مِن المشركين فقط، لأجل أن يتفرَّغوا لبناءِ دولتِهم الفتيَّة، بعيدًا عن وهجِ السُّيوفِ، وزلزلةِ الحروبِ.\nويدلُّ على هذه المرحلةِ قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، والمعنى: «إن اعتزَلَكم هؤلاء المشركون الَّذين أمَرتُكم بالكفِّ عنهم، وألقوا إليكم الصُّلحَ والأمان، فإنَّ الله لم يجعل لكم على أنفسِهِم وأموالهِم وذَرارِيهم ونسائِهم طريقًا إلى قتلٍ أو سباءٍ أو غنيمةٍ، بإباحةٍ منه ذلك لكم ولا إذنٍ، فلا تعرِضوا لهم في ذلك، إلَّا سبيلَ خيرٍ» (^١).\nفلذلك لمَّا قدِم النَّبي ﷺ إلى المدينةِ لم يبدأ أحدًا بقتالٍ، وإنَّما هي المُوادَعة والمُعاهدة والمُآلفة منه لأعدائِه، كاليهود (^٢).\nفلمَّا قَوِيت شَوكةُ الإسلام، واشتدَّ جناحُه، وكثُر جمعُه، وقويت نفوسُ حَمَلَتِه بما شاهَدوه مِن نصرِ الله: استحَقُّوا بعد ذلك أن يكونوا مِن أهلِ:\nالمرحلة الثَّالثة: حيث أُمروا بقتالِ أصحاب الشَّوكةِ من المشركين ابتداءً إذا منعوا دعوة الإسلام، ولو مِن غير عُدوانٍ سابقٍ منهم، حتَّى يُسْلِموا لله تعالى، أو يُعطوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغرون، خاضعونَ لحكم الإسلام وذِمَّتِه.\nوفي تقرير هذا التَّدريجِ المَرحليِّ للجهاد، يقول ابن القيِّم: «فُرض عليهم قتال المشركين كافَّةً، وكان مُحرَّمًا، ثمَّ مَأذونًا به، ثمَّ مَأمورًا به لمن بَدَأهم\n_________\n(^١) «جامع البيان» للطبري (٧/ ٢٩٧) بتصرف يسير.\n(^٢) انظر «السيرة النبوية الصحيحة» لأكرم العمري (١/ ٢٧٦).","vol":"3","page":1295},{"text":"بالقتال، ثمَّ مأمورًا به لجميع المشركين، إمَّا فرضَ عَينٍ على أحدِ القَولين، أو فرضَ كفايةٍ على المَشهور» (^١).\nومن الأدلَّة على ختمِ التَّشريع الجِهاديِّ بهذه المرحلةِ الثَّالثة:\nقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، فالمراد بالفتنةِ فيها: الشِّرك والكفر (^٢)، ومعنى الآية: أنَّهم إن انتهوا عن الشِّرك والكفر بالإسلام، أو أعطوا الجزيةَ خاضعينَ، فكفُّوا عنهم.\nومِن ذلك أيضًا قول الله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].\nيقول أبو العالية: «هذه أوَّل آيةٍ نَزَلت في القتالِ بالمدينة -يعني قولَه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ - فلمَّا نَزلت، كان رسول الله ﷺ يقاتل مَن قاتَله، ويكفُّ عمَّن كَفَّ عنه، حتَّى نَزَلت سورة براءة» (^٣).\nوكذا قاله عبد الرَّحمن بن زيد بن أَسْلم، وزادَ على ذلك أن قال: «هذه مَنسوخةٌ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾» (^٤).\nيقول ابن القيِّم: «لمَّا نَزَلَت سورة براءة .. أمَرَه ﷿ فيها أن يُقاتِل عدُوَّه مِن أهل الكتاب، حتَّى يُعطوا الجزية، أو يدخلوا في الإسلام، وأمَرَه فيها بجهادِ الكفَّار والمنافقين والغِلظة عليهم .. وأمَرَه فيها بالبراءة مِن عهود الكُفَّار، ونبذِ عهودِهم إليهم» (^٥).\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٣/ ٦٤).\n(^٢) انظر «جامع البيان» (١١/ ١٧٨)، و«جامع أحكام القرآن» (٧/ ٤٠٤).\n(^٣) «تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ٣٢٥).\n(^٤) انظر «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٥٢٣).\n(^٥) «زاد المعاد» (٣/ ١٤٤).","vol":"3","page":1296},{"text":"أمَّا دلائل ذلك مِن السُّنة الصَّحيحة:\nفقول النَّبي ﷺ: «أُمِرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزَّكاة، فإذا فعلوا ذلك عصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله» (^١).\nوعلى هذا مضى عَملُ الصَّحابة ﵃ مِن بعد نَبيِّهم ﷺ، يُعلِنُها سُفراءُهم مُدويَةً في وجوهِ الملوكِ في مَواقف الدَّعوةِ والإنذار؛ من أشهر أمثلة ذلك خطابِ المغيرة ﵁ لعاملِ كِسرى بقوله: «.. فأَمَرنا نبيُّنا رسولُ ربِّنا ﷺ أن نُقاتِلَكم حتَّى تعبدوا الله وحدَه، أو تؤدُّوا الجِزيةَ، وأخبرنا نبيُّنا ﷺ عن رسالةِ ربِّنا، أنَّه مَن قُتِل مِنَّا صارَ إلى الجنَّة، في نَعيمٍ لم يَرَ مثلها قطُّ، ومَن بقيَ مِنَّا مَلَكَ رِقابَكم» (^٢).\nوعلى هذا جرى فهمُ الفقهاءِ لهذا الباب في مُدوَّناتهم؛ أنَّ ابتداءَ قتالِ الكُفَّار وإن لم يبدؤونا هم بقتالٍ مَشروعٌ في دينِنا، نشرًا للدَّعوة، وتحكيمًا للشَّريعة؛ ما لم يُعطوا الجزيةَ فيدخلوا بذلك في ذِمَّة الإسلامِ وسلطانِه (^٣).\nوفي تقرير هذا الاتِّفاقِ يقول أبو بكر الجصَّاص: «لا نعلمُ خلافًا بين الفقهاء يحظُر قتالَ مَن اعتزل قتالَنا مِن المشركين» (^٤).\nبذلك نعلمُ أنَّ الغايةَ العُظمى مِن تشريعِ الجهاد: أن تكون كلمة الله العُليا، وأن يكون الدِّين كلُّه لله، وأن تُهيمِن شريعتُه في الأرض، لكن لمَّا قَضَت حكمةُ الله تعالى أن يكون مِن الكَفَرةِ طواغيتَ تَستنكِف مِن زُمرةِ المُوحِّدين، وتستعبِدُ رَعاياها لغيرِ ربِّ العالمين، فتحولُ بينهم وعَوْدتِهم إلى فِطَرِهم بيَقينٍ: لم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الإيمان، باب: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، رقم: ٢٥)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم: ٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب، رقم: ٣١٥٩).\n(^٣) كما جرى مثله على نصارى نجرانَ، انظر الخبر في ذلك عند أبي داود في «ك: الخراج والإمارة والفيء، باب: في أخذ الجزية، رقم: ٣٠٤١).\n(^٤) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ١٩١)، وكذا نقل الاتفاق ابن تيمية في «مجموع الفتاوي» (٢٨/ ٣٥٤).","vol":"3","page":1297},{"text":"يكُن حينئذٍ للإسلامِ بُدٌّ أنْ ينطلقَ في الأرضِ بالبَيانِ وبالحَرَكةِ مُجتَمِعَين، ليحطِمَ هذه الأسوارَ المانعَةَ مِن بَسْطِ الدِّين لِمن وراءها مِن العالَمين، وليزيل الغِشاواتِ الحائلةَ بينهم وبين الذِّكرِ المُبينِ، يَتَغيَّا الإقناع به مِن غير إكراه، والانضمامَ إلى كيانِه المُزهرِ بأنوارِ الوحيِ السَّماويِّة، المُفعمِ بمكارِم الأخلاقِ الإنسانيَّة.\nيقول ابن تيميَّة: «أصلُ القتالِ المَشروع هو الجهاد، ومَقصوده: هو أن يكون الدِّين كلُّه لله، وأن تكون كلمةُ الله هي العُليا، فمَن امتنعَ مِن هذا قوتل باتِّفاق المسلمين؛ وأمَّا من لم يكُن مِن أهلِ الممُانعةِ والمُقاتلةِ -كالنِّساء، والصِّبيان، والرَّاهب، والشَّيخ الكبير، والأعمى، والزَّمِن، ونحوهم- فلا يُقتَل عند جمهور العلماء؛ إلَّا أن يُقاتِل بقولِه أو فعلِه، .. وهو الصَّواب، لأنَّ القِتال هو لمِن يُقاتلُنا إذا أَرَدْنا إظهارَ دينِ الله» (^١).\nوبعد؛\nفقد ارتأيتُ التَّمهيدَ بهذا التَّأصيلِ المُتقِّدم بين يَدَيْ جَوابي عن معارضةِ حديث البابِ، لأحجِزَ نفوذَ أيِّ شُبهةٍ في الذِّهنِ تبغي نفيَ جهادِ الطَّلَبِ مِن أساسِه! وقصرَ غايةِ القتالِ في الدَّفعِ فقط (^٢)، ليُفَرَّع عنها إبطالُ حديثِ نافعٍ هذا في الإغارةِ تَبَعًا.\nوأحسبُ أنَّ القارئ الكريم قد انجلى له بمجموعِ ما قرَّرناه آنفًا:\nأنَّ ما ابتدَرَه النَّبي ﷺ وأصحابُه مِن غَزْوِ بني المُصطلقِ، مندرجٌ تحت هذا الأصلِ مِن إعلاءِ كلمة الله في الأرضِ وجِهادِ الطَّلب، وأنَّ ما نَتجَ عن ذلك مِن اغتنامٍ وسَبْيٍ، إنَّما سببُه التَّعنُّت في الكُفرِ، والإصرارُ على مُحاربةِ الإسلام، كما سيأتي البَيان عليه.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٥٤).\n(^٢) وهو ما ذهب إليه بعض المعاصرين: كظافر القاسمي في كتابه «الجهاد والحقوق الدولية العامة» (ص/١٧٢)، وعمر الفرجاني في «أصول العلاقات الدولية في الإسلام» (ص/٧٧)، ووهبة الزحيلي في «آثار الحرب» (ص/٩٣).","vol":"3","page":1298},{"text":"بهذا نكون قد وصلنا إلى حَدٍّ السُّؤال المِحوَريِّ الَّذي ابتُنيت على أساسِه الشُّبهة في ردِّ كلامِ نافعٍ، من قولهم: هل يجوِّزُ الإسلامُ مُقاتلةَ المُشركين بَغتةً كما وَقَع لبني المُصطلِق، دونما دعوةٍ أو تبليغٍ سابق؟!\nوالجواب عليه أن يُقال: لا خلافَ بين الفقهاء في تحريمِ قِتالِ من لم تبلُغه دعوةُ الإسلامِ، حتَّى تصِله الحُجَّة، وتَستبينَ له المحَجَّة، وفي تقريرِ هذا الإجماع، يقول ابن رشدٍ الحَفيد: «أمَّا شَرطُ الحربِ: فهو بلوغُ الدَّعوةِ باتِّفاقٍ، أعني أنَّه لا يجوز حَرابَتهم، حتَّى يكونوا قد بلَغَتهم الدَّعوة، وذلك شَيءٌ مُجمَع عليه مِن المسلمين» (^١).\nإنَّما مَحلُّ الخلاف هنا: في مَن عُلِم بلوغُ الدَّعوةِ إليهم، هل يجِبُ تَكرارُ دَعْوَتِهم قبل العَزْمِ على غَزْوِهم أم لا؟\nوالَّذي يُصحِّحه أغلبُ الفقهاء: أنَّ تَكرارَ الدَّعوة عند العَزمِ على الحَربِ ليس بشرطٍ، حيث استفَاضَت في المُحيطِ القريبِ مِن مَنبعِ الدَّعوة، فهي واقعة حُكمًا، بحيث يَعلم القومُ إلى ماذا يُدْعَون وعلى ماذا يُقاتَلون، فيُقام ظهورُها على هذا النَّحوِ مَقام تخصيصِها لكلِّ قومٍ على حِدَة؛ وهذا مَذهب الجمهورِ مِن أهل العلم (^٢).\nيقول الشَّافعي: «لا يُقاتَل العدوُّ حتَّى يُدعَوا، إلَّا أن يَعجلوا عن ذلك، فإن لم يُفعَل فقد بَلَغتهم الدَّعوة» (^٣).\nوإن كان لا يُشَكُّ أنَّ في بلادِ الله مَن لا شعورَ له بهذا الأمر، ومَن يُستراب في بلاغِه، فيجب أن يكون الأصل حينها: ظنُّ أنَّ هؤلاء لم تبلُغهم الدَّعوة، فيُبلَّغون أوَّلًا.\nوفي تقرير هذا التَّفصيل يقول مالك: «مَن قارَب الدُّروب، فالدَّعوة مَطروحة عنهم، لِعلمِهم بما يُدعَون إليه، وما هم عليه مِن البُغض والعداوةِ للدِّين وأهلِه،\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٤٩).\n(^٢) انظر «شرح النووي على مسلم» (١٢/ ٣٦)، و«الفتح» لابن حجر (٦/ ١٠٨).\n(^٣) «جامع الترمذي» (٤/ ١١٩).","vol":"3","page":1299},{"text":"مِن طولِ مُعارضتِهم للجيوشِ، ومُحاربتِهم لهم، فلتُطلَب غِرَّتُهم، ولا يُحدَث لهم الدَّعوة .. وأمَّا مَن بَعُد، وخِيف أن لا تكون ناحيتُه ناحيةَ مَن أعلمتُك، فإنَّ الدَّعوة أقطعُ للشَّك، وأبرُّ للجهاد» (^١).\nوالجمهور وإن قالوا بعَدمِ الوجوبِ في مثل تلك الحالِ من شمول الدَّعوة، فقد استَحبُّوا مع ذلك تقديمَ الدَّعوة قبل القتالِ (^٢)، وبذا أمَرَ النَّبي ﷺ أمراءَ الأجناد؛ من ذلك أمرُه ﷺ عليًّا ﵁ بدعوةِ أهلِ خَيْبرَ قبل القتالِ مع كونِهم مِمَّن بلَغَتهم دعوتُه (^٣).\nوالتَّكرار قد يُجدي المقصودَ فينعدِمُ الضَّرر، فلربَّما إذا عَلِموا أنَّا نُقاتلهم على أسْرِهم، وأخذِ أموالِهم: أنْ يُجيبوا إلى المقصود مِن غير قِتالٍ (^٤)؛ فكما أنَّ إزالةَ الكفر، وإخراجَ العبادِ من جَوْرِ الأديانِ إلى عدلِ الإسلامِ مِن مَقاصد الدِّين العُظمى؛ فإنَّ حقنَ الدِّماء، والتَّضييقَ في ذلك: مِن مَقاصدِه الجليلةِ أيضًا؛ فإذا ما حصَلَ المَقصد الأوَّل مِن غيرِ احتياجٍ إلى قِتالٍ، لم يجُزْ البَدارُ إلى نَقضِ المقصدِ الثَّاني بحجَّة الأوَّلِ قطعًا.\nوفي تقريرِ هذا التَّفصيل، يقول الشِّرْبيني (ت ٩٧٧ هـ): «وُجوبُ الجهاد وجوبُ الوسائلِ لا المَقاصد، إذْ المقصود بالقتالِ إنمَّا هو الهداية، وما سواها مِن الشَّهادة؛ وأمَّا قَتلُ الكُفَّار فليس بمَقصودٍ، حتَّى لو أمكنَ الهداية بإقامةِ الدَّليل بغير جهادٍ، كان أوْلى مِن الجهاد» (^٥).\n_________\n(^١) «المدوَّنة» (١/ ٤٩٦).\n(^٢) انظر «التمهيد» لابن عبد البر (٢/ ٢١٨ - ٢١٩)، و«شرح النووي على مسلم» (١٢/ ٣٦)، و«فتح الباري» لابن حجر (٦/ ١٠٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الجهاد والسير، باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة، وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، رقم: ٢٩٤٢)، ومسلم في (ك: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب ﵁، رقم: ٢٤٠٦).\n(^٤) انظر «فتح القدير» لابن الهمام (٤/ ٤٤٦)، و«مرقاة المفاتيح» لعلي القاري (٦/ ٢٥٢٥).\n(^٥) «مغنى المحتاج» (٦/ ٩).","vol":"3","page":1300},{"text":"وقولُنا باستحبابِ تكرار الدَّعوة عمومًا مشروطٌ بأنْ لا يَتَضمَّن الإبلاغ ضَرَرًا على المسلمين: كأن يُعلَم بأنَّهم إذا جُدِّدت لهم الدَّعوةِ تَنبَّهوا، فاستعدُّوا، أو احتالوا، أو تحصَّنوا، أو استدعوا مَدَدًا، ونحو ذلك ممَّا لا يَقوى به المسلمون عليهم (^١).\nومِن الأمورِ المَطلوبةِ في الحروبِ سُرعة الحَسم، تقليلًا للخَسائر على اختلافِها، فلذلك اُستحِبَّ في مثلِ هذه الصُّوَر المُفترضةِ -الآنِف ذكرُها- عدمُ تجديدِ الدَّعوة؛ وغَلَبة الظنِّ في هذا تظهر مِن حالِهم، وهو أمرٌ مَوكولٌ إلى اجتهادِ الإمام، فإذا رأى في تركِ الدَّعوةِ صَلاحًا فَعَل، ويلزمُ الجُندَ طاعتُه فيما يَراه (^٢).\nقلت: فحديث إغارةِ النَّبي ﷺ على بني المصطلقِ يَتَنزَّلُ على هذا التَّفصيلِ بالتَّمام! وبيانُ ذلك: ظاهرٌ أمثلتُها من سِيرته ﷺ مع مَن لم يُسلِم مِن قبائل العَربِ:\nفإنَّه -بأبي هو وأمِّي- لم يُقدِم على الإغارةِ على أيٍّ مِن أولئكَ دون سابقِ دَعوةٍ خاصَّة أو إنذارٍ؛ فهذا الأصل عنده، إلَّا أن يجتمِعَ في القَومِ منهم خِصلتان:\nأوَّلهُما: أن يكونوا ممَّن سَبَقت إليهم الدَّعوة، فلا يجب تكرارها.\nوثانيهما: أن يكونوا مِن الحَرْبيِّين المُعادِين للإسلامِ وأهلِه، فتكون الإغارة عليهم تَنكيلًا بهم، ودفعًا لأيِّ مَفسدةٍ محتملةٍ مِن إنذارهم.\n_________\n(^١) انظر «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ٣١).\n(^٢) لذا كان الأَوْلى في نظري عدم قصرِ حكم تكرار الدَّعوة على الاستحباب فقط، بل تُسحب المسألة على مختلفِ الأحكامِ الفقهيَّة، لاختلافِ مناطاتِ الحكم باختلافِ أحوالِ جيشِ المسلمين وعدوِّهم.\nثمَّ وقفت -بحمد الله- على كلامٍ للقرافيِّ يوافق في جملتِه ما ارتأيته، حيث قال في «الذخيرة» (٣/ ٤٠٣): «لا خلاف في وجوبِ الدَّعوة قبل القتال لمِن لم يبلغه أمرُ الإسلام، ومَن بَلغه فأربعةُ أقسام:\nواجبة: مِن الجيشِ العظيم إذا غَلب على الظنِّ الإجابةُ على الجِزية، لأنَّهم قد لا يعلمون قبولَ ذلك منهم.\nومستحب: إذا كانوا عالمِين ولا يغلُب على الظَّن إجابتهم.\nومباحةٌ: إذا لم يُرجَ قبولهم.\nوممنوعة: إن خُشيَ (أخْذُهم) لحَذَرِهِم بسَبِبِها» ا. هـ","vol":"3","page":1301},{"text":"فعلى هذا، فإنَّ ما استدلَّ به مَن أجاز الإغارةَ على المشركينَ مِن الفقهاءِ -حسب ما وقفتُ عليه مِن كلامهم- أمثلةٌ مَحصورة، أشهرُها:\nبعثُ النَّبي ﷺ في قتلِ ابنِ أبي الحَقيق (^١) وكعبِ بن الأشرفِ غِرَّةً (^٢)، وهذا استشهد به الشَّافعي (^٣).\nوغيره مِن الفقهاءِ استشهدوا بإغارتِه ﷺ على خَيْبرَ صَباحًا (^٤)، وبأمرهِ ﷺ بشنِّ الغارةِ على بني المُلَوِّح بالكَدِيد (^٥)،\nوببَعثِه ﷺ أسامةَ بن زيدٍ ﵁ للإغارةِ على قريةِ أُبْنَى بالشَّام (^٦).\nفهذا أشهرُ ما اسُتدِّل به على جوازِ قتالِ المشركين مِن غير إنذارٍ، إضافةً إلى حديث نافعٍ في بني المصطلق.\nومَن يتفَحَّص هذه الشَّواهد العمليَّة مِن سيرَتِه ﷺ، يجِد أنَّ الجامعَ بينها ما قرَّرناه مِن الوَصفين الَّذين أشَرتُ إليهما آنفًا، وذلك أنَّ:\nسَلام بنَ أبي الحَقيق: كان مِمَّن خانَ عهدَ المسلمين مِن ساداتِ بني النَّضير، وحينَ نَزَلَ خَيْبرًا بعد إجلاءِ قومِه، ألَّبَ أهلَها على حربِ النَّبي ﷺ،\n_________\n(^١) خبر قتله في البخاري (ك: المغازي، باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، رقم: ٤٠٣٩).\n(^٢) خبر مقتله في البخاري (ك: الرهن، باب: رهن السلاح، رقم: ٢٥١٠)، ومسلم في (ك: الجهاد والسير، باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود، رقم: ١٨٠١).\n(^٣) انظر «الأم» للشافعي (٤/ ٢٥٣).\n(^٤) أخرجه البخاري في (ك: الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء، رقم: ٦١٠)، ومسلم في (ك: الجهاد والسير، باب: غزوة خيبر، رقم: ١٣٦٥).\n(^٥) أخرجه أبو داود في (ك: الجهاد، باب: في الأسير يوثق، رقم: ٢٦٧٨)، والحديث وإن كان في إسناده جهالةُ مسلم بن عبد الله، فإنَّ الخبر بذلك مشهور عند المُحدِّثين وأهل السِّير والمغازي، لا يُستراب في ثبوته عندهم، وقد صححه الحاكم في «المستدرك» (٢٧٥١) ووافقه عليه الذهبي.\n\nوالكَديد: موضع بين مكة والمدينة، على اثنين وأربعين ميلًا من مكة، انظر «معجم البلدان» (٤/ ٤٤٢).\n(^٦) أخرجه أبو داود في (ك: الجهاد، باب: الحرق في بلاد العدو، رقم: ٢٦١٦)، وابن ماجه في (ك: الجهاد، باب: التحريق بأرض العدو، رقم: ٢٨٤٣)، قال البزار في مسنده (٧/ ٢٠): «هذا الحديث رواه غير صالح، عن الزهري، عن عروة مرسلا، وأسنده صالح، ولا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن أسامة»، وصححه مخرجو «المسند» (٣٦/ ١١٩) بشواهده.","vol":"3","page":1302},{"text":"وقد كان لخيبرٍ بتحريضِ بني النَّضيرِ الأثرُ البَليغ في حَشْدِ قريشٍ وبني قُريظةَ على المسلمينَ في المدينة (^١).\nوأمَّا كعبُ بن الأشرف: فشُهرةُ عَداوتِه الإسلامِ وإيذاءِه النَّبيَّ ﷺ والمسلمين، وتحريضِه كفَّارَ قريشٍ عليهم (^٢): تُغني عن بسطِ القولِ في تعليلِ ما وقع له.\nوأمَّا (أُبنَى): فقد شارَكَت الرُّومَ قتالَ المسلمينَ في مُؤتة، وفيها قُتِل زيد بن حارثةَ ﵁، فلذا بَعَثَ النَّبي ﷺ ابنَه أسامةَ إليهم يحرِّضُه على الانتقامِ لأبيهِ (^٣).\nوأمَّا بنو المُلَوِّح: فمِن الأعرابِ الَّذين ظاهروا على قتالِ المسلمين، حتَّى غَدروا ببَشير بن سُويدٍ ﵁ وقتلوه (^٤).\nوأمَّا خَيْبر: فقد عُلِم نَبَؤُها عند الكلامِ في ابنِ أبي الحقيق.\nإذا تَقرَّر ما ذكرناه في هذه الشَّواهد التَّاريخيَّة؛ فإنَّ ذينك الشَّرطينِ المُبيحينِ للإغارةِ قد وُجِدا بكمالِهما في بني المُصطلق!\nفأمَّا الشَّرط الأوَّل: فإنَّه لا يَشُكّ أحَدٌ في بلوغِ دعوة الإسلام إلى بني المُصطلق، وعلمِهم بما يُطلَب منهم، وامتناعِهم عن إجابةِ ذلك، فإنَّهم مِن بطونِ خُزاعة (^٥) بين المدينة ومكَّة، على سِتِّ مراحل مِن المدينة، ولأجل هذا\n_________\n(^١) انظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٩٥)، و«الفتح» لابن حجر (٧/ ٣٤٩)، و«السيرة النبوية الصحيحة» لأكرم العمري (١/ ٣١٨).\n(^٢) كما في أبي داود (ك: الخراج والإمارة والفيء، باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة؟ رقم: ٣٠٠٠)، وانظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥١).\n(^٣) جاء في «مغازي الواقدي» (٣/ ١١٧)، و«طبقات» ابن سعد (٢/ ١٩٠) قوله ﷺ لأسامة: «يا أسامة، سِر على اسم الله وبركته، حتى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل ..»، وانظر «الروض الأُنف» (٤/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٤) انظر «الاستيعاب» لابن عبد البر (٤/ ١٢٥٢)، و«السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة» لبريك العمري (١/ ٢٦١).\n(^٥) انظر «الاشتقاق» للأزدي (ص/٤٧٦).","vol":"3","page":1303},{"text":"البلاغِ أسلمَ من قومِهم خُزاعة أُناس، كأمينة بنت خلف (^١)، وعاتكة أمُّ معبد (^٢)، ومعتب بن عوف بن عامر (^٣)، وغيرهم (^٤).\nوأمَّا الوصفُ الثَّاني: فإنَّ بني المُصطلق أعلنوا الحربَ على دولةِ الإسلامِ في حِلفِها مع قريشٍ (حِلفَ الأحابيش) (^٥)! فكان أوَّل مَوقفٍ عَدائيٍّ منهم تُجَاه الإسلامِ أنْ أسهَمُوا ضمنَ هذا الحِلفِ في غزوةِ أُحُد (^٦)؛ وفي هذا لكفايةُ عُذرٍ لغزوِهم.\nثمَّ هم لم يكتفوا بما فَعلوه في أُحدٍ، حتَّى سارَ الحارث بن ضرار سيِّدُ بني المُصطلقِ في قومِه ومَن قدِر عليه مِن العرب لحربِ رسول الله ﷺ في المدينة! وقد أتاهُ بخبرِهم بُريدة بن الحصيب ﵁ (^٧).\nعلى هذا نقول: إنَّ النَّبي ﷺ لم يَستجِز الإغارةَ على بني المصطلقِ لمُجرَّدِ بلوغِ الدَّعوةِ مَسامِعَهم، وإنَّما استحَثَّه على ابتدارِهم بالقتالِ أيضًا ما قد عَلِمه ﷺ\n_________\n(^١) ويُقال: هَمينة، وهي زوجة خالد بن سَعِيد بن العاص ﵁، هاجرت مع زوجها إلى أرض الحبشة، وولدت بأرض الحبشة سعيدًا وأمَة، انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٤/ ٩٧)، و«المؤتلف والمختلف» للدارقطني (٤/ ٢٠٤٩).\n(^٢) واسمها عاتكة بنت خالد بن خليف، وكان منزلها بقديد، وهي التي نزل عندها رسول الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة، انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٨/ ٢٢٨).\n(^٣) ويُقال له: معتب بن الحمراء، يُكنى أبا عَوْف، من مهاجرة الحبشة الثانية، شهِد بَدرًا وأُحُدًا، وما بعدها، ومات سنة (٥٧ هـ)، انظر «الطبقات الكبرى» (٣/ ٢٦٤).\n(^٤) انظر «مرويات غزوة بني المصطلق» لـ د. إبراهيم قريبي (ص/٦٥).\n(^٥) نسبةً إلى وادٍ أسفل مكَّة يُدعى الأحبش، تحالفت عنده قريشٌ وبعض القبائلِ القريبةِ على أنهم يد على من سواهم، انظر «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٧٣)، و«فتح الباري» لابن حجر (٥/ ٣٣٤).\n(^٦) انظر «مغازي الواقدي» (١/ ٢٠٠)، و«سيرة ابن هشام» (٢/ ٦١).\n(^٧) انظر «مغازي الواقدي» (١/ ٤٠٥)، و«الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ٦٤)، يقول د. أكرم العمري: «وقد جمَعَ - أي ابن سعد - الأسانيد في أول الكتاب في أول هذه المجلدة، وأحال عليها في هذه الصفحة بلفظ (قالوا)، وهي من طريق الواقدي، وأبي معشر السندي، وموسى بن عقبة، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، ومثل هذا الجمع للأسانيد معيب، لاختلاط كلام الضعفاء والثقات ببعضه، وصعوبه تخليصه» انظر «السيرة النبوية الصحيحة» له (٢/ ٤٠٥).","vol":"3","page":1304},{"text":"مِن عَداوتِهم وسابقِ قتالِهم للمسلمين، مع ما انضافَ إلى ذلك مِن عَزمِهم على حربِه في المدينةِ، وتأليبِ حُلفائِهم على ذلك.\nفاقتضتِ الحكمة حينئذٍ مُباغَتَة مَن تَعَدَّى على المسلمين بالقَتلِ في ما مضى، ورَدْعَ من تهيَّأ لحربِهم في ما يُستقبَل، في صورةٍ مَشروعةٍ مِن صُوَر الدِّفاعِ الهجوميِّ، أو ما يُسمَّى في علم العسكريَّة: بالحربِ الوِقائيَّة (^١).\nإنَّه لحَقيقٌ على المسلمين أن لا يَنزِلوا بأَحَدٍ مِن العدُوِّ في الحصونِ مِمَّن يَطمعون به ويَرجون أن يستجيب لهم إلَّا دَعَوه -كما قال مالك- فأمَّا مَن إن جَلَسنا بأرضِنا أَتَونا وألَّبُوا علينا، وإنْ سِرْنا إليهم قاتلونا، كشأنِ بني المُصطلِق: فإنَّ هؤلاء لا يُنذَر مثلُهم بالدَّعوةِ ولا كرامة (^٢).\nولو كان النَّبي ﷺ طَمِع في إذعانِهم لكان دَعَاهم، وهو مع ذلك لم يقتُل منهم إلَّا مَن أصرَّ على القتالِ، كما جاء به نصُّ الحديث (^٣)! وأحسنَ معاملةَ مَن أَسَرَ منهم، حتَّى أذعنوا بعدُ للإسلامِ عن بَكرةِ أبيهم، وكانوا يُؤَدُّون الزَّكاة له (^٤).\nوبهذا يَتبيَّن لنا مَقصود نافعٍ بحديثِه الأوَّل:\nأنَّه لبَيانِ جَوازِ مُباغتةِ العَدُوِّ، بما يعني بلوغ الدَّعوة قبلُ فرفضوها؛ ولم يعنِ نافعٌ أنَّ المُغارَ عليهم لم تَبلغهم قطُّ! ولا خَطَر ببالِه أنَّ التَّبليغ مَنسوخٌ وُجوبُها بالمرَّة ولو لم تبلغهم!\nفمَن ذا يجرُؤ على قولِ مثل هذا إلَّا جاهل بأصولِ الدِّين، فضلًا عن فروعِه؟!\nإنَّ استشهادَ نافعٍ على جوابِه بما جَرَى لبني المُصطلقِ لكونهم أوضحَ شاهدٍ استحضَرَه في جوابه لتلك المسألة، إذ كانوا قَرِيبي ديارٍ مِن المدينةِ، وكان قتالهم\n_________\n(^١) انظر «المدرسة العسكرية الإسلامية» لمحمد فرج (ص/١٧٦)، و«الجهاد والقتال في السياسة الشرعية» (١/ ٤٩١).\n(^٢) انظر «المدوَّنة» (١/ ٤٩٦).\n(^٣) انظر «إرشاد الساري» للقسطلاني (٤/ ٣١٨).\n(^٤) كما في «مسند أحمد» (رقم: ١٨٤٥٩) وقال مخرِّجوه: «حسن بشواهده».","vol":"3","page":1305},{"text":"في شعبانَ سنة خمسٍ للهجرةِ (^١)، أي بعد أن بَلَغَتهم الدَّعوة؛ فلأنَّهم تَحقَّقوا بما يُدعَون إليه ناصَبوا المسلمينَ العَداوةَ حتَّى حارَبوهم، فاستحقُّوا بهذا القِتالَ (^٢)، مِن غير لزومِ تكرارِ دعوةٍ خاصَّة.\nهذا حاصل جوابِ نافعٍ لِمن سَأَله عن لزومِ الدَّعوةِ قبل كلِّ مُواجهةٍ مطلقًا، أي أنَّ استدلاله بما حدَّثه به ابن عمر ﵁ هو على عدمِ اطِّرادِ ذلك في كلِّ زَمَنٍ وحالٍ مع كلِّ قومٍ كما كان أوَّل الإسلام.\nفكان التَّمَهُّل في فهْمِ الحديثِ على وجِهِه لنعمةً تُغنِينا عن تخطئةِ عَلَمٍ ثِقةٍ فقيهٍ، كمثلِ نافعٍ في رُتبتِه وفضلِه، ناهيك عن نَبْزِ (الغزاليِّ) لروايتِه بالاهتزازِ! فضلًا عن تشنيعِه على المُحدِّثين قِلَّة فَهمِهم حين قَبِلوا روايتَه! مع أنَّ مَن يُفضِّلُهم مِن الفقهاءَ مجمعون على قَبولِها والاحتجاجِ بها في أحكامِهم!\nإنَّما اشتبَهَ الفهمُ على (الغزاليِّ) لما في ظاهرِ كلامِ نافعٍ مِن بَدءِ النَّبي ﷺ لقتالِ بني المُصطلقِ دون دعوةٍ، فظنَّ أنَّ نافعًا يَستدلُّ بهذا المُجمَلِ على تَرْكِ الدَّعوة مطلقًا! وقد علمتَ أنَّ نافعًا مِن هذا الفَهمِ بَراء، ومثله لا يجهلُ ما كان بين الفَرِيقَينِ مِن حَربٍ وعَدواةٍ.\nفلأنَّ العِلمَ بهذه الحالِ كان شائعًا في السَّائلِ وغيره مِن حملَةِ العلمِ زمَنَ نافعٍ: اختصرَ نافعٌ تفاصيلَ هذه الغَزوةِ وأسبابَها، واكتفَى مِن ذلك بما يصلُح شاهدًا على جوابِه للسَّائل، المُفيدِ لعَدمِ لزومِ تكرارِ دعوةِ مَن قد بلغته الدَّعوةُ فرَفضَها، فضلًا عمَّن جاهَرَ بحربِها كبَني المُصطلق، وأنَّ الدَّعوة إنَّما كانت لازمةً لكلِّ قبيلةٍ أوَّل الإسلام في المدينةِ، حيث كان صوتُ الدَّعوةِ الخارجيِّ خافتًا، لا تكادُ تسمعه قبائلُ العرب، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر «الفتح» لابن حجر (٧/ ٤٣٠).\n(^٢) وهذا ما يقرُّ به الغزالي كما في «فقه السيرة» (ص/١٢) حيث قال: «وقعت الخصومةِ بينهم وبين المسلمين، حتَّى أمسى كِلا الفريقين يُبيِّت للآخر، ويستعدُّ للنَّيلِ منه، فانتهزَ المسلمونَ فرصةً مِن عدوِّهم - والحرب خدعة - وأمكنَهم الغَلَب عليهم وهم غَارُّون».","vol":"3","page":1306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>المَبحث السَّابع\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث العُرَنيِّين</span>","vol":"3","page":1307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديثِ العُرَنيِّين</span>\nعن أنس بن مالك ﵁ قال: قدِم أناسٌ من عُكْل أو عُرَينة، فاجْتَووا (^١) المدينةَ، فأَمَرهم النَّبي ﷺ بلِقاحٍ، وأن يشربوا مِن أبوالِها وألبانِها، فانطلقوا، فلمَّا صحُّوا، قَتَلوا راعي النَّبي ﷺ، واستاقوا النَّعَم.\nفجاءَ الخبرُ في أوَّل النَّهار، فبَعَث في آثارِهِم، فلمَّا ارتفع النَّهار جِيء بهم، فأَمَر فقَطع أيديهم وأرجلهم، وسُمِرت أعينهم (^٢)، وأُلقوا في الحَرَّة يَسْتَسقون فلا يُسقون»، قال أبو قلابة: «فهؤلاء سَرَقوا وقتلوا، وكَفروا بعد إيمانهم، وحاَربوا الله ورسولَه»، متَّفق عليه (^٣).\nوقال قتادة: فحدَّثني محمَّد بن سيرين: «أنَّ ذلك كان قبل أن تُنزَّل الحدود» (^٤).\n_________\n(^١) اجتووا المدينة: استَوْبلوها واستوخمَوها، ومعناه: كرهوها لمرضٍ أصابهم بها، انظر «مطالع الأنوار» لابن قرقول (٢/ ١٨٥).\n(^٢) السَّمر أو السَّمل: يروى بتخفيف الميم وبتشديدها، هو إخراج العين من محلِّها بالشَّوك، انظر «المسالك» لابن العربي (٧/ ١٥٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الوضوء، باب أبوال الإبل والدَّواب والغنم ومرابضها، رقم: ٢٣٣)، ومسلم في (ك: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: حكم المحاربين والمرتدين، رقم: ١٦٧٢).\n(^٤) أخرجه البخاري في (ك: الطب، باب الدواء بأبوال الإبل، رقم: ٥٦٨٦).","vol":"3","page":1309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>المطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ العُرَنيِّين</span>\nمُجمل ما أجلبه المُنكِرون على الحديثِ مِن شبهاتٍ يَتلخَّص في مُعارَضتين:\nالأولى: أنَّ في ما نُسِب إلى فعلِ النَّبي ﷺ بمَن قَتل الرَّاعي وسَرق الإِبلَ قدرًا كبيرًا مِن الوحشيَّة، ومجاوزة الحدِّ في العقوبة، ممَّا يُنزَّه ﷺ عن مثله، حيث يكفي قتلهم دون تمثيلٍ بهم.\nوفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (ابن قِرناس): «لو سَلَّمنا بهذا؛ فإنَّنا نقول بأنَّ الرَّسول يُصَيِّر أحكامَ الشَّرع بناءً على رغباتِه الشَّخصيَّة!\nفهو مَثَّل بمن سَرق إِبلَه، وقَتَل راعِيَه، دون أن يَستند في حكمِه على حكمٍ قرآنيٍّ، لأنَّ القرآن يخلو مِن أيِّ حكمٍ على البَشرِ بالحَرقِ والتَّكحيلِ والتَّمثيلِ لمِن يقتل الرَّاعي، في الوقتِ الَّذي يورد المحدِّثون أحاديث تُنسب للرَّسول نهيه عن الحرقِ بالنَّار ..\nورهط عُكَل إن كانوا قتلوا راعي الرَّسول، فيُحكم عليهم بحدِّ القتل الوارد في سورة البقرة .. ويكون حَدُّ القاتل القتل فقط» (^١).\n_________\n(^١) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٢١٩)، وانظر «الأضواء القرآنية» لصالح أبو بكر (٢/ ٢٨٤).","vol":"3","page":1310},{"text":"ويقول (عبد الأمير الغول): «إن هذه الأخبار دالَّة على المُثلَة، ووَليُّ الأمَّة لا يجوز له قطع أيدي وأرجُل القاتل، وإسمال عينيه، بل له قتله فقط، والمُثلة ممَّا نهى عنها النبَّي ﷺ، ولو بالكلب العَقور» (^١).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ الاستشفاءَ بأبوالِ الإبل لو كان نافعًا، لمَا غابَ ذلك عن المختصِّين من أهل الصَّيدلة المعاصِرِين، فـ «لا يُعقَل أن يكون في بولِها مادَّة الشِّفاءِ للأمراض، ثمَّ يُخفي الله هذه الفائدة على علماء الطِّب مِن النَّاس» (^٢).\n_________\n(^١) «عفوا صحيح البخاري» للغول (ص/١٨٦).\n(^٢) «الأضواء القرآنية» لصالح أبو بكر (٢/ ٢٨٢).","vol":"3","page":1311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>المطلب الثَّالث\nدفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن حديث العُرنيِّين</span>\nأمَّا دعوى المعترض في شُبهتِه الأولى: من كونِ ما جاء في الحديث من عقوبةٍ نبويَّةٍ فيها قدرٌ كبير من الوَحشية، ومخالفةِ القرآن .. إلخ:\nفليس في الحديث ما توهَّمه مِن مجاوزةِ الحَدِّ في عقوبةِ العُرَنيِّين -حاشاه ﷺ من ذلك- فإنَّ لهؤلاءِ حُكمًا فوق كونِهم مجرَّد قَتلة، فإنَّهم مع قتلِهم رَوَّعوا المسلمين، و«قَطعوا الطَّريقَ، واسْتَاقوا الإِبل، وقَتلوا الرُّعاة، فجَنوا جِناياتٍ عديدةٍ.\nومَعلوم بالقرآنِ أنَّ في مثلِ هذا الخِيارُ إلى الإمامِ: إن شاء جَمع الأجزِيةَ، وإن شاءَ اكتفى بالقتلِ» (^١)، فكان أن اختارَ نبيُّنا ﷺ الأوَّل، إذنًا أُوحيَ إليه به، أو فهِمَه مِن مُجمل نصوصِ الشَّريعة، سياسةً منه سائغة، فأُقرَّ على ذلك، فقَطَّع أيديَ هؤلاءِ المُحتَرِبين وأرجلَهم مِن خِلافٍ، نَكالًا لهم، وزجرًا لغيرهم.\nوقد أقرَّه الله تعالى على فعلِه هذا، بأن جَعَله حَدَّ الحرابَة في آيةٍ مِن كتابه، بصريحِ قول أنس ﵁ وهو الرَّاوي للحديث (^٢)، والآيةُ قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ\n_________\n(^١) «فيض الباري» للكشميري (١/ ٤٣٢) بتصرف.\n(^٢) أخرجه أبو داود في «السنن» (ك: الحدود، باب: ما جاء في المحاربة، رقم: ٤٣٦٦)، والنسائي في «السنن» (ك: تحريم الدم، باب: تأويل قول الله ﷺ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية، وفيمن نزلت، وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أنس بن مالك فيه، رقم: ٤٠٢٥).","vol":"3","page":1312},{"text":"تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].\nفهذا في حقِّ عقابِ النَّبي ﷺ لمن تَلبَّس بجُرم الحرابة.\nأمَّا ما ورد من سَمْلِه لأعين العُرنيِّين بالنَّار:\nفإنَّما فَعَل بهم ذلك قَصاصًا، كما في روايةٍ أخرى لأنس: «إنَّما سَمَل النَّبي ﷺ أعيُن أولئك، لأنَّهم سَمَلوا أعين الرُّعاء» (^١).\nوفي تقرير هذا التَّخريجِ للفعل النَّبويِّ، يقول ابن حزم: «كان ما زادَه رسول الله ﷺ على القطعِ مِن السَّمْل، وتركهم لم يحسِمهم (^٢) حتَّى ماتوا: قصاصًا بما فعلوا بالرِّعاء ..».\nثمَّ أورَد بإسنادِه روايةَ أنس ﵁ في السَّمْل، وقال:\n«.. فصَحَّ ما قُلناه مِن أنَّ أولئك العُرنيِّين اجتمعت عليهم حقوق: منها المُحاربة، ومنها سملُهم أعين الرُّعاء، وقتلهم إيَّاهم، ومنها الرِّدة.\nفوَجَب عليهم إقامةُ كلِّ ذلك، إذْ ليس شيءٌ مِن هذه الحدود أوجبَ بالإقامة عليهم مِن سائرها، ومَن أسقط بعضها لبعضٍ فقد أخطأ، وحَكَم بالباطل، وقال بلا برهان، وخالف فعل رسول الله ﷺ، وتَرَك أمرَ الله تعالى بالقَصاص في العدوان بما أمره به في المُحاربة.\nفقَطَعهم رسول الله ﷺ للمُحاربة، وسمَلَهم للقَصاص، وتَرَكهم كذلك حتَّى ماتوا يستسقون فلا يُسقون حتَّى ماتوا، لأنَّهم كذلك قتلوا هم الرُّعاء، فارتفع الإشكال ..» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: حكم المحاربين والمرتدين، رقم: ١٦٧١).\n(^٢) الحَسْم: كيُّ العضو المقطوعة لينقطع الدَّم، انظر «النهاية» (١/ ٣٨٦).\n(^٣) «المحلى» (١٢/ ٢٨٧).","vol":"3","page":1313},{"text":"وعلى التَّسليم للمُعترضِ بأنَّ هذا الفعل في ذاتِه مُثلة لا تجوز مطلقًا، فنقول:\nإنَّ النَّبي ﷺ إمَّا أن يكون فعَلَه قبل أن يُوحَى له بنسخِ ذلك والنَّهي عنه: ودليل هذا ما جاء عن قتادة بعد روايتِه للحديث قال: «بَلَغَنا أنَّ النَّبي ﷺ بعد ذلك كان يحثُّ على الصَّدَقة، وينهى عن المُثْلَة» (^١)، ونقله عن ابنِ سيرين قال: «أنَّ ذلك كان قبل أن تُنزَّل الحدود» (^٢).\nوإلى هذا مَيْلُ البخاريِّ (^٣)، وحكاه الجُوينيُّ عن الشَّافعي (^٤).\nوإمَّا على القولِ بعدم ورود دليلٍ على النَّسخِ: فيكون فِعلُ النَّبي ﷺ مِن بابِ المماثلةِ في القَصاصِ لا غير، استصحابًا منه للأصل القرآنيِّ في قولِ ربِّنا: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فيكون مُستثنى مِن المُثلة المَنهيِّ عنها (^٥).\nوسواء قلنا بهذا القول أو ذاك، يسلمُ الحديث مِن تشنعياتِ المعترضِين ولله الحمد.\nأمَّا دعوى المُنكرِ في المعارضةِ الثَّانية: بأنْ لو كانت أبوالُ الإبِل دواءً لبعض الأمراض، لمَا جهل ذلك أهل الطِّب الحديث، فيُقال لأمثالِه:\nإنَّ جهله بعَدمِ ذلك ليس عِلمًا بالعَدم! وجهلُه لاحقٌ بنوعِ المُرَكبِّ! لأنَّ الطِّبِ الحديث قد أثبتَ بعد تجارب وكشوفاتٍ مِخبريَّةٍ عديدةٍ، في عِدَّة كليَّاتٍ طبيَّة عَربيَّة وغربيَّة: أنَّ لبولِ الإبل فَعاليَّةً كبيرةً في علاجِ أمراضِ كثيرةٍ، منها: الاستسقاء، وتَليُّف الكبِد، وأمراضِ الكِلى المُستعصية، وإيقافه لتكاثر الخلايا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: المغازي، باب: قصة عكل وعرينة، رقم: ٤١٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الطب، باب الدواء بأبوال الإبل، رقم: ٥٦٨٦).\n(^٣) انظر «نيل الأوطار» للشوكاني (٧/ ١٨٤).\n(^٤) «نهاية المطلب» للجويني (٢/ ٣٠٥).\n(^٥) انظر «المسالك» لابن العربي (٧/ ١٥٧)، و«شرح المشكاة» للطيِّبي (٨/ ٢٥٠٠)، و«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٣٤١).","vol":"3","page":1314},{"text":"السَّرطانيَّة في الجهازين الهضميِّ والتَّنفُّسي، وقضائه على الفطريَّات والبكتيريا الجلديَّة، وغيرها من الأمراض (^١).\nوليس في الحديث أنَّها تَشفي كلَّ مرض -كما ادَّعاه المُعترض- ولا ذكرًا تفصيليًّا لنوعِ الأمراضِ المَحدودة التَّي تُعالجها، ولا نوع الإبل، أو قُوتُها الَّذي يرشُح عنه هذا البولُ العلاجيُّ؛ فكلُّ هذا مَوكولٌ للأطبَّاء في اكتشافِه وتجربتِه؛ والله المُوفِّق للحقِّ.\n_________\n(^١) انظر «الموسوعة العلمية الشاملة» لـ د. سمير عبد الحليم (ص/٢٣)، و«موسوعة الإعجاز العلمي» ليوسف الحاج (ص/٩٩١)، وأوراق «المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة» بالإمارات ٢٠٠٤ م، تجد ملخَّصاتها المتعلقة منها ببول الإبل على موقع المؤتمر على الشبكة.","vol":"3","page":1315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>المَبحث الثَّامن\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ أَمْرِه ﷺ بقتلِ المُتَّهَم بأمِّ ولدِه</span>","vol":"3","page":1317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديثِ أَمْرِه ﷺ بقتلِ المُتَّهَم بأمِّ ولدِه</span>\nعن أنس ﵁ أنَّ رَجلًا كان يُتَّهَم بأمِّ وَلَدِ رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعَليٍّ ﵁: «اِذهب فاضْرِب عُنُقَه»، فأتاه عليٌّ، فإذا هو في رَكِيٍّ (^١) يَتبَرَّد فيها، فقال له عليٌّ: اُخرُج، فناوَلَه يدَه فأخرَجه، فإذا هو مَجْبوبٌ ليس له ذَكَر! فكَفَّ عليٌّ عنه، ثمَّ أتَى النَّبيَّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنَّه لمَجبوب ما له ذَكَر.\n_________\n(^١) الرَّكي: البئر، «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٢٦١).","vol":"3","page":1319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديث أمْرِه ﷺ بقتلِ المُتَّهم بأمِّ ولدِه</span>\nفقد أشكل على جملةٍ مِن الكُتَّابِ المعاصرينَ فهمُ هذا القضاءِ النَّبويِّ الشَّريف في الحديث، فأوغَلوا في التَّشنيعِ على راويه؛ إذْ كيف يأمرُ عندهم مثلُ رسول الله ﷺ بضَربِ عُنقِ رجلٍ، ولم يكن ثمَّة مُوجِبٌ للقَتلِ؟ ومِن دون أن تتَحقَّق تُهمة الزِّنا، لا بوحيٍ، ولا بِبَيِّنة، ولا بإقرار؟! ليَظهرَ بعدُ كذبُ هذا الظَّن في المَتهومِ.\nوفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (محمَّد الغزالي):\n«يَستحيل أن يحكُمَ على رجلٍ بالقتلِ في تهمةٍ لم تُحقَّق، ولم يُواجه المُتَّهم، ولم يُسمَع له دفاعٌ عنها، بل كشَفَت الأيَّام عن كذبها!\nوقد حاول النَّووي -غفَرَ الله لنا وله! - تسويغَ هذا الحكم، بقولِه: لعَلَّ الرَّجلَ كان مُنافقًا مُستحقًّا للقتل لسَببٍ آخر! ونقول: مَتَى أمَرَ رسولُ الله بقتلِ المنافقين؟ ما وَقَع ذلك منه! بل لقد نَهى عنه.\nوظاهرٌ مِن السِّياق أنَّ الرَّجل نَجا مِن القتلِ بعد ما تَبيَّن مِن العاهة الَّتي به استحالةُ توجيهِ الاتِّهامِ إليه، أفَلَوْ كان سَليمًا أُبيح دَمُه؟ هذا أمرٌ تأباه أصول","vol":"3","page":1320},{"text":"الإسلام وفروعه كلُّها؛ إنَّ بالحديثِ عِلَّةً قادحة، وهي كافية في سَلْبِ وصفِ الصِّحةِ عنه، وأهلُ الفقهِ لا أهلُ الحديث هم الَّذين يَردُّون هذه المَرويَّات» (^١).\nويزيد (جعفر السُّبحاني) في هذا الاعتراضِ قائلًا: «هل كان النَّبي ﷺ قائمًا على البيِّنة، أو على علمِه الشَّخصي؟ .. لماذا لم يُعزِّر البيِّنةَ الكاذبةَ، مع أنَّ شاهد الزُّورِ يُعَزَّر؟!» (^٢).\n_________\n(^١) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (٣٨ - ٣٩).\n(^٢) «الحديث النبوي بين الدراية والرواية» (ص/٦٤٨).","vol":"3","page":1321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ المُعارضاتِ الفِكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديث أمرِه ﷺ بقتلِ المُتَّهم بأمِّ وَلدِه</span>\nلكيْ نَتحَقَّق الحكمةِ مِن أمرِ النَّبي ﷺ شرعًا وعرفًا، لا بدَّ أوَّلًا مِن تَبيُّنِ المُلابَساتِ الَّتي اكتنفت هذه القضيَّة، واستحضارِ سائرِ الرِّواياتِ في هذه الواقعةِ، لينكشفَ بذلك ما أُجمِل في تلك الرِّوايةِ المختصرة عند مسلم، وليُعلَم وجهُ الحقِّ فيما ابتدأه النَّبي ﷺ مِن إجراءٍ في القضيَّة، فنقول:\nالمُراد بأمُّ وَلَد رسولِ الله ﷺ في الحديث: ماريَّة أمُّ إبراهيم، الَّتي أهداها له المُقَوقِس صاحبُ الإسكندريَّة سنةَ سبعٍ مِن الهجرة (^١)، ومَعَها أختُها سِيرين، وكانت ماريَّة نَزَلْت في عالِيةِ المدينة، وكان رَجلٌ مِن القِبْط ابنِ عَمٍّ لها (^٢) يَتَردَّد إليها، ويَتَحدَّث إليها بحكمِ القَرابةِ والمَحْتِد.\nفتَكلَّم حينها بعضُ النَّاسِ في فعلِه، وشَنَّعوا صورةَ ذلك.\nوكان هو نصرانيًّا، ولم يأتِ أنَّه أسْلَم، حتَّى قال النَّاس: عِلْجٌ يدخُل على عِلْجَة! (^٣) مع ما عُلِم مِن اختلاطِه إليها في الجُملة (^٤)، فاستدَلَّ رسول الله ﷺ على هَتْكِه حُرمةَ بيتِ النُّبوَّة بنَقْضِهِ العَهْدَ (^٥).\n_________\n(^١) انظر «الاستيعاب» لابن عبد البر (٤/ ١٩١٢)، و«الإصابة» لابن حجر (٨/ ٣١٠ - ٣١١).\n(^٢) كما جاءت به الرواية في «الحلية» لأبي نعيم (٧/ ٩٢) وغيره.\n(^٣) «كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٣٠٨).\n(^٤) «التحبير» للصنعاني (٣/ ٥٤١).\n(^٥) «الإفصاح» لابن هبيرة (٥/ ٣٨٥).","vol":"3","page":1322},{"text":"والله سبحانه حافظٌ لأوامرِ رسولِه ﷺ، فلا يَقَع شيءٌ منها غَلَطًا، فإنَّه مَحفوظٌ مَعصوم؛ فإذا أَمَرَ بشيءٍ على قضيَّةٍ تَستدعي ذلك الأمرَ بموجِبِ الحقِّ، وإن كان في باطنِ تلك القضيَّة ما لو عَلِم به رسول الله ﷺ لغَيَّر ذلك الأمر: جَعَل الله ﷿ الأقدارَ حائلةً دون إنفاذِ ذلك المقَدَّم، حتَّى تُكشَف له ﷺ عن عواقبِ الأمورِ (^١)؛ وهذا عينُ ما جَرى في هذه القَضيَّة!\nوذلك: أنَّه لمَّا نَظرَ عليٌّ ﵁ في حالِ ذلك الإنسانِ، وَجَدَه مَجبوبًا، «وأظهرَ الله مِن حالِ المَرْميِّ أنَّه حَصور، كلُّ ذلك مُبالغةً في صِيانةِ حَرَمِ رسولِ الله ﷺ، وإظهارًا لتكذيبِ مَن تَفَوَّهَ بشيءٍ مِن ذلك» (^٢)؛ ولعلَّه لو رآه وعليه ثيابَه، وصَدَر منه ما يُضفي علىه لِباسَ التُّهمة: لم يَبِنْ لعَليٍّ ﵁ أنَّه مَجبوبٌ إلَّا بعد قتلِه.\nفحفِظَ الله بهذا ذِمَّة رسوله ﷺ مِن أن يجري فيها غَلَط يُشبه الغَدر، كما حفِظَها مِن أن يَجري فيها حقيقةُ الغَدر (^٣).\nهذا؛ ومِمَّا يَكشِفُ غِشاوةَ الإشكالِ عن فهم هذا الحديثِ:\nما جاء في روايةٍ أخرى للحديثِ بَسيطة، بمَساقٍ أكملَ وأوضح لتصوُّرِ الحادثة مِن هذا اللَّفظ المختصرِ في «صحيح مسلم»، يقول فيها علي ﵁:\n«كَثُر على مارية أمِّ إبراهيم ابنِ النَّبي ﷺ في قِبطيٍّ ابنِ عمٍّ لها، كان يزورها، ويختلِفُ إليها، فقال رسول الله ﷺ لي: «خُذْ هذا السَّيف، فانطلِقْ إليه، فإن وَجَدتَّه عندها فاقتُله»، فقلتُ: يا رسول الله، أكون في أمرِك إذْ أرسلْتَني كالسِّكَة المُحماة لا يُثنِيني شيء، حتَّى أمضي لمِا أرسلتني به؟ أو الشَّاهدُ يَرَى ما لا يَرى الغائبُ؟ قال: «بل الشَّاهدُ يَرى ما لا يَرى الغائب!».\nيقول عليٌّ ﵁: فأقبلتُ مُتوشِّحًا السَّيف، فوجدتُه عندها، فاخترَطتُ السَّيفَ، فلمَّا أقبلتُ نحوَه، عَرَف أنِّي أريده، فأتى نخلةً فَرَقَى فيها، ثمَّ رَمَى\n_________\n(^١) «الإفصاح» لابن هبيرة (٥/ ٣٨٦).\n(^٢) «المفهم» (١٦/ ٦٣).\n(^٣) «الإفصاح» لابن هبيرة (٥/ ٣٨٦).","vol":"3","page":1323},{"text":"بنفسِه على قَفاه، وشَغَر برجليه، فإذا هو أجبُّ أمْسَحُ! ما له ما للرِّجال قليلًا ولا كثيرًا، فأغمدتُّ سَيْفي، ثمَّ أتيتُ النَّبي ﷺ فأخبرتُه، فقال: «الحمد لله الَّذي يَصْرِفُ عنَّا أهلَ البيت» (^١).\nقال أبو العبَّاس القرطبيُّ: «هذا يَدلُّ على أنَّ أمرَه بقتلِه إنَّما كان بشرطِ أن يِجدَه عندها على حالةٍ تَقْتَضي قتلَه، ولمَّا فَهِمَ عنه علي ﵁ ذلك سَأَله، فبيَّن له بَيانًا شافيًا، فزالَ ذلك الإشكال» (^٢).\nفبهذا يَتبيَّن: أنَّ هذا الرَّجل كان أَمَرَ النَّبي ﷺ بضَرْبِ عُنِقِه لمِا قد استحَلَّ مِن حُرمَتِه، لكن اشترطَ أن يجِدَه عند بيتِه على حالةٍ تَقتضي نقضَ عهدِه (^٣)، ولذا بَعَث عليًّا ﵁ ليَرَى القصَّةَ، فإن كان ما بَلَغَه عنه حَقًّا قتَلَه، ولهذا قال ﵁ في حديثه: «أكونُ كالسِّكة المُحماة، أم الشَّاهد يَرى ما لا يَرى الغائب ..»؛ والأمرُ وإن كان مجرَّدَ تُهمةٍ، لكنَّها في جانبِ حَرَمِ النَّبي ﷺ جناية.\nوليس أمره بقتلِه إقامةٌ لحدِّ الزِّنا، كما غلِط المُعترض في فهمِه، «لأنَّ إقامةَ حدِّ الزِّنا ليس هو ضرب الرَّقبة، بل إن كان مُحصَنًا رُجِم، وإن كان غير مُحصَنٍ جُلِد، ولا يُقامُ عليه الحدُّ إلَّا بأربعةِ شُهداء، أو بالإقرارِ المُعتَبرِ.\nلكن لمَّا تَبيَّن أنَّه كان مَجبوبًا، عُلِم أنَّ المفسدَةَ مأمونةٌ منه بالمَرَّة» (^٤).\nولو كان ما أَمَرَ به النَّبي ﷺ قضاءً مُبْرَمًا بالقتلِ، لمَا أوَكل إلى عليٍّ ﵁ إعمالَ نَظرِه في الحكمِ المُستحَقِّ، كما هو ظاهر من قوله: «.. بل الشَّاهد يَرى ما لا يَرى الغائب»، والرُّؤية هنا «أرادَ بها رؤيةَ القلبِ، لا رؤيةَ العَيْن! أي: أنَّ\n_________\n(^١) أخرجه البزار في «المسند» (٢/ ٢٣٧) والضياء في «المختارة» (٢/ ٣٥٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ١٧٨)، وقال: «هذا غريب لا يعرف مسندا بهذا السياق إلا من حديث محمد بن إسحاق»، وجاء تصريح ابن إسحاق بالسماع في «التاريخ الكبير» للبخاري (١/ ١٧٧)، فالإسناد متصل جيد، وانظر «السلسلة الصحيحة» (١٩٠٤).\n(^٢) «المفهم» (١٦/ ٦٤).\n(^٣) «شرح مشكل الآثار» للطحاوي (١٢/ ٤٧٦).\n(^٤) «الصَّارم المسلول» لابن تيمية (ص/٥٩ - ٦٠).","vol":"3","page":1324},{"text":"الشَّاهِدَ يَتبيَّن له مِن الرَّأيِ والنَّظرِ في الأمرِ، ما لا يَظهر للغائبِ، لأنَّ الشَّاهدَ للأمرِ يَتَّضح له ما لا يَتَّضح للغائب» (^١).\nوهذا ما جرى على وفقِه عليٍّ ﵁، حيث إنَّه لمَّا انكشَفَ له أنَّه مَجبوب، لم يَتَعرَّض له بالقتل، لأنَّه عَلِم أنَّ ذلك الإنسانَ لم يحمِله على إتيانِ بيتِ رسول الله ﷺ، «إلَّا عِلْمُه بنفسِه أنَّه لا يُتَّهَم لكونِه مَجبوبًا، فغَلِط على نفسِه، ولو فهِم أنَّه لا يَكفي براءةُ الإنسان عند نفسِه، حتَّى تكونَ براءتُه عند غيرِه ظاهرةً مَعلومةً: لم يَفعلْ ذلك» (^٢)، كقولِ النَّبي ﷺ لمِن رَآه مع زوجِه صَفيَّة ﵂ ليلًا: «على رِسلِكما؛ إنَّها صَفيَّة بنت حُيَّي ..» (^٣).\nفالحمد لله الَّذي يَصْرِفُ عن أهلِ بيتِه الظُّنونَ، كما يردُّ عن سُنَّتِه الطُّعونَ.\n_________\n(^١) نقله الصنعاني عن ابن جرير الطَّبري في «التَّنوير شرح الجامع الصغير» (٦/ ٥٣٣).\n(^٢) «الإفصاح» لابن هبيرة (٥/ ٣٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الاعتكاف، باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، رقم: ٢٠٣٨)، ومسلم في (ك: الآداب، باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة وكانت زوجته أو محرما له أن يقول هذه فلانة ليدفع ظن السوء به، رقم: ٢١٧٥).","vol":"3","page":1325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>المَبحث التَّاسع\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ دعاء النَّبي ﷺ بالخيرِ لِمَن آذاه أو لَعنه مِن المسلمين</span>","vol":"3","page":1327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديثِ دعاء النَّبي ﷺ\nبالخيرِ لِمَن آذاه أو لَعنه مِن المسلمين</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «اللَّهم إنِّي أتِّخذُ عندك عهدًا لن تُخلِفَنيه، فإنَّما أنا بَشر: فأيُّ المؤمنين آذيته، شَتَمته، لَعنته، جَلدته، فاجعلْها له صلاةً وزكاةً، وقُربةً تُقرِّبه بها إليك يومَ القيامة» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: البر والصلة والآداب، باب من لعنه النبي ﷺ، أو سبه، أو دعا عليه، وليس هو أهلا لذلك، كان له زكاة وأجرا ورحمة، رقم: ٢٦٠١)، وهو في البخاري (ك: الدعوات، باب قول النبي ﷺ: «مَن آذيته فاجعله له زكاةً ورحمةً»، رقم: ٦٣٦١) بأقصر من لفظ مسلم.","vol":"3","page":1329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضات الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ دعاءِ النَّبي ﷺ بالخير لِمَن آذاه أو لَعَنه</span>\nحاصلُ ما أورده المخالفون على هذا الحديث في المعارضةِ التَّالية:\nأنَّ الحديث يُوحِي بأنَّ النَّبي ﷺ يَستفزُّه غضبُه، فيلعنَ النَّاسَ ويُؤذيهم مِن غير عذرٍ مُوجِب، وهذا عينُ الظُّلم، وفيه مَنقصةٌ لمَقامِه وعصمتِه.\nوفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (عبد الحسين الموسوِيُّ): «قد عَلِم البَرُّ والفاجر، والمؤمن والكافر، أنَّ إيذاء مَن لا يستحقُّ مِن المؤمنين، أو جلدَهم، أوسبَّهم، أو لعنَهم على الغضبِ: ظلمٌ قبيح، وفسقٌ صريح، يربأ عنه عدول المؤمنين، فكيف يجوز على سيِّد النَّبييِّين، وخاتم المرسلين؟!» (^١).\nويؤيِّد (جعفر السُّبحاني) هذا الاعتراض بقوله: «إنَّ صدورَ السَّب واللَّعن والجلد لا يخلو عن حالتين:\nالأولى: أن يكون المَسبوب والمَجلود والمَلعون مُستحقًّا لذلك الفعل، .. ومثل هذا لو جاز، لا يحتاج إلى الاعتذار كما هو ظاهر الحديث، ولا يحتاج إلى أن يقول: إنَّما أنا بَشر؛ مثلها ما إذا لم يكن مُستحقًّا لذلك عند الله وفي واقع الأمر، ولكن قامت الأمارة الشَّرعيَّة على الاستحقاق في الظَّاهر، والنَّبي ﷺ مَأمور بالحكم بالظَّاهر والله يَتولَّى السَّرائر.\n_________\n(^١) «أبو هريرة» للموسوي (ص/١١١).","vol":"3","page":1330},{"text":"الثَّانية: ما إذا لم يكُن هناك مُسوِّغ لهذه الأعمال، لا واقعًا ولا ظاهرًا، وإنَّما قام الفاعل بذلك مُتأثِّرًا عن قوى حيوانيَّة، وهذا هو المُتبادر من الرِّواية، بشهادة قوله: «إنَّما أنا بَشر»، ولازم ذلك أن يكون ﷺ فاحشًا، ولعَّانًا، وسبَّابًا ..» (^١).\n_________\n(^١) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٥٨٩ - ٥٩٠).","vol":"3","page":1331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>المَطلب الثَّالث\nدفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن حديثِ دعاء النَّبي ﷺ لِمَن آذاه أو لَعنه مِن المسلمين</span>\nأمَّا ما أبداه المخالفون من دعوى معارضةِ الحديث لمقامِ النُّبوة، فجوابه:\nأنْ لم يحصُل أن سَبَّ النَّبي ﷺ أو لَعَن أو جَلَد مَن لا يستحقُّ ذلك في ظاهرِ الأمرِ، حاشاه مِن ذلك! فهو المَبعوث رحمةً لهم، وقيامًا بالعدلِ بينهم؛ كلُّ ما في الأمر: أنَّه قد يظهر له ﷺ استحقاقُ ذلك منه على مَن وَقَع عليه، ويكون في باطنِ الأمرِ غير مُستحقٍّ له، وهذا الظَّاهر مِن قوله ﷺ: «أيُّما أحدٍ دَعَوتُ عليه مِن أمَّتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ ..» (^١).\nوفي تقرير هذه الحقيقة، يقول المازَريُّ:\n«المُراد بقولِه: «ليس لها بأهلٍ»: عندك في باطنِ أمرِه، لا على ما يظهر إليه ﷺ ممَّا تقتضيه حالتُه وجنايتُه حين دعائِه عليه، فكأنَّه ﷺ يقول: مَن كان باطنُ أمرِه عندكَ أنَّه مِمَّن تَرضى عنه، فاجعَلْ دعوتي عليه الَّتي اقتضاها ما ظَهَر إليَّ مِن مُقتضى حالِه حينئذٍ طهورًا وزكاةً، وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه، وهو ﷺ مُتعبَّدٌ بالظَّواهر، وحسابُ النَّاس في البواطنِ على الله تعالى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: البر والصلة والآداب، باب من لعنه النبي ﷺ، أو سبه، أو دعا عليه، وليس هو أهلا لذلك، كان له زكاة وأجرا ورحمة، رقم: ٢٦٠٣).","vol":"3","page":1332},{"text":"فإن قيل: فما معنى قوله: «وأغضبُ كما يغضب البَشر»، وهذا يشير إلى أنَّ تلك الدَّعوة وَقَعت بحُكمِ سَوْرة الغَضب، لا على أنَّها مِن مُقتضى الشَّرع؟ ..\nقيل: يحتمل أن يكون ﷺ أرادَ أنَّ دعوتَه عليه، أو سَبَّه، أو جلده، كان ممَّا خُيِّر بين فعلِه له عقوبةً للجاني، أو تركِه والزَّجْرِ له بما سِوى ذلك، فيكون الغضبُ لله سبحانه بَعَثه على لَعْنَتِه أو جلِده، ولا يكون ذلك خارجًا عن شَرْعِه، ولا مُوقِعًا له فيما لا يجوز.\nويحتمل أن يكون خَرَج هذا مَخرجَ الإشفاقِ منه ﷺ، وتعليمِ أمَّتِه الخوفَ مِن تعدِّي حدودِ الله تعالى، فكأنَّه ﷺ يُظهِر الإشفاقَ مِن أن يكون الغَضبُ يحمِلُه على زيادةٍ يسيرةٍ في عقوبةِ الجاني، لولا الغَضبُ ما زادَها ولا أوقعَها، .. أو إشفاقًا منه ﷺ وإن لم يَقَع فيه» (^١).\nوأبدى القاضي عياض احتمالًا آخرَ قال فيه: «.. هو ﷺ لا يقولُ ولا يفعلُ في حالِ غضَبِه ورضاه إلَّا صِدْقًا وحقًّا، لكن غضبُه لله تعالى قد يحمِله على الشِّدة في أمرِه، وتعجيلِ عقوبةِ مُخالفِه، وتركِ ما قد أُبىح له مِن الإغضاءِ عنه والصَّفح، فقد جاء في الحديث: أنَّه ما انتقمَ لنفسِه قطُّ، إلَّا أن يُنتهَك حُرمة الله» (^٢).\nفعلى هذا؛ يكون معنى قوله ﷺ «ليس لها بأهلٍ»: أي مِن جِهة تَعيُّن التَّعجيل.\nوأمَّا دعوى (السُّبحاني) أنَّ ما وَرد في الحديث إنْ صَدر منه ﷺ على مُستحَقٍّ، فلا حاجة معه إلى اعتذار .. إلخ:\nفهذه سَوءةٌ من سَوءاتِ فهمه لكلام العرب، فليس في الحديث أيُّ اعتذار مِن الأساسِ! إنَّما فيه زيادة احتياطٍ منه ﷺ ورَعًا ووَجلًا أن يلقى الله تعالى بأدنى شُبهةِ حَقٍّ لأحدٍ في ذِمَّتِه.\n_________\n(^١) «المعلم بفوائد مسلم» (٣/ ٢٩٦).\n(^٢) «إكمال المعلم» (٨/ ٧٢).","vol":"3","page":1333},{"text":"ولو كان في الحديث ما يَشِي بعدمِ استحقاقِ مَن وقع عليه لعنُه أو شتمُه أو جلدُه، لا في الظَّاهر، ولا في الباطنِ الَّذي في علمِ الله -كما يدَّعيه المعترض-: لكان أجدرَ بالنَّبي ﷺ في الحديث أن يستغفرَ ربَّه لنفسِه! ويُبديَ في لفظِه نَبراتِ الحُزن والنَّدمِ على ما فرَّط في حكمِه، لا المُشارطَةَ عليه تعالى، ثمَّ دُعاءِه لغيره، كما جاء في الحديث.\nوالحاصل أنَّ الحديث فيه مِن كمالِ شفقتِه ﷺ على أُمَّته، وجميلِ خُلقه، وكرم ذاتِه، حيث قَصَد مقابلةَ ما وَقعَ منه بالجبرِ والتَّكريم (^١)، وهو خالٍ من أيِّ مَنقصةٍ للنَّبي ﷺ تغابى عليها المعترض، والحمد لله.\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ١٧٢).","vol":"3","page":1334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>المَبحث العاشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث: «إنَّ أبي وأباك في النَّار»</span>","vol":"3","page":1335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديثِ «إنَّ أبي وأباك في النَّار»</span>\nعن أنس ﵁ أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النَّار»، فلمَّا قَفَّى (^١) دعاه، فقال: «إنَّ أبي وأباك في النَّار». رواه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) قَفَّى: أي ذهب موليًّا، وكأنَّه مِن القَفا، أي أعطاه قَفاه وظهرَه، «النهاية» (٤/ ٩٤).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة، ولا تنفعه قرابة المقربين، رقم:٢٠٣).","vol":"3","page":1337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>المطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ\nلحديثِ «إنَّ أبي وأباك في النَّار»</span>\nأُسُّ المعارضات الَّتي ألقى بها المخالفون في وجهِ الحديث: دعوى مدافعته للقرآنِ المُثبتِ لنجاةِ عمومِ أهلِ الفترةِ مِن العذابِ الأُخرويِّ، وأنَّ والدَ النَّبي ﷺ لا ريبَ عندهم مِن أولاءِ الَّذين شَمَلَتَهم تلك الآيات بالإعذار (^١).\nففي تقرير هذا الاعتراض على الحديث، يقول (عبد الله بن الصِّديق الغُماري): «خبر الآحاد لا يُقَدَّم على القرآن الكريم .. وهذا الحديث بهذا اللَّفظ شاذٌّ مَردود، لمخالفتِه ما مَرَّ بيانه آنفًا -يعني: الآيات القرآنيَّة- ..» (^٢).\nومحمَّد الأمين الشَّنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ) -وإن لم يصرِّح هو بإنكار الحديث- يُفهَم مِن كلامِه النُّزوعُ إلى ردِّ دلالة الحديث بظواهرِ بعض آيات القرآن، فهو يجعلُ أبَوَي النَّبي ﷺ مِن أهلِ الفترة، وهم مَعذورون في الدُّنيا، لا يلحقهم عذابٌ فيها (^٣)، فيقول في إثباتِ ذلك:\n«.. قلتُ ما قلتُ اعتمادًا على نصٍّ مِن كتاب الله قطعيِّ المتن وقطعيِّ الدلالة، وما كُنْتُ لأرُدَّ نصًّا قطعيَّ المتنِ قطعيَّ الدلالة بنصٍّ ظَنيِّ المتن وظني\n_________\n(^١) سيأتي ذكر الآيات المُعارض بها هذا الحديث عند سَوقِ كلام د. القَرَضاوي قريبًا.\n(^٢) «الفوائد المقصودة» (ص/٩٢ - ٩٣).\n(^٣) أمَّا حكم الشَّنقيطي فيهم يومَ القيامة: فسيأتي ذكره عند تفصيل الكلام عن حكم أهل الفترة.","vol":"3","page":1338},{"text":"الدلالة عند التَّرجيح بينهما؛ فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة عند مسلم: «استأذنت ربِّي أنْ أزور أمِّي فأذِن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي»، ولكن أخبار الآحاد ظنيَّة المتن، فلا يُردُّ بها نصٌّ قرآنيُّ قطعيُّ المتن، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾؛ أي: ولا مُثيبين.\nوهذا النصُّ قطعيُّ الدَّلالة، لا يحتمل غير ما يدلُّ عليه لفظهُ بالمطابقة، بخلاف حديث: «إنَّ أبي وأباك في النَّار»؛ فإنَّه ظنيُّ الدَّلالة؛ يحتمل أنَّه يَعني بقوله: «إنَّ أبي» عمَّهُ أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمي العَمَّ: أبًا، وجاء بذلك الاستعمالِ كتابُ الله العزيز .. والتَّحقيق في أَبَوي رسول اللَّه ﷺ أنَّهما مِن أهلِ الفترةِ ..» (^١).\nثمَّ شرع في نفيِ عذابِ أهل الفترة بإطلاق، وسيأتي تفصيلُه.\nفأمَّا (محمَّد الغزالي)؛ فكان الأجرأَ على الحَطِّ من الحديث، فعابَ -كعادته- على مَن تواردوا على قَبولِه قلَّةَ فقههِم في الدِّين! بل سوءَ أدَبِهم مع المقَام النَّبويِّ!\nفتراه يقول: «قد سمعتُ بأُذني مَن يقول: الحديث صحيح، وهو يخصِّص عموم الآية، فأهل الفترة ناجون جميعًا -عَدَا عبد الله بن عبد المطلب .. ! - قلتُ له: ماذا فَعلَ حتَّى يستحقَّ وحده النَّار؟ كان عبد الله شابًا شريفًا عفيفًا حكى عنه التَّاريخ ما يَزينه! ولم يحك عنه ما يَشينه! والآية خَبر لا يتحمَّل استثناءً» (^٢).\nوقال: «رأيتُ نَفرًا مِن هؤلاء يَغشون المجامعَ مُذكِّرين بحديثِ أنَّ أبا الرَّسول ﷺ في النَّار! وشعرتُ بالاشمئزاز مِن استطالتِهم وسوءِ خُلقهم!\nقالوا لي: كأنَّك تعترض ما نقول؟ قلت ساخرًا: هناك حديث آخر يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فاختاروا أَحَد الَحديثين .. قال أذكاهم بعد هنيَّة: هذه آية لاحديث! قلتُ: نَعم جعلتُها حديثًا لتهتمُّوا بها، فأنتم قلَّما تفقهون\n_________\n(^١) «مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي» لأحمد المحضري (ص/٤١).\n(^٢) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٤٥).","vol":"3","page":1339},{"text":"الكتاب! قال: كانت هناك رسالات قبل البعثة، والعرب من قوم إبراهيم، وهم متعبدون بدينه .. ! قلتُ: العَرب لا مِن قوم نوح، ولا مِن قوم إبراهيم، وقد قال الله تعالى في الَّذين بُعث فيهم سيد المرسلين: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] .. وللفقهاء كلام في أنَّ أبَوي الرَّسول ليسا في النَّار، يردُّون به ما تَروُون ..» (^١).\nأمَّا (يوسف القَرَضاوي)، وإن استشكل هو المتنَ جدًّا، لكنَّه لم يقتحِم حِماه كشأنِ الغزاليِّ، فكان مِمَّا قاله تعليقًا عليه:\n«.. ما ذنبُ عبدِ الله بنِ عبد المطلب حتَّى يكون في النَّار، وهو مِن أهل الفترةِ، والصَّحيح أنَّهم ناجون؟ .. لهذا تَوقَّفتُ في الحديث حتَّى يظهر لي شيءٌ يَشفي الصَّدر.\nأمَّا شيخنا الشَّيخ محمَّد الغزالي: فقد رفض الحديث صراحة! لأنَّه ينافي قولَ تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقولَه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، ﴿أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩].\nوالعَرب لم يُبعث إليهم رسول، ولم يأتهم نذير قبل محمَّد ﷺ كما صرَّحت بذلك جملة مِن آياتٍ في كتاب الله ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] .. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤].\nولكنِّي أُوثِر في الأحاديثِ الصِّحاح التَّوقف فيها، دون ردِّها بإطلاق، خشيةَ أن يكون لها معنى لم يُفتح علَيَّ به بعدُ» (^٢).\nهذا؛ ويزيد بعض الإماميَّةِ المُحْدَثينَ (^٣) تناقضًا آخر بين الحديث والقرآن، وهو:\n_________\n(^١) «هموم داعية» لمحمد الغزالي (ص/٢١ - ٢٢).\n(^٢) «كيف نتعامل مع السنة النبوية» ليوسف القرضاوي (ص/١١٧).\n(^٣) وهم في هذه الشُّبهة تَبعٌ لأئمَّتهم المتقدِّمين، وقد عزا هذا القول إلى الشِّيعة واستدلالهم بما يأتي من آية عليه: الفخر الرازي في «مفاتيح الغيب» (١٣/ ٣٢).","vol":"3","page":1340},{"text":"أنَّ النَّبي ﷺبزعمِهم- لا زال تُنقَل روحه مِن ساجدٍ إلى ساجدٍ، وأنَّه لم يزل يُنقل مِن أصلابِ الطَّاهرين إلى أرحام الطَّاهرات، شاهد ذلك عندهم قولُ الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، وعلى هذا التَّقدير، فإنَّ جميع آباء محمَّد ﷺ كانوا مُسلمين غير مشركين! (^١)\nيقول (جعفر السُّبحاني): «شذَّ مَن قال إنَّ النَّبي ﷺ مع كثرةِ ما أنعم الله عليه، ووفور إحسانِه، لم يرزقه إحسان والديه .. فهذا النُّور الَّذي قدَّر في علمِه سبحانه أن يضيء العالم بجماله، ويغيِّر مصيرَ التَّاريخ برسالتِه، لا يحتضنه إلَّا أصلاب شامخة، وأرحام مطهَّرة، كنوح، وإبراهيم، ومن بعده، كلُّهم منزَّهون عن عبادة الأوثان، ورذائل الأعمال، ومَساوِئ الأخلاق» (^٢).\n_________\n(^١) ترى تقرير ذلك -مثلًا- في كتاب «التِّبيان في تفسير القرآن» لشيخ الطائفة الطُّوسي (٨/ ٦٨).\n(^٢) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٦٣٧).","vol":"3","page":1341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>المَطلب الثَّالث\nدفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديثِ: «إنَّ أبي وأباك في النَّار»</span>\nفإنَّ مسألة مآلِ وَالِدَي النَّبي ﷺ مندرجة تحت بابِ عامٍّ مَيْسَمُه «حكم أهل الفترة» (^١)، يتَّضح هذا مِن نفسِ ما استشهَدَ به المُعترضون مِن نصوصٍ على رَدِّ هذا الخبر؛ فالمنهجيَّة العلميَّة السَّليمة تقتضي التَّعريجَ أوَّلًا على هذا البابِ الأعمِّ، ليتَّضِحَ بتفصيلِ حكمِه الصَّوابُ في ما نحن فيه مِن فرعِه المُشكلِ على البعضِ؛ فنقول:\nتَمدَّد خلافٌ عَريض بين العلماءِ في مَصير أهلِ الفترة، تَعدَّدت تفاصيله، وتنوَّعت فروعه، أصل الإشكال فيه راجعٌ إلى: أنَّ ظاهر الأحاديثِ المُثبتةِ لعذابِ بعضِ الجاهليِّين، مُعارِضٌ في الظَّاهرِ لأصلٍ قطعيٍّ في الشَّريعة، دَنْدَن عليه كلُّ مَن رَدَّ حديث مسلم هذا، وهو: أنَّ العقوبة الدُّنيويَّة والأخرويَّة لا تنزل بالعِباد إلَّا بعد بعث الرُّسُل إليهم، وقيام الحجَّة عليهم.\n_________\n(^١) الفترة لغةً: فَعْلةٌ مِن قولِ القائلِ (فَتَر) هذا الأمر يفتر فتورًا: إذا هَدَأ، وسَكَن بعد حِدَّة، ولَانَ بعد شدَّة، تقول: فَتَر الرَّجل عن علمِه عمَّا كان عليه مِن الجدِّ فيه، انظر «لسان العرب» (مادة: ف ت ر، ٥/ ٤٣).\nأمَّا اصطلاحًا: فيقول شهاب الدِّين الآلوسي في «روح المعاني» (٦/ ١٠٣): «أجمع المفسِّرون بأنَّ الفترة هي انقطاع ما بين رَسُولين»، وانظر «جامع البيان» للطبري (١٠/ ١٥٦)، و«جمع الجوامع» للسبكي (١/ ٦٣).\nفعلى ذا يكون تعريف أهل الفترة: هم القوم الَّذين لم يُدركوا النَّذارة قبلَهم، ولم تدركهم الرِّسالة الَّتي مَن بعدهم، انظر «الحاوي» للسيوطي (٢/ ٢٠٩).","vol":"3","page":1342},{"text":"فهذا الأصل قد تواردت نصوصُ الكتاب والسُّنة على تقريره وتأكيده، وذهبَ جماهير العلماء إلى تقديمِه والقضاءِ به على النُّصوص الجزئيَّة في بابِه، فتكون مَردودةً إليه؛ وهذا مَسلك جمهورِ الأشعريَّة مِن المُتكلِّمين، وكثيرٌ مِن أئِمَّة الحديث والفقه (^١).\nولا شكَّ أنَّ الأخذ بهذا الأصل القطعيِّ، ومحاكمةِ ظاهر النُّصوص الَّتي جاءت في إلحاقِ العقوبة ببعضِ أهل الجاهليَّة إليه: هو القول الصَّحيح الجاري على مُقتضى المنهجيَّة العلميَّة الصَّحيحة، فإنَّ الأحكام الشُّموليَّة القطعيَّة الَّتي قامت عليها الشَّريعة في تكليف العباد، واستفاضت النُّصوص في الدَّلالة عليها -كمثلِ أنْ لا عَمل شرعيَّ إلَّا بنيَّة، ولا تكليف إلَّا مع القدرة، وأنَّ المُكلَّف لا يُعاقب بجُرم غيره، ونحو ذلك من الأصول المُحكمة في الشَّريعة- إذا جاء في ظاهرِ بعض النُّصوص ما يُناقض ذلك: فإنَّه لا يَصحُّ لنا القدح في ذلك الأصلِ القَطعيِّ، أو تجاوزه وعدم اعتبارِه.\nفهذا ممَّا لا ينبغي أن نختلف فيه على الحديث.\nإنَّما الشَّأن في الفهمِ الصَّحيحِ لِما ادُّعِي نقضُه من تلك الأخبار لأصلٍ مِن تلك الأصول المَرعِيَّة! فإنَّ الخبرَ إذا ساغَ حملُه على معنًى لا يتناقض مع أصلِ منها، وجب المَصير إليه، دون الهرولةِ إلى الإنكارِ جُزافًا من غير تثبُّتٍ أو توقُّفٍ.\nوكان العلماء قد سعوا حثيثًا في تطبيقِ هذا المَنهج على مسألتِنا هذه بِما تضمَّنته من أخبارٍ في تعذيبِ بعضِ أهلِ الفترةِ، فحيث استقرَّ لديهم أنْ لا عذابَ إلَّا بعد قيامِ الحُجَّة، قصدوا إلى تأويلِ تلك الأخبار النَّبويَّة على مَعانٍ توافق هذا الأصل، فاختلفوا في ما تُحمَل عليه، على أقوال عدَّة:\nمنهم مَن ذهب إلى نَفيِ العذابِ عن أهل الفترة بإطلاق، فيَراهم بذلك ناجين في الآخرة: وهؤلاء جمهور الأشاعرة (^٢)، وبعض فقهاءِ الشَّافعيَّة (^٣)، وكان مَوقفُهم مِن أخبارِ العذابِ مُتباينًا على فريقين:\n_________\n(^١) وستأتي أقوال بعضهم عن قريب في ذكر أقوال العلماء في حكم أهل الفترة.\n(^٢) انظر حاشية ابن الأمير المالكي على «إتحاف المريد» (ص/٥٨ - ٥٩).\n(^٣) «الحاوي» للسيوطي (٢/ ٢٠٢)، وحاشية السندي على «سنن ابن ماجه» (١/ ٤٧٧).","vol":"3","page":1343},{"text":"فريقٌ: يقصُر التَّعذيب على مَن ذُكِر في النُّصوصِ فقط، ويفوِّضون علمَ سبب تَعذيبِهم إلى الله تعالى (^١).\nولا يخفى أنَّ هذا المسلك في التَّفويض لا يُوفَّق بمثله بين المُتعارضات، وهذا الَّذي أنكرَه (محمَّد الغزاليُّ) على مُجادلِه، وله الحَقُّ في أن يُنكرَ عليه هذا المنطق في التَّفكير! فإنَّ القول بالتَّفويض مَشروع فيما تَقَصَّد الشَّرع إخفاءَ عِلْمِه عن المُكلَّف؛ ومسألتُنا خارجةٌ عن هذا النِّطاق، فهي استعلامٌ عن الحكمةِ مِن إخراجِ بعضِ الأفرادِ مِن عمومِ الخطابِ الإلهيِّ، قصدَ التَّوفيقِ بين كلماتِه -سبحانه- وبين أفعالِه، نفيًا للتَّخالف بينهما في الأذهانِ.\nوليس ينزعُ إلى مثل هذا المسلكِ في الغالبِ إلَّا مَن يَنفي الحكمَةَ عن أفعالِه سبحانه، وقد أبانَ عن بطلانِ هذا العَقدِ أئمَّةُ السُّنةِ والجماعة، بما لا يسع بسطُه في هذا المَقام (^٢).\nوفريق آخر: رأى الأخبار الَّتي جاء فيها تَعذيبُ بعضِ أهل الفترة أخبارَ آحادٍ، لا يصحُّ الاعتماد عليها، خاصَّة وأنَّها عارضت الأصول القطعيَّة (^٣).\nوهذا أيضًا مسلكٌ علميٌّ غير سديد! فإنَّ الآحاد الصَّحيحة مُعتبرة في العقائد، فكيف إذا استفاضت وبلغت مبلغَ العِلم القطعيِّ بمجموعِها؟! كما الشَّأن في هذه الأحاديث المُثبتة لعذابِ بعضِ أهل الفترة؛ فلا مُسَوَّغ بعدُ لهذا المسلك في ردِّها (^٤).\n_________\n(^١) انظر «تحرير المقال في موازنة الأعمال» (ص/٤٢٥).\n(^٢) انظر في استيفاء شُبه النَّافين للحكمة والتَّعليل الإلهيَّين، وذكر الأجوبة عنها: في «شفاء العليل» لابن القيم (ص/٢٠٦).\n(^٣) انظر «حاشية المحلِّي على شرح العطَّار على جمع الجوامع» (١/ ٨٨)، و«تحرير المقال» لعقيل بن عطية (ص/٢٤٥).\n(^٤) من أشهر مِن تصدَّى لردِّ هذه الآحاد في تعذيب بعض أهل الجاهلية: السُّيوطي، في ست رسائل خصَّصها لإثبات نجاة أبَوي النَّبي ﷺ، وأفرط حين أثبت الحديثَ الموضوع في بعثَهما مِن موتهما ليُؤمنا به، وصحَّح حديثًا في ذلك عن طريق ما يدَّعيه من الكشف والمنام! مع محاولات واهية لتضعيف حديث مسلم: «إن أبي وأباك في النار»، هذا كلُّه ممَّا عابه عليه المُحقِّقون من العلماء، انظر إحدى رسائله تلك في «الحاوي للفتاوي» (٢/ ٢٤٤): «مسالك الحُنفا في والدي المصطفى».","vol":"3","page":1344},{"text":"وغير هؤلاء من أهل العلم مَن ذَهَب مذهبًا مختلفًا، حيث أثبتوا عذابًا لأهلِ الفترةِ، ويُوفِّقون بين نصوص العذاب والأصل السَّابقِ تقريره بسلوك ثلاثةِ مسالك في الجمع:\nالأوَّل: أنَّ هؤلاء الَّذين جاء الَخبر بتعذيبِهم مِن أهل الجاهليَّة، كانوا على علمٍ بدعوة الرُّسل السَّابقين، فهم في الحقيقةِ مِمَّن قامت عليهم الحُجَّة بالرِّسالات السَّابقة.\nهذا ما اختاره بعضُ أهل العلم على رأسهم النَّووي، وجعل حديث هذا الباب «إنَّ أبي وأباك في النَّار»: مِمَّا يُستنبط منه ذلك، فقال: «إنَّ مَن مات في الفترة على ما كانت عليه العَرَب مِن عبادةِ الأوثانِ فهو مِن أهلِ النَّار، وليس هذا مُؤاخذةً قبل بلوغ الدَّعوة، فإنَّ هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره مِن الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم» (^١).\nومِمَّن قال بهذا القول نَفرٌ من العلماء ذَهبوا إلى أنَّ قريشًا ليسوا مِن أهل الفترة مطلقًا! كابنِ عطيَّة الأندلسيِّ (ت ٥٤٢ هـ) قال: «.. أمَّا صاحب الفترة فليس ككافر قريش قبل النَّبي ﷺ، لأنَّ كُفَّار قريش وغيرهم ممَّن عَلِم وسَمِع عن نبوَّةٍ ورسالةٍ في أقطار الأرض فليس بصاحب فترةٍ، والنَّبي ﷺ قد قال: أبي وأبوك في النَّار، ورأى عمرو بن لُحي في النَّار، إلى غير هذا ممَّا يطول ذكرُه، وأمَّا صاحب الفترةِ يُفرَض أنَّه آدميٌّ لم يَطرأ إليه أنَّ الله تعالى بعث رسولًا، ولا دعا إلى دين، وهذا قليل الوجود» (^٢).\nقلت: وهذا قولٌ يَحتاج قائله إلى إثباتِ قيام الحجَّة على آحادِهم! وأنَّهم علِموا بصدقِ الأنبياءِ وبلغتهم الرِّسالة! وإلَّا فليس ذكرِ بعض الأعيان في بعض الأخبار بكافٍ لتعميم حالهم على باقي جنسِهم.\n_________\n(^١) «شرح النووي على مسلم» (٣/ ٧٩).\n(^٢) «المحرر الوجيز» لابن عطية (٤/ ٧٢).","vol":"3","page":1345},{"text":"ولو كان حكمُ أهلِ الفترةِ على وِزانٍ واحد مِن الهَلاك في الآخرة، لمَا وُجِد داعٍ لِأَن يسأله ﷺ بعض النَّاس عن مصير آبائهم!\nالمسلك الثَّاني: القول بأنَّ أخبارَ العذابِ مَحمولة على مَن بَدَّل وغَيَّر وأشركَ وشرَعَ لنفسِه دينًا جديدًا: وهذا قولٌ قرَّره الأبيُّ (^١).\nويردُّه: أن عددًا مِن النُّصوص جاءت بعذابِ أفرادٍ لم يثبُت عنهم تشريع ولا تَبديل قطعًا.\nالقول الثَّالث: أنَّ النُّصوص الَّتي فيها الإخبار بعذابِ بعضِ أهل الفترة، هي إخبار عن مآلِ امتحانِهم يوم القيامة، غاية ما فيها انكشاف علمِ الله فيهم بسابقِ السَّعادةِ أو الشَّقاوةِ.\nوأجِدُني أنزعُ إلى هذا القولِ في الحكم على أهل الفترة في الجملة، لقوَّةِ أدلَّتِه وتماسكها، فقد صَحَّت عدَّة أخبار في امتحانِ أهلِ الفترةِ يوم القيامة، من ذلك:\nحديث الأسود بن سريع ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أربعة يحتجُّون يومَ القيامة: رجل لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرِم، ورجل مات في الفترة ..»، إلى أن قال: «.. وأمَّا الَّذي مات في الفترة فيقول: ربِّ، ما أتاني كتاب ولا رسول، فيأخذُ مواثيقَهم ليُطيعنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النَّار، فوالَّذي نفس محمَّد بيدِه لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا» (^٢).\nوفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: «.. فمَن اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، وَمن لا حقَّت عليه كلمة العذاب» (^٣).\n_________\n(^١) «إكمال الإكمال» (١/ ٦١٨)، وتبعَ عطيةَ بن عقيل في جعل أهل الفترة الناجين هم مَن لم يُوحِّد ولم يُشرك دون غيرهم.\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ١٦٣٠١)، وقال مخرِّجوه: «حسن»، وابن راهويه في «مسنده» (رقم:٤١)، وابن حبان في «صحيحه» (ك: التاريخ، باب: ذكر الإخبار عن وصف الأقوام الذين يحتجون على الله يوم القيامة، رقم: ٧٣٥٧).\n(^٣) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ١٦٣٠٢) وحسَّنه إسناده مُخرِّجوه، وابن أبي عاصم في «السنة» (رقم: ٤٠٤) وقال الألباني في «ظلال الجنة» (١/ ١٧٦): «حديث صحيح، ورجاله ثقات غير علي بن زيد، وهو ابن جدعان ضعيف، لكنه قد توبع»","vol":"3","page":1346},{"text":"وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «.. فيرفع لهم النَّار فيُقال، رِدوها، أو قال: ادخُلوها، فيدخلها مَن كان في علم الله سعيدًا أن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها مَن كان في علم الله شقيًّا أن لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: إيَّاي عصيتم؟ فكيف برُسلي بالغيب؟!» (^١).\nفهذه الأحاديث أخالها نصوصًا في محلِّ النِّزاع، وبموجِبها أخَذَ جمهور السَّلف، وحكاه أبو الحسن الأشعريُّ عن مذهب أهل السُّنة (^٢)، وهو ما نصره البيهقيُّ مِن مُعتقدهم (^٣)، واختاره ابن حزم (^٤)، وابن تيميَّة (^٥)، وابن القيِّم (^٦)، وابن كثير (^٧)، وابن حجر العسقلاني (^٨).\nفإن قيل: فقد أنكرَ ابن عبد البرِّ أحاديثَ الامتحانِ هذه، بكونِ ما وَرَد في بابِها ليس بقويٍّ، فلا تقوم بها حجَّة؛ والآخرةُ دار جَزاء، لا دار عمل وابتلاء، فكيف يُكلَّفون دخولَ النَّار وليس ذلك في وُسعِ المَخلوقين؟ والله لا يكلِّف نفسًا إلَّا وُسعها! (^٩)\nفيُردُّ عليه بما أجاب بِه ابنُ كثير قال:\n«أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، كما قد نصَّ على ذلك غير واحد من أئمَّة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يَقوى بالصَّحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدةً على هذا النَّمط، أفادت الحُجَّة عند النَّاظر فيها.\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجعد في «المسند» (رقم: ٢٠٣٨)، وابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ١٢٧)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (رقم:١٠٧٦)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢١٦): «رواه البزار، وفيه عطية وهو ضعيف».\n(^٢) انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٢٨١)، و«تفسير القرآن العظيم» (٥/ ٥٨).\n(^٣) انظر «الاعتقاد» له (ص/١٦٦).\n(^٤) «الفِصل» (٣/ ٧٤) (٤/ ٥٠ - ٦٦).\n(^٥) «الجواب الصحيح» (٢/ ٢٩٨).\n(^٦) «طريق الهجرتين» (ص/٣٩٢).\n(^٧) «تفسير القرآن العظيم» (٥/ ٥٣ - ٥٦).\n(^٨) «فتح الباري» (٣/ ٤٤٥).\n(^٩) «الاستذكار» لابن عبد البر (٣/ ١١٤).","vol":"3","page":1347},{"text":"وأمَّا قوله (إنَّ الآخرة دار جزاء): فلا شكَّ أنَّها دار جزاء، ولا ينافي التَّكليف في عرصاتها قبل دخول الجنَّة أو النَّار، .. وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢]، .. وفي الصَّحيحين في الرَّجل الَّذي يكون آخر أهل النَّار خروجًا منها: أنَّ الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألَّا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرَّر ذلك مرارًا ..\nوأمَّا قوله: (كيف يكلِّفهم دخول النَّار، وليس ذلك في وسعهِم): فليس هذا بمانع مِن صحَّة الحديث، فإنَّ الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصِّراط، وهو جسر على جهنَّم أحدُّ مِن السَّيف وأدقُّ من الشَّعرة، .. وليس ما ورد في أولئك بأعظم مِن هذا، بل هذا أطمُّ وأعظم!\nوأيضًا فقد ثبتت السُّنة بأنَّ الدَّجال يكون معه جنَّة ونار، وقد أمر الشَّارع المؤمنين الَّذين يدركونه أن يشرب أحدهم مِن الَّذي يرى أنَّه نار، فإنَّه يكون عليه بردًا وسلامًا، فهذا نظير ذلك، وأيضًا فإنَّ الله تعالى قد أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسَهم، .. وذلك عقوبةً لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضا شاقٌّ على النُّفوس جدًّا، لا يَتقاصر عمَّا ورد في الحديث المَذكور» (^١).\nفهذه مذاهب العلماء في توجيه الأخبارِ الَّتي جاءت في تعذيبِ بعضِ أهلِ الجاهليَّة (^٢)؛ والقول الأخير منها بامتحانِ أهل الفترة مِمَّن جهلوا الحُجَّة أسعدُها بتآلف الأدلَّة، وأذهَبُ «للخصومات الَّتي كرِه الخوضَ فيه لأجلها مَن كرهه، فإنَّ مَن قطع لهم بالنَّار كلِّهم، جاءت نصوص تدفع قولَه، ومَن قطع لهم بالجنَّة كلِّهم، جاءت نصوص تدفع قولَه» (^٣).\n_________\n(^١) «تفسير القرآن العظيم» (٥/ ٥٨).\n(^٢) وثمَّة أقوال أخرى اجتهد بعض العلماء والباحثين في جمعها ممَّا يطول به المقام هنا، انظر «مسالك الحنفا» للسيوطي (ضمن الحاوي للفتاوي ١/ ٢٤٥)، و«إشكالية الإعذار بالجهل» لـ د. سلطان العميري (٢٧١ - ٢٧٨).\n(^٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٠١).","vol":"3","page":1348},{"text":"ومع رجاحة هذا المذهب على باقي الأقوال في مسألة أهل الفترة، يُشكِل عليه بعض الأحاديث الَّتي ورَدَت بإثباتِ عذابِ القَبر لبعضِ مَن ماتِ في الجاهليَّة، منها:\nحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «دخل النَّبي ﷺ يومًا نخلًا لبني النَّجار، فسمِع أصوات رجالٍ مِن بني النَّجار ماتوا في الجاهليَّة يُعذَّبون في قبورِهم، فخرج النَّبي ﷺ فزِعًا، فأمَرَ أصحابَه أن يتعوَّذوا مِن عذاب القبر» (^١).\nووجه الإشكال: أنَّ الحديث أثبتَ تحقُّقَ العذابِ لبعضِ أهلِ الجاهليَّة في قبورِهم قبل حصولِ الامتحانِ لهم يوم القيامة (^٢)!\nوالجواب على هذا مِن وجهين:\nالوجه الأوَّل: أنَّ الله لا يُعذِّب أهلَ الجاهليَّة على مُناقضةِ الأصولِ العَقديَّة فقط، فقد يُعذَّبون على مُنكراتٍ مِن الأفعالِ لا يجهلون قُبحَها فِطرةً وعُرفًا، كالظُّلمِ والاعتداءِ على حقوقِ الخَلْق.\nشاهدُ ذلك: ما وَرَد في حديثِ جابر مِمَّا كُشِف للنَّبي ﷺ فيه مِن عذابِ أهل النَّار مِن المَاضين، يقول: «.. حتَّى رأيتُ فيها صاحبَ المِحْجَن (^٣) يجرُّ قَصبَه في النَّار، كان يسرق الحاجَّ بمحجَنِه، فإن فُطن له قال: إنَّما تعلَّق بمِحجَني، وإن غفل عنه ذهب به! وحتَّى رأيتُ فيها صاحبةَ الِهرَّة الَّتي ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل مِن خشاش الأرض ..» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم:١٤١٥٢)، وإسناده صحيح على شرط مسلم كما قال مُخرِّجوه، وهو عند برقم (١٣٤٤٧) وفي سنن أبي داود (ك: السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر، رقم: ٤٧٥١) من حديث أنس.\nومنهم مَن يستدل بهذا على ما ذهب إلى النووي وغيره من مآخذة أهل الجاهلية وتعذيبهم على شركهم، كالألباني في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٢٩٧).\n(^٢) «إشكالية الإعذار بالجهل» (ص/٢٧٦).\n(^٣) المحجن: عصا مُعقفة الرَّأس كالصَّولجان، «النهاية في غريب الحديث» (١/ ٣٤٧).\n(^٤) أخرجه مسلم في (ك: الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، رقم: ٩٠٤).","vol":"3","page":1349},{"text":"يقول الأُبِّي: «التَّعذيبُ الَمذكور في هذه الأحاديث على مَن بدَّل وغَيَّر مِن أهلِ الفترة، بما لا يُعذَر بِه مِن الضَّلال، كأن يكونَ وَأَدَ ابنةً، أو نحو ذلك مِمَّا هو مَعلومُ القُبحِ لَدى كلِّ العقلاءِ» (^١).\nفجائزٌ أن يكون ما سمِعه النَّبي ﷺ مِن عذابِ أهلِ الجاهليَّةِ في حائطِ بني النَّجار من هذا القَبيلِ.\nوالوجه الثَّاني: على فَرضِ القولِ بأنَّ التَّعذيب في القبرِ كان عِقابًا على الكفر، فإنَّ استشكالَ أحاديثِ الامتحان يوم القيامة إنَّما يَرِد على القولِ بأنَّ عامَّة أهل الفترةِ واقعون في الجهلِ في الدُّنيا، وأنَّهم يُعذَرون بجهلِهم هذا بإطلاقٍ.\nبينما الصَّحيح أنَّ أهل الفترة على قسمين:\nالقسم الأوَّل: مَن فترَتُهم مِن جهةِ انقطاعِ الرُّسل فقط:\nبحيث لم يُدرِكوا أيَّ نبيٍّ، وهم مع ذلك على عِلْمٍ بنَذاراتِ الأنبياءِ وحُجَج التَّوحيد وقبح التَّشريك: فهؤلاء مَحجوجون بهذه النَّذارات، لا يُعذَرون بتجاهلِهم وإعراضِهم عنها.\nففي مثلِ هؤلاء وَرَد بعضُ ما سَبق مِن نصوصِ السُّنةِ في عذابِ أهلِ الفترة، كالَّذي وَرَد في عذابِ أحَدِ أجوادِ العَرَب: عبد الله بن جدعان، لأجلِ إعراضِه، حيث سُئل النَّبي ﷺ عنه كونِه في الجاهليَّة واصلًا للرَّحم، مُطعمًا للمسكين، فهل ذاك نافعه؟ فقال: «لا ينفُعه، إنَّه لم يَقُل يومًا: رَبِّ اغفر لي خطيئتي يومَ الدِّين» (^٢)، أي كان الفَرضُ أن يقولَ ذلك لِعِلمه بأنَّه الحقُّ.\nأو ما وَرد في عذابِ عمرو بن لُحَيٍّ (^٣):لأجلِ تَبديلِه لدينِ إبراهيم ﵇\n_________\n(^١) «إكمال الإكمال» (١/ ٦١٨).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل، رقم: ٣٦٥).\n(^٣) عمرو بن لحيِّ: بن حارثة بن عمرو ابن عامر الأزدي، مِن قحطان، وفي العلماء مَن يجزم بأنَّه مضريٌّ مِن عدنان: أوَّل من غيَّر دين إسماعيل، ودعا العرب إلى عبادة الأوثان، بعد أن افتُتن بها في الشَّام، انظر «الأعلام» (٥/ ٨٤).","vol":"3","page":1350},{"text":"وتَوْثينِه، كما في قول النَّبي ﷺ فيه: «إنَّ أوَّل مَن سَيَّب السَّوائب، وعَبَدَ الأصنام: أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإنِّي رأيته يجرُّ أمعاءَه في النَّار» (^١).\nبل بعض آياتِ القرآن نفسِها تُثبِت عِلْمَ كثيرٍ من العَرب بدعوةِ التَّوحيد، منها قوله تعالى مخاطبًا أصحابَ النَّبي ﷺ مُستذكرًا حالَهم قبل البعثة: ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].\nيقول ابن جرير في تفسير الآية: «وكنتم على طَرَف جهنَّم بكفرِكم الَّذي كنتم عليه، قبل أن يُنعِم الله عليكم بالإسلام، فتصِيروا بائتلافِكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلَّا أن تموتوا على ذلك مِن كفركِم، فتكونوا مِن الخالدين فيها» (^٢).\nوجه الشَّاهد مِنها: أنَّ هؤلاء المُخاطَبين بهذا المَنِّ الإلهيِّ مِن المُهاجرين وأنصارِ الأوس والخزرج، لو مَاتوا في جاهليَّتهم على ما كانوا عليه مِن عبادةِ الأوثانِ: لكانوا مُعَذَّبين غير مَعذورين، وهذا بنصِّ الآية، وفي هذا أبْيَنُ دلالةٍ على أنَّ حُجَّة التَّوحيد قد قامت في أنفسِهم قبل البِعثة النَّبويَّة.\nلقد كان أهل يَثْرب مُختلِطين بأهلِ الكتابِ، يَتَسامعون أخبارَ كُتبِهم، ورسالاتِ أنبيائهم، وكان في العَرب مَن لازم التَّوحيد، مُحتجًّا به على أهلِها، كقِسِّ بنِ ساعدة الإيَادِي (^٣)، ووَرقة بن نوفل (^٤)، وزيد بن عمرو بن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٤٢٥٨، ٧٦٩٦)، وأصله في البخاري (ك: تفسير القرآن، باب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ رقم: ٤٦٢٣)، ومسلم في (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم: ٢٨٥٦).\n(^٢) «جامع البيان» للطبري (٥/ ٦٥٧).\n(^٣) قسُّ بن ساعدة: بن عمرو بن مالك بن إياد، أحد حكماء العَرب وكبار خطبائهم، كان أسقُف نجران. ويُقال: إنَّه أوَّل عربيٍّ خطب على سيف أو عصًا، وأوَّل من قال في كلامه: «أما بعد»، أدركه النبي ﷺ قبل البعثة، توفي سنة ٢٣ قبل الهجرة، انظر «البداية والنهاية» لابن كثير (٣/ ٢٩٩)، و«الأعلام» للزركلي (٥/ ١٩٦).\n(^٤) ورقة بن نوفل: بن أسد بن عبد العزى القرشي، اعتزل الأوثان قبل الإسلام، وامتنع من أكل ذبائحها، وتبِع شرعة المسيح ﵇، وقرأ كتب الأديان، وكان يكتب بالحرف العبراني، أدرك أوائل عصر النبوة، ولم يدرك الدَّعوة، وإليه أحالت خديجة بنت خويلد نبينا ﵇ بُعيد نزول جبريل عليه في حراء في قصَّة بدء الوحي المشهورة، لم يلبث أن توفِّي بعدها بقليل جدا، انظر «تاريخ دمشق» (٦٣/ ٣)، و«الأعلام» للزركلي (٨/ ١١٤).","vol":"3","page":1351},{"text":"نُفيل (^١) وهو يصدح في مَسامع قريش، مُسندًا ظهره إلى الكعبة قائلًا: «يا مَعاشر قريش، والله ما مِنكم على دين إبراهيم غيري ..» (^٢)،\nويحتجُّ عليهم بأنَّ «الشَّاة خَلَقها الله، وأنزل لها مِن السَّماء الماء، وأنبتَ لها مِن الأرض، ثمَّ تذبحونها على غير اسم الله؟!» إنكارًا لذلك وإعظامًا له (^٣).\nوقد مرَّ قولُ مَن جعلَ أهلَ الجاهليَّة مُآخَذين، وليسوا مِن أهل الفترة المَعذورين، منهم النَّوَوي؛ وأفرط القَرافيُّ في دعوى الإجماع عليه (^٤)!\nومَبنى قول هؤلاء كان مُؤسَّسًا على هذا الاعتبار: أنَّ العِبرة في المُؤاخذة بلوغُ النَّذارةِ نفسِها، وإن لم تكن على لسانِ النَّبي نفسِه (^٥)، والله يقول: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقالوا: إنَّما الآيات نَفَت إرسالَ نَذيرٍ يختصُّ بهؤلاء العَرب ويُشافِههم، وكون الزَّمانِ زمانَ فترةٍ، لا يمنع وجود بَقيَّةٍ مِن دعوةِ الرُّسلِ في بعضِ أنحاءِ الأرض.\nوالقسم الثَّاني: مَن فترتُهم مِن جِهةِ انقطاعِ نذاراتِ الرُّسل.\nفهؤلاء فضلًا عن كونِهم لم يُدرِكوا نَبِيًّا، لم تبلغهم دعوة أيِّ منهم، أو بلغَت على وجهٍ من الشُّبهة واللَّبسِ يُحتَاج معه إلى مَزيد بيانٍ، فهؤلاء هم مَن\n_________\n(^١) زيد بن عمرو بن نفيل: بن عبد العزى، القرشي العدوي: أحد حكماء قريش، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، لم يدرك الإسلام، وكان يكره عبادة الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها، رحل إلى الشام باحثا عن عبادات أهلها، فلم تستمله أديانهم، فعاد يلتمس دين إبراهيم ﵇، وجاهر بعداء الأوثان، توفي قبل البعثة النبوية بخمس سنين، انظر «تاريخ دمسق» (١٩/ ٤٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب: باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، رقم: ٣٨٢٨) ..\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب: باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، رقم: ٣٨٢٦).\n(^٤) «شرح تنقيح الفصول» (٢/ ٢٩)، وليس يُوافق القرافي على دعوى الإجماع هذه، وأعجب له كيف ينقل الإجماع بهذا وأصحابه الأشاعرة هم أول المخالفين فيه! وللقرافي غيرها من المسائل التي غلط في نقل الإجماع فيها، ذكر عددا من أمثلتها د. حمزة الفعر في مقدمة أطروحته الدكتوراه في تحقيق «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (١/ ١٦٢).\n(^٥) وإنْ كان في تعميمِ حكمهم هذا على جميعِ أهلِ الجاهليَّة نَظَر، كما أسلفنا الإشارة إليه.","vol":"3","page":1352},{"text":"يُعذَر بجهلهم في الدُّنيا، ويُمتحنون في عَرصات يوم القيامة، كما وَرَدت بذا سالف الأخبار.\nيقول ابن القيِّم: «إنَّ العذاب يُستحَق بسَبَبين:\nأحدهما: الإعراض عن الحجَّة، وعدم إرادة العلمِ بها وبمُوجبِها.\nالثَّاني: العِناد لها بعد قيامها، وترك إرادةِ موجبها.\nفالأوَّل: كفر إعراض، والثَّاني: كفر عناد.\nوأمَّا كفر الجهل، مع عدم قيام الحُجَّة، وعدم التَّمكُّن مِن معرفتها: فهذا الَّذي نفى الله التَّعذيب عنه حتَّى تقوم حجَّة الرُّسل» (^١).\nفبهذا التَّقسيم نتحقَّق بأنَّ الخوضَ في تَعْيِينِ أفرادٍ بكونِهم مِن مَعذوري أهلِ الفترةِ: هو مِن الغَيبِ الَّذي لا يَنبغي الإقدامُ عليه إلَّا بنصٍّ مُبينٍ، وهذا أوَّل مَزْلقٍ مَنهجيٍّ زَلَّ فيه مَن أثبتَ النَّجاةَ لأبِ النَّبي ﷺ، بصرفِ النَّظر عن مُصادمتِه للنَّقلِ النَّافي لدعواه!\nوبه نعلم أيضًا: أنَّ أهل الفترة مِن العَرب ليسوا على وِزانٍ واحد، فإنَّ منهم مَن عذرُه قائم عند الله بجهلِه، ومنهم المُآخَذ على شركِه، لإبائِه بعد عِلمِه؛ وليس مِن غَرضِي هنا مُقارنةُ كلُّ فريقٍ من هذينِ بالآخر من حيث الكثرة والقِلَّة، ولا حجم كلٍّ منهما في جزيرةِ العَرب وقتَ البِعثة، بقَدْرِ ما يَنصبُّ اهتمامِي إلى تحديدِ تلك المَعالم المنهجيَّة في حكمِ كلٍّ فَريق منهما، وأصولِ الاستدلالِ على ذلك.\nوبعد هذا التَّأصيل لحكم المسألةِ في عمومها، ندلفُ الآن إلى مَوضوعِنا الفَرعيِّ المُتعلِّق بحال والدِ النَّبي ﷺ، فنقول: إذا تقرَّر ما سَبَق مِن تفصيل لأحكامِ أهلِ الفَترةِ؛ فإنَّ ما وَرَد في حَقِّ والِدِ نبيِّنا ﷺ مِن نصٍّ نَبويٍّ لا يخلو مِن أحَدِ حالَين:\nالأولى: أن يكون أبُ النَّبي ﷺ قد بَلَغَته النَّذارة والحُجَّة.\n_________\n(^١) «طريق الهجرتين» (ص/٤١٤).","vol":"3","page":1353},{"text":"والثَّانية: أن لا تكون النَّذارة وحُجَّة التَّوحيدِ بَلَغته.\nفإذا كانت الحالة الأولى: فإنَّ كُفرَه حينئذٍ يكون كفر إباءٍ وإعراض، حيث أبَى الانقيادَ للتَّوحيد في جملةِ مَن أبى مِن العَرب ممَّن بلَغَته دعوته، واستمرَّ على ما هو فيه مِن عبادةِ الأوثانِ، واستمرَأَ ما عليه قومُه، وهذا الإعراضُ والإباءُ كان مُتفَشِيًا في كثيرٍ من العَرَب.\nفبناءً على تقديرِ هذا الاحتمال: تكون الحُجَّة قد قامت على والِدِ النَّبي ﷺ، والَّذي دلَّنا على بلوغِها إيَّاه هذا الحديث الصَّحيح في مسلمٍ، حيث قرَّرنا أنَّ دخوله لا يكون إلَّا بعد بلاغ الحجَّة، فلولا هذا الحديث لتَوقَّفنا في حاله.\nوأمَّا إن كانت الحالة الثَّانية: فإنَّ الحديثَ يكون إخبارًا منه ﷺ عن مآلِ أبيه بعد الامتحانِ يوم القيامة، وأنَّه لن يُجيب داعيَ الله وقتَها!\nوفي تقريرِ هذا الجوابِ، يقول ابنُ كثير: «إخبارُه ﷺ عن أَبَويه وجدِّه عبد المطَّلِب بأنَّهم مِن أهل النَّار، لا ينافي الحديثَ الوارد عنه مِن طُرق متعدِّدة: أنَّ أهل الفترة، والأطفال، والمجانين، والصُّم، يُمتحنون في العَرصات يوم القيامة، .. فيكون مِنهم مَن يجيب، ومنهم مَن لا يجيب، فيكون هؤلاء مِن جملة مَن لا يجيب، فلا منافاة ولله الحمد والمنَّة» (^١).\nوأمَّا دعوى المُعترض الإِمَامِيِّ مِن أنَّ النَّبي ﷺ لم يَزَل تُنقَل روحه مِن ساجد إلى ساجد، واحتجَّ بآيةِ: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، فيكون أبو النَّبي مؤمنًا بظاهر هذه الآية، فجوابه:\nأن لا وجه للاستدلال على إيمانِ كلِّ آباءِ النَّبي ﷺ بهذه الآية، ولا أحَدَ مِن المُعتَبرين المُتقدِّمين قال بهذا التَّأويل فيما اطَّلعتُ عليه مِن كُتبِ التَّفاسير المُتقدِّمة، إنَّما هو قولٌ مُبتدعٌ مُتأخِّر.\n_________\n(^١) «البداية والنهاية» (٣/ ٤٢٩).","vol":"3","page":1354},{"text":"أقصى ما قِيل مُقاربًا لهذا المعنى المُدَّعى: ما رُوي عن عكرمة وعطاء، عن ابن عبَّاس في تفسيرِ هذه الآية، قال: «ما زالَ النَّبي ﷺ يتقلَّب في أصلابِ الأنبياء، حتَّى أخرجه نَبيًّا» (^١)، وواضحٌ أنَّ المُراد بالأنبياء هنا: آدم، ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل ﵈، هؤلاء فقط، وليس كلُّ آبائه ﷺ أنبياء؛ وهو مع هذا المُرادِ مَرجوحٌ أيضًا! ففي الآيةِ نفسِها قرينةٌ ترُدُّه، وهو ما بيَّنه الأمين الشَّنقيطيُّ بقولِه:\n«اِعلم أنَّ قوله هنا: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾: قال فيه بعض أهل العلم: المعنى: وتقلُّبك في أصلابِ آبائك السَّاجدين، أي: المؤمنين بالله كآدم ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل؛ واستَدلَّ بعضهم لهذا القول فيمَن بعد إبراهيم ﵇ مِن آبائه بقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] ..\nوفي الآية قرينة تدلُّ على عدم صحَّة هذا القول؛ أعني قوله تعالى قبله مقترنًا به: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾، فإنَّه لم يقصد به أن يقوم في أصلابِ الآباء إجماعًا، وأوَّل الآية مرتبطٌ بآخرها، أي: الَّذي يراك حين تقوم إلى صلاتِك، وحين تقوم من فراشِك ومجلسِك، ويرى وتقلبك في السَّاجدين، أي: المصلِّين، على أظهر الأقوال؛ لأنَّه ﷺ يتقلَّب في المُصلِّين قائمًا، وساجدًا وراكعًا ..» (^٢).\nهذا وجه من أوجِه تأويلِ هذه الآية الكريمة، وقد علِمت أنَّ المُراد بها الأنبياء خاصَّة، ومع ذلك فهو وجه مَرجوح (^٣).\nوأمَّا الوجه الثَّاني في معنى الآيةِ: وتَصرُّفك في ذهابِك ومَجيئِك في أصحابِك المؤمنين؛ وهذا قاله الحسن البصريُّ.\n_________\n(^١) انظر «تفسير ابن أبي حاتم» (٩/ ٢٨٢٨، رقم: ١٦٠٢٨ - ١٦٠٢٩).\n(^٢) «أضواء البيان» (٦/ ١٠٣).\n(^٣) فإذا كان هذا القول بأنَّ المعنى تقلُّبه في أصلاب الأنبياء ضعيفًا، وفي الآية نفسِها ما يستبعده، فإنَّ القول الآخر بكونِ المعنى تقلُّبَه في أصلاب آبائه وأنَّهم موحِّدون كلُّهم: لا شكَّ أنَّه أضعف وأبعد من الآخر عن مفهوم الآية بظاهرِ التِّلاوة، وأظهر في مُخالفتِه لسِياق الآيات ومَضمونها.","vol":"3","page":1355},{"text":"والوجه الثَّالث: تقلُّبك في صَلاتِك مِن خلفِك، كما تَرَى بعينِك مِن قُدَّامك، وهذا قول مجاهد.\nوالرَّابع: أنَّ معنى الآية: أنَّ الله يرى تقلُّبَك في الرُّكوعِ والسُّجودِ، والقيامِ مع المُصلِّين في الجماعة، فهو يَراكَ وحدَك، ويَراكَ في الجماعة (^١).\nوهذا أوْجَهُ الوجوهِ في تأويلِ الآية، وهو الظَّاهرُ مِن مَعناها (^٢)، وعليه أكثر المفسِّرين مِن السَّلَف والخَلف (^٣)؛ والتَّعبير فيها عن المُصَلِّين بالسَّاجِدين لكونِ السُّجودَ حالةُ مَزيد قُربِ العَبدِ مِن ربِّه ﷿، وهو أفضلُ الأركانِ على ما نَصَّ عليه جمعٌ مِن الأئِمَّة (^٤)؛ فيكون الخَبَر برؤيتِه في الآيةِ «مقصودٌ به لازمُ معناه، وهو: أنَّ النَّبي ﷺ بمَحلِّ العنايةِ منه سبحانه، لأنَّه يعلَمُ توجُّهَه إلى اللهِ بالقيامِ له، ويَقبل ذلك منه، فهو يراك رؤيةً خاصَّةً -رؤيةَ إقبالٍ وتقبُّل- ويَراكَ في صلاتِك في جماعاتِ المسلمين في مَسجدِك، وهذا يَجمع مَعنى العِنايةِ بالمسلمين تَبعًا للعنايةِ برَسولِهم، وهذا مِن بَركتِه ﷺ، وقد جَمَعها هذا التَّركيبُ القرآنيُّ العجيبُ الإيجازِ» (^٥).\nوالقصدُ: أنَّ الآية لا دَلالة فيها صَريحة على ما ادَّعاه المُعترض، وغَايةُ ما قد يفهمه منها ظنِّيٌّ على التَّسليمِ بصحَّتِه، لاحتمالِها عِدَّة أوجه مِن التَّأويل، والدَّليلُ إذا تَطرَّق إليه الاحتمال، سَقَط به الاستدلال!\nوبعد: فإنِّي ما رأيت للمتقدِّمين في مسألة مَصيرِ أَبِ النَّبي ﷺ كلامًا كالَّذي خاضَ فيه المتأخِّرون مِمَّن أثارها وخاض غَمراتها (^٦)، فتنازعوا فيها.\n_________\n(^١) انظر الأقوال في «جامع البيان» للطبري (١٧/ ٦٦٦)، و«زاد المسير» لابن الجوزي (٣/ ٣٥٠).\nوزاد الماوردي على هذه الأربعةِ ثلاثةَ أوجهٍ أخرى في تأويل الآية، انظر كتابه «النُّكت والعيون» (٤/ ١٨٩).\n(^٢) «جامع البيان» (١٧/ ٦٩٩).\n(^٣) كما قرَّره البغوي في «معالم التنزيل» (٦/ ١٣٤)، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (١٣/ ١٤٤)، وانظر «جامع البيان» (١٧/ ٦٩٩).\n(^٤) «روح المعاني» للآلوسي (١٠/ ١٣٤).\n(^٥) «التحرير والتنوير» لابن عاشور (١٩/ ٢٠٤) بتصرف يسير.\n(^٦) مِن أمثال السُّيوطي.","vol":"3","page":1356},{"text":"فما وسِع الأوَّلين مِن السُّكوت وترك التَّنازع في مثل هذه المسائل هو الأسلَمُ لِمن كان حريصًا على دينِه، والسَّلامة في الوقوف عند النَّص الشَّرعي من غيرِ لَيٍّ للمَعنى أو طعنٍ في المبنى، اقتفاءَ هوىً في النَّفسِ يتوهَّم به نُصرةً للنَّبي ﷺ في نَسَبه؛ وما أبعد ألأمر أن يكون كما اشتهى.\nفأيُّ إذايةٍ له إذا ما نحن اتَّبعناه ﷺ في قولِه؟! أَفَنكون أشفقَ منه على آبائه؟! وأيُّ نقصٍ يَلحقُ سيِّد الخلائق ﷺ بكفرِ أبِيه؟! وهذا جَدُّه إبراهيم ﵇ يَقصُّ الله علينا كُفرَ أبيه، وأبو إبراهيم ﵇ أبٌ لرسول الله ﷺ بالنَّسَبِ البعيد.\nيقول البيهقي في مَعرض سَردِه لبعضِ الرِّواياتِ في شركِ بعضِ آباءِ النَّبي ﷺ: «.. وأمرُهم لا يَقدحُ في نَسَبِ رسول الله ﷺ، لأنَّ أنكحة الكُفَّار صحيحة، أَلَا تراهم يُسلِمون مع زوجاتِهم، فلا يلزمهم تجديد العَقد، ولا مُفارقتهنَّ إذا كان مثله يجوز في الإسلام» (^١).\nولولا أنَّ المَقام هنا عِلميٌّ بَحت يَستدعي تحقيقَ القولِ في ما نُسِب إلى النَّبي ﷺ مِن حُكمٍ قَوليٍّ، ودفعَ شُبَه المُبطلين عن منهجِ شيوخِ الإسلامِ في النَّقد، لمَا أجَزتُ لنفسي الكلامَ في مثل هذه المسألة أصالةً، وربِّي أعلمُ بحالِ قلبي وأنا أقرِّر في هذا المَبحث ما قرَّره الحديث، ولَودِدتُ لو وَجدتُ أنا أيضًا فُرجةً عِلميَّةً مُعتبرةً أتنصَّل مِن خلالِها مِن دلالةِ حديثِه، حُبًّا في ما يحبُّه النَّبي ﷺ وتَقرُّ به عينُه، ولكنَّها الأمانة العلميَّة، والتَّجرُّد البَحثي، ولزومِ الغَرز النَّبويِّ.\nوأنا في هذا كلِّه، عالمٌ بأنَّ التَّعظيمَ الحقيقيَّ لمحمَّدٍ -بأبي هو وأمِّي- هو في متابعة طريقتِه ﷺ، والاهتداءِ بهَديِه، وتجنُّبِ نَهيِه، وإيثارِ سُنَّتِه على كلِّ أهواءِ الخَلْق، فمحبَّتُه أعظمُ مِن كلِّ مَحبوب منها، ولَن أكون أحبَّ له من أولياءِ الله الصَّالحين مِن سَلَف هذه الأمَّة، وقد قبِلوا الحديثَ وخَضَعوا لحُكمِه.\nوالله يَغفر لي تقصيري في حَقِّه.\n_________\n(^١) «دلائل النبوة» للبيهقي (١/ ١٩٢).","vol":"3","page":1357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>المَبحث الحادي عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث خَلوَتِه ﷺ بامرأةٍ مِن الأنصارِ</span>","vol":"3","page":1359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديثِ خَلوَتِه ﷺ بامرأةٍ مِن الأنصارِ</span>\nعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاءت امرأةٌ مِن الأنصارِ إلى النَّبي ﷺ، فخَلَا بها، فقال: «والله إنَّكُنَّ لأحبُّ النَّاس إليَّ»، متَّفق عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: النكاح، باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس، رقم: ٢٣٤)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب من فضائل الأنصار رضي الله تعالى عنهم، رقم: ٢٥٠٨)","vol":"3","page":1361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-302>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرة\nلحديثِ خَلْوتِه ﷺ بامرأةٍ مِن الأنصارِ</span>\nاحتجَّ المُعترِضون على بطلانِ الحديثِ بِما توَّهَموه من وقوعِه ﷺ به في الخُلوَةٍ المُحرَّمة، مع فيه من كلام مُفعَمِ بكلماتِ الحبِّ يُتنزَّه عنه العَفيف.\nيقول (أحمد صُبحي مَنصور):\n«في نفس الصَّفحةِ الَّتي جاء فيها هذا الحديث، يَروِي البخاريُّ حديثًا آخرَ، يَنهَى فيه النَّبي ﷺ عن الخلوة بالنِّساء، يقول الحديث: «لا يخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا مع ذي مَحرم».\nوذلك التَّناقض المَقصود في الصَّفحةِ الواحدةِ في «صحيح البخاريِّ» يَدفع القارئَ للاعتقادِ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَنهى عن الشَّيء ويَفعله!» (^١).\nويقول (نيازي عزُّ الدِّين):\n«نجدُ في الحديث عبارة (فَخَلا بها)، لتترُك للشَّيطانِ مجالًا للوسوسة!\nثمَّ يقول لها: «والله إنَّكنَّ لأحبُّ النَّاس إليَّ»، مُستخدمًا نون النِّسوة، ليؤكِّد لنا أنَّ رسولَ الله يقصد النِّساء بالذَّات، وليس الأنصار بعامَّة، وأنا أستغربُ\n_________\n(^١) «القرآن وكفى مصدرا للتشريع» (ص/١١٦).","vol":"3","page":1362},{"text":"حقيقةً كيف نَقبل أن نُبقِيَ نحن المسلمين على مثلِ هذه الأحاديث في كُتبنا الدِّينيَّة المقدَّسة؟!» (^١).\n_________\n(^١) «دين السلطان» (ص/٣٠٩ - ٣١٠).","vol":"3","page":1363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>المَطلب الثَّالث\nدَفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديثِ خَلْوتِه ﷺ بامرأةٍ أنصارِيَّة</span>\nأمَّا عمَّا أناطَ به المُعترضُ إنكارَه للحديث ممَّا استقرَّ في ذهنِه مِن لفظِ «الخَلوة»:\nفليس في ما أخبر به الرَّاوي عن فعلِه ﷺ حرج، فلم يَعْنِ خَلوتَه ﷺ بالمرأةِ بحيث غَابَا عن أبصارِ النَّاس، إنَّما أراد أنَّهما تنحَّيا ناحِيةً «بحيث لا يَسمعُ مَن حَضَر شَكْواها، ولا ما دارَ بينهما مِن الكلام، ولهذا سمِعَ أنسٌ آخرَ الكلامِ فنَقَلَه، ولم ينقُل ما دارَ بينهما، لأنَّه لم يسمَعه» (^١).\nوالدَّليل على ذلك، قول أنسٍ ﵁ نفسِه في روايةِ أخرى مُفصِّلةٍ: «.. فخَلَا معها في بعضِ الطُّرُق، حتَّى فَرَغَت مِن حاجَتِها» (^٢).\nفمثلُ هذه المفاوضةِ للمرأة الأجنبيَّة سِرًّا لا يَقدح في الدِّينِ عند أَمْنِ الفتنة (^٣)؛ وشرطُ الخَلوةِ: أن تحتجِبَ أشخاصُهما عن النَّاسِ (^٤)، ولأجلِ هذا\n_________\n(^١) قاله المهلَّب بن أبي صفرة، فيما نقَلَه عنه ابن بطال في «شرحه لصحيح البخاري» (٧/ ٣٦١).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الفضائل، باب قرب النبي ﷺ من الناس وتبركهم به، رقم: ٢٣٢٦).\n(^٣) «عمدة القاري» (٢٠/ ٢١٥).\n(^٤) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٣٣٣).","vol":"3","page":1364},{"text":"القيدِ ترْجَمَ البخاريُّ للحديث بترجمةٍ دقيقة قال فيها: «ما يجوز أن يَخلُوَ الرَّجل بالمرأةِ عند النَّاس»؛ وهذا قد تَعَامَى عنه المُعترض في تشنيعِه على البخاريِّ!\nثمَّ إنَّ تلك الأنصاريَّةُ لم تكُن بمُفردِها وقتَ كلامِها للنَّبي ﷺ، بل كانت برُفقةِ أولادِها، وهذا ما جاء صريحًا في روايةٍ للبخاريِّ يذكرُ فيها أنس ﵁ أنَّها «أتَتْ النَّبيَّ ﷺ مَعَها أولادٌ لها» وذَكَر الحديث (^١).\nوأمَّا ما استَشْنَعه المُعتَرِض مِن قولهِ ﷺ: «إنَّكُنَّ لأَحَبُّ النَّاس إليَّ»:\nفهو هنا جاء بنونِ النِّسوةِ، وقد انفرَدَت به رواياتُ «الجامع الصَّحيح» دونِ باقي الصِّحاحِ الأخرى، والَّتي أثبتَتْه بلفظِ: «إنَّكم» للجمع المُذكَّر؛ إلَّا ما في روايةِ أبي ذرِّ الهَرويِّ لصحيح البخاريِّ، فهي فيه أيضًا بمِيمِ المُذَكَّر كالجماعةِ (^٢)؛ وهذه الَّتي نراها مُوافقةً لرواياتِ الحديثِ عند أكثرِ المُصَنِّفين، بل وللمَوضعِ الآخر للحديثِ في كتابِ البخاريِّ نفسِه (^٣).\nفعلى هذا اللَّفظ «إنَّكم»: يكون المَعنِيُّ بالحُبِّ النَّبويِّ في حديثِه للمرأةِ الأنصاريَّة عمومَ الأنصارِ، والتَّذكيرُ فيه مِن بابِ «تغليبِ الرِّجال على النِّساء» (^٤)، وعلى هذا المعنى دَرَج أئمَّة التَّدوينِ في ترجمتِهم للحديث، وجعلهم إيَّاه تحت الأبوابِ المَعْنيَّة بفضائلِ الأنصارِ (^٥).\nوأمَّا على روايةِ: «إنَّكنَّ» بنون النِّسوة: فمَعَ ما ذكرته من انفراد رُواة صحيح البخاريِّ بهذا اللَّفظ، ومُخالفةِ الهَرويِّ لهم فيه وهو مِن أتقَنِ رُوَاتِه -فإنَّه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، رقم: ٦٦٤٥)، وفي رواية أخرى عنده (ك: مناقب الأنصار، باب: قول النبي ﷺ للأنصار: أنتم أحب الناس إلي، رقم:٣٧٨٦): «ومعها صبيٌّ لها».\n(^٢) انظر «إرشاد السَّاري» للقسطلاني (٨/ ١١٦).\n(^٣) في (ك: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، رقم: ٦٦٤٥) وهو بلفظ: «إنَّكم لأحبُّ النَّاس إليَّ» قالها ثلاث مرار.\n(^٤) «الكوثر الجاري» للكوراني (٨/ ٥٣٦).\n(^٥) كأحمد حيث أدرجه في باب «فضائل الأنصار» من كتابه «فضائل الصحابة»، ومعمر بن راشد في باب «فضائل الأنصار» من جامعه، ومسلم في «كتاب الفضائل» من «صحيحه».","vol":"3","page":1365},{"text":"لا يَستقيم بحالٍ ولو على فَرْضِ صِحَّتِه أن يكونَ النَّبي ﷺ عَنَى بهذا الحُبِّ شخصَ المرأةِ المُخاطَبة، وإلَّا لخاطبَها بلفظِ الإفرادِ المُؤنثِّ المُباشِر: «إنَّكِ»!\nولفظُ الجَمعِ: «إنَّكُنَّ» يَفهم منه أيُّ عَرَبيٍّ نِسوةَ الأنصارِ عمومًا، أي: «أنَّ نساءَ هذه القَبيلة، أحَبُّ إليه ﷺ مِن نساءِ سائرِ القبائل مِن حيث الجُملة» (^١)؛ وإذا سَقَطت شُبهةُ الاختلاءِ مِن فعلِه ﷺ بالأنصاريَّةِ، سَقَطت مَعَها وَساوِس الشَّيطانِ من ذِهْنِ المُعترضِ في المُرادِ بِحُبِّه ﷺ؛ أعاذنا الله من شرِّ الوساوس.\n_________\n(^١) «الكواكب الدراري» للكرماني (١٩/ ١٦٨).","vol":"3","page":1366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>المَبحث الثَّاني عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ دخولِ النَّبي ﷺ على أمِّ حرامٍ وأختِها</span>","vol":"3","page":1367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>المَطلب الأوَّل\nسَوْق أحاديثِ دخولِ النَّبي ﷺ على أمِّ حرامٍ وأختِها</span>\nعن أنس ﵁ «أنَّ أمَّ سُلَيم كانت تبسُط للنَّبي ﷺ نِطَعًا (^١)، فيَقِيلُ عندها على ذلك النِّطَع، فإذا نامَ النَّبي ﷺ أَخَذتْ مِن عَرَقِه وشَعْرِه، فجمَعَته في قارورةٍ، ثمَّ جمعته في سُكٍّ (^٢) \"؛ قال ثُمامة الرَّاوي عن أنس: فلمَّا حَضَر أنس بن مالك الوفاة، أوصى إلى أن يُجعَل في حَنوطِه مِن ذلك السُّك، قال: فجُعِل في حَنوطِه. رواه البخاريُّ (^٣).\nوعن أنس بن مالك ﵁ أنَّه قال: كان رسول الله ﷺ يدخلُ على أمِّ حَرام بنت مِلحان ﵂ فتطعِمُه، وكانت أمُّ حرامٍ تحت عبادة بن الصَّامت ﵁، فدَخَل عليها رسول الله ﷺ، فأطعَمَته، وجعلت تَفْلي رَأْسَه، فنَامَ رسول الله ﷺ، ثمَّ استيقَظَ وهو يضحك، قالت: فقلتُ: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناسٌ مِن أمَّتي عُرضوا عليَّ غُزاةً في سبيل الله، يركبون ثَبَج هذا البحر، ملوكًا على الأسِرَّة، أو: مِثل الملوكِ على الأسِرَّة» -شكَّ إسحاق (^٤) - قالت: فقلتُ: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم، فدعَا لها رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) النِّطع: هو الَّذي يُفترش من الجلود، انظر «هدى الساري» (ص/١٩٦).\n(^٢) سُكّ: طِيب معروف يُضاف إلى غيره من الطِّيب ويُستعمل، انظر «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٣٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الاستئذان، باب: من زار قوما فقال عندهم، رقم: ٦٢٨١).\n(^٤) إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، الراوي عن أنس بن مالك.","vol":"3","page":1369},{"text":"ثمَّ وَضَع رأسَه، ثمَّ استيقظَ وهو يضحك، فقلتُ: وما يضحِكُك يا رسول الله؟ قال: «ناسٌ مِن أمَّتي عُرِضوا عليَّ غُزاةً في سبيل الله» -كما قال في الأوَّل- قالت: فقلتُ: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم، قال: «أنتِ مِن الأوَّلين».\nفرَكِبَتْ البحرَ في زمانِ معاوية بن أبي سفيان، فصُرِعت عن دابَّتها حين خَرَجت مِن البَحر، فهَلَكَت. متَّفق عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الجهاد والسير، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، رقم: ٢٧٨٨)، ومسلم في (ك: الإمارة، باب: فضل الغزو في البحر، رقم: ١٩١٢).","vol":"3","page":1370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلدخول النَّبي ﷺ على أمِّ حرامٍ وأختِها</span>\nمِن أشهرِ ما يورده الطَّاعنون مِن الاعتراضاتِ على هذين الحديثين أنَّ ظاهِرهما اختلاءَ النَّبي ﷺ بنِساءٍ أجنبيَّاتٍ.\nوفَلْيُ أمِّ حرامٍ ﵂ لرأسِه مُماسَةٌ بين مَن لا يحلُّ منهما ذلك، لانتفاءِ المَحْرَميَّة! وهذا كلُّه حَرَّمه النَّبي ﷺ على أمَّتِه، فكيف يقع هو فيه؟! (^١)\n_________\n(^١) انظر هذه الاعتراضات في «القرآن وكفى مصدرا للتشريع» (ص/١١٦ - ١١٨)، و«دين السلطان» (ص/٥٣٠)، و«الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٦٦١ - ٦٦٢).","vol":"3","page":1371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>المَطلب الثَّالث\nدفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن دخولِ النَّبي ﷺ على أمِّ حرامٍ وأختِها</span>\nأمَّا دعوى المُعترِض خلوةَ النَّبي ﷺ بأجنبيَّة عنه في الحديث، ومَسُّها له مِن غير مَحْرَميَّة:\nفالحديث خِلوٌ مِن إفادةِ معنى الخُلوة أو نفيها، غاية ما فيه التَّصريحُ بدُخولِ النَّبي ﷺ على أمِّ سُليم وأختِها، ولا يَلزم أن يكون البيتُ ليس فيه إلَّا واحدة وقتَ دخولِه، بل الغالب خلاف ذلك، فتنتفي الخلوة، لأجلِ أنَّ أمَّ حرامٍ كانت تُساكِن أختَها أمَّ سليم، فـ «بيتُهما واحد، ثمَّ لا مانعَ أن تكون الأُختان في بيتٍ واحدٍ كبيرٍ لكلٍّ منهما فيه مَعزل» (^١).\nيدلُّ على هذا قول أنسٍ ﵁: «دَخَل النَّبي ﷺ علينا، وما هو إلَّا أنا وأمِّي وأمُّ حرام خالتي، فقال: قوموا فلِأصلِّي بكم ..» الحديث (^٢).\nوعلى فَرْضِ دلالةِ الحديث على خلوة النَّبي ﷺ بأمِّ سُليم أو أختِها: فقد جاز ذلك كونُه مَحْرمًا لهما، ما يُفسِّر تمكينَه لأمِّ حرامٍ فَلْيَه لرأسِه الشَّريفِ، وقد نَقَل النَّووي اتِّفاقَ أهل العلم عليه، والأكثرُ على أنَّ ذلك مِن جِهة الرَّضاعة (^٣).\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٥١) بتصرف يسير.\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الجماعة في النافلة، والصَّلاة على حصير وخمرة وثوب، وغيرها من الطاهرات، رقم: ٦٦٠).\n(^٣) «شرح النووي على مسلم» (١٣/ ٥٧).","vol":"3","page":1372},{"text":"يقول ابنُ وهب (^١): «أمُّ حرامٍ إحدى خالات النَّبي ﷺ مِن الرَّضاعة، فلذلك كان يَقِيل عندها، ويَنام في حِجْرها، وتَفْلي رَأْسَه» (^٢).\nوهذا ما جَزَم به أبو القاسم ابن الجوهري (ت ٣٨١ هـ) (^٣)، والدَّاودي (ت ٤٠٢ هـ)، والمهلَّب بن أبي صفرة (ت ٤٣٥ هـ)، وغيرهم من أهل العلم (^٤).\nبل قال ابن عبد البرِّ: «لا يشكُّ مسلمٌ أنَّ أمَّ حرام كانت مِن رسول الله ﷺ لمحرم، فلذلك كان منها ما ذُكر في هذا الحديث ..»، ونَقَل عن يحيى ابن مُزَين (ت ٢٥٩ هـ) (^٥) قولَه: «كانت منه ذاتَ مَحْرمٍ مِن قِبَل خالاتِه، لأنَّ أمَّ عبد المطَّلِب بن هاشم كانت مِن بني النَّجار» (^٦).\nوأمَّا ما أورده الدُّمياطيُّ (ت ٧٠٥ هـ) (^٧) على هذا التَّفسير بأنَّ «هذه خَؤُولة لا تَثبتُ بها مَحرميَّة، لأنها خَؤُولة مَجازيَّة، وهي كقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «هذا خالي»، لكونه مِن بني زُهرة، وهم أقارب أمِّه آمنة، وليس سَعدٌ أخًا لآمنة، لا مِن النَّسَب، ولا مِن الرَّضاعة» (^٨)؛ فجوابنا عليه:\n_________\n(^١) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشى مولاهم الفهرى، أبو محمد المصرى الفقيه (١٢٥ هـ-١٩٧ هـ)، ثقة حافظ عابد، أحد أعلامِ تلامذة الإمام مالك، من مؤلفاته: «الجامع»، و«الموطأ» كلاهما في الحديث، انظر «تهذيب الكمال» (١٦/ ٢٧٧).\n(^٢) «التَّمهيد» (١/ ٢٢٦)، و«المنتقى» للباجي (٣/ ٢١٢).\n(^٣) هو عبد الرحمن بن عبد الله أَبو القاسم المصري: فقيه كثير الحديث، من شيوخ الفُسطاط، وكبار فقهاء المالكيَّة، وشيوخ السُّنة، من مؤلفاته «مسند الموطأ»، انظر «الديباج المذهب» (١/ ٤٧٠).\n(^٤) انظر «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٥/ ١٠)، «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٧٨).\n(^٥) يحيى بن إبراهيم بن مُزين أبو زكريا القرطبيُّ: أحد الأعلَام بالأندلس، عالم بالحديث ورجاله، رَحَل إلى المشرق، مِن كتبه «تفسير الموطأ»، و«فضائل القرآن»، و«رغائب العلم وفضله»، انظر «تاريخ الإسلام» (٦/ ٢٢٧).\n(^٦) «التَّمهيد» (١/ ٢٢٦).\n(^٧) عبد المؤمن بن خلف الحافظ أبو محمد شرف الدين الدُّمياطي: كان غايةً في علم الحديث واللُّغة والأنساب، وتميَّز في مذهب الشَّافعيَّة، من مؤلَّفاته: «المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح»، انظر «طبقات الشافعية» لابن كثير (١/ ٩٥١).\n(^٨) «فتح الباري» (١١/ ٧٨)، وبمثل هذا الاعتراض طعن (جعفر السُّبحاني) الحديثَ في كتابه «الحديث النبوي بين الدراية والرواية» (ص/٦٦٢).","vol":"3","page":1373},{"text":"أنَّ ابن مُزينٍ ما أراد بتعليلِه الأخيرِ كونَ بني النَّجار أخوالًا له ﷺ على الحقيقة، لمُجرَّد كونِ جدَّتِه العُليا منهم، كلَّا؛ فهذه -كما قالَ الدُّمياطيُّ- خُؤولةٌ مَجازيَّة لا تُثبت مَحرميَّة، وليس يخفى أمرُها على العَوامِّ، فضلًا عن مثلِ ابن مُزَينٍ، أو ابن وهبٍ وغيرهما من أهل العلم.\nإنَّما أراد ابن مزين وغيره بذلك: التَّدليلَ التَّاريخيَّ على أنَّ أصلَ الرَّضاع مَوجود في بني النَّجار لأحدِ أصولِ النَّبي ﷺ، سواء مِن جِهة أبيه أو أمِّه، بحكمِ المُصاهرةِ الكائنةِ بين بني هاشمٍ وبني النَّجار؛ هذه الرَّابطة تقتضي وجودَ تزاورٍ بين أصحابِها ومُعايشة، كما حَصَل مِن آمنة بنت وهب -أمِّ رسول الله ﷺ- حين قدِمت بمحمَّدٍ ﷺ على أخوالِه مِن بني عدِّي بن النَّجار بالمدينة (^١).\nوالغالب في مثل هذه الرَّوابطِ قديمًا ألَّا تُعدَمَ رَضاعًا يَتَخلَّلُها ويَنتشر بين أبنائِها، فأرادَ ابن مُزَين التَّنبيهَ بهذا على أنَّ أمَّ سُليم وأختَها مِن خالاتِ النَّبي ﷺ رضاعًا غير مُستبعد من هذه الجِهة المشروحةِ؛ فلمَّا أنْ وجدنا النَّبي ﷺ يُعامِل هاتَين الأُختين معاملةَ المَحارمِ دون سائرِ نساءِ المَدينةِ، مع ما علمناه من نِسبةِ أمِّ سليم وأختِها إلى أخوالِه مِن بني النَّجار: تحقَّقنا بهذا أنَّ له بهما صِلةً مَحْرميَّةً ما.\nفأمَّا مَحرميَّة النَّسَب: فقد وجدناها بعيدَة الوقوع، لأنَّ خفَاءَ النَّسبِ عن العربِ وقتئذٍ أقربُ إلى الإحالةِ.\nفلم يبقَ إلَّا القول بمَحْرميَّة الرَّضاع، وهو المُتعيِّن هنا، لانتشارها بين الأجانب في ذلك الوقت كما سبَق تقريره، وهي تخفى أحيانًا على أقربِ النَّاس ممَّن أُرْضِع، فضلًا عن البَعيد، والشَّواهد على ذلك كثيرة.\nمِن ذلك ما أخبرت به عائشة ﵂ قالت: «دَخَل علَّي رسول الله ﷺ وعندي رجلٌ قاعدٌ، فاشتَدَّ ذلك عليه، ورأيتُ الغَضبَ في وجِهه، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّه أخي مِن الرَّضاعة، فقال: «اُنظُرنَ إخوَتَكُنَّ مِن الرَّضاعة، فإنَّما الرَّضاعة مِن المَجَاعة» (^٢).\n_________\n(^١) انظر «سيرة ابن إسحاق» (ص/٦٥)، و«دلائل النُّبوة» للبيهقي (١/ ١٨٨).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: النكاح، باب: إنما الرضاعة من المجاعة، رقم: ١٤٥٥).","vol":"3","page":1374},{"text":"فهذا رسول الله ﷺ قد خفِي عليه أمرُ رضاعِها مع ذاك الرَّجل، مع أنَّها زوجُه! (^١)\nفإن عادَ الدُّمياطي ليعترض على وجود المَحرميَّة بما أخبر أنس ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ لم يكن يدخلُ بيتًا بالمدينة غير بيتِ أمِّ سُليم، إلَّا على أزواجِه، فقيل له، فقال: «إنِّي أرحمُها، قُتل أخوها معي (¬٢») (^٣)؛ يقول الدُّمياطي: «فبَيَّن تخصيصَها بذلك، فلو كان ثمَّةَ علَّةٌ أخرى لذَكَرَها، لأنَّ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوز» (^٤).\nفجوابنا عليه:\nأنَّ السُّؤال الموجَّه إليه ﷺ لم يكُن مِن الأصلِ عن عِلَّةِ دخولِه ﷺ على امرأةٍ يَرَونها أجنبيَّة، فإنَّ هذا لا يُناسبه ما أجابَ به ﷺ من رحمتِه إيَّاها بعد مَقتلِ أخيها! فهذه العِلَّة يشتركُ فيها أيضًا غيرُ أخيها حرام بن ملحانَ مِن السَّبعين الَّذين قُتلوا معه في بئرِ مَعونة وغيرِها مِن مشاهدِ القِتال، وهؤلاء قد وَجد عليهم أهليهم كالَّذي وجدته أمُّ سليم على أخيها! ومع ذلك لم يكُن النَّبي ﷺ يزور أهليهم ولا يُعاملهم معاملةَ المحارِم، كما كان يفعله مع أمِّ سُليم وأختِها.\nفتعيَّن أن يكون سؤالهم عن غيرِ ذلك؛ والأقربُ أن يكونَ النَّبي ﷺ إنَّما سُئِل عمَّا لاحظوه مِن كثرةِ دخولِه عليها، وتخصيصِها بمزيد عناية.\n_________\n(^١) الأبعد من ذلك: أن يخفى أمر الرَّضاع على الرَّجل يرغبُ في العقدِ على امرأةٍ، فينكِحُها جهلًا منه أنَّها أختٌ له مِن الرَّضاع! كما وقع لعقبة بن الحارث ﵁ حين تَزوَّج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز، ثمَّ أتته امرأةٌ تقول: إنِّي قد أرضعتُ عقبةَ والَّتي تَزَوَّج! فقال لها عقبة: ما أعلمُ أنَّكِ أرْضَعتِني، ولا أخبرتِني! فرَكِب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله ﷺ: «كيف وقد قيل؟!»، ففارَقَها عُقبة، ونَكَحَت زوجًا غيره؛ أخرجه البخاري في (ك: العلم، باب: الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله، رقم: ٨٨).\n(^٢) أخوها: هو حرام بن ملحان، قُتل يوم بئر مَعونة، والمراد بقوله «معي»: أي مع عسكري، أو معي نصرةً للدِّين، لأنَّ رسول الله ﷺ لم يكن في غزوة بئر معونة، انظر «عمدة القاري» (١٤/ ١٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير، رقم: ٢٨٤٤)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب: من فضائل أم سليم، أم أنس بن مالك، وبلال، ﵄، رقم: ٢٤٥٥).\n(^٤) «عمدة القاري» (١١/ ٩٩).","vol":"3","page":1375},{"text":"ومُحصَّل القول المفيد في هذا الحديث وأمثاله: أنَّ الفرق بين أهل العلمِ والمُعترضينَ المُحْدثين، يكمُن في أنَّ كِلا الفريقين رَأوا في الأحاديث حكايةَ فعلٍ نَبويٍّ يُعارض ما استقرَّ عندهم في الشَّريعة مِن النَّهي عنه: فأمَّا هؤلاء المُحْدَثون فهُرِعوا إلى تكذيبِ تلك الأخبار ضربة لازب! وأمَّا العلماء مع كونِهم أحرص على تنزيهِ نبيَّهِم ﷺ مِن اقترافِ ما يخالف شرعَه، قد سَلكوا مَسْلكًا آخر أبْرَك، نَفوا فيه أن يكون هذا الفعلُ المُخبَر عنه مُخالَفةً مِن الأساس! وأثبتوا المَحْرميَّةَ بينهما مِن جِهةٍ ما، ويكفي دلالةُ فعلِه ﷺ علىها، مضمومًا إليها مجموعُ القرائن التَّاريخيَّة وأقوالُ المتَقدِّمين المَسوقة آنفًا.\nمثالُ هذه المنهجيَّة المَنطقيَّة في الاستدلال: عينُ ما سَلَكَه ابنُ عبد البرِّ للخلوصِ إلى هذه النَّتيجة، فقد قال: «لا يشكُّ مسلمٌ أنَّ أمَّ حرامٍ كانت مِن رسول الله لمحرمٍ، فلذلك كان منها ما ذُكر في هذا الحديث. .»، وذكرَ ما مرَّ من قولِ ابنَ وهبٍ وابن مُزين في إثباتِ الخؤولة مِن الرَّضاعة، ثمَّ زادَ أن ساقَ الأحاديثَ النَّاهيةَ عن الخلوة، ثمَّ عقَّب عليها قائلًا: «.. وهذه آثارٌ ثابتةٌ بالنَّهي عن ذلك، ومحالٌ أن يأتيَ رسول الله ﷺ ما يَنهى عنه» (^١).\nوبمثلِ هذا المسلكِ في معالجةِ المُشكلاتِ المَتنيَّة تأتلف النُّصوص ولا تختلف، ويُحفظ للحديثِ الصَّحيحِ مقامه، لا أن يُركنُ إلى إنكارِه لمجرَّد ما يبدو فيه من إشكالٍ؛ وبالله التَّوفيق.\n_________\n(^١) «التمهيد» (١/ ٢٢٦).","vol":"3","page":1376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>المَبحث الثَّالث عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ المتعلِّقة بإتيانِ النَّبي ﷺ نساءَه</span>","vol":"3","page":1377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>المَطلب الأوَّل\nسَوْق الأحاديثِ المتعلِّقة بإتيانِ النَّبي ﷺ نساءَه</span>\nعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النَّبي ﷺ يدور على نسائِه في السَّاعة الواحدة، من اللَّيل والنَّهار، وهُنَّ إحدى عشرة»، فقيل لأنس: أَوَكان يُطِيقُه؟ قال: كُنَّا نَتَحدَّث «أنَّه أُعطِيَ قوَّة ثلاثين»، متَّفق عليه، واللَّفظ للبخاري (^١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «كانت إِحْدانا إذا كانت حائضًا، فأرادَ رسول الله ﷺ أن يُباشرها: أَمَرَها أن تَتَّزِر في فَوْرِ حيضتِها، ثمَّ يباشرُها، قالت: وأيُّكم يملكُ إرْبَه (^٢) كما كان النَّبي ﷺ يملك إرْبه؟!» رواه البخاريُّ (^٣).\nوعنها ﵂ قالت: إنَّ رجلًا سَأَل رسول الله ﷺ عن الرَّجل يجامع أهلَه، ثمَّ يُكسِل (^٤)، هل عليهما الغُسل؟» وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ: «إنِّي لأفعلُ ذلك أنا وهذه، ثمَّ نغتَسِل» رواه مسلم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الغسل، باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق، رقم: ٢٨٤)، ومسلم في (ك: الحيض، باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع، رقم: ٣٠٩) من غير زيادة: «كنا نتحدث ..».\n(^٢) إِرْبَه أو إِرَبَه: له تأويلان: أحدهما: أنَّه الحاجة، والثَّاني: أرادَت به العُضو، وعَنَت به مِن الأعضاء الذَّكر خاصَّة، انظر «النهاية» لابن الأثير (١/ ٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الحيض، باب: مباشرة الحائض، رقم: ٣٠٢)\n(^٤) أكْسَل الرَّجُل: إذا جامعَ ثمَّ أدركه فتورٌ فلم يُنزل، انظر «النهاية» (٤/ ١٧٤).\n(^٥) أخرجه مسلم في (ك: الحيض، باب نسخ الماء من الماء، ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، رقم: ٣٥٠).","vol":"3","page":1379},{"text":"وعن جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ رأى امرأةً، فأتى امرأتَه زينب ﵂، وهي تمْعَس مَنيئةً لها (^١)، فقضى حاجَتَه، ثمَّ خَرَج إلى أصحابِه، فقال: «إنَّ المرأةَ تُقبِل في صورةِ شيطان، وتُدبِر في صورةِ شيطان، فإذا أبصَرَ أحدُكم امرأةً فليأتِ أهلَه، فإنَّ ذلك يردُّ ما في نفسِه» رواه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) المَعْس: الدَّلك، والمنيئة: الجلد أوَّل ما يُوضع في الدِّباغ، انظر «النهاية» (٤/ ٣٤٢، ٣٦٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: النكاح، باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه، إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها، رقم: ١٤٠٣).","vol":"3","page":1380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ\nلأحاديث إتيانِ النَّبي ﷺ نساءَه</span>\nأجلبَ المُخالفون على هذه الأخبارِ النَّبويَّةِ جملةً مِن الشُّبهات، ترتكز على دعوى الانتقاص مِن مَقامِ النَّبي ﷺ وأهلِ بَيتِه، تضمَّنتها المعارضات التَّالية:\nالمعارضة الأولى: أنَّ في خَبَرِ طَوافِه ﷺ على نِسائِه ما يَتعارض مع المُستقِرِّ علمُه مِن حالِه، في قضائِه لَيالِيه قِيامًا وذِكرًا، ونهارَه دعوةً وجهادً وتدبيرًا لشؤون أمَّتِه، فلم يكُن بالمُستهلِك أوقاتَه بالمُضاجعةِ إلى هذه الدَّرجةِ مِن الهَوَس! كذا قالوا (^١).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ في خَبرِ إتيانِ النَّبي ﷺ لعائشةَ وغيرها مِن زوجاتِه وهُنَّ حُيَّض: هَتكٌ لحُرمةِ بيتِ النُّبوة! وذِكرٌ لخواصِّ فِراشِه بلا ضرورَة، وهو مع ذلك مُخالفٌ لأمرِ الله تعالى بعدَمِ قُربانِ الحُيَّض، في قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (^٢).\n_________\n(^١) انظر «القرآن وكفى مصدرا للتشريع» (ص/١١٢ - ١١٣)، و«دين السلطان» (ص/٥٤١ - ٥٤٤)، و«الحديث والقرآن» (ص/٣١٥)، و«الحديث النبوي بين الدراية والرواية» (ص/٦٣١).\n(^٢) انظر «كشف المتواري في صحيح البخاري» لجواد خليل (١/ ١١٨ - ١٢٠)، و«القرآن وكفى مصدرًا للتشريع» (ص/١١٣ - ١١٥)، و«دين السلطان» (ص/٥٣٠).","vol":"3","page":1381},{"text":"المعارضة الثَّالثة: أنَّ في خَبرِ جوابِه للسَّائل بحصولِ نفسِ ما سَأَل عنه مِن إكسالٍ له مع زوجِه عائشة، مُشيرًا إليها في المجلسِ: غَضًّا لما عُلِم عنه ﷺ مِن شدَّة الحياء، فضلًا عن مناقضتِه لحديثٍ آخرَ يجعلُ شرطَ الغُسلِ الإنزالَ، لا مُجرَّد الإيلاج (^١).\nالمعارضة الرَّابعة: أنَّ في خَبَرِ نَظَرِه ﷺ إلى امرأةٍ أجنبيَّةٍ، ما يُوحي باستيعابِه جميعَ هيئتِها، وإلَّا لم تَثُر شَهوتُه، وفي هذا ما يُناقض فريضةَ غضِّ البَصَر (^٢).\n_________\n(^١) انظر «كشف المتواري» (٢/ ٢٠١)، و«دين السلطان» (ص/٥٣٦)، والحديث المَعنيُّ سيأتي ذكره قريبًا.\n(^٢) انظر «كشف المتواري في صحيح البخاري» (٣/ ١١٥).","vol":"3","page":1382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>المَطلب الثَّالث\nدفع دعوى المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ\nعن أحاديث إتيانِ النَّبي ﷺ نساءَه</span>\nأمَّا جوابُنا على المُخالِفِ في مُعارضتِه الأولى، في أنَّ في طَوافِه ﷺ على نِسائِه، ما يَتَعارض مع المُستَقِرِّ علمُه مِن حالِه، في قضائِه لَيالِيه قِيامًا وذِكرًا .. إلخ، فنقول فيه ابتداءً:\nإنَّ هذا الطَّوافَ مِن النَّبي ﷺ على نسائِه في ساعةٍ كان قليلَ الوقوعِ منه لا مُطَّردًا، بل قد جاء في خَبرٍ صحيح ما يُشعِر بأنَّ ذلك كان يَقع منه عند إرادتِه الإحرامَ لا غير؛ وهو في قولِ عائشة ﵂: «كنتُ أُطيِّبُ رسولَ الله ﷺ، ثمَّ يطوف على نسائِه، ثمَّ يُصبِحُ مُحرِمًا يَنضخ طِيبًا» (^١).\nوفي تقرير هذه الفائدة، يقول الكَشْميري: «هذه واقعةٌ واحدةٌ في حَجَّةِ الوَداع، لم تَقع إلَّا مرَّةً واحدةً، وإن كانت ألفاظُ الرَّاوي تُشعِر بكونِها عادةً، ولكن عندي اتِّباعُ الواقعِ أَوْلى، لأنَّه لم يُعلَم في الخارجِ غير هذه الواقعة، فليَقصُرها على مَورِدها» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد، ومن دار على نسائه في غسل واحد، رقم: ٢٦٤)، ومسلم في (ك: الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام، رقم: ١١٩٢).\n(^٢) «فيض الباري» (١/ ٤٦٢).","vol":"3","page":1383},{"text":"والَّذي يعضدُ القولَ بهذه النُّدرة من فعله ﷺ:\nما صَحَّ على لسانِ أنس ﵁ نفسِه من تقييدِ ذلك بيومٍ واحد، حيث روى: «أنَّ رسول الله ﷺ طافَ ذاتَ يومٍ على نسائِه في غسلٍ واحدٍ» (^١)؛ وهذا مُشعِر بأنَّ خَبَره الأوَّل بلفظِ: «كان النَّبي ﷺ يدور على نسائِه ..»: لم يُرِد به معنى الاستمرار، فإنَّ صيغةَ (كان يفعل) يجوز أن تُستعمَل لإفادةِ مُجرَّد وقوعِ الفعل، وتأكيد مشروعيَّته، وهذا صادق بالمرَّة الواحدة، دون أن يدُلَّ على التَّكرار.\nولَإِنْ كانت إفادةُ التَّكرار والاستمرار هي الأكثر في الاستعمال (^٢)، فقد جاء ما يَصرف هذه الصِّيغةَ عن هذه الدَّلالة، ويُثبِتُ له معنى الوقوع المجرَّد.\nفليس إذن في حديث أنس ﵁ ما يُفيد كونَ طوافِه ﷺ بنسائِه عادةً مستمرَّة له، كما تعجَّل في فهمِه المُعترض؛ هذا أوَّلًا.\nثمَّ ثانيًا: ما أزعَجَ هؤلاء من استكثارِ الرَّجل الفحل إتيانَ زوجاتِه في الحَلالِ؟ وأيُّ ضَيرٍ في ما فَعَله النَّبي ﷺ يمسُّ دينَه ومُروءته؟!\nإنَّ أمثالَ هذه الشُّبَه (البارِدة) المُستحدثة في زَمَنِ الاستغرابِ هذا، ما أُراها إلَّا وساوِس ألقاها شيطان الجهل في نفوسٍ مَريضةٍ مَصبوغةٍ بأثَرٍ للنَّصرانيَّة مُحرَّفة، ترى فيها الشَّهوةَ دَنَسًا، والانتشاءَ بها عَيْبًا وقَرَفًا؛ بحيث انطَمَست عن بَصائرِهم حقيقةٌ فطريَّة، لطالَما تغنَّى بها الإنسان من عهدِ البَشريَّةِ الأولى: أنَّ مِن كمالِ الرُّجولة والأنوثةِ معًا طَلَبُ تلك الشَّهوةِ، فمُتعَة النِّكاحِ مِن أجَلِّ النِّعَم الَّتي رَزقَها الله عبادَه، وحَفْنةٌ مِن نَعيمِ الجنَّة نُثِرت على وجهِ الدُّنيا، يَسعدُ بها مَن ذاقها بحقِّها، ويَشقى بها مَن تَعدَّى بها حدودَها.\nفيا لِعَيْبِ ما عَابَه البَارِدونَ على النَّبي ﷺ مِن فعلِه، وهو مَحْمَدةٌ اختَصَّه الله تعالى به ﷺ مِن حيث صِحَّةُ البِنْيةِ، وقوَّةُ الفُحوليَّة، وكمالُ الرُّجوليَّة، مع ما كان\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في (ك: الطهارة، باب: في الجنب يعود، رقم: ٢١٨)، وصححه الألباني.\n(^٢) كما قرَّره ابن دقيق العيد في «إحكام الأحكام» (١/ ١٣٠)، وانظر في تقرير إفادة (كان) لمعنى المرة في «شرح النووي على مسلم» (٦/ ٢١)، و«التحبير» للمرداوي (٥/ ٢٤٣٨).","vol":"3","page":1384},{"text":"عليه ﷺ مِن الاشتغالِ بالعِبادةِ والعلومِ والجهاد؛ فأرغَم أنوفَ الرُّهبانِ في التَّبتُّل! وأوصى بنكاحِ الوَلودِ نَدْبًا للتَّنسُّل!\nهذا؛ وقد كان -بأبي هو وأمِّي- في غايةٍ مِن الجَهْد، والمُجاهداتِ، والمُكابَدات، حتَّى «خَرَج مِن الدُّنيا ولم يشبع مِن خبز الشَّعير» (^١)؛ فمَن كانت هذه حاله، جرت عليه العادة بأن يَضعُف عن الجماعِ! إذْ كان مِن قَبيل الجمعِ بين الضِّدين، فإنَّ القُوَّة في النِّكاحِ لا تجامع قِلَّةَ الغذاءِ، لا طِبًّا ولا عادةً، إلَّا أن يَقَع على وَجهِ الخرقِ للعادةِ! وهذا ما أكرمَه به مَوْلاه في جملةِ ما وَهَبه مِن آياتٍ تخصُّه عن سائر النَّاس، لِيجمَعَ له بين الفَضيلتين في الأمور الاعتياديَّة، فيكونَ حاله كاملًا في الدُّنيا كما هو كامل في الآخرة (^٢).\nولله دَرُّ الخطَّابي حينَ أفصحَ عن هذه المعاني الرَّاقية بعباراتٍ جزلةٍ، ينافح بها عن نبيِّه ﷺ أشباهَ شُبَهِ زمانِنا كانت في زَمنه، أنقلها مع طولِها لحُسنِها، يقول فيها:\n«لقد سألوا عن إباحةِ الزِّيادة مِن عَددِ النِّساء للنَّبي ﷺ، على مَبلغِ العَدد الَّذي أُبيح منهنَّ لأمَّته! وعن معنى ذلك! وفي إباحةِ المَوهوبة له!\nوهذا بابٌ له وَقع في القلوبِ، وعَلقٌ بالخواطرِ مِن النُّفوس، وللشَّيطان مَجالٌ في الوَسواس به، إلَّا عند مَن أُيِّد بفضلِ عقلٍ، وأُمِدَّ بزيادةِ علمٍ.\nوأوَّل ما ينبغي أن يحصُل مِن تَقدِمَة العلمِ في هذا: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان بَشرًا، مخلوقًا على طِباعِ بني آدم في بابِ الأكلِ، والشُّرب، والنَّوم، والنِّكاح، وسائرِ مَآرب الإنسانِ الَّتي لا بَقاءَ له إلَّا بها، ولا صَلاح لبَدَنِه إلَّا بأخذِ الحظِّ منها، والنَّاس مُختلفون في تركيبِ طِباعهم، ومبلغ قُواهم.\nومَعلوم بحكمِ المشاهدة، وبالامتحانِ مِن جِهة دلائلِ عِلْم الطِّب: أنَّ مَن صَحَّت خِلقتُه، وقويت بِنْيتُه، فاعتدلَ مِزاجُ بَدنِه، حتَّى تكون نُعوته ما نَطقَت به\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الأطعمة، باب: باب ما كان النبي ﷺ وأصحابه يأكلون، رقم: ٥٤١٤).\n(^٢) انظر «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٣/ ٢٨١)، و«المُفهم» (١٥/ ٨١)، و«عارضة الأحوذي» (١/ ٢٣١)، و«فيض القدير» (١/ ٩٩).","vol":"3","page":1385},{"text":"الأخبار المتواترة مِن صِفة رسول الله ﷺ، وما نُعِت به فيها مِن صلاحِ الجسمِ، ونضارة اللَّون، وإشراب الحُمرة، وإشعار الذِّراعين والصَّدر، مع قوَّة الأسر، وشِدَّة البطش: كان دَواعي هذا الباب له أغلب، ونزاع الطَّبع منه إليه أكثر، لأنَّ هذه الفطرة الَّتي لا أفضل منها في كمال الخِلقة، ولا أقْوم منها في اعتدال البِنْية، وكان ما عداها مِن الخَلق، وخالفها مِن النُّعوت منسوبًا إلى نقصِ الِجبلَّة، وضَعفِ النَّحِيزة (^١).\nوكانت العَرَب -خصوصًا- تَتباهى بقوَّةِ النِّكاح، وكثرة الوِلادة، وتَذمُّ مَن كان بخلافِ هذا النَّعت ... وكان قلَّةُ الرَّزءِ (^٢) مِن الطَّعام، والاجْتِزاء بالعُلْقة من ذلك، والاكتفاء باليسير منه، في مذهب الحَمْد عِندهم والثَّناء والمدْح به: مُضاهيًا لمذْهَبِهم في المَدْحِ بالقوَّة على النِّكاح، وكثرةِ النَّسلِ والوِلادِ، وعلى العكس منه أن يكون رَغيبًا أكولًا ..\nقالت المرأة: (ابنُ أبي زَرْع، فما ابنُ أبي زَرْع! مَضْجِعُه كمسَلِّ شَطْبَة (^٣)، وتُشْبِعُه ذِراع الجَفْرة (^٤) ..)، تمدحُه بقلَّة الطُّعم كما ترى ..\nفهذا مذهبهم في هذا الشَّأن، ومَعانيهم في هذا الباب، فتأمَّل كيف اختارَ الله لنبيِّه ﷺ في كلِّ واحدٍ مِن الأمرين، فجَمَع له الفضائل الَّتي يزداد مِن أجلها في نفوسِهِم جلالةً، وفي عيونهم قدْرًا وفخامةً، ومِن النَّقائضِ الَّتي يُزدرَى بها أهلها نزاهةً وبراءةً، .. هذا إلى ما بعثه الله به مِن الشَّريعة الحنيفيَّة الهادمة لما\n_________\n(^١) النَّحيزة: طبيعة الإنسان، انظر «المخصَّص» لابن سيده (١/ ٢٣١).\n(^٢) الرَّزءُ: أصل واحد يدل على إصابة الشَّيء والذَّهاب به، يقال: ما رزأته شيئًا، أي: لم أُصب منه خيرًا، فالرَّزء: المصيبة، انظر «مقاييس اللغة» (٢/ ٣٩٠).\n(^٣) مَسَلُّ الشَّطْبة: أصل الشَّطبة: ما شُطب مِن الجَريد وهو سَعفة، فيُشقُّ منه قُضبان رقاقٌ تُنسج منه الحُصرِ، قال ابن الأعرابي: أرادت به: سَيْفًا سُلَّ مِن غِمده، فمضجعُه الَّذي ينام فيه في الصِّغر كقدرِ مسلِّ شطبةٍ واحدةٍ، انظر «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٢٧٠).\n(^٤) الجَفرة: هي الأنثى من وَلد المعز إذا كان ابن أربعة أشهر، وفُصل عن أمِّه وأخذ في الرَّعي، شَّبهته به لقلَّة أكله، انظر المصدر السابق.","vol":"3","page":1386},{"text":"كان عليه الأمر في دين النَّصارى مِن التَّبتلِ، والانقطاعِ عن النِّكاح، وهجرانِ النِّساء، فدعا إلى المُناكحةِ والمواصلةِ، وحَضَّ عليهما ..» (^١).\nوأمَّا دعوى المعارضة الثَّانية من أنَّ في الحديث هَتكًا لحُرمةِ بيتِ النُّبوة، وذِكرًا لخواصِّ فِراشِه بلا ضرورَة، ومُخالفةً للنَّهيِ عن قُربانِ الحُيَّض:\nفليَعْلَم المُعترض بهذا أنَّ لفظَ المُباشرة في كلامِ عائشة ﵂ ليس مرادًا منه جماع، ولكن مُقدِّماتُه؛ وذلك قول العَرب: باشَرَ الرَّجل امرأتَه مُباشرةً وبِشارًا: إذا كان معها في ثوبٍ واحدٍ، فوَلِيت بَشرتُه بَشرتَها (^٢).\nوالَّذي يدلُّ على هذا المعنى مِن حديث عائشة نفسِه، قولها ﵂: «.. أمَرَها أن تَتَّزر»، أي: أن تَلُفَّ عليها إزارًا، مِن السُّرَة إلى الرُّكبة، أو قريبًا مِن ذلك (^٣)، بحيث يحول ذلك دون مُلامسة الفَرْجِ وما حوله، والنَّظر إليه.\nفبِمثل هذه السُنَنِ العمليَّة ينبغي للمسلمِ فهم معنى الاعتزال في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾؛ أي أنَّه اعتزالٌ مَخصوصٌ بمَوْضعِ الأَذَى، فلا يُجامَعنَ في الفرجِ، ويبقى ما دون ذلك على الإباحةِ الأصليَّةِ.\nذلك أنَّ من سألوا رسولَ الله ﷺ عن الحَيْض قومٌ مِن أهل المدينة، وقد كانوا قبل بيانِ الله لهم ما يَتبيَّنون مِن أمرِ ذلك لا يُساكِنون حائضًا في بيتٍ! ولا يُؤاكلونهنَّ في إناءٍ ولا يشاربونهنَّ! فعَرَّفهم الله بهذه الآية أنَّ الَّذي عليهم في أيَّامِ حيضِ نسائِهم: أن يجتَنِبوا جِماعَهُنَّ فقط، دون ما عَدا ذلك مِن مُضاجَعِتهنَّ، ومُؤاكلِتهنَّ، ومُشارَبتِهنَّ (^٤).\nترى حقيقة هذا المعنى في خَبرِ أنس رضي الله عنهقال: إنَّ اليهود كانوا إذا حاضَت المرأةُ فيهم، لم يُؤاكلوها، ولم يُجامعوهنَّ في البيوت، فسَألَ الصَّحابة النَّبيَّ ﷺ،\n_________\n(^١) «أعلام الحديث» (٣/ ٢٠٠٧).\n(^٢) انظر «لسان العرب» (٤/ ٦١، مادة: ب ش ر).\n(^٣) على خلاف بين العلماء في تحديد ما يُؤتزَر من جسم المرأة، انظر «التمهيد» لابن عبد البر (٥/ ٢٦٢).\n(^٤) انظر «جامع البيان» للطبري (٣/ ٧٢١).","vol":"3","page":1387},{"text":"فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ: «اِصنعوا كلَّ شيءٍ إلَّا النِّكاح»، فبَلَغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يُريد هذا الرَّجل أن يدَعَ مِن أمرِنا شيئًا إلَّا خالفنا فيه!» (^١).\nفكما أنَّه ﷺ بيَّن جوازَ المباشرة للحُيَّضِ بقولِه في جوابِه لأصحابه، أكَّد هذا البيانَ اللَّفظيَّ بفعلِه، فنَقَلت زوجُه عائشة ﵂ هذا البَيانَ الفِعليَّ لأمَّتِه، كي لا يبقى مَقالٌ لمُتأوِّل، وأفادَت أمرَه ﷺ لهنَّ بالاتِّزارِ مِن بابِ الحِيطة.\nهذا كلُّ ما في الأمر! فيا بُعد ما أخبرَت به أمُّ المؤمنين عمَّا ادَّعاه المعترض مِن هَتكِ حُرمةِ النُّبوة! ويا سُحقَ ما أجملت في بيانِه ﵂ عن إفشاءِ سرِّ الزَّوجيَّة!\nوأمَّا الشُّبهة الثَّالثة من دعوى المعترض أنَّ الإخبارَ بإكسالِه مع زوجِه مُشيرًا إليها، غَضًّا لما عُلِم عنه ﷺ مِن شدَّة الحياء .. إلخ، فيُقال في كشفِها:\nليس في ذكرِ الرَّجلِ لجماعِ أهلِه بمُجرَّدِه إفشاءً لسِرِّ زوجِه ولا هتكًا لأستارِ الحياء؛ إنَّما العَيْبُ أن يُفشيَ الزَّوج ما يجري بينه وبينها مِن أمورِ الاستمتاع وتفاصيل ذلك؛ هذا المُستهجَن عُرْفًا والمُحرَّم شرعًا.\nأمَّا مجرَّد ذكر الجِماع، فيقول النَّوويُّ: «إن لم تكُن فيه فائدةٌ، ولا إليه حاجة: فمَكروه، لأنَّه خلافُ المُروءة» (^٢)، والفائدة في هذا الحديثِ ظاهرة، والمصلحة فيه مُتحقِّقة!\nفإنَّ جوابَه ﷺ للسَّائل بحكايةِ فعلِ ذلك مِن نفسِه: تعليمًا له بأوقعِ عبارةٍ في نفسِه، وترسيخًا للحكمِ بأوكدِ أسلوبٍ في ذهنه، مع ما فيه مِن زيادة البَيانِ، ونفيٍ للرِّيبة والظُّنون، فجازَ الجواب بتلك العِبارةِ، ولو بحضرةِ الزَّوجِ، إذا تَرتَّب مثلُ ما ذُكِر مِن المصلحة، شرطَ انتفاءِ وقوعِ أذىً وإحراج، وهو ما عَلِم النَّبي ﷺبحسبِ معرفتِه بأحوالِ السَّائل ومُستسَاغِ عُرفِه- انتفاءَه حالَ المسألة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه، رقم: ٣٠٢).\n(^٢) «شرح النووي على مسلم» (١٠/ ٨).","vol":"3","page":1388},{"text":"يقول القاضي عياض في مَعرضِ استحسانِه لهذا الجوابِ النَّبويِّ للسَّائل وتعليلِه: «غايةٌ في البَيانِ للسَّائل، بإخبارِه عن فعلِ نفسِه، وأنَّه مماَّ لا تَرخُّص فيه، .. وفيه أنَّ ذكرَ مثل هذا على جهةِ الفائدةِ غير مُنكرٍ مِن القول، وإنَّما يُنكَر عنه الإخبار منه بصورةِ الفِعل، وكشفِ ما يُتسَتَّر به من ذلك، ويحُتشَمُ مِن ذِكره» (^١).\nودعوى المعترض مناقضة الحديث لغيره مِن الأخبارِ في اشتراطِها الإنزالَ لوجوبِ الغُسل، يعني جوابَه ﷺ لعتبان ﵁ حين سألَه عن الرَّجل يعجَلُ عن امرأتِه ولم يُمْنِ، فقال له: «إنَّما الماء من الماء» (^٢)؛ وقولَه: «إذا أُعْجِلت أو أَقْحَطتَ فلا غُسل عليك، وعليك الوضوء» (^٣):\nفهذان الحديثان وأشباههُما قد نُسخا بمثلِ الحديثِ الَّذي رَدُّوه لأجلِها، فلا إشكال، وهذا ما عليه جمهور أصحابِ رسول الله ﷺ وجماعةُ الفقهاء والمُحدِّثين (^٤).\nيقول أُبيُّ بن كعب ﵁: «إنَّما كان الماء مِن الماء رخصةً في أوَّل الإسلام، ثمَّ نُهي عنها» (^٥).\nوأمَّا دعوى المُعترضِ في الشُّبهة الرَّابعة من أنَّ خَبَرَ نَظَرِه ﷺ إلى أجنبيَّةٍ وإثارةِ شهوتِه يُوحي باستيعابِه جميعَ هيئتِها، وفي ذلك مخالفة لفريضةِ الغضِّ للبَصَر!:\nفليس في الحديث إطالةُ النَّبي ﷺ النَّظر إلى المرأةِ، ولا هو بشرطٍ أن يستوعِب هيأتَها حتَّى تَقَع في النَّفسِ شهوةٌ، بل تقع بنَظرِ الفجأةِ ولو بغير قصد،\n_________\n(^١) «إكمال المعلم» (٢/ ١٩٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الحيض، باب: إنما الماء من الماء، رقم: ٣٤٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: من القبل والدبر، رقم: ١٨٠)، ومسلم في (ك: الحيض، باب: إنما الماء من الماء، رقم: ٣٤٥).\n(^٤) انظر «شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ٥٤ - ٦١)، و«شرح النووي على مسلم» (٤/ ٣٦).\n(^٥) أخرجه أبو داود في (ك: الطهارة، باب: في الإكسال، رقم: ٢١٤)، والترمذي في (ك: الطهارة، باب: ما جاء أن الماء من الماء، رقم: ١١٠) واللفظ له، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».","vol":"3","page":1389},{"text":"إذا كان المَنظور ظاهرَ الحُسن مثلًا، وهذا لا عَيب في نفسِه على صاحبِه، إذ لا مِلكَ للجِبِلَّة في دفعِه.\nفلمَّا كان هذا واردَ الحصولِ ولو للصَّالحين مِن أُمَّته، نَدَبهم ﷺ إلى جماعِ الحَليلةِ بقولِه ليُمتثل أمرُه، وبفعلِه ليُقتدى به، خوفًا عليهم مِن استحكامِ داعي فتنةِ النَّظَر، فيسكُنَ بذلك حَرُّ الشَّهوة، ويَحسِمَ المرءُ عن نفسِه ما يتوقَّع وقوعَه (^١).\nوفي تقريرِ هذه الحكمة النَّبويَّة الجليلة، يقول ابن العَربيِّ:\n«هذا حديثٌ غريب المعنى، لأنَّ الَّذي جَرى للنَّبي ﷺ سِرٌّ لا يعلَمه إلَّا الله، ولكنَّه أذاعَه عن نفسِه، تسليةً للخلق، وتعليمًا لهم، وقد كان آدميًّا ذا شهوةٍ، ولكنَّه مَعصوم عن الزَّلة، وما جَرى في خاطرِه حين رأى المرأةَ لا يُؤاخَذ به شرعًا، ولا يُنقص مِن مَنزلتِه، وذلك الَّذي وَجد في نفسِه مِن إعجابِ المرأة هي جِبِلَّة الآدميِّين الَّتي تحقِّق بها صِفتها، ثمَّ غَلَبها بالعِصمة فانقطعت، وجاء إلى الزَّوجة ليقضي فيها حقَّ الإعجابِ والشَّهوة الآدميَّة بالاعتصامِ والعِفَّة» (^٢).\nوخيرُ الهَدْيِ هَديُ محمَّد ﷺ.\n_________\n(^١) يقول المُناوي في «فيض القدير» (١/ ٣٥٢): «أمَّا لو وَطِئ حليلَته متفكِّرًا في تلك، حتَّى خَيَّل لنفسه أنَّه يطؤُها: فهذا غيرُ مُرادٍ بالحديث».\n(^٢) «عارضة الأحوذي» (٥/ ١٠٦).","vol":"3","page":1390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>المَبحث الرَّابع عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ عَرْضِ أبي سفيان أمَّ حبيبة على النَّبي ﷺ</span>","vol":"3","page":1391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديثِ عَرْضِ أبي سفيان أمَّ حبيبة على النَّبي ﷺ</span>\nعن أبي زُمَيل قال: حدَّثني ابن عبَّاس ﵁ قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يُقاعدونه، فقال للنِّبي ﷺ: يا نبيَّ الله ثلاثٌ أعطِنيهنَّ، قال: «نعم».\nقال: عندي أحسنُ العرب وأجمله، أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان، أزوِّجُكَها، قال: «نعم».\nقال: ومعاوية، تجعله كاتبًا بين يديك، قال: «نعم».\nقال: وتُؤَمِّرني، حتَّى أقاتل الكُفَّار كما كنتُ أقاتل المسلمين، قال: «نعم».\nقال أبو زُميل: ولولا أنَّه طلب ذلك مِن النَّبي ﷺ ما أعطاه ذلك، لأنَّه لم يكن يُسأل شيئًا إلَّا قال: «نعم». رواه مسلم (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ﵁، رقم: ٢٥٠١).","vol":"3","page":1393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ عَرْضِ أبي سفيان أمَّ حبيبة على النَّبي ﷺ</span>\nأجمَعَت كلمةُ المُنكِرين للخَبرِ على كونِه مُصادمًا لحقيقةٍ تاريخيَّة قطعيَّة، وهي: أنَّ النَّبي ﷺ كان قد تَزوَّج أمَّ حبيبة بنتَ أبي سفيان قبل أن يُسلم أبو سفيان وقتَ فتح مكَّة بمدَّةٍ طويلة، فكيف يعرِضها أبو سفيان عليه ﷺ بعد فتح مكَّة عامَ ثمانٍ للهجرة؟! (^١)\nوفي تقريرِ هذه المعارضة، يقول (إسماعيل الكرديُّ):\n«هذا الحديث حَكَم عليه كثيرٌ مِن الحُفَّاظِ بأنَّه مَوضوع مَكذوب، وذلك لأنَّه مِن المَعلوم الَّذي لا خلافَ حوله مِن سِيرةِ النَّبي ﷺ: أنَّه كان قد تَزوَّج من أمِّ حبيبة بنت أبي سفيان قبل أن يسلم بزَمَن، أقلُّ ما قيل فيه أنَّه تَزوَّجها سَنةَ ستٍّ أو سبعٍ من الهجرة، أي قبل أن يُسلم أبو سفيان بسنةٍ أو سَنتين، حيث أنَّ أبا سفيان أسلمَ عامَ فتح مكَّة سنة ثمانٍ» (^٢).\nوقبله قرَّرَ عبد الله الغُماري مثل هذا الاعتراض على الحديث، وزاد عليه قولَه:\n_________\n(^١) لهذه العِلَّة التَّاريخيَّة طَعَنَ أبو ريَّة في الحديث باقتضابٍ في «أضواء على السُّنة المحمَّدية» (ص/٢٠٨)، وكذا السُّبحانيُّ في «الحديث النبوي بين الدراية والرواية» (ص/٦٧).\n(^٢) «تفعيل نقد متن الحديث النبوي» (ص/١٤٥).","vol":"3","page":1394},{"text":"«هذا الحديث شاذٌّ منكر، حتَّى قال ابنُ حزم: إنَّه مَوضوع! واتَّهم به عكرمةَ بن عمَّار، لأنَّه يخالف ما ثَبَت في كُتب السِّيرة، فالنَّبي ﷺ تَزوَّج أمَّ حبيبة بالحَبشة حين هاجَرت إليها .. وهذا مُتَّفق عليه عند أهلِ التَّاريخ؛ وقولُ أبي سفيان: (أريد أن تُؤمِّرني، قال: نعم)، قال القرطبيُّ: لم يُسمَع قطُّ أنَّه أمَّرَه إلى أنْ تُوفِّي، وكيف يُخلِف رسول الله ﷺ الوعدَ؟ هذا ممَّا لا يجوز عليه» (^١).\n_________\n(^١) «الفوائد المقصودة» للغماري (ص/١٠٣ - ١٠٤).","vol":"3","page":1395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>المَطلب الثَّالث\nدراسةُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ عَرْضِ أبي سفيان أمَّ حَبيبةَ على النَّبي ﷺ</span>\nفهذا الحديث مِن الأخبارِ المشهورة بالإشكالِ في «صحيح مسلم»، ووجهُ إشكاله تاريخيٌّ قد لاحَ جليًّا في ما سِيق مِن كلامِ المُعتَرِضين عليه، وهذا يقتضي أن يكون خَطأً ووَهْمًا مِن راوِيه.\nوكان ردَّه قبل هؤلاءِ المُحْدَثين كثيرٌ مِن العلماءِ في القديم والحديث: منهم البيهقي (^١)، وابن الأثير (^٢)، والقاضي عياض (^٣)، وابن هبيرة (^٤)، وابن الجوزي (^٥)، وابن تيميَّة (^٦)، وابن القيِّم (^٧)، والذَّهبي (^٨)، والعَلائيُّ (^٩)، وأبو العبَّاس\n_________\n(^١) «سننه الكبرى» (٧/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٢) «أسد الغابة» (٧/ ١١٦).\n(^٣) «إكمال المعلم بفوائد مسلم» (٧/ ٥٤٦).\n(^٤) «الإفصاح عن معاني الصحاح» (٣/ ٢٥٠).\n(^٥) «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٢/ ٤٦٣).\n(^٦) «مجموع الفتاوي» (١٧/ ٢٣٦).\n(^٧) «جلاء الأفهام» (ص/٢٤٣)، و«تهذيب سنن أبي داود» (٦/ ٧٦).\n(^٨) «ميزان الاعتدال» (٣/ ٩٣).\n(^٩) «التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة» للعلائي (ص/٧٣)","vol":"3","page":1396},{"text":"القرطبي (^١)، والسَّفَّاريني (^٢)، ثمَّ أبو شهبة (^٣)، والألبانيُّ (^٤).\nأمَّا غير هؤلاءِ مِمَّن استعظمَ رَدَّه وهو في «الصَّحيح المُسند»: فرَأوا الحديث صحيحَ السَّند، مَقبولَ المتنِ ولو على وجهٍ مِن التَّأويل، وعلى رأسِهم: مسلم بن الحجَّاج حيث أودَعَه «صحيحَه»، وابنُ حبَّانَ حيث خرَّجَه في «صحيحِه» (^٥)، وتبعهما على هذا التَّصحيحِ له: الجورَقاني (^٦)، وابنُ الصَّلاح، والنَّووي (^٧)، وابن كثير الدِّمشقي (^٨)، وخليل مُلَّا خاطر الشَّافعي (^٩) مِن المعاصِرين.\nمع اختلافِ هؤلاء في وجهِ التَّأويل الَّذي يُحمَل عليه الحديث، ممَّا أطالَ المقالةَ في تفصيلِه ابنُ القيِّم في كتابه البديع «جلاء الأفهام» بما لا أعلمُ أحدًا جرى على منوالِه فيه، وكان مَن بعده عَالةً عليه في ذلك (^١٠)؛ حيث ذَكر جوابَ كلِّ طائفةٍ وما فيه مِن قَدحٍ، وانتهى إلى كونِ الحديثِ مَخلوطًا غيرَ محفوظٍ.\nفلذا ارتأَيتُ سَوْقَ هذه الأوجهِ في تأويلِ الحديث، ثمَّ إتباعها بنقدِ ابن القيِّم لها، بعينِ النَّاقد لكلِّ ذلك، فأقول:\nأمَّا القول الأوَّل: فوجهُ الحديثِ عند أربابِه: أنَّ أبا سفيانٍ إنَّما طَلَب مِن النَّبي ﷺ أن يُجدِّد له العَقْدَ على ابنتِه، ليَبْقى له وَجهٌ بين المسلمين.\nقال بهذا الوجه من التَّأويلِ محمَّدُ بن طاهر المقدسيُّ في كتابه «الانتصار\n_________\n(^١) «المفهم» (٢١/ ٢٤).\n(^٢) «كشف اللثام» (٥/ ٢٦٨).\n(^٣) «دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين» (ص/١٨٦).\n(^٤) في تحقيقه لـ «مختصر صحيح مسلم» للمنذري (٢/ ٤٥٧).\n(^٥) في (ك: مناقب الصحابة ﵃، ذكر أبي سفيان بن حرب ﵁، رقم: ٧٢٠٩).\n(^٦) «الأباطيل والمناكير والصِّحاح والمشاهير» (١/ ٣٣٨).\n(^٧) كلام ابن الصَّلاح والنووي هو في «شرح النووي على مسلم» (١٦/ ٦٣).\n(^٨) انظر «البداية والنهاية» (٦/ ١٤٩)، و«الفصول في سيرة الرَّسول» له (ص/٢٤٨)،.\n(^٩) في كتابه «مكانة الصَّحيحين» (ص/٣٨٧).\n(^١٠) كالمقريزي في كتابه «إمتاع الأسماع»، وقد نقل عامَّة سردِ ابن القيِّم لأقوال المتأوِّلة للحديث وتفنيدِه لها، من غير أن يشير إليه.","vol":"3","page":1397},{"text":"لإِمَامي الأمصار» (^١)، واحتَمَل له تأويلًا آخرَ قال فيه: «أو إنَّه تَوَّهم أن بإسلامِه يَنفسِخُ نكاحُ ابنتِه» (^٢).\nوتبِعَ ابنَ طاهرٍ على هذا الجوابِ أبو عمرو ابن الصَّلاح (^٣) والنَّووي، وزادَ هذا: «لعلَّه ﷺ أرادَ بقولِه (نعم): أنَّ مَقصودَك يحصُل، وإن لم يَكُن بحقيقةِ عَقدٍ» (^٤).\nقلت: ولا يخفى ما في هذه التَّأويلات مِن نوعُ تَكلُّفٍ، والنَّص العَربيُّ المُبين لا مجالَ للكهانةِ أمامَه، وما ذَكَره ابنُ الصَّلاحِ في معنى الحديث ليس مَفهومًا مِنه لا نَصًّا ولا إيماءً ولا استنتاجًا! وليس هو احتمالًا مُتعيِّنًا (^٥).\nوقد أُجيبَ عن هذا التَّأويلِ «بأنَّ في الحديث أنَّ النَّبي ﷺ وعَدَه، وهو الصَّادقُ الوَعد، ولم يَنقُل أحَدٌ قَطُّ أنَّه جَدَّد العقدَ على أمِّ حَبيبة، ومثل هذا لو كان لنُقِل، ولو نَقْلَ واحدٍ عن واحدٍ، فحيثُ لم يَنقُله أحَدٌ قطُّ، عُلِم أنَّه لم يَقَع» (^٦)؛ مع أنَّ ألفاظَ الحديثِ صَريحةٌ في إنشاءِ العَقْدِ لا في تجديدِه (^٧)، «وتوَهُّم فسخِ نكاحِها بإسلامِه بعيدٌ جدًّا» (^٨).\nفلأجلِ ما في هذين الجَوَابَين مِن ضَعفٍ: صرَّح ابن الوَزير برَدِّهما (^٩)، وكان ابن كثير -مع تصحيحِه للحديثِ- يُقِرُّ بضَعْفِهما (^١٠)!\n_________\n(^١) يريد بالإمامين: البخاريَّ ومسلم، وهو في الدفاع عن الأحاديث التي أعلَّها بعض أهل العلم في كتابيهما، والحقُّ فيها معهما، وقد ذكر هذا الكتاب العراقي، ووقف عليه بخطِّ مصنِّفه، وابن الملقِّن، وابن حجر ووقع مسموعًا له وأفاد منه، ولخَّص بعض مباحثه المقريزي -كما سيأتي- في كتابه «إمتاع الأسماع»، انظر مقدِّمة تحقيق عبد الرحمن قائد لكتاب «منتخب المنثور من الحكايات والسُّؤالات» لابن طاهر المقدسي (ص/١٦٧).\n(^٢) «الفصول في سيرة الرسول» لابن كثير (ص/٢٤٨)، وانظر «إمتاع الأسماع» للبلقيني (٦/ ٦٩).\n(^٣) انظر «شرح النووي على مسلم» (١٦/ ٦٣).\n(^٤) «شرح النووي على مسلم» (١٦/ ٦٣).\n(^٥) «نوادر ابن حزم» لابن عقيل الظَّاهري (٢/ ٨).\n(^٦) «جلاء الأفهام» (ص/٢٤٣)\n(^٧) «التنبيهات المجملة» للعلائي (ص/٧٣).\n(^٨) «إمتاع الأسماع» (٦/ ٧٢).\n(^٩) انظر «توضيح الأفكار» للصَّنعاني (١/ ١٢٢).\n(^١٠) «البداية والنهاية» (٦/ ١٤٩).","vol":"3","page":1398},{"text":"بل قال ابنُ سَيِّد النَّاس (^١): «هو جَوابٌ يتَساوَكُ هَزلًا»! (^٢)\nالقول الثَّاني: أنَّ معنى قوله «أزوِّجُكَها»: أي أرضَى بزواجِك بها، فإنَّه كان على رَغْمٍ منِّي، وبدون اختياري، وإن كان النِّكاحُ صحيحًا، لكن هذا أجملُ وأحسنُ وأكملُ، لما فيه مِن تأليفِ القلوب، وعلى هذا تكون إجابة النَّبي ﷺ له بـ «نعم»: لمجرَّد تأنيسِه، وأنَّه أخبره بعدُ بصحَّةِ العَقدِ (^٣).\nوهذا الوجه من الجوابِ ضعيف، ولا يخفى شِدَّةُ بُعْدِ هذا التَّأويل مِن اللَّفظ، وعدم فهمِه منه: فإنَّ قوله: «عندي أجمل العرب أزوِّجُكها»: «لا يَفهَمُ منه أَحَدٌ أنَّ زوجَتَك الَّتي هي عصمةُ نكاحِك أرضى بزواجِك بها، ولا يُطابق هذا المعنى أنْ يَقول له النَّبي ﷺ: «نَعم»، فإنَّه إنَّما سَأل النَّبيَّ ﷺ أمرًا تكون الإجابةُ إليه مِن جهتِه ﷺ، فأمَّا رِضاهُ بزواجِه بها، فأَمْرٌ قائمٌ بقلبِه هو، فكيف يطلبُه مِن النَّبيِّ ﷺ؟!\nولو قيل: طَلبَ منه أن يُقِرَّه على نكاحِه إيَّاها، وسَمَّى إقرارَه نكاحَا: لكان مع فسادِه أقربَ إلى اللَّفظ! وكلُّ هذه تأويلاتٌ مُستكرَهة، في غايةِ المنافرةِ للَفظِ ولمقصودِ الكلام» (^٤).\nوأبعد مِن هذا الوجهِ في التَّعسُّفِ: ما ظَهرَ للزُّرقاني من كونِ المعنى له: «يُديم التَّزويج، ولا يُطلِّق كما فَعَل بغيرِها»! (^٥) وحكايةُ هذا القولِ تُغني عن بيانِ فسادِه.\n_________\n(^١) محمَّد بن محمَّد بن سَيِّد الناس اليَعمُري، أبو الفتح: مؤرِّخ، عالم بالأدب، من حفاظ الحديث، له شعر رقيق، أصله من إشبيلية، مولده ووفاته في القاهر، من تصانيفه «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير»، و«النَّفح الشَّذي في شرح جامع التِّرمذي» ولم يكمله، توفي (٧٣٤ هـ)، انظر «الأعلام» للزركلي (٧/ ٣٤).\n(^٢) «شرح الزرقاني على المواهب اللَّدنية» (٤/ ٤٠٨).\n(^٣) انظر «جلاء الأفهام» (ص/٢٥٠)، و«إمتاع الأسماع» (٦/ ٨٠).\n(^٤) «جلاء الأفهام» (ص/٢٥٠).\n(^٥) «شرح الزرقاني على المواهب اللَّدنية» (٤/ ٤٠٨).","vol":"3","page":1399},{"text":"القول الثَّالث: أنَّ مسألةَ أبي سفيان للنَّبيَّ ﷺ أن يزوِّجَه أمَّ حبيبة قد وَقَعَتْ في بعضِ خَرَجاته إلى المدينة وهو كافرٌ، حين سَمِع نَعْيَ زوجِ أمِّ حبيبة بأرضِ الحَبشة، أمَّا المسألة الثَّانية والثَّالثة مِن الحديث: فوَقَعتا بعد إسلامِه، لكنَّ الرَّاوي جمعَ الكلَّ في الحديث!\nيقول البيهقي عقِب استبعادِه صحَّةَ الحديث: «.. وإن كانت مسألته الأولى إيَّاه وَقَعَت في بعضِ خَرَجاتِه إلى المدينة وهو كافر، حين سَمِع نَعْيَ زوج أمِّ حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثَّانية والثَّالثة وقعتا بعد إسلامِه، لا يحتمِل إن كان الحديث محفوظًا إلَّا ذلك، والله تعالى أعلم» (^١).\nوتَبِع البيهقيَّ على هذا الاحتمالِ المنذريُّ (^٢).\nوهذا الاحتمالِ منهما «أيضًا ضَعيف جدًّا؛ فإنَّ أبا سفيان إنَّما قَدِم المدينة آمِنًا بعد الهجرةِ في زمنِ الهُدنة، قُبَيل الفَتح، وكانت أمُّ حبيبة إذ ذَّاك مِن نساء النَّبي ﷺ، ولم يَقدم أبو سفيان قبل ذلك إلَّا مع الأحزابِ عامَ الخندق، ولولا الهُدنة والصُّلح الَّذي كان بينهم وبين النَّبي ﷺ لم يقدم المدينة، فمتى إذن قَدِم وزَوَّجَ النَّبيَّ ﷺ أمَّ حبيبة؟! هذا غَلَطٌ ظاهر.\nوأيضًا؛ فإنَّه لا يَصِحُّ أن يكون تزويجُه إيَّاها في حالِ كُفرِه، إذ لا وِلايةَ له عليها! ولا تَأخَّرَ ذلك إلى بعدِ إسلامِه لمِا تقدَّم.\nفعلى التَّقديرين لا يَصحُّ قوله: «أزوِّجُك أمَّ حبيبة».\nوأيضًا؛ فإنَّ ظاهرَ الحديث يَدُلُّ على أنَّ المَسائلَ الثَّلاثة وَقَعت منه في وقتٍ واحدٍ! وأنَّه قال: «ثلاثٌ أَعْطِنيهن ..» الحديث، ومَعلومٌ أنَّ سؤالَه تأميرَه واتِّخاذَ معاوية كاتبًا إنمَّا يُتصَوَّر بعدَ إسلامِه، فكيف يُقال: بل سَأَل بعضَ ذلك في حالِ كفرِه، وبعضَه وهو مُسلم؟! وسياق الحديث يَردُّه» (^٣).\n_________\n(^١) «السنن الكبرى» للبيهقي (٧/ ٢٢٧).\n(^٢) انظر «جلاء الأفهام» (ص/٢٤٩)، و«إمتاع الأسماع» (٦/ ٧٩).\n(^٣) «جلاء الأفهام» (ص/٢٤٩).","vol":"3","page":1400},{"text":"القول الرَّابع: «يُحتَمَل أن يكونَ أبو سفيان قال ذلك كلَّه قبل إسلامِه بمدَّةٍ تَتَقدَّم على تاريخِ النِّكاح، كالمُشترطِ ذلك في إسلامِه، ويكون التَّقدير: ثَلاثٌ إن أسلمتُ تُعطينيهنَّ ..» (^١)؛ وهذا تَوجيهُ محبِّ الدِّين الطَّبري (^٢) للحديث.\nوتفنيد هذا التَّأويل في قولِ ابن عبَّاسٍ راوي الحديث نفسِه إذ قال في أوَّلِه: «كان المسلمون لا يَنظُرون إلى أبي سفيان، ولا يُقاعدونه، فقال: يا نَبيَّ الله، ثلاثٌ أعطِنيهنَّ ..»؛ فيا سُبحان الله! هذا يَكون قد صَدَر منه وهو بمكَّة قبل الهجرة؟ أو بعد الهجرة وهو يجمع الأحزاب لحربِ رسول الله ﷺ؟ أو وَقْتَ قدومِه المدينة وأمُّ حبيبة عند النَّبي ﷺ لا عنده؟!\nفما هذا التَّكلُّف البارد؟! وكيف يقول وهو كافر: «حتَّى أُقاتِلَ المشركين كما كُنت أقاتل المسلمين»؟ وكيف يُنكِر جفوةَ المسلمين له وهو جاهَدَ في قتالهِم وحربِهم وإطفاءِ نورِ الله؟! وهذه قصَّة إسلام أبي سفيان مَعروفة لا اشتراط فيها، ولا تعرُّضَ لشيءٍ من هذا» (^٣).\nالقول الخامس: لعلَّ أبا سفيان -بحُكمِ خروجِه إلى المدينة كثيرًا- قد جاءها حين كان النَّبي ﷺ آلَى مِن نِسائِه شهرًا واعتزَلهنَّ، فتَوَهَّم أبو سفيان أنَّ ذلك الإيلاء طلاق، وهذا كما توهَّمه عمر ﵁، فظنَّ وقوع الفرقة به، فقال هذا القول للنَّبي ﷺ متعطِّفًا له ومتعرِّضًا، لعلَّه يراجعها، فأجابه النَّبي ﷺ بـ «نعم»، على تقدير: إنْ امتَدَّ الإيلاءُ، أو وَقَع طلاقٌ، فلم يَقع شيءٌ مِن ذلك (^٤).\nوهذا الجوابُ أيضًا في الضَّعف مِن جِنس ما قبله: «ولا يخفى أنَّ قوله: «عندي أجمل العَرب وأحسنُه أزوِّجُك إيَّاها»: أنَّه لا يُفهَم منه ما ذُكر مِن شأنِ الإِيلاء ووُقوعِ الفرقةِ به، ولا يَصِحُّ أن يُجاب بـ نعم.\n_________\n(^١) نقله عنه ابن القيم في «جلاء الأفهام» (ص/٢٥١).\n(^٢) أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، أبو العباس: حافظ فقيه شافعيّ، متفنن، من أهل مكة مولدا ووفاة، وكان شيخ الحرم فيها، له تصانيف، منها: «السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين»، و«الرياض النضرة في مناقب العشرة»، انظر «طبقات الشافعية الكبرى» (٨/ ١٨).\n(^٣) «جلاء الأفهام» (ص/٢٥٢).\n(^٤) انظر «جلاء الأفهام» (ص/٢٥٠)، و«إمتاع الأسماع» (٦/ ٨٠).","vol":"3","page":1401},{"text":"ولا كان أبو سفيان حاضرًا وقتَ الإيلاء أصلًا، فإنَّ النَّبي ﷺ اعتزلَ في مشرُبةٍ له، حَلَف أن لا يَدخل على نسائِه شهرًا، وجاء عمر بن الخطاب ﵁، فاستأذنَ عليه في الدُّخولِ مِرارًا، فأذِنَ له في الثَّالثة، فقال: أطلَّقت نساءَك؟ فقال: لا، فقال عمر: الله أكبر! واشتهَرَ عند النَّاس أنَّه لم يُطلِّق نساءَه، وأين كان أبو سفيان حينئذٍ؟!» (^١).\nالقول السَّادس: فوجه الحديثِ فيه: أنَّ أبا سفيان إنَّما سَأل النَّبي ﷺ أن يزوِّجه ابنتَه الأخرى (عَزَّة) (^٢) أختَ أمِّ حبيبة! ولا يَبعُد أن يخفى تحريمُ الجمعِ بين الأختين على أبي سفيان، لحداثةِ عهدِه بالإسلام، وقد خَفِي هذا على ابنتِه أمِّ حبيبة، حيث سألت رسول الله ﷺ أن يَتزوَّج أختَها هذه، فقال: «إنَّها لا تَحِلُّ لي» (^٣).\nفأراد أبو سفيان أن يزوِّجَ النَّبي ﷺ ابنتَه الأخرى، لكن اشتَبَه على الرَّاوي، وذَهَب وهمُه إلى أنَّها أمُّ حبيبة، فهذه التَّسمية مِن غَلطِ بعض الرُّواة، لا مِن قولِ أبي سفيان.\nوفي تحسينِ هذا الوجه، يقول ابنُ كثير: «الأحسنُ في هذا: أنَّه أرادَ أن يزوِّجه ابنتَه الأخرى عَزَّة، لمِا رَأَى في ذلك مِن الشَّرَف له، واستعانَ بأختِها أمِّ حبيبة كما في الصَّحيحين؛ وإنَّما وَهِم الرَّاوي في تسميتِه أمَّ حبيبة، وقد أفردنا لذلك جزءً مفردًا» (^٤).\nوهذا التَّأويلُ مِن ابن كثيرٍ -وإن كان في الظَّاهر أقَلَّ فسادًا- هو ما يراه ابن القيِّم «أكذبُها وأبطلُها! وصريحُ الحديث يَردُّه، فإنَّه قال: أمُّ حبيبة أزوِّجُكَها،\n_________\n(^١) «جلاء الأفهام» (ص/٢٥١).\n(^٢) وفي «زاد المعاد» (١/ ١٠٨): (رَملة)، ولعله سبق قلم أو ذهول مِن ابن القيِّم، فلا أحد تأوَّله بأختِها رملة.\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: النكاح، باب: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَاّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَاّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾، رقم: ٥١٠٦)، ومسلم في (ك الرضاع، باب تحريم الربيبة، وأخت المرأة، رقم: ١٤٤٩).\n(^٤) «البداية والنهاية» (٦/ ١٤٩)، وانظر «التنبيهات المجملة» للعلائي (ص/٧٣).","vol":"3","page":1402},{"text":"قال ﷺ: نعم .. فلو كان المَسئولَ تزويجُ أختِها لمَاَ أنعمَ له بذلك ﷺ» (^١)، و«لقالَ: إنَّها لا تَحِلُّ لي، كما قال ذلك لأمِّ حبيبةَ (^٢)، ولولا هذا، لكان التَّأويلُ في الحديثِ مِن أحسنِ التَّأويلاتِ» (^٣)، لأنَّ «التَّأويلَ في لفظةٍ واحدةٍ أسهلُ» (^٤)، وقد عَلِمتَ مع ذلك فسادَه.\nزِد على هذا أنَّ هذا الطَّلَب من أبي سفيان لا يُتَأتَّى فيه أصلًا قولُ راويه آخرَه: «لولا أنَّه طَلَب ذلك مِن النَّبي ﷺ ما أعطاهُ ذلك»!\nأمَّا قولُ آخرينَ: أنَّ الرَّاوي لم يُخطِئ في تسميتِها بأمِّ حَبيبة، لأنَّ كُنية (عزَّة) أمُّ حَبيبة أيضًا كأختها أمِّ المؤمنين! (^٥) وتَشبَّث بهذا (مُلَّا خاطر) (^٦) من المعاصرين ليرفعَ به الخطأَ عن الرَّاوي في تسميةِ المعروضةِ للزَّواج، وما يتبعُه من رفعِ الإشكال عن الحديث.\nفجواب ذلك: أنَّا لا نَجِد أحدًا صَنَّف في أسماءِ الصَّحابة قد ذَكر أنَّ كنية عَزَّة أمَّ حبيبة، بل إذا ترجموا لـ (عزَّة) هذه يعرِّفونها بأنَّها أختُ أمِّ حبيبة (^٧)، ويبعُد أن يكون للأختين نفس الكُنية، ولا يُنبِّه عليه أحَد من المُختَصِّين.\nفلأجل ذلك نرى مَن نَقَل هذه المعلومةَ مِن بعضِ المتأخِّرين، نَقَلَها بصيغةِ التَّمريض (قِيل)! (^٨)\n_________\n(^١) ابن القيِّم في «تهذيب السُّنن» (٦/ ٧٦).\n(^٢) سبق تخريجه قبل قليل (ص/؟).\n(^٣) «جلاء الأفهام» (ص/٢٤٤).\n(^٤) «توضيح الأفكار» (١/ ١٢٢).\n(^٥) ورد هذا في بعض المراجع، كـ «زاد المعاد» (١/ ١٠٨)، و«شرح الزرقاني على المواهب اللَّدنية» (٤/ ٤٠٨).\n(^٦) وهو ملَّا خاطر في «مكانة الصَّحيحين» (ص/٤٠٦).\n(^٧) انظر «الاستيعاب» (٤/ ١٨٨٦)، و«أسد الغابة» (٧/ ١٩٣)، و«الوافي بالوفيات» (٢٠/ ٦٩).\n(^٨) ولا ندري؛ لعلَّ مَن كنَّى (عزَّة) بأمِّ حبيبة تَوهَّم ذلك بِناءً على تأوُّلِه لهذا الحديث المُشكل بأنَّ المعروضة على النَّبي ﷺ فيه هي (عزَّة)! والدَّور عليه لازم له.","vol":"3","page":1403},{"text":"ثمَّ غَلَطٌ هنا أن يُقال إنَّ النَّبي ﷺ لم يُجِب أبا سفيان بالرَّفض اتِّكالًا منه على ما أجاب به أمَّ حبيبة، أو على ما كان اشتهر من تحريم الجمع بين الأختين (^١)؛ فإنَّ قوله له: «نعم» لونٌ مِن التَّعمية على السَّائل! يَتنزَّه عنه النَّبي ﷺ، وتأخيرٌ للبيانِ عن وقت الحاجة إليه، وأبو سفيان إنَّما يَرْقُب الجواب من النَّبي ﷺ لا من أمِّ حبيبة (^٢).\nودعوى اشتهار تحريمِ الجمع بين الأختين، لا يَمنعُ أن يُفَادَ بحكمِه مَن عُلِم جهلُه به بقرائن الحال، خاصةً مَن كان حديثَ إسلامٍ كأبي سفيان.\nأقول: فالحقُّ أنَّ الدِّفاع عن هذه الرِّواية ضَعيف غير متماسكٍ، وتغليطُ الرَّاوي بالوَهم أولَى مِن تأويلِ مَرْوِيِّه بالمُستكرَه مِن الوجوه، ترى مِصداقَ هذا التَّقعيدِ في بابِ المُشكلاتِ من الأخبار في قولِ ابن القيِّم بعدِ أن أتَمَّ نقْضَ توجيهاتِ هذا الحديث، قال:\n«هذه التَّأويلات في غايةِ الفَساد والبُطلان، وأئِمَّة الحديث والعِلْم لا يرضَون بأمثالهِا، ولا يصحِّحون أغلاطَ الرُّواة بمثلِ هذه الخيالات الفاسدة، والتَّأويلات الباردة، الَّتي يَكفي في العلمِ بفسادِها تَصَوُّرها وتأمُّل الحديث» (^٣)، «ولا تفيد النَّاظرَ فيها عِلمًا، بل النَّظرُ فيها والتَّعرُّض لإبطالِها مِن مَناراتِ العِلم، والله تعالى أعلم بالصَّواب» (^٤).\nقلت: ومِمَّا رُدَّ به هذا الحديث أيضًا:\nما أشارَ إليه الغُماري آنفًا مِن قولِ القرطبيِّ: أنَّ النَّبي ﷺ في الحديث وَعَد أبا سفيانٍ أن يُؤمِّرَه، ليُقاتل المشركين كما كان يُقاتل المسلمين، لكن لم يَنقُل أحَدٌ أنَّ النَّبي ﷺ قد أمَّرَ أبا سفيانٍ على جيشٍ بالمرَّة. (^٥)\n_________\n(^١) كما ذهب إليه خليل ملَّا خاطر في «مكانة الصَّحيحين» (ص/٤٠٧).\n(^٢) وعلى المُدَّعي لهذا قبل كلِّ شيءٍ أن يُثبت أنَّ جواب النَّبي ﷺ لعرضِ أمِّ حبيبة كان أسبق مِن حيث التَّاريخ مِن عرض أبي سفيان! حتَّى يُقال أنَّه ﷺ لم يُجبه اتِّكالًا على جوابه لأمِّ حبيبة.\n(^٣) «تهذيب السُّنن» (٦/ ٧٦).\n(^٤) «جلاء الأفهام» (ص/٢٥٢).\n(^٥) انظر «الإفصاح» لابن هبيرة (٣/ ٢٥٠)، و«كشف المشكل» لابن الجوزي (٢/ ٤٦٣)، و«زاد المعاد» لابن القيم (١/ ١٠٧)، و«التنبيهات المجملة» للعلائي (ص/٧٣).","vol":"3","page":1404},{"text":"نعم؛ قد أجابَ على هذه بعضُ مَن صحَّح الحديث بأنْ قال: «اِعتذَرَ النَّبي ﷺ عن عدمِ تأميِره مع وَعْدِه له بذلك: لأنَّ الوعدَ لم يكن مُؤَقَّتًا، وكان يَرتقبُ إمكانَ ذلك، فلم يَتَيسَّر له ذلك، إلى أن تُوفِّي رسول الله ﷺ؛ أو لعلَّه ظَهَر له مانِعٌ شَرعيٌّ مَنَعه مِن تولِيَتِه الشَّرعيَّة؛ وإنَّما وَعَدَه بإمارَةٍ شَرعيَّة، فتَخلَّفَ لتَخلُّفِ شرطِها» (^١).\nوهذه أيضًا تأويلات تلحَقُ سابقاتِها في الضَّعفِ مِن وجوه:\nأولاها: أنَّ مِن المُتحقَّق علمُه عند أهل الحديث أنَّه ﷺ لم يكُن يُولِّي الإِمارةَ أحدًا سأَلها أو حَرَص عليها (^٢).\nثانيها: أنَّ وَعْدَ النَّبي ﷺ لا شكَّ كانَ مَسئولًا! فما كان مِن شأنِه -بأبي هو وأمِّي- أن يغفلَ عنه ولو بعد حين، فعلى تقديرِ أنَّه رأى أبا سفيان أهلًا للإمارة، لكن لم يَتَيسَّر له تَولِيَتَه: فلا أقَلَّ مِن أن يُوصِي به مَن بعدَه!\nوحاشا صاحبَ الخُلُقِ العظيمِ أن يُبشِّرَ أحدًا بما يسُرُّه مِن مُنَاه، ثمَّ هو يغدو حالَ سبيلِه، ولا يحقِّق له مِن ذلك شيئًا.\nثالِثها: لو كان ثمَّةَ مانعٌ مِن تَولِيَة أبي سفيان عَلِمَه النَّبي ﷺ فيه كما ادَّعاه المُتأوِّل؛ لَأَعْلَمَ به أبا سفيان نفسَه، كما أعلمَ به أبا ذرٍّ ﵁ حين استأمرَه (^٣)، حتَّى لا يجدَ السَّائل في نفسِه؛ ولو كان الأمر كذلك، لنُقل هذا المانع عادةً لعظيمِ شأنِ أبي سفيان في قومِه، وإذن لَطَارَ به أعداء بني أميَّة كلَّ مَطَار، ومَارَانا بِه منهم كلُّ نَظَّار!\n_________\n(^١) «المُفهم» (٢١/ ٢٥).\n(^٢) ومِن ذلك جوابه للأشعَرِيَّيْن اللَّذَين سَألَاه الإمارةَ بعدما أسْلَما، بقوله: «إنَّا لا نُوَّلي هذا مَن سَأَله، ولا مَن حَرص عليه»، والحديث أخرجه البخاري في (ك: الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، رقم: ٧١٤٩).\n(^٣) أعني حديث أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضَرَب بيده على منكبي، ثمَّ قال: «يا أبا ذرٍّ، إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة ..»، والحديث أخرجه مسلم في (ك: الإمارة، باب: باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، رقم: ١٨٢٥).","vol":"3","page":1405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>المَطلب الرَّابع\nخلاصة القول في حديث عرض أبي سفيان لابنته على النَّبي ﷺ\nوردُّ رَميِ ابن حزم له بالوَضعِ</span>\nالحاصل أنَّ الحديثَ لا يَخلُو مِن تخليطٍ، وهو غَلَط لا يَنبغي التَّردُّد فيه، والصَّواب أنَّه غير مَحفوظ (^١)، وبذا عَلَّل متنَه مَن أشرنا إليهم سابقًا مِن الأئمَّة، وكان أقصى ما قِيل فيه من عبارةٍ ردٍّ، ما قاله الذَّهبي: أنَّه أصلٌ مُنكَر (^٢).\nوأبو محمَّد ابن حزم نفسُه قد نُقل عنه في روايةٍ أنَّه قال في الحديث: «إنَّه وَهم مِن بعضِ الرُّواة» (^٣)؛ فهذا الكلام منه معقولٌ مُتماهٍ مع عبارةِ الأئمَّة في الحديث؛ لكنَّ النَّظر مُتَّجِهٌ إلى ما مَقالته الأشهر في الحديث: أنَّه موضوع! مع أنَّه في «صحيح مسلم»، واتِّهامه الشَّديد لعكرمة بن عمَّار راوِيه عن أبي زُميل بوَضعِه!\nفقد روى محمَّد بن أبي نصر الحُميدي عنه قال: «قال لنا أبو محمَّد ابن حزم: هذا حَديث مَوضوع لا شَكَّ في وضعِه، والآفةُ فيه مِن عكرمة بن عمَّار، ولا يختلف اِثنان مِن أهلِ المعرفةِ بالأخبارِ في أنَّ النَّبي ﷺ لم يَتَزوَّج أمَّ حبيبة إلَّا قبل الفَتح بدَهرٍ، وهي بأرضِ الحَبشة، وأبوها أبو سفيان كافرٌ، هذا ما لا شكَّ فيه» (^٤).\n_________\n(^١) كما قال ابن القيم في «جلاء الأفهام» (ص/٢٥٢).\n(^٢) انظر «ميزان الاعتدال» (٣/ ٩٣).\n(^٣) انظر «شرح النَّووي على مسلم» (١٦/ ٦٣).\n(^٤) «نوادر ابن حزم» جمع ابن عقيل الظَّاهري (٢/ ٧).","vol":"3","page":1406},{"text":"فإذا كان الحديث موضوعًا في نظر ابن حزم، وكانت آفتُه عكرمة بن عمَّار، فالنَّتيجة أنَّ عكرمة وَضَّاع! فعليه اشتَدَّ نكيرُ العلماء على ابن حزمٍ، وبَالغوا في تخطِئتِه، وكان المُبادِر إلى هذه التَّخطئةِ فيما أحسِبُ: محمَّد بن طاهر المقدسيُّ، حيث عَقَّب على كلامِه هذا في الحديث، بأنْ قال:\n«هذا كلامُه بعينِه ورُمَّتِه، وهو كلامُ رَجلٍ (مُجازفٍ) (^١)، هَتَك فيه حُرمةَ كتابِ مسلم، ونَسَبَه إلى الغَفلةِ عمَّا اطَّلَع هو عليه، وصَرَّح أنَّ عكرمة بن عمَّار وَضَعَه، وهو ارتكابُ طريقٍ لم يسلكه أئمَّةُ أهل النَّقل وحفَّاظُ الحديث.\nفإنَّا لا نَعلم أحدًا منهم نَسَب عكرمة إلى الوضعِ البتَّة، وهم أهلُ زمانِه الَّذين عاصروه، وعرفوا أمرَه، بل وَثَّقوه، وحملوا عنه، واحتجُّوا بأحاديثِه، وأخرجوها في الدَّواوين الصَّحيحة، واعتمد عليه مسلم في غير حديثٍ مِن كتابه الصَّحيح، وروى عنه الأئمَّة، مثل عبد الرَّحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأبي عامر العَقديِّ، وزيد بن الحُباب، فمَن بعدهم (^٢)، وهم الأئمَّة المُقتدى بهم في تزكية الرُّواة الَّذين شاهدوهم وأخذوا عنهم» (^٣).\nثمَّ ذَكر ابن طاهرٍ بسندِه عن وكيعٍ ينقُل عن عكرمة قال فيه: «كان ثقةً»؛ وعن يحيى بن مَعين قال: «عكرمة بن عمَّار صَدوق وليس به بأس، وفي روايته كان أمينًا وكان حافظًا».\nوعن الدَّارقطني أنَّه قال: «عكرمة بن عمَّار يَماميٌّ ثِقة».\nثمَّ قال ابن طاهر: «.. فكان الرُّجوع إلى قولِ الأئمَّةِ الحُفَّاظ في تعديلِه أَوْلى مِن قولِه وحدِه في تجريحِه» (^٤).\n_________\n(^١) كذا في كتاب «إمتاع الأسماع» (٦/ ٧٧ - ٨٠)، وفي مخطوط «المصباح في عيون الصِّحاح - جزء أفراد مسلم» لعبد الغني المقدسي: «مُخرِّف».\n(^٢) في المطبوع مِن «إمتاع الأسماع»: (ففي مسلم)، وهو تصحيف، وتصحيحه مِن مخطوط «المِصباح».\n(^٣) «المصباح في عيون الصحاح - جزء أفراد مسلم» لعبد الغني المقدسي (مخطوط: ق ١١ أ)، دمجت فيه بعض ألفاظ الرواية التي نقلها المقريزي عن كتابه «الانتصار».\n(^٤) «إمتاع الأسماع» (٦/ ٧٦).","vol":"3","page":1407},{"text":"وأنكرَ بعدُ ابنُ الصَّلاح على ابن حزمٍ مَقالَته في الحديث وراويه، وبالغ أيضًا في الشَّناعةِ عليه، فقال: «هذا القول مِن جَسَارتِه، فإنَّه كان هَجومًا على تخطئةِ الأئمَّة الكِبار، وإطلاقِ اللِّسان فيهم، .. ولا نعلَمُ أحدًا مِن أئمَّةِ الحديثِ نَسَب عكرمةَ بنَ عمَّار إلى وضعِ الحديث، .. وكان مُستَجابَ الدَّعوة» (^١).\nوقد كُنت أُمَنِّي النَّفسَ أنْ يكون لكلامِ ابن حزمٍ هذا حَظٌّ مِن النَّظر صحيح إذا ما حمَلَنا اصطلاحَ «الموضوع» عنده على: ما قام دَليلٌ على بطلانِ المتنِ، وإن كان راويِه لم يَتَعَمَّد الكذب، فيكون مَكذوبًا تَجَوُّزًا باعتبارِ مخالفةِ الواقع، النَّاتج عن غفلةِ الرَّاوي ونحوها مِن مَثاراتِ الغَلط في الرِّواية.\nإلى أن وَجَدتُ في كلامِ ابن حزمٍ ما يُخْبي جَذوةَ مُنْيَتي تلك، حيث تَقصَّدُ مَعنى الكذِب مِن الرَّاوي عكرمة واضح فيه! وذلك فيما أثبتَه عنه ابن طاهرٍ المقدسيُّ أنَّه قال خِتامَ مقالتِه في الحديث: «ومثلُ هذا لا يكون خطأً أصلًا، ولا يكون إلَّا قصدًا، فنَعوذ بالله مِن البَلاء»! (^٢)\nفعلى هذا يكون ابن حزم أوَّلَ وآخرَ مَن يَتَّهم عكرمة بالوضع! وهذا الحكم مِنه لا يكون إلَّا عن غفلةٍ من التَّفرقةِ بين الوَهم والوَضع في الحديث، والله أعلم.\nوابن حزمٍ وإن عَدَّه بعضُ العلماء مِن جملة علماء الجرح والتَّعديل (^٣)، فإنَّه لا ريبَ عند كثيرين في عِداد المُتشَدِّدين في الجرح خاصَّة (^٤)؛ ولكونِه كذلك، حَذَّرَ غيرُ واحدٍ مِن اعتمادِ أقوالِه مُفردةً في هذا الباب (^٥).\n_________\n(^١) نقله عنه النَّووي في «شرحه على مسلم» (١٦/ ٦٣).\n(^٢) «المصباح في عيون الصحاح - جزء: أفراد مسلم» لعبد الغني المقدسي (مخطوط: ق/١١ أ)، و«إمتاع الأسماع» للمقريزي (٦/ ٧٧).\n(^٣) حيث ذكره السَّخاوي في رسالته «المتكلِّمون في الرِّجال» (ص/١١٨)، وإن كان الذَّهبي لم يذكره في كتابه «مَن يعتمد عليه في الجرح والتعديل».\n(^٤) كما في «سير أعلام النُّبلاء» (١٨/ ٢٠٢)، ووصفه ابن حجر في «لسان الميزان» (٥/ ٤٨٨) بأنَّه «كان يهجم بالقول في التَّعديل والتَّجريح»، ووصفه السَّخاوي في «المتكلمون في الرجال» (ص/١٤٤): إنَّه متسامح في التَّجريح، «فإنَّه قال في كلٍّ من الترمذي صاحب الجامع، وأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم، وغيرهم من المشهورين: إنَّه مجهول».\n(^٥) انظر «معرفة ابن حزم بعلم الرجال، ومنهجه في الجرح والتعديل» لسعاد حمَّادي، وحاكم المطيري (ص/١٢١).","vol":"3","page":1408},{"text":"فلا ضَير بعدُ على المَقدسيِّ وابنِ الصَّلاح إذ شَنَّعا على ابنِ حزم حكمَه ذاك، فإنَّ مُقتضاه مخالفةَ النُّقادِ على سلامةِ «الصَّحيحين» مِن الوَضعِ، وإجماعِ الأئمَّةِ على براءةِ عكرمةَ مِنه؛ وإنمَّا الَّذي أردُّه عليهما: مُبالغتُهما في التَّشنيع على ابن حزمٍ استنكارَه للمتنِ، ومحاولتُهما ردَّ ذلك بما لا تَتَحمَّله عقولُ العلماء.\nنعم؛ عكرمة بن عمَّار وإن كان غيرَ مُتَّهَم في نفسِه، فليس بذاك المُتقنِ! على خلاف ما يُوهِمه اقتصارُ ابن طاهر على كلامِ المُوثِّقين له، فإنَّه تُكلُّم فيه من أئمَّة كبارٍ له وضعَّفوه! كأحمد (^١) ويحيى القطَّان (^٢) وغيرهما (^٣)، ووَصَمَه بعضهم بأنَّ في حديثِه نُكْرَة (^٤).\nفلِأجل ما قيل فيه تَرَكه البخاريُّ فلم يحتجَّ به في كتابه (^٥)، وقد نَعَته ابن حجر بأنَّه: «صَدوق يغلط» (^٦)، وقال المُعَلِّمي: «مَوصوفٌ بأنَّه يغلَط ويَهِم» (^٧).\nفمثلُه والحالُ هذه، لا يستَحقُّ ذاك التَّكلُّف في تأويلِ حديثِه للإبقاءِ عليه (^٨)؛ فلا أسْلمَ مِن رَدِّه، والحكمِ بتَوْهيمِه فيه (^٩).\n_________\n(^١) «ميزان الاعتدال» (٣/ ٩١).\n(^٢) «تاريخ بغداد» (١٢/ ٢٥٥)\n(^٣) انظر باقي كلام مَن ضعَّفه في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٧/ ١١)، و«تاريخ بغداد» (١٢/ ٢٥٩)، و«تهذيب الكمال» (٢٠/ ٢٦١).\n(^٤) وهو قول ابن خراش فيه، كما «تاريخ بغداد» (١٢/ ٢٦١).\n(^٥) كما قرَّره البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٧/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، وابن الجوزي في «كشف المشكل» (٢/ ٤٦٣).\n(^٦) «تقريب التهذيب» (ص/٣٩٦، رقم: ٤٦٧٢).\n(^٧) «الأنوار الكاشفة» (ص/٢٣٠).\n(^٨) تعليق الألباني على «مختصر صحيح مسلم» للمنذري (٢/ ٤٥٧).\n(^٩) احتجَّ د. خليل مُلَّا خاطر في «مكانة الصَّحيحين» (ص/٣٩٥) لدفعِ تهمة التَّفرد عن عكرمة وتقوية حديثِه هذا، برواية فيها متابعة إسماعيل بن مرسال لعكرمة عن أبي زُمَيل، وهي في «المعجم الكبير» للطَّبراني (١٢/ ١٩٩، رقم: ١٢٨٨٦).\nلكن هذه المتابعة لا تُفيد حديث عكرمة قوَّة، هذا إن لم تزِده ضعفًا! فإنَّ في سَندِها (عمرو بن خليف)، وهو مُتَّهم بوضع الحديث! كما تراه في «الكامل» (٥/ ١٥٤)، و«الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي (٢/ ٢٢٥).\n\nوسائر الإسناد تحته -ما خلا شيخ الطَّبرانيِّ- مَجاهيلُ، كما قال ابن القيِّم: «لا يُعرَفون بنقل العلم، ولا هم ممَّن يُحتجُّ بهم، فضلًا عن أنْ تُقدَّم روايتُهم على النَّقل المستفيض المعلوم عند خاصَّة أهل العلم وعامَّتهم، فهذه المتابعة إنْ لم تزده وَهْنًا، لم تزده قوَّة»، انظر «جلاء الأفهام» (ص/٢٤٩).","vol":"3","page":1409},{"text":"فإن قيل: فَلِمَ أخرجَ مسلمٌ له في «صحيحِه» وهو مُتكلَّم في ضبطِه بهذا النَّحوِ، فضلًا عمَّا في متنِ حديثِه عن أبي سفيانَ مِن نكارةِ؟\nقلنا في جوابِ ذلك:\nإنَّ عكرمة لم يحتجَّ به مسلم في كتابه إلَّا يَسيرًا، إنَّما أكثرَ له مِن الشَّواهد (^١)، ومِن عوائد مسلم في «صحيحِه»: أنَّه يُخرِج مِن روايةِ مَن تُكلِّمَ فيه ما لم يُنكِروه عليه، أو ما وَافقه الثِّقاتُ عليه، ممَّا يدلُّ على أنَّه حفِظِه له (^٢).\nفلَعَلَّ مسلمًا لم تَبِنْ له نَكارةُ المتن، ولم يقنَع بما قيل في ذلك، وما في المتنِ من إشكالٍ قد أقنَعَه في إزاحَته إحدى تلك التَّأويلات السَّابقةِ الَّتي سردتها في توجيه الحديث، ولعلَّه لم يبلُغه مع هذا عن أحَدٍ مِن الأئمَّةِ طَعْنٌ في الحديثِ بخصوصِه؛ هذا مع ما في ظاهرِ إسناده مِن نَوعِ قُوَّة.\nفكان كلُّ هذا باعثًا له لترجيحِ كفَّة القَبول، آجرَه الله على اجتهادِه، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) انظر «سير أعلام النبلاء» (٧/ ١٣٧).\n(^٢) انظر «شروط الأئمة الخمسة» للحازمي (ص/٦٩ - ٧٣)، و«شرح علل الترمذي» لابن رجب (٢/ ٨٣١ - ٨٣٢).","vol":"3","page":1410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>المَبحث الخامس عشر\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ طَلاقِ النَّبيِّ ﷺ للجَوْنيَّة</span>","vol":"3","page":1411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديثِ طَلاقِ النَّبيِّ ﷺ للجَوْنيَّة</span>\nعن أبي أُسَيد السَّاعديِّ ﵁ قال: خَرَجنا مع النَّبي ﷺ، حتَّى انطلقنا إلى حائطٍ يُقال له: الشَّوط (^١)، حتَّى انتهينا إلى حائِطين، فجلسنا بينهما، فقال النبَّي ﷺ: «اِجلِسوا ها هنا»، ودَخَل، وقد أُتي بالجَوْنِيَّة (^٢)، فأُنزلت في بيتٍ في نخلٍ، في بيتِ أُميمة بنتِ النُّعمان بن شراحيل، ومعها دايتُها (^٣) حاضنةٌ لها.\nفلمَّا دَخل عليها النَّبي ﷺ قال: «هَبِي نفسَك لي»، قالت: وهل تَهَب المَلِكَة نفسَها للسُّوقَة؟! قال: فأهْوَى بيدِه يضع يدَه عليها لتسكُن، فقالت: أعوذ بالله منك! فقال: «قد عُذتِ بمُعاذٍ»، ثمَّ خَرَج علينا، فقال: «يا أبا أُسيد، اُكْسُها رازِقِيَّتين (^٤)، وألحِقها بأهلِها» (^٥).\n_________\n(^١) الشَّوط: بُستان شمالَ المدينة عند جبلِ أُحد، انظر «تاج العروس» (١٩/ ٤٢٨).\n(^٢) اختلف في اسمِها كثيرًا، أشهرها أسمان: فذهب الخطيب البغدادي وهشام الكلبي إلى أنَّ اسمها: أسماء بنت النعمان بن شراحيل بن عبيد بن الجون، أما البخاري والبيهقي وابن منده والنووي فسمَّوها: أُميمة بنت النعمان بن شراحيل بن عبيد بن الجون، وهو ما رجحه ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٣٥٧) استنادًا إلى هذه الرواية في «الصَّحيح»، وانظر «أسد الغابة» (٦/ ١٧ - ١٨)، و«تهذيب الأسماء واللغات» (٢/ ٣٧٢).\n(^٣) الدَّاية: المُربيَّة لها، والقائمة بأمرها، كالحاضنة، انظر «مطالع الأنوار» (٣/ ٥٦).\n(^٤) الرَّازقيَّة: ثياب صفيقة مصنوعة من كتان أبيض، انظر «الغريب» لأبي عبيد (٢/ ٤٢٦).\n(^٥) أخرجه البخاري في (ك: الطلاق، باب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، رقم: ٥٢٥٥).","vol":"3","page":1413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nلحديثِ طَلاقِه ﷺ الجونيَّة</span>\nأُوْرِدَ على الحديثِ بعض مُعارضاتٍ يَحومُ مُجملُها حول دعوى الحديثِ رغبةَ النَّبي ﷺ في إتيانِ امرأةٍ لا تحلُّ له، واستوهابِها دون رِضاها، وسَبِّها له جرَّاء ذلك.\nيُلخِّصُ هذا المشهدَ، ما هامَ به خَيالُ (صبحي منصور) في قولِه:\n«بالتَّمعُّنِ في هذه الرِّواية الزَّائفة، نَشهد رغبةً مَحمومةً مِن البخاريِّ لاتِّهامِ النَّبي ﷺ بأنَّه حاوَل اغتصاب امرأةٍ أجنبيَّة جيء له بها ..\nونفهمُ مِن القصَّة: أنَّها مَخطوفة جِيء بها رغم أنفِها، ..\nوالمرأةُ في تلك الرِّوايةِ المَزعومة لم تكُن تَحِلُّ للنَّبي ﷺ، لذا يطلب منها أن تهبَ نفسها له دون مقابل، وترفض المرأة ذلك بإباءٍ وشَمم، قائلةً: «وهل تَهبُ الملِكة نفسها للسُّوقة؟!»، أي تسبُّ النَّبي ﷺ في وجهِه!\nوبدلًا مِن أن يغضب لهذه الإهانة، يُصرُّ أن يَنال منها جنسيًّا!» (^١).\n_________\n(^١) «القرآن وكفى به مصدرا للتشريع» (ص/١١٩)، وانظر الطعن في الحديث في «دين السلطان» لنيازي (ص/٤٣٠).","vol":"3","page":1414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>المَطلب الثَّالث\nدفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديث طلاقِه ﷺ الجونيَّة</span>\nأمَّا ما توهَّمه المُعترِضُ مِن كونِ الجونيَّة أجنبيَّةً عن النَّبي ﷺ وقتَ وقوعِ القصَّة:\nفمُتحقِّقٌ عند المؤرِّخين والمُحَدِّثين نَقيضُ ذلك، فقد ثَبَت عَقْدُ النَّبي ﷺ عليها وإمْهَارُها كسائر نسائِه، وعلى هذا نقلَ ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) الإجماع (^١)؛ ومن مُستنداته: ما في روايةِ ابنِ سَعدٍ أنَّه اتَّفَق مع أبيها على مِقدارِ صداقِها، وأنَّ أباها قال له: «إنَّها رَغِبت فيك، وخَطبت إليك ..» (^٢).\nولو تمهَّل المُعترض حتَّى ينظر في الرِّواية الَّتي أعقَبَت هذا الحديثَ في «صحيح البخاريِّ»، لانزاحَتْ عنه غِشاوة الفَهم المُنحرِف ذاك! أعني بها ما جاء عن سهل بن سعدٍ وأبي أُسيدٍ نفسِه ﵃ أنَّهما قالَا: «تَزوَّج النَّبي ﷺ أُميمةَ بنت شَراحيل، فلمَّا أُدخلِت عليه، بَسَط يده إليها ..» فذكرا الحديث (^٣).\n_________\n(^١) «أسد الغابة» (٦/ ١٨).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٨/ ١١٣)، والحاكم في «المستدرك» (رقم: ٦٨١٦)، وفي سنده محمد بن عمر الواقدي، مُتفق على ضعفه مع سعة علمه، انظر «تهذيب الكمال» (٢٦/ ١٨٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الطلاق، باب من طلق، وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، رقم: ٥٢٥٦).","vol":"3","page":1415},{"text":"لكن المُعترض لم يُبال بهذا الحديث، ولا أثار انتباهَه تبويبُ البخاريِّ عليه: «باب: مَن طَلَّق، وهل يواجه الرَّجل امرأتَه بالطَّلاقِ» (^١)!\nويَظهرُ أنَّه قد الْتَبَسَ عليه قوله ﷺ في الحديث: «هَبِي نفسَك لي ..»، فحملَه على معنى الاسِتوْهابِ الَّذي يكون مِن الرَّجلِ لأجنبيَّةٍ يريد نِكاحَها، مع ما غُبِّي عليه مِن عدم جريانِ ذكرِ صورةِ العَقد في الحديث!\nوقد تبيَّنَ لك قبلُ أنَّ الجونيَّة لم تكُن أجنبيَّةً وقتَ القصَّة بل زوجةً، والعَقْدُ بها لم يُذكَر في الرِّوايةِ اختصارًا واكتفاءً بعلمِ السَّامع به، وأنَّه إنَّما قال لها «هَبِي نفسَك لي»: لِما رأى مِن تمنُّعها وانحِيادِها عنه، فقال ذلك «تطيِيبًا لقلبِها، واستمالةً لها» (^٢).\nأمَّا جوابها له ﷺ بقولهِا: «وهل تَهَب المَلِكَة نفسَها للسُّوقَة؟!»:\nفإنَّ الوصفَ بالسُّوقةَ ليس مِن بابِ الشَّتِيمة -كما هو دارجٌ عند عَوامِّ النَّاس، نِسبةً إلى أهل السُّوق- هذا جهلٌ بوَضعِ العربيَّةِ عند أهلِها وقتَ التَّنزيل؛ «إنَّما السُّوقة عند العَرب: مَن ليس بمَلِكٍ، تاجرًا كان أو غير تاجرٍ، بمنزلةِ الرَّعيَّة الَّتي تَسُوسها الملُوك، وسُمُّوا سُوقةً لأنَّ المَلِك يسُوقُهم فينساقون له، ويصْرِفهم على مُرادِه» (^٣).\nفكأنَّها استبعَدَت أن تَتزوَّج المَلِكَة مَن ليس بمَلِكٍ! بعد أن ظنَّت النَّبيَّ ﷺ مِن ذَوِي القصورِ والخُدَّامِ ونحوِ ذلك ممَّا يَتَحلَّى به المُلوكِ في سُلطانِهم؛ لكنَّه ﷺ لكريمِ شِيَمِه «لم يؤاخِذها بكلامِها، مَعذرةً لها لقُربِ عَهدِها بجاهِليَّتها» (^٤)، بل أهْوَى بيدِه عليها يَتَلطَّفُها لتسكُن.\n_________\n(^١) حيث إنَّ في قوله: «اِلحقي بأهلك» محلَّ الشَّاهد للتَّرجمة عند البخاريِّ، وهو كناية عن طلاقها.\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٣٦٠).\n(^٣) «كشف المشكل» لابن الجوزي (٢/ ١٣٣).\n(^٤) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٣٥٨).","vol":"3","page":1416},{"text":"لكن لمَّا رآها أصرَّت على حماقتِها حتَّى استعاذت منه ﷺ، مع ما عُلم من قولِه ﷺ: «مَن استعاذَكم بالله فأعيذوه» (^١): تَرَكَها ولم يَعُد إليها (^٢)؛ وكان من كرمه أن مَتَّعها بعدَ فِصالِها بثَوبَيْن ثَمِينَينِ، مع أنَّها زوجةٌ مُفوضَّة، لم يُفوِّض لها النَّبي ﷺ شَيءٌ (^٣)؛ ولكنَّها المُتعة الَّتي أَمَرَ الله بها للمُطلَّقة غيرِ المَدخولِ بها (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في (ك: الأدب، باب في الرجل يستعيذ من الرجل، رقم: ٥١٠٩)، وصحَّح أحمد شاكر إسناده في تعليقه على «المسند» (٥/ ٢٢٤)، وكذا الألباني في «الصحيحة» (رقم: ٢٥٤).\n(^٢) انظر «التوضيح» لابن الملقن (٢٥/ ٢٠٧)، و«فيض القدير» للمناوي (٦/ ٥٥).\n(^٣) «منحة الباري» لزكريا الأنصاري (٨/ ٤٤٦).\n(^٤) كما قال المهلب في «شرح صحيح البخارى» لابن بطال (٧/ ٣٨٧).","vol":"3","page":1417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>الفصل الخامس\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث المُتعلِّقة بباقي الأنبياء</span>","vol":"3","page":1419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>المَبحث الأوَّل\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث: «خلقَ الله آدمَ على صورتِه»</span>","vol":"3","page":1421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>المَطلب الأول\nسَوْق حديث «خلقَ الله آدمَ على صورتِه»</span>\nعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال:\n«خَلق الله آدم على صورته، طوله ستُّون ذراعًا، فلمَّا خلقه قال: اِذهب فسلِّم على أولئك النَّفر مِن الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيُّونك، فإنَّها تحيَّتك وتحيَّة ذرِّيَتك، فقال: السَّلام عليكم، فقالوا: السَّلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكلُّ مَن يدخل الجنَّة على صورة آدم، فلم يزَل الخلقُ ينقصُ بعدُ حتَّى الآن» متَّفق عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الاستئذان، باب: بدء السلام، رقم: ٦٢٢٧)، ومسلم في (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، رقم: ٢٨٤١).","vol":"3","page":1423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ «خلَقَ الله آدمَ على صورتِه»</span>\nهذا الحديث مِن الأخبارِ المَشهورةِ الَّتي يُمَثَّل بها على ردِّ الحديثِ من جِهة متنِه في بابِ العقائد، بدعوى معارضةِ شَطْرِه الأوَّل لأصلِ التَّنزيهِ الواجب في حقِّ الله تعالى أوَّلًا، ومعارضةِ شطرِه الأخيرِ للمُشاهَدِ في واقعِ الَحفْريَّاتِ وعلومِ الآثار ثانيًا.\nفكان طعنُهم في الخَبرِ مُرتكِزًا على شُبْهَتين:\nالأولى: أنَّ ظاهرَ الحديثِ خَلْقُ آدمَ على صورةِ الله تعالى، وهذا عَيْنُ التَّشبيه له سبحانه بخلقِه وتجسيمِه.\nوفي تقريرِ هذا الاعتراضِ، يقول (ابنُ قِرناس): «مُختلِقُ هذا الحديث إمَّا ذو خلفيةٍ إسرائيليَّة، أو أنَّه مُتأثِّر بالإسرائيليَّات، لأنَّه اقتبَسَ مِن كتابِ اليهود المقدَّسِ عبارةَ: (خَلَقَ الله آدم على صورتِه)، وأصلُ العبارةِ: (فخَلَقَ الله الإنسانَ على صورتِه، على صورةِ الله خَلَقَه، ذَكرًا وأنثى خَلَقَهم) (^١).\n_________\n(^١) سفر التَّكوين، الإصحاح الأوَّل: ٢٧.","vol":"3","page":1424},{"text":"والله ﵎ لم يخلُق آدمَ على صورتِه سبحانه، ولا قريبًا مِن صورتِه، لأنَّه تَنزَّه عن ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]» (^١).\nالشُّبهة الثَّانية: أنَّ القولَ بأنَّ خَلْقَ أبينا آدم ﵇ كان بهذا الحجمِ الكبير، وأنَّ ذرِّيتَه لازال خلقُهم ينقُص عن ذلك إلى الآن: دَعوى يخالِفُها المُشاهَدَ المَحسوسَ مِن آثارِ الماضِين.\nبيان ذلك في ما اعترضَ به (الكرديُّ) على هذا الحديث، حيث قال: «الإشكال الأهمُّ لأنَّه غير قابل للتَّأويلِ: هو إثباتُ طولِ سِتِّين ذراعًا لآدم أبي البَشَر، والذِّراع عند العَرب إمَّا شرعيَّة -وهي ذراع اليَد، وتُقدَّر بـ ٢٤ إصبع، أي ٤٨ سنتمِترًا-، أو هاشميَّة -وهي ٣٢ إصبعًا، أي ٦٤ سنتمترًا-، فعلى القَوْلين، يكون طولُ آدمَ حوالي ثلاثين مِترًا! وأنَّ البَشَر مازالوا يَنقصُون حتَّى بلَغوا الطُّولَ الحالي (بين ١،٥٠ مترًا ومترين).\nوهذا يخالفُ كلَّ ما اكتشَفَه علماء الآثارِ والحفريَّات عن أقدمِ هياكل البَشَر العَظميَّة، الَّتي لا يختلف طولها عمَّا عليه الإنسان الآن إلَّا يسيرًا، كما أنَّه لم يُلاحظ أنَّه هناك قِصَر تَدريجيٌّ لهياكلِ الإنسان على هذا النَّحو المذكور، بأن يكون طوله في الثَّلاثينات مترًا، ثمَّ يَتَدرَّج نحو العشرينات، فالعشرة أمتارٍ .. إلخ.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ هذا الإشكالَ قال:\n«يُشكل على هذا ما يوجد الآن مِن آثارِ الأُمَم السَّالفة، كديارِ ثَمود، فإنَّ مَساكنهم تدلُّ على أنَّ قاماتهم لم تكُن مُفرطةَ الطُّول على حسبِ ما يَقتضيه التَّرتيب السَّابق، ولا شكَّ أنَّ عهدَهم قديمٌ، وأنَّ الزَّمان الَّذي بينهم وبين آدم، دون الزَّمانِ الَّذي بينهم وبين أوَّل هذه الأمَّة، ولم يَظهر لي إلى الآن ما يُزيل هذا الإشكال» (^٢).\n_________\n(^١) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/١٦٥)، وانظر «تفعيل قواعد نقد متن الحديث» للكردي (ص/١٨٣)، و«أضواء على الصَّحيحين» للنجمي (ص/١٦٧).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٦٧).","vol":"3","page":1425},{"text":"يقول الكرديُّ مُعقِّبًا على نصِّ كلامِ ابن حَجر: «وهذه مِن المرَّات القليلة الَّتي يَعترِفُ فيها بأنَّ هناك إشكالًا، وأنَّه غير قادرٍ على حلِّه!» (^١).\n_________\n(^١) «تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٨٣ - ١٨٤)، وانظر «أضواء على الصَّحيحين» للنجمي (ص/١٦٨)، و«جناية البخاري» لأوزون (ص/٢٥).","vol":"3","page":1426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>المَطلب الثَّالث\nدفع دعاوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن حديثِ «خَلَقَ الله آدمَ على صورتِه»</span>\nأمَّا جواب المُعارضة الأولى من دعوى تشبيهِ الحديثِ لله بخلقِه وتجسيِمه بإثباتِ الصُّورةِ له، فيقال فيه:\nإنَّ أهل السُّنةِ في تفسيرِهم لهذا الحديثِ على مَذْهَبين مِشهورين، مُبتَنَيَينِ على مَرجعِ الضَّميرِ في قولِه: «على صورَتِه»، هل هو إلى اللهِ تعالى، أم إلى آدمَ ﵇؟\nفذَهب فريقٌ مِن مُحَقِّقيهم إلى أنَّ الضَّميرَ فيه راجعٌ إلى آدم ﵇:\nوالمعنى: أنَّ الله تعالى خَلَق آدم على صورتِه الَّتي كان عليها مِن مَبدأ فِطرتِه إلى مَوْتِه، لم تَتَفاوت هيئتُه كما الحالُ مع بَنِيه، ولم يَتَنَقَّل بين الأطوارِ كذُرَّيَّتِهِ، فإنَّ كُلًّا منهم يكون نطفةً، ثمَّ علقةً، ثمَّ مضغةً، ثمَّ عظامًا وأعصابًا عاريةً، ثمَّ يكسوها لحمًا وجلدًا، ثمَّ يكون مَولودًا رضيعًا، ثمَّ طفلًا مترعرِعًا، ثمَّ شابًا، ثمَّ كهلًا، فشيخًا.\nأمَّا آدم ﵇: فخَلَقَه الله ونفَخَ فيه الرُّوح حالَ كونِه على صورتِه الَّتي هو عليها.","vol":"3","page":1427},{"text":"وهذا القول مَبنيٌّ على أنَّ الأصلَ في اللُّغةِ: رجوع الضَّمير إلى أقربِ مَذكورٍ، والشَّاهد على هذا العَوْدِ عندهم، قوله ﷺ بعدها في نفسِ الحديث: «.. طولُه ستُّون ذراعًا»، فعادَ الضَّميرُ أيضًا على آدم (^١).\nوفي تقريرِ هذا المعنى للحديثِ، يقول ابن حبَّان: «هذا الخبر تَعَلَّق به مَن لم يُحكِم صناعةَ العِلم، وأخَذَ يُشنِّع على أهلِ الحديثِ الَّذين يَنتحلون السُّنَن، ويَذبُّون عنها، ويَقمعون مَن خالفها، بأنْ قال:\nليست تخلو هذه الهاء مِن أن تُنسَب إلى الله أو إلى آدم؛ فإن نُسِبَت إلى الله: كان ذلك كُفرًا، إذْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾! وإن نُسِبَت إلى آدم: تَعرَّى الخبرُ عن الفائدة، لأنَّه لا شكَّ أنَّ كلَّ شيءٍ خُلِق على صورتِه لا على صورةِ غيره!\nولو تَملَّق قائلُ هذا إلى بارئِه في الخلوة، وسأَله التَّوفيقَ لإصابةِ الحقِّ، والهداية للطَّريق المستقيم في لزومِ سُنَن المصطفى ﷺ، لكانَ أوْلى به مِن القَدح في مُنتَحِلي السُّنَن بما يجهل معناه، وليس جهلُ الإنسان بالشَّيءِ دالًّا على نَفْيِ الحقِّ عنه لجهلِه به.\nونحن نقول: إنَّ أخبارَ المصطفى ﷺ إذا صَحَّت مِن جهةِ النَّقل لا تَتَضادُّ، ولا تَتَهاتَر، ولا تَنسخُ القرآن، بل لكلِّ خَبرٍ معنىً معلومٌ يُعلَم، وفصلٌ صحيحٌ يُعقل، يعقِله العالمون.\nفمعنى الخبر عندنا بقوله ﷺ: «خَلق الله آدم على صورتِه»: إبانةُ فضلِ آدم على سائرِ الخلقِ، والهاء راجعةٌ إلى آدم، والفائدةُ مِن رجوع الهاء إلى آدم دون إضافتها إلى البارئِ جلَّ وعلا -جلَّ ربُّنا وتعالى عن أن يُشبه بشيءٍ من المخلوقين-: أنَّه جلَّ وعلَا جَعَلَ سبَبَ الخَلْقِ الَّذي هو المُتحرِّك النَّامي بذاتِه اجتماعَ الذَّكر والأنثى، ثمَّ زوال الماء عن قرارِ الذَّكر إلى رحِم الأنثى، ثمَّ تَغيُّر ذلك إلى العَلَقة بعد مُدَّة، ثمَّ إلى المضغة، ثمَّ إلى الصُّورة، ثمَّ إلى الوقت\n_________\n(^١) انظر «الكواكب الدَّراري» للكرماني (٢٢/ ٧٢)، و«طرح التثريب» للعراقي (٨/ ١٠٤)، و«فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٦٦).","vol":"3","page":1428},{"text":"الممدود فيه، ثمَّ الخروج مِن قراره، ثمَّ الرَّضاع، ثمَّ الفِطام، ثمَّ المراتب الأُخَر على حسبِ ما ذكرنا، إلى حلولِ المَنيَّة به.\nهذا وصفُ المتحرِّك النِّامي بذاتِه مِن خلقِه.\nوخَلَق الله جلَّ وعلا آدمَ على صورتِه الَّتي خَلَقه عليها وطولُه ستُّون ذراعًا مِن غير أن يكون تَقدَّمه اجتماعُ الذَّكرِ والأنثى، أو زوالُ الماء، أو قرارُه، أو تغيير الماء علقةً أو مضغةً، أو تجسيمه بعده، فأبان الله بهذا فضلَه على سائرِ مَن ذَكَرنا مِن خلقِه، بأنَّه لم يكُن نطفةً فعلقةً، ولا علقةً فمضغةً، ولا مضغةً فرضيعًا، ولا رضيعًا ففطيمًا، ولا فطيمًا فشابًّا، كما كانت هذه حالةُ غيره؛ ضدَّ قولِ مَن زَعَم أنَّ أصحابَ الحديثِ حَشَويَّةٌ! يروُون ما لا يعقلون، ويحتجُّون بما لا يدرونَ!» (^١).\nوتقريرًا لهذا التَّوجيه للحديث، يقول الخطَّابي: «إنَّ ذريَّة آدمَ إنمَّا خُلِقوا أطوارًا، كانوا في مَبدأِ الخلقةِ نُطفةً، ثمَّ علقةً، ثمَّ مضغةً، ثمَّ صاروا صُوَرًا أجِنَّة، إلى أن تَتِمَّ مدَّة الحملِ، فيُولَدون أطفالًا، ويَنشَئون صِغارًا إلى أن يكبروا، فيتمُّ طول أجسامهم.\nيقول ﷺ: «إنَّ آدمَ لم يكُن خلقُه على هذه الصِّفة، لكنَّه أوَّلَ ما تناولته الخِلقة، وُجِد خلقًا تامًّا، طوله سِتُّون ذراعًا» (^٢).\nوهذا ما رجَّحه الطَّيبيُّ أيضًا، وزاد عليه فوائدَ بأن قال: «تأويلُ أبي سليمانَ -يعني الخطَّابيَّ- للحديثِ في هذا المَقام سَديدٌ، يَجب المَصير إليه؛ لأنَّ قولَه: «طولُه» بيانٌ لقوله: «على صورتِه»؛ كأنَّه قيل: خُلِق آدم على ما عُرِف مِن صورتِه الحسنةِ، وشكلِه وهيئتِه مِن الجمالِ والكمالِ وطولِ القامة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وإنَّما خُصَّ الطُّولُ منها، لأنَّه لم يكُن مُتَعارفًا بين النَّاس ..» (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح ابن حبان» (١٤/ ٣٣)، وهو قول أبي ثور كما في «طبقات الحنابلة» (١/ ٢١٢)، وابن خزيمة في «كتاب التوحيد» (١/ ٩٣)، وابن منده في «التوحيد» (١/ ٢٢٢).\n(^٢) «أعلام الحديث» للخطابي (٣/ ٢٢٢٨).\n(^٣) «الكاشف عن حقائق السُّنن» للطيبي (١٠/ ٣٠٣٥).","vol":"3","page":1429},{"text":"وأمَّا الفريق الآخر، فذَهبوا إلى عَوْد الضَّميرِ إلى الله ﷿ لا إلى آدَم (^١):\nعلى رأسهم أحمد بن حنبل، فقد سُئل عن هذا حديث «.. على صورته» على صورةِ آدم؟ فقال: فأين الَّذي يُرْوَى عن النَّبي ﷺ: «أنَّ الله تَعَالَى خلق آدم عَلَى صورة الرَّحمن ﷿» (^٢)؟! ..\nثمَّ قال: وأيُّ صورةٍ كانت لآدمَ قبل أن يُخلَق؟!» (^٣).\nلكن المُراد عند أصحابِ هذا القولِ مِن «الصُّورة» هنا: «الصِّفة»؛ كما تقول مَثلًا: عَرِّفني صورةَ هذا الأمر؛ أي: صِفَتَه (^٤)؛ وصورةُ الشَّيء: مَجموع الصِّفاتِ الذَّاتيةِ الَّتي تُعرَف بها شخصيَّة الشَّيء، «ولا ريب أن الأدخلَ فيه هو الوَجه، ولِذا أظنُّ أنَّ غالبَ استعمالِ الصُّورةِ في الوَجْه، لأنَّه هو مَبدأ التَّمييز والمعرفة كثيرًا» (^٥).\nفعلى هذا يكون مَعنى الحديث على هذا الرَّأي: أنَّ الله خَلقَ آدمَ ﵇ على صِفَتِه ذا وجهٍ، مُتَّصفًا بالسَّمعِ والبَصر والكلام، كما أنَّ الله تعالى متَّصِفٌ بجنسِ هذه الصِّفات، فكأنَّه «وَضَع في بني آدم أُنموذجًا مِن الصِّفاتِ الإلهيَّةِ، وليس مِن الكائناتِ أحَدٌ يكون مَظهرًا كاملًا لتلكِ الصِّفاتِ إلَّا هو» (^٦)، فيكون خلقُه على صورةِ الرَّحمن مِن هذه الحيثيَّة فقط، فلا يستلزم مُماثلة (^٧).\n_________\n(^١) وهو قول أحمد بن حنبل كما سيأتي، وقول ابن راهويه كما في «الشريعة» للآجري (٣/ ١١٢٧)، وكذا الآجريُّ في موضعه، وأبو إسماعيل الهرويُّ في كتابه «الأربعون في دلائل التوحيد» (ص/٦٣)، وهو الذي نصره ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية» (٦/ ٣٧٣).\n(^٢) اختلف العلماء في هذا اللفظ من الحديث بين مُصحِّح له ومُضعف، فمِمَّن صحَّحه: أحمد بن حنبل، وابن راهويه، كما في «ميزان الاعتدال» (١/ ٦٠٣) (٢/ ٤٢٠)، وابن تيمية في «تلبيس الجهمية» (٦/ ٤٣٠)، والذهبي في «سير النبلاء» (٥/ ٤٥٠).\n\nوضعَّفه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٨٦)، والمازري في «المُعلم» (٣/ ١٦٩)، والألباني في «الضعيفة» (٣/ ٣١٦).\n(^٣) «إبطال التأويلات» لأبي يعلى الفرَّاء (١/ ٨٨).\n(^٤) انظر «اللَّامع الصَّبيح» للبرماوي (١٥/ ٢٦٨).\n(^٥) «فيض الباري» للكشميري (٦/ ١٨٩).\n(^٦) «فيض الباري» للكشميري (٦/ ١٨٧).\n(^٧) ذهب بعضٌ ممَّن أثبت رجوعَ الضَّمير إلى الله تعالى إلى أنَّه من باب إضافة المخلوقِ إلى الخالقِ تشريفًا للمُضاف واختصاصًا له، كما في قوله «ناقة الله» و«بيت الله»، وهو ما تأوَّل به ابن خزيمة حديثَ «صورة الرَّحمن» على فرضِه صحَّته، انظر كتابه «التوحيد» (١/ ٨٦)، و«شرح النووي على مسلم» (١٦/ ١٦٦).\n\nوفيه بعد، لأنَّ معنى الاختصاص والتَّشريف يأتي في الأعيان القائمة بنفسها، كالناقة والبيت ونحو ذلك، إذ معلوم انتفاء قيامها بذات الله تعالى، فأما الصفات القائمة بغيرها، مثل العلم، والقدرة، والكلام، والصورة، إذا أضيفت، كانت إضافتها إضافةَ صفةٍ إلى موصوف، وانظر تفصيل جوابه في «بيان تلبيس الجهمية» (٦/ ٥٣٤ - ٥٣٥).","vol":"3","page":1430},{"text":"يقول أبو يعلى الفرَّاء (ت ٤٥٨ هـ): «ليس في حملِه على ظاهرِه ما يُحيل صفاتَه، ولا يُخرجها عمَّا تستحِقُّه، لأنَّنا نُطلِق تسميةَ الصُّورةِ عليه لا كالصُّوَر، كما أطلقنا تسميةَ ذاتٍ ونَفسٍ لا كالذَّواتِ والنُّفوس.\nوممَّا يُبيِّن صِحَّة هذا: أنَّ الصُّورةَ ليست فِي حقيقةِ اللُّغة عبارةً عن التَّخاطيط، وإنَّما هي عبارة عن (حقيقةِ الشَّيء)، ولهذا تقُول: عرِّفني صورةَ هذا الأمر، ويُطلَق القول في صورةِ آدم على صورتِه سبحانه، لا على طريقِ التَّشبيه فِي الجسم والنَّوعِ والشَّكلِ والطُّول، لأنَّ ذلك مستحيلٌ في صفاتِه» (^١).\nويزيد ابن القيِّم توضيحَ انتفاءِ التَّمثيلِ عن الحديثِ على هذا التَّوجيه الثَّاني قائلًا: «قولُه: (.. على صورة الرَّحمن): لم يُرِد به تشبيهَ الرَّب وتمثيلَه بالمَخلوق، وإنَّما أرادَ به تحقيقَ الوجهَ، وإثباتَ السَّمعِ والبَصر والكلامِ صِفةً ومَحلًّا» (^٢).\nوبصرفِ النَّظر عن أرجحيَّة أحدِ هذين القَولين السُّنِّيَين السَّابقين للحديث، فلقد بانَ -بحمد الله- أنَّ الحديثَ على تَفسِيرَيْه سَالمٌ مِن غَوائل التَّشبيه، مُنَزَّه عن آفةِ التَّجسيمِ، فإنَّ نسبةَ الصُّورة إلى الله تعالى أتى عليها الذِّكر في عِدَّة أحاديث في الصِّحاح وغيرها (^٣)، ونسبةُ ذلك إلىه سبحانه على ما يَليق بجمالِ وجهِه، وجلالِ سلطانِه، لا يَلزمُ منه تشبيهٌ بصُوَر خلقِه؛ تعالى ربُّنا عن ذلك عُلوًّا كبيرًا.\n_________\n(^١) «إبطال التأويلات» (ص/٨١).\n(^٢) «مختصر الصواعق المرسلة» (ص/٥٣٩).\n(^٣) تراها مجموعةً في كتاب «صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسُّنة» لعلوي السَّقاف (ص/٢٢٩).","vol":"3","page":1431},{"text":"كلُّ ما في الأمرِ: أنَّ الإِلْفَ وَقع ببعض الصِّفات الذَّاتيَّة لمَجِيئِها في القرآن، ووَقَعَت الوَحشةُ مِن الصُّورة لأنَّها لم تَأتِ في القرآن! ونحن نُؤمن بالجميع، ولا نقول في شيءٍ منه بكيفيَّةٍ ولا حَدٍّ (^١).\nأمَّا دعوى المعارضة الثَّانية من كونِ ما ذُكر من طولِ آدم ونقصانِ ذرِّيتَه في ذلك تدريجيًّا مُخالفٌ للمُشاهدِ مِن آثار ثمود ونحوها مِن الحفريَّات، الَّتي تدلُّ أحجامُ عماراتهم على نفسِ أطوالِنا، ومُؤدَّى ذلك أنَّ متوسِّط أطوالنا واحد لم يتغيَّر منذ آدم؛ فيُقال في جوابه:\nقد مرَّ استشهادُ (الكرديِّ) على شُبهتِه هذه بنَصٍّ لابن حجر يَستشكل فيه متن الحديث، يستقوي بهذا النَّص على أهلِ السُّنة ويُحاجُّهم! وكذا فعل (عدنان إبراهيم) في حضِّه أهلَ السُّنة على اقتفاءِ أَثَرِ ابنِ حَجَرٍ في (عَقليَّتِه العلميَّة) (^٢) حين رآه تَكَلَّم في مَتن هذا الحديث واستشكله!\nوكان هاذان أحقَّ باقتفاءِ هذه النَّصيحةِ قبل غيرهما! إذ غاية ما بلغ به كلام ابن حَجر أن استشكل المتنِ، فهو -إذن- مُقِرٌّ بصِحَّته! والصِّحة والاستشكال قد يَجتمِعان في نَظَرِ العَالِمِ ولا ضَيْر، وكنَّا قرَّرنا في تمهيد هذه الرِّسالة بـ: أنَّ الاستشكالَ لا يَستلزم البُطلان (^٣)، فلا ينبغي للحصيف أن يجَعَلَ العاقِلُ مِن عَجْزِه عن حَلِّهِ حُجَّةً لنَسْفِ النَّصِ مُطلَقًا! كما فَعلَ هاذان النَّاصِحان لأهلِ الأثَر.\nلكن عجبي مِن ابنِ خَلْدونٍ (ت ٨٠٨ هـ)! كيف جَرَى على خلافِ هذا المَهْيعِ السُّنيِّ القَويمِ في مُعاملةِ الأخبارِ، فأنكَرَ ما في هذا الحديث من طُولِ الأوَّلينَ بدعوى ما رآه من حالِ عماراتِ ثَمود؛ حتَّى جَعَل الحديثَ فيه مِن أساطير القُصَّاص!\n_________\n(^١) انظر «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/٣٢٢).\n(^٢) هذا ما نَعتَ به عدنان إبراهيم تعامل ابن حجرٍ مع الحديث! وذلك عند كلامه على حديث طول آدم ﵇ ضمن خطبته المُصوَّرة المشهورة «مُشكلتي مع صحيح البخاري»، ابتداءً من الدَّقيقة ٥٨ إلى ٦٧، على الموقع العالميِّ (اليوتيوب).\n(^٣) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢٩٣).","vol":"3","page":1432},{"text":"فقد كان بهذا النَّعت للحديث أسبَقَ مِن ابنِ حَجَرٍ إلى الإشكال على متن الخبر بآثارِ ثَمودٍ؛ غير أنَّ الفرق المنهجيَّ الجوهريَّ بينهما: أنَّ ابن خلدون سارَعَ إلى إنكارِ المتنِ، بينما تَوَرَّع ابن حجرٍ عن هذه المَزَلَّة (^١)!\nوعند تأمُّلِ ما أشكلَ به ابن حَجَرٍ على متنِ الحديث، وإليه استَنَدَ مَن أنكرَه مِن المُعاصرين: نجد أنَّه مُبتَنًى على بِضعِ مُقدِّماتٍ، أَوْحَى مَجمُوعُها إلى ابن حجرٍ بالإشكالِ في متن الخَبر، هذه المُقدِّمات مُجمَلةٌ في ما يلي:\nالمقدِّمة الأولى: أنَّ قومَ ثمودٍ هم أقربُ زمانًا إلى آدم ﵇ مِنَّا إليه.\nالمقدِّمة الثَّانية: أنَّ ما نعهده مِن أَبْنِةٍ (الحِجْر) بأبوابِها الصَّغِرَةِ شمالَ غربِ الجزيرة العَربيَّة عائدةٌ إلى ثمود.\nففي هاتين المُقدِّمتين ما يُفيد ابنَ حجرٍ نتيجةً واحدةً: وهي استقرارُ طولِ بني آدمَ، وعدَم نُقصانِه منذ عهدِ ثَمودِ إلى زمنِه، وهي بهذا مخالفةٌ لما أفاده الحديث: مِن تَناقُصِ طُولِ بَنِيه عبر الزَّمَن عن السِّتين ذراعًا، وبشكلٍ مُطَّردٍ.\nفمنشأ الإشكال عند ابن حجرٍ من امتناعِ الجَمْع بين هذه المَعلوماتِ جميعِها! إذْ كان مِن المَقبولِ أن تَقَع أطوالُ ثَمود في مَنزلةٍ بين طول آدم وأطوالِنا؛ أمَا وأبنِيَتُهم شاهدةٌ على أنَّ طولَهم في مِثلِ طولِنا، ففي ذلك دليل على أنَّ إحدى تلك المَعلومات السَّابقةِ خاطئة!\nولقد كان حقًّا على النَّاظرِ حينَهَا أن يَسْتَشكلَ مِن بين تلك المُقدِّمات السَّابقة أضعفَها مِن جِهة الثُّبوت، هذا البَديهيُّ في عملِ النَّاقد؛ لكن قد وَقَع نقد ابن حجرٍ على النَّقل الحَديثيِّ، ولم نَرَه يُشَكِّك في المَعلومةِ النَّقليَّة التَّاريخيَّة الأخرى بالمَرَّة! والَّتي هي عندي أساس ما بَنى عليه استشكالَه أصلًا، أعني بها: ما تَعَارف عليه النَّاسُ مِن نسبةِ آثارِ دِيارٍ مَنحوتةٍ في مكانٍ مَخصوصٍ مِن جزيرة العرب إلى ثمود!\n_________\n(^١) «مقدِّمة ابن خلدون» (٢/ ٢٤).","vol":"3","page":1433},{"text":"فآنَ الشُّروع في نَقدِ كلِّ مُقدِّمة ومعلومةٍ بَنى ابن حجرٍ عليها استشكاله على حِدةٍ، فأقول مستعينًا بالله:\nقولُ ابن حَجرٍ في المقدِّمة الأولى: بأنَّ عهدَ ثمود «قديم، وأنَّ الزَّمان الَّذي بينهم وبين آدم، دون الزَّمان الَّذي بينهم وبين أوَّل هذه الأُمَّة» (^١):\nفقد ذكرَ هو برهانَ ذلك في مَوضعٍ آخر مِن كتابِه (^٢)، وهو قولُ صالحٍ ﵇ لثمود: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]، ومَعلوم أنَّ قومَ عادٍ أوَّل الأقوامِ الَّتي خُلِفَّت بعد الطُّوفان، كما في قولِ نبيِّهم هودٍ ﵇ لهم: ﴿وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، فهذا الاستدلال منه صحيح، فلا إشكال في هذه المقدِّمة.\nوأمَّا مقدِّمته الثَّانية: من دعواه أنَّ ما هو مُشاهَد مِن أبنِية ثَمودٍ لم تكن مُفرِطةَ الطُّول، فيُقال في نقضها:\nإنَّ هذه المَعلومة لا تقوم ابتداءً إلَّا على فَرْضِ صِحَّةِ ما تَنسِبه العامَّةُ إلى ثَمود مِن دِيارٍ مَنحوتةٍ في شمال الجزيرة، والَّتي تُسمِّيه الحِجرَ أو ديار صالحٍ؛ والحَقُّ أنْ لا دَليل يُثبِتُ جزمًا كون ما حَوَته تلك المنطقة مِن بيوتٍ مَنحوتة في تلك الصُّخور هي نفسُها مَساكن ثمود!\nفقد بَرَز مِن الأثَريِّين والمُؤرِّخِين مَن يُرجِع بناءَ هذه الَمدائن بشكلِها الحاليِّ إلى أقوامٍ آخرين، منهم الأنباط، حيث اتَّخذوا (الحِجْرَ) عاصمتَهم الثَّانيةَ بعد عاصمتِهم الأولى (الَبتْراء)، فلا يُستَبعَد بعدُ إحداثَ الأنباطِ في عمارتِها الصَّخريَّة مِن التَّغيِير كما صَنعوه في عمارةِ (البَتراء)، ليشمَلَ ذلك فَتحاتِ الأبواب، بل واجهاتِ المَباني ذاتِها (^٣).\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٦٧).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٨١).\n(^٣) انظر مقالًا بعنوان: «ناقة صالح حائرة» لـ د. محمد علي الحربي، بـ «جريدة عكاظ» السعودية، العدد (٣٦٥٩)، ٢٤/ ٦/٢٠١١ م، ومقالًا بعنوان: «طول آدم والإنسان، ومنحنى نقصانه مع الزمان» لعز الدين كزابر، بمُدوَّنة  blogger  الإلكترونية، بتاريخ الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٢ م.","vol":"3","page":1434},{"text":"وعَينُ هذه المنطقة كانت مَعمورةً قبل الأنباطِ بالدَّدَانيِّين، ثمَّ باللِّحيانيِّين (^١)، وهذا يَزيد مِن احتمالِ حدوثِ التَّغيير في عمارتِها.\nفالقصدُ: أنَّ الجزمَ بأنَّ ما يُعهَد مِن تلك المبَاني الصَّخريَّة شمالَ غربِ الجزيرة هو عينُ مَباني ثمودٍ، وأنَّه لَمْ يُصِبها شيءٌ مِن التَّغيير مَن قِبَل الحضاراتِ المتلاحقة عليها عبر الزَّمن الطَّويل: الجزمُ بهذا ضَربٌ مِن المُجازفةِ المُفتقرةِ إلى البرهانِ العِلْميِّ والتَّواتر النَّقلي.\nغايةُ العِلم في مثلِ هذا الأمر أن يكون ظَنًّا، ولا ينبغي لِما هو ظنِّيٌ أن يُستشكَل به ما تَواردت الأمِّة على قَبولِه مِن حديثِ رسولِ الله ﷺ، فضلًا عن تعطيلِه به!\nثمَّ على التَّسليمِ بأنَّ هذه الأطلالَ هي عينُها ديار ثَمود: فقد كان يَصِحُّ لابن حجرٍ الاستشكالُ بهذه المقدِّمة لو كان الحديثُ يَلْزم مِن ظاهرِه اطِّرادُ النَّقْصِ بتَدَرُّجِ أطوالِ بني آدم عبر الأجيال على وَتيرةٍ واحدةٍ! وذلك بأن يكون مُعَدَّل التَّناقصُ في الطُّولِ والحجمِ مِن قَرْنٍ إلى آخر ثابتٌ لا يَتَغيَّر!\nوهذه هي المَغلطة الَّتي زَّلَ فيها المُحْدَثون! وليس في ظاهر النَّص ما يُسْعِفُها البتَّة، فليس يُفيد متنُه إلَّا جنسَ التَّناقصِ في الطُّولِ فحسب؛ أمَّا درجات التَّناقص هذا أو اطِّراده عبر الأجيال، فليس في الحديثِ ما يَنْفِيه أو يُثبته.\nفلذا جازَ لنا مِن جِهة النَّظر في الحديث أن نقول:\nلا مانعَ من أن يكون التَّناقصُ على وتيرةٍ سريعةٍ بعد آدم في الأجيالِ الأولى مِن بَنِيه قبل الطُّوفان، ثمَّ تَباطَأَت وتيرة التَّناقص فيما بعد ذلك تدريجيًّا عبر آلاف السِّنين، وخَفَّ التَّقاصر، حتَّى وَصَل الحال إلى مثلِ ما نحن عليه اليَوم.\n_________\n(^١) مملكة دادان أو لحيان: مقاطعة تابعة لمملكة مَعين اليمنيَّة الأصل، قامت غرب شمال الجزيرة العربية في القرن السابع قبل الميلاد، واستمرت باسم مملكة دادان إلى القرن الأول قبل الميلاد، ثم باسم لحيان بعد سقوط مملكة الأنباط من سنة ١٠٦ م إلى ١٥٠ م، انظر «تاريخ الجزيرة العربية في عصورها القديمة» لـ د. عبد العزيز صالح (ص/١٤٣).","vol":"3","page":1435},{"text":"بل يسوغ أن يُقال: أنَّ هذا التَّدرُّج نفسَه في النُّقصانِ كانت تختلِف وَتِيرتُه مِن جنسٍ بَشريٍّ إلى آخر في الزَّمن الواحد، فيبطُؤ في أقوامٍ، ويشتدُّ في آخرين.\nشاهد ذلك: ما تَواتر في شريعتِنا وصُحف أهل الكتاب مِن خُلُوِّ أقوامٍ عَماليقَ ضِخام الأجسامِ، كالَّذين قاتَلهم بنو إسرائيل في زَمَنِ يوشع بن نون ﵇، وهو قولهم لنبيِّهم: ﴿يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، يقول ابن جرير: «سَمُّوهم جبَّارين: لأَّنهم كانوا بشدَّةِ بطشِهم، وعظيمِ خَلْقِهم -فيما ذُكِر لنا- قد قَهَروا سائرَ الأُمَم غيرهم» (^١).\nفقولنا بعدمِ اطِّرادِ وتيرةِ النَّقصِ عبر الأجيالِ، هذا في نَظَري أفضل ما يُجمَع به بين الحديثِ وبين بعضِ الآثار المُشاهَدةِ، وعليه ما نراه مِن آثار قديمةٍ تقربُ من أطوالِنا اليوم: تكون لأقوامٍ تباطَأَ فيهم التَّناقصُ، حتَّى قرُبوا في أطوالِهم مِن أطوالنا.\nثمَّ إنَّا نقول: إنَّ حديث أبي هريرة ﵁ هذا في نقصِ طول بني آدم ليس الدَّليل الشَّرعي الوحيدَ على إفراطِ طولِ أبينا آدم ﵇ والأجيالِ الَّتي جاءت بعده، ففي كتابِ الله تعالى ما يُشِير إلى ذلك، بل في المُكتشفات البيولوجيَّة والحَفْريَّةِ ما يَعضد ذلك.\nبيان ذلك: أنَّ المُقرَّر من دلائلَ الشَّريعة فرطُ أعْمارِ البَشَر في الأُمَمِ السَّابقة الأولى، على غير ما نعهده في هذه الأحقابِ المتأخِّرة (^٢)، فقد لَبِث نوحٍ في قَومِه ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].\nوليس يخفى أنَّ هذا ليس بخَصِيصةٍ لنوح ﵇ ولا آيةً له، بل ميزة في الأوائل عمومًا، بَدَأت بآدم ﵇ حيث ناهزَ الألفَ سنة (^٣)، ثمَّ تَتالَت بعدُ في أبنائِه.\n_________\n(^١) «جامع البيان» (٨/ ٢٨٩).\n(^٢) مما رُوي في ذلك - مثلًا - ما أخرجه مالك بلاغًا في «الموطأ» (١/ ٣٢١، رقم: ١٥): من «أن رسول الله أُريَ أعمار النَّاس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنَّه تقاصر أعمار أمَّتِه ..».\n(^٣) كما صحَّ به الحديث عن أبي هريرة وابن عبَّاس ﵃: «أنَّ الله تعالى كتب لآدم ألف سنةٍ، ثمَّ وأنَّه وَهَب لداود ﵇ مِن عمرِه أربعين سنةً ..»، أخرجه الترمذي في (ك: التفسير، باب، رقم: ٣٣٦٨) وقال: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ»، وصحَّحه ابن حبَّان (رقم: ٦١٦٧)، وأخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٢٢٦٩، ٢٧١٤، ٣٥١٩) عن ابن عباس، وقال مخرِّجوه: «حديث حسن لغيره».","vol":"3","page":1436},{"text":"وفي تقرير ذلك يقول ابن تيميَّة: «أعمارُ بني آدم -في الغالبِ- كلَّما تأخَّر الزَّمانُ قصُرت ولم تطُل ..»، وذَكَر عُمْر آدمَ ونوحٍ، ثمَّ قال: «فكان الُعمْر في ذلك الزَّمان طويلًا، ثمَّ أعمارُ هذه الأمَّة ما بين السِّتين إلى السَّبعين، وأقلُّهم مَن يجوز ذلك» (^١).\nفإذا تَقرَّر هذا؛ فإنَّ هذا الطُّول في عُمْر الإنسانيَّة الأولى مُفْضٍ عند المُختَصِّين في علومِ البِنْياتِ الطَّبيعةِ إلى ضرورةِ امتلاكِ أولائكَ لأبدان كبيرةٍ تَتَحمَّل هذه الحياةَ الطَّويلةَ على الأرض! وهو ما يَتَّسق مع الدِّراساتِ الحديثةِ الَّتي تربِط بين عُمْر الكائنات الحيَّة وبين أحجامِها، حيث يقول أهل الاختصاص: إنَّ الأكبرَ حجمًا هو الأطولُ عُمْرًا في الجملة، لأنَّ طُولَ الحياة تستلزم جسمًا أكبرَ يُقاوم مَوانع البَقاء.\nوقد أثبتت دراساتٌ إحصائيَّة عَديدة هذه الملاحظة، تؤكِّد العلاقةَ الطَّردية بين حجمِ الجسمِ وطولِ العُمْر، وفي هذه العلاقة التَّناسبيَّة بين الأعمارِ والأحجامِ جوابٌ لِمن يَسأل عن عِلَّةِ عَيشِ سَمكِ السَّلَمون -مثلًا- مدَّةً قصيرةً لا تجاوز الأربعَ سنين، بينما يَعيش الحوتُ القطبيُّ مُقوَّس الرَّأس قريبًا مِن مائتي سنة (^٢).\nإنَّ مِن المُستبعَد على ما تُؤكِّده هذه الشَّواهد العِلميَّة، أن يكون الإنسان الأوَّل ذا عُمْرٍ يتجاوز المئاتِ مِن السِّنين، يَصل إلى الألفِ في بواكيره، ثمَّ يكون\n_________\n(^١) «منهاج السنة النبوية» (٤/ ٩٢ - ٩٣).\n(^٢) انظر دراسة علمية منشورة في ذلك بالإنجليزية للبروفيسورَين (جوانا كوستا  juana costa)،  و(جورج شارش  george church)،  بعنوان:\n\"  An analysis of the relationship between metabolism، developmental schedules، and longevity using phylogenetic independent contrasts\" (٢) p:١٧.\nوهذه الدراسة منشورة في عدة مواقع بحثيَّة متخصِّصة على الشَّبكة الإلكترونية.","vol":"3","page":1437},{"text":"بدَنُه مماثلًا لِما نعهدُه مِن أبدانِنا اليوم! والَّتي لا تَتَحمَّل إلَّا بِضْعَ عقودٍ مِن السِّنين، لتهرمَ بعدُ وتضعُف بِنيتُها بفعلِ الشَّيخوخة (^١)؛ هذا مِن المُحال.\nومِن لطائف الأخبار في هذا الباب، ما وجدته لابن عمر ﵁ من إشارة لَطيفةٍ إلى هذا التَّلازمِ الواقعِ بين نقصانِ عُمْر الإنسانِ وخِلقَتِه! وذلك فيما رواه عنه مجاهد قال: قال ابنُ عمر: «هل تَدري كم لَبِثَ نوحٌ في قومِه؟ قلتُ: نعم، ألفَ سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، قال: «فإنَّ النَّاسَ لم يَزدادوا إلَّا نقصًا في لحومِهم وأجسامِهم وأعمارِهم» (^٢).\nتَتَلمَّح هذا الرَّبطَ بين هذين الطُّولَين في التَّناسبِ -طولِ العُمرِ وطولِ الجسم- في قولِ المَقريزيِّ (ت ٨٤٥ هـ) أيضًا: «العَرَب العاربة الَّذين كانوا في الزَّمَن الغابر، وقد طالت مُدَدُهم في الحياة، وعظُمًت خلقتهم» (^٣).\nلكن عَجَبي لا ينقضي مِن عَالمٍ فقيهٍ مِن جهابذة القرنِ السَّادس، كيف انتبهَ إلى هذه العلاقةِ التَّناسبيَّةِ بين عُمْرِ الإنسان وحجمِه قبل قرونٍ مِن الزَّمن؟! أعني به ابنَ هُبيرة الوَزيرِ (ت ٥٦٠ هـ)، حيث قال في شرحِه لحديثِ أبي هريرة هذا:\n«إنَّه لمَّا كانت أعمارُ الأوائلِ طِوَالًا، لم يَكُن يَقتضي طولٌ بلوغَ الأشدِّ منه؛ لأنَّ مُدَّتَه (^٤) تُناسب ذلك الطُّول، وأنَّ ابتداءَ الخلق مِن (..) (^٥) الآدمي إلى أن\n_________\n(^١) ومِن لطيف الاعتبارِ بحديث أبي هريرة ﷺ: أنَّه يُعَيِّن النِّسبة بين طولِ آدم وما نعهده من طول الإنسان الحاليِّ، إذْ حاصل قِسمة ٦٠ ذراعًا -وهو طول آدم- على ٣.٨ ذراع -وهو متوسِّط طول الإنسان اليوم- هو: (١٦)، أي أنَّ طول آدم يفضُل على طول أبنائه اليوم بستة عشر ضعفًا، والعجبُ في أنَّ هذه النِّسبة هي نفسُها النِّسبة بين طولِ عُمر آدم وعمر الإنسان الحالي، أي تقسيم ألف -وهو عمر آدم بالسِّنين- على ٦٥ سنة هجريَّة أو ٦٣.١ سنة شمسيَّة -وهو متوسط أعمار الأمَّة المحمَّدية- والَّذي حاصله ما يقرب منه (١٦) أيضًا! وانظر مقال عز الدِّين كزابر المُشار إليه سابقًا: «طول آدم والإنسان، ومنحنى نقصانه مع الزَّمان».\n(^٢) أخرجه ابن الجعد في «المسند» (رقم: ٢٧٤)، وبنحوه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/ ٧٠٣ رقم: ١٩٨٦)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٩/ ٣٠٤١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٢٨٠): بأسانيد صحيحة عن مجاهد.\n(^٣) «ضوء السَّاري» للمقريزي (ص/٢٩ - ٣٠).\n(^٤) في الأصل المطبوع: (مده)، ولعل ما أثبته أصح وأنسب للسياق.\n(^٥) كذا في الأصل المطبوع، ولعله بياض في نسخته الخطية.","vol":"3","page":1438},{"text":"يبلغ أشدَّه، فإنه يكون ما يخلُف عليه في مُدَّتِه أكبر ما يتخلَّل منه دائمًا إلى القوَّة والزِّيادة، فإذا حسبتَ هذا على مقتضى ما يستحقُّ العُمْر الَّذي هو الآن مِن السِّتين إلى السبعين، أو العُمْر الَّذي هو ستمائة أو سبعمائة وألف: كان قريبًا ممَّا ذُكِر أنَّ طولَه كان سِتِّين ذراعًا» (^١)!\nثمَّ إنَّ مِن الآياتِ القرآنيَّة ما يشهد على فرطِ طول الأوَّلين:\nمنها ما وَصَفَ الله تعالى به أجسامَ عادٍ عند إهلاكِهم بأنَّهم ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، فهذا تَشبيهٌ لأجسامِهم وهي مُلقاةٌ على الأرضِ بأعجازِ الَّنخيلِ المُنقعرٍ، أي: المُقتلعٍ مِن أصولِه مَطروحًا على الأرضِ (^٢).\nوأعجازُ النَّخل: هي أصولُها وجذوعُها الَّتي قُطِعَت فُروعها (^٣).\nومَفاد الآيتين: أنَّك ترى أجسامَ قَومِ عادٍ في طولِها عند إهلاكِها كأنَّها جذوع نخيلٍ مُلْقاةً على الأرضِ، وهذا التَّشبيهُ لا يَستقيم مع أجسادِنا الصَّغيرة المَعهودة اليوم، فالنَّخلُ التَّام النُّمو في الصَّحاري شبهِ الاستوائيَّةِ، يصل طولُه الأقصى إلى ٨٠ قدمًا، أي ٢٤ مترًا، بل يزيد على ذلك (^٤).\nوهذه الأطْوَال تُقارب جدًّا طولَ آدم ﵇ البالغِ ٢٨ مترًا! (^٥)\nثمَّ تأمَّلْ قولَ ابن عبَّاس ﵁ في تفسيره لآيةِ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] قال: «عَادٌ مُكِّنوا في الأرض أفضلَ ممَّا مُكِّنت فيه هذه الأمَّة، وكانوا أطولَ أعمارًا» (^٦)، لترَى تعزيزَ ما قرَّرناه آنفًا مِن تلك العلاقة الطرديَّةٍ التناسبيَّة بين طُولِ عمر الإنسانِ، وضخامةِ جسَدِه.\n_________\n(^١) «الإفصاح عن معاني الصحاح» (٧/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٢) انظر «جامع البيان» لابن جرير (١٠/ ٢٧٨) (٢٢/ ١٣٨)، و«معاني القرآن» للزجاج (٥/ ٨٩)\n(^٣) انظر «معالم التنزيل» للبغوي (٧/ ٤٣٠).\n(^٤) انظر المقال المُشار إليه قبلُ: «طول آدم والإنسان، ومنحنى نقصانه مع الزمان» لعز الدِّين كزابر.\n(^٥) وقد يكون في هذا شاهدٌ على تَناقصِ طولِ البَشَر بين آدم وعادٍ، إذْ المَعلوم أنَّ عادًا أوَّلُ الأقوامِ قد خلَفت قومَ نوحٍ بعد الطُّوفان، كما تقدَّم تقريره.\n(^٦) انظر «الدر المنثور» للسيوطي (٧/ ٤٥١) بتصرف يسير.","vol":"3","page":1439},{"text":"فإنْ قيل: هذا المُقرَّر منك «يُخالِف كلَّ ما اكتشفَه علماءُ الآثارِ والحفريَّاتِ عن أقدمِ هياكلِ البَشَر العَظْميَّةِ، الَّتي لا يختلف طولُها عمَّا عليه الإنسان الآن إلَّا يَسيرًا» (^١).\nقُلنا في جوابه: إنَّ المُتَتبِّع لكثيرٍ مِن أخبارِ هذا المُجتمعِ (الحَفْريِّ الأثريِّ!) الغَربيِّ، لن يُعدَم من أربابِه تَفَشيًّا مَشِينًا لانعدامِ الحِيادِ في تَقريراتِ بُحوثِهم المزعومةِ، يَتَمثَّل تلاعبُهم هذا في الغِشِّ والتَّزييفِ وإخفاءِ الآثار غيرِ المَرغوب في إظهارها! سواء على المُستوى الحكوميِّ، أو السَّماسرة، ولصوصِ الآثار (^٢).\nكيف لا، والإقرارُ بعَمالقةٍ في الماضي أجدادًا للبَشر يضرب خُرافتهم في التَّطوُّر في مَقتلٍ! حيث يَفترِضُ الدَّاروِينيُّون بأنَّ الإنسانَ الحاليَّ مُنحدرٌ مِن قِرَدة جَنوبيَّة طولها لا يَتعدَّى المِترَ ونصفَه! .. فكيف يكون سَلفُه إنسانًا عِملاقًا؟!\n_________\n(^١) «تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٨٣ - ١٨٤).\n(^٢) مثال واحد يُنبيك عن حجم الفسادِ القابع في هذا الحقل من حقولِ العلمِ البحثيِّ: وهو ما قدَّمته المؤسسة الأمريكية لعلم الآثار البديل (AIAA)  مِن دعوى ضدِّ معهد (سميثسونيان  Smithsonian Institution)،  تتَّهمه فيها بالتَّخلُّص أو إخفاء آلافٍ من قِطع الهياكل البشريَّة العملاقة، مِن طول ٦ أقدام إلى ١٢ قدم، أي من مترين إلى ٣.٦ مترا!، وذلك منذ أوائل القرن الميلاديِّ الماضي.\nوأنه رغم الإنكار لذلك، إلا أن الدليل الذي غير مجريات القضية كان تقديم (جيمس شوروارد  James Churward)  المتحدِّث باسم (AIAA)  عظمة فخذ بشرية بطول ١.٣ متر كانت في حوزة أحد القيمين على المعهد وقد سرقها منه في عام ١٩٣٠ م، وقد اعترف بذلك قبل موته وكان مما قال مستنكرا: «إنه لأمر فظيع أن يجري للشعب الأمريكي ..»، وكتب في رسالة: «نحن نخفي الحقيقة عن أسلاف البشر، أجدادنا، والعمالقة الذين جابوا الأرض كما ذكر في الكتاب المقدس والنصوص القديمة من العالم!».\nوبالفعل تمَّ الحكم بالإفراج عن تلك الوثائق في ٢٠١٥ م، لكن لا نعرف شيئا عنها إلى الآن!\nوانظر تقريرًا عن الموضوع في:\nhttp://worldnewsdailyreport.com/smithsonian-admits-to-destruction-of-thousands-of-giant-human-skeletons-in-early-1900 s\nhttp://dailyoccupation.com/2016/10/25/smithsonian-destruction-giant-skeletons/\n\nهذا؛ وقد انتشرت مجموعة فيديوهاتٍ ومقاطع نادرة للباحث الأمريكي (مايكل كريمو  Michael Cremo)  عن الفوضى والتَّلاعب والاضطهاد في عالم الآثار الإنسانيَّة والحفريات وأعمارها، مثل ما وقع من فضيحة عالم الحفريات (راينر بروتش  Reiner Protsch)،  يمكن الوقوف عليها باستعمال الشَّبكة الإلكترونيَّة.","vol":"3","page":1440},{"text":"ومع الضَّباب الَّذي يَغشى هذا المجالَ ومُكتَشفَاته، فقد أعلَنَت بعضُ الفِرَق البحثيَّة الغَربيَّة عن هياكل بَشريَّةٍ عملاقةٍ اكتُشِفت في بقاعٍ مختلفةٍ من العالَم، مِن ذلك على سَبيلِ المثالِ:\nما عُثِر عليه بين عَامَيْ (١٩٣٤ و١٩٣٩ م) قرب مدينة (هونج كونج) الصِّينيَّة، مِن أسنان طاحنةٍ بشريَّةٍ قديمةٍ كبيرةٍ جدًّا، هي أكبر مِن حجم أسناننا اليوم بستَّة أضعافٍ! حتَّى سمَّى (د. فايد نرايش  faid naraych) -  وهو عالم طبيعة أمريكيٌّ- صاحبَ هذه الأسنان بـ (الإنسان العملاق)، وهو يؤكِّدُ: أنَّ الإنسان تَسَلسل مِن أحجامٍ عملاقةٍ ذات جماجم كبيرةٍ، ثمَّ حَصَل النَّقص التَّدريجيُّ مع مرور الزَّمَن (^١)!\nبل عن قريب عهدٍ، عَثر بعض علماء الآثار العاملين قربَ سواحلَ الأَمازُون في الإكوادور وبِيرُو، على مَقابرَ عظامٍ بَشريَّة كثيرةٍ، تعود إلى أناسٍ يَصِل طولهم إلى ما يَقرب مِن ثلاثةِ أمتار! (^٢)\nوالأخبار عن مثل هذه المُكتشَفاتِ يَتَزايد خروجُها عَلنًا مع مُرورِ الأيَّامٍ (^٣).\nولا عَجَب؛ فإنَّ ما يُكتَشَف مِن هذه الهياكلِ العظميَّةِ العملاقةِ، قد كان مَعهودًا قبل زمانِنا هذا، دَوَّنَ أخبارَها علماءُ المسلمين في تَواريخِهم (^٤)، مِن ذلك:\nأنَّ قبرًا بمدينةِ (الكَرْك) في الأردن، كان يظنُّ النَّاس لضخامتِه أنَّه لنوح ﵇! وقد وجدوا فيه عظامًا عظيمةَ الحجم، يقول عنه ابن تيميَّة: «قد\n_________\n(^١) انظر «التطور والإنسان» لـ د. حسن زينو (ص/٩١ - ٩٢).\n(^٢) مُستلٌّ من خَبر نشرته «قناة روسيا الفضائيَّة» على موقعها الرَّسمي، بتاريخ ٢٠ يناير ٢٠١٦، بعنوان: «لُغز عمالقة الأرض المنسيِّين»، وبحسب رئيسِ بعثة التَّنقيب عن تلك الآثار، فبقايا هذه الهياكل البشريَّة موجود في ألمانيا، حيث تخضع لفحوص من قبل خبراء مختصين.\n(^٣) والكثير من الاكتشافات لهياكل بشرية بأحجام ضخمة مُوثقة من مصادر غربية تجدها في مقال علمي بموقع (muslims-res)  بعنوان: «منكوشات تطوريَّة .. هل هناك عمالقة عاشوا قديما؟».\n(^٤) انظر شيئًا من ذلك فيما رواه القزويني عمَّن شاهده من الرَّحالة والمؤرِّخين في كتابه «آثار البلاد وأخبار العباد» (١/ ٢٥٢)، وكتابه الآخر «عجائب المخلوقات» (٧/ ٣٤٠).","vol":"3","page":1441},{"text":"حدَّثني مِن ثقاتِ أهلِ المكانِ عن آبائهم مَن ذَكَر أنَّهم رَأوا تلك العظام الكبيرة فيه، وشاهدوه قبل ذلك مكانًا للزَّرع والحياكة؛ وحدَّثني مِن الثِّقات مَن شاهَد في المقابر القريبة منه رؤوسًا عظيمةً جدَّا، تُناسب تلك العظام، فعُلِم أنَّ هذا وأمثالَه مِن عِظام العَمالقةِ، الَّذين كانوا في الزَّمن القديم أو نحوِهم» (^١).\nولله في خلقه شؤون!\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٦٢).","vol":"3","page":1442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>المَبحث الثَّاني\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «لم يكذبْ إبراهيم ﵇ إلَّا ثلاثَ كذِبات»</span>","vol":"3","page":1443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديثِ: «لم يكذبْ إبراهيم ﵇ إلَّا ثلاثَ كذِبات»</span>\nعن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال:\n«لم يكذب إبراهيم النَّبي ﵇ قطُّ إلَّا ثلاث كذبات، ثِنتين في ذاتِ الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وواحدة في شأنِ سارة، فإنَّه قدِم أرضَ جبَّارٍ ومعه سارة، وكانت أحسنَ النَّاس، فقال لها: إنَّ هذا الجبَّار إن يعلمْ أنَّكِ امرأتي يغلِبُني عليك، فإنْ سأَلك فأخبريه أنَّكِ أختي، فإنَّك أختي في الإسلام، فإنِّي لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك.\nفلمَّا دَخَل أرضَه رآها بعضُ أهل الجبَّار، أتاه فقال له: لقد قدِم أرضَك امرأةٌ لا ينبغي لها أن تكون إلَّا لك، فأرسل إليها، فأُتي بها، فقام إبراهيم ﵇ إلى الصَّلاة، فلمَّا دخلت عليه لم يتمالك أن بسَطَ يدَه إليها، فقُبضت يدُه قبضةً شديدةً، فقال لها: ادعي الله أن يُطلق يدي ولا أضرُّك، ففعلت، فعاد، فقُبِضت أشدَّ مِن القبضةِ الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقُبِضت أشدَّ من القبضتين الأوليَين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلكِ الله أن لا أضرَّكِ، ففعلت، وأطلقت يدَه، ودعا الَّذي جاء بها فقال له: إنَّك إنَّما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها مِن أرضي، وأعطِها هاجرَ، قال: فأقبلَتْ تمشي،","vol":"3","page":1445},{"text":"فلمَّا رآها إبراهيم ﵇ انصرف، فقال لها: مَهيم (^١)؟ قالت: خيرًا، كفَّ الله يدَ الفاجر، وأخدم خادمًا».\nقال أبو هريرة ﵁: «فتلك أمُّكم يا بَني ماءَ السَّماء (¬٢») متَّفق عليه (^٣).\n_________\n(^١) مَهيم: أي ما أمرُكم وشأنُكم، وهي كلمةٌ يمانيَّة، انظر «النهاية» لابن الأثير (٤/ ٣٧٨).\n(^٢) بنو ماء السَّماء: يريد العربَ؛ لأنَّهم كانوا يَتَّبعون قطْرَ السَّماء، فينزلون حيث كان، انظر المصدر السابق (٢/ ٤٠٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (ك: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، رقم: ٣٣٥٨)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب: فضائل إبراهيم الخليل ﵇، رقم: ٢٣٧١) واللفظ له.","vol":"3","page":1446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>المَطلب الثَّاني\nسَوْق دعاوى الُمعارضات الفكريَّة المعاصرة\nلحديث «لم يكذب إبراهيم إلَّا ثلاث كذبات»</span>\nمِمَّا ساقه المُعترضون على هذا الخَبر مِن شُبهاتٍ لإبطاله مُرتكِزٌ في مُعَارضَتين أساسَتين:\nالمعارضة الأولى: أنَّ مِن صفاتِ الرَّسولِ أن يكون مَعصومًا مِن الكَذِب، وصدورُ الكذِب منه ولو مَرَّة مانعٌ مِن الوثوقِ بما يُخبِر به، وسَببٌ لتطرُّقِ التُّهمةِ إلى الشَّرائعِ كلِّها، فيُبطِل الاحتجاجَ بها.\nكذا ادَّعى الفخر الرَّازي (^١)، وفي فُلكِ شُبهته هذه سَبَح غيرُ واحدٍ مِن الكُتَّابِ المُعاصرين، لنقضِ ما تَضمَّنه حديث أبي هريرة ﵁ هذا (^٢).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ ما وَرَد من أمثلةٍ عن إبراهيم ﵇ لا يدخلُ في حقيقةِ الكَذب، ولا يُطلَق الكذبُ على أَقوالِهِ تلك؛ فضلًا أن يُنسَبَ هذا القول إلى النَّبي ﷺ، فالحديث الذي يَقول إنَّها كذِبٌ لا يكون صحيحًا، لمخالفتِه اللُّغةَ والواقعَ.\n_________\n(^١) في «التَّفسير الكبير» (٢٢/ ١٨٥ - ١٨٦)\n(^٢) انظر «مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها» للقصيمي (ص/١٣).","vol":"3","page":1447},{"text":"وفي تقرير هذين الاعتراضين، يقول (أبو الأعلى المَوْدوديُّ):\n«لسُوءِ الحظِّ، وَرَد في روايةٍ مِن الرِّواياتِ: أنَّ إبراهيم ﵇ كَذَب في حياتِه ثلاثَ كذبات .. ففرقةٌ تغلو في عبوديَّة الرِّواية، إلى أن يعزَّ عليها صدقُ عِدَّة رُواةٍ من «الصَّحيحين» للبخاريِّ ومسلم، ولا تُبالي بأنْ تُثبتَ بذلك تهمةَ الكذبِ في حَقِّ نبيٍّ من الأنبياء، وفِرقةٌ تَهجُم على ذَخيرةِ السُّنَّة كلِّها، بسبِبِ هذه الرِّواية، وتقول برَفضِ جميعِ الأحاديث، لوجود مثلِ هذه الرِّوايات ..\nوهذا الحديث الَّذي ذُكِرت فيه الكَذِبات الثَّلاث لإبراهيم ﵇، ليس محلَّ الاعتراض لأجلِ أنَّه يُثبت الكذبَ في حقِّ نبيٍّ من الأنبياء فحسب، بل هذه الأمور الثَّلاثة نفسُها أيضًا مَحلُّ النَّظرِ والدِّراسةِ، ولقد رأيتَ -حقيقةً- كذبةً من هذه الكذبات آنفًا (^١)، ولا يُطلِق الكذبَ على قوله هذا [إلَّا] رجلٌ قليل العَقلِ والفهمِ في هذا السِّياق! فضلًا أن تتوقَّع -معاذَ الله- عدمَ فهم النَّبي ﷺ إيَّاه!\nوأمَّا قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾: فلا يثبُت كونُه كذِبًا، إلى أن لا يَثْبُت أنَّ إبراهيم ﵇ كان صحيحًا مُعَافىً حينئذٍ حَقًّا! ولم يكُن يَشتكي بأدنى شيءٍ مِن المَرض، وهذا لم يُذكَر في القرآن، ولا في أيِّ روايةٍ مُعتبرةٍ، غير هذه الرِّواية الَّتي نحن بصدَدِ البحثِ فيها (^٢).\nوأمَّا قوله في زوجتِه سارَة «إنَّها أختي»: فهو بنفسِه أمرٌ مُهمَل، يحكم عليه الإنسان بمُجرَّد سماعِه أنَّه لا يكون الواقعُ أبَدًا» (^٣).\nويفصِّل هذا (السُّبحاني) قائلًا: «لا دليلَ على أنَّه كَذَب في المَوارد الثَّلاثة المعروفة، .. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، فليس بكذبٍ قطعًا، فإنَّ الصِّدقَ\n_________\n(^١) يعني قولَ إبراهيم ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، فقد ذكر المودودي في «تفسيره» بأنه لم يُرد بذلك الكذب، بل قاله إقامة للحُجَّة عليهم.\n(^٢) نقل السُّبحانيُّ هذه الشُّبهة عينَها في كتابه «الحديث النبوي بين الدِّراية والرواية» (ص/٥٣٦) دون عزوٍ إلى المودوديِّ.\n(^٣) «تفهيم القرآن» للمودودي (٣/ ١٦٧ - ١٦٨) نقلًا عن «زوابع في وجه السُّنة» (ص/١٢٩ - ١٣١).","vol":"3","page":1448},{"text":"والكذبَ مِن صفاتِ الكلام الصَّادر عن جَدٍّ، وأمَّا الكلام الصَّادر لغايةٍ أخرى، كالهزلِ والاستهزاء الحقِّ، فلا يُوصَف بالكذب.\nوممَّا لا شَكَّ فيه أنَّ إبراهيم تَكَلَّم بما تَكَلَّم، ونَسَب كسْرَ الأصنام إلى كبيرِهم، بُغيةَ الاستخفاف بعقول القَومِ، حتَّى يُهيِّئ الأرضيَّة اللَاّزمة لأنْ يقولوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فتتهيَّأ عندئذٍ أرضيَّة مناسبة لإفحامِهم، وتفنيدِ مَزاعمهم بألوهيَّة تلك التَّماثيل .. فالكلام المُلقَى لتسكيتِ الخصمِ وإفحامِه لا يُوصَف بالكذب، إذا كان هناك قرينةٌ واضحةٌ على أنَّه لم يصدر لغايةِ الجدِّ ..\nونفترض أنَّه كذَبَ في هذه المَواضع الثَّلاثة، ولكنَّه ما كَذَب إلَاّ تقيَّةً وصيانةً لنفسِه عن تعرُّض العَدُوِّ الماكر، فقد امتثل واجبَه! فإنَّه إذا دافَع بهذه الكلماتِ عن دين الله، فقد امتثلَ المَعروف، فلِمَ لا تُقبَل شفاعَتَه؟! مع أنَّ مثل هذا الكذب أفضلُ مِن صدقٍ يَترتَّب عليه مَفسدة كبيرة» (^١).\n_________\n(^١) «الحديث النبوي بين الدراية والرواية» (ص/٥٣٦ - ٥٣٧)، ونفسُ هذا الكلام بصياغةٍ مختلفة في «عفوًا صحيح البخاري» لعبد الأمير الغول (ص/٣٥٥).","vol":"3","page":1449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>المطلب الثَّالث\nدفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديث: «لم يكذب إبراهيم إلَّا ثلاث كذبات»</span>\nأمَّا دعوى اعتراضهم الأوَّل من أنَّ صدور الكذب مِن الأنبياء ولو مرَّة واحدة، يَمنعُ مِن الوثوقِ بما أخبروا؛ فيُقال في الجواب عليه:\nإنَّه لا ريبَ في أنَّ الصِّدقَ مِن أعظمِ صِفاتِ الرُّسُلِ، وأنَّ الكذب مُحالٌ عليهم فيما يُبَلِّغونه عن الله تعالى على كلِّ حالٍ؛ نَقَل الاتِّفاقَ على ذلك القاضي عياض (^١).\nوهذا بخلاف المَعاريضِ والتَّوريةِ في الكلام، فإنَّها غيرُ مُمتنعة الوقوعِ منهم ما كانت لداعٍ اقتضتها في غيرِ تبليغٍ؛ وما صَدَر مِن إبراهيم ﵇ هو مِن هذا البابِ، حيث تَرَخَّص فيها لغرض صحيح رآه.\nوبهذا قال ابنُ قتيبة (^٢)، والماوَردي (^٣)، والقاضي عِياض (^٤)، وابن عطيَّة (^٥)،\n_________\n(^١) «إكمال المعلم» (٢/ ٨٤٩).\n(^٢) انظر «تأويل مختلف الحديث» (ص/٨٦).\n(^٣) نقلًا عن «عمدة القاري» للعينيي (١٥/ ٢٤٨).\n(^٤) انظر «إكمال المعلم» (٧/ ٣٤٧).\n(^٥) انظر «المحرر الوجيز» لابن عطيَّة (٤/ ٤٧٨).","vol":"3","page":1450},{"text":"وابن تيميَّة (^١)، وابن القيِّم (^٢)، والطُّوفي (^٣)، وأبو عبد الله القرطبي (^٤)، وابن حجر (^٥)، وزكريَّا الأنصاري (^٦)، وغيرهم.\nوقد أجابوا عن وجهِ تسميةِ النَّبي ﷺ لها مع ذلك بـ «كذباتٍ»، بأن قالوا: إنَّ للكلامِ نِسْبَتَينِ:\nنسبةً إلى قَصْدِ المُتكِّلم وإرادتِهِ مِن الكَلامِ.\nونسبةً إلى السَّامِع، وما أرَادَ المتكلِّمُ إفهامَه إيَّاه.\nوعلى ذلك، فلا يخلو حالُ المُتكلِّم بخَبَرٍ مِن ثلاثةِ أحوال:\nالأوَّل: أن يُخبِر بما هو مُطابقٌ للواقع، مع إرادةِ إفهامِ السَّامع ما قَصَد مِن الخبر: فهذا صِدقٌ مِن الجِهتين.\nالثَّاني: أن يُخبِر المُتكلِّم بخبَرٍ خلافَ الواقع، ورَمى إلى إفهام السَّامعِ خلافَ ما قَصَدَ أيضًا: فهذا كذِبٌ مِن الجِهتين.\nالثَّالث: أن يقصِد مِن الخَبر معنىً صحيحًا مُطابِقًا، لكن أَرادَ إفهامَ السَّامع خلافَ ما قَصَد: فهذا صِدقٌ مِن جِهة إخبارِه بالمعنى الصَّحيح المطابق، وكذبٌ مِن جهةِ إيهامِ السَّامع ما هو خلاف غَرَضِه.\nفهذه الحال الثَّالثة هي الَّتي تُسَمَّى (المَعاريض)، وهي مُباحة عند الحاجةِ، لم يُرَخَّص فيها فيما يجب بيانُه، كالبَيعِ، والشَّهادة، والإفتاء، ونحو ذلك، وهذا باتِّفاق أهل العلم (^٧).\n_________\n(^١) انظر «الاستغاثة» لابن تيميَّة (ص/٤٠٨).\n(^٢) انظر «مفتاح دار السعادة» لابن القيم (٢/ ٣٦).\n(^٣) انظر «الانتصارات الإسلاميَّة» للطُّوفي (٢/ ٦٩٠).\n(^٤) انظر «الجامع لأحكام القرآن» (١١/ ٣٠١).\n(^٥) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٤٨٢).\n(^٦) انظر «منحة الباري» (٦/ ٤٣٩).\n(^٧) «الاستغاثة في الردِّ على البكري» (ص/٤٠٨).","vol":"3","page":1451},{"text":"فبِنَظَرِ إبراهيم الخليل ﵇ إلى جِهة خلاف الواقع مِن جِهَتَيْ المعاريض، أطلَقَ على كلماتِه اسمَ الكذِب، ولو لم يُخبِر إلَاّ صِدْقًا (^١)، ولكن قد سُمِّيت كذلك مِن بابِ التَّوسُّعِ في اللَّفظ.\nيتبيَّنُ هذا جَليًّا في مثالِ كلماتِه الثَّلاث:\nالأولى: نظرُه ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾:\nفقد كان اعتقاد قومِ إبراهيم ﵇ النَّظرُ في النُّجوم والكواكبِ، والاستدلالُ بها على ما سيحدُث، وهو ضَربٌ مِن ضُروبِ عبادَتِهم وتَعلُّقِهم بها (^٢)، فأراد إبراهيم أن يوهِمَهم بنظرِه في النُّجومِ بأنَّه عَرَف مِن دَلَالتِها أنَّه سيَسقُم في المُستقبَل العاجل، وقَوَّى ذلك عندهم أنَّ كلَامَه ﵇ كان في مَعرضِ اعتذارٍ عن الخروجِ معهم، فالأنفعُ له والحالةُ هذه القَرار.\nفقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾: أرادَ به في المستقبلِ، بقرينةِ نظَرِه في النُّجوم، وإيهامِه المَذكور، وما كَذّب ﵇ في أنَّه سيسقَمُ؛ فإنَّ كلَّ إنسانٍ لا بُدَّ أنَّه مُعَرَّض لسَقَمٍ، وإنَّما أرادَ أن يتركوه ليَتَوَصَّل إلى تَكسيرِ أصنامِهم (^٣).\nوالثَّانية: قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾.\nفليس قَصْدُ إبراهيمَ ﵇ نسبةَ الفعلِ الصَّادِرِ عنه إلى الصَّنَم، وإنمَّا قَصَد تقريرَه لنفسِه وإثباتَه لها على أسلوبٍ تَعريضيٍّ يبلُغ فيه غَرَضَه في إلزامِهم الحُجَّة وتبكيتِهم.\nفمُرادُه ﵇ كان جَلِيًّا عند المُخاطَبِ أنْ يَتدبَّرَ حالَ مَعبوداتِه، كما ينبِّئ عنه قولُه بعدها: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، قاله تَهكُّمًا بهم، وتَعريضًا بأنَّ ما لا يُعرِب عن نفسِه، ولا يَدفع عنها، غيرُ أهلٍ للإلَهيَّة، وعلى\n_________\n(^١) انظر «المحرر الوجيز» لابن عطيَّة (٤/ ٤٧٨)، و«مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٢٣) و«الاستغاثة» (ص/٤٠٨) لابن تميَّة، و«مفتاح دار السعادة» لابن القيم (٢/ ٣٦)\n(^٢) انظر «الفِصل» لابن حزم (٤/ ٦).\n(^٣) «رفع الاشتباه» للمعلِّمي (٢/ ٤٥٤ آثار المعلمي)، وانظر «جامع البيان» لابن جرير (١٩/ ٥٦٦).","vol":"3","page":1452},{"text":"تقديرِ أنَّها تَعقِلُ وتفعل، لاحتُمِلَ أنَّ الكبيرَ غَضِبَ مِن عِبادةِ الصِّغار معه، يشيرُ إلى أن رَبَّ العَالمين سبحانه يَغضبُ مِن عبادةِ شيءٍ دونه معه (^١).\nيقول ابن حزم: «فلَم يَقُل إبراهيم ﵇ هذا على أنَّه مُحَقَّق، لأنَّ كبيرَهم فعَلَه، إذْ الكَذِبُ إنَّما هو الإخبارُ عن الشَّيءِ بخلافِ ما هو عليه قصدًا إلى تحقيقِ ذلك» (^٢).\nفإذا تقرَّر أنَّ كلمات الخليلِ ﵇ ليست كَذِبًا في حقيقتِها، لانتفاءِ قصدِه الإخبارِ عن الشَّيء بخلافِ ما هو عليه -وهذا ما حَدَّ به ابن حزمٍ تعريفَ الكذِب كما رأيتَ- فإنَّ وجه تسميتِه لهذه المقالةِ كذبًا في حديث الشَّفاعةِ (^٣) هو مِن قبيل المَجازِ كما سبق أن قرَّرناه.\nيقول الطَّاهر ابن عاشور:\n«الكلامُ والأخبارُ إنمَّا تَستقِرُّ بأواخِرِها وما يَعقُبها، كالكلامِ المُعقَّب بشرطٍ أو استثناءٍ، فإنَّه لما قَصَد تنبيهَهم على خطأِ عبادتِهم للأصنامِ، مَهَّد لذلك كلامًا هو جارٍ على الفَرْضِ والتَّقدير، فكأنَّه قال: لو كان هذا إلهًا لما رضِيَ بالاعتداءِ على شركائِه، فلمَّا حَصل الاعتداء عليهم بمَحضرِ كبيرِهم تَعيَّن أن يكون هو الفاعل لذلك، ثمَّ ارتقى في الاستدلالِ بأن سلَبَ الإلهيَّة عن جميعِهِم بقولِه: ﴿إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ كما تقدَّم.\nفالمُراد مِن الحديثِ: أنَّها كذِباتٌ في بادئِ الأمرِ، وأنهَّا عند التَّأمل يظهر المقصود منها، وذلك أنَّ النَّهي عن الكذبِ إنمَّا عِلَّته: خَدْعُ المُخاطَب، وما يَتسبَّب على الخبر المَكذوبِ مِن جَريان الأعمالِ على اعتبارِ الواقعِ بخلافِه، فإذا كان الخبر يُعقَب بالصِّدق، لم يكُن ذلك مِن الكذب، بل كان تعريضًا، أو مَزحًا، أو نحوهما» (^٤).\n_________\n(^١) انظر «المحرَّر الوجيز» لابن عطية (٤/ ٢٦٢)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٢) «الفِصل في الملل والأهواء والنحل» (٤/ ٥).\n(^٣) سيأتي الكلام عن الحديث قريبًا.\n(^٤) «التحرير والتنوير» لابن عاشور (١٧/ ١٠٢).","vol":"3","page":1453},{"text":"فبان بهذا أنَّ ما بَدَر مِن إبراهيم ﵇ مِن جوابِ قومِه لم يقصد به إلَّا إثباتَ الفعلِ لنفسِه على الوجهِ الأبلغِ، مُضمَّنًا فيه الاستهزاءَ والتَّضليل، مُنتَفِيًا عنه العِلَّة مِن تحريمِ الكَذِبِ، فدَلَّ أنَّه خَرَج مَخرجَ التَّعريض، «كما إذا قال لك أُمِيٌّ فيما كتبته بخطٍّ رشيقٍ، وأنت شهيرٌ بحسنِ الخطِّ: أأنتَ كتبتَ هذا؟ فقلتَ له: بل كتبتَهُ أنتَ! فإنَّك لم تقصِد نَفْيَه عن نفسِك، وإثباتَه للأُمِيِّ، وإنَّما قصدتَ إثباتَه وتقريرَه لنفسِك، مع الاستهزاءِ بمخاطَبك» (^١).\nوهذا ما سيفهَمه الأُميُّ نفسُه -بل وأيُّ إنسانٍ عاقلٍ- مِن هذا الأسلوب مِن الخطاب.\nوالثَّالثة: قوله ﵇ لزوجِه سارةَ: «أخبريه أنَّكِ أُختي»:\nفلا أوضحَ مِن تَعليلِ إبراهيم ﵇ نفسِه لأمرِه إيَّاها بقوله لها: «فإنَّك أختي في الإسلام» مِن بابِ التَّعريضِ والتَّوريةِ في الكلامِ، فإنَّ مَن سَمَّى المسلمةَ أُختًا له قاصدًا أُخوَّة الإسلامِ، فليس بكاذبٍ قطعًا.\nلكنَّ النَّبي ﷺ وجدَّه إبراهيم ﵇ إنَّما أطلقَا عليه لفظَ الكذبِ: لمِا هو مقرَّرٌ «أنَّ الأختَ في الحقيقةِ المشاركةُ في النَّسَب، وأمَّا المشاركة في الدِّين فأختٌ على المَجاز، فأرادَ أنَّها كِذبةٌ على مُقتَضَى حقيقةِ اللَّفظةِ في اللُّغة» (^٢) وعُرفِ النَّاس، لا أنَّها كذلك في حدِّ الحقيقةِ، ولكن من بابِ التَّجوُّزِ والتَّوسُّع في الكلامِ، لِتصَوُّرِها بصورةِ الكذِب في الظَّاهرِ، كما قد أقررناه سابقًا.\nوالنَّبي ﷺ وإنْ تَوسَّعَ في إطلاقِ لفظِ الكذبِ على كلماتِ إبراهيم ﵇، مع كونِهنَّ مِن جملةِ المَعاريض: فليسَ يريد مع ذلك أنَّها تُذَمُّ منه ﵇، فإنَّ نفسَ الكَذبِ وإن كان في أصلِه قبيحًا، لكنَّه يحسُن في مَواضعَ (^٣)!\nيقول ابن العربيِّ: «الكذب هو الخَبر عن الشَّيء بخلافِ مخبَرِه، كان بقصدٍ أو بغير قصدٍ، مَأذونًا فيه أو غير مأذون، ولم يُحرَّم لعينِه، ولا قُبِّح لذاته، لأنَّه قد\n_________\n(^١) «روح المعاني» للآلوسي (٩/ ٦٣).\n(^٢) «المعلم» للمازري (٣/ ٢٢٨).\n(^٣) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٩٢).","vol":"3","page":1454},{"text":"يوجد الكذب في الشَّريعة واجبًا، كتخليصِ المُسلم مِن الظَّالم، وقد يوجد مُستحبًّا، ككذبٍ يدفع الضَّرر عن الكاذب ..، وقد يكون مُباحًا ككذبِ الرَّجل لأهلِه» (^١).\nفإذا كان الكذب في نفسِه منه المَمدوح والمَذموم، لم يمكن أن يُقال أنَّ النَّبي ﷺ مَدَح جدَّه ﵇ بالكذبِ المَذمومِ! فلذا نراه قد قيَّدَ وصفَه لها بكونها كذبًا «في ذاتِ الله»، «والقصدُ بهذا التَّقييد منه ﷺ نفيُ مَذمَّةِ الكذبِ عنه ﵇، لجلالةِ قدرِه في الأنبياءِ -صلواتُ الله عليه وعليهم أجمعين-» (^٢).\nوإنَّما انحادَ النَّبي ﷺ عن وصفِها بالمَعاريضِ إلى وصفِها بالكذباتِ: تأكيدًا للمَدحِ بما يُشبه الذَّم! كقولِ النَّابغةِ (^٣):\nولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهم *** بهنَّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائبِ (^٤)\nوهذا الأسلوب يحسُن مثلُه حيث يكون المُستثنَى واضحَ الخروجِ مِن المُستثنَى منه -كما في هذا البيتِ المُستشهَد به- وهو الحاصل من النَّبي ﷺ في كلماتِ إبراهيم ﵇، فإنَّ الثَّلاثة المُستثناة ظاهرةٌ في خروجِها عن حَدِّ الكذبِ المَحْضِ المَذمومِ (^٥).\n_________\n(^١) «عارضة الأحوذي» لابن العربي (١/ ٢٣).\n(^٢) «المُعلِم» للمازري (٣/ ٢٢٨).\n(^٣) هو زياد بن معاوية الذُّبياني أبو أمامة (ت ١٨ قبل الهجرة)، شاعر جاهليٌّ، من الطَّبقة الأولى، من أهل الحجاز، كانت تُضرب له قبة بسوق عكاظ، فتقصده الشعراء لعرض أشعارها، انظر «أشعار الشعراء الستة الجاهليين» للشَّنتمري (ص/٢٦).\n(^٤) انظر «أمثال العرب» للمفضل الضَّبي (ص/١٧٠).\n(^٥) بخلاف ما نحا إليه المعلِّمي في «إرشاد العامَّة إلى معرفة الكذب وأحكامه» (١٩/ ٢٤٩ الآثار)، حيث رأى أنَّها غير ظاهرة في خروجها من المُستثنى منه، لأنَّ تلك الكذبات مذمومة، بدعوى أنَّها سُميت في رواية أخرى بـ «خطيئة»، في قوله ﷺ عن إبراهيم في حديث البخاري (رقم: ٧٤١٠): «لستُ هناكم، ويذكر خطاياه الَّتي أصابها ..»، قلتُ: إطلاق الخطايا عليهنَّ هنا هو باعتبارِ اعتقادِ قائلهنَّ، كما كان إطلاق الكذب عليهنَّ باعتبارِ سامعِهنَّ، فكما نفينا عن هذه حقيقة الكذب، نفينا عن تلك حقيقة الخطيئة.","vol":"3","page":1455},{"text":"يقول أبو العبَّاس القرطبيُّ: «يُنبِّه بذلك على أنَّ الأنبياء ﵈ مُنزَّهون عن الكذب الحقيقيِّ؛ لأنَّهم إذا كانوا يَفْرَقُون مِن مثل هذه المعاريض الَّتي يجادلون بها عن الله تعالى وعن دينه، وهي مِن باب الواجبِ وتُعدُّ عليهم: كان أحرى وأوْلى أن لا يصدر عنهم شيءٌ من الكذب الممنوع» (^١).\nفكأنَّه ﷺ قال في الحديث: لم يَصْدُر عن الخليلِ ﵇ كذِبٌ قطُّ، فإن كان كذَبَ، فهي هذه الكلماتُ الثَّلاثة! والحالُ أنَّهنَّ لسنَ بكذبٍ محض، بل مَعارِيضُ لوجهِ الله.\nفإن قيل: إذا كان الصَّادق المَصدوق ﷺ قد شَهِد لإبراهيم ﵇ بالبراءةِ عن ساحتِه، فما بال إبراهيم ﵇ يشهدُ هو على نفسِه بالكذبِ في حديثِ الشَّفاعةِ المشهورِ: «.. إنِّي قد كنتُ كَذَبتُ ثلاثَ كذباتٍ -وذكرَها- نفسِي نفسِي ..» (^٢)؟!\nفجواب ذلك:\nأنَّا وإن أخرجناها عن مَفهومِ الكذباتِ باعتبارِ التَّورية وسَمَّيناها مَعاريضَ، فلا نُنكِر أنَّ صورتَها صورةُ التَّعريج عن المستقيمِ في الكلامِ (^٣) بمجيئِها في صورةِ الكذبِ -كما أشرنا إليه آنفًا- إذْ كانت في حَقَّيْ المُخبَر والخَبر ظاهرُها بخلافِ باطنِها؛ فلمَّا جاءت بهذه الصُّورة -وإن لم تكُن هي كذِبًا في الباطنِ- أشفقَ إبراهيم ﵇ مِن المؤاخذةِ عليها يوم القيامة (^٤)! وخافَ أن تُعَدَّ عليه، ويُعاتَبَ عليها بالنِّسبةِ إلى مَنصبِ الأنبياءِ، وعُلوِّ شأنهِم عن الكنايةِ بالحقِّ، مشفقًا أن يَقع\n_________\n(^١) «المُفهم» (١٩/ ٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: التفسير، باب قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، رقم: ٤٧١٢)، ومسلم في (ك: الأيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم: ٣٢٧).\n(^٣) «الكاشف عن حقائق السُّنن» للطَّيبي (١١/ ٣٦٠٤ - ٣٦٠٥).\n(^٤) انظر «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٧/ ٣٤٧).","vol":"3","page":1456},{"text":"ذلك منه مَوقعَ الكذبِ مِمَّن هو دونه (^١)؛ فالوَزير قد يُؤاخَذ بما يُثابَ عليه السَّائس (^٢)! و«حسناتُ الأبرارِ سيِّئات المُقَرَّبِين» (^٣).\nفكونُه ﵇ تَكلَّم بشيءٍ يُشبه الكذبَ في الظَّاهرِ من غير إذنٍ خاصٍّ، «خَشِيَ أن لا يُصادَفَ اجتهادُه هذا الصَّوابَ مِن مُراد الله، فخشِي عتابَ الله، فتخلَّص مِن ذلك الموقف» (^٤)، إذ رأى فعلَه حِجابًا عن استحقاقِ المَقامِ المَحمودِ، والأنبياء يُشفِقون ممَّا لا يُشفِق منه غيرهم إجلالًا لله؛ «ممَّا يدلُّك على أنَّ يوم القيامة تصفو فيه الأذهان، ويعظُم فيه مِن كلِّ أحدٍ التَّحرير حتَّى الأنبياء، ولم يكُن لإبراهيم وآدم ونوح -صلوات الله عليهم- لمَّا استعملوا التَّحريرَ وجَوَّدُوا التَّفتيشَ إلَّا هذا القَدْر» (^٥)!\nفاللَّهم سلِّم سلِّم.\n_________\n(^١) انظر «شرح المصابيح» لابن الملك (٦/ ١٥٣).\n(^٢) انظر «المُفهم» (٣/ ٥٨)، و«التَّذكرة» لأبي عبد الله القرطبي (ص/٦١٠).\n(^٣) انظر «الرِّسالة القشيرية» (١/ ١٥٥).\n(^٤) «التحرير والتنوير» (١٧/ ١٠٢).\n(^٥) «الإفصاح» لابن هبيرة (٦/ ٤٣٨).","vol":"3","page":1457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>المَبحث الثَّالث\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث فرارِ الحجرِ بثيابِ موسى ﵇</span>","vol":"3","page":1459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديث فرارِ الحجرِ بثيابِ موسى ﵇</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إنَّ موسى ﵇ كان رجلًا حيِيًّا سِتِّيرًا، لا يُرى مِن جلدِه شيءٌ استحياءً منه، فآذاه مَن آذاه مِن بني إسرائيل، فقالوا: ما يستَتِر هذا التَّستُّر إلَّا مِن عيبٍ بجلدِه، إمَّا بَرص، وإمَّا أُدْرَة (^١)، وإمَّا آفَة.\nوإنَّ الله أرادَ أن يُبرِّئه ممَّا قالوا لموسى، فخَلَا يومًا وحده، فوضع ثيابَه على الحَجَر، ثمَّ اغتسل، فلمَّا فَرغ أقبلَ إلى ثيابِه ليأخذُها، وإنَّ الحجَر عَدا بثوبِه! فأخذَ موسى عصاه وطَلَب الحَجر، فجَعَل يقول: ثوبي حَجَر! ثوبي حَجَر! حتَّى انتهى إلى مَلإٍ مِن بني إسرائيل، فرَأوه عُريانًا أحسنَ ما خَلَق الله، وأبرأه ممَّا يقولون.\nوقام الحَجَر، فأخذَ ثوبَه فلبِسَه، وطفِق بالحجرِ ضربًا بعصاه، فوالله إنَّ بالحجر لنَدْبًا مِن أثرِ ضربِه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا (^٢)، فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(^١) الأُدرة: نفخة في الخصية، قال النَّووي: «هو عظيم الخصيتين»، وقيل: هو الَّذي يصيبه فتق في إحدى الخِصيتين، وقيل: الخصية العظيمة مِن غير فتق، انظر «طرح التثريب» (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) قال ابن حجر: «ظاهره أنه بقية الحديث، بُيِّن في رواية همَّام في الغسل أنَّه قول أبي هريرة»، انظر «فتح» (٦/ ٤٣٧).","vol":"3","page":1461},{"text":"آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]» متَّفق عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ﵉، رقم: ٣٤٠٤)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب من فضائل موسى ﵇، رقم: ٣٣٩).","vol":"3","page":1462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ\nلحديث فِرارِ الَحجرِ بثيابِ موسى ﵇</span>\nاحتجَّ بعض الكُتَّاب المعاصرين على إبطالِ هذا الحديث بعدَّة شُبهاتٍ، أَوْلاها عندي بالتَّأمُّل والردِّ ثلاث:\nالمعارضة الأولى: أنَّ الحالَ الَّتي بُرِّئ بها موسى ﵇ فيها كشفٌ مُحرَّم لعورتِه، وإسقاطٌ لقَدْرِه عند قَومِه:\nوفي تَقرير هذه الشُّبهة، يَتساءلُ (إسماعيل الكرديُّ): «هل يُعقَل أن يفضَحَ الله تعالى موسى على رؤوسِ أصحابِه، فيجعلَهم ينظرون إلى عورتِه، ويشاهدون خِصْيتَه، حتَّى يثبُتَ لهم أنَّه ليس بآدَر؟ وهل هذه طريقةٌ للدِّفاع عن الأنبياء؟!» (^١).\nويقول (عبد الحسين الموسوي): «إنَّه لا يجوز تشهيرُ كَليم الله ﵇ بإبداءِ سَوأتِه على رؤوسِ الأشهادِ مِن قومه، لأنَّ ذلك يُنقِصه ويُسقط مِن مَقامه، ولاسيما إذا رأوه يَشتدُّ عاريًا ينادي الحجرَ، وهو لا يسمع ولا يبصر! .. لقد كان في إمكانِه أن يبقى في مكانِه حتَّى يُؤتَى بثيابِه أو بساترٍ غيرها، كما يفعله كلُّ ذي لُبٍّ إذا ابتُلي بمثلِ هذه القصَّة» (^٢).\n_________\n(^١) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث النبوي» (ص/١٩٢).\n(^٢) «أبو هريرة» (ص/٨٩) بتصرف، وانظر «أضواء على الصحيحين» (ص/٢٢٤)، و«الأضواء القرآنية» (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).","vol":"3","page":1463},{"text":"المعارضة الثَّانية: أنَّ واقعة ذَهابِ الحَجر بثيابِ موسى ﵇لو صَحَّت- فإنَّها تكون بأمرٍ مُعجزٍ مِن الله تعالى، فما كان يَصِحُّ لموسى ﵇ أن يَغضَبَ عليه إذن، فضلًا عن ضَربِه ومُناداتِه وهو جَمادٌ لا يَعقل!\nوفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (عبد الحسين الموسوي): «هذه الحركةُ لو صَحَّت، فإنَّما هي مِن فعلِ الله تعالى، فكيف يَغضب منها كليمُ الله فيعاقب الحَجرَ عليها وما هو إلَّا مَقسورٌ على الحركةِ؟! وأيُّ أثرٍ لعقوبةِ الحَجَر؟!» (^١).\nويقول (الكرديُّ): «مِن إشكالاته أيضًا: مُناداة موسى للحَجَر، ثمَّ ضربه إيَّاه، مع أنَّه جمادٌ لا يعقل! ومع أنَّ حركته وسَيْره يُفيدان أنَّ ذلك تَمَّ بأمرٍ إعجازيٍّ مِن الله» (^٢).\nالمعارضة الثَّالثة: إنَّ المقصودَ بالآيةِ المُخْتَتَمِ بها في الحديثِ: تحذيرُ الأمَّةِ من إيذاءِ النَّبي ﷺ باتِّهامِه بما اتَّهَمت به بنو إسرائيل نبيَّها موسى ﵇، مِن السِّحر والكذبِ وغير ذلك ممَّا اتَّهمَته به، وبه فَسَّر الآيةَ عليٌّ ﵁، وهو مِن أعلمِ النَّاس بمعاني الآي الكريمِ.\nوفي تقرير هذا الاعتراضِ، يقول (الموسَوي):\n«الواقعة الَّتي أشارَ إليها بقوله ﷿وذَكر الآية-: المَرويُّ عن أمير المؤمنين ﵇ وابن عبَّاس [﵃] أنَّها: اتِّهامهم إيَّاه بقتل هارون، وهو الَّذي اختارَه الجُبَّائي.\nوقيل: هي قضيَّة المُومِسة الَّتي أغراها قارون بقذفِ موسى ﵇ بنفسها.\nوقيل: آذوه مِن حيث نَسَبوه إلى السِّحر والكذب والجنون بعد ما رأوا الآيات.\n_________\n(^١) «أبو هريرة» (ص/٨٨).\n(^٢) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث النبوي» (ص/١٩٢).","vol":"3","page":1464},{"text":"وإنَّي لأعجَبُ مِن الشَّيخين يُخرجان هذا الحديث والَّذي قبله (^١) في فضائلِ موسى ﵇، وما أدري أيُّ فضيلةٍ بإبداء العَوْرةِ للنَّاظرين، وأيُّ وَزْنٍ لهذه السَّخافات؟!» (^٢).\nوقال صالح أبو بكر: «الأصل في نشأةِ هذه القصَّة: هو الاستناد إلى الآية .. والمقصود هو أنَّ الله يحذِّر هذه الأمَّة مِن أن تؤذي النَّبي ﷺ باتِّهامِه بالسِّحر والكذب، أو الرَّغبة بالسُّلطان عليهم، مثل ما فَعَل بنو إسرائيل مع نبيِّهم موسى ﵇ .. والأذى الَّذي حدث لموسى مِن قومه هو اتِّهامه بالسِّحر والكذب، والرَّغبة بالسُّلطان عليهم، وهو ما حَدَث مِن قريشٍ للنَّبي ﷺ، ولذلك جاءهم التَّحذير منه» (^٣).\n_________\n(^١) يعني حديث لطمِ موسى ﵇ لملك الموتِ.\n(^٢) «أبو هريرة» لعبد الحسين الموسوي (ص/٩٠)، وانظر «أضواء على الصحيحين» للنجمي (ص/٢٢٥).\n(^٣) «الأضواء القرآنية» (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).","vol":"3","page":1465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>المَطلب الثَّالث\nدفعُ المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ\nعن حديثِ فِرارِ الحَجرِ بثيابِ موسى ﵇</span>\nأمَّا دعوى المعارضة الأولى: من كونِ الحالَ الَّتي بُرِّأ بها موسى ﵇ فيها كشف مُحرَّم لعورتِه، وإسقاطٌ لقدرِه عند قومِه:\nفإنَّا ننفي أن يكونَ للمُعترضِ بهذا دليلٌ على كونِ ما جَرى لموسى ﵇ من كشفِ عَوْرَتِه أمام الرِّجال مُحرَّمًا في شرعِه، بل الظَّاهر المُستفاد مِن الحديث أنَّ التَّسَتُّرَ لم يكُن وَحْيًا واجبًا بين الرِّجالِ في شرعِه ﵇، ولا وَرَد عنه النَّهيُ لهم عن التَّكشُّفِ في الجِنسِ الواحد، فلأجلِ أنَّ هذا كان مَعلومًا لدى قومِه، أنكرَ عليه ظَلَمَتُهم التَّسَتُّر عنهم (^١).\nأمَّا احتِجابُ موسى ﵇ عن رؤيةِ الرِّجالِ له عاريًا، فلا يدلُّ ذلك منه على وجوبِ ذلك على قومِه، على ما تَقرَّر في الأصولِ أنَّ الفِعْلَ المُجرَّد لا يدلُّ على الوُجوبِ (^٢)؛ ولكنْ كان اغتساله ﵇ خاليًا أخذًا في حَقِّ نفسِه بالأكملِ والأفضلِ.\n_________\n(^١) «إكمال المعلم» (٢/ ١٨٩) (٧/ ٣٥٠).\n(^٢) انظر «الإحكام» للآمدي (١/ ١٧٣)، و«إيضاح المحصول» للمازري (ص/٣٥٣).","vol":"3","page":1466},{"text":"وأمَّا إخراجُه بين أظهرهِم عُريانًا ففيه تحقيقٌ لمصلحةِ البراءةِ، وقد علِمنا إباحةَ ذلك في الأصلِ (^١)، ولولا هذه الإباحة لمَا قُدِّر لموسى ﵇ مِن ذلك حتَّى يُبرَّأ عندهم ممَّا آذوه به، فـ «إنَّ الله لا يقدِّر لنبيِّه ما ليس بجائزٍ في شَرْعِه» (^٢).\nأمَّا افتراضُ المعترضِ أوْلوِيَّةَ بَقاءِ موسى ﵇ في مكانِه، حتَّى يُؤتى بثيابِه أو بساترٍ غيرها (^٣):\nفإنَّ هذا من المُعترض مُقتَضى عجزِه عن مَزيدِ تأمُّلٍ لحَيْثِيَّاتِ الواقعةِ! وذلك أنَّ موسى ﵇ كان في خَلوةٍ وحده كما هو ظاهر الخَبَر، فليس ثَمَّة في ظنِّه مَن يَعْلَم بحالِه حتَّى يطلب منه بسَاترٍ! فلذا طَفِق يتبعُ الحَجَر بنفسه، فاتَّفَقَ أنْ جازَ على مقربةٍ من رجالٍ مِن قومِه فرَأَوه، فإنَّ جوانِبَ الأنهارِ -وإنْ خَلَتْ- لا يُؤمَن وجودُ قريبٍ منها، وقد بَنىَ موسى ﵇ الأمرَ أنَّه لا يَراه أحَدٌ على ما رآه مِن خَلاءِ المكانِ، حتَّى وَقَف عند مَجلسٍ لبني إسرائيل، فكان فيهم مَن قال فيه ما قال (^٤).\nوأمَّا جواب المعارضةِ الثَّانية في دعوى المعترض سَفَاهة غضبِ موسى على الحَجٍ، وهو يعلمُ أنَّه مَقسورٌ على ذلك، مع ضَربِه ومُناداتِه وهو جمادٌ لا يَعقِل! فيُقال في جوابِه:\nإنَّ موسى ﵇ وإن كان نَبيًّا مِن أنبياء الله تعالى، لا يخرجه ذلك أن يكون مِن جملةِ بني آدم ممَّن تغلِبُ عليه طِباعُ البَشَر.\nفلِفَجأةِ ما ابتُلي به مِن ذهابِ ثيابِه، واستفظاعِه لانكشافِ عَوْرَتِه: لم يَلْوِ على شيءٍ إلَّا رَدَّ ثيابِه قبل أن يُرَى على ما يكرَه هو، وهذا مَقامٌ صَدْمَةٍ يَذهلُ فيه الرَّجل عن تَحَقُّقِ سَببِ تلك الحَركة، كما كان ذَهَل هو نفسُه بغَضَبِه عمَّا بِيَدِه، حتَّى ﴿أَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]!\n_________\n(^١) «طرح التثريب» (٢/ ٢٢٥).\n(^٢) «فتح الباري» لابن رجب (١/ ٣٣٠).\n(^٣) «أبو هريرة» لعبد الحسين الموسوي (ص/٨٩).\n(^٤) انظر «كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٤٩٦)، و«فتح الباري «لابن حجر (٦/ ٤٣٨).","vol":"3","page":1467},{"text":"فلمَّا أنْ أدرَكَ الحَجرَ مُستقرًّا مكانَه صَبَّ عليه جَمَّ غضَبِه حيث صَدَر عن الحَجر فِعْلُ مَن يَعقِل (^١)! فانتقلَ عنده مِن حُكمِ الجَمادِ إلى حُكمِ الحيوان، ولذلك نَادَاه قبلُ، إذْ المُتَحرِّك يُمكن أن يَسْمَع ويُجيب، فلمَّا لم يُعْطِه ما أراد ضَرَبَه بعفويَّة (^٢)، فإنَّ مَخلوقًا إذا أمكنَ أن يمشيَ، أمْكنَ أن يُحسَّ بالضَّرْبِ ويَخشاه (^٣)!\nهذا؛ ولا أُحيل أن يكون ما صَدَر منه ﵇ مِن ضَربٍ للحجر مُجرَّد تنَفيسٍ جِبِليٍّ لا شعوريٍّ عن غَضبِه، كما يجري مثلُه لكثيرٍ مِن النَّاس ذَوي المَزاجِ الحادِّ حين تَعْطُب بعضُ آلاتِهم بعد إياسٍ مِن تَطويعِها، فتراهم يَضرِبون الآلةَ أو يركلونها بدافعِ الغَضَبِ والضَّجرِ! ليس ذلك إلَّا ردَّة فِعلٍ طبيعيَّة، مَدفوعين بفطرةِ الإنسانِ للانتقامِ مِمَّن آذاه، بغَضِّ النَّظر عن طبيعةِ هذا المُؤْذِي.\nثمَّ إنَّ ضربَ موسى ﵇ للحَجَرِ كان لأجلِ فعلِ الحَجَر، «فلم يَدْرِ موسى ولا عَلِم مُرادَ الله تعالى بذلك، وأنَّه ممَّا يُبَرِّئه الله تعالى به» (^٤)، حيث كان جَرْيُ الحَجَرِ معجزةً ظاهرةً له على قومِه، وكذا في حُصولِ النَّدْبِ فيه مِن ضَربِه بعصاه، كأنَّه أَثَرُ الجَرحِ إذا لم يَرتفِع عن الجِلْد (^٥)؛ والمُراد من ذلك أنْ يقف حتَّى ينظُرَ إليه جماعةٌ مِن بني إسرائيل، ثمَّ يُشاهدوه حَجَرًا جَمادًا، فيعلموا أنَّما هي آيةٌ رادِعةٌ، عمَّا اختلقوه على نبيِّهم.\nيقول العِراقيُّ: «هذه معجزة لموسى ﵇يعني النَّدْبَ في الحَجر- بعد انقضاءِ المُرادِ مِن المعجزةِ الأولى، وهو فِرار الحَجَر بثوبِه، وإلجاؤُه إلى الخروجِ على بني إسرائيل على تلك الهيئةِ، وكأنَّ المعنى في هذه المعجزة أمور:\nأحدُها: بقاءُ هذا الأثَر في الحَجَر على طولِ الزَّمان، فيُتذَكَّر به هذه الواقعة، ويُعلَم به فضلُ موسى ﵇ وبراءته ممَّا اختلقوا عليه.\n_________\n(^١) «المُفهم» لأبي العبَّاس القرطبي (١٩/ ١٠٣).\n(^٢) «كوثر المعاني الدراري» للخضر الشنقيطي (٥/ ٤٦٠).\n(^٣) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (١/ ٣٩٤).\n(^٤) «الإفصاح» لابن هبيرة (٧/ ٢١٠).\n(^٥) «إكمال المعلم» (٧/ ٣٥٠).","vol":"3","page":1468},{"text":"ثانيها: أنَّه حَصَل عند السَّيد موسى ﵇ في ذلك الوقتِ حِدَّة، فلولا تَأثُّر الحَجَر بضربِه، وظهور أثَرِه فيه: لزادَتْ حِدَّةُ السَّيد موسى مِن عَدَم حصولِ مقصودِه، وهذا كتشبيهِ مَن يحاول أمرًا ولا يصِل إليه: بالضَّاربِ في حديدٍ باردٍ، فلولا تأثُّر الحَجر بالضَّرب لكان الضَّرب فيه كالضَّرب في حديدٍ باردٍ.\nثالثُها: أنَّه لولا تأثُّر الحَجر بالضَّرب، وبقاء النَّدب فيه: لعَدَّ أهلُ السَّفاهةِ والجهلِ والعُتوِّ والاختلاقِ هذا عَبَثًا، فكان يحصُل لموسى ﵇ بذلك أذًى زائدٌ على ما تقدَّم، والقصد رفعُ الأذى عنه، لا جلبُه إليه» (^١).\nوأمَّا جواب المعارضةِ الثالثة: في دعواه أنَّ المقصود بالآية الكريمةِ تحذيرَ الأمَّة من إيذاءِ النَّبي ﷺ كما آذت بنو إسرائيل موسى ﵇ حين اتَّهمته بالسِّحر والكذب أو قتلِ أخيه .. إلخ:\nفلا يُنكَر اختلافُ أهل التَّأويل في المُراد مِن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾.\nفإنَّ منهم مَن قال: إنَّ بني إسرائيلَ قالت أنَّ بموسى آفةً في جسَدِه من أدرةٍ أو برصٍ ونحوهما، كما ذكرنا في الحديث.\nوقيل: أنَّه صَعِد الجَبَل ومعه هارون، فمات هارون فقالوا: أنتَ قتلتَه، رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁.\nوقيل: أنَّ قارون استأجَرَ بَغِيَّةً لتقذف موسى بنفسِها على ملأٍ من بني إسرائيل، فعصمها الله، وبرَّأ موسى مِن ذلك، قاله أبو العالية (^٢).\nوالقول الرَّابع: أنَّهم رَموه بالسِّحر والجُنون، حكاه الماوَرديُّ (^٣).\n_________\n(^١) «طرح التثريب» (٢/ ٢٣١).\n(^٢) رفيع بن مهران، أبو العالية الريَّاحى البصرى، المقرِئ، الحافِظُ، المُفَسِّرُ، ثقة من كبار التابعين، توفي (٩٠ هـ وقيل ٩٣ هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٢٠٧).\n(^٣) انظر هذه الأقوال في «جامع البيان» للطبري (١٩/ ١٩٠)، و«النكت والعيون» للماوردي (٤/ ٤٢٧)، و«زاد المسير» لابن الجوزي (٣/ ٤٨٥).\nوالماورديُّ: هو علي بن محمد حبيب، أبو الحسن البصري، من علماء الشَّافعية، ومن أقضى قضاة عصره، انتقل من البصرة إلى بغداد، وكان يميل إلى مذهب الاعتزال، من تصانيفه «النكت والعيون» في التفسير، و«أدب الدنيا والدين»، انظر «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٧٨)، و«الأعلام» للزركلي (٤/ ٣٢٧).","vol":"3","page":1469},{"text":"أمَّا القولان الأخيران: فمَحْضُ اجتهادٍ مِن أصحابِها، وأَمارة الرَّفع فيها ضَعيفة.\nوأمَّا القول الثَّاني في ما رُوِيَ عن عليٍّ ﵁ (^١): فعلى تقديرِ صِحَّتِه عنه، فلا تَعارُضَ بين قولِه وحديثِ أبي هريرة هذا؛ بما أبَان عنه الطَّحاوي في قولِه: «مَن لا عِلْم عنده مِمَّن وَقَف على هذين الحديثين يَرَى أنَّهما مُتضادَّان، وحاشا لله أن يكونا كذلك! لأنَّه قد يجوز أن تكون بنو إسرائيل آذتْ موسى ﵇ مِمَّا ذُكِر، مِمَّا كان، مِمَّا آذته به، في كلِّ واحدٍ مِن الحديثين، حتَّى برَّأه الله مِن ذلك بما بَرَّأه به مِن ذلك، ممَّا هو مَذكور في هذين الحديثين» (^٢).\nوفي مثلِ هذا المَقام مِن الاختلافِ في التَّفسير يسوغ لنا أن نقول: إنَّ كلَّ الأقوالِ الأربعةِ السَّالفِ ذكرُها في الآيةِ لا تَضادَّ بينها، ما دام لفظُ الآية يتناولها كلَّها، لصدقِ أنْ يكون كلٌّ منها أَذيَّةٌ لموسى حقيقةً، وأنَّ الله برَّأه منها كلِّها مِمَّا اِفتَرَوه عليه.\nفالأربعةُ مِن قبيلِ اختلافِ التَّنوعِ بين أوجِه التَّفسير لا اختلافِ التَّضاد، وأصلُ كلِّها داخلٌ في بابِ «التَّفسير بالمثالِ»، ومعناه: «أن يَعْمدَ المفسِّر إلى لفظٍ عامٍّ، فيذكُرَ فَرْدًا مِن أفراده على سَبيل المثالِ لهذا الاسمِ العامِّ، لا على سَبيلِ التَّخصيصِ أو المُطابقة» (^٣).\nوفي تقريرِ احتمالِ الآيةِ لتنوُّعِ مَحامِلها، يقول ابن جَرير: «أَوْلى الأقوال في ذلك بالصَّوابِ، أن يُقال: إنَّ بني إسرائيل آذَوْا نَبيَّ الله ببعضِ ما كان يَكرَه أن يُؤذَى به، فبَرَّأه الله ممَّا آذوه به، وجائزٌ أن يكون ذلك كان قِيلَهم: إنَّه أبْرَص،\n_________\n(^١) أخرجه عنه أبو حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٥٨، رقم: ١٧٨٠٢)، والطبري في «تفسيره» (١٩/ ١٩٤)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١/ ٦٨)، وضعَّف ابن حجر سَنده في «الفتح» (٦/ ٤٣٨)، ولم يبيِّن وجهَ ضعفِه مع أنَّ ظاهر إسناده الصحَّة.\n(^٢) «شرح مشكل الآثار» (١/ ٦٩).\n(^٣) انظر شرح هذا النوع من التفسير في «أصول التفسير» لابن تيمية (ص/١٤).","vol":"3","page":1470},{"text":"وجائزٌ أن يكون كان ادعاءُهم عليه قَتْلَ أخيه هارون، وجائزٌ أن يكون كلُّ ذلك، لأنَّه قد ذُكِر كلُّ ذلك أنَّهم قد آذَوْه به» (^١).\nوفي حديث أبي هريرة هذا مثالٌ عجيبٌ على أذِيَّةِ بني إسرائيل لموسى ﵇ واختلافهم، فإنَّهم أوَّلًا خالفوا نبيَّهم ولم يتَّبعوه في طريقتِه، ثمَّ لم يكتفوا بذلك حتَّى لم يَحْمِلوا فِعْلَه الَّذي هو في غايةِ الحُسنِ على مَحملٍ حَسنٍ، وهو التَّمسُّك بمَحاسِن الأخلاق، بل جَعلوا سَبَبَه نَقْصًا في بَدَنِه! هذا الافتراء في نفسِه أذًى، وإن لم يَكُن واجبَ التَّنزيه عمَّا اختُلِق عليه.\nثمَّ هم لم يذكروا ذلك على سَبيلِ الاحتمالِ، بل جَزَموا به! وأكدَّوا ذلك بأن أقسموا عليه، وحَصَروا الأمرَ فيه، فلم يجعلوا الحاملَ له عليه سِواه، وهذا غايةُ العُتوِّ، ونهاية التَّجَنِّي.\nفلهذا أظهر الله براءتَه بأمرٍ اشتمَلَ على عِدَّةِ خَوارق للعادات، وقَصَّ قصَّتَه على نبيِّه ﷺ، كي يكونَ لأمتِّه في ذلك عِبرة (^٢)؛ والحمد لله.\n_________\n(^١) «جامع البيان» (١٩/ ١٩٤ - ١٩٥)، وانظر «تفسير ابن كثير» (٦/ ٤٨٦).\n(^٢) انظر «طرح التثريب» (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).","vol":"3","page":1471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>المَبحث الرَّابع\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث لَطْمِ موسى ﵇ لملَكِ الموتِ</span>","vol":"3","page":1473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديث لَطْمِ موسى ﵇ لملَكِ الموتِ</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أُرسِل ملَك الموت إلى موسى ﵇، فلمَّا جاءه صَكَّه (^١)، وفقأ عينه (^٢)، فرَجع إلى ربِّه فقال: أرسلْتَني إلى عبدٍ لا يريد الموتَ!\nقال: فردَّ الله عينَه، وقال: اِرْجِعْ إليه، فقُلْ له يَضعْ يدَه على متنِ ثَورٍ، فلَه بما غطَّت يدُهُ بكُلِّ شعرةٍ سَنة.\nقال: أَي ربِّ، ثمَّ مَه؟\nقال: ثمَّ الموتُ.\nقال: فالآن.\nفسألَ الله أن يُدنيه مِن الأَرض المقدَّسة رميةً بحجر.\nفقال رسول الله ﷺ: لو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبرَه إلى جانبِ الطَّريق، تحت الكثيب الأحمر» متَّفق عليه (^٣).\n_________\n(^١) صَكَّه: أي لَطَمَه على عينه، انظر «مجمع بحار الأنوار» للفتَّني (٣/ ٧١٨).\n(^٢) فَقَأ عينَه: الفقء: الشَقُّ والقَلع، انظر المصدر السابق (٤/ ١٦٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى ﵇ وذكْرُهُ بعدُ، رقم: ٣٤٠٧)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب: من فضائل موسى ﵇، رقم: ٢٣٧٢) واللَّفظ له.","vol":"3","page":1475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>المَطلب الثَّاني\nسَوق المعارضات الفكريَّةِ المُعاصرة\nلحديث لطمِ موسى ﵇ لملَكِ الموتِ</span>\nأحالَ هذا الحديثَ فِئامٌ مِن الخَلقِ مِن مُتقدِّمين ومتأخِّرين، صَعُبَ عليهم دَرْكُ مَراميه.\nفأمَّا المتقدِّمون: فلا أعلمُ مَن عُيِّن منهم مُنكِرًا للحديث شخصًا كان أو طائفةً، إلَّا ما نراه مِن نعتِ الأئمَّةِ لِمن تعرَّض له «بأنَّهم مِن المُلحِدة»، وممَّن وَقفتُ على نَعتِهم بذلك المَازريُّ (^١).\nوكذا وصفَ ابن راهُويَه (ت ٢٣٨ هـ) مَن يَدَعُ هذا الحديثَ بأنَّه «مُبتدعٌ أو ضعيف الرَّأي» (^٢).\nوحَشَرهم ابن خُزيمة في زُمرةِ «المبتدِعة»، وأَغفلَ تَعيينَ طائفةٍ بعينِها (^٣).\nوأمَّا المنكرون للحديثِ مِن المتأخِّرين: فمن أشهرهم (أمين أحْسَن الإِصلاحي) (^٤)، حيث كَتبَ مَقالًا يُدافع فيه عن بَلَديِّه (المَودوديِّ) أوردَ فيه تحت\n_________\n(^١) «المُعلم بفوائد مسلم» (٣/ ٢٣٠).\n(^٢) «مسائل الإمامين أحمد وابن راهويه» للكَوسج (٩/ ٤٦٧٦).\n(^٣) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٤٤٢).\n(^٤) أمين أحسن إصلاحي: من مواليد إقليم يوبي بالهند سنة ١٩٠٤ م، درس العلوم الشَّرعيَّة في مدرسة «الإصلاح»، ثمَّ درَّس هو فيها، وإليه نِسبَتُه (الإصلاحي)، تتلمذ على عبد الحميد الفَراهي، وعبد الرَّحمن المباركفوري، له كثير من المقالات في مجلَّتَيه «الإصلاح» و«الميثاق»، انتقل إلى باكستان عند تأسيسِها مع أعضاء الجماعة الإسلاميَّة، ثمَّ استقال منها، وألَّف هناك كتابه «الرِّياسة الإسلاميَّة»، و«تدبر القرآن»، توفي (١٩٩٧ م)، انظر ترجمته في مقدمة بحث للدكتوراه عنه، قُدِّم لقسم الدراسات الإسلامية، بالجامعة الإسلاميَّة بباكستان، سنة ١٤١٦ هـ، بعنوان «الشيخ أمين أحسن الإصلاحي، ومنهجه في تفسير تدبر القرآن» للطالب عبد الرؤوف ظفر (ص/٢٥ - ٣٥).","vol":"3","page":1476},{"text":"«مفهوم الدِّراسة النَّقدية للحديث» ثلاثةً مِن الأحاديث، منها هذا الحديث، وردَّها بقوله: «نرى حديثًا يَحِيك في الصَّدر بمُجرَّد سماعِه، ويُخالف مُسَمَّيات الدِّين ومَعروفات الشَّريعة، ويأباه العقل العامُّ في أوَّلِ وهلة» (^١)!\nومِمَّن اشتُهِر بإنكارِه الخبرَ أيضًا (محمَّد الغزاليُّ)، فقد غَمَز فيه في حوارٍ جرى له مع شابٍّ بقوله: «وقد وَقَع لي وأنا بالجزائر، أَنَّ طالبًا سَألني: أصحيحٌ أنَّ موسى ﵇ فَقأ عَين ملَك الموت عندما جاء لقبض روحِه بعدما استوفى أجله؟ فقلتُ له متبرِّمًا: الحديث مرويٌّ عن أبي هريرة، وقد جادل البعض في صحَّتِه.\nوعُدتُ لنفسي أفكِّر: إنَّ الحديثَ صحيحُ السَّنَدِ، لكن متنه يثير الرِّيبة؛ إذ يفيد أنَّ موسى يكره الموتَ، ولا يحبُّ لقاءَ الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوضٌ بالنِّسبةِ إلى الصَّالحين، فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحدٍ من أولي العزم؟ إنَّ كراهيته للموت بعدما جاء مَلَكُهُ أمرٌ مستغرب!\nثمَّ: هل الملائكة تعرِض لهم العاهات الَّتي تعرض للبَشَر مِن عَمَى أَو عَور؟ ذاك بعيد .. ومَن وَصم منكر الحديث بالإلحاد فهو يستطيلُ في أعراض المسلمين! والحقُّ أنَّ في متنِه علَّةً قادحةً تنزل به عن رُّتبة الصِّحةِ.\nورفضُه أو قبوله خلاف فكريٌّ، وليس خلافًا عقائديًا، والعلَّة في المتن يبصرها المحقِّقون، تخفى على أصحاب الفكر السَّطحي ..» (^٢).\nوممَّن أنكره مِن العَصريِّين (مصطفى محمود)، حتَّى كاد ينطِق أنَّه مِن كِيْس البخاريِّ! حيث قال: «نقِفُ معًا أمام الحديث الَّذي رواه البخاريُّ عن سيِّدنا موسى حينما قضى ربُّنا عليه الموتَ، وأرسل له ملك الموت لقبض روحه ..\n_________\n(^١) نقلًا عن «زوابع في وجه السُّنَّة» لصلاح الدين مقبول أحمد (ص/٢٢٦).\n(^٢) «السُّنَّة النبويَّة بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٣٤ - ٣٦).","vol":"3","page":1477},{"text":"ماذا قال لنا البخاريُّ؟ قال: إنَّ موسى رَفض أن يموتَ، وضَرَب مَلَك المَوت على عينه، ففقأها، فرَجَع ملَك الموت إلى ربِّه، فرَدَّ له بصره، كيف يجوز هذا؟ والقرآن يقول في قطعٍ لا لبس فيه: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤] .. إنَّ الحديث واضحُ الزَّيْفِ، ومثلُه كَثيرٌ في البخاريِّ»! (^١)\nفهذه إشارةٌ لبعضِ مَقالاتِ المُنكرين لهذا الحديث النَّبويِّ، قد اعتلُّوا لها بجُملةِ معارضاتٍ، هي على النَّحوِ التَّالي:\nالمعارضة الأولى: أنَّ في فعلِ موسى ﵇ مع المَلَكِ، وشكايةِ الملَك منه: إخلالًا بما يَليق مِن الأدَب مع الله تعالى؛ إذْ كيف جازَ له إهانةَ رسولِه الملَكيِّ مِن غير نُصرةٍ مِن الله له؟ (^٢)\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ في فِعلِ موسى ﵇ مُنافاةً لجَنابِ النُّبوة، ورتبةِ الرِّسالة، مِن جهتين:\nالجهة الأولى: أنَّ في فَقئِه لعَينِ الملَك مُراغمةً لمُرْسِلِه وهو الله تعالى، إذْ لو فَقَأ أَحدُنا عَينَ واحدٍ مِن النَّاسِ لَعُدَّ ذلك استطالةً، وبَغيًا، وفسقًا؛ فكيف حال مَن فَقأ عينَ مَلَكٍ مُقرَّب؟! لا ريب أنَّ فسقَه أعظم وأبيَن (^٣).\nالجهة الثَّانية: أَنَّه مُنافٍ لما يَنبغي أن يكون عليه عِبادُ الله الصَّالحون مِن عظيم الرَّغبة والشَّوقِ للقاءِ الله؛ فضلًا عن خاصَّة عبادِ الله، وهم رُسل الله، الَّذين هم مَحلُّ الاقتداءِ، وأنَّ الَّذي يَدلُّ على انتفاءِ هذه الرَّغبة والشَّوق عند موسىعليه السلام، قول المَلَك لله تعالى: «أرسلْتَني إلى عبدٍ لا يُريد الموت!»، فـ «مالَّذي يكرهه موسى مِن هذا اللِّقاء الحَتم؟ إنَّ هذا الكُرْهَ تحوَّل إلى جزعٍ وغضبٍ، جَعلا موسى يفقأ عينَ الملَك كما يُقال» (^٤).\n_________\n(^١) «الشفاعة» لمصطفى محمود (ص/١١٤ - ١١٥).\n(^٢) انظر «توضيح طرق الرَّشاد» للقاضي محمَّد العَلوي (ص/١٩٧).\n(^٣) انظر «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» للسُّبحاني (ص/٣٣٢).\n(^٤) «السُّنَّة بين أهل الفقه وأهل الحديث» لمحمد الغزالي (ص/٣٧).","vol":"3","page":1478},{"text":"المعارضة الثَّالثة: كيف يرجع مَلَك الموت المأمور مِن الله تعالى بقبضِ روحِ موسى ﵇ دون تحقُّقِ ما لَه أُرْسِلَ؟! إنَّ في ذلك مخالفةً لأمرِ الله تعالى (^١).\nالمعارضة الرَّابعة: مِن المعلومِ أنَّ قوَّة البَشر «لا تثبتُ أمام قوَّة ملَك الموت، فكيف -والحال هذه- تمكَّن موسى ﵇ مِن الوقيعة فيه؟ وهلَّا دفعه الملَك عن نفسِه مع قدرتِه على إزهاق روحِه؟!» (^٢).\nفهذه جُمْلةُ الاعتراضات الَّتي ساقها المنكرون للحديث، إبطالًا لما دلَّ عليه مِن المعاني.\n_________\n(^١) «مشكلات الأحاديث النَّبوية» للقَصيمي (ص/١٠٥)، وانظر «كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤).\n(^٢) «أبو هريرة» للموسوي (ص/٨٦).","vol":"3","page":1479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>المَطلب الثَّالث\nدفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ الُمعاصرةِ\nعن حديث لطمِ موسى ﵇ لملَكِ الموتِ</span>\nأمَّا الجواب عن المُعارِض الأوَّل: في أنَّ في فعلِ موسى ﵇ بالملَك، وعدمِ نصرة الله لرسولِه الملَكيِّ، إخلالًا بما يليق بالله .. إلخ؛ فيُقال فيه:\nإنَّ الإشكالَ بهذا عند التَّحقيق لا وُرود له بحالٍ، لأنَّه ما نَشَأ إلَّا بعد الإخلالِ بما تَجب مُراعاته من جهل موسى ﵇ في المرَّة الأولى بأنَّ الدَّاخل عليه ملَك، وبيانُ ذلك:\nأنَّ الأنبياء ﵈ قد يخفى عليهم حالُ المَلائكةِ أوَّل مَجيئهم، فلا يَعرفونهم، فمِن عَدَمِ مَعرفةِ إبراهيم الخليل ﵇ بهم: مَجيئه إليهم ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٦٩ - ٧٠].\nوهذا نبيُّ الله لوط ﵇، لم يَتبَيَّن له بادئَ الأمر أنَّ أضايفَه ملائكة، حتَّى خاف عليهم مِن قومِه فخاطَبَهم: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨].\nوهذا نبيُّ الله داود ﵇، يُصغي إلى الملائكةِ يظنُّ أنَّهم خصومٌ مِن البَشر، ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢].","vol":"3","page":1480},{"text":"ولذلك نقول: إِنَّما صَكَّ موسى المَلَكَ ولَطَمه لأنَّه رأى رجلًا «تَسَوَّر عليه منزِلَه ومَحلَّ أهلِه بغير إذنِه، وطلَب سلبَ روحِه! .. وقد ثَبَت في الشَّرعِ إباحةُ دفعِ الصَّائل بكلِّ مُمكنٍ، وإن آلَ إلى قتلِه» (^١)؛ فلمَّا خَفِي عليه ﵇ أَنَّه مَلَكُ الموت، مع ما قاله له: «أجِبْ رَبَّك»! متجرِّدًا في هذا القولِ عمَّا يدلُّ على كونِه مِن عند الله: وَقعَ مِن موسى ﵇ ما وَقع مِن الصَّك، «فصادفت تلك الدَّفعةُ عينَه المركبَّة في الصُّورة البَشريَّة، لا العينَ الملَكيَّة» (^٢).\nوإلى هذا التَّفسير للحديث ذَهب ابن خزيمة (^٣)، وأَبو بكرٍ الكَلاباذي (^٤)، وابن حبَّان (^٥)، والخطَّابي (^٦)، والمازَري (^٧)، والقاضي عياض (^٨)، وابن حجر العسقلاني (^٩)، ومِن المتأخِّرين: القاضي محمَّد العلوي الإسماعيليُّ (^١٠)، وعبد الرَّحمن المُعلِّمي (^١١)، وغير هؤلاء مِن أَرباب التَّحقيق والرُّسوخ.\nيقول ابن حبَّان البستيُّ:\n«إنَّ الله -جلَّ وعلا- بعثَ رسولَ الله معلِّمًا لخلقهِ، فأنزل موضع الإبانة عن مُراده، فبلَّغ رسالته، وبيَّن عن آياتهِ بألفاظٍ مُجْمَلةٍ ومُفسَّرةٍ، عَقِلها عنه أَصحابُه\n_________\n(^١) «توضيح طرق الرَّشاد» للقاضي محمَّد العلوي (ص/١٩٨ - ١٩٩).\n(^٢) «كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٤٤٤).\n(^٣) انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٥/ ١٢٩)، و«فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٤٤٢).\n(^٤) «بحر الفوائد» (ص/٣٥٩)، والكلاباذي (ت ٣٨٠ هـ): هو محمَّد بن إبراهيم بن يعقوب، أبو بكر الكلاباذي البخاري، من حفاظ الحديث، من تصانيفه: «التعرف على مذهب أهل التصوُّف»، انظر «الأعلام» للزركلي (٥/ ٢٩٥).\n(^٥) انظر «صحيح ابن حِبَّان» (١٤/ ١١٢ - ١١٦، بترتيب ابن بلبان).\n(^٦) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٤٤٢).\n(^٧) «المعلم بفوائد مسلم» للمازري (٣/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(^٨) «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٧/ ٣٥٢).\n(^٩) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٤٤٢).\n(^١٠) «توضيح طرق الرشاد» للعلوي (ص/١٩٧، وما بعدها)، ومحمَّد العلوي (ت ١٣٦٧ هـ): هو محمد بن أحمد بن إدريس بن الشَّريف العلوي الإسماعيلي، من فقهاء المالكيَّة، تولَّى القضاء عدة مرات بمكناس وفاس وغيرهما من حواضر المغرب، من تصانيفه: «إتحاف النُّبهاء الأكياس بتحرير فائدة مناقشة الأوصياء»، و«تقييد على أوائل شرح البخاري»، انظر ترجمته في «سلُّ النِّصال» لابن سودة (ص/١٣٠).\n(^١١) «الأنوار الكاشفة» (ص/٢١٩).","vol":"3","page":1481},{"text":"أو بعضهم، وهذا الخبر مِن الأَخبار الَّتي يُدرِك معناه مَن لم يُحرَم التَّوفيقَ لإصابةِ الحقِّ، وذاك أنَّ الله -جلَّ وعلا- أَرسلَ ملكَ الموت إلى موسى رسالةَ ابتلاءٍ واختبارٍ، وأَمَرَهُ أن يقول له: أَجِب ربَّك أمرَ اختبارٍ وابتلاءٍ، لا أمرًا يريد الله -جلَّ وعلا- إمضاءَهُ، كما أمَرَ خليلَه -صلَّى الله على نبيَّنا وعليه- بذبحِ ابنِه أَمرَ اختبارٍ وابتلاءٍ، دون الأمر الَّذي أراد الله -جلَّ وعلا- إمضاءَه، فلمَّا عَزَم على ذبحِ ابنِه، وتَلَّه للجبين، فداه بالذِّبح العظيم.\nوقد بعث الله -جلَّ وعلا- الملائكةَ إلى رُسلِه في صُوَرٍ لا يعرفونها .. فكان مَجيء ملَك الموت إلى موسى ﵇ على غير الصُّورة التي كان يعرفه موسى عليها، وكان موسى غَيورًا، فرأى في داره رجلًا لم يعرفْهُ، فَشَال يدهُ فلطَمَهُ، فَأتَتْ لطمتُهُ على فقءِ عينِه الَّتي في الصُّورة الَّتي يتصوَّر بها، لا الصُّورة الَّتي خلقه الله عليها.\nولمَّا كان مِن شريعتنا أنَّ مَن فَقأ عين الدَّاخلِ دارَه بغير إذْنهِ، أو النَّاظرِ إلى بيتهِ بغير جُناحٍ على فاعله، ولا حَرَجَ على مرتكبه؛ للأخبار الجمَّةِ الواردة فيه .. كان جائزًا اتِّفاقُ هذه الشَّريعة بشريعةِ موسى ﵇ بإسقاطِ الحرجِ عمَّن فَقأ عينَ الدَّاخل دارًا بغير إذنه، فكان استعمالُ موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حَرج عليه في فعله.\nفلمَّا رَجع مَلَك الموت إلى ربِّه وأخبرَه بما كان مِن موسى فيه، أمَرَه ثانيًا بأمرٍ آخر، أمرِ اختبارٍ وابتلاءٍ -كما ذكرنا قبل- إذ قال الله له: قل له: إن شئتَ فضع يدَكَ على متن ثورٍ، فَلَكَ بكلِّ ماغَطَّت يدُكَ بكلِّ شعرةٍ سَنة، فلمَّا عَلِم موسى كليمُ الله أنَّه مَلَك الموت، وأنَّه جاءَه بالرِّسالة مِن عند الله: طابَت نفسُهُ بالموت، ولم يسْتمهل، وقال: فالآن.\nفلو كانت المرَّةُ الأولى عرَفَه موسى ﵇ أنَّه ملَك الموت، لاستعملَ ما استعمل في المرَّة الأخرى عند تيقُّنِهِ وعلمِه به، ضدَّ قولِ مَن زَعم أنَّ أصحاب الحديث حمَّالةُ الحَطَب ورُعاةُ اللَّيل، يجمعون ما لاينتفعون به، ويروُون ما","vol":"3","page":1482},{"text":"لا يُؤجرون عليه، ويقولون بما يُبطله الإسلامُ، جهلًا منه لمعاني الأخبار، وترك التفقُّهِ في الآثار، معتمدًا منه على رأيِه المنكوسِ، وقياسه المعكوس» (^١).\nفهذا القولُ أوجهُ الأقوالِ في نظري في تفسيرِ الخبر، وأمْشاه مع المُحْكَمِ المَعلومِ مِن سُموِّ أَخلاقِ الأَنبياء، وصَلَابةِ ديانتهم، وتحاميهم عمَّا يقبحُ، ولم أَرَ -بحسب اطِّلاعي- مَن اعترضَ على هذا التَّوجيه، خِلافًا لبعضِ توجيهاتٍ أُخرى، كلُّها فُوِّقت لها سِهام النَّقد والاعتراض.\nوأمَّا جواب الجهةِ الأولى مِن المعارض الثَّاني: من دعواهم أَنَّ في فِعْلِه ﵇ مراغمةً منه، حيث اعتدى على رسولٍ لله، وكون ذلك لو فعَلَه أحد مِن الناس، لعُدَّ باغيًا فاسقًا .. إلخ؛ فيُقال في جوابه:\nإنَّ ذلك -كما قلنا- قد يَصحُّ لو عَلِمَ موسى ﵇ بأنَّ ذلك الدَّاخل عليه هو مَلَك الموت، وقد استبانَ خفاءُ ذلك على موسى ﵇، وأنَّ هذا هو اللَّائق الَّذي ينبغي حَمْلُ فعله عليه.\nثمَّ إنَّ صنيعَ موسى ﵇ مع الملَك ليس بأقلَّ مِن صنيعِه بنبيِّ الله هارون ﵇، حين أخذ بلحيته وبرأسه يجرُّه إليه! «وكأنَّ الوحشةَ لمِا تضمَّنه حديثُ لطمِ ملَك الموت إِنَّما وقعت للمُنكرين دون أخذِه بلحيةِ أخيه هارون ﵇: لورودِ الأوَّل عن طريقِ الحديث لا القرآن! وإلَّا فكِلتا الحادثتين بينهما قدرٌ مُشترك» (^٢).\nوفي تقرير هذا التَّشابه، يقول الكلاباذيُّ: «ليس الجرُّ، والخشونة، والغِلظة، والدَّفعُ، بأقلَّ من الدَّفعِ عنك بالخُشُونةِ والغِلظة، وهو الصَّكُّ واللَّطم، دفعٌ عنك بِغِلْظةٍ وخشونة فما سواه، وليس هارون بأَدْوَن منزلةً مِن مَلَك الموت -صلوات الله عليهما-، بل هو أَجلُّ قدرًا منه وأعلى مرتبة، وأَبينُ فَضْلًا ..؛\n_________\n(^١) «صحيح ابن حبان» (١٤/ ١١٤ - ١١٦، بترتيب ابن بلبان).\n(^٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٠٦).","vol":"3","page":1483},{"text":"لأنَّه ﵇ نبيٌّ مُرسل ..، وهو مع جليل قدرِه في نُبُوَّته، وعلوِّ دَرَجته في رسالتِه أخو موسى لأبيه وأمِّه، وأكبرُ سِنًّا» (^١).\nأمَّا الجواب عن الجِهة الثَّانية مِن المعارضة الثَّانية: وهي دعواهم أنَّ ذلك مُنافٍ لمِا ينبغي أن يكون عليه عباد الله الصَّالحون -عن أولي العزم من الرُّسل- مِن عظيم الشَّوق للقاء الله، وقد دلَّ الحديث على انتفاءِهِ في حقِّ موسى ﵇ في قولِ الملَك: «أرسلتنِي إلى عبدٍ لا يريد الموت»؛ فيُقال فيه:\nأوَّلًا: ما ذكره مَلَك الموت ﵇ لربِّه هو مَبلغ علمِه مِن ظاهرِ حاله ﵇، وقد وَقَع نظير هذا الظَّن مِن الملائكةِ حين خَفِي عليهم حكمةُ الله تعالى في استخلافِه لأَصلِ البَشر آدمَ ﵇ في الأرض، حيث قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].\nيقول محمَّد العلويُّ المكناسيُّ (ت ١٣٦٧ هـ): «فهذا الَّذي ظنَّه الملائكة بآدم ﵇ هو نَظير ما ظنَّه مَلَك الموتِ هنا بموسى ﵇، وهذا الَّذي أجابَ الله تعالى الملائكةَ به في هذه الآية، هو عينُ الجواب لملَك الموت هنا، المستفاد ممَّا اختاره موسى أخيرًا» (^٢).\nثانيًا: حين تحقَّقَ موسى ﵇ في المرَّة الثَّانية كونَ الَّذي جاءه المرَّة الأولى ملَك الموت ﵇ لم يدفعه، بل حينما خيَّره بين البقاء في هذه الدُّنيا مُددًا طويلة بقدر ما تقع يده عليه مِن شعر الثَّور، وبين الموتِ: اختار ﵇ الموتَ! وفي هذا برهانٌ على زُهدِه عن البقاءِ في هذه الدُّنيا بعد إخبارِ الله تعالى له ببقائِه إن أراد آمادًا طويلة، وإيثارِه لقاءَ الله تعالى على الخلودِ فيها.\n_________\n(^١) «بحر الفوائد» للكلاباذي (ص/٣٥٧).\n(^٢) «توضيح طرق الرشاد» لمحمد العلوي (ص/٢٠٣).","vol":"3","page":1484},{"text":"وأمَّا الجواب عن المعارضة الثَّالثة: في دعوى أنَّ في رجوعِ ملَك الموتِ المأمورِ مِن الله تعالى بقبضِ روح موسى ﵇ دون تحقيقِ ما أُمر به مِن ذلك مخالفةٌ لأمرِ الله.\nفيُقال فيه: لا برهان للمُعترض على أنَّ ما أُمِر به مَلَك المَوت مِن قَبضِ روحِ موسى ﵇ كان على سبيل الإيجاب والإلزام الفوريِّ! بل المعلوم مِن سُنَّة نبيِّنا ﷺ أنَّ أمْرَ الله بقبضِ روحِ الأنبياءِ هو في حقِّهم على سبيل التَّخيير.\nفعن عائشة ﵂ قالت: كان النَّبي ﷺ يقول وهو صحيح: «إنَّه لم يُقبَض نبيٌّ حتَّى يَرى مقعدَه مِن الجنَّة، ثمَّ يُخَيَّر» (^١).\nفرجوع ملَك الموت دون تحقُّق ما أُمِر به، هو بسببِ ما ظنُّه مِمَّا فعله به موسى ﵇ أنَّه لا يريد الموت، وهو ما صَرَّح به لربِّه ﷿كما جاء في الحديث-: «أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت! ..».\nهذا مع ما أُمِر به المَلَك ﵇ مِن التَّلطُّف في قبضِ روحِ كليمِ الله (^٢)، فلأجلِ ذلك لم يُدافع موسَى حينَ لَطَمَه؛ فضلًا عن أنَّ اللَّطمة وما فوقها لا تضرُّ المَلَك في شيءٍ ولا تُؤذيه! اللَّهم إلَّا ما قد لحِق الصُّورة الظَّاهرة مِن تشوُّهٍ في تركيبة العينِ، أعادها الله كما كانت عند إرسالِ المُتصوِّر بها إلى موسى أوَّل مرَّة.\nوفي هذا جواب المعارضة الرَّابعة أيضًا.\nوالحمد لله الَّذي تتِّم بنعمتِه الصَّالحات.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: المغازي، باب: باب آخر ما تكلم به النبي ﷺ، رقم: ٤٤٦٣)، ومسلم في (ك: فضائل الصحابة، باب: فضل عائشة، رقم: ٢٤٤٤).\n(^٢) «كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٤٤٥).","vol":"3","page":1485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>المَبحث الخامس\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ طوافِ سليمان ﵇ على نسائِه في ليلةٍ</span>","vol":"3","page":1487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديثِ طوافِ سليمان ﵇ على نسائِه في ليلةٍ</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال (^١):\n«قال سليمان بن داود ﵉: لَأطوفَنَّ اللَّيلةَ بمائةِ امرأةٍ، تلِد كلُّ امرأةٍ غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له المَلَك: قُل إن شاء الله، فلم يقُل ونَسِي، فأطافَ بهنَّ، ولم تلِد منهنَّ إلَّا امرأةٌ نصفَ إنسان».\nقال النَّبي ﷺ: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنَثْ، وكان أرْجى لحاجتِه» أخرجه بهذا اللَّفظ البخاريُّ (^٢).\n_________\n(^١) كذا ورد في «البخاريِّ» وفي «مسلم» (رقم:١٦٥٤) موقوفًا على أبي هريرة ﵁، وقد وَرد مرفوعًا رفعًا صريحًا إلى النَّبي ﷺ في مواضع أخرى من «الصَّحيحين» وغيرهما، ولا تنافيَ بين الرَّفع والوقف فيه، لأنَّ الموقوفَ منه أُتبِع في آخره بما يدلُّ على رفعِه، وهو قول النَّبي ﷺ تعليقًا على القصَّة: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنَثْ ..»، ولذا صحَّح الشَّيخان كلا المرفوع والموقوف في «صحيحيهما».\n\nومجيء هذه الجملة في بعض الطُّرق مُقدَّمة بقول الرَّاوي: «قال أبو هريرة يرويه: لو قال إن شاء الله ..»، فإنَّ لفظ (يرويه) عند المحدِّثين كناية عن رفع الحديث إلى النَّبي ﷺ، وحكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحًا، انظر «فتح المغيث» (١/ ١٥٧ - ١٥٨).\nوعلى كلٍّ فإنَّ هذه الجملة التَّعقيبيَّة على القصَّة ليست ممَّا يدرك مثلها بالظَّنِّ والاجتهاد، وإنَّما الخبر بها يكون بما يعلمه الله تعالى مِن غيبه، فهي لا تأتي إلَّا عن علم صادقٍ وخبر يقينٍ، ولو جاء مثل هذا عن عباده لكان تخرُّصًا على غيب الله تعالى، كما قرَّره عياض في «إكمال المعلم» (٥/ ٤٢١ - ٤٢٢).\n(^٢) أخرج البخاري في (ك: النكاح، باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي، رقم: ٥٢٤٢).","vol":"3","page":1489},{"text":"وفي رواية أخرى له ولمسلم: «سبعين امرأة» (^١)، وفي رواية: «تسعين امرأة» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ الرَّاجع المنيب، رقم: ٣٤٢٤)، ومسلم في (ك: الأيمان، باب: الاستثناء، رقم: ١٦٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، رقم: ٦٦٣٩)، ومسلم في (ك: الأيمان، باب: الاستثناء، رقم: ١٦٥٤).","vol":"3","page":1490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>المَطلب الثاني\nسَوْق المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ طوافَ سليمان ﵇ على نسائِه في ليلةٍ</span>\nيَستند طَعْنُ مَن طَعَن في حديثِ أبي هريرة ﵁ مِن المُحْدَثين إلى ثلاثِ معارضاتٍ مَتنيَّة، هي على النَّحو التَّالي:\nالمعارضة الأُولى: أنَّ الحديث وَقَع فيه اختلافٌ في عَدِّ النِّسوةِ اللَّائي طافَ بهنَّ سليمان ﵇، ممَّا يدلُّ على اضطرابِه.\nوفي تقرير هذا الاعتراضِ، يقول (الأمير الغُول): «هذا الاختلافُ هو مِن أكبرِ الأدلَّة على زَيْفِ وعدمِ صِحَّة هذا الحديثِ، والمَطلوب مِن الرَّاوي لهذه الأسطورة الفريدةِ في نوعِها، أن يُعلِن بشكلٍ مَعقولٍ للعَددِ المناسبِ، في الوقتِ المناسبِ، بحيث لا تجلِب هذه القضيَّة أنظارَ شُرَّاح البخاريِّ إليها!» (^١).\nأمَّا (عبد الحُسين الموسويُّ)، فقد تلهَّف إلى إلزاقِ هذا الاختلافِ بأبي هريرةَ ﵁ نفسِه! فتراه يقول: «إنَّ أبا هريرةَ قد اضطربَ في عِدَّةِ نساءِ سليمان، فتارةً روَى أنَّهن مائة امرأةِ كما سمعتَ، وتارةً روى أنَّهم تسعون، وتارةً روى أنَّهم سبعون، وتارةً أنَّهم ستُّون، وهذه الرِّوايات كلُّها في صَحيحي البخاريِّ ومسلم ومسندِ أحمد، فما أدري ما يقوله فيها المعتذِرون عن هذا الرَّجل؟!» (^٢).\n_________\n(^١) «عفوًا صحيح البخاري» (ص/٣٧١).\n(^٢) «أبو هريرة» (ص/٨٣).","vol":"3","page":1491},{"text":"المعارضة الثَّانية: أنَّ دعوى جِماع سليمانَ ﵇ لذاك العَدِد الكبيرِ مِن النِّساء في ليلةٍ مستحيلٌ من جِهة القدرةِ الخَلقيَّة للبَشرِ.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (عبد الحُسين الموسويُّ): «القوَّة البشريَّة لَتَضعُف عن الطَّوافِ بهنَّ في ليلةٍ واحدةٍ مهما كان الإنسان قويًّا، فما ذَكَره أبو هريرة مِن طوافِ سليمان ﵇ بهنَّ مُخالفٌ لنَواميسِ الطَّبيعة، لا يُمكن عادةً وقوعُه أبدًا» (^١).\nويزيد عليه (الغُول) إيغالًا في الشُّبهةِ فيقول: «بعيدًا عن الخوارقِ والمَعاجزِ للقوَّة والقدرة، وحتَّى مِن حيث الفترة الزَّمنية، فإنَّ فترة ليلةٍ واحدة لا تكفي مُطلقًا لقضاءِ وَطَرٍ مع مائةٍ مِن النِّساء» (^٢).\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّ ترْكَ سليمان ﵇ التَّعليقَ بالمَشيئةِ الإلهيَّة، مع تذكيرِ صاحبِه له بها، نوعٌ مِن الإعراضِ يتنزَّه عن مثلِه الأنبياء ﵈.\nيقول (المُوسَويُّ): «لا يجوز على نبيِّ الله تعالى سليمان ﵇ أن يترك التَّعليقَ على المشيئة، ولاسيما بعد تنبيهِ المَلَك إيَّاه إلى ذلك، وما يمنعُه مِن قَولِ إن شاء الله؟ وهو مِن الدُّعاةِ إلى الله والأدِلَّاء عليه، وإنَّما يتركُها الغافلون عن الله ﷿ .. وحاشا أنبياء الله عن غفلة الجاهلين» (^٣).\nويزيد (إسماعيل الكرديُّ) قائلًا: «مِن الغَرائبِ ما وَرد في أحَدِ طُرق الحديث، مِن أنَّ سليمان ﵇ بعد أن ذكَّرَه صاحبه أنَّه: «لم يَقُل، ونسَيَ»، هذا في حيِن أنَّ النِّسيان قد يَقَع عند عدَمِ التَّذكير، أمَّا إذا ذُكِّر الإنسان بقولِ شيءٍ، ومع ذلك لم يقُله، فهذا لا يُسَمَّى نِسيانًا!» (^٤).\n_________\n(^١) «أبو هريرة» (ص/٨٣).\n(^٢) «عفوًا صحيح البخاري» (ص/٣٧١).\n(^٣) «أبو هريرة» (ص/٨٣).\n(^٤) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث النبوي» (ص/١٨٨).","vol":"3","page":1492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ دعاوي المعارَضاتِ الفكريَّة المعاصرة\nعن حديثِ طوافِ سليمان ﵇ على نسائِه في ليلةٍ</span>\nأمَّا الجوابُ عن دعوى المُعتَرضِ اختلافَ الرِّواياتِ في تعدادِ نِسوةِ سليمان ﵇:\nفإنَّ مُحصَّلَ ما اختُلِف في ذلك مِن العَدد: سِتُّون، وسبعون، وتسعون، ومائة (^١)، وكلُّ هذه في «الصَّحيحين»، وليس في «الصَّحيحِ» أكثرُ اختلافًا في العَدَد مِن هذه القِصَّة (^٢)؛ وليست كلُّها مِن قولِ أبي هريرة ﵁، بل الاختلافُ مِن النَّاقلين عنه (^٣).\nوهذا الاختلافُ مع ما ذكرناه عنه لا يُوجِب اضطرابًا يقدح في الحديث، فإنَّ دعوى الاضطرابِ تَصِحُّ حين تعذُّر الجمع أو التَّرجيح بين الوجوهِ المختلفةِ حيث تساوت في القوَّة، أمَّا إنْ أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيح فلا مدخلَ حينئذٍ للقول بالاضطراب (^٤).\n_________\n(^١) أما رواية التِّسع وتسعون الَّتي وردت في البخاري معلقَّةً (رقم: ٢٨١٩) في قوله: «لأطوفنَّ اللَّيلة على مائةِ امرأة، أو تسع وتسعين»: فهي كما ترى شكٌّ من أحدِ رُواة الحديث نفسِه، تردَّد بينها وبين المائةِ، وليست جزمًا كباقي الأعداد أعلاه.\n(^٢) كما ذكره الكرمانيُّ في «الكواكب الدَّراري» (٢٣/ ١٤٨).\n(^٣) «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٦١٤).\n(^٤) انظر «التقييد والإيضاح» للعراقي (ص/١٢٤)، و«فتح المغيث» للسخاوي (١/ ٢٩٠).","vol":"3","page":1493},{"text":"وإنَّا لمُقِرُّون بتَعَسُّرِ الجمعِ بين تَفَاوتِ الأعدادِ في رواياتِ هذا الحديث إلَّا بتَكلُّفٍ تضيق النَّفس عن استساغته! (^١) فلا داعي لهذا المسلك، وطريقُ التَّرجيحُ أَوْلى بالسُّلوكِ.\nوبالنَّظر في هذه الرِّواياتِ المتخالفةِ وإن كان نُقَّالُها ثِقاتًا في الجملة، نجدهم -لا شَكَّ- مُتفاوتين في قوَّة الضَّبط والتَّيقُّظ في الرِّواية؛ فعلى هذا الأساسِ مِن النَّظَر في مَرَاتبِ الثِّقات واستدعاءِ الشَّواهدِ والمتابعاتِ: اختارَ البخاريُّ روايةَ «التِّسعين»: فإنَّه بعد إخراجِه لرواية «السَّبعين» مِن طريقِ مغيرة بن عبد الرَّحمن، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، قال: «قال شعيب وابنُ أبي الزِّناد: تِسعين، وهو أصحُّ» (^٢).\nفعلى فَرْضِ أنَّ هذا الاختلاف الحاصلَ بين الرُّواةِ في عَدد النِّسوةِ متساويةٌ أطرافه في القوَّة، فلا يؤولُ الاختلاف في هذا الحديثِ تحديدًا إلى اختلافِ مَعنى الخَبر، ولا يَنقُض المُرَادَ مِن حكايتِه؛ كمَثَل الاختلافِ المَشهورِ في حديث ثَمَنِ بَيعِ جابرٍ جَمَلَه للنَّبيِّ ﷺ (^٣)؛ والحديث صحيح.\nهذا؛ ولا أستبعِدُ أن يكون شَطَرٌ مِن هذا الاختلافِ في عَدَدِ النِّساء أصلُه ما يَقَع مِن الرُّواة أحيانًا مِن تَصحيفِ الكَلماتِ المتشابهةٍ! فأنتَ تَرَى أنَّ لفظَ «تِسعين» و«سَبعين» و«سِتِّين» متقاربة الرَّسم؛ وهذا «صحيح البخاريِّ» وهو كتاب واحد: قد اختلَفَت نُسَخُه في ضَبْطِ هذا اللَّفظ في المَوضعِ الواحد! (^٤)\n_________\n(^١) كما تراه من فعلِ ابن حجر في «الفتح» (٦/ ٤٦٠) حيث قال: «الجمع بينها: أن الستين كنَّ حرائر، وما زاد عليهن كن سراري، أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة فكن دون المائة، وفوق التسعين، فمن قال تسعون ألغى الكسر، ومن قال مائة جبره». اهـ\nقلت: ولاشكَّ أنَّ هذا الجمع مردود، إذ مخرج الحديث واحدٌ، ولا بدَّ أنَّ النَّبي ﷺ حين حدَّث بالقصَّة قد نطق بعددٍ واحدٍ فقط.\n(^٢) «صحيح البخاري» (٤/ ١٦٢، رقم: ٣٤٢٤).\n(^٣) حيث يتوقَّف العاجز في مثلِ هذه الحالِ عن التَّرجيح في لفظِ العددِ فقط، دون باقي المتن انظر «الفتح» لابن حجر (٥/ ٣٢٠).\n(^٤) فجاء الحديث فيه من طريقِ المغيرة عن ابن أبي الزِّناد: «لأطوفنَّ اللَّيلة على تسعين امرأة»، عند الأصيليِّ وابن السَّكن والحمَويِّ، وعند النَّسفي والقابسي: «سبعين»، ثمَّ جاء بعد هذا مِن حديث شعيب بن أبي حمزة: «تسعين» كما عند الجَماعة، ولابن السَّكن والحمويِّ: «سبعين»، انظر «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (٢/ ٣٢).","vol":"3","page":1494},{"text":"فلا طائلَ -إذن- مِن تهويشِ المُعترِض بهذا الوَجه مِن الاختلافِ على الحديث.\nوأمَّا قولُه في مُعارضتِه الثَّانية: من استحالةِ ما فَعَلَه سليمان ﵇ على الطَّبيعةِ البَشريَّة:\nفهذا صحيحٌ من جِهةِ العادة كما قال، فإنَّ إنزالَ الرَّجُلِ في مثلِ ذلكِ العَددِ الكثيرِ مِن النِّساء تَتَابعًا يعجزُ عنه البَشر في أحوالهِم العاديَّة؛ غير أنَّ ما رتَّبَه على هذه المقدِّمة من شمولِها سليمانَ ﵇ قياسًا على سائر النَّاس نتيجةٌ خاطئة! فإنَّ سليمان ﵇ يفرُق عنهم في أنَّه نَبيٌّ مُؤيَّدٌ بخَرْقِ العاداتِ، وإرسالِ الآياتِ الباهراتِ؛ وتلك القُوَّة فيه مِن جملةِ هذه الخَوارق.\nفأيُّ نَكارةٍ مِمَّن أمكنَه الله تعالى مِن رِقابِ الجِنِّ والإنسِ، أن تكونَ له هذه الهِبَة الجِسمانيَّة وإن لم يَأْلف سائرُ النَّاسِ مثلَها في أنفسِهم؟!\nثمَّ إنَّ الحديث ذَكَر صدورَ هذا الفعلِ مِنه ﵇ لغَرَضٍ مُعيَّنٍ، فليسَ عادةً له، ولا أرى لزوم قدرته ﵇ على فعل ذلك كلَّ يومٍ أو ترداده كثيرًا، ولا في الحديث ما يُشير إلى ذلك.\nوأمَّا دعوى المُعترض عدم كفايةِ اللَّيلةِ الواحدةِ لإيقاعِ فعلِ سليمان ﵇ بذلك العَدد كلِّه؛ فيُقال في جوابها:\nإنَّ تَمديدَ الزَّمَنِ مُنضَوٍ في ما قرَّرناه آنفًا مِن اختصاصِ الأنبياء بخَرْقِ العادةِ، فهذا الَّذي تيسَّر لسليمان ﵇ هو مِن جملةِ البَركة الَّتي يُؤتاها الأنبياء في أوقاتِهم؛ كما قد أوتِيَه من قبله أبوه داود ﵇ مِن بَركةِ الوَقتِ، ما كان يُيَسَّر له فيه خَتمَ زَبورِه تِلاوةً قبل أن تُسرَجَ دوابُّه (^١)!\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾، رقم: ٣٤١٧).","vol":"3","page":1495},{"text":"ومثلُ ما وقع مِن نبيِّ الله سليمان ﵇ مَحجوبٌ عَنَّا عِلمُ حقيقتِه، فليس لنا غيرُ التَّسليمِ؛ والَّذي أوقعَ المُعترضَ في تلك المَغلطة، أنَّه استحضَرَ عند قراءته لهذا الحديث الوقتَ الَّذي يأخذُه عادةً في الوَطءِ!\nوأمَّا دعوى المعترضِ في الشُّبهةِ الثَّالثة نبذَ سليمان ﵇ لتعليقِ عزمِه بالمشيئةِ الإلهيَّة:\nفليس من شأنِ هذا المقامِ الرَّفيعِ فعلُ ذلك! حاشاه ﵇ مِن هذا الظَّنِ السَّقيمِ؛ كلُّ ما في الأمرِ أنَّ تذكيرَ المَلَكِ له بقولِ: إن شاء الله «تَذكيرٌ له بأن يَقولَ ذلك بلسانِه، لا أنَّه ﵇ غَفَل عن التَّفويضِ إلى الله تعالى بقلبِه» (^١)؛ فهذا ثابتٌ في قلبِه، ولكن اكتفَى ﵇ بما قال تمنِّيًا على الله بعد سُؤالِه له أن يَفعل، فكأنَّه غَلَب عليه الرَّجاءُ في ربِّه لِما رَأى أنَّه نبيُّه قصَدَ بفعلِه نُصرةَ دينِه وأمرَ الآخرةَ، فغلَّب هذا الظَّن تَأوُّلًا، فتساهَل لأجله أن يقول ذلك لفظًا، حتَّى نسِيَ بعدُ أن يُجرِيَ على لسانِه ما ذُكِّر به مِن لفظِ المشيئةِ، لشيءٍ عَرَضَ له ﵇ (^٢).\nنظير هذا: ما اتَّفق لنبيِّنا ﷺ حين سُئِل عن أصحابِ الكهفِ، فوَعَد بالجوابِ غدًا جزمًا، فلما له من مَقامٍ عنه الله تعالى، وصدقِ وعدِه في تصديقِه وإظهارِ كَلِمتِه، والمَقام مقامُ إثبات نُبوَّةٍ تستدعي النُّصرة له: ذَهَل عن تعليقِ وعدِه بمشيئةِ الله لفظًا، وإن كان مفوِّضًا ذلك إلى ربِّه قَلْبًا؛ فتَأَخَرَّ الوَحيُ عنه؛ حتَّى أعلمه ربُّه وأدَّبَه بقولِه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَاّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].\nوهذا لعُلوِّ مَناصبِ الأنبياء، ومَقامِ الاقتداءِ بهم، فإنَّهم يُعاتَبون على ما لا يُعاتَب عليه غيرهم (^٣).\nفاللَّهم صَلِّ على هذين النَّبِيَّيْن ما طَرَق في السَّماءِ طارق، وعلى سائرِ أنبيائِك المُؤيَّدِين بعَجيبِ الخوارِق.\n_________\n(^١) «المفهم» لأبي العبَّاس القرطبي (١٥/ ٨٢).\n(^٢) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٤٦١).\n(^٣) انظر «كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٤٤٦)، و«المفهم» لأبي العبَّاس القرطبي (١٥/ ٨٢).","vol":"3","page":1496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>المَبحث السَّادس\nدفع دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة عن حديثِ «نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم </span>..»","vol":"3","page":1497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديثِ «نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم </span>..»\nعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:\n«نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nويرحمُ الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى رُكنٍ شديدٍ.\nولو لبثتُ في السِّجن طولَ ما لبِثَ يوسف، لأجبتُ الدَّاعي» متَّفق عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب قوله ﷿: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، رقم: ٣٣٧٢)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: زيادة طمأنينةِ القلبِ بتظاهر الأدلَّة، رقم: ٢٣٨).","vol":"3","page":1499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>المَطلب الثَّاني\nسَوق دعاوي المعارضات المعاصرة\nعلى حديث: «نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم ﵇»</span>\nتظافرَ جمعٌ مِن الكُتَّاب على الطَّعنِ في هذا الحديث بعدَّة اعتراضاتٍ، لكلِّ فقرةٍ من الحديث اعتراضٌ يخصُّها، وهي على النَّحو التَّالي:\nالمعارضة الأولى: أنَّ الشَّك خلافُ اليقين ونقيضه، وهو التَّردُّد بين شيئين، وفي الحديثِ إثبات وقوعِه لإبراهيم ﵇ولنبيِّنا ﷺ بالأولويَّة- في قدرةِ الله تعالى على الإحياء، وفي هذا نَقضٌ لما ثَبَت لهما بالوَحيِ مِن رسوخِ الإيمان، وكفرٌ ساذجٌ يَتنزَّه عنه الخليلان.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (إسماعيل الكرديُّ): «أوَّلَ بعضُهم هذا الحديث بتأويلاتٍ مختلفة، لأنَّ ظاهرَه مَرفوض، فالآية لا تدلُّ على أنَّ إبراهيم شكَّ، بل تفيد أنَّه أراد رؤية معجزةِ الإحياء الكبرى بعَيني رأسه، ليقوى إيمانه، وينتقل من علم اليقين إلى عينِ اليقين، بدليل أنَّ الحقَّ لمَّا سأله ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى﴾، ولا شكَّ أنَّه صادق مُصدَّق في قوله، فكيف يُدَّعى أنَّه شَكَّ؟ وهل يمكن أن يخفى فهمُ الآية لهذه الدَّرجة على سيِّدنا رسول الله وهو سيِّد الفصحاء؟! والأنكى من ذلك أنَّ الرَّاوي لم يكتفِ باتِّهامِ إبراهيم بالشَّك، بل نَسب لرسول الله أنَّه أكثر وأحقُّ بالشَّك منه!» (^١).\n_________\n(^١) «تفعيل قواعد متن الحديث النبوي» (ص/١٩٣).","vol":"3","page":1500},{"text":"المعارضة الثَّانية: اجتمع المفسِّرون على أنَّ لوطًا ﵇ أرادَ بقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]: أي عشيرةً قويَّة مانعة، تمنعُ قومَه من إلحاقِ الفاحشةِ بأضيافِه (^١)، وهذا منه تَمنٍ لسببٍ مَشروعٍ لا حَرَج فيه، ولا يَلزم منه ضعفُ الالتجاءِ إلى الله.\nفكيف يُندِّدُ الحديثُ بلوطٍ ﵇ بدعوى سَهوِه عن الاستعانةِ بالله تعالى وحدَه، وغفلته عن كونِه ركنَه ومأواه؟ بل وتُطلَبُ الرَّحمةُ والمغفرة له جرَّاء تركه لذلك؟!\nوفي تثبيت هذا الاعتراض، يقول (عبد الحسين الموسوي) في حقِّ الحديث: «هو تنديدٌ بلوطٍ ﵇ ورَدٌّ عليه، وتهمةٌ له بما لا يليق بمنزلته من الله ﷿، وحاشاه أن يكون قليل الثِّقة بالله، وإنَّما أراد أن يستفزَّ عشيرته وذويه، ويستظهر بفصيلته الَّتي تؤويه، نصحًا منه لله ﷿ في أمر عباده بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحاشا رسول الله ﷺ أن يندِّد بلوطٍ أو يفنِّد قوله، ومعاذ الله أن يُظنَّ به إلَّا ما هو أهله، ولكنَّه ﷺ أنذرَ بكثرة الكذَّابة عليه!» (^٢).\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّ في الحديث تفضيلًا ليوسف ﵇ على نبيِّنا محمَّد ﷺ.\nيقول الموسويُّ: «ظاهرٌ في تفضيل يوسف على رسول الله ﷺ، وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأمَّة وتواترت به الصِّحاح الصَّريحة، وثبت بحكم الضَّرورة بين المسلمين ..\nإنَّه ﷺ لو ابتُلي بما ابتُلي يه يوسف لكان أصبر من يوسف، وأولى منه بالحزم والحكمة، وبكلِّ ما يتحَصْحص به الحقُّ، وهيهات أن يجيب الدَّاعي\n_________\n(^١) انظر «التفسير الوسيط» للواحدي (١١/ ٥٠٣).\n(^٢) «أبو هريرة» (ص/٩٨)، وانظر لهذه الشبهة أيضًا «الحديث النبوي بين الدراية والرواية» للسبحاني (ص/٣٤٨ - ٣٤٩)، و«الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/١٣٠)، و«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» للكردي (ص/١٩٤).","vol":"3","page":1501},{"text":"بمجرَّد أن يدعوه إلى الخروج، فتفوته الحكمة الَّتي آثرها يوسف .. فما خرج من السِّجن حتَّى تجلَّت براءته كالشَّمس الضَّاحية ليس دونها سحاب.\nولئن أخذ يوسف بالحزم فلم يُسرع بالخروج من السِّجن حتَّى تمَّ له ما أراد، فإنَّ رسول الله ﷺ قد مثَّل الصَّبر والأناة والحلم والحزم والعزم والحكمة والعصمة في كلِّ أفعاله وأقواله ..» (^١).\n_________\n(^١) «أبو هريرة» (ص/٩٨ - ٩٩).","vol":"3","page":1502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>المَطلب الثَّالث\nدفع دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن حديثِ «نحن أحقُّ بالشَّك مِن إبراهيم»</span>\nأمَّا الجواب عن المعارضة الأولى: في دعوى المعترضِ وقوعَ الشَّكِ من إبراهيم ﵇ وإثباته لنبيِّنا ﷺ بالأولويَّة في قدرةِ الله في الحديثِ:\nفإنَّ ما يُقرِّره هذا الحديث خلاف هذا التَّوهم بالكُليَّة! فإنَّ المُراد من هذا الخَبَر أصالةً نفيُ الشَّك عن إبراهيم ﵇ في القدرةِ الإلهيَّة على الإحياءِ؛ وبيانُ ذلك:\nفي أنَّ طلبَ الخليل ﵇ رؤيةَ كيفيةِ الإحياء بعَيْنيه هو مِن قبيل الاستزادةِ مِن العلمِ، والرَّغبة في استكناهِ الحقائقِ، والتَّشوفِ إلى الوقوفِ على أسرارِ الخليقةِ ممَّا فَطر الله عليه الإنسان، طَمعًا منه للرُّقي مِن علمِ اليقين، إلى عينِ اليقين، فهو طلبٌ للطُّمأنينةِ فيما تَنزِع إليه نفسُه الشَّريفة مِن معرفةِ خفايا أسرارِ الرُّبوبية، لا طلبًا في أصلِ عقدِ الإيمانِ بالبعثِ الَّذي عَرَفه بالوحيِ والبرهان، دون المشاهدةِ والعَيان (^١).\nيقول ابن عطيَّة: «إذا تأمَّلتَ سؤالَه ﵇ وسائرَ ألفاظِ الآية لم تُعطِ شكًّا، وذلك أن الاستفهامَ بـ (كيف)، إنَّما هو عن حالِ شيءٍ موجودٍ مُتقرَّر الوجود عند\n_________\n(^١) انظر «تفسير المنار» (٣/ ٤٦).","vol":"3","page":1503},{"text":"السَّائل والمَسئول، نحو قولك: كيف علمُ زيد؟ وكيف نسجُ الثَّوب؟ ونحو هذا، ومتى قُلتَ: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنَّما السُّؤال عن حالٍ من أحوالِه.\nوقد تكون (كَيْفَ) خبرًا عن شيءٍ شأنُه أن يُستفهم عنه بـ (كَيْفَ)، نحو قولك: كيف شئتَ فكُن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدءُ الوحي.\nو(كَيْفَ) في هذه الآية إنَّما هي استفهامٌ عن هيئةِ الإحياء، والإحياء مُتقرَّر، ولكنْ لماَّ وجدنا بعضَ المُنكِرين لوجودِ شيءٍ قد يُعَبِرُّ عن إنكارِه بالاستفهامِ عن حالَةٍ لذلك الشَّيء يَعلمُ أنَّها لا تَصِحُّ، فيلزَمُ مِن ذلك أنَّ الشَّيءَ في نفسِه لا يَصِحُّ، مثال ذلك: أن يقول مُدَّع: أنا أرفعُ هذا الجبل، فيقول له المكذِّب: أَرِني كيف ترفعُه! فهذه طريقةُ مَجازٍ في العبارة، ومعناها تسليم جَدَليٌّ، كأنَّه يقول: اِفرضْ أنَّك ترفعه، أرني كيف؟ فلمَّا كان في عبارة الخليل ﵇ هذا الاشتراكُ المَجازيُّ، خَلَّص الله له ذلك، وحمله على أن يُبَيِّن الحقيقة، فقال له: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فكمَّل الأمر، وتخلَّصَ مِن كلِّ شكٍّ، ثمَّ علَّل ﵇ سؤالَه بالطُّمأنينة» (^١).\nفلمَّا كان الوَهم قد يَتلاعبُ ببعضِ الخواطرِ، فيطرِّقَ إلى إبراهيمَ ﵇ شكًّا مِن هذه الآية، حتَّى قِيل أنَّها حينَ نَزَلَت قال بعضُ النَّاس: «شكَّ إبراهيم ولم يشكَّ نبيُّنا»! (^٢) كان أنْ قَطَعَ النَّبي ﷺ دابِرَ هذا الوَهمِ بقوله: «نحن أحقُّ بالشَّكِ مِن إبراهيم»، وهذا صادرٌ مِن نبيِّنا ﷺ على الفَرْضِ الذِّهني، والتَّقدير الشَّرْطي، فكأنَّه قال: لو شَكَّ إبراهيم في إحياءِ الموتى، لكُنَّا نحن أحقَّ بالشكِّ منه، ولم نشُكَّ نحن، فهو إذْن أَوْلى وأحقُّ بألَّا يشُكَّ (^٣).\n_________\n(^١) «المحرَّر الوجيز» (١/ ٣٥٣).\n(^٢) انظر «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/١٥٩)، و«شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (٩/ ٥٢٥).\n(^٣) إلى هذا المعنى ذهب جمهور أهل العلم، انظر إضافةً إلى مَن مضى: الطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١/ ٢٩٧)، والخطَّابي في «أعلام الحديث» (٣/ ١٥٤٥)، والقاضي عياض في «الشِّفا» (٢/ ٤٨)، والنووي في «شرح صحيح مسلم» (٢/ ١٨٣)، وابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٤١٢).","vol":"3","page":1504},{"text":"هذا هو البرهان المُسمَّى عند أئمة الأصولِ بـ «البرهانِ الشَّرطي المتَّصِل» (^١)، وهو -كما ترى- تلازمٌ بين قضيَّتين في حكمهما مِن باب الأولويَّة.\nوإن كان هذا لا يعني أنَّ إبراهيم ﵇ أرسخُ في اليقينِ مِن نبيِّنا ﷺ! كما قد يُفهم غلطًا مِن صيغةِ التَّفضيل في «أحقُّ»، فإنَّ صيغة (أفعلُ) قد تأتي في اللُّغة: لنَفْيِ مَعنًى عن شَيْئَين، لا تفضيلَ أحدهما على الآخر حقيقةً، نحو قولك: الشَّيطان خيرٌ مِن زَيدٍ، وأنت تعني فقط: لا خيرَ فيهما، ونحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧]، أي: لا خيرَ في الفَرِيقين كليهما (^٢).\nفكأنَّ النَّبي ﷺ أرادَ بهذه العَبارة: ما جَرَت به العادةُ في المخاطبةِ لمِن أرادَ أن يَدفعَ عن آخرَ شيئًا، فيقول: مهما أردتَ أن تقوله لفلانٍ مِن مَكروهٍ، فقُلْه ليَ، ويكون مَقصوده: لا تقُل ذلك أصلًا! (^٣) ومَحصول هذا الكلام -كما قال ابن حبَّان- أنَّه لفظةُ إخبارٍ، مُرادُها التَّعليم للمُخاطَب (^٤).\nولا يخفى على سَليمِ الذَّائقةِ ما أُفعِمت به العِبارة النَّبويَّة مِن حِسِّ التَّواضعِ الجميل، والأدبِ الجليلِ، مع أبِ الأنبياءِ الخليل، عليهما أفضل الصَّلاة والتَّسليم.\nوأمَّا الجواب عن دعوى المخالِفِ في المعارضةِ الثَّانية: أنَّ الحديثَ يُندِّدُ بلوطٍ ﵇ إذ لم يلتجِئ في غفلةٍ منه إلى الله تعالى، فاستُغفر له لأجل ذلك، فيُقال فيه:\nإنَّ النَّبي ﷺ عَنى بالحديثِ قولَ الله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي\n_________\n(^١) انظر «معيار العلم» للغزالي (ص/١٥١)، و«تقريب الوصول» لابن جزي (ص/١٥٣)، و«المفهم» لأبي العبَّاس القرطبي (٢٣/ ١٤١).\n(^٢) نقله عن «الأمثال السَّائرة» للصَّاحب بن عبَّاد: زكريا الأنصاري في «منحة الباري» (٦/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، والجرجاوي في «شرح التَّصريح» (٢/ ١٠٣).\n(^٣) ذكر هذا التأويلَ النَّووي في «شرحه على مسلم» (٢/ ٢٤٢) عن قوَّام السُّنة الأصبهاني.\n(^٤) «صحيح ابن حبَّان» (١٤/ ٩٠).","vol":"3","page":1505},{"text":"إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، فأين في الآيةِ ما يَدلُّ صراحةً على أنَّ لوطًا ﵇ قد نَسِي ربَّه، أو أنَّه سها عن الاستعانة به سبحانه في ذلك الموقف الحَريجِ (^١)؟!\nغاية ما في الآية أنَّ لوطًا ﵇ تمنَّى لو كان ذا ذروةٍ من عشيرتِه ليَأوي إليها، لأنَّ «قومَه لم يكُن فيهم أحَدٌ يَجتمع معه في نَسَبِه، لأنَّهم مِن سَدوم (^٢) وهي مِن الشَّام، وكان أصلُ إبراهيم ولوط مِن العراق؛ فلمَّا هاجَر إبراهيم إلى الشَّام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى أهل سَدوم، فقال: لو أنَّ لي مَنَعة وأقاربَ وعشيرة، لكنتُ أستنصرُ بهم عليكم، ليدفعوا عن ضِيفاني» (^٣).\nفهذا التَّمني نفسه منه ﵇ لا حَرج فيه؛ إنَّما الَّذي أراده النَّبي ﷺ رفع التَّثريبِ عن لوطٍ في قولِه ذاك، إذْ كان في نصرٍ مِن ملائكةِ ربِّه من غيرِ أن يشعُر بذلك؛ على الصَّحيح مِن أقوال أهل العلم.\nيقول ابن عبَّاس: «أغلقَ لوطٌ بابَه والملائكة معه في الدَّار، وهو يناظرُهم ويناشدُهم مِن وراءِ الباب، وهم يُعالجون تسوُّرَ الجِدار، فلمَّا رَأَت الملائكة ما يَلقى لوط بسببِهم: قالوا يا لوط إنَّ ركنَك لشديد، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، فافتحْ البابَ ودَعْنا وإيَّاهم ..» (^٤).\nوقد قرَّرَ ابن حزمٍ هذا المعنى أيضًا بأحسنِ تَقرير، في قولِه:\n«إنَّ لوطًا ﵇ إنَّما أراد مَنَعةً عاجلةً يمنع بها قومَه ممَّا هم عليه مِن الفواحش، مِن قرابةٍ أو عشيرةٍ أو أتباعٍ مؤمنين، وما جهِل قطُّ لوطٌ ﵇ أنَّه يأوي\n_________\n(^١) وإن قال بهذا المعنى بعض أهل العلم، كابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» (ص/١٦٠)، والقاضي عياض في «إكمال المعلم» (١/ ٤٦٦)، وأبو محمد البغوي في «شرح السنة» (١/ ١١٧)، وجوَّزه النووي في «شرح مسلم» (٢/ ٥٤٣)، ورَّجحه ابن حجر في «الفتح» (٦/ ٤١٥)، وهؤلاء لا يعنون أن لوطًا كان يأوي إلى غير الله تعالى، ولكن الذي انتقده رسول الله ﷺ واعتبره في النُّطق: أنَّه أحبَّ للوطٍ أن يأتي بنطقٍ لا يتناول هذا الاحتمال؛ لأنه كان يأوي إلى ركن شديد، وهو الله ﷿، فليس للطَّاعنين في الحديث مستمسك ولو على هذا المعنى ولله الحمد.\n(^٢) سَدوم: هي سَرْمين، بلدة مِن أعمال حَلب، معروفة عامرة، ذكره الميداني في «مجمع الأمثال» (١/ ١٩٠)، وانظر «معجم البلدان» (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٤١٥).\n(^٤) أخرجه بنحوه أبو حاتم في «التفسير» (٦/ ٢٠٦٤)، وانظر «معالم التنزيل» للبغوي (٤/ ١٩٢).","vol":"3","page":1506},{"text":"مِن ربِّه تعالى إلى أمنعِ قوَّةٍ وأشدِّ ركن، ولا جناح على لوط ﵇ في طَلَب قوَّةٍ من النَّاس، فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١].\nفهذا الَّذي طَلَبه لوط ﵇؛ وقد طلَب رسول الله ﷺ من الأنصار والمهاجرين مَنَعةً حتَّى يبلِّغ كلامَ ربِّه، فكيف ينكر على لوطٍ أمرًا هو فَعَله ﵇؟!\nتالله ما أنكرَ ذلك رسول الله ﷺ، وإنَّما أخبرَ أنَّ لوطًا كان يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، يعني: مِن نصرِ الله له بالملائكة، ولم يكن لوطٌ علِم بذلك، ومَن اعتقدَ أنَّ لوطًا كان يعتقد أنَّه ليس له مِن الله ركنٌ شديد فقد كفَر، إذ نسَب إلى نبيٍّ من الأنبياء هذا الكفر» (^١).\nفتبيَّن أنَّ لوطًا ﵇ لم يترُك التَّوكُّل على الله، وإنَّما تمنَّى بعدُ سببًا مِن الأسباب المشروعة، مع ما يجوز في جَهرِه بقولِه ذلك مِن إبداءِ العُذرِ لأَضيافِه (^٢)؛ فلمَّا كان ظاهر الكلامِ مِن ذكِره للسَّبب وحدِه قد يتَخايلُ منه السَّامع نسيانَه الالتجاءَ إلى الله تعالى، أرادَ النَّبي ﷺ أن يقطع هذا التَّخايل بإثباتِ إيواءِ لوطٍ إلى هذا الرُّكن الحقِّ في توكُّله.\nومما يدلُّ على هذا المعنى: روايةٌ للحديث أخرى عن أبي هريرة ﵁، يقول فيها النَّبي ﷺ: «قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، قال: قد كان يَأْوي إلى رُكنٍ شديدٍ، ولكنَّه عَنَى عَشيرَتَه، فما بَعَثَ الله ﷿ بعدَه نَبِيًّا إلَّا بَعَثه في ذروةِ قومِه» (^٣).\nيقول ابنُ بطَّال: «لا يُخرِج هذا لوطًا ﵇ مِن صفاتِ المتوكِّلين على الله، الواثقين بتأييده ونصرِه، لكنَّ لوطًا ﵇ أثارَ منه الغضبُ في ذاتِ الله ما يثير مِن\n_________\n(^١) «الفِصل في المِلل والأهواء والنِّحل» (٤/ ٧).\n(^٢) انظر «شرح النووي على مسلم» (٢/ ١٨٥).\n(^٣) أخرجه أحمد في «المسند» (١٦/ ٥٢٤، رقم: ١٠٩٠٢) بإسناد حسن من أجل محمَّد بن عمرو بن علقمة اللَّيثي، وكذا فيه أبو عمر الضَّرير حَسن الحديث، روى له أبو داود، ومتابعه هنا أميَّة بن خالد، ثقة مِن رجال مسلم.","vol":"3","page":1507},{"text":"البَشر، فكان ظاهرُ قولِ لوطٍ ﵇ كأنَّه خارجٌ عن التَّوكل، وإن كان مقصدُه مقصدَ المتوكِّلين، فنبَّه النَّبي ﷺ على ظاهرِ قولِ لوطٍ تنبيهه على ظاهرِ قولِ إبراهيم ﵇، أن كان مقصده غير الشَّك، لأنَّهم كانوا صفوةَ الله المخصوصين بغاية الكرامة» (^١).\nثمَّ عبَّر الأُبِيُّ عن هذا المعنى بعبارةٍ أحسنَ، وزاد عليها بأن قال: «السِّياق إنَّما يدلُّ على أنَّ المقصود إظهار كمالِ هؤلاء السَّادة، ورزانة عقولهم؛ فمعنى قوله ﷺ: لقد كان يأوي إلى رُكنٍ شديد: أنَّ لوطًا ﵇ كان مطمئنَّ القلبِ بالاستنادِ إلى الله تعالى، غير ملتفتٍ عنه أصلًا، وإنَّما قال ما قال بلسانِه إظهارًا للعذر عند أضيافِه.\nوقد وكَّد النَّبي ﷺ ثبوتَ لجْأِ لوطٍ إلى الله تعالى باللَّام المُؤذنة بالقَسم، وبـ (قد) المؤذنة بالتَّحقيق، وعبَّر بالمضارع وهو (يأوي): للتَّنبيه على استقرار ذلك منه، وعدم مفارقته إيَّاه.\nفالكلام مَسوقٌ لدفع توهُّم إيواء لوطٍ ﵇ لغير الله تعالى، كما أنَّ قوله قبله: نحن أحقُّ بالشَّك من إبراهيم: مَسوقٌ لتنزيه ساحة إبراهيم ﵇ من الشُّكوك، وأنَّ ما صدر منه من سؤاله تعالى فالمقصود به شيءٌ آخر» ا. هـ (^٢)\nفأمَّا دعاؤه ﷺ للوطٍ ﵇ بالرَّحمة:\nفلا يلزم من الدُّعاءِ بالرَّحمةِ وقوع المُترحَّم عليه في مَزلَّة، لأنَّ الدُّعاء بذلك يتأتَّى على سبيلِ التَّمدُّح أيضًا، وقد جَرَى مثله في كلامِ النَّبي ﷺ حين اتُّهِم بقسمةٍ للمغنمِ ضِيزَى، حيث قال: «يرحمُ الله موسى، قد أُوذي بأكثر مِن هذا فصَبر» (^٣).\n_________\n(^١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٩/ ٥٢٦).\n(^٢) «إكمال الإكمال» للأُبِّي (١/ ٤٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، رقم: ٣١٥٠)، ومسلم في (ك: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، رقم: ١٠٦٢).","vol":"3","page":1508},{"text":"ولا يُخالف هذا ما جاء في الرِّواية الأخرى لهذا الحديث بلفظ: «يغفِرُ الله للُوطٍ ..» (^١) -وعليها مُعوَّل مَن قال أنَّ لوطًا أَتَى بخلافِ الأوْلى (^٢) - فإنَّ هذه الرِّواية بالمغفرةِ له -مع كونِ رُواةِ التَّرحُّم أكثر مِن رُواتِها، فتكون أرجح- هي هنا بمعنَى: رفعِ المَلامة عنه ﵇، وهذا سائغٌ في عُرف العرب، أو تكون مجرَّد دعاءٍ مِن المتكلِّم لا مفهومَ له (^٣).\nوأمَّا جواب المخالفِ في المعارضة الثَّالثة: دعواه تفضيلَ الحديثِ ليوسف ﵇ على نبيِّنا ﷺ في الصَّبر والحكمة:\nفإنَّما أثنى النَّبي ﷺ على يوسف ﵇ بحُسنِ الصَّبرِ وقوَّة العَزم، وهذا منه ﷺ غايةٌ في الأدبِ، وإحسان في إظهارِ منزلةِ يوسف ﵇ في التَّثبت والصَّبر؛ وما أخبرَ به ﷺ عن نفسِه هو منه على طريقِ التَّواضع لأخيه يوسف (^٤)، والتَّواضع لا يُصغِّر الأكبرَ ولا يضع الأرفعَ! ولا يُبطل لذي حقٍّ حقًّا! ولكنَّه يوجب لصاحبِه فضلًا، ويكسبه جَلالًا وقدرًا (^٥).\nوفي ما قاله النَّبي ﷺ في حقِّ يوسف ﵇ إشعارٌ بأنَّه قد خُصَّ في تلك النَّازلة تحديدًا بمزيَّةِ صَبرٍ، ومَزيَّةِ جزالةٍ، ومَرتبةِ تثبيتٍ (^٦)، فقال النَّبي ﷺ: أنَّه لو كان امتُحِن هو بهذا أو غيره مِن طولِ السِّجن، لكان الطَّبيعيُّ والأحبُّ إليه أن يَتَخلَّص مِن ذلك لأوَّلِ داعٍ، للنَّجاةِ مِن عذابِه وحبسِه، ولكان منه هذا أَخذًا بالحزمِ في الأمرِ؛ مخافةَ حوادث تَطوي، وانشغالِ الملِك بضرورةٍ، فينساه كما نسيَه مِن قبلُ ويشتغل عنه، فيبقى في سجنِه كما كان حاله معه! (^٧)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، رقم: ٣٣٧٥)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ، رقم: ١٥٣).\n(^٢) انظر «المُفهم» للقرطبي (٢٣/ ١٤٢)، و«الكوثر الجاري» للكوراني (٦/ ٢٧٠).\n(^٣) انظر مثالًا لكِلا التَّأويليَن في «فتح الباري» لابن حجر (٧/ ٣٩).\n(^٤) انظر «إكمال المعلم» (٧/ ٣٤٣).\n(^٥) «أعلام الحديث» للخطَّابي (٣/ ١٥٤٧).\n(^٦) «عارضة الأحوذي» (١/ ٣٥٨).\n(^٧) «إكمال المعلم» (٧/ ٣٤٣).","vol":"3","page":1509},{"text":"فإن قيل: إذا كان النَّبي ﷺ ذَكر هذا الكلام على جِهة المدحِ ليوسف، فما باله هو ﷺ يذهب بنفسِه عن حالةٍ قد مَدَح بها غيره؟ (^١)\nقُلنا: هذه شُبهة قد كفانا ابن عطيَّةٍ كشفها بأحسن ما يكون الكشفُ والبيان، فقال: «الوجهُ في ذلك: أنَّ النَّبي ﷺ إنَّما أخَذ لنفسِه وجهًا آخرَ مِن الرَّأي له جهةٌ أيضًا مِن الجودة، أي: لو كنتُ أنا لبادرتُ بالخروجِ، ثمَّ حاولتُ بيانَ عذري بعد ذلك، وذلك أنَّ هذه القَصص والنَّوازل إنَّما هي مُعرضة ليقتدي النَّاس بها يوم القيامة، فأراد رسول الله ﷺ حملَ النَّاس على الأحزمِ مِن الأمور.\nوذلك أنَّ المتعمِّق في مثل هذه النَّازلة، التَّاركُ فرصةَ الخروجِ من مثل ذلك السِّجن، ربمَّا تنتج له مِن ذلك البقاءُ في سجِنه، وانصرفت نفسُ مخرجِه عنه، وإن كان يوسف ﵇ أَمِن مِن ذلك بعلمِه مِن الله، فغيره مِن النَّاس لا يأمن ذلك، فالحالة الَّتي ذَهب النَّبي ﷺ بنفسِه إليها حالةُ حزمٍ ومدحٍ، وما فَعَله يوسف ﵇ صبرٌ عظيمٌ وجَلَد» (^٢).\nفإن قيل أيضًا: إذا تقرَّر أنَّ الحديث سيقَ بيانًا لفضلِ هؤلاء الأنبياءِ، والدَّفع عنهم ما قد يُتوَّهم فيهم مِن الباطِل، فما وجهُ تناسب هذا المدحِ منه ﷺ ليوسف مع هذا المقصد الكليِّ للحديث؟\nوالجواب: أنَّ النَّبي ﷺ مدَحَه على الأناةِ والتَّصبُّر على وجهِ الخصوص، «وكان في طيِّ هذه المدحةِ بالأناةِ والتثبُّت: تنزيهُه وتبرئتُه ممَّا لعلَّه يسبِق إلى الوهم مِن أنَّه هَمَّ بزُلِيخا -امرأةِ العزيزِ- هَمًّا يُؤاخَذ به، لأنَّه إذا صَبر وتثبَّت فيما له أن لا يصبِرَ فيه -وهو الخروج مِن السِّجن- مع أنَّ الدَّواعي متوافرةٌ على الخروج منه، فلَأن يصبِرَ فيما عليه أن يصبِر فيه مِن الهمِّ أَوْلى وأجدر! والله أعلم» (^٣).\n_________\n(^١) قاله الموسوي في كتابه «أبو هريرة» (ص/٩٨ - ٩٩)، وتبعه السُّبحاني في «الحديث النبوي بين الدراية والرواية» (ص/٣٥٠).\n(^٢) «المحرَّر الوجيز» لابن عطية (٣/ ٢٥٢)، وأقرَّه القرطبي في «تفسيره» (٩/ ٢٠٧).\n(^٣) «الانتصاف فيما تضمَّنه الكشَّاف» لابن المنيِّر الإسكندري (٢/ ٤٧٧، حاشية الكشَّاف).","vol":"3","page":1510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>الفصل السادس\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث المُتعلِّقة بالطَّبيعيَّات</span>","vol":"3","page":1511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>المَبحث الأوَّل\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث التَّصبُّح بسبعِ تمَرات عَجوة</span>","vol":"3","page":1513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>المَطلب الأوَّل\nسوق حديث التَّصبُّح بسبعِ تمَرات عَجوة</span>\nعن سعد بن أبي وقَّاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن تصبَّح كلَّ يومٍ سبعَ تمراتٍ عَجوةٍ (^١)، لم يضرَّه في ذلك اليوم سَمٌّ ولا سِحر»، متَّفق عليه (^٢).\nوفي رواية للبخاريِّ: «.. لم يضره سمٌّ ولا سحر ذلك اليوم إلى اللَّيل، وقال غيره: سبع تمرات» (^٣).\nوفي رواية عند مسلم: «مَن أكَلَ سبعَ تمراتٍ ممَّا بين لابَتَيْها (^٤) حين يُصبح، لم يضرَّه سمٌّ حتَّى يُمسي» (^٥).\n_________\n(^١) العجوة: ضَربٌ من أجود التَّمر بالمدينة، يضرب إلى السَّواد، ونخلتُها تسمَّى لِينَةً، انظر «الصحاح» (٦/ ٢٤١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الأطعمة، باب: العجوة، رقم: ٥٤٤٥)، ومسلم في (ك: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، رقم: ٢٠٤٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الأطعمة، باب: العجوة، رقم: ٥٧٦٨).\n(^٤) مفردها (لَابَة): الأرض الَّتي قد ألبستها حجارة سود من الطفوح البركانية، وأراد ما بين اللَّابتين: المدينة النبوية، انظر «تهذيب اللغة» (٥/ ١٨٧).\n(^٥) أخرجه مسلم في (ك: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، رقم: ٢٠٤٧).","vol":"3","page":1515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>المَطلب الثَّاني\nسَوْقُ المُعارضاتِ الفِكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ التَّصبُّحِ بسبعِ تمَراتٍ عَجوة</span>\nلم يزل مَخبر هذا الحديث مَثارَ جدلٍ واسعٍ عند المُشكِّكين بسلامةِ منهج الشَّيخين في نقد المتونِ، حتَّى أصبحَ دَيْدنًا لبعضِهم عند التَّمثيل بما عَمِي المُحدِّثون عن نَكارتِه مع ظهورِ عِلَّته.\nفذاك (أحمد أمين)، كان يرى أنَّ «البخاريَّ -على جليلِ قدرِه، ودقيقِ بحثِه- يُثبت أحاديثَ دلَّت الحوادث الزَّمنية، والمشاهدة التَّجريبيَّة، على أنَّها غير صحيحة ..»، وذكر مثالًا لذلك بحديث التُّصبُّح بسبع تمراتٍ عجوة (^١).\nوأشبهه في موقفه من الحديث (أبو ريَّة) حين ذكر هذا الخبر تمثيلًا للأحاديث المُشكلة الغَريبةِ (^٢).\nهذا الطَّعن في الحديثِ مَرجعه إلى ما يدَّعيه مُبطِلوه مِن نكارةٍ مَعنويَّةٍ فيه، لا يتقبَّلها العلمُ الطَّبيعيُّ الحديث، ولا التَّجربة العَمليَّة، خاصَّةً في ما يُزعَم مِن وقايةِ التَّمراتِ السَّبعِ لأثرِ السُّموم.\nوفي تقريرِ هذا الاعتراضِ على الحديثِ، يقول (صالح أبو بكر): «هذا الحديث يجعل كلامَه ﷺ يخالف الواقع العلميَّ لمناهج الطِّب الَّذي يمارسه النَّاس في أنفسهم» (^٣).\n_________\n(^١) «فجر الإسلام» (ص/٢١٨).\n(^٢) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/٢٢٦).\n(^٣) «الأضواء القرآنية» (ص/٢٩١).","vol":"3","page":1516},{"text":"ومثله قولُ (صُبحي مَنصور): «قد يَضع البخاريُّ حديثًا يُعرف أنَّ التَّجربة العمليَّة قد أثبتت كذبه، مثل حديث: مَن تصبَّح بسبع تمرات عجوة ..» (^١).\nبل بلغت الجُرأةُ ببعضِهم أن يستفِزَّ أهلَ الحديثِ حينَ مناظرتِهم به، بدعوتِهم إلى تجربةِ الحديثِ عَمليًّا إن كانوا مُوقِنين به! بأن يتصبَّحوا بسبع تمرات، ثمَّ يُسْقَوا سُمَّا مِخْبَريًّا فتَّاكًا! ثمَّ ليُنظرَ هل يدْفَعنَ عنه الموتَ كما يزعم حديثُهم؟!\n_________\n(^١) «القرآن وكفى» (ص/١٥٣).","vol":"3","page":1517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن حديثِ التَّصبُّح بسبعِ تمراتٍ عَجوة</span>\nإنَّ مِن أسبابِ الخطأِ المُتكرِّرِ عند المُنكرين لصِحاح السُّنَن عند النَّظرِ في الأخبار، إغفالَهم للقيودِ الَّتي تكبَح جِماحَ الخطابِ أن يُفهَم عامًّا على إطلاقِه!\nوذلك أنَّ النَّصَ الشَّرعيَّ يَجري في سياقاتٍ لفظيَّة ومَعنويَّةٍ، وتحتفُّ به مِن القرائن والأحوال ما يَستوجِب حملَه على معنىً مُقيَّد دون عمومِ ظاهرِه، وأمثلة ذلك مِن الكتابِ والسُّنة مَبثوثة في باب ما يُخصَّص به عموم الكتابِ والسُّنة في كُتب الأصول (^١).\nفما أوْقَع المُبطلين لهذا الحديث بخصوصِه مُنزَلقٌ مَنهجيٌّ في تفسير النُّصوصِ الشَّرعيَّة، مُتمَثِّلٌ في أمرين:\nأوَّلهما: حَملهم للَفظِ (التَّمر) في بعض الرِّواياتِ على عمومِ جنسِه، دون نَظرٍ في الرِّوايات المُقيِّدة بنوعٍ مُعَيَّنٍ منه.\nثانيهما: حَملهم لفظَ السَّمِ فيه على كلِّ سُمٍّ قاتلٍ وغير قاتلٍ، مِن غيرِ تَنقيبٍ عن مَقصد المُتكلِّم به، ولا مُراعاةِ القرائن المُحصِّلة لذلك.\n_________\n(^١) انظر «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي (١/ ٣٠٩)، و«اللُّمع» للشيرازي (ص/٣٢)، و«البرهان» للجويني (١/ ١٥٧)","vol":"3","page":1518},{"text":"فأمَّا العموم الأوَّل: فالصَّحيح أنَّ الحديث لم يَعنِ كلَّ تمرٍ مِن أيِّ بلدٍ كان، بل هو مَخصوصٌ بتمرِ العَجْوة المَدَنيِّ (^١).\nوذلك: أنَّ الحديث مَداره على عامرِ بن سَعد بن أبي وقَّاص، يَرويه عن أبيه، رواه عن عامر هذا اثنان مِن ثقاتِ أصحابِه، بلفظين مختلفين: هاشم بن هاشم (^٢)، وأبو طوالة عبد الله بن الرَّحمن (^٣).\nفأمَّا (هاشم بن هاشم): فرواه عنه بلفظ «تمراتٍ عَجوة»، ورواه عن هاشم جماعة مِن الرُّواة كلُّهم اتَّفَقوا على لفظِ العَجوة (^٤).\nوأمَّا (أبو طوالة): فرواه عنه بلفظ «سبع تمراتٍ» دون تَقيِيدٍ بالعجوة، وإن كان القَيد في روايتِه هو ببُقعةِ زرعِها: «ما بين لابَتَيها» (^٥)، أي لابَتي المدينة.\nوقد ذَكر أبو طوالة أنَّ لفظَ «العَجوة» لا يحفظه هو في الحديث، وإنَّما يسمَعه مِن النَّاس (^٦)؛ على أنَّ أصحابه قد اختلفوا عليه أيضًا! فرواه عنه بعضهم بزيادة لفظ «العجوة» (^٧).\nوعندي أنَّ رواية هاشم بن هاشم الَّتي بلفظ «العجوة»، أصوبُ مِن روايةِ أبي طوالة، لبعضِ مُرجِّحاتٍ، منها:\nأولًا: عدمُ اختلاف أصحاب هاشم عليه في لفظ «العَجوة»، عكسَ رِوايةِ\n_________\n(^١) انظر «شرح النووي على مسلم» (١٤/ ٢ - ٣)، ويخصُّها بعضهم بعَجوةِ العاليةِ تحديدًا، لورود حديث فيها سيأتي قريبا.\n(^٢) هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص القرشى الزهرى، ثقة، ممن عاصروا صغار التابعين، توفي في بضع وأربعين ومائة من الهجرة، انظر «تهذيب الكمال» (٣٠/ ١٣٧).\n(^٣) عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصارى النجارى، أبو طوالة المدنى، قاضى المدينة، ثقة من صغار التابعين، توفي (١٣٤ هـ)، انظر «تهذيب الكمال» (٣٣/ ٤٤٥).\n(^٤) انظر «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٣٩).\n(^٥) أخرجه مسلم في (ك: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، رقم: ٢٠٤٧).\n(^٦) «المستخرج على مسلم» لأبي عوانة (٥/ ١٨٩).\n(^٧) انظر «شرح مشكل الآثار» للطحاوي (١٤/ ٣٦١)، و«شرح السنة» للبغوي (١١/ ٣٢٥).","vol":"3","page":1519},{"text":"«التَّمرات»، فالخلاف عن راويها أبي طوالة قَويٌّ، إذ في الرُّواة عنه مَن يذكر لفظ «العَجوة» بدل «التَّمرات»، وهنا يُقَدَّم المُتَّفَق عليه على المختلفِ فيه (^١).\nثانيًا: لتخصيصِ «العَجوة» شواهد في أحاديث أخرى، مِنها:\nما جاء عن عائشة ﵁ مَرفوعًا: «إنَّ في عَجوةِ العاليةِ شفاءً -أو: إنَّها ترياق- أوَّلَ البُكرة» (^٢).\nوعن جابر ﵁ مَرفوعًا: «العَجوة مِن الجنَّة، وهي شفاء مِن السَّم» (^٣).\nوهذا القول بتَخصيصِ ما في الحديث بعَجوة المدينةِ أو (العالِيَة) (^٤) مَذهبُ عامَّة أهل العلمِ، مع اختلافِهم في مَزِيَّتها الَّتي لأجلها اختُصَّت بذاك التَّأثير في السُّموم والسِّحر دون سائرِ التَّمور (^٥).\nحتَّى الَّذين صحَّحوا رواية أبي طوالة في «التَّمرات»، منهم مَن جعله مُقيَّدًا بروايةِ العَجوة -كعامَّة شُرَّاح الحديث-، ومِنهم مَن لم يُقيِّدها بذلك، فجَعَل حكم العَجوة يشمل التَّمر عمومًا (^٦)، بأن يكون ذكر العَجوة مِن باب التَّنصيص على بعض أفراد العامِّ لمزيد خصوصيَّة أو اهتمام، فلا يقتضي التَّخصيص.\nوعلى كلٍّ؛ سواء قلنا بهذا أو ذاك، فإنَّ المُتَّفَق عليه مِن كِلا الرِّوايتين أنَّ نوعَ التَّمر في الحديث: ما كان نخلُه نابتًا بين لَابَتي المدينة، فإنَّ «تخصيصَ تمرِ المدينة بذلك واضحٌ مِن ألفاظِ المتن» (^٧).\n_________\n(^١) ولعلَّها هذا ما دعا البخاريَّ للاقتصار على إخراج رواية «العجوةِ» عن هاشم في «صَحيحِه»، دون رواية أبي طوالة.\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، رقم: ٢٠٤٨).\n(^٣) أخرجه النسائي في الكبرى (ك: الوليمة، باب: عجوة العالية، رقم: ٦٦٨٢).\n(^٤) العالية: ما كان من الحوائط والقرى والعمارات من جهة المدينة العليا مما يلى نجد، والسافلة من الجهة الأخرى مما يلي تهامة، انظر «شرح النووي على مسلم» (١٤/ ٣).\n(^٥) انظر أقوالهم في «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٢٣٩).\n(^٦) كما تراه - مثلًا - في تبويب أبي عوانة في «مستخرجه على مسلم» (٥/ ١٨٩) قال: «باب: بيان فضل التُّمور الَّتي تكون بين لَابَتي المدينة على غيرها، وأن مَن تصبَّح منها بسبع تمراتٍ لم يضرَّه سمٌّ».\n(^٧) نقله ابن حجر عن بعض شُرَّاح «مشارق الأنوار» في «الفتح» (١٠/ ٢٤٠).","vol":"3","page":1520},{"text":"فمَن ذهب مِن المعاصرين إلى تعميمِه على كلِّ تمرٍ -مَدنيًّا كان أم غيره- فقد أبعد النّجعة بذلك! لأنَّه ألغى به القَيد الصَّريح في اللَّفظ النَّبوي مِن غير مقتضٍ صحيح.\nنعم؛ قد أثبتَت الدِّراسات المُختبريَّة الحديثة نجاعةَ التُّمور عمومًا في الوقاية مِن أثرِ السُّمومِ، لكنَّها لا ترقى أن تُلغي القيدَ الوارد في الحديث، فليس في نصِّ الحديث ما يَنفي أن يكون في باقي أنواعِ التُّمور شَيءٌ مِن تلك الفاعليَّة المَوجودة في عَجوةِ المدينة، كما ليس فيه ما يَنفي أن يكون في باقي تُمور الدُّنيا شيءٌ مِن الأثر الَّذي يحدثه تمر المدينة، .. لكنَّه يبقى شيئًا مِن كلٍّ!\nوعلى فرضِ اشتراكِ سائر التُّمور للعجوة في جنسِ التَّأثير في السُّموم والأسحار، فإنَّ عَجوةَ المدينةِ أكمل التُّمور وأنجعها في الوقاية مِن السَّم والسِّحر، ووِقاية غيرها ناقص بالنِّسبة إلى ما في العَجوة مِن بركةِ، فلأجل ذا تقصَّدها النَّبي ﷺ في لفظ حديثِه بالوَصيَّة دون غيرها مِن التُّمور (^١).\nوأمَّا في ما يتعلَّق بغَلط المُعترِضين في فهمِ لفظ «السُّم» الوارد في الحديث:\nفإنَّ السُّموم في عُرفِ كلامِ العَرب لا ينحصر في ما يَقتلُ، بل يطلقونها ويَقصدون ما يَضرُّ منها جدًّا وإن لم يقتل، ولذا ترى شِمْرًا (^٢) يقول: «ما لا يَقتل ويَسمُّ فهو: السَّوام، لأنَّها تَسمُّ، ولا تبلغ أن تَقتل، مثل: الزَّنبور، والعقرب، وأشباهها ..» (^٣).\n_________\n(^١) الغريب أن يجنح بعض الباحثين إلى ترجيح رواية «التَّمرات» على رواية «العجوة» بما لم يسبقه إليه أحدٌ من الأئمَّة، ليُثبت به شمولَ هذا النَّفع الوارد في الحديث لعموم التُّمور كيفما كانت، أعني به (د. جميل أبو سارة) في رسالته «أثر العلم التَّجريبي في كشف نقد الحديث النبوي» (ص/٢٤٣)، اعتمادًا منه على تلك البحوث المخبريَّة الَّتي تثبت أثر التُّمور في الوقاية من السُّموم! ونَسي أنَّ البحوث الَّتي اعتمدها في بحثه هذا لم تعتمد على تمور المدينة البتَّة، لا مِن عجوة ولا غيرها! في حين أنَّ اللَّفظ الَّذي رجَّحه فيه «.. تمراتٍ ممَّا بين لابَتَيها» أي: أنَّها مُقيَّدة بتمور المدينة فقط! فانعدم التَّرابط التامُّ بين المَدلول وما يظنُّه دليلًا له.\n(^٢) شِمْر بْن حَمْدُوَيْه أَبُو عَمْرو اللُّغَوي: أديب خُراسان، كَانَ رأسًا فِي العربية والآداب، وكان مِن أئمّة السنة والجماعة، توفي (٢٥١ - ٢٦٠ هـ)، انظر «تاريخ الإسلام» للذهبي (٦/ ٩٧).\n(^٣) «تهذيب اللغة» للأزهري (١٢/ ٢٢٤)، و«الغَريبَين» لأبي عبيد الهروي (٣/ ٩٣٥).","vol":"3","page":1521},{"text":"فمِن هنا أوتي المُعترض، مِن ظنِّه أنَّ المعنى هو ما تَبادر إلى ذهنه مِن السُّموم الكيمائيَّة المُستحدثةِ الفتَّاكة في الحين! كمادَّة (البوتولِينوم)، أو غاز السَّارين مثلًا، وهذا معنى ما أبعدَ أن يقصِده النَّبي ﷺ مِن الحديث، فإنَّ هذا النَّوع قَلَّ أن يَتعرَّض له النَّاس في الجملة، وهو في حكم النَّادر جدًّا، ومُحال أن يقصِد بوصيَّتِه أمَّته شيئًا ندُر أن يقع فيهم.\nولذلك وجدنا أنَّ السِّحرَ لمَّا كان مُنتشرًا في النَّاس، وهم مُبتلَون به منذ القديم، أوصى النَّبي ﷺ أمَّته في الحديث نفسِه بما يدفعه عنهم، ودلالة الاقترانِ هذه ترجِّح أن يكون «السَّم» مثل «السِّحر» على معنى يكثر تلبُّس النَّاس به، وكثرة بلواهم به في كلِّ زمانٍ ومكان، فيكون المُراد الأنسب على ذلك: ما كان في الأشربةِ والأطعمة الرَّديئة أو المتعفِّنة، أو ما يَستنشقه النَّاس مِن الأبخرةِ والدَّواخن المُضرَّة في الهواء، أو في ما يكون مِن سمومِ الزَّنابير والعقارب ونحوها مِن الحشرات، فكلُّ هذا داخل في مُسمَّى السَّم لغةً وعُرفًا.\nفهذا هو الأقومُ في المُراد بلفظ «السُّم»، والانصراف عن ظاهر إطلاقِ لفظِه في الحديث ليس أمرًا مُحدَثًا عند فقهاءِ الحديث، بل قد دَرج عليه بعض مُحقِّقيهم، كما تراه عند ابن القيِّم في قوله: «يجوز نفع التَّمر المَذكور في بعض السُّموم، فيكون الحديث مِن العامِّ المَخصوص، ويجوز نفعه لخاصيَّة تلك البَلد، وتلك التُّربة الخاصَّة من كلِّ سمٍّ» (^١).\nوالَّذي سوَّغَ لنا القول بهذا النَّوع مِن السُّموم أنه المَعنيُّ بالحديث لا مطلقًا: ما عَمِي عنه المُتعجِّلون في الطَّعن على الحديث، مِن تلك البحوث والدِّراسات العلميَّة المتكاثرة المُجراة على التُّمور، حيث أثبتَت أثرَها الوِقائيَّ مِن أنواع السُّموم المختلفة الَّتي يتعرَّض لها الإنسان في حياته اليوميَّة.\nفمن تلك الدِّراسات الحديثة: بَحث مُحكَّم نشره الدُّكتوران: عبد الكريم السَّلال، وأحمد ديسي، في مجلة علميَّة تُصدِرها جامعة «كامْبرِيدْج» البريطانيَّة،\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٤/ ٩٢).","vol":"3","page":1522},{"text":"بعنوان: «دراسة تأثير خلاصة التَّمر على إبطالِ مفعولِ سمِّ الحيَّة والعَقرب»، حيث «تمَّ إعطاء أربعة مُتبرِّعين مِن (٩ - ١١) حَبَّة تمر لكلٍّ منهم، وقد أُخذت منهم قبل هذا عيِّنات مِن دمائهم، وكذا بعده بحوالي خمس ساعات.\nفكشف الاختبار أنَّ عيِّنات الدَّم الَّتي أُخِذت بعد تناول التَّمر كانت مقاومة لسُمِّ الأفعى بنسبة (٨٣%)، ثمَّ وَجدت الدِّراسة أنَّ إعطاء (٥%) من خلاصة التَّمر أبطلت حوالي (٣٤%) و(٧١%) من النَّشاط السُّمي للأفعى والعقرب على التَّوالي، وأن (٢٠%) من خلاصة التَّمر أحبطت المفعول بنسب ما بين (٨٧%) و(١٠٠%»)! (^١).\nهذا؛ والتَّمر المُستعمَل في تلك التَّجربة مِن أَرْدَأِ أنواع التُّمور المتوافرة في أسواقِ الأردن! (^٢) ليس هو مِن عجوة المدينة، ولا من أيِّ تمرها كلِّه!\nبل قبل شهرين من الآن، تحصَّلت جامعةُ قابوس بسَلْطنة عُمان، على بَراءةِ اختراعٍ مِن قِبل المكتبِ الأمريكيِّ لبَراءاتِ الاختراع، عن اكتشافِ طَبِيبَيْن عندها لدواءٍ مُستخلصٍ مِن تمرِ العَجوة، يحمي المُصابَ من أخطرِ لَدغاتِ الأفاعي في غضونِ دقائق مَعدودة! (^٣)\nوأمَّا دراسات الغربيِّين لجدوى فاعليَّة التَّمر في السُّموم: فكثيرة أيضًا، أذكر منها على -سبيل التَّمثيل- دراسةً حديثةً نشرتها المجلَّة العلميَّة البريطانيَّة «The coversation» (^٤)،  اهتدى فيها بعض الباحثين الفَرنسيِّين بمعيَّة باحثٍ سوريٍّ يُدعى:\n_________\n(^١) للنَّظر في تفاصيل هذه الدراسة، يُرجى مراجعته في:\nInhibition of heamolytic activity of snake and scorpion venom by date extract، biomedical letters، ٥١ - ٥٦، ١٩٩٧.\n(^٢)  كما يُخبر د. السَّلال القائم بالتَّجربةِ، انظر «أثر العلم التَّجريبي في كشف نقد الحديث النبوي» لـ د. جميل أبو سارة (ص/٢٣٧).\n(^٣) انظر الخبر في جريدة «الوطن» العُمانيَّة، على صفحتهم الإلكترونيَّة، منشور بتاريخ ٣ إبريل ٢٠١٨ م، وقد بُثَّ الخبر في عدَّة قنواتٍ فضائيَّة.\n(^٤) مقال لـ (دينيس مورفاي  denis J murfphy)  بموقعهم الإلكتروني الرَّسمي بعنوان:\n\"  How date palm seeds can remove toxins from the environment\" july ٢٦،٢٠١٦.","vol":"3","page":1523},{"text":"د. عبد السَّميع هنانو: إلى استخدامِ خُلاصةِ التُّمور لمعالجةِ بعضِ السُّمومِ المُنتشرةِ في بعضِ البِيئات جرَّاء الحروبِ والتَّلوُّثاتِ الصِّناعية، والمعروفة بـ (الدِّيُوكْسِينات)، وهي تتراكم في المَجاري المائيَّة والتُّربة.\nذلك أنَّهم وَضعوا مُستحلَب التَّمر في ماءٍ به كميَّة مِن سُمِّ (الدِّيوكْسِينات)، فتفاجأوا باختفاءِ هذه المادَّة السُّميَّة في غضونِ دقيقة واحدة!\nوقد هَدتهم التَّجربة إلى استخدام هذا العلاج الحَيويِّ لمعالجة السُّمومِ الأخرى المنتشرة في أرجاء العالم كلِّه، مُؤكِّدين في ختام بحثهم هذا على «أنَّ نَخيلَ التَّمر أكثرُ فوائدَ ممَّا كان أجدادُنا يَتصوَّرونه!».\nودراسة أخرى هي أعجب مِن أختِها السَّالفة: أجراها باحثون بريطانيُّون، ما دفعهم إلى القيامِ بها إلا وقوفهم على حديثِنا هذا في فضل العَجوة وتمرِ المدينةِ! فوجدوا الأثر البَليغ الَّذي يُحدثه التَّمر في العمليَّة المناعيَّة للكَبِد ضدَّ السُّموم.\nوإدراك أهميَّة هذه التَّجرية يتِمُّ بمعرفتنا أنَّ العمليات الاستقلابيَّة (الأَيْض) هي عمليَّات متواصلة في جسم الإنسان، ينتج عنها ما يُسمِّيه الأطبَّاء بـ «الجزيئات الحُرَّة»، وهي مركَّبات تفاعليَّة إذا تُركت تسبَّبت في أمراضٍ جسيمة، ومنها تسارع عمليَّات الهدم في خلايا البَدن، والوقوع في الشَّيخوخة المبكِّرة.\nوقد اكتشف الأطبَّاء أنَّ في الكَبد إنزيمًا مسئولًا عن إبطالِ مفعول السُّموم الَّتي تتخلَّف عن عمليَّات (الأَيْض) هذه، ولذا ترتفع نسبة هذا الأنزيمِ في الدَّم في حال دخول السُّمومِ في الجسم، وعند تجريب إطعامِ سبع تمراتٍ لأُناسٍ كلَّ يومٍ ولمدَّة شهر، كما فهموه من الحديث، وجدوا أنَّ مستوى ذلك الإنزيم في الدَّم قد صار في الحدود الطَّبيعية .. وبعد فحص هؤلاء في نفس التَّجربة، وجدوا أنَّ مُعدَّل الإنزيمِ لا يرتفع مع دخول السُّمومِ إلى الجسم، ممَّا دلَّ على أنَّ الجسم استغنى عن إفراز الأنزيم، لوجود وقايةٍ قويَّة فيه سابقة!\nلقد أكَّدت هذه الدِّراسةَ جمعيَّةٌ بريطانيَّة تُدعى \"  telepathy\"،  تهتمُّ بظاهرة الاستجلاء البصريِّ والسَّمعي، حيث أخذت عيِّناتٍ دمٍ من أُناسٍ يتعرَّضون للتَّسمُّم بمادَّة الرَّصاص من عوادم السَّيارات، أو صناعةِ البطَّاريات ونحو ذلك، مِمَّن","vol":"3","page":1524},{"text":"يُعانون مِن مشكلِ عُنصر (الكاديوم)، الَّذي يؤدِّي إلى الفَشل الكلَوي وبعض التَّسمُّمات الخطيرة في الجسم، فوجدوا:\nأنَّ المُتطوِّعين حين تناولوا سبع تمراتٍ كلَّ يومٍ على الرِّيق، قلَّت نِسبة السُّمومِ جدًّا في أجسمامهم، لغِنى التَّمر بالموادِ الفيتوكيماويَّة الَّتي تقاوم السُّموم الدَّاخلية، وذلك بحشرِها تحت بشرة الجلد، أو إذابتها وإخراجها عبر البولِ والبُراز، فضلًا عن مقاومتها للجزيئات الحُرَّة النَّاتجة عن (الأَيْض) والأكسدة في الجِسم، فعمِلت خلاصة التَّمر المُتناولة عملَ المُضاداتِ الطَّبيعيَّة للسُّمومِ في الكَبد.\nوقد نشرت هذه الجمعية البريطانيَّة هذا البحث في مجلَّتها الدَّوريَّة \"  Telepathy\"،  ذكرت فيه رصدَ أجهزة الاستشعارِ لخطِّ طَيفٍ مُلتفٍّ على الجسم تشكَّل بعد هضم التَّمرات، وأنَّ هذه الهالَة تستمرُّ يومًا كاملًا، كما ورد في الحديث تمامًا! (^١) ولعلَّ هذه الهالَة الطَّاقيَّة هي السَّبب في مقاومةِ طاقةِ الأسحارِ المُتَّجِهة إلى الإنسان إذا أكلها.\nفليت المُعترضين على الحديث مِمَّن ينتسب إلى الإسلام اقتدوا بهؤلاء الإفرنجةِ في معاملتهم لحديث رسول الله ﷺ معاملةَ المُجرِّب المُستفيد! أو ليتهم على الأقلِّ أخذوا بنصيحةِ مصطفى السِّباعي قديمًا، إذ وَصَّاهم بالتَّريُّث في إنكار هذا الحديث بخاصَّة، حيث قال:\n«إذا كان الطِّب الحديث لم يُوَفَّق في اكتشافِ سائرِ خواصِّ العجوة حتَّى الآن، أَفَليس مِن الخطأ التَّسرُّع إلى الحكم بوضعه؟! وهل ادَّعى أحد أنَّ الطِّب انتهى إلى غايته، أو أنه اكتشف كلَّ خاصَّة لكلٍّ مِن المأكولات والمشروبات والنَّباتات والثِّمار الَّتي في الدُّنيا؟!\n_________\n(^١) انظر هذه الدِّراسة في موسوعة «عالم الإنسان: طعام الإنسان وشرابه» للبروفيسور: أحمد شوقي إبراهيم (٣/ ١٢١ - ٢١٤)، وهو زميل كلية الأطباء الملكيَّة بلُندن وأدنبره، ومستشار الأمراض الباطنيَّة وأمراض القلب.","vol":"3","page":1525},{"text":"إنَّك لا تشكُّ معي في أنَّ إقدام مؤلِّف «فجر الإسلام» على القطع بتكذيبِ هذا الحديث جرأةٌ بالغة منه، لا يمكن أن تُقبل في المحيط العلميِّ بأيِّ حال، ما دام سنده صحيحًا بلا نزاع، وما دام متنه صحيحًا على وجه الإجمال، ولا يضرُّه بعد ذلك أنَّ الطِّب لم يكتشف حتَّى الآن بقيَّةَ ما دلَّ عليه مِن خواصِّ العَجوة.\nويقيني أنَّه لو كان في الحِجاز مَعاهدُ طبيَّة راقية، أو لو كان تمرُ العاليةِ موجودًا عند الغربيِّين، لاستطاع التَّحليل الطبيُّ الحديث أن يكتشف فيه خواصَّ كثيرةً، ولعلَّه يستطيع أن يكتشف هذه الخاصة العجيبة، إن لم يكن اليوم، ففي المستقبل إن شاء الله» (^١).\nوها قد تحقَّق ما رجاه السِّباعيُّ فيما أوردناه من دراساتٍ علميَّة، والله متمٌّ نورَه.\n_________\n(^١) «السنة ومكانتها في التشريع» (ص/٢٨٥).","vol":"3","page":1526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>المَبحث الثَّاني\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الحبَّة السَّوداء شفاء</span>","vol":"3","page":1527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديثِ الحبَّةِ السَّوداءِ</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «في الحبَّة السَّوداء شِفاء مِن كلِّ داءٍ، إلَّا السَّام».\nقال ابن شِهاب: والسَّام: الموت، والحبَّة السَّوداء: الشُّونيز (^١)؛ متَّفق عليه (^٢).\n_________\n(^١) وهو ما نسمِّيه في زماننا بحبَّة البركة، وكان يُسمَّى قديمًا بالكَمون الأسود، وهذا ما رجَّحه جمهور العلماء في حقيقة مُسمَّاها، انظر «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ١٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الطب، باب: الحبة السوداء، رقم: ٥٦٨٨)، ومسلم في (ك: الآداب، باب: التداوي بالحبة السوداء، رقم: ٢٢١٥).","vol":"3","page":1529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nلحديثِ الحبَّةِ السَّوداءِ</span>\nأَورد المُعترضون على الحديث شُبهةً تتَّكِئ على أساس رفضِ الطِّب أن تكون تلك الحبَّة شفاءً لجميع الأمراض، والواقع شاهد على أنَّها لم تعالج بعض مَن تَداووا بها، فكيف تُنسَب هذه المُبالغة المخالفةُ للعلمِ والواقع إلى قولِ المَعصوم ﷺ؟! أليس في رَواجِ مثل هذا الحديث في الأمَّة «استهزاءً بعقول المسلمين؟!» (^١)، كذا قال أحد المُنكرين.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (صالح أبو بكر): «الحبَّة السَّوداء مَوجودة في كلِّ زمان ومكان بالأطنان، وكان لا بدَّ أن تكتسح أنواع الأمراض والبَلاء كما ينصُّ هذا الحديث، وحيث إنَّها لم تفعل شيئًا من ذلك، ولم تعترف مَعامل الدَّواء بفاعليَّتها على هذا النَّحو، فإنَّ نسبة هذا الحديث للنَّبي ﷺ سوف تكون سببًا في تكذيب الأُمم المتحضِّرة!» (^٢).\nويقول (نيازي عزُّ الدِّين): «لي صاحب أُصيب بالسَّرطان، واكتشف الأطبَّاء مَرَضه مبكِّرًا، وقالوا له أنَّ بالإمكان شفاءه -بإذن الله- إذا وافق على جراحةٍ\n_________\n(^١) «صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني» لجواد عفانة (ص/١٤٤٤).\n(^٢) «الأضواء القرآنية» (ص/٢٨).","vol":"3","page":1530},{"text":"مبكِّرةٍ للمرض، لكنَّه آمن أنَّ الحبَّة السَّوداء سوف تشفيه! وظلَّ يستخدمها شهورًا، إلى أن استفحل المرض، وعجز الأطبَّاء عن تقديم أيِّ عونٍ له، إلى أن مات!» (^١).\n_________\n(^١) «دين السلطان» (ص/٥٢٤ - ٥٢٥).","vol":"3","page":1531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>المَطلب الثَّالث\nدفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديثِ الحبَّةِ السَّوداءِ</span>\nلا شكَّ أنَّ للحبَّة السَّوداء فوائد عظيمة في علاجِ كثيرٍ من الأمراض والوقاية منها، وسترى مِن البحوث الحديثةِ ما يزخر بالتَّجارب المُثبتة لتأثير هذه النَّبتةِ المُباركةِ في ما يُعجَز عن إحصائه مِن الأدواء المتنوِّعة الَّتي تصيب النَّاس.\nلكنَّ النَّبي ﷺ في حديثِه عن فضلِ الحبَّة السَّوداء في شفاءِ الأدواء، لم يُرد الاكتفاء بها عن التَّداوي لكلِّ مرضٍ بما يناسبه مِن الأدوية الأخرى، فهو نفسُه لم يصِفها لكلِّ مريضٍ اشتكى له! بل كان يُرشد أحيانًا إلى العَسل لِمن استطلق بطنُه، وأحيانًا بالحجامة لمِن أوجعه رأسُه .. إلخ.\nوهذا الحديث المشهور لا ريب أنَّه مُتداول في الأمَّة منذ عصر الصَّحابة ثمَّ التَّابعين وأتباعهم إلى يومنا هذا، لم يُنكره أحدٌ منهم بدعوى أنَّ الطِّب والواقع يكذِّبه، كما يدَّعيه مُتعجِّلة المعاصرين، لأنَّ أحدًا مِن عقلاء السَّلف ولا الخَلف فَهِم منه ما فهمِه هؤلاء مِن كفايةِ الحبَّة السَّوداء وحدَها في شفاءِ جميعِ الأمراضِ.\nومَن تأمَّل ألفاظ الحديث، بَان له الخُلف الكبير بين المُراد منها وبين ذاك الفهم المُحْدَث، فإنَّه لو قدَّرنا مَجيء لفظ الشِّفاء بالتَّعريف في الحديث هكذا: «.. هو الشِّفاء لكلِّ داء» لرُبَّما لجعلَنا ذاك الفهمِ المُحدَث نوعَ اعتبارٍ وتأويل؛","vol":"3","page":1532},{"text":"أَمَا وقد جاء لفظُ الحديث في «الصَّحيحين» بالتَّنكيرِ: «في الحبَّة السَّوداء شِفاء ..»، وفي لفظٍ عند مسلم: «.. إلَّا في الحبَّة السَّوداء مِنه شفاء» (^١): فلا!\nبيان ذلك في تقرير أمرين:\nالأوَّل: أنَّ هذه الحروف في لفظِ المتنِ (مِن) و(في)، تُفهِم السَّامعَ معنى التَّبعيض والاجتزاء بالحرفِ الأوَّل، أمَّا الحرف الثَّاني (في) فتجعل الشِّفاء مظروفًا في الحبَّة السَّوداء على وجهِ (الظَّرفية المَجازيَّة)، وتفيد مجرَّد المُلابسة، تصلح للدَّلالة على تخلُّفِ المَظروف عن بعضِ أجزاءِ الظَّرف، لأنَّ الظَّرف يكون أوسع مِن المظروف غالبًا (^٢)، وإنَّما جِيء بهذا الأسلوبِ للدَّلالة على تمكُّن مُلابسةِ الشِّفاء إيَّاها، وإيماءً إلى أنَّه لا يقتضي أن يطَّرِد الشِّفاء بها وحدَها في كلِّ حالةٍ.\nثانيًا: لفظ «شِفاء» جاء في الحديث نكرةً، «والنَّكرة في سياقِ الإثباتِ لا تفيد العموم» (^٣)، بل يفيد ظاهرها الإطلاق فقط، أي مُطلق الشِّفاء، لا الشِّفاء المطلق!\nفيكون المعنى بادي الرَّأي: أنَّ الحبَّة السَّوداء يُقال أنَّها (شِفاء): باعتبار شفائِها لكثيرٍ من الأمراضِ لا كلِّها، وهو نظير ما قاله المُفسِّرون في المُراد بكونِ العَسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] (^٤).\nلكنْ لمَّا وجدنا آخر الحديث يؤكدُّ على عمومِ الأدواءِ بقوله ﷺ فيه: «.. لكلِّ داء» (^٥)، قَرَنَّا بالدَّلالةِ السَّابقةِ دلالةً أخرى تفيد معنى (النِّسبيَّة) في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: الآداب، باب: التداوي بالحبة السوداء، رقم: ٢٢١٥).\n(^٢) «التحرير والتنوير» لابن عاشور (١٤/ ٢٠٩).\n(^٣) «المقاصد الشَّافية» للشاطبي (٨/ ٢٤٨).\n(^٤) انظر «الكشَّاف» للزمخشري (٢/ ٦١٩)، و«البحر المحيط» لأبي حيان (٦/ ٥٦١).\n(^٥) الأرجح في نظري من أقوال العلماء ما ذهب إليه ابن أبي جمرة - كما في «الفتح» (١٠/ ١٤٥)، والمباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٦/ ١٦٣) وغيرهما: من بقاء هذا اللَّفظ على عمومه، فإن (كلَّ) من ألفاظ العموم لا تُخصَّص إلا بدليل، وتجويز ابن القيم لتخصيصه كما خُصِّص قول الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ جمع منه بين مفترقين، فإنَّ الآية يمتنع حملها على العموم على ما هو عند كلِّ عاقلٍ معلوم، أمَّا لفظ حديثنا هذا فحمله على العموم متعيِّن لقوله ﷺ فيها: «.. إلَّا السَّام»، ومن المقرر في الأصول أن صحَّة الاستثناء معيار العموم.","vol":"3","page":1533},{"text":"الدَّواء نفسِه، أي: أنَّ الحبَّة السَّوداء شِفاء كاملٌ لبعضِ الأمراض، أمَّا باقي الأمراض وإن لم تعالجها الحبَّة السَّوداء بمُفردها، ففيها نِسبةٌ مِن شفاءِها، فتدخل في تركيبةِ الشِّفاء بوجه ما، وليس الشِّفاء الكامل الَّذي لا يُحتاج معه إلى غيره.\nوهذا ما أشار إليه ابن حجر بقوله: «معنى كونِ الحبَّة شفاءً مِن كلِّ داءٍ: أنَّها لا تُستعمل في كلِّ داءٍ صرفًا، بل ربَّما استُعملت مُفردةً، وربَّما استُعملت مركَّبةً، وربَّما استُعملت مسحوقةً، وغير مسحوقةٍ، وربمَّا استُعملت أكلًا، وشربًا، وسعوطًا، وضِمادًا، وغير ذلك ..» (^١).\nفعلى هذا؛ لا بأس من حملِ الحديث على عمومِهِ لكن بهذا الاعتبار، بأن يكونَ المُراد بذلك ما هو أعمُّ مِن الإفرادِ والتَّركيب، وهذا لا مَحذور فيه، ولا خروج به عن ظاهر الحديث، بل بهذا التَّأويلِ نكون قد جمعنا بين كِلا الاعتبارين: التَّبعيض في الأدواء، والنِّسبيَّة في الدَّواء، ليتحقَّق كون الدَّواء المذكور في الحديث شفاءً لكلِّ داء في جميعِ الأحوال، سواء كان كاملًا بمفردِه، أو بنسبةٍ منه، مع اشتراك غيره معه.\nأمَّا أنَّها الشِّفاء الكامل لكثيرٍ مِن الأمراض: فأمرٌ معروف عند الأطبَّاء بل العامَّة في القديم والحديث، والمُتقدِّمون عدَّدوا كثيرًا مِن العِلل الَّتي تداويها الحبَّة السَّوداء في مؤلَّفاتهم عن الطِّب النَّبويِّ أو الأدويةِ بعامةٍ (^٢)، والدِّراسات الطبيَّة الحديثة طافحة بذكر مزايا هذه النَّبتة في علاجِ كثير من الأمراض (^٣).\nوأمَّا أنَّ الحبَّة السَّوداء فيها نِسبةٌ تدخل في دواءٍ كلِّ الأمراض: فذلك لأنَّ المعلومَ بداهةً أنَّ أيَّ داءٍ يصيب جسد الإنسان يكون لسببٍ خارجيٍّ: مثل\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١٠/ ١٤٤).\n(^٢) انظر على سبيل المثال: «الحاوي في الطِّب» لأبي بكر الرازي (٣/ ٤١٢، ٤١٨)، و«القانون في الطب» لابن سينا (٣/ ٤٠٩)، وجمع ابن القيم أغلب ما كتبه المتقدمون فيها في «زاد المعاد» (٤/ ٢٧٤ - ٢٧٦).\n(^٣) كسكَّرِ البول، وارتفاع ضغط الدَّم، وتليُّف الكَبد، والرَّبو، والقضاء على الالتهابات البكتيريَّة والفيروسيَّة والفطريَّة، بل قدرتها على تخفيضِ نسبة الدُّهون في الجسم، وحماية المعِدة مِن التَّقرح، وعلاج القُرحة، وحماية الكَبد مِن السُّموم، وغير هذا كثير انظر «الحبة السوداء في الحديث النبوي والطب الحديث» لـ د. عبد الله باموسى (ص/٢٤)، و«الحبة السوداء» لـ د. عبد الله السعيد (ص/٣٤).","vol":"3","page":1534},{"text":"البكتيريا، والفيروسات، والكيماويات، يصاحب هذا السَّبب الخارجيَّ قابليَّةٌ داخليَّة في الجسم لهذا المؤثِّر، ويتمثَّل في ضعفِ الجهاز المَناعي عن دفعِ تلك الأوبئة.\nوللحبَّة السوداء القدرة على مقاومةِ هذه العوامل الخارجيَّة ودفعِها عن الجسم، والتَّقليل من خطرِها، كما أنَّ لها القدرة على دعمِ المقاومةِ الداخليَّة لجميع الأمراض.\nوذلك أنَّها تُقوِّي الجِهاز المَناعيِّ في الجسم، وتزيد اللَّمفاويات والمُضادات الحيويَّة، وتحرِّض العَواملِ المضادَّةِ للأكسدةِ الَّتي أكثرَ الأمراض المُستعصية المتفشيَّة في هذه الأزمان، كأمراض السَّرطان، وتلفِ الكبِد والكُلى وتسمُّمِها، ونحو ذلك (^١).\nوبهذا نفهم كيف أنَّ فيها نسبةً من شِفاءِ كلِّ داء!\nولا يزال الأطبَّاء عاكفين على استكشاف المَزايا العلاجيَّة لهذه النَّبتة المُباركة، وتجريبِها على شتَّى الأوبئةِ، والخلوص إلى مقادير دقيقةٍ مِنها، لخلطِها مع أدويةٍ أخرى مساعدةٍ، تناسبًا مع كلِّ مَرضٍ على حِدة، فليس الشَّأن أن تبلعَ الحبَّاتِ هكذا كما اتَّفق، أو تشربه لوحده، ثمَّ ترجو موافقةَ ما في الحديث مِن موعود الشِّفاء، كما فَعل صاحبُ (نيازي)! والله الشَّافي.\n_________\n(^١) انظر ما يؤكد ذلك من البحوث المعاصرة في «الطِّب منبر الإسلام» لـ د. قاسم سويداني (ص/٧٩).","vol":"3","page":1535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>المَبحث الثَّالث\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث نفخِ الرُّوح في الجَنين</span>","vol":"3","page":1537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>المَّطلب الأوَّل\nسَوق حديث نفخِ الرُّوح في الجَنين</span>\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدَّثنا رسول الله ﷺ وهو الصَّادق المَصدوق، قال: «إنَّ أحدَكم يُجمَع خَلْقُه في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا، ثمَّ يكون علقةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكون مُضغةً مثلَ ذلك (^١)، ثمَّ يَبعثُ الله مَلَكًا، فيُؤمَر بأربع كلماتٍ، ويُقال له: اكتُب عملَه، ورزقَه، وأجلَه، وشقيٌّ أو سعيد، ثمَّ يُنفخ فيه الرُّوح ..» الحديث، وفي روايةِ مسلم: «.. ثمَّ يكون في ذلك عَلقةً مثل ذلك، ثمَّ يكون في ذلك مُضغةً مثلَ ذلك»، متَّفق عليه (^٢).\nوعن حذيفة بن أسيد الغفاريِّ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا مَرَّ بالنُّطفة ثِنتان وأربعون ليلةً، بَعثَ الله إليها مَلَكًا، فصوَّرها وخَلَق سمعَها، وبصَرَها، وجلدَها، ولحمَها، وعظامَها، ثمَّ قال: يا ربِّ أَذكَرٌ أم أنثى؟ فيقضي ربُّك ما شاء، ويكتبُ المَلَك ..» الحديث، وفي رواية عنه: «أنَّ مَلَكًا مُوكَلًا بالرَّحَم، إذا أرادَ الله أن يَخلُقَ شيئًا بإذن الله، لبضعٍ وأربعينَ ليلةً ..»، ثمَّ ذكَر نحوَ حديثِه الأوَّل، أخرجه مسلم (^٣).\n_________\n(^١) العَلَقَة: دم عبيط جامد، وسُمِّيت علقة لرطوبتها وتعلُّقها بما تمرُّ به، والمضغة: لحمة صغيرة، قال ابن قتيبة: وسُميت بذلك لأنَّها بقدر ما يُمضغ، كما يُقال: غُرفة لقدر ما يُغرف، انظر «كشف المشكل» لابن الجوزي (١/ ٢٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: بدء الوحي، باب: ذكر الملائكة، رقم: ٣٢٠٨)، ومسلم في (ك: القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم: ٢٦٤٣).\n(^٣) أخرجه مسلم في (ك: القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم: ٢٦٤٥).","vol":"3","page":1539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ\nلحديث نفخِ الرُّوحِ في الجَنينِ</span>\nيرتكز المخالفون لحديث نفخِ الرُّوح في الجَنين في دعوى بطلانِه على شُبهتين:\nالشُّبهة الأولى: دعوى التَّعارض الصَّريحِ بين خَبَرَيْ ابنِ مَسعودٍ وحذيفة بن أسيدٍ، وذلك:\nأنَّ حديث ابن مَسعودٍ ﵁ يجعلُ ظهورَ خِلقةِ الإنسان ومعها الكِتابة المَلَكيَّة بعد الأطوارِ الثَّلاثة لخلقِ الجَنين، وكلُّ طَورٍ منها يستغرق أربعينَ يومًا، أي بعد مائةٍ وعشرين يومًا؛ بينما يجعلهما حديثُ ابن أسَيدٍ ﵁ بعدَ الأربعين الأولى، لا الثَّالثة!\nوفي تقرير هذا الإشكال بين الحديثين، يقول (محمَّد الغزالي): «بين الرِّوايَتين تفاوتٌ واضح، فالأخيرة تُفيد أنَّ الكتابةَ المذكورةَ بعد أربعةِ شهورٍ، والأُولى تفيد أنَّ الكتابةَ بعد اثنينِ وأربعين يومًا» (^١).\nالشُّبهة الثَّانية: مناقضة حديث ابن مَسعود ﵁ لمُكتشَفاتِ علم الأجِنَّة البَشريَّة الحديثة، القاطِعةِ بأنَّ الجنين إنَّما يَتشَكَّل على خِلقة الإنسان خِلالَ ستَّة\n_________\n(^١) «السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٥٥).","vol":"3","page":1540},{"text":"أسابيع، أي بعد أربعين يومًا ونحوِها، وأنَّ مَرحلتَي العَلَقة والمُضغة هما ضِمنَ هذه المدَّة، وليس ذلك بعد مائةٍ وعشرين يومًا في ظاهر حديث ابن مسعود ﵁.\nوفي تقرير هذا الاعتراض على الحديث، يقول جواد عفانة: «هو مَردودٌ مَتنًا، لأنَّه مخالفٌ للعِلم، وما ثَبت يَقينًا أنَّ الجنين يَتشكَّل ويصبح خَلْقًا آخرَ على صورةِ إنسان بعد ستَّة أسابيع» (^١).\n_________\n(^١) «دَور السُّنة في إعادة بناء الأمَّة» (ص/١٦١).","vol":"3","page":1541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>المَطلب الثَّالث\nدفع المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديثِ نفخِ الرُّوحِ في الجنينِ</span>\nأمَّا دعوى المُعترضِ التَّخالفَ بين حديث ابن مسعودٍ وحديث حذيفة بن أسيدٍ، في كونِ الأوَّل يُثبت الكتابة والتَّخليق بعد الأربعين الثَّالثة، بينما يجعلها الثَّاني بعد الأربعين الأولى.\nفيُقال في جوابه: لا تعارض في واقعِ الأمرِ بين متنيهما، ووجه الجمع لائحٌ بين الخبرين، لكن لمِن أعطاهما حقَّهما مِن النَّظر، وكانت له ذائقة لُغويَّة سليمة.\nفأمَّا حديث ابن مسعود ﵁: فلا نُنكِر أنَّ ظاهرَه يُفيد عند التَّجريدِ أنَّ لكلِّ طَوْرِ من أطوارِ الجَنين المذكورة فيه مُدَّةَ أربعين يومًا، ومجموع ذلك مائة وعشرون (^١).\nلكِن حين نظرنا في باقي أدلَّة هذا الباب، ألحقنا هذا الحديث في عِدادِ المُجمَلات المحتاجة إلى مُبيِّن، كونه ظَنيًّا مِن حيث المَفهوم! والسَّبب في هذا الإجمال والظَّنيَّة: أنَّ قولَه فيه: «مِثلَ ذلك» يحتمل العَودَ على مَذكورَين في الحديث قبله: إمَّا على (جمعِ الخلقِ)، أو على (مدَّة الأربعينَ يومًا).\n_________\n(^١) جعل هذا هو الظَّاهر من الحديث كثير من الأئمة، كالإمام أحمد، حيث سأله تلميذُه ابن هانئ عن الجَنين: إلى متى يُنفخ فيه؟ قال: إذا تمَّت له أربعة أشهر نُفخ فيه الرُّوح، لحديث عبد اللَّه: «إنَّ أحدَكم يمكث في بطنِ أُمه أربعين صباحًا ..» الحديث، وانظر «مسائل ابن هانئ للإمام أحمد» (رقم:٩٦٤)، و«شرح مختصر الخِرقي» للزَّركشي (٢/ ٣٣٤).","vol":"3","page":1542},{"text":"فإن قُلنا برجوعِه إلى الثَّاني -أي المُدَّة-: اختَلَّ التَّآلف بينه وبين حديثِ حذيفة حقًّا، إذْ معنى ذلك: أنَّه يُثبت لكلِّ مرحلةٍ مِن أطوارِ التَّكوينِ الجَنينيِّ الثَّلاثةِ أربعينَ يومًا، ومجموع ذلك مائة وعشرون، وهو بهذا مناقضٌ لحصرِ حديث حذيفةَ للأطوارِ كلِّها في مدَّة الأربعينَ الأولىن، ومخالفٌ لمكتشفاتِ علم الأجنَّة (^١).\nأمَّا لو قُلنا برجوعِه إلى الأوَّل -أي أنَّ قولَه «مِثلَ ذلك» عائدٌ على (جمع الخلقِ) -: فحينئذٍ تتحقَّق بُغيَتُنا مِن انتفاءِ التَّخالفِ، إذ به تخلو رواية ابن مسعود من تحديد مدَّةِ كلِّ طَورٍ على حِدة، ويكون حديث حذيفةَ كالمُفصِّل والمُبيِّن له، حيث دلَّ على انطواءِ تلك الأطوارِ في مدَّة الأربعين الأولى مِن تكوينِ الجَنين، وعقيب ذلك تأتي الكتابة وتخلُّقه خلقًا آخرَ.\nالقصدُ مِن هذا: أنَّ اسمَ الإشارة في قوله «مثل ذلك» لمَّا كان لفظًا يمكن صرفه إلى واحدٍ مِن اثنين ذُكِرا قبله في الحديث -وهما: جمع الخلق، أومدَّة الأربعين- كان بذا لفظًا مُجملًا، يحتاج إلى تعيِين أحدِ المعنَيين السَّالفين دون الآخر.\nوالَّذي بيَّن لنا هذا المُجمَل وعَيَّن المقصودَ باسم الإشارة فيه: صريح حديثِ حذيفة ﵁، حيث يمتنِع به حملُ اسم الإشارة في حديث ابن مسعود في قوله «مثل ذلك» على المدَّة الزَّمنيَّة، وإلَّا تخالَف الحديثان بذلك كما قلنا.\nوالَّذي يدُلُّك على لزومِ حملِ مُجملِ حديثِ ابنِ مسعود ﵁ على مُبيَّنِ حديث ابن أسيد: الرِّواية الأخرى لحديث ابن مسعودٍ نفسِه عند مسلمٍ، حيث جاءت بزيادة «في ذلك»، وذلك في قولِه: «.. ثمَّ يكون في ذلك عَلقةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكون في ذلك مُضغةً مثلَ ذلك»، أي: في ذلك الوقتِ نفسِه الَّتي يُجمع فيه خلقُ الجَنين أربعين يومًا، هذا الظَّاهر مِن معناها.\n_________\n(^١) انظر «نموُّ الإنسان، مِن مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنِّين» لآمال صادق، وفؤاد أبو حطب (ص/١٥٧ - ١٦٢).","vol":"3","page":1543},{"text":"ولا يُقال هنا ما قاله بعض العلماء من أنَّ لفظَ «في ذلك» في روايةِ مسلمٍ إشارةٌ إلى المحَلِّ الَّذي اجتمعَت فيه النُّطفة (^١)! فكأنَّك تقول: (ثمَّ يكون في بطنِ أمِّه عَلقةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكون في بطنِ أمِّه مُضغةً مثلَ ذلك ..): فإنَّ في هذا تكرارًا لا يفيد الحديثَ معنىً جديدًا، ولسانُ النَّبي ﷺ أبلغُ وأفصحُ مِن أن ينبِس بمثله!\nومِمَّا يُوكِّد أيضًا ما قرَّرناه مِن عَوْدِ اسم الإشارة في قوله «في ذلك» إلى مدَّة الأربعين الأولى غير حديث حذيفة بن أسيد:\nحديثٌ عن جابر بن عبد الله ﵁ يرفعه: «إذا استقرَّت النُّطفة في الرَّحِم أربعينَ يومًا -أو أربعين ليلةً- بَعَث إليها مَلَكًا ..» الحديث (^٢).\nوهذا موافق لحديث حذيفة بن أسيدٍ ﵁ في جعل الكتابةَ بُعَيد الأربعين الأولى، وحينها ينتهي طَوْرَا العَلقة والمُضغة، ويَتشكَّل الجنين على صورة الإنسان، وهو معنى قوله: «يُجمَع خلقُه».\nهذا؛ مع أنَّ جمهورَ الشُّراح قد نحوا إلى خلافِ هذا التَّقرير! (^٣) حيث تَتابعوا على القولِ بأنَّ أطوار الجَنين المذكورةِ في حديث ابن مسعود ﵁ تستغرق مائةً وعشرين يومًا بمجموعها؛ فللنُّطفةِ أربعون يومًا في الرَّحِم، وللعَلَقةِ أربعون أخرى، وللمُضغة أربعون ثالثة، فهي أربعوناتٌ ثلاث تستغرقها أطوار تخلُّقِ الجنين على هيئة الإنسان؛ ووافقهم على ذلك كثيرٌ مِن الفقهاء، فرَتَّبوا على هذا\n_________\n(^١) كذا قال القرطبي في «المفهم» (٢٢/ ١٦).\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ١٥٢٦٨)، وقال مُخرِّجوه: «صحيح لغيره».\n(^٣) انظر «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٨/ ١٢٦)، و«الإفصاح» لابن هبيرة (٦/ ٣٤٩)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ١٩٠)، و«التَّعيين» للطوفي (ص/٨٥)، و«الكاشف» للطيبي (٢/ ٥٣٤)، و«المفهم» للقرطبي (٢٢/ ١٦)، و«جامع العلوم والحكم» لابن رجب (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، و«فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٤٨٤ - ٤٨٩)، و«التيسير بشرح الجامع الصغير» للمُناوي (١/ ٢٦٣)، و«كوثر المعاني» للخضر الشنقيطي (٦/ ١٢٧)، وغيرهم كثير.","vol":"3","page":1544},{"text":"الفهمِ للحديثِ مسائلَ عديدة، تَتعلَّق بِما تُلقيه المرأة ممَّا يَثبُت به حكم النِّفاس، وتنقضي به العدَّة والاستبراء، وتصير به المرأة أمَّ ولد، ونحو ذلك مِن مسائل الفروع (^١).\nولذلك نراهم يتَكلَّفون تفسيرَ حديث حذيفة بن أسيدٍ وتوجيهَه! فمنهم مَن حَملَه على بعض الأجِنَّة، وحمَلَ حديث ابنِ مسعود على البَعضِ الآخر، بدعوى تخصيصِ كلِّ واحدٍ مِن الحديثين بالآخر (^٢)! وهذا مناقضٌ لدلالةِ العمومِ في كِلا الحديثين وسياقِهما.\nوذَهَب آخرون، كابن الصَّلاح (^٣) وتبعه ابنُ تيميَّة (^٤) وابن القيِّم (^٥): إلى إمكانِ أن تكون الكِتابةُ المَلَكيَّة مَرَّتين، جمعًا بين الحديثين، فتكون الأولى عقيبَ الأربعين كما في حديث حذيفة، ثمَّ تكون الثَّانية عقب المائة والعشرين كما في حديث ابن مسعود (^٦)؛ وزاد ابن تيميَّة: احتمالَ أن تكونَّ ألفاظُ حديث حذيفة بن أسيدٍ لم تُضبط حقَّ الضَّبط، ولهذا اختلَفَت رواتُه في ألفاظِه (^٧)!\nفكذا قال الفريقان؛ وكِلا الاحتمالين عندي بَعيد.\nفأمَّا كون الكِتابة مَرَّتين: فالأظهرُ من الحديثين أنَّها واحدة (^٨)؛ وأيُّ فائدة أن تُكرَّر الأجوبة على المَلَكِ مَرَّتين مُتباعدتين؟!\n_________\n(^١) انظر مثلًا: «المحلى» لابن حزم (٤/ ٢٥٣)، و«بدائع الصنائع» للصاغاني (٣/ ١٩٥)، و«المقدمات الممهدات» لابن رشد (٣/ ٣٢٧)، و«الذخيرة» للقرافي (١١/ ٣٢٤)، و«نهاية المطلب» للجويني (١٤/ ٣٣٧)، و«المغني» لابن قدامة (٨/ ١٢٠).\n(^٢) وهو صنيع الطُّوفي في «التَّعيين في شرح الأربعين» (ص/٨٦).\n(^٣) «فتاوي ابن الصلاح» (ص/١٦٥).\n(^٤) سيأتي عزو كلامه.\n(^٥) «التبيان في أقسام القرآن» (ص/٣٤٥)، و«طريق الهجرتين» (ص/٧٤) كلاهما لابن القيم.\n(^٦) وقريب من هذا الجمع كلام ابن الملقِّن في «التوضيح» (٥/ ٩٧).\n(^٧) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٤١).\n(^٨) «جامع العلوم والحكم» لابن رجب (١/ ١٦٥).","vol":"3","page":1545},{"text":"ويبقى أنَّ في حديث حذيفة ذِكر العَظم واللَّحم، وأنَّ التَّصوير والتَّخليق مُقارِنانِ للكتابة، ولن يكون التَّلحيم والتَّخليق مرَّتين بداهةً! (^١)\nهذا مع استصحاب خبرِ القرآن الكريم في مُوالاةِ خلقِ العِظام لطَورِ المُضغة مباشرةً، في قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وخلقُ العِظام إنَّما هو ثابت في حديث حذيفة ﵁ بعد اثنين وأربعين يومًا، فلازم ذلك أنَّ تكون نشأة المُضغةِ قبلَه في تلك الأربعين الأولى، وليس في الثَّالثة (^٢).\nوهذا عينُه ما يؤكِّده الطِّب التَّشريحي الحديث (^٣)، كما قد أشرنا إليه سابقًا.\nوإنَّما تأتي الشُّبهة هنا على البعض حين يسمع روايةَ حذيفة: «إذا مَرَّ بالنُّطفة ثِنتان وأربعون ليلةً، بَعثَ الله إليها مَلَكًا ..» الحديث، فيتبادر إلى فهمِه منها أنَّ النُّطفة استغرقت مدَّة الأربعين كلَّها وزيادة، فكيف يكون التَّصوير بعدها مباشرةً وليست هي بمُضغة بعدُ؟!\nوعلى ذلك استشكل القاضي عياض ما قرَّرناه مِن المُراد بالحديث، فقال: «التَّصوير بإثرِ النُّطفة، وأوَّلِ العَلقة، وفي الأربعينِ الثاَّنية: غير مَوجود، ولا مَعهود!» (^٤)؛ فدعاه هذا إلى تأويلِ التَّصوير في هذه الرِّواية بـ (التَّقدير).\nوالأمرُ على خلاف ما ظنَّ، فليس في الحديث أنَّ جُرمَ النُّطفة نفسِها تبقى على حالهِا هذه المُدَّة كلَّها، وإنَّما في الكلام طَيًّا لأشياء مَعلومة في الذِهن، وهو\n_________\n(^١) وتأويل ابن الصَّلاح وبعده ابن تيمية وابن القيِّم لقولِه في حديث حذيفة هذا: «فصَوَّرها» على معنى التَّصوير العلميِّ التَّقديري، أي: فصوَّرها قولًا وكِتابًا لا فِعلًا، فأراه ضربًا من التَّكلُّف مخالفا لظاهر معنى اللَّفظ، وإلَّا فما يقولون في صريحِ قوله بعدها: «فخَلَق سمعَها، وبصرَها، وجلدَها، ولحمَها، وعظامَها»؟! فهذا يأبى هذا التَّأويل.\n(^٢) وفي هذا الدَّليل إبطالٌ لِما نقَلَه ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٥٨) عن بعض العلماء حملَهم حديثَ ابن مسعود: على أنَّ الجنين يغلب عليه في الأربعين الأولى وصف المنِّي، وفي الأربعين الثَّانية وصف العَلقة، وفي الأربعين الثَّالثة وصف المضغة، وإن كانت خِلْقَته قد تمَّت وتَمَّ تصويره!\n(^٣) انظر «نموُّ الإنسان، مِن مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنِّين» لآمال صادق، وفؤاد أبو حطب (ص/٥١).\n(^٤) «إكمال المعلم» (٨/ ١٢٧).","vol":"3","page":1546},{"text":"أسلوب لغويٌّ سائر، كأن تقول مَثلًا مُشيرًا إلى طفلٍ أمامك: إذا مَرَّ بهذا الطِّفل ستُّون سنةً، فقد قرُبَت قِيامتُه، وليسَ معنى هذا أنَّه يَبقى طفلًا طيلة هذه السِّتين إلى أن يُتِمَّها، أو أنَّه لا ينتقل خلالها إلى طور الشَّبيبة فالكهولة! وإنَّما طُوي ذكر هذه المراحل في الكلام طَيًّا للعلمِ بها، كما طُوِيت في ذلك الحديث مراحل التَّكوين طيًّا، وإنَّما اقتُصِر على ذكر طَورِ النُّطفة فيه باعتبارِها أصلَ الجنين ومُبتَدَأه.\nوأمَّا في ما يخصُّ التَّشكيك في ضبطِ ألفاظ حديث حذيفة كما ادَّعاه ابن تيميَّة، فجوابه:\nأنَّ التَّردُّد في عددِ الأيَّام بين (أربعين) أو (خمسٍ وأربعين) ليس إلَّا في روايةِ عمرو بن دينار عن أبي الطُّفيل، ولا يَضرُّه إذا كان أصل الحديث لا يُشكُّ في صحَّتِه، وحديث ابن مسعود أشدُّ في اختلافِ بعض ألفاظه، كما سيأتي تفصيله.\nوالَّذي اضطرَّ هؤلاءِ الأئمَّة إلى تكلُّف تأويلِ حديث حذيفة بن أسيد: اعتقادُهم أنَّ دلالةَ حديث ابن مسعودٍ على تخصيصِ كلِّ طَورٍ مِن الأطوار الثَّلاثةِ بأربعين يومًا! اعتمادًا على أنَّ حرف العطف (ثمَّ) في قوله ﷺ: «.. (ثمَّ) يكون علقةً مثل ذلك، (ثمَّ) يكون علقةً ..» يدلُّ على التَّراخي في التَّرتيب الزَّمَني مستلزمٌ للمُغايرةِ؛ فإذا كانت لمرحلةِ جمعِ الخلقِ الأولى أربعون يومًا، فإنَّ مَرحلتي العَلقة والمُضغة تأتيان بعدها مُستقلَّتين عنها، فليستا ضِمنها، لأنَّهما مَعطوفتان عليها بـ (ثمَّ)!\nوالجواب عن هذا أن يُقال:\nإنَّ جملة «ثمَّ يُبعَث إليه المَلَك ..» هي المَعطوفة على قولِه: «يُجمع في بطنِ أمِّه»، ومُتعلِّقةٌ به، وليست مُتعلِّقةً بما قبله أي قوله: «ثمَّ يكون مضغةً مثل ذلك ..»!\nفعلى ذلك يكون قوله: «ثمَّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمَّ يكون مضغةً مثل ذلك» كالجملةِ المعترضِة بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، وهي مِن تمامِ الكلامِ","vol":"3","page":1547},{"text":"الأوَّل: «إنَّ أحدكم يُجمَع خَلْقُه في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا ..»، فكأنَّها شارِحة ومفصِّلةٌ له.\nفليس المُراد -إذن- أنَّ جُمْلَتي العَلَقة والمُضغة تلحقانِ الجملةَ الأولى في الزَّمن، ولا أنَّهما من باب عطفِ المُغايرةٍ ولا تمييزًا بين المَراحل، بل هذا النَّسق في الخِطاب مَحمَله على أنَّه مِن ترتيبِ الأخبار، لا مِن ترتيبِ المُخبَر به في نفسِه، «وذلك جائز مَوجودٌ في القرآنِ والحديث الصَّحيح وغيره مِن لغةِ العَرب» (^١).\nبيانُ ذلك: أنَّ حرف العطفِ (ثمَّ) وإن كان يأتي في الأصلِ لتَرتيب الأخبارِ مع التَّراخي، فإنَّه يُستعمل في كلامِ العرب لغيرِ معنى التَّرتيب أيضًا إن أفهَمَت قرينةٌ ذلك.\nشاهد هذا التَّخريجِ مِن أفصحِ الكلامِ:\nقولُ ربِّنا ﵎: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ [السجدة: ٧ - ٩]، «فالمُراد هنا بالإنسانِ: آدم ﵇، ومَعلومٌ أنَّ تسويَتَه، ونفْخَ الرُّوح فيه، كان قبل جعلِ نسلِه مِن سُلالةٍ من ماءٍ مَهين، لكنْ لمَّا كان المقصود ذكرَه قدرةَ الله ﷿ في مبدأِ خلقِ آدم وخلقِ نسلِه، عَطَف ذِكرَ أحدهِما على الآخر، وأخَّرَ ذِكرَ تسويةِ آدمَ ونفْخَ الرُّوح فيه، وإن كان ذلك مُتوسِّطًا بين خلقِ آدم مِن طينٍ، وبين خلقِ نسلِه» (^٢).\nفهذا المِثال القرآنيُّ في صَرفِ حروفِ (ثمَّ) عن ظاهِرها، هو عينُ المُراد من أسلوبِ التَّعبيرِ في حديث ابن مسعود! وهو المُتعيِّن في تفسيرِه، وذلك لكي:\nيَتوافقَ مع حديثِ حذيفة الصَّريحِ في الدَّلالة على اجتماع الأطوار الثَّلاثة في الأربعين الأولى؛ هذا مِن جِهة.\n_________\n(^١) انظر «شرح النَّووي على مسلم» (١٦/ ١٩١)، و«فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٤٨٥).\n(^٢) «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٦٧).","vol":"3","page":1548},{"text":"وليتطابقَ بعدُ مع يَقينيَّاتِ علمِ الأجِنَّة في ذلك، والَّتي تؤكِّد بآلاتِ الرَّصد والمشاهدةِ على انتقالِ الجنين بين تلك الأطوارِ الثَّلاثةِ في أربعينِه الأولى نفسِها، واكتمالِ صورةِ الإنسان بُعيد ذلك مباشرةً؛ هذا مِن جِهة أخرى.\nومن جِهة ثالثة: فإنَّ في نفسِ حديث ابنِ مسعود في جملتِه الأولى: «يُجمَع خلقُه في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا» دلالةً مُحكَمةً على أنَّ الجَنين تجتَمِع خِلقتَه لتكون على هيئةِ الإنسان ما يناهز الأربعينَ ليلةً.\nفإن قيل: فقد ذكرتَ بأنَّ (ثُمَّ) قد تأتي في اللَّغة لغيرِ معنى التَّراخي الزَّمني إن أفهَمَت قرينةٌ ذلك، فما المعنى الَّذي أفادته (ثمَّ) في حديث ابن مسعود في لفظ البخاريِّ؟\nقلنا: فائدة (ثمَّ) هو بيانُ ما بين تلك الأطوارِ الخَلقيَّةِ مِن التَّفاوت، وفضلٍ كلِّ طَورٍ على سابِقه، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧] (^١).\nفإن قيل: فقد جاءت بعض رواياتِ حديث ابن مسعودٍ ﵁ مُصرِّحةً بأنَّ مرحلةَ الأربعين الأولى خاصَّةٌ بالنُّطفةِ فقط، وأنَّ العَلقة والمُضغَة تستغرق كلُّ واحدةٍ منهما بعدها أربعينَ يومًا على حِدة، نُقلت إلينا هذه بأسانيد صحيحة!\nفجوابُ ذلك: أنَّ هذه الرِّواية شاذَّة مردودة! والدَّليل على ذلك:\nأنَّ حديث ابن مسعود ﵁ أشهرُ طُرقِه ما جاء عن الأعمش عن زيد بن وَهب عنه، وعن الأعمش رواه خلائق مِن النَّاس، حتَّى قال ابن حجر: «كنتُ خرَّجته في جزءٍ مِن طرقٍ نحو الأربعين نفسًا عن الأعمش، فغابَ عنِّي الآن، ولو أمعَنتُ التَّتبُّعَ لزادوا على ذلك» (^٢).\nأغلب هذه الطُّرقِ جاءت بنحوِ لفظِ «الصَّحيحين»: «.. يُجمَع خلقُه في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا»، أي مِن غير ذكرٍ لفظ (النُّطفة) في آخر الجملة الأولى.\n_________\n(^١) انظر قريبًا من هذا التَّقرير في «الكشَّاف» للزَّمخشري (١/ ١٢٣).\n(^٢) «فتح الباري» (١١/ ٤٧٩).","vol":"3","page":1549},{"text":"لكن بخلاف هذه الأغلبيَّة، جاءت بعض الطُّرق عن الأعمشِ على وجهٍ يُصَرَّح فيها بكونِ الأربعين الأولى خاصَّة بالنُّطفة، وأنَّ لكلٍّ مِن طَورِ العَلَقة والمُضغةِ أربَعينَه الخاصَّ.\nولو نظرنا إلى بعضِ هذه الطُّرق النَّظر الإسناديَّ المُجرَّد، لحكمنا عليها بالصِّحة ظاهرًا، لثِقة بعضِ رُواتها عن الأعمش، لكنَّ السَّلامة مِن العِلل شرط في حقيقةِ النِّسبة.\nفمِن أصرحِ أمثلة تلك الطُّرقِ المخالفةِ:\nروايةُ جرير بن حازم، عن الأعمش، ولفظُها: «تكون النُّطفة في الرَّحِم أربعينَ ليلةً نُطفةً، وأربعين ليلةً علقةً، وأربعين ليلةً مُضغةً، ثمَّ يَبعث إليها مَلَكًا ..» الحديث (^١).\nوجرير بن حازم -وإن كان ثِقةً عند أهل هذا الشَّأن- لكنَّه تَفرَّد هنا بهذا اللَّفظ، حيث رواه بالمعنى الَّذي فهِمه فأخطأ، وقد عُهِد عليه مثلُ هذا الخطأ مع قوَّةِ حفظِه، حتَّى قال ابن حبَّان: «كان يُخطئ، لأنَّ أكثرَ ما كان يُحدِّث مِن حفظِه» (^٢).\nولذا نجزِمُ بخطئِه في روايتِه هذه، وأنَّه قد شَذَّ فيها عن اللَّفظ الصَّحيح، لِما تَيقَّنَّاه مِن جِهة الطِّب على وجه الخصوصِ.\nكما أنَّنا نجزِم بخطأِ روايةِ:\nحفصِ بن عمر الحوضي، وسليمانِ بن حرب، ووهبِ بن جرير، ثلاثتُهم عن شعبة بن الحجَّاج، عن الأعمش، حيث زادوا لفظَ (نطفة) في الجملة الأولى للحديث، على هذا النَّحو: «إنَّ خلقَ أحدِكم يُجمَع في بطنِ أمِّه نطفةً أربعينَ ليلةً وأربعين يومًا، ثمَّ يكون علقَةً مثل ذلك، ثمَّ يكون مُضغةً مثل ذلك ..» الحديث (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن وهب في «القدر» (ص/١٥١)، ومن طريقه الطَّحاوي في «مشكل الآثار» (٩/ ٤٨٥).\n(^٢) «الثقات» (٦/ ١٤٥).\n(^٣) أخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» (٢٠/ ١٩١، رقم: ١١٥٦١)، والشَّاشي في «مسنده» (٢/ ١٤٢، رقم: ٦٨٢) من طريق وهب بن جرير.\nوأخرجه الحربي في «غريب الحديث» (٣/ ١٢١٦) من طريق الحوضي وسليمان بن حرب.","vol":"3","page":1550},{"text":"فزيادة لفظِ (نطفة) في الجملةِ الأولى تجعلُ الكلامَ صريحًا في أنَّ الأربعين الأولى مُدَّةٌ خاصَّةٌ بالنُّطفة، والواقع أنَّها مُدَّة لجميع الأطوار الثَّلاثة كما قرَّرناه، والَّذي يَدلُّك على خطأِ هذه الزِّيادة، فضلًا عمَّا ذكرنا: مخالفةُ جماعةٍ مِن الثِّقاتِ مِن أصحاب شُعبة لأولئك الثَّلاثة عنه، حيث رَووها على اللَّفظ الصَّحيح بدون تلك الزِّيادة (^١).\nثمَّ نجزم أيضًا بخطأِ روايةِ:\nسَلمة بن كُهيل، حيث رواه عنه فِطر بن خليفة، عن زيد بن وهب، يرفعه عن ابن مسعودٍ بلفظ: «يُجمَع خلقُ أحدِكم في بطنِ أمِّه أربعين يومًا، ثمَّ يكون عَلقةً أربعين يومًا، ثمَّ يكون مُضغةً أربعين يومًا ..» الحديث (^٢).\nوفِطرٌ وتلميذه سَلَمة -وإن كانا ثِقَتين في الجملة- غير أنِّي مَغلوبٌ على ظنِّ أنَّ الخطأَ في هذه الرِّواية مِن قِبَل فِطرٍ، لا مِن سَلمة بن كهيل شيخِه، فإنَّ مِن الأئِمَّة مَن كان يستضعِفُ فِطرًا، كالدَّارقطني (^٣)، وابنُ عديٍّ (^٤)، على خلافِ سَلَمة، فإنَّه كلمة إجماع!\nومصداقُ هذا الظنِّ ما قاله ابن مهدي فيه: «أربعةٌ في الكوفة لا يُختلف في حديثِهم، فمَن اختلَفَ عليهم فهو يُخطئ، ليس هُم، فذَكَر منهم: سَلَمة بن كهيل» (^٥).\n_________\n(^١) منهم: آدم بن أبي إياس، كما في «صحيح البخاري» (ك: التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، رقم: ٧٤٥٤).\nوأبو داود الطَّيالسي كما في «مسنده» (١/ ٢٣٨، رقم: ٢٩٦).\nوهشام بن عبد الملك، وشعيب بن محرز، كما في «صحيح ابن حبان» (١٤/ ٤٧، رقم: ٦١٧٤).\n(^٢) أخرجه الفريابي في «القدر» (رقم: ١٢٧)، وبنحوه أخرجه الشَّاشي في «المسند» (٢/ ١٤٢، رقم: ٦٨٣).\n(^٣) كما في «سؤالات الحاكم له» (ص/٢٦٤)، ولم يُوثِّقه الدَّراقطني كما زعمه مُخرِّجو «مسند أحمد» (٧/ ٤٩).\n(^٤) «الكامل في الضعفاء» (٨/ ٦٠٤).\n(^٥) «تهذيب الكمال» (١١/ ٣١٧).","vol":"3","page":1551},{"text":"على أنَّ فِطرًا نفسَه قد رواه عنه الحسين بن محمَّد المرُّوذي -وهو ثقةٌ- باللَّفظ الصَّحيح الموافقِ لِما في «الصَّحيحين»، على النَّحو التَّالي: «يُجمع خَلقُ أحدِكم في بطن أمِّه أربعينَ ليلة، ثمَّ يكون علقَةً مثل ذلك، ثمَّ يكون مضغةً مثل ذلك ..» (^١).\nوإن كان غيره مِن الثِّقات يَروُونه عن فطرٍ باللَّفظِ الخطأِ كما قد أشرنا إليه آنفًا، فإمَّا: أن يكون الحسين قد غلِط فيه على شيخِه فطر، أو أنَّه كان يتَثبَّت أحيانًا في هذه الرِّواية عن سَلمة بن كهيل، فيَروِيها على وجهِها الصَّحيح أحيانًا، ظانًّا أنَّ كِلا اللَّفظين يُؤَدِّيان نفسَ المعنى.\nوحاصل القول: أنَّ زيادة لفظ النُّطفة في هذه الرِّوايات شاذٌّ لا تصحُّ، وقد بانَ لك مَنشأ ذلك في ما تكلَّمتُ عليه مِن أسانيد، وأنَّه مِن تصرُّف الرُّواة بروايتِهم للمعنى الَّذي فهِموه (^٢).\nولو رُحنا نستقصي باقي الأسانيد الضَّعيفةِ لهذا الحديث (^٣)، بمتونِها المخالفةِ للَّفظِ الصَّحيح، مَرفوعِها ومَوقوفِها: لطالَ بنا المقام جدًّا لكثرتها.\nوبعدُ؛\nفإنَّه لا يشوِّشُ على هذا التَّقريرِ السَّابق في تحديدِ المُراد من حديث ابن مسعود نقلُ عِياضٍ لاتِّفاقِ العلماء على أنَّ الرُّوح تُنفخ في الجنينِ بعد أربعة أشهرٍ (^٤)، وأخذِ بعضهم مِن ذلك أنَّ حديث ابن مسعود يدلُّ على أنَّ الجنين يَتَقَلَّب في مائةٍ وعشرين يومًا في ثلاثةِ أطوارٍ، كلُّ طورٍ منها في أربعين، لأنَّه حين تكمِلَة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (٧/ ٤٨، رقم: ٣٩٣٢).\n(^٢) لكنْ عَجَبي مِن ابن تيميَّة، على كثرةِ محفوظِه للمتون ودِقَّتِه فيها، كيف نسبَ في «الفتاوى» (٤/ ٢٣٨) إلى «الصَّحيحين» لفظَ (النُّطفة) في الجملة الأولى من حديث ابن مسعودٍ! وقد سلَّمهما الله بفضلِه مِن هذا الغَلط!\nفلعلَّه سبقُ قلمٍ منه، لِما استقرَّ في فهمِه من صِحَّة معناها، وقد بانَ لك خلاف ذلك، وجلَّ مَن لا يسهو.\n(^٣) إذْ لم ينفرِدْ به زيد عن ابن مسعود، كما قال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٤٧٨).\n(^٤) نقله في «إكمال المعلم» (٨/ ١٢٣).","vol":"3","page":1552},{"text":"صورتِه يُنفخ فيه الرُّوح، وقد علِمنا أنَّها تُنفخ بعد أربعة أشهر، وهي مائة وعشرون يومًا (^١).\nفإنَّنا نقول: إنَّ قولنا بدلالةِ حديث ابن مسعود على اجتماعِ خلقِ الجنين واكتمالِ أطوارِه الثَّلاثة عقيب الأربعين الأولى، لا يعارض اعتقادَنا بأنَّ الرُّوح تُنفخ بعد أربعة أشهر، فقضيَّة ما أثبتناه في معنى الحديث مِن وقتِ التَّخليق والكتابةِ شيء، وقضيَّة وقت نفخ الرُّوح شيء آخر.\nفلسنا مِمَّن يقول أصلًا بأنَّ النَّفخ يعقبُ اكتمالَ طورِ المُضغةِ والتَّخليقِ على الفَور (^٢)،\nولا في حديث ابن مسعود ما يدلُّ على تعيين وقت النَّفخِ بالتَّحديد حتَّى نُعارض بما اتَّفق عليه العلماء مِن توقيت النَّفخ، فإنَّ فيه بعد ذكرِ اكتمال طورِ المضغة: «.. ثمَّ يُنفخ فيه الرُّوح»، وقد مَرَّ أنَّ حرفَ العطف (ثمَّ) أصلُه أن يفيدَ التَّراخي، وأنَّه لا يُحاد عن هذا إلَّا بقرينة تفُهم خلافه، ولا وجود لها هنا، بل القَرائن تبقيه على أصلِه في عدم الفوريَّة (^٣).\n_________\n(^١) انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ١٩١)، و«فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٤٨٣).\n(^٢) وإنَّا على غير وفاقٍ أيضًا مع مَن يقول بأنَّ نفخَ الرُّوح يكون بعد تمامِ صورة الجنين أصلًا كما أفهمه النَّووي في «شرحه على مسلم» (١٦/ ١٩١)، فليس على ما هذا القول دلالة مِن جِهة النَّقل ولا جِهة الطَّب.\n\nوالَّذي أميل إليه في وجهِ الحكمةِ مِن توقيت النَّفخ بعد المائة والعشرين: أنَّه لأمرٍ آخر غير ما ذهب إليه النَّووي، فالظنُّ أنَّه مُتعلِّق باكتمالِ القدرة لا الصُّورة، أي باكتمال قدرةِ الجَنين على الحركة والاستجابةِ للمُؤثِّرات، بحيث يكون جهازه العصبيُّ الآمِر مُتَّصلًا بقلبه وجميع جوارِحه بشكل متكامل، قابلًا لتنفيذِ مُراداتِه فيهاـ والله تعالى أعلم - انظر قرينةَ هذا الرَّأي مِن جهة الطب في الكلام حولَ النُّمو العَصبي للجَنين في كتاب «القرآن وعلم النفس» لـ د. محمد عثمان نجاتي (ص/٢٥٦).\n(^٣) وما ورد في «صحيح مسلم» (رقم: ٢٦٤٣) ممَّا ظاهره ذكر الكتابة بعد نفخ الرُّوح، في قوله: «.. ثمَّ يُرسل الملك فينفخ فيه الرُّوح، ويُؤمر بأربع كلمات ..»، فلا يُشكل على قرَّرنا أعلاه، «لأنَّه قال: ويُؤمر، والواو لا تُعطى رُتبة»، كذا قال في «إكمال المعلم» (٨/ ١٢٧)، فيكون المُراد مجرَّد ترتيب الأخبار فقط، لا ترتيب ما أُخبر به.\nهذا إن سَلِمت هذه الرِّواية من تصرُّف بعض رواتها بالمعنى كما قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٦٢ - ١٦٣)، وإلَّا فجماعة الثِّقات الرُّواة لهذا الحديث على غير هذا التَّرتيب.","vol":"3","page":1553},{"text":"هذا؛ وأجودُ مَن وقفتُ له مِن علماءِنا الأقدمين يقرِّر هذا التَّوفيق بين حدِيثي ابن مسعود وحذيفة بن أسيد مع المُشاهد من أشكال الأجنَّة عند سقوطِها: كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكانيِّ (ت ٧٢٧ هـ)؛ فلَكَم سُعدت بتحريرِه لهذه المسألة بأقنعِ عبارةٍ، بعد أن أعياني العثور في كلامِ الشُّراحِ على مثلِه، بعد أن تَتابعت جمهرُتهم على فهمِ حديثِ ابن مسعودٍ على غير ما بيَّنته آنفًا، على قدرِ معارفِ زمانِهم، آجرَهم الله وأحسنَ لهم الثَّواب.\nيقول ابنُ الزَّملكانيِّ:\n«أمَّا حديث البخاريِّ -يعني حديثَ ابن مسعود: «إنَّ أحدَكم يُجمع خلقُه في بطن أمِّه» - فيدلُّ على ذلك، إذْ معنى «يُجمَع في بطن أمِّه» أي: يُحكَم ويُتقن، ومنه: رَجل جَميع، أي: مُجتمع الخلق، فهما مُتساويان في مُسمَّى الإتقانِ والإحكامِ، لا في خصوصِه.\nثمَّ إنَّه يكون مُضغةً في حِصَّتِها مِن الأربعين، مُحكمةَ الخلقِ مثلما أنَّ صورة الإنسان مُحكمةٌ بعد الأربعين يومًا، فنصَبَ «مثلَ ذلك» على المصدر، لا على الظَّرف! ونظيرُه في الكلامِ قولُك: إنَّ الإنسان يَتَغيَّر في الدُّنيا مُدَّة عمرِه، ثمَّ نشرحُ تغيُّرَه، فنقول: ثمَّ إنَّه يكون رَضيعًا، ثمَّ فطيمًا، ثمَّ يافعًا، ثمَّ شابًّا، ثمَّ كهلًا، ثمَّ شيخًا، ثمَّ هرِمًا، ثمَّ يتوفَّاه الله بعد ذلك ..، وذلك مِن باب ترتيبِ الأخبار عن أطوارِه الَّتي ينتقل إليها مُدَّةَ بقائِه في الدُّنيا.\nومن الَمعلوم مِن قواعدِ اللُّغة العربيَّة، أنَّ (ثُمَّ) تفيدُ التَّرتيب والتَّراخي بين الخَبر قبلها وبين الخبر بعدها، إلَّا إذا جاءت قَرينةٌ تدُلُّ على أنَّها لا تفيد ذلك، مثل قوله ﷾: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٣ - ١٥٤]، ومِن المعلوم أنَّ وصيَّة الله لنا في القرآن جاءت بعد كتابِ موسى ﵇، فـ (ثمَّ) لا تفيد ترتيب المُخبَر عنه في الآية.\nوعلى هذا يكون حديث ابن مسعود ﵁: «إنَّ أحدَكم يُجمع خلقُه في بطنِ أمِّه أربعين يومًا، ثمَّ يكون في ذلك» أي: في ذلك العَدد مِن الأيَّام «عَلقةً»: مُجتمعةً في خلقِها «مثلَ ذلك»: أي مِثلما اجتمعَ خلقكُم في الأربعين، «ثمَّ يكون","vol":"3","page":1554},{"text":"في ذلك»: أي في نفسِ الأربعين يومًا «مُضغةً»: مُجتمعةً مكتملةَ الخلقِ المُقدَّر لها «مثلَ ذلك»: أي مِثلما اجتمعَ خلقكُم في الأربعين يومًا» (^١).\nالجميل في الأمر، أنَّ تجدَ قِلَّةَ العلماءِ الَّذين ذهبوا إلى ما قرَّرناه مِن تأويلِ أحاديث هذا الباب من جعلِ حديثِ حذيفة قاضيًا على حديث ابن مسعود: قد استَنَدوا في هذا المَنزعِ الفقهيِّ إلى أقوالِ علماء الطِّب في عصرِهم! وهذا مِن بَديع التَّوفيقِ مِنهم بين النَّقليَّاتِ في الشَّرع، والكَشْفيَّاتِ في باقي العلوم الصَّحيحة.\nلكن لمَّا لم يكُن كلام بعضِ الأطبَّاءِ وَقتئذٍ غيرَ مُثبتٍ على سبيل الجزم كما هو الحال اليوم، عمِل أكثر العلماءِ على تأويلِ هذه الحقيقة لظنِّيَتِها (^٢).\nفأنت ترى مثل ابن حجرٍ في تنوُّع معارفِه، يَنقُل عن أحدِ أولاءِ القِلَّة تقريرَه لهذا النَّمط في توجيهِ النُّصوص، فيقول: «مَالَ بعضُ الشُّراح المتأخرُّون إلى الأخذِ بما دَلَّ عليه حديث حذيفة بن أسيد ﵁ مِن أنَّ التَّصويرَ والتَّخليقَ يقع في أواخرِ (^٣) الأربعين الثَّانية حقيقةً، قال: وليسَ في حديثِ ابن مسعود ما يدفعُه.\nواستندَ إلى قول بعضِ الأطبَّاء أنَّ المَنِيَّ إذا حصَل في الرَّحم، حصَل له زبديَّة ورغوة في ستَّة أيَّام أو سبعة، مِن غير استمدادٍ من الرَّحم، ثمَّ يستمد مِن الرَّحم، ويَبتدئ فيه الخطوطُ بعد ثلاثةِ أيَّام أو نحوها، ثمَّ في الخامسِ عشر ينفذُ الدَّم إلى الجميع فيصير عَلقةً، ثمَّ تتميَّز الأعضاء، وتَمْتَدُّ رطوبةُ النُّخاع، وينفصل الرَّأس عن المنكِبين، والأطرافُ عن الأصابع، تَمييزًا يَظهر في بعضٍ ويخفى في بعضٍ، وينتهي ذلك إلى ثلاثين يومًا في الأقلِّ، وخمسةٍ وأربعين في الأكثر ..\nقال: فيكون قولُه (فيكتُبُ) معطوفًا على قوله (يُجمع) ..» (^٤)، ثمَّ استرسلَ هذا المَنقول عنه في توجيهِ حديثِ ابن مسعود بما يقرُب مِن كلامِنا عليه.\n_________\n(^١) «البرهان، الكاشف لإعجاز القرآن» لابن الزَّملكاني (ص/٢٧٥).\n(^٢) انظر «أثر العلم التَّجريبي في كشف نقد الحديث النَّبوي» لـ د. جميل فريد (ص/٢٢٠ حاشية).\n(^٣) كذا في المطبوع، والأصحُّ أن يُقال: «أوائل»، لِما قرَّرناه في الجمع بين الحديثين، وهو الموافق لما سيأتي من آخر هذا النَّقَل.\n(^٤) «فتح الباري» (١١/ ٤٨٥).","vol":"3","page":1555},{"text":"العجيب أنَّ ابنَ حجرٍ لم يَستسِغ مثلَ هذا النَّظر، فعَلَّق على مُجملِ هذا النَّقلِ مُضَعِّفًا له بقولِه: «.. كذا قال، والحَملُ على ظاهرِ الأخبارِ أوْلى، وغالبُ ما نُقل عن هؤلاء دَعاوى لا دَلالة عليها» (^١)!\nوأقول للحافظ: فقد ظهرَ الآن أنَّ الدَّلالاتَ كلَّها عليها! بل مَن خالَف هذه الدَّعاوى الَّتي نقلتَها كان هو المناقضَ لحقائِق الطِّبِ الحديث، المخالِف مع ذلك للنَّظَرِ الأصوليَّ الرَّجيح.\nوبعد كلِّ هذه التَّقريراتِ والنَّقداتِ، يُمكِننا القولُ: أنَّ حديثَ ابن مسعود ﵁ غير مخالفٍ لحديث حذيفة بن أسيد ﵁، بل مُؤالِفٌ له ومُؤانس، ولا هو مُناقضٌ لحقائقِ الطِّب الجَنيني الحديث، بل سائرٌ في ركبِ إعجازِه ومُجانِس.\nفأرجو أنِّي أوضحتُ هذا إيضاحًا ينشرح لَهُ صدر الفاهم الآهل، والله سبحانه المَحمود حقًّا، وله المِنَّة في كشفِ ذلك وحده.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (١١/ ٤٨٥).","vol":"3","page":1556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>المَبحث الأوَّل\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز اللَّحم»</span>","vol":"3","page":1557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديثِ: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز اللَّحم»</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز (^١) اللَّحم ..» متَّفق عليه (^٢).\n_________\n(^١) خنِز: بكسر النُّون وفتحها: تغيَّر ريحُه وأنتن، انظر «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٨٣)\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، رقم: ٣٣٩٩)، ومسلم في (ك: الرضاع، باب: لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر، رقم: ١٤٧٠).","vol":"3","page":1559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361><span data-type=\"title\" id=toc-362>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ\nلحديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنِز اللَّحم»</span></span>\nتَوارد الطَّاعنون في هذا الحديث على استصحابِ مُعطًى علميِّ مُشاهد في مُراغمَتِهم لهذا الخَبر، مَفادُه: أنَّ إنتانَ اللَّحم سببُه ماديٌّ بَحْتٌ قديم، أبانَ عن حقيقتِه العلمُ التَّجريبيُّ الحديث، فاللَّحم لابدَّ أن يفسُد، وهو كذلك منذ أن وُجد اللَّحم، وهذا ممَّا تدركه العقولُ بداهةً، فأيُّ علاقةٍ لهذه السُّنة الجارية على اللُّحومِ ببني إسرائيل؟!\nوفي تقرير هذه المعارضة، يقول (عبد الحكيم الفيتوري) (^١):\n«.. إنَّ فسادَ اللَّحم وعفانتَه لا علاقة له بدينٍ ولا بجهةٍ ولا بلونٍ، وإنَّما تخضع لعوامل قرَّرَها العلم الحديث، مِن بكتيريا وفيروسات، وغير ذلك ممَّا هو مُقرَّر عند علماء العلومِ الحديثة، ولَعلَّ شطرَ هذه الرِّواية مُنتَج مِن مُنتجاتِ العُنصريَّة الدينيَّة والمِليَّة، لأنَّ رائحةَ التَّدافع المِليِّ بين المسلمين وغيرهم خاصَّةً اليهود، واضحةٌ وجليَّة فيه» (^٢).\n_________\n(^١) عبد الحكيم الفيتوري: باحث ليبيٌّ مقيم ببريطانيا، حاصل على دكتوراه في الفكر الإسلاميِّ، ومدير مركز مقاصد للدِّراسات الإنسانيَّة بمدينة (مانشِسْتر)، وهي مؤسَّسة تعرِّف نفسَها على موقِعها الرَّسمي الإلكترونيِّ بأنَّها يساريَّة علمانيَّة!\n(^٢) مجلة «الحوار المتمدِّن» المقالة الثانية، العدد: ٢٦١٢، المنشور بتاريخ ١٠/ ٤/٢٠٠٩ م.","vol":"3","page":1560},{"text":"وزاد (محمَّد عمراني حنشي) (^١) على ما سبق بأن قال:\n«مِن المَعلوم لنا في عصرِنا الحاضر، وبحسب ما تَكشَّف لنا مِن علمٍ، أنَّ الخلايا الحيوانيَّة والنَّباتيَّة مُبرمَجة خِلقةً وفي الأَزَل -قدَرًا مَقدورًا لا رادَّ له- لتَتفسَّخ وتتَحلَّل عند مَوتٍ الجسد، إذْ بمجرَّد أن يُفارق جَسدٌ حَيوانيٌّ الحياةَ، فإنَّ الجهازَ العَصبيَّ يَتوقَّف عن إرسالِ إشاراتِه وتعليماتِه إلى باقي الجسد، فيكون هذا إيذانًا بأنَّ العَدَّ التَّنازليَّ لعمليَّة الهدم قد بَدأ .. وبموازاةٍ مع هذه العَمليَّة القهريَّة الذَّاتية خِلقةً وجِبلَّةً، فإنَّ الإنزيمات الخلويَّة والخمائر .. تَشرع بدورِها في تذْويبِ الخلايا ..، فتجعلها تنفجِر في النِّهاية لتُلقيَ كلَّ ما بداخلها مِن سوائلَ ..» (^٢).\n_________\n(^١) محمَّد عمراني حنشي: كاتب مغربي متخصص في الفيزياء، حاصل على الدكتوراه في الأرصاد الجويَّة من أمريكا في سبعينات القرن الميلادي الماضي، تَعَنَّى الكتابة في علم الحديث، فأتى فيه بالعجائب، من ذلك أن اشترط راويين ثِقتين في كل طبقة ليصحَّ الحديث، وأظهر جرأةً في مخالفةِ جمهورِ الأئمَّة منهجَهم في تصحيح الرِّوايات وتضعيفها، وأبدله بما أسماه «المعيار» الَّذي ضمَّنه كتابه «الهندسة الحديثيَّة»! فحاكم كلام الأئمَّة إليه، ترى مثاله في مقالته «محاكمة الإمامين مالك ومسلم إلى المعيار»، وأنكر كثيرًا من الصِّحاح والمتواتر، كأحاديث المهدي، ونزول الرَّب في الثُّلث الأخير، وغيرها.\n(^٢) في مقالٍ له بموقعه الإلكترونيِّ «الحوار المُحضِّر» بعنوان: «روائز علم الدِّراية تردُّ خبر خنز اللَّحم والخيانة المزعومة لحوَّاء»، منشور بتاريخ الخميس ٨ ديسمبر ٢٠٠٥ م.","vol":"3","page":1561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>المَطلب الثَّالث\nدفع دعاوي المعارضات الفكريَّةِ المعاصرةِ\nعن حديث: «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللَّحم»</span>\nهذا الحديث أحدُ الأخبار النَّبويَّة الصَّحيحة الَّتي عجِلَ في رفضِها بعضُ المُحْدَثين، فجعلوا الطَّعنَ فيه باستنكارِ معنى متنِه سبيلًا لتهشيمِ المنهجِ النَّقدي عند المحدِّثين، حيث تضمَّن بزعمهم خَبرًا يكذِّبه العقل والقرآن أوضحَ تكذيب، إذْ اللَّحم لا بدَّ له أن يَفْسُدَ ويتَحلَّل، هذا ممَّا تدركه العقولُ والحوَّاس بداهةً، وإلَّا كانت قد امتلأت الأرض بجِيَف الحيواناتِ، فأحالوا بذا أن يصدر مثلُ هذا الحديث عن الصَّادق المَصدوقِ ﷺ.\nنعم؛ لا نَستريبُ في أنَّ هذا الخبر لو كان بالمعنى الَّذي فهمه المعترضونَ، لكان خبرًا غلطًا ظاهرَ البطلان، وما اختلف عليه عاقلان؛ لكن نُكتة الكلام الَّتي تغافل عنها العَجَلة: أنَّ أذكياء الدُّنيا في وقتِهم من علماء المسلمين قد صحَّحوا الحديثَ وقبلوه، ولم يرَوا فيه ما يُستنكر! فهل يُعقل أن يكون كلُّ أولائك المُحدِّثين والفقهاء -وعلى رأسِهم الشَّيخان- قد صَحَّحوا هذا الحديث، مع ظهور بطلانِه لبدائه العقول كما يَدَّعيه المُبطلون؟!\nهل بلَغَ السُّخف بعقولِ أئمَّةِ السُّنة هذا المبلغَ الَّذي لا يدركون به ما يَروُونه، ثمَّ هم يتَّفقون عليه جميعُهم مِن عهد الرِّوايةِ إلى الآن؟!","vol":"3","page":1562},{"text":"حاشاهم؛ فهم سادات العُقلاء، وما كان لراوي الخبرِ أبي هريرة ﵁ أن يُشهِدَ العقلاءَ على كذبِه أو غفلتِه -وحاشاه مِنهما- بأن يُخبرَ النَّاس بحديثٍ لا يَتردَّد عقلاءهم في تكذيبِه!\nوالخبر مَرويٌّ عنه في صحيفةِ همَّام بن منبِّه التَّابعي الجليل، الَّذي دَوَّن ما سمعه عن أبي هريرة ﵁ في صحيفتِه المُلقَّبةِ بـ «الصَّحيفة الصَّحيحة»، لشِدَّة إتقانِها عند العلماء، فهذه الكتابةُ عنه تُبعد أيَّ احتمالٍ لوقوعِ الغلطِ بالنِّسيان، وتُخرس دعوى مَن يُشكِّك في الرِّوايات بعدمِ تدوينِها.\nثمَّ هو قد رواه مع همَّام غيرُ واحدٍ مِن جِلَّة التَّابعين الثِّقات (^١)، مِمَّا يُحيل عن مَجموعِهم مَظِنَّة الخطأ بالمرَّة (^٢).\n_________\n(^١) كعطاء بن يسار (ت ٩٤ هـ): عند ابن طهمان في «مشيخته» (رقم:٢٢) بإسناد صحيح، ومحمد بن سيرين (ت ١١٠ هـ): عند الحاكم في «مستدركه» (٤/ ١٧٥، رقم: ٧٣٤١) وصحَّحه على شرط الشيخين، وسليم بن جبير (ت ١٣٢ هـ): عند أحمد في «المسند» (رقم: ٨٥٧٥) ومسلم في «صحيحه» (رقم:٣٦٤١) بجملة خيانة حواء فقط، وخلاس بن عمرو الهجري (تقبيل ١٠٠ هـ): عند أحمد في «المسند» (رقم:٨٠١٩) وابن راهويه في «المسند» (رقم: ١١٥)، ولم يسمع من أبي هريرة، انظر «سؤالات الآجري لأبي داود» (رقم:٩٠٢)، و«التاريخ الكبير» للبخاري (٣/ ٢٢٧).\n(^٢) وإن تَعجبْ فعَجَبٌ قول (محمد عمراني حنشي) في تضعيفِه صحيفة همَّام هذه، وقد تتابع العلماء على وصفِها بـ «الصَّحيحة»، حيث توسَّل بتضعيفِه لهذا الحديث ليُبطل سائر أحاديث الصَّحيفة، بدعوى أنَّها كلَّها بنفس الإسناد!\nيقول: «بمجرَّد وجود هذا الخبر الباطل ضمن صحيفة همَّام بن منبِّه، وهي واردةٌ بسندٍ واحدٍ: عبد الرزَّاق الصنعاني، عن معمر بن راشد، عن همَّام بن منبه، عن أبي هريرة: يجعلنا نضعَّف باقي (١٣٧) خبرًا الَّتي اشتملت عليها الصَّحيفة! اللَّهم إلَّا إن أتى بعضها مِن طُرق صِحاح إلى أبي هريرة من غير طريق همَّام بن منبَّه»، كذا قال في مقالٍ بموقعه الرَّسمي «الحوار المُحضِّر»، في ركنٍ منه أسماه «ضعيف الصَّحيحين»! عَنون له بـ: «روائز علم الدِّراية تردُّ خبر خنز اللَّحم والخيانة المزعومة لحوَّاء»، منشور بتاريخ ٨/ ١٢/٢٠٠٥ م.\n\nأقول: حتَّى على تقدير أنَّ همَّامًا غلطَ في هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁، فبأيِّ قاعدةٍ حديثيَّة يلزمنا تضعيف باقي الأحاديث الَّتي رواها عن أبي هريرة بمجرَّد خطأٍ واحدٍ؟! اللَّهم إلَّا إن اعتقد الحنشي أنَّ همَّاما تقصَّد الكذب عن أبي هريرة في هذا الحديث! وهذا اعتقاد قبيحٌ في تابعي جليل، لم يُسبق إلى جرحِه به أحدٌ من أئمَّة المسلمين.","vol":"3","page":1563},{"text":"وأقول بعيدًا عن لوازم العاطفة تُجاه الأعلامِ من أمَّتِنا، مع عِلمي بضرورتها الدِّينيَّة: إنَّ العقلَ يُوجِب الآن تنزيهَ هؤلاء عن مثلِ هذا الغَلطِ المُدَّعى عليهم، هذا العقل نفسُه الَّذي يَتذرَّع به مَن يُورد تلك المعارضة العقليَّة على تصحيحِ المحدِّثين للحديث؛ إذْ لا يمكن «بمُقتضى العقل» أن يكون المقصود بالحديثِ: أنَّ اللَّحم لم يَكُن يفسُد بتاتًا قبل موسى ﵇ وقومه؛ كلَّا! «فكلُّ عاقلٍ يُدرك أنَّ الصُّخورَ وهي صخور تَتفتَّت، والحديد عل صلابتِه يَتجزَّأ ويَصدأ، والأجساد بلحمِها وعظمِها تَبلى بعد الموت، مُحالٌ أن يخفى بَدَهيٌّ مثل هذا على صحابيٍّ جليل، ولا على التَّابعين فمَن بعدهم، ولا على البخاريِّ ومسلم، ولا غيرهما ممَّن قَبِل الحديثَ وصحَّحه؛ مع كونِ متنه بهذا المعنى الَّذي يكذِّبه النَّظر هذا التَّكذيب الظَّاهر» (^١).\nفسأُورد هنا أقوالَ أهلِ العلمِ في المُراد بالحديث، على ما يجعله مُوافقًا للعقل غير مُصادمٍ للبدهيَّات، مُنبِّهًا المُعترضين على سوءِ فهمِهِم لعربيَّة هذا النَّص، أدَّاهم إليه عَجلةُ الطَّبع -أو حبُّ الظُّهور! - إلى أن ينسبوا إلى المُحدِّثين تصحيحَ ما لا يقبله عقلٌ حصيف؛ هذا هو البغي باسمِ العلم، وترك التعقُّل في الأحكامِ باسم العقل!\nفمِمَّا قاله العلماء في تفسيرِ الحديث:\nالقول الأوَّل: أنَّه لولا عِلمُ الله تعالى بما يَقع مِن بني آدم مِن المنع والشُّح، وبخاصَّة منهم بنو إسرائيل: لمَا جَعلَ اللَّحم يفسد، ولتنعَّمَ النَّاسُ به بلا فسادٍ، لكنَّه تعالى لمَّا سبق في علمِه أنَّ الشُّح سيجعل الأغنياءَ يَدَّخرون اللُّحومَ، بُخلًا بها على الفقراء: ابتدَرَهم الله تعالى بالمنعِ مِن ذلك بأن سَنَّ قانونَ الإنتانِ فيها مع الزَّمن (^٢).\n_________\n(^١) من مقال لـ د. حاتم العوني في ردِّ الشُّبهة عن صحَّة هذا الحديث بموقع «مركز نماء» بتاريخ: ٢٣/ ٩/٢٠١٢ م، بتصرف.\n(^٢) انظر «الفتح» لابن حجر (٦/ ٣٦٧).","vol":"3","page":1564},{"text":"وأصحاب هذا القول يَستأنسون في هذا بما رواه وهب بن منبِّه قال: وجدتُ في بعضِ الكتبِ عن الله تعالى: «لولا أنِّي كتبتُ الفناءَ على الميِّت، لحبَسَه أهلُه في بيوتِهم، ولولا أنِّي كتبتُ الفسادَ على الطَّعام، لخزَّنَته الأغنياء عن الفقراء» (^١).\nولستُ أنكِرُ ما في هذا التَّأويل مِن نوعِ تَكلُّفٍ! ويُغني عنه ما سيأتي ذكرُه من القولين الآخَرين:\nالقول الثَّاني: أنَّ الله تعالى عندما أنزلَ على بني إسرائيل المَنَّ والسَّلوى، وكان قد تكفَّلَ لهم بما يَكفيهم منهما، خافوا انقطاعَ ما هُم فيه مِن نَعيمٍ، وأساءوا الظَّن بالمُنعِمِ عليهم! ففكَّروا في الادِّخار، وصاروا يكنِزون لحومَ السَّلوى (^٢)، حتَّى ابتلاهم الله تعالى بفسادِها فسادًا سريعًا خارجًا عن المألوفِ والمُعتادِ عند غيرهم (^٣).\nيقول البيضاويُّ: «قيل: لم يكن اللَّحم يخنز، حتَّى مُنع بنو إسرائيل عن ادِّخاره، فلم ينتهوا عنه، فأسْرَعَ الخَنزُ إلى ما ادَّخروا عقوبةً لهم» (^٤).\nفعلى هذا ليس المُراد من الحديث أنَّ اللَّحم لم يكن يفسُد ولا يتحلَّل قبل بني إسرائيل البتَّة، ولكن المعنى: أنَّ اللَّحم لم يكن يفسُد على النَّاس قبل بني إسرائيل فسادَه لهم خاصَّة، كما لم يكن يفسد على مَن قَدَّده وادَّخَره مِن الأُمَم الَّتي لم تُنْهَ عن الادِّخار كما نُهيَت بنو إسرائيل.\nفتغيُّر اللَّحم على ذلك النَّحو الَّذي لم يألفوه مِن سُرعتِه وخبثِ رائحتِه، كان عقوبةً لهم، شَمَل أثرُها مَن بعدهم.\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٣٧).\n(^٢) السَّلوى: اسم طائر سمين يشبه السُّمانَى، واحدُه وجِماعه بلفظٍ واحد، انظر «جامع البيان» للطبري (١/ ٧٠٤).\n(^٣) انظر «إرشاد الساري» للقسطلاني (٥/ ٣٢٢).\n(^٤) «تحفة الأبرار» للبيضاوي (٢/ ٣٧٣)، ومثله نَقل الطَّيبيُّ في «شرح المشكاة» (٧/ ٢٣٢٦).","vol":"3","page":1565},{"text":"وفي تقرير هذا المعنى، يقول ابن الملِك الحَنفيُّ (ت ٨٥٤ هـ): «إنَّه تعالى كان قد نهاهم في التِّيه -وقد أنزل عليهم المَنَّ والسَّلوى- أن يأخذوا فوقَ كفايتَهم، فخالفوا حِرصًا منها، فتَغيَّرت رائحة اللَّحم بسببِه، فإنَّهم ادَّخروا السَّلوى حتَّى أنتنَ لحمُه؛ فخَنْزُ اللَّحم شيءٌ عوقبت به بنو إسرائيل لسوءِ صَنيعهم فيه، وهو الادِّخار النَّاشئ مِن عدم الثِّقة بالله» (^١).\nفالمُستفاد من الحديثِ في ما جَرى لبني إسرائيل بالعقوبة على هذا المعنى: أنَّ الفسادَ والإنتانَ أسرعَا إلى اللُّحومِ إسراعًا لم يكن مَألوفًا عندهم قبلُ -كما سبق تقريره-، مع ما ينبعث عن ذلك مِن روائح نتِنَةٍ وتَدويدٍ لم يَعهدوه.\nفصَحَّ بهذا الاعتبار المَشروح أن يُقال عقلًا: «لولا بنو إسرائيل لو يخنز اللَّحم» (^٢).\nفهذا المعنى للحديثِ قَمِنٌ أن يكون مُراد النَّبي ﷺوالله أعلم-، فالله تعالى قادر على خلق أسباب ذلك في زمنٍ ما، فيُسرِّع بها عمليَّة التَّحلُّل الطَّبيعيَّة للُّحومِ، على وتيرةٍ لم تكن عليها قبل ذلك، وكذا على خَلْقِ جراثيم جديدةٍ تزيد مِن شدَّة الفسادِ ونشوءِ تعفُّناتٍ وخبثِ غازاتٍ في عمليَّة التَّحلُّل لم توجد قبل ذلك؛ لا مانع مِن هذا كلِّه مِن جِهة العقل، ولا العلمُ الحديث يُحيله، ولا الحِسُّ قادرٌ على نَفيِه، كونه أمرًا قد مَضى ليس في حيِّز المُشاهدة.\nمِثلُ هذا -من جِهة الوقوعِ- كأيِّ مرضٍ جديدٍ نَشأ في مكانٍ مُعيَّن في زمنٍ غابر قديمٍ، ثمَّ ما لبِث أن انتشَرَ في النَّاسِ على اختلافِ أمكنتهم وأزمانهم، حتَّى اعتادَ النَّاس عليه، وتناسوا بعد قرونٍ مَنشأه الأوَّل وسَبَبه.\n_________\n(^١) «شرح المصابيح» لابن الملك (٤/ ٧).\n(^٢) نعم، في عبارات بعض الشُّرَّاح ما قد يُفهم منها أنَّ أصل فساد اللَّحم بدأ من ادِّخار بني إسرائيل له، كما تراه مثلًا في كلام النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٥٩)، وأبي العباس القرطبي في «المفهم» (١٣/ ٦٧)، والظَّاهر أنَّه تجوُّز في نقل عباراتِ مَن تقدَّمهم من الشُّراح وعدم تدقيق فيها، وإلَّا فقد قدَّمنا أنَّ أصل الفساد وتحلُّلِ اللُّحوم قديم معلوم.","vol":"3","page":1566},{"text":"والمقصود مِن هذا: بيان الفرقِ بين تحلُّل الأبدانِ وبين نَتَنِها؛ فإنَّ تَحلُّلها شيء -وهو حقيقة قديمةٍ بقدمِ الحيوانِ كما قد قرَّرناه- ونتَنُها وتَعفُّنها على الوجهِ الَّذي شرحناه شيءٌ آخر،؛ فلرُبَّما كان يَفنى الحيوانُ ويتَحلَّل مع الوقتِ الطَّويلِ، دون ما يلزم على ذلك عندنا مِن العَفن والإنتانِ في أوَّلِه؛ هذا مِن الأمورِ الغيبيَّة الَّتي لا يُقطع فيها بشيءٍ، ولا علماء البيولوجيا قادرون على جَلْبِ دليلٍ علميٍّ تاريخيٍّ عليه، اللَّهم إلَّا القول باطِّراد النَّواميس الخلقيَّة في القِدم! وليس هذا بلازمٍ.\nوكنَّا قدَّمنا القول بأنَّ التَّعفُّن ليس واجبًا مِن جِهة العقل، ووقوعه حِسًّا لا يلزم منه أزليَّتُه، والخالق سبحانه قادرٌ على تغيِير سُنَّة خَلقيَّة، أو منعِ جريانِها على بعض مخلوقاتِه، كتحريمِه أكلَ الأرضِ لأجسادِ الأنبياء ﵈.\nلتعلمَ بهذا أنَّ دعوى (عمراني حنشي) أنَّ تَلَف اللَّحم بالتَّعفُّن والإنتانِ سُنَّة كونيَّة قديمة: قولٌ لا طائل من وراءه، وتهويلٌ للقارئ بحشدِ مُصطلحاتٍ علميَّةٍ، لا تُجدي مع لبيبِ الفهم!\nلكن الأدهى مِن هذا كلِّه: افتراءُه على همَّام بن منبِّه تهمةَ الكذب! وأنَّه الَّذي اخترعَ هذا الخَبر! سبحانك هذا بُهتانٌ عظيم؛ لم يسبقه إليه أحَدٌ مِن علماء الأمَّة! فحسبُنا الله.\nوالقول الثَّالث في معنى الحديث: أنَّ بني إسرائيل كانوا لشُحِّهم وحرصِهم يدَّخرون الأطعمة، حتَّى ما لا يصحُّ ادِّخاره كاللَّحم! فكانوا أوَّل مَن أشاعَ هذه السُّنة السَّيئة على خلاف عادة النَّاس، فصار ادِّخارُهم هذا سببًا في إشاعةِ هذا الشحُّ، حتَّى فضَّلوا ادِّخارَ الأطعمة شجعًا ولو فسدت بعد زمنٍ على أن ينفقوها في وجوه الخير.\nيقول البيضاويُّ: «المعنى: لولا أنَّ بني إسرائيل سنُّوا ادِّخار اللَّحم حتَّى خَنز، لمَا ادُّخر فلم يخنز» (^١).\n_________\n(^١) «تحفة الأبرار» للبيضاوي (٢/ ٣٧٣).","vol":"3","page":1567},{"text":"فلأجل أنَّهم اشتهروا بهذا الشُحِّ في ادِّخار الأطعمة، كانت العربُ تُسميهم «الخُنَّاز»! (^١).\nفصحَّ بذا أن يُقال عنهم: إنَّه لولاهم لما فَسَد اللَّحم والطَّعام، بمعنى: أنَّه لولا إشاعتهم هذه الطريقةَ الجشِعةَ في الادِّخار، لمَا شاعَ فسادُها بسببِه، فإنَّ هذا الفعلَ لم يكن معروفًا في النَّاس قبلهم، فـ «الحديث شبيهٌ بأن نقول: لولا الفِرنج لمَا طارَ العراقيُّون والحجازيُّون والمصريُّون بالطيَّارات، ولما تخاطبوا وبينهم المسافات الَّتي تهلك فيها الأشواط والأصوات.\nولا تلازم في هذا بين الأوَّل والثَّاني إلَّا اختراع الأوَّل ما تمكَّن به الثَّاني أن يفعل، وهو تلازم عاديٌّ لا عقليٌّ، وكذلك لا تلازم بين بني إسرائيل وإخناز اللَّحم، إلَّا اختراعهم ما به تمكَّن اللَّحم مِن أن يخنَز، وهو ادِّخاره» (^٢).\nوعلى هذا؛ تكون الأوَّلية في الحديث أوَّليةَ إشاعةٍ لسُنَّةِ الادِّخار، المُفضي إلى الإفسادِ، لا أوَّليَّةَ فسادِ اللَّحم نفسِه مِن حيث هو لحمٌ كما ظنَّه المُعترض.\nوالَّذي يعضُد هذا التَّفسير للحديث ويجعله مَقبولًا: قضيَّةٌ لغويَّة مهمَّة، حين غَفل عن تحريرِها الطَّاعنون العَجَلَة، سَقطوا في سَوْءةٍ منهجيَّة:\nذلك أنَّهم فهموا لفظَ (الخَنز) على عمومِه الدَّارج في بعض كُتب اللُّغة، ولم يتحقَّقوا معناه الخاصِّ الَّذي يُميِّزه عن مجرَّد معنى الإنتانِ والفساد.\nفإنَّ معنى لفظ «خَنَز» على وجهِ التَّدقيق: ما فَسَد بسببِ الادِّخارِ والخَزنِ خاصَّة، وليس مُطلق فسادِ الطَّعام! فإنَّ أصلَه مِن الفعل اللَّازم غير المُتعدِّي «خَزَن» بتقديم الزَّاي، وبتأخيرها «خَنَز»، وهما بمعنًى واحد، وهو من القلب المعروفِ في اللُّغة (^٣).\n_________\n(^١) كما تذكره كتب المعاجم القديمة، انظر «تهذيب اللغة» (٧/ ٩٦)، و«لسان العرب» (٥/ ٣٤٦).\n(^٢) «مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها» (ص/١٤).\n(^٣) انظر «المُزهر» للسيوطي (١/ ٣٦٨).","vol":"3","page":1568},{"text":"يؤيِّد هذا قول طَرَفة (ت ٦٠ ق. هـ) (^١) في «ديوانه» (^٢):\nثمَّ لا يخزنُ فينا لحمُها *** إنَّما يخزَنُ لحمُ المُدَّخر\nويقرِّر هذا المعنى الرَّاغب الأصبهانيُّ في قوله: «الخَزْنُ في اللَّحم أصله الادَّخار، فكُنِّي به عن نَتَنِه» (^٣).\nوكذا الزَّمخشري في قوله: «خَنز: هو قلب خَزَن: إذا أرْوَح وتغيَّر، وهو مِن الخَزن بمعنى الادِّخار، لأنَّه سبب تغيُّره» (^٤).\nفإذا كان لفظ «الخنز» بمعنى: الإنتانِ النَّاتجِ عن الادِّخار بخاصَّة، فإنَّ وروده في الحديث أشبه بالنَّص على صحَّة القولِ السَّابق لأهل العلمِ، وهو: سَبْقُ بني إسرائيل إلى تحزينِ اللُّحومِ وادِّخارِها حتَّى فسدت.\nفلا وجه البتَّة بعد هذا الاعتبار اللُّغويِّ لِمن أنكر الحديثَ على المُحدثِّين.\nوبأيِّ الأقوالِ الثَّلاثة أخذنا سلِم لنا الحديث مِن مُشاغباتِ المُحدَثين، وإن كان الأخيران أقواها، فالحمد لله ربِّ العالمين.\n_________\n(^١) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد، أبو عمرو، البكري الوائلي، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، كان هجاءًا غير فاحش القول، تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره، ولد في بادية البحرين وتنقل في بقاع نجد، قتله الملك عمرو بن هند شابًا لقصيدة هجاه بها، انظر «الشعر والشعراء» لابن قتيبة (١/ ١٨٢)، و«جمهرة أشعار العرب» (ص/٨٩).\n(^٢) «ديوان طَرفة بن العبد» (ص/٤٤).\n(^٣) «المفردات» (ص/٢٨١).\n(^٤) «الفائق في غريب الحديث» (١/ ٣٩٩).","vol":"3","page":1569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>الفصل السابع\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث المُتعلِّقة بالمرأة</span>","vol":"3","page":1571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>المَبحث الأوَّل\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث خلق المرأةِ من ضِلع</span>","vol":"3","page":1573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>المَطلب الأوَّل\nسَوْقُ حديث خلقِ المرأةِ من ضِلع</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «استوصوا بالنِّساء، فإنَّ المرأة خُلقت مِن ضِلع، وإنَّ أعوج شيءٍ في الضِّلع أعلاه، فإن ذهبتَ تُقيمه كَسرتَه، وإن تركتَه لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنِّساء» متَّفق عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، رقم: ٣٣٣١) واللفظ له، ومسلم في (ك: الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم: ١٤٦٨).","vol":"3","page":1575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>المَطلب الثَّاني\nسَوق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديث خلق المرأةِ مِن ضلع</span>\nالمعارضة الأولى: أنَّ الحديث «مِن مَحضِ الخيالِ والدَّسِّ الإسرائيليِّ» (^١)، مَأخوذ مِن العهدِ القديم ما نصُّه: «.. وبَنى الرَّب الإله مِن الضِّلع الَّتي أخذَها مِن آدم امرأةً، وأحضرها إلى آدم، فقال آدم: هذه الآن عَظمٌ مِن عظامي، ولحمٌ مِن لحمي» (^٢).\nوهذا ما أورثَ عند المُعترضِ يقينًا بأنَّ الحديث عقيدة يهوديَّة، تدلُّ على «أنَّ قاصَّ الحديث إمَّا يهوديٌّ، أو متأثِّر بالتُّراث اليَهوديِّ» (^٣).\nالمعارضة الثَّانية: في الحديث تَنقُّص ظاهرٌ للمرأةِ، واحتقار لمكانتها الاجتماعيَّة، فهو يُصوِّرها مجرَّدَ تابعٍ للرَّجل مُتفرِّع عنه، وأنَّها لجِبلَّتها المُعوَجَّة مَيئوسٌ مِن استقامتِها (^٤).\nيقول (الأدهميُّ): «إنَّ العِوَج والاعوجاج لا تُحمل إلَّا دلالاتٍ هي غاية في السَّلبِية، وأنَّه ليس فيها ما يُوحي بأيِّ مَعانٍ إيجابيَّة .. إنَّ جعلَ المرأة موضوعًا\n_________\n(^١) «الأضواء القرآنية» لصالح أبو بكر (ص/٣٣٠).\n(^٢) سِفر التكوين، الإصحاح الثاني، الفقرة ٢١ - ٢٣.\n(^٣) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٣٦٨).\n(^٤) انظر «جناية البخاري» لأوزون (ص/١١٦).","vol":"3","page":1576},{"text":"للاستمتاعِ بها تحقيرٌ لها، وكأنَّها ليست شريكًا فيه، وكأنَّها أداة مُسخَّرة للرَّجل» (^١).\n_________\n(^١) «قراءة في منهج البخاري ومسلم» (ص/١٩٣).","vol":"3","page":1577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>المَطلب الثَّالث\nدفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرة\nعن حديثِ خلق المرأةِ مِن ضَلعٍ</span>\nتمهيد:\nلعلَّك بعد أن قرأتَ تلك الشُّبهاتِ المُصلطةِ على هذا الحديث، قد وقع في نفسك أنَّ هذا الرَّشقَ لحديثنا بحجارةِ المُعارضاتِ ليس مجرَّد استنكارٍ بَريءٍ لمِا أفاده مِن أصلِ خِلقةِ حوَّاء ومادّتها! بل مَرامِي حربِهم تلك على الحديث وأضرابِه أبعدُ مِن ذلك بكثير.\nإنَّه سَعيٌ لقطعِ جهيزةِ كلِّ نصٍّ شَرعيٍّ يُشتَمُّ منه تَبعيَّة المرأةِ للرَّجل، وتكليفه بالقيامِ على شؤونِها، في عصرٍ تحرَّرت فيه المرأة الرُّوميَّةُ مِن كلِّ حَقٍّ وواجب! وصَارت في وطنِها كالحَمَلِ السَّائب، مُنفلِتةً مِن كلِّ ما يُعكِّرُ حُرِّيَتها، مُعترضةً على كلِّ مَيْزٍ لها عن الرَّجلِ؛ فلو قدرت أن تُكلِّفه بالحَملِ في بطنِه والإرضاعِ مِن ثَديِه، لفَعلت! بدعوى لزوم المُساواة بين الجنسين.\nإنَّ الَّذي يجعلُ بعضَ مَن يَستميتُ في إنكارِ تخلُّقِ أُمِّنا مِن زوجِها آدم ﵇، أزعمُ أنْ ليس ذلك منه بالضَّرورةِ عن دافعٍ عِلميٍّ مَنهجيٍّ مُتجرِّد، بل أكثره عن عاملٍ نَفسيٍّ بَحْت، بخلفيَّةٍ فكريَّةٍ سابقة، وتحت ضغطٍ ثقافيٍّ غربيٍّ رهيب.\nإنَّها ثقافةٌ مُستوردة شَرِسة، تَقتنِص عقلَ المسلم للتنكُّرِ لسُنَّةِ نبيِّه؛ ونَزعةٌ نِسويَّة ناعمة، تجثم على صدرِ كلِّ مَن خفَّ دينُه وعقلُه، تُرهِبه بكلِّ ألقابِ","vol":"3","page":1578},{"text":"الرَّجعيَّةِ والتَّخلُّفِ والظَّلاميَّة، إنْ هو أبى الانصياعَ لإغواءِها، وتَشبَّث بوحيٍ إلهيٍّ يُخالف تَصوُّراتها للحياةِ، ويُناقضُ نظرتَها لوظيفةِ كِلا الجِنسين على وجهِ البَسيطة.\nحتَّى صِرْنا نَرى لوائحَ هذه الحملةِ باديةً بلا مُواربةٍ، على ألسُنِ مَن يُزعَم فيهم النَّفحَ عن الدِّين، كحالِ (عدنان إبراهيم)! ذاك المُتحذلقُ الَّذي رأيتُه في إحدى خُطَبِه المرئيَّة السَّيارة جاهرًا بالإنكارِ صُراحًا على حديث النَّبي ﷺ بجُرأةٍ قلَّ مثيلُها، لا تُعهَد إلَّا مِن أساطينِ الحَداثة، يقول فيها:\n«كونُ المرأةِ خُلِقَت استقلالًا مِن طين، ابتدأ الله خلقها مِن طينِ الأرض كما ابتدأ آدم: هذا يكرِّس ويدعمُ نموذجًا في التَّفكير سيكون له ما بعده، سيختلف ضمن هذا الإطار تناول سائر قضايا المرأة عمَّا لو تناولناها من مَنظورٍ إطاريٍّ مختلف، يمكن أن نسميَّه نموذجَ أو إطار الاستتباع، فيه المرأة كذَيلٍ أو مُلحق بالرَّجل، لأنَّها مخلوقة من جزءٍ منه، من ضلعٍ من أضلاع الرَّجل».\nوبعد؛ فهذا أوان الشُّروع في نَسفِ هذه الشُّبهات عن هذا الخَبَرِ النَّبويِّ الصَّحيح، أقول فيه مستعينًا بالله:\nقد أجمعَ المسلمون قاطبةً على كونِ آدم ﵇ مَخلوقًا مِن سلالةٍ من طينِ الأرض، بمستندِ ما أخبرَ الخالق ﷿ به في آياتٍ مِن مُحكمِ تنزيلِه.\nوأمَّا زوجُه حوَّاء، ففي طبيعةِ المادَّة الَّتي خُلِقت منها قولانِ لأهلِ العِلم:\nالقول الأوَّل: أنَّها مَخلوقةٌ مِن أحدِ أضلاعِ آدم ﵇، وهذا مَذهب جماهيرِ المفسِّرين مِن السَّلف (^١)، تراها فيما تُنوقِل عنهم مِن أقوالٍ عند تفسيرِهم لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].\nمنها: ما رَواه السُّدي في «تفسيره» (^٢) عن ابن عبَّاس وابن مسعود ﵃، وأناسٍ آخرينَ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ قالوا: «أُخرِج إبليس مِن الجنَّة ولُعِن،\n_________\n(^١) انظر في ذلك «غرائب التَّفسير» للكرماني (٢/ ٧٧٢)، و«البحر المحيط» لأبي حيان (١/ ٢٥٣).\n(^٢) انظر «جامع البيان» للطَّبري (١/ ٥٤٨)، و«التَّوحيد» لابن منده (١/ ٢١٣)، و«الأسماء والصِّفات» للبيهقي (٢/ ٢٥٩)، و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٢٣٤)؛ ورواة هذا الأثر عند السُّدي ثقات، قال ابن منده في «التَّوحيد» (١/ ٢١٤): «هذا إسناد ثابت».","vol":"3","page":1579},{"text":"وأُسكِن آدم ﵇ حين قال له: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، فكان يَمشي فيها وَحشِيًّا ليس له زوج يسكُن إليها، فنامَ نومةً فاستيقظ، وإذا عند رأسِه امرأةٌ قاعدة خلَقَها الله ﷿ مِن ضلِعِه ..»، إلى آخر حديثِهم.\nوعن ابن عبَّاس ﵁ في قولِه تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ قال: خُلِقت المرأة مِن الرَّجل، فجُعِل نَهمُتها في الرِّجال، وخُلِق الرَّجل مِن الأرض، فجُعِل نهمتُه في الأرض» (^١).\nوعنه قال: «حوَّاء مِن قُصَيْرَى (^٢) آدم وهو نائم»، وعن: «حوَّاء خُلقت مِن آدم، مِن ضلع مِن أضلاعه»، ورُوي نحوه عن مجاهد (^٣)، وقتادة (^٤)، والضَّحاك، ومقاتل بن حيَّان، ورواه السُدِّي عن أشياخِه (^٥).\nفهذا التَّفسير مِن هؤلاءِ الأعلامِ لا أعلَمُ لهم فيه مخالفًا مِن طَبقتِهم -فيما أحسبُ- حتَّى جَعَله ابن جَريرٍ قولَ أهلِ التَّأويل (^٦)؛ فكان الفرضُ أن يُصار إليه، وحَسمُ مادةِ الخلافِ به.\nوكان مِمَّا احتجَّ به هؤلاء على تخلُّقِ حوَّاء مِن آدم تفسيرًا للآيةِ: حديثُنا هذا: «إنَّ المرأة خُلِقت مِن ضِلع»، حيث أنَّ ظاهرَه مُرشدٌ إلى مَعنى خَلقِها مِن الضِّلع الحقيقيِّ، وإخراجِها منه عند أصلِ الخِلقة، واحتملَ هذا المعنى عامَّةُ شُرَّاحِ الحديثِ (^٧).\nالقول الثَّاني: أنَّ حوَّاءَ خُلِقت مِن ترابٍ كما خُلِق آدم منه، ولم تُخلَق مِن ضلعِ ذاتِه؛ ولم يَرَوا هؤلاء أدلَّةَ القولِ الأوَّلِ صَريحةً فيما ذَهبوا إليه، وأنَّ المُرادَ\n_________\n(^١) «تفسير ابن أبي حاتم» (٣/ ٨٥٢)\n(^٢) القُصيري: آخر الأضلاع من كل شيء ذي ضِلَع وأقصرها، انظر «العين» للخليل (١/ ٢٧٩).\n(^٣) «جامع البيان» لابن جرير (٦/ ٣٤١)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/ ٨٥٣).\n(^٤) «جامع البيان» لابن جرير (٦/ ٣٤١).\n(^٥) انظر «تفسير ابن أبي حاتم» (٥/ ١٦٣٠)، و«كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٤٧٨).\n(^٦) «جامع البيان» (٢٠/ ١٦١).\n(^٧) انظر «شرح النووي على مسلم» (١٠/ ٥٧)، و«الكواكب الدراري» للكرماني (١٩/ ١٣٠)، و«فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٦٨).","vol":"3","page":1580},{"text":"عند أربابِ هذا القولِ مِن قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: أي مِن جِنسِها، نَظير قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢]، وقولِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١].\nولذا قال (محمَّد عبدُه): «إنَّ المعنى هناك على أنَّه خَلق أزواجًا مِن جِنسنا، ولا يصِحُّ أن يُراد أنَّه خَلق كلَّ زوجةٍ مِن بَدنِ زوجِها!» (^١).\nوكان الفخر الرَّازي (ت ٦٠٦ هـ) قد عَزى هذا القول إلى اختيارِ أبي مسلمٍ الأصفهاني المُعتزِليِّ (^٢)!\nوزادَ (عدنان إبراهيم) دعمًا لهذا الاختيارِ الاعتزاليِّ بعضَ الأدلَّةِ القرآنيَّةِ، حسِبها أقربَ للقطعِ بنَفْيِ خلقِ حَوَّاء مِن آدم، وأَدْعى لتصحيحِ هذا القولِ دون قولِ جماهيرِ المُفسِّرين.\nمِن ذلك: استشهادُه بقولِه تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] على كونِ حوَّاء مخلوقةً مِن طينٍ كشأنِ آدم، بدعواه: دخولِها في النَّوعِ الإنسانيِّ الَّذي أفاده عمومُ اللَّفظِ في الآية، فتراه يقول: «.. حتمًا أنَّ الإنسان هنا -على ما جَرَت به عادةُ النَّظم الكريم، والذِّكر الحكيم- تَشملُ وتَضمُّ النَّوعين جميعًا، أي: بَدَأ خلقَ آدم وخلقَ حوَّاء من طين، .. هذا ما تُعطيه ظاهرُ هذه الآية، الَّتي تُوشك أن تكون نَصًّا في الموضوع» (^٣)!\nوقد أبى (عدنانُ) إلَّا الشُّذوذَ كعادته عن علماءِ الأمَّة في تفسيرِهم لآية النِّساء: ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، حيث قال هو:\n«ستقولون: إنَّ ما في الآية: ﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدم قطعًا وليست حوَّاء، وأنَّ ﴿زَوْجَهَا﴾ هي حوَّاء، وأنَّا سأصدِمُكم الآن! وسأصدم -تقريبًا- كلَّ المفسِّرين!\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (١/ ٢٣٢).\n(^٢) انظر «التفسير الكبير» للرازي (٩/ ٤٧٧ - ٤٤٨).\n\nوأبو مسلم الأصفهاني (ت ٣٢٢ هـ): هو محمد بن بحر، معتزلي المذهب، عالم بالتفسير وبعض صنوف العلم، وله شعر، وليَ أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العبَّاسي، واستمر إلى أن دخل ابن بويه أصفهان سنة ٣٢١ هـ فعُزل، من كتبه «جامع التأويل» في التفسير، انظر «الأعلام» للزركلي (٦/ ٥٠).\n(^٣) من خطبته «حواء هل خلقت من ضلع آدم؟!» بتاريخ ٢٥/ ١/٢٠٠٨، المنشورة تفريغًا على موقعه الرسمي بتاريخ ١/ ٥/٢٠١٥ م، وجميع كلامه الذي أنقله تباعًا من هذا المصدر نفسه.","vol":"3","page":1581},{"text":"لأقول: الَّذي استروِحُ إليه، وأستكينُ إليه: أنَّ النَّفسَ الواحدةَ هي حوَّاء! والزَّوج هو آدم! فلَم يَبْقَ مُتعلَّق لأحدٍ بهذه الآية، حتَّى يقول: نُصَحِّح حديثَ: «خُلِقَت مِن ضلع آدم» ..\nتعلمون لماذا؟ لسَببَين اثنين:\nقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، هل الزَّوج فيها الذَّكرُ أم الأنثى؟! ..\nلِنَعُد إلى القرآن، فخيرُ ما يُفسَّر به القرآن هو القرآن، ولنقرأ في سورةِ الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ فالزَّوجُ هنا واضحٌ أنَّه الذَّكَر، وآية الأعراف هي آية النِّساء ذاتُها! ليس هناك فرقٌ بينهما، ولا نعرف كيف غَفَل المفسِّرون عن التقاطِ هذه الإشارةِ القرآنيَّة! .. فقطعًا النَّفسُ الواحدةُ في الأولى هي المُؤنَّث: وهي حوَّاء، والزَّوج المُذكَّر: وهو آدم ..\nإذن؛ الأرجحُ في آيةِ النِّساءِ أن يُرادَ بالنَّفسِ الواحدةِ: حوَّاء، والزَّوج: هو آدم، فهل آدم خُلِق مِن حوَّاء وهو جزءٌ منها؟! غير صحيح طبعًا .. إنَّما ﴿مِّن﴾ بيانيَّة، أي: خُلِق مَن جنسِها ونوعِها زوجًا لها ..». اهـ\nفهذا مجمل أدلَّةِ القولين في أصلِ خِلقةِ حوَّاء، وعليهما انْبَنى مَوقف أصحابِها من معنى حديثِ البابِ، فحيث أنَّ الحديث يحتمل لفظُه المعنيَّين السَّالفين جميعًا (^١)، حقيقةً ومَجازًا:\nرَجَّح الفريقُ الأوَّل: القولَ بالحقيقةِ، استنادًا إلى أنَّ في الكلامِ الأصل الحقيقة، مع اعتضادِهم بظاهرِ آية النِّساء، وما سُقناه من بعضِ الآثارِ السَّلفيَّة المُصرِّحة بذلك.\nورجَّح الفريق الثَّاني: المجازَ في الحديث على الحقيقة، إذ لم يجدوا دليلًا صريحًا في تَعيِّين مادةِ حوَّاء، فبقي الأصلُ عندهم في خِلقتِها أنَّها مِن نفسِ مادَّةِ زوجِها آدم؛ ثمَّ إنَّهم رأوا الحديثَ لم يَنسِبْ الضِّلع لآدم! وعليه خَرَّجوه مخرجَ\n_________\n(^١) «المحرر الوجيز» لابن عطية (٢/ ٤).","vol":"3","page":1582},{"text":"الاستعارة، ومُؤدَّاه عندهم: أنَّ النِّساء خُلِقن مِن شيءٍ كالضِّلع في اعوجاجِه، أي خُلِقن خلقًا فيه اعوجاجٌ وشذوذٌ تُخالف به الرَّجل، فهي مَطبوعة على العِوَج معه، وجعلوا نظيرَ هذه الاستعارة في قولِ الله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (^١)؛ فيكون الحديث على ذلك قد حُذِف منه المُشبَّه ووجهُ الشَّبه والأداة جميعًا، واستُعِير لفظُ المُشبَّه به للمُشبَّه على سبيلِ الاستعارةِ التَّصريحيَّةِ الأصليَّةِ (^٢).\nوالَّذي أكدَّ عندهم هذا المعنى مَجيءُ «الحديثِ بصيغةِ التَّشبيه في روايةٍ (^٣) عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ المرأةَ كالضِّلع (^٤) ..» (^٥).\nوبعد؛\nفالَّذي أَراه أقربَ للحقِّ في هذه المسألةِ: مَذهبُ جمهورِ العلماءِ مِن أهل التَّفسير والحديثِ أربابِ القولِ الأوَّل، لمِا ذكرتُ مِن أدلَّتِهم على ذلك آنفًا، أُعَزِّز رسوخَها في المُراد بدفعِ مُعارضاتِ القول الثَّاني، فأقول:\nأمَّا آية النِّساء: فهي وإن لم تُصرِّح بخلقِ حوَّاء مِن نفسِ آدم -هكذا باللَّفظ كما هي دعوى المُعترِض- إلَّا أنَّ الظَّاهر المَفهوم منها ابتداءُ خلقِ حوَّاء مِن نفسِ آدم (^٦)، وأنَّه أصلها الَّذي اختُرعِت وأُنشئِت منه، وهذا أمرٌ لا مَدفَع له.\nيقول عبد الرَّحمن النَّتيفي (ت ١٣٨٥ هـ) (^٧): «الأصلُ في النَّفسِ أن تُطلَق\n_________\n(^١) «البحر المحيط» لأبي حيان الأندلسي (٣/ ٤٩٤)، و«مرقاة المفاتيح» لعلي القاري (٥/ ٢١١٧).\n(^٢) انظر «عارضة الأحوذي» لابن العربي (١/ ١٥٥)، و«فتح الملهم» لموسى شاهين (٦/ ٤٥).\n(^٣) الرواية عن سعيد بن المسيِّب والأعرج كما في «الصَّحيحين».\n(^٤) أخرجها البخاري في (ك: النكاح، باب المداراة مع النساء، وقول النبي ﷺ: «إنما المرأة كالضلع»، رقم: ٥١٨٤)، ومسلم في (ك: الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم: ١٤٦٨).\n(^٥) «سلسلة الأحاديث الضعيفة» للألباني (١٣/ ١١٤٠).\n(^٦) انظر «البحر المحيط» لأبي حيان (٣/ ٤٩٤).\n(^٧) عبد الرحمن بن محمد النتيفي: فقيه نظَّار، نسبة إلى قبيلة (انتيفة) قبيلة أطلسيَّة من القبائل المطلة على سهل تادلا وسطَ المغرب، ينتهي نسبه الشَّريف إلى جعفر بن أبي طالب، وَصَفه حافظ المغرب وقتها بو شعيب الدُّكالي بأنَّه «علَّامة ألمعي، وذكي حافظ لوذعي»، ألَّف أزيد من سبعين مؤلفًا، مُعظمها في نصرة ما يراه حقًّا في السُّنة، منها «نظر الأكياس في الردِّ على جهمية البيضاء وفاس»، و«الإرشاد والتبيين في البحث مع شُراح المرشد المعين»، توفِّي سنة (١٣٨٥ هـ ١٩٦٦ م) بالدار البيضاء، انظر ترجمته في مقدمة تحقيق كتابه «حكم السنة والكتاب» (ص/٩) دار الجيل، ط ٢، ١٤٣١ هـ","vol":"3","page":1583},{"text":"على روحِ الشَّخص، أو على روحِه وجَسدِه، أو على الشَّخص، فإطلاقُها على الجنسِ والماهيَّة لا قرينةَ عليه في الآية؛ وإذا دارَ الأمرُ بين الحذفِ وعَدمِه، فالأصلُ عَدمُ الحذفِ، ولا ضرورةَ تُلجِئ إلى الحذفِ هنا، ومِن أبعدِ البعيدِ أنْ يذكُر الله تعالى هذه الآيةَ ثلاثَ مرَّات، ولا يذكُر فيها ذلك المَحذوف الَّذي لا يتِمُّ المعنى إلَّا به» (^١).\nفلأنَّه هو الظَّاهر مِن الآية، قال به أمثالُ ابن عبَّاس، ومجاهد، والسُّدي، وقتادة، وغيرهم مِن أعلمِ النَّاسِ بمعاني الوَحي، ولا أحسب المُعترضَ يَخالُ نفسَه بإزاِء هؤلاءِ شيئًا!\nوأمَّا ما يَدَّعيه أربابُ القولِ الثَّاني في تفسيرِ الآيةِ هو في حقيقتِه مُجرَّد احتمال، و«الأصل الظَّاهر لا يُترَك للاحتمالِ» (^٢).\nوفوق هذا نقول: إنَّه لا بُدِّ مِن التَّشبُّثِ بهذا الظَّاهر مِن الآية «كيْ يصِحَّ قولُه تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، إذ لو كانت حوَّاء مُستقلَّة في خلقِها عن نفسِ آدم، لكان النَّاسُ مَخلوقِين مِن نَفْسَين، لا مِن نفسٍ واحدةٍ!» (^٣).\nوهذا إلزام واضح؛ وبه تَعلَمُ إفراطَ (رشيد رضا) في دَعواه أنَّه لولا التَّوراة والآثار الواردة في خلقِ حوَّاء مِن آدم، لم يكُن ليخطر على بالِ قارئِ القرآنِ هذا المعنى مِن آية النِّساء (^٤)!\nولا مَجال لأمثالِ (عدنان إبراهيم) أنْ يزعمَ بأنَّ آية النِّساءِ مِن قَبِيلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] ونحوِها مِن الآيات، لكي يتوسَّل بذلك إلى أنَّ المُرادَ بآيةِ النِّساءِ: الجنسَ والنَّوعَ، أي كما الحالُ في هذه الآيات.\n_________\n(^١) «الأيادي البَيضا، مع الشيخين عبدُه ورشيد رضا» (ق ١٢٨/ب).\n(^٢) «الإحكام» للآمدي (١/ ١١٦)، و«البحر المحيط» للزركشي (٦/ ٢٩١).\n(^٣) «التفسير الكبير» للرازي (٩/ ٤٧٧ - ٤٤٨).\n(^٤) «تفسير المنار» (٤/ ٢٧٠).","vol":"3","page":1584},{"text":"فهذا قِياسٌ منه فاسدٌ مِن عِدَّة أوجُه:\nأوَّلها: أنَّ ظاهرَ كلِّ نَصٍّ بحسبِه، فلا يَلزم مِن اتِّفاقِ نصَّينِ في العبارةِ أو بعض الألفاظِ، أن يتَّفِقا في ظاهرِ المَعنى المُرادِ.\nوشاهدُنا على ذلك: الآية نفسُها الَّتي استدلَّ بها المُعترض مِن سورة الرُّوم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، فهي «لا تُنافي الآيات الدَّالة على خلقِ حوَّاء مِن آدم؛ لأنَّه لا يَتَوَهَّم أحدٌ أنَّ خلْق أزواجِنا مِن أضلاعنا! ولا خلق أزواج نبيِّنا من ذلك؛ بل واضحٌ أنَّ الأنفس هنا مُطلقة بإزاء الأجناس، والقرينة: عَدمُ صِحَّة الحقيقة» (^١).\nفلا يصحُّ إذن أن يُقال في الآية: ظاهرُها أنَّ زوجاتِنا خُلِقْنَ مِن ذَواتِنا مَعاشرَ الرِّجال؛ فليس الظَّاهر منها ذلك أصلًا! لأنَّ الظَّاهرَ مِن كلِّ نَصٍّ ما تَبادر إلى فهم المُخاطَب، ورُكنُ ذلك مُراعاةُ سِياق الكلام، والقرائن، واستحضار باقي النُّصوص.\nبل الظَّاهر الحَقُّ منها أن يُقال: إنَّ الله خلقَ لكم نسائَكَم «مِن شكلِ أنفسِكم وجِنسِها، لا مِن جنسٍ آخرَ، وذلك لما بَين الاثنين مِن جنسٍ واحدٍ من الإلفِ والسُّكون، وما بين الجنسين المختلفين مِن التَّنافر» (^٢).\nفهذا الَّذي نزعمُ أنَّه المُتوافق مع سياقِ الآية المقرِّرة لمعنى الامتنانِ على الزَّوجين بالمَودَّة والرَّحمة.\nفإذا تحقَّقنا هذا الأصل؛ فإنَّ الآيتين اللَّتين استشهد بهما المُعترض قد افترقتا مِن الأساسِ عن آيةِ النِّساءِ في اللَّفظِ نفسِه! فإنَّهما وَرَدتا بالفعلِ (جَعَل)، بخلافِ آية سورةِ النِّساء حيث وَرَدت بالفعلِ (خَلَق).\nوبين الفِعلَينِ فَرقٌ لِمن تَدبَّر! وهذا الاختلافُ في اللَّفظ مَقصودٌ للمُتكلِّم به سبحانه، بل هو مِن إعجازِ القرآن في بلاغتِه! وذلك لأنَّ آية النِّساء لمَّا كانت في\n_________\n(^١) «الأيادي البيضا» لعبد الرحمن النتيفي (ق ١٢٨/ب) مخطوط.\n(^٢) «الكشَّاف» للزمخشري (٣/ ٤٧٢).","vol":"3","page":1585},{"text":"خلقِ حوَّاء مِن آدم، ناسَبَ التَّعبير عنه بقوله: (خلق)؛ بينما آيَتا الأعراف والنَّحل: حين لم يُرَد بهما حقيقةُ الخلقِ مِن نفسِ آدم، عُبِّر عن ذلك بلفظِ (جعل)، لأنَّ الجعل لا يَلزم منه الخلق! فكلُّ خلقٍ جعل، وليس كلُّ جعلٍ خلْقًا، فبينهما عموم وخصوص.\nوفي تقرير هذا المعنى الفارقِ الدَّقيق بين اللَّفظين، يقول بدر الدِّين الزَّركشي (ت ٧٩٤ هـ):\n«الخَلق يكون عن عدمٍ سابقٍ، حيث لا يَتقدَّمه مادَّة ولا سبب مَحسوس، والجَعل يَتوقَّف على موجودٍ مُغاير للمَجعول، يكون منه المَجعول أو عنه، كالمادَّة والسَّبب، ولا يرِد في القرآن العظيم لفظ (جعل) في الأكثرِ مُرادًا به الخلق إلَّا حيث يكون قبله ما يكون عنه أو منه، أو شيئًا فيه مَحسوسًا، عنه يكون ذلك المخلوق الثَّاني، بخلاف (خلق)، فإنَّ العبارةَ تَقع كثيرًا به عمَّا لم يَتقدَّم وجودُه وجودٌ مُغاير يكون عنه هذا الثَّاني» (^١).\nوحاصل القولِ: أنَّ مثل هذا التَّنوُّع في اللَّفظِ القرآنيِّ وتَباينِ سياقاتِ الآياتِ، ممَّا يدلِّل على أحقيَّةِ القولِ الأوَّلِ بالصَّواب، ومَن قال بأنَّ المَعنى خَلْقُها مِن جِنسِها ونوعِها لم يَأتِ بطائلٍ به، لأنَّ ذلك -كما يقرِّره ابنُ عاشور (^٢) - لا يختصُّ بنوعِ الإنسانِ، فإنَّ أنثى كلِّ نوعٍ هي مِن نوعِه أيضًا (^٣)!\n_________\n(^١) «البرهان» للزركشي (٤/ ١٢٩).\n(^٢) «التحرير والتنوير» (٤/ ٢١٥).\n(^٣) وما تنازعت فيه بعض الحضارات القديمة من أصحاب المعتقدات الفاسدة في حقيقة المرأة، إنَّما مردُّ جملتِه إلى طبيعة روحِها: أحيوانيَّة أم إنسيَّة، أشيطانيَّة أم آدميَّة، ألهَا روح أصلًا أم لا، لأيِّ شيء خُلقت .. ونحو ذلك، وما اعترض به (عدنان إبراهيم) في خطبتِه -السَّالفة الذكر- من أمثلةٍ على كلام ابن عاشور هو من هذا القبيل المتعلِّق بطبيعة روحِها ودرجتها والمقصد من خلقها، ولم يكن ثمَّة خلاف في آدميَّتها، وحتَّى إن كان فهو محصور مهجور غير ذي بال، فهؤلاء الفِرَنجة (الفرنسيُّون) قد عقدوا مؤتمرهم سنةَ (٥٨٦ م) -أي زمنَ شباب النَّبي ﷺ- للبحث في آدميَّة المرأة من عدمها، وهل لها روح أم ليس لها روح؟ .. خلصوا في النهاية إلى أنَّها إنسان، لكنها خُلقت لخدمة الرَّجل فقط، انظر «عودة الحجاب» لإسماعيل المقدم (٢/ ٥٢).","vol":"3","page":1586},{"text":"ثمَّ ظَهَرت لي إشارةٌ قرآنيَّةٌ أخرى، تفيد ما قرَّرْناه في مَعنى آية النِّساء أنَّها في خلقِ حوَّاء من نفسِ آدم: وهي الَّتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].\nفالله يُوجِّه الخطابَ فيها للنَّصارى قائلًا: إنْ كان عَجَبُكم مِن خلقِ عيسى ﵇ مِن غير ذَكَرٍ قد ساقَكَم إلى القولِ بألوهيَّتِه وبُنوَّتِه لنا، فقد علِمتُم أنَّ خلقَ آدم ﵇ أعجبُ مِن خلقِ عيسى ﵇، فإنَّه خُلِق مِن ترابٍ مِن غير ذكرٍ ولا أنثى! يحتجُّ عليهم بأنَّ المسيحَ هو مثل آدم عبدٌ وليس بإله.\nالشَّاهد عندي من هذا: أنَّ إفرادَ ذِكرِ آدم بهذه الخِلقة التُّرابيَّة العَجيبِة، دون قَرْنِ حوَّاء به فيها: دَالٌّ على اختصاصِ آدم بها دون حوَّاء وسائرِ الخلقِ! إذْ لا معنًى لإهمالِ ذكرِ حوَّاء في هذا المِثالِ الحِجاجيِّ لو امتازَت بنفسِ الحالةِ الخِلقيَّة الَّتي امتازَ بها زوجُها آدم مِن هذا الوصفِ الَّذي حاجَّ به الله تعالى النَّصارى، والله تعالى أعلم.\nومُحصَّل القول في هذه المسألة:\nأنَّ لفظَ الزَّوجِ في آيةِ النِّساء: أُريد به الأنثى الأُولى الَّتي تنَاسل منها البَشر، وهي حوَّاء، وأُطلِق عليها اسمُ الزَّوج: لأنَّ الرَّجل يكون مُنفِردًا، فإذا اتَّخذَ امرأةً فقد صارا زوجًا في بيتٍ، فكلُّ واحدٍ منهما زَوجٌ للآخر (^١).\nوأمَّا دعوى (عدنان إبراهيم) أنَّ لفظَ الزَّوج في آيةِ النِّساءِ عائدٌ إلى آدم، اعتمادًا منه على فهمِه الشَّاذ لآية الأعراف: هو فيها مخالفٌ للإجماع! فلا حاجة إلى تَكلُّفِ ردِّه.\nثمَّ الصَّحيح أنَّ ﴿مِن﴾ في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا﴾: تَبعيضيَّةٌ تفيد الابتداء، ومعنى التَّبعيض فيها: أنَّه سبحانه أخرجَ خلقَ حوَّاء مِن جزءٍ من آدم.\nوقد جاءت أقوال السَّلف في تحديدِ هذا الجزء في الضِّلع، فساغَ بهذا حملُ حديثِ: «خُلقت مِن ضلع» على حقيقتِه ولا حَرج.\n_________\n(^١) انظر «التحرير والتنوير» (٤/ ٢١٥).","vol":"3","page":1587},{"text":"هذا الحملِ على الحقيقةِ، لا يَمنع منه ما جاءت به رواية أخرى للحديثِ بلفظ التَّشبيه: «إنَّ المرأة كالضِّلع ..»، لأنَّ قولنا أنَّ النَّبي ﷺ أخبرَ بخلقِ حوَّاء مِن ضلع آدم حقيقةً، لا يَعني نَفْيَنا للمقصِد الَّذي سِيقَ لأجله الحديث، وهو: اشتراكُ جملةِ النِّساءِ في صِفةِ الأصل الَّذي خُلِقن منه، وهي صفةِ الاعوجاج في الضِّلع.\nيقول ابن حجر: «المعنى أنَّ النِّساء خُلِقْنَ مِن أصلِ خَلقٍ مِن شيءٍ مُعوجٍّ، وهذا لا يخالِف الحديثَ الماضي مِن تشبيهِ المرأة بالضِّلع، بل يُستفاد مِن هذا نكتةُ التَّشبيه، وأنَّها عوجاء مثله، لكونِ أصلِها منه» (^١).\nفما علينا بعدَ كلِّ ما سُقناه مِن دلائلَ على رجحانِ هذا الفهم للآيات والحديثِ النَّبويِّ، أن يأتي في مثلِ سِفْر التَّكوين خَبرٌ يوافق هذا التَّقرير الشَّرعيَّ! فقد عرَّفنا القارئَ الكريم قبلُ أنَّ ما جاءَ في صُحُف أهلِ الكتابِ مِمَّا يوافق نصوصَ دينِنا، هو ممَّا يعضُد هذه، ويَشهد لتلك بسلامةِ أصلِها مِن التَّحريف، فلا يَلزم أن يكون ما عندنا مِن أخبارٍ شرعيَّةٍ مُستَلًّا مِن تلك الصُّحف بدعوى التَّطابق، مادُمنا نقول بأنَّ مَصدر الوَحيِ الصَّحيح فيهما واحد (^٢).\nفهذا مجمل الردِّ على دعوى المعترضِ في شُبهته الأولى.\nوأمَّا دعواه في شبهته الثَّانية تَنقُّصَ الحديثِ للمرأةِ واحتقارها بوصفِها بالاعوجاجِ، وأنَّها مجرَّد تابِعٍ للرَّجل؛ فيُقال في تفنيدِها:\nقد قدَّمنا الإشارةَ في ما سَلَف إلى أنَّ الحديثَ يُبِين عن وجهِ الشَّبَهِ بين المرأةِ والضِّلع الَّذي خُلِقت منه، وهو صِفة الاعوجاجِ، الَّذي هو في الضِّلع خَلْقًا، وفي المرأةِ خُلُقًا، والمَقصود بالاعوجاجِ في الحديثِ خاصٌّ بسلوكِ المرأةِ\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٩/ ٢٥٣).\n(^٢) أمَّا مَن رجَّح أنَّ المُراد من آية النِّساء ومثيلاتها: كون حوَّاء خُلقت مِن جنسِ آدم وشاكلتِه، وأنَّ الحديث سِيق على جهةِ التَّمثيل بالضِّلع الأعوجِ لاضطرابِ أخلاقهنَّ، واعوجاجهنَّ مع أزواجهنَّ فلا يثبُتن معه على حالة واحدة: فأصحاب هذا القول الثَّاني بتأويلهم هذا خارجون بالمرَّة عن دائرة الاتِّهامِ بالإسرائيليَّة.","vol":"3","page":1588},{"text":"مع الزَّوجِ فقط، مُؤدَّاه عدمُ استقامتِها على ما يُريدُه دائمًا، للتَّبايُن الفِطريِّ الحاصلِ في العقول والعواطفِ بين الجِنسَيْن، لا أنَّها مُعوَجَّة في أخلاقِها وفهمِها مُطلقًا.\nوالدَّليل على هذا التَّخصيصِ قوله ﷺ في آخرِ الخبرِ في رواية مسلم: «.. فإنْ استمتعتَ بها، استمتعتَ بها وبها عِوج، وإن ذهبتَ تُقيمها كَسَرتها، وكَسرُها طلاقُها» (^١).\nولا يخفى أنَّ الاستمتاع هنا هو ما يكون بين الزَّوجين، كما أنَّ الطَّلاق لا يكون إلَّا مِن الزَّوج لزوجتِه، وهو المقصود مِن كسرِ الضِّلع إذا أُريدَ إقامتُه.\nوقوله ﷺ: «وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلع أعلاه»: تأكيدٌ لمعنى الكسرِ هذا، لأنَّ الإقامة أمرُها أظهرُ في الجهةِ العُليا، ويحتمِل أن يكون هذا ضَرْبُ مَثلٍ لأعلى المرأة، وهو الرَّأس! فبِهذا الرَّأس وما يحوِيه يحصُل الأذى للرَّجل؛ فضَرَبَ النَّبي ﷺ بكسرِها مَثَلًا على طَلاقِها، أي: إنَّكَ إن أرَدْتَ منها أن تترُكَ اعوجاجَها معك، أفضى الأمرُ إلى فِراقِها (^٢).\nوالحديث محتملٌ لأن يكون التَّشبيه فيه للنِّساء بالضِّلع لقاسمٍ آخرَ بينهما غير صفةِ الاعوجاج، وهو ما استنبطه ابن هُبيرة (ت ٥٦٠ هـ) بشفوفِ نَظره، عبَّر عنه في جميلِ كلماتٍ منه بقولِه: «قوله: «أعوج ما في الضِّلع أعلاه»، يعني به ﷺ فيما أُراه: أنَّ حُنوَّها الَّذي يَبدو منها، إنمَّا هو عن عِوَج خَلقٍ فيها، وهو أعلا ما فيها مِن حيث الرِّفعة على ذلك، فإنَّ أعلا ما فيها الحُنوُّ، وذلك الحنوُّ فيه عِوَج» (^٣).\nفرحم الله الوزيرَ ابن هُبيرة، ما أرقَّ عبارَته!\nولقد تأمَّلتُ كلامَه طويلًا، فوجدتُ قوَله مُتجلِّيًا في ذاكَ الحُنوِّ مِنها، ومَيَلانها بانحناءِها على أولادِها ومَن تُحِبُّ، رِعايةً لهم وشَفقةً وتَودُّدًا، انحناءٌ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم: ١٤٦٨).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٦٨) (٩/ ٢٥٣).\n(^٣) «الإفصاح» لابن هبيرة (٧/ ١٦٠).","vol":"3","page":1589},{"text":"منها أشبه بشكلِ الضِّلع حقًّا، ناشئ عن فَرطِ عاطفةٍ جَبَلهَا الله عليه، ليُكمِل بها نقصًا في البيتِ لا تُسَدُّ ثُلمَته إلَّا بها.\n«أفليسَ في خلقِها مِن أحناءِ صدر الرَّجلِ تَعْيِينٌ لوظيفتها وتوجيه لرسالتها؟! بلى والله؛ إنَّ حُنوَّها على الزَّوجِ والوَلد، كحُنوِّ الضُّلوعِ على القلبِ والكَبد، والأسرة الَّتي تَشبُل (^١) عليها المرأة، هي العضو الرَّئيسُ في جسمِ الأُمَّة، كما أنَّ الأجزاء الَّتي تَشبُل عليها الضُّلوع، هي الأعضاء الرَّئيسة في جسمِ الإنسان» (^٢).\nولكم طربتُ لكلامِ مُتولِّي الشَّعراوي (ت ١٤١٨ هـ) وهو ينفض غُبارَ التُّهمةِ عن هذا الحديث بسَلاسةِ عِبارة يقول فيها:\n«هذا الَوصف مِن رسول الله ﷺ ليس سُبَّة في حقِّ النِّساء، ولا إنقاصًا من شأنهنَّ؛ لأنَّ هذا الاعوجاج في طبيعة المرأة هو المُتمِّم لمهمَّتِها.\nلذلك نجد أنَّ حنانَ المرأةِ أغلب مِن استواء عقلِها، ومُهمَّة المرأة تَقتضي هذه الطَّبيعة، أمَّا الرَّجل: فعقلُه أغلب، ليناسِبَ مهمَّته في الحياة، حيث يُنَاط به العمل وترتيب الأمور فيما وُلِّي عليه» (^٣).\nوبهذا نَتحَقَّق: أنَّ هذا العِوج في النِّساءِ أمرٌ طبيعيٌّ ناشئٌ عن عاطفتِهنَّ الجيَّاشة، عاطفةٍ قد تغلب على تصرُّفاتهنَّ في البيت، فينزَعِج لها عقلُ الزَّوجِ وطبعُه، لأجلها حَضَّ النَّبي ﷺ الأزواجَ على مُراعاةِ ذلك بمُداراتهنَّ، اِستمالةً للنُّفوس، وتألُّفًا للقلوب، فأوصى بـ «الرِّفق بهنَّ، وألَّا يُتَقصَّى عليهِنَّ في أخلاقِهنَّ، وانحرافِ طَباعِهن» (^٤) عمَّا يريدُه الزَّوج، «فلا يَنبغي له أن يحمِلها على عقلِه، فيُكلِّفها مُقتضياتِ كلِّ رأيِه؛ .. فيكون في ذلك كالرَّاحِمِ لها، ويَبْنِي أمرَها على المُسامحة» (^٥).\n_________\n(^١) شَبَل على الشيء: أي عَطف عليه وتحنَّن، انظر «جمهرة اللغة» (١/ ٣٤٥).\n(^٢) مقال لأحمد حسن الزَّيات بعنوان «مَثَل المصريَّة الحديثة»، منشور بمجلَّة «الرسالة» (ص/٣، العدد ٤٦٨، بتاريخ: ٢٢/ ٦/١٩٤٢).\n(^٣) «الخواطر» وهو تفسير الشَّعراوي (١٩/ ١١٧٩٩).\n(^٤) «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٤/ ٦٨٠).\n(^٥) «الإفصاح» (٧/ ١٦٠) بتصرف يسير.","vol":"3","page":1590},{"text":"وفي هذه الوصيَّة النَّبوية الجليلةِ المُضمَّنة في هذا الحديث: لَفْتٌ منه ﷺ لانتباهِ الرَّجلِ، إلى «أنَّ حُسنَ الخُلقِ مع المرأةِ: ليس كَفُّ الأذى عنها، بل احتمالُ الأَذى منها!» (^١)\nفمَن رَامَ تقويمَهُنَّ على ما شاء، فاتَه النَّفعَ بهنَّ، وهو لا غِنى له عن امرأةٍ يَسكُن إليها، ويَستعين بها على مَعاشِه، فكأنَّه ﷺ يقول له: الاستمتاع بعيشِك معها، لا يتمُّ إلَّا بالصَّبر عليها.\nهذا ما يفهمَه كلُّ لَبيبٍ ساقَ الله ناصيتَه إلى الهُدى مِن هذا الحديثِ، وعلى هذا الفهمِ الحصيفِ ترجمَ المُحدِّثون الحديثَ في مُصنَّفاتهم، فأدرجوه في بابِ «الوصاةِ أو الوَصيَّة بالنِّساء» (^٢)، وفي باب «مُداراة النِّساء» (^٣)، وفي بابِ «حَقِّ المرأةِ على الرَّجل» (^٤)، وفي باب «حُسنِ المُعاشرةِ بين الزَّوجين» (^٥).\nفأين ما يتكلَّم عنه المُعترضون مِن احتقارِ النِّساءِ وازدراءهنَّ في الحديث؟!\n_________\n(^١) «مختصر منهاج القاصدين» لابن قدامة (ص/٧٨).\n(^٢) في «صحيح البخاري» (٧/ ٢٦)، و«صحيح مسلم» (٢/ ١٠٩١)، و«سنن النسائي الكبرى» (٨/ ٢٥١).\n(^٣) «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ١٩٧).\n(^٤) «مسند الحارث» (١/ ٥٥٠)، و«سنن البيهقي الكبرى» (٧/ ٤٨٠).\n(^٥) «الجامع الصحيح للسُنن والمسانيد» (٣٥/ ١٢٨).","vol":"3","page":1591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>المَبحث الثَّاني\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث: «إذا دَعا الرَّجلُ اِمرَأتَه إلى فراشِه»</span>","vol":"3","page":1593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديث: «إذا دَعا الرَّجلُ اِمرَأتَه إلى فراشِه»</span>\nعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إذا دعا الرَّجل امرأتَه إلى فراشِه، فأبَت، فباتَ غضبانَ عليها، لعَنتها الملائكة حتَّى تُصبح» متَّفق عليه (^١).\nوفي رواية لمسلم: «والَّذي نفسي بيده، ما مِن رجلٍ يدعو امرأتَه إلى فراشِها، فتأبى عليه، إلَّا كان الَّذي في السَّماء ساخطًا عليها، حتَّى يرضى عنها» أخرجه مسلم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء، آمين فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم: ٣٢٣٧) و(ك: النكاح، باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، رقم: ٥١٩٣)، ومسلم في (ك: النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها، رقم: ١٤٣٦).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها، رقم: ١٤٣٦).","vol":"3","page":1595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>المَطلب الثَّاني\nسَوق المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ: «إذا دَعا الرَّجل امرَأته إلى فراشِه»</span>\nمُحصَّل ما أُورِد على الحديثِ، معارضةٌ واحدةٌ أساسُها:\nدَعوى تَحيُّز الحديثِ للرَّجلِ دون المرأة، تُصَوَّر فيه مَتاعًا لقضاءِ شهوتِه متى ما شاء، دون أن يَحقَّ لها الاعتراض، وهو ما لا يجِب على الزَّوج أن يُؤدِّيه لها، ولا يَلحَقه ما يَلحقها مِن إثمٍ واردٍ في الحديث.\nوفي تقريرِ هذا الاعتراض على الحديث، يقول (نضال عبد القادر):\n«لقد تَحوَّلت المرأة في الفكرِ الدِّيني إلى مَتاعٍ وُجِد لخدمةِ الرَّجل، وإشباعِ شهواتِه ورَغباتِه الدُّنيويَّةِ والجنسيَّة، ولم يَعُد يُنظر إليها على أنَّها نفس إنسانيَّة، كما لم يعُد يحسِب حسابًا لإحساسِها، ولا لحاجاتِها ورغباتِها، وعلى الزَّوجة تلبيةُ رَغباتِ الزَّوجِ الجنسيَّة في أيِّ وقتٍ وفي جميع الأحوال» (^١).\nويقول (ابن قرناس):\n«هذه الأحاديث تُصوِّر الرَّجلَ وكأنَّه سَيِّد مَعبود، لا يجوز للمرأة أن تمتنع إذا ما رَغِب في جماعِها، ولو كانت في وضعٍ نفسيٍّ أو بَدنيٍّ لا تَستسيغ معه الجماع، أمَّا هو فله أن يَمتنع عن الجماعِ متى شاء، وللمُدَّة الَّتي يشاء» (^٢).\n_________\n(^١) «هموم مسلم» (ص/١٨١).\n(^٢) «الحديث والقرآن» (ص/٣٧٣)، وانظر في نفس الشبهة «قراءة في منهج البخاري ومسلم» لزهير الأدهمي (ص/٢٢٣).","vol":"3","page":1596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>المَطلب الثَّالث\nدفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ</span>\nعن حديث: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه»\nحملُ هذه النُّصوصِ على إطلاقِها ليس مُرادًا للشَّارع قطعًا، وإهمالُ المُقيِّدات الواردةِ في غيرها مِن النُّصوص وقواعد الشَّريعة، لَمِن أفدحِ الخَطايا المنهجيَّة الَّتي يقع فيها مُنكِرو السُّنَن؛ هي نفسُ الخطيئة الَّتي أَوْدَت بأربابِ المَقالاتِ البِدعيَّة الأولى في مُستنقَعِ الانحرافِ عن الدِّين، كحالِ الخوارج مع نصوصِ الوَعيد، وحال القَدريَّة والجبريَّة مع نصوصِ القَدر.\nفمَن تأمَّل هذا الحديث المُستشكلَ على وِفق مَقاصدِ الشَّرعِ، أيقنَ أنَّ قائلَه ﷺ لم يُرِد نَفيَ حقٍّ للمرأةِ في بُضعِ زوجِها، ولا إثباتَ حَقٍّ مُطلقٍ للزَّوجِ في إتيانِها مِن غيرِ اعتبارٍ لحالِ صاحبتِه!\nأين في الحديث أنَّ الزَّوجَ يَقضي وَطَرَه في زوجِه مَتى شاء ولو كانت عَيِيَّةً مريضةً؟ أو كانت كئيبةً حَزنًا يبلُغ بها دَرجةَ المَرض -مثلًا-؟ أو كانت مَشغولةً بأداءِ واجبٍ يَضيق به الوقت؟! ونحو ذلك مِن الأعذار.\nليس في الحديث هذا؛ إنَّما يلحَقُ المرأةَ الوعيدُ فيه إذا ما تَمنَّعت عن زوجِها مِن غير عُذرٍ يُبيح ذلك، ممَّا يَؤُول إلى إضرارِه، وعلى هذا عَقَّبَ ابن حَجرٍ","vol":"3","page":1597},{"text":"على قولِ البخاريِّ في تبويبِه لهذا الحديث فقال: «باب: إذا باتَت المرأة مهاجرةً فراش زوجِها»، فقال ابن حَجر: «أي بغيرِ سَببٍ لم يَجُزْ لها ذلك» (^١).\nولَإِنْ كان الحديثُ مُعْرِبًا عن عِظَم حَقِّ الزَّوجِ على زوجتِه -وهو لا شكَّ أصلٌ شَرعيٌّ عظيم لتقويمِ العَلاقةِ الزوجيَّة- فإنَّ المُستحِقَّ لهذا الحقِّ: إنَّما هو الزَّوجُ القائمُ بحقِّ زوجتِه، لا النَّاشز عنها المُفرِّط في حَقِّها؛ كمَن يمنعُها -مثلًا- مِن النَّفَقة، أو يُسِيء عِشْرتَها ويُؤذِيها، فهذا لها الحقُّ في الاقتصاصِ منه! بألَّا تُعطيه حَقَّه كاملًا، فتمنَعه مثلَ ما مَنَعها مِن حقِّها جزاءً وِفاقًا.\nأصلُ هذا في قولِ الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].\nوفي تقرير هذا التَّفصيلِ، يقول الحسين المُظهِريُّ (ت ٧٢٧ هـ) في معرضِ شرحِه لهذا الحديث: «هذا إنَّما يكون إذا لم يَكُن غَضَبُ الزَّوجة بسَببِ ظُلمِ الزَّوجِ عليها، فأمَّا إذا كان الجُرم للزَّوجِ، بأن يُؤذيها ويَظلم عليها: فلم يَكُن على الزَّوجةِ بأسٌ بأن تَغضب على زوجِها» (^٢).\nثمَّ يُقال بعدُ زيادةً في تبيانِ المُراد الحقيقيِّ من الحديث:\nإنَّ المرأة إن كانت آثِمةً بِالنُّشوزِ عن فراشِ زوجِها، والتَّأبِّي عن قضاءِ حاجتِه، فإنَّ الزَّوجَ آثِمٌ في المُقابل إنْ هو فرَّطَ في حاجةِ زوجتِه أيضًا مِن غير بأسٍ يلحَقُ به أو مَشغلةٍ أو عدم طاقة، إذا كان يَلحقُ المرأةَ مَضرَّةٌ من ذلك، فقد جاء في الحديث: «وإنَّ لأهلِك عليك حَقًّا» (^٣).\nوضابِطُ هذا الأمرِ راجعٌ إلى العُرفِ، داخلٌ في عمومِ قولِ الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٢٩٤).\n(^٢) «المفاتيح في شرح المصابيح» للمظهري (٤/ ٨٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع، ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له، رقم: ١٩٦٨).","vol":"3","page":1598},{"text":"فأمَّا تَغليظ الشَّرع لِوِزرِ الهاجرةِ لفراش الزَّوجيَّة على وِزر الهاجِر مِن الزَّوجين، وورودِ التَّرهيب في النَّص في حقِّ الزَّوجة دون الزَّوج، والَّذي بسببِه تَطرَّقت الشُّبهة إلى ذهنِ المُعترض ابتداءً، فأدَّاه إلى إنكارِه، فجوابُه:\nبأنْ يعلمَ أنَّ الرَّجل في هذا الأمرِ ليس كالمرأة؛ إذ كان أضعف تَحمُّلًا لدواعي الشَّهوة مِنها، وأرغبُ في المُواقعةِ مِن حيث الجملةِ، حتَّى أنَّه يَستحِلُّ طَرائقَ كان يَستقبحُ إتيانَ مثلِها لمجرَّدِ أن يَقضي إرَبَه!\nوهذا مُشاهَد غير مَنكورٍ مِن حالِ الرِّجال، في زَمَنٍ رَخُصَت فيه الأعراضُ، وابتُذِلَت فيه العَوْرات، وانتشرَت فيه الشَّهوات، وأُشهِر لها في الطُّرقات، وتَوَغَّلَت رَغمًا في البُيوتَات!\nيقول المُهلَّب بن أبي صُفرة (ت ٤٣٥ هـ): «إنَّ صبرَ الرَّجلِ على تركِ الجماعِ أضعفُ مِن صبرِ المرأة، وأقوى التَّشويشاتِ على الرَّجلِ داعيةُ النِّكاح، ولذلك حَضَّ الشَّارع النِّساءَ على مساعدةِ الرِّجال في ذلك» (^١).\nوصَدق الله تعالى، إذْ رغَّبَ عبادَه في الزَّواج، وحذَّرَهم مِن مُواقعة الفاحشة، فقال ختامَ ذلك: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].\nيقول طاووس بن كيسان في تفسيرها: «أي ضعيفًا في أمرِ الجِماع»، وفي روايةٍ عنه: «في أمورِ النِّساء، ليس يكون الإنسان في شيءٍ أضعفَ منه في النِّساء»! (^٢)\nوأقرَّه الطَّبري على هذا المَعنى، ونَسَبَه إلى أهلِ العلمِ بالقرآنِ، فقال: «يَسَّرَ ذلك عليكم إذا كنتم غير مُستطِيعِي الطَّولِ للحرائر، لأنَّكم خُلِقتم ضعفاءَ عجَزَة عن تركِ جماعِ النِّساء، قَليلي الصَّبرِ عنه، فأَذِن لكم في نكاحِ فتَياتِكم المؤمناتِ عند خوفِكم العَنَت على أنفسِكم، ولم تجدوا طَولًا لحُرَّة، لئلَّا تزْنُوا، لقلَّةِ صبرِكم على تركِ جماع النِّساء؛ وبنحوِ الَّذي قُلنا في ذلك قال أهل التَّأويل» (^٣).\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٢٩٥).\n(^٢) «جامع البيان» لابن جرير (٦/ ٦٢٥).\n(^٣) «جامع البيان» لابن جرير (٦/ ٦٢٤).","vol":"3","page":1599},{"text":"فمَن كان بهذه الصِّفة مِن الضَّعفِ عن المُواقعة، وكان النِّساءُ أصبَر منه على ذلك وأرْزَن، كانت المفسدةُ المُترتِّبة على كَبْتِه عن شهوتِه أعظمَ في حقِّه مِن المرأة؛ ومنه تَعلم لِمَ كان الأمرُ الشَّرعي لجنسِه بالتَّعجُّل إلى النِّكاحِ أَشدَّ وآكد مِن جنسِ النِّساء.\nفـ «يا معشرَ الشَّباب، مَن استطاعَ منكم البَاءَةَ فليتزوَّج» (^١)!\nيقول الوَليُّ الدِّهلوي (ت ١١٧٦ هـ): «لمَّا كانت المصلحةُ المَرعيَّة في النِّكاح: تحصينَ فرجِه، وَجبَ أن تُحقَّق تلك المصلحة، فإنَّ مِن أصولِ الشَّرائع، أنَّها إذا ضُرِبَت مَظنَّةً لشيءٍ، سجل (^٢) بما يحقِّق وجودَ المصلحة عند المَظِنَّة، وذلك أن تُؤمَر المرأة بمطاوعتِه إذا أراد منها ذلك، ولولا هذا لم يَتحقَّق تحصينُ فرجِه، فإن أَبَت، فقد سَعَت في ردِّ المصلحة الَّتي أقامها الله في عباده، فتوَجَّه إليها لعنُ الملائكةِ على كلِّ مَن سعى في فسادِها» (^٣).\nفكلُّ هذا إنَّما شُرع لتحقيق مصلحةٍ جليلةٍ في نَظرِ الشَّريعة وهي حفظُ الفروجِ، فإنَّها إن امتَعنَتْ بهوَاها عن حاجةِ زوجِها والحالة هذه، فقد حالَت دون تحقُّقِ تلكم المَصلحة، بل تَسبَّبت في عَنَتِ الزَّوج، وتَسليطِ الوَساوِس عليه، فتؤُزُّه على تصريفِ شهوتِه كيف ما اتَّفق ولو بحرام -عياذًا بالله-؛ والرَّجل في هذا أقدرُ وأَجْرؤُ مِن المرأة؛ فضلًا عمَّا في هذا مِن تضنيكِ المَعايشِ في البيوت، وانفكاكِ ما بينهما من مَواثيقَ غَليظة، ورَواجِ سُوقِ العُهرِ في المُجتمعاتِ، والعِياذ بالله.\nيقول ابن هبيرة: «إنَّ الرَّجل إذا دعا امرأتَه إلى فراشِه فامتنعت: كانت ظالمةً بمنعها إيَّاه حقَّه، فتكون عاصيةً لله بمنعِ الحقِّ، وبالظُّلم، وبكُفرانِ العَشير،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: النكاح، باب قول النبي ﷺ: «مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، لأنه أغض للبصر وأحصن للفرج» وهل يتزوج مَن لا أرب له في النكاح، رقم: ٥٠٦٥)، ومسلم في (ك: النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، رقم: ١٤٠٠).\n(^٢) كذا في المطبوع، ولم أتبيَّن معناها في سياق الكلام.\n(^٣) «حجة الله البالغة» (٢/ ٢١٠).","vol":"3","page":1600},{"text":"وبتكديرِ عَيشِ الصَّاحب، وبسوء الرُّفقة، وبكونها عرَّضَت زوجَها ونفسَها لفتنة؛ فلذلك لعَنَتها الملائكة حتَّى تُصبح، أو حتَّى تَرجع» (^١).\nفلأجلِ هذا كلِّه، كان الوعيد في هذا الباب للنِّساء أشدُّ منه للرِّجال، وأحسَمُ لمادَّتِه، والله أعلم.\n_________\n(^١) «الإفصاح» لابن هبيرة (٧/ ١٥٨).","vol":"3","page":1601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>المَبحث الثَّالث\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث: أنَّ النِّساء أكثر أهلِ النَّار وأنَّهنَّ ناقصات عَقْلٍ ودينٍ</span>","vol":"3","page":1603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديث أنَّ النِّساء أكثر أهلِ النَّار\nوأنَّهنَّ ناقصات عَقْلٍ ودينٍ</span>\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطرٍ إلى المُصلَّى، فمَرَّ على النِّساء، فقال: «يا معشر النِّساء تَصَدَّقن، فإنِّي أُرِيتُكنَّ أكثرَ أهلِ النَّار» فقُلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: «تُكثِرْنَ اللَّعن، وتَكفُرن العَشير، ما رأيتُ مِن ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أذهبَ للُبِّ الرَّجل الحازم مِن إحداكن!»، قُلن: وما نقصانُ دينِنا وعقلِنا يا رسول الله؟ قال: «أليسَ شهادةُ المرأةِ مثل نصفِ شهادةِ الرَّجل؟» قُلن: بلى، قال: «فذلك مِن نقصان عقلِها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟» قلن: بلى، قال: «فذلك مِن نقصانِ دينِها» مَّتفق عليه (^١).\nوفي رواية مسلم: «أمَّا نقصان العقلِ: فشهادةُ امرأتين تعدل شهادةَ رجلٍ، فهذا نقصان العقل، وتمكثُ اللَّيالي ما تصلِّي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدِّين».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الحيض، باب: ترك الحائض للصوم، رقم: ٣٠٤)، ومسلم في (ك: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق، رقم: ١٣٢).","vol":"3","page":1605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>المَطلب الثَّاني\nسَوق دعاوي المعارضات الفكريَّة المعاصرة\nلحديث ناقصات عقلٍ ودين</span>\nأُورد على هذا الحديث جملةٌ من الاعتراضات، نجملها في التَّالي:\nالاعتراض الأوَّل: أنَّ في كون النِّساء أكثر أهل النَّار: تفضيلًا للرِّجال على جِنسِهنَّ بأخلاقٍ فُطرن عليها في أصلِ الخِلقة حسب الحديث.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول سامر إسلامبولي: «المفهوم من هذه النُّصوص هو غياب العنصر الذُّكوري من النَّار إلى الحدِّ الأدنى، أي هم الأقليَّة في النَّار، ووجود الذُّكور في الجنَّة إلى الحدِّ الأعلى، أي هم الأكثريَّة، فالجنَّة للذُّكور، والنَّار للنِّساء ..» (^١).\nويقول محمَّد زُهير الأدهمي: «يكفُرن العشير والإحسان! عبارات ذات دلالة على نوعٍ من البشر رخيصٍ عديم الإخلاص والوفاء، وهنَّ مفطورات على ذلك الخُلُق، فالحديث وصفٌ لطبيعتهنَّ، وتقريرٌ في أنَّهن كذلك مُقيمات على ذلك طبعًا وغريزة مغروزةً فيهنَّ، فلماذا يُحاسَبهنَّ على ذلك الحسابَ العسير؟!» (^٢).\n_________\n(^١) «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٣٩).\n(^٢) «قراءة في منهج البخاري ومسلم في الصحيحين» (ص/٢٠٤).","vol":"3","page":1606},{"text":"الاعتراض الثَّاني: أنَّ وصفَ النِّساء بنقص العقل تحقير لهنَّ، وهو مخالف للآيةِ نفسِها المُستشهد بها على ذاك النَّقص! وذلك في قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، حيث بيَّن الله فيها أنَّ علَّة اعتبارِ شهادة المرأة نصفَ شهادة الرَّجل هو نسيانها، لا نقص عقلِها كما في الحديث.\nيقول إسلامبولي: «جعلُ الشَّهادة في الذِّمم الماليَّة لامرأتين عِوضًا عن رجل، ليس ذلك عائدّا لقصور ونقصان عقل المرأة أبدًا، والآية لم تذكر ذلك، بل صرَّحت بالسَّبب إلى أنَّه إذا ضلَّت إحداهما فتُذكِّرها الأخرى ..» (^١).\nويقول زُهير الأدهمي: «معنى: تضِلَّ -أي في الآية- تنسى، بالإجماع فيما اطَّلعتُ عليه من مصادر .. والنِّسيان حالة نفسيَّة لا عقليَّة كما هو مشهور عند علماء وأطبَّاء النَّفس، هذه الحالة الَّتي هي نتيجة لتعرُّض المرأة إلى الحيض، فجسم المرأة يفرز هُرموناتٍ قبل فترة الحيض وفي أثنائها تؤدِّي إلى الشُّعور بالتَّوتر والضَّغط النَّفسي، ممَّا يؤدِّي بدوره إلى قلَّة التَّركيز وإمكانيَّة النِّسيان عند المرأة، فالنِّسيان على ذلك عارض، أسبابه نفسيَّة خالصة .. والنَّص القرآني لا يحتوي على أيَّة إشارة إلى أنَّ السَّبب في ذلك قلَّة عقلها .. وحدَّده باحتمال النِّسيان، هذا السَّبب الَّذي لا علاقة له بالعقل على الإطلاق» (^٢).\nثمَّ يبني الأدهميُّ على هذه المعارضة المتوهَّمة لمعنى الآية، أنَّ وصفَ الحديث النِّساء بقلَّة العقل امتهانٌ لجنسهنَّ، فإنَّ قلَّة العقل مُنبئة عن حُمق صاحبه!\nفيقول: «ما زلت أرى صعوبة كبيرةً في تحديد المدلول لعبارة (نقص العقل)، هل هو الحمق؟ ..» (^٣)؛ ثمَّ نقل عبارةً لابن منظورٍ في شرحهِ لفظَ (الحُمق) بأنَّه «قلَّة العقل ..» (^٤)، ولفظ (الطَّيش) بأنَّه «خفَّة العقل» (^٥)، ليخرُج\n_________\n(^١) «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٤١).\n(^٢) «قراءة في منهج البخاري ومسلم في الصحيحين» (ص/١٩٩).\n(^٣) «قراءة في منهج البخاري ومسلم في الصحيحين» (ص/٢٠٩).\n(^٤) «لسان العرب» (١٠/ ٦٧، مادة: ح م ق).\n(^٥) «لسان العرب» (٦/ ٣١٢، مادة: ط ي ش).","vol":"3","page":1607},{"text":"بعدُ مُرتاحَ النَّفسِ بـ «أنَّ وصفَ المرأة في هذا الحديث يكون على أنَّها صاحبة طيشٍ وحُمقٍ ..»!\nالاعتراض الثَّالث: أنَّ الدِّين في حقيقته امتثالُ العبدِ الأمرَ واجتنابُه النَّهيَ، فوصفُ النِّساء بنقصِ الدِّين لتركهنَّ ما أُمِرن بتركِه في أصل الشَّرعِ يأباه العدل الإلهيُّ.\nيقول صالح أبو بكر: «التَّعليل الوارد في الحديث لنقصان دين المرأة بسبب حيضها تعليلٌ لا يصدر عن النَّبي ﷺ، لأنَّه خير مَن يعلم ويؤمن بعدالة الله في الخلق، .. إذا كان الحيض والنِّفاس طبيعةً مؤلمةً، كُتب على المرأة أن تعانيها كلَّ شهرٍ وكلَّ ولادة، فكيف يكتب الله عليها ما تتوجَّع منه، ثمَّ يجازيها في النِّهاية بجزاء المُتسبِّب في نقص دينه وعقله؟!» (^١).\nويقول الإسلامبولي: «الدِّين هو الإيمان بالله واليوم الآخر والرِّسالة، وهذا حاصل وقائم في نفس المرأة في حالة الحيض والنِّفاس بشكل لازم، فليس عندها شكٌّ في ذلك أو نقصان ..» (^٢).\nويقول الأدهميُّ: «إنَّ المرأة عندما تُختصُّ بالرُّخصة في أمر صلاتِها وصيامِها وقتَ الحيض والنِّفاس والرَّضاعة، لا يجوز وصفها بناقصة الدِّين، لأنَّها استعملت الرُّخصة، كما أنَّ الرَّجل المسافر لا يمكن أن يوصف بنقص الدِّين حين يقصر الصَّلاة ويجمع، ولو كان السَّفر من طبيعة شغله، فالله يُحبُّ أن تُأتى رُخصه كما يُحبُّ أن تُؤتى عزائمه، فكيف نَصِف مَن يأتي الرُّخصة بنقص الدِّين؟! ..» (^٣).\n_________\n(^١) «الأضواء القرآنية» (ص/١٣٠).\n(^٢) «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٤٢).\n(^٣) «قراءة في منهج البخاري ومسلم في الصحيحين» (ص/٢١٠).","vol":"3","page":1608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>المَطلب الثَّالث\nدفع دعوى المعارضات الفكريَّة المعاصرة\nعن حديث ناقصات عقلٍ ودين</span>\nأمَّا دعوى المُعترضَيْن على الحديث تحيُّزَه للرِّجال ضدَّ النِّساء:\nفليس في الحديث شيء مِن ذلك، ولا فيه إهانة للنِّساء وتحقير لقيمتهنَّ كما زعموه وأرادوا فهمَه مِن الحديث عنوةً؛ إنَّ الحديث مجرَّد إخبار نبويٍّ صادقٍ عن أمرٍ واقع في المستقبل، أدَّى إليه سببٌ قد بيَّنه المُخبر نفسُه ﷺ في خبرِه، تحذيرًا للمُخاطب مِن أن يشارك في ذاك الواقعِ بإتيانِه لسببِه.\nوقد بيَّن ﷺ أنَّ مَن كانت حاله حالَ أهل النَّار، فإنَّ فيه دواء مِن ذلك بالاستغفار وإكثار الصَّدقة بقوله ﷺ لهن: «تصدَّقن وأكثِرن الاستغفار ..».\nفالنَّبي ﷺإذن- لا يصدر حكمًا في الخبر على أحدٍ، ولا هو فَضَّل فيه نوعًا على نوع، إنَّما هو حكاية منه لحالٍ واقعٍ أوحاه له الله به، بيَّن سبَبَه، وسبيلَ النَّجاة منه.\nيظهر هذا المعنى المُراد من الحديث، بحديثٍ آخر يُساويه في قوَّة السَّند، ويَزيد عليه في تكرُّر سِياقاتِه وتعدُّد رواياته، هذا الحديث قوله ﷺ: «اطَّلَعتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفُقراءَ، واطَّلَعتُ في النار فرأيتُ أكثرَ أهلها النِّساءَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم: ٣٢٤١)، ومسلم في (ك: الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، رقم: ٢٧٣٧).","vol":"3","page":1609},{"text":"فهذا الحديث، إن كان الشَّطر الأوَّل مِنه لن يَفهم منه كَيِّسٌ تفضيلًا للفقرِ على الغِنى والسَّعة، ولا حَثًّا للأمَّةِ على الافتقار والمَسكنة، فكذا ينبغي -تبعًا- ألَّا يُفهم مِن شطرِه الثَّاني تنقُّصًا مِن جنسِ النِّساء، ولا حَطًّا لقدرهنَّ!\nوعليه نقول أنَّ الواقع المُخبر عنه في الحديث: هو كثرة النِّساء على الرِّجال في النَّار يوم القيامة، وليس في الخبرِ ذكرٌ لنسبةِ هذه الكثرة النِّسوية مقارنةً بعدد الرِّجال، ولا فيه الفارق بينهما أكبيرٌ هو أم صغير؛ هذا قد سَكت الحديث عنه.\nفدعوى المُعترض «غيابَ العنصرِ الذُّكوري مِن النَّار إلى الحدِّ الأدنى .. ووجود الذُّكور في الجنَّة إلى الحدِّ الأعلى .. فالجنَّة للذُّكور، والنَّار للنِّساء» (^١): تخرُّصٌ منه لا دليل عليه، ولا طائل منه إلَّا مجرَّد التَّهويل.\nبل على النَّقيضِ منه، قد رجَّح بعض المُحقِّقين من أهل العلم كونَ النِّساء أكثر أهل الجَّنة في المآل أيضًا! بدلالةِ الأحاديث نفسِها الَّتي يَمتعض منها المُخالف؛ فإنَّ لكلِّ رجلٍ مِن أهل الجَّنة زوجتان مِن الإنسيَّات، كما جاءت به روايةٌ عن محمَّد بن سيرين، يُخبر فيها تذاكرَهم ذات يومٍ في الرِّجال: أهم في الجنَّة أكثر أم النِّساء؟ فقال لهم أبو هريرة ﵁: أَوَ لم يقُل أبو القاسم ﷺ: «إنَّ أوَّل زمرةٍ تدخلُ الجنَّةَ على صورةِ القَمر ليلةَ البَدر، والَّتي تَليها على أضوإِ كوكبٍ دُريٍّ في السَّماء، لكلِّ امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يُرى مُخُّ سوقِهما مِن وراءِ اللَّحم، وما في الجنَّة أعزب»؟ (^٢)\nفظاهرُ احتجاج أبي هريرة ﵁ على أنَّ النِّساء أكثر في الجنَّة: أنَّ الجنَّة إذا خَلَت عن العُزَّاب، وكان لكلِّ واحدٍ زوجتان، كان النِّساء مِثْلَيْ الرِّجال، فدلَّ على أنَّهن فيها أكثر مِن الرِّجال (^٣).\n_________\n(^١) «تحرير العقل من النقل» لسامر إسلامبولي (ص/٢٣٩).\n(^٢) رواه مسلم في (ك: الجنة وصفو نعيمها وأهلها، باب: أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم، رقم: ٢٨٣٤).\n(^٣) «طرح التثريب» (٨/ ٢٧٠).","vol":"3","page":1610},{"text":"قال القاضي عياض: «.. هذا كلُّه في الآدميَّات، وإلَّا فقد جاء أنَّ للواحدِ مِن أهلِ الجنَّة مِن الحوريَّات العدد الكثير» (^١)، وذلك لمِا في «الصَّحيحين» وغيرهما مِن حديثِ عبد الله بن قيس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «في الجنَّة خيمةٌ مِن لؤلؤةٍ مجوَّفة، عرضُها ستُّون ميلًا، في كلِّ زاويةٍ منها أهلٌ ما يَرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن» (^٢).\nولا يُعارضه ما في حديث البابِ مِن كونِ النِّساء أكثر أهل النَّار، إذْ لا يلزم مِن أكثريَّتهن في النَّار نفيُ أكثريَّتِهنَّ في الجنَّة كذلك (^٣)! بل نخرجُ مِن جملةِ هذه الأحاديث أنَّ أكثرَ بني آدمَ هم النِّساءُ (^٤).\nوعليه قال ابن تيميَّة: «.. النِّساء أكثر مِن الرِّجال، إذ قد صحَّ أنهنَّ أكثر أهل النَّار، وقد صحَّ لكلِّ رجلٍ مِن أهل الجنَّة زوجتان مِن الإنسيَّات سِوى الحور العين، وذلك لأنَّ مَن في الجنَّة مِن النِّساء أكثر مِن الرِّجال، وكذلك في النِّار، فيكون الخلق منهم أكثر» (^٥).\nأمَّا ما قد يُشكل على هذا التَّقرير، ممَّا جاء عن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا: «.. مِن أنَّ أقلَّ ساكني الجنة النِّساء» (^٦): فيحتملُ أنَّ يكون الرَّاوي رواه بالمعنى الَّذي فهمه مِن أنَّ كونهنَّ أكثرَ ساكني النَّار، يلزم منه أنْ يكُنَّ أقلَّ ساكِني الجنَّة؛ وليس ذلك بلازمٍ لما قدَّمته؛ ويحتمل أن يكون ذلك: في أوَّل الأمر قبل\n_________\n(^١) «إكمال المعلم» (٨/ ٣٦٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: بدء الخبق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم: ٣٢٤٣)، ومسلم في (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفة خيام الجنة وما للمؤمنين فيها من الأهلين، رقم: ٢٨٣٨) واللفظ له.\n(^٣) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٢٥).\n(^٤) «إكمال المعلم» (٨/ ٣٦٦).\n(^٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٤٣٢)، ولا يُتعقَّب على هذا بأنَّ الإحصاءات الأُمميَّة المعاصرة تثبت تفاوتًا بين أعداد الرِّجال بالنِّسبة للنِّساء مِن بلدٍ إلى آخر، فإنَّ الأكثريَّة المقصودة هنا هي مجموعِ النِّساء والرِّجال من زمن آدمَ إلى قيام السَّاعة، فلا يُعارض هذا بإحصائيَّة مؤقَّتة بجيلٍ أو بلدٍ معيَّن.\n(^٦) أخرجه مسلم في (ك: الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، رقم: ٢٧٣٨).","vol":"3","page":1611},{"text":"خروج العُصاة مِن النَّار بالشَّفاعة، ولذلك أكَّدتُ على أنَّهن أكثر أهل الجنَّة مآلًا على كلِّ حال (^١).\nنعود إلى حديثنا، فنقول: لقد بيَّن النَّبي ﷺ للنِّساء وجهَ أكثريَّةِ نوعهنَّ في النَّار، حين رَبط ذلك بكثرةِ إتيانِه لمُوجِبَتين مِن مُوجباتِ العذاب، هما اللَّعن وكفران العشيرِ، فهذان وإنْ كانا في الرِّجال أيضًا، لكنَّهما في النِّساء أكثر وأظهر.\nوذلك أنَّ ضعيفًا في جسده، محدودًا في سُلطته -مثل النِّساء-، إذا غضِب وأرادَ الانتقام والتَّشفي مِمَّن يراه قد آذاه أو أغضبه، قد لا يملك إلَّا لسانه لتصريف ذلك عليه! فيسوِّل الشَّيطان له حينها تردادَ السَّب له واللَّعنِ، وكثرة اللَّعن مظنَّة لوقوِعه على غير مُستحقِّه، فيرجع إثمه على اللَّاعن.\nوكذا يَأُزُّه إلى غمطِ فضل مَن أحسن إليه، وهو قِحة في إنكارِ الجميل، لا يجوز ولو على وجهِ المُغاضبة؛ فهنا ينقلب المظلوم ظالمًا، وأحرى به أن يكون مُستقبحًا بين الزَّوجين خاصَّة، لما في ذلك من عواقب وخيمةٍ على البيتِ وحقوقِ الزَّوجيَّة.\nحتَّى عُدَّ هذا الكُفران كبيرةً بذاته، بخلاف اللَّعن الَّذي قُيِّد في الحديث بالكثرة، والصَّغيرة إنَّما تصير كبيرةً بالكثرة (^٢).\nثمَّ إنَّا لسنا ندَّعي -مع ذلك- فُشوَّ هذه الأخلاقِ الانفعاليَّة المذمومة في كلِّ النِّساء! حاشَى لله؛ فلسن كُلُّهن ينجرِرْنَ وراء الشَّيطانِ إرضاءً لدواخِلهنَّ ولو بحرام، أو شفاءً لصدروهنَّ بزور الكلام، بل فيهنَّ التَّقيَّات المُوفَّقات، الكابحات لجماحِ أهوائهنَّ في المخاصماتِ والمغاضبات، العالماتِ بوخيمِ حصائدِ الألسنة على أصحابِها في النَّار.\nوفي ذلك دلالة واضحة على أنَّ ما ذُكر من المَذامِّ، ليس أمرًا قد فُطِر النِّساء عليه جبرًا، ولا ما يَعقُب ذلك مِن عذابٍ قَدرًا محتومًا على أفرادِهنَّ،\n_________\n(^١) انظر «التوضيح» لابن الملقن (١٩/ ١٢٨)، و«طرح التثريب» (٨/ ٢٧٠).\n(^٢) «الآداب الشرعية» لابن المفلح (١/ ٣١٤).","vol":"3","page":1612},{"text":"بحيث لا تستطيع إحداهُنَّ الانفكاك عنها، إذن لمَا كان لتحذيرِ النَّبي ﷺ إيَّاهنَّ إتيانها وأمرِهنَّ بتوقِّي عقابِها أيَّةُ فائدة!\nهنا يُعجبني كلامُ سديدٌ (لمحمَّد الغزالي) عن الحديثِ، يوضِّح فيه المقصودَ مِن خطابِ النَّبي ﷺ للمسلماتِ بهذا التَّحذير الشَّديد، ويَردُّ فيه على منَ حَرَّف معناه فيقول: «إنَّ عَرْض الحديث النَّبوي دون فقهٍ صالحٍ لَونٌ مِن تحريف الكلام عن مواضعِه، ومُصَاب الإسلام شديد مِن هذا التَّصرُّف! ..\nصدْرُ هذا الحديث يَقِي الأسرةَ الإسلاميَّة شرًّا يَشِيعُ بين النَّاس، جُرثومتُه امرأةٌ تحيَا على خيرِ رَجُلِها، وتُنكِر فَضله وتَجحَد حقَّه؛ قد يُخطئ الرَّجل، وكلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ، وينبغي أن تتجاوز المرأة هذا الخطأ العارض، وربمَّا كان الخطأ مِن وِجهة نظرها هي، ولكنها بدَلَ ذلك تَغضبُ غَضبًا طائشًا! وتَنْسَى في ثورتها كلَّ شيء، وتزعُم أنَّها ما رأت خيرًا قطُّ من زوجها، وقد تلعَنُ نفسَها وحظَّها وما حدَث أو ما يَحدث لها.\nأليس مِن حقِّ النَّبي ﷺ أن يُحذِّر مِن هذا المسلك، وأن يَذْكُرَ لصاحباتِه أنَّهنَّ إنْ أصرَرْنَ عليه يَكُنَّ مِن أهل النَّار؟! ..» (^١).\nأمَّا زعم المُعارض في شُبهته الثَّانية من أنَّ وصفَ النَّبي ﷺ للنِّساء في الحديث بنقص العقل تحقير لهنَّ، وأنَّه مخالف لآيةِ سورةِ البقرة، والَّتي ذكرت علَّة النِّسيان فيهنَّ لا نقصان عقلهنَّ ... إلخ.\nفمنشأ الشُّبهة عنده غلطه في تصوُّر المُراد من نُقصان العقل، حيث توهَّم أنَّ العقل في الحديث بمعنى «القوَّة الَّتي يُميَّز بها بين حقائقِ المعلومات» (^٢)، وعليه ظنَّه يشير إلى حُمقِ النِّساء أو طيشهنَّ!\n_________\n(^١) «مائة سؤال عن الإسلام» لمحمد الغزالي (ص/٣٩١).\n(^٢) انظر «إكمال المعلم» (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩).","vol":"3","page":1613},{"text":"فهذا المعنى الَّذي جعله المُرادَ من الحديث، ليس إلَّا معنًى مِن معاني العقل! ليس هو معنى العقل كلِّه (^١)، وليس هو المُراد من الحديث حتمًا! إذ بيَّن النَّبي ﷺ نفسُه ماذا أراد مِن معناه فيه، حين جَعل مُقتضاه عدمَ مساواةِ شهادة المرأة لشهادة الرَّجل، من قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nفإذا كان المُراد بالضَّلال في الآية: النِّسيان (^٢) -إذ استظهار الشَّاهدة بأخرى مؤذِنٌ بقلَّة ضبطها في الأصل- فإنَّ مُراد النَّبي ﷺ بالعقل في الحديث هو ما به يُضبط العلم ويُثبَّت، وهذا معنًى من معاني العقل صحيحٌ، «وهي طريقة مَن اتَّبع حكمَ اللُّغة؛ لأنَّ العلم والعقل في اللِّسان بمعنًى واحد، فلا يفرِّقون بين قولهم عَقَلْتُ وعلمْتُ» (^٣).\nفإذا كان معنى العقل هنا راجعًا إلى أصلِه في اللُّغة، وهو ضبط المعلومةِ وتثبيتها في الذِّهن: فإنَّ وصفهنَّ في الحديث بنقصِ العقلِ لأجلِ النِّسيان وقلَّة الضَّبط هو على ظاهره؛ لأنَّ ذلك نقصٌ في المعلوم، وضبط المعلومِ وحفظه مِن أظهر مهامِ العقلِ ووظائفه، فإذا كان النَّقص في الصَّفات نقصًا في الموصوف بداهةً، فإنَّ النَّقص في هذه الوظائف العقليَّة نقصٌ في العقل، لكنَّه نقصٌ من جِهة ضعفِ بعضِ الصِّفاتِ، وليس نقصًا مُطلقًا.\nيقول ابن تيميَّة: «.. العقل مصدرُ عَقل يعقِل عقلًا: إذا ضَبَط وأمسَكَ ما يعلَمه؛ وضبط المرأةِ وإمساكها لمِا تعلمه أضعفُ مِن ضبطِ الرَّجل وإمساكِه، ومنه سُمِّي العِقال عِقالًا، لأنَّه يُمسك البعيرَ ويجرُّه ويضبِطه، وقد شبَّه النَّبي ﷺ ضبطَ\n_________\n(^١) على خلافٍ بين العلماء في حَدِّ العقل المشتَرَطِ في حَدِّ التَّكليف ليس هذا موضع ذكره انظر في ذلك «ماهية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه» للمحاسبي (بدءً من ص/٢١٠)، و«البرهان» للجويني (١/ ١٩)، و«قواطع الأدلة» للسمعاني (١/ ٢٧).\n(^٢) مأخوذ مِن قولهم: ضلَّ الطَّريق: إذا أضاعه ولم يهتد له، «الكشاف» للزمخشري (١/ ٣٢٦).\n(^٣) «إكمال المعلم» للقاضي عياض (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩).","vol":"3","page":1614},{"text":"القلبِ للعلمِ بضبطِ العِقالِ للبَعير، فقال في الحديث المتَّفق عليه: «استذكروا القرآن، فلَهُو أشدُّ تفصِيًّا (^١) مِن صدورِ الرِّجال مِن النَّعَم مِن عُقلِها» (^٢).\nوقال: «مَثَل القرآن مثل الإبل المُعقلَة، إن تعاهدها صاحبها أمسكَها، وإن أرسلها ذَهبت» (^٣).\nوفي الحديث الآخر: (أَعقِلُها وأتوكَّل أو أرسلها؟ فقال: بل اعقِلها وتوكَّل) (^٤).\nفالعقل، والإمساك، والضَّبط، والحفظ، ونحو ذلك، ضدُّ: الإرسال، والإطلاق، والإهمال، والتَّسيِيب، ونحوِ ذلك، وكلاهما يكون بالجسم الظَّاهر للجسم الظَّاهر، ويكون بالقلبِ الباطن للعلم الباطن، فهو ضبط العلمِ وإمساكه، وذلك مستلزم لاتِّباعه، فلهذا صار لفظ العقل يُطلق على العملِ بالعلم، كما قد بسطنا الكلام على مُسمَّى العقل وأنواعه في غير هذا الموضع» (^٥).\nهذا؛ وإنَّ وَصفَ النِّساء بنُقصانِ العقلِ على الوجه الَّذي شرحناه، إنَّما هو باعتبار الغالب، إذْ «الحكم على الكلِّ بشيءٍ، لا يستلزم الحكم على كلِّ فردٍ مِن أفراده بذلك الشَّيء» (^٦).\n_________\n(^١) تفَصِّيًا: أي تفلُّتا وتخلُّصا، تقول: تفصَّيت كذا، أي أحطتُ بتفاصيله، والاسم الفَصَّة، «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، رقم: ٥٠٣٣)، ومسلم في (ك: الصلاة، باب: الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا، وجواز قول أنسيتها، رقم: ٧٩٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه في (ك: الأدب، باب: ثواب القرآن، رقم: ٨٧٣٨)، وأحمد في «المسند» (رقم: ٤٧٥٩، ٤٨٤٥) بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر.\n(^٤) أخرجه الترمذي في (ك: صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ، رقم: ٢٥١٧) وقال: «وهذا حديث غريب من حديث أنس لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أمية الضمري، عن النبي ﷺ نحو هذا»، والحديث حسَّنه الألباني في تخريجه لـ «مشكلة الفقر» (ص/٢٣)، والأرناؤوط في تخريجه لـ «صحيح ابن حبان» (٢/ ٥١٠).\n(^٥) «بغية المرتاد» لابن تيمية (ص/٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٦) «إرشاد السَّاري» للقسطلاني (١/ ٣٤٧).","vol":"3","page":1615},{"text":"لكن لعلَّ المُعترضَ ينكر أنَّ النِّسيانَ يَعرِض للنِّساء أكثرَ مِن الرِّجال! وهذا إن دَلَّت عليه الآية الكريمة في البقرة، فإنَّا ننبِّهُه إلى أنَّ علماء الأعصابِ قد شهدوا أنَّ في ذاكرة المرأة ضَعفًا بالنسبةِ إلى ذاكرة الرَّجل، وأنَّها لا تستحضر الماضي كما يستحضره الرَّجل، هذا في الجملة.\nيشهد بهذا البروفيسور (أُوتو فِينْجِر) الطَّبيب النَّمساوي، في كتابه المسمَّى «الجنس والأخلاق»، حيث أثبتَ أنَّ في ذاكرة المرأة ضعفًا مقارنةً بمثيلتها عند الرَّجل، فقال: «إنَّ التَّذكر هو التَّغلب على ما مضى مِن الزَّمن، واستحضاره في الذِّهن، ولا يمكن للمرأة -لأسبابٍ عضويَّة ونفسيَّة- السَّيطرةُ على هذه الموهبة؛ لأنَّ حياتها متقطِّعة، لا تذكر منها إلَّا اليسير؛ بخلاف الرَّجل، فإنه يمكنه تتبُّع سلسة حياته حلقةً فحلقة، ولا يغيب عنه جوهرها في أيِّ وقتٍ مِن الأوقات ..» (^١).\nبل زاد عليه آخرون بأن قرَّروا ضعفَ القُوَّة العاقلة لدى النِّساء مُقابل الرِّجال؛ والجيِّد في هذا أنَّ أبرز مَن أقرَّ منهم بهذا امرأة طبيبة! تُدعى (إليانور ماكُّوبي  Eleanor maccoby)؛  وذلك في بحثٍ لها نشرته عُدَّ مِن أفضلِ ما قُدِّم في مجالِه في سِتِّينات القرن الميلاديِّ الماضي، أثبتت فيه تفوُّق الرِّجال على النِّساء في درجات الذَّكاء والمهارات العقليَّة، لاختلاف التَّركيبة الدِّماغية عند كلٍّ منهما، حتَّى صَرَّحت -بعد تجارب وملاحظات عديدة- بضعفِ الإنتاجِ النِّسوي والابتكار المفيد منهنَّ، أمامَ ما ينتجه الرِّجال في ميادين العلوم والأدب (^٢)!\nفلست أدري ما يقول المُعارض لهؤلاءِ المُتخصِّصين، وهو يدَّعي أنَّ النِّسيان مجرَّد عارضٍ لحالةٍ نفسيَّةٍ «لا علاقة له بالعقل على الإطلاق» (^٣)!\n_________\n(^١) (ص/٩٤ - ١١٦)، والنَّص منقول مِن مقالٍ لمحمَّد الخضر حسين -شيخِ الأزهر- بعنوان «كتاب يلحد في آيات الله»، منشور في مجلَّة «نور الإسلام» (العدد الثامن، من المجلد الأول الصادر في شهر شعبان ١٣٤٩ هـ)، وهو في «موسوعة أعماله الكاملة» (١/ ٢/١٦٨)، نَقَد فيه كتاب «امرأتُنا في الشَّريعة والمجتمع» للطَّاهر حدَّاد.\n(^٢) انظر كتاب:\n\"  Encyclopedia of women and geder\" for judih worell (p/٥٥٢ - ٥٥٣).\n(^٣) «قراءة في منهج البخاري ومسلم في الصحيحين» للأدهمي (ص/١٩٩).","vol":"3","page":1616},{"text":"ماذا يقول مُدَّعو التَّسوية المُطلقة بين الذُّكور والإناثِ في كل شيءٍ، أمام هذه المُقرَّرات العلميَّة الَّتي تعرضها امرأةٌ باحثةٌ؟! إنَّهم يعترفون مُكرَهين بهذه الفروق المَحسوسة، «بيْد أنَّهم يَردُّون وجودَها إلى التَّقاليد الاجتماعيَّة الَّتي تسود العالم؛ ولَعمري إنَّ هذه التَّقاليد مُحِيَت بالحديدِ والنَّار في روسيا وغيرها مِن الدُّوَل الحمراء، ومع ذلك، وبعد نصفِ قرنٍ مِن التَّجربة الهائلة، لا تزال المرأة في وضعها الثَّاني، والرَّجل في المرتبة الأولى!» (^١).\nنعم؛ يوجد من النِّساء من يفُقن رجالًا عقلًا وضبطًا (^٢)، ورجالٌ تحكمهم أحيانًا نساء! غير أنَّ الشُّذوذ لا يخدش القاعدة، بل يؤكِّد أنَّ الأصل كون المرأة دون الرَّجل في التَّفكير الموضوعيِّ والتَّدبير وإدارة المخاطر، وليس هذا عيبًا فيهنَّ مَعاذ الله! بل كمال في جنسهنَّ، فلو كُنَّ كالرِّجال في صلابة عقولهم ومنطقيَّتها ونقص عاطفتهم مقارنةً بهنَّ: لكان في ذلك جرحًا في أنوثتهنَّ! ولاختلَّ نظام الحياة بأكمله.\nفسبحان الَّذي أعطى كلَّ شيءٍ خلقه ثمَّ هدى.\n_________\n(^١) «حقوق الإنسان» لمحمد الغزالي (ص/٩٢).\n(^٢) انظر «الكوثر الجاري» للكوراني (١/ ٤٥٦).","vol":"3","page":1617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>المَبحث الرَّابع\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث: «لَنْ يُفلح قَومٌ وَلَّوا أمرَهم اِمرأةً»</span>","vol":"3","page":1619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديث «لَنْ يُفلح قَومٌ وَلَّوا أمرَهم اِمرأةً»</span>\nعن أبي بكرة ﵁ قال:\nلقد نَفَعني الله بكلمةٍ سمعتُها مِن رسولِ الله ﷺ أيَّامَ الجَمل، بعد ما كِدْتُ أن ألحَقَ بأصحابِ الجَمَل، فأقاتلَ معهم، قال: لمَّا بَلَغ رسولَ الله ﷺ أنَّ أهلَ فارسٍ قد مَلَّكوا عليهم بنتَ كِسْرَى، قال: «لنْ يُفلِح قَومٌ وَلَّوا أمرَهم امرأةً». رواه البخاريُّ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: المغازي، باب: كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، رقم: ٤٤٢٥).","vol":"3","page":1621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ: «لنْ يُفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأةً»</span>\nأكثرُ مَن ترى مُغتَاضًا مِن حديثِ أبي بكرة ﵁ هذا أولئك المُنافِحون عن المساواةِ المطلقةِ بين الجِنسَيْنِ، الصَّارِخون بحَقِّ النِّساءِ في المَناصبِ السِّياسيةِ العامَّةِ والمَهامِ القَضائيَّة، النَّاعون على الفقهاء تغاضيهم عمَّا لحق المسلماتِ من ظلمٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ مُستنده مثل هذا الخبر الغريب!\nتقول فاطمة المرنيسيّ (^١): «هذا الحديث هو الحجَّة الحاسمة لأولئك الَّذين يريدون إبعادَ النِّساء عن السِّياسية، كما نجده عند السُّلطات المعروفة بتشدُّدها مثل أحمد بن حنبل! .. هذا الحديث هامٌّ جدًّا، بحيث يستحيل عمليًّا التَّعرُّض لمسألة الحقوق السِّياسيَّة للمرأة دون الرُّجوع إليه ومناقشته واتِّخاذ موقف منه» (^٢).\nويُعينهم على طَيْشِهم هذا زُمرةٌ مِن الإسلامِيِّين مُنكرين للحديث، على تفاوت بينهم في طُرق الاعتراضِ عليه وعلى ما ورد من الأخبار في ذلك، أكان\n_________\n(^١) فاطمة المرنيسي: كاتبة أكاديمية مغربية، متخصصة في الشأن النسوي، وُلدت بفاس سنة ١٩٤٠ م، وسافرت لفرنسا وأمريكا لإكمال دراستها، ثم عملت بجامعة محمد الخامس، وهي معدودة من رموز الحركة النسوية العلمانية العربية، من مؤلفاتها: (الحريم السياسي)، و(ما وراء الحجاب)، توفيت سنة ٢٠١٥ م بألمانيا.\n(^٢) «الحَريم السِّياسي، النَّبي والنِّساء» لفاطمة المرنيسي (ص/١٤).","vol":"3","page":1622},{"text":"مِن جهةِ الإنكار له جملةً، أو قَبولِه بنوعِ تحريفٍ لمعناه بما يَؤولُ في النِّهايةِ إلى شَرْعَنةِ مَطالِبِ النِّسْوِيِّين.\nوليس مِن وُكدِنا هنا مناقشةُ تأويلاتِ القوم، ما داموا مُعترِفين بِصِحَّتِه، فإنَّ الهِمَّة مَصروفةٌ في هذا البحث إلى مناقشةِ ما يُبديه المُبطِلونَ مِن مُعارَضاتٍ لإبطالِ الحديثِ دون غيرهم.\nومُحصَّل حُجَّجِهم في انتقاضه متركِّزةٌ في دعوى مخالفتِه للواقِع والتَّاريخ، حيث اكتشفوا أنَّ مِن النِّساء مَن توَّلينَ منصبَ الحكمِ في القديم والحديث، فأفلحنَ في إدارة شؤون الدَّولة وتقوِيتِها على أحسنِ وجهٍ!\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (محمَّد سليمان الأشقر):\n«إنَّ مِمَّا يدلُّ على بطلانِ هذا الحديث: أنَّه يَقتضي أنَّه لا يُمكن أن يُفلِح قَومٌ تَتولَّى رئاسةَ دولتِهم امرأةٌ في حالٍ مِن الأحوال، ومعنى هذا: أنَّه لو وُجِدت امرأةٌ على رأسِ إحدى الدُّوَل، ونَجَحت تلك الدَّولة في أمورِها الدُّنيويَّة، فيكون ذلك دالًاّ على أنَّ هذا الحديث كذِبٌ مَكذوب على النَّبي ﷺ!\nوقد وُجِد في العصور الحديثة دُوَلٌ كثيرة تَوَلَّت رئاستَها نساءٌ، ونَجَحت تلك الدُّوَل نَجاحاتٍ باهرةٍ تحت رئاسةِ النِّساء، نذكرُ مِن ذلك: رئاسةَ (أندِيرًا غانْدي) للهند، ورئاسةَ (مارْغَريت تاتْشِر) لبريطانيا، وغيرهما كثيرٌ في القديم والحديث، وإنَّما قُلنا في الأمورِ الدنيويَّة، لأنَّ الحديث وَرَدَ على ذلك» (^١).\nويقول (جمال البنَّا): «إنَّ القرآن نفسَه امتدحَ حكمَ امرأةٍ، وهي مَلكة سَبَأ، .. وكيف أنَّها أنقذَت قومَها من الحرب، بعد أن أشارَ عليها كبراؤُها ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣]، ولا يُمكن لحديثٍ صحيحٍ أن يُخالف وقائعَ التَّاريخَ الثَّابتة، ولا نصوصَ القرآن الصَّريحة» (^٢).\n_________\n(^١) من مقال له في جريدة «الوطن» الكويتية، بتاريخ (٢٩/ ٥/٢٠٠٩ م) بعنوان: «نظرة في ألأدلة الشرعية حول مشاركة المرأة في الوظائف الرئاسية والمجالس النيابية ونحوها».\n(^٢) «المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء» لجمال البنا (ص/٨٣).","vol":"3","page":1623},{"text":"ولم يُغفِل الطَّاعنونَ في الخَبرِ، أن يُسَوِّغوا إبطالَهم لمتنِه، بالتَّفتيش عن عِلَّتِه في الإسناد؛ فلم يَجِدوا ضحِيَّةً فيه يُعلِّقون عليه آفة متنِه -بزعمهم- إلَّا الصَّحابيَ راويه! أعني به أبا بكرةَ نفيع بن الحارث الثَّقفي ﵁.\nفقالوا: قد جَلَده عمر ﵁ في شهادتِه مع اثنينِ آخرين على المُغيرة بن شعبة ﵁ بالزِّنا، لانعِدامِ شرطِ الشَّهادةِ ونِصابِها.\nوفي تقريرِ هذا التَّعليلِ الإسناديِّ، يقول محمَّد الأشقر (ت ١٤٣٠ هـ):\n«هذا الحديث هو المُستَند الرَئيسيُّ لكلِّ مَن يَتَكلَّم في هذا الأمر، ولم يَرِد هذا الحديث مِن روايةِ أيِّ صحابيٍّ آخر غير أبي بكرة، وتصحيحُ البخاريِّ وغيره لهذا الحديث وغيرِه مِن مَرويَّاتِ أبي بَكرةَ هو أمرٌ غَريبٌ لا يَنبغي أن يُقبَل بحالٍ (!).\nوالحُجَّة في ذلك: ما عُرِف في كُتبِ التَّاريخ الإسلاميِّ -كما عند الطَّبري، وابن كثير، وغيرهما- أنَّ أبا بكرة قَذَف المغيرة بنَ شعبة بالزِّنا، ووَصَل الخبر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵃، فأمَرَ بحضورِ الرَّجُلَين مِن الكوفة إليه في المدينة، فسألهما عن ذلك، وطَلَب عمر ﵁ مِن أبي بكرة أن يَأتي بشهودِه على ما ادَّعاه، فلَمْ تَتِمَّ الشَّهادة الَّتي هي كما قال الله تعالى: أربعة شهود ..\nولذلك جَلَد عمر ﵁ أبا بكرة ثمانين جلدةً حَدَّ القذف بالزِّنا، ثمَّ قال له: تُبْ أقبَلْ شهادَتَك، فأبَى أن يَتوب! وأسقطَ عمر ﵁ بعد ذلك شهادَته، فكان أبو بكرة بعد ذلك إذا استُشهِد على شيءٍ، يأبى أن يَشهد، ويقول: إنَّ المؤمنين قد أبطلوا شهادَتي!\nإنَّ الآية (^١) تدمغُه بالفِسق وبالكذب، وهذا يقتضي ردَّ ما رواه عن النَّبي ﷺ ممَّا انفرد به، كهذا الحديث العَجيب: «لن يُفلِح قومٌ تملكهم امرأة»، فينبغي أن يُضَمَّ هذا الحديث إلى الأحاديثِ الموضوعةِ المكذوبةِ على النَّبي ﷺ» (^٢).\n_________\n(^١) يعني الآية (١٣) من سورة النور: ﴿لَوْلا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\n(^٢) وقد سبقه جمال البنا إلى الطعن في أبي بكرة ﵁ في «المرأة المسلمة بيت تحرير القرآن وتقييد الفقهاء» لجمال البنا (ص/٨١ - ٨٢).","vol":"3","page":1624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>المَطلب الثَّالث\nدفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديثِ: «لن يفلح قومٌ وَلَّوا أمرَهم امرأةً»</span>\nيجمُل بنا قبلَ مُناقشةِ المُعترضِ في إنكارِه لمتنِ الخبرِ، التَّمهيدُ بالكلامِ عمَّا أثارَه مِن غُبارِ الشُّبهةِ على صَحابيِّ الحديثِ، فـ (الأشقرُ) بذا قد اقتحمَ مَهلكةً أيَّ مَهلكةٍ، حيث رَتَع في حِمَى صَحابيٍّ هو مَولًى لرَسولِ الله ﷺ، بأمرٍ تَوهَّمَه مُوجِبًا لتَجريحِه.\nفلقد رَضِيَ (الأشقرُ) أن يكونَ بهذا المَوقِف في ضِفَّة وأهلُ السُّنَةِ في الضِّفَّةِ المُقابِلة! شَعَر أمْ لَم يَشعُر، كيف لا، وقد ارتكب طريقًا لم يسلكها أئمَّةُ السُّنةِ والحديث، فإنَّا لا نَعلمُ أحدًا منهم حَشَرَ أبا بَكرة في زُمرةِ المَتروكين، وهم أهلُ زمانِه الَّذين عاصَروه، وعرَفوا أمرَه، بل وَثَّقوه، وعَرَفوا فضلَه، وحَملوا عنه، واحتجُّوا بأحاديثِه، وأخرجوها في الدَّواوين الصَّحيحة.\nففي تقريرِ الإجماع على قَبولِ روايتِه:\nيقول أبو بكرٍ الإسماعيليُّ (ت ٣٧١ هـ): «لم يَمتنِع أَحَدٌ مِن التَّابعين فمَن بعدهم، مِن روايةِ حديثِ أبي بكرة ﵁ والاحتجاجِ بها، ولم يَتَوقَّف أحدٌ مِن الرُّواةِ عنه، ولا طَعَن أحَدٌ على روايتِه مِن جهةِ شهادتِه على المُغيرة» (^١).\n_________\n(^١) نقله عنه مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال «(١٢/ ٧٧)","vol":"3","page":1625},{"text":"ويقول ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): «لا نعلمُ خلافًا في قبول روايةِ أبي بكرة، مع ردِّ عمر شهادته» (^١).\nوقال ابن القيِّم (ت ٧٥١ هـ): «قد أجمعَ المسلمون على قَبولِ رواية أبي بكرة» (^٢)، ومثله قال ابن كثير (^٣).\nوقد بَلَغ مِن فضلِ هذا الصَّاحِبِ ﵁ علمًا ودينًا، أن تجتمِعَ له شَهادَتَا التَّابعين الجليلين الحَسنِ البَصريِّ ومحمَّد بنِ سِيرين بـ «أنَّه لم يَنزِل عليهما البَصْرةَ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ مثلُ أبي بَكرة، وعمران بنِ حُصين» (^٤).\nولَإِن كان (جمال البَنَّا) لا يُبالي بنَقْضِ إجماعٍ أو وِفاقِه، ولا يَأْلُو جُهدًا في تَسفيهِ مَذاهبِ الأسلافِ الصَّالحين بحُمقِ هواه؛ فكيف لِمثلِ (الأشقرِ) في علمِه ودينِه أن يُشيح بوجِهه عن هذا الإجماع؟!\nألا ليتَه فَكَّر بطريقةٍ أخرى، فجَعَل الأصلَ سَلامَة الصَّحابيِّ -فهو الأصلُ عنده في الأصحابِ يَقينًا- ثمَّ يبني على هذا الأصلِ تأويلَ ما يَتبادرُ منه خلافُه!\nلكنَّه داءُ العَجَلة حين يُصيب قَلَمَ العالِمِ على غِرَّة! فتأُزُّه نَفسٌ نَفَرَت مِن مَفادِ خَبَرٍ ما، يسلُك بها مَسالِكَ مُوحِشةً في التَّأويلِ، لم يسلُكها فقيهٌ قبله.\nأمَّا ما زَعمُه مِن أنَّ آيةَ: ﴿لَوْلا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] تدمَغُ أبا بكرةٍ ﵁ بالفسقِ والكَذبِ، المُقتضي لرَدِّ ما رواه عن النَّبي ﷺ:\nفهذا منه باطلٌ بُنِي على باطلٍ! بيانُه: أنَّ الضَّمائر في هذه الآيةِ راجعةٌ إلى القَذَفَة، لا إلى الشُّهودِ! يظهرُ هذا في نفسِ قصَّةِ جلدِ عمرَ لأبي بكرة ﵃، يَحكيها بعضُ التَّابعين، منهم قسامة بن زهير (^٥)، حيث يقول:\n_________\n(^١) «المغني» (١٠/ ١٨٠).\n(^٢) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٤٣).\n(^٣) «مسند الفاروق» (٢/ ٥٥٩).\n(^٤) «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد رواية ابنه عبد الله (٢/ ٤٦١).\n(^٥) قسامة بن زهير المازنى التميمى: بصريٌّ تابعيٌّ ثقة، مات (بعد ٨٠ هـ)، انظر «تهذيب الكمال» (٢٣/ ٦٠٢).","vol":"3","page":1626},{"text":"«لمَّا كان مِن شأنِ أبي بكرة والمغيرة بن شعبة الَّذي كان، قال أبو بكرة: اِجتَنِبْ أو تَنحَّ عن صلاتِنا، فإنَّا لا نُصلِّي خلفَك! قال: فكَتَبَ إلى عمر في شأنِه، قال: فكَتَبَ عمر إلى المغيرة: «.. أمَّا بعدُ، فإنَّه قد رُقِي إليَّ مِن حديثِك حديثٌ، فإنْ يَكُن مَصدوقًا عليك، فلَأن تكون مِتَّ قبل اليومَ خيرٌ لك!».\nقال: فكَتَب إليه وإلى الشُّهودِ أن يُقبلوا إليه، فلمَّا انتهوا إليه، دعا الشُّهود فشَهِدوا، فشَهِد: أبو بَكرة، وشبل بن مَعبد، وأبو عبد الله نافع، فقال عمر حين شهِد هؤلاء الثَّلاثة: «أَوْدُ المغيرةِ أربعةٌ!»، وشَقَّ على عمر شأنُه جدًّا، فلمَّا قام زِياد، قال: «لنْ تَشهدَ إن شاء الله إلَّا بحقٍّ»، ثمَّ شهِد قال: أمَّا الزِّنا فلا أشهَدُ به، ولكنِّي رأيتُ أمرًا قبيحًا، فقال عمر: الله أكبر! حدُّوهم! .. فجَلَدوهم» (^١).\nوعن أبي عثمان النَّهدي (^٢) قال: «شهِد أبو بكرة، ونافع، وشِبل بن مَعبد، على المغيرة بن شعبة ﵃، أنَّهم نَظَروا إليه كما يَنظرون إلى المِرْوَد في المِكحَلَة، قال: فجاء زِياد -يعني رابعَ الشُّهداء- فقال عمر: «جاء رجلٌ لا يشهد إلَّا بالحقِّ!»، قال زياد: رأيتُ مجلسًا قبيحًا وانبهارًا.\nقال أبو عثمان: فجَلَدَهم عمر الحدَّ» (^٣).\nوعن سعيد بن المسيِّب (^٤) قال: «شهِدَ على المغيرة بنِ شعبة ثلاثةٌ بالزِّنا، ونَكَل زيادٌ، فحَدَّ عمر الثَّلاثة، وقال لهم: «تُوبوا تُقبَل شهادتكم»، فتابَ رجلان، ولم يتُبْ أبو بَكرة! فكان لا يُقبَل شهادتُه؛ وأبو بكرة أخو زيادٍ لأمِّه، فلمَّا كان مِن أمرِ زيادٍ ما كان، حَلَف أبو بكرة أن لا يُكلِّمَ زِيادًا أبدًا!» (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (ك: الحدود، في الشهادة على الزنا، كيف هي؟، رقم: ٢٨٨٢٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ك: الحدود، باب شهود الزنا إذا لم يكملوا أربعة، رقم: ١٧٠٤٢).\n(^٢) أبوعبد الرحمن النَّهدي: عبد الرحمن بن مل بن عمرو الكوفي، سكن البصرة، من كِبار التَّابعين مخضرم، توفي (٩٥ هـ) وقيل قبلها، انظر «تهذيب الكمال» (١٧/ ٤٢٥).\n(^٣) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٧/ ٣٨٤، رقم: ١٣٥٦٦)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (رقم: ٢٨٨٢٢)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٧/ ٣١١، رقم:٧٢٢٧).\n(^٤) سعيد بن المسيِّب: من الفقهاء السبعة، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، وقال ابن المدينى: لا أعلم فى التابعين أوسع علما منه، توفي بعد (٩٠ هـ)، انظر «تهذيب الكمال» (١١/ ٦٦).\n(^٥) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (ك: الحدود، باب قوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، رقم: ١٣٥٦٤).","vol":"3","page":1627},{"text":"فكان أبو بكرة ﵁ بعد هذا إذا أتاه الرَّجل يستشهِدُه، قال له: «أشْهِد غيري، فإنَّ المسلمين قد فَسَّقوني» (^١).\nوفي روايةِ عبد الرَّحمن بنِ جَوْشَن (^٢): «فقال أبو بكرة -يعني بعدما حَدَّه-: والله إنِّي لصَادِقٌ، وهو فَعَل ما شَهِد به» (^٣).\nيقول الذَّهبي عن إباءِ أبي بكرة استِتابةَ عمر له: «.. كأنَّه يقول: لم أقذِف المغيرة، وإنَّما أنا شاهدٌ، فجَنَح إلى الفرقِ بين القاذفِ والشَّاهدِ، إذْ نِصابُ الشَّهادةِ لو تَمَّ بالرَّابع، لتَعَيَّن الرَّجمُ، ولمَا سُمُّوا قاذفين» (^٤).\nفبيِّنٌ مِن مَاجْرَياتِ هذه القِصَّة أنَّ أبا بَكرة ﵁ إنَّما جَلَده عمر ﵃ لنقصانِ النِّصاب، وإنَّما جاءَ شاهدًا هو إليه، لِظنِّه أنَّ مَعه ثلاثةً يَشهدون بما شَهِد، فعَدمُ توبتِه لا تأثيرَ له في قَبولِ روايتِه للحديث، لأنَّ كمالَ النِّصابِ ليس مِن فِعْلِه؛ والَّذي جَرَى أنَّ العَدد «لمَّا نَقُص، أجراهُم عمر ﵃ مَجرى القَذَفَة، وحَدُّه لأبي بكرة بالتَّأويل، ولا يُوجِب ذلك تَفسيقًا، لأنَّهم جَاؤوا مَجيءَ الشَّهادة، وليس بصَريحٍ في القذفِ، وقد اختلفوا في وُجوبِ الحدِّ فيه، وسُوِّغ فيه الاجتهاد» (^٥).\n_________\n(^١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (ك: الشهادات، باب: شهادة القاذف، رقم: ٢٠٥٤٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٢/ ٢١٦).\n(^٢) من الوسطى من التابعين، كان صهر أبي بكرة على ابنته، وثقه أبو زرعة، انظر «تهذيب الكمال» (١٧/ ٣٤).\n(^٣) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (ك: الحدود، باب شهود الزنا إذا لم يكملوا أربعة، رقم: ١٧٠٤٤).\n(^٤) «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٧).\n(^٥) «البحر المحيط» للزركشي (٦/ ١٨٧).","vol":"3","page":1628},{"text":"فلذا قال أحمد بن حنبل: «لا يُرَدُّ خَبرُ أبي بكرةَ ولا مَن جُلِد معه، لأنَّهم جَاؤوا مَجيءَ الشَّهادة، ولمْ يأتوا بصريحِ القَذف، ويَسوغُ فيه الاجتهاد، ولا تُرَدُّ الشَّهادة بما يَسوغ فيه الاجتهاد» (^١).\nوقد عَلَّق ابنُ عَقيلٍ الحنبليُّ (ت ٥١٣ هـ) على كلامِ أحمدَ بقولِه: «لمَّا نَصَّ على أنَّه لا تُرَدُّ الشَّهادة في ذلك، كان تنبيهًا على أنَّه لا يُرَدُّ الخبَر؛ لأنَّ الخبرَ دون الشَّهادة، ولأنَّ نُقصان العَدد معنًى في غيره، وليس بمعنًى مِن جهتِه» (^٢).\nووافقَهما أبو إسحاق الشِّيرازي (ت ٤٧٦ هـ) بقولِه: «أمَّا أبو بكرة ومَن جُلِد معه في القذف: فإنَّ أخبارَهم تُقبل، لأنَّهم لم يخرجوا مَخرجَ القذف، بل أخرجوه مَخْرجَ الشَّهادةِ وإنَّما جَلَدهم عمر ﵁ باجتهادِه، فلم يَجُز أن يُقدَح بذلك في عدالتِهم، ولم يُرَدَّ خبرُهم» (^٣).\nوحاصلُ قولِ الفقهاءِ في هذا، أنَّ في إبطالِ خَبَرِ المَحدودِ في القَذْفِ تَفصيلًا:\nفإنْ كان المَحْدودُ شاهدًا عند الحاكِم بأنَّ فلانًا زَنى، وحُدَّ لعدمِ كمالِ الأربعة: فهذا لا تُرَدُّ به روايتُه؛ لأنَّه إنَّما حُدَّ هنا لعدمِ كمالِ نصابِ الشَّهادةِ الَّذي ليس مِن فعلِه، إذْ لو كَمُلوا لحُدَّ المَشهودُ عليه دونه.\nوإن كان القذفُ ليس بصيغةِ الشَّهادةِ، كقولِه لعَفيفٍ: يا زَانٍ .. يا عاهر، ونحو ذلك: فهنا تبطُل روايتُه للأخبارِ حتَّى يتوبَ وينصَلِح (^٤).\nوفي تقرير هذا التَّقسيمِ في حكم المَحدودِ في قذفٍ، يقول أبو الخطَّاب الكلوذاني:\n«إذا كان الرَّاوي مَحدُودًا في قذفٍ، فلا يخلو أن يكونَ قَذَف بلفظِ الشَّهادة، أو بغير لفظِها.\nفإن كان بلفظِ الشَّهادة: لم يُرَدَّ خبرُه، لأنَّ نقصان عددِ الشَّهادةِ ليس مِن فعله، فلَم يُرَدَّ به خبره، ولأنَّ النَّاس اختلفوا: هل يلزمُه الحدُّ أم لا؟ (^٥)\n_________\n(^١) «الواضح في أصول الفقه» (٥/ ٢٧)\n(^٢) «الواضح في أصول الفقه» (٥/ ٢٧).\n(^٣) «اللُّمع» للشيرازي (ص/٧٧).\n(^٤) انظر «روضة الناظر» (١/ ٣٤٨ - بحاشية ابن بدران)، و«مذكرة أصول الفقه» للشنقيطي (ص/١٥١).\n(^٥) قال أبو ثور والظَّاهريَّة: لا يُحدُّ الشَّاهد بالزِّنا أصلًا، كان معه غيره أو لم يكُن؛ انظر «المحلى» لابن حزم (١٢/ ٢١٠).","vol":"3","page":1629},{"text":"وإن كان بغير لفظِ الشَّهادة: رُدَّ خبرُه، لأنَّه أتى بكبيرةٍ، إلَّا أن يتوب» (^١).\nومع ما تقدَّم تقريرُه مِن اتَّفاقِ الأمَّةِ على قَبول أخبارِ أبي بكرة ﵁، مع كونِه محدودًا في شهادتِه على المغيرة: يَستنبِطُ الحصيفُ أنَّ الشَّهادةَ في هذا البابِ ليست كالرِّواية، فالمَحدود في الشَّهادةِ لعدمِ كمالِ النِّصاب إنَّما تُقبَل روايتُه دون شَهادتِه.\nأمَّا القاذف بالشَّتمِ: فتُرَدُّ شهادته وروايته معًا، وبلا خِلافٍ، حتَّى يتوب (^٢).\nوقد مَرَّ معنا شاهدٌ لهذا التَّفصيلِ الفارقِ مِن كلامِ أبي بَكرة نفسِه، حيث كانَ يمْتَنِع عن الشَّهادةِ لأحدٍ (^٣)، لكنَّه لم يَرد أنَّه امتنَع مِن تَحديثِ أحدٍ بما سَمِعه مِن مَولاه ﷺ! ويكفي بهذا الفعل منه حُجَّةً على ما قرَّرناه.\nولنَأْتِ الآن إلى دَعوى المُعترضِ مُخالفةَ حديثِ أبي بَكرةَ للواقِع المُشاهَد مِن نَجاحاتِ بعضِ النِّسوةِ في تَدبيرِ الدُّوَل، فنقول:\nمَن نَظَر إلى ما تَقتضيه أعباءُ السُّلطةِ مِن قَدْرٍ كبيرٍ من جزالةِ الرَّأيِ، وصَرامةِ العَزم، وهَيبةِ مَقامٍ في النُّفوس: عَرَفَ -لو صَدَق نفسَه- أنَّ المرأةَ لم تُخلَق لِأنْ تَتَولَّى الوِلايةَ المُطلقَة؛ لأنَّه يَعلمُ ما يغلِبُ عليها مِن رِقَّةِ العاطفةِ، وهَشاشةِ الطَّبعِ، وسرعةِ التَّأثُّر، وليس مِن شأنِ الرِّجال أصلًا أن يَهابوا مَكانَها الهَيْبةَ الَّتي تَلزَمُ السُّلطانَ تَدبيرًا وتنفيذًا.\nفلأجلِ هذه النُّعوت عَلَّل العلماءُ «نهيَ النَّبيِّ ﷺ أمَّتَه عن مُجاراةِ الفُرسِ في إسنادِ شيءٍ مِن الأمورِ العامَّةِ إلى المرأةِ، وقد ساقَ ذلك في حديثِه بأسلوبٍ مِن شأنِه أن يَبعثَ القومَ الحَريصين على فلاحِهم وانتظامِ شملِهم على الامتثالِ: وهو أسلوبُ القطعِ، بأنَّ عَدَم الفلاحِ مُلازمٌ لتوليةِ المرأة أمرًا مِن سياساتِهم العامَّة» (^٤).\n_________\n(^١) «التمهيد» للكلوذاني (٣/ ١٢٧).\n(^٢) انظر «المجموع» للنووي (٢٠/ ٢٣٧).\n(^٣) كما عند البيهقي في «السنن الكبرى» (ك: الشهادات، باب: شهادة القاذف، رقم: ٢٠٥٤٨).\n(^٤) «موسوعة الأعمال الكاملة» للخضر حسين (٤/ ١/٢٨٥).","vol":"3","page":1630},{"text":"هذا النَّهي منه لا شكَّ أنَّه يشملُ كلَّ امرأةٍ في أيِّ عَصرٍ مِن العصور أنْ تَتولَّى أيَّ شيءٍ مِن الولاياتِ العامَّة، وهو عُموم مُستفادٌ مِن صيغةِ الحديثِ وأسلوبِه؛ فلا قيمة بعدُ لتأويلٍ يحصُر النَّهيَ في حالِ الفُرسِ فقط، أو في مَنصبِ الخلافةِ العُظمى فقط.\nذلك كلُّه تَحجيرٌ لإطلاقِ الحديثِ بلا دليلٍ، وهو خِلافُ ما فهِمَه الصَّحابة ﵃ وأئمَّة السَّلف مِن الحديث نفسِه، أوُّلهم راويه أبو بكرة ﵁، وهو أعلَمُ بما رَوَى، حيث لم يَستَثْني هؤلاءِ مِن عمومِ خَبرِه هذا امرأةَ، ولا قومًا، ولا شأنًا مِن الشُّؤون العامَّةِ، فهم جميعًا يَستدلُّون به على حُرمةِ تَولِّي المرأةِ للإمامةِ، والقَضاء، وقيادةِ الجيوشِ، وما إليها مِن سائرِ الولاياتِ العامَّة.\nيقول أبو بَكر ابن العَربيِّ بعد سَوقِه حديثَ أبي بَكرة ﵁ هذا: «هذا نَصٌّ في أنَّ المرأة لا تكون خليفةً، ولا خِلافَ فيه» (^١).\nفهذا إذن إجماعُ العلماءِ في كلِّ عَصر (^٢)، يَشهَد له تاريخ الإسلام، منذ عهدِ النُّبوةِ إلى سقوطِ الخلافة: أنَّ امرأةً لم تُوَلَّ الإمامةَ أو الإمارةَ أو القضاء، ولو كانت هي مِن أصلح النَّاس وأعلمِهم؛ وفي تقريرِ هذه الدَّلالة مِن فعلِ المسلمين، يقول ابنُ قدامة: «لا تصلُح للإمامةِ العظمى، ولا لتوليةِ البلدان، ولهذا لم يُوَلِّ النَّبي ﷺ ولا أحدٌ مِن خلفائه، ولا مَن بعدهم، امرأةً قضاءً، ولا ولايةَ بلدٍ فيما بَلغَنا، ولو جازَ ذلك لم يَخلُ منه جميعُ الزَّمان غالبًا» (^٣).\nأمَّا ما ينسِبُه البعضُ إلى ابن جرير الطَّبري مِن القولِ بصحَّةِ ولايتِها القضاءَ: فليس يَصحُّ النَّقل عنه بذلك.\n_________\n(^١) «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٤٨٢).\n(^٢) انظر نقل الإجماع في «الفِصل» لابن حزم (٤/ ٨٩)، و«شرح السنة» للبغوي (١٠/ ٧٧)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١/ ٢٧٠).\n(^٣) «المغني» لابن قدامة (١٠/ ٣٦).","vol":"3","page":1631},{"text":"ثمَّ نقلُهم عن أبي حنيفة أنَّها تَقضي فيما يَصِحُّ أن تشهدَ فيه: قد حُمِلَ على معنى صِحَّةِ حكمِها في القضيَّة الواحدة ونحوِها على سبيلِ التَّحكيم والاستنابةِ فقط (^١).\nلكن لا بدَّ أن نعلمَ: أنَّ هذا الحكمَ المُستفادَ من الخَبَرِ في منعِ المرأة مِن إمامةِ العامَّة، ليس حُكمًا تَعبُّديًّا يُقصَد مجرَّدُ امتثالِه دون التماس حكمتِه، بل هو مِن الأحكامِ المُعلَّلة بمَعانٍ واعتباراتٍ لا يجهلها الواقفون على الفروقِ الطَّبيعيَّة بين جِنسَي الرَّجل والمرأة، وقد تقدَّم لَفْتُ الفِكرِ إلى بعضِها.\nوصَدَق أحدُ الكُتَّاب الغَرْبيِّينِ إذْ يقول: «إنَّ الحياة هيِّنةٌ وطيِّبة، إذا عَلِم كلٌّ مِن الرَّجل والمرأة المحلَّ الَّذي خصَّصه الله لكلٍّ منهما!» (^٢).\nإنَّا لا نستنكِفُ أن نقولَ للعالَم أنَّ المرأة بمُقتضى الخَلقِ والتَّكوينِ مَطبوعةٌ على غرائز تُناسب إحدى أسمى المهمَّاتِ الَّتي خُلِقت لأجلِها: إنَّها مهمَّةَ الأمومة، وحضانةِ النَّاشئةِ، وتَربيتِهم وتَعليمِهم، وإقامةِ صَرْحِ الأمَّةِ على رِعايتِهم؛ فهذه المَهامُّ جَعَلتها ذاتَ تأثُّرٍ خاصٍّ بدَواعي العاطفة.\nثمَّ هي مع ذلك كلِّه تَعرِض لها عوارضُ طَبيعيَّة تَتكرَّر عليها في الأشهرِ والأعوام، مِن شأنِها أن تُضعِفَ قوَّتها المَعنويَّة والَجسديَّة، وتوهِنَ مِن عَزيمتِها في تكوين الرَّأي والتَّمسكِ به، والقدرةِ على الكفاحِ والمقاومةِ في سبيلِه.\nوالحقُّ أنَّ الإمامةَ والسِّياسةَ تستدعيان في أغلبِ أوقاتها عَزمًا وإقدامًا وجَلادة، وبعدًا في التَّفكير، وسدادًا في المنطق، وحسابًا دقيقًا للعواقب، وصبرًا مُضنِيًا، وضبطًا للعواطف، ففيهما مِن المزالق الخفيَّة، والأخطار الكامنة، ما الله به عليم؛ وللمرأةِ لِينٌ في القلب، ورِقَّة في المِزاج، وإحجامٌ عن المواقفِ الخَطِرة، وهو حَالٌ لا تُنكره النِّساء مِن أنفسِهنَّ.\n_________\n(^١) وفي نَفيِ هذا القول عن أبي حنيفة والطَّبري، انظر «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٤٨٢).\n(^٢) «من هنا نعلم» للغزالي (ص/١٥٩).","vol":"3","page":1632},{"text":"فإنَّها فوارق بين الجِنسينِ أزليَّةٌ أبديَّة، وخصائص قاهرةٌ لا يَدَ لإنسانٍ في تحويرِها، إلَّا حين يَستطيع تحويرًا في تركيبِ الدِّماغ وبنيةِ خلاياه -مثلًا-، أو حين يُبدِّل وظائفَ الأعضاء وفِطرة العواطف.\nإنَّها فطرةٌ اقتضتها الحِكمة الإلهيَّة في التَّمييز بين الجِنسين بما تتطلَّبه عمارةُ هذا الكون، قائمةً على تقسيم الأعمال والوظائف، لتيسير كلُّ الكائناتِ إلى ما يُلائِمها وخُلق لها (^١).\nيقول محمَّد الغزاليُّ: «ستظلُّ المرأة هي اليد اليُسرى للإنسانيَّة، وسيظلُّ عملُها في البيتِ أكثرَ مِن عَملِها في الشَّارع، وسيظلُّ الرِّجالُ حمَّالي الأعباء الثِّقال في الشُّئون الخاصَّة والعامَّة، لأنَّ طاقةَ كلٍّ مِن الجنسين هكذا؛ ولأمرٍ ما لم يُرسل الله نبيَّةً مِن النِّساء، ولم يحكِ التَّاريخ إلَّا شواذًّا مِن الجنس النَّاعم قُمْن بأعمالٍ ضخمةٍ، على حين شُحِنت صفحاتُه بأسماءِ الرِّجال.\nوإذا كانت المرأة لم تُختَر رسولًا، فقد استطاعت أن تكون زوجةً عظيمةً لرسولِ الله ﷺ، وأن تُعينه إعانةً رائعةً على تبليغ الوحيِ وجهودِ النَّاس» (^٢).\nسَيثقُل هذا الحكمُ على نفوسِ النِّساء ونفوسِ الرِّجال الَّذين يُجاملونَهُنَّ، ولكن ماذا أعمل، وبين يَدَيَّ برهانٌ قاطعٌ ليس في استطاعتهنَّ أن يُنازعْنَني فيه، مع شدَّة ذكائهنَّ! ولا في استطاعِة أنصارهنَّ مِن الرِّجال أن ينَقضوه، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا!\nلولا أن الرَّجل أقدر على التَّدبير والحكمِ مِن المرأة، «ما كان له عليها هذا السُّلطان وذلك الغَلَب، ولا استطاعَ أن يقودها وراءه كما يقاد الجَنيب، ولا أن يملكَ عليها أمْرَ فقرِها، وغِناها، وحبسها، وإطلاقها، وحجابها، وسُفورها، ويستأثر مِن دونها بوضعِ القوانين والشَّرائع الخاصَّة بها، مِن حيث لا ترى في نفسِها قوَّةً لدفعِها والخروج عليها» (^٣).\n_________\n(^١) انظر مقال «المرأة والسياسة» لسعيد الأفغاني في «مجلة الرِّسالة» (العدد: ٦٤٧، ص/٣٣).\n(^٢) «من هنا نعلم» لمحمد الغزالي (ص/١٥٦).\n(^٣) «النَّظرات» لمصطفى لطفي المنفلوطي (١/ ٣٣٩).","vol":"3","page":1633},{"text":"وإنَّا لنأسفُ حين نُقرِّر هذا الكلام إذا كانت المرأةُ ستفهمُ مِنه أنَّها في نظرِ الإسلام مُهانة، أو أنَّها محرومةٌ عنده مِن وضعٍ تَستحقُّه؛ هذا غَلَط! فالنِّساء شقائقُ الرِّجال، ولهُنَّ مِن الحُرمة والمكانةِ والحقوقِ الفطريِّة ما يكفلُ لهنَّ السَّعادة والاستقرار، وتكليفُ الإسلام أنْ يُعَينَهُنَّ قاضياتٍ أو حاكماتٍ ظلمٌ للطَّبيعةِ، وافتياتٌ على المصلحة! وإنَّ مُجرَّد توليَةِ أهلِ الحلِّ والعَقدِ لامرأةٍ عليهم، لتملِكَهم وتُدَبِّرَ دولَتَهم، مع علمِهم بما يعتري النِّساء مِن تلك النَّواقص السَّالفة، هو في حدِّ ذاتِه مِن عَدمِ فلاحِهم!\nفأمَّا أن يُعترَضَ على هذا ببَلْقيسَ ملِكة سَبأ، وكيف أنَّ القرآن امتَدَح مُلكَها:\nفهو على ما فيه اعتراضٌ بمثالٍ واحدٍ لا يَرُدُّ ما قرَّرناه سابقًا؛ فإنَّ القرآن لم يمدَح فيها مُطلق حُكمِها، بل إيمانَها وتسليمَها لحكمِ ربِّها ونبيِّه سليمان ﵇.\nوأمَّا إنقاذُها لقومِها مِن وَيْلاتِ الحربِ، وسَوقِهم بعدُ إلى الإسلام:\nفإنَّا لا ندَّعي على المرأة أنَّها إذا تَوَلَّت فمصير أحكامِها الغَيُّ والخطأُ كلَّ مرَّة! ولا في الحديث ما يُفهِم ذلك؛ إنَّما دَلَّ خبر الحديث على نفيِ الفَلاحِ في حكمِها في الجملة، لا اطِّرادًا في كلِّ أحكامِها.\nهذا بعد التَّسليم بأنَّ منعَ بَلْقيس للحربِ كان مِن باب الحكم الرَّشيد، فإنَّ ما فعلته قد كان -بمفهومِ العلاقاتِ الدَّولية- استسلامًا لقوَّةِ دولةٍ غازية!\nثمَّ أيُّ دولةٍ بَقِيَت لبلقيس لتُحكَمَها أصلًا؟! وقد انمَحت وصارت رقعةً مِن دولةِ سليمان ﵇؟!\nوبغضِّ النَّظر عمَّا كان من مَآلِ تصرُّفِها مِن خيرٍ لها ولقومِها، فلا يُقال أنَّها فعلته رغبةً في دينِ سليمان ﵇ وإلحاقِ قومِها به، بل كان منها فِعْلَ المَهزومِ بلا حربٍ، فـ «إنَّ المرأةَ لم تأتِ سليمانَ ﵇ إذْ أتَته مُسلِمةً، وإنمَّا أسلَمتْ بعد مَقْدَمِها عليه، وبعد مُحاورةٍ جَرَت بينهما ومُساءلة» (^١).\n_________\n(^١) «جامع البيان» للطبري (١٩/ ٤٦٤).","vol":"3","page":1634},{"text":"وما يدَّعيه المُعترضُ مِن أنَّ بعض حكوماتِ النِّساءِ في بعضِ مَماليك أوروبا كانت أرقى مِن حكوماتِ الرِّجال:\nفعلى التَّسليمِ بأنَّ تلك النَّماذج المَذكورةِ ناجحات فعلًا بالمِقياس الدُّنيويِّ، فإنَّه لا تَنافي بينها وبين الحديث، إذ هي خارجةٌ عن عمومِ مَدلولِه أصلًا! بيانُ ذلك:\nأنَّ الحكمَ في الدُّوَل الغَربيَّةِ الدِّيموقراطيَّةِ حكمُ مُؤَسَّساتٍ لا فرد، والنَّبي ﷺ يقول: «لا يُفلِحُ قومٌ تملِكُهم امرأة» (^١)؛ فمَن تَرأَّسْنَ حكوماتِ تلك البُلدان، هل يقول عاقلٌ: أنَّهنَّ يَملِكنَ قومَهنَّ؟!\nلا يُقالُ عنهنَّ ذلك، ولا هنَّ أُسنِد إليهنَّ أمرُ شُعوبهنَّ، فإنَّ الأمرَ ليس بيدِهنَّ كلَّه، ولا جُمَعَت لهنَّ السُّلطات الثَّلاثة كما كان حالُ سابقِ الملوكِ قبل قرونٍ؛ إنَّما حَدُّ إحداهنَّ أن تكون مُنفِّذة لبرنامجِ أحزابِ أغلبيَّة، مُقيَّدة في اقتراحاتها بموافقةِ مُمثِّلين عن الرَّعية.\nفرُبَّ قَرارٍ سَعَت في تنفيذِه، رَجَعَت عنه مُكرَهةً، لامتناعِ مجلس الشَّعب عن إقراره! ورُبَّ مَشروعٍ سَعت في نجاحِه، قد أدارَه الرِّجال مِن وراء حِجاب! ورُبَّ بَرلمانيٍّ عن بلدةٍ صَغيرة، يَستدعيها إلى مجلسِ مُسائلةٍ، لينتِفَ ريشَها على المَلَأِ! بل لعلَّه كان سَببًا في عزلِها بالمرَّة، إذا تَدَاعى له جمهورُ مَن معه تحت قُبَّةِ البرلمان!\nهذا إن لم تكُن دولتُها نفسُها مُسَيَرَّة مِن دولةٍ هي أعظمُ منها تَرغيبًا وتَرهيبًا!\nثمَّ إنَّا نَقول: إنَّ مُدَّعِي شَرَف الفلاحِ لتلك العِلْجاتِ لا يَستحِضرُ مِن الفَلاح إلَّا ما كان مَاديًّا دنيويًّا، وكأنِّي به قد أغفَل «الفَلاح في لسانِ الشَّرع، وهو تحصيلُ خيرِ الدُّنيا والآخرة، ولا يَلزم مِن ازدهارِ المُلْكِ أن يكون القوم في\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٢٠٤٣٨)، وصحَّحه ابن حبان في (ك: الخلافة والإمارة، باب: ذكر الإخبار عن نفي الفلاح عن أقوام تكون أمورهم منوطة بالنساء، رقم: ٤٥١٦) والحاكم في «المستدرك» (رقم: ٧٧٩٠) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشَّيخين ولم يخرجاه».","vol":"3","page":1635},{"text":"مَرضاةِ الله، ومَن لم يكُن في طاعةِ الله فليس مِن المُفلِحين، ولو كان في أحسنِ حالٍ فيما يبدو مِن أمرِ دنياه» (^١).\nفأيُّ نجاحٍ لمثلِ تلك الدُّوَل ونحن نرى فيها مِن الآفاتِ الاجتماعيَّة، والانحرافاتِ الأخلاقيَّة، والتُّفَكُّك الأُسَريِّ، والتَّسلُّطِ السِّياسيِّ، والجَشَعِ الرَّأسماليِّ، ما طَفَح به الكَيْل، حتَّى ضَجَّ به عقلائُهم تحذيرًا ليلَ نهار؟!\nإنَّ مَن زيَّنت له نفسُه الانقباضَ عن مثل هذه الأخبار النَّبويَّة الصَّحيحة لا أقلَّ له مِن أن يأتِي بمثالِ امرأةٍ مُستَبِدَّة بالحكمِ، وُلِيَّت تدبيرَ أمرَ دولتِها، فتفوَّقت في سياستِها، وتمكَّنَت بسُلُطاتها مِن سَوْقِ شعبِها إلى العَدلِ والرَّفاه والمَنَعة!\nوحين أقول هذا، لستُ أرمي في المقابلِ إلى إطلاقِ الفَلاحِ لكلِّ سلطانٍ ذكَرٍ! فكمْ جَرَّ كثيرُهم مِن وَيلاتٍ على البَرِيَّة، وكمْ نَشَرت أطماعُهم في الأمَّةِ مِن رَزِيَّة!\nوالله يُصلِحُ أحوالَ الرَّاعي والرَّعِيَّة، آمين.\n_________\n(^١) «مجالس التذكير» لابن باديس (ص/٢٧٤).","vol":"3","page":1636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>المَبحث الخامس\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «لولا حَوَّاءُ ما خَانَتْ أنثى زوجَها»</span>","vol":"3","page":1637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديث: «لولا حَوَّاءُ ما خَانَتْ أنثى زوجَها»</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «.. لولا حوَّاء لم تخُن أنثى زوجَها الدَّهر» متَّفق عليه (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، رقم: ٣٣٩٩)، ومسلم في (ك: الرضاع، باب: لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر، رقم: ١٤٧٠).","vol":"3","page":1639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>المَطلب الثَّاني\nسَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ: «لولا حوَّاءُ ما خَانَتْ أنثى زوجَها»</span>\nاستُنكِر متنُ هذا الحديث بعدَّةِ مُعارضاتٍ، مُحصَّلها في اثنَتَيْن:\nالمُعارَضة الأولى: أنَّ تخصيصَ الحديثِ لحوَّاءَ بالخيانةِ مُناقِضٌ للقرآنِ الكريم، حيث حُمِّل فيه آدم وِزرَ الخطيئةِ ابتداءً، وتُهمة حوَّاء بإغواءِ آدم بالشَّجرةِ مَزبورٌ في صُحُفِ أهل الكتاب، فدَلَّ على أنَّ أصلَ الخَبَرِ إسرائيليٌّ.\nوفي تقرير هذا الاعتراض، يقول (محمَّد الغزالي): «ما خَانَت حوَّاء آدم، ولا أغرَته مِن الشَّجرة، هذا مِن أكاذيبِ التَّوراة! والقرآن صَريحٌ وحاكمٌ في أنَّ آدم هو الَّذي عَصى ربَّه! ولكنَّكم دون مستوى القرآن الكريم، وتَنقلون مِن المَرويَّاتِ ما يَقف عَقَبةً أمام سَيْرِ الدَّعوةِ الإسلاميَّةِ ..» (^١).\nوقد علَّق عليه يوسف القَرَضاويُّ مُقِرًّ له بقوله: «مِن حَقِّه أن يرُدَّ هذا الحديثَ بشِقَّيه، فاللَّحم يخنَزُ -أي يتغيَّر وينتُن- وفقَ السُّنَن الإلهيَّة قبل بني إسرائيل وبعدهم، وحوَّاء لم تخُن زوجَها، كما نَستَبِين ذلك مِن القرآن» (^٢).\nويزيد (محمد عمراني حنشي) على ذلك قائلًا: «إنَّ كلَّ آياتِ القرآنِ الَّتي عَرَضَت لتلك الحادثة، تُخاطب آدمَ وحوَّاء مَعًا، وتذكُرُ إبليسَ صراحةً في التَّسبُّبِ\n_________\n(^١) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/٢٠٢).\n(^٢) في مقال له بجريدة «الحياة» (بتاريخ السبت ١٩ فبراير ٢٠١١).","vol":"3","page":1640},{"text":"في الغِواية .. وتحُمِّل آدمَ وزوجَه معًا تَبِعاتِ العصيانِ، إنْ لم تحمِّلها لأدمَ وحدَه! كما في سورة طه: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾» (^١).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ في الحديثِ عقيدةَ توريثِ الخيانةِ مِن حوَّاء لِبَناتِها.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (سامر إسلامبولي): «هذا الحديث يُثبِت أنَّ الخيانةَ في النِّساءِ هي شيء طبيعيٌّ، وذلك مَوْروث غَريزيٌّ مِن خلال الأمِّ الأولى حوَّاء، والمَفروض حسب الحديثِ أنْ لا تُلَام أيَّةُ أنثى على فعلِ الخيانةِ، لأنَّ ذلك هو مِن طبعِها الَّذي جُبِلَت عليه!» (^٢).\nويقول (إبراهيم المَطرودي) (^٣): «إنَّ الحديثَ يجعلُ الذَّنبَ الَّذي وَقَعت فيه حوَّاء -على القولِ بوقوعِه منها- مُنتقِلًا إلى بناتِها بالوراثةِ ونزعِ العِرق، مع توبتِها منه وطلبِ المغفرة فيه! وهكذا يضطَرُّنا الحديث للقولِ بأنَّ الله تعالى يَغفرُ الذَّنبَ لصاحبِه، لكن يبقى أثرُه على مَن بعده مِن ذُرِّيته! ويَتَحمَّل أولادُه مِن بعده جريرةَ سَبْقِه لهم به!» (^٤).\n_________\n(^١) في مقالٍ له بموقعه الإلكترونيِّ «الحوار المُحضِّر» بعنوان: «روائز علم الدِّراية تردُّ خبر خنز اللَّحم والخيانة المزعومة لحوَّاء»، منشور بتاريخ الخميس ٨ ديسمبر ٢٠٠٥ م.\n(^٢) «تحرير العقل من النقل» (ص/١٢٨).\n(^٣) إبراهيم المطرودي: كاتب سعوديٌّ، وأستاذ مساعد بكليَّة اللُّغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة بالريَّاض.\n(^٤) جريدة «الرياض» السعوديَّة (العدد ١٦٧٠٤، بتاريخ: ١٨ جمادى الأولى ١٤٣٥ هـ قـ ١٩ مارس ٢٠١٤ م).","vol":"3","page":1641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديثِ: «لولا حوَّاء ما خانَت أنثى زوجَها»</span>\nليس في الحديثِ -بفضلِ الله- ما يُستنكَر عقلًا، ولا ما يخالفُ كتابَ الله تعالى إذا ما نحن فهمناه الفهمَ الصَّحيحَ المُوافِقَ للشَّريعةِ المُراعي لأصولِها، وهذا لا يكون إلَّا بعد تحديدِ المُرادِ بخيانةِ حوَّاء من الحديث أوَّلًا، فبِمُوجِب الكشفِ عن ذلك، يَنحَلُّ ما يتبعُ ذلك مِن إشكالاتٍ في معنى الخبرِ.\nلقد أجمَعَت كلمةُ العلماءِ قاطبةً على أنْ لفظ الخيانةِ في الحديثِ ليس مَقصودًا منه خِيانةُ الفِراشٍ، فإنَّ ذلك لم يَقَع لامرأةِ نبيٍّ قطُّ (^١)، ولم يكُن أصلًا مع حوَّاء رَجلٌ آخر معها في الدُّنيا غيرُ زوجها آدم ﵇ حتَّى يحتمِل الذِّهنُ للَّفظِ معنى الزِّنا؛ هذا ابتداءً.\nفلأجل ذلك، نَحَى أهل العلمِ في بَيانِ مَعنى الخيانةِ الَّتي كانت مِن حوَّاء لزوجِها على قَولين مَشهورين:\nالقول الأوَّل: أنَّ المُراد بخيانةِ حَوَّاءٍ تَركُ زجرِها لزوجِها آدمَ حينَ عَزَم على الأكلِ مِن الشَّجرة؛ فكان تَرْكُ أمانةِ النُّصحِ له، والانسيابِ وراء رغبتِه، بمثابةِ الخيانةِ له.\n_________\n(^١) ولا امرأتي نوحٍ ولوط الكافرتين، فإنَّ خيانة الأولى إنَّما هو بإخبارها النَّاس أنَّه مجنون، وخيانة الثَّانية بدلالتها على الضَّيف، كما ذكر ذلك المفسِّرون، انظر «جامع البيان» للطَّبري (٢٣/ ١١١)، و«طرح التثريب» للعراقي (٧/ ٦٥).","vol":"3","page":1642},{"text":"وفي تقرير هذا المعنى، يقول ابن الجوزي: «خيانةُ حوَّاء زوجَها كانت في تَرْكِ النَّصيحةِ في أمرِ الشَّجرةِ، لا في غير ذلك» (^١).\nوقال ابن هُبيرة بعد تقريره لهذا المعنى في الحديث: «.. فعلى هذا، كلُّ مَن رأى أخاه المؤمنَ على سبيلِ ذلك، فتَرَكَ نُصحَه بالنَّهي عن ذلك النَّهي، فقد خانَه» (^٢).\nومُؤدَّى هذا القول الأوَّل: أنَّ آدم ﵇ كان هو المُبتدرَ إلى الأكلِ مِن الشَّجرة، العازمَ ابتداءً على اقترافِ المَعصيةِ، وأنَّه كان الأَوْلَى بحوَّاءَ أن لا تَتَّبع الهوى مثلَه، بل حقُّها أن تكُفَّه عن غَيِّه، لأنَّها بِطانَتُه، لكنَّها تركته حتَّى سايَرته في معصيتِه، فشاركته أكلَ الشَّجرة، فعُدَّت بذلك خائنةً لِمن كان حقُّه عليها أن تَذُبَّ عنه شُؤمَ المَعصيةِ، لا أن تُذهبَ عنه وحشةَ الانفرادِ بالمَعصية!\nولا يخفى ما في هذا القَولِ مِن نَقضِ دَعوى نَبزِ الحديثِ بالذُّكوريَّة (^٣)، وتأصُّلِ النِّساءَ في الشرِّ، فإنَّ المُتَّهَم ابتداءً فيه بالمَعصيةِ -كما ترى- آدمُ لا حوَّاء! والَّذي كان مِن أُمِّنا أنَّها تَرَكت واجبَ النُّصحِ له، ثمَّ اتَّبَعَته في عَيْنِ مَعصيتِه.\nولا يُقال أنَّ هذا المَعنى يُناقض ما في كتابِ الله تعالى مِن إغراءِ الشَّيطانِ لهما جميعًا، مثلِ قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]؛ فإنَّ آدمَ كان هنا الأرْغَبَ في الشَّجرةِ، والأعزمَ على فعلِ ما وَسوَس به الشَّيطان لهما جميعًا، أمَّا حوَّاء وإن كان قد وَقَع في نفسِها مِن ذلك شيءٌ، فإنَّها لم تستَبِح فعلَ ذلك إلَّا بعد استباحةِ زوجِها له، وكان الفَرْضُ أن تَنْهاه، لا أنْ تُقِرَّه على باطلٍ.\nومُحصَّل القول الأوَّل: سَبْقُ آدمَ إلى الأكلِ من جِهةِ عَزمِه على ذلك، وبهذا يَستقيم قولُهم بأنَّ الخيانةَ في الحديثِ: تَركُ حوَّاء نُصحَ آدم؛ وإلَّا لَوْ كانا بادَرا\n_________\n(^١) «كشف المشكل من حديث الصَّحيحين» (٣/ ٥٠٤).\n(^٢) «الإفصاح عن معاني الصِّحاح» (٧/ ٢٣٠).\n(^٣) كما تجده في مقالات عبد الحكيم الفيتوري بعنوان: «الأنثى والخيانة»، بمجلة «الحوار المتمدن» الإلكترونية (العدد ٢٨٩٥، بتاريخ ٢٧/ ٣/٢٠٠٩) و(العدد ٢٦٠٥، بتاريخ ٣/ ٤/٢٠٠٩).","vol":"3","page":1643},{"text":"إلى الفعلِ جميعًا بُعَيْد الوَسْوَسة، وتَوَافقا عليه ابتداءً: لمَّا صَحَّ انفرادُ حوَّاء بوَصفِ الخيانةِ دون آدم، بل لَكان وَصْفُ آدم بذلك أَوْلى، لتَرْكِه نُصحَ زوجِه وهو القَوَّام عليها.\nوأمَّا القول الثَّاني لأهل العلم فمحصِّله: أنَّ الشَّيطان لمَّا وَسْوَس لآدم عليه السلاموحوَّاء، وغرَّهُما بأكلِ الشَّجَرة كِليهما: صارَت حوَّاءُ بعد ذلك تُحرِّضُ زوجَها وتُزَيِّنُ له ذلك، «فجاءَ الوَسْواسُ نافِخًا في نارِ هذه الشَّهواتِ الغَريزيَّة، مُذَكِيًّا لها، مُثيرًا للنَّفسِ بها إلى مخالفةِ النَّهي، حتَّى نَسِيَ آدمُ عهدَ ربِّه، ولم يكُن له مِن العَزم ما يَصرِفه عن متابعةِ امرأتِه، ويَعتصم به مِن تأثيرِ شيطانِه» (^١).\nيقول القاضي عياض: «إنَّ إبليسَ إنَّما بَدَأ بحوَّاء، فأغْوَاها وزَيَّن لها، حتَّى جَعَلَها تأكلُ مِن الشَّجرة، ثمَّ أتَتْ آدم، فقالت له مِثلَ ذلك، حتَّى أكَلَ أيضًا هو» (^٢).\nويقول ابن حجر: «فيه إشارةٌ إلى ما وَقَع مِن حوَّاء في تزيِينِها لآدمَ الأكلَ مِن الشَّجَرةِ، حتَّى وَقَع في ذلك، فمعنى خيانتِها: أنَّها قَبِلَت ما زَيَّن لها إبليس، حتَّى زيَّنته لآدم» (^٣).\nوكما هو بَادٍ من شرحِ هذا القول، ليس فيه ما يُنافي الخبرَ القرآنيَّ -بحمد لله-، فإنَّ تحريضَ حوَّاء لآدم وترغيبها له في الشَّجرة لا يَتَنافى مع كونِ إبليسَ هو مَن تَسَبَّب بالغِوايةِ لهما ابتِداءً، وأنَّ آدم قد غَرَّه الشَّيطان أيضًا ووَسْوَس له كما وَسْوَس لزوجِه حوَّاء؛ غاية ما جاء في الحديث زيادةٌ تفصيليَّةٌ يَسيرة لم تَرِد في مُجملِ الخَبرِ القرآنِيِّ، ولا شَكَّ أنَّ السُّنةَ تأتي مُفصِّلةً لِما أُجمِل في القرآن، وزائدةً عليه أحيانًا في ما سَكَت عنه ممَّا لا يَنقضُ أصلَه.\n_________\n(^١) «تفسير المنار» (٨/ ٣١١).\n(^٢) «إكمال المعلم» (٤/ ٦٨٢)، و«المُفهم» للقرطبي (١٣/ ٦٦).\n(^٣) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٦٨)، وانظر مثله في «تحفة الأبرار» للبيضاوي (٢/ ٣٧٣)، و«الكاشف عن حقائق السُّنن» للطيبي (٧/ ٢٣٢٦)، و«الكواكب الدَّراري» للكرماني (١٣/ ٢٢٨).","vol":"3","page":1644},{"text":"والحاصل مِن كِلا القَولين لأهل العلم: أنَّ الواردَ في القرآنِ: كونُهما أكَلا مِن الشَّجرة بعد الوَسوسة لهما جميعًا، فعُوقِبا على فعلِهما جميعًا، وورد فيه أيضًا نسبةُ العصيانِ لآدم وحدَه، في قولِه تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]:\nفأمَّا على القولِ الأوَّل: فلا تُشكل عليه الآية أصلًا، لأنَّ فيه أنَّ آدم هو المُبادر إلى الأكلِ، وكانت تابعةً له في ذلك، مع تركِ النُّصحِ له.\nوأمَّا على القولِ الثَّاني: فحلُّ ما قد يظهر بينهما من تخالف بأن نقول:\nإنَّ الآيةَ جاءت في سياقِ آياتٍ خَصَّت آدمَ بالذِّكر وحدَه، بدءً من قصَّةِ خَلْقِه، ثمَّ سجودِ الملائكةِ له، ثمَّ عَهْدِ الله إليه بعَدواةِ الشَّيطان له؛ فلمَّا أنْ وَقَع مِن آدمَ ما وقَع مِن المَحظور، نُسِبَت إليه المَعصيةُ بخصوصِه -مع وقوعِها مِن زوجِه أيضًا- باعتبارِه المَعْهودَ إليه بعِصيانِ عَدُوِّه ابتداءً، وكونِه القوَّامَ على أهلِه انتهاءً! ولكون مآل ذلك ستلحَقُه شقاوته هو دون زوجِه، مصداق قول ربَّنا تعالى له: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧].\nفلذلك كلِّه خُصِّ آدم ﵇ بالمَعصية في هذا السِّياق.\nوسواءٌ قُلْنَا بأنَّ خيانةَ حَوَّاء مِن قَبِيل تركِ النُّصحِ لآدم -كما القولُ الأوَّل- فإنَّ ذلك يَدلُّ على أنَّ آدمَ ﵇ قد اغتَرَّ بوَسواسِ الشَّيطانِ، وهذا موافقٌ للقرآن.\nأو قلنا أنَّ الخيانةَ مِن قَبِيل تَرغيبِها له في الشَّجَرةِ -كما القول الثَّاني- فلا يَتَنافى مع ما في القرآن من أنَّ الشَّيطان غَرَّ آدم أيضًا!\nليظهر أنَّ الحديث على كِلَا المَعنَيَيْنِ لا مَدْخَل لأحدٍ أن يَدَّعي عليه الانتحالَ مِن التَّوراة؛ فإنَّ التَّوراة تجعلُ الوَسْواسَ متوجِهًا إلى حَوَّاءَ وحدها دون آدم! وأنَّ آدم إنَّما أكَل رضوخًا لتَزيِين زوجِه له ذلك، كما ورد به الإصحاحُ الثَّالث مِن سِفْرِ التَّكوين (^١).\n_________\n(^١) ولذا جاء في رسالة بولس إلى ثيماتاوس (الإصحاح الثاني، عدد ١٤، ص ٣٣) قولُ بولس: «.. وآدم لم يَغوِ، ولكن المرأة أغوت فحصلت في التَّعدي ..».","vol":"3","page":1645},{"text":"ثمَّ على التَّسليم بأنَّ خَبَرَنا هذا وافقَ خبرَ أهلِ الكتاب؛ فقد بَيَّنا قبلُ مِرارًا أنَّ ذلك جائز الوقوعِ، لِنَفْيِنا أن تكونَ جميعُ أخبارِهم مُحرَّفَة، بل يكون وِفاقُ نصوصِ شرعِنا لها دَليلًا على سلامِتِها من التَّحريفِ، فلا يَلزم أن تكون مُقتَبَسًةً منها.\nتبقى دعوى المعارضةِ الثَّانية في تَوريثِ الشَّرِ والذَّنبِ لبناتِ حوَّاء، كما يزعُمه المُعترِض مُرادًا للحديث، فيُقال في نفيها:\nكلَّا، ليس هذا مُرادًا مِن هذا الحديث الشَّريف! حاشاه ﷺ مِن نسبةِ الظُّلم إلى الفعلِ الإلهيِّ، فقد تَقرَّر آنِفًا أنَّ خِيانةَ حوَّاء هي مِن نوعِ تركِ النَّصيحة لآدم، أو من نوعِ زيادةِ تَزيِين المَنهيِّ له.\nمثل هذا السُّلوكِ الَّذي كان من حوَّاء -بمفهومِه العامِّ- خِصلةٌ مُطَّرِدةٌ في نفوسِ النِّساء في الجملة، و«خيانةُ كلِّ واحدةٍ منهنَّ بحسبِها» (^١)، وليس في الحديث ما يُفيد لزومَ أن يشملهُنَّ هذا الطَّبعُ جميعَهنَّ.\nفعلى هذا، يكون مُراد الحديث مُجرَّد البَيانِ عن اطِّرادِ الحالِ، وانتقال القابليَّة للشَّيءِ مِن الأصلِ إلى فروعِه.\nوفي تقريرٍ هذا المَعنى مَقصِدًا للحديثِ، يقول محمَّد بهجت البَيْطار (ت ١٣٩٦ هـ) في شرحِه:\n«إنَّ طبيعةَ النِّساءِ واحدةٌ، واستعدادُهنَّ واحدٌ في الخِلْقةِ والقابليَّة، لا فرقَ بين حوَّاء وغيرها مِن اللَّائي جِئْنَ بعدها، وقد خُلِقَت حوَّاء -وهي أمُّ النِّساء- قابلةً للخيانة والخَطأ، فخُلِقَت بناتُها مثلَها في ذلك الاستعداد والقبول، وفي تلك الخِلقة والصِّبغة، لا تتفاوت بين أفراد النِّساء في ذلك.\nولو أنَّ حَواء خُلِقت غير قابلةٍ لذلك: لمَا وَقَع منها شيءٌ ممَّا ذكرنا، لأنَّها غير قابلةٍ له، كما خُلِقت الملائكة غير قابلةٍ للعِصيان، ولكانت بناتُها غيرَ قابلاتٍ ولا مُستعدَّاتٍ لشيءٍ منه! فلم يَقع منهنَّ شيء، لأنَّ الطَّبيعة واحدة.\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٣٦٨).","vol":"3","page":1646},{"text":"وعلى هذا قيل: «ولولا حَوَّاء ما خانَت امرأةٌ زوجَها»؛ أي: لو خُلِقَت غيرَ قابلةٍ للخيانة، لكانت بناتها مثلها غير قابلاتٍ للخيانةٍ، وإذا لمْ تَكُن حوَّاء ولا بناتُها قابلةً للخيانة، لم تقع منهنَّ، وهذا بيِّنٌ.\nوالحديث يَشرح نظريَّةً مِن نظريَّاتِ علمِ النَّفس، هي: أنَّ الاستعدادَ الفِطْريَّ في النَّوعِ الإنسانيِّ واحدٌ في الجديد والقديم، فاستعدادُ الإنسان الفِطريِّ في القرونِ المُظلمةِ الوسطى، مثل استعدادِه في القرن العشرين، واستعدادُ الشَّرقيِّين المَغلوبين على أمرهِم، المُستعمَرين مِن جميع نواحي الاستعمار، مثل استعدادِ الألمانيِّين والفرنسيِّين والإنجليز، وإنمَّا يكون التَّفاوُت والاختلاف بالمُحيطاتِ والبيئاتِ الحاكمةِ على الإنسان، ويكون أيضًا باستعمالِ الاستعدادِ وهُجرانِه.\nولو أنَّنا أخَذْنا طفلَ أعلمِ فيلسوفٍ إنجليزيٍّ، ووضعناه في أحضانِ أُمَّة عريقةٍ في الجهالة والتَّأخر، لجاء ذلك الطِّفل مثلَهم جاهلًا متأخِّرًا، ولو أخذنا طفلًا مِن هذه الأمَّة الجاهلة، ووَضعناه في بيتِ ذلك الفيلسوف الإنجليزيِّ، لجاء مُتعلمًّا مهذَّبًا، وربمَّا فاق فلاسفة الإنجليز أنفسِهم» (^١).\nفهذا جوابٌ -كما تراه- مَتين مُتماسِك؛ ومِمَّا يُؤيِّده:\nحديث النَّبي ﷺ في حَقِّ آدم نفسِه حينما جاءَه مَلَك المَوت، فقال له: أَوَلم يبْقَ مِن عُمري أربعون سنةً؟! فقال المَلَك: أَوَلم تُعطِها ابنَكَ داود؟! قال النَّبي ﷺ: «فجَحَد آدم، فجَحَدت ذريَّتُه، ونَسِيَ آدم، فنسِيَت ذُريَّتُه، وخَطِئ آدم، فخَطِئت ذُريَّتُه» (^٢).\nفليس معنى هذا الحديث أنَّ الله كَتَب الجحودَ والنِّسيانَ والخطيئةَ على بني آدم عُقوبةً أن جحَدَ أبوهم آدم ونسِيَ! وأنَّه لو لمْ يَجحُد وينْسَى عطاءَه من\n_________\n(^١) «مشكلات الأحاديث النبوية وبيانُها» للقصيمي (ص/١١).\n(^٢) أخرجه الترمذي في «جامعه» (ك: تفسير القرآن، باب: من سورة الأعراف، رقم: ٣٠٧٦) وقال: «هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ».","vol":"3","page":1647},{"text":"عُمرِه لداود لمَا نَسِيَت ذرِّيته مطلقًا! بل المُراد: بيانُ تَوحُّد الطَّبعِ الآدميِّ الفِطريِّ في البَشريَّة جمعاء، لأنَّهم مِن طينة أبيهم، فكانت قابليَّتُهم للنِّسيانِ والخَطيئة، مِن مُرتكزات التَّركيبةِ النَّفسيَّةِ البَشريَّةِ.\nوالحمد لله على توفيقه وهدايتِه.","vol":"3","page":1648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>المَبحث السَّادس\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحَديثِ الشُّؤم في الدَّار والمرأة والفَرس</span>","vol":"3","page":1649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>المَطلب الأوَّل\nسَوق حَديثِ الشُّؤم في الدَّار والمرأة والفَرس</span>\nعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعتُ النَّبي ﷺ يقول: «إنَّما الشُّؤم في ثلاثة: في الفَرس، والمرأة، والدَّار» (^١) متَّفق عليه.\nوعنه ﵁ أنَّه ﷺ قال: «لا عدوى ولا طِيَرة، والشُّؤم في ثلاث: في المرأة، والدَّار، والدَّابة» (^٢) متَّفق عليه.\nوعن سهل بن سعد السَّاعدي ﷺ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنْ كان في شيءٍ، ففي المرأة، والفَرس، والمسكن» (^٣) متَّفق عليه.\nوعن جابر ﵁ يُخبر عن رسول الله ﷺ قال: «إن كان في شيءٍ ففي الرَّبْع (^٤)، والخادم، والفَرس»، يعني الشُّؤم، رواه مسلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الجهاد والسير، باب ما يذكر من شؤم الفرس، رقم: ٢٨٥٨)، ومسلم في (ك: الطب والمرضى والرقى، باب: الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، رقم: ٢٢٢٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الطب، باب: الطيرة، رقم: ٥٧٥٣)، ومسلم في (ك: الطب والمرضى والرقى، باب: الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، رقم: ٢٢٢٥).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الجهاد والسير، باب ما يذكر من شؤم الفرس، رقم: ٢٨٥٩)، ومسلم في (ك: الطب والمرضى والرقى، باب: الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، رقم: ٢٢٢٦).\n(^٤) الرَّبع: الموضع الذي ينزل فيه، والدَّار وما حولها، «فتح المنعم» (٨/ ٦٢٢).","vol":"3","page":1651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>المطلب الثَّاني\nسَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ الشُّؤم في الدَّار والمرأة والفَرس</span>\nهذا الحديث مِن قديمِ الأخبار الَّتي أثارت لَغَطًا مِن قِبَلِ مُتَمَعقِلةِ كلِّ زمان، يدَّعون تَضادَّها مع الثَّابتِ مِن كونِ الشَّريعة قد أبطلت الطِّيرة ونهت عن التَّطيُّر.\nوقد بَلَغ حَنقُ أهلِ العلمِ بهؤلاءِ المُهَرْوِلين إلى إبطالِ مِثل هذه السُّنَن بمجرَّدِ الرَّأي -طمعًا في رَدْعِهم عن غَيِّهم، وتَنفيرِ غيرِهم عن زَيْغِهم- أن نعتوهم بـ (المُلحِدَة)! (^١)\nلكن أبَى هذا الجِذْر إلَّا أن يُخرِج فروعَه الخبيثة، فكان لهؤلاء خَلَفٌ مِن مَلاحدةِ هذا العصرٍ، مَن قالوا لأسلافِهم: ما قُلتم شيئًا إزاءَ ما نقول! بعد أن تتبَّعوا آثارَهم في نقضِ رواياتِ هذا البابِ، وشَنَّعوا على الشَّيخين تصحيحَهما للحديث.\nكان من هؤلاءِ على سبيل المثال: (صالح أبو بكر)، الَّذي تحذلَق في عَربيَّةِ الحديث قائلًا:\n«إنَّ الشُّؤم أصلًا مِن خصالِ المشركين وطِباعهم، وقد نَشأ في أنفسِهم نتيجةً لعدم إيمانهم بقضاء الله وقدره، .. فكيف تكون دَعوة النَّبي ﷺ مُركَّزةً على إبطال\n_________\n(^١) كما في «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٧/ ١٥٠)، و«شرح النَّووي على مسلم» (١٤/ ٢٢٠).","vol":"3","page":1652},{"text":"هذه العقيدة، ثمَّ يؤيِّدها بحديثٍ مثل هذا؟! ويُحدِّد الشُّؤمَ في أهمِّ نِعَم الله على خلقِه، وهي: الدَّار، والمرأة، والفَرس؟!» (^١).\nفهذه هي الدَّعوى الأولى: أنَّ الحديثَ يُناقض ما استَقرَّ في الشَّريعة مِن نهيِها عن التَّطيُّر، بإثباتِ ضدِّ ذلك في ثلاثة أمور.\nوأمَّا الدَّعوى الثَّانية: فهي أنَّ الحديثَ يَزْدَري المرأة ويُهينها، حيث يجعلها مَشئومةَ بطَبعِها.\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (زهير الأدهميُّ): «إنَّ حصَر الشُّؤم في ثلاثةٍ تكون المرأة واحدة منها: تحقيرٌ لها، واستصغارٌ لقيمتِها، ونَيْلٌ مِن كرامتِها، وأكثر مِن ذلك كلِّه، نَراه ظُلمًا في حقِّها بأن تكون مَوصوفةً بالشُّؤم» (^٢).\n_________\n(^١) «الأضواء القرآنيَّة» (ص/٢٠١).\n(^٢) «قراءة في منهج البخاري ومسلم في الصحيحين» (ص/١٩٧).","vol":"3","page":1653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>المَطلب الثَّالث\nدفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديثِ الشُّؤمِ في الدَّارِ والمرأةِ والفَرسِ</span>\nأسلفنا التَّنبيه مِرارًا على أنَّ كثيرًا مِن مزالق الطَّاعنين في الأخبارِ ناتجٌ عن سوءِ استيعابٍ للمَعنى المُراد منها، ناتجٌ ذلك عن جهلِهم بأحكامِ اللَّغةِ وقواعد البيانِ تارةً، ومُجمَل سُنَّةِ النَّبي ﷺ وأقوالِ صَحابتِه ووَرَثتِهم مِن أهل العلمِ تارةً أخرى، واستحضارُ هذا كلِّه أثناء النَّظر في النُّصوصِ هو المُعِينُ لاستقاء أنسبِ الأوجه الَّتي تُحمَل عليها.\nوإنَّ لنا في مَوقفِ الطَّاعنين من هذا الحديث لَعِبرةً! فإنَّه لَمِن أَبْينِ المُثُلِ على الخَلَل المَنهجيِّ في الفهمِ المعاصرِ للنُّصوصِ الشَّرعيَّة، وذلك:\nأنَّ النُّكتة في الحديثِ مُضَمَّنة في المُتَعلَّقِ المحذوفِ للجار والمجرور في قولِه: «.. في المرأة، والدَّار، والفَرس»، الَّذي هو خَبر لـ «الشُّؤم».\nفإذا سايَرنا المُعترضون على ضرورةِ تَقديرِ هذا المُتعلَّق المَحذوف، فإنَّا سائلوهم: بماذا نُقدِّره؟\nهل نُقدِّره بـ: (كائن) مَثلًا؟ فيكون المعنى: «الشُّؤم كائِنٌ في المرأةِ، ..» أي: هو كائِنٌ مِن عَملِ النَّاس أو في طبائعِهم في هذه الثَّلاثة، فيكون توصيفًا منه للواقعِ.","vol":"3","page":1654},{"text":"أم نُقدِّره بـ: (جائز)، فيكون الحديث بهذا أنَّ «الشُّؤمَ مَشروعٌ أو ضَرورةٌ في المرأةِ، والدَّارِ، والفرس»؟!\nفإذا افترضنا أنَّ الحديثَ محتملٌ لكِلا هذين المَعنيَين في تقديرِ المَحذوف منه، فما المُوجِب العِلميُّ عند المُعترِضين لترجيحِ أحدِ التَّقديرين دون الآخر؟\nفإن قالوا: الحديثِ أفادَ التَّقديرَ الثَّاني، وهو الظَّاهر مِن عبارتِه! فيُقال جوابًا لهم: إنَّ ظاهرَ النصِّ ما سَبَق إلى فهمِ قارئِه من معناه، وأفادَه مُرادَ صاحبِه، وهذا مَبنيٌّ على سياقِ كلامِه فيه، مع مُجمل كلامِه في باقي نصوصِه؛ بهذا يَتبيَّن لنا كون فهمِنا ظاهرَ النَّص أم لا.\nخُذْ هذا التَّأصيلَ ونزِّله على حديثَنا هذا؛ هل ترى مُنصِفًا يَفهم مِن هذا الحديثِ أنَّ صاحبَه يُجيز الطِّيَرةَ في هذه الثَّلاثة؟ مع أنَّه قد صَدَّره بتحريمِ الطِّيرة مُطلقًا؟! حيث قال: «الطِّيَرة شِرك ..»؟!\nهل بَلغت مِن سذاجةِ راوي الحديثِ أن يَأتي بجُملَتين مُتناقضين في الَخبرِ الواحدِ نفسِه، بحيث تُكذِّب إحداهما الأخرى في الحين، ثمَّ لا يَتَفطَّن لهذا التَّضاربِ ولا أحدٌ مِن الأئمَّة بعده؟!\nفما الدَّاعي بعدُ لاختيارِ المعترض للتَّقدير الثَّاني غير الجهل أو الهوى؟! والنَّبي ﷺ إنَّما ابتدأهم بنفي الطِّيرة، ثمَّ قال: «الشُّؤم في ثلاث ..»، قطعًا لتوهُّم المعنى المَنفيِّ في الثَّلاثة الَّتي أخبَر أنَّ الشُّؤم يكون فيها، فقال: «لا عدوى، ولا طِيرة، والشُّؤم في ثلاثةٍ ..»، فابتدأهم بالمُؤخَّر مِن الَخبَر تعجيلًا لهم بالإخبارِ بفسادِ العدوى والطِّيرة المتوهَّمة مِن قوله: «الشُّؤم في ثلاثة ..».\nوهذا من جميلِ الأوجهِ الَّتي قرَّرها ابن القيِّم مِن معاني الحديث (^١)، وهو الَّذي أركُن إليه، والله أعلم بالصَّواب.\nإنَّ التَّقدير الصَّحيحَ المُرشِدَ إلى المعنى الحقِّ مِن هذا الحديث هو ما يجعله موافقًا لباقي الأخبارِ الشَّرعية، غير مُصادمٍ لها، مَقبولًا مِن جِهة اللُّغةِ وأساليبِ\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٢٥٧).","vol":"3","page":1655},{"text":"الخِطاب، فعلى هذا المنهج القويمِ نبتني تفسيرَنا للحديث، وهذا ما يقتضي مِنَّا أن نبدأ فيه بتبيانِ مَعنى (التَّطيُّر) عند العرب أوَّلًا، ثمَّ ندلِف إلى أمثلِ أوجهِ ذلك مِمَّا يُحمَل عليه الحديث، فنقول:\nإنَّ التَّطير والتَّشاؤم بمعنى واحدٍ (^١)، وأصله: الشَّيء المَكروه مِن قولٍ أو فعلٍ أو مَرئيٍّ، والتَّطيُّر قبلِ الإسلامِ كان مِن وجوهٍ، حكى بعضَها الحَليميُّ (ت ٤٠٣ هـ) فقال:\n«كان يُحكى عن العَرب مِن زجرِ الطَّير وإزعاجِها عن أوكارِها عند إرادةِ الخروجِ للحاجةِ، فإن مَرَّت على اليمينِ، تفاءلت به، ومَضت لوجهِها، وإن مرَّت عن الشِّمال، تشاءَمت به، وقعدت.\nوكانوا يَتطيَّرون بصوتِ الغُرابِ، ويناولونه البَين، وكانوا يستدلُّون بمجاوباتِ الطَّير بعضها بعضًا على أمورٍ بأصواتِها في غيرِ أوقاتِها المعهودةِ على مثل ذلك.\nوهكذا الظِّباء إذا مَرَّت سانحةً، ويقولون: إذا برَحت مساءً بالسَّانح بعد البارح، وسمُّوا هذا وما شابهه تطيُّرًا، لأنَّ أمور ذلك عندهم وأكثره كان ما يقع لهم مِن قِبَل الطَّير، فسمُّوا الجميع تَطيُّرًا مِن هذا الوجه ..» (^٢)؛ ثمَّ استرسل في حكايةِ صُورٍ أخرى مِن التَّطَيُّر سالفة، كانت عند الأعاجم قبل الإسلام.\nإلى أن جاء الشَّرع، فنَفى ذلك وأبطلَه كلَّه، ونَهى عنه، وأخبرَ أنَّه ليس له تأثير بنفعٍ ولا ضرٍّ، وهذا مَعنى قوله ﷺ: «لا طِيَرة ..» (^٣)، وفي حديث آخر: «الطِّيَرة شِرك» (^٤)، يقول النَّووي في معناه: «أي اعتقادُ أنَّها تنفع أو تضرُّ إذا عملوا\n_________\n(^١) «المجموع المغيث» لأبي موسى المديني (٢/ ٣٧٨)\n(^٢) «المنهاج في شعب الإيمان» للحليمي (٢/ ٢٠).\n(^٣) جزء من حديث أخرجه البخاري في (ك: الطب، باب الجذام، رقم: ٥٧٠٧)، ومسلم في (ك: الطب والمرضى والرقى، باب لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، ولا نوء، ولا غول، ولا يورد ممرض على مصح، رقم: ٢٢٢٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود في (ك: الطب، باب: في الطيرة، رقم: ٣٩١٠)، وابن ماجه في (ك: الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة، رقم: ٣٥٣٨)، وصحَّحه ابن حبَّان في «صحيحه» (ك: الطيرة والعدوى والفأل، باب: ذكر التغليظ على من تطير في أسبابه متعريا عن التوكل فيها، رقم: ٦١٢٢)، وأقرَّه عليه شعيب الأرنؤوط في تخريجه به.","vol":"3","page":1656},{"text":"بمُقتضاها، مُعتقِدين تأثيرها، فهو شِرك، لأنَّهم جعلوا لها أثرًا في الفعلِ والإيجادِ» (^١).\nفإذا كان هذا هو الأصلَ الشَّرعيَّ في مسألةِ التَّشاؤم أو التَّطيُّر، فإنَّه قد جاءت بعضُ أحاديث قد يَفهمُ مِن ظاهرِها غيرُ فقيهٍ، أنَّ الشُّؤمَ يكون سِمةً مُلازمةً للمرأةِ والدَّار والفَرس! وهذا ما ينفيه الفقهاء عن الشَّريعة، فكانوا إن اختلفوا في توجيه تلك الأخبار والتَّوفيق بينها وبين ما هو مُسلَّم من تقبيحِ التَّطيُّر، أيْنَعت ألبابُهم عن عِدَّة أوجهٍ مِن التَّأويلات الحَسنة والتَّوجيهات الدَّقيقة.\nفقد انتقيتُ من هذه التَّوجيهات للمُعترضِ أحسنَها مَأخذًا ودليلًا فيما أرى، ليَتخيَّر بعدُ مِنها ما يَدفع عنه إشكالها عن ذِهْنِه إن رغب!\nهذا ليَعلمَ بعدَ جوَلانِ ناظِرَيْه في تَنوُّعِ هذه الأجوبةِ من العلماء وحِدَّةِ أذهانِهم في فتقِ المُشكلاتِ: انغلاقَ بابِ فهمِه! وانفتاحَ أبوابهم؛ وضيقَ عطَنه عن السُّنَنِ وانشراحَ صدروهم لها! لعلَّه أن يوقِنَ بمَسيسِ حاجتِه إلى التَّواضع، بمُراجعةِ ما حَبَّروه حول ما يُشكِل عليه قبل الاغترارِ بظاهرِ فهمِه القاصر المَقودِ بزمامِ الهَوى والتَّحيُّز الفكريِّ.\nوإليك تفصيل جواباتِهم، فأقول:\nقد تَنوَّعت مَشاربُ العلماءِ في النَّظَرِ إلى حديثِ «الشُّؤم في ثلاثةٍ»، إلى عِدَّة أوجهٍ مِن أوجُهِ التَّوجِيه:\nالوجه الأوَّل: اِعتمادُ روايةٍ للحديثِ في التَّقيِيد بالشَّرط: «إن يَكُن مِن الشُّؤم شيءٌ حقٌّ ففي ..»، و«إن كان الشُّؤم في شيءٍ ..» ونحوهما، ورَدُّ روايةِ الجزمِ إليها:\nفكأنَّ روايةِ الشَّرطِ هذه مِن قَبيل التَّعليقِ على المستحيل، ليكون بها جواب الشَّرط مُستحيلًا، كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: لكنَّه لن يستقرَّ مكانَه، فلن تَراني.\n_________\n(^١) «شرح النووي على مسلم» (١٤/ ٢١٩).","vol":"3","page":1657},{"text":"فمعنى الحديث على هذا الوجه: أنْ لو كان الشُّؤم في شيءٍ حَقًّا، لكان في المرأة والَفرس والدار، والحاصلُ أنَّ الشُّؤمَ ليس في هذهِ الثَّلاثةِ ولا في شيءٍ، فغيرُ هذه أولى ألَّا يكون فيها!\nيقول القاضي عياض: «وَجه تعقيبِ قولِه: «ولا طِيرة» بهذه الشَّرطية، يدلُّ على أنَّ الشُّؤم أيضًا مَنفيٌّ عنه، والمعنى: أنَّ الشُّؤمَ لو كان له وجود في شيءٍ، لكان في هذه الأشياء؛ فإنَّها أقبلُ الأشياء لها، لكنْ لا وجودَ له فيها، فلا وجودَ له أصلًا» (^١).\nكذا قيل؛ وهذا التَّوجيهُ وإن كان بادئ الرَّأي مَقبولًا، لكنَّه مُتَعَقَّبٌ بأنَّ روايةَ الشَّرطِ ليست نَصًّا في الاستثناء، لاحتمالِ أن تكون قد خرجت مَخرجَ قولِه الآخر: «قد كان فيمَن قبلكم مِن الأُمَم مُحَدَّثون، فإنْ يكُن في أمَّتي منهم أحَدُ فإنَّه عمر بن الخطَّاب»! (^٢)\nولذا ارتأى شهاب الدِّين الآلوسيُّ (ت ١٢٧٠ هـ) لمعنى التَّعليق في هذه الرِّواية الَّتي بالشَّرط: أن تكونَ «للدَّلالةِ على التَّأكيدِ والاختصاصِ، نظيرُه في ذلك: إن كان لي صَديقٌ فهو زيد، فإنَّ قائله لا يريد به الشَّكَ في صَداقةِ زيد، بل المبالغةُ في أنَّ الصَّداقةَ مختصَّةٌ به، لا تَتَخطَّاه إلى غيره» (^٣).\nولستُ أنزِعُ إلى ما جنح إليه الطَّحاوي -وتبِعه الألبانيِّ (^٤) - من تَرجيح روايةِ الشَّرطِ على روايةِ الجزمِ، بدعوى أنَّ فيها زيادة علمٍ، مُؤيِّدين اختيارَهم بأمرين:\nالأوَّل: بنُصوصِ النَّهي عن الطِّيَرة عامَّةً.\nالثَّاني: بحديثٍ لعائشة ﵂: أنَّ رجلان مِن بني عامر دخلا علىها، فأخبراها أنَّ أبا هريرة ﵁ يُحدِّث عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «الطِّيرة في الدَّار، والمرأة، والفَرس»، فغضبِت! فطارت شُقَّة منها في السَّماء، وشقَّة في الأرض،\n_________\n(^١) «الكاشف عن حقائق السُّنن» للطَّيبي (٩/ ٢٩٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: الأنبياء، باب: حديث الغار، رقم: ٣٤٦٩).\n(^٣) «روح المعاني» (٥/ ٢٢١).\n(^٤) في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٦٩٢).","vol":"3","page":1658},{"text":"وقالت: والَّذي أنزل الفرقان على محمِّد ما قالها رسول الله ﷺ قطُّ، إنمَّا قال: «كان أهل الجاهليَّة يتطيَّرون مِن ذلك» (^١).\nوعليها قال الطَّحاوي: «إذا كان ذلك كذلك، كان ما رُوي عنها ﵂ ممَّا حفِظَته عن رسول الله ﷺ مِن إضافتِه ذلك الكلام إلى أهل الجاهليَّة أَوْلى مَّما رُوي عن غيرها فيه عنه ﷺ؛ لحفظِها عنه في ذلك ما قصُر غيرها عن حفظِه عنه فيه، فكانت بذلك أوْلى مِن غيرها، لا سيما وقد رُوي عن رسول الله ﷺ في نفيِ الطِّيرة والشُّؤم ..» (^٢).\nومُحصَّل كلامِه أنَّ هذا الاستدراك مِن عائشة على أبي هريرة في هذه الرِّوايةِ هو مِن جنسِ استدراكِها على ابن عمر في البكاءِ على الميِّت، بمعنى أنَّ ذلك كان في واقعةٍ خاصَّة، لا على العموم (^٣).\nلكنَّا مع ذلك نقول: إنَّ عائشةَ نفسَها قد تُعُقِّبَت في إنكارِها ذلك! بنفيِ أن يكون رَدُّها للحديثِ حُجَّةً على مَن رَوى إثباتَ ذلك إليه ﷺ، وهذا ما تراه في كلامِ ابن عبد البرِّ، بعد سَوقِه لكلامِها، فقال: «أهلُ العلمِ لا يَرَون الإنكارَ عِلمًا، ولا النَّفيَ شهادةً ولا خبرًا!» (^٤).\nوقد علمتَ قبلُ أنَّ البخاريَّ ومسلمًا أخرجا روايةَ الإثباتِ مِن حديث ابن عمر ﵁ بألفاظٍ، منها أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عَدوى ولا طِيرة، وإنَّما الشُّؤم في ثلاثة ..»، وقد عَلِمتَ أيضًا أنَّ تصدير هذه الرِّواية بنفي الطِّيرة دالٌّ على أنَّ ما بعده لا يُناقض هذا الحكم، ومانع مِن تَوهُّمِ أنَّ رواياتِ الإثباتِ تخالفُ نصوصَ نفيِ الطِّيرة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٢٦٠٣٤)، وابن قتيبة في «مختلف الحديث» (ص/١٧٠)، والطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢/ ٢٥٥، رقم: ٧٨٦)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، قال مُخرِّجو المسند: «إسناده صحيح على شرط مسلم».\n(^٢) «شرح مشكل الآثار» (٢/ ٢٥٢).\n(^٣) انظر «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصَّحابة» للزَّركشي (ص/١١٥).\n(^٤) «الاستذكار» (٨/ ٥١١).","vol":"3","page":1659},{"text":"وكذا أخرج روايةَ الإثباتِ الشَّيخان مِن حديث سهل بن سعد ﵁.\nوأخرجها مسلم عن جابررضي الله عنه، وهذه كلُّها مَرَّت معنا عند سَوقِنا لأحاديث هذا الباب؛ وجاء أيضًا مِن روايةِ أبي هريرة ﵁، كما قد مَرَّ علينا في قصَّةِ سؤالِ الرَّجلين لعائشة عن روايتِه.\nفهؤلاء نَفرٌ مِن جِلَّة الصَّحابة، قد رَوَوا حديثَ الإثباتِ والجزمِ، وليس هو راوٍ واحد حتَّى يَتطرَّق إليه احتمال الخَطأ فيُستَسهَل توهِيمُه؛ ولا يُعقل أن تُردَّ رواية جمعِهم لرواية واحد؛ وبهذا تعقَّبَ ابنُ الجوزي عائشةَ ﵂ في ردِّها لروايةِ أبي هريرةَ ﵁، لأنَّ ذلك -في حقيقتِه- «رَدٌّ لصريحِ خبرٍ رَواه جماعةٌ ثِقات، فلا يُعتمَد على ردِّها» (^١).\nوكون النَّبي ﷺ أضافَ هذا القولَ إلى قول الجاهليَّة -كما في روايةِ عائشة عنه- لا يَلزم منه نَفْيُ باقي الرِّواياتِ في نسبةِ ذلك مِن قولهِ هو ﷺ أيضًا! إذ لا تَعارض بين النِّسبتين؛ بل الصَّواب حملُ كلِّ روايةٍ على المعنى المُناسِب لها، إعمالًا لكلا الدَّليلين.\nوهذا ما وُفِّق له غيرُ أربابِ هذا الوجهِ الأوَّل في أوجهٍ مِن التَّأويل أخرى لهذا الحديث، هي في التَّالي:\nالوجه الثَّاني: أنَّ هذه الثَّلاثة في الحديث مُستَثناة مِن الطِّيرة، بمعنى: أنَّ الطِّيرة مَنهيٌّ عنها، إلَّا أن يكون له دارٌ يكره سُكناها، أو امرأة يكره صُحبتها، أو فَرس أو خادم كذلك، فليُفارِق الجميعَ بالبَيعِ، أو الطَّلاق، ونحوه، ولا يقيم على الكراهةِ والتَّأذي به، فإنَّه شُؤمٌ عليه بهذا الاعتبار من الكراهة.\nفمِمَّن سَلَك هذا المَسلك في التَّوجيه:\nأبو محمَّد ابن قتيبة (^٢)، وكذا الخطَّابي في شرحِه للحديث حيث قال: «معناه: إبطال مَذهبهم في الطِّيرة بالسَّوانح والبَوارح من الطَّير والظِّباء ونحوها،\n_________\n(^١) «كشف المشكل» لابن الجوزي (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) في كتابه «تأويل مختلف الحديث» (ص/١٦٩ - ١٧٠).","vol":"3","page":1660},{"text":"إلَّا أنَّه يقول: إن كانت لأحدِكم دارٌ يكره سُكناها، أو امرأةٌ يكره صُحبتها، أو فَرَس لا يُعجبه ارتباطُه، فليفارِقها، بأن يتنقل عن الدَّار، ويبيع الفرس، وكان مَحلُّ هذا الكلام مَحلَّ استثناءِ الشَّيء مِن غيرِ جنسِه، وسبيله سبيل الخروج مِن كلامٍ إلى غيره» (^١).\nوقال: «اليُمْن والشُّؤم سِمَتان لمِا يصيب الإنسانَ مِن الخيرِ والشَّر، والنَّفع والضُّر، ولا يكون شيءٌ مِن ذلك إلَّا بمشيئةِ الله وقضائِه، وإنمَّا هذه الأشياء مَحالٌّ وظروف، جُعلت مواقعَ لأقضيتِه، ليس لها بأنفُسها وطباعِها فِعلٌ ولا تأثيرٌ في شيءٍ.\nإلَّا أنَّها لمَّا كانت أغلبَ الأشياء الَّتي يقتنيها النَّاس، وكان الإنسان في غالبِ أحوالِه لا يستغني عن دارٍ يسكنها، وزوجةٍ يعاشرها، وفرسٍ يرتبطه، وكان لا يخلو مِن عارضِ مكروهٍ في زمانِه ودهرِه: أُضيفَ اليُمن والشُّؤم إليها إضافةَ مكانٍ ومحلٍّ، وهما صادران عن مَشيئةِ الله سبحانه» (^٢).\nيقول أصحاب هذا القول الثَّاني: مَزيَّة هذا التَّوجيه أنَّه مُوافق لحديثِ أنس بن مالك ﵁ قال: «قال رجلٌ: يا رسولَ الله؛ إنَّا كُنَّا في دارٍ كثيرٍ فيها عددُنا، وكثيرٌ فيها أموالُنا، فتحوَّلنا إلى دارٍ أخرى، فقلَّ فيها عددُنا، وقلَّت فيها أموالُنا، فقال رسول الله ﷺ: ذَرُوها ذَميمةً» (^٣)!\nوفي تفسيرِ هذا الأمرِ النَّبويِّ يقول ابن قُتيبة: «إنَّما أَمَرهم بالتَّحوُّل مِنها لأنَّهم كانوا مُقيمين فيها على استثقالٍ لظلِّها، واستيحاشٍ بما نالهم فيها، فأمَرَهم بالتَّحوُّل؛ وقد جَعل الله تعالى في غرائز النَّاس وتركيبِهم استثقالَ ما نالهم السُّوء فيه، وإن كان لا سببَ له في ذلك، وحُبَّ مَن جَرى على يدِه الخير لهم، وإن لم يُرِدهم به، وبُغضَ مَن جرى على يده الشَّر لهم، وإن لم يُردهم به» (^٤).\n_________\n(^١) «معالم السُّنن» (٤/ ٢٣٦).\n(^٢) «أعلام الحديث» (٢/ ١٣٧٩).\n(^٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (ك: الاستئذان، باب ما يُتقى من الشؤم، رقم: ٢٣)، وأبو داود في «سننه» (ك: الطب، باب في الطيرة، رقم: ٣٩٢٤) واللَّفظ له.\n(^٤) «تأويل مختلف الحديث» (ص/١٧٠).","vol":"3","page":1661},{"text":"ومثله قال القاضي عِياض: «قيل معناه: أنَّ هذه الأشياء مِمَّا يطول التَّعذُّب بها، وكراهة أمرِها، وذلك لملازمتِها بالسُّكنة والصُّحبة، وإنْ دَفَع الإنسان ذلك عن اعتقادِه، فكلامُه ﷺ بذلك بمعنى الأمر بفراقِ ذلك، وزوالِ التَّعذب به، كما قال: اترُكوها ذميمةً ..» (^١).\nفعلى هذا الوجه تكون إضافة الشُّؤم إلى هذه الثَّلاثة في الحديث إضافة مَجازٍ وتوسُّع، بمعنى أنَّ الشَّر قد يحصل مُقارنًا لها وعندها، لا أنَّها هي عينُها مِمَّا يوجِب الشُّؤم؛ كأن تكون المرأة قد قدَّر الله عليها أن تتزوَّج عددًا مِن الرِّجال ويموتون معها! فلا بُدَّ مِن إنفاذِ قضائِه وقدرِه؛ فتُوصف المرأة بالشُّؤم لذلك، وكذلك الفَرس، وإن لم يكن لشيءٍ مِن ذلك في حقيقته فعلٌ ولا تأثيرٌ (^٢).\nهذا الوجه من المعنى قد نُقل مُسندًا عن مالكِ بن أنس، وأقرَّه أبو داود عليه، حيث رَوى عنه في «سُننِه» أنَّه سُئل عن هذا الحديث، فقال: «كم مِن دارٍ سَكَنها ناسٌ فهَلَكوا، ثمَّ سَكَنها آخرون فهلكوا» (^٣).\nيقول المازَريُّ: «أمَّا ذِكرُه الشُّؤمَ في الدَّار والمرأة والفَرس، فإنَّ مالكًا أخَذَ هذا على ظاهرِه ولم يتأوَّله، .. فإنَّ هذا محملُه على أنَّ المُراد به: أنَّ قَدَر الله سبحانه رُبَّما اتَّفق بما يكره عند سُكنى الدَّار، فيصير ذلك كالسَّبب، فيُتسامح في إضافةِ الشُّؤم إليه مجازًا واتِّساعًا» (^٤).\nوقال ابن العربيُّ في شرح كلامِ إمامِه: «ليس هذا مِن إضافة الشُّؤم إلى الدَّار، ولا تعليقه بها، وإنَّما هو عبارة عن جري العادة فيها، فيخرج المرء عنها صيانةً لاعتقاده عن التعلُّق بباطل .. وعن هذا وَقع الخَبر» (^٥).\n_________\n(^١) «إكمال المعلم» (٧/ ١٥٠).\n(^٢) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٢٥٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود في (ك: الطب، باب: في الطيرة، رقم: ٣٩٢٢).\n(^٤) «المُعلم بفوائد مسلم» (٣/ ١٧٩)\n(^٥) «عارضة الأحوذي» (١/ ٢٨٢)، وانظر في هذا المعنى نفسه «المنتقى» للباجي (٧/ ٢٩٤).","vol":"3","page":1662},{"text":"ويؤكِّد القرطبيُّ على أنَّ هذا هو المَعنيُّ من كلام مالكٍ فيقول: «يعني بذلك: أنَّ هذه الثَّلاثة أكثر ما يتشاءم النَّاس بها، لملازمتهم إيَّاها، فمَن وَقَع في نفسِه شيءٌ مِن ذلك فقد أباح الشَّرع له أن يتركه، ويستبدلَ به غيرَه ممَّا تطيب به نفسُه، ويسكن له خاطرُه، ولم يُلزمه الشَّرع أن يُقيمَ في موضعٍ يكرهه، أو مع امرأةٍ يكرهها، بل قد فسَح له في تركِ ذلك كلِّه، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّال لما يريد، وليس لشيءٍ مِن هذه الأشياء أثَر في الوجود» (^١).\nوالمُراد في المآلِ عند أصحاب هذا القول الثَّاني: حسمُ المادَة، وسدُّ الذَّريعة، لِئلَّا يوافِق شيء مِن ذلك القَدَر، فيعتقد مَن وَقع له أنَّ ذلك من الطِّيرة، فيقع في اعتقاده ما نُهي عن اعتقادِه -أي اعتقاد أنَّ هذه الأمور مُؤثِّرة بذاتِها، وشريرةٌ بطبعِها- فكان أن دلَّ عندهم الحديث بالإشارةِ إلى اجتنابِ مثل ذلك، وأنَّ الطَّريق فيمن وَقع له ذلك في الدَّار -مثلًا- أن يُبادر إلى التَّحول منها، لأنَّه مَتى استمرَّ فيها ربَّما حمله ذلك على اعتقادِ صحَّة التَّطير والتَّشاؤم (^٢).\nالتَّوجيه الثَّالث للحديث: أنَّ المُراد بالشُّؤم فيه النَّكدُ والشَّقاء الَّذي يجده المرء لقلَّةِ الموافقةِ وسوءِ الطِّباع؛ وذلك أنَّه «قد يُسمَّى كلُّ مكروهٍ ومحذورٍ شُؤمًا ومَشأمة» (^٣).\nوهذا ما مال إليه الحَليمي في تفسيرِه الحديثَ بقوله: «إنَّ الشُّؤم الَّتي وُصفت هذه الثَّلاثة إنَّما هو المَضار والمفاسد، وليس مِن قِبَل الطِّيرة» (^٤).\nويقول القاضي عِياض: «قد يكون الشُّؤم هنا على غيرِ المفهوم منه مِن معنى التَّطيُّر، لكن بمعنى قلَّة الموافقة وسوءِ الطِّباع» (^٥).\n_________\n(^١) «المُفهم» (١٨/ ١٠٣).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٦٢).\n(^٣) «مطالع الأنوار» لابن قرقول (٦/ ٥).\n(^٤) «المنهاج في شعب الإيمان» للحليمي (٢/ ٢٠).\n(^٥) «إكمال المعلم» (٧/ ١٥١).","vol":"3","page":1663},{"text":"والمقصود عندهم: أنَّ هذه الثَّلاثة المذكورة في الحديث مِن أوسعِ منابع الشَّقاء في حياةِ الإنسان، لمِا فيها مِن طولِ ملازمة وملابسةٍ للمرءِ طول عمرِه، وهو معنى ما نقله مَعمر بن راشد (^١) عن بعضِ سَلفِه حين قال: «سمعتُ مَن يفسِّر هذا الحديث يقول: شُؤم المرأة إذا كانت غير وَلود، وُشؤم الفَرس إذا لم يُغز عليه في سبيل الله، وشُؤم الدَّار جار السُّوء» (^٢).\nفهذا التَّمثيل للثَّلاثة المذكور الوارد في هذا الأثرِ عن معمر مبنيٌّ على ما ذكروه من معنى الشُّؤم في هذا التَّوجيه الثَّالث، الَّذي هو بضدِّ اليُمن والبَركة.\nوعليه قالوا: إنَّ المرأة العاقر، أو اللَّسِنة المُؤذية أو المُبذِّرة بمالِ زوجِها سفاهةً، ونحو ذلك؛ وكذا الدَّار الجدِبة أو الضَّيِقة، أو الوَبيئة الوَخيمة المَشرب، أو السَّيِئة الجيران، وما في معنى ذلك؛ وكذا الدَّابة الَّتي لا تلِد ولا نسل لها، أو الكثيرة العيوبِ الشَّنيئة الطَّبع، وما في معنى ذلك: كلُّ هذا شيءٌ ضَروريٌّ مُشاهد معلومٌ، ليس هو مِن باب الطِّيرة المَنفيِّة في النُّصوص الأخرى في شيء، ذلك أمرٌ آخر عند مَن يعتقده، يعتقد أصحابها بأنَّها نَحسات على صاحبها لذاتِها! وذلك مِن وحي الشَّيطان يوحيه إلى أوليائِه.\nفالمقصود أنَّ الشُّؤم المُثبتَ في هذا الحديث عند أرباب القول الثَّالث أمر مَحسوس ضروريٌّ مُشاهد، ليس مِن باب الطِّيرة المَنفيَّة الَّتي يعتقدها أهل الجاهليَّة ومَن وافقهم (^٣)؛ وإلى هذا المعنى كان مذهبُ تَقيِّ الدِّين السُّبكي (^٤).\nويُشبه هذا التَّوجيه ما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص يرفَعه: «مِن سعادةِ ابنِ آدم ثلاثة، ومِن شقوة ابن آدم ثلاثة، مِن سعادة ابن آدم: المرأة\n_________\n(^١) معمر بن راشد: الأزدي الحدَّاني مولاهم أبو عروة، عالِم اليمن، متقن ثقة في الحديث، قال أحمد بن حنبل: «لا تضمُّ معمرا إلى أحد إلا وجدته يتقدَّمُه»، وهو عند مؤرِّخي رجال الحديث أوَّل مَن صنَّف باليَمن، توفي (١٥٣ هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٥).\n(^٢) «التَّمهيد» لابن عبد البر (٩/ ٢٧٩).\n(^٣) انظر «معارج القبول» للحَكَمي (٣/ ٩٩٢).\n(^٤) انظر «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ١٣٨).","vol":"3","page":1664},{"text":"الصَّالحة، والمسكن الصَّالح، والمركب الصَّالح، ومِن شقوة ابن آدم: المرأة السُّوء، والمسكن السُّوء، والمركب السُّوء» (^١).\nفإن قيل: فلِمَ اقتصر حديث «الشُّؤم في ثلاث» على ذكرِ الشِّقوة والمنافرة، دون ذكر السَّعادة والمُؤالَفة، كما في هذا الحديث الأخير؟\nقلنا: لأنَّه مِن بابِ الاكتفاءِ بذكر أحَدِ الطَّرفين وإرادة ضدِّه معه! كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبردَ (^٢)، فحُذف البَرد اكتفاءً بذكر الحرِّ الدَّال على مُقابِله، «ولكن جرى ذكر الحرِّ، لأنَّ العرب كانوا في مكانِهم أكثرَ مُعَانَاةً له مِن البرد» (^٣).\nفكذا يُقال في هذا الحديث: قد جرى ذكر الشِّقوة والنَّكد فيه، لأنَّ النَّاس فيها أكثر مُعاناةً في هذه الثَّلاثة!\nغير أنَّ أرباب هذا التَّوجيه الثَّالث يُنبِّهون إلى: أنَّ هذه الشِّقوة وعدمَ الموافقة الظَّاهرة المقصودة في الحديث، تختصُّ في كلِّ نوعٍ ببعضِه لا بجميعِه، فمصدرُ شقاءِ بعض النَّاس زوجتُه، ومصدر شقاء آخرينَ مسكنُه، وآخرون شقاءهم مركبُهم، وبه صرَّح ابن عبد البرِّ: «أنَّه يكون لقوم دون قوم، وذلك كلُّه بقَدَر الله تعالى» (^٤).\nوبالجملة؛ فإنَّ إخباره ﷺ بالشُّؤمِ أنَّه يكون في هذه الثَّلاثة، ليس فيه إثباتُ.\nوأمَّا التَّوجيه الرَّابع الأخير للحديث فمحصِّله: أنَّ التَّشاؤم مِن النَّاس كائنٌ في هذه الثَّلاثة عادةً.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم:١٤٤٥) وقال مُخرِّجوه: «حديث صحيح»، والطَّيالسي في «المسند» (رقم:٢٠٧)، وصححه ابن حبان في «صحيحه» (٩/ ٣٤١).\n(^٢) انظر «جامع البيان» لابن جرير (١٤/ ٣٢٢).\n(^٣) «معاني القرآن» للزَّجاج (٢/ ٢٥٥).\n(^٤) نقله عنه ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٦٢).","vol":"3","page":1665},{"text":"أي أنَّ الحصر في هذه الثَّلاثة إنَّما مردُّه إلى عادة النَّاس، لا بالنِّسبة إلى حقيقتها وخِلْقَتها (^١)، إذْ النَّاس مُتَشائِمون بغيرِها أيضًا، «وإنَّما خُصَّت هذه الثَّلاثة بالذِّكر لطولِ مُلازَمَتها» (^٢)، و«لأنَّ ضَررَها أبلغُ مِن ضَررِ غيرِها» (^٣).\nفكأنَّ الحديثَ يقول على هذا المعنى: التَّشاؤم الباقي عند كثيرٍ مِن النَّاس هو في المرأةِ والدَّارِ والفَرس، فيكون خَارجًا مَخرجَ الإخبارِ، نائيًا عن مَخرجِ الإقرار، غايتُه جمعُ خَبرٍ عن غالبِ عادةِ ما يُتشاءَم به، فليس هو خَبرًا عن الشَّرع، والقصد منه إخبارُه ﷺ عن الأسباب المثيرةِ للطِّيرةِ الكامنةِ في الغرائز، فأخبرنا بهذا لنأخذَ الحذَرَ منها (^٤).\nفعلى هذا الوجهِ يكون المعنى في روايةِ الشَّرط السَّابقة «إن يَكُن الشُّؤم في شيءٍ ...»: أي إنْ يَكُن الشُّؤم في شيءٍ باقيًا في عاداتِ النَّاسِ ونفوسِهم ففي هذه الثَّلاثة.\nوالقصد من بسطي القول في أوجه معنى هذا الحديث الشَّريف:\nأوَّلًا: التَّنبيه على أنَّ مَن اعتقدَ أنَّ رسول الله ﷺ نَسب الطِّيرة والشُّؤم إلى شيءٍ من الأشياء على سبيل أنَّه مُؤثِّر بذلك دون الله، فقد أعظم الفِرية على الله وعلى رسوله، وضَلَّ ضلالًا بعيدًا!\n_________\n(^١) «عارضة الأحوذي» لابن العربي (١/ ٢٧٩)\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٦١).\n(^٣) «تحفة الأبرار» للبيضاوي (٢/ ٣٣٢).\n(^٤) وبهذا تعلمُ أنَّ عَدَّ القرطبيِّ في «المفهم» (١٨/ ١٠٥) لهذا الوجه «ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّه تعطيلٌ لكلام الشَّارع عن الفوائد الشَّرعيَّة الَّتي لبيانِها أرسله الله ﷾» غير سَديد منه، إذ لا إحالة لِأن يُخبر الشَّارع بمُنكرٍ مِن واقع النَّاس يريد بذلك تغيِيرَه أو التَّحذير منه، كقوله ﷺ في صحيح حديث أبي هريرة: «أربعٌ في أمَّتي لن يَدَعوها: التَّطاعن في الأنساب، والنِّياحة، ومُطرنا بنَوءِ كذا وكذا، اشتريتُ بعيرًا أجرب -أو فجرِب- فجعلتُه في مائةِ بعيرٍ فجربَت، مَن أعدى الأوَّل؟» أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٩٨٧٢)، فليس هذا منه مجرَّد إخبارٍ عن واقع، ولكن ما يقتضيه من التَّحذير من تلك الأشياء المذكورة فيه.","vol":"3","page":1666},{"text":"ثانيًا: أنَّ مَن تأمَّل مجموعِ هذه الأوجه من معاني الحديث، تبيَّن للفاهمِ أنَّ الحديث لا يُزري بالمرأةِ أبدًا! ولا يُلصق الشَّر بها، ولا أنَّه ساواها بالجمادِ والحيوان -حاشاها- كما يشَنِّع به المُبطلون.\nوإنَّما خُصَّت هي بالذِّكرِ مع سائر الأمورِ الثَّلاثة مُوافقةً: لطولِ مُلازمتها للمِرءِ (^١)، أو لأنَّ ضَررَها إذا أضرَّته أبلغُ مِن ضَررِ غيرِها (^٢)، أو لكون الإنسانِ لا يخلو مِن عارضِ مكروهٍ في زمانِه ودهرِه منها، فأُضيفَ اليُمن والشُّؤم إليها إضافةَ مكانٍ ومَحلٍّ ليس إلَّا؛ وفي هذا كلِّه إشارة إلى تحذيرِ النَّاس مِن اعتقادِ الشُّؤمِ فيها، وعدم نسبةِ الشُّرور الواقعةِ إليها بهذا الاعتبار؛ فهذا الحديث بهذا أحرى أن يكون دفاعًا عن المرأة لا كما يزعم المُعترضون!\nفإن قيل: إن كان الأمر على هذا المعنى، فالرَّجل قد يكون شُؤمًا على المرأة كذلك! فلِم خُصَّت المرأة بالذِّكر في الحديث دون الرَّجل؟\nفالجواب: لأنَّ المرأة مَطلوبة لا طالبة! شأنها في ذلك شأن الدَّار والفَرس.\nفالرَّجل يأتيها ليأخذها عنده ليَصلُح بها شأنُه، كما أنَّه يأتي الدَّارَ فيشتريها أو يبتنيها، ويأتي الخيل فيقتنيها، كلُّ هذا ليَصلُح شأنُه؛ فإذا ما انقلب الحال ضدَّ ما ابتغاه، وفسُدت عليه مَعيشته مِن إحدى هذه المَطلوباتِ، وفشل مشروعُه منها في الحياة: تعكَّر عليه مزاجُه، وانقذف في قلبِه مِن الكُره لها بحسبِ ما يُلاقيه منها مِن أذى، فيحصُل أن يَزِلَّ إلى اعتقادِ الشُّؤم في إحداها لكبيرِ الواردِ الكريهِ على قلبِه، فهُنا نُبِّه إلى التزامِ الشَّريعة في ردودِ أفعالِه، وحُذِّر من الوقوع في مَناهيها، بما سبق بسطُه في ما مضى من أقوال العلماء، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٦١).\n(^٢) «تحفة الأبرار» للبيضاوي (٢/ ٣٣٢).","vol":"3","page":1667},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>المَبحث السَّابع\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلب»</span>","vol":"3","page":1669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديث: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلب»</span>\nعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قامَ أحدُكم يصلِّي، فإنَّه يستُره إذا كان بين يديه مِثلُ آخِرَة الرَّحْل (^١)، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرَّحل، فإنَّه يقطع صلاتَه الحمار، والمرأة، والكلب الأسود»؛ قال عبد الله بن الصَّامت: يا أبا ذرٍّ، ما بالُ الكلب الأسود، مِن الكلب الأحمر، مِن الكلب الأصفر؟ قال: يا ابنَ أخي، سألتُ رسول الله ﷺ كما سَألتني فقال: «الكلبُ الأسود شيطانٌ» رواه مسلم (^٢).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكلب، ويَقِي ذلك مِثلُ مؤَخِّرةِ الرَّحل» رواه مسلم (^٣).\n_________\n(^١) آخرة الرَّحل: الخشبة الَّتي يَستند إليها الرَّاكب مِن كور البَعير، قال الأصمعى: هي مِن الرَّحل بمنزلة مُؤخِّرة السَّرج، انظر «المجموع المغيث» للمديني (١/ ٤١)، و«النهاية» لابن الأثير (١/ ٢٩).\nوفي «الصِّحاح» للجوهري (٢/ ٥٧٧): «ومُؤخِّرة الرَّحل أيضًا: لُغة قليلة في آخرة الرَّحل».\n(^٢) في (ك: الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلِّي، رقم: ٥١٠).\n(^٣) في (ك: الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلِّي، رقم: ٥١١).","vol":"3","page":1671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>المَطلب الثَّاني\nسَوق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديث: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمار والكلب»</span>\nالمعارضة الأولى: أنَّ في الحديثِ تَنقُّصًا مِن قَدْرِ المرأة حينَ سوَّاها بالكلاب والحَمير.\nوهذه الشُّبهة أوَّلُ ما يقابُلك به المُنكرون للحديث، وأكثر ما يَسُوقونه في اعتراضاتِهم، لِما تَسْتَجلبه مِن تعاطفِ قليلات الفهمِ مِن النِّساء، استقواءً بنفخاتِ رَبَّاتِ النَّزْعاتِ منهنَّ لإطفاءِ نورِ هذا الحديث، والله مُتِمٌّ نورَه.\nفاسمع لفاطمة المرنيسيِّ وهو تقول بعد أن سمعت هذا الحديث لأوَّل مرَّة:\n«صدمتُ جدًّا بهذا الحديث! ولم أعده أبدًا إلَّا مع أمل أن يُمحى من ذاكرتي بقوَّة الصَّمت؛ كنتُ أردِّد لنفسي: أنا الَّتي أجد نفسي ذكيَّةً، مبدعةً، طيِّبةً، عاطفيَّةً، متحمِّسةً كما لا يمكن أن تكون ابنة ستة عشر سنة، متسائلةً: لماذا قال الرَّسول مثل هذا الحديث الّذي يؤلمني؟!» (^١).\nوفي سبيل إلزاقِ هذه التُّهمة بالحديث يقول (نضال عبد القادر): «إنَّه يحتقِر النِّساء، حيث نُسِب إليه أنَّهنَّ .. في مُستوى الحمارِ والكلب، نُسِب إليه أنَّه قال: الكلب والحمار والمرأة تقطع الصَّلاة إذا مرَّت أمام المصلِّي، فاصلةً بينه وبين القِبلة» (^٢).\n_________\n(^١) «الحريم السياسي» للمرنيسي (ص/٨٥).\n(^٢) «هموم مسلم» (ص/١٢٠).","vol":"3","page":1672},{"text":"وتشَبَّث بأهداب هذه التُّهمة آخرون، كصالح أبو بكر (^١)، وزكريا أوزون (^٢)، وغيرهما كثير.\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ الحديث مُعارَضٌ بأحاديث أخرى هي أصَحُّ منه، تنقضُ ما فيه مِن أحكام، وهذا دلَّهم على اختلاقِه، وأبعدُ عن أن يكون قولَ النَّبي ﷺ.\nفأوَّل هذه الأحاديث: حديث عائشة ﵂: حيث ذُكر عندها ما يقطع الصَّلاة، فقالوا: يقطعُها الكلب والحمار والمرأة، قالت: «لقد جعلتمونا كِلابًا! -وفي رواية: شبَّهتمونا بالحُمر والكِلاب- لقد رأيتُ النَّبي ﷺ يصلِّي، وإنِّي لبَينه وبين القِبلة، وأنا مضطجعةٌ على السَّرير، فتكون لي الحاجة، فأكره أن أستقبله، فأنسلُّ انسلالًا» (^٣).\nيقول (ابن قرناس): «هذا الحديث جاء برواياتٍ مُختلفةِ الصِّيغ، ولكنَّنا اخترنا هذه الرِّواية، لأنَّ فيها رَدًّا لأمِّ المؤمنين على قاصِّ الحديث .. مُؤكِّدةً أنَّ المرأة لا تقطع الصَّلاة، وأنَّ هذا الحديث لا يمكن أن يقوله رسول الله» (^٤).\nوبدعوى استنكارِ عائشة لهذا الخبر، تَشَبَّث المُعترِضون به حُجَّةً في إبطالِه (^٥).\nوالحديث الثَّاني: حديث ابن عبَّاس ﵁: فقد صحَّ عنه قال: «أقبلتُ راكبًا على حمارٍ أَتَانٍ (^٦)، وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلام، ورسول الله ﷺ يُصلِّي بمنًى\n_________\n(^١) «الأضواء القرآنية» (ص/٥٣٨).\n(^٢) «جناية البخاري» (ص/١٢٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الصلاة، باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي، رقم: ٥١١)، ومسلم في (ك: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي، رقم: ٥١٢).\n(^٤) «الحديث والقرآن» (ص/٣٦٨).\n(^٥) كسامر إسلامبولي في «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٢٤)، ونضال عبد القادر في «هموم مسلم» (ص/١٧٢)، وزكريا أوزون في «جناية البخاري» (ص/١٢٢).\n(^٦) الأتان: الحمارة، والجمع آتُن، انظر «لسان العرب» (١٣/ ٦ - مادة: أ ت ن).","vol":"3","page":1673},{"text":"إلى غير جدار، فمرَرتُ بين يَدَيْ بعضِ الصَّف، وأرسلتُ الأتان تَرتعُ، فدَخلتُ في الصَّفِ، فلم يُنكَر ذلك عَليَّ» (^١).\nيقول (محمَّد الغزالي): «إنَّ ابنَ عبَّاس مَرَّ بحمارٍ يركبه أمام الجماعة، فصلَّى، فلم تفسُد له صلاة، والكلاب أبيضُها وأسودُها سواء!» (^٢).\nوالحديث الثَّالث: حديث أبي سعيد الخدري: يرفعه: «لا يَقطع الصَّلاة شيءٌ، وادْرَءوا ما استطعتم، فإنَّما هو شيطان».\nيقول الغزاليُّ: «وجمهرة الفقهاء رَفَضَت هذا الحديث (^٣)، واستدلَّت بأحاديث أخرى تُفيد أنَّ الصَّلاة لا يقطعها شيء ..» (^٤)، يعني مثل حديثِ أبي سعيد هذا (^٥).\nثمَّ ذكَرَ بعده تصحيحَ (أحمد شاكر) (^٦) لِما أخرجه الدَّارقطني عن صخر بن عبد الله بن حرملة، أنَّه سمع عمرَ بن عبد العزيز، يقول عن أنس ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بالنَّاس، فمرَّ بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله! سبحان الله سبحان الله! فلمَّا سلَّم رسول الله ﷺ، قال: «مَن المسبِّح آنفًا سبحان الله؟»، قال: أنا يا رسول الله، إنِّي سمعتُ أنَّ الحمار يقطع الصَّلاة، قال: «لا يقطع الصَّلاة شيء» (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: العلم، باب: متى يصح سماع الصغير؟، رقم: ٧٦)، ومسلم في (ك: الصلاة، باب: سترة المصلي، رقم: ٥٠٤).\n(^٢) «السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٥٦).\n(^٣) يعني حديث أبي ذر وأبي هريرة ﵃ في قطع الصلاة بالأمور الثلاثة.\n(^٤) «السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٥٦).\n(^٥) وكذا استدل به (إسلامبولي) على ردِّ حديث القطع، فقال: «إنَّه مخالفٌ للحديث الصَّحيح ..»، انظر «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٢٤).\n(^٦) في تعليقه على «المحلى» لابن حزم (٤/ ١٥).\n(^٧) أخرجه الدارقطني في «سُننه» (ك: الصلاة، باب: صفة السهو في الصلاة وأحكامه واختلاف الروايات في ذلك وأنه لا يقطع الصلاة شيء يمر بين يديه، رقم: ١٣٨٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ك: الصلاة، باب الدليل على أن مرور الحمار بين يديه لا يفسد الصلاة، رقم: ٣٥٠٦).","vol":"3","page":1674},{"text":"ولم يُخفِ (الغزاليُّ) إعجابَه بما ذَهبَ إليه أحمد شاكر مِن كونِ أحاديث قطع الصَّلاة بالأمور الثَّلاثة مَنسوخة، لمجرَّدِ أنَّ هذا القول منه يدفعُ عن الإسلام وصمةَ عَارِ الحديث أمامَ عُلوجِ الغَرب! فتراه يقول: «.. لستُ مِمَّن يَبنُون العَلَالي على الخلافاتِ في فروعِ الفقه، وإنَّما تَعْنِيني سُمعة الإسلام، عندما يُسافر امرؤٌ متعصِّبٌ إلى أوربا وأمريكا، ثمَّ يذكر للنَّاس أنَّ المرأة والكلب والحمار سواءٌ في إفسادِ الصَّلاة عند مرورِها!» (^١).\n_________\n(^١) «السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٥٦).","vol":"3","page":1675},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>المَطلب الثَّالث\nدفع المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديث: «يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحمار والكلب»</span>\nأمَّا دَعوى المُعترض إِهانةَ الحديثِ للمرأةِ إذ عدلها بالكلابِ والحَمير، فيُقال في جوابِه:\nإذا كان اقترانُ الأشياء في النَّظم اللَّفظيِ (^١) غير مُوجبٍ لاقترانِها في الحُكم عند عامَّةِ أهلِ الأصول (^٢): فإنَّ الاقتران في ذاتِ الحُكمِ لا يوجب الاقترانَ في القَدْرِ والمَكانةِ مِن بابِ أَوْلى عند عامَّة العقلاء!\nكما إذا قال فقيهٌ -مثلًا-: إنَّ تَغيِيبَ الرَّجُل حَشَفتَه في فرجِ امرأتِه أو أجنبيَّةٍ يوجب الغُسلَ؛ فلا يَفهم منه راشدُ العقلِ أنَّهم يُسَوُّون بين الزَّوجةِ والمَزنيِّ بها في القَدْر!\nأمَّا دعوى (الغزاليِّ) رفضَ جمهرةِ الفقهاءِ لهذا الحديث، لمِعارضتِه أحاديثَ أخرى تُفيد أنَّ الصَّلاة لا يقطعها شيء، فالرَّد عليه: أن يُنبَّه إلى أنَّ الفقهاء إنَّما اختَلفوا في فقهِ الحديث، ولم يرفضوه كما ادَّعى!\n_________\n(^١) دلالة الاقتران في اللَّفظ: أن يُجمع بين شيئين فأكثرَ في الأمر والنَّهي، ثمَّ يُبيَّن حكم أحدِهما دون الآخر، فيُستدلَّ بالاقتِران على ثبوت ذلك الحكم نفسِه للآخر، انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٢/ ٥٧٩).\n(^٢) «ميزان الأصول» للعَلاء السَّمرقندي (١/ ٤١٥).","vol":"3","page":1676},{"text":"وجمهورُ الفقهاء حين جَنحَ إلى كونِ الصَّلاة لا يقطعها شيءٌ مِن تلك الثَّلاثة ولا مِن غيرها (^١) مُستَدلِّين لذلك بنصوصٍ أخرى هي أقوى دلالةً عندهم في هذا الباب: لم يَتوجَّهوا إلى حديثِ أبي ذرٍّ ﵁ ونحوه بالرَّفضِ؛ فلولا أنَّهم على الإقرار بصحَّة هذه الرِّوايات في قطعِ الصَّلاة، مَا اختلفوا إزاءَها على مَسلكين:\nقِسم رآها مَنسوخةً: ومِمَّن سَلَك هذا المَسلك في النَّسخِ: الطَّحاويُّ، وبعض الفقهاء (^٢).\nوالنَّاسِخُ عندهم: حديث ابن عبَّاس في مرورِ الأَتانِ بين يَدَيْ الصَّف، وكان في حَجَّة الوَداع آخرَ عُمر النَّبي ﷺ، قالوا: فإذا نُسِخ منها الحمار، دَلَّ على نَسْخِ الباقي (^٣).\nونَسَخه أيضًا حديث عائشة في اعتراضِها بين يَدَيْ صلاةِ النَّبي ﷺ، «فإنَّا نَعلمُ أزواجَه -خصوصًا عائشة- ما حَكينَه عنه مِمَّا يَتكرَّر في كلِّ ليلةٍ هو النَّاسخ، لأنَّه لو حَدَث شيءٌ عَلِمنَ به» (^٤).\nوقد تُعُقِّب هذا المَسلك بما قاله النَّووي: «.. مِنهم مَن يدَّعي نسخَه بالحديثِ الآخر: «لا يقطعُ صلاة المرءِ شيءٌ، وادرءوا ما استَطَعتم»؛ وهذا غير مَرضيٍّ، لأنَّ النَّسخَ لا يُصَار إليه إلَّا إذا تَعَذَّر الجمع بين الأحاديث وتأويلُها، وعَلِمنا التَّاريخ، وليس هنا تاريخ، ولا تَعذَّر الجمع والتَّأويل، بل يُتَأوَّل على ما ذَكرناه، مع أنَّ حديث: «لا يَقطع صلاةَ المرءِ شيءٌ ..» ضَعيف» (^٥).\nقلتُ: وهو كما قال، فإنَّ حديث أبي سعيد ﵁ هذا «لا يَقطع الصَّلاة شيءٌ» مِن روايةِ مُجالد بن سعيد، قد ضعَّفه الجمهور وَرَمَوه بالاختلاطِ بأخرة،\n_________\n(^١) رُوي ذلك عن عثمان، وعلى، وحذيفة، وابن عمر، وابن عباس ﵃، ومن التَّابعين جماعات، وهو قول مالك بن أنس، والثَّورى، وأبى حنيفة، والشَّافعى، وأبى ثور، وداود، والطَّبري، انظر «مَعالم السُّنن» (١/ ١٨٩)، و«الاستذكار» (٢/ ١٤١).\n(^٢) انظر «شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ٤٥٩)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٢١/ ١٦٨).\n(^٣) انظر «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ١٣١).\n(^٤) «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ٣٩٠).\n(^٥) انظر «شرح النووي على مسلم» (٤/ ٢٢٧)، و«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٥٨٩).","vol":"3","page":1677},{"text":"وهذا مِن روايةِ حمَّاد بن أسامة عنه، وهو مِمَّن سَمِع منه بعد الاختلاط (^١)، ولذا قال العُقيليُّ في مثل روايتِه هذه: «فيها لِين وضَعف» (^٢).\nوأمَّا ما نَقَله (محمَّد الغَزاليُّ) عن أحمد شاكر مِن استدلالٍ على نسخِ أحاديثِ القطعِ: بحديث صخر بن عبد الله بن حرملة، حين سمع عمر بن عبد العزيز يقول عن أنسٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى بالنَّاس، فمرَّ بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله! .. وأنَّ النَّبي ﷺ قال آخرَه: «لا يقطعُ الصَّلاة شيء»:\nفهذا الحديث لم يُصِب شاكرٌ في تصحيحِه! حيث انفردَ به صخر بن عبد الله المدلجي، لم يَروِ عنه إلَّا بكر بن مُضر، ولم يُوثَّق بتوثيقٍ مُعتَبر (^٣)، فمثلُه لا يُحتجُّ به إذا انفرد، فناسبَ أن يقول ابن حجرٍ فيه: «مَقبول» (^٤): أي حيث تُوبِع، ولم يُتابع هو على روايتِه هذه.\nفضلًا عن أنَّ حديثَ هذا الرَّاوي مضطَرِبٌ في إسنادِه، وقد صَوَّب الدَّارقطنيُّ (^٥) والإشبِيليُّ (^٦) إرسالَه عن عمر بن عبد العزيز.\nومُحصَّل القول في هذه الأخبار النَّافية لقطعِ الصَّلاة، قولُ ابن عبد الهادي: «إنَّها كلَّها ضِعاف» (^٧)، وقول ابن رجب بعده: «لا يثبتُ منها شيءٌ» (^٨).\nأمَّا القسم الثَّاني من العلماء -وهم الأغلَب-: فقد سَلكوا في أحاديث القطعِ مَسلكَ التَّأويل، مُستَنِدين إلى أنَّ «الأحاديثَ إذا تعارَضت، ووُجِدَ في\n_________\n(^١) «طرح التَّثريب» (٢/ ٣٨٩).\n(^٢) «الضُّعفاء» للعقيلي (٢/ ٧٥).\n(^٣) لم يذكره إلَّا ابن حبَّان في كتابه «الثقات» (٦/ ٧٤٣).\n(^٤) «التقريب» (رقم: ٢٩٠٧).\n(^٥) «العِلل» له (١٢/ ١١٦).\n(^٦) «الأحكام الوسطى» لعبد الحق الإشبيلي (١/ ٣٤٨).\n(^٧) «تنقيح التَّحقيق» لابن عبد الهادي (٢/ ٣١٩).\n(^٨) «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ١١٤).","vol":"3","page":1678},{"text":"معاني بعضِها تَضادٌّ، فالسَّبيل أن تُأوَّلَ على وجه التَّوفيق بينها، ونفيِ التَّضاد والاختلاف عنها» (^١).\nوقالوا: القطعُ في حديث أبي ذرٍّ وأبي هريرة ليس المَقصد به إبطالَ الصَّلاة مِن أصلِها، حتَّى يكون فيها وجوب الإعادة؛ يؤيِّده: أنَّ النَّبي ﷺ لمَّا سَأله الرَّاوي عن الحكمةِ في الأسودِ من الكلاب، قال: لأنَّه شيطان، «وقد عُلِم أنَّ الشَّيطان لو مَرَّ بين يَدَي المُصلِّي لم تَفسُد صَلاتُه» (^٢).\nفهذا ابن عبَّاس ﵁وهو أحدُ رُواةِ قطعِ الصَّلاة بالأمورِ الثَّلاثة (^٣) - لم يحمِله على ظاهرِه مِن بُطلانِ الصَّلاةِ، ولكنْ على الكراهِية، فقد قيل له: «أيَقطَع الصَّلاةَ المرأةُ، والكلبُ، والحمارُ؟ قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فما يقطعُ هذا؟! ولكن يُكْرَه» (^٤).\nفلأجل أصالة هذا المَسلك من التَّأويل وأَوْلَوِيَّتِه في الجمعِ بين النُّصوصِ، قال الجمهور: إنَّ في حديث عائشة وابن عبَّاس المُتَقَدِّمين نفيَ القطعِ الَّذي هو بمعنى إفسادِ الصَّلاة، والمنع مِن التَّمادي فيها، أمَّا حديث أبي ذرٍ وأبي هريرة: ففيهما إثباتٌ للقطعِ على معنى آخر غير إفسادِ الصَّلاة (^٥).\nواختلفت مآخذهم على أيِّ معنى يُحمَل هذا القطعِ:\nفمنهم مَن حَمله على معنى المبالغةِ في الخوفِ على فسادِها بالشُّغلِ بتلك الأمور الثَّلاثة: كما تقول للمادِح: «قطعتَ عُنقَ أخيك»، أي: «فعلتَ به فِعلًا يُخاف عليه هلاكُه منه، كمَن قَطع عُنقَه» (^٦).\n_________\n(^١) «المُيسَّر في شرح مصابيح السُّنة» للتوربشتي (١/ ٢٢٨).\n(^٢) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٥٨٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود (ك: الصلاة، باب: ما يقطع الصلاة، رقم: ٧٠٣)، وابن ماجه (ك: غقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما يقطع الصلاة، رقم: ٩٤٩)، وصحَّحه النووي في «المجموع» (٣/ ٢٥٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (ك: صلاة التطوع، باب: لا تقطع المرأة الصلاة، رقم: ٨٧٦٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٥٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ك: الصلاة، باب: الدليل على أن مرور الكلب وغيره بين يديه لا يفسد الصلاة، رقم: ٣٥١٤).\n(^٥) انظر «المنتقى» للباجي (١/ ٢٧٧).\n(^٦) «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٢/ ٤٢٤).","vol":"3","page":1679},{"text":"فتأويل الحديث على هذا: أنَّ المرأةَ تَفتِن، والحمار يَنهق بأنكرِ الأصوات، مع لَجاجتِه وقِلَّة تأتِّيه عند دفعِه ومخالفتِه، والكلبُ يُروِّع فيُشوِّش الفكرَ في ذلك، مع نفورِ النَّفس منه، لاسيما الأَسْود، وكراهةِ لونِه، وخوفِ عادِيَتِه، حتَّى تنقطعَ عليه الصَّلاة بهذه الأمور وتَفسد، فلمَّا كانت هذه الأمور آيلةً إلى القطعِ، جعَلَها قاطعةً بهذا الاعتبار (^١).\nومنهم من حَمَله على معنى نقصِ الصَّلاة لا نقضها: وهذا مذهب الشَّافعيِّ (^٢)، ورجَّحه الخطَّابي (^٣)، والبيهقيُّ (^٤) وغيرهما (^٥)، وحكاه النَّووي قولَ الجمهورِ (^٦).\nووَجه النَّقصِ عند بعضِهم فيها: أنَّ القلب ينشَغِلُ بهذه الأشياء عن الإقبالِ على صلاتِه، والبُعدِ عن الاشتغالِ عنها، وقطعِها المُصلِّي عن مُواطأةِ القلبِ واللِّسان في الذِّكر، فذلك معنى قطعِها للصلَّاة.\nومثل هذا التَّعبير بهذا المعنى في كلامِهم شائعٌ مُستفيض، «فيقول القائل إذا تَكلَّم بين يَديه مُتكلِّم وهو مُقبل على صلاتِه: قطعتَ عليَّ صلاتي، أي: شَغلتَ قلبي عنها» (^٧).\nوقد تُعُقَّبَ هذا التَّوجيه لمعنى النَّقصِ في القطع: بأنَّ المُصلِّي قد يكون أعمَى! وقد يكون ذلك ليلًا في ظلمةٍ! بحيث لا يَشعُر به الَمارُّ ولا مَن مَرَّ عليه! مع أنَّ الحديثَ يَعمُّ هذه الأحوال كلَّها؛ وأيضًا: قد يكون غيرُ هذه الثَّلاثة أكثرُ إشغالًا للمُصلِّي، كالوحوش والخَيل المُسوَّمَة! ولا يقطع الصَّلاة مرورُ شيءٍ من ذلك.\n_________\n(^١) انظر «الإفصاح» لابن هبيرة (٢/ ١٩٠)، و«طرح التَّثريب» للعراقي (٢/ ٣٩١).\n(^٢) «معرفة السُّنن والآثار» للبيهقي (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) «معالم السُّنن» (١/ ١٩١).\n(^٤) «معرفة السُّنن والآثار» (٣/ ٢٠٠).\n(^٥) انظر «المنتقى» للباجي (١/ ٢٧٧)، و«إكمال المعلم» للقاضي عياض (٢/ ٤٢٤)، و«المَسالك» لابن العربي (٣/ ١٠٦)، و«الفتح» لابن حجر (١/ ٥٨٩).\n(^٦) «شرح النَّووي على مسلم» (٤/ ٢٢٧).\n(^٧) «الميسَّر في شرح المصابيح» للتوربشتي (١/ ٢٢٨).","vol":"3","page":1680},{"text":"ولذا كان الأقربَ عندي مِن هذا التَّوجيه للنَّقص، ما أحسنَ ابنُ رَجبٍ صَوْغَه في بيانِ العِلَّة الَّتي لأجلِها خُصَّت هذه الثَّلاثة بالاحترازِ منها، في قولِه:\n«لمَّا كان المُصلِّي مُشتغلًا بمناجاةِ الله، وهو في غايةِ القُربِ منه، والخُلوةِ به، أَمَر المُصلِّي بالاحترازِ مِن دخولِ الشَّيطانِ في هذه الخُلوة الخاصَّة، والقُربِ الخاصِّ؛ ولذلك شُرِعَت السُّترة في الصَّلاة، خشيةً مِن دخول الشَّيطان، وكونه وَليجةً في هذه الحال، فيقطع بذلك مَوادَّ الأُنسِ والقربِ؛ فإنَّ الشَّيطان رَجيم مَطرود مُبعَد عن الحضرة الإلهيَّة، فإذا تَخلَّل في محَلِّ القُربِ الخاصِّ للمُصلِّي، أوجَبَ تَخلُّلُه بُعْدًا وقطعًا لموادِّ الرَّحمة والقُربِ والأُنس.\nفلهذا المعنى -والله أعلم- خُصَّت هذه الثَّلاث بالاحتراز منها، وهي:\nالمرأة: فإنَّ النِّساءَ حَبائلُ الشَّيطان، وإذا خَرَجت المرأة مِن بيْتِها استشرفَها الشَّيطان ..\nوالكلب الأسود: شَيطان، كما نصَّ عليه الحديث.\nوكذلك الحمار: ولهذا يُستعاذ بالله عند سماع صوتِه باللَّيل، لأنَّه يَرى الشَّيطان.\nفلِهذا أَمَر ﷺ بالدُّنوِّ مِن السُّترة، خشيةَ أن يقطع الشَّيطان عليه صلاتَه، وليس ذلك مُوجِبًا لإبطالِ الصَّلاة وإعادتِها -والله أعلم- وإنَّما هو: مُنقِصٌ لها، كما نصَّ عليه الصَّحابة، .. كما سبق ذكرُه في مرورِ الرَّجل بين يَدَي المُصلِّي، وقد أَمر النَّبي ﷺ بدفعِه وبمقاتلتِه، وقال: «إنَّما هو شيطان» (^١)، وفي رواية: «إنَّ معه القرين» (^٢)، لكنَّ النَّقصَ الدَّاخلَ بمرورِ هذه الحيوانات -الَّتي هي بالشَّيطان أخصُّ- أكثرُ وأكثر؛ فهذا هو المُراد بالقطعِ، دون الإبطال والإلزام بالإعادة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الصلاة، باب: يرد المصلي من مر بين يديه، رقم: ٥٠٩)، ومسلم في (ك: الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، رقم: ٥٠٥).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، رقم: ٥٠٦).\n(^٣) «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ١٣٤).","vol":"3","page":1681},{"text":"وقريبٌ جدًّا مِن هذا التَّعليلِ النَّفيسِ لمعنى القطعِ: ما التَفت له بعضُ المتأخِّرين في شرحِ الحديث، حين أجرى القطعَ على حقيقتِه؛ لا بمعنى الفسادِ للصَّلاة، ولا بمعنى قطعِ الخشوع، ولكن بمعنى قَطعِ الوَصلةِ الَّتي بين المُصلِّي وربِّه حين يُناجي وهو بينه وبين القِبلة، والرَّحمة الَّتي تُواجهه كلُّها عبارةٌ عن تلك الوَصلة، فإذا مرَّ بين يَديَه تلك الأشياء الثَّلاثة، فقد قطعتْ تِلك الوَصلة حقيقةً.\nوفي تقرير هذا المعنى اللَّطيف لقطعِ الصَّلاة في الحديث، يقول الكَشميريُّ:\n«إنَّ المُصلِّي يُناجي ربَّه ويواجهه، كما أخرج أبو داود عن سهل ﵁ في باب الدُّنو من السُّترة: «إذا صلَّى أحدُكم إلى سُترة، فليَدنُ منها، لا يقطع الشَّيطان عليه صلاته»؛ فتِلك المناجاة والمواجهة قائمة بينه وبين القِبلة ما دام يُصلِّي، فإنَّ ربَّه بينه وبين القبلة.\nولذا حَكَم الشَّرع على المارِّ أنَّه شيطان، لأنَّه مرَّ بين العبد ومَولاه، فأراد أن يحصُرَ تلك المواجهة، لِئلَّا يضيق الطَّريق على المارِّين، .. فأَمَر المارَّ أن لا يمُرَّ بين يَدي سُترة، ولكن يمرُّ وراءها، وهدَّده وحذَّره ووعَده، فلو مَرَّ بعد هذه التَّمهيدات (^١) أيضًا، لم يكُن إلَّا شيطانًا مقصودُه الحيلولة بينه وبين ربِّه، وقطعُ تلك الوَصلة الَّتي قامت في الصَّلاة، وهو عند أبي داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا قال: «مَن استطاع منكم أن لا يَحول بينه وبين قبلتِه أحدٌ فليفعلْ».\nوعلى هذا لا أتأوَّل في أحاديثِ القطع، وأحملُها على ظاهِرها.\nوأقول: إنَّ المرأة والكلب والحمار كلُّها تقطع الصَّلاة، أي: تلك الوَصلة، وهذا كما إذا جَرى بينك وبين أحدٍ مُحادثة، فلو قَعد رجلٌ في الوَسط، تراه أنَّه قَطَع كلامَك ومحادثَتك، فهو أيضًا نوعٌ مِن القطعِ أيضًا بدون تأويل، ولا بُعد فيه، فإنَّ الشَّريعة قد تُخبر عن الغائباتِ بما تراه ولا نَراه، فأخبَرَت بإقامةِ\n_________\n(^١) كذا في الأصل المطبوع، وتحتمل عندي أن تكون: «التَّهديدات».","vol":"3","page":1682},{"text":"الوَصلة، وكذلك أخبرت بقطعِها عند المرور، فما لنا أن نُنكِرَه أو نؤوِّلَ فيه؟!» ا. هـ (^١).\nقلتُ: ومَع كلِّ هذه التَّأويلات للحديث، فما ضَرَّ الحديثَ إن جَهلِنا نحن حِكمتَه!\nفإنَّ تَعليلَ الأحكامِ الشَّرعيَّة يكون مَعلومًا لنا تارة، ومجهولًا لنا أخرى، وقد يكون مَعلومًا لكلِّ أحدٍ بأدنى نَظَر، وقد يكون مَعلومًا لأناسٍ دون غيرهم.\nوالعلماء سمَّوا ما لا تُعقَلُ عِلَّتُه بـ «الحكمِ التَّعبُّدي» (^٢)، وهو ما تَمحَّضَ للتَّعبُّد بامتِثالِه كما جاء، دون معرفةٍ لحقيقةِ معناه، وإن كان لا بُدَّ له مِن معنى في نفسِه، لاستحالةِ العَبث على الله تعالى، لكنَّه قد لا يُدرَك لدِقَّتِه (^٣).\nفلا ريبَ أنَّ حديث القطعِ هذا، سواء كان مَعلومَ العِلَّة أو تَعبُّديًّا، فإنَّا نَتلقَّاه على الرَّأس والعَين كما تلقَّته العلماء، وإن اختلفوا بين مُتأوِّلٍ له -وهم الجمهور- وقائلٍ بالنَّسخ.\nأمَّا عَدى هؤلاءِ مِمَّن رَأى لفظَ القطعِ في الحديث على معنى إفساد الثَّلاثة المذكورة في أحاديث القطعِ للصَّلاة حقيقةً (^٤)، أو ببعضِها دون الآخر (^٥)، فقد أجابوا هم أيضًا عمَّا ظاهرُه المعارضة لذلك، وجمعوا بين النُّصوص في هذا الباب، أن منعوا تنزُّلَ حكمِ حديث أبي ذرٍ وأبي هريرة على حَدِيثي عائشة وابن عبَّاس، ما لا يتَّسِع له المقامُ لبسطِ أقوالِهم فيه.\n_________\n(^١) «فيض الباري» (٢/ ١٠٦).\n(^٢) انظر «شرح مختصر الرَّوضة» للطوفي (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨)\n(^٣) انظر «حاشية العطَّار على شرح المحلِّي على جمع الجوامع» (٢/ ٢٤٤).\n(^٤) رُوي ذلك عن أنس بن مالك، وأبي الأحوص، والحسن البصري، كما في «مَعالم السُّنن» (١/ ١٨٩)، و«الاستذكار» (٢/ ٨٤)، ورواية عن أحمد كما في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٥/ ٣٣٩)، و«فتح الباري» لابن رجب (٤/ ١٢٦)، وهو قول ابن حزم في «المحلى» (٢/ ٣٢٠)، وابن تيمية كما في «القواعد النورانية» (ص/٣٢).\n(^٥) وهي الروايةٍ الأخرى عن أحمدَ في «مسائل الكوسَج» (٢/ ٦٤١) قال: «ما أعلمُه يقطعُها إلَّا الكلب الأسود الَّذي لا أشكُّ فيه، وفي قلبي مِن الحمار والمرأة شيء»، وهذا المَشهور مِن مذهب الحنابلة، كما في «المغني» لابن قدامة (٢/ ١٨٣).","vol":"3","page":1683},{"text":"والشَّاهد من سَوقِي لأقوالِهم تلك:\nأنَّ أحدًا منهم ما رَدَّ حديثًا بحديث! بل مُعتَصمُهم الجمعُ بين أحاديث هذا الباب، كلٌّ حَسَبَ ما أتاه الله من آلةِ فهمٍ وإدراك، والله يجزيهم عنَّا وعن الإسلام خير الجزاء.\nفإن قال قائل: فقد أنكَرَت عائشة ﵂ حديثَ القطع بالثَّلاثة بأن قالتِ غاضبةً: «قد شبَّهتُمونا بالحمير والكِلاب»!\nقُلنا: الَّذي أنكرته عائشة: ما سمعته مِن فَتوىً بقطعِ المرأة للصَّلاة، ولم يُنقَل لها حديثٌ في هذا البابِ لتُنكِرَه أصلًا!\nبيانُ ذلك: في ما جاء عن عروة بن الزُّبير، قال: قالت عائشة: ما يَقطعُ الصَّلاة؟ قال: فقُلنا المرأة والحمار، فقالت: «إنَّ المرأة لدابَّة سوء ..» (^١).\nوعن الأسود، عن عائشة، (بَلَغها أنَّ ناسًا يقولون): إنَّ الصَّلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة، قالت: ألا أُراهم قد عَدَلونا بالكلاب والحمر ..» (^٢).\nوعن القاسم قال: بلَغ عائشة ﵂ أنَّ (أبا هريرة ﵁ يقول): إنَّ المرأة تقطع الصَّلاة، فقالت: «كان رسول الله ﷺ يُصلِّي فتقعُ رجلي بين يديه ..» (^٣).\nفكما يظهر مِن هذه الرِّوايات جَليًّا: أنَّ عائشة ﵂ لم تُذكَر لها روايةٌ واحدة لحديثٍ مُسندٍ إلى النَّبي ﷺ حتَّى ترُدَّه، إنَّما أجابت عمَّا سمعته مِن حكمِ بعض النَّاسِ بإفسادِ المرأة لصلاة الرَّجلِ، فشَنَّعت على قائلِ ذلك، ورَدَّت قوله بما فهِمته من فعلِ رسول الله ﷺ معها والمُقتضي لعدم قطعِها للصَّلاة، بِغضِّ النَّظر عن صحَّةِ فهمِها لِما رأته، فهي مجتهدةٌ تَدور في ذلك بين الأجر والأجرين، وقد «استَدلَّت بحديثِها هذا على أنَّ المرأة لا تقطع الصَّلاة، وأنكرت التَّسويةَ بين المرأةِ والحمارِ والكلبِ في ذلك، وهذا يُشعِر بمُوافقتِها على الحمارِ والكلبِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في (ك: الصلاة، باب: الاعتراض بين يدي المصلي، رقم: ٥١٢).\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٢٤١٥٣)، وقال مخرِّجوه (٤٠/ ١٨٤): إسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه ابن عبد البر في «التَّمهيد» (٢١/ ١٦٦).\n(^٤) «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ١١٢).","vol":"3","page":1684},{"text":"وختامًا أقول:\nإنَّ الطَّعن في خبر عن رسول الله ﷺ لا يكون إلَّا: بالطَّعنِ في دينِ الرَّاوي وعدالتِه، أو تَضعيفِه في ضبطِه وحفظِه؛ وهذان قد أعاذَ الله منهما حديثَ القطعِ هذا يَقينًا، لأنَّه من روايةِ أربعة من الصَّحابة: أبي ذرٍ الغفاريّ، وأبي هريرة، وابن عبَّاس -وقد مَرَّت روايَتهم-، ثمَّ أنس بن مالك (^١)، وعن هؤلاء حمَل الحديث عشرات مِن الرُّواة الثِّقات.\nفمِن أين سيأتي الخَلل في ضبطِ هذا الحديثِ، وقد اتَّفق على لفظِه كلُّ هؤلاء الجهابذة؟! وحسبك بهؤلاء الأربعةِ دينًا ووَرعًا وحفظًا.\n_________\n(^١) أخرج حديثَه الحارث في «المسند - بغية الباحث» (رقم/١٦٣)، والبزَّار في «مسنده» (رقم: ٧٤٦١)، وحسَّنه الضِّياء في «المختارة» (٦/ ٢٥١)، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٢/ ٣٧٠).","vol":"3","page":1685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>المَبحث الثَّامن\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحَديث رَضاعُ الكَبيرِ</span>","vol":"3","page":1687},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>المَطلب الأوَّل\nسَوْق حديث رضاع الكبير</span>\nعن عائشة ﵂:\nأنَّ أبا حذيفة ﵁وكان مِمَّن شهِد بدرًا مع رسول الله ﷺ- تَبنَّى سالمًا، وأنكحَه بنتَ أخيه هند بنتَ الوليد بنِ عتبة، وهو مَوْلى لامرأةٍ مِن الأنصار، كما تَبنَّى رسولُ الله ﷺ زيدًا، وكان مَن تَبنَّى رجلًا في الجاهليَّة، دعاه النَّاس إليه، ووَرِث مِن ميراثه، حتَّى أنزلَ الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فجاءت سَهلةُ النَّبيَّ ﷺ .. فذَكَر الحديث.\nكذا عند البخاريِّ (^١).\nوتكمِلة الحديث عند مسلم:\n«فجاءت سَهلةُ بنت سهيل إلى النَّبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إنِّي أرَى في وجهِ أبي حذيفة مِن دخولِ سالمٍ، وهو حَلِيفه، فقال النَّبي ﷺ: «أرْضِعِيه»، قالت: وكيف أُرضِعه وهو رَجلٌ كبيرٌ؟! فتَبسَّم رسول الله ﷺ، وقال: «قد علِمتُ أنَّه رَجلٌ كبيرٌ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه في (ك: المغازي، باب، رقم: ٤٠٠٠).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الرضاع، باب: رضاعة الكبير، رقم: ١٤٥٣).","vol":"3","page":1689},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>المَطلب الثَّاني\nسَوق دعاوي المعارضاتُ الفكريَّة المعاصرة\nلحديثِ رضاعِ الكَبيرِ</span>\nأجلبَ طوائف مِن المُحْدَثين -بشتَّى مَشاربِهم الفكريَّة- على هذا الحديثِ بأوْقارٍ من الشُّبهات، وبالغوا في التَّشنيعِ عليه، حتَّى زعموا أنَّ «مخالفةَ هذا الحديث لأصولِ الدِّينِ لا تحتاج إلى برهان»! (^١)\nونستطيع إرجاع هذه المُعارضاتِ المتواترةِ على الحديث إلى اعتراضين أساسَين:\nالاعتراض الأوَّل: أنَّ الرَّضاعةَ المعتبرة في القرآن تمامها الحَولان، وما وَرَد في هذا الحديث مِن تحريمِ الرَّضاعِ للكبيرِ مُناقضٌ لصريحِ كتاب الله تعالى، بل ولِأحاديث أخرى موافقةٍ لنصِّ الكِتاب.\nوفي تقرير هذه المعارضة، يقول إسلامبولي:\n«مِن المعلوم بالضَّرورة عند علماء المسلمين أنَّ الرَّضاعةَ مُعتبرةٌ إلى حَدِّها الأعلى الَّذي حَدَّده الله ﷿ في القرآن، وهو حَولين فقط، قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\n_________\n(^١) «هموم مسلم، التكفير بدلًا من التكفير» لنضال عبد القادر (ص/١٢٦).","vol":"3","page":1690},{"text":"والصَّواب هو أنَّ الرَّسول أعلم النَّاس بهذا الحكم القرآنيِّ الثَّابت، ولا يمكن أن يخالف ما نزل عليه من الوحي، ممَّا يؤكِّد بطلان وكذب هذا الادِّعاء، والافتراء عليه في مخالفته للحكم القرآنيِّ، وهذا الحديث على افتراضِ صحَّته، لوَجب استمرار مفعوله على يوم الدِّين وعموميَّته للنَّاس كلِّهم» (^١).\nوالاعتراض الثَّاني: أنَّ في أمرِ سهلةَ بارتضاعِ سالمٍ منها كشفٌ لعورتها لأجنبيِّ بالنَّظر والمسِّ، وذاك لا يجوز في الشَّريعة.\nيقول ابن قرناس عن هذا الحديث: أمرٌ صارَ «يتَندَّر غير المسلمين به على الإسلام، ويَسخرون مِن تَشريعاتِه، بسببِ أنَّ بعض الفقهاء يصِرُّون على اعتبارِ رضاعةِ الكبيرِ يَحرُم بها ما يحرُم مِن رضاعةِ الطِّفل .. [فـ] كيف يُمكن أن يَضَعَ رجلٌ حَلَمةَ ثديِ امرأةٍ أجنبيَّة في فمِه؟!» (^٢).\n_________\n(^١) «تحرير العقل من النقل» (ص/٢١٨ - ٢١٩).\n(^٢) «الحديث والقرآن» (ص/١٠٥ - ١٠٦).","vol":"3","page":1691},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>المَطلب الثَّالث\nدفعُ دعوى المعارضات الفكريَّةِ المعارضةِ\nعن حديثِ رَضاعِ الكبيرِ</span>\nأمَّا دعوى المعارضةِ الأولى من مجاوزة الحديث لتوقيتِ الرَّضاعِ المُحرِّم بالحَولين:\nفقبل الشُّروعِ في تفاصيلِ جوابِه بما فيه دحضُ حُجَّتِه، لابدَّ مِن الإشارةِ ابتداءً إلى أنَّ الأمَّة متَّفقة على أنَّ الرَّضاع بالجملةِ يحرُم منه ما يحرُم مِن النَّسب، أعني أنَّ المُرضِعةَ تُنزَّل منزلةَ الأمِّ، فتحرُم على الرَّضيع وكلُّ ما يحرم على الابنِ مِن قِبَل أمِّ النَّسب، لقولِ النَّبي ﷺ: «يحرُم مِن الرَّضاع ما يحرُم مِن النَّسب» (^١).\nواختلفوا فيما عدا ذلك مِن بعض التَّفاصيل، مِنها مسألة حديثِنا هذا رضاع الكبير.\nفأمَّا الجمهور مِن الصَّحابة: منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عبَّاس ﵃، ثمَّ عامَّة التَّابعين مِن بعدهم، وأئمَّة الفقه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، والرضاع المستفيض، والموت القديم، رقم: ٢٦٤٥)، ومسلم في (ك: الرضاع، باب: تحريم الرضاعة من ماء الفحل، رقم: ١٤٤٥).","vol":"3","page":1692},{"text":"والحديث في الأمصارِ (^١)، كأبي حنيفة (^٢)، ومالك (^٣)، والشَّافعي (^٤)، وأحمد (^٥): هؤلاء قالوا أنَّ الرَّضاع لا يُحرِّم إلَّا ما كان في مُدَّتِه مِن الحَولين.\nوأسَّسوا مَذهبَهم هذا على أدلَّةٍ مِن الكِتاب والسُّنة؛ فمِن القرآن:\nقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].\nففي هذه الآية أنَّ إتمامَ الرَّضاعة على الحَوْلين، ولازمه مِن جِهة المفهومِ نفيُ الزِّيادة وإلغاءُ أثرِها؛ كما يوضِّحه أبو العبَّاس القرطبي في قوله: «هذه أقصى مدَّة الرَّضاع المحتاجِ إليه عادةً، المُعتبرِ شرعًا، فما زادَ عليه بمدَّةٍ مؤثِّرةٍ غير مُحتاجٍ إليه عَادةً، فلا يُعتَبر شَرعًا، لأنَّه نادرٌ، والنَّادرُ لا يُحكَم له بحكمِ المُعتادِ» (^٦).\nوأمَّا مِن السُّنة: فخبر عائشة ﵂ قالت: دَخَل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجلٌ قاعد، فاشتَدَّ ذلك عليه، ورأيتُ الغَضَب في وجهِه، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّه أخي مِن الرَّضاعة، فقال: «اُنظُرْنَ مَن إخوَتُكنَّ مِن الرَّضاعة، فإنَّما الرَّضاعة مِن المجَاعة» (^٧).\nومعناه: أنْ يتأمَّلْنَ ما وَقَع مِن ذلك الرَّضاع: هل هو صحيحٌ بشرطِه مِن وقوعِه في زَمن الرَّضاعة، ومِقدار الارْتِضاعِ؟ فإنَّ الحكم الَّذي يَنشأ مِن الرَّضاع إنَّما يكون إذا وقع الرَّضاع المُشترَط، ومِن شرطِ ذلك: أن يكون في الَّذي إذا\n_________\n(^١) انظر «الجامع» للترمذي (٣/ ٤٥٠)، و«الاستذكار» لابن عبد البر (٦/ ٢٥٦).\n(^٢) انظر «المبسوط» للسرخسي (٥/ ١٣٦).\n(^٣) انظر «المدونة» (٢/ ٢٩٧)\n(^٤) انظر «الأم» (٥/ ٣٠).\n(^٥) انظر «مسائل الإمام أحمد» للكرماني (٢/ ٧٨٢).\n(^٦) «المفهم» (١٣/ ٤٢).\n(^٧) أخرجه البخاري في (ك: الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، والرضاع المستفيض، والموت القديم، رقم: ٢٦٤٧)، ومسلم في (ك: الرضاع، باب: إنما الرضاعة من المجاعة، رقم: ١٤٥٥) واللفظ له.","vol":"3","page":1693},{"text":"جاعَ كان طعامُه الَّذي يُشبِعه هو اللَّبَن مِن الرَّضاع، وليس حيث يكون الغِذاء بغيرِ الرَّضاع.\nفكأنَّه ﷺ قال: لا رَضاعةَ مُعتبرةٌ إلَّا المُغنية عن المَجَاعة، وذلك حيث يكون الرَّضيع طفلًا يَسدُّ اللَّبَنُ جوعَتَه، لا حين يكون الغِذاء بغيرِ الرَّضاع في حالِ الكِبَر، لأنَّ مَعِدَة ذاك ضعيفةٌ يكفيها اللَّبن، وبه يَنبتُ لحمُه، وبهذه التَّغذية من اللَّبن يَصير جُزءً مِن المُرضِعَة، فيشتركُ بهذا في الحُرمةِ مع أولادِها (^١).\nولا شكَّ في كونِ مُطلَقِ الأمرِ بالتَّحقُّقِ مِن وقوعِ الرَّضاعةِ في زَمن المَجاعةِ شاملًا لعائشةَ ﵂ وغيرِها، وتأكَّدت دَلالةُ الأمرِ على الوجوبِ فيه برؤيةِ الغضبِ في وجهِه ﷺ، واشتدادِ الأمرِ عليه؛ هذا مع كونِه ﷺ لم يَستيقِن بَعدُ عَدمَ الأُخوَّة (^٢).\nومِمَّا استَدلَّوا به أيضًا من الآثار: قول ابنِ مسعود ﵁: «لا رضاع إلَّا ما شَدَّ العظمَ، وأنبتَ اللَّحمَ» (^٣).\nوكذا حديث أمِّ سَلَمة ﵂ مَرفوعًا: «لا رضاع إلَّا ما فَتَق الأمعاء في الثَّدي، فكان قبل الفِطام» (^٤).\nوما وَرَد عن ابن عبَّاس ﵁ مَوقوفًا ومَرفوعًا: «لا رضاع إلَّا ما كان في الحَوْلين» (^٥).\n_________\n(^١) انظر «شرح البخاري» لابن بطَّال (٧/ ١٩٧ - ١٩٨)، و«فتح الباري» لابن حجر (٩/ ١٤٨).\n(^٢) انظر «الفتح الرَّباني من فتاوي الشَّوكاني» (٧/ ٣٥٠١).\n(^٣) أخرجه أبو داود في (ك: النكاح، باب: في رضاعة الكبير، رقم: ٢٠٥٩)، وبنحوه أحمد في «المسند» (رقم: ٤١١٤)، وصحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود - الأم» (رقم:١٧٩٨).\n(^٤) أخرجه الترمذي في (ك: الرضاع، باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين، رقم: ١١٥٢)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وابن ماجه في (ك: النكاح، باب: لا رضاع بعد الفصال، رقم: ١٩٤٦) دون الجملة الأخيرة.\n(^٥) أخرجه الدارقطني في «السُّنن» (ك: الرضاع، رقم: ٤٣٦٤) مرفوعا عن ابن عباس، وصحَّحه ابن القيم في «زاد المعاد» (٥/ ٤٩٣)، لكن البيهقي في «الكبرى» (٧/ ٧٦١، رقم: ١٥٦٦٨) جَعلَ الموقوف هو الصَّحيحَ، وهو ما رجَّحه ابن عبد الهادي في «المحرَّر» (رقم: ١٠٩٦).","vol":"3","page":1694},{"text":"فكلُّ هذه الآثار واردةٌ بأداةِ القَصر، صريحةٌ في أنَّ الرَّضاع المُحرِّم إنمَّا يكون في الحَوْلين لا غير، واضحةُ الدَّلالة على أنَّ الرَّضاع المُعتَبر شرعًا إنَّما يثبت حكمه متى كان الرَّضيع يستغني باللَّبن عن غيره؛ وهذا ما لا يثبتُ في رَضاع الكَبير.\nلكن عائشة ﵂ قد احتجَّت بما رَوَته في شأنِ سهلة بنت سهيل مع سالم، حيث فهِمت منه مُطلق تحريمِ الرَّضاعِ دون تقيِيدٍ بالحَوْلَين، فلذا كانت تأمرُ بناتِ إخوتِها وبناتِ أخواتها أن يُرضِعن مَن أحَبَّت أن يَراها ويدخلَ عليها -وإن كان كبيرًا- خمسَ رَضعات، ثمَّ يدخل عليها (^١).\nلكن سائر أزواج النَّبي ﷺ قد خالفنها في هذا الفهم، وأَبَيْنَ أن يَدخُلَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعةِ أَحدٌ مِن النَّاس، إلَّا أن يَرضع في المَهد، وقُلنَ لها: «والله ما نَرى هذا إلَّا رُخصةً أرْخَصَها رسول الله ﷺ لسالمٍ خاصَّة» (^٢).\nوقولُ عائشة ﵂ هذا -على ما كسَاها الله به مِن جلالِ العلمِ وجميلِ الفَهمِ- اجتهادٌ منها خلافُ مجموعِ دلائلِ الكتابِ والسُّنة، وما جرى عليه فهمُ الأئمَّةِ لقضيَّةِ سَهْلة مع سالمٍ ﵃.\nفأمَّا دلائل الوحيِ: فقد مرَّ ذكر أشهرِها قريبًا.\nوأمَّا عَملُ الأمَّة: فقد نَقلَ الباجيُّ (ت ٤٧٤ هـ) انعقادَ الإجماعِ على عدمِ التَّحريم برضاعةِ الكَبير (^٣).\nوقال القاضي عياض: «الخِلافُ إنَّما كان أوَّلًا، ثمَّ انقطع» (^٤).\nوحَكى الخطابيُّ (ت ٣٨٨ هـ) ذهابَ عامَّةِ أهلِ العلمِ إلى حديث أمِّ سَلَمة ﵂ في إنكارِها لفهمِ عائشةَ ﵂، فلم يَروا العملَ بمذهبِها فيما رَوته، وحَمَلوه على أحد وَجهين:\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» (ك: النكاح، باب: فيمن حرم به، رقم: ٢٠٦١).\n(^٢) أخرجه مسلم في (ك: الرضاع، باب: رضاعة الكبير، رقم: ١٤٥٤).\n(^٣) «المنتقى» (٤/ ١٥٥).\n(^٤) «إكمال المعلم» (٤/ ٦٤٢).","vol":"3","page":1695},{"text":"إمَّا على النَّسخ، أو الخصوصِيَّة لسالمٍ وامرأةِ أبي حذيفة (^١).\nوالأصل في القول بهذا الوجهِ الثَّاني من الخصوصيَّة: جَزمُ أمَّهاتِ المؤمنينَ بذلك (^٢)؛ وعليه ردَّ القرطبيُّ الوجهَ الأوَّلَ في النَّسخ فقال: «أطلقَ بعضُ الأئمَّة على حديثِ سالمٍ ﵁ أنَّه مَنسوخ، وأظنُّه سَمَّى التَّخصيصَ نَسْخًا، وإلَّا فحقيقةُ النَّسخِ لم تَحصُل هنا على ما يُعرَف في الأصول» (^٣).\nوالمُوجِب لقصرِهنَّ حديثَ عائشة ﵂ على سَهلة وسالم ﵄ أمور:\nالأوَّل: أنَّ مسلكَ التَّخصيصِ به تأتلفُ جميع الأدلَّةِ القرآنيَّة والسُّنيَّة في هذا الباب، فلا يُلغى منها شيءٌ (^٤).\nوهذا بخلافِ مَذهبِ مَن جوَّزَ رَضاعَ الكبيرِ وحَرَّمَ به مطلقًا، فإنَّه مخالفٌ لِما مَرَّ مِن قاعدة الرَّضاع في القرآنِ وتمامِه في الحَولين؛ ومخالف لحديث: «إنَّما الرَّضاعة مِن المجَاعة»، وفي هذا الحديث تأسيسُ قاعدةٍ كليَّة، تعتبرُ التَّحريمَ فقط في مُدَّة ما تُغني فيه الرَّضاعةُ عن الطَّعام (^٥)؛ هذا من جِهة النُّصوص.\n_________\n(^١) «معالم السُّنن» (٣/ ١٨٧).\n(^٢) وعلى فرضِ الأخذِ بالرِّواية الأخرى عنهنَّ في ظنِّهنَّ الخصوصيَّة وعدم تيقُّنها، فيما أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٢٦٣٣١) من قولِهن: «والله ما ندري، لعلَّها كانت رخصة مِن رسول الله ﷺ لسالمِ من دون النَّاس»: تكون قضيَّة سالمٍ واقعةَ عينٍ يطرقها احتمال الخصوصيَّة، وهذا كافٍ لوجوبِ الوقوف عن الاحتجاجِ بها، انظر «الفتح» لابن حجر (٩/ ١٤٩).\n(^٣) «المفهم» (١٣/ ٤٢).\n(^٤) الَّذين قالوا بالتَّخصيصِ عامَّتُهم على أنَّه تخصيص أعيانٍ، أي ما جرى به الحكم في حديث سهلةَ خاصٌّ بها وبسالمٍ، ثمَّ ظهر بعدُ مَن قال وسَّع دائرة الخصوصية قليلًا، فجعله تخصيصَ أحوالٍ لا أعيانٍ، أي أنَّ الأصل في الرضاع أن يُعتبر فيه الحَولين فقط، إلَّا فيما دَعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الَّذي لا يُستغنى عن دخولِه على المرأة، ويشقُّ احتجابها منه، وهذا قول ابن تيميَّة، وتبعه عليه غير واحدٍ من المتأخِّرين، انظر «مجموع الفتاوي» لابن تيمية (٣٤/ ٦٠)، و«إعلام الموقعين» (٤/ ٢٦٤)، و«نيل الأوطار» (٦/ ٣٧٣)، و«سبل السلام» (٢/ ٣١٣).\n(^٥) انظر «المفهم» (١٣/ ٤٢).","vol":"3","page":1696},{"text":"أمَّا موجب التَّخصيص من جِهة المعنى: فلأنَّ الشَّريعةَ إنَّما جَعلت للرَّضاعِ تلك الحُرمةَ لأجلِ ما أشبهَ به النَّسَب في استبقاءِ حياةِ الطِّفل، واختلاطِ لَبَنِ المُرضِع بلحمِه ودمِه حين لا يُغني عنه غيره (^١).\nوأمَّا المُوجِب الثَّالث: فالظَّرف الاجتماعيُّ الاستثنائيُّ لورودِ الحديث، وهو مُقتضى تقريرِ الخصوصيَّة: حيث أبانت عائشة نفسُها «أنَّ أبا حذيفة ﵁ تَبَنَّى سالمًا، .. كما تبنَّى رسول الله ﷺ زيدًا، وكان مَن تبنَّى رجلًا في الجاهلية دَعاه النَّاس إليه، وورِث مِن ميراثه، حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ ..».\nفأصلُ قصَّة سهلةَ وسالمٍ ﵄ إنَّما كان نتيجةَ إلغاءِ التَّبنِّي في المجتمعِ الإسلاميِّ، وهذه حالةٌ خاصَّة لا تقعُ إلَّا زَمن التَّشريع، فكان وقوعُ التَّرخيص مُترتِّبًا على إلغاء ذلك الَّذي أدَّى إلى خُلطةِ مثلِ سالمٍ بسَهْلة، وتنزيلِها إيَّاه منزلةَ الوَلد، مع عجزِ المُتَبنَّى عن استقلالِه ببَيتٍ، لقِلَّةِ ذات اليَدِ، وحاجتهم إليه.\nوفي تقريرِ هذا المعنى الدَّقيق لموجب التَّخصيص، يقول الطَّاهر ابن عاشور:\n«لا ينبغي أن يُشكَّ في أنَّ إذْنَ النَّبي ﷺ لسهلة بنت سهيل في أن يَدخل عليها سالمٌ مولى أبي حذيفة -مُتبنَّى أبي حذيفة زوجِها- إنَّما كان على وجهِ الرُّخصة لها، إذْ كان حكم إرجاعِ المُتَبنَّين إلى الحقيقةِ -في اعتبارِهم أجانبَ مِن جِهةِ النَّسَب- حُكمًا قد فاجَأَهم، في حين كان التَّبنِّي فاشيًا بينهم، وكانوا يجعلون للمُتبنَّين مثل ما للأبناء، فشَقَّ ذلك عليهم، وامتثلوا أمرَ الله في إبطاله.\nوكانت سهلة زوجُ أبي حذيفة بحالِ احتياجٍ إلى خدمة سالمٍ واختلاطِه بهم، إذ لم يكن إلَّا بيتٌ واحد، فعَذَرها رسول الله ﷺ، ورَخَّص لها أن يَدخُل سالمٌ عليها وهي فُضُل (^٢)، وجَعل تلك الرُّخصة مُعضدةً بعمَلٍ يُشبه ما يُبِيح الدُّخولَ\n_________\n(^١) «كشف المُغطَّى» لابن عاشور (ص/٢٦٩).\n(^٢) فُضُل: أي مبتذلة في ثياب مهنتي، يقال: تفضَّلت المرأة: إذا تبذَّلت في ثيابِ مِهنتها، انظر «طرح التثريب» (٧/ ١٣٤).","vol":"3","page":1697},{"text":"أصالةً، محافظةً على حكمِ إبطالِ التَّبنِّي بقدرِ ما تمكن المحافظة في مَقامِ الرُّخصة ومَقامِ ابتداءِ التَّشريع، فإنَّ للتَّدريج في أوائلِ التَّشريع أحوالًا مختلفة» (^١).\nوحاصل القولِ: أنَّه لا يَصِحُّ أن يُثبَتَ للتَّبَنِّي بعد النَّهي مثلُ حُكمِه قبل النَّهي، لأنَّ التَّبنِّي أُبطِل مِن الأساس، فلا ينبغي أن يَتعلَّق به حكم؛ وبه يُفهَم أنَّ «الخطابَ في سالمٍ قضيَّةٌ في عينٍ لم يأتِ في غيره، وسَبق له تَبَنٍّ وصِفَةٌ لا توجد بعدُ في غيره، فلا يُقاس عليه» (^٢).\nوأمَّا إن جاء أحدٌ بالتَّبنِّي بعد ذلك جهلًا منه، فهو الجاني على نفسِه بفعلِ ما قد حُرِّم، فلا تُثبَت له الرُّخصة الَّتي ثَبَتَت لسَهلة (^٣).\nفإن قيل: فلِم لمْ تثبُت الرُّخصة لغير سهلة ﵂ مِمَّن يشركها في المشقَّة والاحتياج بها مِن المُتَبنِّين في المَدينة؟ (^٤)\nفجوابه: بمطالبةِ السَّائلِ أوَّلًا أن يُثبت في ذاك الوقت وجودَ مَن كان كحال سهلة وسالمٍ مُتلبِّسًا بأثرِ التَّبنِّي قبل تحريمِه، وواقعٌ جرَّاءه في المشقَّة والحَرج! هذا أمرٌ لا يُتكلَّم فيه إلَّا بنقل ثابت.\nوإن كُنَّا مع ذلك نقول:\nقد يتَّفِق التَّحريم للتَّبني آنذاك وبعضَ الأولادِ المُتَبنَّين صِغار، فيُدرَك حالُهم بإرضاعِهم.\nأو يكون بعضهم قد كان كبيرًا وقت إلغاء التَّبنِّي، لكن لم تكُن عليه مَشقَّة مِن دخولِه على مَن كانت أمَّه بالتَّبني، لكونِها -مثلًا- مِن قواعدِ النِّساء، ومعها مَن يلازِمها في البيتِ مِن أهلٍ ونحوهم، فينتفي معه حَرج الخَلوة.\nأو يكون الوَلد المُتبنَّى غَنيًّا مُستقلًّا ببيتٍ لوحده، لا حاجةَ له في السُّكنى معهم، ولا حاجة لهم في خُلطتِه؛ إلى غير ذلك من الحالاتِ الَّتي لا يُحتاج معها إلى رُخصة.\n_________\n(^١) «كشف المُغطَّى» للطاهر ابن عاشور (ص/٢٦٩).\n(^٢) «إكمال المعلم» (٤/ ٦٤٢)، وانظر «شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (٧/ ١٩٧).\n(^٣) انظر «الفتح الرَّباني من فتاوي الشَّوكاني» (٧/ ٣٥٠٦).\n(^٤) انظر هذا الإشكال «الفتح» لابن حجر (١٠/ ١٨٦).","vol":"3","page":1698},{"text":"وأمَّا المُوجِب الرَّابع لتخصيصِ الحديث: فإنَّ مِن حَموِ (^١) المرأةِ زمنَ النُّبوة مَن كان في حاجةٍ لتردادِ دخول بيتِ زوجِها، ومعلوم حالُ فقرِ الصَّحابة وقتَها وصِغر بيوتِهم، ومعرفتُهم بنهيِ النَّبي ﷺ لهم عن الدُّخولِ على النِّساء (^٢).\nفلو كان رضاع الكبير مُحرِّمًا بإطلاقٍ، لأقبلوا على الرَّضاعِ مِن زوجاتِ إخوانِهم ليتنفيَ الحَرَج بينهم بالمرَّة! فلمَّا لم يَقع ذلك منهم، مع الحاجة إليه، ولم يُؤثَر أنَّ النَّبي ﷺ رخَّص لأحدٍ غير سهلة مع توفُّرِ الدَّواعي: دَلَّ ذلك على أنَّ مُطلقَ الحاجةِ لا تُبيح رَضاع الكبير، فضلًا عن أن تكون لغيرِ حاجة (^٣) كما شَنَّع به بعضُ المُغفَّلينَ على الحديث (^٤).\nوجريُ عَملِ الصَّحابةِ على منعِ الرُّخصة في ذلك للكبيرِ إن دَلَّ على شيءٍ، فعلى أنَّ حكم واقعة سهلة لو كان عامًّا، لكانَ انتشارُه في الأمَّةِ أظهرَ وأوسعَ مِن أن يُحصَر في امرأةٍ واحدةٍ! لحاجةِ النَّاسِ الشَّديدةِ إلى معرفتِه والأخذِ به (^٥)، فدَلَّ «على أنَّه حديثٌ تُرِك قديمًا ولم يُعمَل به، ولا تَلقَّاه الجمهور بالقَبول على عمومِه، بل تَلقَّوه بالخصوص»، كما يقول ابن عبد البرِّ (^٦).\n_________\n(^١) الحَمْو: فسَّره اللَّيث بأنه أخو الزَّوج، وما أشبهه من أقارب الزَّوج، كالعمِّ وابن العمِّ ونحوهم، انظر «مطالع الأنوار» (٢/ ٢٩٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة، رقم: ٥٢٣٢)، ومسلم في (ك: الآداب، باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، رقم: ٢١٧٢).\n(^٣) انظر «الشَّرح الممتِع» (١٣/ ٤٣٦).\n(^٤) منهم (نيازي عزِّ الدِّين) في كتابه «دين السلطان» (ص/٨٢٩) قال: «.. هل هذا معقول يا أصحاب العقول؟! كلَّما أراد زوجٌ أن تكشف زوجته على رجلٍ من أصدقائه، قال لزوجته: أدخِلي هذا الرَّجل إلى غرفتك، وأرضعيه ثلاث رَضَعاتٍ مُشبعاتٍ، حتَّى يدخل عليك الرَّجل مِن غيرِ حَرجٍ أو إحراج»!\nوبمثله هَرَف (جواد خليل) في «كشف المتواري» (ص/٦٥٥).\n(^٥) حتَّى إنك لَتجِدُ تابعيًّا فقيهًا في مقامِ ابن أبي مُليكة، يمكثُ نحوَ سنةٍ كاملةٍ لا يُحدِّث بحديث عائشة في شأنِ سهلة وسالمٍ رهبةً له! إلى أن لقيَ شيخَه الَّذي حدَّثه به، وهو القاسم بن محمَّد، فقال له: «لقد حدَّثْتني حديثًا ما حدَّثتُه بعدُ، قال: وما هو؟ قال: فأخبرته، فقال: فحدِّثه عنِّي أنَّ عائشة أخبرتنيه»، أخرجه مسلم في (ك: الرضاع، باب: رضاع الكبير، رقم: ١٤٥٣).\n(^٦) «الاستذكار» (٦/ ٢٥٥).","vol":"3","page":1699},{"text":"وعلى هذا تُوقَف قضيَّة سهلةَ في مَحلِّها، وتُستَصحَبُ عموماتُ الأدلَّة في عدمِ تحريمِ رضاعِ الكبير، ويُثبَتُ لعائشةَ الأجرُ الواحد لاجتهادِها، والله راضٍ عنها.\nأمَّا دعوى المُعترضِ إذنَ الحديثِ لمكاشفةِ عوراتِ النِّساء .. إلخ؛ فجواب ذلك أن يُقال له:\nلا يلزم من إرضاعِ سهلة ﵂ سالمًا أن يكون بإلقامِ الثَّديِ -كما وَلَه إليه فهمُ المُعترِض- وذلك لأنَّ الرَّضاع عندهم يحصُل التَّحريمُ به بأيِّ وَسيلةٍ يصِلُ فيها لَبَن المُرضِعةِ إلى جَوفِ المُرتضِع، «سواء كانَ بشُربٍ، أو أكلٍ بأيِّ صفةٍ كان، حتَّى الوَجور (^١)، والسَّعوط (^٢)، والثَّرد (^٣)، والطَّبخ، وغير ذلك، إذا وَقع ذلك بالشَّرطِ المذكورِ مِن العَدد، لأنَّ ذلك يطردُ الجوعَ» (^٤)، وبذا أناطَ النَّبي ﷺ حكمَ التَّحريمِ، كما ما مرَّ في حديثِ أمِّ سلمة: «لا رضاع إلَّا ما فَتَق الأمعاء»، وحديث عائشة: «إنَّما الرَّضاعة مِن المَجاعة».\nيقول القاضي عياض في هذين الحديثين:\n«تضَمَّن الردَّ على داود في قوله: لا يحرِّم الرَّضاع حتَّى يلتقمَ الثَّديَ، ورأى أنَّ قوله ﷾: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إنَّما ينطبق على مُلتقِم الثَّدي، وقد نبَّه ﷺ على اعتبارِ ما فَتَق الأمعاء، وهذا يوجَد في اللَّبن الواصلِ إلى الجوفِ صبًّا في الحلق، أو الْتِقامًا للثَّدي، ولعلَّه هكذا كان رضاع سالم، يصبُّه في حلقِه، دون مسِّه ببعضِ أعضائِه ثديَ امرأةٍ أجنبيَّة» (^٥).\n_________\n(^١) الوَجور: ما يُصبُّ في الحلق صبًّا،» انظر «الفتح» (٨/ ١٤٧).\n(^٢) السَّعوط: ما يُجعل في الأنفِ مِن الأدوية ونحوها، انظر «هُدى السَّاري» (١/ ١٣٢).\n(^٣) الثَّرد: الهَشْم، ومنه قيل لما يُهشم مِن الخبز ويُبَلُّ بماء القِدرِ ونحوِه: ثَريدة، انظر «لسان العرب» (٣/ ١٠٢).\n(^٤) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ١٤٨).\n(^٥) «إكمال المعلم» (٤/ ٦٤١).","vol":"3","page":1700},{"text":"فطالما أنْ لا ضرورةَ تقصُر سالمًا على اِلتقامِ الثَّديِ، والحالُ أنَّ بلوغَ لبَنِها إلى جوفِه كافٍ لتحقيقِ التَّحريم، فإنَّ النَّبي ﷺ «لم يُرِد منها: ضَعِي ثديَكِ في فِيه، كما يُفعل بالأطفال، ولكن أرادَ: اِحْلِبي له مِن لبنِك شيئًا، ثمَّ ادفعيه إليه ليشربه؛ ليس يجوز غير هذا» (^١).\nوفي التَّأويل لهذا الحديثِ اعتبارٌ لـ «قاعدةِ تحريمِ الاطِّلاعِ على العَورة؛ فإنَّه لا يُختلف في أنَّ ثَدي الحُرَّة عورة، وأنَّه لا يجوز الاطِّلاع عليه، لا يُقال: يُمكِن أن يَرتضع ولا يطَّلِعَ؛ لأنَّا نقول أنَّ نفسَ التقامِ حَلَمَةَ الثَّدي بالفَمِ اطِّلاع، فلا يجوز» (^٢).\nفإلى هذا مَذهبُ جمهورِ الأئمَّة (^٣)، بل نقلَ ابن عبد البرِّ الإجماعَ عليه (^٤).\nوبه تنمحي الإشكالات عن واقعةِ سهلة وسالم، بتَسْهيلٍ مِن الله وتسليمٍ.\n_________\n(^١) «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (ص/٤٣٥).\n(^٢) «المُفهم» (١٣/ ٤٢)، وانظر «الاستذكار» (٦/ ٢٥٥).\n(^٣) ولم يخالف إلَّا اللَّيث وأهل الظَّاهر، فقالوا: إنَّ الرضاعة المُحرِّمة إنَّما تكون بالتِقام الثَّدي ومصِّ اللَّبن منهِ، انظر «المحلَّى» (١٠/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٤) في «الاستذكار» (٦/ ٢٥٥).","vol":"3","page":1701},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>المَبحث التَّاسع\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث سِنِّ عائشةَ عند زواجِها بالنَّبي ﷺ</span>","vol":"3","page":1703},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>المَطلب الأوَّل\nسَوق حديث سِنِّ عائشةَ عند زواجِها بالنَّبي ﷺ</span>\nعن عائشة ﵂ قالت:\n«تزوَّجني النَّبي ﷺ وأنا بنتُ ستِّ سِنين، فقدِمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن خزرج، فوَعكتُ، فتمَرَّق (^١) شعري، فوَفى جُميمةً (^٢)، فأتتني أمِّي أمُّ رومان، وإنِّي لفي أرجوحة، ومعي صواحب لي، فصرَخَت بي فأتيتُها، لا أدري ما تريد بي، فأخَذَتْ بيدي، حتَّى أوقفتني على بابِ الدَّار، وإنِّي لأنهجُ (^٣)، حتَّى سَكَن بعض نَفَسي، ثمَّ أخذتْ شيئًا من ماءٍ فمسحتْ به وجهي ورأسي.\nثمَّ أدخلتني الدَّار، فإذا نِسوةٌ مِن الأنصارِ في البيت، فقُلْنَ: على الخيرِ والبركةِ، وعلى خير طائرٍ! فأسلمتني إليهنَّ، فأصلَحْنَ مِن شأنِي، فلم يرُعْني إلَّا رسول الله ﷺ ضحًى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذٍ بنت تسعِ سنين» متَّفق عليه (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن حجر في «الفتح» (٧/ ٢٢٤): «للكشميهني: (فتمرَّق) بالرَّاء، أي: انتتف».\n(^٢) قال ابن حجر في «الفتح» (٧/ ٢٢٤): «(فوفى): أي كثر، وفي الكلام حذف تقديره: ثمَّ فصلت من الوعك، فتربى شعري، فكثر، وقولها: (جميمة): مصغَّر الجُمَّة، وهي مجتمع شعر النَّاصية، ويُقال للشَّعر إذا سقط عن المنكبين جُمَّة».\n(^٣) أنهج: أي أتنفَّس تنفُّسًا عاليًا من شدَّة الحركة أو فعل متعب، «النهاية» لابن الأثير (٥/ ١٣٤).\n(^٤) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب: تزويج النبي ﷺ عائشة، وقدومها المدينة، وبنائه بها، رقم: ٣٨٩٤) واللفظ له، ومسلم في (ك: النكاح، باب: تزويج الأب البكر الصغيرة، رقم: ١٤٢٢).","vol":"3","page":1705},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>المَطلب الثَّاني\nسَوقُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nلحديثِ سِنِّ عائشة عند زواجها بالنَّبي ﷺ</span>\nفلا يزال علماءُ المسلمينَ منذ عهدِ النُّبوَّةِ إلى وَقتنا الحاضر، مُجمِعين على أنَّ زواجِ النَّبي ﷺ بعائشةِ تمَّ وعمرها ستُّ سنين، ودخوله بها كان في التَّاسعة من عمرها، هذه مُسلَّمة نقليَّة لم تحتج إلى مَزيد فحصٍ وتَنقير منذ عُلِمت.\nولذا قال ابنُ حزمٍ بعد أن ساقَ روايةَ البخاريِّ ومسلم في سِنِّ زواج عائشة: «هذا سِنُّ عائشةَ مَنصوصٌ، لا تَكلُّف فيه» (^١)، وقال فيه: «هذا أمرٌ مَشهورٌ، غَنيٌّ عن إيرادِ الإسناد فيه» (^٢).\nوقال ابن عبد البرِّ: «ابتَنى بها ﷺ بالمدينةِ وهي ابنة تسعٍ، لا أعلمُهم اختلفوا في ذلك» (^٣).\nوقال ابن كثير: «تزوَّجها وهي ابنةُ ستِّ سنين، وبنَى بها وهي ابنة تسعٍ، ما لا خلافَ فيه بين النَّاس» (^٤).\n_________\n(^١) «حجة الوداع» (ص/٤٣٥).\n(^٢) «المحلى» (٩/ ٤٥٩).\n(^٣) «الاستيعاب» (٤/ ١٨٨١).\n(^٤) «البداية والنهاية» (٤/ ٣٢٧).","vol":"3","page":1706},{"text":"فعلى هذا جرى اعتقادُ الأمَّةِ قرونًا مُتطاولة، إلى أن صارَت هذه الحادثةُ مِن أكثرِ الرِّوايات الحديثيَّة إسالةً لمدادِ الطَّعنِ في صدِقها اليومَ! يتأبَّطُ شرَّ هذه الحَملةِ المغرضةِ جَوقةٌ من الحُقوقِيِّين المُستغربين، وأربابُ النَّزعات النِّسوية الحديثة؛ يقولون لنا مُتحَزِّنين: كيفَ لرجلٍ في مَقامِ النُّبوة، أن يَتزَّوج صَبيَّةً صغيرةً، وينتهكَ فيها براءةَ الطُّفولة؟!\nوبذا صارت أخبارُ سِنِّ زواجِ عائشة ﵂ فتنةً لطائفتين:\nطائفة كافرةٍ بالدِّين كلِّه، اتَّخَذَتها مَطيَّةً لبَثِّ الشُّبهةِ في قلوبِ المسلمين على رسولِهم الكريم؛ أنَّه مُجرَّدَ كَهلٍ شَهْوانيٍّ لم يَسْلَم مِن سادِيَتِه حتَّى الأطفال! فلا يَفتأ عُبَّاد الصَّليبِ من التَّذكير بهذه الشُّبهة في كلِّ مَحفلٍ يُتيح لهم نفخَ كِيرهم في وجه الإسلامِ وأهلِه (^١).\nاسمعْ -مثلًا- للقِسِّ المَعْمَدانيِّ (جِيرِي فايْنِز)، كيف عَوَى في إحدى خُطَبِه في حَقِّ نبيِّنا ﷺ فقال: «أُعلِنُ بأنَّ الرَّسول كان يَتَحرَّش بالأطفالِ، وتَزوَّج اثنتي عشر زوجةً، إحداهنَّ لها تسعُ سنوات ..» (^٢).\nيقول هذا عدوُّ الله، وهو يَعلم أنَّ مثلَ هذا الزَّواج ممَّا تُقرِّه مِلَّتُه! وفَعَلَه أشياخُه في عصرِ المَسيحيَّة الأولى، فإنَّه يجِدُ في «مَوسوعتِهم الكاثوليكيَّة»، الإقرارَ بأنَّ مريم البَتولَ خُطِبَت للزَّواج مِن يوسف النَّجار وعمرها لا يجاوِزُ الثِّنتي عشرة سنةً! وكان خَطيبُها على مَشارفِ التِّسعين مِن عمرِه! (^٣)\nوأمَّا الطَّائفة الثَّانية فتَنْتَسِبُ للإسلامِ، قد رَاعها ضَجيجُ الطَّائفة الأولى، وأقلقَها رُكامُ الشُّبَهِ المَنثورةِ في حقِّ نبيِّنا وزوجِه على صفحاتِ المَجلَّات\n_________\n(^١) من أشهرهم قِسٌّ مصريٌّ يُدعى (زكريا بُطرس) في كثيرٍ من برامجه التَّلفزيَّة، كبرنامجه «حوار الحقِّ» في قناة (الحياة) الفضائيَّة.\n(^٢) في مؤتمر سَنويٍّ للكنيسةِ البروتستانتيَّة بمدينةِ سانت لُويس الأمريكيَّة، انظر «معجم افتراءات الغرب على الإسلام» لأحمد محمود زناتي (ص/١٠١).\n(^٣) انظر رابط المعلومة في موقع الموسوعة الكاثوليكية على الشَّبكة:\nNewadvent.org/cathen/٠٨٥٠ a.htm","vol":"3","page":1707},{"text":"والشَّبكات، وبرامجِ الفضائيَّات، فطفِقوا تَوقِّيًا مِن صُداعِ ذلك ينكرون الرِّوايةَ بالمرَّة! وحَشدوا لنيلِ وطرِهم في ذلك كلَّ شُبهة نقليَّةٍ أو نَظريَّة، واتَّهموا لذلك فقهاءَ الإسلامِ وأئمَّةَ السُّنةِ بنسبةِ ما لا يَليق نسبتُه للنَّبي ﷺ! وأنَّهم حُمَّالُ وِزْرِ هذا الغَمز الغربيِّ فيه وفي دينِه!\nوكِلا الطَّائفتين على ضَلالٍ مُبين، وإن تَفاوَتتا في درجاتِه.\nفالثَّانية -وإن رَامَت في ظاهرِ قولِها الذَّبَ عن الرَّسول ما يَشينُ سيرَته العَطِرة- قد جَنِفَت عن طريقِ الحقِّ في الذَّبِّ عن هذا الدِّين، حتَّى صارَت عِبئًا عليه! كلُّ همِّها طمسُ الحَقائق المُسلَّم بها عند المسلمين، إرضاءً للغَربِ الحاقدِ، ولو على حسابِ منهج النَّقدِ العلميِّ الإسلاميِّ للأحداثِ والوَقائع.\nلقد أبانت هذه الفتنة عن رأسِها أوَّلَ أمرِها أواسطَ القرن الماضي على يَدِ بعض المُثقَّفِين في بلادِ مِصر على وجهِ الخصوصِ في حدودٍ ضيِّقة، كان مِن أبرزِهم في ذلك (عبَّاس العَقَّاد) (^١) في كتابه الذَّائع: «الصِّديقة بنتُ الصِّديق»، حيث حاوَل جُهدَه هَدَرًا نقضَ رواياتِ سِنِّ زواجِ عائشة ﵂، وتَكلَّفَ الإقناعَ بكونِ سنِّها وقت ذلك فوق الثِّنْتي عشرة سنة (^٢).\nتَبِعه في ما بعدُ (شَوقي الضَّيف) (^٣) في كتابه «محمَّد خاتم المرسلين»، لكن بتقدير عُمْريٍّ آخر! تخرَّصَ فيه كونَ عمرِها حين زواجِها قد ناهزَ العشرين سنةً (^٤).\n_________\n(^١) عباس بن محمود العقاد (١٨٨٩ - ١٩٦٤ م): من أعلام في الأدب في مصر، ومن المكثرين كتابة وتصنيفا مع الإبداع، وُلد سنة ١٨٨٩ م، أصله من دمياط، كان معلما في بعض المدارس الأهلية، ثم انقطع إلى الكتابة في الصُّحف والتأليف، وظل اسمه لامعا مدة نصف قرن، أخرج في خلالها من تصنيفه ثلاثة وثمانين كتابا في أنواع مختلفة من الأدب الرفيع، منها كتاب «عن الله» و«عبقرية محمد» و«رجعة أبي العلاء»، توفي سنة (١٩٦٤ م)، انظر «الأعلام» للزركلي (٣/ ٢٦٦).\n(^٢) وقد أقام ظنَّه هذا على ثلاث شُبهاتٍ، انظر (ص/٥٧ - ٦١) من كتابه.\n(^٣) أحمد شوقي ضيف (١٩١٠ - ٢٠٠٥ م): أديب وعالم لُغوي مصري، وُلد في محافظة دمياط سنة ١٩١٠ م، له إنتاج علمي وأدبي غزير، وترأس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، من مؤلفاته: «فصول في الشعر ونقده»، و«العصر الجاهلي».\n(^٤) وقد أقام رأيه هذا على شُبهتين، انظر (ص/١٧١) من كتابه.","vol":"3","page":1708},{"text":"وقبل هذين الأديبَينِ حازَ شُؤمَ السَّبقِ إلى إنكارِ خبرِ عائشةَ ﵂ رَجل هِنديٌّ يُدعَى (حَقُّ غُو)، في كتابٍ له أسماه «لماذا أنكرتُ الحديث؟!» (^١)، تصدَّى له وقتها بلديُّه حبيب الرَّحمن الأعظمي (ت ١٤١٢ هـ) بردٍّ سمَّاه «نصرة الحديث في الرَّد على منكري الحديث».\nكما قد تَصدَّى بعدُ للرَّدِ على (العقَّاد) ثُلَّة مِن فضلاءِ مصر آنذاك، يَتقدَّمهم مُحدِّثُهم أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ)، في بحثٍ نَشَره في طَيَّاتِ كتابِه «كلمة الحقِّ» (^٢) سنةَ (١٣٦٣ هـ).\nثمَّ تبِعَه (بِشر الفارس) (^٣) على نقضِ دعاوي العقَّادِ في مجلَّةِ «المقتطف» (^٤).\nمرَّت بعدَ ذلك عُقود خَفَّ فيها الكلام قليلًا في مَوضوعِ سنِّ عائشة ﵂، غير بِضْع مُناوشاتٍ هناك وهناك مِمَّن يَرى نفسَه مُقتدرًا على الكتابةِ والنَّقدِ وقتَها، وإن كان على باطلٍ في تصوُّراتِه.\nإلى أن عادَت الحربُ الغَربيَّة الفكريَّة على الإسلامِ أشدَّ ما تكون في التِّسعيناتِ وما بعدها من القرنِ الماضي، بتِرسانةٍ إعلامِيَّة عَلمانيَّةٍ همجيَّة، فرَضَت نظْرَتَها بالقَهرِ على بيوتاتِ المسلمين.\nتَرى توصيفًا لهذه الحالة الانهزاميَّة -فيما نحن بصدد دراسته من الحديث- ماثِلًا في مُثقَّفٍ بحجمِ البروفِيسُور (شَنَفاس  T.O.shanavas) (^٥)،  وذلك في مَقالٍ له\n_________\n(^١) نُشر سنة بالهند (١٣٥٣ هـ-١٩٣٤ م).\n(^٢) (ص/١٦٤).\n(^٣) بشر فارس (١٩٠٧ - ١٩٦٣ م): أديب لبناني الأصل، مصري المولد والوفاة، تعلم بها، وبجامعة السوربون في باريس (١٩٣٢ م)، كتب أبحاثا بالفرنسية في دائرة المعارف الإسلامية، وله عدة مؤلفات في الأدب والتراث الإسلامي، انظر «الأعلام» للزركلي (٢/ ٥٥).\n(^٤) عدد صفر ١٣٦٣ هـ أبريل ١٩٤٤ م، تحت عنوان: «التعريف والتنقيب»، وانظر حاشية «كلمة الحق» (ص/١٦٤).\n(^٥) عالم فيزيائيٌّ هنديٌّ مُقيم بـ (ميتشيغن) بالولايات المتحدة، صاحب كتاب «النظرية الإسلامية للتطور»، ومقاله هذا بعنوان: «هل كانت عائشة عروسًا وهي في السَّادسة؟»، منشور في مجلة \"  minaret\"  الألمانية، وتجده في عدة مواقع إلكترونية ناطقةٍ بالإنجليزية باسم:\n(Was ayesha a six yeard old bride؟)","vol":"3","page":1709},{"text":"نقديٍّ نَشره سنةَ (١٩٩٩ م)، حيث أنكر حديثَ تزويجِ عائشةَ ﵂ في التَّاسعة، بما يَراه أدلَّةً تاريخيَّةً تُسند مَقالَه، يقول في مُستَهَلِّه:\n«سألني مرَّةً صَديقٌ مَسِيحيٌّ: إن كُنتُ سأزوِّج ابنتي ذاتَ الأعوام السَّبعة لرجلٍ في الخمسين مِن عمره، أجبتُه بالصَّمت، .. استمرَّ وقال: إذا كنتَ لا تريد ذلك، فكيف تَقبلُ زواجَ الطِّفلة البريئةِ عائشة، ابنة التِّسع سنوات، مِن النَّبي؟! قلتُ له: بأنِّي لا أملِكُ إجابةً! .. ابتسمً صديقي، وترَكَ في قلبي جُرحًا».\nهذا الكاتب المَجروح مِن أوائلِ مَن تجاسر من المُحْدَثين على إحياءِ مَواتِ الرُّدودِ القديمةِ على حديثِ زواجِ عائشة في التَّاسعة؛ فرَاجَ مقالُه هذا بعد ترجمتِه في مَيادين الفكر العَربيَّة والغربيَّة، سواءٌ بنشرِ نَقَداتِه، أو العَزوِ إليه، أو باستنساخِ مَقالِه، أو بانتحالِ أفكارِه وسَرِقتها (^١)!\nثمَّ تَقَحَّم النَّاسُ بعدَه حِمَى هذا الحديثِ! مِن غيرِ أثارةِ علمٍ، ولا نَباهة فهم، إلى أن بلَغَ الدَّاء مَن يُحسَب على العلمِ وأهلِه، وفي بلادِ الحَرَمَين نفسِها!\nفهذه تُدعَى (سُهيلة زين العابدين)، عضوٌ بالاتِّحادِ العالميِّ لعلماء المسلمين! لا تجِد غضاضةً من أن تستنكِر هذا الحديثَ في مَقالَين مُتتابِعين (^٢)، غايتُهما استنساخُ شُبهاتِ (إسلام بِحيري) المَسروقةِ عينِها دون إبداعِ شبهةٍ! الأمرُ نفسُه اجترحَه كاتبٌ هنديٌّ آخر يُدعَى (راشد شَاز)، في مقالٍ مَنشور بإحدى الجرائد السُّعوديَّة (^٣)، بعنوان: «الإسلام بحاجة لمفسِّرين جُدد»، اجترَّ فيه نفس الشُّبهات من غير طائل.\n_________\n(^١) كما تراه من شأنِ كاتبٍ مصريٍّ يُدعى (إسلام بِحيري)، اقتطع جُلَّ فقراتِ مقال هذا الطبيب، بتصرُّفٍ يسير منه في العبارة، ثمَّ نَشَره في صحيفة «اليوم السَّابع» سنة (٢٠٠٨ م) بعنوانٍ آخرَ مُستفزٍّ، على أنَّه مِن بناتِ أفكراه هو ونِتاج عبقريَّتِه! يَظهر هذا الاقتباسُ جَليًّا لِمن قارَن بين المَقَالين.\n\nلكن لم يلبث أن ردَّ عليه د. محمد عِمارة في نفسِ الصَّحيفة بتاريخ (الأربعاء ١٠ سبتمر ٢٠٠٨ م) بمقال نقديٍّ له حَسنٍ سمَّاه: «الرَّد على مَن طعن في سنِّ زواج عائشة».\nلكنَّ مَقالَ (البحيريِّ) كان أعلا صوتًا من رَدِّ عِمارة، لمزيد ضجيجٍ كان يحدثه حول الموضوع عبر شتَّى القنوات الفضائيَّة والمنابر الإعلاميَّة، والَّتي مَكَّنته مِن نشرِ هُرائِه في ربوع البلاد العربيَّة، ولذا ركزَّت الرَّد على مقاله تحديدًا -وإن كانت معلوماته منتسخةً مِن مقال (شَنَفاس) - لهذا الاعتبار.\n(^٢) على صفحات جريدة «المدينة» السُّعودية، منشوران بتاريخ ١٢، ١٩/ ٢/٢٠١٣ م.\n(^٣) في صحيفة «الوَطن» السعودية، منشور في ٦ فبراير ٢٠٠٩ م.","vol":"3","page":1710},{"text":"أمَّا (رزق الطَّويل) فكان السَّباقَ مِن كُتَّابِ الجزيرةِ العَربِيَّة إلى استنكارِ هذه الرِّوايات في سِنِّ عائشة في إحدى مَقالاتِه الصُّحفيَّة (^١)؛ لم يَلبث أن صكَّه (خليل مُلَّا خاطر) في كتابٍ له بَسيطٍ أسماه: «زواجُ السَّيدة عائشة، ومَشروعية الزَّواج المبكِّر، والرَّد على مُنكري ذلك».\nوهكذا توسَّعت رُقعةُ الشُّبهةِ رويدًا رويدًا، لتبلُغَ أقاصيَ العالم الإسلاميِّ:\nفمِن بلادِ السِّندِ شَرقًا: حيث تَقبع شراذمُ المُنكرينَ للسُّنَن، حيث يبرُز رأسُهم (غُلام جِيلَاني)، يُعلنها في جموعِ قُرَّاءِه قائلًا: «إنَّ هذه الأحاديث الَّتي لم تُنقد متونها، هي غير صحيحة، لأنَّ بِنتًا صغيرةً في هذا السِّن، والَّتي كانت في غايةِ الضَّعفِ مِن الحُمَّى الَّتي أصابتها، لا يُمكن أن تَتَحمَّل الجماع!» (^٢).\nإلى بلاد المغربِ الأقصى غربًا: حيث تَلقَّف مَقالَ (البِحيريِّ) جموعٌ مِمَّن يسعى لتحريفِ مُدوَّنة الأسرة المغربيَّة بما يَتَوافق وتوصياتِ (سيداو) (^٣)؛ كما تراه في مَقالٍ لأحد كُتَّاب الصُّحف عندهم، يقول فيه:\n«إنَّ نقد رواية سنِّ عائشة حينَ الزَّواج، جدَّ فيها جَديد، هو ما نشرته الصَّحافة المصريَّة، ونقلته صحُف أخرى عنها، ومن بينها الصُّحف المغربيَّة، والقرائن الَّتي جمعها صاحب البحث تؤدِّي إلى أنَّ الزَّواج تمَّ وكان سنُّ عائشة ﵂ بين السَّابعة عشر والثَّامنة عشر، وليس سنُّ التَّاسعة!\nوقد كان المفروض في هذا الصَّدد أن يتولَّى نخبة من العلماء من المجلس العلمي الأعلى والمجالس المحليَّة ودار الحديث الحسنيَّة الموضوعَ! واستخلاص ما يجب استخلاصه من نقد الرِّوايات، ومقارنة بعضها ببعضٍ بأسلوبٍ علميٍّ رصينٍ، يحقُّ الحقَّ ويُبطل الباطل في هذا الصَّدد ..\n_________\n(^١) نشرت له جريدةِ «المدينة» مقالًا في ذلك منشورًا بتاريخ ١ شعبان ١٤٠٤ هـ.\n(^٢) في كتابه بالأرديَّة «دو إسلام» (ص/٢٢٧)، نقلًا عن «اهتمام المحدِّثين» لمحمد لقمان (ص/٤٩٠).\n(^٣) وهي اتفاقية عُقدت من قِبل الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، تم اعتماد المعاهدة في ١٨ ديسمبر ١٩٧٩ م.","vol":"3","page":1711},{"text":"لا شكَّ أنَّ إيجاد قرائن تاريخيَّة، واعتماد نقد السَّند، وغير ذلك ممَّا جمعه الباحث يفتح الباب أمام الباحثين في الرِّواية الحديثيَّة، وفي التَّاريخ، لعلَّهم يصلون إلى رأيٍ جديد، وحقيقةٍ جديدةٍ في الموضوع، تزيح عن الأمر ما يكتنفه، وتدفع الحرج لدى كثيرٍ من النَّاس الَّذين لم يعُد يقبلون تزويج الأطفال في سنٍّ غير مَقبول ولا مُناسب» (^١).\nومحصِّل معارضات هؤلاءِ بشتَّى طوائفِهم لحديثِ زواجِ عائشة ﵂، مرتكزةٌ في سِتِّ مُعارضاتٍ، على النَّحو التَّالي:\nالمعارضة الأولى: أنَّ أسماء بنت أبي بكر ﵂ إذا كانت تكبُر عائشةَ بعشرِ سنين وهذا ما ينسِبُه المُعترضون إلى المصادرِ التَّاريخية وأنَّ عُمْرَ أسماء أختِها مع البعثة النَّبوية كان أربعة عشر عامًا، فإنَّ عُمْر عائشة ﵂ مع البِعثة يكون إذن أربع سنوات، مُؤَدَّى ذلك: أنَّ النَّبي ﷺ حين عَقَد عليها، كانت بنتَ أربع عشرة سنة، ودخوله بها وهي بنت ثماني عشرة سنة.\nيقرِّر هذه الشُّبهة (إسلام بحيري) بقوله:\n«بالاستنادِ لأمَّهاتِ كُتبِ التَّاريخِ والسِّيرةِ المُؤصَّلةِ للبعثة النَّبوية: الكامل، تاريخ دمشق، سير أعلام النُّبلاء، تاريخ الطَّبري، البداية والنِّهاية، تاريخ بغداد، وفيات الأعيان، وغيرها الكثير .. تكاد تكون مُتَّفقةً على الخطِّ الزَّمني لأحداث البعثة النَّبويَّة ..\nتقول كلُّ المصادر التَّاريخيَّة السَّابق ذكرها: إنَّ أسماء كانت تكبر عائشة بـ (١٠) سنوات، كما تَروي ذات المصادر بلا اختلافٍ واحدٍ بينها: أنَّ أسماء وُلِدَت قبل الهجرة للمدينة بـ (٢٧) عامًا، ما يَعني أنَّ عُمْرها مع بدءِ البعثةِ النَّبويَّةِ كان (١٤) سنة، وذلك بإنقاصٍ مِن عمرها قبل الهجرة (١٣) سنة، وهي سنوات الدَّعوة النَّبويَّة في مكَّة، لأنَّ (٢٧ - ١٣= ١٤ سنة).\n_________\n(^١) مقال بعنوان: «هل أصبح تأسيس لجنة علمية لدراسة رواية حديث (سن التاسعة) أمرًا مستعجلًا، لمحمد السوسي، صحيفة «العلم» بتاريخ (٥/ ١١/٢٠٠٨ م).","vol":"3","page":1712},{"text":"وكما ذكرت جميعُ المصادر بلا اختلافٍ: أنَّها أكبر مِن عائشة بـ (١٠) سنوات، إذن يتأكَّد بذلك أنَّ سِنَّ عائشة كان (٤) سنوات مع بدء البعثة النَّبوية في مكَّة، .. ومُؤدَّى ذلك بحسبة بسيطةٍ: أنَّ الرَّسول عندما نكَحَها بمكَّةَ في العام العاشر مِن بدءِ البعثةِ كان عمرها (١٤) سنة، .. وأنَّه -كما ذُكِر- بنَى بها بعد أربعِ سنوات وبضعة أشهر، ... فيصبح عمرها آنذاك (١٤+٣+١= ١٨ سنةً كاملةً)! وهي السِّن الحقيقيَّة الَّتي تَزوَّج فيها النَّبي الكريم عائشة» (^١).\nالمعارضة الثَّانية: أنَّ أبناء أبي بكر الصِّديق وُلِدوا في الجاهليَّة، كما ذَكره الطَّبري، وبهذا تكون عائشة وُلِدت قبل البِعثة، ويكون عُمْرها يزيد عند الهجرةِ على ثلاثةِ عشرَ عامًا ولا بدَّ.\nيقرِّر هذه الشُّبهة (إسلام بحيري) بقوله: «إنَّ الطَّبَري يجزِمُ بيقينٍ في كتابه «تاريخ الأُمَم» بأنَّ كلَّ أولادِ أبي بكر قد وُلِدوا في الجاهليَّة، وذلك ما يَتَّفق مع الخطَّ الزَّمني الصَّحيح، ويكشف ضعفَ روايةِ البخاريِّ، لأنَّ عائشةَ بالفعلِ قد وُلِدت في العام الرَّابع قبل بدء البعثة النَّبويَّة».\nالمعارضة الثَّالثة: أنَّ عائشة ﵂ تذْكُر أنَّها لم تَعقِل أبَوِيْها إلَّا وهُما يَدينان الدِّين، وذلك قبل هجرةِ الحبشةِ كما ذَكَرت، وأنَّ النَّبي ﷺ كان يَزورهم في بيتِهم بُكرةً وعشيًّا، وهذا يُبَيِّن أنَّها كانت وقتَها عاقلةً لتلك الزِّيارات! والهجرةُ إلى الحبشة كانت في العام الخامس مِن البِعثة.\nفلو كانت عائشة وُلِدَت العام الرَّابع مِن البعثة -كما عند البخاريِّ- لكانت لا تزال رضيعةً وقتَ الهجرة الحبشيَّة، ولما قدِرَت أن تَعقِل أبَوَيها على الدِّين، ولا زياراتِ النَّبي ﷺ لهم.\nيقول البِحيري: «بالحسابِ الزَّمنيِّ الصَّحيح، تكون عائشة في هذا الوقت تبلغ (٤ سنوات قبل البعثة + ٥ سنوات قبل الهجرة الحبشة) = ٩ سنوات، وهو العمر الحقيقيُّ لها آنذاك».\n_________\n(^١) من مقاله «زواج النَّبي من عائشة وهي بنت تسع سنين كذبة كبيرة في كتب الحديث» المنشور بجريدة «اليوم السابع» المصريَّة الإلكترونيَّة، بتاريخ (١٦ أكتوبر ٢٠٠٨ م)، وكلُّ ما أورده من كلام البحيري من هذا المصدر.","vol":"3","page":1713},{"text":"المعارضة الرَّابعة: أنَّ خولة بنت حكيم عَرَضت على النَّبي ﷺ بعد وفاةِ خديجة الزَّواج مِن عائشة أو سَودة ﵅ (^١)، وما كانت خولة لتعرِضَ عائشةَ عليه إلَّا على سَبيل جاهزيَّتِها للزَّواج.\nوفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (عبَّاس العقَّاد): «إنَّ السَّيدة خَولة اقترَحتها على النَّبي ﷺ وهي في السِّنِ المناسبةِ للزَّواجِ، على أقربِ التَّقديرات إلى القَبول، إذْ لا يُعقَل أنَّها تُشفِق عليه مِن حالِ الوحدةِ الَّتي دَعَتْها إلى اقتراحِ الزَّواجِ على النَّبي ﷺ، وهي تُريد له أن يَبْقى في تلك الحالةِ أربعَ سنواتٍ أو خمس سنواتٍ أخرى!» (^٢).\nالمعارضة الخامسة: أنَّ المُطعم بن عدي قد سَبَق إلى خطبةِ عائشةَ لابنِه جُبير، ولن تكون هذه الخطبة بينهما إلَّا قبل إسلام أبي بكر، إذ يَبعُد انعقادُها مع افتراق الدِّينين، ممَّا يدلُّ على أنَّ ميلادَ عائشة كان قبل الإسلام.\nيقول العقَّاد: «إنَّ السَّيدة عائشة كانت مَخطوبةً قبل خطبتها إلى النَّبي ﷺ، وإنَّ خطبةَ النَّبي كانت في نحوِ السَّنة العاشرة للدَّعوة، فإمَّا أن تكون قد خُطِبت لجبير بن مطعم: لأنَّها بَلَغت سِنَّ الخطبة، وهي قرابة التَّاسعة أو العاشرة، وبعيدٌ جدًّا أن تنعقد الخطبة على هذا التَّقدير مع افتراق الدِّين بين الأسرتين، وإمَّا أن تكون قد وُعِدَت لخطيبِها وهي وَليدة صغيرة، كما يَتَّفق أحيانًا بين الأُسَر المتآلفة، وحينئذٍ يكون أبو بكر مسلمًا عند ذلك، ويُستَبْعَد جدًّا أن يَعِدَ بها فَتًى على دينِ الجاهليَّة قبل أن تتَّفق الأُسرتان على الإسلام، فإذا كان أبو بكر ﵁ قد وَعَد بها ذلك الوَعد قبل إسلامِه، فمعنى ذلك أنَّها وُلِدَت قبل الدَّعوة! وكانت تُناهز العاشرةَ يومَ جَرى حديثُ زواجها وخطبتِها للنَّبي ﷺ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٢٥٧٦٩)، قال مخرِّجوه (٤٢/ ٥٠٤): «إسناده حسن، من أجل محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة بن وقاص، وقد روى له البخاري مقرونا، ومسلم متابعة، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين غير يحيى، وهو ابن عبد الرحمن بن حاطب، فمن رجال مسلم، وهو ثقة».\n(^٢) «الصديقة بنت الصديق» (ص/٤٩).\n(^٣) «الصديقة بنت الصديق» (ص/٤٩).","vol":"3","page":1714},{"text":"وبعد أن نَقَلِ البِحيريُّ رأيَ العقَّاد هذا، قال مؤكِّدًا له:\n«.. وهنا نتوقَّف مع نتائج مهمَّة جدًّا، وهي: لا يُمكن أن تكون عائشة مَخطوبةً قبل سِنِّ السَّادسةِ لشَابٍ كبير، لأنَّه حاربَ المسلمين في بدرٍ وأُحد، كما أنَّه مِن المستحيل أن يخطُب أبو بكر ابنتَه لأحدِ المشركين، وهم يُؤذون المسلمين في مَكَّة، ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا كان وعدًا بالخطبةِ قبل بدءِ البعثةِ النَّبوية، حيث كان الاثنان في سِنٍّ صغيرة، وهو ما يؤكِّد أنَّ عائشة وُلِدت قبل بدء البعثة النَّبويَّة يَقينًا».\nالمعارضة السَّادسة: أنَّ الحديثَ مُعارِض لقولِ النَّبي ﷺ: «لا تُنكَح البِكرُ حتَّى تُستَأذن».\nيقول البِحيري: «كيف يقول الرَّسول الكريم هذا ويفعلُ عكسَه؟! فالحديث الَّذي أورَده البخاريُّ عن سِنِّ أمِّ المؤمنين عند زواجِها، ينسب إليها أنَّها قالت: كنتُ ألعبُ بالبناتِ -بالعَرائس- ولم يسألها أحدٌ عن إذنها في الزَّواج مِن النَّبي ﷺ .. وحتَّى موافقتها في هذه السِّن لا تنتج أثرًا شرعيًّا، لأنَّها موافقة مِن غير مُكَلَّف ولا بالغٍ ولا عاقل».","vol":"3","page":1715},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>المَطلب الثَّالث\nدَفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ\nعن حديثِ سِنِّ عائشة عند زواجِها بالنَّبي ﷺ</span>\nتمهيد:\nأرى لِزامًا قبل الشُّروعِ في تفنيدِ هذه المُعارضاتِ الَّتي تخصُّ الحديثَ، أن أُنبِّه إلى أصلِ الشُّبهة الَّتي تَمخَّضت مِن رَحِمها تلك المُعارضات، والباعث الحقيقيِّ إلى هذه الاستشكالاتِ، وهو: عدمُ إدراك الفارق الكبير بين الأزمنةِ والبيئات والأعرافِ المختلفة المتعلِّقة بالزَّواج والبَاءة.\nفإنَّ مِن التَّجَني في الأحكام، أن يُوزَن حَدَث ما مُنفصلًا عن زمانِه ومكانِه وظروفِ بيئتِه، فتُهدر فروق القُدراتِ الجِسميَّة والذِّهنيَّة عبر العصور؛ ولَإِن كانت العِبرة في تمامِ الزَّواجِ نُضج الزَّوجين والقدرةِ على الإنجاب، فإنَّ مِن العَيْبِ قياسُ زَواجِ عُقِدَ في مكَّةَ قبل أربعة عشر قرنًا، بما يَحدُث اليومَ عند ضِبَابِ الغربِ ومَن دَخَل جُحرَهم مِن مُستغربينا!\nفالَّذي على المُعترِض أن يَفهمَه قبل اعتراضِه على مثل هذه الأحاديث: أنَّ قدرةَ النِّساءِ على النِّكاح ولوازمه -مِن جِماعٍ وولادةٍ وغير ذلك- ليست على وِزانٍ عُمْريٍّ واحد، بل تختلف مِن زَمنٍ إلى زَمن، ومِن بيئةٍ إلى بيئةٍ، بل مِن عِرْق إلى عِرْق، لاختلافِ عَوامل المُناخ، والتَّغذية، والثَّقافة؛ هذا ليس قولي أنا، بل ما تُؤكِّده دراسات الأطبِّاء في علمِ الخُصوبةِ ومُؤثِّراتها.","vol":"3","page":1716},{"text":"ففي تقرير هذه الحقيقةِ العِلميَّة، يقول (د. سْبِيرُوَا فاخوري): «يكون تَقَدُّم البلوغ في بعضِ الأحيانِ نتيجةَ أسبابٍ وِراثيَّة في الأسرة، أو المحيطِ الجغرافيِّ، كالبيئةِ، والمناخِ، وحرارةِ الجوِّ ..» (^١).\nوتقول الطَّبيبة الأمريكيَّة (د. دُوشْنِي): «إنَّ الفتاةَ البيضاءَ في أمريكا، قد تبدأ في البلوغَ عند السَّابعةِ أو الثَّامنة، والفتاة ذات الأصل الإفريقيِّ عند السَّادسة! .. ومِن الثَّابتِ طِبيًّا أنَّ أوَّل حَيضةٍ تَقَع بين سنِّ التَّاسعة والخامسة عشرة»؛ وهذا ما نَقَلته إحدى الدَّوْريات الطِّبيَّة للأطفالِ في أمريكا، حيث أكَّدوا أنَّ الفتيات الأمريكيَّات يبلُغن مُبكِّرًا، ما بين سِنِّ العاشرة إلى الحادية عشر، ومنهن حالات في الثَّامنة والتَّاسعة! (^٢).\nولازِلْنا نسمعُ مِن جدَّاتِنا كيف كُنَّ في وقتهِنَّ قبل جِيلَيْن أو ثلاثة، تتزوَّجُ إحداهنَّ مُبكِّرًا في الثَّانيةِ عشر أو أقلَّ من ذلك، مُقتدراتٍ مُؤَهَّلات لذلك في العلمِ والجِسم! فكان الأمر مُعتادًا عندهنَّ، يحكينه عن وقتٍ قَريب مِنَّا؛ فكيف الظَّنُّ بالنِّساءِ قبل أربعةِ عشر قرنًا مِن الزَّمَن، وفي بيئةٍ حارَّةٍ كجزيرة العَرب؟!\nلا شكَّ عندي أنَّهنَّ أولى ببُكورِ البلوغِ والنُّضج، فضلًا عن أنَّ مُجتمعاتهنَّ كانت «تختفي فيها مرحلةُ المراهقة، وينَتقِل الفَردُ وقتَها مِن الطُّفولةِ إلى الرُّشد مباشرة» (^٣).\nفلا يكاد ينقضي عَجَبي مِمَّن يَنتسِبُ إلى الإسلام، كيف له أن يُنكر زواجَ عائشة ﵂ في التَّاسعة استبشاعًا منه لذلك؟ في الوقتِ الَّذي يُقِرُّ كُتَّاب الغَربِ بأنَّ زواج العَربيَّات في القديم مُبكِّرًا -في ما نعتبره اليوم سِنًّا للطُّفولة- أمر طَبيعيٌّ بحكمِ ظروف ذلك الزَّمان وعاداته؟!\n_________\n(^١) «الموسوعة الطبية» (ص/٢٥).\n(^٢) من الصفحة الرسمية لقناة (إن بي سي) الأمريكية، في تقرير لها حول الموضوع، أعدته القناة بتاريخ ٨/ ٩/٢٠١٠ م، ورابط الصفحة:\nnbcnews.com/id/٣٨٦٠٠٤١٤/ns/health-childrens_health/t/Growing-up-too-soon-Puberty-strikers-٧ - year-old-girls.\n(^٣)  كما تُقرِّره عالمة الاجتماع الأمريكيَّة (مارغريت ميد)، انظر «البلوغ والمراهقة لدى البنات» لـ د. فريال أستاذ (ص/٣٥).","vol":"3","page":1717},{"text":"فاسمع لـ (وُل دْيُورَانْت) يقول في كتابِه الشَّهير «قصَّة الحضارة»: «إنَّ المُناخَ من العوامل الَّتي تؤثِّر في الأخلاق الفرديَّة، ولعلَّ حرارة الجوِّ في بلاد العرب كانت من أسباب تقوية الغريزة الجنسيَّة، والنُّضج المُبكِّر .. وكانت البَنات يُزوَّجْن في العادةِ قُبَيل سِنِّ الثَّانية عشرة، ويُصبحن أمَّهاتٍ في الثَّالثة عشرة أو الرَّابعة عشرة، ومُنهنَّ مَن كُنَّ يتزوَّجن في سِنِّ التَّاسعة أو العاشرة» (^١).\nوتقول المُستشرقة البريطانيَّة (كارين أمْسترُونج):\n«لم تَكُن خطبةُ محمَّد ﷺ عائشة أمرًا عجيبًا، حيث عُقِدت زيجاتٌ لفتياتٍ أصغرَ مِن عائشة، لتوثيقِ تحالفاتٍ أو لغير ذلك، استمرَّت هذه الممارسة في أوربا إلى ما بعد بدايةِ العصرِ الحديث، ولم يكُن هناك شَكٌّ أنَّ إكمالِ الزَّواج لم يَتمَّ، إلَّا عندما تخطَّت عائشة سِنَّ البلوغ، عندما كان يُمكن أن تتزوَّج مثل أيِّ بنتٍ أخرى» (^٢).\nفهذا ما أردتُ التَّنبيه عليه: أنَّ في إرجاءِ دخولِ النَّبي ﷺ بعائشة بعد عَقدِ زواجِهما بثلاثِ سنين كاملاتٍ، لخَيرُ دليلٍ على مُراعاتِهم لقدرةِ عائشة على تكاليفِ الزَّوجية، ولو كان الغَرَض تفريغُ شهوةٍ في طفلةٍ غَريرةٍ كما يزعُم الأفَّاكون، لأخَذَها وهي بنتُ سِتٍّ، فما الفرق إذن؟!\nلقد كانت عائشة ﵂ على صِغَر سِنِّها ناميةً ذلك النُّموَّ السَّريع الَّذي تنموه نساء العَرب، والعِبرة بالمرأةِ في قِطعتها وعقلِها، لا في عُمْرِها، وعائشةُ وإن كانت صَغيرة السِّن، لكنَّها اختُصَّت بعقلٍ فاقَ كثيرًا مِن الأشياخ، وفي بحرِ علومِها الَّتي بثَّته مِن بيتِ زوجِها لَخيرُ شاهدٍ.\nيقول (محمَّد الغزالي)، ولَنِعْمَ ما قال:\n«إنَّ عائشة يومَ بَنَى بها الرَّسول، كانت أهلًا للزَّواج يَقينًا، وما نَشُكُّ في أنَّ الدَّافع الأوَّلَ لهذا الزَّواجِ كان تَوثيقَ العلائقِ بين النَّبي الكريم وصاحبِه الأوَّل،\n_________\n(^١) «قصة الحضارة» (١٣/ ٦١، ١٣٨).\n(^٢) «محمد نبي الزمان» لكارين أمسترون (ص/٩٤)","vol":"3","page":1718},{"text":"وهو الدَّافع لتزوُّجه مِن حفصة بنتِ عمر بن الخطاب لمَّا آمَت مِن زوجِها، ولم تكُن حفصة امرأةً ذاتَ جمالٍ، ولكن هذا العُنصر لم يكُن المانع مِن هذه، ولا الدَّافع إلى تلك» (^١).\nنعم؛ لو كان غَرَض النَّبي ﷺ تَتبُّعَ مَبارِدِ شَهوتِه، والتَّلهِي بغرائزِ صَبْوتِه، لاتَّخذَ لنفسِه بِكْرًا حسنةً في كلِّ مرَّةٍ يَتَزوَّج! وهو الَّذي لَبِث -بأبي هو وأمِّي- خمسًا وعشرين سنةً مع زوجِه الثَّيبِ الأولى وهي تكبره في السِّن ﵂، لم تُحدِّثه نفسُه أن يُدخِلَ عليها بِكْرًا!\nفلمَّا ماتت ﵂، لم يَتزوَّج بعدها بِكرًا غير عائشة، فقد كان ﷺ يُراعي في زواجِه اعتبارات اجتماعيَّة وسياسيَّة توحي له بتعزيزِ الرَّوابط حينًا، وجبرِ الكسورِ حينًا آخر، ومَدِّ الجسور بين صاحبِ الدَّعوة، وأشتاتٍ مِن الأتباع والأُسَر الَّتي تَزحمُ جزيرة العرب، في أيَّامٍ كانت مَليئةً بالأزماتِ والمُحرجاتِ.\nوهنا يُعجِبني أن أسوق كلامًا حَسَنًا لعائشة بنت الشَّاطئ (ت ١٤١٩ هـ)، فهو على طولِه قد سدَّ ثقوبَ الفِكر الَّتي تسَّلَلَت من خلالِها شبهاتُ هذا الباب، فاحكمته بأحسنِ ما يكون البَيان، تقول فيه:\n«لم تُدهَش مكَّة حين أُعلِن نبأُ المصاهرةِ بين أعزِّ صاحِبين وأوفى صَديقين، بل استقبلته كما تستقبلُ أمرًا طبيعيًّا مَألوفًا ومُتوقَّعًا، ولم يجِد فيها أيُّ رَجلٍ مِن أعداء الرَّسول أنفسِهم مَوْضعًا لمَقال، بل لم يَدُر بخَلَدِ واحدٍ مِن خصومِه الألدَّاءِ أن يتَّخذ من زواجِ محمَّد ﷺ بعائشة مَطعنًا أو مَنفذًا للتَّجريحِ والاتِّهامِ، وهم الَّذين لم يتركوا سبيلًا للطَّعن عليه إلَّا سَلكوه، ولو كان بهتانًا أو زورًا.\nوماذا عساهم يقولون؟! هل يُنكرون أن تُخطَب صبيَّة كعائشة لم تَتجاوز (التَّاسعة) مِن عمرها؟ .. وأيُّ عَجَبٍ في مثل هذا؟ وما كانت أوَّلَ صبيَّةٍ تُزَفُّ في تلك البيئة إلى رجلٍ في سِنِّ أبيها، ولن تكون كذلك أُخراهنَّ.\n_________\n(^١) «قضايا المرأة» لمحمد الغزالي (ص/٦٧).","vol":"3","page":1719},{"text":"لقد تَزوَّج عبد المطلَّب الشَّيخُ مِن هالة الزُّهريَّة بنت عمِّ آمنة في اليوم الَّذي تَزوَّج فيه عبد الله أصغر أبنائِه مِن تِرْبِ هالة (آمنةِ بنت وهب)، وسيَتزوَّج عمر بن الخطَّاب مِن بنتِ علي بن أبي طالب وهو في سِنٍّ فوق سِنِّ أبيها، ويَعرِضُ عمر على أبي بكر أن يتزوَّج ابنته الشَّابة حفصة، وبينهما مِن فارقِ السِّن مثل الَّذي بين الرَّسول وعائشة ..\nلكنَّ نَفرًا مِن المُستشرقين يَأتون بعد بضعةِ عشر قرنًا مِن ذلك الزَّواج، فيهدِرون فروقَ العصرِ والبيئة، ويَقيسون بعَيْنِ الهوى زواجًا عُقِد في مكَّة قبل الهجرة، بما يحدُث اليومَ في الغرب، حيث لا تَتَزوَّج الفتاة عادةً قبل سِنِّ الخامسة والعشرين، وهي سِنٌّ تُعتَبر حتَّى وقتِنا هذا جِدُّ متأخرةٍ في الجزيرة العَربيَّة، بل في الرِّيفِ والبوادي مِن المشرق والمغرب» (^١).\nوبعد؛\nفها قد أَذَبْنا جليدَ الوَهمِ القابعِ في أذهانِ بعضِ المُتأفِّفَةِ مِن زواجِ الصَّغيرات، ليحين الشُّروع في تفصيلِ الرَّدِ على أفرادِ الشُّبهات المُسلَّطةِ على سِنِّ زواجِ عائشة ﵂، فنقول:\nأمَّا دعوى المُعترض في شُبهتِه الأولى: من أنَّ عُمْرَ عائشة ﵂ مع البِعثة كان أربعَ سنوات، باعتبارها أصغرَ مِن أختها أسماء بعشرٍ، وكان عمر هذه مع البعثة أربعة عشر، ومُؤدَّى ذلك أنَّ النَّبي ﷺ حين عقد على عائشة في السَّنة العاشرة من البعثة، كانت بنتَ أربع عشرة سنة .. إلخ.\nفجواب ذلك أن يُقال:\nإنَّ حِسْبَته هذه قائمةٌ على أساسِ أنَّ الفرقَ العُمْرِيَّ بين عائشة وأختِها أسماء هو عشر سنين؛ وبعد تفحصِّنا لهذه المعلومة، وجدناها لا تَستند إلَّا إلى روايةٍ\n_________\n(^١) «تراجم سيدات بيت النبوة» (ص/٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"3","page":1720},{"text":"تاريخيَّة واحدة! تَفرَّد بها عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد (ت ١٧٤ هـ) يقول فيها: «كانت أسماء بنت أبي بكر أكبر مِن عائشة بعشر سنين» (^١)، وفي روايةِ ابن عبد البرِّ عنه: «بعشر سنين أو نحوها» (^٢).\nفأمَّا ابن أبي الزِّناد هذا، فيقول فيه أحمد: «ضعيفُ الحديث» (^٣)، و«مضطرب الحديث» (^٤).\nويقول ابن معين: «ليس مِمَّن يَحتَجُّ به أصحاب الحديث» (^٥).\nولم يَرتضِه معهما ابنُ مهدي، ويحيى القطَّان، وأبو زرعة الرَّازي، ولا أكثر المُحدِّثين في روايتِه (^٦)، غيرُ قلَّةٍ مَشَّت حالَه (^٧)، بِما لَا ينهضُ لمِدافعةِ تضعيفِ الأئِمَّة له.\nولَئِن سَلَّمنا قولَ هؤلاءِ القِلَّة فيه، فليس يتَّجِه الحكمُ بصحَّةِ ما يَنفرد به عن الحُفَّاظ الثِّقات (^٨)، ولذا نَقل الخَطيبُ اتِّفاقَ أهل النَّقلِ عل تضعيفِه، وقال: «أجمعَ الحُفَّاظ على تركِ الاحتجاجِ به فيما انفردَ به» (^٩).\nفعلى هذا يكون خبرُه في الفَرقِ بين عُمرَيْ عائشة وأسماء ﵄ مَردودًا عليه! فضلًا عن انفراده به دون أهلِ الحديثِ والتَّواريخِ، ومخالفته لما يُقرِّرونه تَواترًا من سِنِّ عائشة.\n_________\n(^١) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٩/ ١٠).\n(^٢) «الاستيعاب» لابن عبد البر (٢/ ٦١٦).\n(^٣) «الضعفاء الكبير» للعقيلي (٢/ ٣٤١).\n(^٤) «تهذيب التهذيب» (٤/ ٤١).\n(^٥) «تهذيب التهذيب» (٤/ ٤١).\n(^٦) انظر أقوال العلماء في تضعيفه في «تاريخ بغداد» (١١/ ٤٩٤).\n(^٧) كالترمذي في «الجامع» (ك: اللباس، باب ما جاء في الجمة واتخاذ الشعر، بعد حديث رقم: ١٧٥٥)، والعجلي في «الثقات» (ص/٢٩٢).\n(^٨) كما قرره ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٥٦).\n(^٩) «المتفق والمفترق» (١/ ١٦٣) بتصرف يسير.","vol":"3","page":1721},{"text":"ومِمَّا يؤكِّد خِفَّةِ ضبطِ ابن أبي الزِّناد للفارق العُمريِّ بين الأُختين في روايتِه نفسِها، قوله في آخرها: «.. عشر سنين أو نحوها» (^١)، وهذا الشَّكُ أو الظَّن منه لا يجوز أن يرُدَّ ما جَزَم به الثِّقات في أخبراهم، على التَّنزُّلِ في كونِه ثِقةً كما أسلفنا.\nومع كلِّ هذا نقول: إنَّه على افتراض صحَّةِ روايةِ ابن أبي الزِّناد هذه، فإنَّه لا يستحيلُ الجَمعُ بينها وبين باقي الرِّواياتِ في سِنِّ عائشة عند الزَّواج! وذلك بأن يُقال:\nكان مَولِدُ أسماء قبل البِعثة بستِّ أو خمسِ سنوات، وعائشة بعد البِعثة بأربع أو خمس سنوات، ولمَّا تُوفِّيت أسماء عامَ (٧٣ هـ) (^٢)، كان عمرُها إحدى أو اثنتين وتسعين سنةً، وهو الَّذي احتمَلَه الذَّهبي بعد نقلِه روايةَ ابن أبي الزِّناد في فارقِ العُمْرِ بينهما، كما في قوله: «.. فعلى هذا يكون عُمْرها إحدى وتسعين سنة، وأمَّا هشام بن عروة، فقال: عاشت مائة سنة، ولم يَسقُط لها سِنٌّ» (^٣).\nلكن قد علمتَ أنَّ رواية ابن أبي الزِّناد ضعيفةٌ أصلًا، وأنَّ الاتِّفاقَ مُنعقد بين أهل السِّيَر على أنَّ عائشة ﵂ تَزوَّجت وعمرُها ستُّ سنين، كما اشتهرَ عندهم أنَّها ماتَتْ وعمرُها ثلاثٌ وستُّون سنة وأشهُر (^٤)، وذلك عام (٥٧ هـ) أو (٥٨ هـ)، فيكون بذا عمرُها قبل الهجرة: سِتُّ سنوات وأشهر، أو سبع سنوات، فإذا جَبَرنا الكسرَ يكون عمرُها عامَ الهجرةِ النَّبوية ثمانِ سنين، ويكون عمرُها عند دخولهِا على النَّبي ﷺ بعد الهجرة بثمانيةِ أشهر هو تسعُ سنين (^٥).\n_________\n(^١) وهي الَّتي رواها ابن عبد البَّر من طريق نصر بن علي عن الأصمعي عنه، ونصرٌ ثقة حافظ، وهذه الطريق أقوى من الطريق الأخرى التي عند ابن عساكر من غير هذه الزيادة، لأنها من طريق محمد بن أبي صفوان، وقد خلا من توثيق مُعتبر.\n(^٢) وهذا تاريخٌ متَّفق عليه بين المؤرِّخين، وانظر «حلية الأولياء» (٢/ ٥٦)، و«تهذيب الكمال» (٣٥/ ١٢٥).\n(^٣) «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٣٨٠).\n(^٤) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي (٢/ ١٣)، و«سير أعلام النبلاء» (٢/ ١٩٣).\n(^٥) «السَّنا الوهَّاج» (ص/٢١٢).","vol":"3","page":1722},{"text":"فعلى هذا تكون دَعْوى (البِحيريِّ) في إجماعِ كُتُبِ التَّاريخ على كِبَرِ أسماءَ على عائشةَ بعشرٍ دعوى منه كاذبة! وليس مُجرَّدُ تَناقُلهم لروايةِ ابن أبي الزِّنادِ وسَوْقِها في كُتبهم دليلًا على صحَّتِها لَديهم! هذا أمرٌ مُسَلَّم به عند من يفهم مناهج المؤرِّخين.\nفهذا الذَّهبي -مثلًا- وهو عُمدةٌ في السِّيَر والتَّواريخ -بشهادةِ (البِحيريِّ) نفسِه! - يَرى أنَّ «أسماءَ أسَنُّ مِن عائشة ببضعِ عشرة سنة» (^١) لا بعشرٍ، والبضعُ مِن الثَّلاثةِ إلى التِّسعة؛ فلو قُلنا أنَّها تكبرُها بتسعةِ عشر عامًا -مَثلًا-، وكان عمرُها وقتَ الهجرة سبعةً وعشرين عامًا: فإنَّ عُمْرَ عائشة وقتَ الهجرة يكونُ ثماني سَنوات! وهو ما يُوافق ما جاء عنها في الرِّواياتِ الصَّحيحةِ المُتَّفق عليها (^٢).\nفهل مِن الإنصافِ الانكبابُ على أَثَرٍ فَرْدٍ وَاهٍ مِن حيث سندُه، ليُطعَنَ به في كلِّ تلك الرَّواياتِ الصَّحيحةِ، وما استفاض خَبَرُه في كُتِبِ السُّنةِ والسِّيَر؟!\nلكن للأسف، قد تَكرَّر هذا المَزلَقُ المَنهجيُّ في مَواضع أُخَرَ مِن مَقالِ (البِحيريِّ) هذا، من ذلك:\nدعواه أنَّ ابنِ حَجرٍ ذكرَ في «الإصابة» (^٣): كونَ فاطمة ﵂ وُلِدَت عامَ بناءِ الكعبة والنَّبيُّ ﷺ ابنُ خمسٍ وثلاثين سنة، وأنَّها كانت أسَنَّ مِن عائشة بخمس سنواتٍ، وعلى هذه الرِّواية خرَّجَ كوْن عائشة وُلِدت وللنَّبي ﷺ أربعون سنة عند البِعثة، ما مُؤدَّاه عنده: أنَّ عائشة عند زواجِها بعد الهجرة قد جاوزت الأربعة عشرَ سنةً!\nثمَّ قال (البحيريُّ) بعد هذه الحِسبة: «.. وقد أوْرَدتُ هذه الرِّواية فقط لبيانِ الاضطرابِ الشَّديدِ في روايةِ البخاريِّ»!\nيقول هذا وهو الَّذي أقَرَّ في نفسِ مَقالِه -قُبَيْل هذا الكلامِ- أنَّ هذه الرِّواية في مَولدِ فاطمة وفارِق الخمسِ بينها وبين عائشة «ليست قويَّة»!\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» (٢/ ٢٨٧).\n(^٢) «السَّنا الوهَّاج» (ص/٢١٣).\n(^٣) (٨/ ٢٦٣).","vol":"3","page":1723},{"text":"أَفَيَستقيم الحكمُ بالاضطرابِ على روايةٍ في البخاريِّ لأجل روايةٍ أخرى خارَجه ضَعيفةٍ؟! بل مُنكرةٍ بمنظارِ أهل الفنِّ؟! فإنَّها مِن روايةِ الوَاقديِّ وهو مَتروك، فضلًا عن انقطاعِ سَندِها بين أبي جعفر البَاقر والعَبَّاس ﵁.\nإنَّ ما تَبَجَّح به المُعترضُ مِن تلك المَراجع التَّاريخيَّة الَّتي ساقَها أوَّلَ مقاله، يَزعمُ إسنادَها لِما خَرج به مِن شَواذِّ نتائجِه في عُمْرِ عائشة، لا يوافقه عليها أحدٌ مِن أربابِ تلك المَراجِع نفسِها الَّتي استشهَدَ بها، والَّتي وَصَفها بأنَّها (مؤصَّلة)! ولا خَطَرت -والله- بِبالِ أصحابها! وبِها نُدينُه!\nفلا ابنُ الأثير (^١)، ولا ابنُ عساكر (^٢)، ولا الذَّهبيُّ (^٣)، والطَّبري (^٤)، وابن كثير (^٥)، والخطيب (^٦)، وابن خلِّكان (^٧): يختلفون في كونِ عائشة قد زُوِّجِت بالنَّبي ﷺ وهي بنتُ ستٍّ، ودَخَل بها وهي بنتُ تسع.\nوأمَّا دعواه في المعارضة الثَّانية من أنَّ أبناءَ الصِّديق وُلِدوا كلُّهم في الجاهليَّة، ونسبَ ذلك إلى الطَّبري .. إلخ:\nفإنَّ سَوْق نصِّ الطَّبري كافٍ في بَيانِ كذبِ هذه النِّسبةِ إليه، ولعلَّ المُعترض أُوتِيَ مِن عَجَلتِه في فهمِ كلامِ العلماء بحسب ما يهواه ولو بتحريفِه، دون تَرَوٍّ في تأمُّلِه، أو استصحابِ مَذهَبِ قائلِه فيه.\nفأمَّا ابن جرير؛ فالَّذي قاله على وَجهِ التَّفصيل:\n«حَدَّث عليُّ بن محمد، عمَّن حدَّثه ومَن ذكرتُ مِن شيوخه، قال:\nتزوَّج أبو بكر في الجاهليَّة قتيلة -ووافقه على ذلك الواقديُّ والكلبيُّ- .. فوَلَدت له عبد الله وأسماء.\n_________\n(^١) «الكامل في التاريخ» (٢/ ٧٧) (٢/ ١٥١).\n(^٢) «تاريخ دمشق» (٣/ ١٧٣، ١٨٠).\n(^٣) «سير أعلام النبلاء» (٣/ ١٢٩).\n(^٤) «تاريخ الطبري» (٢/ ٣٩٨).\n(^٥) «البداية والنهاية» (٤/ ٣٢٦).\n(^٦) «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٤٨).\n(^٧) «وفيات الأعيان» (٣/ ١٦).","vol":"3","page":1724},{"text":"وتزوَّج أيضًا في الجاهليَّة أمَّ رومان بنت عامر .. فوَلدت له عبد الرَّحمن وعائشة.\nفكلُّ هؤلاء الأربعة مِن أولادِه، وُلِدُوا مِن زَوْجَتيه اللَّتين سمَّيناهما في الجاهليَّة.\nوتزوَّج في الإسلام أسماء بنت عُميس، وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب .. فوَلَدت له محمَّد بن أبي بكر .. وتزوَّج أيضًا في الإسلام حبيبة بنت خارجة .. فوَلَدت له بعد وفاتِه جارية سُمِّيت أمَّ كلثوم» (^١).\nقلت: فبَيِّنٌ جدًّا مِن كلام ابن جريرٍ أنَّ الجارَ والمجرورَ في قولِه «في الجاهليَّة» مُتعلِّق بالأزواجِ (^٢)، لا بالأولاد! وذلك أنَّ كلامَ الطَّبري مَسوق أصلًا لتَمييزِ زوجاتِ أبي بكرٍ إلى مَنْ كُنَّ له في الجاهليَّة، ومَنْ كُنَّ له في الإسلام، لم يُرِد بكلامِه البتَّة تعريجًا على ميلادِ أبناءِه! ولو كان المُراد من كلامِ الطَّبريُّ تعلُّقَ الجار والمجرور «في الجاهليَّة» بأولادِ أبي بكر الأُوَل، لكان الأوْلَى له والأفصح -وهو الفصيح النَّصيح- أن يقول: «.. فكلُّ هؤلاء الأربعة مِن أولادِه وُلِدُوا في الجاهليَّة مِن زَوجتيه اللَّتين سمَّيناهما».\nولِم نذهب بعيدًا؟! ألا يعلَمُ (البِحيريُّ) كونَ ابن جريرٍ مِمَّن يقرِّر زواجَ عائشة بالنَّبي ﷺ وهي بنت ستِّ سنين -كما أشرنا إليه مِن قبلُ-، ولازم ذلك عند الطَّبري: أنَّها وُلِدت بعد البعثة النَّبوية بأربع سنوات، لا في الجاهليَّة كما يدَّعيه هذا المُعترض المُستدِلُّ بالطَّبري!\nهذا لتعلمَ جُرْمَ مَن يستدِلُّ بكلام إمامٍ مُحتمِلِ الدَّلالةِ على مسألةٍ يُريد تقريرَها، معرضًا عن نَصٍّ آخر له قطعيِّ الدَّلالة في المسألةِ نفسِها.\n_________\n(^١) «تاريخ الطبري» (٣/ ٤٢٥).\n(^٢) والأصل في اللُّغة ثبوت التَّعلُّق لأقربِ مَذكور، رفعًا لأيِّ اِلْتباسِ.","vol":"3","page":1725},{"text":"وأمَّا دعوى المعترضِ في شُبهتِه الثَّالثة: أنَّ عائشة ﵂ ذكرت أنَّها لم تعقِل أبويها إلَّا وهما يَدينان الدِّين قبل هجرة الحبشة، وأنَّها عقلت وقتها زيارات النَّبي ﷺ لبيتهم، والهجرة إلى الحبشة كانت في العام الخامس مِن البِعثة .. إلخ\nفجواب ذلك أن يُقال:\nنَصُّ كلام عائشة ﵂ تقول فيه:\n«لم أعقِل أبويَّ قطُّ إلَّا وهما يَدِينان الدِّين، ولم يمرَّ علينا يوم إلَّا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النَّهار، بكرةً وعشيَّة، فلمَّا ابتُلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتَّى إذا بلغ بَرْك الغَماد لَقِيه ابنُ الدَّغِنة، وهو سيِّد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربِّي ..» (^١).\nهذا نصُّ كلامها، تُخبِرُ فيه بخروجٍ مَخصوصٍ إلى الحبشة، وهو خروجُ أبيها الصِّديق ﵁ وحدَه؛ ولم تَعنِ مُطلقَ خروجِ المسلمين إلى الحبشة؛ وذلك أنَّ الهجرة إلى الحبشة وَقعت مرَّتين:\nأولاها: في السَّنة الخامسة للبِعثة.\nوثانيها: ما بين العامِ السَّادسِ والتَّاسع للبِعثة (^٢).\nوالَّذي يَعنينا هنا في أيِّهما كان خروجِ أبي بكر ﵁، فيُقال في جوابه:\nلقد ذَكَرَ ابن إسحاق أنَّ نقضَ الصَّحيفة، ووفاةِ أبي طالب وخديجة: كان عَقِب خروجِ أبي بكر ﵁، ومَعلوم أنَّ هذه الأحداث لم تكُن في زَمنِ الهجرةِ الأولى إلى الحبشة سنةَ خمسٍ للبِعثةِ قطعًا، وإنَّما وَقَعَت هذه الأحداث ما بين الثَّامنةِ والعاشرةِ للبِعثة!\nترى تقرير هذا التَّاريخ عند ابن كثير في قولِه: «.. كلُّ هذه القَصَص ذكَرَها ابنُ إسحاقٍ مُعترضًا بها بين تَعاقد قريشٍ على بني هاشم وبني المطَّلب، وكتابتِهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، رقم: ٣٩٠٥).\n(^٢) «سيرة ابن إسحاق» (ص/٢١٣ - ٢٢٢)، و«السيرة النبوية الصحيحة» لأكرم العمري (١/ ١٦٩).","vol":"3","page":1726},{"text":"عليهم الصَّحيفة الظَّالمة، وحصرِهم إيَّاهم في الشِّعب، وبين نقضِ الصَّحيفة، وما كان مِن أمرها، وهي أمور مناسبة لهذا الوقت» (^١).\nوبهذا يُعلَم: أنَّ خروجَ أبي بكر ﵁ إلى الحبشة كان أواخرَ زَمَنِ حِصارِ قريشٍ لبني هاشم، ليكون عمر عائشةَ وقتَها في الخامسةِ أو قريبًا منها؛ وهو المُلائِم لقولهِا: «لم أعْقِل أبَوَيَّ قطُّ إلَّا وهما يَدِينَان الدِّين ..».\nوأمَّا دعوى المعترضِ في المعارضة الرَّابعة: أنَّ خولةَ بنت حكيم ﵂ ما كانت لتعرضَ عائشةَ على النَّبي ﷺ إلَّا على سَبيل جاهزيَّتِها للزَّواج، لا على سَبيل أن ينتظرها سنواتٍ لتكبُر:\nفالعَجَب مِن (العَقَّاد) ومَن تقلَّد شُبهته! كيف سوَّغَ لنفسِه استنباطَ أمرٍ خفِيٍّ من النَّص، وفي النَّص نفسِه ما يناقِضُه؟! حيث ذكرت خولةُ ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ تزوَّجَ عائشة ﵂ وهي في السَّادسةِ.\nفعن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، ويحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب، ينقُلان الحديثَ عن عائشة ﵂ قالا: «لمَّا هَلكَت خديجة ﵂، جاءت خولة بنت حكيم ﵂ امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول الله ألا تزوَّج؟ قال: «مَن؟» قالت: إن شئتَ بِكرًا، وإن شئت ثيِّبًا؟ قال: «فمَن البكر؟» قالت: ابنة أحبِّ خلقِ الله ﷿ إليك: عائشة بنت أبي بكر، قال: «ومَن الثيَّب؟» قالت: سَودة بنت زمعة، .. قال: «فاذْهبِي فاذكريهما عَليَّ».\nفدخلتُ بيتَ أبي بكر، .. فقال لخولةَ: ادْعِي لي رسول الله ﷺ، فدَعَتْه، فزوَّجها إيَّاه وعائشة يومئذ بنت ستِّ سنين ..» (^٢).\nفإن قبلوا هذه الرِّواية للاستشهاد، فليقبلوها بِما فيها جملةً!\n_________\n(^١) «البداية والنهاية» (٤/ ٢٣٥).\n(^٢) رواه أحمد في «المسند» (رقم: ٢٥٧٦٩)، قال مُخرِّجوه: «إسناده حسن»، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٥/ ٣٨٩)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٣/ ٢٣، رقم: ٥٧).","vol":"3","page":1727},{"text":"وخولة إنَّما عرضتْ على النَّبي ﷺ ما عَرَضت حين رأته أعزبًا، فلمَّا قبل عرضها وتزوَّج بالمَعروضةِ عليه، فشأنُه حينئذٍ بأهلِه! إنْ شاءَ دَخل بها، وإنْ شاء أرجى ذاك حسْبَ ما يَراه مصلحةً.\nوأمَّا قول المُعترِض في شُبهتِه الخامسة: أنَّ المطعم بن عدي قد سَبَق إلى خطبةِ عائشةَ لابنه جُبَير، ولن تكون هذه الخطبة بينهما إلَّا قبل البِعثة، إذ يبعُد انعقادها مع افتراق الدِّينين، ويبعُد أن تكون عائشة مخطوبةً قبل سنِّ السَّادسة لشابٍ كبير، فضلًا أن تُخطب للمشركين وهم يحاربون المسلمين.\nفجواب ذلك أن يُقال:\nلقد أُوتي أربابُ هذه الشُّبهة مِن جَهْلِهم بأحكامِ القرآن ناسخه ومَنسوخه، حيث رَفعوا بُنيانَ اعتراضهم على أساسِ حُرمةِ المُصاهرةِ بين المسلمين والمشركين في جميعِ سنواتِ الدَّعوة الإسلاميَّة.\nوأيُّ طُوَيلب عِلمٍ عارفٌ بأنَّ تزويجَ المُسلمين للمشركين لم يُحرَّم إلى بعد الهجرةِ إلى المدينة، عند نزولِ قولِه تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، فلم تُحرَّم المُصاهرة بينهما مطلقًا إلَّا بعد الحديبيَّة، بعد نزولِ قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].\nفعلى ذلك، يكون تواعد الصِّديق ﵁ والمُطعم بن عديٍّ على تزويجِ عائشةَ لابنِه لم يَزَل وقتَها على البراءةِ الأصليَّة في الإباحة، «ولهذا كان أبو العاص بن الرَّبيع زوجَ ابنة النَّبي ﷺ زينب ﵂، وقد كانت مُسلمةً وهو على دين قومه، .. إلى أن أسلمَ زوجها العاص بن الرَّبيع سنة ثمانٍ، فردَّها عليه بالنِّكاح الأوَّل، ولم يُحدث لها صَداقًا» (^١).\nثمَّ أقول: ما المانع أصلًا في أن تكون عائشةُ مَخطوبةً مِن جبيرٍ طفلةً صغيرةً بل رضيعةً «كما يَتَّفِقُ أحيانًا بين الأُسَر المتآلفة» (^٢) -وهذه عبارةُ (العَقَّاد) نفسِها- وحينئذٍ يكون أبو بكر مسلمًا عند ذلك، باعترافِه؟!\n_________\n(^١) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٨/ ٩٣).\n(^٢) «الصديقة بنت الصديق» (ص/٤٩).","vol":"3","page":1728},{"text":"ومِن جَهالاتِ (البِحيريِّ) بالسِّيرةِ في عهدِها المَكِّي أيضًا:\nجَعْلُه خِطْبةَ المُطعم بن العديِّ ابنة أبي بكرٍ ﵁ لوَلدِه غير جائزةِ الوقوع، لكونِه مِمَّن آذوا المسلمينَ في مكَّةَ! والمسكينُ لا يدري أنَّ المُطْعِمَ وإن ماتَ مُشركًا، إلَّا أنَّ الله قد سَلَّمَه هو تحديدًا مِن وِزْرِ أَذِيَّةِ المسلمين، حيث أبقى فيه بَقيَّةً مِن نَخوةِ العَرَب ومُروؤَتها.\nفمطعمٌ هو مَن سَعَى في قِلَّةٍ من أصحابِه إلى نَقْضِ صَحيفة قَطيعةِ بني هاشم (^١)!\nوهو مَن أجارَ النَّبيَّ ﷺ حين عودتِه مِن الطَّائفِ إلى مكَّة، حتَّى طافَ بعُمرةٍ (^٢)، في جملةٍ من إحسانِاتِه الَّتي لم يَنْسَه له نبيُّنا ﷺ ولو بعدَها بسِنِين، حتَّى قالَ في أُسارَى بَدْرٍ: «لو كان المُطعم بن عَديِّ حيًّا، ثمَّ كلَّمَني في هؤلاء النَّتْنَى، لَتركتُهم له!» (^٣).\nوأمَّا دعوى المُعترضِ في شُبهتِه الخامسةِ: تعارضَ حديثِ زواجِ عائشةَ مع قولِ النَّبي ﷺ: «لا تُنكَح البِكر حتَّى تُستَأذن».\nفيُقال تمهيدًا لجوابه:\nلا يَسوغُ مِن جهةِ الأصول نَصبُ خِلافٍ بين نَصَّين بما يَقتضي اعتمادَ أحدِهما دون الآخر إلَّا بتعذُّر الجَمعِ بينهما، فإنْ أمكنَ ذلك جمعًا تَأتلِف به أدلَّةُ الشَّريعة، ويَجري على مِنْوالِ الفقهاءِ في قواعدِهم: فإعمالُ الدَّليلين حينئذٍ -ولو مِن وَجهٍ- أَوْلى مِن إهمالِ أحدِهِما (^٤).\nوإنَّ لنا في بابِ قواعد استنباطِ للأحكامِ ما يكفي المُجتهِدَ الحصيفَ على هذا الجَمعِ بيُسْرٍ مِن غير تكَلُّف، ومِن أهمِّ تلكم القَواعدِ: بناءُ العَامِّ على\n_________\n(^١) انظر «سيرة ابن إسحاق» (ص/١٦٢)، و«دلائل النبوة» لأبي نعيم (١/ ٢٧٢).\n(^٢) انظر «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٨١).\n(^٣) أخرجه البخاري (ك: فرض الخمس، باب ما من النبي ﷺ على الأسارى من غير أن يخمس، رقم: ٣١٣٩).\n(^٤) انظر «الإحكام» لابن حزم (١/ ١٦١)، و«التمهيد» للإسنوي (ص/٤٠٩).","vol":"3","page":1729},{"text":"الخاصِّ، والمُطلَقِ على المُقَيَّد، وعليه حَمَلَ الفقهاءُ لكثيرٍ مِن السُّنَن القوليَّة العامَّة على سُنَنٍ فِعليَّة تُخصِّصُها أو تُقيِّدُها (^١).\nيقول صاحبُ نظمِ «المَراقي» (^٢):\nفي حقِّه القَولُ بفعلٍ خُصَّا *** إنْ يَكُ فيه القَولُ ليس نَصًّا\nففي هذه القاعدة يندرج الحَديثان اللَّذان ادَّعَى (البِحيريُّ) تَعارضَهما! وذلك:\nأنَّ قوله ﷺ: «لا تُنكَح البِكرُ حتَّى تُستَأذَن» مِن القولِ العامِّ الَّذي خصَّصُه فعلُه ﷺ، وفعلُ صَحابتِه من بعده، فقد «زَوَّج غيرُ واحدٍ مِن أصحابِ النَّبي ﷺ ابنتَه صغيرة» (^٣).\nلِتعلمَ أنَّ عمومَ حديثِ الأمرِ بالاستئذانِ إنَّما هو في كلِّ بِكْرٍ إلَّا في الصَّغيرة ذات الأبِ، إذْ جائزٌ لأبيها أن يُزَوِّجها ولو بغير استِئذانِها، فإنَّ الصَّغيرةَ لا عَبارةَ لها ولا إذْنَ لمثلِها (^٤)، والاستئذانُ لا يكون إلَّا للعاقلِ البالغِ، وأُنيطَ اختيارُ الكُفْؤِ لها بأبِيها لمزيدِ عقلِه وشَفَقتِه عليها.\nوهذا حكمٌ مُستنبطٌ عند الفقهاء من نفسِ قِصَّة زواجِ عائشة ﵂ مع دلائل أخرى.\nيقول الخَطَّابي بعد سَوْقِه لحديثها في ذلك: «في هذا دَلالةٌ على أنَّ البِكر الَّتي أُمِر باستئذانِها في النِّكاح، إنَّما هي البَالغُ دون الَّصغيرةِ الَّتي لم تَبلُغ، لأنَّه لا مَعنى لإذْنِ مَن لم تكُن بالغًا، ولا اعتبارَ برِضاها ولا بسخطِها» (^٥).\n_________\n(^١) انظر «المهذب في أصول الفقه المقارن» (٤/ ١٥٩٦).\n(^٢) انظر «نشر البنود في شرح مراقي السعود» (٢/ ٢١)، و«مراقي السعود» منظومة ألفيَّة في أصول الفقه، لصاحبها عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي (ت ١٢٣٥ هـ)، انظر ترجمته في «الأعلام» للزركلي (٤/ ٦٥).\n(^٣) «الأمَّ» للشافعي (٩/ ١١٨).\n(^٤) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ١٩١).\n(^٥) «معالم السنن» (٣/ ٢١٣).","vol":"3","page":1730},{"text":"فهذا ما نُقِل عليه الإجماع، وجُعِل مِن مُستَنَداتِه حديثُ عائشة ﵂ هذا؛ كما قال ابنِ المُنذر: «دَلَّ هذا الحديث على أنَّ البِكْرَ الَّذي أُمِرنا باستئذانِها: البَالغُ، إذْ لا مَعنى لاستئذانِ مَن لا إذْنَ لها مِن الصِّغار، إذ سكوتُها وسخطُها سواء .. وأجمعَ أهلُ العِلمِ: على أنَّ نكاحَ الأبِ ابنتَه البكرَ الصَّغيرة جائزٌ إذا زَوَّجها مِن كُفؤٍ، .. وحُجَّتهم في ذلك حديثُ عائشة» (^١).\nوبهذا نكون -بتوفيق من الله تعالى- قد أخْمَدنا نيرَانَ مَن حاوَل إحراقَ هذه الحقيقة التَّاريخيَّة بشُبهاتِ تمَعقُلِه، وكشفنا زَيْفَ دعاوي حِرْصِه على صورةِ الرَّسولِ ﷺ كيف تَؤُول إلى إسقاطِ الثِّقة في أخبارِ شَريعتِه؛ والحمد لله.\n_________\n(^١) «الإشراف» لابن المنذر (٥/ ١٦، ١٩).","vol":"3","page":1731},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>الفصل الثامن\nنقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث «الصَّحيحين» بدعوى أنَّها إسرائيليَّات</span>","vol":"3","page":1733},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>المَبحث الأوَّل\nتعريف الرِّوايات الإسرائيليَّة</span>\nالرِّواية (الإسرائيليَّة): مُصطلح يُطلَق على الأخبارِ المَاضيةِ المَرويَّة مِن طريقِ بني إسرائيل، المَقصودِ بهم اليَهود والنَّصارى؛ فالقَيدُ الأخير يَمنعُ التَّمثيلَ للإسرائيليَّات بما نُقِل عنهم مِن طريقِ النَّبي ﷺ نقلًا صَحيحًا، لأنَّها تصيرُ بذا مِن قَبيل الخبرِ المَرفوعِ! فلا تدخل في التَّعريفِ كونها إسلاميَّةَ المصدرِ.\nوأغلبُ هذا المَرويِّ عن بني إسرائيل هو مِن أسفارِ اليَهود، أمَّا المَرويُّ عن النَّصارَى فقليلٌ بالنِّسبةِ لما عند اليهودِ، لظهورِ أمرِ هؤلاءِ، وشِدَّة اختلاطِهم بالمسلمين أوَّلَ الإسلام (^١).\nثمَّ جاء بعدُ مَن عَدَّ مِن الإسرائيليَّات كُلَّ ما دَسَّه أعداءُ المُسلمين مِن اليَهودِ وغيرِهم في التَّفسيرِ والحديثِ مِن أخبار زائفةٍ، وإن لم يكُن لها أصلٌ في مَصدرٍ كِتابيٍّ قديمٍ، وإنمَّا هي أخبارُ صَنعوها بسوءِ طَويَّةٍ، ليُفسدوا بها عقائدَ المُسلمين (^٢)،\n_________\n(^١) ولأجل ذا نحى (محمَّد أبو شهبة) في كتابه «الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير» (ص/١٣ - ١٤) إلى تركيز تعريف الإسرائيليَّات في معارف اليهودِ دون غيرهم، بل عدَّ إدخال معارف النَّصارى في التَّعريف نوع توسُّعٍ من بعض الباحثين، ولا شكَّ أنَّه من باب التَّغليب في التَّعريف فحسب.\n(^٢) «الإسرائيليات في التفسير والحديث» لمحمد حسين الذهبي (ص/١٩ - ٢٠)، ومثَّل بقصة الغرانيق، وما ذكره هنا أوسع مما ذكره في كتابه «التفسير والمفسرون» (١/ ١٦٦ - ١٦٩)، واستفاده منه محمد أبو شهبة في كتابه «الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير» (ص/١٢ - ١٤).","vol":"3","page":1735},{"text":"يَتَقدَّم القائلين بهذا (محمود أبو ريَّة) (^١) و(صالح أبو بكر) (^٢)؛ يَستدلُّون على ذلك بما يَرَوْنَه أماراتٍ مُنكرةٍ في المتنِ تكشفُ لهم مصدرَه اليهوديَّ -فيما يزعمون- في اختلاقِها.\nولا ريبَ أنَّ هذا الرَّأي تَوسُّعٌ غير جيِّدٍ في معنى الإسرائيليَّات، ولم أقِف على مَن قال به مِن أهل العلمِ المُعتبرين، ولا نَسَبه مَن قال به إلى سَلَفٍ (^٣)؛ بصرفِ النَّظرِ عن وَهاءِ ما يَعدُّونه أمارةً على نكارةِ المتنِ واختلاقِه.\nوقد وُجِد من أدخلَ في مفهوم الإسرائيليَّاتِ كلَّ ما تَطَرَّق إلى التَّفسيرِ والحديثِ مِن أساطيرٍ مَنسوبةٍ في أصلِ روايتِها إلى غيرِ المصدَرَين اليَهوديٍّ والنَّصرانيِّ! «ليلحَقَ بها ما هو عَربيُّ الأصل أيضًا، مثل بعض القصَّاصين اللَّذين تَأثَّروا بطريقة أهلِ الكتاب، فرَووا قَصصًا ليس مصدرها أهل الكتاب، لكن لا تخرُج بمعانيها مِن مادَّة الإسرائيليَّات، بل ربَّما وَضَعوا بعضَها وَضعًا» (^٤).\nوفي هذا الرأيِّ كسادٌ كسابِقه؛ إذ ثمَّة فرقٌ بين ما يَروِيه أهلُ الكتابِ أنفسُهم، وما وَضَعه عليهم الوضَّاعون بعدهم! هذا أمْيَلُ إلى حكمِ الخُرافةِ، قد انتفت عنه المَصدريَّة الإسرائيليَّة المَطلوبة في التَّعريفِ.\n_________\n(^١) انظر «أضواء على السنة المحمدية» له (ص/١٥٤).\n(^٢) في كتابه «الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها»، فكثيرًا ما يطلق عبارات توحي بأنَّ الإسرائيليَّات موضوعات دسَّها اليهود لخدمة مصالحهم وهدم الإِسلام، انظر مثلًا (ص/١٠، ١٢، ١٢٣، ١٦٧).\n(^٣) انظر «تفسير القرآن بالإسرائيليات، نظرة تقويمية» لمساعد الطيار (ص/١٦)\n(^٤) «كعب الأحبار وأثره في التفسير» لخليل إلياس (ص/١٠٧).","vol":"3","page":1736},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>المَبحث الثَّاني\nالدَّعاوي المُعاصرة لاشتمالِ «الصَّحيحين» على إسرائيليَّات</span>\nظَهَرت دعوى تَسرُّبِ الإسرائيليَّات إلى الدِّين واختلاطها بالأحاديث النَّبوية في وقتٍ مُبكِّر مِن عمرِ الإسلام، على يَدِ بعضِ رؤوسِ التَّجَهُّم، والَّذين حَشَدوا كلَّ فِريةٍ يَرمون بها هدمَ أصولِ أهل السُّنةِ؛ كاتِّهامهم لبعضِ الصَّحابة ﵃ بنسبةِ ما يَسمعونه مِن مَعارفِ أهلِ الكتابِ إلى سُنَّة النَّبي ﷺ.\nولعَلَّ مُقدَّمهم في هذه الجرأةِ المَقيتةِ بِشرٌ المرِّيسي (ت ٢١٨ هـ)، حيث كان يُعلن بهذا في مُناظرتِه لأهلِ السُّنة، فلم يكُن مِمَّن يُبالي أن يجِد شيئًا يُعفيه مِن إقامةِ الحُجَّةِ عليه مِن سُنَّةٍ قائمةٍ، إلَّا أسرعَ يُلوِّح به في وجهِ مُناظِره، ولو كان باطلًا يَكبُّه على مِنْخَرَيْه في أوحالِ الزَّندقةِ!\nوفي تقريرِ هذه البليَّة عليه، يقول عثمان بن سعيد الدَّارمي (ت ٢٨٠ هـ) في معرضِ ردِّه عليه طعنَه في السُّنن بمحضِ الهوى: «.. وكذلك ادَّعيتَ على عبدِ الله بنِ عمرو بن العاص ﵁، وكان مِن أكثرِ أصحابِ النَّبي ﷺ روايةً عنه، مَعروفًا بذلك، فزَعَمتَ أنَّه أصابَ يوم اليرموك زامِلتين مِن كُتب أهل الكتاب، فكان يَرويها للنَّاس عن النَّبي ﷺ! فكان يُقال له: لا تُحدِّثنا عن الزَّاملتين ..» (^١).\nوقد انبتَّ هذا القولُ عن أن يَصِل إلى قناعةِ المسلمين به، مَهجورًا فيهم دُهورًا مِن الزَّمن؛ حتَّى جاء بعض المستشرقينَ فأرجعوا كثيرًا مِن الآياتِ\n_________\n(^١) «نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد» (ص/٣٦٧).","vol":"3","page":1737},{"text":"والأحاديث إلى التُّراثِ الكِتابيِّ -زعموا- كي يخلُصوا إلى أنَّ الإسلامَ ما هو إلَّا اختراعٌ مِن محمَّدٍ ﷺ، وأنَّه استقى خليطَ معارفِه مِن صُحفِ أهلِ الكتابِ وتشريعاتِهم.\nففي نهاية القرن السَّابع عشر الميلادي، أخرجَ المستشرق (هِربِلو  Herbelot) (ت ١٦٩٥ م) (^١) بحثًا، زعمَ فيه أنَّ جملةَ الأحاديثِ الَّتي في «الكُتب السِّتة» و«الموطأ» وغيرها مِن كُتبِ السُّنَن مُقتبَسةٌ مِن «التَّلمود» إلى درجةٍ كبيرٍ، وأنَّ الشَّريعة المُحمديَّة مُستقاة منها بواسطةِ اليهودِ الَّذين دَخلوا في الإسلام، ثمَّ تَوَسَّعت فيما بعدُ إلى الاستقاءِ مِن عدَّةِ دياناتٍ وحَضاراتٍ كانت على صِلة بجزيرةِ العَربِ.\nثمَّ صار (هربلو) مُلهِمًا لمن جاء بعده في تقسيمِ حقولِ الدِّراسات الشَّرقيَّة بصورةٍ مَوضوعيَّة، والتَّركيزِ على حقلِ السُّنة النَّبوية تَشكيكًا في صحَّةِ أحاديثها، بالكشفِ عَمَّا أسمَوه بـ «المادَّة الأصليَّة للحديث» (^٢).\nوفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (جولدزيهر): «هناك جُمَل أُخِذت مِن العهدِ القديم، والعهدِ الجديد، وأقوالِ الرَّبانيِّين، أو مَأخوذة مِن الأناجيلِ المَوضوعة، وتعاليمِ الفلسفةِ اليونانيَّةِ، وأقوالٍ مِن حِكَم الفُرس والهنود، كلُّ ذلك أخَذَ مكانَه في الإسلام عن طريقِ (الحديث)، حتَّى لفظُ (أبونا) لم يُعدَم مكانَه في الحديثِ المُعترف به!\nوبهذا أصبحت مِلْكًا خاصًّا للإسلام بطريق مُباشر أو غير مُباشر تلك الأشياء البعيدة عنه .. حتَّى إذا ما نَظرنا إلى الموادِّ المَعدودة في الحديث، ونظرنا إلى الأدبِ الدِّيني اليَهوديِّ، فإنَّنا نستطيعُ أن نعثر على قِسمٍ كبيرٍ دَخَل الأدبَ الدِّينيَّ الإسلاميَّ مِن هذه المصادر اليهوديَّة» (^٣).\n_________\n(^١) مستشرق فرنسي، صاحب «المكتبة الشرقية»، وهي دائرة معارف عن الشرق نُشرت عام (١٧٣٨ م)، انظر «موسوعة المستشرقين» للبدوي (ص/٦٠٣).\n(^٢) «موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية» لأكوم العمري (ص/٧٠ - ٧١).\n(^٣) «العقيدة والشريعة» (ص/٥١ - ٥٢).","vol":"3","page":1738},{"text":"لقد تَلقَّفت طوائف مِن المَبهورين بهؤلاءِ المستشرقين مِن أصحابِ الاتِّجاهاتِ الفكريَّة المُنحرفةِ هذه الشُّبهةَ، وراحوا يطعنونَ بها في خِصر كلِّ حديثٍ لم يَرُقهم مَتنُه في «الصَّحيحين» بخاصَّة.\nفهذا (صالح أبو بكر)، قد فجعَ المصريِّين بكتابٍ سوَّده باسم «الأضواء القرآنيَّة في اكتساحِ الأحاديث الإسرائيليَّة وتطهير البخاريِّ منها»، يزعم فيه اكتشافَ (مائةٍ وعشرين) حديثًا مكذوبًا دَسَّها اليهود في الحديث وهي في «صحيح البخاري»، وأنَّ موضوعها طُوِيَ لمجرَّد أنَّ البخاريَّ ومسلمًا قد حكما بصِحَّتها (^١).\nويقول (جمال البنَّا) في إحدى بوائقه: «نَتناول كتابًا يقولون عنه أصدقُ كتابٍ بعد كتاب الله، ووَصَل مِن الشُّهرةِ أنْ يحلف النَّاسُ به! وهو «صحيح البخاري» .. فالأحاديثُ الَّتي سنعرِضُها منه تَتَّسِم بالإسرائيليَّات، وهي أكثر صُوَر الوَضعِ وضوحًا، حتَّى تكاد تقول: خُذوني! ومع هذا فقد صَدَّقها أجيالُ المسلمين، ودافَعَ عنها جلُّ الفقهاء» (^٢).\nومثلُه (نيازي) قد زعمَ أنَّ كثيرًا مِن أحاديث «الصَّحيحين» مأخوذة مِن أهل الكتاب بواسطةِ كعبِ الأحبار، بل يرى أنَّ أغلب الأحاديث النَّبويَّة -منها الصَّحيحان- أصلها من التَّوراة والإنجيل المحرَّفتين! (^٣) مُستشهدًا على ذلك بقولِه: «لولا أنِّي دَرستُ التَّوراة والإنجيل والتَّلمود دِراسةً مُستفيضةً، لمَا كانت عندي القُدرة لمعرفةِ مَصاردها» (^٤).\n_________\n(^١) انظر «السنة المفترى عليها» (ص/٢٨٣).\n(^٢) جريدة «المصري اليوم» ١٥/ ٨/٢٠٠٧ عدد ١١٥٨.\n(^٣) «دين السلطان» (ص/٧١٣)\n(^٤) «دين السلطان» (ص/٣٠٣)، وهنا ظهر تأثر المؤلف بـ (جولدزيهر)، وبفكرة كتاب «أحجار على رقعة الشطرنج» لـ (وليام غاي كار) الذي نسب كل أحداث التَّاريخ لفعل اليهود، وهو من مراجع (نيازي) كما في «دين السلطان» (ص/١٥٠).","vol":"3","page":1739},{"text":"وقد بَلغَ الحُمق بهذا الرَّجل مَداه! حين زَعَم أنَّ البخاريِّ متقصِّدٌ لإدخالِ هذه الإسرائيليَّات في «صحيحه» دون التَّصريح بذلك، لأنَّه «أحبَّ أن يُنبِّهنا إلى ما يفعلُه المنافقون الحاقِدون في دينِنا، ولكنْ لا حياةَ لمِن تُنادي»! (^١)\nأمَّا (محمَّد حمزة التُّونسي)، فقد ادَّعى على «الصَّحيحين» امتلاءهما بأحاديث خُرافةٍ مختلَقةٍ أسهمَ فيها أبو هريرة ﵁ جرَّاء روايتِه عن كعبِ الأحبار (^٢)، مُستشهدًا على ذلك بما قاله عَدُوَّان لَدودانِ لأبي هريرة! حيث قال: «يَلفِت أبو ريَّة انتباهَنا أيضًا في كتابَيه إلى الأحاديث ذات البِنية الأسطوريَّةِ الَّتي اشتملَ عليها صحيح البخاريِّ ومسلم، والَّتي اتَّفَق موقفُ أبي ريَّة منها مع موقف عبد الحُسين العامليِّ» (^٣).\nوالَّذي يَظهر من سبب نزق هؤلاء بعُقدة الإسرائيليَّات في زماننا هذا بخاصَّة، وأخذ هذا الموضوع حيِّزًا كبيرًا من التَّفكير النَّقدي المُعاصر للتُّراث الشَّرعي الإسلاميِّ، راجعٌ إلى ثلاثة أمور:\nالأوَّل: ما انطبع في ذهن المسلمين من افتراء بني إسرائيل على الأنبياء وإلصاق التُّهم بهم.\nالثَّاني: لكثرةِ ما تُنوقِل مِن آثارِهم في الأوساطِ العِلميَّة، ودُوِّن مِن مَرويَّاتهم في مختلف الفنونِ الشَّرعيَّةِ، التَّفسير منها والمَلاحم على وجه الخصوصِ (^٤).\nالثَّالث: الواقع المُعاصر الَّذي أسلمَ زمامَ قَوْدِه لليهود، وظهورهم بمَظهر المُتمكِّن مِن إعمالِ مُخطَّطاتِه في المُجتمعات بدهاءٍ، واختراقِ الأنظمةِ الحاكمةِ، وإذلالهم للأمَّةِ الإسلاميَّة في فلسطين وغيرها (^٥).\nوالله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) «دين السلطان» (ص/٣٠٩).\n(^٢) كعب بن ماتع الحميرى أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار: كان من أهل اليمن، فسكن الشام، أدرك النَّبي ﷺ، وأسلم فى خلافة أبى بكر ﵁، ثقة عند المُحدِّثين، مات في آخر خلافة عثمان ﵁، انظر «أعلام النبلاء» (٣/ ٤٨٩).\n(^٣) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث» لمحمد حمزة (ص/٢٢٦).\n(^٤) انظر «الحداثة وموقفها من السُّنة» لحارث فخري (ص/١٦٠).\n(^٥) انظر «شرح مقدمة التسهيل في التفسير» لمساعد الطيار (ص/١١٩).","vol":"3","page":1740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>المَبحث الثَّالث\nأقسام المَرويَّات الإسرائيليَّات وحكمها</span>\nقسَّمَ بعض أهل العلمِ المَرويَّات الإسرائيليَّة باعتبارِ التَّصديق إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأوَّل: ما علِمنا صِحَّته ممَّا بأيدينا ممَّا يشهَدُ له بالصِّدق:\nفذاك صحيحٌ تجوز روايته عنهم، كالَّذي جاء عندهم مِن البشارة بالنَّبي الخاتم ﷺ.\nوفي تقرير هذا يقول الخطيب البغدادي: «ما حُفِظ مِن أخبار بني إسرائيل وغيرهِم مِن المتقدِّمين عن رسولِ ربِّ العالمين، وعن صحابتِه الأخيارِ المنتخَبين -صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين- وعن العلماء مِن سَلفِ المسلمين: فإنَّ روايتَه تجوز، ونقلُه غير محظور» (^١).\nومَرويَّات هذا القسم مع مُوافقتها لما في شرعِنا، لا تنفكُّ عن وَصفِها بالإسرائيليَّة باعتبارِ مَصدرها وأصلِها، وأرى مَن نَزَع عنها هذا الوصف، بدعوى أنَّه قد تَمَّت أسلَمَتُها بإقرارِ الشَّرعِ لها، فقد أخطأ (^٢).\n_________\n(^١) «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي (٢/ ١١٥).\n(^٢) كما ذهبت إليه الدكتورة (آمال الربيع) في كتابها «الإسرائيليات في تفسير الطبري» (ص/٩، ٣٠)، ويظهر أنَّ الباعث لها إلى هذا الرأي الانطباع السَّيء عند كثيرٍ من النَّاس عن لفظ الإسرائيليات والنفرة منها لترادفها مع معنى الخرافة.","vol":"3","page":1741},{"text":"القسم الثَّاني: ما علِمنا كذِبَه بما عندنا ممَّا يُخالفه:\nكقِصَصهِم الَّتي تطعن في عصمةِ الأنبياء، فمثلُ هذا الكذب لا يجوز روايتُه إلَّا لبيانِ بُطلانه، كما نَصَّ عليه مالك والشَّافعي (^١).\nيدخُل في هذا النَّهي ما يحيلُه العقلُ مِن مَرويَّاتِهم، أو يغلب على الظَّن بُطلانه، وفيها يقول ابن كثير: «إنَّما أباحَ الشَّارع الرِّواية عنهم فيما قد يُجوِّزه العقل، فأمَّا فيما تُحيله العقول، ويُحكم فيه بالبطلان، ويَغلب على الظُّنون كذبُه: فليس مِن هذا القَبيل» (^٢).\nالقسم الثَّالث: ما هو مَسكوت عنه، لا مِن القسم الأوَّل ولا الثَّاني:\nفهذا لا نُؤمن به ولا نُكذِّبه (^٣).\nوفي هذا القسم يقول ابن تيميَّة: «غالبُ هذا ممَّا لا فائدة فيه تعود إلى أمرٍ دينيٍّ، ولهذا يختلف علماء أهلِ الكتاب في مثلِ هذا كثيرًا، ويأتي عن المُفسِّرين خلافٌ بسبب ذلك، كما يذكرون في مثلِ هذا أسماءَ أصحاب الكهف، ولونَ كلبهم، وعِدَّتهم، وعصا موسى ﵇ مِن أيِّ الشَّجرِ كانت، وأسماء الطُّيور الَّتي أحياها الله لإبراهيم ﵇، وتعيين البعض الَّذي ضُرب به القتيل من البقرة، ونوع الشَّجرة التي كلَّم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن، ممَّا لا فائدةَ في تعييِنه تعود على المُكلَّفين في دنياهم ولا دينِهم، ولكنَّ نقلَ الخلاف عنهم في ذلك جائز» (^٤).\nوعليه كان الضَّابطُ في قَبولِ هذا النَّوعِ مِن المرويَّاتِ هو أخبار شرعِنا، فما وافَقها قبِلناه، وما خالَفها رددناه، وما لم يرد فيه إقرارٌ ولا نفيٌ، فجائز حكايته مِن بابِ الاستشهادِ والاستئناسِ، لا الاعتقاد (^٥).\n_________\n(^١) انظر «القبس» لابن العربي (٣/ ١١٩٨)، و«فتح الباري» لابن حجر (٦/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\n(^٢) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٣٢).\n(^٣) «مقدمة في أصول التفسير» لابن تيمية (ص/٤٢)، وعنه أخذ ابن كثير هذا التقسيم في مقدمة «تفسير القرآن العظيم» (١/ ٩).\n(^٤) «مقدمة في أصول التفسير» لابن تيمية (ص/٤٣).\n(^٥) «مقدمة في أصول التفسير» (ص/٤٢).\n\nوقد أبدع (د. خليل إلياس) في كتابه «كعب الأحبار وأثره في التفسير» (ص/١٤٢ - ١٥٢) تفصيلًا آخر في حكم رواية الإسرائيليَّات، توصَّل فيه إلى عدم حصره في المنع والإباحة فقط، بل هي دائرة مع الأحكام الفقهيَّة الخمسة، فالوجوب عند مجادلتهم في معتقدهم بما يقيم عليهم الحجة من مروياتهم، والندب إذا كانت موافقة للشرع، والإباحة إذا لم يعلم ما يكذبها ولا ما يصدقها، والكراهة فيما ليس فيه فائدة، والحرمة إذا كانت تخالف شرعنا، وضرب لذلك عدة أمثلة، وهذا تقسيم باعتبارات أخرى لا تنحصر بمجرد الضابط الذي عليه تقسيم ابن تيميَّة، وهو جيِّد لا أعلم من سبقه إليه.","vol":"3","page":1742},{"text":"وصريحٌ في هذا القسم حديثُ أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذِّبوهم» (^١)، وقوله ﷺ: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب علي متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النَّار» (^٢).\nفقد أجاز ﷺ التَّحديثَ عن أهل الكتاب، ولم يُنكر ذلك أو يذكر له شرطًا، بل أمَرَ بالتَّوقُّفِ فيما يحكون، وعلى العلمِ بهذا فِئامٌ مِن السَّلف في علمِ التَّفسير وغيرِه (^٣)، وعَملُهم هذا هو الُموافق لجوازِ التَّحديثِ الَّذي بَيَّنته مثل تلك الأحاديثِ النَّبوية، بالشَّرطِ الَّذي تقدَّم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: التفسير، باب قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا)، برقم: ٤٤٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، برقم: ٣٤٦١).\n(^٣) انظر «تفسير القرآن بالإسرائيليات، نظرة تقويمية» لمساعد الطيار (ص/٣١).","vol":"3","page":1743},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>المَبحث الرَّابع\nمَوقف الصَّحابة مِن روايةِ الإسرائيليَّات</span>\nرواية الصحَّابة ﵃ عن أهلِ الكتاب قليلٌ جدًّا مُقارنةً بروايةِ التَّابعين وأتباعِهم، وروايتُهم ﵃ كانت في الأخبارِ والقَصص ونحوِها، لا في العقائدِ والأحكامِ، وهم في ذلك مِن أعلمِ النَّاسِ بتَميِيزِ غَثِّ أخبارِهم مِن سَمينِها (^١).\nمَثَلُهم في ذلك «كمَثَلِ رَجلٍ أمينٍ، أرادَ أن يُطلِعك على كتابٍ مُؤلَّفٍ بغير لسانِك، فترجَمَه إلى لغةٍ تفهمُها، ليُعرَف ما فيه إنْ صِدقًا، وإنْ كذبًا، والصِّدقُ أو الكذبُ حينئذٍ يُضاف إلى الكتابِ، لا إلى النَّاقلِ، فليس أمثال ابن مسعود، وابن عبَّاس وأبي هريرة، وابن عمرو، بالقاصرين عن تمييز الخبيثِ مِن الطَّيب، حتَّى يُقالَ أنَّ نقلَها إليهم يُشوِّش على أفكارِهم وعقائِدِهم!» (^٢).\nوما رُوي عن بعضِهم مِمَّا قد يُفهَم منه النَّكيرُ على الرِّوايةِ عن أهل الكتابِ مُطلقًا: فإمَّا ألَّا يكون ثابتًا عنهم مِن جِهة الإسناد (^٣)، أو يُحمَل نهيُهم على مَن\n_________\n(^١) انظر بحثا للماجستير في جامعة أم القرى لـ (نور بنت محمد باصمد) بعنوان: «موقف الصحابة من رواية الإسرائيليات في التفسير»، خلصت فيه الباحثة إلى هذه النتيجة من خلال دراسة نماذج من مرويات أكثر من عشرين صحابيًّا للإسرائيليات.\n(^٢) «الحديث والمحدثون» لمحمد أبو زهو (ص/١٨٦).\n(^٣) كالأثر الذي يُروى عن عائشة ﵂ في امتناعها عن قبول هدية ظنَّتها من عبد الله بن عمرو ﵁ بدعوى أنه يتبع الكُتب الأولى، وهي رواية ساقطة الإسناد، فلا تثبت عنها، وقد أخرجها أبو القاسم الكعبي البلخي (ت ٣١٩ هـ) في «قبول الأخبار» (١/ ١٩٣)، وكان داعية إلى الاعتزال، شديد الحطِّ من أهل السُّنة، له كتاب «الطَّعن على المحدِّثين» اشتمل على الغضِّ من أكابرهم، وتتبُّع مثالبهم، سواء كان ذلك عن صحَّة أم لا، وسواء كان ذلك قادحًا أم غير قادح، وقد كان جعفر المُستغفري لا يستجيز الرِّواية عنه، انظر «تاريخ الإسلام» للذهبي (٧/ ٣٥٥)، و«لسان الميزان» لابن حجر (٤/ ٤٢٩).","vol":"3","page":1744},{"text":"يُكثِر مِن ذلك، فيُخاف الخَلطُ عنه، أوالغَلطُ منه (^١)؛ أو على مَن يَستَهدي بما عندهم، أو يُكثِرُ الرُّجوع إليهم، أو يُصَدِّقهم فيما يقولون (^٢)،\nأو على مَن يُخاف أن تعلَقَ في نفسِه شُبهةٌ مِن أباطيلِهم لعدم رُسوخِه، ونحو ذلك (^٣)\nفخوفًا مِن وقوعِ بعضِ هذه المفاسد، شَدَّد عمر ﵁ على كعبِ الأحبار في نهيِه له عن الرَّوايةِ عن صُحفِ أهلِ الكتاب -مع صدقِه عنده- بقولِه: «لتَترُكَنَّ الحديثَ عن الأُوَل، أو لأُلحقنَّك بأرضِ القِرَدة!» (^٤).\nيقول ابن كثير: «هذا مَحمولٌ مِن عمر ﵁ على أنَّه خَشِيَ مِن الأحاديث الَّتي يَضعها النَّاس على غيرِ مَواضِعها» (^٥).\n_________\n(^١) وعليه يُحمل تهديد عمر بن الخطاب ﵁ لكعب الأحبار في قوله: «لتترُكنَّ الحديثَ عن الأُوَل، أو لألحقنك بأرض القردة»، يقول ابن كثير في «البداية والنهاية» (١١/ ٣٧١): «وهذا محمول من عمر على أنَّه خشي من الأحاديث الَّتي يضعها النَّاس على غير مواضعها، وأنَّهم يتَّكلون على ما فيها من أحاديث الرُّخص، أو أنَّ الرَّجل إذا أكثر من الحديث ربَّما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها النَّاس عنه، أو نحو ذلك».\n(^٢) «شرح مقدمة في أصول التفسير» لمساعد الطيار (ص/١٥٥ - ١٥٦) ..\n(^٣) انظر «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٣٧٤)، و«الحديث والمحدثون» لمحمد أبو زهو (ص/١٩٠)، و«المقدمات الأساسيات في علوم القرآن» لعبد الله الجديع (ص/٣٤٦).\n(^٤) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في «تاريخه» (ص/٥٤٤)، وعنه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٠/ ١٧٢).\n(^٥) «البداية والنهاية» (١١/ ٣٧١)","vol":"3","page":1745},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>المَبحث الخامس\nموقف أهل الحديث من الإسرائيليَّات</span>\nلم يكن غائبًا عن المُحدِّثين رواية بعض الصَّحابة ﵃ عن أهل الكتابِ شيئًا من أخبار الأممِ الماضية، فساروا إزاءَ هذه الحقيقةِ على نهجٍ عِلميٍّ صارمٍ يُحيل اختلاطَ شيءٍ من تلك المرويَّاتِ بأخبارِ السُّنةِ، فهم أعلَمُ النَّاس بأنَّ الإسرائيليَّات -ولا سِيما المَكذوبِ والباطل منها- لو وُقِفَ بها عند قائِلها، لكان الأمرُ عندهم محتمِلًا.\nلكن الشَّناعة وكِبرُ الإثمِ في أنَّ بعضَ الزَّنادقةِ والوَضَّاعين وضُعَفاءُ الإيمانِ أو الحفظِ قد رَفَعوا هذه الإسرائيليَّات إلى المَعصومِ، ونَسبوها إليه من حكايته! وهنا يكون الضَّرَر الفاحشُ والجناية الكُبرى على الإسلام والتَّجنِّي الآثم على النَّبي ﷺ؛ فإنَّ نسبةَ الغَلَط أو الخطأ أو الكذب إلى الرَّاوي -أيًّا كان- أهونُ بكثيرٍ مِن نسبةِ ذلك إلى النَّبي ﷺ (^١).\nولقد بَلَغ مِن تحوُّطِ أئمَّةِ الحديثِ في صَونِ سُنَّةِ نبيِّهم ﷺ أنْ ضبطوا مبحثَ قولِ الصَّحابي الَّذي لا مجالَ للرَّأيِ فيه، فاشترطوا ليُقبَل في حكمِ الرَّفعِ: أن لا يكون قائِلُه مِمَّن عُرِف بالأخذِ عن أهلِ الكتاب؛ ذلك لأنَّ إخبارَه بما لا مجالَ للرَّأي فيه -كالمُغيَّبات ونحوها- يقتضي مُخبِرًا له، وما لا مجالَ للاجتهادِ فيه\n_________\n(^١) «الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير» لمحمد أبو شهبة (ص/٩٤).","vol":"3","page":1746},{"text":"يَقتضي مُوقِفًا للقائلِ به، ولا مُوقِف للصَّحابةِ إلَّا النَّبي ﷺ، أو بعضِ مَن يُخبِر عن الكُتبِ القديمة!\nفلهذا وقَعَ الاحترازُ تفاديًا للقسمِ الثَّاني.\nيقول ابن حجرٍ في معرضِ حديثِه عن تفسيرِ الصَّحابي الَّذي له حكم الرَّفع: «.. إلَّا أنَّه يُستثنَى مِن ذلك ما كان المُفسِّر له مِن الصَّحابة ﵃ مَن عُرف بالنَّظرِ في الإسرائيليَّات، كمُسلِمَةِ أهلِ الكتابِ، مثل عبد الله بن سلام وغيره، وكعبد الله بن عمرو بن العاص .. فمثلُ هذا لا يكون حكمُ ما يُخبر به -مِن الأمور الَّتي قَدَّمنا ذكرَها- الرَّفعُ، لقوَّة الاحتمال» (^١).\nفإذا كان المُحدِّثون يحتاطون في روايةِ خَبرٍ عن صحابيٍّ فيه شُبهة الإسرائيليَّة، إذا لم يُسنده إلى النَّبي ﷺ، ألَّا يَدخُلَ في المَرفوعِ مِن حديثِه ما ليس منه؛ فكيف يكون فَرزُهم وتشديدُهم على روايةٍ إسرائيليَّة صريحةٍ لا تحتمل، يَرويها مَن دونَهم في العلمِ والدِّين؟! لا شكَّ أنَّهم أحوطُ في ذلك وأشدُّ تحقيقًا في النَّقد.\nوهم -على كلِّ حالٍ- مُقِلُّون مِن روايةِ الإسرائيليَّات عن مُسلمةِ أهلِ الكتابِ، فلم يُورِدوا لهم في مُصنَّفاتهم إلَاّ النَّزرَ اليسيرَ، مُقارنةً بما نراه -مثلًا- في كُتبِ التَّفسير أو التَّاريخ.\nفهذا كعبُ الأحبار، وهو أشهرُ رَاوٍ للإسرائيليَّاتِ مِن التَّابعين مِمَّن أخَذَ عنه بعض الصَّحابةِ، لم يَذكُره البخاريُّ إلَّا عَرَضًا في مِوضعين مِن «صحيحِه»! وثلاثةٍ في «صحيح مسلم» بالتَّضمين!\n_________\n(^١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٥٣٢ - ٥٣٣).\nقلت: وشَرطُ ذلك أن يكون كلامُ الصَّحابيِّ فيه شُبهة الإسرائيليَّة، فلا يُرَدُّ لمُجرَّد أنَّ راوِيَه آخذٌ عن أهلِ الكتابِ فحَسْب، وإلَّا جازَ التَّوقفُ في كثيرٍ مِن الأخبارِ الغَيْبِيَّةِ الَّتي رَواها بعضُ الصَّحابةِ، لمجرَّد أنَّه رَوى بعض الإسرائيليات! وليس ذلك بحَقٍّ، وعَملُ العلماء جارٍ على خلافِ هذا.","vol":"3","page":1747},{"text":"ومَرويَّاته بمَجموعها لا تَتَجاوز تسعَ رواياتٍ في الكتب السِّتة جمعاء، وما صَحَّ عنه مِن الإسرائيليَّاتِ في التَّفسير لا يَتَجاوز عشرَ رواياتٍ فقط! (^١)\nويليه في الشُّهرةِ وهبُ بن مُنبِّه (^٢)، وقد أخرَجَ له أصحابُ الكُتبِ السِّتة مع مُسندِ أحمد، وسُنَن الدَّارمي في التَّفسيرِ وغيرِه، ما مجموعه: أربعون روايةً بالمُكرَّر، منها سبعٌ وعشرون مَرفوعة، وثلاث عشرة مَوقوفة، ليس فيها ما يُخالف أصولَ الدِّين بفضل الله، مع ما لها من مُتابعات وشَواهد (^٣).\n_________\n(^١) انظر «كعب الأحبار وأثره في التفسير» لخليل إلياس (ص/١٥٦).\n(^٢) وهب بن مُنبِّه الأبناوي الصنعاني الذماري، أبو عبد الله: كثير الإخبار عن الكتب القديمة، عالم بالإسرائيليات، ثقة من التَّابعين، أصله من أبناء الفُرس الَّذين بعَث بهم كسرى إلى اليَمن، وُلد ومات بصنعاء، ووَلَّاه عمر بن عبد العزيز قضاءَها، انظر «أعلام النبلاء» (٤/ ٥٤٤).\n(^٣) وهذا في عدِّ علوي بن حامد في بحثه للدكتوراه «مرويات وهب بن منبه في الكتب الخمسة ومسندي أحمد والدارمي» (ص/٣٤، ١١١).","vol":"3","page":1748},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>المَبحث السَّادس\nمسالك المعاصرين في دعوى اشتمال الصَّحيحين على الإسرائيليَّات</span>","vol":"3","page":1749},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>المَطلب الأوَّل\nالمَسْلك الإسناديُّ لدعوى احتواءِ «الصَّحيحين» على إسرائيليَّات، ونقضُه</span>\nيَدَّعي من يجهل منهجَ المُحدِّثين في نقدِ الأخبار:\nأنَّ بعضَ اليَهودِ لمَّا غُلِبوا وظهرَ أمرُ المسلمين عليهم، لم يجدوا بُدًّا مِن أن يَتظاهروا بالإسلام، ويخفوا كيدَهم به، ككعبِ الأحبارِ، ووَهبِ بنِ منبِّه، وعبد الله بنِ سلام ﵁، فخَدعوا النَّاسَ بما تظاهروا به.\nفلمَّا رَأوا عناية المسلمين بالقرآنِ بالغةً، واستحالةَ الزِّيادة فيه أو النُّقصان، انصرفوا إلى السُّنةِ، «فافتروا ما شاؤوا أن يفتروا عليه أحاديث لم تَصدُر عنه ﷺ، .. ويسَّر عليهم كيدَهم أنْ وَجَدوا الصَّحابةَ يَرجِعون إليهم في معرفةِ ما لا يَعلمون مِن أمورِ العَالمِ الماضية، مِن أجلِ ذلك كلِّه، أخذ أولئك الأحبارُ يَبثُّون في الدِّين الإسلاميِّ أكاذيبَ وتُرَّهات، يزعمون مرَّةً أنَّها مِن كتابِهم، أو مِن مَكنون علمِهم، ويَدَّعون أخرى أنَّها ممَّا سمِعوه مِن النَّبي ﷺ، وهي في الحقيقة مِن مُفترياتهم.\nوأنَّى للصَّحابة أن يفطنوا لتميِيز الصِّدقِ مِن الكذبِ مِن أقوالهم؟ وهم مِن ناحيةٍ لا يعرفون العبرانيَّة الَّتي هي لغة كُتبهم، ومِن ناحية أخرى كانوا أقلَّ منهم","vol":"3","page":1751},{"text":"دهاءً وأضعف مَكرًا؟! وبذلك راجَت بينهم سوقُ هذه الأكاذيب، وتَلقَّى الصَّحابة ومِن تَبِعهم كلَّ ما يُلقيه هؤلاء الدُّهاة بغير نقدٍ أو تمحيصٍ» (^١).\nكذا قال أبو ريَّة! وحاصِلُ شُبَهِه تَتركَّز في اثنتين:\nالشُّبهة الأولى: دَسُّ مُسلِمة أهلِ الكتابِ الإسرائيليَّاتِ في الحديثِ عن مَكرٍ وخديعةٍ.\nالشُّبهة الثَّانية: أنَّ بعضَ الصَّحابة ومَن بعدهم مِن الرُّواة خَلَطوا الإسرائيليَّات بالأحاديث.\nنعالج كلَّ شبهةٍ منهما في مباحث مُستقلة، فنقول بتوفيق الله:\n_________\n(^١) «أضواء على السنة المحمدية» لمحمود أبو رية (ص/١١٨ - ١٢٠ ط ٦).","vol":"3","page":1752},{"text":"الفرع الأوَّل\nدفع دعوى دَسِّ مُسلِمة أهلِ الكتابِ الإسرائيليَّاتِ في الحديثِ\n\nأمَّا دعوى المُعترضِ في شبهته الأولى، فجوابُها أن يُقال: أنَّه تزيِيفٌ منه مَشينٌ للتَّاريخ! وتَقوُّلٌ على الصَّحابة ﵃ ما لم يَفعلوه، وازدراءٌ لمكانتهم في الدِّين والعقل.\nفإنَّ النَّاس حين دَخَلوا -بِشَتَّى أُمَمِهم واختلافِ مِلَلِهم- في دينِ الله أفواجًا، وكان كثيرٌ منهم مِن أهلِ الكتابِ، كنَصارى الشَّام، ويهودِ المدينةِ واليَمن؛ منهم مَن أدركَ النَّبي ﷺ، فحَسُن إسلامُه، وانخرَط في سِلكِ الصَّحابة ﵃، منهم عبد الله بن سَلام، وتميمِ الدَّاري.\nومنهم مَن أدركَ الصَّحابةَ أو مَن دونهم: اشتغلوا بأخذِ علومِ الكتابِ والسُّنةِ عنهم، وأخَذَ بعضُ الصَّحابة عنهم تاريخَ الأوَّلين، وأخبارَهم ممَّا ورثوه مِن صحائِفِ أسلافِهم.\nولم يكُن إذَّاك إسلامُ هؤلاء ولا ما يُحدِّثون به مَثارَ رَيْبٍ وتَوَجُّسٍ عند مَن عاصَروهم مِن عمومِ المسلمين وعُلمائِهم، ولا عند مَن جاء بعدهم مِن أئمَّة العلمِ والدِّين، بل كانوا مُوَثَّقين في حديثِهم، عُدولًا في دينِهم، إلَّا مَن أبان منهم عن سُوءِ طَويَّته وجُرمِ فِعاله، كعبدِ الله بن سَبأ اليَهودي، لم يَلبثوا أن أمسكَ الصَّحابة مِن أقفائِهم يُحذِّرون النَّاس شرَّهم، ويشُرِّدون بقَمْعِهم مَن خلفَهم.","vol":"3","page":1753},{"text":"إلى أن جاءنا في هذه العقودِ النَّحِساتِ! مَن صارَ شُغله إثارةُ الشُّكوكِ في مُسلمةِ أهلِ الكتابِ مِن رُواة الحديثِ بخاصَّة، وزَرعِ بذورِ الشُّبَهِ في عقولِ النَّاشئةِ المُثقَّفة مِن المسلمين؛ فلقد اتَّهمَهم المُستشرقون بالكذبِ على ذقونِ العلماء! وتَبِعهم أذنابُهم مِن بعض كُتَّاب العصرِ، إذ حَمَّلوهم تُهمةَ الدَّسِ في الدِّين خُرافاتِ الأقدمين، وحَبك أكاذيب على سُنَّةِ الصَّادقِ الأمينِ.\nوقد بَلغت القِحةُ ببعضهم مَبلغًا عظيمًا تجرَّؤوا بها على الطَّعنِ في اثنين مِن أهلِ الكتابِ مِمَّن أسلموا على يَدِ النَّبي ﷺ: عبد الله بن سَلام ﵁، وتميم الدَّاري ﵁، فاتَّهمُوهما بالاحتيالِ على المُسلمين «بما أظهروه مِن كاذبِ الوَرعِ والتَّقوى .. وذلك بأن دَسُّوا إلى أصول الإسلام الَّتي قام عليها ما يريدون مِن أساطير وخرافاتٍ، وأوهامٍ وترَّهاتٍ، لكي تَهِي هذه الأصول وتضعُف» (^١).\nفلَإن كان هذان الصَّحابيان قد احتالا على المُسلمين في دعوى إسلامِهما، لتَوهين الدِّين -زَعموا-، فهل انطَلَت حِيلَتُهما ونِفاقُهما على النَّبي ﷺ طول تلك السِّنين؟ حتَّى أقرَّ بفضلِهما وتَصديقهِما بوَحيِ مِن رَبِّ العالمين؟! وانطلَى أمرُهم على الصَّحابةِ بعدَه أجمعين؟!\nإنَّه -والله- لا يُسيء الظَّنَ بهذين «إلَّا جاهِلٌ أو مُكذِّب لله ورسولِه» (^٢)؛ فلا داعي للإطالةِ في الذَّبِ عنهما ذاك التَّشغيب، وقد ثبتت صُحبَتُهما واستقرَّ فضلُهما عند سائرِ المؤمنين.\nثمَّ لم تَنَل تلك التُّهَم العُضالُ أحدًا ممَّن أسلَم مِن أهلِ الكتاب مِن بعد هذين كما نالَتْ كعبَ الأحبار (^٣). . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) «أضواء على السنة المحمدية» لمحمود أبو رية (ص/١١٨) بتصرف يسير، وانظر (ص/١٥٥) منه، وكذا «أضواء الصحيحين» لصادق النجمي (ص/٢٢٧)، و«الحديث النبوي بين الرواية والدراية» لجعفر السبحاني الإمامي (ص/٢٩٦).\n(^٢) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٩٧).\n(^٣) هو أبو إسحاق كعب بن ماتع الحميري، المعروف بكعب الأحبار، وأصله من يهود اليمن، والمشهور أن إسلامه كان في خلافة عمر بن الخطاب، وبعد إسلامه انتقل إلى المدينة، ثم انتقل في خلافة عثمان إلى الشام فسكنها، إلى أن مات بحمص سنة (٣٢ هـ)، روى عن النبي ﷺ مرسلا، وعن عمر وصهيب وعائشة، وروى عنه معاوية، وابن عباس، وأبو هريرة، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم، انظر «تهذيب الكمال» (٢٤/ ١٨٩).","vol":"3","page":1754},{"text":"ووهب بنَ مُنبِّه (^١)؛ كونهما أشهرَ مَن حَدَّث منهم عن الأقدمين، وأكثرَ مَن سِيقت أقوالهم في كُتبِ التَّفسير والحديث، فشمَلهما ذلك الحكمُ الاستشراقيُّ الظَّالم، وطَفَق المَفتونون بهم يكيلونهما قناطيرَ اللَّعنِ، ويَرمونهما بسهامِ الطَّعنِ، يُلزقون بهما كلَّ ما استقبحوه مِن الحديث، أو استنكروه مِن المَرويَّات، وهم لا يَفتؤون يُمثِّلون بهما في مَعرضِ التَّحذير مِن كَيدِ الأعادي بالإسلام، والتَّباكي على ما دَسَّوه في الرِّواية من مَعايب وأوهام.\nفتناوَلَ الكُتَّاب النَّاقمون على كُتب الأخبارِ هذا التَّابعيَ بكثيرٍ مِن الإسهاب والتَّفصيل، حتَّى عَدُّوه زنديقًا قد حَقَن الدِّين بإبَرِ الخرافةِ والتَّضليلِ! مُتلاعبًا في ذلك بالصَّحابةِ ثمَّ تابعيهم بإحسان، إلى أن منَّ الله عليهم باكتشاف كذبِه في هذه الأعصُر المتأخرة!\nوقد كان (رشيد رضا) -للأسفِ- أطولَ هؤلاء الكُتَّاب المُعاصرين نَفسًا في الطَّعنِ بكعبِ الأحبار، قد أسالَ في ظُلمِه الكثيرَ مِن المِدادِ، سَواء في «تفسيرِه» (^٢) أو في مجلَّتِه «المنار» (^٣)، ولو جُمِع كلامُه فيه لوحده مَا وسِعَه سِفرٌ واحد!\nفلذا انكَبَّ الطَّاعِنون في كعبٍ بعده يَستشهدون بكلامِه فيه والإشادةِ به، قد جعلوا ذلك مطيَّةً لرَميِ أهلِ الحديثِ بالغَفلةِ وتَبخيسِ كلامِهم في الرُّواةِ؛ كما تراه\n_________\n(^١) وقد وُلد في الإسلام على الصَّحيح هو وأخوه همَّام، ولم يذكر أحد من المترجمين له أنَّه أسلم بعد أن كان يهوديًّا، انظر «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٩٧).\nوهذا على خلاف ما توهَّمه ابن خلدون في «مقدمته» (ص/٤١٢) وابن النديم في «الفهرست» (١/ ٢٤) من أنه كان من مسلمة أهل الكتاب، وتبعهما على هذا الخطأ ثلَّة من الكتاب المعاصرين، كأحمد أمين في «فجر الإسلام» (ص/١٥٨).\n(^٢) من الكتب الَّتي تناولت موقف (رشيد رضا) من كعب في «تفسيره» بالتحليل والمناقشة: «التفسير والمفسرون» لمحمد حسين الذهبي (ص/١٣٨ - ١٤١)، و«موقف المدرسة العقلية الحديثة من الحديث النبوي» لـ د. شفيق شقير (ص/١٦٦ - ١٨٤)، و«منهج المدرسة العقلية في التفسير» لـ د. فهد الرومي (ص/٣٢٠ - ٣٢٥).\n(^٣) «مجلة المنار» (٢٧/ ٦٩٤، ٧٨٢).","vol":"3","page":1755},{"text":"-مثلًا- في قول (أبو ريَّة): «لم نَجِد في هذا العصرِ، بل في العصورِ الأخيرة، مَن فَطِنَ لدهاءِ كعب ووَهبٍ وكيدهِما، مثلَ الفقيه المحدِّث محمَّد رشيد رضا ..» (^١).\nومع أنَّ الاتِّهام الَّذي وُجِه إلى كعبٍ بالزَّندقةِ تُهمة خطيرة، مُعرَّضٌ صاحبُها للعذابِ الشَّديدِ -والعياذ بالله-، فقد كان أغلبُ مَن رَماه بذلك البُهتان مُجرَّدَ مُنساقٍ وراء ما سَاقَه (رشيد رضا) مِن شُبَهٍ يَراها دلائلَ على ثبوتِ دعاوي المُستشرقِين عليه، ولم يَزيدوا على ما ذَكر رشيدٌ غيرَ تقميشِ رواياتٍ مُعضَلةٍ لا خِطام لها ولا أزِمَّة.\nوكان حاصلُ احتجاجِ (رشيد رضا) علي كَعبِ الأحبارِ راجعًا إلى دليلين:\nأوَّلهما: أثرٌ لمعاوية بنِ أبي سفيان ﵁، فَهِمَ منه تكذيبَه لكعبٍ.\nوالثَّاني: أنَّ ما جاء به مِن الإسرائيليَّات لا توجد في نُسَخِ التَّوراة الَّتي بين أيْدِينا.\nفأمَّا دليله الأوَّل: فيعني به ما أخرجه البخاريُّ في «صحيحه»، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، أنَّه كان يُحَدِّث رهْطًا مِن قريشٍ بالمدينة، وذُكِر كعبُ الأحبار، فقال: «إنْ كان مِن أصدقِ هؤلاء المُحدِّثين الَّذين يُحدِّثون عن أهلِ الكتاب، وإنْ كُنَّا مع ذلك لنَبلُو عليه الكذِبَ» (^٢).\nيقول (رشيد رضا): «إنَّ قولَ معاوية .. طعنٌ صريحٌ في عدالتِه، وفي عدالةِ جمهورِ رُواةِ الإسرائيليَّات، إذ ثَبَت كذبُ مَن يُعَدُّ مِن أصدقِهم» (^٣).\nوالجوابُ عليه في هذا الاستدلال أن يُقال: إنَّ فهمَه مِن كلامِ معاوية ﵁ تكذيبًا للهجةِ كعبٍ، وطعنَه في عدالته، فهمٌ بعيدٌ عن مُرادِ قائِله! يظهر وَهاؤُه إذا عَلِمنا أنَّ أحدًا مِن العلماءِ المتُقدِّمين قبلَه لم يَفهم هذا مِن كلامِه، وكانوا أعلمَ مِن رَشيدٍ باللِّسانِ، ومَعاني الكلام، وأجمعَ منه لمِا يحتَفُّ بالقَضايا العِلميَّة المَبحوثِ فيها مِن قرائن وأدلَّة.\n_________\n(^١) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٣٧)، وانظر «أضواء على الصَّحيحين» (ص/٢٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء»، برقم: ٧٣٦١).\n(^٣) «مجلة المنار» (٢٦/ ٧٣).","vol":"3","page":1756},{"text":"ومُحصَّل تَوجيهِهم المُعتبَرِ لكلامِ معاوية ﵁: أنَّه كان يَقَع من كعبٍ الكذبُ مِن غيرِ قَصدٍ، والكذبُ في اللُّغة قد يأتي بمعنى الخَطأ (^١)، لأنَّه يُشبهه في كونِه ضدَّ الصَّواب، كما أنَّ الكذب ضدُّ الصِّدق، وإنْ افترقا مِن حيث النِّية والقَّصد (^٢).\nيقول ابن حبَّان: «أرادَ معاوية أنَّه يُخطئ أحيانًا فيما يُخبر به، ولم يُرد أنَّه كان كَذَّابًا» (^٣).\nفلِأنَّ كعبًا كان يُحدِّث عن صُحفٍ فيها أشياءُ مكذوبةٌ -إذ لم يَكُن في مِلَّتِهم حُفَّاظ مُتقنون يَذبُّون عنها كما في الأمَّةِ المحمَّدية- «كان يَقع بعضُ ما يُخبرنا عنه بخلافِ ما يُخبرنا به، .. وهذا نحو قولِ ابنِ عبَّاس في كعبٍ المَذكور: بَدَّلَ مَن قَبله، فوَقَع في الكذبِ» (^٤).\nويقول ابن الجوزيِّ في شرحِ عبارةِ معاوية: «يعني أنَّ الكذبَ فيما يُخبر به عن أهل الكتاب لا منه، فالأخبارُ الَّتي يحكيها عن القومِ يكون بعضها كذبًا، فأمَّا كعب الأحبار فمِن كبارِ الأخيار» (^٥).\nفهذه أعدَلُ التَّأويلاتِ لكلامِ معاويةِ ﵃ في حقِّ كعبِ الأحبار.\nومهما يكُن؛ فإنَّ جميعَ العلماءِ يَشرحونه بما يُبعِد هذه الوصمةَ الشَّنيعةَ عنه، ولا أحدَ مِن أئمَّة الجرح والتَّعديل فهِم مِن كلام معاوية ما فهِمه (رشيد رضا)، «والكلامُ مِن معاوية له وزنُه، فهو رجلٌ داهيةٌ، لا تخفى عليه الرِّجال ولا دَسائسهم، ومعاويةُ لا يخشى كعبًا، ولا يُعقَل أن يَتمَلَّقه، ولو يعلمُ فيه أكثرَ مِن ذلك لقالَه» (^٦).\n_________\n(^١) انظر «لسان العرب» (١/ ٧٠٩)، و«تاج العروس» (٤/ ١٢٩).\n(^٢) انظر «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (٤/ ١٥٩).\n(^٣) نقلها عنه ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٣٣٤).\n(^٤) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٣٣٤).\n(^٥) «كشف المشكل من حديث الصحيحين» لابن الجوزي (٤/ ٩٥).\n(^٦) «دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين» لمحمد أبو شهبة (ص/٧٠).","vol":"3","page":1757},{"text":"في مُقابل ذلك، وجدنا بعض المُعاصرين مِن أهلِ السُّنةِ يقدمون على التَّدليلِ لهذا التَّوجيه لكلامِ معاوية ببعض الآثارِ الضَّعيفة يمدح فيها معاوية عِلمِ كعبٍ! إمعانًا في صرفِ تأويلِ رشيدٍ لكلامِ معاويةَ! وهذا ممَّا لا ينبغي الوقوع فيه (^١).\nوأمَّا الاستدلال الثَّاني لرشيد رضا:\nفدعواه بأنَّ ما جاء عن كعبٍ مِن الإسرائيليَّات لا يوجَد في نُسَخ التَّوراةِ الَّتي بين أيدينا، فيقول في ذلك: «.. مَن كان مُتقنًا للكذبِ في ذلك -أي عن أهلِ الكتابِ- يتَعذَّر أو يتَعسَّر العثور على كذبِه في ذلك العصرِ، إذْ لم تكُن كتبُ أهلِ الكتابِ مُنتشِرَةً في زمانِهم بين المسلمين كزمانِنا هذا، فإنَّ توراة اليهودِ بين الأيدي، ونحن نَرى فيما رواه كعب ووَهبٌ عنها ما لا وجود له فيها البتَّة على كثرتِه! وهي التَّوراة الَّتي كانت عندهم في عصرهما، فإنَّ ما وَقَع مِن التَّحريفِ والنُّقصانِ منها قد كان قبل الإسلام، وأمَّا بعده فجُلُّ ما وَقع من التَّحريف هو المَعنويُّ، بحملِ اللَّفظِ على غير ما وُضِع له، واختلاف التَّرجمة.\nولا يُعقَل أن تكون هذه القَصص الطَّويلة الَّتي نراها في التَّفسيرِ والتَّاريخِ مَرويَّةً عن التَّوراةِ، قد حُذفت منها بعد موتِ كعبٍ ووهبٍ وغيرهما مِن رُواتها، فهي مِن الأكاذيب الَّتي لم يَكُن يَتيسَّر للصَّحابة والتَّابعين ولرجالِ الجرح والتَّعديل الأوَّلين العثور عليها، وكذا علماءُ القرونِ الوسطى مِن المُحدِّثين وغيرهم، إلَّا مَن عُني عناية خاصَّة بالاطِّلاعِ على كُتبِ العهدِ العتيقِ والعهدِ الجديدِ عند أهلِ الكتابِ، وعلى التَّواريخ المُفصِّلة لأخبارهم، وقليلٌ ما هم» (^٢).\n_________\n(^١) كما تراه عند حمود التويجري في «الرد القويم على المجرم الأثيم» (ص/٢٢٦)، ومحمد رمضاني في «آراء محمد رشيد رضا في قضايا السنة النبوية» (ص/٣٥٨ - ٣٥٩) وغيرهم عند إيرادهم لأثر عن معاوية يقول فيه: «ألا إنَّ كعب الأحبار أحد العلماء، إنْ كان عنده لعلم كالبحار، وإن كنَّا فيه لمفرِّطين»، فهذا أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٣٥٨)، بإسناد منقطع.\n(^٢) «مجلة المنار» (٢٦/ ٧٣).","vol":"3","page":1758},{"text":"وإمعانًا منه في ترسيخ هذه التُّهمة، يقول: «روايةُ كعبٍ عن التَّوراة مِن وَصفِ النَّبي ﷺ، كذبٌ على التَّوراة أيضًا، وبمثلِها كان يخدعُ المسلمين»! (^١).\nثمَّ قرَّرَ أنَّ خفاءَ أمر كعبٍ على علماءِ الأمَّةِ ينبغي ألَّا يكون مانِعًا لأصحابِ الفكرِ المُستقلِّ في هذا العصرِ المتأخِّر، مِن الحكم عليه بما يظهر لهم ممَّا خَفِي على المُتقدِّمين، فيقول: «.. مِن هذا القبيل حكايةُ بعض الرُّواةِ -ككعبٍ ووهب- عن كُتب بني إسرائيل، لم يكُن يحيى بن معين وأحمد وأبو حاتم وابنه وأمثالهم يعرفون ما يَصحُّ من ذلك وما لا يصحُّ، لعدمِ اطِّلاعهم على تلك الكُتب، وعدم ظهورِ دليلٍ على كذب الرُّواة المُتقنين للكذبِ فيما يَعزونه إليها، فإذا ظَهَر لمن بعدَهم في العصرِ، أو فيما قبله، أو فيما بعده ما لم يظهر لهم مِن كذبِ اثنين أو أكثر مِن هؤلاء الرُّواة، فهل يُكابر حِسَّه ويُكذب نفسَه، ويُصدِّقهم بلسانِه كذبًا ونِفاقًا؟! أو يكتم الحقَّ عن المسلمين، لئلَّا يكون مخالفًا لمن قبله فيما ظَهَر له ولم يظهر لهم؟!» (^٢).\nوالرَّد على هذا الاستدلال الثَّاني يتبيَّن من وجوه:\nفأمَّا اتِّهامه لكعبٍ بالتَّقوُّل على التَّوراة، وأنَّ ما نَسَبه إليها إنَّما هو مِن كِيسه:\nفأوَّلًا: لا بُدَّ أن يُعلَم أنْ ليسَ كلُّ ما يُنسَب لكعبٍ أو وهبِ بن منبِّه أو غيرهما مِن مُسلِمة أهلِ الكتابِ هو الثَّابت النَّقل عنهم، فإنَّ الوَضَّاعين استَغلُّوا شُهرتَهم، فكذَبوا عليهم لأغراضِهم، وكان الكذبُ عليهم أيسرَ مِن الكذبِ على النَّبي ﷺ (^٣).\nوفي تقريرِ هذه الحقيقةِ الَّتي غَفَل عنها رشيد رضا، يقول حسين الذَّهبي: «أمَّا كعبُ الأحبار، فقد رُوي عنه ونُسِب إليه الكثير مِن الإسرائيليَّات، وبعضُ ما نُسب إليه حقٌّ واضح، وبعضه كذبٌ فاضح، الأمر الَّذي جعل بعضَ النُّقاد يعتقد\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٢٧/ ٥٣٩).\n(^٢) «مجلة المنار» (٢٧/ ٦١٠).\n(^٣) انظر «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/١٣٧)، و«الحديث والمحدثون» لمحمد أبو زهو (ص/١٩١).","vol":"3","page":1759},{"text":"صحَّةَ روايته لكلِّ ما نُسِب إليه، فيكِيلُ له التُّهَم جزافًا، ولا يَرى كلَّ مرويَّاته الإسرائيليَّة إلَّا أكاذيب وأباطيل» (^١).\nوثانيًا: لَإنْ ثَبَت عن كعبٍ وغيرِه تحديثُه بروايةٍ إسرائيليَّةٍ، فإنَّه ما كان يُحدِّث عن التَّوراة وحدَها حتَّى يُلزمَ باختراعِ الكلام! -كما يُفهم مِن كلام (رشيد رضا) - بل كان كعبٌ حَبرًا عالمًا بتراثِ اليهود، يُحدِّث مِن صُحفٍ أخرى وَرِثَها مِن أسلافِه الإسرائيليِّين؛ فإنَّ لفظَ (الكتاب) «يشمَلُ التَّوراة، والإنجيل، والصُّحف» (^٢).\nولا شكَّ أنَّ كثيرًا من تلك الصُّحف قد ضاعَ فلم يَعُد لها أثر، بل مَن يجزم لنا أنَّ التَّوراة الَّتي بين أيدينا اليومَ لم يَطُلها شيءٌ مِن التَّحريف زيادةً على ما كانت عليه مِن تحريفٍ زمنَ الصَّحابة! خاصَّةً أنَّها غير مُتواترةٍ التَّواترَ «الَّذي يُشترَط فيه نقلُ الجمِّ الغفيرِ، الَّذين يُؤمَن تواطؤهم على التَّبديلِ والتَّغييرِ في كلِّ طبقةٍ مِن الطَّبقات» (^٣)، وهذا بإقرارِ (رشيد رضا) نفسِه.\nيقول المعلِّمي: «ما صَحَّ عنه مِن الأقوال -يعني كعبًا- ولم يوجد في كُتبِ أهل الكتابِ الآن ليس بحُجَّة واضحة على كَذبِه، فإنَّ كثيرًا مِن كُتبهم انقرضت نُسخها، ثمَّ لم يزالوا يحرِّفون ويبدِّلون، وممَّن ذكر ذلك السَّيد رشيد رضا في مواضع من التَّفسير وغيره» (^٤).\nثمَّ إنَّ لفظَ التَّوراة نفسِه -كما فَصَّلَ ابن تيميَّة القولَ فيه وأحسنَ- «قد يُراد به جميع الكتب الَّتي نزَلت قبل الإنجيل؛ فيُقال: التَّوراة، والإنجيل، ويُراد بالتَّوراة: الكتاب الَّذي جاء به موسى ﵇ وما بعده مِن نُبوَّة الأنبياء المتَّبِعين لكتابِ موسى، قد يُسَمَّى هذا كلُّه توراة؛ فإن التَّوراة تُفسِّر الشَّريعة؛ فكلُّ مَن دان بشريعةِ التَّوراةِ، قيل لنُبوَّتِه: إنَّها مِن التَّوراة.\n_________\n(^١) «التفسير والمفسرون» (ص/٧٤).\n(^٢) «عمدة القاري» للعيني (٢٥/ ٧٤).\n(^٣) «تفسير المنار» لرشيد رضا (٦/ ٢٣٤).\n(^٤) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٩٩).","vol":"3","page":1760},{"text":"وكثيرٌ ممَّا يَعزوه كعبُ الأحبار ونحوُه إلى التَّوراةِ، هو من هذا الباب، لا يختَصُّ ذلك بالكتابِ المُنزَّل على موسى ﵇؛ كلفظِ الشَّريعةِ عند المسلمين: يَتَناول القرآن، والأحاديث النَّبوية، وما استُخرِج مِن ذلك» (^١).\nوأمَّا عن مُخالفِتِه لأهلِ العلمِ بالجرحِ والتَّعديلِ في تزكيتِهم لكعبٍ، بدعواه عدمَ اطِّلاعِهم على التَّوراِة ومُقارنتها بما يُحدِّث به كعب:\nفمُجازفة في القولِ، وغَفلةٌ من رشيدٍ عن أصلِ الإجماعِ الَّذي لا يجوز مخالفةُ حُكمِه باجتهادٍ شَخصيٍّ مُحتملٍ، فقد قال النَّووي عن كعبٍ: «واتَّفقوا على كثرة علمه وتوثيقِه» (^٢).\nثمَّ الذَّهبي -وناهيك به إمامًا في معرفةِ الرِّجال- لم يذكرُه في كتابِ «ميزان الاعتدال»، مع أنَّه يذكُر فيه مَن تكُلِّم فيه -مع ثقتِه وجلالتِه- ولو بأدنى لِينٍ وأقلِّ تجريحٍ! (^٣)\nولَئِن كان (رشيد رضا) قد استثنَى ممَّن انْطَلى عليهم كذبُ كعبٍ مِن علماء الحديث «مَن عُني عنايةً خاصَّةً بالاطِّلاع على كُتبِ العهد العتيق، والعهد الجديد عند أهل الكتاب، وعلى التَّواريخ المفصِّلة لأخبارهم، وقليل ما هم» (^٤)؛ فإنَّ ابنَ كثيرٍ الدِّمشقي -بإقرارِ رشيدٍ نفسِه- «يعلمُ مِن حالِ كُتبِ أهلِ الكتابِ ما لم يكُن يَعلمُ أئمَّة الجرح والتَّعديل ممَّن فوقَه، كأحمد، وابن معين، والبخاريِّ، ومسلم، الَّذين لم يروا هذه الكتب كما رآها، ولم يَطَّلعوا على ما بَيَّنه المطَّلِعون عليها قبله، مِن تحريفها، وأغلاطها، ومُخالفتها لما انقطع به مِن أصولِ الإيمان بالله ورسوله .. إلخ، كابنِ حزمٍ وابن تيميَّة أستاذه» (^٥).\n_________\n(^١) «النبوات» لابن تيمية (٢/ ١٠٥٢).\n(^٢) «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي (٢/ ٦٨).\n(^٣) انظر مقدمة «ميزان الاعتدال» (١/ ٢).\n(^٤) «مجلة المنار» (٢٦/ ٧٣).\n(^٥) «مجلة المنار» (٢٦/ ٧١٦).","vol":"3","page":1761},{"text":"ومع ذلك، فإنَّ هؤلاء الثَّلاثة لم ينبزوا كعبًا ولا وَهبًا بشيءٍ كما فعل رشيدٌ! بل زكَّوه بما يُعضِّد تعديلَ جماهيرِ النُّقادِ له؛ فبعيدٌ جدًّا أن يخفى حالهما على جميعِهم، عالمِهم بما عند أهلِ الكتاب وجاهلِهم، ثمَّ يظهرَ في آخر الأزمان لـ (رشيد رضا) كذبَه لوحده، بل زندقتَه!\nوبهذا تسقُط تلك الدَّعاوي العَريضة الَّتي تحامل بها (رشيد رضا) على كعب الأحبار، دون أن يُقدِّم بين يَدَيْها حُجَجًا مُقنعةً كافية، لتبقى مكانةُ كعبٍ في عدالتِهِ ووَثاقتِه كما اتَّفَق عليها المُتقدِّمون والمُتأخِّرون.\nوأمَّا عن مَوقف بعضِ الكُتَّاب المُعاصرين مِن (وهبِ بنِ مُنبِّه) (^١):\nفأغلب الشُّبَه الَّتي أثارَها بعضُ المعاصرين حول وهب بن منبِّه هي نفسها الَّتي أثارها (رشيد رضا) حول كعبٍ الأحبار؛ فإنَّه لم يكُن يذكر كعبًا بسوءٍ إلَّا وأتبعه ذكر وهب!\nمِن ذلك قولُه: «إنَّ عُمدتنا في جرحِ روايةِ وهبٍ ما جاء به من الإسرائيليَّات الَّتي نقطع ببُطلانها، وهو آفتها، كرواياتِ كعبٍ فيها» (^٢)، وقوله: «.. ومَنبع هذه الرِّوايات كعبُ الأحبار ووَهب بن منِّبه، اللَّذان بَثَّا في المسلمين أكثر الإسرائيليَّات الخرافيَّة» (^٣).\nوقد استدلَّ (رشيد رضا) في تكذيبِه وتغليطِه للأئمَّة في توثيقه بنفسِ الدَّعاوي الواهيةِ الَّتي ساقَها في تكذيبِ كعبٍ، إلَّا أنَّه زاد قولَه فيه: «قد ضَعَّفه عمر بن الفلَّاس، واغترَّ به الجمهور؛ لأنَّ جُلَّ روايتِه للإسرائيليَّات، ولم يكونوا يُدقِّقون النَّظر في نقدِها تدقيقَهم في نقدِ رواياتِ أصولِ الدِّين وفروعِه، وقَلَّما كان أحدٌ مِن\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله وهب بن منبه بن سيج الصنعاني، أصله فارسي، من علماء التابعين، وثقه أحمد وأبو زرعة النسائي وغيرهم، ولد سنة ٣٤ هـ في خلافة عثمان، قال جماعة من المؤرِّخين: مات سنة ١١٠ هـ، انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٥٤٤).\n(^٢) «مجلة المنار» (٢٦/ ٧١٦).\n(^٣) «مجلة المنار» (٣٣/ ٥٠٧).","vol":"3","page":1762},{"text":"رجالِ الجرحِ والتَّعديلِ يعرف شيئًا مِن كُتبِ أهلِ الكتابِ ليَصِحَّ حكمُه على الرُّواة عنها» (^١).\nوقد سَبَق الجواب عن شبهةِ الكذبِ في النَّقل عن صُحفِ أهلِ الكتاب.\nوأمَّا وَهب: فمَحلُّ توثيق كثيرٍ مِن أئمَّة الحديث (^٢)، لا أعلمُ أحدًا تَكلَّم فيه غير عمرو بن عليِّ الفلَّاس (ت ٢٤٩ هـ) وحده، وعلى كلامِه عَضَّ (رشيد رضا) بالنَّواجذ!\nمتجاهلًا لردِّ ثُلَّة من المُحقِّقين على الفلَّاس كلامَه في وهبٍ، كابن حجرٍ في قوله: «وهب بن منِّبه الصَّنعاني، مِن التَّابعين، وثَّقَه الجمهور، وشَذَّ الفلَّاس فقال: كان ضعيفًا، وكان شُبهته في ذلك، أنَّه كان يُتَّهم بالقولِ بالقَدرِ، وصَنَّف فيه كتابًا، ثمَّ صَحَّ أنَّه رَجَع عنه» (^٣).\nففضلًا عن غَلطِ الفلَّاس في حكمِه على وهبٍ، فإنَّ (رشيد رضا) قد رَجَّح تضعيفَ الفلَّاس بغيرِ المناطِ الَّذي عَلَّق عليه هذا الأخير حُكمَه من بدعة القَدر! بل رَماه رشيدٌ بنقيضِ ذلك مِمَّأ لم يُسبق إليه، وهي بدعة الجبريَّة! (^٤)\nوبِغضِّ النَّظرِ عن شذوذِ الفلَّاس بهذا التَّضعيفِ لوهبٍ -كما قرَّرناه-، فليس في كلامِه -ولا غيره مِن الأئَّمة- رَميٌ لوهبٍ بالزَّندقةِ! أو الكذب عن أهل الكتاب! كما نراه في مُجازفاتِ رشيدٍ.\nبل هذا ابن كثير -وقد وَصَفه رشيدٌ بسعةِ اطِّلاعِه على ما في كُتبِ أهل الكتاب- قد زكَّاه صراحةً، ولم ينبزه بشيءٍ (^٥).\n_________\n(^١) «مجلة المنار» (٢٦/ ٧١٦).\n(^٢) انظر توثيق بعض أئمة الجرح والتعديل له في «تهذيب الكمال» (٣١/ ١٤٢).\n(^٣) «فتح الباري» (١/ ٤٥٠).\n(^٤) انظر معتمد (رشيد رضا) في هذا التهمة والرد عليها في كتاب «آراء محمد رشيد رضا في قضايا السنة» (ص/٣٧٤ - ٣٧٧).\n(^٥) كما في كتابه «البداية والنهاية» (١٣/ ٥٨).","vol":"3","page":1763},{"text":"الفرع الثَّاني\nدفع دعوى أنَّ بعضَ الصَّحابةِ والرُّواة\nخَلَطوا الإسرائيليَّاتِ بالسُّنةِ\n\nفأمَّا عبد الله بن عبَّاس ﵁:\nفقد اتُّهم ابنُ عمِّ رسولِ الله ﷺ هذا زورًا على لسانِ (جولدزيهر) ومُقلِّديه (^١) بتصديقِ أهلِ الكتابِ مُطلقًا، واعتمادِ أقوالهم في التَّفسيرِ.\nوالمَعروفُ عن ابن عبَّاس ﵁ أنَّه إذا رَجَع إلى أهلِ الكتاب، ففي بعضِ الأخبارِ الَّتي أُجمِلت في القرآن وفي كُتبِهم شيءٌ مِن تفصيلها لا غير، وفي حدودٍ ضيِّقةٍ، ويَتَّفق ذلك مع القرآن وإلَّا رَفَضه، على التَّفصيل الَّذي مرَّ سلفًا في موقف الصَّحابة من الإسرائيليَّات عمومًا.\nولذلك نراه لمَّا بلغه أن نَوفًا البكَّالي -وهو مِن أصحابِ كعبٍ- يَزعمُ أنَّ موسى صاحبَ الخضر، غير موسى بن عمران ﵇، قال: «كَذَب عدوُّ الله! ..» (^٢).\nفلقد اشتُهِر عن ابن عبَّاس ﵁ إنكاره على مَن يهتدي بما عند أهلِ الكتاب، ممَّا لَعلَّه قد رآه مِن كثرةِ مَن يرجِع إليهم مِن العَوامٍّ، سَدًّا منه لهذا البابِ\n_________\n(^١) انظر «مذاهب التفسير الإسلامي» لجولدزيهر (ص/٦٦).\n(^٢) كما في البخاري (ك: العلم، باب: ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله، برقم: ١٢٢)","vol":"3","page":1764},{"text":"الخطيرِ عليهم، فكان يقول: «يا معشرَ المسلمين، كيف تَسألون أهلَ الكتابِ عن شيءٍ، وكتابُكم الَّذي أنزل الله على نبيِّكم ﷺ أحدثُ الأخبارِ بالله محضًا لم يَشب؟! وقد حَدَّثكم الله أنَّ أهلَ الكتاب قد بَدَّلوا مِن كُتب الله وغَيَّروا، فكتَبوا بأيديهم الكُتب، قالوا: هو مِن عند الله، ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أوَلا ينهاكم ما جاءكم مِن العلمِ عن مسألتهم؟ فلا والله، ما رأينا رجلًا منهم يَسألكم عن الَّذي أُنزِل عليكم» (^١).\nيقول المُعلِّمي: «هذا مِن قولِ ابن عبَّاس، وقد علِمنا أنَّه كان يسمعُ ممَّن أسلمَ مِن أهلِ الكتاب، وقد رُوي أنَّه سَأَل بعضَهم، وأبو ريَّة يُسرِفُ في هذا، حتَّى يَرمي ابن عبَّاسٍ بأنَّه تلميذٌ لكعبٍ! وبالتَّدبير يظهر مَقصودُه، ففي بقيَّةِ عبارتِه: «.. لا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الَّذي أنزل إليكم»، دَلَّ هذا أنَّ كلامَه في أهلِ الكتاب الَّذين لم يُسلِموا، فأمَّا الَّذين أسلموا، فعملُ ابن عبَّاس يقتضي أنَّه لا بأسَ للعالِم المُحقِّق مثلِه أن يَسأل أحدَهم» (^٢).\nنعم؛ يجوز أن يُروى عن ابن عبَّاس ﵁ أو غيرِه مِن الصَّحابة، شيءٌ سمِعَه مِن أهلِ الكتابِ فيه نَكارة بَيَّنة، وليس في الرِّوايةِ تصريحُه باستنكارِه له.\nكالقصَّةِ الَّتي تُروى عنه في فتنة سليمان ﵇ وأنَّ الشَّيطان تَمثَّل به، وأتى نساءَه في صُورَته وهُنَّ حُيَّض .. إلى آخر الخبرِ الطَّويل (^٣)؛ فليس في هذا أمارةٌ على إقرارِ ابنِ عبَّاسٍ لهذا الخبرِ المُنكر، لاحتمالِ أن يريدَ بهذه الرِّواية التَّشنيعَ عليهم، بسببِ هذه الأخبار الَّتي تُزري بالأنبياء ونحو ذلك، لكنَّ بعض الرُّواة اقتصَرَ على سَردِ القصَّة مُجرَّدةً عن سِياقِها الَّذي ذَكَرها فيه ابن عبَّاس.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: التوحيد، باب قول الله تعالى: (كل يوم هو في شأن)، برقم: ٧٥٢٣).\n(^٢) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٢٣).\n(^٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» نقلًا عن ابن كثير في «تفسيره» (٧/ ٦٩) وقال: «إسناده إلى ابن عبَّاس قوي، ولكن الظَّاهر أنَّه إنَّما تلقَّاه ابن عباس - إن صحَّ عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوَّة سليمان ﵇ فالظَّاهر أنَّهم يكذبون عليه».","vol":"3","page":1765},{"text":"ثمَّ لا بُدَّ مِن مُراعاة كثرةِ الوَضعِ على ابن عبَّاس، وما وَهِيَ إسناده إليه، فما صَحَّ عنه في التَّفسيِر قليلٌ بجنبِ رُكامِ المرويَّاتِ الَّتي أُلصِقَت به، وقد أُطلِق على بعضِ أسانيدِها بـ «سلسلةِ الكذِب»! (^١)\nوأمَّا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁:\nفقد سبَقَ أن ذكرنا اتِّهامَ بشرِ المرِّيسي لعبد الله بن عمرو ﵁ بروايةِ ما نالَه مِن صُحفِ أهلِ الكتاب في زامِلتين يومَ اليرموك، على أنَّها مِن حديثِ رسول الله ﷺ، وأنَّه مِن أوائل من تفوَّه بهذه الكبيرةِ مِن دعوى خَلطِ بعضِ الصَّحابةِ للإسرائيليَّات بالسُّنةِ.\nوقد سارَ على دربِ هذا الجَهميِّ في الافتراءِ فئامٌ مِن أعداءِ السُّنَن وحَملَتِها في هذا العصر، فأحيوا منهجَه المُشكِّك في حُجيَّة الحديثِ، بإعادةِ نفسِ الشُّبهِ القديمةِ المُتعلِّقة بروايةِ بعضِ الصَّحابةِ لمِا أخذوه مِن أخبارِ أهلِ لكتابِ سَماعًا، أو بواسطةِ كُتبِهم.\nفهذا (أبو ريَّة) يكذِبُ نفسَ كِذبة المرِّيسي في نسبةِ تحديثِ ابن عمرو ﵁ بما في الزَّامِلتين إلى النَّبي ﷺ! وهو مِن عَجيب المُوافقات المُنبئةِ عن تَشابُه القلوب! فإنَّه قال عنه ﵁: «كان قد أصابَ زامِلتين مِن كُتبِ أهل الكتاب، وكان يرَويها للنَّاس (عن النَّبي)! فتَجَنَّب الأخذَ عنه كثيرٌ مِن أئمَّة التَّابعين، وكان يُقال له: لا تُحدِّثنا عن الزَّامِلتين» (^٢).\n_________\n(^١) نبه عليه السيوطي في «الإتقان» (٤/ ٢٣٩).\n(^٢) كذا في الطبعة الأولى لكتابه «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٦٢، هامش ٣)، طبع دار التأليف بمصر، سنة ١٣٧٧ هـ-١٩٥٨ م، وعلى هذه العبارة في هذه الطبعة كان رد مصطفى السِّباعي في كتابه «السنة ومكانتها في التشريع» (ص/٣٦٣).\n\nلكن النسخة التي عندي من الكتاب - وهي طبعته السَّادسة في دار المعارف - قد حذفت منها عبارة «عن النبي»! وأبُدلت فيه صياغة الكلام إلى قوله (ص/١٣٧): «.. وقد جاءت الأخبار بأنَّ الثَّاني -وهو عبد الله بن عمرو بن العاص- أصاب يوم اليرموك زاملتين من علوم أهل الكتاب، فكان يحدِّث منهما ..».\nفالظَّاهر أنَّ هذه الكذبة حُذفت في الطَّبعات اللَّاحقة للكتاب بعد أن افتُضح أمر (أبو ريَّة) فيها، والله أعلم.","vol":"3","page":1766},{"text":"ثمَّ لم يكتِف هو بهذا البهتان، حتَّى نَسَبه إلى ابن حجرٍ في «فتح الباري»! وابن حجرٍ بَريء مِن هذا الإفك، وكتابُه خالٍ مِن عبارة: «عن النَّبي»، إنَّما زادَها (أبو ريَّة) مِن كيسِ هَواه! وقد تبِعه فيها مُكبًّا على وجهِه (صالح أبو بكر)، دون تَبصُّر أو تَثبُّت مِن المَراجِع، فانتسخ هذه الرِّواية المُحرَّفة عن (أبو ريَّة)، مُؤكِّدًا أنَّها حقيقةٌ تاريخيَّة تُثبت تلبيسَ عبد الله بن عمرو ﵁ على النَّاس (^١)؛ ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله!\nوقصَّة إصابةِ ابن عمرو ﵁ للزَّاملتين مِن كُتب أهلِ الكتابِ لها أصلٌ صحيحٌ، بخلاف من استبعد وقوعها من بعضِ مشايخنا من أهل التفسير (^٢)،\nفقد أثبت ذلك له ﵁ بعضُ المُحقِّقين من المتَّأخرين (^٣)، ولعلَّ أمثلَ ما وَرَد في ذلك:\n_________\n(^١) «الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية» (ص/٥٨).\n(^٢) استبعد أستاذنا مساعد الطَّيار في شرحه لـ «مقدمة ابن تيمية في أصول التفسير» (ص/١٦٧) القول بإصابة عبد الله بن عمرو للزَّاملتين باحتمالين:\nالأوَّل: أنه كان يعرف الرَّسم الَّذي كُتِبت به هذه الكتب، وقد استبعد هذا الاحتمال جدًّا، معتمدًا على تضعيفِ الذَّهبي لما جاء في «مسند أحمد»: من رؤيا رآها ابن عمرو فسَّرها له النَّبي ﷺ بأنَّه سيقرأ الكتابين: التوراة والفرقان، لضعفِ ابن لهيعة، وكذا لنكارة متنها، حيث لا يشرع لأحد قراءة التوراة بعد نزول القرآن، انظر «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٨٦).\nالثَّاني: أنها إن كانت تُترجم له، فمن ذا الذي كان يُترجم له؟!\nلكن قد أخرج ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/ ٢٦٦) بإسناد قويٍّ لا ينزل عن مرتبة الحسن، عن شريك بن خليفة قال: «رأيت عبد الله بن عمرو يقرأ بالسِّريانيَّة».\nوقد بيَّن د. رمزي نعناعة في كتابه «الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير» (ص/١٤٦) الظُّروف الزَّمانية والمكانيَّة والمحفِّزات المعرفيَّة الَّتي أعانت عبد الله بنَ عمرو ﵁ على تعلُّم هذه اللُّغة.\n\nأمَّا عن تضعيف الذَّهبي لحديث «المسند» لضعف ابن لهيعة: فالَّذي روى عن ابن لهيعة هذا الحديث هو قتيبة بن سعيد، وأحاديثه عن ابن لهيعة صِحاح كما ذكر أحمد بن حنبل، انظر «تهذيب الكمال» (١٥/ ٤٩٤).\nأمَّا نكارة متنِه: فإن النَّظر في التَّوراة ونحوها للاعتبار ومُناظرة اليهود لا بأس بها للرَّجل العالم قليلًا، كما أقرَّ به الذَّهبي نفسه في نفس مَوطن تضعيفه للحديث، وعبد الله بن عمرو من أولئك، والإذن النَّبوي في التَّحديث عن بني إسرائيل سابق عند عبد الله بن عمرو بروايته، على التَّفصيل الَّذي مرَّ.\n(^٣) منهم ابن تيمية في «مقدمته في أصول التفسير» (ص/٤٢)، وابن كثير في عدة مواضع من «تفسيره» منها مقدمته (١/ ٨)، وابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٢٠٧)، وهو الظَّاهر من كلام الذَّهبي في «تذكرة الحفاظ» (ص/٣٥)،","vol":"3","page":1767},{"text":"ما أخرجه الخليليُّ بإسنادٍ صحيحٍ، رجاله ثقاتٌ إلى عامر الشَّعبي، أنَّه قال: «لقيتُ عبدَ الله بن عمرو بن العاص بمكَّة، فقلتُ: حَدِّثني ما سمعتَ مِن رسول الله ﷺ، ولا تحدِّثني عن السَّفَطين (^١) ..» (^٢).\nعلى أنَّ هذا لا يعني لزامًا كثرةَ تحديثِ عبد الله بن عمرو ﵁ منها! فهذه الأخبار الإسرائيليَّة الَّتي رواها بين أيدينا، قليلة جدًّا؛ ولَإن حَدَّث بها فقد مَيَّزها عمَّا يَرويه عن النَّبي ﷺ ولا بُدَّ.\nيقول الدَّارمي في مَعرضِ رَدِّه على المرِّيسي: «ويحَك أيَّها المُعارض! إن كان عبد الله بن عمرو أصاب الزَّاملتين مِن حديث أهلِ الكتاب يومَ اليرموك، فقد كان مع ذلك أمينًا عند الأمَّةِ على حديث النَّبي ﷺ، أن لا يجعل ما وَجَد في الزَّامِلتين عن رسول الله ﷺ، ولكن كان يَحكي عن الزَّاملتين ما وَجَد فيهما، وعن النَّبي ﷺ ما سمِع منه، لا يُحيل ذاك على هذا، ولا هذا على ذاك، كما تَأوَّلتَ عليه بجهلِك، والله سائلُك عنه» (^٣).\nوأمَّا ما ذكره ابن حَجرٍ في مَعرضِ سَردِه لأسبابِ قِلَّة مرويَّات عبد الله بن عمرو مقارنة بأبي هريرة ﵃، مع إقرارِ الأخيرِ أنَّ الأوَّل أكثرُ حديثًا منه، قائلًا: «إنَّ عبد الله كان قد ظَفَر في الشَّام بحَملِ جَملٍ مِن كُتبِ أهلِ الكتاب، فكان ينظُر فيها ويُحدِّث منها، فتَجنَّب الأخذَ عنه لذلك كثيرٌ مِن أئمَّةِ التَّابعين، والله أعلم» (^٤).\nفإنَّ هذه الجملة الأخيرة له ممَّا قد عَوَّل عليها بعض المُغرضين المُعاصرين كـ (أبو ريَّة) لإثباتِ شَناعةِ ما وَقَع فيه بعض الصَّحابة الكِرام من التَّحديثِ عن أهلِ الكتاب، وأنَّ مَرويَّات مَن فَعَل ذلك منهم مَدعاة للتَّرك، مُوقِعة في الخلطِ.\n_________\n(^١) السَّفط: كالقُفَّة يُعبَّى فيه الطِّيب وما أشبهه من أدوات النِّساء، انظر «تاج العروس» (١٩/ ٣٥٠).\n(^٢) أخرجه في كتابه «الإرشاد» (٢/ ٥٣٣ برقم: ١٦٦).\n(^٣) «نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد» (ص/٣٦٧ - ٣٦٨).\n(^٤) «فتح الباري» (١/ ٢٠٧).","vol":"3","page":1768},{"text":"والجواب عليهم في ذلك: أنَّ مقالة ابن حجر لا أُراها إلَّا مُجرَّد تخمينٍ، لم أعثُر لها على دليلٍ تاريخيٍّ يُسنده ويُقوِّيه! ولو كان صحيحًا ما نَسَبه لأولئك التَّابعين، لتَركوا الأخذَ عن أبي هريرة ﵃ أيضًا كونه معروفًا بالرِّوايةِ عن بعضِ أهل الكتابِ مثل ابن عمروٍ!\nبل مِن التَّابعين الآخذين عنه مَن كان يخلِط بين حديثِه المرفوعِ إلى النَّبي ﷺ وبين حديثِه عن كعبِ الأحبار! وهي مَفسدة لا يُعلَم وقوعها عن الآخذين عن عبد الله بن عمرو! فكان أبو هريرة على هذا المنطقِ أوْلى بالاجتنابِ مِن عبد الله بن عمرو!\nثمَّ إنَّ ابنَ حَجرٍ نفسَه قد ذَكَر في ترجمةِ عبد الله بن عمرو في «التَّهذيب» أربعين راويًا ممَّن أخذوا عنه، فيهم جمهرةٌ مِن كبارِ التَّابعين، بل فيهم صحابة! كأنسِ بن مالك، وعبد الله بن عمر، وأبو أمامة بن سهل، وغيرهم (^١)؛ فلم نسمع أنَّ أحدًا منهم زهِد في السَّماعِ منه، لأنَّه يروي شيئًا مِن الإسرائيليَّات.\nبل على خلافِ ذلك، كان أحدُهم -مِن حرصِه على السَّماع مِن ابن عمرو ﵁- إذا أتاه ولم يَشأ أن يسمَعَ ما عنده مِن علوم أهلِ الكتاب، طَلَب الاقتصارَ على تَسميعِه إيَّاه مَرويَّاتِه عن رسولِ الله ﷺ، قصدَ التَّعجُّل في أخذِ ما أمكنَه مِن السُّنة بحكمِ سَفره وقصرِ إقامتِه ونحو ذلك مِن الأعذار؛ ومثاله ما مَرَّ قريبًا مِن قصَّةِ لقاءِ الشَّعبي به، والله تعالى أعلم.\nوأمَّا أبو هريرة الدَّوسيُّ ﵁:\nفلأنَّه حافظَ الإسلام، وأكثر مَن روى الحديثَ عن النَّبي ﷺ مِن الصَّحابة، لم ينَل أحدٌ مِن الصَّحابة ما ناله مِن الطَّعنِ والتَّشكيكِ في رِوايتِه للحديث، بل لم يُؤلَّف في غيره ما أُلِّف فيه كثرةً في الحَطِّ من قدرِه في حفظِ السُّنة والتُّهمة باختلاقِ الأخبار.\n_________\n(^١) انظر «تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٣٧).","vol":"3","page":1769},{"text":"ترى شواهدَ هذه الغارةِ عليه في ما سَوَّده فيه بعض المُعاصرين بشَتَّى تَوجُّهاتهم الفكريَّةِ والعقديَّةِ، أشهرُها كتاب «أبو هريرة» لعبد الحسين شرف الموسوي، و«شيخ المضيرة أبو هريرة» لمحمود أبو ريةَّ، وأكثر مَن جاء بعدهما إنَّما هو مُستقٍ مِن عَفِنهما، كمصطفى بوهندي في كتابِه «أكثر أبو هريرة».\nفكان مِن أخطرِ ما اتُّهم به مِن قِبَل أعدائِه: وصْمُه بأنَّه أُذْنٌ لكعبِ الأحبار، تلميذٌ ساذَجٌ له! و«أنَّ هذا الحَبرَ الدَّاهيةَ قد طَوَى أبا هريرة تحت جناحِه، حتَّى جَعَله يُردِّد كلامَ هذا الكاهنِ بالنَّصِ، ويجعله حديثًا مَرفوعًا إلى النَّبي ﷺ»! (^١)\nوالرَّدُ على هذا الافتراءِ أن يُقال:\nلو وَقَع شيءٌ من هذا المُنكر مِن أبي هريرة -كما ادَّعاه (أبو ريَّة) - لما سَكَت عنه الصَّحابة، ولَأنكروا عليه جريمَتَه بحَقِّ الدِّين والسُّنة؛ هذا ابتداءً.\nوأبو هريرة ﵁ هو كغيرِه مِن الصَّحابة مِمَّن سَمِع مِن كعبٍ، «لم يكونوا تلامذةً له، بل رَووا عنه أشياء مُحتملةً حَكوها عنه، وسألوه سُؤالَ خبيرٍ ناقدٍ» (^٢) -وهذا الفعلُ على هذا الوجهِ مَأذونٌ به على لسانِ السُّنة، كما أسلفنا تقريرَه- لا سؤالَ المُصدِّق مُطلقًا، فضلًا عن أن يَعرِضوا عليه كلامَ رسولِ الله ﷺ ليُصدِّقه! كما يدَّعيه (بوهندي) على أبي هريرة ﵁ افتراءً (^٣).\nوفي دفعِ هذه الفِرَى عن أبي هريرة ﵁، يقول المعلِّمي:\n«هذه مَكيدةٌ مهولةٌ، يُكاد بها الإسلام والسُّنة، اخترعها بعض المُستشرقين فيما أرى، ومَشَت على بعضِ الأكابر، وتبنَّاها أبو ريَّة، وارتكَبَ لترويجِها ما ارتكَبَ كما ستعلمُه؛ وهذا الَّذي قاله هنا رجمٌ بالغيب، وتَظنِّ للباطل، وحَطٌّ لقومٍ فَتَحوا العالمَ ودَبَّروا الدُّنيا أحكمَ تدبيرٍ: إلى أسفلِ درجاتِ التَّغفيل.\nكأنَّهم ﵃ لم يعرفوا النَّبي ﷺ ودينَه وسُنَّته وهديَه، فقبِلوا ما يَفترِيه عليه وعلى دينِه إنسانٌ لم يعرفه، وقد ذَكَر أبو ريَّة في مَواضعٍ حالَ الصَّحابة في تَوقُّفِ\n_________\n(^١) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٨٠).\n(^٢) «أبو هريرة راوية الإسلام» لعبد الستار الشيخ (ص/٦٢٤).\n(^٣) «أكثر أبو هريرة» (ص/٦٧).","vol":"3","page":1770},{"text":"بعضهم عمَّا يُخبره أخوه الَّذي يَتيقَّن صدقَه، وإيمانَه، وطولَ صُحبته للنَّبي ﷺ، فهل تَراهم مع هذا يَتَهالكون على رجلٍ كان يَهوديًا فأسلمَ بعد النَّبي ﷺ بسِنين، فيقبلون منه ما يُخبرهم عن النَّبي ﷺ ممَّا يُفسد دينه؟!» (^١).\nفالَّذي على (أبو ريَّة) ومَن تبعه أن يُثبتوا أنَّ أبا هريرة ﵃ جَعَل قولًا سمِعَه مِن كعبٍ حديثًا مَرفوعًا إلى النَّبي ﷺ، ولم يُميِّز بينهما، وأمَّا التَّشنيع بغير حُجَّة، فلا يعجَزُ عنه أحدٌ، وهو مِن الإرجافِ الَّذي لا يسمح به منهج ناقدٌ، ولا عقل حصيف.\nوما نراه مِن طعنِ (ابنِ قرناس) (^٢) و(مصطفى بوهندي) (^٣) في ما أخرجه مسلم وغيره، مِن حديث أبي هريرة ﵃ مرفوعًا: «خيرُ يومٍ طَلَعت فيه الشَّمس يومُ الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أدخل الجنَّة ..» (^٤) إلى آخرِ الحديث، حيث جَعَلاه مِن الإسرائيليَّات، اعتمادًا مِن (بوهندي) على روايةٍ في «مسند أحمد» (برقم: ٢٣٧٩١)، تَوهَّم أنَّها كَشَفت أنَّ قولَه: «فيه خُلِق آدم ..» إلى آخره، هو مِن قولِ كعبٍ وليس حديثا مرفوعًا، وأنَّ أبا هريرة إنَّما خَلَط قولًا لكعبٍ بحديثٍ لرسول الله ﷺ.\nفجوابُ ذلك في: أنَّ الَّذي يجهلُه (بوهندي) كون هذه الرِّواية الَّتي احتجَّ بها في «المُسند» لا يَسوغ الاحتجاجُ بها أصلًا! حيث جاءت مِن روايةِ حمَّاد بن سلمة، فقد تكلَّم يحيى بن سعيد القطَّان في روايته عن قيسِ بن سعدٍ بخاصَّة (^٥) وضُعِّف فيه، وعنه رَوى حمَّاد هذا الحديثَ الَّذي في «المُسند»! فضلًا عنٍ أنَّه قد خالَف فيها غيره مِن الثِّقات الأثبات في رفعهم لهذه الخصالِ للجمعة إلى النَّبي ﷺ لا إلى كعبٍ.\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٠٥).\n(^٢) «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/٤٤٩).\n(^٣) «أكثر أبو هريرة» (ص/٧٥ - ٧٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (ك: الصلاة، باب: فضل يوم الجمعة، برقم: ٨٥٤).\n(^٥) انظر «تهذيب التهذيب» لابن حجر (٣/ ١٤).","vol":"3","page":1771},{"text":"والَّذي أراه يُشكِل حقيقةً على حديثِ أبي هريرة المرفوعِ، روايةٌ أخرى غير تلك الَّتي اغتَرَّ بها (بوهندي)، وأنا أُفيدُه بها! وهي:\nما رَواه الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: «خيرُ يومٍ طَلَعت فيه الشَّمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُسكن الجنَّة، وفيه أُخرج منها، وفيه تَقوم السَّاعة، قال: قُلت له: أشيءٌ سمِعته من رسول الله ﷺ؟ قال: بل شيءٌ حَدَّثناه كعبٌ» (^١).\nففي هذه الرِّواية ينسِبُ أبو هريرة ﵁ الحديثَ إلى كعبٍ، بخلافِ ما في «صحيح مسلم» وغيرِه في نِسبتِه إيَّاه إلى النَّبي ﷺ، وكِلتاهما مِن طريق أبي سَلَمة عنه!\nغير أنَّ روايةَ ابنَ خزيمة هذه خَالف فيها يحيى بن أبي كثير ثِقتان (^٢):\nمحمَّد بن إبراهيم التَّيمي (^٣)، ومحمَّد بن عمرو (^٤)، حيث رَوَياه عن أبي سَلمة بالرَّفعِ، يعضُد هذا مُتابعة الأعرجِ لأبي سَلمة نفسِه في رفعِه إيَّاه عن أبي هريرة (^٥)؛\nفهذا الأصوبُ من حيث الصَّنعة الحديثيَّة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (ك: الجمعة، باب: ذكر الخبر المتقصى للفظة المختصرة التي ذكرتها .. إلخ، برقم: ١٧٢٩).\n(^٢) على أن ابن أبي كثير هذا قد جاءت رواية الحسين المعلم عنه في «السنن الكبرى» للبيهقي (برقم ٦٠٠٣) بوقفِ الحديث على أبي هريرة، دون ذكر لسؤال أبي سلمة في آخره كما في رواية الأوزاعي، فلا تشكل حينئذ على الرواية المرفوعة، بحيث يقال أن أبا هريرة كان يذكر المتن أحيانًا دون رفعه اختصارًا.\n\nغير أنَّ الحسين أقلُّ درجة من الأوزاعي في الضَّبط والتَّثبُّت، فربَّما وهم كما في «التَّقريب»، فتُقدُّم رواية الأخير عن يحيى عليه من حيث التَّرجيح الإسنادي، وإن كانت رواية الحسين أوفق مع الروايات المرفوعة الأخرى.\n(^٣) عند مالك في «الموطأ» (ك: الجمعة، باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة، برقم: ١٦)، وعنه رواه أبو داود (ك: الصلاة، باب: فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، برقم: ١٠٤٦)، والترمذي (ك: الجمعة، باب في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة، برقم: ٤٩١)، وأحمد في «مسنده» (برقم: ١٠٣٠٣).\n(^٤) عند أحمد في «مسنده» (برقم: ١٠٥٤٥)، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» (برقم: ٢٨٤٣) وغيرهما.\n(^٥) كما في مسلم (ك: الصلاة، باب: فضل يوم الجمعة، برقم: ٨٥٤) وغيره.\nولم أعتبر متابعة عبد الله بن فرُّوخ لأبي سلمة في رفعه متابعة ثانيةً، وهي في «مسند» أحمد (برقم: ١٠٩٧٠) وابن خزيمة في «صحيحه» (برقم: ١٧٢٩)، لضعف السند إلى ابن فرُّوخ، آفته محمد بن مصعب القرقساني، وهو كثير الغلط كما في «التقريب».\nولم أعلَّه في المقابل بكون يحيى بن أبي كثير مدلس قد عنعنه في رواية ابن خزيمة، كما نحى إليه الألباني في تعليقه على «صحيح ابن خزيمة - ط: الأعظمي» (٣/ ١١٥)، حيث صرح يحيى بالتَّحديث عند أبي زرعة الدمشقي في «الفوائد المعلَّلة» (ص/٢٦٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (برقم: ٦٠٠٣).\n\nأما من رأى أن رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في كونه من مقول كعب هي صحيحة أيضا، وجمع بينها وبين كونه مرفوعا إلى النبي ﷺ بأن أبا هريرة سمعه أولا من كعب، ثم سمعه بعد ذلك من أحد الصَّحابة عن النَّبي ﷺ، فصار يرفعه بعدُ دون ذكر الصَّحابي، وهو ما ذهب إليه الباحث (مناف مريان) في أطروحته للماجستير «دعوى اشتمال الصحيحين على إسرائيليات» (ص/٧٧ - ٧٨): فأُراه جمعًا متكلفا! وليس في حديث زيارة أبي هريرة لكعب الأحبار وتحديثه إياه بهذا الحديث -كما في «الموطأ (ك: الجمعة، باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة، برقم: ١٦) - ما يشعر بكونه قد سمعه من كعب قبل زيارته تلك، وأنه في زيارته الثانية نبه كعبا على أن النبي ﷺ قال مثل ما كان قد سمعه منه بنفس حروفه! هذا بعيد جدا، والله أعلم.","vol":"3","page":1772},{"text":"فيَتَبيَّن بما تقدَّم:\nأنَّ أبا هريرة ﵁ كان يُميِّز بين ما سمِعه عن النَّبي ﷺ وبين مَرويَّات كعبٍ (^١)؛ وإنَّما كان يحصُل أحيانًا الخلطُ مِن بعض الرُّواة عنه، لا منه هو ﵁، فيجعلون ما رَواه عن النَّبي ﷺ مِن قول كعب، وما رواه عن كعب مِن قولِ النَّبي ﷺ.\nفعن بسر بن سعيدٍ قال: «اتَّقوا الله، وتَحفَّظوا مِن الحديث، فوالله لقد رَأيتُنا نُجالس أبا هريرة، فيُحدِّث عن رسولِ الله ﷺ، ويُحدِّثنا عن كعب الأحبار، ثمَّ يقوم، فأسمعُ بعضَ مَن كان معنا يجعلُ حديثَ رسولِ الله ﷺ عن كعبٍ، وحديثَ كعبٍ عن رسولِ الله ﷺ!» (^٢).\nفها هو ذا أبو هريرة يُبيِّنُ ويُميِّز لهم بين حديثِ رسول الله ﷺ وأخبار كعبٍ! إنَّما يَقع مِن بعضِ السَّامعين -لا كلِّهم- أن يخلِطَ بينهما، «فلا ذنبَ\n_________\n(^١) قد سرد ابن حجر لذلك أمثلة كثيرة في كتابه «نزهة السامعين في رواية الصحابة عن التابعين» (ص/٨٦).\n(^٢) «التمييز» لمسلم (ص/١٧٥).","vol":"3","page":1773},{"text":"لأبي هريرة في هذا، ولم يَزَل أهلُ العلم يذكر أحدُهم في مجلسِه شيئًا مِن الحديث، ويذكر عنه مَفصولًا عنه ما هو مِن كلامِ بعضِ أهل العلمِ أو غيِرهم، وما هو مِن كلامِ نفسِه» (^١)؛ لكنَّ أصحابَه الحُفَّاظَ المتيقِّظين يُميِّزون بينَها، كما هو شأنُ تلميذِه بسر بن سعيد صاحبِ الحكاية.\n_________\n(^١) «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/١٦٣).","vol":"3","page":1774},{"text":"الفرع الثَّالث\nالتُّصورُ الخاطئُ لكيفيَّةِ الرِّوايةِ\nمَنشأُ الأحكامِ المَغلوطة في هذا البابِ\nيَرجع السَّببُ في مثلِ هذه الأحكامِ المُتعسِّفة في حقِّ رُواةِ الحديث مِن قِبَل بعض النَّاقدين المُعاصرين: إلى عَدمِ تَصوُّرهم لأصولِ الرِّوايةِ على حقيقتِها وكيفيَّتها عند المُحدِّثين؛ فإنَّ النُّقادَ لا يَقبلون الحديثَ ممَّن رواه أيًّا كان لمُجرَّدِ عدالتِه عندهم، بل يَشترطون مع ذلك باقي شروط الحديثِ الصَّحيح، مِن لقاء الرَّاوي لمن رَوى عنه، واعتبارِ الانقطاعِ بينهما ناقضًا مِن نواقضِ صِحَّة الرِّواية، مع ضبطِ الرَّاوي، وتميِيزِه لمِا رَواه عن شيوخِه بعضهِم عن بعضٍ؛ فليس الأمر مُشْرَعًا لكلِّ مَن أراد أن ينَسِبَ حديثًا إلى أحدٍ، فيُصَدَّق في نسبتِه تلك، إلَّا بإعمالِ جميعِ الشُّروطِ الخمسةِ الَّتي أشبعَها المُحدِّثون بحثًا وتقريرًا في مُصنَّفاتِ «علوم الحديث».\nلِتعلمَ مَدى الجهلِ الوَخيمِ الَّذي يَقَع فيه بعض الفُضوليِّين مِن كُتَّاب العصرِ حين يَدَّعون أنَّ الإسرائيليَّات إنَّما اكتسبت صِفةَ النُّبوة عند المُسلمين بمُجرَّد إسنادِها مِن بعض الرُّواة إلى النَّبي ﷺ!\nترى هذا الخبل -مثلًا- في قول (سُليمان حريتاني): «تَسرَّبت إلى الحديثِ بوساطةِ هؤلاء وسِواهم مِن اليهود الَّذين أسلموا طائفةٌ مِن المرويَّاتِ وأقاصيص التَّلمود الإسرائيليَّات، الَّتي ما لبِثت أن أصبحت جزءًا مِن الأخبار الدِّينية","vol":"3","page":1775},{"text":"والتَّاريخية، ولولا أنَّهم أسندوا تلك المَرويَّات إلى النَّبي ﷺ أو إلى أحدٍ من الصَّحابة، لأحُبطت الغايةُ مِن إدخالها، ولم يَقبل بها أحدٌ» (^١).\nفهو يَرى أنَّ إدخالَ تلك الإسرائيليَّات إلى الدِّين تَمَّ لأصحابها بمُجرَّد اختلاقِ إسنادٍ لها! في حين أنَّ ذلك الإسناد الَّذي نَعى عليه هذا الدَّس هو الَّذي ساهَم في افتضاحِ تلك المُحاولاتِ الَّتي يَتَحدَّث عنها، ومَنعِها مِن دخولها حيِّزَ الشَّرعيَّاتِ!\nومثله (أبو القاسم حاج حمَد) يقول في مَعرضِ طعنِه بأحاديث الحدود: «مصدرُ كلِّ هذه الأحاديث يهودٌ أظهروا إسلامهم، ككعبِ الأحبار، ولا علاقة له بالرَّسول ﷺ، إذْ أسلَمَ في زمنِ أبي بكر، وقدم المدينة في زمن عمر، ووَهب بن منبِّه، وغيرهما ..» (^٢).\nفقوله بإمكانِ دَسِّ هؤلاءِ الخِيار من الرُّواة في السُّنةِ، هو نتاج خللٍ في تَصوِّره لطبيعةِ الرِّواية، فإنَّ كعبًا ووَهبًا لم يَلْقَيا النَّبي ﷺ كما يعلمُ هو نفسُه، فهما -إذن- تابعيان، ومعناه أنَّ رِوايتهما المباشرة عن النَّبي ﷺ مِن قَبِيل الحديثِ المُرسِل، والمُرسَل مِن أنواعِ المُنقطِعات!\nومِن الجهل ما قتل!\n_________\n(^١) «توظيف المحرم» لسليمان حريتاني (ص/٨٨).\n(^٢) «إبستمولوجيا المعرفة الكونية» لمحمد أبو القاسم حاج حمد (ص/٩٥).","vol":"3","page":1776},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>المَطلب الثَّاني\nالمَسلك المتنيُّ الَّذي مَشَى عليه الطَّاعنون المُعاصِرون\nفي دعواهم بوجود الإسرائيليَّات في «الصَّحيحين»</span>\nوهو ينقسم إلى مِسلكين، مُضمَّنين في هذين الفرعين.\nالفرع الأوَّل: دعوى (التَّشابه).\nحيث ادَّعى المُتأثِّرون بالنَّهجِ الاستشراقي في نقدِ الأخبارِ، أنَّ كثيرًا مِن الأحاديث الَّتي يُصحِّحها أهل السُّنة، ليست في الحقيقة إلَّا مَرويَّات إسرائيليَّة الأصل، بدلالةِ وجود أصلِها في التَّوراةِ أو الإنجيل، والتَّشابهُ الحاصلُ بين ما وَرَد في الأحاديث، وما جاء في صُحفِ أهلِ الكتابِ، أمارةٌ كافيةٌ عندهم لإسقاطِ النِّسبةِ النَّبويةِ عن تلك الأحاديث، مُستندين إلى حُجَّةِ إخبارِ القرآنِ بتحَريفِ تلك الكُتبِ وإبطالِها، وأنَّ النَّبي ﷺ مُنَزَّه عن قولِ الباطل الَّذي فيها (^١).\nتَرى أمثلةَ الجريِ على هذا المَسلكِ في لائحةِ طويلةٍ سَطَّرها (نيازي عز الدِّين) لعقدِ مُقارناته بين نصوصِ التَّوراة والإنجيل ومتونِ بعضِ أحاديثِ «الصَّحيحين»، ليُبرهن بدلالةِ هذا التَّشابهِ -على التَّسليم بوجودِه (^٢) - أنَّ هذا مِن ذاك!\n_________\n(^١) انظر مثال ذلك في «دين السلطان» لنيازي (ص/٢٣٠)، و«الحديث والقرآن» لابن قرناس (٧٢، ١٣٢).\n(^٢) حيث يذكر أحيانًا نصوصًا من التَّوراة أو الإنجيل لا علاقة لها بمتنِ الحديث المطعون، من ذلك ما ذكره في كتابه «دين السلطان» (ص/٣٥٥) مما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ضرس الكافر وناب الكافر مثل أُحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث»، حيث زعم (نيازي) أنَّه مأخوذ من نصٍّ في الإنجيل جاء فيه كما نقله بتمامه: «ورأيتُ بعد ذلك أربعة ملائكة، واقفين على زوايا الأرض، يحبسون رياح الأرض الأربع، فلا تهبُّ ريح على برٍّ أو بحر أو شجر، ثمَّ رأيت ملاكا آخر قادمًا من الشَّرق يحمل ختم الله الحي ..»!","vol":"3","page":1777},{"text":"حتَّى إذا أعوَزَهم إلصاقُ الحديثِ بمرجعيَّةٍ أقدمَ مِن الإسلامِ، أخذوا يتَكلَّفون مُقاربتَه بأخبارٍ مِلِيَّةٍ أخرى، يَدَّعونَ أنَّه منسوجٌ على مِنوالها، بل اتَّسعَت تشبيهاتهم لتشملَ الأديانَ الأخرى والمذاهبَ الفلسفيَّة القديمة (^١)، كالثَّقافة الغَنوصيَّة والهُرمسيَّة!\nثمَّ تمادَى بهم الخيالُ المُنفلت عن أزِمَّة البراهين المنطقيَّةِ، حتَّى أرجعوا كثيرًا مِن الأحاديثِ النَّبوية إلى الثَّقافةِ الشَّعبيَّةَ السَّائدةِ عند العربِ قبلَ الإسلامِ وصدرَه.\nكلُّ هذا ليعلِنوا اكتشافَ اختراقٍ مَهولٍ في المنظومةِ الحديثيَّةِ، قد فاتَ حُرَّاسَ الشَّريعةِ مِن المحدِّثين أنفسهِم، إذْ «لم يكونوا واعين كلَّ الوَعيِ بأنَّ ما دَوَّنوه إنَّما هو تمثُّلٌ مُعيَّن للسُّنة، وليس السُّنة ذاتها! وهو تمثُّل فيه مِن التَّأثُّر بالثَّقافة المحيطةِ، وكَيَّفَته المُخيِّلةُ الاجتماعيَّة، وذاكرةُ الرُّواةِ طيلةَ عقودٍ عديدةٍ مِن الزَّمن» (^٢).\nومِمَّا يُمثِّل به المُعترضون على أحاديثِ «الصَّحيحين» مِن هذا المسلكِ:\nما أخرجه الشَّيخان مِن حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «خَلَق الله آدمَ على صورتِه ..» (^٣).\n_________\n(^١) مثال ذلك: ما نقله بسام الجمل مستشهدًا به في كتابه «أسباب النزول» (ص/٣٩١) عن محمد عجينة، في أنَّ الأحاديث المذكورة في الملائكة «تتَّصل برافدين كبيرين، هما الرافد السَّامي المشترك: وإليه يعود معظم التراث العربي قبل الإسلام، والرافد الآري: أي الهندي والفارسي».\n(^٢) «لبِنات» لعبد المجيد الشرفي (ص/١٥٣ - ١٥٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (ك: الاستئذان، باب: بدء السلام، برقم: ٥٨٧٣)، ومسلم (ك: الجنة وصفة نعيمها، باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، برقم: ٢٨٤١).","vol":"3","page":1778},{"text":"فقد طَعَن في الحديثِ عددٌ مِن المعاصرين، منهم (نيازي عز الدِّين) بتُهمةِ «أنَّ أبا هريرة إنَّما أخَذَه عن اليهودِ بواسطةِ كعبِ الأحبار أو غيره، بدليلِ أنَّه مأخوذٌ من التَّوراة، لأنَّ مَضمون هذا الحديث إنَّما هو عينُ الفقرة السَّابعة والعشرين مِن الإصحاح الأوَّل مِن إصحاحاتِ التَّكوينِ مِن كتابِ اليهود -العهدِ القديم- ..» (^١).\nوكذا حديث أبي هريرة مرفوعًا: «اختتنَ إبراهيم وهو ابن ثمانينِ سنةٍ بالقَدوم» (^٢).\nفقد رَدَّ (نيازي) هذا الخبر لمُجرَّدِ وجودِ مثلِه في التَّوراة، فقال: «إذا بحثنا في كتابِ الله الَّذي هو القرآن، فلن نجد ما يدعمُ ويشهدُ لحديثِ أبي هريرة، ولكنَّنا إذا بحثنا في كتابِ التَّوراة المحرَّفة، سنجدُ ما يلي: (وكانَ إبراهيم في التِّاسعة والتِّسعين مِن عمرِه عندما خُتِن في لحمِ غُرلته» (^٣).\nورَدمُ هذا المَسلكِ في تُهمةِ أحاديث «الصَّحيحين» بالإسرائيليَّة، بأن يُقال:\nإنَّ التَّماثلَ لا يَقتضي التَّناقل! بمعنى: أنَّ الخبرَ إذا ثَبَت في نصٍّ شرعيٍّ، وكان في أخبارِ أهل الكتابِ ما يُماثله، فلا يدلُّ هذا على نقلِه مِن عندِهم، لمُجرَّد أنَّهم أسبقُ في الزَّمن.\nوبيان ذلك: أنَّ المُتقرَّر عندنا شرعًا وعقلًا، أنَّ التَّشابهَ بين الإسلام وبعضِ الأديانِ الكِتابيَّة الأخرى غيرُ مَدفوعٍ، ليس هو أمرًا بحاجةٍ إلى إعادةِ اكتشافٍ، ومثلُ هذا لم يكُن غائبًا قطُّ عن علماءِ المسلمين، فضلًا عن أن يكون «كشفًا صاعِقًا لا يَقِلُّ أهميَّةً عن اكتشافات دارْوِين أو كوبِرنيكوس» كما يُعبِّر عنه (أركون)! (^٤)\n_________\n(^١) «دين السلطان» (ص/٣٥٢)، وانظر مثله في «الحديث والقرآن» لابن قرناس (ص/١٦٥)، و«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» لإسماعيل الكردي (ص/١٨٢)، و«أضواء على الصحيحين» لصادق النجمي (ص/١٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في (ك: أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، رقم: ٣٣٥٦)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﵇، رقم: ٢٣٧٠).\n(^٣) «دين السلطان» (ص/٧١٤ - ٧١٥).\n(^٤) «القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني» لمحمد أركون (ص/٩٥).","vol":"3","page":1779},{"text":"فإنَّ النُّبوات ذاتُ رسالةٍ واحدةٍ، وأصحابُها كلُّهم مُبلِّغون عن الله تعالى، فإن لوحِظ شيءٌ مِن التَّشابه بين نصوصِ الأنبياء، فما هو إلَّا تأكيدٌ لوحدةِ مصدرِهم في التَّلقي، وعلى التَّصديقِ الَّذي جاء به النَّبي ﷺ للرِّسالاتِ قبله، فلا غرابةَ -إذن- أن يكون في حديثِه لأمتِّه ما يُحدِّث بمعناه أهلُ الكتاب ممَّا تَلقَّوه عن أنبيائِهم.\nيقول ابن تيميَّة: «شهادةُ أهلِ الكتابِ المُوافقةُ لمِا في القرآن أو السُّنة مَقبولةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، ونظائر ذلك في القرآن» (^١).\nفما نَراه مِن مُسارعة مَن قَلَّ فهمُهم إلى تعليلِ جملةٍ مِن أحاديث «الصَّحيحين»، بدعوى التَّشابه بينها وبين نصوصِ أهل الكتاب، هو في حقيقتِه سَوْءة في منهجِ النَّقد، وخَلَل مَعيب في استنتاج الأحكامِ مِن المُقارنات.\nوالحقُّ أنَّه لا يَتِمُّ لهم استدلالٌ على بطلانِ الحديث بدعوى إسرائيليَّتِه، إلَّا بإثباتِ أحَدِ مُقدِّمتين:\nالمُقدِّمة الأولى: أنَّ مجرَّد التَّشابه بين تلك النُّصوص، هو دليل في نفسِه على أنَّ المُتأخِّر منها آخذٌ مِن المُتقدِّم!\nوهذه الدَّلالة عندنا مَعاشِرَ المُسلمين باطلةٌ -اللَّهم إلَّا عند المُستشرقين، لأنَّهم لا يؤمنون بأنَّ رسالةَ نبيِّنا ﷺ وَحيٌ مِن السَّماء- وذلك لوَحدةِ المصدرِ في الكلِّ -كما أشرنا إليه قريبًا- وإلَّا للزِمَ المُعترِضين طَردُ هذا الحكمِ على آياتِ القرآنِ! فإنَّ فيها -بإقرار الجميع- ما يُشبه التَّوراة والإنجيل في بعضِ التَّشريعاتِ والأخلاقِ والقَصَص.\nوهكذا الحديث النَّبوي هو مِن باب القرآن في موضوعِ التَّشابه، فإذا لم يأخذوا مِن تشابه القرآن مع ما في كُتبِ أهل الكتاب دليلًا على أنَّ النَّبي ﷺ اقتبَسَه منها، فينبغي أن يكون حديثُه كذلك.\n_________\n(^١) «جامع المسائل» لابن تيمية (٣/ ٣٤٦).","vol":"3","page":1780},{"text":"ولا خلاصَ مِن هذا الطَّردِ الواجبِ إلَّا بمعاملةِ الكلِّ مُعاملةً واحدةً، ومِن هذا الباب الواحدِ، فإنَّه بإمكانِ المُستشرقين القائلين به إلزامُ مَن لم يَقُل به! فاتِّهامُ بعض الكُتَّابِ المعاصرين «للرُّواةِ بأخذِ الحديثِ مِن كُتبِ أهل الكتاب، ونسبته زورًا إلى النَّبي ﷺ، ليس بأولى مِن اتِّهام النَّبي ﷺ نفسِه بأخذِه مِن كُتب أهلِ الكتاب، ونسبتِه إلى الله»! (^١)\nالمُقدِّمة الثَّانية: أن يَزْعُموا أنَّ كلَّ ما جاء في التَّوراةِ والإنجيل الَّتي بين أيدينا مُحرَّف باطلٌ، فيُحكَم للحديثِ المُشابِه لمِا فيهما بالبُطلان تَبَعًا.\nوهذا أيضًا باطلٌ؛ فإنَّ المُقرَّر المعلومَ بداهةً مِن شريعتنا أنَّ تلك الكُتب فيها حقٌّ وباطلٌ، وأنَّ التَّحريفِ لم يَطَل كلَّ مَوضعٍ فيهما، بل يصيرُ الميزان الحقُّ في معرفةِ ذلك، هو القرآن والسُّنة مِن حيث المُوافقة والمُخالفة، لا العكس.\nيقول ابن تيميَّة: «.. ثمَّ مِن هؤلاء مَن زَعَم أنَّ كثيرًا ممَّا في التَّوراة أو الإنجيل باطلٌ ليس مِن كلام الله، ومنهم مَن قال: بل ذلك قليلٌ، وقيل: لم يُحرِّف أحدٌ شيئًا مِن حروفِ الكُتب، وإنمَّا حرَّفوا معانيها بالتَّأويل، وهذان القولان قال كُلًّا منهما كثيرٌ مِن المُسلمين.\nوالصَّحيح القول الثَّالث، وهو أنَّ في الأرضِ نُسخًا صحيحةً، وبقيت إلى عهد النَّبي ﷺ، ونُسخًا كثيرةً مُحرَّفةً، ومَن قال: إنَّه لم يُحرَّف شيءٌ مِن النُّسخ، فقد قال ما لا يُمكنه نَفيُه، ومَن قال: جميعُ النُّسخِ بعد النَّبي ﷺ حُرِّفت، فقد قال ما يعلم أنَّه خطأ، والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله في التَّوراة والإنجيل، ويخبر أنَّ فيهما حكمَه، وليس في القرآن خبرٌ أنَّهم غيَّروا جميعَ النُّسَخ» (^٢).\nالفرع الثَّاني: التَّحسُّس مِن كلِّ حديث موضوعُه مُتعلِّق ببني إسرائيل.\nمتى ما رأى بعضُ الكُتَّابِ المُعاصرين حديثًا موضوعُه بني إسرائيل رَموَه بأنَّه مِن اختلاقِ أهل الكتاب! و(أبو ريَّة) مُكثرٌ مِن سُلوكِ هذه الطَّريقة؛ فقد ادَّعي\n_________\n(^١) «تقويم النقد الموجه لصحيح البخاري» لـ د. عادل المطرفي، بحث مقدم لـ (مؤتمر أعلام الإسلام - البخاري نموذجا، ص/٣٠٢ - ٣٠٣).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٠٤).","vol":"3","page":1781},{"text":"-مثلًا- في جملةِ الأحاديثِ الَّتي فيها فضلٌ لموسى ﵇ أنَّها مِن صُنعِ اليهود انتصارًا لنَبيِّهم! بل يتأوَّلُ بعضَ ذلك على أنَّه مُتضمِّن لمنقصةٍ خفيَّةٍ لنبيِّنا ﷺ.\nفمثال انتهاجِه لهذا المسلكِ في نقدِ أحاديث «الصَّحيحين»:\nما تراه في ردِّه لحديثِ الإسراء في قصَّةِ فرضِ الصَّلاة، والحوارِ الَّذي جَرى بشأنِها بين نبيِّنا ﷺ وموسى ﵇ (^١)، حيث قال: «.. لم يستطع أحدٌ مِن الرُّسل جميعًا غير موسى أن يفقه استحالةَ أدائِها على البَشرِ! فهو وحدَه الَّذي فطِن لذلك، وحمَل محمَّدًا ﷺ على أن يراجع ربَّه .. وكأنَّ محمَّدًا الَّذي اصطفاه للرِّسالة العامَّة إلى النَّاس كافَّة -والله أعلم حيث يجعل رسالته- لا يعلمُ إنْ كان مَن أُرسل إليهم يستطيعون احتمال هذه العبادة حتَّى بصَّرَه موسى! وهكذا ترى الإسرائيليَّات تنفُذ إلى دينِنا، وتَسري في مُعتقداتنا، فتعمل عمَلَها، ولا تجدُ أحدًا -إلَاّ قليلًا- يُزيِّفها أو يَردُّها» (^٢).\nومثلُه قال حُسين غلامي: «أخبارُ اليهود والإسرائيليَّات الَّتي تَغَلغلت في أخبار المُحدِّثين، خاصَّة في «صحيح البخاري» .. حيث يَتجلَّى التَّفكير اليهوديُّ في تفضيل موسى ﷺ على نبيِّنا محمَّد ﷺ، ونقل حكايات لا تليق بمَقامِ الأنبياء والرُّسل» (^٣).\nونقض هذا المَسلكِ المَتنيِّ في التَّعليل، في أن نعلمَ أوَّلًا:\nأنَّ الرَّمي بالقولِ على عواهِنه ظنًّا مِن غير حُجَّة، هو شيمة الباحثِ المُتحيِّز إلى ما يهواه مِن نتائج، قبل أن ينظر في صِحَّة المقدِّمات ابتداء.\nإنَّ ذكرَ موسى ﵇ أو غيره مِن أنبياء بني إسرائيل في حديثٍ ما لا يقتضي أن يكون مِن الإسرائيليَّات أصالةً، فللنَّبي ﷺ أن يحكي لأصحابِه شيئًا -ممَّا أطلَعه الله عليه- مِن قَصصِهم وما جَرى لهم مع أعدائِهم للاعتبارِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (ك: المناقب، باب: المعراج، برقم: ٣٨٨٧)، ومسلم (ك: الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات، برقم: ١٦٢).\n(^٢) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٣٥) بتصرف يسير.\n(^٣) «البخاري وصحيحه» (ص/١٠ - ١١).","vol":"3","page":1782},{"text":"ثمَّ يُقال: «لو أنَّ حديثَ الإسراء والمعراج هذا، كان مَرويًّا عن كعبِ الأحبار أو غيرِه مِن علماء بني إسرائيل، لجازَ في العقلِ أن يكون ذكر موسى ﵇ مِن دَسِّهم، أمَا والحديثُ مَرويٌّ عن بضعٍ وعشرين صَحابيًّا، ليس فيهم ولا فيمن أخَذَ عنهم أحدٌ مِن مُسلِمةِ أهل الكتابِ: فقد أصبحَ الاحتمالُ بعيدًا كلَّ البُعدِ! إن لم يكُن غير ممكنٍ في منطقِ البحث الصَّحيح!» (^١).\nومِن فروعِ الاعتبارِ بهذا المسلكِ المَتنيِّ الواهِي عند المُعاصرين:\nالنَّظرُ في أحاديثِ الحدودِ والزَّواجر، فإن استثقَلَت بعض النُّفوس المستغربة ما فيه مِن عقوبةٍ، أو رأت فيه شدَّةً، أرجَعَتْهُ إلى شريعةِ التَّوراة، والفرضُ عندها أنَّ النَّبي ﷺ جاء بما يَنسَخُ الشَّرائع السَّابقة ويُهيمن عليها، وعليه ألحَقَت هذه الأحاديث بالإسرائيليَّات.\nترى مثال هذا الخطلِ في التَّفكير في ما قاله (أبو القاسم حاج حمد) في مَعرض ذكرِه لبعضِ الحدودِ المنَصوص عليها في الأحاديثِ، كحدِّ الحرابة، ورجمِ الزَّاني:\n«هذه الأحكام كلُّها ليست مِن شِرعة التَّخفيفِ والرَّحمة الَّتي هي مِن علاماتِ النَّبي الأميِّ بمُوجب سورة الأعراف .. فمَن أرادَ إثباتَ أنَّه طبَّقها عبرَ أحاديث منحولةٍ، فالقصدُ تكذيبُ علاماتِ النَّبي الأميِّ، ومصدرُ كلِّ هذه الأحاديث يهودٌ أظهروا إسلامهم، ككعب الأحبار .. فالدَسُّ هنا منهجٌ خَطِر، وليس اعتباطًا أو مجرَّد انتحالٍ، الدَّسُّ هنا خُطَّة متكاملة لنسفِ خصائصِ الدِّين الإِسلاميِّ كلِّه، ومُماثلتِه بالدِّين اليهوديِّ، بما ينتهي لتكذيبِ نُبوَّة محمَّد ﷺ» (^٢).\nوهذا قولٌ تُغنِي حِكايتُه عن إبطالِه!\nإنَّ شريعةً إسلاميَّةً مُتواترةً -مثل شريعةِ الحدود- لا يُمكن الدَّس فيها بحالٍ، لاشتهارِها وشيوعِ العملِ بها في الأمَّة، منذ عهد النُّبوة جيلًا بعد جيل، بما يُغني عن تَطلُّب إسنادٍ لها مِن الأساس.\n_________\n(^١) «دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين» لمحمد أبو شهبة (ص/٨٩).\n(^٢) «إبستمولوجيا المعرفة الكونية» لمحمد أبو القاسم حاج حمد (ص/٩٤ - ٩٥).","vol":"3","page":1783},{"text":"وما ذكره مِن كونِ أحاديث الحدودِ جاءت مِن طريقِ مُسلِمة أهلِ الكتاب، ككعبٍ الأحبار، دون كبارِ الصَّحابة: هو مَحضُ كذبٍ، يُنبِيكَ عنه إطلالةٌ سريعةٌ على «الصَّحيحين»، وكُتبِ الأحكامِ، تجِدُها تخلو رِواياتُها في هذا البابِ مِمَّن ذَكَرَهم هو مِن مُسلمة أهلِ الكتاب.\nفهذه الأغاليط لا تخلو أن تكون مِن قائِلها جهلًا مُركَّبًا بمُصنَّفات الحديث وما فيها، أو تَعمُّدًا للكذب تدليسًا على القُرَّاء، لا يُبقي لصاحبِه ماءَ وجهٍ للأسفِ.","vol":"3","page":1784},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>الخاتمة</span>\nوبعد ..\nفإنَّي أحمد ربِّي على جميلِ عَونِه، وتيسيرِه إتمامَ مَفاصِل هذه الرِّسالة، فله الحمد في الأولى والآخرة.\nوقبل استِتْمامِ القولِ فيها، فإنَّه يحسُن لفتُ النَّظر إلى جملةٍ من النَّتائج الكُليَّة، ونُبذٍ من التَّوصيات العلميَّة.\nفأمَّا النَّتائج، فيُبَرَم القولُ فيها في القضايا التَّالية:\nالقضيَّة الأولى: أنَّ دَعوى مُناقضة الأخبارِ النَّبويَّةِ في الصَّحيحينِ للضَّرورةِ العقليَّة أو الحِسيَّة أو العِلميَّة ونحوِها مفهومٌ لا يَصدُق، ومَنشأ هذه الدَّعوى النَّكِدة هو اختراعُ الخصومةِ بين بُرهان النَّقلِ، وبُرهان العقلِ، والبَراهين لا تَتناقض.\nفكان أعظمَ ما امتازَ به أهل السُّنة على غيرهم من الطَّوائف: إصابةُ النَّظرةِ الشُّموليَّة لهذه الدَّلائل الشَّرعيَّة؛ هذه النَّظرة مُبتناةٌ على يقينهم القاضي بامتناعِ مُناكدةِ صحيح المَنقولِ لصريح المَعقول، والانحطاطُ عن رُتبة هذه النَّظرة عند كلِّ مُخالفٍ لهم إنَّما يتأتَّى من التَّقصير في فقه العلاقةِ بين هذين الدَّليلين.\nالقضيَّة الثَّانية: أنَّ القاسمَ المُشترَك بين الطَّوائف المُعاصِرة المُجافِية لأخبار الصَّحيحين هو الانحرافُ عن فهمِ وظيفةِ العقل، والجناية على الدَّلائل النَّقليَّة تَبَعًا لذلك؛ وحقيقة الفارق بين مواقِفها مِن آحادِ السُّنة: أنَّ مَن كان منهم إسلاميًّا سُنيًّا في الجملة، فإرادةُ تنزيهِ الشَّريعةِ عن مُناقضةِ الضَّرورةِ العقليَّة واقعٌ له بالقصدِ","vol":"3","page":1785},{"text":"الأوَّل، والإلحادُ في النُّصوصِ والجِنايةُ عليها ليس مُرادًا له، بل وَقَع له نتيجةً لانحرافِه في التَّنظير؛ وأمَّا مَن كان عَلمانيًّا أو رافضيًّا أو منكرًا لحجيَّتها: فإنَّ الإلحادَ في النُّصوص، والجنايةَ عليها، والكُفرَ بمَصدرها، واقعٌ لهم بالقصدِ الأوَّل.\nالقضية الثَّالثة: أنَّ قَبول ما دَلَّت عليه ظواهرُ الصِّحاحِ مِن أخبارِ الصَّحيحين يُعدُّ فحولةً فكريَّةً، وعِصمةً شرعيَّةً، وسابِلةً لا ينتهجها إلَّا الرَّاسخون في العلم، الَّذين انعقدت قلوبهم على يقينٍ بصدقِ ما دَلَّت عليه سُنَن نَبيِّهم؛ وأمَّا التَّمحُّل في رَدِّ ظواهِرِها، أو التَّعسُّف في إنكارِها: فمَهيَعُ العَجَزة، مِمَّن كَلَّت أفهامُهم، وعَشِيَت أبصارُهم عن دَرْكِ المَقاصدِ النَّبويَّة.\nالقضيَّة الرَّابعة: أنَّ أهل السُّنة لا ينفون وقوعَ المَحارةِ في الأفهام، والاستشكالِ لبعضِ ما دلَّت عليه أحاديث الصَّحيحين، وإنَّما الَّذي يَأْبَوْنه: ترتيب التَّسارع في الإبطالِ لتلك الدَّلائل النَّقليَّة على انقداحِ الاستشكال، والبَوْنُ بين النَّهجَينِ فسيحٌ بيِّنٌ.\nالقضيَّة الخامسة: أنَّ المُتأمِّل في جملةِ المسائل الَّتي قرَّرتها أحاديث «الصَّحيحين»، والَّتي خاض المُخالفون لأهل السُّنة فيها بغير مُستندٍ شرعيٍّ، يجِدُ كثيرًا من هذه السُّنَن لم تنفرد تلك الصِّحاح بالدَّلالة عليها، بل اشتركت الدَّلائل القرآنيَّة والإجماع القطعيُّ في تثبيتها، وكذا مُكتشَفات العلوم الحديثةِ؛ فيتحصَّل عندئذٍ بُطلان دعوى المُخالفين المُبطلين لتلك الأحاديث بحُجَّة أنَّها أخبار آحاد.\nالقضيَّة السَّادسة: أنَّ أخبارَ الآحادِ حُجَّةٌ شرعيَّة مُفيدةٌ للعلم إذا احتَّفَت بها القرائن؛ وما كان منها في «الصَّحيحين» مُفيدٌ للعلمِ ما لم يَقَع فيها خلافٌ بين أهل العلم المُعتَبرين؛ وهذا الخلاف لم يَقَع إلَّا في النَّزرِ اليسيرِ مِن أحاديثِهما، وبذلك تندَرج أحاديثُ الكِتابين فيما تُلقِيَّ بالقَبول في الجملةِ.\nفكان على ذلك خطأً بيِّنًا عَمْدُ بعضِ المُعاصرين -ولو كان مُؤهَّلًا للنَّقدِ الإسناديِّ، فضلًا عمَّن دونه- إلى رَدِّ أصلِ حديثٍ في «الصَّحيحين» قد استقَرَّ رأيُ الأمَّة على قَبولِه، وانتفَى له سَلَفٌ في تعليلِه؛ يؤكِّد هذا:","vol":"3","page":1786},{"text":"القضية السَّابعة: أنَّ كلَّ أحاديث «الصَّحيحين» الَّتي راجَ طَعْنُ المُعاصرين فيها -بشَتَّى أطيافِهم- مِن جَهة المتن، قد تَبيَّن مِن خلالِ دراستنا لها أنَّهم غالِطون في توهينهم لها، وأنَّها -بحمد الله- سالِمةٌ مِن كلِّ غوائلِ الإنكارِ، بَريئةٌ مِن دَعاوي معُارضتِها للعقلِ أو العلمِ أو الحسِّ؛ ما خَلا حديثَيْن فقط في «صحيح مسلمٍ»: حديث عَرض أبي سفيان لابنتِه زينب على النَّبي ﷺ، وحديث خلق التُّربة يوم السَّبت؛ على ما سَلَف من خلافٍ فيهما قديم، بين مُثبتٍ لهما من أهل الحديث ومُنكرٍ، فيَخرُجان بذا مِن حَيزِّ التَّلقي بالقَبول سَلفًا، وينتفي الحَرج على مَن وافق أحدَ الفريقين بدليلِه\nوما أنتجته هذه القضيَّة السَّابعة يؤكِّد لنا ما قَرَّره جمهور أهل العلمِ مِن تَفَوُّق «صحيح البخاريِّ» على «صحيح مسلمٍ» مِن حيث الأصحيَّة، والصَّنعة الحديثيَّة، وشُفوف نَظَرِ البخاريِّ في المتونِ بما لا يَبلُغه فيه مسلم.\nالقضيَّة الثامنة: اهتمام الشَّيخينِ بالنَّظر إلى تفحُّصِ المتونِ والتَّأكُّدِ مِن استقامتِها أثناءَ العمليَّة النَّقديَّة للأحاديث، والبخاريُّ أوفقَ في ذلك مِن مسلمٍ، فهو أستاذه في عِلَل الحديث باعترافِه.\nعلى أنَّا ما وَافقنا فيه مَن أعَلَّ الحديثين المُشار إليهما في «صحيح مسلمٍ»، قد رَجَّحْنا قولَنا ذاك فيهما بشِقِّ الأنفُس! ومَكَث بنا النَّظَرُ الدَّقيقُ في مَتْنَيْهما الوقتَ الطَّويل؛ لتعلمَ أنَّ مُسلمًا وإن أدرجَ هذين الخبرين في «صحيحِه»، فليس معنى ذلك عدم مبالاتِه باستقامةِ المتون كما يَدَّعيه المُخالفون! فإنَّه لم يُخالف بهما بَدائهَ العُقول، ولا أثبتَ ما لا مجالَ فيه للأخذِ والرَّدِ، بل تصحيحُه لمتنيْهما له حَظٌّ مِن النَّظر، وإن كنَّا نراه -تَبعًا لكثيرٍ مِن العُلماء- نظرًا مَرجوحًا.\nالقضية التَّاسعة: أنَّ ما يقع من بعض أهل العلم المُنتسبين للسُّنة من ردٍّ لبعضِ أحاديث «الصَّحيحين» ليس منهجًا مُطَّردًا، وليس مَبنيًّا على إحالةٍ عقليَّةٍ، وإنَّما كان يعتقد النَّاظر منهم في الحديثِ المُعيَّن مُخالفتَه لِما هو أقوى منه من الدَّلائل النَّقليَّة الأخرى، أو الكُليَّات الشَّرعية القطعيَّة، فيأخُذ بالأقوى من الدَّلائل","vol":"3","page":1787},{"text":"بحسب ما استبان له؛ أو يكون مَردُّ الخطأ عنده نابعًا من تقصيرٍ في تحقيقِ مَناط الحديث.\nنعم؛ قد يَقع التَّصريح من بعض العلماءِ بأنَّ مَأخذ الرَّد مخالفةُ الحديث في «الصَّحيحين» لدلالةٍ عقليَّةٍ أو حِسيَّةٍ، لكن ردُّ الأحاديث بهذا المَأخذ -لندورِ وقوعِه جدًّا من علماء السُّنة- لا يُمكن أن يُعدَّ قانونًا مَنظومًا من كليَّاتِ منهج أهل السُّنة، ولا يُعرف الرَّد بهذا المَسلك عن أئمَّتهم، وإنَّما وقع من بعض المُتأخِّرين من أهل العلم، والتزامُ هذا المسلكِ في الردِّ أصالةً لا يكون إلَّا غَلطًا محضًا، وعُدولًا عن السَّنَنِ الأبْيَنِ الَّذي سارَ عليه أهل السُّنة والجماعة.\nالقضية العاشرة: أهميَّة توظيف الحقائق العلميَّة المُتعلِّقةِ بالكونِ في نُصرةِ صِحاحِ السُّنَة، لا على وجه الإبانةِ عن معانٍ تُخالف ما جرت عليه أفهام السَّلف، أو قصد تحديدِ كيفيَّات ما غُيِّب عنَّا؛ وإنَّما على وجه الإبانةِ عن لطائف معاني مُستبطنةٍ تزيدنا يقينًا في النَّص نفسِه، وعلى سبيلِ الكشفِ عن صدقِ ما دلَّت عليه فيما يتعلَّق بالعلومِ الطَّبيعيَّة؛ هذا مِن جِهة.\nومِن جِهةٍ أخرى: بيانُ مَدى قصورِ علومِ البَشر، وأنَّها مهما بلغت في الاتِّساع تظلُّ رهينةَ الاستدراكِ والتَّمحيص.\nوأمَّا التَّوصيات، فتَتَجَلَّى في الآتي:\nأوَّلًا: مع تحريرِ أئمَّة الحديثِ وضبطِهم لقواعد الحديثِ روايةً ودرايةً، ومُحالفةِ التَّوفيق لهم في ابْتِنائها على أصولٍ عقليَّةٍ مُتَّسقةٍ مع مُقتضى الفِطرة، نلحظُ كثيرًا مِن طَلَبة العلم -مِمَّن ينتسبُ إلى أهل السُّنة والحديث- غُفْلًا عن معرفةِ هذا البناء العَقليِّ المُحكَم الَّذي شادَه أسلافُهم لعلوم الحديثِ، وعن استلهامِ مناهجِهم في النَّظر الدَّقيق إلى النُّقولات.\nفالغفلةُ عن ذلك ساقَت إلى تزعزُعِ بعض هؤلاء أمام سَيْل الشُّبهاتِ الَّتي جَهِد أصحابُها على صَبْغِها بالصِّبغة العصريَّة العقليَّة، ثمَّ تسليطِها على هذا الفنِّ، فادَّعوا أنَّه مجرَّد عِلمٍ ساذجٍ مُتصَلِّب، مُفتَقدٍ للعقلنةِ في تأصيلاتِه وتطبيقاتِه.","vol":"3","page":1788},{"text":"فكان حَريًّا بكلِّ مَن آنس مِن نفسِه بصَرًا وفقهًا مُفصَّلًا بأصول أهل السُّنة في نقدِ الأخبار، أن يواكب في هذا ميزات أهل عصره، فيسعى جاهدًا في استنباطِ الدَّلائل العقليَّة الَّتي أسَّس عليها المُحدِّثون كلَّ بابٍ من أبوابِ علم الحديث، للكشفِ عن عبقريَّة أسلافِنا في خدمة دينِهم، وسُنَّة نَبيِّهم، وردِّ كيدِ المُستخفِّين بهم في نُحورِهم، وليُعلَم به سَلامةُ ما أصَلَّه أئمَّةُ الحديث وصَيارِفَتُه.\nثانيًا: مع قلَّةِ النُّباحِ على قافلةِ «الصَّحيحين» في بعض البلدان -كبلدي المغرب- مقارنةً بحالِ كثيرٍ من بلدان المَشرق، فإنَّ ما نشهده مُؤخَّرًا مِن تزايُد الهجوم عندنا على البخاريِّ بخاصَّة -وإن كان بشكلٍ مُتقَطِّعٍ- نذيرُ شؤمٍ! فإنَّ بعض الشَّر يبدأ به المُفسدون صغيرًا، جسًّا لنبضِ المُصلحين، وتمهيدًا لِما بعده! ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].\nفلذا أهيبُ بمَن يحملون في قلوبِهم هَمَّ هذا الدِّين وحُبَّ وَطَنِهم، وقَلَقًا على المُستقبل الفِكريِّ للأجيالِ القادمة، أن يُسارعوا إلى الوقاية من هذه الأمراض المُعدية قبل العلاج، فـ:\nيُبادروا إلى إقامة المَشاريع الفكريَّة التَّحصينيَّة، بدَلَ الاكتفاء بردود الأفعال تُجاه ما نراه بين الفينة بعد الأخرى من الاعتداءِ على السُّنة؛ وذلك بإقامة مَحافل ومراكز عِلميَّة (جادَّة!) تَسهرُ على رصدِ الغارةِ المُعاصرة على أصول التَّشريع، وإصدارِ الدِّراسات المُحقَّقة الَّتي تعرضُ علومَ السُّنة بخطابٍ بُرهانيٍّ مُقنِعٍ فكرًا وصورةً، عبر استغلالِ التَّقنيات الحديثة في الإعلام.\nومِن هنا؛ أدعو وزارةَ الأوقافِ والشُّؤونِ الإسلاميَّةِ بمَمْلَكَتِنا الشَّريفة، إلى إحياءِ سُنَّةٍ للمغاربةِ تَعاقبوا عليها قرونًا مِن الزَّمن إلى عهدِ الاحتلالِ الفَرنسيِّ! يَتَقدَّمُهم سَلاطينِهم النُّبَلاء، إلى إحياء كَراسٍ لصحيح البخاريِّ في كُبرياتِ المَساجد في كلِّ ناحيةٍ مِن هذا البلد الكريم، لتُضيء الأنوارُ النَّبويَّة من هذا السِّفْرِ النَّفيسِ قلوبَ المُسلمين في بيوتِ الله كما كانت، ولتزيد الرَّابطة الرُّوحيَّة بينهم وبين نَفَحاتِه السَّنيَّةِ على مَدارِ السَّنة، قراءةً مُرصَّعةً في جَبين الزَّمن لبديعِ ألفاظِه،","vol":"3","page":1789},{"text":"وتَفهُّمًا لجليلِ مَعانيه، واستخراجًا لثمين كُنوزِه، ليُغبَطوا بخَتْمِه كلَّ عامٍ في شهر رمضان المُبارك، فلَنِعْمَ البِدعةُ هذه!\nثالثًا: بَدا للباحثِ أنَّ هناك مسائل ما زالت تفتقرُ إلى إغناءٍ وتحريرٍ، منها:\n١ - دراسة العيوب المَنهجيَّة الَّتي يقع فيها المُخالفون لنهجِ أهل السُّنة في نقدِهم للسُّنة، والَّتي يشترك في أكثرِها هؤلاء المُعاصرون الَّذين فوَّقوا سِهام طعونِهم إلى «الصَّحيحين»، كـ: التَّحيُّز في انتزاع النَّتائج من المسلَّمات الأوليَّة، والتَّعميم الفاسد، والانتقائيَّة في اختيار المصادر، وإهمال الأدلَّة المعارضة، .. إلخ؛ فإنَّ بيان الخلل في أصل منهجِهم في استقاء المَعلومات وتراتُبيِّة المُقدِّمات ثمَّ استصدار الأحكامِ، كفيلٌ بإبطالِ مُخرجاتِه، وإظهارِهم على حقيقتِهم بأنَّهم من أبعدِ النَّاس عن المنهجيَّة المنطقيَّة والمَوضوعيَّة في النَّقد.\n٢ - تجرُّؤ التيَّارات المنحرفة المُعاصرة على إنكارِ الأخبار النَّبويَّة المُتلقَّاة بالقَبول، أو تحريفهم لدلالاتِ النُّصوص الشَّرعيَّة عمومًا، مَنشأه عدم اعتدادِهم بعصمةِ الإجماع، ونفيُهم لما يدلُّ عليه من النُّصوص، أو إنكارهم لوجوده رأسًا، وتفانيهم في الإيمان بنسبيَّة الحقيقة، وكثيرًا ما يَصمون المُعتصمين بهذه العُروة الوُثقى بأنَّهم عُبَّادٌ للسَّلَف! وغرضهم كسرُ هذا المِعيارِ الَّذي به تُضبَط العمليَّة النَّقديَّة أو الاستدلاليَّة في الأمَّة.\nفأوْلى بهذا المَوضوع أن يُستقصى مِن كُتب هؤلاء المُخالِفين المُعاصِرين، وتُستقرَأ شُبهاتهم فيه وأغراضُهم مِن إثارته، فهو مُرتَكزٌ منهجيٌّ أصيل يستبيحون به حِمى النُّصوص.\n٣ - الاجتهاد في تبيان مَدى العُلقة التَّاريخيَّة الوثيقةِ بين «الصَّحيحين» وأهل بلدٍ إسلاميٍّ ما، واحتفاء علماءه والعامَّة بهما عبر الأعصُر إلى اليوم، فيأخذُ أحد الباحثين بسردِ التَّاريخ التَّفصيليِّ لقصَّة البخاريِّ مع المغاربةِ -مثلًا- منذ دخولِه الأوَّل، إلى احتفاء السَّلاطين والعلماء به، وتَبرُّك العامَّة به إلى وقتٍ قريبٍ جدًّا، لبيان الوَشيجة التَّاريخيَّة الوطيدة بين هذا الشَّعب وبين تُراثِه السُّنيِّ، ثمَّ دراسة أسباب ضعفِ هذه العلاقةِ في هذه العقودِ الأخيرة، وما الغاية منها.","vol":"3","page":1790},{"text":"٤ - عبر رحلتي الجميلة في دراسة الصَّحيحين مُدَّة بحثي هذا، وجدتُ بأنَّ علماءَ المغرب مِن أحرصِ النَّاس على عرضِ الشُّبهات المنفوقةِ على السُّنة وأحاديثِهما، وأمتنِهم في دحضِها في مَهدِها، فلم أكد أجِدْ شُبهةً لوَّح بها أحد المُعاصرين على حديثٍ هو في «الصَّحيحين»، إلَّا وأسعفني في الجوابِ على كثيرٍ منها أحد شُرَّاح الحديث المغاربةِ، كالمَازَريِّ، والقاضي عياض، وابن بطَّال، وأبي بكر ابن العَربي، وأبي العبَّاس القرطبي، وغيرهم.\nفحبَّذا لو تخرُج دراسة لبيان جهودِ علماء المغربِ في حِياطةِ الأحاديث النَّبوية ودفع المُعارضات عنها، والمناهج العلميَّة الَّتي سلكوها حتَّى بزُّوا أقرانهم المشارقة في ذلك؛ رحم الله الجميع.\n\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين","vol":"3","page":1791},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>ثَبت المَصادر والمَراجع</span>\n- الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، للجورقاني، تحقيق وتعليق: الدكتور عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، دار الصميعي - الرياض، الطبعة: الرابعة، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م\n- الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، المحقق: د. فوقية حسين محمود، دار الأنصار - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٣٩٧ هـ\n- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بَطَّة العكبري، المحقق: عثمان عبد الله آدم الأثيوبي، دار الراية للنشر - السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤١٨ هـ\n- الابتهاج في أحاديث المعراج، لأبي الخطاب ابن دحية الكلبي، تحقيق: رفعت فوزي، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n- إبستملوجيا المعرفة الكونية، لمحمد أبو القاسم حاج حمد، دار الهدى - بيروت، ط ١، ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٤ م.\n- إبطال التأويلات لأخبار الصفات، لأبي يعلى ابن الفراء، المحقق: محمد بن حمد الحمود النجدي، دار إيلاف الدولية - الكويت.\n- أبو حنيفة، حياته وعصره، آراؤه وفقهه، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، ط ٢، ١٩٧٧ م.\n- أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية (كتاب الضعفاء)، لأبي زرعة الرازي، جمع وتحقيق: سعدي بن مهدي الهاشمي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية - المدينة النبوية، الطبعة: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.\n- أبو هريرة راوية الإسلام وسيد الحفاظ الأثبات، لعبد الستار الشيخ، دار القلم- دمشق، ٢٠٠٣ م.","vol":"3","page":1793},{"text":"- أبو هريرة، لعبد الحسين شرف الدين الموسوى، دار الزهراء، بيروت، الطبعة السادسة ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n- الأبواب والتراجم بصحيح البخاري، لمحمد زكريا الكاندهلوي، تحقيق: ولي الدين الندوي، دار البشائر الإسلامية - بيروت، ط ١، ١٤٣٣ هـ\n- الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السُّنة، لغازي الشَّمري، دار النوادر - بيروت، ط ١، ١٤٣٣ هـ\n- الاتجاهات الحديثية في القرن الرابع عشر، لمحمود سعيد ممدوح، دار البصائر، ط ١، ١٤٣٠ هـ\n- الاتجاهات المعاصرة في دراسة السنة في مصر وبلاد الشام، لمحمد عبد الرزاق أسود، دار الكلم الطيب، ط ١، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n- الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، لمحمد محمد حسين، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٧، ١٤٠٥ هـ ١٩٨٤ م\n- إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع، لعبد السلام ابن سودة، تحقيقك محمد حجي، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ ١٩٩٧ م.\n- الإتقان في علوم القرآن، لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٣٩٤ هـ ١٩٧٤ م.\n- آثَار الشّيخ العَلّامَة عَبْد الرّحمن بْن يحْيَي المُعَلّمِيّ اليَماني، اعتنى به: مجموعة من الباحثين منهم: المدير العلمي للمشروع عَلِي بْن مُحَمَّد العِمْرَان، وفق المنهج المعتمد: من الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيعـ الطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ\n- إثبات صفة العلو، لابن قدامة المقدسي، المحقق: أحمد بن عطية بن علي الغامدي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م\n- إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين، لأبي بكر البيهقي، المحقق: د. شرف محمود القضاة، دار الفرقان - عمان، الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ\n- أثر العلم التَّجريبي في كشف نقد الحديث النبوي، لجميل أبو سارة، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط ١، ٢٠١٦ م.\n- أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء، لماهر الفحل، دار عمار للنشر - عمان، ط ١، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n- أجزاء حديث أبي علي بن شاذان، برواية أبي غالب الباقلاني، مخطوط محفوظ بالمكتبة الظاهرية بدمشق، حديث رقم ٣٤٨.","vol":"3","page":1794},{"text":"- الإجماع في الشريعة الإسلامية، لرشدي عليان، الجامعة الإسلامية، الطبعة: السنة العاشرة، العدد الأول، جمادى الأخرة ١٣٩٧ هـ مايو - يونيو ١٩٧٧ م\n- أجوبة الشيخ أبي مسعود الدمشقي عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج، المحقق: إبراهيم كليب، دار الوراق للنشر والتوزيع، ط ١، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n- الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية، لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، المحقق: د. محمد إسحاق محمد إبراهيم، دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، النشر: ١٤١٨ هـ\n- الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري، ليوسف ابن عبد البر، تحقيق: عبد الخالق ماضي، وقف دار السلام الخيري - الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n- أحاديث أبي إسحاق السَّبيعي في الكتب الستة والمسند، لأحمد آل غرم الغامدي، جامعة أم القرى، رسالة ماجستيير، ١٤١٦ هـ\n- الأحاديث التي قال فيها البخاري: لا يتابع عليه، في التاريخ الكبير، لعبد الرحمن الشايع، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى - مكة، ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م\n- أحاديث الصحيحين التي أعلها الدراقطني في كتابه العلل وليست في التتبع، لعبد الله بن عبد الهادي القحطاني، رسالة دكتوراه من جامعة الملك سعود بالرياض، ١٤٢٧ هـ\n- الأحاديث المنتقدة في الصحيحين، لمصطفى باحو، دار الضياء، ط ١، ١٤٢٦ هـ\n- إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد الباجي، تحقيق: عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، ط ٢، ١٤١٥ هـ\n- أحكام القرآن، لأبي بكر الجصاص، المحقق: محمد صادق القمحاوي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تاريخ الطبع: ١٤٠٥ هـ\n- أحكام القرآن، لأبي بكر ابن العربي المالكي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتاب العلمية - بيروت، ط ٣، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\n- أحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق المالكي، تحقيق: عامرحسن صبري، دار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\n- الأحكام الوسطى من حديث النبي ﷺ، لعبد الحق الأشبيلي، المعروف بابن الخراط، تحقيق: حمدي السلفي، صبحي السامرائي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع - الرياض، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م\n- أحكام أهل الذمة، لابن قيم الجوزية، المحقق: يوسف بن أحمد البكري - شاكر بن توفيق العاروري، رمادى للنشر - الدمام، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ - - ١٩٩٧ م","vol":"3","page":1795},{"text":"- الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الأندلسي، المحقق: الشيخ أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة - بيروت.\n- الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن أبي علي الآمدي، المحقق: عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي - بيروت.\n- أحوال الرجال، لإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، المحقق: عبد العليم عبد العظيم البَستوي، حديث اكادمي - فيصل آباد، باكستان.\n- اختصار علوم الحديث، لابن كثير الدمشقي، المحقق: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الثانية\n- الاختيار لتعليل المختار، لمجد الدين أبي الفضل الحنفي، مطبعة الحلبي - القاهرة (وصورتها دار الكتب العلمية - بيروت، وغيرها)، تاريخ النشر: ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٧ م\n- أخلاق النبي ﷺ وآدابه، لأبِي الشيخ الأصبهاني، المحقق: صالح بن محمد الونيان، دار المسلم للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، ١٩٩٨ م\n- أخلاق النبي ﷺ وآدابه، لعبد الله ابن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني، تعليق: عبد الله الغماري، مطابع دار الهلال - القاهرة، ١٣٧٨ هـ ١٩٥٩ م.\n- آداب الزفاف في السنة المطهرة، للألباني، دار السلام، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n- الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح الحنبلي، عالم الكتب.\n- أدب الطلب ومنتهى الأدب، لمحمد بن علي الشوكاني، المحقق: عبد الله يحيى السريحي، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\n- أدب المعتزلة، للدكتور عبد الحليم بليغ، مطبعة الرسالة بمصر، الطبعة الثانية ١٩٦٩ م.\n- أدونيس كما يراه مفكرون وشعراء عالميون، دار الطليعة - بيروت، ٢٠١١ م.\n- آراء رشيد رضا في قضايا السُّنة من خلال مجلة المنار، لمحمد رمضاني، مركز البيان للبحوث، ط ١، ١٤٣٤ هـ\n- الأربعون العزيزيَّة فيما أخبر به النَّبي ﷺ من أخبار الوقت، لعبد العزيز بن الصدق الغماري، إصدار: واحة آل البيت لإحياء التراث والعلوم - فلسطين، نسخة إلكترونية.\n- الأربعون المرتبة على طبقات الأربعين، لعَلِيُّ بنُ المُفَضَّلِ المَقْدِسِيُّ، المحقق: محمد سالم بن محمد بن جمعان العبادي، أضواء السلف - الرياض، ط ١.","vol":"3","page":1796},{"text":"- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، لأحمد بن محمد القسطلاني، المطبعة الكبرى الأميرية - مصر، الطبعة: السابعة، ١٣٢٣ هـ\n- إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي الشوكاني، المحقق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا، الناشر: دار الكتاب العربي، الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م\n- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: أحمد السايح، وتوفيق وهبة، مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة، ط ١، ١٤٣٠ هـ ٢٠٠٩ م\n- الإرشاد في معرفة علماء الحديث، لأبي يعلى الخليلي، المحقق: د. محمد سعيد عمر إدريس، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩\n- الأرصاد الجويَّة، لمحمد جمال الدين الفندي، ط ١، مطبعة جامعة القاهرة.\n- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م\n- الأزمة الفكرية المعاصرة، تشخيص ومقترحات علاج، لطه جابر العلواني، نشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، والدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط ٤، ١٤١٤ هـ ١٩٩٤ م.\n- الأزمنة والأمكنة، لأبي على المرزوقي الأصفهاني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ\n- أساس التقديس، لفخر الدين الرازي، تحقيق: احد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٤٠٦ هـ\n- أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري من مشايخه (في جامعه الصحيح)، لابن عدي، المحقق: د. عامر حسن صبري، دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٤\n- أسباب تعدد الراويات في متون الحديث النبوي، لشرف القضاة وأمين القضاة، دار الفرقان - عمان، ط ١، ١٤١٩ هـ ١٩٩٩ م.\n- أسباب نزول القرآن، للواحدي، المحقق: عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الإصلاح - الدمام، الطبعة: الثانية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م\n- إسبال المطر على قصب السكر (نظم نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، تحقيق وتعليق: عبد الحميد بن صالح بن قاسم آل أعوج سبر، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م","vol":"3","page":1797},{"text":"- الاستذكار، لابن عبد البر، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n- الاستشراق في الفكر الإسلامي المعاصر، لـ د. محمد الشرقاوي، بدون.\n- الاستشراق والمستشرقون، وجهة نظر، لعدنان محمد وزان، منوعات رابطة العالم الإسلامي، ضمن سلسلة دعوة الحق، العدد ٢٤، السنة الثالثة.\n- الاستقامة، لابن تيمية، المحقق: د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ\n- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، المحقق: علي محمد البجاوي، دار الجيل - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م\n- أسد الغابة، لعز الدين ابن الأثير، دار الفكر - بيروت، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م\n- الإسراء والمعراج وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها، للألباني، المكتبة الإسلامية - عمان، الطبعة: ٢٠٠٠ م ١٤٢١ هـ\n- الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، لرمزي نعناعة، دار القلم - دمشق، ودار الضياء - بيروت، ط ١، ١٣٩٠ هـ ١٩٧٠ م.\n- الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، لـ د. محمد أبو شهبة، مكتبة السنة، ط ٤.\n- الإسلام الديمقراطي المدني، لشيريل بينارد، ترجمة: إبراهيم عوض، تنوير للنشر والإعلام - القاهرة، ٢٠١٣ م.\n- الإسلام السياسي، لمحمد سعيد العشماوي، سينا للنشر - القاهرة، ط ٣، ١٩٩٢ م.\n- الإسلام عقيدة وشريعة، لمحمود شلتوت، دار الشروق - القاهرة، ٢٠٠٧ م.\n- الإسلام على مفترق الطرق، لمحمد أسد (ليوبلد فايس)، تحقيق عمر فروخ، دار العلم للملايين - بيروت.\n- الإسلام في حل مشاكل المجتمعات الإسلامية، لمحمد البهي، مكتبة وهبة - القاهرة، ط ٢، ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨ م\n- الإسلام والحداثة، لعبد المجيد الشرفي، الدار التونسية للنشر، ط ٢، ١٩٩١ م.\n- الإسلام والطاقات المعطلة، لمحمد الغزالي، دار نهضة مصر، ط ١.\n- الإسلام والعلم، بين الأفغاني ورينان، لـ د. محمد الخشت، دار قباء، القاهرة، طبعة ١٩٩٨ م","vol":"3","page":1798},{"text":"- الإسلام والعلمانية وجها لوجه، ليوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة - بيروت، ١٤١١ هـ ١٩٩٢ م\n- إسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، لمحمد عبده، ط ٧، دار المنار، ١٣٦٧ هـ.\n- الإسلام وصياح الديكة، لجواد عفانة، دار جواد - عمان، ط ١، ٢٠٠٦ م.\n- الإسلام يتحدى، مدخل علمي إلى الإيمان، لوحيد الدين خان، مراجعة وتحقيق: عبد الصبور شاهين، مكتبة الرسالة - بيروت، ٢٠٠٥ م\n- الأسماء والصفات، لأبي بكر البيهقي، تحقيق وتعليق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث - القاهرة، بدون تاريخ.\n- الأسماء والصفات، للبيهقي، حققه: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م\n- أسنى المطالب في نجاة أبي طالب، لأحمد بن زيني دحلان، تحقيق: حسن السقاف، ط ٢، ١٤٢٨ هـ ٢٠٠٧ م.\n- الإشارات والتنبيهات، لأبي علي بن سينا، مع شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف - القاهرة، ط ٣.\n- الإشارة في أصول الفقه، لأبي الوليد الباجي، المحقق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\n- الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر النيسابوري، المحقق: صغير أحمد الأنصاري أبو حماد، مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة - الإمارات العربية المتحدة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\n- أشعار الشعراء الستة الجاهليين، للشنتمري الأندلسي المعروف بالأعلم، بدون معلومات.\n- إشكالية الإعذار بالجهل في البحث العقدي، لسلطان العميري، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط ١، ٢٠١٢ م\n- إشكالية القطع عند الأصوليين، لأيمن صالح، بحث منشور بمجلة المسلم المعاصر، العدد ١١٧، ٢٠٠٥ م.\n- الأصلان العظيمان: الكتاب والسنة، رؤية جديدة، لجمال البنا.\n- أصول السرخسي، لمحمد بن أحمد شمس الأئمة السرخسي، دار المعرفة - بيروت.\n- أصول السنة، لأحمد بن حنبل، دار المنار - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ","vol":"3","page":1799},{"text":"- أصول الشريعة، لمحمد العشماوي. مكتبة مدبولي، ط ٤، ١٤١٦ هـ\n- أصول فقه الإمام مالك - أدلته النقلية، لفاديغا موسى، دار التدمرية - الرياض، ط ١، ١٤٢٨ هـ\n- أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، لناصر بن عبد الله بن علي القفاري، دار النشر: بدون، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ\n- الأضداد، لمحمد بن القاسم الأنباري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبةالعصرية - بيروت، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n- الأضواء القرآنيَّة لاكتساح الأحاديث الإسرائيليَّة وتطهير البخاريِّ منها، لصالح أبو بكر، بلا معلومات.\n- أضواء على السنة المحمدية، لمحمود أبو رية، دار المعارف، ط ٦، ١٩٩٤ م.\n- أضواء على الصحيحين، لمحمد صادق النجمي، تحقيق: يحيى كمال البحراني، مؤسسة المعارف الإسلامية - قُم، ط ١، ١٤١٩ هـ\n- إظهار الحق، لمحمد رحمت الله الهندي، دراسة وتحقيق وتعليق: محمد أحمد محمد عبد القادر خليل ملكاوي، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م\n- الاعتصام، لإبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق ودراسة: الجزء الأول: د. محمد بن عبد الرحمن الشقير، الجزء الثاني: د سعد بن عبد الله آل حميد، الجزء الثالث: د هشام بن إسماعيل الصيني، دار ابن الجوزي - السعودية، ط ١، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n- الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، لأبي بكر البيهقي، المحقق: أحمد عصام الكاتب، دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ\n- أعظم الكلام في ارتقاء الإسلام، لجراغ علي ونواب يار جنك، ترجمة عبد الحق مولانا، مطبعة رفاه عام، لاهور، ١٩١٣ م.\n- أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)، للخطابي، المحقق: د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى (مركز البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي)، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م\n- أعلام الفكر العربي، للسيد ولد أباه، الشبكة العربية - بيروت ٢٠١٣ م.\n- إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، بتحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، شارك في التخريج: أبو عمر أحمد عبد الله أحمد، دار ابن الجوزي - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ","vol":"3","page":1800},{"text":"- الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمى بـ (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر)، لعبد الحي بن فخر الدين الطالبي، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩ م\n- الأعلام، لخير الدين بن محمود بن الزركلي الدمشقي، دار العلم للملايين، ط ٥، ٢٠٠٢ م.\n- الأعمال الكاملة، لمحمد عبده، تحقيق محمد عمارة، القاهرة، ط ٣، ١٩٩٣.\n- أعيان الشيعة، لمحسن الأمين، حققه: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات - بيروت، ط ١، ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م.\n- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن قيم الجوزية، المحقق: محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف - الرياض\n- الاغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط، لسبط ابن العجمي، المحقق: علاء الدين علي رضا، دار الحديث - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٩٨٨ م\n- إفادة النصيح، لابن رشيد السبتي، دار التونسية للنشر.\n- الإفصاح عن معاني الصحاح، لأبي المظفر ابن هُبَيْرَة، المحقق: فؤاد عبد المنعم أحمد، دار الوطن، ١٤١٧ هـ\n- أفعال الرسول ﷺ ودلالها على الأحكام الشرعية، لمحمد سليمان الأشقر. مؤسسة الرسالة، ط ٦، ١٤٢٤ هـ ٢٠٠٣ م.\n- الإقناع في مسائل الإجماع، لأبي الحسن ابن القطان الفاسي، المحقق: حسن فوزي الصعيدي، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م\n- أكثر أبو هريرة، لمصطفى بوهندي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط ١، ٢٠٠٢ م.\n- إكمال إكمال المعلم، محمد بن خلفة الأبي التونسي، دار الكتب العلمية - بيروت، دون تاريخ الطبع.\n- إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، للقاضي عياض السبتي، المحقق: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - مصر، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\n- إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لمغلطاي بن قليج، المحقق: أبو عبد الرحمن عادل بن محمد - أبو محمد أسامة بن إبراهيم، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ- ٢٠٠١ م","vol":"3","page":1801},{"text":"- الإلزامات والتتبع، للدارقطني، دراسة وتحقيق: مقبل بن هادي الوداعي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م\n- الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، للقاضي عياض بن موسى السبتي، المحقق: السيد أحمد صقر، دار التراث/ المكتبة العتيقة - القاهرة/ تونس، الطبعة: الأولى، ١٣٧٩ هـ - ١٩٧٠ م\n- الأم، للشافعي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة: بدون طبعة، ١٤١٠ هـ/١٩٩٠ م\n- أمالي ابن بشران، لأبي القاسم عبد الملك بن بشْران، ضبط نصه: عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م\n- الإمام أبو الحسن الدارقطني وآثاره العلمية، لـ د. عبد الله الرحيلي، دار الأندلس.\n- الإمام البخاري وجامعه الصحيح: نظرات وتحقيقات في السيرة والمنهج، لخلدون الأحدب، دار الأمة للنشر، ط ١، ٢٠١٢ م.\n- الإمام البخاري وفقه التراجم في جامعه الصحيح، لنور الدين عتر، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية - الكويت، عدد ٤ - سنة ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م\n- الإمام البخاري وفقه أهل العراق، لحسين غلامي الهرساوي، دار الاعتصام - بيروت، ط ١، ١٤٢٠ هـ\n- الإمام الزهري وآثاره في السُّنة، لـ د. حارث الضاري، مطابع جامعة الموصل - العراق، ١٩٨٥ م.\n- الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية، لنصر أبو زيد، مطبعة مكتبة مدبولي، القاهرة، ط ٣، ٢٠٠٣ م.\n- الإمام في بيان أدلة الأحكام، لعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، المحقق: رضوان مختار بن غربية، الناشر: دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م\n- الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح، لمحمد طوالبة، دار عمار - عمان، ١٤٢١ هـ\n- الإماميّة والموقف من صحيحي البخاري ومسلم - قراءة تقويميّة في الأعمال والتطوّرات والمناهج والآليات، لحيدر حب الله، شارك هذا البحث في المؤتمر الدولي الذي انعقد في ألمانيا، بتاريخ ١٧ - ١٩/نيسان/٢٠١٥ م، بدعوة من قسم الدراسات الإسلاميّة في جامعة مونستر، وقد حمل المؤتمر عنوان (علوم الحديث بين الأصالة والمعاصرة، نقد الحديث منذ عصر البخاري ومسلم إلى الدراسات والأبحاث المعاصرة)، وبحثه منشور على موقعه الرسمي على الشبكة.","vol":"3","page":1802},{"text":"- إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، لتقي الدين المقريزي، المحقق: محمد عبد الحميد النميسي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\n- أمثال العرب، للمفضل الضبي، المحقق: إحسان عباس، دار الرائد العربي، بيروت\n- الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، ليحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني، المحقق: سعود بن عبد العزيز الخلف، أضواء السلف - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n- الانتصار في ذكر أحوال قامع المبتدعين وآخر المجتهدين، لمحمد ابن عبد الهادي المقدسي، تحقيق: محمد السيد، مكتبة ابن عباس - القاهرة، ط ١، ١٤٢٣ هـ\n- الانتصار لأصحاب الحديث، لأبي المظفر السمعاني، المحقق: محمد بن حسين بن حسن الجيزاني، مكتبة أضواء المنار - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م\n- الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية، لنجم الدين الطوفي، المحقق: سالم بن محمد القرني، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ\n- الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء مالك والشافعي وأبي حنيفة ﵃، لابن عبد البر، دار الكتب العلمية - بيروت.\n- الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، لـ د. علي الزهراني، ط ١، رسالة ماجستير نوقشت بجامعة أم القرى - مكة سنة ١٤١٤ هـ\n- الانشراح في آداب النكاح، لأبي إسحاق الحويني، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م.\n- أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي، المحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ\n- الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» من الزلل والتضليل والمجازفة، لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي، المطبعة السلفية ومكتبتها/عالم الكتب - بيروت، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n- أنواع التَّصنيف المتعلِّقة بتَفسير القُرآن الكريم، لمساعد بن سليمان بن ناصر الطيار، دار ابن الجوزي، ط ٣، ١٤٣٤ هـ\n- أهوال القبور، لابن رجب الحنبلي، المحقق: عاطف صابر شاهين، دار الغد الجديد، المنصورة، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ/٢٠٠٥ م","vol":"3","page":1803},{"text":"- أوائل المقالات في المذاهب المختارات، لمحمد بن محمد بن النعمان العكبري، الملقب بالمفيد، تحقيق: إبراهيم الأنصاري، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ط ١، ١٤١٣ م\n- الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المسلسلات، لعبد الحفيظ الفاسي، المطبعة الوطنية - الرباط، بدون تاريخ.\n- الآيات البينات في عدم سماع الأموات على مذهب الحنفية السادات، لنعمان بن محمود الألوسي، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الرابعة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني.\n- إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، لابن الوزير اليمني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٩٨٧ م\n- إيضاح المحصول من برهان الأصول، للمازري، تحقيق: عمار الطالبي، ط ١ - ٢٠٠١ م، دار الغرب الإسلامي - بيروت\n- أيقونات التَّطوُّر، لـ د. جوناثان ويلز، مراجعة وتقديم: د. عبد الله الشهري، ترجمة ونشر: مركز تكوين - السعودية، ط ١، ٢٠١٤ م.\n- الإيمان، لابن منده، المحقق: علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ هـ\n- بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم، ليوسف بن حسن ابن ابن المِبْرَد الحنبلي، تحقيق وتعليق: روحية عبد الرحمن السويفي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م\n- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم الحنفي، دار الكتاب الإسلامي، ط ٢.\n- البحر العميق في مرويات ابن الصديق، لأحمد الغماري، دار المكتبي - القاهرة، ط ١، ٢٠٠٧ م.\n- البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين الزركشي، دار الكتبي، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م\n- البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان الأندلسي، المحقق: صدقي محمد جميل، دار الفكر - بيروت، الطبعة: ١٤٢٠ هـ\n- بحوث في أصول الفقه، لمحمود الهاشمي الشهروردي، المجمع العلمي للشهيد الصدر، ط ٢، ١٤٠٥ هـ\n- البخاري وصحيحه، لمحمد غلامي الهرساوي، ترجمة: كمال السيد، إعداد مركز الأبحاث العقائدية - قُم، النجف، ط ١، ١٤٢٠ هـ","vol":"3","page":1804},{"text":"- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد ابن رشد القرطبي، دار الحديث - القاهرة، الطبعة: بدون طبعة، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\n- البداية والنهاية، لإسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م، سنة النشر: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n- بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية، دار الكتاب العربي - بيروت.\n- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني، الناشر: دار المعرفة - بيروت\n- بدع التفاسير، لعبد الله بن الصديق الغماري، دار الرشاد الحديثة - الدار البيضاء، ط ٢، ١٩٩٨ م.\n- براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة، لبكر بن عبد الله أبو زيد، ضمن مجموع الردود، دار العاصمة - الرياض، ط ١، ١٤١٤ هـ\n- البرهان الكاشف لإعجاز القرآن، لكمال الدين عبد الواحد الزملكاني، تحقيق: خديجة الحديثي، وأحمد مطلوب، رئاسة ديوان الأوقاف، إحياء التراث الإسلامي - بغداد، ط ١، ١٩٧٤ م\n- البرهان في أصول الفقه، لعبد الملك بن عبد الله الجويني، المحقق: صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n- البرهان في علوم القرآن، للزركشي، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م\n- بساطة العلم، لـ بيك ستانلي، ترجمة: زكريا فهمي؛ مراجعة: عبد الفتاح إسماعيل، مؤسسة سجل العرب - القاهرة، ١٩٦٧ م.\n- البصائر والذخائر، أبي حيان التوحيدي، المحقق: وداد القاضي، دار صادر - بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n- بطلان نسبة الحديث الموضوع (كيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم ..) إلى صحيح الإمام البخاري، لبعد الباري الأنصاري، دار التوحيد للنشر - الرياض، ط ١، ١٤٣٤ هـ\n- البعث والنشور للبيهقي، تحقيق: الشيخ عامر أحمد حيدر، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م\n- بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، لابن تيمية، المحقق: موسى الدويش، مكتية العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة: الثالثة، ١٤١٥ هـ-١٩٩٥ م","vol":"3","page":1805},{"text":"- البلوغ والمراهقة لدى البنات، لفريال مصطفى الأستاذ، مراجعة أ. د محمد كامل فرج، دار بلنسية - الرياض، ط ١، ١٤١٤ هـ\n- بؤس الدهرانية، النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، لطه عبد الرحمن، الشبكة العربية للأبحاث والنشر - بيروت، ط ١، ٢٠١٤ م.\n- بيان أحاديث أودعها البخاري في كتابه الصحيح وبين عللها الحافظ أبو الحسن الدراقطني، تحقيق: سعد الحميد، دار الصميعي - الرياض، ط ١، ١٤٢٧ هـ ٢٠٠٦ م.\n- بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، لشمس الدين الأصفهاني، المحقق: محمد مظهر بقا، دار المدني - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م\n- بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، لأبي الحسن ابن القطان، المحقق: د. الحسين آيت سعيد، الناشر: دار طيبة - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م\n- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية، مجموعة من المحققين، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ\n- البيان والتبين، لعمرو بن بحر بالجاحظ، دار ومكتبة الهلال - بيروت، ١٤٢٣ هـ\n- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، لأبي الوليد ابن رشد القرطبي، حققه: د محمد حجي وآخرون، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م\n- التأثير المسيحي في القرآن، مصطفى بوهندي، دار الطليعة - بيروت، ط ١، ٢٠٠٤ م.\n- تأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة، لعبد اللطيف الحفظي، دار الأندلس الخضراء - جدة، ط ١، ١٤٢١ هـ\n- تاج العروس من جواهر القاموس، لمرتضى الزَّبيدي، المحقق: مجموعة من المحققين، دار الهداية.\n- التاج والإكليل لمختصر خليل، لأبي عبد الله المواق المالكي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٤ م\n- تاريخ ابن معين (رواية الدوري)، المحقق: د. أحمد محمد نور سيف، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م\n- تاريخ أصبهان (أخبار أصبهان)، لأبي نعيم الأصبهاني، المحقق: سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م","vol":"3","page":1806},{"text":"- تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، لشمس الدين الذهبي، المحقق: الدكتور بشار عوّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٣ م\n- تاريخ الامبراطورية البيزنطية، لـ د. محمد مرسي الشيخ، دار المعرفة الجامعية - الاسكندرية، ١٩٩٤ م.\n- التاريخ الأوسط، للبخاري، المحقق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، مكتبة دار التراث - حلب، القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٣٩٧ هـ-١٩٧٧ م\n- تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، جامعة الإمام محمد بن سعود - الرياض، ١٤١١ هـ\n- تاريخ الثورة الفرنسية، لألبير سوبول، ترجمة جورج كوسي، منشورات عويدات - بيروت، باريس، ط ٤، ١٩٨٩ م.\n- تاريخ الرسل والملوك، لابن جرير الطبري، دار التراث - بيروت، الطبعة: الثانية - ١٣٨٧ هـ\n- التاريخ الكبير، للبخاري، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن، طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان.\n- تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.\n- تاريخ أوربا في العصور الوسطى، لسعيد عبد الفتاح عاشور، دار النهضة العربية - بيروت.\n- تاريخ بغداد، لأحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، المحقق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n- تاريخ دمشق، لعلي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر، المحقق: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n- تاريخ دولة الأنباط، لإحسان عباس، دار الشروق - عمَّان، ط ١، ١٩٨٧ م.\n- تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة، لعبد العزيز صالح، مكتبة الأنجلو المصرية، ط ١، ٢٠١٠ م.\n- تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، لهشام جعيط، دار الطليعة - بيورت، ط ١، ٢٠٠٧ م.\n- تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب، لمحمد زاهد الكوثري، تعليق أحمد خيري، ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م.","vol":"3","page":1807},{"text":"- تأويل مختلف الحديث، لعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق، ط ٢، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n- تأويل مشكل القرآن، لعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المحقق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n- التبرك، أنواعه وأحكامه، لناصر الجديع، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١، ١٤١١ هـ\n- التبيان في أقسام القرآن، لابن قيم الجوزية، المحقق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة - بيروت.\n- التِّبيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطُّوسي، تحقيق: أحمد قصير العاملي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للزيلعي، المطبعة الكبرى الأميرية - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٣١٣ هـ\n- تثبيت حجية خبر الواحد، لأحمد بن عادل الغريب، مركز تكوين، ط ١، ١٤٣٧ هـ ٢٠١٥ م.\n- تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم، لجمال البنا، دعوة الإحياء الإسلامي.\n- التَّحبير لإيضَاح مَعَاني التَّيسير، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، حققه: محَمَّد صُبْحي بن حَسَن حَلّاق، مَكتَبَةُ الرُّشد، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\n- تحديث الفكر الإسلامي، لعبد المجيد الشرفي، دار المدار الإسلامي، ط ٢، ٢٠٠٩ م\n- تحرير العقل من النقل، لسامر إسلامبولي، دار الأوائل - دمشق، ١٩٩٩ م.\n- تحرير علوم الحديث، لعبد الله بن يوسف الجديع، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\n- التحرير والتنوير (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)، لمحمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر - تونس، سنة النشر: ١٩٨٤ هـ\n- التحريف المعاصر في الدين، لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، دار القلم للطباعة والنشر - دمشق، ١٩٩٧ م.\n- تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، لعبد الله بن عمر البيضاوي، المحقق: لجنة مختصة بإشراف نور الدين طالب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م","vol":"3","page":1808},{"text":"- تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، لجمال الدين أبي الحجاج المزي، المحقق: عبد الصمد شرف الدين، المكتب الإسلامي، والدار القيّمة، الطبعة: الثانية: ١٤٠٣ هـ، ١٩٨٣ م\n- تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، للشوكاني، دار القلم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٩٨٤\n- تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي، عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، لجلال الدين السيوطي، حققه: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، الناشر: دار طيبة.\n- التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لابن تيمية، المحقق: د. محمد بن عودة السعوي، مكتبة العبيكان - الرياض، ط ٦، ١٤٢١ هـ/٢٠٠٠ م.\n- تدوين السنة النبوية في القرنين الثاني والثالث للهجرة، لمحمد بن صادق بنكيران، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.\n- تدوين السنة النبوية، نشأته وتطوره، لمحمد مطر الزهراني، دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ/١٩٩٦ م\n- تدوين السنة، إبراهيم فوزي، نشر رياض الريس، ط ٣، ٢٠٠٢ م.\n- تذكرة الحفاظ، لمحمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م.\n- تذكرة الحفاظ، لمحمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الشيباني، المعروف بابن القيسراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، دار الصميعي للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م\n- التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق ودراسة: الدكتور: الصادق بن محمد بن إبراهيم، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ\n- التراث والتجديد، لنصر حامد أبو زيد،، دار التنوير، بيروت، ١٩٨٠ م.\n- التراث وقضايا العصر، د. محمود إسماعيل، رؤية للنشر والتوزيع، ط ١، القاهرة، ٢٠٠٥ م.\n- تراثنا الفكري في ميزان الشرع، لمحمد الغزالي، دار الشروق ط ٥ - ١٤٢٤ م","vol":"3","page":1809},{"text":"- تراجم سيدات بيت النبوة، لعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، دار الريان للتراث - القاهرة، ط ١، ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م.\n- التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي الكلبي الغرناطي، المحقق: الدكتور عبد الله الخالدي، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٦ هـ\n- تشنيف المسامع بجمع الجوامع، للزركشي، تحقيق: د سيد عبد العزيز - د عبد الله ربيع، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث - توزيع المكتبة المكية، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م\n- تصحيح الفصيح وشرحه، لعبد الله بن جعفر بن محمد بن دُرُسْتَوَيْه ابن المرزبان، المحقق: د. محمد بدوي المختون، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\n- التصريح بما تواتر في نزول المسيح، لمحمد أنور شاه الكشميري، المحقق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب - ودار القرآن الكريم بيروت، الطبعة الثالثة - ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م\n- التطور والإنسان، لحسن زينو، دار الدعوة - بيروت، ١٩٧١ م.\n- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، لابن حجر العسقلاني، المحقق: د. إكرام الله إمداد الحق، الناشر: دار البشائر - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٩٩٦ م\n- التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح، لأبي الوليد الباجي، المحقق: أبو لبابة حسين، دار اللواء للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م\n- التعرف لمذهب أهل التصوف، لأبي بكر الكلاباذي، دار الكتب العلمية - بيروت.\n- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، لابن حجر العسقلاني، المحقق: د. عاصم بن عبدالله القريوتي، مكتبة المنار - عمان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م\n- التعريفات، للشريف الجرجاني، المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م\n- التعيين في شرح الأربعين، لنجم الدين الطوفي، المحقق: أحمد حَاج محمّد عثمان، مؤسسة الريان - بيروت، المكتَبة المكيّة - مكّة، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\n- تغليق التعليق على صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، المحقق: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي، المكتب الإسلامي، دار عمار - بيروت، عمان - الأردن، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥","vol":"3","page":1810},{"text":"- التفسير الحديث [مرتب حسب ترتيب النزول]، لدروزة محمد عزت، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة، الطبعة: ١٣٨٣ هـ\n- تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) لمحمد بن جرير أبي جعفر الطبري، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n- تفسير القرآن العزيز، بابن أبي زَمَنِين الألبيري، المحقق: أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز، الفاروق الحديثة - مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\n- تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، المحقق: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز - السعودية، الطبعة: الثالثة - ١٤١٩ هـ\n- تفسير القرآن العظيم، لإسماعيل بن عمر بن كثير، المحقق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\n- التفسير المظهري، لمحمد ثناء الله المظهري، المحقق: غلام نبي التونسي، مكتبة الرشدية - الباكستان، الطبعة: ١٤١٢ هـ\n- تفسير المنار، لمحمد رشيد بن علي رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر: ١٩٩٠ م\n- تفسير الموطأ، لأبي المطرف القَنَازِعي، حققه وقدم له وخرج نصوصه: الأستاذ الدكتور عامر حسن صبري، الناشر: دار النوادر - بتمويل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر - الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\n- التفسير الوسيط، للواحدي، تحقيق وتعليق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، الدكتور أحمد محمد صيرة، الدكتور أحمد عبد الغني الجمل، الدكتور عبد الرحمن عويس\n- قدمه وقرظه: الأستاذ الدكتور عبد الحي الفرماوي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م\n- تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها القول الصواب بل لا يوجد فيها إلا ما هو خطأ، لابن تيمية، المحقق: عبد العزيز بن محمد الخليفة، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م\n- تفسير عبد الرزاق الصنعاني، دراسة وتحقيق: محمود محمد عبده، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، سنة ١٤١٩ هـ\n- التفسير والمفسرون، لمحمد السيد حسين الذهبي، مكتبة وهبة - القاهرة.","vol":"3","page":1811},{"text":"- تفسير يحيى بن سلام، تقديم وتحقيق: الدكتورة هند شلبي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\n- تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، المحقق: محمد عوامة، دار الرشيد - سوريا، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م\n- التقريب والإرشاد، لأبي بكر الباقلاني، المحقق: د. عبد الحميد بن علي أبو زنيد، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثانية، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م\n- التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث، للنووي، تقديم وتحقيق وتعليق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م\n- التقرير والتحبير، لابن أمير حاج الحنفي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م\n- تقويم الأدلة، أو تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع، لأبي زيد الدبوسي، تحقيق: عبد الرحيم يعقوب، ط ١: ١٤٣٠ هـ، مكتبة الرشد بالرياض.\n- تقييد المهمل وتمييز المشكل، للغساني الجياني، المحقق: الأستاذ محمد أبو الفضل، وزارة الأوقاف - المملكة المغربية، الطبعة: بلا، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م\n- التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، لزين الدين عبد الرحيم العراقي، المحقق: عبد الرحمن محمد عثمان، محمد عبد المحسن الكتبي صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٣٨٩ هـ-١٩٦٩ م\n- تكحيل العين بجواز السؤال عن الله بأين، لـ د. صادق سليم صادق، دار التوحيد - الرياض، ط ١، ١٤٢٨ هـ ٢٠٠٨ م.\n- تكوين العقل العربي، لمحمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط ١٠، ٢٠٠٩ م.\n- التلخيص الحبير، لابن حجر العسقلاني، المحقق: الدكتور محمد الثاني بن عمر بن موسى، دار أضواء السلف، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\n- التلخيص شرح الجامع الصحيح للبخاري، لمحي الدين النووي، تحقيق: نظر الفريابي، دار طيبة، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n- تلخيص كتاب الموضوعات، لشمس الدين الذهبي، المحقق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم بن محمد، الناشر: مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م","vol":"3","page":1812},{"text":"- تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير، لعبد الرحمن ابن الجوزي، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٩٩٧ م\n- تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل، لأبي بكر الباقلاني، المحقق: عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م\n- التمهيد في أصول الفقه، لأَبي الخطاب الكَلْوَذَاني، المحقق: مفيد محمد أبو عمشة (الجزء ١ - ٢) ومحمد بن علي بن إبراهيم (الجزء ٣ - ٤)، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م\n- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر القرطبي، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، ١٣٨٧ هـ\n- التمييز، لمسلم بن الحجاج، المحقق: د. محمد مصطفى الأعظمي، مكتبة الكوثر - السعودية، الطبعة: الثالثة، ١٤١٠ هـ\n- تنبيه القاري لتقوية ما ضعَّفه الألباني، لعبد الله بن محمد بن أحمد الدويش، دار العليان للنشر والنسخ - بريدة، ط ١، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n- التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، لمحمد بن أحمد المَلَطي، المحقق: محمد زاهد بن الحسن الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث - مصر.\n- التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة، لصلاح الدين العلائي، المحقق: مرزوق بن هياس آل مرزوق الوهراني، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: العددان ٧٩ و٨٠، السنة ٢٠ - رجب -ذو الحجة ١٤٠٨ هـ\n- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ، للقاضي عياض السبتي، تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م\n- تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق، لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي، تحقيق: سامي بن محمد بن جاد الله وعبد العزيز بن ناصر الخباني، أضواء السلف - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\n- التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني، مع تخريجات وتعليقات: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٢، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.","vol":"3","page":1813},{"text":"- تنوير العينين بأحكام الأضاحي والعيدين، لمصطفى بن إسماعيل السليماني، مكتبة الفرقان - عجمان، ط ١، ١٤٢١ هـ\n- تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه ومقابلة أصوله: شركة العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية.\n- تهافت الفلاسفة، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ٢٠٠٨ م\n- تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبعة دائرة المعارف النظامية - الهند، ط ١، ١٣٢٦ هـ.\n- تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ليوسف بن عبد الرحمن المزي، المحقق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٠ - ١٩٨٠\n- تهذيب اللغة، لأبي منصور الأزهري، المحقق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، ٢٠٠١ م\n- توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين في الصوم والإفطار، لأحمد الغماري، تحقيق: محمد حمزة الكتاني، دار الكتب العلمية، ط ١، ٢٠٠٦ م.\n- توجيه النظر إلى أصول الأثر، لطاهر بن صالح الجزائري، المحقق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م\n- التوحيد، لأبي منصور الماتريدي، تحقيق: فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية.\n- توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، المحقق: أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م\n- توضيح طرق الرَّشاد بحسمِ مادَّة الإلحاد، لمحمد بن أحمد العلوي الإسماعيلي، دار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n- التوضيح في شرح التنقيح، تأليف: أبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن موسى اليزليتي المشهور بحلولو، مطبوع بهامش (شرح تنقيح الفصول) للقرافي، طبعة المطبعة التونسية، ١٣٢٨ هـ.\n- التوضيح لشرح الجامع الصحيح، لابن الملقن، المحقق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م","vol":"3","page":1814},{"text":"- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن السعدي، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م\n- الثابت والمتحول، أدونيس (علي أحمد)، دار الساقي - بيروت، ط ٩، ٢٠٠٦ م.\n- الثقات للعجلي (معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم)، المحقق: عبد العليم عبد العظيم البستوي، مكتبة الدار - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م\n- ثمرات النظر في علم الأثر، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، المحقق: رائد بن صبري بن أبي علفة، دار العاصمة للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م\n- جامع الأصول في أحاديث الرسول، لمجد الدين ابن الأثير، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - التتمة تحقيق بشير عيون، مكتبة الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان، الطبعة: الأولى.\n- جامع الأصول في أحاديث الرسول، لمجد الدين أبي السعادات ابن الأثير، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - التتمة تحقيق بشير عيون، الناشر: مكتبة الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان، الطبعة: الأولى.\n- جامع التحصيل في أحكام المراسيل، لصلاح الدين العلائي، المحقق: حمدي عبد المجيد السلفي، عالم الكتب - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م\n- جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، لابن رجب الحنبلي، المحقق: شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: السابعة، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م\n- جامع المسائل لابن تيمية، تحقيق: محمد عزير شمس، إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد، دار عالم الفوائد - مكة، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n- جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي - السعودية، ط ١، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م\n- الجامع في العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل، رواية: المروذي وغيره، المحقق: الدكتور وصي الله بن محمد عباس، الدار السلفية - بومباي، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م\n- الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م","vol":"3","page":1815},{"text":"- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي، المحقق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف - الرياض.\n- الجامع لمسائل المدونة والمختلطة، لأبي بكر بن عبد الله بن يونس الصقلي، تحقيق: مجموعة باحثين في رسائل دكتوراه، الناشر: معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى، ط ١، ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م.\n- الجدل على طريقة الفقهاء، لعلي بن عقيل الحنبلي، مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة\n- الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - بحيدر آباد الدكن - الهند، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٢٧١ هـ ١٩٥٢ م\n- جزء في الأوهام التي وقعت في الصحيحين وموطإ مالك، لابن حزم، تحقيق: بدر العمراني، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n- جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، لابن قيم الجوزية، المحقق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، دار العروبة - الكويت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م\n- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، لنعمان بن محمود الآلوسي، قدم له: علي السيد صبح المدني، مطبعة المدني، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م\n- جماع العلم، للشافعي، دار الأثار، الطبعة: الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\n- الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، لمحمد بن فتوح الحميدي، المحقق: علي حسين البواب، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\n- جناية البخاري، إنقاذ الدين من إمام المحدثين، لزكريا أوزون، رياض الريس للكتب والنشر - بيروت، ط ١، ٢٠٠٤ م\n- الجنين، متابعة موثقة بالصور، توما شماني، مطبعة الجامعة - بغداد، ١٩٨٣ م.\n- الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، لمحمد خير هيكل، دار البيارق ودار ابن حزم - بيروت.\n- جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية، لابن تيمية، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد - مكة، ط ١، ١٤٢٩ هـ ٢٠٠٨ م.\n- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية، تحقيق: علي بن حسن - عبد العزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، دار العاصمة - السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤١٩ هـ/١٩٩٩ م","vol":"3","page":1816},{"text":"- الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لعبد القادر بن محمد الحنفي، مير محمد كتب خانه - كراتشي.\n- جؤنة العطار في طرف الفوائد ونوادر الأخبار، لأحمد بن الصديق الغماري، رسالة جامعية مرقونة على الآلة الكاتبة.\n- جوهر الإسلام، لمحمد العشماوي، مكتبة مدبولي، ط ٤، ١٤١٦ هـ\n- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن قيم الجوزية، مطبعة المدني، القاهرة.\n- حاشية ابن الأمير على إتحاف المريد شرح جوهرة التوحيد، لمحمد بن محمد السنباوي الأزهري، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م.\n- حاشية السندى على صحيح البخاري، دار الفكر.\n- الحاوي للفتاوي، لجلال الدين السيوطي، دار الفكر للطباعة والنشر - بيروت، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م\n- الحبة السوداء (حبة البركة) من الإعجاز الطبي في الأحاديث النبوية الشريفة، لعبد الله السعيد، دار الضياء - الأردن، ط ١، ١٩٨١ م.\n- حجة الله البالغة، للشاه ولي الله الدهلوي، المحقق: السيد سابق، دار الجيل، بيروت، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\n- الحجة على أهل المدينة، لمحمد بن الحسن الشيباني، المحقق: مهدي حسن الكيلاني القادري، عالم الكتب - بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٣ هـ\n- الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لإسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني أبي القاسم، الملقب بقوام السنة، المحقق: محمد بن ربيع بن هادي عمير المدخلي، دار الراية - الرياض، ط ٢، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n- الحداثة وموقفها من السنة، رسالة دكتوراه لحارث فخري، كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية، ٢٠١٠ م.\n- الحديث المنكر عند نقاد الحديث، لعبد الرحمن بن نويفع السلمي، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\n- الحديث النبوي بين الرواية والدراية، لجعفر للسُّبحاني، مؤسسة الإمام الصادق - قم، دار الأضواء - بيروت، ط ١، ١٣٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م","vol":"3","page":1817},{"text":"- الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث، لمحمد حمزة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ٢٠٠٥ م.\n- الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام، للألباني، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م.\n- الحديث والمحدثون، لمحمد أبو زهو، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ط ١، ١٩٨٤ م.\n- حروف المعاني والصفات، لأبي القاسم الزجاجي، المحقق: علي توفيق الحمد، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٩٨٤ م\n- الحريات العامة في الإسلام، لراشد الغنوشي، نشرمركز النقاد الثقافي، سنة ٢٠٠٨ م.\n- الحريم السياسي، النبي والنساء، لفاطمة المرنيسي، دار الحصاد - بيروت، بدون تاريخ.\n- الحضارات السامية القديمة، لسبتينو موسكاني، ترجمة: يعقوب بكر، دار الكاتب العربي، ١٩٥٧ م.\n- الحطة في ذكر الصحاح الستة، لمحمد صديق خان، دار الكتب التعليمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م\n- حفظ الله السنة، لأحمد السلوم، دار البشائر الإسلامية - بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ ٢٠٠٣ م.\n- الحق أبلج، لجواد عفانة، دار جواد - عمان، ط ١، ٢٠٠٦ م\n- الحق الذي لا يريدون، لعدنان الرفاعي، دار الأوائل للنشر، ط ١، ٢٠٠٦ م.\n- حكمة الغرب، لبرتناند راسل، ترجمة فؤاد زكريا، مجلة عالم المعرفة - الكويت، الجزء الثاني، ١٩٨٣ م.\n- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني، مطبعة السعادة - مصر، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م\n- الحمل، غوردون بورن، ترجمة زيد الكيلاني، مؤسسة شومان - عمان، ط ١، ١٩٨٦ م.\n- حوار حول أحاديث الفتن وأشراط الساعة، لجواد عفانة، جمعية عمال المطابع التعاونية - عمان، ط ١، ٢٠٠٣ م.","vol":"3","page":1818},{"text":"- حوار هادئ مع محمد الغزالي، لسلمان بن فهد العودة، الطبعة: الأولى - ١٤٠٩ هـ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\n- حياة البخاري، لجمال الدين القاسمي، تحقيق: محمود الأرناؤوط، دار النفائس، ط ١، ١٤١٢ هـ ١٩٩٢ م.\n- الحيوان، لعمرو بن بحر الجاحظ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ\n- خاطرات جمال الدين الأفغاني، لمحمد المخزومي، دار الفكر الحديث، لبنان، ط ٢، ١٣٨٥ هـ.\n- خبر الواحد وحجيته في التشريع الإسلامي، للقاضي برهون، مكتبة التراث الإسلامي - القاهرة، ط ٢، ١٤١٩ هـ\n- خصائص مسند الإمام أحمد، لأبي موسى المديني، الناشر: مكتبة التوبة، الطبعة: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م\n- خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل، لمحمد بن إسماعيل البخاري، المحقق: فهد بن سليمان الفهيد، دار أطلس الخضراء، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥ هـ\n- الدر المنثور، لجلال الدين السيوطي، دار الفكر - بيروت\n- درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض، ط ٢، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\n- دراسات تاريخية مع تعليقة في منهج البحث وتحقيق المخطوطات، لأكرم العمري، الجامعة الإسلامية - المدينة، ط ١، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م\n- دراسات محمدية، لجولدزيهر، ترجمة بشير نصر، دار قتيبة - دمشق، مركز العالم الإسلامي لدراسة الاستشراق - لندن، ٢٠٠٩ م.\n- دراسات في الكافي وصحيح البخاري، ويسمى أيضا (دراسات في الحديث والمحدثين)، هاشم معروف الحسني، بدون طبعة ولا تاريخ، دار التعارف - بيروت.\n- دراسات في حضارة الإسلام، لهاملتون جُب، دار العلم للملايين، بيروت.\n- الدرة فيما يجب اعتقاده، لابن حزم، تحقيق: احمد الحمد، وسعيد القزقي، توزيع مكتبة التراث، ط ١، ١٩٨٨ م ١٤٠٨ هـ\n- الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: الدكتور محمد بن لطفي الصباغ، عمادة شؤون المكتبات لجامعة الملك سعود - الرياض","vol":"3","page":1819},{"text":"- دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، لمحمد الغزالي، دار نهضة مصر.\n- الدعوة إلى الإصلاح، لمحمد لخضر حسين، تحقيق: علي بن حسن الحلبي، دار الراية - الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n- دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، لمحمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة، مكتبة السنة، الطبعة: الأولى، ١٩٨٩ م\n- الدِّفاع عن الصَّحيحين دفاع عن الإسلام، لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي، تحقيق: محمد بن عزوز، دار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.\n- دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد، دراسة لما في الصحيحين، لعيسى النعيمي، دار المنهاج - الرياض، ط ١، ١٤٣٥ هـ\n- دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، لأبي الفرج ابن الجوزي، حققه وعلق عليه: حسن السقاف، دار الإمام الرواس - بيروت، ط ٤، ١٤٢٨ هـ ٢٠٠٧ م.\n- دلائل الإعجاز في علم المعاني، لعبد القاهر الجرجاني، المحقق: محمود محمد شاكر أبو فهر، مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة، الطبعة: الثالثة ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م\n- دلائل النبوة، لأبي نعيم الأصبهاني، حققه: الدكتور محمد رواس قلعه جي، عبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م\n- دليل المسلم الحزين إلى مقتضى السلوك فى القرن العشرين، لحسين أحمد أمين، مكتبة مدبولي، ودار العين - مصر، ط ١، ١٩٨٣ م.\n- دور السُّنة في إعادة بناء الأمَّة، لجواد عفانة، جمعية عمال المطابع التعاونية - عمان، ط ١، ١٩٩٩ م.\n- دين السلطان البرهان، لنيازي عز الدين، دار بيسان - دمشق، ط ١، ١٩٩٧ م.\n- ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن ابن خلدون، المحقق: خليل شحادة، دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م\n- الذخيرة، لشهاب الدين القرافي، دار الغرب الإسلامي- بيروت، الطبعة: الأولى، ١٩٩٤ م\n- ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق، للذهبي، المحقق: محمد شكور بن محمود الحاجي أمرير المياديني، مكتبة المنار - الزرقاء، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م","vol":"3","page":1820},{"text":"- ذم الكلام وأهله، لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي، المحقق: عبد الرحمن عبد العزيز الشبل، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، ط ١، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n- رجال صحيح مسلم، لأبي بكر ابن مَنْجُويَه، المحقق: عبد الله الليثي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ\n- رحلتي من الشك إلى الإيمان، مصطفى محمود، دار العودة، بيروت.\n- الرد القويم على المجرم الأثيم، لحمود التويجري، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء السعودية - الرياض، ط ١، ١٤٠٣ هـ\n- الرد على البكري - تلخيص كتاب الاستغاثة، لابن تيمية، تحقيق محمد علي عجال، مكتبة الغرباء - المدينة المنورة، ط ١، ١٤١٧ هـ\n- الرد على الجهمية، لأبي عبد الله ابن مَنْدَه العبدي، المحقق: علي محمد ناصر الفقيهي، المكتبة الأثرية - باكستان\n- الرد على الجهمية، لعثمان بن سعيد الدارمي، المحقق: بدر بن عبد الله البدر، دار ابن الأثير - الكويت، الطبعة: الثانية، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م\n- الرَّد على السُّبكي في مسألة تعليق الطَّلاق، لابن تيميَّة، تحقيق: عبد الله المزروع، دار عالم الفوائد - مكة، ط ١، ١٤٣٥ هـ\n- الرد على المنطقيين، لاين تيمية، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n- رسالة أبي داود إلى أهل مكة وغيرهم في وصف سننه، المحقق: محمد الصباغ، دار العربية - بيروت.\n- رسالة أضحوية في أمر المعاد لابن سينا، تحقيق سليمان دنيا، دار الفكر العربي، ١٣٦٨ هـ.\n- الرسالة القشيرية، لعبد الكريم بن هوازن القشيري، تحقيق: الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة.\n- الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله، لابن تيمية، المحقق: محمد عبد الرزاق حمزة، مطبعة المدني - القاهرة، ط ٦.\n- رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب، لأبي الحسن الأشعري، المحقق: عبد الله شاكر محمد الجنيدي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية - المدينة المنورة، الطبعة: ١٤١٣ هـ\n- الرسالة، للشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس، المحقق: أحمد شاكر، مكتبه الحلبي، مصر، ط ١، ١٣٥٨ هـ - ١٩٤٠ م","vol":"3","page":1821},{"text":"- رفع الإصر عن قضاة مصر، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: الدكتور علي محمد عمر، مكتبة الخانجي - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م\n- رفع اللَّبس عن حديث سجود الشَّمس، لعبد الله بن سعيد الشهري، بحث منشور في موقع ملتقى أهل الحديث الإلكتروني.\n- الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، لعبد الرحمن بن عبد الله السهيلي، المحقق: عمر عبد السلام السلامي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\n- الرَّوضُ البَاسمْ في الذِّبِّ عَنْ سُنَّةِ أبي القَاسِم، لابن الوزير، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، اعتنى به: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد - مكة.\n- روضة الطالبين وعمدة المفتين، للنووي، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان، الطبعة: الثالثة، ١٤١٢ هـ/١٩٩١ م\n- روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لابن قدامة المقدسي، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\n- رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، لـ د. أحمد بن ناصر آل محمد، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، ط ١، ١٤١١ هـ ١٩٩١ م.\n- رؤية الله، للدراقطني، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه: إبراهيم محمد العلي، أحمد فخري الرفاعي، مكتبة المنار، الزرقاء - الأردن، عام النشر: سنة ١٤١١ هـ.\n- زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، لمحمد حبيب الله الشنقيطي، دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي وشركاؤه - القاهرة.\n- زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي، المحقق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ\n- زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، مؤسسة الرسالة - بيروت، مكتبة المنار الإسلامية - الكويت، الطبعة: السابعة والعشرون، ١٤١٥ هـ/١٩٩٤ م\n- زاهد الكوثري وآراؤه الاعتقداية - عرض ونقد، للباحث علي الفهيد، رسالة ماجستير بكلية أصول الدين بجامعة أم القرى - مكة المكرمة، ١٤٢٣ هـ\n- الزاهر في معاني كلمات الناس، لأبي بكر الأنباري، المحقق: د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة - بيروت، - الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ -١٩٩٢ م","vol":"3","page":1822},{"text":"- الزاوية وما فيها من البدع، لمحمد الزمزمي بن الصديق الغماري، مطبعة اسبارطيل - المغرب، ١٩٩٩ م.\n- الزهد والرقائق، لعبد الله ابن المبارك، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية - بيروت.\n- زوابع في وجه السنة قديما وحديثا، لصلاح الدين مقبول أحمد، مجمع البحوث الإسلامية العلمية - نيودلهي، ط ١، ١٤١١ هـ\n- سبيل التوفيق في ترجمة عبد الله بن الصديق، لعبد الله الغماري، مكتبة القاهرة، ط ٣، ١٤٣٣ هـ ٢٠١٢ م\n- سطور من النقل والعقل والفكر، لعبد العزيز الطريفي، جمع وترتيب: عزام المحيسني، مكتبة العبيكان - السعودية، ط ١، ١٤٣٦ هـ\n- سل النصال بالأشياخ أهل الكمال، لعبد السلام ابن سودة، تحقيق: محمد حجي، ط ١، ١٤١٧ هـ ١٩٩٧ م.\n- سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، ط ١.\n- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، لمحمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف - الرياض، ط ١، ١٤١٢ هـ-١٩٩٢ م.\n- السلطة في الإسلام - العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، لعبد الجواد ياسين، المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء، ط ٢، ٢٠٠٠ م.\n- السماء في القرآن الكريم، زغلول النجار، دار المعرفة - بيروت، ط ٤، ٢٠٠٧ م.\n- السنا الوهاج في سن عائشة عند الزواج، لفهد الغفيلي، دار الصميعي، ط ١، ١٤٣٢ هـ ٢٠١١ م\n- السنة المفترى عليها، لسالم البهنساوي، دار الوفاء - القاهرة، دار البحوث العلمية - الكويت، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م\n- السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، لمحمد الغزالي، دار الشروق - القاهرة، ط ٦.\n- السنة بين الأصول والتاريخ، لحمادي ذويب، المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء وبيروت، ٢٠٠٥ م.","vol":"3","page":1823},{"text":"- السنة في مواجهة الأباطيل، لمحمد طاهر بن حكيم غلام رسول، دعوة الحق (سلسلة شهرية تصدر مع مطلع كل شهر عربي - السنَة الثانية: ١٤٠٢ هـ ربيع الأول العدد ١٢)، مطبوعات رابطة العالم الإسلامي.\n- السُنَّة في مواجهة شُبُهات الاستشراق (ضمن بحوث المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسُنَّة النبوية)، لأحمد أنور سيد أحمد الجندي، عني بطبعه ومراجعته خادم العلم: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، الطبعة الأولى: ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م\n- السنة قبل التدوين، لمحمد عجاج الخطيب، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م\n- السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، المحقق: د. محمد بن سعيد بن سالم القحطاني، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م\n- السُنة ودورها في الفقه الجديد (نحو فقه جديد)، لجمال البنا، دار الفكر الإسلامي، ط ١، ١٩٩٧ م.\n- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، لمصطفى بن حسني السباعي، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٣، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.\n- سنن ابن ماجه، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد - محمَّد كامل قره بللي - عَبد اللّطيف حرز الله، دار الرسالة العالمية، ط ١، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n- سنن أبي داود، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.\n- السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن، لابن رشيد الفهري السبتي، المحقق: صلاح بن سالم المصراتي، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ\n- سنن الترمذي، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ ١، ٢)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ ٣)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ ٤، ٥)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، ط ٢، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n- سنن الدارقطني، حققه وضبط نصه وعلق عليه: شعيب الارنؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م\n- السنن الصغرى للنسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.","vol":"3","page":1824},{"text":"- السنن الكبرى للنسائي، المحقق: مركز البحوث بدار التأصيل- القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\n- السنن الكبرى، لأبي بكر البيهقي، المحقق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\n- سؤالات ابن الجنيد لأبي زكريا يحيى بن معين، المحقق: أحمد محمد نور سيف، مكتبة الدار - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م\n- سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم، المحقق: زياد محمد منصور، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ\n- سؤالات البرقاني للدارقطني رواية الكرجي عنه، المحقق: عبد الرحيم محمد أحمد القشقري، كتب خانه جميلي - لاهور، باكستان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ\n- سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني، المحقق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ - ١٩٨٤ م\n- سير أعلام النبلاء، لمحمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالةـ بيروت، ط ٣، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n- السِّيرةُ النَّبَويَّةُ الصَّحيْحَةُ مُحَاوَلَةٌ لِتَطبِيْقِ قَوَاعِدِ المُحَدِّثيْنَ فِيْ نَقْدِ روَايَاتِ السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ، تجميع أكرم ضياء العمري، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة: السادسة، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م\n- السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٥ م\n- السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، لسعيد القنوبي، ط ٣، ١٤١٨ هـ\n- السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل، لتقي الدين السبكي، ومعه تكملة الرد على نونية ابن القيم، لمحمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث - القاهرة، بدون تاريخ.\n- الشامل في أصول الدين، لأبي المعالي الجويني، تحقيق مُختار، منشأة المعارف - الإسكندرية، ١٩٦٩ م.\n- شبهات القرآنيين، لعثمان بن معلم محمود بن شيخ علي، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة","vol":"3","page":1825},{"text":"- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لابن سالم مخلوف، علق عليه: عبد المجيد خيالي، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\n- شرح (التبصرة والتذكرة = ألفية العراقي)، لزين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المحقق: عبد اللطيف الهميم - ماهر ياسين فحل، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\n- شرح أصول الكافي، لمولي محمد صالح المازندراني، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n- شرح الإلمام بأحاديث الأحكام، لابن دقيق العيد، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه: محمد خلوف العبد الله، دار النوادر - سوريا، الطبعة: الثانية، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م\n- شرح التلقين، للمازري، المحقق: سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي، دار الغرب الإِسلامي، الطبعة: الطبعة الأولى، ٢٠٠٨ م\n- شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، للزرقاني، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م\n- شرح الزُّرقاني على مختصر خليل، ضبطه وصححه وخرج آياته: عبد السلام محمد أمين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م\n- شرح السنة، للحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م\n- شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عبد الله بن المحسن التركي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: العاشرة، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م\n- شرح الكوكب المنير، لابن النجار الحنبلي، المحقق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م\n- شرح المفصل للزمخشري، لابن يعيش الموصلي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م\n- شرح المواقف لعلي بن محمد الجرجاني، مطبعة السعادة ١٣٢٥ هـ\n- شرح النووي لصحيح مسلم بن الحجاج (المنهاج)، لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ\n- شرح تراجم أبواب صحيح البخاري، لولي الله الدهلوي، المحقق: عزت فرغلي، دار الكتاب المصري، ط ١، ١٤٢٠ هـ","vol":"3","page":1826},{"text":"- شرح تنقيح الفصول، لشهاب الدين القرافي، المحقق: طه عبد الرؤوف سعد، شركة الطباعة الفنية المتحدة، الطبعة: الأولى، ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م\n- شرح صحيح البخارى لابن بطال، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الثانية، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م\n- شرح علل الترمذي، لابن رجب الحنبلي، المحقق: الدكتور همام عبد الرحيم سعيد، مكتبة المنار - الأردن، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م\n- شرح لغة المحدث، لطارق عوض الله، مكتبة ابن تيمية، ط ١، ١٤٢٢ هـ ٢٠٠٢ م.\n- شرح لقطة العجلان وبلة الظمآن، لزكريا الأنصاري، تحقيق: محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ٢٠٠٨ م.\n- شرح مختصر ابن الحاجب، لعضد الدين الإيجي، المحقق: محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية - بيروت.\n- شرح مشكل الآثار، لأحمد بن محمد الأزدي الطحاوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤١٥ هـ، ١٤٩٤ م.\n- شرح مصابيح السنة، لابن المَلَك الرومي الحنفي، تحقيق ودراسة: لجنة مختصة من المحققين، إشراف: نور الدين طالب، إدارة الثقافة الإسلامية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\n- شرح معاني الآثار، للطحاوي، راجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، عالم الكتب، الطبعة: الأولى - ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م\n- شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي، لمساعد بن سليمان بن ناصر الطيار، اعتنى بها: بدر بن ناصر بن صالح الجبر، دار ابن الجوزي، الطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ\n- شرح مقدمة في أصول التفسير، لمساعد الطيار، دار ابن الجوزي - السعودية، ط ١، ١٤٢٧ هـ\n- شروط الأئمة الخمسة، لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ ١٩٨٤ م.\n- شروط الأئمة الستة، لمحمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني، ضمن ثلاث رسائل في علم الحديث، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، ط ١، ١٩٩٧ م.\n- شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، يوسف القرضاوي، دار الصحوة القاهرة ط ١، ١٩٩٨ م.","vol":"3","page":1827},{"text":"- شعب الإيمان، لأبي بكر البيهقي، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض، بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م\n- الشفا بتعريف حقوق المصطفى - مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي، دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع، ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م\n- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن قيم الجوزية، دار المعرفة - بيروت، ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.\n- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن قيم الجوزية، دار المعرفة، بيروت، الطبعة: ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م\n- الشفاعة، لمصطفى محمود، دار أخبار اليوم - القاهرة، ١٩٩٩ م.\n- شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، لنشوان الحميري، تحقيق: حسين بن عبد الله العمري، ومطهر بن علي الإرياني، ويوسف محمد عبد الله، دار الفكر المعاصر - بيروت، دار الفكر - دمشق، ط ١، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n- الشيخ أمين أحسن الإصلاحي، ومنهجه في تفسير تدبر القرآن، لعبد الرؤوف ظفر، رسالة دكتوراه مرقونة على الآلة الكاتبة، نوقشن بقسم الدراسات الإسلامية، بالجامعة الإسلامية بلاهور، باكستان، سنة ١٩٩٦ م.\n- الشيعة الاثنا عشرية وتكفيرهم لعموم المسلمين، تأليف: عبد الله بن محمد السلفي، ط ١، ١٤٢٨ هـ ٢٠٠٧ م.\n- صحيح ابن حبان (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)، ترتيب: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n- صحيح ابن خزيمة، المحقق: د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي - بيروت\n- صحيح أبي داود وضعيفه (الأم)، للألباني، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع - الكويت، ط ١، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م\n- صحيح الإمام مسلم أسانيده ونسخه ومخطوطاته، بحث منشور لنزار ريان، في مجلة الجامعة الإسلامية بغزة المجلد ١١، العدد ١، سنة ٢٠٠٣ م.","vol":"3","page":1828},{"text":"- صحيح البخاري مخرج الأحاديث محقق المعاني، لجواد عفانة، دار جواد - عمان، ط ٣، ٢٠٠٤ م.\n- صحيح البخاري، نهاية الأسطورة، لرشيد أيلال، دار الوطن - الرباط، ط ١، ٢٠١٧ م.\n- صحيح البخاري، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ\n- صحيح الجامع الصغير وزياداته، للألباني، المكتب الإسلامي.\n- صحيح الكافي، لمحمد الباقر البهبودي، الدار الإسلامية - بيروت، ط ١، ١٤٠١ هـ ١٩٨١ م.\n- صحيح مسلم، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n- صحيفة سوابق وجريدة بوائق، لمحمد بن الأمين بوخبزة الحسني، دار التوحيد - الرياض، ط ١، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n- الصديقة بنت الصديق، لعباس محمود العقاد، دار المعارف، ط ١٢، ١٩٨٨ م.\n- الصراط المستقيم لمستحقي التقديم، لعلي بن يونس البياضي، صححه وعلق عليه: محمد الباقر البهبودي، ط ١، ١٣٨٤ هـ، نشر المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية - إيران.\n- الصفات، للدارقطني، المحقق: عبد الله الغنيمان، مكتبة الدار - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٢ هـ\n- صفة الجنة، لأبي نعيم الأصبهاني، المحقق: علي رضا عبد الله، دار المأمون للتراث - دمشق.\n- صفحات من صبر العلماء، لعبد الفتاح أبو غدَّة، دار السلام - القاهرة، ط ٩، ١٤٣٠ هـ ٢٠٠٩ م.\n- الصفدية، لاين تيمية، المحقق: محمد رشاد سالم، مكتبة ابن تيمية - مصر، الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n- الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، المحقق: علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ\n- صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، لجلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية - بيروت، ٢٠٠٧ م.","vol":"3","page":1829},{"text":"- صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط، لأبي عمرو ابن الصلاح، المحقق: موفق عبد الله عبد القادر، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٨ هـ\n- صيد الخاطر، لعبد الرحمن ابن الجوزي، بعناية: حسن المساحي سويدان، دار القلم - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n- ضحى الإسلام، لأحمد أمين، مكتبة النهضة، القاهرة، ط ٨.\n- الضعفاء، للبخاري، المحقق: أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين، مكتبة ابن عباس، الطبعة: الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ مـ\n- الضعفاء، للعُقيلي، المحقق: قسم التحقيق بدار التأصيل، الطبعة: الأولى ٢٠١٣\n- ضوابط المعرفة، وأصول الاستدلال والمناظرة، لعبد الرحمن حبنكة الميداني، تحقيق: حسين مؤنس، دار القلم - دمشق، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م\n- الضياء المعنوي على مقدمة الغزنوي، لمحمد بن أحمد بن ضياء الغزنوي المكي، مخطوطة محفوظة بالمكتبة القاسمية بباكستان.\n- الطب منبر الإسلام، لقاسم سويداني، دار الألباب - بيروت، ط ١، ١٩٩٩ م.\n- طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى، المحقق: محمد حامد الفقي، الناشر: دار المعرفة - بيروت.\n- طبقات الشافعية الكبرى، لعبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، المحقق: د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، ١٤١٣ هـ\n- الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد، المحقق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٩٦٨ م\n- طبقات المعتزلة، لأحمد بن يحيى بن المرتضى المهدي لدين الله، تحقيق: سُوسَنّة دِيفَلْد فِلْزَر، دار مكتبة الحياة - بيروت، ١٣٨٠ هـ ١٩٦١ م.\n- طرح التثريب في شرح التقريب، لعبد الرحيم بن الحسين العراقي، أكمله ابنه: أحمد، الطبعة المصرية القديمة - وصورتها دور عدة منها (دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي، ودار الفكر العربي)\n- الطرق الحكمية، لابن القيم الجوزية، مكتبة دار البيان.\n- الطريق إلى ثقافتنا، لمحمود شاكر، دار المدني - جدة، ١٤٠٧ هـ","vol":"3","page":1830},{"text":"- الطريق من هنا، لمحمد الغزالي، دار نهضة مصر، الطبعة: الأولي.\n- طليعة سمط الآلي في الرد على الشيخ محمد الغزالي، أبو إسحاق الحويني، مكتبة التوعية الإسلامية - الجيزة، ط ١، ١٤١٠ هـ\n- الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان، لسعيد القنوبي.\n- الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية لـ د. ساسي الحاج، مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطة، ط ١، ١٩٩١ م.\n- ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم، للألباني، المكتب الإسلامي - عمان، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ-١٩٨٠ م\n- عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، لأبي بكر ابن العربي، دار الكتب العلمية - بيروت\n- العثمانية، لعمرو بن بحر الشهير بالجاحظ، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\n- العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى الفراء، حققه وعلق عليه وخرج نصه: أحمد بن علي بن سير المباركي، الناشر: بدون ناشر، الطبعة: الثانية ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م\n- العذب النَّمير من مجالسِ الشَّنقيطي فِي التَّفسيرِ، لمحمد الأمين الشنقيطي، جمعها: خالد بن عثمان السبت، بإشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة: الثانية، ١٤٢٦ هـ\n- العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، محمد الناصر، مكتبة الكوثر، الرياض، ط ٢، ١٤٢٢ هـ.\n- عصمة الأنبياء بين المسلمين وأهل الكتاب، لأحمد آل عبد اللطيف، رسالة ماجستير نوقشت بكلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة، سنة ١٩٨٢ م.\n- العظمة، لأبِي الشيخ الأصبهاني، المحقق: رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري، دار العاصمة - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ\n- عقيدة المسلم، لمحمد الغزالي، نهضة مصر للطباعة والنشر - مصر، ط ١.\n- علل الترمذي الكبير، للترمذي، رتبه على كتب الجامع: أبو طالب القاضي، المحقق: صبحي السامرائي، أبو المعاطي النوري، محمود خليل الصعيدي، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩.","vol":"3","page":1831},{"text":"- العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لعبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، المحقق: إرشاد الحق الأثري، إدارة العلوم الأثرية - فيصل آباد، باكستان، الطبعة: الثانية، ١٤٠١ هـ/١٩٨١ م\n- العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدراقطني، المجلدات من الأول، إلى الحادي عشر، تحقيق وتخريج: محفوظ الرحمن زين الله السلفي، دار طيبة - الرياض، الطبعة: الأولى ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م. والمجلدات من الثاني عشر، إلى الخامس عشر، علق عليه: محمد بن صالح بن محمد الدباسي، دار ابن الجوزي - الدمام، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ\n- العلل لابن أبي حاتم، لابن أبي حاتم، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية د/ سعد بن عبد الله الحميد ود/ خالد بن عبد الرحمن الجريسي، مطابع الحميضي، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\n- علل وأدوية، لمحمد الغزالي، دار نهضة مصر - القاهرة، ط ١.\n- علم الغيب في الشريعة الإسلامية، لأحمد الغنيمان، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، ط ١، ١٤٢٥ هـ\n- علم علل الحديث من خلال كتاب الوهم والإيهام، لإبراهيم الغماري، وزارةالأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، ط ١، ١٤١٥ هـ ١٩٩٥ م\n- العلمانية الجزئية والشاملة، لـ د. عبد الوهاب المسيري، دار الشروق - القاهرة، ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٠ م.\n- العلمانية مفاهيم ملتبسة، للحسن وريغ، وأشرف عبد القادر، رؤية للنشر والتوزيع - الدار البيضاء، ٢٠٠٩ م.\n- العلمانية: نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، لسفر الحوالي، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، بدون تاريخ.\n- العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، للذهبي، المحقق: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواء السلف - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م\n- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين العيني، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n- العناية شرح الهداية، للبابرتي، الناشر: دار الفكر.\n- العواصم من القواصم، لأبي بكر بن العربي المعافري، المحقق: الدكتور عمار طالبي، مكتبة دار التراث - مصر.","vol":"3","page":1832},{"text":"- العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، حققه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٣، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n- عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته، لشرف الحق العظيم آبادي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٥ هـ\n- غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، للألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٥ هـ\n- غرائب التفسير وعجائب التأويل، لبرهان الدين الكرماني، دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة، مؤسسة علوم القرآن - بيروت\n- الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة، لعمر بن إسحقي الغزنوي، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة: الأولى ١٤٠٦ - ١٩٨٦ هـ\n- غياث الأمم في التياث الظلم، لعبد الملك الجويني إمام الحرمين، المحقق: عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، ط ٢، ١٤٠١ هـ.\n- الغيبة، لمحمد بن إبراهيم النعماني، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مكتبة الصدوق - طهران.\n- الغيلانيات (الفوائد)، لمحمد بن عبد الله بن عبدوَيْه البغدادي، المحقق: حلمي كامل أسعد عبد الهادي، دار ابن الجوزي - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م\n- فتاوى معاصرة، لـ. د يوسف القرضاوي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب الحنبلي، تحقيق مجموعة باحثين، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩.\n- الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني، حققه ورتبه: محمد صبحي بن حسن حلاق، مكتبة الجيل الجديد، صنعاء - اليمن.\n- فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار، لحسن بن أحمد الرُّباعي، المحقق: مجموعة بإشراف الشيخ علي العمران، دار عالم الفوائد، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ\n- فتح القدير، لكمال الدين ابن الهمام، دار الفكر.","vol":"3","page":1833},{"text":"- فتح المعين بنقد كتاب الأربعين، لعبد الله بن الصديق الغماري، تحقيق: حسن السقاف، ط ٣، ١٤٢٨ هـ ٢٠٠٧ م\n- فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، المحقق: علي حسين علي، مكتبة السنة - مصر، ط ١، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n- الفتن، لنعيم بن حماد، المحقق: سمير أمين الزهيري، مكتبة التوحيد - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ\n- فتوح مصر والمغرب، لابن عبد الحكم أبي القاسم المصري، مكتبة الثقافة الدينية، عام النشر: ١٤١٥ هـ\n- الفردوس بمأثور الخطاب، لشيرويه بن شهردار الديلميّ، المحقق: السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م\n- الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي، دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٩٧٧ م.\n- الفروسية المحمدية، لابن قيم الجوزية، المحقق: زائد بن أحمد النشيري، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ\n- فصل المقال في نزول عيسى وقتله الدجال، لمحمد خليل الهراس، تحقيق السيد بن عبد المقصود، مكتبة السنة - القاهرة، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n- الفصل في الملل والأهواء والنحل، لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم، مكتبة الخانجي - القاهرة.\n- فصول البدائع في أصول الشرائع، لشمس الدين الفناري الرومي، المحقق: محمد حسين محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٦ م - ١٤٢٧ هـ\n- الفصول في السيرة، لابن كثير الدمشقي، تحقيق وتعليق: محمد العيد الخطراوي، محيي الدين مستو، مؤسسة علوم القرآن، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٣ هـ\n- فضل الاعتزال، للقاضي عبد الجبار الهمذاني، تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر، ط ٢، ١٤٠٦ هـ\n- الفقه الإسلامي في طريق التجديد، لسليم العوا، المكتب الإسلامي بيروت ط ٢ - ١٩٩٨ م.\n- فقه السيرة، لمحمد الغزالي، دار نهضة - مصر، ط ١.","vol":"3","page":1834},{"text":"- الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي، المحقق: عادل بن يوسف الغرازي، دار ابن الجوزي - السعودية، الطبعة: الثانية، ١٤٢١ هـ\n- الفكر الإسلامي، قراءة علمية، محمد أركون، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط ١، ١٩٩٦ م.\n- الفكر العربي في عصر النهضة، لألبرت حوراني، ترجمة: كريم عزقول، دار النهار - بيروت.\n- الفكر العربي، قراءة علمية، لمحمد أركون، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط ٢، ١٩٩٦ م.\n- الفكر المادي الحديث وموقف الإسلام منه، لمحمود عبد الحكيم عثمان، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٧٧ م.\n- فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، لمحمد عَبْد الحَيّ الكتاني، المحقق: إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة: ٢، ١٩٨٢ م\n- الفهرست، لأبي الفرج ابن النديم، المحقق: إبراهيم رمضان، دار المعرفة - بيروت، الطبعة: الثانية ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، لمحمد بن علي الشوكاني، المحقق: عبد الرحمن بن يحي المعلمي، دار الكتب العلمية - بيروت.\n- الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة، لعبد الله بن الصديق الغماري، بدون معلومات على الغلاف.\n- في العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة، لـ د. محمود خفاجي، مطبعة الأمانة - بيروت، ط ١، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n- في المذاهب المعاصرة، لأحمد عبده الجمل، كلية أصول الدين - القاهرة، ط ١، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\n- في ظلال القرآن، لسيد قطب، دار الشروق - بيروت- القاهرة، الطبعة: السابعة عشر - ١٤١٢ هـ\n- في قواعد الساميات: العبرية والسريانية والحبشية، لرمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط ٢، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n- فيض الباري على صحيح البخاري، لمحمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري، المحقق: محمد بدر عالم الميرتهي، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.","vol":"3","page":1835},{"text":"- فيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبد الرؤوف المناوي، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، الطبعة: الأولى، ١٣٥٦ هـ\n- قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لابن تيمية، المحقق: ربيع بن هادي عمير المدخلي، مكتبة الفرقان - عجمان، الطبعة: الأولى (لمكتبة الفرقان) ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ هـ\n- القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادى، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٨، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\n- القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، لابن العربي المالكي، المحقق: الدكتور محمد عبد الله ولد كريم، دار الغرب الإسلامي، الطبعة: الأولى، ١٩٩٢ م\n- قبول الأخبار ومعرفة الرجال، لعبد الله بن أحمد الكعبي البلخي، المحقق: أبو عمرو الحسيني بن عمر بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\n- قدر العلمانية في العالم العربي، للحسن وريغ، وأشرف عبد القادر، منشورات الأحداث المغربية - الدار البيضاء، ط ١، ٢٠٠٩ م.\n- القدر وما ورد في ذلك من الآثار، لعبد الله بن وهب، المحقق: د. عبد العزيز عبد الرحمن العثيم\n- الناشر: دار السلطان - مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ\n- القدر، لجعفر بن محمد الفِرْيابِي، المحقق: عبد الله بن حمد المنصور، أضواء السلف - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م\n- قذائف الحق، لمحمد الغزالي، دار القلم - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\n- قراءة في منهج البخاري ومسلم، لمحمد زهير الأدهمي، دار النفائس - بيروت، ط ١، ١٤٣٥ هـ\n- القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، لمحمد أركون، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الطليعة - بيروت، ط ٢، ٢٠٠٥ م.\n- القرآن من الهجر إلى التفعيل، لسامر إسلامبولي، دار الأوائل، ط:١، ٢٠٠٨ م.\n- القرآن وعلم النفس، لـ د. محمد عثمان نجاتي، دار الشروق - القاهرة، ط ٧، ١٤٢١ هـ ٢٠٠١ م.","vol":"3","page":1836},{"text":"- القرآنيون، نشأهم - عقائدهم - أدلتهم، لعلي محمد زينو، دار القبس - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م\n- القسم القائد إلى تصحيح العقائد (وهو القسم الرابع من كتاب التنكيل بما تأنيب الكوثري من الأباطيل)، للمعلمي، المحقق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n- قصة المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇، للألباني، المكتبة الإسلامية - عمان - الأردن.\n- قصة الهجوم على السنة، لـ د. علي السالوس، دار السلام، ط ١، ١٤٠٨ هـ ١٩٨٧ م.\n- قضايا التجديد - نحو منهج أُصولي، حسن الترابي، معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، ١٩٨٧ م.\n- قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، لمحمد الغزالي، دار نهضة مصر، الطبعة: الأولى.\n- القطعية من الأدلة الأربعة، لمحمد دمبي دكوري، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ\n- قوادح الاستدلال بالإجماع، لسعد الشثري، كنوز إشبيليا - الرياض، ط ٢، ١٤٢٥ هـ\n- قواطع الأدلة في الأصول، لأبي المظفر السمعاني، المحقق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ/١٩٩٩ م\n- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد\n- الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩١ م\n- قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، لمحمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية -بيروت.\n- القواعد والفوائد الأصولية وما يتبعها من الأحكام الفرعية، لابن اللحام، المحقق: عبد الكريم الفضيلي، المكتبة العصرية، الطبعة: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\n- القول الصُّراح في البخاريِّ وصَحيحه الجامع، لشيخ الشريعة الأصفهاني، تحقيق: حسين الهرساوي، مؤسسة الإمام الصادق - قم، ط ١، ١٤٢٢ هـ\n- القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد، لابن حجر العسقلاني، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ","vol":"3","page":1837},{"text":"- القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد، لابن حجر العسقلاني، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ - الكاشف عن حقائق السنن (شرح الطيبي على مشكاة المصابيح)، المحقق: د. عبد الحميد هنداوي، مكتبة نزار مصطفى الباز (مكة المكرمة - الرياض)، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م\n- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، للذهبي، المحقق: محمد عوامة أحمد محمد نمر الخطيب، دار القبلة للثقافة الإسلامية - مؤسسة علوم القرآن، جدة، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م\n- الكامل في ضعفاء الرجال، لعبد الله بن عدي الجرجاني، المحقق: مازن محمد السرساوي، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ هـ\n- كتاب السبعة في القراءات، لأبي بكر بن مجاهد البغدادي، المحقق: شوقي ضيف، دار المعارف - مصر، الطبعة: الثانية، ١٤٠٠ هـ\n- الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، لمحمد شحرور، دار الأهالي للنشرـ سوريا، ١٩٩٥ م.\n- الكتاب والقرآن، لمحمد شحرور، الأهالي للطباعة والنشر، دمشق، ط ١، ١٩٩٠ م.\n- كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها، لعماد السيد محمد إسماعيل الشربينى، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م\n- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، لجار الله الزمخشري، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٧ هـ\n- كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، لعبد العزيز علاء الدين البخاري الحنفي، دار الكتاب الإسلامي، بدون طبعة وبدون تاريخ.\n- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة، مكتبة المثنى - بغداد (وصورتها عدة دور لبنانية، بنفس ترقيم صفحاتها، مثل: دار إحياء التراث العربي، ودار العلوم الحديثة، ودار الكتب العلمية)، تاريخ النشر: ١٩٤١ م\n- كشف اللثام شرح عمدة الأحكام، لمحمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي، اعتنى به تحقيقا وضبطا وتخريجا: نور الدين طالب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، دار النوادر - سوريا، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\n- كشف المتواري في صحيح البخاري، لمحمد جواد خليل، دار الإرشاد - لندن، ط ١، ١٤٢٦ هـ ٢٠٠٦ م.","vol":"3","page":1838},{"text":"- كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي، المحقق: علي حسين البواب، دار الوطن - الرياض.\n- كعب الأحبار وأثره في التفسير، لـ د. خليل إلياس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ٢٠٠٧ م.\n- الكفاية في علم الرواية، لأحمد بن علي الخطيب البغدادي، المحقق: أبو عبدالله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية - المدينة المنورة.\n- الكفاية في علم الرواية، لأحمد بن علي الخطيب البغدادي، المحقق: أبو عبدالله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية - المدينة المنورة.\n- كلمة الحق، لأحمد محمد شاكر، بتقديم عبد السلام هارون، مكتبة السُنة - القاهرة، بدون سنة نشر.\n- كواشف زيوف في المذاهب الفكريَّة المعاصرة، لعبد الرحمن حبنكة الميداني، دار القلم - دمشق، ط ٢، ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م.\n- الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، لمحمد بن يوسف الكرماني، دار إحياء التراث العربي - بيروت، طبعة أولى: ١٣٥٦ هـ - ١٩٣٧ م\n- الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري، لأحمد بن إسماعيل الكوراني، المحقق: الشيخ أحمد عزو عناية، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\n- كوثَر المَعَاني الدَّرَارِي في كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري، لمحمَّد الخَضِر الشنقيطي، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n- كيف نتعامل مع السنة النبوية، ليوسف عبد الله القرضاوي، الناشر: دار الشروق، ط ١، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\n- كيف نتعامل مع القرآن، ليوسف للقرضاوي، دار نهضة مصر القاهرة ط ٥ - ٢٠٠٥ م.\n- كيف نتعامل مع القرآن، محمد الغزالي، نهضة مصر للطباعة والنشرـ مصر، ط ٧، ٢٠٠٧ م.\n- لامع الدراري على جامع البخاري، للكاندهلوي، المكتبة الإمدادية، مكة المكرمة.\n- اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، لشمس الدين البِرْماوي، تحقيق ودراسة: لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب، دار النوادر - سوريا، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م","vol":"3","page":1839},{"text":"- لباب التأويل في معاني التنزيل، لعلاء الدين الخازن، المحقق: تصحيح محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى ١٤١٥ هـ\n- اللباس الشرعي وطهارة المجتمع، لجواد عفانة، دار جواد - عمان، ط ١، ١٩٩٨ م.\n- لبنات، لعبد المجيد الشرفي، دار الجنوب للنشر، ١٩٩٤ م.\n- لسان العرب، لجمال الدين ابن منظور الأنصاري، دار صادر - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ\n- لسان الميزان، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المحقق: عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٢ م\n- لفق المسلمون إذ قالوا، لزكريا أوزون، رياض الريس للكتب والنشر، ٢٠٠٨ م.\n- اللمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق الشيرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية ٢٠٠٣ م - ١٤٢٤ هـ.\n- لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، لمحمد بن أحمد السفاريني الحنبلي، مؤسسة الخافقين ومكتبتها - دمشق، الطبعة: الثانية - ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م\n- لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحديث، تأليف: الشيخ يوسف البحراني، حققه وعلق عليه: السيد محمد صادق بحر العلوم، الناشر: مكتبة فخراوي، ط ١، ٢٠٠٨ م.\n- مائة سؤال عن الإسلام، لمحمد الغزالي، نهضة مصر للطباعة والنشر، ط ٤، ٢٠٠٥ م\n- مباحث في علوم القرآن، لمناع بن خليل القطان، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الطبعة: الطبعة الثالثة ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\n- مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار، لعبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن ملك الحنفي، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود، دار الجيل - بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n- المبسوط، لشمس الأئمة السرخسي، دار المعرفة - بيروت.\n- متشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار المعتزلي، تحقيق: عدنان زرزور، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط ١، ١٩٦٩ م.","vol":"3","page":1840},{"text":"- المتواري علي تراجم أبواب البخاري، لابن المنير الإسكندراني، المحقق: صلاح الدين مقبول أحمد، الناشر: مكتبة المعلا - الكويت\n- المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير الكاتب، المحقق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية للطباعة والنشر - بيروت، عام النشر: ١٤٢٠ هـ\n- مجالس التذكير من حديث البشير النذير، لعبد الحميد محمد بن باديس، مطبوعات وزارة للشؤون الدينية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م\n- مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، لعبد الحميد بن باديس الصنهاجي، المحقق: علق عليه وخرج آياته وأحاديثه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n- مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي، المؤلف: أحمد بن محمد الأمين بن أحمد بن المختار المحضريّ، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\n- المجالسة وجواهر العلم، لأحمد بن مروان الدينوري، المحقق: مشهور بن حسن آل سلمان، جمعية التربية الإسلامية (البحرين - أم الحصم)، دار ابن حزم (بيروت - لبنان)، ١٤١٩ هـ\n- المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، لمحمد بن حبان، المحقق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي - حلب، الطبعة: الأولى، ١٣٩٦ هـ\n- مجمع الأمثال، لأبي الفضل الميداني النيسابوري، المحقق: محمد محيى الدين عبد الحميد، دار المعرفة - بيروت\n- مجموع الفتاوى، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الجامع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n- المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، لأبي موسى المديني، المحقق: عبد الكريم العزباوي، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، الطبعة: الأولى.\n- المجموع شرح المهذب، للنووي، دار الفكر، (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي).\n- مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الوطن - دار الثريا، ١٤١٣ هـ\n- محاسن الاصطلاح (المطبوع مع مقدمة ابن الصلاح) لعمر بن رسلان البلقيني، المحقق: عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، الناشر: دار المعارف.","vol":"3","page":1841},{"text":"- محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين القاسمي، المحقق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلميه - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ\n- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي، المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية - بيروت.\n- محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، لفخر الدين الرازي، راجعه: طه عبد سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.\n- المحصول من علم الأصول للرازي، تحقيق طه جابر العلواني، نشر جامعة الإمام، الرياض، ط ١، ١٣٩٩ هـ.\n- المحكمات، صمام أمن الأمة وأساس الثبات، لحاتم العوني، الشبكة العربية للأبحاث والنشر - بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ\n- المحلى بالآثار، لابن حزم الأندلسي، دار الفكر - بيروت.\n- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، اختصره: محمد بن محمد الموصلي، المحقق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة - مصر، ط ١، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n- مختصر العلو للعلي العظيم للذهبي، حققه واختصره: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م.\n- الْمُخْتَصَرُ النَّصِيحُ فِي تَهْذِيبِ الْكِتَابِ الْجَامِعِ الْصَّحِيحِ، للمُهَلَّبُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَبِي صُفْرَةَ، المحقق: أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ السَّلوم، دار التوحيد - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م\n- مُخْتَصَر صَحِيحُ الإِمَامِ البُخَارِي، للألباني، مكتَبة المَعارف للنَّشْر والتوزيع - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م\n- مختصر صحيح الإمام مسلم، لعبد العظيم المنذري، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - عمان، ط ٦، ١٤٠٧ هـ.\n- مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، لعثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب المالكي، تحقيق: نذير حمادو، دار ابن حزم، ط ١، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م.\n- المختلطين، لصلاح الدين العلائي، المحقق: د. رفعت فوزي عبد المطلب، علي عبد الباسط مزيد، الناشر: مكتبة الخانجي - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م\n- مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين، لـ د. نافذ حسين (ص/١٣) دار الوفاء، مصر، ط ١، ١٤١٤ هـ","vol":"3","page":1842},{"text":"- مختلف الحديث وموقف النقاد والمحدثين منه، لـ د. أسامة الخياط، مطابع الصفا، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٠٦ هـ\n- المخزون في علم الحديث، لأبي الفتح الأزدي، المحقق: محمد إقبال محمد إسحاق السلفي، الدار العلمية - دلهي، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n- المخلصيات وأجزاء أخرى، لأبي طاهر المخلص، المحقق: نبيل سعد الدين جرار، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لدولة قطر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\n- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن قيم الجوزية، المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م\n- مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لأبي البركات النسفي، حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي، دار الكلم الطيب، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\n- مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق، لعلي بن محمد بن حزم الأندلسي، تحقيق: إيفا رياض، دار ابن حزم، ط ١، ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م.\n- المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي، لأحمد بن الصدِّيق الغُمَارِي، دار الكتبي - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٩٩٦\n- المدخل إلى الدراسات التاريخية، لأنجلوا وسينوبولس، تعريب: عبد الرحمن بدوي، ضمن كتاب النقد التاريخي، وكالة المطبوعات - الكويت، ط ٤، ١٩٨١ م.\n- المدخل إلى الصحيح، للحاكم النيسابوري، المحقق: ربيع بن هادي عمير المدخلي، دار الإمام أحمد، الطبعة: ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م\n- مدخل إلى القرآن الكريم، لمحمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، ط ١، ٢٠٦٦ م.\n- المدخل إلى دراسة علم الكلام، لـ د. حسن الشافعي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط ٢، ١٤١١ هـ\n- المدخل إلى كتاب الإكليل، لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، المحقق: د. فؤاد عبد المنعم أحمد، دار الدعوة - الاسكندرية.\n- المدرسة العسكرية الإسلامية، لمحمد فرج، دار الفكر العربي للطبع والنشر، ط ٢، ١٩٧٩ م.\n- مدونة مالك بن أنس، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م","vol":"3","page":1843},{"text":"- المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن، لأجناس جولدزيهر، ترجمة عبد الحليم النجار، مكتبة الخانجي - القاهرة، ١٩٥٥ م.\n- مذاهب فكرية معاصرة، لمحمد قطب، ط ١، ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م.\n- مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، لعفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي، وضع حواشيه: خليل المنصور، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م\n- المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء، جمال البنا، دار الفكر الإسلامي - القاهرة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n- مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، لابن حزم الأندلسي، دار الكتب العلمية - بيروت.\n- المراسيل، عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي، المحقق: شكر الله نعمة الله قوجاني، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٣٩٧ هـ\n- المرجعية العليا في الإسلام للكتاب والسنة، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة- القاهرة، ط ٢، ١٤٢٢ هـ.\n- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي الملا الهروي القاري، دار الفكر - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م\n- مرويات السيرة النبوية بين قواعد المحدثين وروايات الأخباريين، لأكرم بن ضياء العمري، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.\n- مرويات وهب بن منبه في الكتب التسعة، لعلوي بن حامد، دار الكتاب الثقافي، إربد، الأردن.\n- مرويات وهب بن منبه في الكتب الخمسة ومسندي أحمد والدارمي - جمع وتخريج ودراسة، لعلوي بن حامد بن شهاب الدين، بحث دكتوراه نوقش بقسم أصول الدين بجامعة آل البيت بالأردن سنة ١٤٢٣ هـ ٢٠٠٢ م.\n- مزالق الأصوليين، للأمير الصنعاني، تحقيق: محمد صباح المنصور، دار غراسـ ط ١، ١٤٢٥ هـ\n- مسألة التقريب بين أهل السُّنة والشيعة، لـ د. ناصر القفاري، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٣، ١٤٢٨ هـ\n- مسألة الرؤية، حسن السقاف، دار الإمام النووي، ط ٢، ١٤٢٨ هـ ٢٠٠٧ م.","vol":"3","page":1844},{"text":"- المسالك في شرح موطأ مالك، لأبي بكر ابن العربي المعافري، المحقق: محمد بن الحسين السليماني وعائشة بنت الحسين السليماني، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\n- مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله، المحقق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م\n- مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n- المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري المعروف بابن البيع، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n- المستشرقون والحديث النبوي، لمحمد بهاء الدين، دار النفائس، ط ١، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\n- المستشرقون والسنة لـ د. سعد المرصفي، مؤسسة الريان - بيروت.\n- المستشرقون: موسوعة في تراث العرب مع تراجم المستشرقين ودراساتهم عنه منذ ألف عام حتى اليوم، ط ٤، دار المعارف، مصر، ١٩٨١.\n- المستصفى، لأبي حامد الغزالي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م\n- مُستَمسك العُروة، لمُحسن الحكيم الطباطبائي، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - قُم، ١٤٠٤ هـ\n- مسلم الثبوت في أصول الفقه، لمحب الله بن عبد الشكور الهندي البهاري، المطبعة الحسينية المصرية - مطبعة كردستان العلمية.\n- مسند ابن الجعد، تحقيق: عامر أحمد حيدر، مؤسسة نادر - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م\n- مسند أبي عوانة الإسفرائيني، المحقق: أيمن بن عارف الدمشقي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٩٩٨ م\n- مسند أحمد بن حنبل، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م.\n- مسند إسحاق بن راهويه، المحقق: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، مكتبة الإيمان - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ - ١٩٩١","vol":"3","page":1845},{"text":"- مسند البزار (البحر الزخار)، لأحمد بن عمرو البزار، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، (حقق الأجزاء من ١ إلى ٩)، وعادل بن سعد (حقق الأجزاء من ١٠ إلى ١٧)، وصبري عبد الخالق الشافعي (حقق الجزء ١٨)، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، ط ١، (بدأت ١٩٨٨ م، وانتهت ٢٠٠٩ م).\n- المسند الجامع، حققه ورتبه وضبط نصه: محمود محمد خليل، الناشر: دار الجيل للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الشركة المتحدة لتوزيع الصحف والمطبوعات، الكويت، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م\n- المسند المصنف المعلل، المؤلف: السيد أَبو المعاطي النوري - محمد مهدي المسلمي، الدكتور بشار عواد معروف - أَحمد عبد الرزاق عيد، أيمن إبراهيم الزاملي، الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م\n- المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي.\n- مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض، المكتبة العتيقة ودار التراث.\n- مشاهير علماء الأمصار، لابن حبان البستي، تحقيق: مرزوق علي إبراهيم، دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة، ط ١، ١٤١١ هـ ١٩٩١ م.\n- مشكل الحديث وبيانه، لمحمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، المحقق: موسى محمد علي، عالم الكتب - بيروت، ط ٢، ١٩٨٥ م.\n- مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها، لعبد الله بن علي النجدى القصيمي، المجلس العلمي السلفي - باكستان، ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م.\n- مشيخة الإلغيين من الحضريين، أو تراجم أساتذتي الحضريين، لمحمد المختار السوسي، تقديم: عباس الجراري، مطبعة المعارف الجديدة - المغرب، ط ١، ٢٠١٠ م.\n- مَصادر التَّلقي وأصول الاستدلال العقدية عند الإمامية، لإيمان العلواني، دار التدمرية - الرياض، ط ١، ١٤٢٩ هـ\n- مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، لجون بنروبي، ترجمة عبد الرحمن بدوي، مراجعة: محمد ثابت الفندي، مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة، بدون سنة نشر.\n- المصباح في عيون الصحاح، لعبد الغني المقدسي، مخطوط بالمكتبة الظاهرية، وله نسخة في المكتبة المركزية بالرياض، برقم ٢٠٣٩/ف، ٣٤٧/ف، ٤٢١، ٩٢١/ف.\n- المصطلحات الأربعة الواردة في القرآن، لأبي الأعلى المودودي، تعريب: محمد كاظم سباق، تخريج محمد ناصر الدين الألباني، دار القلم - الكويت، ط ٨، ١٤٠١ هـ ١٩٨١ م","vol":"3","page":1846},{"text":"- مصنف ابن أبي شيبة، المحقق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١، ١٤٠٩ هـ.\n- المطالب العالية من العلم الإلهي، لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، تحقيق: أحمد حجازي السقا، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n- مطالع الأنوار على صحاح الآثار، لإبراهيم بن يوسف ابن قرقول، تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة قطر، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\n- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، لحافظ بن أحمد الحكمي، المحقق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م\n- معالم أصول الدين، لفخر الدين الرازي، المحقق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي - لبنان\n- معالم التنزيل في تفسير القرآن، للحسين بن مسعود البغوي، المحقق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الرابعة، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م\n- معالم السنن، للخطابي، المطبعة العلمية - حلب، الطبعة: الأولى ١٣٥١ هـ -١٩٣٢ م\n- معالم المدرستين، لمرتضى العسكرى، الدار العالمية، بيروت، الطبعة الخامسة ١٤١٤ هـ-١٩٩٣ م.\n- معالم المنهج الإسلامي لـ د. محمد عمارة، دار الرشاد ط ٣، ١٤١٨ هـ.\n- معاني القرآن وإعرابه، لإبراهيم بن السري الزجاج، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م\n- معاني القرآن، لأبي زكريا الفراء، المحقق: أحمد يوسف النجاتي/ محمد علي النجار/ عبد الفتاح إسماعيل الشلبي، دار المصرية للتأليف والترجمة - مصر، الطبعة: الأولى\n- المعتمد في أصول الفقه، لأبي الحسين البَصْري المعتزلي، المحقق: خليل الميس، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ\n- المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد حسن جبل، مكتبة الآداب - القاهرة، الطبعة: الأولى، ٢٠١٠ م.\n- المعجم الأوسط، لأبي القاسم الطبراني، المحقق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة","vol":"3","page":1847},{"text":"- معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، الطبعة: الثانية، ١٩٩٥ م\n- معجم افتراءات الغرب على الإسلام، لأحمد محمود زناتي، إصدار إلكتروني من موقع نصرة رسول الله.\n- المعجم الكبير، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المحقق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الثانية، ١٩٨٣ م\n- معجم اللغة العربية المعاصرة، لأحمد مختار عبد الحميد عمر، بمساعدة فريق عمل، عالم الكتب، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\n- معجم المفردات الآرامية القديمة، لسليمان الذييب، مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض، ١٤٢٧ هـ ٢٠٠٦ م.\n- معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي، وبيان ما ألف فيها، لعبد الله الحبشي، إصدارات المجمع الثقافي - أبو ظبي،١٤٢٠ هـ ٢٠٠٠ م.\n- المعجم الوجيز للمستجيز، لأحمد الغماري، دار العهد الجديدة للطباعة، ١٣٧٣ هـ\n- معرفة السنن والآثار، لأبي بكر البيهقي، المحقق: عبد المعطي أمين قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي - باكستان)، دار قتيبة (دمشق -بيروت)، دار الوعي (حلب - دمشق)، دار الوفاء (المنصورة - القاهرة)، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م\n- معرفة الصحابة، لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن للنشر - الرياض، الطبعة: الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n- معرفة أنواع علوم الحديث (مقدمة ابن الصلاح)، لعثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح، المحقق: نور الدين عتر، دار الفكر- سوريا، دار الفكر المعاصر - بيروت، سنة النشر: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م\n- المعرفة في الإسلام، مصادرها ومجالاتها لـ د. عبد الله القرني، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n- المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سفيان الفسوي، المحقق: أكرم ضياء العمري، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠١ هـ- ١٩٨١ م\n- المُعْلم بفوائد مسلم، لمحمد بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري، المحقق: فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر، الدار التونسية للنشر، المؤسّسة الوطنية للكتاب بالجزائر، المؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات بيت الحكمة، الطبعة: الثانية، ١٩٨٨ م، والجزء الثالث صدر بتاريخ ١٩٩١ م.","vol":"3","page":1848},{"text":"- المعونة في الجدل، لأبي اسحاق الشيرازي، المحقق: علي عبد العزيز العميريني، جمعية إحياء التراث الإسلامي - الكويت، الطبعة: الأولى ١٤٠٧ هـ\n- المغازي، لمحمد بن عمر الواقدي، تحقيق: مارسدن جونس، دار الأعلمي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٩/ ١٩٨٩ م.\n- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام، المحقق: د. مازن المبارك/ محمد علي حمد الله، دار الفكر - دمشق، الطبعة: السادسة، ١٩٨٥ م\n- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، لمحمد بن أحمد الخطيب الشربيني، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م\n- المغني، لابن قدامة المقدسي، مكتبة القاهرة، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م\n- المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير، لأحمد بن الصديق الغماري، دار الرائد - بيروت، ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢ م.\n- مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، لفخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ\n- المفاتيح في شرح المصابيح، للمُظْهِري، تحقيق ودراسة: لجنة مختصة من المحققين بإشراف: نور الدين طالب، دار النوادر، وهو من إصدارات إدارة الثقافة الإسلامية - وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\n- مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي، الجامعة الإسلامية المدينة المنورة، ١٣٩٩\n- المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، لجواد علي، دار الساقي، ط ٤، ١٤٢٢ هـ/٢٠٠١ م.\n- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ الأنصاريُّ القرطبيُّ، دار ابن كثير، دار طيبة - دمشق، ط ١، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n- مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، لنصر أبو زيد. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط ٣، ١٩٩٦ م.\n- مقاصد الفلاسفة في المنطق والحكمة الإلهية والحكمة الطبيعية، لأبي حامد الغزالي، مطبعة السعادة - مصر، ١٣٣١ هـ\n- مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المحقق: نعيم زرزور، المكتبة العصرية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م","vol":"3","page":1849},{"text":"- مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: نعيم زرزور، المكتبة العصرية، ط ١، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\n- مقالات الشَّيخ محمد الغزالي في مجلَّة الوعي الإسلاميَّة، وزارة الأوقاف الكويتية، ط ٢، مقالاته المنشورة في هذه المجلة من ١٣٨٥ هـ إلى ١٤٠٠ هـ\n- مقالات الكوثري، جمع محمد يوسف البنوري، المكتبة التوفيقية ت القاهرة، بدون تاريخ.\n- المقدمات الأساسية في علوم القرآن، لعبد الله الجديع، موسسة الريان - بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\n- المقدمات الممهدات، لأبي الوليد ابن رشد القرطبي، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ط ١، ١٩٩٨ م\n- مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية، دار مكتبة الحياة - بيروت، الطبعة: ١٤٩٠ هـ - ١٩٨٠ م\n- مقدمة في الأصول، لابن القصار المالكي، تحقيق: محمد السليماني، دار الغرب الإسلامي، ط ١، ١٩٩٦ م.\n- المقنع في علوم الحديث، لابن الملقن، المحقق: عبد الله بن يوسف الجديع، دار فواز للنشر - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ\n- مكانة الصحيحين، لخليل إبراهيم ملا خاطر، المطبعة العربية الحديثة - القاهرة، ط ١، ١٤٠٢ هـ\n- الملل والنحل، لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الناشر: مؤسسة الحلبي.\n- من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، محمد أركون، دار الساقي، ط ١، ١٩٩٣ م.\n- من العقيدة إلى الثورة (النبوة - المعاد)، لحسن حنفي، مكتبة مدبولي - القاهرة، ١٩٨٨ م.\n- من رسائل الرافعي التي بعث بها إلى محمود أبو رية، دار المعارف - مصر، ط ١، ١٩٦٩ م.\n- من هنا نعلم، لمحمد الغزالي، دار نهضة مصر، الطبعة: الأولي.\n- المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن قيم الجوزية، المحقق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة: الأولى، ١٣٩٠ هـ-١٩٧٠ م","vol":"3","page":1850},{"text":"- مناسبات تراجم البخاري، لبدر الدين ابن جماعة الحَموي، تحقيق: محمد إسحاق السلفي، الدار السلفية - الهند، ط ١، ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م\n- مناقب الإمام أحمد، لأبي الفرج ابن الجوزي، المحقق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة: الثانية، ١٤٠٩ هـ\n- مناقشة هادئة لبعض أفكار الترابي، للأمين محمد أحمد، مركز الحق للطباعة والنشر، ط ١، ١٤١٥ هـ ١٩٩٥ م\n- مناهج البحث العلمي، لعبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات - الكويت، ط ٣، ١٩٧٧ م\n- مناهج البحث عند مفكري الإسلام لـ د. علي النشار، دار النهضة، ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م.\n- مناهل العرفان في علوم القرآن، للزُّرْقاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الطبعة الثالثة.\n- المنتخب من علل الخلال، لابن قدامة المقدسي، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، دار الراية للنشر والتوزيع.\n- المنتخب من مسند عبد بن حميد، المحقق: صبحي البدري السامرائي، محمود محمد خليل الصعيدي، الناشر: مكتبة السنة - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م\n- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، لابن الجوزي، المحقق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م\n- المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي، مطبعة السعادة - بجوار محافظة مصر، الطبعة: الأولى، ١٣٣٢ هـ\n- المنخول من تعليقات الأصول، لأبي حامد الغزالي، حققه وخرج نصه وعلق عليه: الدكتور محمد حسن هيتو، دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان، دار الفكر دمشق - سورية، الطبعة: الثالثة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م\n- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، لابن تيمية، المحقق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م\n- المنهاج في شعب الإيمان، لأبي عبد الله الحَلِيمي، المحقق: حلمي محمد فودة، دار الفكر، الطبعة: الأولى، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م\n- منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث، لبشير علي عمر، وقف السلام، الطبعة: الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م","vol":"3","page":1851},{"text":"- منهج الإمام أحمد في التعليل وأثره في الجرح والتعديل، لـ د. أبو بكر بن الطيب كافي، دار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ\n- منهج الإمام البخاري في التعليل، من خلال كتابه التاريخ الكبير، لـ د. أحمد عبد الله أحمد، جامعة اليرموك - الأردن، ١٤٢٦ هـ ٢٠٠٥ م.\n- منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها، لـ د. أبو بكر كافي، دار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ ٢٠٠٠ م\n- منهج الحافظ ابن حجر في دفاعه عن رجال صحيح البخاري المتكلم فيهم لـ د. صالح الصيَّاح، رسالة ماجستير، جامعة الملك سعود - الرياض، ١٤١٨ هـ\n- منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة، لتامر محمد محمود متولي، لدار ماجد عسيري، الطبعة: الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م\n- منهج قراءة التراث الإسلامي بين تأصيل العالمين وانتحال المُبطلين، لـ د. حسن العلمي، دار الكلمة للنشر والتوزيع - مصر، ط ١، ١٤٣٣ هـ ٢٠١٢ م.\n- منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، لفهد الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ\n- منهج النقد التاريخي الإسلامي والمنهج الأوروبي، لعثمان موافي، دار الثقافة الجامعية للطبع والنشر والتوزيع - الإسكندرية، ط ٣، ١٩٨٤ م.\n- منهج النقد عند المحدثين لـ د. محمد مصطفى الأعظمي، مكتبة الكوثرـ الرياض، ط ٢، ١٤٠٢ هـ١٩٨٢ م\n- منهج النقد عند المحدثين مقارنا بالمنهج الغربي، لأكرم العمري، دار إشبيليا - الرياض، ط ١، ١٩٩٧ م\n- المنهج النَّقدي عند المُحدِّثين، وعلاقته بالمناهج النَّقدية التاريخية، لعبد الرحمن السُّلمي، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط ١، ٢٠١٤ م.\n- المهذب في علم أصول الفقه المقارن، لعبد الكريم النملة، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\n- الموازنة بين منهج الحنفية ومنهج المحدثين، لعلي الخضر، دار النوادر - بيروت، ط ١، ١٤٣٣ هـ\n- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، لأحمد بن علي تقي الدين المقريزي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.","vol":"3","page":1852},{"text":"- الموافقات، لإبراهيم بن موسى الشاطبي، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط ١، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n- موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر، لابن حجر العسقلاني، حققه وعلق عليه: حمدي عبد المجيد السلفي، صبحي السيد جاسم السامرائي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م\n- المواقف، لعضد الدين الإيجي، المحقق: عبد الرحمن عميرة، دار الجيل - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م\n- المؤتَلِف والمختَلِف، للدارقطني، تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م\n- الموجَز في مراجع التَّراجم والبلدان والمصنفات، لمحمود الطَّناحي، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط ١، ١٤٠٦ هـ ١٩٨٥ م\n- موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ليوسف الحاج أحمد، مكتب ابن حجر - دمشق، ط ٢، ٢٠٠٣ م.\n- موسوعة الأفلاك والأوقات، لخليل الكيرنوري، كتاب - ناشرون، ط ٢، ١٤٢٧ هـ ٢٠٠٧ م.\n- الموسوعة الطبية، د. سبيرو فاخوري، دار العلم للملايين - بيروت، ط ٧، ٢٠٠٦ م.\n- الموسوعة الفلكية، لزينب منصور، الدار الأهلية للنشر - عمان، ط ١، ٢٠٠١ م.\n- موسوعة المستشرقين، لعبد الرحمن البدوي، دار العلم للملايين - بيروت، ط ٣، ١٩٩٣ م.\n- موسوعة عالم الإنسان في ضوء القرآن والسنة، في منظور بحثي، لأحمد شوقي إبراهيم، دار نهضة مصر - القاهرة، ٢٠١٢ م.\n- مُوضِّح أوهام الجمع والتَّفريق، للخطيب البغدادي، تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، دار الفكر الإسلامي، ط ٢، ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م\n- الموضوعات في الآثار والأخبار، لهاشم معروف الحسني، دار التعارف للمطبوعات، ط ١، ١٩٨٧ م.\n- الموضوعات، لعبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر: محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ط ١، جـ ١، ٢: ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م، جـ ٣: ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م","vol":"3","page":1853},{"text":"- موطأ الإمام مالك، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م\n- الموقظة في علم مصطلح الحديث، لشمس الدين الذهبي، اعتنى به: عبد الفتاح أبو غُدّة، مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة: الثانية، ١٤١٢ هـ\n- موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النَّص الشرعي، لسعد بن بجاد العتيبي، مركز الفكر المعاصر - الرياض، ط ٢، ١٤٣٤ هـ\n- موقف الإثني عشرية من صحابة رسول الله ﷺ، لعبد القادر صوفي، أضواء السلف - الرياض، ط ١، ١٤٢٦ هـ\n- موقف الاستشراق من السُنَّة والسيرة النبوية، لأكرم بن ضياء العمري، الجامعة الإسلامية - بالمدينة المنورة.\n- موقف الإمامية من أحاديث العقيدة، لفيحان الحربي، رسالة ماجستير، كلية التربية بجامعة الملك سعود - الرياض، ١٤٢٩ هـ\n- موقف الجماعة الإسلامية من الحديث النبوي، لمحمد إسماعيل السلفي، الدار السلفية - الكويت، ط ١، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦\n- موقف الشيخ الغزالي من السنة النبوية، ليوسف عبد الله القرضاوي، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة ٨ - ١٤١٥ هـ\n- موقف العقل والعلم والعالم من رب العلمين، مصطفى صبري، المكتبة الإسلامية لحاج رياض، ١٣٦٩ هـ.\n- موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية، للأمين الصادق الأمين، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١، ١٤١٨ هـ ١٩٩٨ م\n- موقف المستشرقين من الصحابة لـ د. سعد الماجد، دار الفضيلة، ط ١، ١٤٣١ هـ ٢٠١٠ م.\n- موقف المعتزلة من السنة النبوية، لأبو لبابة حسين، دار اللواء للنشر والتوزيع - الرياض، ط ٢، ١٤٠٧ هـ\n- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لشمس الدين الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م\n- الميسر في شرح مصابيح السنة، لفضل الله بن حسن التُّورِبِشْتِي، المحقق: د. عبد الحميد هنداوي: مكتبة نزار مصطفى الباز، ط ٢، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ هـ","vol":"3","page":1854},{"text":"- ناسخ الحديث ومنسوخه، لأبي بكر الأَثْرَم، المحقق: عبد الله بن حمد المنصور، الطبعة: الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\n- النبأ العظيم - نظرات جديدة في القرآن الكريم، لمحمد بن عبد الله دراز، اعتنى به: أحمد مصطفى فضلية، دار القلم للنشر والتوزيع، الطبعة: طبعة مزيدة ومحققة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\n- النبذة الكافية في أحكام أصول الدين (النبذ في أصول الفقه)، لابن حزم الأندلسي، المحقق: محمد أحمد عبد العزيز، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥\n- النبوات، لابن تيمية، المحقق: عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م\n- النبوة من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ لعلي مبروك. ط ١، بيروت دار التنوير.\n- نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، لمحمد شحرور، الأهالي للطباعة والنشر، ط ١، ٢٠٠٠ م.\n- نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث، لإسماعيل الكردي، دار الأوائل، ط ١، ٢٠٠٢ م.\n- نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار، لبدر الدين العيني، المحقق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - قطر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\n- نزهة السامعين في رواية الصحابة عن التابعين، لابن حجر العسقلاني، تحقيق طارق محمد العمودي، دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض، ١٩٩٥ م.\n- نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، لابن حجر العسقلاني، حققه على نسخه مقروءة على المؤلف وعلق عليه: نور الدين عتر، مطبعة الصباح - دمشق، الطبعة: الثالثة، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\n- نشر البنود على مراقي السعود، لعبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي، مطبعة فضالةـ بالمغرب.\n- النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة لدكتور طيب تيزيني، ط ٢، دار الينابيع - دمشق، ٢٠٠٨ م.\n- النص القرآني وآفاق الكتابة لعلي أحمد سعيد، المعروف بلقبه المستعار (أدونيس)، دار الآداب - بيروت، ١٩٩٣ م.","vol":"3","page":1855},{"text":"- النص والسلطة والحقيقة. لنصر أبو زيد، المركز الثقافي العربي الطبعة الخامسة ٢٠٠٦.\n- نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، لعبد الله بن يوسف الزيلعي، صححه ووضع الحاشية: عبد العزيز الديوبندي الفنجاني، إلى كتاب الحج، ثم أكملها محمد يوسف الكاملفوري، المحقق: محمد عوامة، الناشر: مؤسسة الريان للطباعة والنشر - بيروت - لبنان/ دار القبلة للثقافة الإسلامية- جدة - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ-١٩٩٧ م\n- نظام الطلاق في الإسلام، لأحمد شاكر، مكتبة السنة - القاهرة، بدون تاريخ.\n- نظرات على صحيح البخاري وميزات أبوابه وتراجمه، لأبي الحسن الندوي، دار عرفات - الهند.\n- النظرات، لمصطفى لطفي المَنْفَلُوطي، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م\n- نظرة عابرة إلى الصحاح الستة، لعبد الصمد شاكر، بدون معلومات طباعة.\n- نظرة عابرة على من ينكر نزول عيسى في الآخرة، للكوثري، دار الكتب العلمية.\n- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.\n- نظم المتناثر من الحديث المتواتر، لمحمد بن جعفر الكتاني، المحقق: شرف حجازي، دار الكتب السلفية - مصر، الطبعة: الثانية.\n- نفحات الأزهار في خلاصة عقبات الأنوار، لعلي الحسيني الميلاني، مركز تحقيق وترجمة ونشر آلاء، ١٤٢٣ هـ\n- نفحة المسك الداري لقارئ صحيح البخاري، لحمدون ابن الحاج السُّلمي، تحقيق: محمد بن عزوز، مركز التراث الثقافي المغربي - الدار البيضاء، ودار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤٢٩ هـ\n- نقد الحقيقة، لعلي حرب. ط ١، بيروت، المركز الثقافي العربي.\n- النقد الصحيح لما اعترض من أحاديث المصابيح، لصلاح الدين العلائي، المحقق: عبد الرحمن محمد أحمد القشقري، الطبعة: الأولي، ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م\n- نقد مراتب الإجماع، لابن تيمية، بعناية: حسن أحمد إسبر، دار ابن حزم - بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.","vol":"3","page":1856},{"text":"- نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ من التوحيد، لسعيد عثمان الدارمي السجستاني، المحقق: رشيد بن حسن الألمعي، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ - ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م.\n- النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبى حنيفة، لمحمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث - القاهرة، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n- النكت الوفية بما في شرح الألفية، لبرهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، المحقق: ماهر ياسين الفحل، مكتبة الرشد ناشرون، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\n- النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر العسقلاني، المحقق: ربيع بن هادي عمير المدخلي، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م\n- النكت على مقدمة ابن الصلاح، لبدر الدين الزركشي، تحقيق: زين العابدين بلافريج، أضواء السلف - الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n- النكت على نزهة النظر، لعلي الحلبي، دار ابن الجوزي - السعودية، ط ٦، ١٤٢٢ هـ\n- النكت في القرآن الكريم (في معاني القرآن الكريم وإعرابه)، لعلي بن فَضَّال المُجَاشِعِي، دراسة وتحقيق: عبد الله عبد القادر الطويل، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\n- النكت والعيون (تفسير)، لعلي بن محمد الماوردي، المحقق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية - بيروت.\n- نهاية السول شرح منهاج الوصول، لعبد الرحيم الإسنوي، دار الكتب العلمية -بيروت، الطبعة: الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\n- نهاية المطلب في دراية المذهب، لعبد الملك الجويني أبوي المعالي، حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب، دار المنهاج، الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\n- النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي\n- النهر الفائق شرح كنز الدقائق، لسراج الدين عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي، المحقق: أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م\n- نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، لـ د. محمد عمارة، دار الإرشاد بالقاهرة، ط ٢، ١٤١٨ هـ ١٩٩٧ م.","vol":"3","page":1857},{"text":"- نوادر ابن حزم، خرجها وعلق عليها: أبو عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط ١، ١٩٨٣ م.\n- النوادر والزيادات، لابن أبي زيد القيرواني، تحقيق: عبد الفتاح لحلو، ومحمد بوخبزة، دار الغرب الإسلامي، ط ١، ١٩٩٩ م\n- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه، لأبي محمد مكي بن أبي طالب، مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\n- الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد، لأبي نصر الكلاباذي، المحقق: عبد الله الليثي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ\n- هموم مسلم - التفكير بدلا من التكفير، لنضال عبد القادر الصالح، دار الطليعة - بيروت، ط ١، ١٩٩٩ م.\n- واصل بن عطاء وآراؤه الكلامية، لسليمان الشوايشي، الدار العربية للكتاب - ليبيا، ١٩٩٣ م.\n- الوَاضِح في أصُولِ الفِقه، لأبي الوفاء علي بن عقيل، المحقق: الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\n- الوحي المحمدي، محمدرشيد رضا، ط ٣، مطبعة المنار بمصر، ١٣٥٤ هـ.\n- الوحي والقرآن والنبوة، لهشام جعيط، دار الطليعة - بيروت، ط ٢، ٢٠٠٠ م.\n- الورع لأحمد بن حنبل - رواية: أبو بكر المروذي، المحقق: سمير بن أمين الزهيري، دار الصميعي - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م\n- وسائل الشيعة إلى تحصيل مشائل الشريعة، لمحمد بن الحسن الحر العاملي، تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، نشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - طهران.\n- الوصل إلى الأصول، لأحمد بن برهان البغدادي الحنبلي، تحقيق: عبد الحميد أبو زنيد، مكتبة المعارف، ط ١، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n- الوصول إلى الأصول، لأحمد بن برهان البغدادي الحنبلي، تحقيق: عبد الحميد أبو زنيد، مكتبة المعارف - الرياض، ط ١، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n- الوعد الأخروي، شروطه، وموانعه، لـ د. عيسى السَّعدي، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٢ هـ\n- الوفا بتعريف فضائل المصطفى، لابن الجوزي، دار المعرفة.","vol":"3","page":1858},{"text":"- وهم الإعجاز العلمي، لخالد منتصر، دار العين للنشر، ط ١، ٢٠٠٥ م.\n- يغالطونك إذ يقولون، لمحمد سعيد رمضان البوطي، دار الفارابي، دار اقرأ - دمشق، ط ٢، ١٤١٢ هـ - ٢٠٠٠ م\n- اليقيني والظني من الأخبار، لحاتم العوني، الشبكة العربية للأبحاث والنشر - بيروت، ١٤٣٣ هـ\n- يوم يكشف عن ساق، لأحمد نوفل، دار الفضيلة ودار القطوف - عمان، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\n-  the origins of muhammadan juriceprudence.schachkt joseph. oxford، ١٩٥٩.\n- lectures on arabic historians; margoliuoth، ١٩٢٩، digital library of india","vol":"3","page":1859}]}