{"ً":{"ٌ":22726,"ٍ":"الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"فقه عام/الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة - ط المجمع","files":["93430.pdf|1","93430p.pdf|المقدمة"]},"ّ":"الكتاب: الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: مجموعة من المؤلفين\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف\nسنة الطبع: ١٤٢٤هـ\nعدد الصفحات: ٤٢٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[الفقه الميسر - مجمع الملك فهد]\n\nمختصر فقهي متميز، يعرف قدره من طالعه وطالع غيره من المختصرات الفقهية، وهو من أعمال مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف\n\nالقائمون على إعداده:\n- اشترك في تأليفه: [الأستاذ الدكتور عبد العزيز مبروك الأحمدي، والاستاذ الدكتور فيحان بن شالي المطيري، والأستاذ الدكتور عبد الكريم بن صنيتان العمري، والأستاذ الدكتور عبد الله بن فهد الشريف الهجاري]\n- توثيق النصوص، وتخريج الأحاديث الواردة في الكتاب كله: الدكتور عبد العزيز مبروك\n-المراجعة والصياغة: الأستاذ الدكتور علي بن محمد ناصر فقيهي، والدكتور جمال بن محمد السيد.\n\nمنهج الكتاب:\nيتلخص منهج العمل في هذا الكتاب فيما يلي:\n١- تقسيم الموضوعات إلى كتب رئيسة، وكل كتاب ينقسم إلى أبواب، وكل باب تحته مسائل؛ وذلك تقريبًا وتسهيلًا على المطالع فيه.\n٢- الاقتصار على المسائل المهمة التي تدعو إليها الحاجة في كل باب، وعدم ذكر التفريعات والمسائل التي تقل الحاجة إليها.\n٣- الاختصار واختيار الألفاظ والعبارات السهلة الواضحة قدر الإمكان.\n٤- الاقتصار على الأدلة المعتمدة في كل مسألة.\n٥- الاقتصار على القول الراجح الذي يدعمه الدليل في المسائل المختلف فيها، دون اللجوء إلى ذكر الآراء والأقوال والخلاف في المسألة.\n٦- عزو الآيات القرآنية وتوثيقها، وذلك بذكر اسم السورة، ورقم الآية، بجوار كل آية وردت في الكتاب.\n٧- تخريج الأحاديث النبوية، بعزوها إلى مصادر السنة المعتمدة؛ فإن كان الحديث في «الصحيحين» أو أحدهما اكتفينا بذلك، وإن لم يكن في واحد منهما خَرَّجناه من دواوين السنة المشهورة، مُقَدِّمين السنن الأربعة على غيرها، مع الحكم على غير أحاديث «الصحيحين» وبيان درجتها، وذلك من كلام أئمة الشأن في ذلك، المتقدمين منهم والمعاصرين.\n٨- شرح الكلمات والمصطلحات الغريبة التي تحتاج إلى بيان وإيضاح، والتي ترد أثناء التفصيل والشرح وذلك في الحاشية، أما مصطلحات البحث الرئيسة فتشرح في صلب الكتاب في بداية كل باب ومسألة.\n٩- الاستفادة من بعض الكتب المعاصرة في الفقه، وأهمها:\n(الشرح الممتع) لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، و(الملخص الفقهي) لفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله، وذلك بالإضافة إلى المصادر الأمهات في المذاهب الأربعة وغيرها.\n١٠- التنبيه على بعض الأمور التي يقع فيها كثير من الناس مما يخالف الكتاب والسنة الصحيحة، وبيان الصواب والحق في ذلك، وذلك في المواطن التي رأينا أن الحاجة تدعو فيها إلى ذلك.\n١١- وضع فهارس تفصيلية لموضوعات الكتاب ومسائله في نهاية الكتاب؛ وذلك تسهيلا على المراجع والمطالع فيه.\n\nقال فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ مثنيا على الكتاب:\n«يشتمل على الأحكام الفقهية في العبادات والمعاملات مقرونةً بأدلتها الشرعية من الكتاب الكريم والصحيح من السنة النبوية. وكل ذلك في بيان قريبِ المأخذ، داني المنال، ينأى عن تعقيد وتطويل، لا طاقة لكثير من المسلمين على حَلِّه والإفادة منه، ووجازة تيسر للناس فهم أحكام الدين، دونما إخلال أو إضرار بالمادة العلمية المنتقاة.\nثم إن المجمع -طلبًا للإتقان كما هو شأنه في كل ما ينشره- وَكَلَ أمر إعداد هذا الكتاب إلى نخبة مباركة من الأساتذة أهلِ الاختصاص في العلم الشرعي، ولا سيما الفقه، ثم عرضه بعد إنجازه على لجنة استشارية متخصصة لمراجعته حتى تستدرك ما عساه قد ندَّ أو غمض.. فجاء -بحمد الله- بمحاسن جمة منها:\n١- التحرّي البالغ في صحة ما تُبنى عليه الأحكام الفقهية من أحاديث وآثار في كل مسألة.\n٢- شموله واستيعابه لجميع أبواب الفقه ومسائله التي ليس للمسلم غنى عنها.\n٣- وضوح عبارته، ويسر أسلوبه؛ لينتفع به طلبة العلم فمَنْ دونهم من عامة المسلمين.\n٤- دقة تقسيماته، وسهولة الاستفادة من موضوعاته؛ وذلك بجعلها تحت عنوانات تدل عليها، وتعين على فهمها.\n٥- تضمنه التنبيه على جملة من المخالفات الشرعية التي ربما وقع فيها كثيرٌ من المسلمين، إمَّا جهلًا أو تقليدًا.»","ٓ":"1.0","ٔ":208,"ٕ":18,"ٖ":1770154261,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1"],"ٚ":[{"title":"مقدمات","level":1,"page":4},{"title":"مقدمة بقلم معالي الشيخ: صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد","level":2,"page":4},{"title":"مقدمة الأمانة العامة للمجمع","level":2,"page":7},{"title":"خطة العمل","level":2,"page":10},{"title":"منهج العمل","level":2,"page":16},{"title":"التمهيد","level":1,"page":18},{"title":"أولا: كتاب الطهارة","level":1,"page":21},{"title":"الباب الأول: في أحكام الطهارة والمياه، وفيه عدة مسائل","level":2,"page":21},{"title":"المسألة الأولى: في التعريف بالطهارة، وبيان أهميتها، وأقسامها","level":3,"page":21},{"title":"المسألة الثانية: الماء الذي تحصل به الطهارة","level":3,"page":22},{"title":"المسألة الثالثة: الماء إذا خالطته نجاسة","level":3,"page":22},{"title":"المسألة الرابعة: الماء إذا خالطه طاهر","level":3,"page":23},{"title":"المسألة الخامسة: حكم الماء المستعمل في الطهارة","level":3,"page":24},{"title":"المسألة السادسة: أسار الآدميين وبهيمة الأنعام","level":3,"page":24},{"title":"الباب الثاني: في الآنية، وفيه عدة مسائل","level":2,"page":26},{"title":"المسألة الأولى: استعمال آنية الذهب والفضة وغيرهما في الطهارة","level":3,"page":26},{"title":"المسألة الثانية: حكم استعمال الإناء المضبب (٤) بالذهب والفضة","level":3,"page":26},{"title":"المسألة الثالثة: آنية الكفار","level":3,"page":27},{"title":"المسألة الرابعة: الطهارة في الآنية المتخذة من جلود الميتة","level":3,"page":27},{"title":"الباب الثالث: في قضاء الحاجة وآدابها، وفيه عدة مسائل","level":2,"page":29},{"title":"المسألة الأولى: الاستنجاء والاستجمار وقيام أحدهما مقام الآخر","level":3,"page":29},{"title":"المسألة الثانية: استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة","level":3,"page":29},{"title":"المسألة الثالثة: ما يسن فعله لداخل الخلاء","level":3,"page":30},{"title":"المسألة الرابعة: ما يحرم فعله على من أراد قضاء الحاجة","level":3,"page":31},{"title":"المسألة الخامسة: ما يكره فعله للمتخلي","level":3,"page":32},{"title":"الباب الرابع: في السواك وسنن الفطرة، وفيه عدة مسائل","level":2,"page":33},{"title":"المسألة الأولى: حكمه","level":3,"page":33},{"title":"المسألة الثانية: متى يتأكد؟","level":3,"page":33},{"title":"المسألة الثالثة: بم يكون؟","level":3,"page":34},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد السواك","level":3,"page":34},{"title":"المسألة الخامسة: سنن الفطرة","level":3,"page":34},{"title":"الباب الخامس: في الوضوء، وفيه مسائل","level":2,"page":37},{"title":"المسألة الأولى: تعريفه، وحكمه","level":3,"page":37},{"title":"المسألة الثانية: الدليل على وجوبه، وعلى من يجب، ومتى يجب؟","level":3,"page":37},{"title":"المسألة الثالثة: في شروطه","level":3,"page":38},{"title":"المسألة الرابعة: فروضه -أي أعضاؤه-","level":3,"page":38},{"title":"المسألة الخامسة: سننه","level":3,"page":39},{"title":"المسألة السادسة: في نواقضه","level":3,"page":41},{"title":"المسألة السابعة: ما يجب له الوضوء","level":3,"page":42},{"title":"المسألة الثامنة: ما يستحب له الوضوء","level":3,"page":43},{"title":"الباب السادس: في المسح على الخفين والعمامة والجبيرة، وفيه مسائل","level":2,"page":44},{"title":"المسألة الأولى: حكم المسح على الخفين ودليله","level":3,"page":44},{"title":"المسألة الثانية: شروط المسح على الخفين، وما يقوم مقامهما","level":3,"page":45},{"title":"المسألة الثالثة: كيفية المسح وصفته","level":3,"page":45},{"title":"المسألة الرابعة: مدته","level":3,"page":46},{"title":"المسألة الخامسة: مبطلاته","level":3,"page":46},{"title":"المسألة السادسة: ابتداء مدة المسح","level":3,"page":46},{"title":"المسألة السابعة: المسح على الجبيرة والعمامة وخمر النساء","level":3,"page":47},{"title":"الباب السابع: في الغسل، وفيه مسائل","level":2,"page":48},{"title":"المسألة الأولى: معنى الغسل، وحكمه، ودليله","level":3,"page":48},{"title":"المسألة الثانية: في صفة الغسل وكيفيته","level":3,"page":49},{"title":"المسألة الثالثة: الأغسال المستحبة","level":3,"page":50},{"title":"المسألة الرابعة: الأحكام المترتبة على من وجب عليه الغسل","level":3,"page":50},{"title":"الباب الثامن: في التيميم، وفيه مسائل","level":2,"page":52},{"title":"المسألة الأولى: حكم التيمم ودليل مشروعيته","level":3,"page":52},{"title":"المسألة الثانية: شروط التيمم، والأسباب المبيحة له","level":3,"page":52},{"title":"المسألة الثالثة: مبطلات التيمم","level":3,"page":54},{"title":"المسألة الرابعة: صفة التيمم","level":3,"page":54},{"title":"الباب التاسع: في النجاسات وكيفية تطهيرها. وفيه مسائل","level":2,"page":55},{"title":"المسألة الأولى: تعريف النجاسة، ونوعاها","level":3,"page":55},{"title":"المسألة الثانية: الأشياء التي قام الدليل على نجاستها","level":3,"page":55},{"title":"المسألة الثالثة: كيفية تطهير النجاسة","level":3,"page":56},{"title":"الباب العاشر: في الحيض والنفاس، وفيه مسائل","level":2,"page":58},{"title":"المسألة الأولى: بداية وقت الحيض ونهايته","level":3,"page":58},{"title":"المسألة الثانية: أقل مدة الحيض وأكثرها","level":3,"page":58},{"title":"المسألة الثالثة: غالب الحيض","level":3,"page":58},{"title":"المسألة الرابعة: ما يحرم بالحيض والنفاس","level":3,"page":59},{"title":"المسألة الخامسة: ما يوجبه الحيض","level":3,"page":60},{"title":"المسألة السادسة: أقل النفاس وأكثره","level":3,"page":61},{"title":"المسألة السابعة: في دم المستحاضة","level":3,"page":61},{"title":"ثانيا: كتاب الصلاة","level":1,"page":63},{"title":"الباب الأول: في تعريف الصلاة، وفضلها، ووجوب الصلوات الخمس","level":2,"page":63},{"title":"الباب الثاني: الأذان، والإقامة، وفيه مسائل","level":2,"page":65},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الأذان والإقامة، وحكمهما","level":3,"page":65},{"title":"المسألة الثانية: شروط صحتهما","level":3,"page":65},{"title":"المسألة الثالثة: في الصفات المستحبة في المؤذن","level":3,"page":66},{"title":"المسألة الرابعة: في صفة الأذان والإقامة","level":3,"page":66},{"title":"المسألة الخامسة: ما يقوله سامع الأذان، وما يدعو به بعده","level":3,"page":67},{"title":"الباب الثالث: في مواقيت الصلاة","level":2,"page":68},{"title":"الباب الرابع: في شروط الصلاة، وأركانها، وأدلة ذلك، وحكم تاركها.","level":2,"page":70},{"title":"المسألة الأولى: في عدد الصلوات المكتوبة","level":3,"page":70},{"title":"المسألة الثانية: على من تجب؟","level":3,"page":70},{"title":"المسألة الثالثة: في شروطها (٤)","level":3,"page":70},{"title":"المسألة الرابعة: في أركانها","level":3,"page":72},{"title":"المسألة الخامسة: في واجباتها","level":3,"page":74},{"title":"المسألة السادسة: في سننها","level":3,"page":76},{"title":"المسألة السابعة: مبطلاتها","level":3,"page":77},{"title":"المسألة الثامنة: ما يكره (١) في الصلاة","level":3,"page":78},{"title":"المسألة التاسعة: حكم تارك الصلاة","level":3,"page":80},{"title":"الباب الخامس: في صلاة التطوع، وفيه مسائل","level":2,"page":82},{"title":"المسألة الأولى: فضلها، والحكمة من مشروعيتها","level":3,"page":82},{"title":"المسألة الثانية: في أقسامها","level":3,"page":82},{"title":"المسألة الثالثة: ما تسن له الجماعة من صلاة التطوع","level":3,"page":83},{"title":"المسألة الرابعة: في عدد الرواتب","level":3,"page":83},{"title":"المسألة الخامسة: حكم الوتر وفضله ووقته","level":3,"page":84},{"title":"المسألة السادسة: صفة الوتر وعدد ركعاته","level":3,"page":85},{"title":"المسألة السابعة: الأوقات المنهي عن النافلة فيها","level":3,"page":86},{"title":"الباب السادس: في سجود السهو والتلاوة والشكر، وفيه مسائل","level":2,"page":89},{"title":"المسألة الأولى: في مشروعية سجود السهو وأسبابه","level":3,"page":89},{"title":"المسألة الثانية: متى يجب؟","level":3,"page":89},{"title":"المسألة الثالثة: متى يسن؟","level":3,"page":91},{"title":"المسألة الرابعة: موضعه وصفته","level":3,"page":91},{"title":"المسألة الخامسة: سجود التلاوة","level":3,"page":92},{"title":"المسألة السادسة: سجود الشكر","level":3,"page":94},{"title":"الباب السابع: في صلاة الجماعة، وفيه مسائل","level":2,"page":95},{"title":"المسألة الأولى: فضل صلاة الجماعة وحكمها","level":3,"page":95},{"title":"المسألة الثانية: إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى: هل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها أولا؟","level":3,"page":97},{"title":"المسألة الثالثة: أقل ما تنعقد به الجماعة","level":3,"page":97},{"title":"المسألة الرابعة: بم تدرك الجماعة؟","level":3,"page":97},{"title":"المسألة الخامسة: من يعذر بترك الجماعة","level":3,"page":98},{"title":"المسألة السادسة: إعادة الجماعة في المسجد الواحد","level":3,"page":99},{"title":"المسألة السابعة: حكم الصلاة إذا أقيمت الصلاة المكتوبة","level":3,"page":100},{"title":"الباب الثامن: في الإمامة في الصلاة، وفيه مسائل","level":2,"page":101},{"title":"المسألة الأولى: من أحق بالإمامة؟","level":3,"page":101},{"title":"المسألة الثانية: من تحرم إمامته","level":3,"page":102},{"title":"المسألة الثالثة: من تكره إمامته","level":3,"page":102},{"title":"المسألة الرابعة: موضع الإمام من المأمومين","level":3,"page":103},{"title":"المسألة الخامسة: ما يتحمله الإمام عن المأموم","level":3,"page":104},{"title":"المسألة السادسة: مسابقة الإمام","level":3,"page":104},{"title":"المسألة السابعة: أحكام متفرقة في الإمامة والجماعة","level":3,"page":104},{"title":"الباب التاسع: في صلاة أهل الأعذار","level":2,"page":107},{"title":"أ- كيفية صلاة المريض","level":3,"page":107},{"title":"ب- صلاة المسافر وتشتمل على","level":3,"page":108},{"title":"أولا: قصر الصلاة الرباعية، وفيه مسائل","level":3,"page":108},{"title":"المسألة الأولى: في حكم القصر","level":4,"page":108},{"title":"المسألة الثانية: في تحديد الصلاة التي يجوز فيها القصر","level":4,"page":108},{"title":"المسألة الثالثة: في حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ونوعه","level":4,"page":109},{"title":"المسألة الرابعة: هل يقصر من نوى الإقامة؟","level":4,"page":109},{"title":"المسألة الخامسة: الحالات التي يجب على المسافر فيها إتمام الصلاة","level":4,"page":110},{"title":"ثانيا: الجمع بين الصلاتين، وفيه مسائل","level":3,"page":111},{"title":"المسألة الأولى: في مشروعية الجمع بين الصلاتين، ومن يباح له ذلك","level":4,"page":111},{"title":"المسألة الثانية: في حد الجمع المشروع","level":4,"page":112},{"title":"الباب العاشر: في صلاة الجمعة، وفيه مسائل","level":2,"page":113},{"title":"المسألة الأولى: حكمها ودليل ذلك","level":3,"page":113},{"title":"المسألة الثانية: على من تجب؟","level":3,"page":113},{"title":"المسألة الثالثة: وقتها","level":3,"page":113},{"title":"المسألة الرابعة: الخطبة","level":3,"page":114},{"title":"المسألة الخامسة: في سنن الخطبة","level":3,"page":114},{"title":"المسألة السادسة: ما يحرم فعله في الجمعة","level":3,"page":115},{"title":"المسألة السابعة: بم تدرك الجمعة؟","level":3,"page":116},{"title":"المسألة الثامنة: في نافلة الجمعة","level":3,"page":116},{"title":"المسألة التاسعة: كيفية صلاة الجمعة","level":3,"page":117},{"title":"المسألة العاشرة: في سنن الجمعة","level":3,"page":117},{"title":"الباب الحادي عشر: في صلاة الخوف، وفيه مسائل","level":2,"page":120},{"title":"المسألة الأولى: حكمها، ودليل مشروعيتها، وشروطها","level":3,"page":120},{"title":"المسألة الثانية: كيفية صلاة الخوف","level":3,"page":121},{"title":"الباب الثاني عشر: في صلاة العيدين، وفيه مسائل","level":2,"page":122},{"title":"المسألة الأولى: حكمها، ودليل ذلك","level":3,"page":122},{"title":"المسألة الثانية: شروطها","level":3,"page":122},{"title":"المسألة الثالثة: المواضع التي تصلى فيها","level":3,"page":122},{"title":"المسألة الرابعة: وقتها","level":3,"page":123},{"title":"المسألة الخامسة: صفتها وما يقرأ فيها","level":3,"page":123},{"title":"المسألة السادسة: موضع الخطبة","level":3,"page":124},{"title":"المسألة السابعة: قضاء العيد","level":3,"page":124},{"title":"المسألة الثامنة: سننها","level":3,"page":124},{"title":"الباب الثالث عشر: في صلاة الاستسقاء، وفيه مسائل","level":2,"page":126},{"title":"المسألة الأولى: تعريفها، وحكمها ودليل ذلك","level":3,"page":126},{"title":"المسألة الثانية: سببها","level":3,"page":126},{"title":"المسألة الثالثة: وقتها وكيفيتها","level":3,"page":126},{"title":"المسألة الرابعة: الخروج إليها","level":3,"page":126},{"title":"المسألة الخامسة: الخطبة فيها","level":3,"page":127},{"title":"المسألة السادسة: السنن التي ينبغي فعلها فيها","level":3,"page":128},{"title":"الباب الرابع عشر: في صلاة الكسوف، وفيه مسائل","level":2,"page":129},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الكسوف، والحكمة منه","level":3,"page":129},{"title":"المسألة الثانية: حكم صلاة الكسوف ودليلها","level":3,"page":129},{"title":"المسألة الثالثة: وقتها","level":3,"page":129},{"title":"المسألة الرابعة: كيفيتها وما يقرأ فيها","level":3,"page":129},{"title":"الباب الخامس عشر: في صلاة الجنازة وأحكام الجنائر، وفيه مسائل","level":2,"page":131},{"title":"المسألة الأولى: حكم غسل الميت وكيفيته","level":3,"page":131},{"title":"المسألة الثانية: من يتولى الغسل","level":3,"page":132},{"title":"المسألة الثالثة: حكم تكفينه وكيفيته","level":3,"page":133},{"title":"المسألة الرابعة: الصلاة على الميت، حكمها ودليل ذلك","level":3,"page":134},{"title":"المسألة الخامسة: شروط الصلاة على الميت وأركانها وسننها","level":3,"page":134},{"title":"المسألة السادسة: وقت الصلاة على الميت وفضلها وكيفيتها","level":3,"page":135},{"title":"المسألة السابعة: حمل الجنازة والسير بها","level":3,"page":136},{"title":"المسألة الثامنة: دفن الميت وصفة القبر وما يسن فيه","level":3,"page":137},{"title":"المسألة التاسعة: التعزية، حكمها، وكيفيتها","level":3,"page":139},{"title":"ثالثا: كتاب الزكاة","level":1,"page":141},{"title":"الباب الأول: في مقدمات الزكاة، وفيه مسائل","level":2,"page":141},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف الزكاة","level":3,"page":141},{"title":"المسألة الثانية: حكم الزكاة ودليل ذلك","level":3,"page":141},{"title":"المسألة الثالثة: حكم من أنكرها","level":3,"page":142},{"title":"المسألة الرابعة: حكم مانعها بخلا","level":3,"page":142},{"title":"المسألة الخامسة: في الأموال التي تجب فيها الزكاة","level":3,"page":143},{"title":"المسألة السادسة: في الحكمة من إيجاب الزكاة، وعلى من تجب (شروط وجوبها)","level":3,"page":144},{"title":"المسألة السابعة: في أقسامها","level":3,"page":146},{"title":"المسألة الثامنة: زكاة الدين","level":3,"page":146},{"title":"الباب الثاني: في زكاة الذهب والفضة، وفيه مسائل","level":2,"page":147},{"title":"المسألة الأولى: حكم الزكاة فيهما، وأدلة ذلك","level":3,"page":147},{"title":"المسألة الثانية: مقدارها","level":3,"page":147},{"title":"المسألة الثالثة: شروطها","level":3,"page":148},{"title":"المسألة الرابعة: في ضم أحدهما -الذهب والفضة- إلى الآخر","level":3,"page":148},{"title":"المسألة الخامسة: في زكاة الحلي","level":3,"page":149},{"title":"المسألة السادسة: في زكاة عروض التجارة","level":3,"page":149},{"title":"الباب الثالث: في زكاة الخارج من الأرض، وفيه مسائل","level":2,"page":151},{"title":"المسألة الأولى: متى تجب؟ ودليل ذلك","level":3,"page":151},{"title":"المسألة الثانية: شروطها","level":3,"page":151},{"title":"المسألة الثالثة: في مقدار الواجب","level":3,"page":152},{"title":"المسألة الرابعة: في زكاة العسل","level":3,"page":152},{"title":"المسألة الخامسة: في الركاز","level":3,"page":152},{"title":"الباب الرابع: في زكاة بهيمة الأنعام، وفيه مسائل","level":2,"page":154},{"title":"المسألة الأولى: شروط وجوبها","level":3,"page":154},{"title":"المسألة الثانية: في قدر الواجب","level":3,"page":155},{"title":"المسألة الثالثة: في صفة الواجب","level":3,"page":158},{"title":"المسألة الرابعة: في الخلطة في بهيمة الأنعام","level":3,"page":159},{"title":"الباب الخامس: في زكاة الفطر، ويقال لها: صدقة الفطر. وفيه مسائل","level":2,"page":161},{"title":"المسألة الأولى: في حكمها ودليل ذلك","level":3,"page":161},{"title":"المسألة الثانية: شروطها وعلى من تجب","level":3,"page":161},{"title":"المسألة الثالثة: في حكمة وجوبها","level":3,"page":162},{"title":"المسألة الرابعة: مقدار الواجب، ومم يخرج؟","level":3,"page":162},{"title":"المسألة الخامسة: في وقت وجوبها وإخراجها","level":3,"page":162},{"title":"الباب السادس: في أهل الزكاة، وفيه مسائل","level":2,"page":164},{"title":"المسألة الأولى: من هم أهل الزكاة؟ ودليل ذلك","level":3,"page":164},{"title":"المسألة الثانية: في حد الذين لا تدفع لهم الزكاة","level":3,"page":165},{"title":"المسألة الثالثة: هل يشترط استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة عند تفريق الزكاة؟","level":3,"page":166},{"title":"المسألة الرابعة: في نقل الزكاة من بلدها إلى بلد آخر","level":3,"page":167},{"title":"رابعا: كتاب الصيام","level":1,"page":168},{"title":"الباب الأول: في مقدمات الصيام، وفيه مسائل","level":2,"page":168},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الصيام، وبيان أركانه","level":3,"page":168},{"title":"المسألة الثانية: حكم صيام رمضان ودليل ذلك","level":3,"page":168},{"title":"المسألة الثالثة: أقسام الصيام","level":3,"page":169},{"title":"المسألة الرابعة: فضل صيام شهر رمضان، والحكمة من مشروعية صومه","level":3,"page":170},{"title":"المسألة الخامسة: شروط وجوب صيام رمضان","level":3,"page":170},{"title":"المسألة السادسة: ثبوت دخول شهر رمضان وانقضائه","level":3,"page":171},{"title":"المسألة السابعة: وقت النية في الصوم وحكمها","level":3,"page":172},{"title":"الباب الثاني: في الأعذار المبيحة للفطر ومفطرات الصائم، وفيه مسألتان","level":2,"page":173},{"title":"المسألة الأولى: الأعذار المبيحة للفطر في رمضان","level":3,"page":173},{"title":"المسألة الثانية: مفطرات الصائم","level":3,"page":175},{"title":"الباب الثالث: مستحبات الصيام ومكروهاته، وفيه مسألتان","level":2,"page":178},{"title":"المسألة الأولى: مستحبات الصيام","level":3,"page":178},{"title":"المسألة الثانية: مكروهات الصيام","level":3,"page":179},{"title":"الباب الرابع: في القضاء، والصيام المستحب، وما يكره ويحرم من الصيام، وفيه مسائل","level":2,"page":181},{"title":"المسألة الأولى: قضاء الصيام","level":3,"page":181},{"title":"المسألة الثانية: الصيام المستحب","level":3,"page":181},{"title":"المسألة الثالثة: ما يكره ويحرم من الصيام","level":3,"page":183},{"title":"الباب الخامس: في الاعتكاف، وفيه مسائل","level":2,"page":186},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الاعتكاف وحكمه","level":3,"page":186},{"title":"المسألة الثانية: شروط الاعتكاف","level":3,"page":186},{"title":"المسألة الثالثة: زمان الاعتكاف ومستحباته وما يباح للمعتكف","level":3,"page":187},{"title":"المسألة الرابعة: مبطلات الاعتكاف","level":3,"page":189},{"title":"خامسا: كتاب الحج","level":1,"page":190},{"title":"الباب الأول: في مقدمات الحج، وفيه مسائل","level":2,"page":190},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف الحج","level":3,"page":190},{"title":"المسألة الثانية: حكم الحج وفضله","level":3,"page":190},{"title":"المسألة الثالثة: هل يجب الحج في العمر أكثر من مرة؟","level":3,"page":191},{"title":"المسألة الرابعة: شروط الحج","level":3,"page":191},{"title":"المسألة الخامسة: حكم العمرة وأدلة ذلك","level":3,"page":193},{"title":"المسألة السادسة: مواقيت الحج والعمرة","level":3,"page":193},{"title":"الباب الثاني: في أركان، الحج وواجباته، وفيه مسألتان","level":2,"page":195},{"title":"المسألة الأولى: في أركان الحج","level":3,"page":195},{"title":"المسألة الثانية: واجبات الحج","level":3,"page":196},{"title":"الباب الثالث: في المحظورات والفدية والهدي، وفيه مسائل","level":2,"page":198},{"title":"المسألة الأولى: في محظورات الإحرام","level":3,"page":198},{"title":"المسألة الثانية: فدية المحظورات","level":3,"page":199},{"title":"المسألة الثالثة: في الهدي وأحكامه","level":3,"page":200},{"title":"الباب الرابع: في صفة الحج والعمرة","level":2,"page":203},{"title":"الباب الخامس: في الأماكن التي تشرع زيارتها في المدينة، وفيه مسائل","level":2,"page":207},{"title":"المسألة الأولى: زيارة مسجد النبي ﷺ","level":3,"page":207},{"title":"المسألة الثانية: زيارة قبره ﷺ","level":3,"page":208},{"title":"المسألة الثالثة: الأماكن الأخرى التي تشرع زيارتها في المدينة النبوية","level":3,"page":209},{"title":"الباب السادس: في الأضحية، وفيه مسائل","level":2,"page":211},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف الأضحية وحكمها وأدلة مشروعيتها وشروطها","level":3,"page":211},{"title":"المسألة الثانية: ما تجوز الأضحية به","level":3,"page":211},{"title":"المسألة الثالثة: الشروط المعتبرة في الأضحية","level":3,"page":212},{"title":"المسألة الرابعة: وقت ذبح الأضحية","level":3,"page":213},{"title":"المسألة الخامسة: ما يصنع بالأضحية، وما يلزم المضحي إذا دخلت العشر","level":3,"page":214},{"title":"الباب السابع: في العقيقة، وفيه مسائل","level":2,"page":215},{"title":"المسألة الأولى: تعريف العقيقة وحكمها ووقتها","level":3,"page":215},{"title":"المسألة الثانية: مقدار ما يذبح في العقيقة","level":3,"page":216},{"title":"المسألة الثالثة: تسمية المولود، وحلق رأسه، وتحنيكه، والأذان في أذنه","level":3,"page":216},{"title":"سادسا: كتاب الجهاد","level":1,"page":218},{"title":"الباب الأول: تعريف الجهاد وفضله وحكمه وشروطه ومسقطاته، وفيه مسائل","level":2,"page":218},{"title":"المسألة الأولى: تعريفه، وفضله، والحكمة منه، وحكمه، ومتى يتعين؟","level":3,"page":218},{"title":"المسألة الثانية: شروط الجهاد","level":3,"page":220},{"title":"المسألة الثالثة: مسقطات الجهاد","level":3,"page":221},{"title":"الباب الثاني: في الأسرى والغنائم، وفيه مسائل","level":2,"page":223},{"title":"المسألة الأولى: حكم أسرى الكفار","level":3,"page":223},{"title":"المسألة الثانية: تقسيم الغنيمة بين الغانمين","level":3,"page":224},{"title":"المسألة الثالثة: مصرف الفيء","level":3,"page":226},{"title":"الباب الثالث: في الهدنة والذمة والأمان، وفيه مسائل","level":2,"page":227},{"title":"المسألة الأولى: عقد الهدنة مع الكفار","level":3,"page":227},{"title":"المسألة الثانية: عقد الذمة، ودفع الجزية","level":3,"page":228},{"title":"المسألة الثالثة: عقد الأمان","level":3,"page":228},{"title":"سابعا: كتاب المعاملات","level":1,"page":230},{"title":"الباب الأول: في البيوع، وفيه مسائل","level":2,"page":230},{"title":"المسألة الأولى: تعريف البيع وحكمه","level":3,"page":230},{"title":"المسألة الثانية: أركان البيع","level":3,"page":230},{"title":"المسألة الثالثة: الإشهاد على البيع","level":3,"page":231},{"title":"المسألة الرابعة: الخيار في البيع","level":3,"page":232},{"title":"المسألة الخامسة: شروط البيع","level":3,"page":233},{"title":"المسألة السادسة: البيوع المنهي عنها","level":3,"page":235},{"title":"المسألة السابعة: الإقالة في البيع","level":3,"page":237},{"title":"المسألة الثامنة: عقد المرابحة","level":3,"page":237},{"title":"المسألة التاسعة: البيع بالتقسيط","level":3,"page":238},{"title":"الباب الثاني: في الربا، وفيه مسائل","level":2,"page":240},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الربا وحكمه","level":3,"page":240},{"title":"المسألة الثانية: الحكمة في تحريمه","level":3,"page":240},{"title":"المسألة الثالثة: أنواع الربا","level":3,"page":241},{"title":"المسألة الرابعة: صور لبعض المسائل الربوية","level":3,"page":242},{"title":"الباب الثالث: في القرض، وفيه مسألتان","level":2,"page":244},{"title":"المسألة الأولى: في تعريفه، وأدلة مشروعيته","level":3,"page":244},{"title":"المسألة الثانية: في شروطه وبعض الأحكام المتعلقة به","level":3,"page":244},{"title":"الباب الرابع: في الرهن، وفيه مسألتان","level":2,"page":246},{"title":"المسألة الأولى: معناه وأدلة مشروعيته","level":3,"page":246},{"title":"المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة به","level":3,"page":246},{"title":"الباب الخامس: في السلم، وفيه مسألتان","level":2,"page":247},{"title":"المسألة الأولى: في معناه وأدلة مشروعيته والحكمة من ذلك","level":3,"page":247},{"title":"المسألة الثانية: في شروطه","level":3,"page":247},{"title":"الباب السادس: في الحوالة، وفيه مسألتان","level":2,"page":249},{"title":"المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها","level":3,"page":249},{"title":"المسألة الثانية: في شروط صحتها","level":3,"page":249},{"title":"الباب السابع: في الوكالة، وفيه مسألتان","level":2,"page":251},{"title":"المسألة الأولى: تعريفها، وحكمها، وأدلة مشروعيتها","level":3,"page":251},{"title":"المسألة الثانية: شروطها، والأحكام المتعلقة بها","level":3,"page":251},{"title":"الباب الثامن: في الكفالة والضمان، وفيه مسائل","level":2,"page":253},{"title":"المسألة الأولى: في معنى الكفالة وأدلة مشروعيتها","level":3,"page":253},{"title":"المسألة الثانية: أركان الكفالة وشروطها","level":3,"page":253},{"title":"المسألة الثالثة: في بعض أحكام الكفالة","level":3,"page":254},{"title":"المسألة الرابعة: في الضمان","level":3,"page":254},{"title":"الباب التاسع: في الحجر، وفيه مسائل","level":2,"page":256},{"title":"المسألة الأولى: معناه وأدلة مشروعيته وأنواعه","level":3,"page":256},{"title":"المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بالنوع الأول من الحجر، وهو الحجر على الإنسان لمصلحة نفسه","level":3,"page":256},{"title":"المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالنوع الثاني من الحجر، وهو الحجر على الإنسان لمصلحة غيره","level":3,"page":258},{"title":"الباب العاشر: الشركة، وفيه مسألتان","level":2,"page":259},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الشركة وحكمها وأدلة مشروعيتها","level":3,"page":259},{"title":"المسألة الثانية: أنواع شركة العقود","level":3,"page":259},{"title":"الباب الحادي عشر: الإجارة، وفيه مسائل","level":2,"page":261},{"title":"المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها","level":3,"page":261},{"title":"المسألة الثانية: شروطها","level":3,"page":261},{"title":"المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بها","level":3,"page":262},{"title":"الباب الثاني عشر: المزارعة والمساقاة، وفيه مسائل","level":2,"page":263},{"title":"المسألة الأولى: معناهما وحكمهما","level":3,"page":263},{"title":"المسألة الثانية: شروطهما","level":3,"page":263},{"title":"المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بهما","level":3,"page":263},{"title":"الباب الثالث عشر الشفعة والجوار، وفيه مسائل","level":2,"page":265},{"title":"المسألة الأولى: في معناها وأدلة مشروعيتها","level":3,"page":265},{"title":"المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بالشفعة","level":3,"page":265},{"title":"المسألة الثالثة: في أحكام الجوار","level":3,"page":266},{"title":"المسألة الرابعة: في الطرقات","level":3,"page":267},{"title":"الباب الرابع عشر: الوديعة والإتلافات، وفيه مسائل","level":2,"page":268},{"title":"المسألة الأولى: تعريفها وأدلة مشروعيتها","level":3,"page":268},{"title":"المسألة الثانية: شرط صحتها","level":3,"page":268},{"title":"المسألة الثالثة: في الأحكام المتعلقة بالوديعة","level":3,"page":268},{"title":"المسألة الرابعة: في الإتلافات","level":3,"page":270},{"title":"الباب الخامس عشر: في الغصب، وفيه مسألتان","level":2,"page":272},{"title":"المسألة الأولى: تعريفه وحكمه","level":3,"page":272},{"title":"المسألة الثانية: في الأحكام المتعلقة بالغصب","level":3,"page":272},{"title":"الباب السادس عشر: في الصلح، وفيه مسائل","level":2,"page":273},{"title":"المسألة الأولى: معناه، وأدلة مشروعيته","level":3,"page":273},{"title":"المسألة الثانية: في أنواع الصلح العامة","level":3,"page":273},{"title":"المسألة الثالثة: في الأحكام المتعلقة بالصلح","level":3,"page":274},{"title":"الباب السابع عشر: المسابقة، وفيه مسائل","level":2,"page":276},{"title":"المسألة الأولى: معناها، وحكمها","level":3,"page":276},{"title":"المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها","level":3,"page":276},{"title":"المسألة الثالثة: شروط أخذ العوض في المسابقة","level":3,"page":277},{"title":"الباب الثامن عشر: العارية، وفيه مسائل","level":2,"page":278},{"title":"المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها","level":3,"page":278},{"title":"المسألة الثانية: شروطها","level":3,"page":278},{"title":"المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة بها","level":3,"page":279},{"title":"الباب التاسع عشر: إحياء الموات، وفيه مسائل","level":2,"page":280},{"title":"المسألة الأولى: في معناه وحكمه","level":3,"page":280},{"title":"المسألة الثانية: شروطه وما يحصل به","level":3,"page":280},{"title":"المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة به","level":3,"page":281},{"title":"الباب العشرون: الجعالة، وفيه مسألتان","level":2,"page":282},{"title":"المسألة الأولى: معناها وحكمها","level":3,"page":282},{"title":"المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها","level":3,"page":282},{"title":"الباب الحادي والعشرون: اللقطة واللقيط، وفيه مسائل","level":2,"page":283},{"title":"المسألة الأولى: معنى اللقطة وحكمها","level":3,"page":283},{"title":"المسألة الثانية: أقسام اللقطة","level":3,"page":283},{"title":"المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة بها","level":3,"page":284},{"title":"المسألة الرابعة: في اللقيط","level":3,"page":284},{"title":"الباب الثاني والعشرون: الوقف، وفيه مسألتان","level":2,"page":286},{"title":"المسألة الأولى: معناه وحكمه","level":3,"page":286},{"title":"المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة به","level":3,"page":286},{"title":"الباب الثالث والعشرون: الهبة، والعطية، وفيه مسائل","level":2,"page":288},{"title":"المسألة الأولى: معناها وأدلتها","level":3,"page":288},{"title":"المسألة الثانية: شروط الهبة","level":3,"page":288},{"title":"المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة بها","level":3,"page":289},{"title":"ثامنا: كتاب المواريث والوصايا والعتق","level":1,"page":290},{"title":"الباب الأول: تصرفات المريض","level":2,"page":290},{"title":"الباب الثاني: الوصية، وفيه مسألتان","level":2,"page":291},{"title":"المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها","level":3,"page":291},{"title":"المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها","level":3,"page":291},{"title":"الباب الثالث: في العتق، والكتابة، والتدبير، وفيه مسائل","level":2,"page":294},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف العتق، ومشروعيته، وفضله، وحكمة مشروعيته","level":3,"page":294},{"title":"المسألة الثانية: أركان العتق، وشروطه، وصيغته وألفاظه","level":3,"page":295},{"title":"المسألة الثالثة: من أحكام العتق","level":3,"page":296},{"title":"المسألة الرابعة: التدبير","level":3,"page":297},{"title":"المسألة الخامسة: المكاتب","level":3,"page":298},{"title":"الباب الرابع: الفرائض، والمواريث، وفيه مسائل","level":2,"page":300},{"title":"المسألة الأولى: معناها والحث على تعلمها","level":3,"page":300},{"title":"المسألة الثانية: الحقوق المتعلقة بالتركة وأسباب الميراث وموانعه","level":3,"page":300},{"title":"المسألة الثالثة: أقسام الورثة","level":3,"page":302},{"title":"المسألة الرابعة: أقسام الورثة باعتبار الإرث","level":3,"page":303},{"title":"المسألة الخامسة: في التعصيب","level":3,"page":305},{"title":"المسألة السادسة: الحجب","level":3,"page":306},{"title":"المسألة السابعة: في ذوي الأرحام","level":3,"page":308},{"title":"تاسعا: كتاب النكاح والطلاق","level":1,"page":309},{"title":"الباب الأول: في النكاح، وفيه مسائل","level":2,"page":309},{"title":"المسألة الأولى: تعريف النكاح، وأدلة مشروعيته","level":3,"page":309},{"title":"المسألة الثانية: الحكمة في مشروعية النكاح","level":3,"page":310},{"title":"المسألة الثالثة: حكم النكاح واختيار الزوجة","level":3,"page":310},{"title":"المسألة الرابعة: من أحكام الخطبة، وآدابها","level":3,"page":311},{"title":"المسألة الخامسة: حكم النظر إلى المخطوبة","level":3,"page":312},{"title":"المسألة السادسة: شروط النكاح وأركانه","level":3,"page":313},{"title":"المسألة السابعة: المحرمات في النكاح","level":3,"page":314},{"title":"المسألة الثامنة: حكم نكاح الكتابية","level":3,"page":318},{"title":"الباب الثاني: في الصداق وحقوق الزواج وواجباته، ووليمة العرس، وفيه مسائل","level":2,"page":319},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الصداق، ومشروعيته، وحكمه","level":3,"page":319},{"title":"المسألة الثانية: حده، وحكمته، وتسميته","level":3,"page":320},{"title":"المسألة الثالثة: حكم المغالاة في الصداق","level":3,"page":321},{"title":"المسألة الرابعة: الحقوق الزوجية","level":3,"page":322},{"title":"المسألة الخامسة: إعلان النكاح","level":3,"page":325},{"title":"المسألة السادسة: الوليمة في النكاح","level":3,"page":325},{"title":"المسألة السابعة: حكم إجابة دعوة وليمة العرس","level":3,"page":326},{"title":"الباب الثالث: في الخلع، وفيه مسألتان","level":2,"page":328},{"title":"المسألة الأولى: معناه، وأدلة مشروعيته","level":3,"page":328},{"title":"المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة به، والحكمة منه","level":3,"page":328},{"title":"الباب الرابع: في الطلاق، وفيه مسائل","level":2,"page":330},{"title":"المسألة الأولى: معناه، وأدلة مشروعيته، وحكمته","level":3,"page":330},{"title":"المسألة الثانية: حكم الطلاق، وبيد من يكون؟","level":3,"page":331},{"title":"المسألة الثالثة: ألفاظ الطلاق","level":3,"page":331},{"title":"المسألة الرابعة: طلاق السنة وحكمه","level":3,"page":332},{"title":"المسألة الخامسة: الطلاق البدعي وحكمه","level":3,"page":332},{"title":"المسألة السادسة: الرجعة","level":3,"page":333},{"title":"الباب الخامس: في الإيلاء","level":2,"page":336},{"title":"الباب السادس: في الظهار","level":2,"page":338},{"title":"الباب السابع: في اللعان، وفيه مسائل","level":2,"page":340},{"title":"المسألة الأولى: تعريف اللعان، ودليل مشروعيته، وحكمته","level":3,"page":340},{"title":"المسألة الثانية: شروطه وكيفيته","level":3,"page":341},{"title":"المسألة الثالثة: الأحكام المترتبة على اللعان","level":3,"page":342},{"title":"الباب الثامن: في العدة والإحداد، وفيه مسائل","level":2,"page":343},{"title":"المسألة الأولى: تعريف العدة ودليل مشروعيتها، والحكمة منها","level":3,"page":343},{"title":"المسألة الثانية: أنواع العدة","level":3,"page":344},{"title":"المسألة الثالثة: التزامات العدة، وما يترتب عليها","level":3,"page":345},{"title":"المسألة الرابعة: في الإحداد","level":3,"page":347},{"title":"الباب التاسع: في الرضاع، وفيه مسائل","level":2,"page":349},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الرضاع، ودليل مشروعيته، وحكمه","level":3,"page":349},{"title":"المسألة الثانية: شروط الرضاع المحرم، وما يترتب على قرابة الرضاع","level":3,"page":350},{"title":"المسألة الثالثة: إثبات الرضاع","level":3,"page":351},{"title":"الباب العاشر: في الحضانة، وأحكامها، وفيه مسائل","level":2,"page":352},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف الحضانة، وحكمها، ولمن تكون؟","level":3,"page":352},{"title":"المسألة الثانية: في شروط الحاضن، وموانع الحضانة","level":3,"page":353},{"title":"المسألة الثالثة: من الأحكام المتعلقة بالحضانة","level":3,"page":353},{"title":"الباب الحادي عشر: في النفقات، وفيه مسألتان","level":2,"page":355},{"title":"المسألة الأولى: تعريف النفقة وأنواعها","level":3,"page":355},{"title":"المسألة الثانية: نفقة المماليك والبهائم","level":3,"page":357},{"title":"عاشرا: كتاب الجنايات","level":1,"page":358},{"title":"الباب الأول: في الجنايات، وفيه مسائل","level":2,"page":358},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الجناية وأقسامها","level":3,"page":358},{"title":"المسألة الثانية: الجناية على النفس","level":3,"page":358},{"title":"المسألة الثالثة: أنواع القتل","level":3,"page":359},{"title":"المسألة الرابعة: الجناية على ما دون النفس","level":3,"page":367},{"title":"الباب الثاني: في الديات، وفيه مسائل","level":2,"page":371},{"title":"المسألة الأولى: تعريفها.","level":3,"page":371},{"title":"المسألة الثانية: مشروعيتها، ودليل ذلك، والحكمة منها","level":3,"page":371},{"title":"المسألة الثالثة: على من تجب الدية؟ ومن يتحملها؟","level":3,"page":371},{"title":"المسألة الرابعة: أنواع الديات ومقاديرها","level":3,"page":372},{"title":"الباب الثالث: في القسامة، وفيه مسائل","level":2,"page":374},{"title":"المسألة الأولى: تعريفها، وحكمها، وحكمتها","level":3,"page":374},{"title":"المسألة الثانية: شروط القسامة","level":3,"page":375},{"title":"المسألة الثالثة: صفة القسامة","level":3,"page":375},{"title":"حادي عشر: كتاب الحدود","level":1,"page":377},{"title":"الباب الأول: في تعريف الحدود، ومشروعيتها، والحكمة منها، ومسائل أخرى","level":2,"page":377},{"title":"الباب الثاني: في حد الزنى، وفيه مسائل","level":2,"page":380},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الزنى وحكمه وخطورته","level":3,"page":380},{"title":"المسألة الثانية: حد الزنى","level":3,"page":381},{"title":"المسألة الثالثة: بم يثبت الزنى؟","level":3,"page":383},{"title":"الباب الثالث: في حد القذف، وفيه مسائل","level":2,"page":385},{"title":"المسألة الأولى: معنى القذف وحكمه","level":3,"page":385},{"title":"المسألة الثانية: حد القذف، والحكمة منه","level":3,"page":385},{"title":"المسألة الثالثة: شروط إيجاب حد القذف","level":3,"page":386},{"title":"المسألة الرابعة: شروط إقامة حد القذف","level":3,"page":387},{"title":"الباب الرابع: في حد شارب الخمر، وفيه مسائل","level":2,"page":388},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الخمر وحكمه وحكمة تحريمه","level":3,"page":388},{"title":"المسألة الثانية: حد شارب الخمر، وشروطه، وبم يثبت؟","level":3,"page":389},{"title":"المسألة الثالثة: حكم المخدرات والاتجار بها","level":3,"page":390},{"title":"الباب الخامس: في حد السرقة، وفيه مسائل","level":2,"page":391},{"title":"المسألة الأولى: تعريف السرقة، وحكمها، وحد فاعلها، والحكمة من إقامة الحد فيها","level":3,"page":391},{"title":"المسألة الثانية: شروط وجوب حد السرقة","level":3,"page":392},{"title":"المسألة الثالثة: الشفاعة في حد السرقة، وهبة المسروق للسارق","level":3,"page":393},{"title":"المسألة الرابعة: كيفية القطع وموضعه","level":3,"page":394},{"title":"الباب السادس: في التعزير، وفيه مسائل","level":2,"page":395},{"title":"المسألة الأولى: تعريف التعزير، وحكمه، والحكمة منه","level":3,"page":395},{"title":"المسألة الثانية: أنواع المعاصي التي توجب التعزير","level":3,"page":395},{"title":"المسألة الثالثة: مقدار التعزير","level":3,"page":396},{"title":"المسألة الرابعة: أنواع العقوبات التعزيرية","level":3,"page":396},{"title":"الباب السابع: في حد الحرابة، وفيه مسائل","level":2,"page":397},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الحرابة، وحد المحاربين","level":3,"page":397},{"title":"المسألة الثانية: شروط وجوب الحد على المحاربين","level":3,"page":398},{"title":"المسألة الثالثة: سقوط الحد عن المحاربين","level":3,"page":398},{"title":"الباب الثامن: في الردة، وفيه مسائل","level":2,"page":399},{"title":"المسألة الأولى: تعريفها، وشروطها، وحكم المرتد","level":3,"page":399},{"title":"المسألة الثانية: الأمور التي تحصل بها الردة","level":3,"page":400},{"title":"المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالردة","level":3,"page":400},{"title":"ثاني عشر: كتاب الأيمان والنذور","level":1,"page":402},{"title":"الباب الأول: الأيمان، وفيه مسائل","level":2,"page":402},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف الأيمان","level":3,"page":402},{"title":"المسألة الثانية: أقسام اليمين","level":3,"page":402},{"title":"المسألة الثالثة: كفارة اليمين وشروط وجوبها","level":3,"page":403},{"title":"المسألة الرابعة: صور لبعض الأيمان الجائزة والممنوعة","level":3,"page":405},{"title":"الباب الثاني: النذور، وفيه مسائل","level":2,"page":407},{"title":"المسألة الأولى: تعريف النذر، ومشروعيته، وحكمه","level":3,"page":407},{"title":"المسألة الثانية: شروط النذر، وألفاظه","level":3,"page":408},{"title":"المسألة الثالثة: أقسام النذر","level":3,"page":408},{"title":"المسألة الرابعة: أنواع النذر وأحكامه","level":3,"page":409},{"title":"المسألة الخامسة: صور من النذر الذي لا يجوز الوفاء به","level":3,"page":410},{"title":"ثالث عشر: كتاب الأطعمة، والذبائح، والصيد","level":1,"page":411},{"title":"الباب الأول: في الأطعمة، وفيه مسائل","level":2,"page":411},{"title":"المسألة الأولى: تعريفها والأصل فيها","level":3,"page":411},{"title":"المسألة الثانية: ما نص الشارع على حله، وإباحته","level":3,"page":412},{"title":"المسألة الثالثة: ما نص الشارع على تحريمه","level":3,"page":414},{"title":"المسألة الرابعة: ما سكت عنه الشارع","level":3,"page":417},{"title":"المسألة الخامسة: ما يكره أكله","level":3,"page":417},{"title":"المسألة السادسة: آداب الأكل","level":3,"page":417},{"title":"الباب الثاني: أحكام الذبائح، وفيه مسائل","level":2,"page":420},{"title":"المسألة الأولى: معناها، وأنواع التذكية، وحكمها","level":3,"page":420},{"title":"المسألة الثانية: شروط صحة الذبح","level":3,"page":421},{"title":"المسألة الثالثة: آداب الذبح","level":3,"page":423},{"title":"المسألة الرابعة: مكروهات الذبح","level":3,"page":424},{"title":"المسألة الخامسة: حكم ذبائح أهل الكتاب","level":3,"page":424},{"title":"الباب الثالث: أحكام الصيد، وفيه مسائل","level":2,"page":426},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف الصيد، وحكمه، ودليل مشروعيته","level":3,"page":426},{"title":"المسألة الثانية: الصيد المباح وغير المباح","level":3,"page":426},{"title":"المسألة الثالثة: شروط إباحة الصيد","level":3,"page":427},{"title":"رابع عشر: كتاب القضاء والشهادات","level":1,"page":430},{"title":"الباب الأول: في القضاء، وفيه مسائل","level":2,"page":430},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف القضاء، وحكمه، وأدلة مشروعيته","level":3,"page":430},{"title":"المسألة الثانية: شروط القاضي","level":3,"page":431},{"title":"المسألة الثالثة: آداب القاضي وأخلاقه، وما ينبغي له ومالا ينبغي","level":3,"page":432},{"title":"المسألة الرابعة: طريق الحكم وصفته","level":3,"page":433},{"title":"الباب الثاني: في الشهادات، وفيه مسائل","level":2,"page":435},{"title":"المسألة الأولى: في تعريفها، وحكمها، وأدلتها","level":3,"page":435},{"title":"المسألة الثانية: شروط الشاهد الذي تقبل شهادته","level":3,"page":436},{"title":"المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالشهادة","level":3,"page":437}],"ٛ":{"المقدمة,1":2,"المقدمة,2":3,"المقدمة,3":4,"المقدمة,4":5,"المقدمة,5":6,"المقدمة,7":7,"المقدمة,8":8,"المقدمة,9":9,"المقدمة,10":10,"المقدمة,11":11,"المقدمة,12":12,"المقدمة,13":13,"المقدمة,14":14,"المقدمة,15":15,"المقدمة,16":16,"المقدمة,17":17,"المقدمة,18":18,"المقدمة,19":19,"المقدمة,20":20,"1,1":21,"1,2":22,"1,3":23,"1,4":24,"1,5":25,"1,6":26,"1,7":27,"1,8":28,"1,9":29,"1,10":30,"1,11":31,"1,12":32,"1,13":33,"1,14":34,"1,15":35,"1,16":36,"1,17":37,"1,18":38,"1,19":39,"1,20":40,"1,21":41,"1,22":42,"1,23":43,"1,24":44,"1,25":45,"1,26":46,"1,27":47,"1,28":48,"1,29":49,"1,30":50,"1,31":51,"1,32":52,"1,33":53,"1,34":54,"1,35":55,"1,36":56,"1,37":57,"1,38":58,"1,39":59,"1,40":60,"1,41":61,"1,42":62,"1,43":63,"1,44":64,"1,45":65,"1,46":66,"1,47":67,"1,48":68,"1,49":69,"1,50":70,"1,51":71,"1,52":72,"1,53":73,"1,54":74,"1,55":75,"1,56":76,"1,57":77,"1,58":78,"1,59":79,"1,60":80,"1,61":81,"1,62":82,"1,63":83,"1,64":84,"1,65":85,"1,66":86,"1,67":87,"1,68":88,"1,69":89,"1,70":90,"1,71":91,"1,72":92,"1,73":93,"1,74":94,"1,75":95,"1,76":96,"1,77":97,"1,78":98,"1,79":99,"1,80":100,"1,81":101,"1,82":102,"1,83":103,"1,84":104,"1,85":105,"1,86":106,"1,87":107,"1,88":108,"1,89":109,"1,90":110,"1,91":111,"1,92":112,"1,93":113,"1,94":114,"1,95":115,"1,96":116,"1,97":117,"1,98":118,"1,99":119,"1,100":120,"1,101":121,"1,102":122,"1,103":123,"1,104":124,"1,105":125,"1,106":126,"1,107":127,"1,108":128,"1,109":129,"1,110":130,"1,111":131,"1,112":132,"1,113":133,"1,114":134,"1,115":135,"1,116":136,"1,117":137,"1,118":138,"1,119":139,"1,120":140,"1,121":141,"1,122":142,"1,123":143,"1,124":144,"1,125":145,"1,126":146,"1,127":147,"1,128":148,"1,129":149,"1,130":150,"1,131":151,"1,132":152,"1,133":153,"1,134":154,"1,135":155,"1,136":156,"1,137":157,"1,138":158,"1,139":159,"1,140":160,"1,141":161,"1,142":162,"1,143":163,"1,144":164,"1,145":165,"1,146":166,"1,147":167,"1,149":168,"1,150":169,"1,151":170,"1,152":171,"1,153":172,"1,154":173,"1,155":174,"1,156":175,"1,157":176,"1,158":177,"1,159":178,"1,160":179,"1,161":180,"1,162":181,"1,163":182,"1,164":183,"1,165":184,"1,166":185,"1,167":186,"1,168":187,"1,169":188,"1,170":189,"1,171":190,"1,172":191,"1,173":192,"1,174":193,"1,175":194,"1,176":195,"1,177":196,"1,178":197,"1,179":198,"1,180":199,"1,181":200,"1,182":201,"1,183":202,"1,184":203,"1,185":204,"1,186":205,"1,187":206,"1,188":207,"1,189":208,"1,190":209,"1,191":210,"1,192":211,"1,193":212,"1,194":213,"1,195":214,"1,196":215,"1,197":216,"1,198":217,"1,199":218,"1,200":219,"1,201":220,"1,202":221,"1,203":222,"1,204":223,"1,205":224,"1,206":225,"1,207":226,"1,208":227,"1,209":228,"1,210":229,"1,211":230,"1,212":231,"1,213":232,"1,214":233,"1,215":234,"1,216":235,"1,217":236,"1,218":237,"1,219":238,"1,220":239,"1,221":240,"1,222":241,"1,223":242,"1,224":243,"1,225":244,"1,226":245,"1,227":246,"1,228":247,"1,229":248,"1,230":249,"1,231":250,"1,232":251,"1,233":252,"1,234":253,"1,235":254,"1,236":255,"1,237":256,"1,238":257,"1,239":258,"1,240":259,"1,241":260,"1,242":261,"1,243":262,"1,244":263,"1,245":264,"1,246":265,"1,247":266,"1,248":267,"1,249":268,"1,250":269,"1,251":270,"1,252":271,"1,253":272,"1,254":273,"1,255":274,"1,256":275,"1,257":276,"1,258":277,"1,259":278,"1,260":279,"1,261":280,"1,262":281,"1,263":282,"1,264":283,"1,265":284,"1,266":285,"1,267":286,"1,268":287,"1,269":288,"1,270":289,"1,271":290,"1,272":291,"1,273":292,"1,274":293,"1,275":294,"1,276":295,"1,277":296,"1,278":297,"1,279":298,"1,280":299,"1,281":300,"1,282":301,"1,283":302,"1,284":303,"1,285":304,"1,286":305,"1,287":306,"1,288":307,"1,289":308,"1,291":309,"1,292":310,"1,293":311,"1,294":312,"1,295":313,"1,296":314,"1,297":315,"1,298":316,"1,299":317,"1,300":318,"1,301":319,"1,302":320,"1,303":321,"1,304":322,"1,305":323,"1,306":324,"1,307":325,"1,308":326,"1,309":327,"1,310":328,"1,311":329,"1,312":330,"1,313":331,"1,314":332,"1,315":333,"1,316":334,"1,317":335,"1,318":336,"1,319":337,"1,320":338,"1,321":339,"1,322":340,"1,323":341,"1,324":342,"1,325":343,"1,326":344,"1,327":345,"1,328":346,"1,329":347,"1,330":348,"1,331":349,"1,332":350,"1,333":351,"1,334":352,"1,335":353,"1,336":354,"1,337":355,"1,338":356,"1,339":357,"1,341":358,"1,342":359,"1,343":360,"1,344":361,"1,345":362,"1,346":363,"1,347":364,"1,348":365,"1,349":366,"1,350":367,"1,351":368,"1,352":369,"1,353":370,"1,354":371,"1,355":372,"1,356":373,"1,357":374,"1,358":375,"1,359":376,"1,361":377,"1,362":378,"1,363":379,"1,364":380,"1,365":381,"1,366":382,"1,367":383,"1,368":384,"1,369":385,"1,370":386,"1,371":387,"1,372":388,"1,373":389,"1,374":390,"1,375":391,"1,376":392,"1,377":393,"1,378":394,"1,379":395,"1,380":396,"1,381":397,"1,382":398,"1,383":399,"1,384":400,"1,385":401,"1,387":402,"1,388":403,"1,389":404,"1,390":405,"1,391":406,"1,392":407,"1,393":408,"1,394":409,"1,395":410,"1,397":411,"1,398":412,"1,399":413,"1,400":414,"1,401":415,"1,402":416,"1,403":417,"1,404":418,"1,405":419,"1,406":420,"1,407":421,"1,408":422,"1,409":423,"1,410":424,"1,411":425,"1,412":426,"1,413":427,"1,414":428,"1,415":429,"1,417":430,"1,418":431,"1,419":432,"1,420":433,"1,421":434,"1,422":435,"1,423":436,"1,424":437,"1,425":438,"1,426":439},"ٜ":{"المقدمة":[1,20],"1":[1,426]},"ٝ":[null,"المقدمة,1","المقدمة,2","المقدمة,3","المقدمة,4","المقدمة,5","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,10","المقدمة,11","المقدمة,12","المقدمة,13","المقدمة,14","المقدمة,15","المقدمة,16","المقدمة,17","المقدمة,18","المقدمة,19","المقدمة,20","1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426"],"ٞ":{"4":[1,2],"7":[3],"10":[4],"16":[5],"18":[6],"21":[7,8,9],"22":[10,11],"23":[12],"24":[13,14],"26":[15,16,17],"27":[18,19],"29":[20,21,22],"30":[23],"31":[24],"32":[25],"33":[26,27,28],"34":[29,30,31],"37":[32,33,34],"38":[35,36],"39":[37],"41":[38],"42":[39],"43":[40],"44":[41,42],"45":[43,44],"46":[45,46,47],"47":[48],"48":[49,50],"49":[51],"50":[52,53],"52":[54,55,56],"54":[57,58],"55":[59,60,61],"56":[62],"58":[63,64,65,66],"59":[67],"60":[68],"61":[69,70],"63":[71,72],"65":[73,74,75],"66":[76,77],"67":[78],"68":[79],"70":[80,81,82,83],"72":[84],"74":[85],"76":[86],"77":[87],"78":[88],"80":[89],"82":[90,91,92],"83":[93,94],"84":[95],"85":[96],"86":[97],"89":[98,99,100],"91":[101,102],"92":[103],"94":[104],"95":[105,106],"97":[107,108,109],"98":[110],"99":[111],"100":[112],"101":[113,114],"102":[115,116],"103":[117],"104":[118,119,120],"107":[121,122],"108":[123,124,125,126],"109":[127,128],"110":[129],"111":[130,131],"112":[132],"113":[133,134,135,136],"114":[137,138],"115":[139],"116":[140,141],"117":[142,143],"120":[144,145],"121":[146],"122":[147,148,149,150],"123":[151,152],"124":[153,154,155],"126":[156,157,158,159,160],"127":[161],"128":[162],"129":[163,164,165,166,167],"131":[168,169],"132":[170],"133":[171],"134":[172,173],"135":[174],"136":[175],"137":[176],"139":[177],"141":[178,179,180,181],"142":[182,183],"143":[184],"144":[185],"146":[186,187],"147":[188,189,190],"148":[191,192],"149":[193,194],"151":[195,196,197],"152":[198,199,200],"154":[201,202],"155":[203],"158":[204],"159":[205],"161":[206,207,208],"162":[209,210,211],"164":[212,213],"165":[214],"166":[215],"167":[216],"168":[217,218,219,220],"169":[221],"170":[222,223],"171":[224],"172":[225],"173":[226,227],"175":[228],"178":[229,230],"179":[231],"181":[232,233,234],"183":[235],"186":[236,237,238],"187":[239],"189":[240],"190":[241,242,243,244],"191":[245,246],"193":[247,248],"195":[249,250],"196":[251],"198":[252,253],"199":[254],"200":[255],"203":[256],"207":[257,258],"208":[259],"209":[260],"211":[261,262,263],"212":[264],"213":[265],"214":[266],"215":[267,268],"216":[269,270],"218":[271,272,273],"220":[274],"221":[275],"223":[276,277],"224":[278],"226":[279],"227":[280,281],"228":[282,283],"230":[284,285,286,287],"231":[288],"232":[289],"233":[290],"235":[291],"237":[292,293],"238":[294],"240":[295,296,297],"241":[298],"242":[299],"244":[300,301,302],"246":[303,304,305],"247":[306,307,308],"249":[309,310,311],"251":[312,313,314],"253":[315,316,317],"254":[318,319],"256":[320,321,322],"258":[323],"259":[324,325,326],"261":[327,328,329],"262":[330],"263":[331,332,333,334],"265":[335,336,337],"266":[338],"267":[339],"268":[340,341,342,343],"270":[344],"272":[345,346,347],"273":[348,349,350],"274":[351],"276":[352,353,354],"277":[355],"278":[356,357,358],"279":[359],"280":[360,361,362],"281":[363],"282":[364,365,366],"283":[367,368,369],"284":[370,371],"286":[372,373,374],"288":[375,376,377],"289":[378],"290":[379,380],"291":[381,382,383],"294":[384,385],"295":[386],"296":[387],"297":[388],"298":[389],"300":[390,391,392],"302":[393],"303":[394],"305":[395],"306":[396],"308":[397],"309":[398,399,400],"310":[401,402],"311":[403],"312":[404],"313":[405],"314":[406],"318":[407],"319":[408,409],"320":[410],"321":[411],"322":[412],"325":[413,414],"326":[415],"328":[416,417,418],"330":[419,420],"331":[421,422],"332":[423,424],"333":[425],"336":[426],"338":[427],"340":[428,429],"341":[430],"342":[431],"343":[432,433],"344":[434],"345":[435],"347":[436],"349":[437,438],"350":[439],"351":[440],"352":[441,442],"353":[443,444],"355":[445,446],"357":[447],"358":[448,449,450,451],"359":[452],"367":[453],"371":[454,455,456,457],"372":[458],"374":[459,460],"375":[461,462],"377":[463,464],"380":[465,466],"381":[467],"383":[468],"385":[469,470,471],"386":[472],"387":[473],"388":[474,475],"389":[476],"390":[477],"391":[478,479],"392":[480],"393":[481],"394":[482],"395":[483,484,485],"396":[486,487],"397":[488,489],"398":[490,491],"399":[492,493],"400":[494,495],"402":[496,497,498,499],"403":[500],"405":[501],"407":[502,503],"408":[504,505],"409":[506],"410":[507],"411":[508,509,510],"412":[511],"414":[512],"417":[513,514,515],"420":[516,517],"421":[518],"423":[519],"424":[520,521],"426":[522,523,524],"427":[525],"430":[526,527,528],"431":[529],"432":[530],"433":[531],"435":[532,533],"436":[534],"437":[535]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة]ـ\nالمؤلف: مجموعة من المؤلفين\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف\nسنة الطبع: ١٤٢٤هـ\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]","vol":"المقدمة","page":null},{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد\nمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف\nالأمانة العامة\nالشؤون العلمية\n\nكتاب: الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة\n\nإعداد: نخبة من العلماء","vol":"المقدمة","page":1},{"text":"ح- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤٢٤ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر\nمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف\nكتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة. /مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، ١٤٢٤ هـ.\n٤٧٢ ص؛ ١٦×٢٣ سم\nردمك: ٥ - ٥٣ - ٨٤٧ - ٩٩٦٠\n١ - الفقه الإسلامي ... أ- العنوان\nديوي ٢٥٠ ... ١٧٣/ ١٤٢٤\nرقم الإيداع: ١٧٣/ ١٤٢٤\nردمك: ٥ - ٥٣ - ٨٤٧ - ٩٩٦٠","vol":"المقدمة","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمات</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة\nبقلم معالي الشيخ: صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد </span>المشرف العام على المجمع\nالحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلّم على عبده ورسوله محمّدٍ خاتَمِ المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:\nفالفقهُ في الدين، والبصرُ بأحكام الشرع؛ من أجَلِّ المقاصد وأمثل الغايات، وما دعوة الشارع في كثرةٍ كاثرة من نصوصه الثابتة إلى تطلُّب الفقه والتَّمهُّر به دراية وتدبرًا، إلا خير عنوان على ما لهذا المطلب من شأنٍ في دين الله .. وكفْيُك من هذا أنه جعل من إرادة الخير بالعبد تفقّهه في دين ربه، فقال - ﷺ -: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" (١).\nإنه ليس يستوي عبدٌ أعشاه الجهل وأضله الهوى عن أن يبلغ غايته، فهو يتخبط في طريقه، لا يكاد يتهدّى؛ مع عبد قد استنارت بصيرته، فهو يعبد ربه على هدى منه ونور، ومن هنا كان قوله -سبحانه-: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (٢).\nلقد حملت دعوةُ الناس إلى عبادة الله على نورٍ منه وبِهَدْي من وحيه حكومةَ هذه البلاد المباركة -ولا غرو فهي بلاد الحرمين الشريفين- على أن توافرت على نشر علوم الكتاب والسنة، ما استطاعت وبما وسِعها من قدرة، فرفعت بما قامت به عن الناس جهلًا كثيرًا، ودفعت به ما الكتاب والسنة منه براء. ومن ذلك جهود استوت على سُوقها بتوجيهات كريمة من لدن ولي أمر هذه البلاد خادم الحرمين الشريفين، وفَّقه الله لكل خير؛ كان من أظهَرِها مشروع\n_________\n(١) أخرجه \"البخاري\" برقم (٧١)، و\"مسلم\" برقم (١٠٣٧).\n(٢) الزمر: ٩.","vol":"المقدمة","page":3},{"text":"وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ممثلةً في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف؛ لنشر الكتب المُيسِّرة لعلوم الشريعة، وبذلها للناس أين وُجِدوا؛ ليتعلموا دينهم بأسلوب سهل ميسَّر في ضوء الكتاب والسنة، وما فقهه منهما السلف الصالح من هذه الأمة، فنشر المجمع من هذه الكتب -على خطة اختطّها- كتاب:\n\"أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة\"\nوكتاب:\n\"الذكر والدعاء في ضوء الكتاب والسنة\"\nوها هو اليوم ينهض بنشر كتاب جديد هو:\n\"الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة\"\nوهو يشتمل على الأحكام الفقهية في العبادات والمعاملات مقرونةً بأدلتها الشرعية من الكتاب الكريم والصحيح من السنة النبوية. وكل ذلك في بيان قريبِ المأخذ، داني المنال، ينأى عن تعقيد وتطويل، لا طاقة لكثير من المسلمين على حَلِّه والإفادة منه، ووجازة تيسر للناس فهم أحكام الدين، دونما إخلال أو إضرار بالمادة العلمية المنتقاة.\nثم إن المجمع -طلبًا للإتقان كما هو شأنه في كل ما ينشره- وَكَلَ أمر إعداد هذا الكتاب إلى نخبة مباركة من الأساتذة أهلِ الاختصاص في العلم الشرعي، ولا سيما الفقه، ثم عرضه بعد إنجازه على لجنة استشارية متخصصة لمراجعته حتى تستدرك ما عساه قد ندَّ أو غمض .. فجاء -بحمد الله- بمحاسن جمة منها:\n١ - التحرّي البالغ في صحة ما تُبنى عليه الأحكام الفقهية من أحاديث وآثار في كل مسألة.\n٢ - شموله واستيعابه لجميع أبواب الفقه ومسائله التي ليس للمسلم غنى عنها.\n٣ - وضوح عبارته، ويسر أسلوبه؛ لينتفع به طلبة العلم فمَنْ دونهم من عامة المسلمين.","vol":"المقدمة","page":4},{"text":"٤ - دقة تقسيماته، وسهولة الاستفادة من موضوعاته؛ وذلك بجعلها تحت عنوانات تدل عليها، وتعين على فهمها.\n٥ - تضمنه التنبيه على جملة من المخالفات الشرعية التي ربما وقع فيها كثيرٌ من المسلمين، إمَّا جهلًا أو تقليدًا.\nهذا وأسأل الله -سبحانه- أن يجعله عملًا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يبلغ بنفعه، حتى يكون مُعينًا لعباده على التفقُّه في دينهم.\nويطيب لي في خاتمة الكلام أن أشكر للأساتذة الأفاضل جهدهم الذي عانوه في إعداد هذا الكتاب، سائلًا المولى أن يجعل ما تكبَّدوه رِفْدًا لهم يوم يلقونه.\nوالشكر مكرورٌ للأمانة العامة لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وللإخوة العاملين في الشؤون العلمية.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة الأمانة العامة للمجمع</span>\nالحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتمَّ علينا النعمة، وجعل أمة الإسلام خير أمة، وبعث فيها رسولًا أمينًا يتلو عليها آيات ربه، ويزكيها، ويعلمها الكتاب والحكمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:\nفإن معرفة رب العالمين وعبادته على نور وهدى وبصيرة هو أساس الحياة، والمطلب الأعلى للنجاة، ولا يتأتَّى ذلك للعبد إلا بالفقه في الدين؛ لذا حث عليه الشرع المطهر ورغب فيه، فقال - ﷺ -: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (١)، فقد رتب - ﷺفي هذا الحديث- الخير كله على معرفة أحكام الدين، وفهمها الفهم الصحيح الذي يحصل به العلم النافع، المؤدي إلى العمل الصالح. لذا كان لزامًا على كل مسلم أن يتفقه في دينه؛ كي يعبد ربه على علم وبصيرة؛ معتصمًا في ذلك بكتاب الله الكريم، وبسنة سيد المرسلين - ﷺ - حتى يصلح عمله، ويستقيم أمره، لقوله - ﷺ -: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ) (٢).\nومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الذي يعتني بكتاب الله الكريم، تفسيرًا له، وشرحًا، وترجمةً لمعانيه إلى لغات العالم المختلفة، وطباعته بالصورة التي تليق بمكانته؛ -لأنه أساس السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، لمن تمسك به، وعمل بما جاء فيه- يسعى أيضًا إلى إيصال سائر علوم الشريعة المطهرة إلى كل مسلم في أنحاء المعمورة، وذلك بإعداد الكتب العلمية النافعة التي يستفيد منها المسلم في عقيدته، وعبادته، ومعاملاته، بأسلوب سهل، يكون فيها تبصرة للمتعلم، وهداية للمسلم، وتذكرة للعالم، لاحتوائها -مع اختصارها- على جُلِّ ما يحتاج إليه المسلم من أحكام الدين وآداب الشرع المطهر، مع ذكر\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٧١)، ومسلم برقم (١٠٣٧).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٢٦٩٧)، ومسلم برقم (١٧١٨) - ١٨، واللفظ لمسلم.","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"الدليل من الكتاب والسنة، لأنها كتب موجهة لعموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها، وجميعهم حريصون على العمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nوسبق للمجمع إخراج كتاب (أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة)، وفي هذا الإطار نفسه. وضمن هذه السلسلة المباركة يسرُّ أمانة المجمع أن تقدم هذا الكتاب المختصر في الفقه، المشتمل على أنواع العبادات والمعاملات التي يحتاج المسلم إلى معرفة أحكامها؛ والتي لا غنى له عنها في سيره إلى الله والدار الآخرة.\nوهذا المختصر في \"الفقه الميسر\" الذي نقدمه لإخواننا المسلمين في كل مكان، بأسلوبه السهل، استُمدت مسائله من كتاب الله الكريم، وسنة رسوله الأمين - ﷺ -. ولما كان القصد منه -في المقام الأول- إفادة عامة الناس من غير المتخصصين في العلوم الشرعية والدارسين لها، حرصنا على أن يكون بعيدًا عن التطويل والتفريع وذكر الخلاف؛ إذ إن ذلك محله الدراسات الأكاديمية في الجامعات وكتب الفقه المطولة، ومن هنا حُرص في إعداده على أن يكون واضح العبارة، سهل التناول، يستفيد منه العامة والخاصة في عباداتهم ومعاملاتهم.\nوبهذه المناسبة نتقدم بالشكر الجزيل للذين أسهموا في إعداد هذا الكتاب من الأساتذة المتخصصين في الفقه، وهم: الأستاذ الدكتور عبد العزيز مبروك الأحمدي، والاستاذ الدكتور فيحان بن شالي المطيري، والأستاذ الدكتور عبد الكريم بن صنيتان العمري، والأستاذ الدكتور عبد الله بن فهد الشريف الهجاري، على ما بذلوه من جهد في الإعداد. كما أن للدكتور عبد العزيز مبروك جهدًا طيبًا في توثيق النصوص، وتخريج الأحاديث الواردة في الكتاب كله.\nكما نشكر اللذيْن قاما بمراجعته وصياغته من الشؤون العلمية، وهما: الأستاذ الدكتور علي بن محمد ناصر فقيهي، والدكتور جمال بن محمد السيد.","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"وإنا لنرجو الله سبحانه أن يجعله عملًا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به جميع المسلمين، وأن يجعله في موازين الحسنات، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nالأمانة العامة\nلمجمح الملك فهد\nلطباعة المصحف الشريف","vol":"المقدمة","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>خطة العمل</span>\nوقد جعل هذا الكتاب على تمهيد، وأربعة عشر كتابًا، وفهارس.\nأما التمهيد فيتضمن التعريف بالفقه، وموضوعه، وثمرته، وفضله.\nوأما الكتب فهي على النحو التالي:\nأولًا: كتاب الطهارة. ويشتمل على عشرة أبواب:\nالباب الأول: في أحكام الطهارة، والمياه.\nالباب الثاني: في الآنية.\nالباب الثالث: في قضاء الحاجة، وآدابها.\nالباب الرابع: في السواك، وسنن الفطرة.\nالباب الخامس: في الوضوء.\nالباب السادس: في المسح على الخفين، والعمامة، والجبيرة.\nالباب السابع: في أحكام الغسل.\nالباب الثامن: في أحكام التيمم.\nالباب التاسع: في أحكام النجاسات، وكيفية تطهيرها.\nالباب العاشر: في الحيض والنفاس.\nثانيًا: كتاب الصلاة. ويشتمل على خمسة عشر بابًا:\nالباب الأول: في تعريف الصلاة، وفضلها، ووجوب الصلوات الخمس.\nالباب الثاني: في أحكام الأذان، والإقامة.\nالباب الثالث: في مواقيت الصلاة.\nالباب الرابع: في شروطها، وأركانها، ومبطلاتها، وسننها، ومكروهاتها، وحكم تاركها.\nالباب الخامس: في صلاة التطوع.\nالباب السادس: في سجود السهو، والتلاوة، والشكر.","vol":"المقدمة","page":10},{"text":"الباب السابع: في صلاة الجماعة.\nالباب الثامن: في أحكام الإمامة.\nالباب التاسع: في صلاة أهل الأعذار.\nالباب العاشر: في صلاة الجمعة.\nالباب الحادي عشر: في صلاة الخوف.\nالباب الثاني عشر: في صلاة العيدين.\nالباب الثالث عشر: في صلاة الاستسقاء.\nالباب الرابع عشر: في صلاة الكسوف.\nالباب الخامس عشر: في صلاة الجنازة، وأحكام الجنائز.\nثالثًا: كتاب الزكاة. ويشتمل على ستة أبواب:\nالباب الأول: في مقدمات الزكاة.\nالباب الثاني: زكاة الذهب، والفضة.\nالباب الثالث: زكاة الخارج من الأرض.\nالباب الرابع: زكاة بهيمة الأنعام.\nالباب الخامس: زكاة الفطر.\nالباب السادس: أهل الزكاة.\nرابعًا: كتاب الصيام. ويشتمل على خمسة أبواب:\nالباب الأول: في مقدمات الصيام.\nالباب الثاني: في الأعذار المبيحة للفطر والمفطرات.\nالباب الثالث: مستحبات الصيام ومكروهاته.\nالباب الرابع: في القضاء، والصيام المستحب، وما يكره ويحرم من الصيام.\nالباب الخامس: في الاعتكاف.\nخامسًا: كتاب الحج. ويشتمل على سبعة أبواب:\nالباب الأول: في مقدمات الحج.","vol":"المقدمة","page":11},{"text":"الباب الثاني: في الأركان والواجبات.\nالباب الثالث: في المحظورات، والفدية، والهدي.\nالباب الرابع: في صفة الحج والعمرة.\nالباب الخامس: في الأماكن المشروع زيارتها في المدينة.\nالباب السادس: في الأضحية.\nالباب السابع: في العقيقة.\nسادسًا: كتاب الجهاد. ويشتمل على ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: حكم الجهاد، وشروطه، ومسقطاته.\nالباب الثاني: أحكام الأسرى، والغنائم.\nالباب الثالث: أحكام الهدنة، والذمة، والأمان، ودفع الجزية.\nسابعًا: كتاب المعاملات. ويشتمل على ثلاثة وعشرين بابًا:\nالباب الأول: في البيوع.\nالباب الثاني: في الربا.\nالباب الثالث: في القرض.\nالباب الرابع: الرهن.\nالباب الخامس: السلم.\nالباب السادس: الحوالة.\nالباب السابع: الوكالة.\nالباب الثامن: الكفالة، والضمان.\nالباب التاسع: الحجر.\nالباب العاشر: الشركة.\nالباب الحادي عشر: الإجارة.\nالباب الثاني عشر: المزارعة والمساقاة.","vol":"المقدمة","page":12},{"text":"الباب الثالث عشر: الشفعة والجوار.\nالباب الرابع عشر: الوديعة، والإتلافات.\nالباب الخامس عشر: الغصب.\nالباب السادس عشر: الصلح.\nالباب السابع عشر: المسابقة.\nالباب الثامن عشر: العارية.\nالباب التاسع عشر: إحياء الموات.\nالباب العشرون: الجعالة.\nالباب الحادي والعشرون: اللقطة، واللقيط.\nالباب الثاني والعشرون: الوقف.\nالباب الثالث والعشرون: الهبة، والعطية.\nثامنًا: كتاب المواريث، والوصايا، والعتق. ويشتمل على أربعة أبواب:\nالباب الأول: في تصرفات المريض.\nالباب الثاني: في الوصية.\nالباب الثالث: في العتق، والكتابة، والتدبير.\nالباب الرابع: في الفرائض، والمواريث.\nتاسعًا: كتاب النكاح والطلاق. ويشتمل على أحد عشر بابًا:\nالباب الأول: في النكاح.\nالباب الثاني: في الصداق، والعشرة، ووليمة العرس.\nالباب الثالث: في الخلع.\nالباب الرابع: في الطلاق.\nالباب الخامس: في الإيلاء.\nالباب السادس: في الظهار.\nالباب السابع: في اللعان.","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"الباب الثامن: في العدة، والإحداد.\nالباب التاسع: في الرضاع.\nالباب العاشر: في الحضانة، وأحكامها.\nالباب الحادي عشر: في النفقات.\nعاشرًا: كتاب الجنايات. ويشتمل على ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: في الجنايات.\nالباب الثاني: في الديات.\nالباب الثالث: في القسامة.\nحادي عشر: كتاب الحدود. ويشتمل على ثمانية أبواب:\nالباب الأول: تعريف الحدود، ومشروعيتها، والحكمة منها.\nالباب الثاني: في حد الزنى.\nالباب الثالث: في حد القذف.\nالباب الرابع: في حد الخمر.\nالباب الخامس: في حد السرقة.\nالباب السادس: في التعزير.\nالباب السابع: في حد الحرابة.\nالباب الثامن: في الردة.\nثاني عشر: كتاب الأيمان، والنذور. ويشتمل على بابين:\nالباب الأول: الأيمان.\nالباب الثاني: النذور.\nثالث عشر: كتاب الأطعمة، والذبائح، والصيد. ويشتمل على ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: في الأطعمة.\nالباب الثاني: في الذبائح.\nالباب الثالث: في الصيد.","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"رابع عشر: كتاب القضاء والشهادات. وفيه بابان:\nالباب الأول: في القضاء.\nالباب الثاني: في الشهادات.\nوأما الفهارس فقد اشتملت على فهرسة تفصيلية لأبواب الكتاب، ومسائله.","vol":"المقدمة","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>منهج العمل </span>في الكتاب\nيتلخص منهج العمل في هذا الكتاب فيما يلي:\nأولًا: تقسيم الموضوعات إلى كتب رئيسة، وكل كتاب ينقسم إلى أبواب، وكل باب تحته مسائل؛ وذلك تقريبًا وتسهيلًا على المطالع فيه.\nثانيًا: الاقتصار على المسائل المهمة التي تدعو إليها الحاجة في كل باب، وعدم ذكر التفريعات والمسائل التي تقل الحاجة إليها.\nثالثًا: الاختصار واختيار الألفاظ والعبارات السهلة الواضحة قدر الإمكان.\nرابعًا: الاقتصار على الأدلة المعتمدة في كل مسألة.\nخامسًا: الاقتصار على القول الراجح الذي يدعمه الدليل في المسائل المختلف فيها، دون اللجوء إلى ذكر الآراء والأقوال والخلاف في المسألة.\nسادسًا: عزو الآيات القرآنية وتوثيقها، وذلك بذكر اسم السورة، ورقم الآية، بجوار كل آية وردت في الكتاب.\nسابعًا: تخريج الأحاديث النبوية، بعزوها إلى مصادر السنة المعتمدة؛ فإن كان الحديث في \"الصحيحين\" أو أحدهما اكتفينا بذلك، وإن لم يكن في واحد منهما خَرَّجناه من دواوين السنة المشهورة، مُقَدِّمين السنن الأربعة على غيرها، مع الحكم على غير أحاديث \"الصحيحين\" وبيان درجتها، وذلك من كلام أئمة الشأن في ذلك، المتقدمين منهم والمعاصرين.\nثامنًا: شرح الكلمات والمصطلحات الغريبة التي تحتاج إلى بيان وإيضاح، والتي ترد أثناء التفصيل والشرح وذلك في الحاشية، أما مصطلحات البحث الرئيسة فتشرح في صلب الكتاب في بداية كل باب ومسألة.\nتاسعًا: الاستفادة من بعض الكتب المعاصرة في الفقه، وأهمها:\n(الشرح الممتع) لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، و(الملخص الفقهي) لفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله، وذلك بالإضافة إلى المصادر الأمهات في المذاهب الأربعة وغيرها.","vol":"المقدمة","page":16},{"text":"عاشرًا: التنبيه على بعض الأمور التي يقع فيها كثير من الناس مما يخالف الكتاب والسنة الصحيحة، وبيان الصواب والحق في ذلك، وذلك في المواطن التي رأينا أن الحاجة تدعو فيها إلى ذلك.\nحادي عشر: وضعنا فهارس تفصيلية لموضوعات الكتاب ومسائله في نهاية الكتاب؛ وذلك تسهيلا على المراجع والمطالع فيه.","vol":"المقدمة","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>التمهيد</span>\nويشتمل على النقاط التالية:\nتعريف الفقه لغة واصطلاحًا.\nمصادره.\nموضوعه.\nثمرته.\nفضله.\nمعنى الفقه لغةً واصطلاحًا:\nالفقه في اللغة: الفهم. ومنه قول الله تعالى عن قوم شعيب: (... مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ...) [هود: ٩١]. وقوله ﷿ (... وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ...) [الإسراء: ٤٤].\nوالفقه في الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. وقد يطلق الفقه على الأحكام نفسها.\nمصادر الفقه \"الأساسية\":\n١ - القرآن الكريم.\n٢ - السنة المطهرة.\n٣ - الإجماع.\n٤ - القياس.\nموضوع الفقه:\nموضوع الفقه أفعال المكلفين من العباد على نحوٍ عام وشامل، فهو يتناول علاقات الإنسان مع ربه، ومع نفسه، ومع مجتمعه.\nويتناول الأحكام العملية، وما يصدر عن المكلف من أقوال، وأفعال، وعقود وتصرفات. وهي على نوعين:\nالأول: أحكام العبادات: من صلاة، وصيام، وحج، ونحوها.\nالثاني: أحكام المعاملات: من عقود، وتصرفات، وعقوبات، وجنايات،","vol":"المقدمة","page":18},{"text":"وضمانات وغيرها مما يقصد به تنظيم علاقات الناس بعضهم مع بعض.\nوهذه الأحكام يمكن حصرها فيما يلي:\n١ - أحكام الأسرة من بدء تكوينها إلى نهايتها. وتشمل: أحكام الزواج، والطلاق، والنسب، والنفقة، والميراث ونحوها.\n٢ - أحكام المعاملات المالية (المدنية): وهي المتعلقة بمعاملات الأفراد، ومبادلاتهم من: بيع، وإجارة، وشركة ونحوها.\n٣ - الأحكام الجنائية: وهي التي تتعلق بما يصدر عن المكلف من جرائم وتعديات، وما يستحقه عليها من عقوبات.\n٤ - أحكام المرافعات والقضاء: وهي المتعلقة بالقضاء في الخصومات، والدعوى، وطرق الإثبات ونحوها.\n٥ - الأحكام الدولية: وهي التي تتعلق بتنظيم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في السلم والحرب، وعلاقة غير المسلمين المواطنين بالدولة.\nوتشمل الجهاد والمعاهدات.\nثمرة علم الفقه:\nمعرفة الفقه، والعمل به، تثمر صلاح المكلف، وصحة عبادته، واستقامة سلوكه.\nوإذا صلح العبد صلح المجتمع، وصارت النتيجة في الدنيا السعادة والعيش الرغد، وفي الأخرى رضوان الله وجنته.\nفضل الفقه في الدين والحث على طلبه وتحصيله:\nإن التفقه في الدين من أفضل الأعمال، ومن أطيب الخصال. وقد دلت النصوص من الكتاب والسنة على فضله، والحث عليه. منها: قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:١٢٢].\nوقوله - ﷺ -: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (١). فقد رتب النبي\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٧١)، ومسلم برقم (١٠٣٧).","vol":"المقدمة","page":19},{"text":"- ﷺ - الخير كله على الفقه في الدين، وهذا مما يدل على أهميته، وعظم شأنه وعلوّ منزلته. وقوله - ﷺ -: (الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (١).\nفالفقه في الدين منزلته في الإسلام عظيمة، ودرجته في الثواب كبيرة؛ لأن المسلم إذا تفقه في أمور دينه، وعرف ما له، وما عليه من حقوق وواجبات، يعبد ربه على علم وبصيرة، ويُوَفق للخير والسعادة في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٣٨٣) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٦٣٨).","vol":"المقدمة","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>أولًا: كتاب الطهارة</span>\nويشتمل على عشرة أبواب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الباب الأول: في أحكام الطهارة والمياه، وفيه عدة مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المسألة الأولى: في التعريف بالطهارة، وبيان أهميتها، وأقسامها:</span>\n١ - أهمية الطهارة وأقسامها: الطهارة هي مفتاح الصلاة، وآكد شروطها، والشرط لابد أن يتقدم على المشروط.\nوالطهارة على قسمين:\nالقسم الأول: طهارة معنوية وهي طهارة القلب من الشرك والمعاصي وكل ما ران عليه، وهي أهم من طهارة البدن، ولا يمكن أن تتحقق طهارة البدن مع وجود نجس الشرك كما قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨].\nالقسم الثاني: الطهارة الحسية، وسيأتي تفصيل القول فيها في الأسطر التالية.\n٢ - تعريفها: وهي في اللغة: النظافة، والنزاهة من الأقذار.\nوفي الاصطلاح: رفع الحَدَث، وزوال الخَبَث (١).\nوالمراد بارتفاع الحدث: إزالة الوصف المانع من الصلاة باستعمال الماء في جميع البدن، إن كان الحدث أكبر، وإن كان حدثًا أصغر يكفي مروره على أعضاء الوضوء بنية، وإن فقد الماء أو عجز عنه استعمل ما ينوب عنه، وهو التراب، على الصفة المأمور بها شرعًا. وسيأتي ذكرها إن شاء الله في باب التيمم.\nوالمراد بزوال الخَبَث: أي: زوال النجاسة من البدن والثوب والمكان.\nفالطهارة الحسية على نوعين: طهارة حدث وتختص بالبدن، وطهارة خبث، وتكون في البدن، والثوب، والمكان.\nوالحدث على نوعين: حدث أصغر، وهو ما يجب به الوضوء، وحدث أكبر، وهو ما يجب به الغسل.\n_________\n(١) الحَدَثُ: هو وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة. وهو نوعان: حدث =","vol":"1","page":1},{"text":"والخَبَثُ على ثلاثة أنواع: خبث يجب غسله، وخبث يجب نضحه، وخبث يجب مسحه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المسألة الثانية: الماء الذي تحصل به الطهارة:</span>\nالطهارة تحتاج إلى شيء يتطهر به، يزال به النجس ويرفع به الحدث وهو الماء، والماء الذي تحصل به الطهارة هو الماء الطَّهُور، وهو: الطاهر في ذاته المطهر لغيره، وهو الباقي على أصل خلقته، أي: على صفته التي خلق عليها، سواء كان نازلًا من السماء: كالمطر وذوب الثلوج والبَرَد، أو جاريًا في الأرض: كماء الأنهار والعيون والآبار والبحار.\nلقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الأنفال: ١١]. ولقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨].\nولقول النبي - ﷺ -: (اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) (١).\nولقوله - ﷺ - عن ماء البحر: (هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته) (٢).\nولا تحصل الطهارة بماء غير الماء كالخل والبنزين والعصير والليمون، وما شابه\nذلك؛ لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦] فلو كانت الطهارة تحصل بماء غير الماء لنقل عادم الماء إليه، ولم ينقل إلى التراب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المسألة الثالثة: الماء إذا خالطته نجاسة:</span>\nالماء إذا خالطته نجاسة فغيَّرت أحد أوصافه الثلاثة -ريحه، أو طعمه، أو لونه- فهو نجس بالإجماع لا يجوز استعماله، فلا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث -سواء\n_________\n= أصغر؛ وهو الذي يقوم بأعضاء الوضوء كالخارج من السبيلين من بول وغائط، ويرتفع هذا بالوضوء، وحدث أكبر؛ وهو الذي يقوم بالبدن كله، كالجنابة، وهذا يرتفع بالغسل. وعلى هذا فطهارة الحدث: كبرى؛ وهي الغسل، وصغرى، وهي الوضوء، وبدل منهما عند تعذرهما؛ وهو التيمم. انظر: الشرح الممتع (١/ ١٩)، الفقه الإسلامي وأدلته (١/ ٢٣٨). والخبث: النجاسة، وسيأتي بيانها.\n(١) أخرجه البخاري برقم (٧٤٤)، ومسلم برقم (٥٩٨).\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٨٣)، والترمذي برقم (٦٩)، والنسائي برقم (٥٩)، وابن ماجه برقم (٣٢٤٦)،\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني (صحيح سنن النسائي برقم ٥٨).","vol":"1","page":2},{"text":"كان كثيرًا أو قليلًا- أما إن خالطته النجاسة ولم تغير أحد أوصافه: فإن كان كثيرًا لم ينجس وتحصل الطهارة به، وأما إن كان قليلًا فينجس، ولا تحصل الطهارة به. وحدُّ الماء الكثير ما بلغ قُلتين (١) فأكثر، والقليل ما دون ذلك.\nوالدليل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) (٢)، وحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المسألة الرابعة: الماء إذا خالطه طاهر:</span>\nالماء إذا خالطته مادة طاهرة، كأوراق الأشجار أو الصابون أو الأُشْنَان (٤)\nأو السدر أو غير ذلك من المواد الطاهرة، ولم يغلب ذلك المخالط عليه، فالصحيح أنه طهور يجوز التطهر به من الحدث والنجاسة، لأن الله ﷾ قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) [النساء: ٤٣].\nفلفظ الماء في الآية نكرة في سياق النفي، فيعم كل ماء. لا فرق بين الماء الخالص والمخلوط.\nولقوله - ﷺ - للنسوة اللاتي قمن بتجهيز ابنته: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور) (٥).\n_________\n(١) القلة هي الجرة، جمعهِا قُلل وقلال. وهي تساوي ما يقارب ٩٣.٠٧٥ صاعًا= ١٦٠.٥ لترا من الماء، والقلتان خمس قرب تقريبا.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ١٥)، وأبو داود في كتاب الطهارة باب ما جاء في بئر بضاعة، برقم (٦١)، والنسائي في كتاب المياه برقم (٢٧٧)، والترمذي في كتاب الطهارة، باب أن الماء لا ينجسه شيء برقم (٦٦) وقال: حديث حسن. وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٤٥).\n(٣) أخرجه أحمد برقم (٢/ ٢٧)، وأبو داود في كتاب الطهارة باب ما ينجس الماء برقم (٦٣)، والترمذي في كتاب الطهارة باب أن الماء لا ينجسه شيء برقم (٦٧)، والنسائي كتاب الطهارة برقم (٥٢)، وابن ماجه كتاب الطهارة باب مقدار الماء الذي لا ينجس برقم (٥١٧) ولفظه: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٤٥).\n(٤) معرَّب، وهو حمض تغسل به الأيدي، ويقال له بالعربية: الحُرْضُ، ويقال بكسر الألف أيضًا.\n(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم (١٢٥٣، ١٢٥٨، ١٢٥٩، وغيرها)، ومسلم برقم (٩٣٩).","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المسألة الخامسة: حكم الماء المستعمل في الطهارة:</span>\nالماء المستعمل في الطهارة -كالماء المنفصل عن أعضاء المتوضئ والمغتسل- طاهر مطهر لغيره على الصحيح، يرفع الحدث ويزيل النجس، ما دام أنه لم يتغير منه أحد الأوصاف الثلاثة: الرائحة والطعم واللون.\nودليل طهارته: (أن النبي - ﷺ - كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه) (١)، ولأنه - ﷺ - صبَّ على جابر من وضوئه إذ كان مريضًا (٢). ولو كان نجسًا لم يجز فعل ذلك، ولأن النبي - ﷺ - وأصحابه ونساءه كانوا يتوضؤون في الأقداح والأَتْوار (٣)، ويغتسلون في الجِفَان (٤)، ومثل هذا لا يَسْلَم من رشاش يقع في الماء من المُستَعْمِل، ولقوله - ﷺ - لأبي هريرة وقد كان جنبًا: (إن المؤمن لا ينجس) (٥). وإذا كان كذلك فإن الماء لا يفقد طهوريته بمجرد مماسته له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المسألة السادسة: أَسْاَر الآدميين وبهيمة الأنعام:</span>\nالسُّؤر: هو ما بقي في الإناء بعد شرب الشارب منه، فالآدمي طاهر، وسؤره طاهر، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وكذلك الجنب والحائض، وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - قال: (المؤمن لا ينجس) (٦). وعن عائشة: أنها كانت تشرب من الإناء وهي حائض، فيأخذه رسول الله - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فيها (٧).\nوقد أجمع العلماء على طهارة سؤر ما يؤكل لحمه من بهيمة الأنعام وغيرها.\nأما ما لا يؤكل لحمه كالسباع والحمر وغيرها فالصحيح: أن سؤرها طاهر، ولا يؤثر في الماء، وبخاصة إذا كان الماء كثيرًا.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٨٩).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٥٦٥١)، ومسلم برقم (١٦١٦).\n(٣) جمع تَوْر، وهو: إناء يشرب فيه.\n(٤) واحدتها: جَفنَة، وهي كالقصعة.\n(٥) رواه مسلم برقم (٣٧١).\n(٦) رواه مسلم برقم (٣٧١).\n(٧) رواه مسلم برقم (٣٠٠).","vol":"1","page":4},{"text":"أما إذا كان الماء قليلًا وتغيَّر بسبب شربها منه، فإنه ينجس.\nودليل ذلك: الحديث السابق، وفيه: أنه - ﷺ - سُئل عن الماء، وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وقوله - ﷺ - في الهرة وقد شربت من الإناء: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) (١)، ولأنه يشق التحرز منها في الغالب. فلو قلنا بنجاسة سؤرها، ووجوب غسل الأشياء، لكان في ذلك مشقة، وهي مرفوعة عن هذه الأمة.\nأما سؤر الكلب فإنه نجس، وكذلك الخنزير.\nأما الكلب: فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (طهور إناء أحدكم إذا وَلَغَ (٢) فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب) (٣).\nوأما الخنزير: فلنجاسته، وخبثه، وقذارته، قال الله تعالى: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].\n_________\n(١) أخرجه أحمد برقم (٥/ ٢٩٦) وأبو داود في كتاب الطهارة باب سؤر الهرة برقم (٧٥)، والترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء في سؤر الهرة برقم (٩٢) وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني (الإرواء رقم ٢٣).\n(٢) وَلَغَ: شرب منه بلسانه.\n(٣) رواه البخاري (١٧٢)، ومسلم برقم (٢٧٩) - ٩١، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الباب الثاني: في الآنية، وفيه عدة مسائل:</span>\nالآنية: هي الأوعية التي يحفظ فيها الماء وغيره، سواء كانت من الحديد أو من غيره. والأصل فيها الإباحة؛ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: ٢٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المسألة الأولى: استعمال آنية الذهب والفضة وغيرهما في الطهارة:</span>\nيجوز استعمال جميع الأواني في الأكل والشرب وسائر الاستعمال، إذا كانت طاهرة مباحة، ولو كانت ثمينة، لبقائها على الأصل وهو الإباحة، ما عدا آنية الذهب والفضة، فإنه يحرم الأكل والشرب فيهما خاصة، دون سائر الاستعمال؛ لقوله - ﷺ -: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (١)، وقوله - ﷺ -: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) (٢) فهذا نصٌ على تحريم الأكل والشرب دون سائر الاستعمال، فدل على جواز استعمالها في الطهارة. والنهي عام يتناول الإناء الخالص، أو المُمَوَّه (٣) بالذهب أو الفضة، أو الذي فيه شيء من الذهب والفضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المسألة الثانية: حكم استعمال الإناء المُضَبَّب (٤) بالذهب والفضة:</span>\nإن كانت الضبة من الذهب حرم استعمال الإناء مطلقًا؛ لدخوله تحت عموم النص، أما إن كانت الضبة من الفضة وهي يسيرة فإنه يجوز استعمال الإناء؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: (انكسر قدح رسول الله - ﷺ - فاتخذ مكان الشعْب سلسلة من فضة) (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٤٢٦)، ومسلم برقم (٢٠٦٧).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٦٣٤)، ومسلم برقم (٢٠٦٥).\n(٣) المُمَوَّه: المطليّ.\n(٤) التضبيب: هو وصل الإناء المكسور بالحديد ونحوه.\n(٥) رواه البخاري برقم (٣١٠٩).","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المسألة الثالثة: آنية الكفار:</span>\nالأصل في آنية الكفار الحل، إلا إذا عُلمت نجاستها، فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد غسلها؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: (لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها، ثم كلوا فيها) (١).\nوأما إذا لم تُعلم نجاستها بأن يكون أهلها غير معروفين بمباشرة النجاسة، فإنه يجوز استعمالها؛ لأنه ثبت أن النبي - ﷺ - وأصحابه أخذوا الماء للوضوء من مَزَادة امرأة مشركة (٢)، ولأن الله سبحانه قد أباح لنا طعام أهل الكتاب، وقد يقدِّمونه إلينا في أوانيهم، كما دعا غلام يهودي النبي - ﷺ - على خبز شعير وإهالَة سَنِخَة فأكل منها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المسألة الرابعة: الطهارة في الآنية المتخذة من جلود الميتة:</span>\nجلد الميتة إذا دبغ طهر وجاز استعماله لقوله - ﷺ -: (أيما إهاب (٤) دبغ فقد طهر) (٥). ولأنه - ﷺ - مرّ على شاة ميتة فقال - ﷺ -: (هلَّا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به)؟ فقالوا: إنها ميتة. قال: (فإنما حَرُمَ أكلُهَا) (٦). وهذا فيما إذا كانت الميتة مما تحلها الذكاة وإلا فلا.\nأما شعرها فهو طاهر -أي شعر الميتة المباحة الأكل في حال الحياة- وأما اللحم فإنه نجس، ومحرم أكله. لقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٤٧٨)، ومسلم برقم (١٩٣٠).\n(٢) رواه البخاري في كتاب التيمم باب الصعيد الطيب رقم (٣٤٤) ومسلم كتاب المساجد باب قضاء الصلاة الفائتة برقم (٦٨٢)، والمزادة: قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها.\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٢١٠، ٢١١). وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٧١) والإهالة: الشحم والزيت. والسنخة: المتغيرة الريح.\n(٤) الإهاب: الجلد قبل أن يدبغ.\n(٥) رواه الترمذي برقم (١٦٥٠)، ومسلم برقم (٣٦٦) بلفظ: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) من حديث ابن عباس.\n(٦) رواه مسلم برقم (٣٦٣)، وابن ماجه برقم (٣٦١٠).","vol":"1","page":7},{"text":"ويحصل الدبغ بتنظيف الأذى والقذر الذي كان في الجلد، بواسطة مواد تضاف إلى الماء كالملح وغيره، أو بالنبات المعروف كالقَرَظ أو العرعر ونحوهما.\nوأما ما لا تحله الذكاة فإنه لا يطهر، وعلى هذا فجلد الهرة وما دونها في الخلقة لا يطهر بالدبغ، ولو كان في حال الحياة طاهرًا.\nوجلد ما يحرم أكله ولو كان طاهرًا في الحياة فإنه لا يطهر بالدباغ.\nوالخلاصة: أن كل حيوان مات، وهو من مأكول اللحم، فإنَّ جلده يطهر بالدباغ، وكل حيوان مات، وليس من مأكول اللحم، فإن جلده لا يطهر بالدباغ.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الباب الثالث: في قضاء الحاجة وآدابها، وفيه عدة مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>المسألة الأولى: الاستنجاء والاستجمار وقيام أحدهما مقام الآخر:</span>\nالاستنجاء: إزالة الخارج من السبيلين بالماء. والاستجمار: مسحه بطاهر مباح مُنْقِ كالحجر ونحوه. ويجزئ أحدهما عن الآخر؛ لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ -: فعنَ أنس - ﵁ - قال: (كان النبي - ﷺ - يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء) (١). وعن عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تُجزئ عنه) (٢). والجمع بينهما أفضل.\nوالاستجمار يحصل بالحجارة أو ما يقوم مقامها من كل طاهر مُنْقِ مباح، كمناديل الورق والخشب ونحو ذلك؛ لأن النبي - ﷺ - كان يستجمر بالحجارة فيلحق بها ما يماثلها في الإنقاء. ولا يجزئ في الاستجمار أقل من ثلاث مسحات؛ لحديث سلمان - ﵁ -: (نهانا -يعني النبي (ﷺ) - أن نستنجي باليمين، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برجيع أو عظم) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المسألة الثانية: استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة:</span>\nلا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها حال قضاء الحاجة في الصحراء بلا حائل؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شَرِّقوا أو غَرِّبوا) قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بُنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٢٧١)، والإداوة: إناء صغير من جلد.\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ١٠٨)، والدارقطني برقم (١٤٤) وقال: إسناد صحيح.\n(٣) رواه مسلم برقم (٢٦٢)، والرجيع: العَذرَةُ والروْثُ.\n(٤) رواه البخاري في كتاب الوضوء برقم (١٤٤)، ومسلم برقم (٢٦٤).","vol":"1","page":9},{"text":"أما إن كان في بنيان، أو كان بينه وبين القبلة شيء يستره، فلا بأس بذلك؛ لحديث ابن عمر ﵄: (أنه رأى رسول الله - ﷺ - يبول في بيته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) (١)، ولحديث مروان الأصغر قال: (أناخ ابن عمر بعيره مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليه، فقلت: أبا عبد الرحمن، أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) (٢). والأفضل ترك ذلك حتى في البنيان، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المسألة الثالثة: ما يسن فعله لداخل الخلاء:</span>\nيسن لداخل الخلاء قول: \"بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث\". وعند الانتهاء والخروج: \"غفرانك\". وتقديم رجله اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج، وأن لا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض.\nوإذا كان في الفضاء يستحب له الإبعاد والاستتار حتى لا يُرى. وأدلة ذلك كله: حديث جابر - ﵁ - قال: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر وكان رسول الله - ﷺ - لا يأتي البراز حتى يتغيب فلا يُرى) (٣).\nوحديث علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء، أن يقول: بسم الله) (٤).\nوحديث أنس - ﵁ -: كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٤٨)، ومسلم برقم (٢٦٦).\n(٢) رواه أبو داود برقم (١١)، والدارقطني برقم (١٥٨)، والحاكم (١/ ١٥٤). وصححه الدارقطني، والحاكم ووافقه الذهبي، وحَسنه الحافظ ابن حجر، والحازمي، والألباني (انظر: الإرواء برقم ٦١).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٢)، وابن ماجه برقم (٣٣٥)، واللفظ له، وإسناده صحيح. انظر صحيح ابن ماجه (١/ ٦٠).\n(٤) رواه ابن ماجه برقم (٢٩٧)، والترمذي برقم (٦٠٦) وحسنه أحمد شاكر في حاشية الترمذي، وصححه الألباني. صحيح الجامع الصغير برقم (٣٦١١).\n(٥) رواه البخاري برقم (١٤٢)، ومسلم برقم (٣٧٥).","vol":"1","page":10},{"text":"وحديث عاثشة ﵂: (كان - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك) (١).\nوحديث ابن عمر ﵄: (أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المسألة الرابعة: ما يحرم فعله على من أراد قضاء الحاجة:</span>\nيحرم البول في الماء الراكد؛ لحديث جابر عن النبي - ﷺ -: (أنه نهى عن البول في الماء الراكد) (٣).\nولا يمسك ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يستنجي بها. لقوله - ﷺ -: (إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه) (٤).\nويحرم عليه البول أو الغائط في الطريق أو في الظل أو في الحدائق العامة أو تحت شجرة مثمرة أو موارد المياه؛ لما روى معاذ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل) (٥)، ولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (اتقوا اللاعنين)، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: (الذي يَتَخَلى في طريق الناس أو في ظلهم) (٦). كما يحرم عليه قراءة القرآن، ويحرم عليه الاستجمار بالروث أو العظم أو بالطعام المحترم؛ لحديث جابر - ﵁ -: (نهى النبي - ﷺ - أن يتمسح بعظم أو ببعر) (٧). ويحرم قضاء الحاجة بين قبور المسلمين، قال النبي - ﷺ -: (لا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق؟) (٨).\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (١٧)، والترمذي برقم (٧)، وقال: حسن غريب. وحسنه الألباني (صحيح الجامع الصغير ٤٧٠٧).\n(٢) رواه أبو داود برقم (١٤)، والترمذي برقم (١٤) وصححه الألباني، انظر صحيح الجامع الصغير برقم (٤٦٥٢).\n(٣) رواه مسلم برقم (٢٨١)، ونحوه عند البخاري برقم (٢٣٩). والراكد: هو الساكن الذي لا يجري.\n(٤) رواه البخاري برقم (١٥٤) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٦٧).\n(٥) رواه أبو داود برقم (٢٦)، وابن ماجه برقم (٣٢٨). وإسناده حسن انظر إرواء الغليل (١/ ١٠٠).\n(٦) رواه مسلم برقم (٢٦٩).\n(٧) رواه مسلم برقم (٢٦٣).\n(٨) رواه ابن ماجه برقم (١٥٦٧) وصححه الألباني في إرواء الغليل (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المسألة الخامسة: ما يكره فعله للمُتَخَلِّي:</span>\nيكره حال قضاء الحاجة استقبال مهب الريح بلا حائل؛ لئلا يرتد البول إليه، ويكره الكلام؛ فقد مرّ رجل والنبي - ﷺ - يبول، فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه (١).\nويكره أن يبول في شَق ونحوه؛ لحديث قتادة عن عبد الله بن سرجس: (أن النبي - ﷺ - نهى أن يبال في الجُحْر، قيل لقتادة: فما بال الجحر؟ قال: يقال: إنها مساكن الجن) (٢). ولأنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان فيؤذيه، أو يكون مسكنًا للجن فيؤذيهم.\nويكره أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكْرُ الله إلا لحاجة؛ لأن النبي - ﷺ - (كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه) (٣).\nأما عند الحاجة والضرورة فلا بأس، كالحاجة إلى الدخول بالأوراق النقدية التي فيها اسم الله؛ فإنه إن تركها خارجًا كانت عرضة للسرقة أو النسيان.\nأما المصحف فإنه يحرم الدخول به سواء كان ظاهرًا أو خفيًا؛ لأنه كلام الله وهو أشرف الكلام، ودخول الخلاء به فيه نوع من الإهانة.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٣٧٠).\n(٢) رواه أبو داود برقم (٢٩)، والنسائي برقم (٣٤). ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص (١/ ١٠٦) تصحيحه عن ابن خزيمة وابن السكن. وقال الشيخ ابن عثيمين: أقل أحواله أن يكون حسنًا (الشرح الممتع ١/ ٩٥ - ٩٦).\n(٣) رواه أبو داود برقم (١٩)، والترمذي برقم (١٧٤٦)، والنسائي برقم (٥٢٢٨)، وابن ماجه برقم (٣٠٣)، وقال أبو داود بعد إخراجه: هذا حديث منكر. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوضعفه الألباني؛ وعلى القول بضعف هذا الحديث وعدم صلاحيته للاحتجاج في هذه المسألة، فإن الأولى والأفضل ألا يدخل الخلاء بشيء فيه اسم الله بلا ضرورة؛ إكرامًا لاسمه تعالى وإجلالًا.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الباب الرابع: في السواك وسنن الفطرة، وفيه عدة مسائل:</span>\nالسواك: هو استعمال عود أو نحوه في الأسنان أو اللثة؛ لإزالة ما يعلق بهما من الأطعمة والروائح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المسألة الأولى: حكمه:</span>\nالسواك مسنون في جميع الأوقات، حتى الصائم لو تَسَوَّك في حال صيامه فلا بأس بذلك سواء كان أول النهار أو آخره؛ لأن النبي - ﷺ - رغَّب فيه ترغيبًا مطلقًا، ولم يقيده بوقت دون آخر، حيث قال - ﷺ -: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) (١). وقال - ﷺ -: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المسألة الثانية: متى يتأكد</span>؟\nويتأكد عند الوضوء، وعند الانتباه من النوم، وعند تغير رائحة الفم، وعند قراءة القرآن، وعند الصلاة. وكذا عند دخول المسجد والمنزل؛ لحديث القدام بن شريح، عن أبيه قال: سألت عائشة، قلت: بأيِّ شيء كان يبدأ النبي - ﷺ - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (٣). ويتأكد كذلك عند طول السكوت، وصفرة الأسنان، للأحاديث السابقة.\nوكان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل يَشُوصُ (٤) فاه بالسواك (٥)، والمسلم مأمور عند العبادة والتقرب إلى الله، أن يكون على أحسن حال من النظافة والطهارة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الصوم ٢/ ٤٠ معلقًا بصيغة الجزم، ورواه أحمد (٦/ ٤٧)، والنسائي (١/ ١٠).\nوصححه الألباني في الإرواء (١/ ١٠٥).\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم (٨٨٧)، ومسلم في كتاب الطهارة برقم (٢٥٢).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٥٣).\n(٤) الشوص: الدلك.\n(٥) رواه البخاري في كتاب الوضوء باب السواك برقم (٢٤٥)، ومسلم في كتاب الطهارة باب السواك برقم (٢٥٥).","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المسألة الثالثة: بم يكون</span>؟\nيسن أن يكون التسوك بعود رطب لا يتفتت، ولا يجرح الفم؛ فإن النبي - ﷺ - كان يستاك بعود أراك (١). وله أن يتسوك بيده اليمنى أو اليسرى، فالأمر في هذا واسع.\nفإن لم يكن عنده عود يستاك به حال الوضوء، أجزأه التسوك بأصبعه، كما روى ذلك عليُّ بن أبي طالب - ﵁ - في صفة وضوء النبي - ﷺ -. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المسألة الرابعة: فوائد السواك:</span>\nومن أهمها ما ورد في الحديث السابق: أنه مطهرة للفم في الدنيا مرضاة للرب في الآخرة. فينبغي للمسلم أن يتعاهد هذه السنة، ولا يتركها؛ لما فيها من فوائد عظيمة. وقد يمر على بعض المسلمين مدة من الوقت كالشهر والشهرين وهم لم يتسوكوا إما تكاسلًا وإما جهلًا، وهؤلاء قد فاتهم الأجر العظيم والفوائد الكثيرة؛ بسبب تركهم هذه السُّنةَ التي كان يحافظ عليها النبي - ﷺ -، وكاد يأمر بها أمته أَمْرَ إيجاب، لولا خوف المشقة.\nوقد ذكروا فوائد أخرى للسواك، منها: أنه يقوي الأسنان، ويشد اللثة، وينقي الصوت، وينشط العبد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>المسألة الخامسة: سنن الفطرة:</span>\nوتسمى أيضًا: خصال الفطرة؛ وذلك لأن فاعلها يتصف بالفطرة التي فطر الله الناس عليها واستحبها لهم؛ ليكونوا على أحسن هيئة وأكمل صورة.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (خمس من الفطرة: الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر) (٣).\n١ - الاستحداد: وهو حَلْقُ العانة، وهي الشعر النابت حول الفرج، سمي\n_________\n(١) الأرَاك: شجر من الحمض يستاك بقضبانه، واسمه الكَبَاث.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٥٨)، وصححه ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٧٠).\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٥٨٨٩)، ومسلم برقم (٢٥٧).","vol":"1","page":14},{"text":"بذلك لاستعمال الحديدة فيه وهي المُوسَى. وفي إزالته جمال ونظافة، ويمكن إزالته بغير الحلق كالمزيلات المصنعة.\n٢ - الختان: وهو إزالة الجلدة التي تغطي الحَشَفَة (١) حتى تبرز الحشفة، وهذا في حق الذكر. أما الأنثى: فقطع لحمة زائدة فوق محل الإيلاج. قيل: إنها تشبه عُرف الديك. والصحيح: أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء.\nوالحكمة في ختان الرجل: تطهير الذكر من النجاسة المحتقنة في القُلْفَة (٢).\nوفوائده كثيرة.\nأما المرأة: فإنه يُقَلِّل من غُلْمَتِها أي: شدة شهوتها.\nويستحب أن يكون في اليوم السابع للمولود؛ لأنه أسرع للبرء، ولينشأ الصغير على أكمل حال.\n٣ - قص الشارب وإحفاؤه: وهو المبالغة في قَصِّه؛ لما في ذلك من التجمل، والنظافة، ومخالفة الكفار.\nوقد وردت الأحاديث الصحيحة في الحث على قَصِّه، وإعفاء اللحية، وإرسالها وإكرامها؛ لما في بقاء اللحية من الجمال ومظهر الرجولة، وقد عَكَسَ كثير من الناس الأمر، فصاروا يوفرون شواربهم، ويحلقون لحاهم، أو يقصرونها.\nوفي كل هذا مخالفة للسنة والأوامر الواردة في وجوب إعفائها؛ منها: حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (جزُّوا الشوارب، وأرخوا اللحى، وخالفوا المجوس) (٣). وحديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: (خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى، وأحفوا الشوارب) (٤).\nفعلى المسلم أن يلتزم بهذا الهدي النبوي، ويخالف الأعداء، ويتميز عن التشبه بالنساء.\n_________\n(١) الحشفة: هي رأس الذكر.\n(٢) وهي الجلدة التي تغطي الحشفة، والتي تقطع في الختان.\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٦٠)، والجز: القص. وإرخاء اللحية: تركها وعدم التعرض لها.\n(٤) رواه البخاري برقم (٥٨٩٢)، ومسلم برقم (٢٥٨). واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":15},{"text":"٤ - تقليم الأظافر: وهو قَصُّها بحيث لا تترك حتى تطول. والتقليم يجملها، ويزيل الأوساخ المتراكمة تحتها، وقد خالف هذه الفطرة النبوية بعض المسلمين فصاروا يطيلون أظافرهم، أو أظافر إصبع معين من أيديهم. كل ذلك من تزيين الشيطان والتقليد لأعداء الله.\n٥ - نتف الإبط: أي إزالة الشعر النابت فيه، فيسن إزالة هذا الشعر بالنتف أو الحلق أو غيرهما؛ لما في إزالته من النظافة وقطع الروائح الكريهة التي تتجمع مع وجود هذا الشعر، فهذا هو ديننا الحنيف، أمرنا بهذه الخصال؛ لما فيها من التجمل والتطهر والنظافة، وليكون المسلم على أحسن حال، مبتعدًا عن تقليد الكفار والجهال، مفتخرًا بدينه، مطيعًا لربه، متبعًا لسنة نبيه - ﷺ -.\nويضاف إلى هذه الخصال الخمس: السواك، واستنشاق الماء، والمضمضة، وغسل البراجم -وهي العقد التي في ظهور الأصابع، يجتمع فيها الوسخ-، والاستنجاء، وذلك لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء) يعني الاستنجاء. قال مصعب بن شيبة -أحد رواة الحديث-: \"ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة\". (١)\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٢٦١).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الباب الخامس: في الوضوء، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المسألة الأولى: تعريفه، وحكمه:</span>\nالوُضوء لغة: مشتق من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة.\nوشرعًا: استعمال الماء في الأعضاء الأربعة -وهي الوجه واليدان والرأس والرجلان- على صفة مخصوصة في الشرع، على وجه التعبد لله تعالى.\nوحكمه: أنه واجب على المُحْدِث إذا أراد الصلاة وما في حكمها، كالطواف ومسِّ المصحف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المسألة الثانية: الدليل على وجوبه، وعلى من يجب، ومتى يجب</span>؟\nأما الدليل على وجوبه: فقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: ٦].\nوقوله - ﷺ -: (لا يقبل الله صلاةً بغير طُهُور، ولا صدقة من غُلُول) (١). وقوله - ﷺ -: (لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ) (٢).\nولم ينقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف، فثبتت بذلك مشروعية الوضوء: بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nوأما على مَنْ يجب: فيجب على المسلم البالغ العاقل إذا أراد الصلاة وما في حكمها.\nوأما متى يجب؟ فإذا دخل وقت الصلاة أو أراد الإنسان الفعل الذي يشترط له الوضوء، وإن لم يكن ذلك متعلقًا بوقت، كالطواف ومس المصحف.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٢٢٤). والغلول: السرقة من أموال الغنيمة وغيرها.\n(٢) رواه مسلم برقم (٢٢٣).","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المسألة الثالثة: في شروطه:</span>\nويشترط لصحة الوضوء ما يأتي:\nأ) الإسلام، والعقل، والتمييز، فلا يصح من الكافر، ولا المجنون، ولا يكون معتبرًا من الصغير الذي دون سن التمييز.\nب) النية: لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) (١). ولا يشرع التلفظ بها؛ لعدم ثبوته عن النبي - ﷺ -.\nج) الماء الطهور: لما تقدم في المياه، أما الماء النجس فلا يصح الوضوء به.\nد) إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، من شمع أو عجين ونحوهما: كطلاء الأظافر الذي يعرف بين النساء اليوم.\nهـ) الاستجمار أو الاستنجاء عند وجود سببهما لما تقدم.\nو) الموالاة.\nز) الترتيب. وسيأتي الكلام عليهما بعد قليل.\nح) غسل جميع الأعضاء الواجب غسلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المسألة الرابعة: فروضه -أي أعضاؤه</span>-:\nوهي ستة:\n١ - غسل الوجه بكامله؛ لقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦]، ومنه المضمضة والاستنشاق؛ لأن الفم والأنف من الوجه.\n٢ - غسل اليدين إلى المرفقين؛ لقوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة: ٦].\n٣ - مسح الرأس كله مع الأذنين؛ لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) [المائدة: ٦].\nوقوله - ﷺ -: (الأذنان من الرأس) (٢). فلا يُجزئ مسح بعض الرأس دون بعضه.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١)، ومسلم برقم (١٩٠٧).\n(٢) رواه الترمذي برقم (٣٧) وابن ماجه برقم (٤٤٣) وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه برقم ٣٥٧، والسلسلة الصحيحة برقم ٣٦) وأفاض الشيخ -﵀- في جمع طرقه والكلام عليه.","vol":"1","page":18},{"text":"٤ - غسل الرجلين إلى الكعبين؛ لقوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦].\n٥ - الترتيب: لأن الله تعالى ذكره مرتبًا؛ وتوضأ رسول الله - ﷺ - مرتبًا على حسب ما ذكر الله سبحانه: الوجه، فاليدين، فالرأس، فالرجلين، كما ورد ذلك في صفة وضوئه - ﷺ - في حديث عبد الله بن زيد (١) وغيره.\n٦ - الموالاة: بأن يكون غسل العضو عقب الذي قبله مباشرة بدون تأخير، فقد كان النبي - ﷺ - يتوضأ متواليًا، ولحديث خالد بن معدان: (أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لُمعَةٌ قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء) (٢)، فلو لم تكن الموالاة شرطًا لأمره بغسل ما فاته، ولم يأمره بإعادة الوضوء كله. واللُّمْعَة: الموضع الذي لم يصبه الماء في الوضوء أو الغسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسألة الخامسة: سننه:</span>\nهناك أفعال يستحب فعلها عند الوضوء ويؤجر عليها من فعلها، ومن تركها فلا حرج عليه، وتسمى هذه الأفعال بسنن الوضوء، وهي:\n١ - التسمية في أوله: لقوله - ﷺ -: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (٣).\n٢ - السواك: لقوله - ﷺ -: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) (٤).\n٣ - غسل الكفين ثلاثًا في أول الوضوء: لفعله - ﷺ - ذلك، إذ كان يغسل كفيه ثلاثًا كما ورد في صفة وضوئه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٢٣٥).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٢٤)، وأبو داود برقم (١٧٥)، وصححه الألباني. انظر إرواء الغليل (١/ ١٢٧).\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٤١٨)، وأبو داود برقم (١٠١)، والحاكم (١/ ١٤٧) وغيرهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وحسنه: ابن الصلاح، وابن كثير، والعراقي، وقواه المنذري وابن حجر، وقال الألباني: حسن.\n(إرواء الغليل ١/ ١٢٢).\n(٤) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة جزم: ك الصيام، ب سواك الرطب واليابس للصائم. ووصله النسائي (انظر: فتح الباري ٤/ ١٥٩).","vol":"1","page":19},{"text":"٤ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم: فقد ورد في صفة وضوئه - ﷺ -: (فمضمضَ واستنثَر)، ولقوله - ﷺ -: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) (١).\n٥ - الدلك، وتخليل اللحية الكثيفة بالماء حتى يدخل الماء في داخلها: لفعله - ﷺ -، فإنه (كان إذا توضأ يدلك ذراعيه) (٢)، وكذلك (كان يدخل الماء تحت حنكه ويخلل به لحيته) (٣).\n٦ - تقديم اليمنى على اليسرى في اليدين والرجلين: لفعله - ﷺ -، فإنه (كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (٤).\n٧ - تثليث الغسل في الوجه واليدين والرجلين: فالواجب مرة واحدة، ويستحب ثلاثًا، لفعله - ﷺ - فقد ثبت عنه: (أنه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا) (٥).\n٨ - الذكر الوارد بعد الوضوء: لقوله - ﷺ -: (ما منكم أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء) (٦).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (١٤٢)، والنسائي (١/ ٦٦ رقم ٨٧)، وصححه الألباني (صحيح النسائي رقم ٨٥).\n(٢) رواه ابن حبان في صحيحه (٣/ ٣٦٣) برقم (١٠٨٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٩٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٣) وصححه، وابن خزيمة في صحيحه (١/ ٦٢)، والإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٩).\n(٣) رواه أبو داود برقم (١٤٥)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٩٢).\n(٤) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٦٨)، ومسلم برقم (٢٢٦).\n(٥) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٥٧، ١٥٨، ١٥٩) ومسلم برقم (٢٢٦) وعنده ذكر الثلاث فقط.\n(٦) أخرجه مسلم برقم (٢٣٤) وزاد الترمذي: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) برقم (٥٥)، وصححه بهذه الزيادة الألباني (الإرواء برقم ٩٦).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المسألة السادسة: في نواقضه:</span>\nوالنواقض: هي الأشياء التي تبطل الوضوء وتفسده.\nوهي ستة:\n١ - الخارج من السبيلين: أي من مخرج البول والغائط، والخارج: إما أن يكون بولًا أو غائطًا أو منيًّا أو مذيًّا أو دم استحاضة أو ريحًا قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) [النساء: ٤٣]. وقوله - ﷺ -: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وقد تقدَّم. وقوله - ﷺ -: (ولكن من غائط أو بول ونوم) (١). وقوله - ﷺ - فيمن شك هل خرج منه ريح أو لا: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) (٢).\n٢ - خروج النجاسة من بقية البدن: فإن كان بولًا أو غائطًا نقض مطلقًا لدخوله في النصوص السابقة، وإن كان غيرهما كالدم والقيء: فإن فحش وكَثُرَ فالأَولى أن يتوضأ منه؛ عملًا بالأحوط، وإن كان يسيرًا فلا يتوضأ منه بالاتفاق.\n٣ - زوال العقل أو تغطيته بإغماء أو نوم: لقوله - ﷺ -: (ولكن من غائط وبول ونوم). وقوله: (العين وِكَاءُ (٣) السَّه (٤)، فمن نام فليتوضأ) (٥). وأما الجنون والإغماء والسكر ونحوه فينقض إجماعًا، والنوم الناقض هو المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك على أي هيئة كان النوم، أما النوم اليسير فإنه لا ينقض الوضوء، لأن الصحابة -﵃- كان يصيبهم النعاس وهم في انتظار الصلاة، ويقومون، يُصَلُّون، ولا يتوضؤون (٦).\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٣٩)، والنسائي برقم (١/ ٨٣)، والترمذي برقم (٩٦) وصححه، وحسنه الألباني في الإرواء (١/ ١٤١).\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم (١٣٧)، ومسلم برقم (٣٦١).\n(٣) الخيط الذي يربط به الخريطة والقربة.\n(٤) الدبر. والمعنى: أن العينين في يقظتهما بمنزلة الحبل الذي يربط به، فزوال اليقظة كزوال هذا الرباط.\n(٥) رواه أبو داود برقم (٢٠٣)، وابن ماجه برقم (٤٧٧)، وحسنه الألباني في الإرواء (١/ ١٤٨).\n(٦) صحيح مسلم برقم (٣٧٦).","vol":"1","page":21},{"text":"٤ - مس فرج الآدمي بلا حائل: لحديث بسرة بنت صفوان ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: (من مسّ ذكره فليتوضأ) (١). وفي حديث أبي أيوب وأم حبيبة: (من مسّ فرجه فليتوضأ) (٢).\n٥ - أكل لحم الإبل: لحديث جابر بن سمرة أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: (إن شئت توضأ وإن شئت لا تتوضأ)، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: (نعم توضأ من لحوم الإبل). (٣)\n٦ - الردة عن الإسلام: لقوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) [المائدة: ٥]. وكل ما أوجب الغسل أوجب الوضوء غير الموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المسألة السابعة: ما يجب له الوضوء:</span>\nويجب على المكلف فعل الوضوء للأمور الآتية:\n١ - الصلاة: لحديث ابن عمر مرفوعًا: (لا يقبل الله صلاة بغير طُهُور، ولا صدقة من غلول) (٤).\n٢ - الطواف بالبيت الحرام فرضًا كان أو نفلًا: لفعله - ﷺ - (فإنه توضأ ثم طاف بالبيت) (٥)، ولقوله - ﷺ -: (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام) (٦)، ولمنعه الحائض من الطواف حتى تطهر (٧).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (١٨١) واللفظ له، والنسائي برقم (١٦٣)، والترمذي برقم (٨٢) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه برقم (٤٤٧٩)، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ١٥٠).\n(٢) رواية أم حبيبة أخرجها: ابن ماجه برقم (٤٨١)، وصححها الألباني في الإرواء (١/ ١٥١)، أما حديث أبي أيوب فقال الألباني: \"لم أقف على إسناده\" الإرواء (١/ ١٥١).\n(٣) رواه مسلم برقم (٣٦٠).\n(٤) رواه مسلم برقم (٢٢٤)، والترمذي برقم (١).\n(٥) رواه البخاري برقم (١٦١٤)، ومسلم برقم (١٢٣٥).\n(٦) رواه ابن حبان برقم (٣٨٣٦)، والحاكم (١/ ٤٥٩) وصحح إسناده، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٥/ ٨٧) وغيرهم، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٢١).\n(٧) رواه البخاري برقم (٣٠٥)، ومسلم برقم (١٢١١).","vol":"1","page":22},{"text":"٣ - مس المصحف ببشرته بلا حائل: لقوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: ٧٩]. ولقوله - ﷺ -: (لا يمس القرآن إلا طاهر) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المسألة الثامنة: ما يستحب له الوضوء:</span>\nيستحب الوضوء ويندب في الأحوال التالية:\n١ - عند ذكر الله تعالى وقراءة القرآن.\n٢ - عند كل صلاة: لمواظبته - ﷺ - على ذلك، كما في حديث أنس - ﵁ - قال: (كان النبي - ﷺ - يتوضأعند كل صلاة) (٢).\n٣ - يستحب الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود للجماع، أو أراد النوم أو الأكل أو الشرب: لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ) (٣). ولحديث عائشة ﵂: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة، قبل أن ينام) (٤). وفي رواية لها: (فأراد أن يأكل أو ينام) (٥).\n٤ - الوضوء قبل الغسل: لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ...) الحديث (٦).\n٥ - عند النوم: لحديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: (إذا أتيت مضجعك فتوضَّأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ...) الحديث (٧).\n_________\n(١) أخرجه مالك (١/ ١٩٩)، والدارقطني (١/ ١٢١)، والبيهقي (١/ ٨٧)، والحاكم (١/ ٣٩٥) وصححه، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٢٢).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٢١٤).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٣٠٨).\n(٤) أخرجه مسلم برقم (٣٠٥).\n(٥) انظر المصدر السابق، الحديث الذي يليه.\n(٦) أخرجه مسلم برقم (٣١٦).\n(٧) أخرجه البخاري برقم (٢٤٧).","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الباب السادس: في المسح على الخفين والعمامة والجبيرة، وفيه مسائل:</span>\nالخُفُّ: هو ما يلبس على الرِّجْلِ من جلد ونحوه، وجمعه: خِفاف. ويلحق بالخفين كل ما يلبس على الرجلين من صوف ونحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المسألة الأولى: حكم المسح على الخفين ودليله:</span>\nالمسح على الخفين جائز باتفاق أهل السنة والجماعة. وهو رخصة من الله -﷿- تخفيفًا منه على عباده ودفعًا للحرج والمشقة عنهم. وقد دل على جوازه السنة والإجماع.\nأما السنة: فقد تواترت الأحاديث الصحيحة على ثبوته عن النبي - ﷺ - من فعله وأمره بذلك وترخيصه فيه.\nقال الإمام أحمد ﵀: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن النبي - ﷺ -. والمراد بقوله: ليس في قلبي أدنى شك في جوازه.\nوقال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه مسح على الخفين. ومن هذه الأحاديث: حديث جرير بن عبد الله قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - بال ثم توضأ ومسح على خفيه) (١). قال الأعمش عن إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة -يعني آية الوضوء-.\nوقد أجمع العلماء من أهل السنة والجماعة على مشروعيته في السفر والحضر لحاجة أو غيرها.\nوكذلك يجوز المسح على الجوارب، وهي ما يلبس على الرجْل من غير الجلد كالخِرَق ونحوها، وهو ما يسمى الآن بالشُّرَّاب؛ لأنهما كالخف في حاجة الرجل إليهما، والعلة فيهما واحدة، وقد انتشر لبسها أكثر من الخف، فيجوز المسح عليها إذا كانت ساترة.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٢٧٢)، وروى نحوه البخاري عن المغيرة في باب المسح على الخفين برقم (٢٠٣).","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المسألة الثانية: شروط المسح على الخفين، وما يقوم مقامهما:</span>\nوهذه الشروط هي:\n١ - لبسهما على طهارة: لما روى المغيرة قال: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما) (١).\n٢ - سترهما لمحل الفرض: أي: المفروض غسله من الرجل، فلو ظهر من محل الفرض شيء، لم يصح المسح.\n٣ - إباحتهما: فلا يجوز المسح على المغصوب، والمسروق، ولا الحرير لرجل؛ لأن لبسه معصية، فلا تستباح به الرخصة.\n٤ - طهارة عينهما: فلا يصح المسح على النجس، كالمتخذ من جلد حمار.\n٥ - أن يكون المسح في المدة المحددة شرعًا: وهي للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.\nهذه شروط خمسة استنبطها أهل العلم لصحة المسح على الخفين من النصوص النبوية والقواعد العامة، لابد من مراعاتها عند إرادة المسح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المسألة الثالثة: كيفية المسح وصفته:</span>\nالمحل المشروع مسحه ظاهر الخف، والواجب في ذلك ما يطلق عليه اسم المسح. وكيفية المسح: أن يمسح أكثر أعلى الخف؛ لحديث المغيرة بن شعبة الذي بيَّن فيه وصف مسح رسول الله - ﷺ - على خفه في الوضوء، فقال: (رأيت النبي - ﷺ - يمسح على الخفين: على ظاهرهما) (٢).\nولا يجزئ مسح أسفله وعقبه ولا يسن. لقول عليٍّ - ﵁ -: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي - ﷺ - يمسح على ظاهر خفه) (٣). ولو جمع بين الأعلى والأسفل صَحَّ مع الكراهة.\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم (٢٠٦)، ومسلم برقم (٢٧٤).\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (٩٨)، وقال: حسن. وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح الترمذي برقم ٨٥).\n(٣) رواه أبو داود برقم (١٦٢)، والبيهقي (١/ ٢٩٢)، وصححه الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ١/ ١٦٠).","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المسألة الرابعة: مدته:</span>\nومدة المسح على الخفين بالنسبة للمقيم ومن سفره لا يبيح له القصر: يوم وليلة، وبالنسبة للمسافر سفرًا يبيح له القصر: ثلاثة أيام بلياليها، لحديث علي - ﵁ - قال: (جعل رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المسألة الخامسة: مبطلاته:</span>\nويبطل المسح بما يأتي:\n١ - إذا حصل ما يوجب الغسل بطل المسح، لحديث صفوان بن عسال قال: (كان النبي - ﷺ - يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة) (٢).\n٢ - إذا ظهر بعض محل الفرض، أي: ظهور بعض القدم، بطل المسح.\n٣ - نرع الخفين يبطل المسح، ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم.\n٤ - انقضاء مدة المسح مبطل له؛ لأن المسح مؤقت بزمن معين من قبل الشارع، فلا تجوز الزيادة على المدة المقررة لمفهوم أحاديث التوقيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المسألة السادسة: ابتداء مدة المسح:</span>\nوتبتدئ مدة المسح من الحدث بعد اللبس، كمن توضأ لصلاة الفجر، ولبس الخفين، وبعد طلوع الشمس أحدث، ولم يتوضأ، ثم توضأ قبل صلاة الظهر، فابتداء المدة من طلوع الشمس وقت الحدث. وقال بعض العلماء: ابتداؤها من حيث توضأ قبل صلاة الظهر، أي: من المسح بعد الحدث.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٨٥).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ٢٣٩)، والنسائي (١/ ٨٤)، والترمذي برقم (٩٦) وصححه، وحسنه الألباني في (الإرواء برقم ١٠٤).","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المسألة السابعة: المسح على الجبيرة والعمامة وخمر النساء:</span>\nالجبيرة: هي أعواد ونحوها كالجبس مما يربط على الكسر ليجبر ويلتئم، ويمسح عليها. وكذلك يمسح على اللصوق واللفائف التي توضع على الجروح، فكل هذه الأشياء يمسح عليها بشرط أن تكون على قدر الحاجة، فإن تجاوزت قدر الحاجة لزمه نَزْعُ ما زاد على الحاجة.\nويجوز المسح عليها في الحدث الأكبر والأصغر، وليس للمسح عليها وقت محدد بل يمسح عليها إلى نزعها أو شفاء ما تحتها. والدليل على ذلك: أن المسح على الجبيرة ضرورة والضرورة تقدر بقدرها ولا فرق فيها بين الحدثين.\nوكذلك يجوز المسح على العمامة، وهي ما يعمم به الرأس، ويكور عليه، والدليل على ذلك: حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - (أن النبي - ﷺ - مسح على عمامته وعلى الناصية والخفين) (١).\nوحديث: (أنه - ﷺ - مسح على الخفين والخمار) (٢). يعني العمامة.\nوالمسح عليها ليس له وقت محدد، ولكن لو سلك سبيل الاحتياط فلم يمسحها إلا إذا لبسها على طهارة وفي المدة المحددة للمسح على الخفين، لكان حسنًا.\nأما خمار المرأة وهو ما تغطي به رأسها، فالأولى ألا تمسح عليه، إلا إذا كان هناك مشقة في نزعه، أو لمرض في الرأس أو نحو ذلك. ولو كان الرأس ملبدًا بحناء أو غيره فيجوز المسح عليه؛ لفعل النبي - ﷺ -. وعمومًا طهارة الرأس فيها شيء من التسهيل والتيسير على هذه الأمة.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٢٧٤).\n(٢) رواه مسلم برقم (٢٧٥).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الباب السابع: في الغسل، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المسألة الأولى: معنى الغسل، وحكمه، ودليله:</span>\n١ - معناه: الغُسل لغة: مصدر من غسل الشيء يَغسله غَسْلًا وغُسْلًا، وهو تمام غسل الجسد كله.\nومعناه شرعًا: تعميم البدن بالماء. أو: استعمال ماء طهور في جميع البدن، على صفة مخصوصة، على وجه التعبد لله سبحانه.\n٢ - حكمه: والغسل واجب إذا وجد سبب لوجوبه. لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، والأحاديث التي ورد فيها كيفية الغسل عن عدد من الصحابة نقلًا عن رسول الله - ﷺ - دالة على وجوبه.\nوسيأتي طرف منها قريبًا إن شاء الله.\n٣ - موجباته: ويجب الغسل للأسباب الآتية:\n١ - خروج المنيّ من مخرجه: ويشترط أن يكون دفقًا بلذة من ذكر أو أنثى، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، ولقوله - ﷺ - لعلي: (إذا فَضَخْتَ (١) الماء فاغتسل) (٢). ما لم يكن نائمًا ونحوه فلا تشترط اللذة؛ لأن النائم قد لا يحس به، ولقوله - ﷺ - لما سئل: هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: (نعم إذا رأت الماء) (٣). وهذا كله مجمع عليه.\n٢ - تغييب حشفة الذكر كلها أو قدرها في الفرج، وإن لم يحصل إنزال بلا حائل: لقوله - ﷺ -: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختانُ الختانَ، وجب الغسل) (٤). لكن لا يجب الغسل في هذه الحالة إلا على ابن عشر أو بنت تسع فما فوق.\n_________\n(١) فَضْخُ الماء: أي دَفْقُهُ، والمراد المَنِيّ.\n(٢) رواه أبو داود برقم (٢٠٦)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٢٥).\n(٣) رواه مسلم برقم (٣١٣).\n(٤) رواه مسلم برقم (٣٤٩).","vol":"1","page":28},{"text":"٣ - إسلام الكافر ولو مرتدًا: (لأن النبي - ﷺ - أمر قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل) (١).\n٤ - انقطاع دم الحيض والنفاس: لحديث عائشة أن النبي - ﷺ - قال لفاطمة بنت أبي حبيش: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصَلِّي) (٢). والنفاس كالحيض بالإجماع.\n٥ - الموت: لقوله - ﷺ - في حديث غسل ابنته زينب حين توفيت: (اغسلنها) (٣). وقال في المحرم: (اغسلوه بماء وسدر) (٤). وذلك تعبدًا؛ لأنه لو كان عن حدث لم يرتفع مع بقاء سببه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المسألة الثانية: في صفة الغسل وكيفيته:</span>\nللغسل من الجنابة كيفيتان، كيفية استحباب، وكيفية إجزاء (٥).\nأما كيفية الاستحباب: فهي أن يغسل يديه، ثم يغسل فرجه، وما أصابه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ بيده ماءً فيخلل به شعر رأسه، مدخلًا أصابعه في أصول الشعر حتى يروي بشرته، ثم يحثو على رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على سائر بدنه؛ لحديث عائشة المتفق عليه.\nوأما كيفية الإجزاء: أن يعم بدنه بالماء ابتداءً مع النية لحديث ميمونة: (وضع رسول الله - ﷺ - وَضُوءَ الجنابة، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثًا، ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه، ثم غسل جسده، فأتيته بالمنديل فلم يُرِدْها، وجعل ينفض الماء بيديه) (٦). ومثله حديث عائشة\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣٥٥)، والنسائي (١/ ١٠٩)، والترمذي برقم (٦٠٥) وحسنه، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(٢) رواه البخاري برقم (٣٢٠)، ومسلم برقم (٣٣٣).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري برقم (١٢٥٣)، ومسلم برقم (٩٣٩).\n(٤) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٢٦٦) كتاب الجنائز، ومسلم برقم (١٢٠٦).\n(٥) وكيفية الإجزاء: هي التي تشتمل على ما يجب فقط، وكيفية الاستحباب والكمال: هي التي تشتمل على الواجب والمسنون.\n(٦) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٤٩)، ومسلم برقم (٣١٧).","vol":"1","page":29},{"text":"وفيه: (ثم يخلل شعره بيده. حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده) (١). ولا يجب على المرأة نقض شعرها في الغسل من الجنابة، ويلزمها ذلك في الغسل من الحيض؛ لحديث أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشدُّ ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: (لا. إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المسألة الثالثة: الأغسال المستحبة:</span>\nتقدم بيان الأغسال الواجبة، وأما الأغسال المسنونة والمستحبة، فهي:\n١ - الاغتسال عند كل جماع: لحديث أبي رافع أن النبي - ﷺ - كان ذات ليلة يغتسل عند هذه وعند هذه قال: فقلت يا رسول الله ألا تجعله واحدًا؟ قال: (هذا أزكى وأطيب وأطهر) (٣).\n٢ - الغسل للجمعة: لقوله - ﷺ -: (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل) (٤).\nوهو آكد الأغسال المستحبة.\n٣ - الاغتسال للعيدين.\n٤ - الاغتسال عند الإحرام بالعمرة والحج: فإنه - ﷺ - اغتسل لإحرامه.\n٥ - الغسل من غسل الميت: لقوله - ﷺ -: (من غَسَّلَ ميتًا فليغتسل) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المسألة الرابعة: الأحكام المترتبة على من وجب عليه الغسل:</span>\nالأحكام المترتبة على ذلك يمكن إجمالها في ما يأتي:\n١ - لا يجوز له المكث في المسجد إلا عابر سبيل لقوله تعالى: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، فإذا توضأ جاز له المكث في المسجد،\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٤٨)، ومسلم برقم (٣١٦) ..\n(٢) رواه مسلم برقم (٣٣٠).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٢١٦)، وابن ماجه برقم (٥٩٠)، وحسَّنه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ٤٨٦).\n(٤) أخرجه البخاري برقم (٨٧٧).\n(٥) رواه ابن ماجه برقم (١٤٦٣)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٤٤).","vol":"1","page":30},{"text":"لثبوت ذلك عن جماعة من الصحابة على عهد النبي - ﷺ -، ولأن الوضوء يخفف الحدث، والوضوء أحد الطهورين.\n٢ - لا يجوز له مس المصحف. لقوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: ٧٩]. وقوله - ﷺ -: (لا يمس المصحف إلا طاهر) (١).\n٣ - لا يجوز له قراءة القرآن. فلا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن حتى يغتسل.\nلحديث علي قال: (كان ﵊ لا يمنعه من قراءة القرآن شيء إلا الجنابة) (٢)، ولأن في منعه من القراءة حثًَّا له على المبادرة إلى الاغتسال، وإزالة المانع له من القراءة.\nويحرم عليه أيضًا:\n٤ - الصلاة.\n٥ - والطواف بالبيت.\nكما سبق بيان ذلك عند الكلام على مسألة: (ما يجب له الوضوء). من الباب الخامس.\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ (٤٦٨)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٨٥)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٢٢).\n(٢) رواه الإمام أحمد برقم (١٠١٤)، وابن ماجه برقم (٥٩٤)، والترمذي برقم (١٤٦)، قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم (المستدرك ٤/ ١٠٧). ونقل الحافظ ابن حجر تصحيحه عن: ابن السكن، وعبد الحق، والبغوي، وأن شعبة حسَّنه. (التلخيص الحبير ١/ ١٣٩).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الباب الثامن: في التيميم، وفيه مسائل:</span>\nالتيمم لغة: القصد. وشرعًا: هو مسح الوجه واليدين بالصعيد الطيب، على وجه مخصوص؛ تعبدًا لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المسألة الأولى: حكم التيمم ودليل مشروعيته:</span>\nالتيمم مشروع، وهو رخصة من الله ﷿ لعباده، وهو من محاسن هذه الشريعة، ومن خصائص هذه الأمة.\nلقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: ٦].\nولقوله - ﷺ -: (الصعيد الطيب كافيك وإن لم تجد الماء عشر حِجج، فإذا وجدت الماء فَأمِسَّه بَشَرَتَك) (١). ولقوله - ﷺ -: (جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا) (٢).\nوقد أجمع أهل العلم على مشروعية التيمم إذا توافرت شرائطه، وأنه قائم مقام الطهارة بالماء، فيباح به ما يباح بالتطهر بالماء من الصلاة والطواف وقراءة القرآن وغير ذلك.\nوبذلك تثبت مشروعية التيمم بالكتاب والسنة والإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المسألة الثانية: شروط التيمم، والأسباب المبيحة له:</span>\nيباح التيمم عند العجز عن استعمال الماء: إما لفقده، أو لخوف الضرر من استعماله لمرض في الجسم أو شدة برد؛ لحديث عمران بن حصين: (عليك\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣٢٩)، والترمذي برقم (١٢٤)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٥٣).\n(٢) رواه البخاري برقم (٣٣٥).","vol":"1","page":32},{"text":"بالصعيد الطيب فإنه يكفيك) (١) وسيأتي مزيد بسط لذلك بعد قليل. ويصح التيمم بالشروط الآتية:\n١ - النية: وهي نية استباحة الصلاة، والنية شرط في جميع العبادات، والتيمم عبادة.\n٢ - الإسلام: فلا يصح من الكافر، لأنه عبادة.\n٣ - العقل: فلا يصح من غير العاقل، كالمجنون والمغمى عليه.\n٤ - التمييز: فلا يصح من غير المميز، وهو من كان دون السابعة.\n٥ - تعذر استعمال الماء: إما لعدمه؛ لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [المائدة: ٦]، وقوله - ﷺ -: (إن الصعيد الطيب طَهُورُ المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمِسَّهُ بشرته، فإن ذلك خير) (٢). أو لخوفه الضرر باستعماله، إما لمرض يخشى زيادته أو تأخر شفائه باستعمال الماء؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى)، ولحديث صاحب الشَّجَّة، وفيه قوله - ﷺ -: (قتلوه قتلهم الله، هلاَّ سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العِيِّ السؤال) (٣). أو لشدة برد يُخشى معه الضرر، أو الهلاك، باستعمال الماء؛ لحديث عمرو بن العاص أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، وصلَّيت بأصحابي صلاة الصبح) (٤).\n٦ - أن يكون التيمم بتراب طهور غير نجس -كالتراب الذي أصابه بول ولم يطهر منه- له غبار يعلق باليد إن وجده لقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦]. قال ابن عباس: (الصعيد: تراب الحرث، والطيب: الطاهر)، فإن لم يجد ترابًا تيمم بما يقدر عليه من رمل أو\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٤٤)، ومسلم برقم (٦٨٢).\n(٢) رواه الترمذي وصححه برقم (١٢٤)، وتقدم في الصفحة السابقة.\n(٣) أخرجه أبو داود برقم (٣٣٧)، وابن ماجه برقم (٥٧٢)، وصححه الشيخ أحمد شاكر (حواشي المسند ٥/ ٢٢ - ٢٣)، وحسّنه الألباني (صحيح ابن ماجه رقم ٤٦٤).\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٢٠٣)، وأبو داود برقم (٣٣٤)، والدارقطني، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٥٤).","vol":"1","page":33},{"text":"حجر، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]. قال الأوزاعي: الرمل من الصعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المسألة الثالثة: مبطلات التيمم:</span>\nوهي الأشياء التي تفسده، ومبطلاته ثلاثة:\n١ - يبطل التيمم عن حدث أصغر بمبطلات الوضوء، وعن حدث أكبر بموجبات الغسل من جنابة وحيض ونفاس، فإذا تيمم عن حدث أصغر، ثم بال أو تغوَّط، بطل تيممه؛ لأن التيمم بدل عن الوضوء، والبدل له حكم المبدل، وكذا التيمم عن الحدث الأكبر.\n٢ - وجود الماء. إن كان التيمم لعدمه، لقوله - ﷺ -: (فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك) وقد تقدم.\n٣ - زوال العذر الذي من أجله شرع التيمم من مرض ونحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المسألة الرابعة: صفة التيمم:</span>\nوكيفيته: أن ينوي، ثم يُسَمِّي، ويضرب الأرض بيديه ضربة واحدة، ثم ينفخهما -أو ينفضهما- ثم يمسح بهما وجهه ويديه إلى الرسغين؛ لحديث عمار وفيه: (التيمم ضربة للوجه والكفين) (١)، وحديث عمار أن النبي - ﷺ - قال له: (إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا) فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه (٢).\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٦٣)، وأبو داود برقم (٣٢٧)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٦١).\n(٢) رواه البخاري برقم (٣٤٧)، ومسلم برقم (٣٦٨) واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الباب التاسع: في النجاسات وكيفية تطهيرها. وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المسألة الأولى: تعريف النجاسة، ونوعاها:</span>\nالنجاسة: هي كل عين مستقذرة أمر الشارع باجتنابها.\nوهي نوعان:\n١ - نجاسة عينية أو حقيقية: وهي التي لا تطهر بحال؛ لأن عينها نجسة، كروث الحمار، والدم، والبول.\n٢ - نجاسة حكمية: وهي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء، ويمنع من صحة الصلاة، ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء كالغائط، والحدث الأكبر الذي يزول بالغسل كالجنابة.\nوالأصل الذي تزال به النجاسة هو الماء، فهو الأصل في التطهير، لقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الأنفال: ١١].\nوهي على ثلاثة أقسام:\nنجاسة مغلظة: وهي نجاسة الكلب، وما تولَّد منه.\nنجاسة مخففة: وهي نجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام.\nنجاسة متوسطة: وهي بقية النجاسات. كالبول، والغائط، والميتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المسألة الثانية: الأشياء التي قام الدليل على نجاستها:</span>\n١ - بول الآدمي وعذرته وقيئه: إلا بول الصبيِّ الذي لم يأكل الطعام، فيكتفى برشه؛ لحديث أم قيس بنت محصن: (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله - ﷺ -، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله) (١). أما بول الغلام الذي يأكل الطعام، وكذا بول الجارية، فإنه يغسل كبول الكبير.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٢٢٣). وَنَضَحَهُ: رشَّه بالماء وصَبَّه عليه.","vol":"1","page":35},{"text":"٢ - الدم المسفوح من الحيوان المأكول، أما الدم الذي يبقى في اللحم والعروق، فإنه طاهر، لقوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) [الأنعام: ١٤٥]، وهو الذي يهراق وينصبُّ.\n٣ - بول وروث كل حيوان غير مأكول اللحم، كالهر والفأر.\n٤ - الميتة: وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية لقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) [الأنعام: ١٤٥] .. ويستثنى من ذلك ميتة السمك، والجراد، ومالا نفس له سائلة، فإنها طاهرة.\n٥ - المَذْي: وهو ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند الملاعبة أو تذكُّر الجماع، لا بشهوة ولا دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، وهو نجس؛ لقوله - ﷺ - في حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ -: (توضأ، واغسل ذكرك) (١). يعني من المذي، ولم يؤمر فيه بالغسل تخفيفًا ورفعًا للحرج؛ لأنه مما يشق الاحتراز منه.\n٦ - الوَدْي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول، ومَنْ أصابه فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، ولا يغتسل.\n٧ - دم الحيض: كما في حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع؟ فقال: (تَحُتُّهُ، ثم تَقْرُصُهُ (٢) بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المسألة الثالثة: كيفية تطهير النجاسة:</span>\n١ - إذا كانت النجاسة في الأرض والمكان: فهذه يكفي في تطهيرها غسلة واحدة، تذهب بعين النجاسة، فيصب عليها الماء مرة واحدة؛ لأمره - ﷺ - بصب الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٢٦٩).\n(٢) تَحُتُّه: تحكه بطرف حجر أو عود، وتقرصه: تدلكه بأطراف الأصابع والأظفار دلكًا شديدًا وتصب عليه الماء حتى يزول عينه وأثره.\n(٣) رواه البخاري برقم (٢٢٧)، ومسلم برقم (٢٩١) واللفظ لمسلم.\n(٤) أخرجه البخاري برقم (٢٢٠)، ومسلم برقم (٢٨٤).","vol":"1","page":36},{"text":"٢ - إذا كانت النجاسة على غير الأرض: كأن تكون في الثوب أو في الإناء.\nفإن كانت من كلب ولغ في الإناء، فلابد من غسله سبع غسلات إحداهن بالتراب؛ لقوله - ﷺ -: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا، أُولاهن بالتراب) (١). وهذا الحكم عام في الإناء وغيره، كالثياب، والفرش.\nأما نجاسة الخنزير: فالصحيح أنها كسائر النجاسات يكفي غسلها مرة واحدة، تذهب بعين النجاسة، ولا يشترط غسلها سبع مرات.\nوإن كانت النجاسة من البول والغائط والدم ونحوها: فإنها تغسل بالماء مع الفرك والعصر حتى تذهب وتزول، ولا يبقى لها أثر، ويكفي في غسلها مرة واحدة.\nويكفي في تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح، وهو رشه بالماء؛ لقوله - ﷺ -: (يغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام) (٢)، ولحديث أم قيس بنت محصن المتقدم.\nأما جلد الميتة مأكولة اللحم: فإنه يطهر بالدباغ لقوله - ﷺ -: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (٣).\nودم الحيض تغسله المرأة من ثوبها بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه.\nفعلى المسلم أن يهتم بالطهارة من النجاسات في بدنه ومكانه وثوبه الذي يصلي فيه، لأنها شرط لصحة الصلاة.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٢٧٩) ولفظه: \"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بتراب\".\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٣٧٦)، والنسائي برقم (٣٠٣)، وابن ماجه برقم (٥٢٦)، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ٢٩٣).\n(٣) رواه النسائي برقم (٤٢٥٢)، والترمذي برقم (١٧٢٨)، وابن ماجه برقم (٣٦٠٩)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١/ ٧٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (٣٦٦) بلفظ: \"إذا دبغ الإهاب فقد طهر\".","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الباب العاشر: في الحيض والنفاس، وفيه مسائل:</span>\nالحيض لغة: السيلان. وشرعًا: دم طبيعة وَجِبِلَّة، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، حال صحة المرأة، من غير سبب ولادة.\nوالنفاس: دم يخرج من المرأة عند الولادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المسألة الأولى: بداية وقت الحيض ونهايته:</span>\nلا حيض قبل تمام تسع سنين؛ لأنه لم يثبت في الوجود لامرأة حيض قبل ذلك. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة) (١).\nولا حيض بعد خمسين سنة في الغالب على الصحيح. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المسألة الثانية: أقل مدة الحيض وأكثرها:</span>\nالصحيح: أنه لا حدَّ لأقله ولا لأكثره، وإنما يُرجع فيه إلى العادة والعرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المسألة الثالثة: غالب الحيض:</span>\nوغالبه ست أو سبع. لقوله - ﷺ - لحمنة بنت جحش: (تَحَيضِي في علم الله ستة أيام، أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يومًا، أو ثلاثة وعشرين يومًا، كما يحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن) (٣).\n_________\n(١) ذكره الترمذي (٣/ ٤١٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٢٠) بدون إسناد.\n(٢) المغني ١/ ٤٠٦.\n(٣) رواه أبو داود برقم (٢٨٧)، والترمذي برقم (١٢٨) وقال: حسن صحيح. وحسَّنه الألباني (صحيح الترمذي برقم ١١٠).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المسألة الرابعة: ما يحرم بالحيض والنفاس:</span>\nيحرم بسبب الحيض والنفاس أمور:\n١ - الوطء في الفرج: لقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢]. فقال النبيُّ - ﷺ - حين نزلت: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (١).\n٢ - الطلاق: لقوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١]. وقوله - ﷺ - لعمر لما طلق ابنه عبد الله امرأته في الحيض: (مره فليراجعها) الحديث (٢).\n٣ - الصلاة: لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) (٣).\n٤ - الصوم: لقوله - ﷺ -: (أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم، ولم تصلِّ؟) قلن: بلى (٤).\n٥ - الطواف: لقوله - ﷺ - لعائشة ﵂ لما حاضت: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (٥).\n٦ - قراءة القرآن: وهو قول كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم. لكن إذا احتاجت إلى القراءة -كأن تحتاج إلى مراجعة محفوظها حتى لا يُنسى، أو تعليم البنات في الدارس، أو قراءة وردها- جاز لها ذلك، وإن لم تحتج فلا تقرأ، كما قال به بعض أهل العلم (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٣٠٢).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٢٥١)، ومسلم برقم (١٤٧١).\n(٣) رواه البخاري برقم (٣٢٠)، ومسلم برقم (٣٣٣).\n(٤) رواه البخاري برقم (٣٠٤).\n(٥) متفق عليه: البخاري برقم (٣٠٥)، ومسلم برقم (١٢١١) (١١٩).\n(٦) انظر: الشرح الممتع (١/ ٢٩١ - ٢٩٢).\n(٧) رواه أبو داود برقم (٢٣٢)، وصححه ابن خزيمة، وحسنه ابن القطان وابن سيد الناس. انظر: نيل الأوطار (١/ ٢٨٨) ح رقم ٣٠٥","vol":"1","page":39},{"text":"٧ - مس المصحف: لقوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: ٧٩].\n٨ - دخول المسجد واللبث فيه: لقوله - ﷺ -: (لا أُحِلُّ المسجد لجنب، ولا حائض) (٧)، ولأنه - (ﷺ) - كان يدني رأسه لعائشة، وهي في حجرتها، فترجله وهي حائض، وهو حينئذ مجاور في المسجد (١). وكذا يحرم عليها المرور في المسجد إن خافت تلويثه، فإن أمنت تلويثه لم يحرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المسألة الخامسة: ما يوجبه الحيض:</span>\n١ - يوجب الغسل: لقوله - ﷺ -: (دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) (٢).\n٢ - البلوغ: لقوله - ﷺ -: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (٣). فقد أوجب عليها السترة بحصول الحيض، فدلَّ على أن التكليف حصل به، وإنما يحصل ذلك بالبلوغ.\n٣ - الاعتداد به: فتنقضي العدة في حق المطلقة ونحوها بالحيض لمن كانت تحيض، لقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨].\nيعني: ثلاث حِيَض.\n٤ - الحكم ببراءة الرحم في الاعتداد بالحيض.\nتنبيه: إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل غروب الشمس؛ لزمها أن تصلي الظهر والعصر من هذا اليوم، ومن طهرت منهما قبل طلوع الفجر لزمها أن تصلي المغرب والعشاء من هذه الليلة؛ لأن وقت الصلاة الثانية وقت للصلاة الأولى في حال العذر. وبه قال الجمهور: مالك والشافعي وأحمد (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٢٩٦). قال الحافظ ابن حجر: \"في الحديث دلالة على ... أن الحائض لا تدخل المسجد\" (فتح الباري ١/ ٤٠١).\n(٢) رواه البخاري برقم (٣٠٦)، ومسلم برقم (٣٣٤).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٦٤١)، والترمذي برقم (٣٧٧) وحسنَّه، وابن ماجه برقم (٦٥٥)، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٢١٥).\n(٤) انظر: الملخص الفقهي (١/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المسألة السادسة: أقل النفاس وأكثره:</span>\nلا حدّ لأقل النفاس؛ لأنه لم يرد فيه تحديد، فرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلًا وكثيرًا. وأكثره أربعون يومًا. قال الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومَنْ بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي، ولحديث أم سلمة: (كانت النفساء على عهد النبي - ﷺ - تجلس أربعين يومًا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة السابعة: في دم المستحاضة:</span>\nالاستحاضة: سيلان الدم في غير وقته على سبيل النزيف، من عرق يسمى العاذل.\nودم الاستحاضة يخالف دم الحيض في أحكامه وفي صفته، وهو عرق ينفجر في الرحم، سواء كان في أوقات الحيض أو غيرها، وهو لا يمنع الصلاة ولا الصيام ولا الوطء؛ لأنها في حكم الطاهرات. ودليله حديث فاطمة بنت أبي حبيش: قالت: يا رسول الله إني أُسْتَحَاضُ، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: (لا، إن ذلك عِرْق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) (٢). فيجب عليها أن تغتسل عند نهاية حيضتها المعتبرة، وعند الاستحاضة تغسل فرجها، وتجعل في الخرج قطنًا ونحوه يمنع الخارج، وتشد عليه ما يمسكه عن السقوط. ويغني عن ذلك الحفائظ الصحية في هذا الوقت، ثم تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة.\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣١٢)، والترمذي برقم (١٣٩)، وابن ماجه برقم (٦٤٨)، وقال الألباني: موقوف ضعيف. (الإرواء ١/ ٢٢٦).\n(٢) رواه البخاري برقم (٣٠٦)، ومسلم برقم (٣٣٤).","vol":"1","page":41},{"text":"والمستحاضة لها ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن تكون لها عادة معروفة، بأن تكون مدة الحيض معلومة لديها قبل الاستحاضة، فهذه تجلس قدر عادتها، وتدع الصلاة والصيام، وتُعَدُّ حائضًا، فإذا انتهت عادتها اغتسلت وصلّت وعدَّت الدم الخارج دم استحاضة؛ لقوله - ﷺ - لأم حبيبة: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلي) (١).\nالحالة الثانية: إذا لم تكن لها عادة معروفة، لكن دمها متميز بعضه يحمل صفة الحيض: بأن يكون أسود أو ثخينًا أو له رائحة، والباقي يحمل صفة الاستحاضة، دم أحمر ليس له رائحة. ففي هذه الحالة ترد إلى العمل بالتمييز؛ لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش: (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضَّئي، وصلي فإنما هو عرق) (٢).\nالحالة الثالثة: إذا لم تكن لها عادة ولا صفة تميز بها الحيض من غيره، فهذه تجلس غالب الحيض ستًا أو سبعًا؛ لأن هذه عادة غالب النساء، وما بعد هذه الأيام من الدم يكون دم استحاضة تغسله، ثم تصلي، وتصوم؛ لقوله - ﷺ - لحمنة بنت جحش: (إنما هي رَكْضَةٌ من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي، فإذا استَنْقَأتِ فصلي وصومي فإن ذلك يجزئك) (٣). ومعنى (ركضة من الشيطان) يعني: دفعة، أي: إن الشيطان هو الذي حرَّك هذا الدم.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٣٣٤) (٦٥).\n(٢) رواه أبو داود برقم (٢٨٦) وصححه ابن حبان (الإحسان ٢/ ٤٥٨)، والحاكم (١/ ١٧٤)، وصححه\nالألباني (إرواء الغليل برقم ٢٠٤).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٢٨٧)، والترمذي برقم (١٢٨) وقال: حسن صحيح، وحسَّنه الألباني (الإرواء\nبرقم ٢٠٥).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>ثانيًا: كتاب الصلاة</span>\nويشتمل على خمسة عشر بابًا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الباب الأول: في تعريف الصلاة، وفضلها، ووجوب الصلوات الخمس:</span>\n١ - تعريفها: الصلاة لغة: الدعاء.\nوشرعًا: عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.\nويأتي تفصيلها في الأبواب التالية إن شاء الله.\n٢ - فضلها: الصلاة من آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، بل هي عمود الإسلام، وقد فرضها الله على نبيه محمد - ﷺ - ليلة المعراج فوق سبع سموات. وذلك دليل على أهميتها في حياة المسلم، وقد كان - ﷺ - إذا حَزَبَه (١) أمرٌ فزع إلى الصلاة. وقد جاء في فضلها والحث عليها أحاديث كثيرة منها:\nقوله - ﷺ -: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) (٢).\nوقوله - ﷺ -: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من دَرَنه شيء؟) قالوا: لا يبقى من دَرَنه شيء.\nقال: (فذلك مَثَلُ الصلوات الخمَسَ، يمحو الله بهن الخطايا) (٣). والدَّرَنُ: الوسخ.\n٣ - وجوبها: وفرضيتها معلومة بالكتاب، والسنة، والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة، قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣] في آيات كثيرة من كتاب الله، وقال تعالى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) [إبراهيم: ٣١].\n_________\n(١) أي: أصابه.\n(٢) رواه مسلم برقم (٢٣٣) (١٦).\n(٣) رواه البخاري برقم (٥٢٨)، ومسلم برقم (٦٦٧).","vol":"1","page":43},{"text":"ومن السنة: حديث المعراج وفيه: (هي خمس وهي خمسون) (١). وفي \"الصحيحين\" قوله - ﷺ - لمن ساكه عن شراخ الإسلام: (خمس صلوات في اليوم والليلة) قال السائل: هل عليَّ غيرهن؟ قال: (لا، إلا أن تَطَّوَّع) (٢).\nوتجب الصلاة على المسلم البالغ العاقل، فلا تجب على الكافر، ولا الصغير، ولا المجنون، لقوله - ﷺ -: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ). ولكن يؤمر بها الأولاد لتمام سبع سنين، ويضربون على تركها لعشر. فمن جحدها أو تركها فقد كفر، وارتدَّ عن دين الإسلام لقوله - ﷺ -: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٤٩). والمعنى: هي خمس في العدد باعتبار الفعل، وهي خمسون في الأجر والثواب.\n(٢) رواه البخاري برقم (٤٦)، ومسلم برقم (١١).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٣٤).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الباب الثاني: الأذان، والإقامة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>المسألة الأولى: تعريف الأذان والإقامة، وحكمهما:</span>\nأ- تعريف الأذان والإقامة:\nالأذان لغة: الإعلام. قال تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة: ٣]. أي إعلام.\nوشرعًا: الإعلام بدخول وقت الصلاة بذكر مخصوص.\nوالإقامة لغة هي: مصدر أقام، وحقيقته إقامة القاعد.\nوشرعًا: الإعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص ورد به الشارع.\nب- حكمهما: ألاذان والإقامة مشروعان في حق الرجال للصلوات الخمس دون غيرها، وهما من فروض الكفايات إذا قام بهما من يكفي سقط الإثم عن الباقين؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فلا يجوز تعطيلهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المسألة الثانية: شروط صحتهما:</span>\n١ - الإسلام: فلا يصحان من الكافر.\n٢ - العقل: فلا يصحان من المجنون والسكران وغير المميز، كسائر العبادات.\n٣ - الذكورية: فلا يصحان من المرأة للفتنة بصوتها، ولا من الخنثى لعدم العلم بكونه ذكرًا.\n٤ - أن يكون الأذان في وقت الصلاة: فلا يصح قبل دخول وقتها، غير الأذان الأول للفجر والجمعة، فيجوز قبل الوقت، وأن تكون الإقامة عند إرادة القيام للصلاة.\n٥ - أن يكون الأذان مرتبًا متواليًا: كما وردت بذلك السنة، وكذا الإقامة، وسيأتي بيانه في الكلام على صفة الأذان والإقامة.\n٦ - أن يكون الأذان، وكذا الإقامة، باللغة العربية وبالألفاظ التي وردت بها السنة.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المسألة الثالثة: في الصفات المستحبة في المؤذن:</span>\n١ - أن يكون عدلًا أمينًا؛ لأنه مؤتمن يُرجع إليه في الصلاة والصيام، فلا يؤمن أن يغرهم بأذانه إذا لم يكن كذلك.\n٢ - أن يكون بالغًا عاقلا، ويصح أذان الصبيّ المميز.\n٣ - أن يكون عالمًا بالأوقات ليتحراها فيؤذن في أولها، لأنه إن لم يكن عالمًا ربما غلط أو أخطأ.\n٤ - أن يكون صَيِّتًا (١) ليُسْمِعَ الناس.\n٥ - أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر.\n٦ - أن يؤذن قائمًا مستقبل القبلة.\n٧ - أن يجعل أصبعيه في أذنيه، وأن يدير وجهه على يمينه إذا قال: حَيَّ على الصلاة، وعلى يساره إذا قال: حَيَّ على الفلاح.\n٨ - أن يترسل في الأذان -أي يتمهل- ويحدر الإقامة -أي يسرع فيها-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المسألة الرابعة: في صفة الأذان والإقامة:</span>\nكيفية الأذان والإقامة: ولهما كيفيات وردت بها النصوص النبوية، ومنها ما جاء في حديث أبي محذورة، أن النبي - ﷺ - علمه الأذان بنفسه، فقال: (تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حَيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله) (٢).\nوأما صفة الإقامة فهي: (الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)؛ لحديث أنس - ﵁ -\n_________\n(١) أي: قويَّ الصوت.\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٥٠٣)، وابن ماجه برقم (٧٠٨)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه برقم ٥٨١).","vol":"1","page":46},{"text":"قال: (أمر بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة) (١). فتكون كلمات الأذان مرتين مرتين، وكلمات الإقامة مرة مرة، إلا في قوله: (قد قامت الصلاة) فتكون مرتين؛ للحديث الماضي.\nفهذه صفة الأذان والإقامة المستحبة؛ لأن بلالًا كان يؤذن به حضرًا وسفرًا مع رسول الله - ﷺ - إلى أن مات. وإن رَجع (٢) في الأذان، أو ثنَّى الإقامة، فلا بأس؛ لأنه من الاختلاف المباح. ويستحب أن يقول في أذان الصبح بعد حَيَّ على الفلاح: الصلاة خير من النوم (٣) مرتين؛ لما روى أبو محذورة أن رسول الله - ﷺ - قال له: (إن كان في أذان الصبح قلت: الصلاة خير من النوم) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>المسألة الخامسة: ما يقوله سامع الأذان، وما يدعو به بعده:</span>\nيستحب لمن سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن؛ لحديث أبي سعيد أن النبي - ﷺ - قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) (٥). إلا في الحَيْعَلَتَيْن، فيشرع لسامع الأذان أن يقول: \"لا حول ولا قوة إلا بالله\" عقب قول المؤذن: حَيَّ على الصلاة، وكذا عقب قوله: حَيَّ على الفلاح؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في ذلك (٦).\nوإذا قال المؤذن في صلاة الصبح: الصلاة خير من النوم، فإن المستمع يقول مثله، ولا يُسَنُّ ذلك عند الإقامة.\nثم يصلي على النبي - ﷺ -، ثم يقول: \"اللهم رَبَّ هذه الدعوة التامَّةِ والصلاة القائمةِ، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْهُ مقامًا محمودًا الذي وعدته\" (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٦٠٥)، ومسلم برقم (٣٧٨) واللفظ للبخاري.\n(٢) الترجيع: الترديد، بمعنى أنه يخفض صوته في الشهادتين، ثم يعيدهما برفع الصوت، كما أخرجه أبو داود برقم (٥٠٣).\n(٣) وهو التثويب، من ثاب يثوبُ: إذا رجع، فالمؤذن حين يقول هذه الجملة في صلاة الصبح، فهو رجوع منه إلى كلام فيه الحث على المبادرة إلى الصلاة.\n(٤) أخرجه النسائي (٢/ ٧، ٨)، وصححه الألباني (صحيح سنن النسائي برقم ٦٢٨).\n(٥) رواه البخاري برقم (٦٢١)، ومسلم برقم (١٠٩٣).\n(٦) أخرجه مسلم برقم (٣٨٥).\n(٧) أخرجه البخاري برقم (٦١٤)، وفيه: أن من قال ذلك حلت له شفاعة النبي - ﷺ - يوم القيامة.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الباب الثالث: في مواقيت الصلاة</span>\nالصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة، لكل صلاة منها وقت محدد حدده الشرع. قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء: ١٠٣]. يعني: مفروضًا في أوقات محددة فلا تجزئ الصلاة قبل دخول وقتها.\nوهذه المواقيت الأصل فيها حديث ابن عمر [و] ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِبِ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) (١).\nفصلاة الظهر يبدأ وقتها بزوال الشمس، أي: ميلها عن كبد السماء إلى جهة المغرب، ويمتد وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله في الطول، ويستحب تعجيلها في أول وقتها، إلا إذا اشتد الحر، فيستحب تأخيرها إلى الإبراد (٢)؛ لقولى - ﷺ -: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) (٣).\nوصلاة العصر يبدأ وقتها من نهاية وقت الظهر -أي من صيرورة ظل كل شيء مثله- وينتهي بغروب الشمس، أي عند آخر الاصفرار، ويسن تعجيلها في أول الوقت، وهي الصلاة الوسطى التي نصَّ الله عليها في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨].\nوقد أمر النبي - ﷺ - بالمحافظة عليها، فقال: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وُترَ أهله وماله) (٤). وقال أيضًا: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٦١٢)\n(٢) يعني: قرب صلاة العصر.\n(٣) رواه مسلم برقم (٦١٥)، والبخاري برقم (٥٣٣ - ٥٣٤).\n(٤) متفق عليه: البخاري برقم (٥٥٢)، ومسلم برقم (٦٢٦) (٢٠١) واللفظ لمسلم. ومعنى (وتر أهله وماله): انتزع منه أهله وماله، أو: فقد أهله وماله.\n(٥) رواه البخاري برقم (٥٥٣).","vol":"1","page":48},{"text":"ووقت صلاة المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشَّفَقِ (١) الأحمر؛ لقوله - ﷺ -: (وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) (٢). ويسن تعجيلها في أول وقتها؛ لقوله - ﷺ -: (لا تزال أمتي بخير، ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم) (٣)، إلا ليلة المزدلفة للمحرم بالحج، فيسنُّ تأخيرها حتى تصلى مع العشاء جمع تأخير.\nأما صلاة العشاء فيبدأ وقتها من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل، لقوله - ﷺ -: (وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط) (٤). ويستحب تأخيرها إلى آخر الوقت المختار ما لم تكن مشقة، ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها لغير مصلحة؛ لحديث أبي برزة - ﵁ - (أن رسول الله - ﷺ - كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها) (٥).\nووقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، ويستحب تعجيلها إذا تحقق طلوع الفجر.\nهذه هي الأوقات التي يشرع أداء الصلوات الخمس فيها، فيجب على المسلمين التقيد بذلك، والمحافظة عليها في وقتها، وترك تأخيرها؛ لأن الله توعد الذين يؤخرونها عن وقتها فقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون: ٤ - ٥]. وقال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: ٥٩]. والغيُّ: هو العذاب الشديد المضاعف والشر والخيبة في جهنم عياذًا بالله.\nوأداء الصلوات في أوقاتها من أحب الأعمال إلى الله، وأفضلها، فقد سئل النبي - ﷺ -: أيُّ العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) (٦).\n_________\n(١) الشفق: الحمرة التي تكون من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وترى هذه الحمرة بعد سقوط الشمس.\n(٢) رواه مسلم برقم (١٧٣) (١/ ٤٢٧)، وهو جزء من حديث المواقيت الطويل.\n(٣) رواه أحمد (٤/ ١٧٤)، وأبو داود برقم (٤١٨)، والحاكم (١/ ١٩٠ - ١٩١) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\n(٤) رواه مسلم برقم (١٧٣) وهو جزء من حديث المواقيت الطويل (١/ ٤٢٧).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٥٦٨)، ومسلم برقم (٦٤٧).\n(٦) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٥٢٧)، ومسلم برقم (٨٥) (١٣٩).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الباب الرابع: في شروط الصلاة، وأركانها، وأدلة ذلك، وحكم تاركها</span>.\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المسألة الأولى: في عدد الصلوات المكتوبة:</span>\nعدد الصلوات المكتوبة خمس، وهي: الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء. وهي مجمع عليها، وقد دلّ على ذلك حديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيًا قال: يا رسول الله ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ قال: (خمس صلوات في اليوم والليلة .. الحديث) (١)، وحديث أنس - ﵁ - في قصة الرجل من أهل البادية، وقوله للنبي - ﷺ -: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال - ﷺ -: (صدق) ... الحديث (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>المسألة الثانية: على من تجب</span>؟\nتجب على المسلم البالغ العاقل، غيرَ الحائض والنفساء، ويؤمر بها الصبي إذا بلغ سبع سنين، ويُضرب عليها لعشر؛ لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة)، فذكر منها: (وعن الصَّبيِّ حتى يحتلم)، ولقوله - ﷺ -: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المسألة الثالثة: في شروطها (٤):</span>\nوشروطها تسعة:\n١ - الإسلام: فلا تصح من كافر؛ لبطلان عمله.\n٢ - العقل: فلا تصح من مجنون؛ لعدم تكليفه.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١١).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٢).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٢٠١)، وأبو داود برقم (٤٩٤)، والترمذي برقم (٤٠٧) وقال: \"حديث حسن\"، وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٠١)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٢٤٧).\n(٤) وهي التي يتوقف عليها صحة الصلاة.","vol":"1","page":50},{"text":"٣ - البلوغ: فلا تجب على الصبي حتى يبلغ، ولكن يؤمر بها لسبع، ويُضرب عليها لعشر؛ لحديث: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع ...) الحديث.\n٤ - الطهارة من الحَدَثين (١) مع القدرة: لقوله - ﷺ - في حديث ابن عمر: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (٢).\n٥ - دخول الوقت للصلاة المؤقتة: لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء: ١٠٣]، ولحديث جبريل حين أمّ النبي - ﷺ - بالصلوات الخمس، ثم قال: (ما بين هذين الوقتين وقت) (٣). فلا تصح الصلاة قبل دخول وقتها، ولا بعد خروجه، إلا لعذر.\n٦ - ستر العورة مع القدرة بشيء لا يصف البشرة: لقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١]. وقوله - ﷺ -: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (٤). وعورة الرجل البالغ ما بين السرة والركبة لقوله - ﷺ - لجابر - ﵁ -: (إذا صليت في ثوب واحد، فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به) (٥). والأولى والأفضل أن يجعل على عاتقه شيئًا من الثياب؛ لأن النبي - ﷺ - نهى الرجل أن يصلي في الثوب ليس على عاتقه منه شيء. والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، إلا إذا صلَّت أمام الأجانب -أي غير المحارم- فإنها تغطي كل شيء؛ لقوله - ﷺ -: (المرأة عورة) (٦)، وقوله - ﷺ -: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار).\n٧ - اجتناب النجاسة في بدنه وثوبه وبقعته -أي مكان صلاته- مع القدرة:\n_________\n(١) الأكبر والأصغر\n(٢) رواه مسلم برقم (٢٢٤).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٣٣٠)، والنسائي (١/ ٩١)، والترمذي برقم (١٥٠) وهو حديث صحيح (إرواء الغليل برقم ٢٥٠).\n(٤) رواه أبو داود برقم (٦٢٧)، والترمذي برقم (٣٧٥)، وابن ماجه برقم (٦٥٥)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٩٦). والمقصود بالحائض: التي بلغت سن التكليف.\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٣٦١)، ومسلم برقم (٣٠١٠).\n(٦) رواه الترمذي برقم (٣٩٧)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٢٧٣).","vol":"1","page":51},{"text":"لقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: ٤]. وقوله - ﷺ -: (تَنَزَّهوا عن البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه) (١)، ولقوله - ﷺ - لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: (تحتُّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه) (٢)، لقوله - ﷺ - لأصحابه وقد بال الأعرابي في المسجد: (أريقوا على بوله سجلًا من ماء) (٣).\n٨ - استقبال القبلة مع القدرة: لقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة: ١٤٤]، ولحديث: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة) (٤).\n٩ - النية: ولا تسقط بحال؛ لحديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات). ومحلها القلب، وحقيقتها العزم على الشيء. ولا يشرع التلفظ بها؛ لأن النبي - ﷺ - لم يتلفظ بها، ولم يَرِدْ أن أحدًا من أصحابه فعل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المسألة الرابعة: في أركانها:</span>\nالأركان: هي ما تتكون منها العبادات، ولا تصح العبادة إلا بها. والفرق بينها وبين الشروط: أن الشرط يتقدم على العبادة، ويستمر معها، وأما الأركان: فهي التي تشتمل عليها العبادة من أقوال وأفعال.\nوأركانها أربعة عشر ركنًا، لا تسقط عمدًا، ولا سهوًا، ولا جهلًا. وبيانها كما يلي:\n١ - القيام: في الفرض على القادر منتصبًا؛ لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]، ولقوله - ﷺ - لعمران بن حصين: (صَل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (٥)، فإن ترك القيام في الفريضة لعذر، كمرض وخوف وغير ذلك، فإنه يُعذر بذلك، ويصلي حسب حاله قاعدًا أو على جنب.\n_________\n(١) رواه الدارقطني (١/ ٩٧) برقم (٤٥٣)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٢٨٠).\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٢٧)، ومسلم برقم (٢٩١).\n(٣) رواه البخاري برقم (٢٢٠).\n(٤) رواه البخاري برقم (٦٢٥١)، ومسلم برقم (٣٩٧).\n(٥) رواه البخاري برقم (١١١٧).","vol":"1","page":52},{"text":"أما صلاة النافلة: فإن القيام فيها سنة وليس ركنًا، لكن صلاة القائم فيها أفضل من صلاة القاعد؛ لقوله - ﷺ -: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم) (١).\n٢ - تكبيرة الإحرام في أولها: وهي قول (الله أكبر) لا يُجْزئه غيرها؛ لقوله - ﷺ - للمسيء الصلاة: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) (٢)، وقوله - ﷺ -: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (٣)، فلا تنعقد الصلاة بدون التكبير.\n٣ - قراءة الفاتحة مرتبة في كل ركعة: لقوله - ﷺ -: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٤). ويستثنى من ذلك المسبوق: إذا أدرك الإمام راكعًا، أو أدرك من قيامه ما لم يتمكن معه من قراءة الفاتحة، وكذا المأموم في الجهرية، يُستثنى من قراءتها، لكن لو قرأها في سكتات الإمام فإن ذلك أولى؛ أخذًا بالأحوط.\n٤ - الركوع في كل ركعة: لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) [الحج: ٧٧]. ولقوله - ﷺ - للمسيء الصلاة: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) (٥).\n٥، ٦ - الرفع من الركوع والاعتدال منه قائمًا: لقوله - ﷺ - في حديث المسيء: (واركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا).\n٧ - السجود: لقوله تعالى: (وَاسْجُدُوا) [الحج: ٧٧]، ولقوله - ﷺ - في حديث المسيء: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا). ويكون السجود في كل ركعة مرتين على الأعضاء السبعة المذكورة في حديث ابن عباس. وفيه: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين) (٦).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٧٣٥).\n(٢) رواه البخاري برقم (٧٩٣)، ومسلم برقم (٣٩٧).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٦١)، وابن ماجه برقم (٢٧٥)، والترمذي برقم (٣)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه برقم ٢٢٤).\n(٤) رواه البخاري برقم (٧٥٦)، ومسلم برقم (٣٩٤).\n(٥) رواه البخاري برقم (٦٢٥١)، ومسلم برقم (٣٩٧).\n(٦) رواه البخاري (٨٠٩)، ومسلم برقم (٤٩٠) - ٢٣٠. واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":53},{"text":"٨، ٩ - الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين: لقوله - ﷺ - للمسيء: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).\n١٠ - الطمأنينة في جميع الأركان: وهي السكون، وتكون بقدر القول الواجب في كل ركن؛ لأمره - ﷺ - المسيء بها في صلاته في جميع الأركان، ولأمره له بإعادة الصلاة لتركه الطمأنينة فيها.\n١١ - التشهد الأخير: لقول ابن مسعود - ﵁ -: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده). فقال النبي - ﷺ -: (لا تقولوا السلام على الله، ولكن قولوا: التحيات لله) (١). فدل قوله - ﵁ -: \"قبل أن يفرض\" على أنه فرض.\n١٢ - الجلوس للتشهد الأخير: لأنه - ﷺ - فعله، وداوم عليه، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٢).\n١٣ - التسليم: لقوله - ﷺ -: (وتحليلها التسليم) (٣)، فيقول عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله.\n١٤ - ترتيب الأركان على ما تقدَّم بيانه: لأن النبي - ﷺ - فعلها مرتبة، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وعَلَّمَهَا المسيء في صلاته بقوله: (ثم) التي تدل على الترتيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المسألة الخامسة: في واجباتها:</span>\nوواجباتها ثمانية، تبطل الصلاة بتركها عمدًا، وتسقط سهوًا وجهلًا، ويجب للسهو عنها سجود السهو، فالفرق بينها وبين الأركان: أن من نسي ركنًا لم تصح صلاته إلا بالإتيان به، أمَّا من نسي واجبًا أجزأ عنه سجود السهو، فالأركان أوكد من الواجبات. وبيانها على النحو الآتي:\n١ - جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وهو ما يسمى بتكبير الانتقال.\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٢/ ٢٤٠)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٣١٩).\n(٢) رواه البخاري برقم (٦٣١).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٦١)، والترمذي برقم (٣)، وابن ماجه برقم (٢٧٥)، وتقدم في الصفحة السابقة.","vol":"1","page":54},{"text":"لقول ابن مسعود: (رأيت النبي - ﷺ - يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود) (١)، فقد واظب النبي - ﷺ - عليه إلى أن مات، وقد قال - ﷺ -: (صلوا كما رأيتموني أصلي).\n٢ - قول: \"سمع الله لمن حمده\" للإمام والمنفرد: لحديث أبي هريرة: (كان رسول الله - ﷺ - يكبر حين يقوم إلى الصلاة، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد) (٢).\n٣ - قول: \"ربنا ولك الحمد\" للمأموم فقط، أما الإمام والمنفرد فيسن لهما الجمع بينهما؛ لحديث أبي هريرة المتقدم، ولحديث أبي موسى وفيه: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد) (٣).\n٤ - وقول: \"سبحان ربي العظيم\" مرة في الركوع.\n٥ - قول: \"سبحان ربي الأعلى\" مرة في السجود. لقول حذيفة في حديثه: (كان -يعني النبي (ﷺ) - يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم. وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى) (٤). وتسنُّ الزيادة في التسبيح في السجود والركوع إلى ثلاث.\n٦ - قوله: \"ربِّ اغفر لي\" بين السجدتين: لحديث حذيفة: أن النبي - ﷺ - كان يقول بين السجدتين: (رب اغفر لي. رب اغفر لي) (٥).\n٧ - التشهد الأول على غير من قام إمامه سهوًا، فإنه لا يجب عليه لوجوب متابعته؛ لأن النبي - ﷺ - لما نسي التشهد الأول لم يَعُدْ إليه، وجبره بسجود\n_________\n(١) رواه النسائي (٢/ ٢٠٥)، والترمذي برقم (٢٥٣) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٢٠٨).\n(٢) رواه مسلم (١/ ٢٩٣) برقم (٢٨).\n(٣) رواه مسلم برقم (٤٠٤)، وأحمد (٤/ ٣٩٩)،.\n(٤) رواه الخمسة: أبو داود برقم (٨٧٤)، والترمذي برقم (٢٦٢) وقال: حسن صحيح، والنسائي (١/ ١٧٢)، وابن ماجه برقم (٨٩٧)، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ١٠٩٧).\n(٥) رواه النسائي (١/ ١٧٢)، وابن ماجه برقم (٨٩٧)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٣٣٥).","vol":"1","page":55},{"text":"السهو (١). والتشهد الأول هو: \"التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\".\n٨ - الجلوس له -أي التشهد الأول- لحديث ابن مسعود مرفوعًا: (إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله) (٢). ولحديث رفاعة بن رافع: (فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المسألة السادسة: في سننها:</span>\nوهي نوعان: سنن أفعال وسنن أقوال.\nأما سنن الأفعال: فكرفع اليدين مع تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه وحطهما عقب ذلك؛ لأن مالك بن الحويرث كان إذا صلَّى كبَّر، ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه.\nوحَدَّثَ أن رسول الله - ﷺ - صنع ذلك (٤). ووضع اليمين على الشمال وجعلهما على صدره حال قيامه، ونظره في موضع سجوده، وتفرقته بين قدميه قائمًا، وقبض ركبتيه بيديه مفرجتي الأصابع في ركوعه، ومد ظهره فيه، وجعل رأسه حياله.\nوأما سنن الأقوال: فكدعاء الاستفتاح، والبسملة، والتعوذ، وقول: آمين، والزيادة على قراءة الفاتحة، والزيادة على تسبيح الركوع والسجود، والدعاء بعد التشهد قبل السلام.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٢٣٠)، ومسلم برقم (٥٧٠).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٤٣٧)، والنسائي (١/ ١٧٤)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٣٣٦).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٨٥٦)، وحسنه الألباني (الإرواء برقم ٣٣٧).\n(٤) أخرجه مسلم برقم (٣٩١).","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة السابعة: مبطلاتها:</span>\nيبطل الصلاة أمور نجملها فيما يأتي:\n١ - يبطل الصلاة ما يبطل الطهارة؛ لأن الطهارة شرط لصحتها، فإذا بطلت الطهارة بطلت الصلاة.\n٢ - الضحك بصوت: وهو القهقهة، فإنه يبطلها بالإجماع؛ لأنه كالكلام، بل أشد، ولما في ذلك من الاستخفاف والتلاعب المنافي لمقصود الصلاة. أما التبسم بلا قهقهة فإنه لا يبطلها، كما نقله ابن المنذر وغيره.\n٣ - الكلام عمدًا لغير مصلحة الصلاة: فعن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]. فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (١). فإن تكلم جاهلًا أو ناسيًا، لا تبطل صلاته.\n٤ - مرور المرأة البالغة، أو الحمار، أو الكلب الأسود بين يدي المصلي دون موضع سجوده: لقوله - ﷺ -: (إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخِرَةِ الرَّحْلِ، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود) (٢). والرَّحْلُ: هو ما يركب عليه على الإبل، وهو كالسرج للفرس، ومؤخرة الرحل مقدارها ذراع، فيكون هذا المقدار هو المجزئ في السترة.\n٥ - كشف العورة عمدًا: لما تقدم في الشروط.\n٦ - استدبار القبلة: لأن استقبالها شرط لصحة الصلاة.\n٧ - اتصال النجاسة بالمصلي، مع العلم بها، وتذكرها إذا لم يُزلها في الحال.\n٨ - ترك ركن من أركانها أو شرط من شروطها عمدًا بدون عذر.\n٩ - العمل الكثير من غير جنسها لغير ضرورة، كالأكل والشرب عمدًا.\n١٠ - الاستناد لغير عذر، لأن القيام شرط لصحتها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٢٠٠)، ومسلم برقم (٥٣٩).\n(٢) رواه مسلم برقم (٥١٠).","vol":"1","page":57},{"text":"١١ - تعمُّد زيادة ركن فعلي كالزيادة في الركوع والسجود؛ لأنه يخل بهيئتها، فتبطل إجماعًا.\n١٢ - تعمُّد تقديم بعض الأركان على بعض؛ لأن ترتيبها ركن، كما تقدم.\n١٣ - تعمُّد السلام قبل إتمامها.\n١٤ - تعمُّد إحالة المعنى في القراءة، أي قراءة الفاتحة؛ لأنها ركن.\n١٥ - فسخ النية بالتردد بالفسخ، وبالعزم عليه؛ لأن استدامة النية شرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المسألة الثامنة: ما يكره (١) في الصلاة:</span>\nيكره في الصلاة الأمور التالية:\n١ - الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأوليين، لمخالفة ذلك لسنة النبي - ﷺ - وهديه في الصلاة.\n٢ - تكرار الفاتحة: لمخالفة ذلك -أيضًا- لسنة النبي - ﷺ -، لكن إن كررها لحاجة؛ كأن يكون فاته الخشوع وحضور القلب عند قراءتها، فأراد تكرارها ليحضر قلبه، فلا بأس بذلك، لكن بشرط ألا يَجُرَّهُ ذلك إلى الوسواس.\n٣ - يكره الالتفات اليسير في الصلاة بلا حاجة: لقوله - ﷺ - حين سئل عن الالتفات في الصلاة: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) (٢).\nوالاختلاس: السرقة والنهب.\nأما إذا كان الالتفات لحاجة فلا بأس به، كمن احتاج إلى أن يتفُل عن يساره في الصلاة ثلاثًا إذا أصابه الوسواس، فهذا التفات لحاجة، أمر به النبي - ﷺ -، وكمن خافت على صبيّها الضياع، فصارت تلتفت في الصلاة؛ ملاحِظة له.\nهذا كله في الالتفات اليسير، أما إذا التفت الشخص بكليته أو استدبر القبلة، فإنه تبطل صلاته، إذا كان ذلك بغير عذر من شدة خوف ونحوه.\n_________\n(١) الكراهة في اصطلاح الفقهاء: هي النهي عن الشيء من غير إلزام بالترك. وحكم المكروه: أنه يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله، ويجوز فعله عند الحاجة من غير اضطرار.\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٧٥١).","vol":"1","page":58},{"text":"٤ - تغميض العينين في الصلاة: لأن ذلك يشبه فعل المجوس عند عبادتهم النيران. وقيل: يشبه فعل اليهود أيضًا، وقد نُهينا عن التشبه بالكفار.\n٥ - افتراش الذراعين في السجود: لقوله - ﷺ -: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) (١). فينبغي للمصلي أن يجافي بين ذراعيه، ويرفعهما عن الأرض، ولا يتشبه بالحيوان.\n٦ - كثرة العبث في الصلاة: لما فيه من انشغال القلب المنافي للخشوع المطلوب في الصلاة.\n٧ - التَخَصُّرُ: لحديث أبي هريرة - ﵁ -: (نُهي أن يصلي الرجل مختصرًا) (٢). والتخصُّر والاختصار في الصلاة: وَضْعُ الرجل يده على الخَصْرِ والخاصِرَة، وهي وسط الإنسان المُستَدقّ فوق الوركين. وقد عللت عائشة رضي الله تعالى عنها الكراهة: بأن اليهود تفعله (٣).\n٨ - السَّدْلُ وتغطية الفم في الصلاة: لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه) (٤). والسدل: أن يطرح المصلي الثوب على كتفيه، ولا يردَّ طرفيه على الكتفين. وقيل: إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، فيكون بمعنى الإسبال.\n٩ - مسابقة الإمام: لقوله - ﷺ -: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار) (٥).\n١٠ - تشبيك الأصابع: لنهيه - ﷺ - من توضأ وأتى المسجد يريد الصلاة عن فعل ذلك (٦)، فكراهته في الصلاة من باب أولى. والتشبيك بين الأصابع: إدخال\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٨٢٢).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٢٢٠).\n(٣) روى ذلك عنها مسروق، أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٥٨).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (٦٤٣)، والترمذي برقم (٣٧٩)، وحسنه الألباني (صحيح سنن الترمذي رقم ٣١٢).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٦٩١)، ومسلم برقم (٤٢٧).\n(٦) أخرجه الحاكم (١/ ٢٠٦) وصححه، ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني (الإرواء ٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":59},{"text":"بعضها في بعض. وأما التشبيك خارج الصلاة فلا كراهة فيه، ولو كان في المسجد، لِفِعْله - ﷺ - إياه في قصة ذي اليدين.\n١١ - كَفُّ الشعر والثوب: لحديث ابن عباس ﵄ قال: (أُمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعظم، ولا يكفَّ ثوبه ولا شعره) (١). والكفّ: قد يكون بمعنى الجمع، أي: لا يجمعهما ويضمهما، وقد يكون بمعنى المنع، أي: لا يمنعهما من الاسترسال حال السجود. وكله من العبث المنافي للخشوع في الصلاة.\n١٢ - الصلاة بحضرة الطعام، أو وهو يدافع الأخبثين: لقوله - ﷺ -: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) (٢). أما كراهة الصلاة بحضرة الطعام: فذلك مشروط بتوقان نفسه إليه ورغبته فيه، مع قدرته على تناوله، وكونه حاضرًا بين يديه. فلو كان الطعام حاضرًا، لكنه صائم، أو شبعان لا يشتهيه، أو لا يستطيع تناوله لشدة حرارته، ففي ذلك كله لا يكره له الصلاة بحضرته. وأما الأخبثان: فهما البول والغائط. وقد نهي عن ذلك كله؛ لما فيه من انشغال قلب المصلي، وتشتت فكره، مما ينافي الخشوع في الصلاة. وقد يتضرر بحبس البول والغائط ومدافعتهما.\n١٣ - رفع البصر إلى السماء: لقوله - ﷺ -: (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المسألة التاسعة: حكم تارك الصلاة:</span>\nمن ترك الصلاة جاحِدًا لوجوبها، فهو كافر مرتد، لأنه مُكذِّبٌ لله ورسوله وإجماع المسلمين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٨١٥)، ومسلم برقم (٤٩٠).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (٥٦٠).\n(٣) رواه مسلم برقم (٤٢٩).","vol":"1","page":60},{"text":"أمَّا من تركها تهاونًا وكسلًا: فالصحيح أنه كافر إذا كان تاركًا لها دائمًا وبالكلية، لقوله تعالى عن المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [التوبة: ١١]. فدلَّ على أنهم إن لم يحققوا شرط إقامة الصلاة فليسوا بمسلمين، ولا إخوة لنا في الدين. ولقوله - ﷺ -: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (١). وقوله - ﷺ -: (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر تَرْكَ الصلاة) (٢).\nأمَّا من كان يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا، أو يصلي فرضًا أو فرضين، فالظاهر أنه لا يكفر؛ لأنه لم يتركها بالكلية، كما هو نص الحديث: (ترك الصلاة) فهذا ترك (صلاة) لا (الصلاة). والأصل بقاء الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين، فما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين (٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي برقم (٢١٢٦)، والنسائي (١/ ٢٣١)، وأحمد (٥/ ٣٤٦)، والحاكم (١/ ٦، ٧). قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٢١١٣).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (٨٢).\n(٣) انظر: الشرح الممتع. (٢/ ٢٤ - ٢٨).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الباب الخامس: في صلاة التطوع، وفيه مسائل:</span>\nوالمراد بالتطوع: كل طاعة ليست بواجبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المسألة الأولى: فضلها، والحكمة من مشروعيتها:</span>\n١ - فضلها: التطوع بالصلاة من أفضل القربات بعد الجهاد في سبيل الله وطلب العلم؛ لمداومة النبي - ﷺ - على التقرب إلى ربه بنوافل الصلوات، ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ...) (١) الحديث.\n٢ - الحكمة من مشروعيتها: وقد شرع سبحانه التطوع رحمة بعباده، فجعل لكل فرض تطوعًا من جنسه؛ ليزداد المؤمن إيمانًا ورفعة في الدرجات بفعل هذا التطوع، ولتكمل الفرائض، وتجبر يوم القيامة بهذا التطوع؛ فإن الفرائض يعتريها النقص، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: (إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة، فإن أتمها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة منْ تطوُّعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسألة الثانية: في أقسامها:</span>\nصلاة التطوع على نوعين:\nالنوع الأول: صلوات مؤقتة بأوقات معينة، وتسمى بالنوافل المقيدة، وهذه منها ما هو تابع للفرائض، كالسنن الرواتب، ومنها ما ليس بتابع كصلاة الوتر، والضحى والكسوف.\n_________\n(١) أخرجه البغوي في شرح السنة (٥/ ٢١ برقم ١٢٤٩)، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة برقم ١٦٤٠).\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٦٨٤)، والنسائي برقم (٤٦٦، ٤٦٧)، وابن ماجه برقم (١٤٢٥) قال البغوي: حديث حسن (شرح السنة ٤/ ١٥٩)، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ٤٥١ - ٤٥٣) واللفظ لابن ماجه.","vol":"1","page":62},{"text":"النوع الثاني: صلوات غير مؤقتة بأوقات معينة، وتسمى بالنوافل المطلقة.\nوالنوع الأول أنواع متعددة بعضها آكد من بعض، وآكد أنواعه الكسوف، ثم الوتر، ثم صلاة الاستسقاء، ثم صلاة التراويح، وأما النوع الثاني فيشرع في الليل كله، وفي النهار -ما عدا أوقات النهي- وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المسألة الثالثة: ما تُسَنُّ له الجماعة من صلاة التطوع:</span>\nتسن صلاة الجماعة: للتراويح، والاستسقاء، والكسوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المسألة الرابعة: في عدد الرواتب:</span>\nوالرواتب: جمع راتبة، وهي الدائمة المستمرة، وهي التابعة للفرائض.\nوفائدة هذه الرواتب أنها تجبر الخلل والنقص الذي يقع في الفرائض، كما مضى بيانه.\nوعدد الرواتب عشر ركعات، وهي المذكورة في حديث ابن عمر: (حفظت عن رسول الله - ﷺ - ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة، كانت ساعة لا أدخل على النبي - ﷺ - فيها، فحدثتني حفصة أنه كان إذا طلع الفجر، وأذَّن المؤذن، صلَّى ركعتين) (١).\nويتأكد للمسلم أن يحافظ على ثنتي عشرة ركعة؛ لقول النبي - ﷺ -: (ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة، إلا بنى الله له بيتًا -أو: (لا بُنِيَ له بيت- في الجنة) (٢).\nوهي العشر المذكورة سابقًا، إلا أنه يكون قبل الظهر أربع ركعات، فقد زاد\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١١٨٠) ورقم (١١٨١)، ومسلم برقم (٧٢٩).\n(٢) رواه مسلم برقم (٧٢٨) من حديث أم حبيبة ﵂.","vol":"1","page":63},{"text":"الترمذي في رواية حديث أم حبيبة الماضي: (أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر) (١)، ولما ثبت في الصحيح من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان النبي - ﷺ - لا يدع أربعًا قبل الظهر) (٢).\nوآكد هذه الرواتب: ركعتا الفجر -وهما سنة الفجر القبلية- لقوله - ﷺ -: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) (٣). ولقول عائشة -﵂- عن هاتين الركعتين: (ولم يكن يدعهما أبدًا) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسألة الخامسة: حكم الوتر وفضله ووقته:</span>\nحكمه: سنة مؤكدة، حثَّ عليه الرسول - ﷺ - ورغَّب فيه، فقال - ﷺ -: (إن الله وتر يحب الوتر) (٥). وقال - ﷺ -: (يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر) (٦).\nووقته: ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر بإجماع العلماء؛ لفعله - ﷺ -، ولقوله: (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: صلاة الوتر، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر) (٧).\nفإذا طلع الفجر فلا وتر، لقوله - ﷺ -: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى) (٨). فهذا دليل على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر.\n_________\n(١) جامع الترمذي برقم (٤١٥). وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني (صحيح سنن الترمذي برقم ٨٣٣، ٨٣٩).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١١٨٢).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٧٢٥).\n(٤) أخرجه البخاري برقم (١١٥٩).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٦٤١٠)، ومسلم برقم (٢٦٧٧).\n(٦) رواه أبو داود برقم (١٤١٦)، وصححه الألباني (التعليق على ابن خزيمة برقم (١٠٦٧).\n(٧) أخرجه أبو داود برقم (١٤١٨)، والترمذي برقم (٤٥٢)، والحاكم (١/ ٣٠٦) وصححه ووافقه الذهبي.\nوقال الألباني: صحيح دون قوله: (هي خير لكم من حمر النعم) (صحيح الترمذي برقم ٣٧٣).\n(٨) أخرجه البخاري برقم (٩٩٠).","vol":"1","page":64},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: (وأصرح منه -يعني في الدلالة- ما رواه أبو داود والنسائي، وصححه أبو عوانة وغيره ... أن ابن عمر كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا؛ فإن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر) (١).\nوصلاة الوتر آخر الليل أفضل منه في أوله، لكن يستحب تعجيله أول الليل لمن ظن أنه لا يقوم آخر الليل، وتأخيره لمن ظن أنه يقوم آخر الليل؛ لما رواه جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>المسألة السادسة: صفة الوتر وعدد ركعاته:</span>\nالوتر أقله ركعة واحدة، لحديث ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: (الوتر ركعة من آخر الليل) (٣). ولحديث ابن عمر الماضي قريبًا: (صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى).\nويجوز الوتر بثلاث ركعات؛ لحديث عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - كان (يصلِّي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصَلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلِّي ثلاثًا) (٤).\nوتجوز هذه الثلاث بسلامين؛ لأن عبد الله بن عمر ﵄: (كان يُسَلِّم من ركعتين حتى يأمر ببعض حاجته) (٥). وتجوز سردًا بتشهد واحد وسلام واحد؛ لحديث عائشة ﵂: (كان النبي - ﷺ - يوتر بثلاث لا\n_________\n(١) فتح الباري (٢/ ٥٥٧).\n(٢) رواه مسلم برقم (٧٥٥).\n(٣) رواه مسلم برقم (٧٥٣،٧٥٢).\n(٤) رواه مسلم برقم (٧٣٨).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٩٩١).","vol":"1","page":65},{"text":"يقعد إلا في آخرهن) (١). ولا تصلَّى بتشهدين وسلام واحد؛ حتى لا تُشْبه صلاة المغرب، وقد نهى - ﷺ - عن ذلك (٢).\nويجوز الوتر بسبع ركعات وبخمس، لا يجلس إلا في آخرها؛ لحديث عائشة ﵂: (كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شىء إلا في آخرها) (٣)، ولحديث أم سلمة ﵂: (كان رسول الله - ﷺ - يوتر بسبع أو بخمس، لا يفصل بينهن بتسليم ولا كلام) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة السابعة: الأوقات المنهي عن النافلة فيها:</span>\nهناك أوقات نهي عن صلاة التطوع فيها إلا ما استثني، وهي أوقات خمسة:\nالأول: من بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. لقوله - ﷺ -: (لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) (٥).\nالثاني: من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح في رأي العين، وهو قدر متر تقريبًا، ويقدر بالوقت بحوالي ربع الساعة أو ثلثها. فإذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها قدر رمح فقد انتهى وقت النهي؛ لقوله - ﷺ - لعمرو بن عبسة: (صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع ...) (٦)، ولحديث عقبة بن عامر الآتي.\n_________\n(١) أخرجه النسائي برقم (١٦٩٨) (٣/ ٢٣٤)، والحاكم (١/ ٣٠٤)، والبيهقي (٣/ ٢٨) -واللفظ له-، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال النووي: رواه النسائي بإسناد حسن، والبيهقي بإسناد صحيح. (المجموع ٤/ ١٧ - ١٨).\n(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٤ - ٢٥)، والحاكم (١/ ٣٠٤)، والبيهقي (٣/ ٣١). قال الدارقطني عن رواته: كلهم ثقات. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٥٨): إسناده على شرط الشيخين.\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٧٣٧).\n(٤) أخرجه ابن ماجه برقم (١١٩٢)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه برقم ٩٨٠).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٥٨٦)، ومسلم برقم (٨٢٧) واللفظ لمسلم.\n(٦) أخرجه مسلم برقم (٨٣٢).","vol":"1","page":66},{"text":"والثالث: عند قيام الشمس (١) حتى تزول إلى جهة الغرب ويدخل وقت الظهر، لحديث عقبة بن عامر: (ثلاث ساعات كان النبي - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تَتَضَيَّف للغروب حتى تغرب) (٢). ومعنى تتضيف للغروب: تميل للغروب.\nوالرابع: من صلاة العصر إلى غروب الشمس (٣) لقوله - ﷺ -: (لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس) (٤).\nوالوقت الخامس: إذا شرعت في الغروب حتى تغيب كما تقدم في الحديث؛ فتكون هذه الأوقات الخمسة محصورة في ثلاثة أوقات وهي: من بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قدر رمح، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، ومن بعد صلاة العصر حتى يتم غروب الشمس.\nأما حكمة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات: فقد بيَّن النبي - ﷺ - أن الكفار يعبدون الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فتكون صلاة المسلم في تلك الأوقات فيها مشابهة لهم، ففي حديث عمرو بن عبسة: (فإنها -أي الشمس- تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار ... فإنها تغرب حين تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار) (٥).\nهذا عن وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، وأما عن وقت ارتفاعها وقيام قائم الظهيرة، فقد بَيَّن - ﷺ - علة النهي في الحديث السابق نفسه فقال: (فإن حينئذٍ تُسْجَرُ جهنم) (٦).\n_________\n(١) يعني: منتهى ارتفاعها، لأن الشمس ترتفع في الأفق، فإذا انتهت بدأت بالانخفاض.\n(٢) رواه مسلم برقم (٨٣١).\n(٣) يعني: شروعها في الغروب.\n(٤) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٥٨٦)، ومسلم برقم (٨٢٧).\n(٥) صحيح مسلم برقم (٨٣٢) وقد تقدم.\n(٦) المصدر السابق.","vol":"1","page":67},{"text":"فلا تجوز صلاة التطوع في هذه الأوقات إلا ما ورد الدليل باستثنائه؛ كركعتي الطواف، لقوله - ﷺ -: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلَّى فيه، أية ساعة شاء، من ليل أو نهار) (١). وكذا قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، وقضاء سنة الظهر بعد العصر، ولا سيما إذا جمع الظهر مع العصر، وكذلك فعل ذوات الأسباب من الصلوات؛ كصلاة الجنازة، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وكذلك قضاء الفرائض الفائتة في هذه الأوقات؛ لعموم قوله - ﷺ -: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (٢)، ولأن الفرائض دَيْنٌ واجب الأداء، فتؤدَّى متى ذكرها الإنسان.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (١٨٩٤)، والترمذي برقم (٨٦٨)، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه برقم (١٢٥٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٤٨) وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ١٠٣٦).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (٦٨٤).","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>الباب السادس: في سجود السهو والتلاوة والشكر، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المسألة الأولى: في مشروعية سجود السهو وأسبابه:</span>\nوالمراد به: السجود المطلوب في آخر الصلاة جبرًا لنقص فيها أو زيادة أو شك.\nوسجود السهو مشروع؛ لقوله - ﷺ -: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (١)، ولفعله - ﷺ -، كما سيأتي بيانه.\nوقد أجمع أهل العلم على مشروعية سجود السهو.\nوأسبابه ثلاثة: الزيادة، والنقص، والشك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المسألة الثانية: متى يجب</span>؟\nيجب سجود السهو لما يأتي:\n١ - إذا زاد فعلًا من جنس الصلاة، كأن يزيد ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا ولو قدر جلسة الاستراحة؛ لحديث ابن مسعود: (صلى بنا الرسول - ﷺ - خمسًا فلما انفتل من الصلاة تَوَشْوَش (٢) القوم بينهم فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: يا رسول الله هل زيد في الصلاة شيء؟ قال: لا. قالوا: فإنك صَلَّيت خمسًا. فانْفَتَلَ (٣)، فسجد سجدتين، ثم سلَّم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (٤). فإذا علم بالزيادة وهو في الصلاة وجب عليه الجلوس حال علمه، حتى لو كان في أثناء الركوع، لأنه لو استمر في الزيادة مع علمه لزاد في الصلاة شيئًا عمدًا، وهذا لا يجوز.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٥٧٢) - ٩٢.\n(٢) ويقال بالسين المهملة (توسوس)، والوشوشة: صوت في اختلاط.\n(٣) أي: انصرف ورجع إلى القبلة.\n(٤) رواه مسلم، برقم (٥٧٢) - ٩٢.","vol":"1","page":69},{"text":"٢ - أو سلم قبل إتمام صلاته؛ لحديث عمران بن حصين قال: (سلم رسول الله - ﷺ - في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة؟ فخرج، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم) (١).\n٣ - أو لحن لحنًا يحيل المعنى سهوًا؛ لأن عمده يبطل الصلاة، فوجب سجود السهو.\n٤ - أو ترك واجبًا؛ لحديث ابن بحينة قال: (صلى لنا رسول الله - ﷺ - ركعتين من بعض الصلوات ثم قام فلم يجلس (٢)، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلَّم) (٣). ثبت هذا بالخبر فيمن ترك التشهد الأوسط، فيقاس عليه سائر الواجبات، كترك التسبيح في الركوع والسجود، وقوله بين السجدتين: ربِّ اغفر لي، وتكبيرات الانتقال.\n٥ - ويجب سجود السهو إذا شك في عدد الركعات فلم يدر كم صلى؟\nوذلك أثناء الصلاة؛ لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا في كونه منها أو زائدًا عليها، فضعفت النية، واحتاجت للجبر بالسجود؛ لعموم حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبسَ عليه، حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس) (٤). وهو في هذه الحالة بين أمرين: إمَّا أن يكون الشك بدون ترجيح لأحد الاحتمالين، ففي هذه الحالة يأخذ بالأقل ويبني عليه، ويسجد للسهو؛ لقوله - ﷺ -: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم) (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٥٧٤) (١٠٢).\n(٢) يعني: ترك التشهد الأول.\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٢٣٠)، ومسلم برقم (٥٧٠).\n(٤) رواه البخاري برقم (١٢٣١)، ومسلم برقم (٣٨٩).\n(٥) أخرجه مسلم برقم (٥٧١).","vol":"1","page":70},{"text":"أما إذا غلب على ظنه وترجح أحد الاحتمالين، فإنه يعمل به، ويبني عليه، ويسجد سجدتين للسهو؛ لقوله - ﷺ - فيمن شك وتردد: (فليتحر الصواب، ثم ليتم عليه -أي على التحري- ثم ليسلِّم، ثم ليسجد سجدتين بعد أن يسلِّم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المسألة الثالثة: متى يُسَنُّ</span>؟\nيسن سجود السهو إذا أتى بقول مشروع في غير محله سهوًا؛ كالقراءة في الركوع والسجود، والتشهد في القيام، مع الإتيان بالقول المشروع في ذلك الموضع، كأن يقرأ في الركوع مع قوله: سبحان ربي العظيم؛ لحديث النبي - ﷺ -: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المسألة الرابعة: موضعه وصفته:</span>\n١ - موضعه:\nلا ريب أن الأحاديث وردت في موضع سجود السهو على قسمين:\nقسم دلَّ على مشروعيته قبل السلام، والقسم الآخر دل على مشروعيته بعد السلام؛ ولهذا قال بعض المحققين: إن المصلي مخيَّرٌ إن شاء سجد قبل السلام أو بعده؛ لأن الأحاديث وردت بكلا الأمرين، فلو سجد للكل قبل السلام أو بعده جاز. قال الزهري: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام.\n٢ - صفة سجود السهو: سجدتان كسجود الصلاة، يكبر في كل سجدة للسجود وللرفع منه، ثم يُسَلِّم. وذهب بعضهم إلى أنه يتشهد إذا سجد للسهو بعد السلام؛ لورود ذلك عن النبي - ﷺ - في ثلاثة أحاديث حسنة بمجموعها، كما قال الحافظ ابن حجر (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٥٧٢).\n(٢) رواه مسلم برقم (٥٧٢) إثر (٩٢).\n(٣) انظر: فح الباري (٣/ ١١٩).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المسألة الخامسة: سجود التلاوة:</span>\n١ - مشروعيته وحكمه: وهو مشروع عند تلاوة الآيات التي وردت فيها السجدات واستماعها.\nقال ابن عمررضي الله عنهما: (كان النبي - ﷺ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته) (١)، وهو سنة على الصحيح، وليس بواجب، فقد قرأ زيد ابن ثابت على النبي - ﷺ - \"والنجم\"، فلم يسجد فيها (٢). فدل على عدم الوجوب.\nويشرع سجود التلاوة في حق القارئ والمستمع، إذا قرأ آية سجدة في الصلاة أو خارجها؛ لفعله - ﷺ - ذلك عندما كان يقرأ السجدة، ولسجود الصحابة معه كما مرّ في حديث ابن عمر: (فيسجد ونسجد معه). والدليل على مشروعيته في الصلاة: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ (إذا السماء انشقت) فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم - ﷺ -، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه (٣).\nفإذا لم يسجد القارئ لا يسجد المستمع؛ لأن المستمع تبع فيها للقارئ، ولحديث زيد بن ثابت المتقدم، فإن زيدًا لم يسجد، فلم يسجد النبي - ﷺ -.\n٢ - فضله: عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: ياويله، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار) (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٠٧٦)، ومسلم برقم (٥٧٥).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٧٣).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (١٠٧٨)، ومسلم برقم (٥٧٨) واللفظ للبخاري.\n(٤) رواه مسلم برقم (٨١).","vol":"1","page":72},{"text":"٣ - صفته وكيفيته: يسجد سجدة واحدة، ويكبِّر إذا سجد، ويقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى) كما يقول في سجود الصلاة، ويقول أيضًا: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)، وإن قال: (سجد وجهي للذي خلقه، وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته) (١) فلا بأس.\n٤ - مواضع سجود التلاوة في القرآن:\nمواضع سجود القرآن الكريم خمسة عشر موضعًا، وهي على الترتيب:\n١ - آخر سورة الأعراف (آية رقم ٢٠٦).\n٢ - سورة الرعد (آية رقم ١٥).\n٣ - سورة النحل (آية ٤٩ - ٥٠).\n٤ - سورة الإسراء (آية ١٠٧ - ١٠٩).\n٥ - سورة مريم (آية ٥٨).\n٦ - أول سورة الحج (آية ١٨).\n٧ - آخر سورة الحج (آية ٧٧).\n٨ - سورة الفرقان (آية ٧٣).\n٩ - سورة النمل (آية ٢٥ - ٢٦).\n١٠ - سورة السجدة (آية ١٥).\n١١ - سورة فصلت (آية ٣٧ - ٣٨).\n١٢ - آخر سورة النجم (آية ٦٢).\n١٣ - سورة الانشقاق (آية ٢٠ - ٢١).\n١٤ - آخر سورة العلق (آية ١٩).\nوالخامسة عشرة: هي سجدة سورة (ص)، وهي سجدة شكر، فعن ابن عباس ﵄ قال: (ليست \"ص\" من عزائم السجود، وقد رأيت النبي - ﷺ - يسجد فيها) (٢).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي برقم (٥٨٥)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٤٧٤).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٦٩).","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المسألة السادسة: سجود الشكر:</span>\nيستحب لمن وردت عليه نعمة، أو دُفعت عنه نقمة، أو بُشَرَ بما يَسُرُّه، أن يَخِرَّ ساجدًا لله؛ اقتداء بالنبي - ﷺ -. ولا يشترط فيها استقبال القبلة، ولكن إن استقبلها فهو أفضل.\nوقد كان رسول الله - ﷺ - يفعله، فعن أبي بكرة: (أن النبي - ﷺ - كان إذا أتاه أمر يسره -أو يُسَرُّ به- خر ساجدًا شكرًا لله ﵎) (١)، وكذا فعله الصحابة رضوان الله عليهم.\nوحكم هذا السجود حكم سجود التلاوة، وكذا صفته وكيفيته.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (٢٧٧٤)، والترمذي برقم (١٥٧٨)، وابن ماجه برقم (١٣٩٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحسنه الألباني في الإرواء (٢/ ٢٢٦).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الباب السابع: في صلاة الجماعة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>المسألة الأولى: فضل صلاة الجماعة وحكمها:</span>\n١ - فضلها: صلاة الجماعة في المساجد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام.\nواتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أعظم الطاعات، فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة، منها الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف. وأعظم الاجتماعات وأهمها الاجتماع بعرفة، الذي يشير إلى وحدة الأمة الإسلامية في عقائدها وعباداتها وشعائر دينها، وشرعت هذه الاجتماعات العظيمة في الإسلام لأجل مصالح المسلمين؛ ففيها التواصل بينهم، وتفقُد بعضهم أحوال بعض، وغير ذلك مما يهم الأمة الإسلامية على اختلاف شعوبها وقبائلها، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣].\nوقد حثَّ النبي - ﷺ - عليها، وبيَّن فضلها وعظيم أجرها، فقال - ﷺ -: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ -يعني الفرد- بسبع وعشرين درجة) (١). وقال - ﷺ -: (صلاة الرجل في الجماعة تضعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه ...) (٢) الحديث.\n٢ - حكمها: صلاة الجماعة واجبة في الصلوات الخمس، وقد دل على وجوبها الكتاب والسنة، فمن الكتاب: قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) [النساء: ١٠٢]. والأمر للوجوب وإذا كان ذلك\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٦٤٥، ٦٤٦)، ومسلم برقم (٦٥٠).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٤٧).","vol":"1","page":75},{"text":"مع الخوف فمع الأمن أولى.\nومن السنة: حديث أبي هريرة - ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما، ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) (١)، فدلَّ الحديث على وجوب صلاة الجماعة، وذلك لأنه - ﷺ -: أولًا: وصف المتخلفين عنها بالنفاق، والمتخلف عن السنة لا يعد منافقًا، فدل على أنهم تخلفوا عن واجب. ثانيًا: أنه هَم بعقوبتهم على التخلف عنها، والعقوبة إنما تكون على ترك واجب، وإنما منعه من تنفيذ العقوبة أنه لا يعاقب بالنار إلا الله ﷿. وقيل: منعه من ذلك مَنْ في البيوت من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم صلاة الجماعة.\nومنها: أن رجلا كفيف البصر ليس له قائد، استأذن النبي - ﷺ - أن يصلي في بيته فقال: (أتسمع النداء؟). قال: نعم. قال: (أجب لا أجد لك رخصة) (٢)، ولقوله - ﷺ -: (من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر) (٣)، ولقول ابن مسعود - ﵁ -: (لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) (٤).\nوهي واجبة على الرجال دون النساء والصبيان غير البالغين، لقوله - ﷺ - في حق النساء: (وبيوتهن خير لهن) (٥). ولا مانع من حضور النساء الجماعة في المسجد، مع التستر والصيانة وأمن الفتنة، بإذن الزوج. وتجب الجماعة في\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٤٤)، ومسلم برقم (٦٥١).\n(٢) رواه مسلم برقم (٦٥٣).\n(٣) أخرجه أبو داود برقم (٥٥١)، وابن ماجه برقم (٧٩٣)، والحاكم (١/ ٢٤٥). وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه رقم (٦٤٥).\n(٤) رواه مسلم برقم (٦٥٤).\n(٥) أخرجه أبو داود برقم (٥٦٧)، وأحمد (٢/ ٧٦)، والحاكم (١/ ٢٠٩)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وصححه الألباني (الإرواء برقم ٥١٥).","vol":"1","page":76},{"text":"المسجد على من تلزمه، على الصحيح.\nومن ترك الجماعة وصلى وحده بلا عذر صحت صلاته، لكنه آثم لترك الواجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المسألة الثانية: إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى: هل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها أولا</span>؟\nلا تجب عليه إعادتها مع الجماعة، وإنما يسن له ذلك، والأولى فرض والثانية نافلة. لحديث أبي ذر: قال رسول الله - ﷺ -: (كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها). قلت فما تأمرني؟ قال: (صَلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ؛ فإنها لك نافلة) (١). ولقوله - ﷺ - للرجلين اللذين اعتزلا صلاة الجماعة في المسجد: (إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فَصَلِّيَا معهم، فإنها لكما نافلة) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المسألة الثالثة: أقل ما تنعقد به الجماعة:</span>\nأقل الجماعة اثنان بلا خلاف. لقوله - ﷺ - لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا، ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>المسألة الرابعة: بم تُدرك الجماعة</span>؟\nتدرك الجماعة بإدراك ركعة من الصلاة، ومن أدرك الركوع غير شاك أدرك الركعة، واطمأن، ثم تابع. لحديث أبي هريرة: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة) (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٦٤٨).\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٥٧٥، ٥٧٦)، والترمذي برقم (٢١٩)، والنسائي (٢/ ١١٢). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني (صحيح الترمذي رقم ١٨١).\n(٣) رواه البخاري برقم (٦٥٨)، ومسلم برقم (٦٧٤) - ٢٩٣.\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (٨٧٥)، وابن ماجه برقم (٤٦٨)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٤٩٦).","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المسألة الخامسة: من يعذر بترك الجماعة:</span>\nيعذر المسلم بترك الجماعة في الأحوال التالية:\n١ - المريض مرضًا يلحقه منه مشقة لو ذهب إلى الجماعة، لقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) [الفتح: ١٧]، ولأنه - ﷺ - لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) (١)، ولقول عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض) (٢). وكذلك الخائف حدوث المرض؛ لأنه في معناه.\n٢ - المدافع أحد الأخبثين أو من بحضرة طعام محتاج إليه؛ لحديث عائشة مرفوعًا: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثين) (٣).\n٣ - من له ضائع يرجوه أو يخاف ضياع ماله أو قوته أو ضررًا فيه؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: (من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر -قالوا: فما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض- لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى) (٤).\nوكذا كل خائف على نفسه أو ماله أو أهله وولده، فإنه يعذر بترك الجماعة؛ فإن الخوف عذر.\n٤ - حصول الأذى بمطر ووحل وثلج وجليد، أو ريح باردة شديدة بليلة مظلمة. لحديث ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله - ﷺ - يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة باردة ذات مطر، يقول: ألا صَلُّوا في الرِّحال) (٥).\n٥ - حصول المشقة بتطويل الإمام، لأن رجلًا صلى مع معاذ، ثم انفرد، فصلى وحده لما طَوَّل معاذ، فلم ينكر عليه - ﷺ - حين أخبره (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٧١٣)، ومسلم برقم (٤١٨).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (٦٥٤).\n(٣) رواه مسلم برقم (٥٦٠).\n(٤) رواه أبو داود برقم (٥٥١)، وهو ضعيف بهذا اللفظ، لكنه صحيح بلفظ: (من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر) (الإرواء ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧).\n(٥) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٣٢)، ومسلم برقم (٦٩٧). واللفظ لمسلم.\n(٦) انظر: صحيح مسلم برقم (٤٦٥).","vol":"1","page":78},{"text":"٦ - خوف فوات الرفقة في السفر؛ لما في ذلك من انشغال قلبه إذا انتظر الجماعة، أو دخل فيها، مخافة ضياع وفوات رفقته.\n٧ - الخوف من موت قريبه وهو غير حاضر معه، كأن يكون قريبه في سياق الموت، وأحب أن يكون معه يلقنه الشهادة ونحو ذلك، فيعذر بترك الجماعة لأجل ذلك.\n٨ - ملازمة غريم له، ولا شيء معه يقضيه، فله ترك الجماعة لما يلحقه من الأذية بمطالبة الغريم، وملازمته إياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المسألة السادسة: إعادة الجماعة في المسجد الواحد:</span>\nإذا تأخر البعض عن حضور جماعة المسجد مع الإمام الراتب، وفاتتهم الصلاة، فيصح أن يصلوا جماعة ثانية في المسجد نفسه؛ لعموم قوله - ﷺ -: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ...) (١) الحديث، ولقوله - ﷺ - للرجل الذي حضر إلى المسجد بعد انتهاء صلاة الجماعة: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟) فقام أحد القوم، فصلى مع الرجل (٢).\nوكذلك إذا كان المسجد مسجد سوق أو طريق وما أشبه ذلك، فلا بأس بإعادة الجماعة فيه، وبخاصة إذا لم يكن لهذا المسجد إمام راتب، ويتردد عليه أهل السوق والمارة.\nأما إذا كان المسجد فيه جماعتان أو أكثر دائمًا وعلى نحو مستمر، واتخذ الناس ذلك عادة، فإنه لا يجوز؛ إذ لم يعرف ذلك في زمن النبي - ﷺ - وأصحابه، ولما فيه من تفرُّق الكلمة، والدعوة للكسل والتواني عن حضور الجماعة الأم مع الإمام الراتب، وربما كان ذلك مدعاة لتأخير الصلاة عن أول وقتها.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (٥٥٤)، والنسائي (٢/ ١٠٤)، وأحمد (٥/ ١٤٠)، والحاكم (١/ ٢٤٧). وصححه الحاكم. وذكر ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٢٦). تصحيح ابن السكن والعقيلي والحاكم وابن المديني له.\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (٢٢٠) وأحمد (٣/ ٥). وحسنه الترمذي، وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ١٨٢).","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المسألة السابعة: حكم الصلاة إذا أقيمت الصلاة المكتوبة:</span>\nإذا شرع المؤذن في الإقامة لصلاة الفريضة، فلا يجوز لأحد أن يببتدئ صلاة نافلة، فيتشاغل بنافلة يقيمها وحده عن أداء فريضة تقيمها الجماعة؛ وذلك لقوله - ﷺ -: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (١). ورأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلي والمؤذن يقيم لصلاة الصبح، فقال له: (أتصلي الصبح أربعًا؟!) (٢).\nأما إذا شَرَعَ المؤذن في الإقامة بعد شروع المتنفل في صلاته، فإنه يتمها خفيفة لإدراك فضيلة تكبيرة الإحرام، والمبادرة إلى الدخول في الفريضة.\nوذهب بعض أهل العلم: إلى أنه إن كان في الركعة الأولى فإنه يقطعها، وإن كان في الركعة الثانية فإنه يتمها خفيفة، ويلحق بالجماعة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٧١٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٧١١) - ٦٦.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>الباب الثامن: في الإمامة في الصلاة، وفيه مسائل:</span>\nوالمقصود بالإمامة: ارتباط صلاة المؤتم بإمامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المسألة الأولى: من أحق بالإمامة</span>؟\nبَيَّنَ الرسول - ﷺ - الأحق بالإمامة والأولى بها في قوله: (يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلْمًا) (١). فأولى الناس وأحقهم بالإمامة يكون على النحو التالي:\n١ - أجودهم قراءة، وهو الذي يتقن قراءة القرآن، ويأتي بها على أكمل وجه، العالم بفقه الصلاة، فإذا اجتمع من هو أجود قراءة ومن هو أقل قراءة منه لكنه أفقه، قُدِّم القارئ الأفقه على الأقرأ غير الفقيه، فالحاجة إلى الفقه في الصلاة وأحكامها أشد من الحاجة إلى إجادة القراءة.\n٢ - ثم الأفقه الأعلم بالسنة، فإذا اجتمع إمامان متساويان في القراءة، لكن أحدهما أفقه وأعلم بالسُّنَّة، قُدِّم الأفقه، لقوله - ﷺ -: (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة).\n٣ - ثم الأقدم والأسبق هجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، إذا كانوا في القراءة والعلم بالسنة سواء.\n٤ - ثم الأقدم إسلامًا، إذا كانوا في الهجرة سواء.\n٥ - ثم الأكبر سنًا، إذا استويا في الأمور الماضية كلها، قُدِّم الأكبر سنًا، لقوله - ﷺ - في الحديث الماضي: (فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا -وفي رواية: سنًا-). ولقوله - ﷺ -: (وليؤمكم أكبركم).\nفإذا استويا في جميع ما سبق قُرع بينهما، فمن غلب في القرعة قُدِّم.\nوصاحب البيت أحق بالإمامة من ضيفه، لقوله - ﷺ -: (لا يؤمَّنَّ الرجلُ\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٦٧٣). وسلمًا: يعني إسلامًا.","vol":"1","page":81},{"text":"الرجلَ في أهله ولا في سلطانه) (١). وكذا السلطان أحق بالإمامة من غيره -وهو الإمام الأعظم- لعموم الحديث الماضي قبل قليل، وكذلك إمام المسجد الراتب أولى من غيره -إلا من السلطان- حتى وإن كان غيره أقرأ منه وأعلم؛ لعموم قوله - ﷺ -: (لا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله ولا في سلطانه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المسألة الثانية: من تحرم إمامته:</span>\nتحرم الإمامة في الحالات الآتية:\n١ - إمامة المرأة بالرجل، لعموم قوله - ﷺ -: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (٢). ولأن الأصل تأخرها في آخر الصفوف صيانة لها وسترا، فلو قُدمت للإمامة لأصبح ذلك مخالفًا لهذا الأصل الشرعي.\n٢ - إمامة المُحْدِث ومن عليه نجاسة، وهو يعلم ذلك، فإن لم يعلم بذلك المأمومون حتى انقضت الصلاة، فصلاتهم صحيحة.\n٣ - إمامة الأُميِّ، وهو مَنْ لا يحسن الفاتحة، فلا يقرؤها حفظًا ولا تلاوة، أو يدغم فيها من الحروف ما لا يدغم، أو يبدل فيها حرفًا بحرف، أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى، فهذا لا تصح إمامته إلا بمثله لعجزه عن ركن الصلاة.\n٤ - إمامة الفاسق المبتدع، لا تصح الصلاة خلفه إذا كان فسقه ظاهرًا، ويدعو إلى بدعة مكفرة لقوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) [السجدة: ١٨].\n٥ - العاجز عن الركوع والسجود والقيام والقعود، فلا تصح إمامته لمن هو أقدر منه على هذه الأمور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>المسألة الثالثة: من تكره إمامته:</span>\nوتكره إمامة كلٍّ من:\n١ - اللَّحَّان: وهو كثير اللَّحْن والخطأ في القراءة، وهذا في غير الفاتحة، أما\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٦٧٣).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٤٤٢٥).","vol":"1","page":82},{"text":"اللحن في الفاتحة بما يحيل المعنى فلا تصح معه الصلاة، كما مضى، وذلك لقول النبي - ﷺ -: (يؤم القوم أقرؤهم).\n٢ - من أمَّ قومًا وهم له كارهون، أو يكرهه أكثرهم، لقوله - ﷺ -: (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون ...) (١). الحديث.\n٣ - من يخفي بعض الحروف، ولا يفصح، وكذا من يكرر بعض الحروف، كالفأفاء الذي يكرر الفاء، والتمتام الذي يكرر التاء وغيرهما، وذلك من أجل زيادة الحرف في القراءة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المسألة الرابعة: موضع الإمام من المأمومين:</span>\nالسنة تقدُّم الإمام على المأمومين، فيقفون خلف الإمام إذا كانوا اثنين فأكثر؛ لأنه - ﷺ - كان إذا قام إلى الصلاة تقدم وقام أصحابه خلفه. ولمسلم وأبي داود: (أن جابرًا وجبارًا وقفا، أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فأخذ بأيديهما حتى أقامهما خلفه) (٢)، ولقول أنس - ﵁ - لما صلَّى بهم النبي - ﷺ - في البيت: (ثم يؤم رسول الله - ﷺ - ونقوم خلفه، فيصلي بنا) (٣).\nويقف الرجل الواحد عن يمين الإمام محاذيًا له: (لأنه - ﷺ - أدار ابن عباس وجابرًا إلى يمينه لما وقفا عن يساره) (٤). ويصح وقوف الإمام وسط المأمومين؛ لأن ابن مسعود صلى بين علقمة والأسود، وقال: (هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - فعل) (٥)، لكن يكون ذلك مقيدًا بحال الضرورة، ويكون الأفضل: هو الوقوف خلف الإمام. وتكون النساء خلف صفوف الرجال؛ لحديث أنس - ﵁ -: (صففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا) (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه برقم (٩٧١). وصحح البوصيري إسناده في الزوائد، وحسنه النووي في المجموع (٤/ ١٥٤)، وحسنه الألباني (صحيح ابن ماجه رقم ٧٩٢).\n(٢) رواه مسلم برقم (٣٠١٠).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٦٥٩).\n(٤) رواه مسلم برقم (٣٠١٠).\n(٥) رواه أبو داود برقم (٦١٣) وهو صحيح، انظر إرواء الغليل (٢/ ٣١٩).\n(٦) أخرجه مسلم برقم (٦٥٨).","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المسألة الخامسة: ما يتحمله الإمام عن المأموم:</span>\nيتحمل الإمام عن المأموم القراءة في الصلاة الجهرية، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: (وإذا قرأ فأنصتوا) (١). ولقوله - ﷺ -: (من كان له إمام فقراءته له قراءة) (٢). أما في السرية فإن الإمام لا يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المسألة السادسة: مسابقة الإمام:</span>\nلا يجوز للمأموم مسابقة إمامه، فمن أحرم قبل إمامه لم تنعقد صلاته؛ لأن شرطه أن يأتي بها بعد إمامه وقد فاته. وعلى المأموم أن يشرع في أفعال الصلاة بعد إمامه؛ لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا) (٣).\nفإن وافقه فيها أو في السلام كره لمخالفته السنة، ولم تفسد صلاته؛ لأنه اجتمع معه في الركن. وإن سبقه حرم؛ لقوله - ﷺ -: (لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام) (٤). والنهي يقتضي التحريم. وعن أبي هريرة مرفوعًا: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>المسألة السابعة: أحكام متفرقة في الإمامة والجماعة:</span>\nومن الأحكام المتعلقة بالإمامة والجماعة غير ما تقدَّم:\n١ - استحباب قرب أولي الأحلام والنهى من الإمام: فيقدم أولو الفضل\n_________\n(١) رواه الخمسة إلا الترمذي: أبو داود برقم (٦٠٤)، والنسائي (١/ ١٤٦)، وابن ماجه برقم (٨٤٦)، وأحمد (٢/ ٤٢٠)، وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن النسائي برقم ٨٨٢، ٨٨٣). وهو جزء من حديث أوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به ...).\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٣٩)، وابن ماجه برقم (٨٥٠). وحسنه الألباني (الإرواء برقم ٥٠٠).\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٣٨٩)، ومسلم برقم (٤١١).\n(٤) رواه مسلم برقم (٤١٦).\n(٥) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٩١)، ومسلم برقم (٤٢٧).","vol":"1","page":84},{"text":"والعقل والحلم والأناة خلف الإمام وقريبًا منه، لقوله - ﷺ -: (ليلني منكم أولو\nالأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (١).\nوالحكمة في ذلك: أن يأخذوا عن الإمام، ويفتحوا عليه في القراءة إذا احتاج إلى ذلك، ويستخلف منهم من شاء إذا نابه شيء في الصلاة.\n٢ - الحرص على الصف الأول: يستحب للمأمومين أن يتقدموا إلى الصف الأول ويحرصوا عليه ويحذروا من التأخر؛ لقوله - ﷺ -: (تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) (٢)، وقوله - ﷺ -: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) (٣).\nأما النساء فيستحب أن يَكُنَّ في الصفوف المتأخرة، لقوله - ﷺ -: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) (٤).\n٣ - تسوية الصفوف والتراص فيها، وسد الفرج، وإتمام الصف الأول فالأول: يستحب للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف وسد الفرج قبل الدخول في الصلاة، لفعله - ﷺ - ذلك، ولقوله. (سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة) (٥). وعن أنس - ﵁ - قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله - ﷺ - بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم وتراصُّوا، فإني أراكم من وراء ظهري) (٦). وقال أنس - ﵁ -: (كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه) (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٤٣٢).\n(٢) رواه مسلم برقم (٤٣٨).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٤٣٧).\n(٤) أخرجه مسلم برقم (٤٤٠).\n(٥) أخرجه مسلم برقم (٤٣٣).\n(٦) أخرجه البخارى برقم (٧١٩).\n(٧) صحيح البخاري برقم (٧٢٥).","vol":"1","page":85},{"text":"ويستحب إتمام الصف الأول فالذي يليه، فإذا كان نقص فليكن في آخر الصفوف؛ لقوله - ﷺ -: (ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟) فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف الأُول، ويتراصون في الصف) (١).\n٤ - صلاة المنفرد خلف الصف: لا تصح صلاة الرجل وحده منفردًا خلف الصف، لقوله - ﷺ -: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) (٢). ورأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٤٣٠).\n(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٣)، وابن ماجه برقم (١٠٠٣)، وحسنه الإمام أحمد، وصحح البوصيري إسناده في زوائد ابن ماجه، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه ٨٢٢).\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨)، وأبو داود برقم (٦٨٢)، والترمذي برقم (٢٣٠)، وابن ماجه برقم (١٠٠٤). وحسنه الترمذي. وصححه أحمد شاكر في حواشي الترمذي (١/ ٤٤٨ - ٤٥٠). وصححه الألباني (صحيح الترمذي رقم ١٩١).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>الباب التاسع: في صلاة أهل الأعذار</span>\nأهل الأعذار: هم المرضى والمسافرون والخائفون الذين لا يتمكنون من أداء الصلاة، على الصفة التي يؤديها غير المعذور، فقد خفف الشارع عنهم، فيصلون حسب استطاعتهم. قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]. وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]. فكلما وُجدت المشقة وُجد التيسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>أ- كيفية صلاة المريض</span>\nوالمريض: هو الذي اعتلت صحة بدنه، سواء كان ذلك كليًا أو جزئيًا.\nويلزم المريض أن يصلي المكتوبة قائمًا على أيّ صفة كان، ولو على هيئة الراكع لمن بظهره مرض لا يستطيع أن يمد ظهره، أو مستندًا إلى جدار أو عمود أو على عصا؛ لقوله - ﷺ -: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (١). فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه؛ لقوله - ﷺ - لعمران بن حصين: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (٢). فإن عجز عن ذلك كله صلى على حسب حاله لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]. ولا تسقط الصلاة عن المريض ما دام عقله ثابتًا، حتى لو صَلَّاها بالإيماء؛ لقدرته على ذلك مع النية.\nويومئ المريض المصلي جالسًا في الركوع والسجود برأسه إيماءً، ويجعل السجود أخفض من الركوع، فإذا عجز عن الإيماء برأسه أومأ بعينه.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري (٩/ ١١٧)، ومسلم برقم (١٣٣٧).\n(٢) رواه البخاري برقم (١١١٧).","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>ب- صلاة المسافر وتشتمل على:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>أولًا: قصر الصلاة الرباعية، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>المسألة الأولى: في حكم القصر:</span>\nلا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قصر الصلاة الرباعية للمسافر، ودليل ذلك: القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن: فقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [النساء: ١٠١].\nوالقصر جائز في السفر في حال الخوف وغيره، فقد قال النبي - ﷺ - لما سئل عن القصر وقد أمن الناس: (صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) (١)، ولأن النبي - ﷺ - وخلفاءه داوموا عليه. فعن ابن عمر ﵄ قال: (إني صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ...) (٢). ثم ذكر عمر وعثمان ﵃. وروى أحمد عن ابن عمر مرفوعًا: (إن الله يحب أن تُؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) (٣).\nوأما الإجماع: فالقصر من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وقد أجمعت عليه الأمة. وعلى هذا: فالمحافظة على هذه السنة والأخذ بهذه الرخصة أولى وأفضل من تركها، بل كره بعض أهل العلم الإتمام في السفر؛ وذلك لشدة مداومة النبي - ﷺ - وأصحابه على هذه السنة، وأن ذلك كان هديه المستمر الدائم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>المسألة الثانية: في تحديد الصلاة التي يجوز فيها القصر:</span>\nالصلاة التي يجوز فيها القصر هي الصلاة الرباعية، وهي صلاة الظهر والعصر\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٦٨٦).\n(٢) رواه مسلم برقم (٦٨٩).\n(٣) رواه أحمد برقم (٥٨٣٢)، وصححه الشيخ الألباني (الإرواء برقم ٥٦٤).","vol":"1","page":88},{"text":"والعشاء، ولا تقصر صلاة الصبح ولا المغرب إجماعًا؛ لفعله - ﷺ - وأصحابه من بعده، ولقول عبد الله بن عباس ﵄: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين ...) (١). فدلَّ على أن الرباعية هي المقصودة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>المسألة الثالثة: في حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ونوعه:</span>\nحد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ستة عشر فرسخًا تقريبًا، وهي أربعة بُرُد، وبالأميال ثمانية وأربعون ميلًا، وهو ما يقارب ثمانين كيلو مترًا. وهي يومان قاصدان في زمن معتدل بسير الأثقال ودبيب الأقدام. وسمى النبي - ﷺ - يومًا وليلة سفرًا (٢). وكان ابن عباس وابن عمر يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا.\nوأما نوعه: فهو السفر المباح؛ كالسفر للتجارة والنزهة، والسفر الواجب؛ كالسفر للحج والجهاد، والسفر المسنون المستحب؛ كالسفر للزيارة، والسفر للمرة الثانية في الحج، وعلى هذا فالسفر المحرم لا يجوز فيه القصر، على رأي كثير من العلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>المسألة الرابعة: هل يقصر من نوى الإقامة</span>؟\nمن نوى الإقامة يحتاج إلى تفصيل، وبيان ذلك: أنه إن نوى الإقامة المطلقة لم يقصر؛ لانعدام السبب المبيح للقصر في حقه. كذلك إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، أو أقام لحاجة وظن ألَّا تنقضي إلا بعد الأربعة؛ (لأن النبي - ﷺ - أقام بمكة فصلى بها إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها، وذلك أنه قدم صبح رابعة، فأقام إلى يوم التروية، فصلى الصبح، ثم خرج). فمن أقام أربعة\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٦٨٧).\n(٢) وذلك في قوله - ﷺ -: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة). رواه البخاري برقم (١٠٨٨) واللفظ له، ومسلم برقم (١٣٣٩) - ٤٢١.","vol":"1","page":89},{"text":"أيام أو أقل مثل إقامته - ﷺ - قصر ومن زاد أتم. ذكره الإمام أحمد (١). قال أنس: (أقمنا بمكة عشرًا نقصر الصلاة). ومعناه ما ذكرنا، لأنه حسب خروجه إلى منى وعرفة وما بعده من العشر. ويقصر إن أقام لحاجة بلا نية الإقامة فوق أربعة أيام، ولا يدري: متى تنقضي؛ أو حبس ظلمًا أو بمطر ولو أقام سنين. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسافر يقصر ما لم يُجْمع إقامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المسألة الخامسة: الحالات التي يجب على المسافر فيها إتمام الصلاة:</span>\nهناك صور وحالات تستثنى من جواز القصر في السفر، منها:\n١ - إذا ائتم المسافر بمقيم: فيلزمه الإتمام، لقوله - ﷺ -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) (٢)، ولقول ابن عباس ﵄ لما سئل عن الإتمام خلف المقيم: (تلك سُنَّة أبي القاسم - ﷺ -) (٣).\n٢ - إذا ائتم بمن يشك فيه هل هو مسافر أو مقيم: فإذا دخل في الصلاة خلف إمام ولا يدري أهو مسافر أم مقيم -كأن يكون في الطار ونحوه- فإنه يلزمه الإتمام؛ لأن القصر لابد له من نية جازمة، أما مع التردد فإنه يتم.\n٣ - إذا ذكر صلاة حضر في السفر: كرجل مسافر، وفي أثناء سفره تذكر أنه صلى الظهر في بلده بغير وضوء أو تذكر صلاة فائتة في الحضر، هنا يلزمه أن يصليها تامة؛ لقوله - ﷺ -: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (٤).\nيعني: يصليها كما هي؛ ولأن هذه الصلاة لزمته تامة فيجب عليه قضاؤها تامة.\n٤ - إذا أحرم المسافر بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها: كأن يصلي المسافر خلف مقيم فيلزمه في هذه الحالة الإتمام، فإذا فسدت عليه هذه الصلاة، ثم أعادها، لزمه إعادتها تامة؛ لأنها إعادة لصلاة واجبة الإتمام.\n_________\n(١) انظر: المغني (٢/ ١٣٤ - ١٣٥)، ومجموع فتاوى الشيخ ابن باز - فتاوى الصلاة (ص ٤٥٨).\n(٢) سبق تخريجه في ص (٨٤).\n(٣) رواه أحمد (١/ ٢١٦). وصححه الألباني في الإرواء (برقم ٥٧١).\n(٤) أخرجه البخاري برقم (٥٩٧)، ومسلم برقم (٦٨٤) - ٣١٥.","vol":"1","page":90},{"text":"٥ - إذا نوى المسافر الإقامة المطلقة أو الاستيطان: إذا نوى المسافر الإقامة المطلقة في البلد الذي سافر إليه دون أن يقيد ذلك بزمن معين أو عمل معين، وكذلك إذا نوى اتخاذ هذه البلد وطنًا له، فإنه يلزمه إتمام الصلاة؛ لأنه قد انقطع حكم السفر في حقه. فإذا قيد السفر بزمن معين ينتهي، أو عمل ينقضي، فإنه مسافر يقصر الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>ثانيًا: الجمع بين الصلاتين، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>المسألة الأولى: في مشروعية الجمع بين الصلاتين، ومن يباح له ذلك:</span>\nيباح بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما؛ لحديث معاذ: (أن النبي - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أَخَّرَ الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار. وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء) (١). وسواء أكان سائرًا أم نازلًا؛ لأنها رخصة من رخص السفر فلم يعتبر فيها وجود السير كسائر رخصه. إلا أن الأفضل للنازل عدم الجمع؛ لأن النبي - ﷺ - لم يجمع بمنى وقد كان نازلًا.\nويباح الجمع لمقيم مريض يلحقه بتركه مشقة؛ لقول ابن عباس: (جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر) وفي رواية (من غير خوف ولا سفر) (٢) فلم يبق إلا عذر المرض، ولأنه - ﷺ -: (أمر المستحاضة بالجمع بين الصلاتين). والاستحاضة نوع من المرض، وقد قيل لابن عباس في الحديث الماضي: لمَ فعل ذلك؟ قال: (كي لا يُحرِجَ أمَّتَه). فمتى لحق الإنسان مشقة وحرج بترك الجمع جاز له الجمع، مريضًا كان\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (١٢٠٨)، والترمذي برقم (٥٥٣)، وقال: حسن غريب. وصححه الألباني (الإرواء برقم ٥٧٨).\n(٢) رواهما مسلم برقم (٧٠٥) ٤٩ - ٥٤.","vol":"1","page":91},{"text":"أو معذورًا بغير المرض، مقيمًا كان أو مسافرًا. فمن الأعذار التي تبيح الجمع أيضًا غير السفر والمرض:\n١ - المطر الكثير الغزير الذي يبل الثياب، ويلحق المكلف بسببه مشقة.\n٢ - الوحل والطين، وذلك إذا كان يشق على الناس بسببه المشي.\n٣ - الريح الشديدة الباردة التي تخرج عن العادة، وغير ذلك من الأعذار التي يلحق بالمكلف مشقة إذا ترك الجمع معها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>المسألة الثانية: في حد الجمع المشروع:</span>\nوحدّ الجمع المشروع هو الجمع بين صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالنسبة للمسافر ومن في حكمه، وكذا الجمع في الحضر بسبب المطر وما في حكمه، فيجوز بين العشاءين والظهرين (١)؛ لحديث ابن عباس الماضي قبل قليل، وقد فعله أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، ولأن العلة من الجمع بين العشاءين وجود المشقة، وهي في الظهرين أيضًا.\n_________\n(١) العشاءان: المغرب والعشاء، والظهران: الظهر والعصر، وقد أطلق اسم أحدهما على الآخر تغليبًا.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الباب العاشر: في صلاة الجمعة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>المسألة الأولى: حكمها ودليل ذلك:</span>\nالجمعة فرض عين على الرجال، لقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩]. ولقوله - ﷺ -: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم) (١). وقوله - ﷺ -: (لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين) (٢).\nقال النووي ﵀: \"فيه أن الجمعة فرض عين\" (٣). وللحديث الآتي بعد قليل، وفيه: (الجمعة حق واجب على كل مسلم ...).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>المسألة الثانية: على من تجب</span>؟\nتجب الجمعة على كل مسلم ذكر حر بالغ عاقل، قادر على إتيانها، مقيم، فلا تجب على: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مجنون أو مريض أو مسافر؛ لقوله - ﷺ -: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض) (٤). وأما المسافر فلا تلزمه الجمعة؛ لأن النبي - ﷺ - لم يكن يصليها في أسفاره، وقد وافق يوم عرفة في حجته جمعة، ومع ذلك صلاها ظهرًا وجمع العصر معها. أما المسافر الذي ينزل بلدًا تقام فيه الجمعة فإنه يصليها مع المسلمين. وإذا حضرها العبد أو المرأة أو الصبي أو المريض أو المسافر صحت منه، وأجزأته عن صلاة الظهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>المسألة الثالثة: وقتها:</span>\nوقت الجمعة هو وقت الظهر، من بعد الزوال إلى أن يصير ظل الشيء\n_________\n(١) أخرجه النسائي. (٣/ ٨٩) ح ١٣٧١ وصححه الألباني (صحيح الجامع رقم ٣٥٢١).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (٨٦٥).\n(٣) شرح النووي على مسلم: (٦/ ١٥٢).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (١٠٥٤)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٥٩٢).","vol":"1","page":93},{"text":"كطوله؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس (١). وهو المروي عن أصحاب النبي - ﷺ - من فعلهم (٢). وعلى هذا فمن أدرك ركعة منها قبل خروج وقتها فقد أدركها، وإلا صلاها ظهرًا؛ لقوله - ﷺ -: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). وقد تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>المسألة الرابعة: الخطبة:</span>\nالخطبة ركن من أركان الجمعة لا تصح إلا بها؛ لمواظبته - ﷺ - عليها وعدم تركه لها أبدًا، وهما خطبتان، يشترط لصحة صلاة الجمعة أن يتقدما على الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>المسألة الخامسة: في سنن الخطبة:</span>\nويسن الدعاء للمسلمين بما فيه صلاح دينهم ودنياهم، مع الدعاء لولاة أمور المسلمين بالصلاح والتوفيق؛ لأنه - ﷺ - (كان إذا خطب يوم الجمعة دعا، وأشار بأصبعه، وأَمَّنَ الناس)، وأن يتولاهما مع الصلاة واحد، ويرفع صوته بهما حسب الطاقة، وأن يخطب قائمًا لقوله تعالى: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) [الجمعة: ١١]. وقال جابر ابن سمرة - ﵁ -: (كان رسول الله - ﷺ - يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فيخطب، فمن حدثك أنه يخطب جالسًا فقد كذب) (٣)، وأن يكون على منبر أو مكان مرتفع؛ لأنه - ﷺ - (كان يخطب على منبره). وهو مرتفع، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام، وأبلغ في الوعظ. وأن يجلس بين الخطبتين قليلًا؛ لقول ابن عمر ﵄: (كان النبي - ﷺ - يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس) (٤). ويسن قصر الخطبتين، والثانية أقصر من الأولى؛ لحديث عمار\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٩٠٤).\n(٢) انظر: فتح الباري (٢/ ٤٥٠).\n(٣) رواه مسلم برقم (٨٦٢).\n(٤) متفق عليه: البخاري برقم (٩٢٨)، ومسلم برقم (٨٦١).","vol":"1","page":94},{"text":"مرفوعًا: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة) (١) والمئنة: العلامة. ويسن أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا أقبل عليهم؛ لقول جابر - ﵁ -: (كان رسول الله - ﷺ - إذا صعد المنبر سلم). ويسن أن يجلس على المنبر إلى فراغ المؤذن؛ لقول ابن عمر ﵄: (كان النبي - ﷺ - يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب). ويسن أن يعتمد الخطيب على عصا ونحوها، ويسن للخطيب أن يقصد تلقاء وجهه لفعله - ﷺ - ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>المسألة السادسة: ما يحرم فعله في الجمعة:</span>\nيحرم الكلام والإمام يخطب؛ لقوله - ﷺ -: (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارًا ...) (٢)، ولقوله - ﷺ -: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لَغَوت) (٣) أي: تكلمت باللغو، وهو الكلام الباطل المردود. ويحرم تخطي رقاب الناس أثناء الخطبة؛ لقوله - ﷺ - لرجل رآه يتخطى الرقاب: (اجلس فقد آذيت) (٤)، ففيه أذية للمصلين، وإشغال لهم عن سماع الخطبة، أما الإمام فلا بأس بتخطيه الرقاب إن لم يمكنه الوصول إلى مكانه إلا بذلك. ويكره التفريق بين اثنين لقوله - ﷺ -: (من اغتسل يوم الجمعة ... ثم راح فلم يفرق بين اثنين فصلَّى ما كتب له ... غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٨٦٩).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٠). وقال ابن حجر في بلوغ المرام: \"إسناده لا بأس به\" (سبل السلام ٢/ ١٠١ - ١٠٢ ح ٤٢١).\n(٣) متفق عليه: البخاري برقم (٣٩٤)، ومسلم برقم (٨٥١). وانظر: إرواء الغليل (٣/ ٨٤).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (١١١٨)، والنسائي (٣/ ١٠٣)، والحاكم (١/ ٢٨٨)، وصححه ووافقه الذهبي. وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ٩١٦).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٩١٠).","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المسألة السابعة: بم تدرك الجمعة</span>؟\nتدرك الجمعة بإدراك ركعة مع الإمام؛ فعن أبي هريرة مرفوعًا: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة) (١). وإن أدرك أقل من ركعة صلى ظهرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>المسألة الثامنة: في نافلة الجمعة:</span>\nليس لصلاة الجمعة سنة قبلها، ولكن من صلى قبلها نافلة مطلقة قبل دخول وقتها فلا بأس به؛ لترغيب النبي - ﷺ - في ذلك، كما في حديث سلمان الماضي قبل قليل: (من اغتسل يوم الجمعة ... ثم راح فلم يفرق بين اثنين فصلى ما كتب له)، ولفعل الصحابة ﵃، ولأفضلية صلاة النافلة. ولا يُنْكر عليه إذا ترك؛ لأن السنة الراتبة تكون بعد الجمعة بركعتين أو أربع ركعات أو ست ركعات؛ لفعله - ﷺ - وأمره، فقد (كان يصلي بعد الجمعة ركعتين) (٢). وقال - ﷺ -: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات) (٣). وفي رواية: (من كان منكم مصليًا، بعد الجمعة فليصل أربعًا) (٤).\nوأما الست: فلأنه ورد عن ابن عمر ﵄ (أن النبي - ﷺ - كان يصلي بعد الجمعة ستًا) (٥). وكان ابن عمر يفعله (٦).\nفتبين من ذلك أن أقل الراتبة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست. ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الراتبة إن صليت في المسجد صليت أربعًا، وإن صليت في البيت صليت ركعتين (٧)، فتكون صلاتها على أحوال متنوعة.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه برقم (١١٢١)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه برقم ٩٢٧، ٩٢٨).\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم (٩٣٧)، ومسلم برقم (٨٨٢).\n(٣) رواه مسلم برقم (٨٨١).\n(٤) صحيح مسلم (رقم ٨٨١) ٦٩.\n(٥) الشرح الممتع (٤/ ١٠٢).\n(٦) أخرجه أبو داود برقم (١١٣٠).\n(٧) زاد المعاد (١/ ٤٤٠).","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المسألة التاسعة: كيفية صلاة الجمعة:</span>\nصلاة الجمعة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة؛ لأنه - ﷺ - كان يفعل ذلك، وفعله - ﷺ - من سنته، وقد أجمع أهل العلم على ذلك. ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة بعد الفاتحة، وفي الثانية بسورة المنافقون (١)، أو يقرأ في الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية (٢)؛ لفعله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>المسألة العاشرة: في سنن الجمعة:</span>\n١ - يسن التبكير إلى الصلاة للحصول على الأجر الكبير؛ ففي حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قَرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قَرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قَرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قَرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة، يستمعون الذكر) (٣).\nوقال أيضًا: (من غَسَّلَ يوم الجمعة واغتسل، وبَكَّر وابتكر، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها) (٤).\n٢ - ويسن الاغتسال في يومها؛ لحديث أبي هريرة الماضي: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ...) وينبغي الحرص عليه وعدم تركه، وبخاصة لأصحاب الروائح الكريهة. ومن العلماء مَنْ أوجبه؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - مرفوعًا: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) (٥). ولعل القول بوجوبه أقوى وأحوط، وأنه لا يسقط إلا لعذر.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٨٧٧).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (٨٧٨).\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٨٨١)، ومسلم برقم (٨٥٠).\n(٤) رواه الترمذي برقم (٤٩٦) وحسنه، وحسَّنه أيضًا: المنذري (الترغيب والترهيب ١/ ٢٤٧).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٨٧٩)، ومسلم برقم (٨٤٦).","vol":"1","page":97},{"text":"٣ - ويسن التطيب والتنظف، وإزالة ما ينبغي إزالته من الجسم؛ كتقليم الأظافر وغيره.\nوالتنظف أمر زائد على الاغتسال، ويكون ذلك بقطع الروائح الكريهة وأسبابها، كالشعور التي أمر الشارع بإزالتها، والأظافر، ويسن حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وحف الشارب، مع التطيب، لحديث سلمان - ﵁ - مرفوعًا: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته ...). قال ابن حجر: \"من طهر: المراد به المبالغة في التنظيف، ويؤخذ من عطفه على الغسل ... أن المراد به التنظيف بأخذ الشارب والظفر والعانة\" (١).\n٤ - ويسن له أن يلبس أحسن الثياب؛ لحديث ابن عمر ﵄: (أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه، فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك). فقد استدل به البخاري -﵀- على لبس أحسن الثياب للجمعة، فقال: (باب: يلبس أحسن ما يجد). قال الحافظ ابن حجر: \"ووجه الاستدلال به: من جهة تقريره - ﷺ - لعمر على أصل التجمل للجمعة\" (٢)، ولقوله - ﷺ -: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مِهْنَتِه) (٣). أي: ثوب خدمته وشغله.\n٥ - ويسن في يومها وليلتها الإكثار من الصلاة على النبي - ﷺ -؛ لقوله - ﷺ -: (أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة) (٤).\n٦ - ويسن أن يقرأ في فجرها في الصلاة بسورتي السجدة، والإنسان؛ لمواظبته - ﷺ - على ذلك (٥). وفي يومها بسورة الكهف لقوله - ﷺ -: (من قرأ سورة\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٨٨٣) وانظر فتح الباري (٢/ ٤٣٢).\n(٢) فتح الباري (٢/ ٤٣٤).\n(٣) أخرجه أبو داود برقم (١٠٧٨)، وابن ماجه برقم (١٠٩٥)، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه ٨٩٨).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (١٠٤٧)، والنسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه (١٠٨٥)، والحاكم (١/ ٢٧٨)، وصححه ووافقه الذهبي. وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ٨٨٩).\n(٥) صحيح البخاري (رقم ٨٩١).","vol":"1","page":98},{"text":"الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغُفر له ما بين الجمعتين) (١).\n٧ - ويسن لمن دخل المسجد يوم الجمعة ألا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأمره - ﷺ - بذلك (٢)، ويوجز فيهما إذا كان الإمام يخطب.\n٨ - ويسن أن يكثر من الدعاء، ويتحرى ساعة الإجابة؛ لقوله - ﷺ -: (إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئًا، إلا أعطاه إياه) (٣).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٦٨)، وصححه، وصححه الألباني (الإرواء ٣/ ٩٣).\n(٢) صحيح البخاري برقم (٩٣٠).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (٩٣٥)، ومسلم برقم (٨٥٢).","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الباب الحادي عشر: في صلاة الخوف، وفيه مسائل:</span>\nهذا هو العذر الثالث من الأعذار التي تختلف بها الصلاة في هيئتها، أو عددها، وقد تقدم الكلام على عذر المرض والسفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>المسألة الأولى: حكمها، ودليل مشروعيتها، وشروطها:</span>\n١ - حكمها:\nصلاة الخوف تشرِع في كل قتال مباح، كقتال الكفار والبغاة والمحاربين؛ لقوله تعالى: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [النساء: ١٠١]. وقيس عليه الباقي، ممن يجوز قتاله.\nفتشرع عند الخوف من هجوم العدو، أو الهرب من عدو إن كان الهرب مباحًا. ويدخل في العدو كل عدو -آدميًا أو سبعًا- مما يخاف الإنسان على نفسه منه، كالصائل الذي يريد أهله أو ماله، والغريم الظالم وغير ذلك.\n٢ - دليل مشروعيتها:\nوالدليل على مشروعيتها: الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) [النساء: ١٠٢]. وصلاها رسول الله - ﷺ -، وأجمع الصحابة على فعلها.\n٣ - شروطها:\nوتشرع صلاة الخوف بشرطين:\nالشرط الأول: أن يكون العدو ممن يحل قتاله، كقتال الكفار، والبغاة، والمحاربين، كما سبق.\nوالشرط الثاني: أن يُخاف هجومه على المسلمين حال الصلاة.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المسألة الثانية: كيفية صلاة الخوف:</span>\nجاءت صلاة الخوف على عدة صفات، ومنها الصفة الواردة عن النبي - ﷺ - في حديث سهل بن أبي حثمة الأنصاري - ﵁ -، وهي أشبه بالصفة المذكورة في القرآن الكريم، وفيها احتياط للصلاة، واحتياط للحرب، وفيها نكاية بالعدو. وقد فعل -﵊- هذه الصلاة في غزوة ذات الرقاع، وصفتها كما رواها سهل: أن طائفة صفَّت مع النبي - ﷺ - وطائفة وجاه العدو، فصلَّى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سَلَّم بهم (١).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٨٤١).","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الباب الثاني عشر: في صلاة العيدين، وفيه مسائل:</span>\nوالعيدان هما: عيد الأضحى وعيد الفطر، وكلاهما له مناسبة شرعية، فعيد الفطر بمناسبة انتهاء المسلمين من صيام شهر رمضان، والأضحى بمناسبة اختتام عشر ذي الحجة، وسُمِّي عيدًا؛ لأنه يعود، ويتكرر في وقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>المسألة الأولى: حكمها، ودليل ذلك:</span>\nصلاة العيد فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركت من الكل أثم الجميع؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، ولأنه - ﷺ - داوم عليها، وكذلك أصحابه من بعده. وقد أمر النبي - ﷺ - بها حتى النساء، إلا أنه أمر الحُيَّض باعتزال المصلى، وهذا مما يدلُّ على أهميتها، وعظيم فضلها؛ لأنه إذا أمر بها النساء مع أنهن لسن من أهل الاجتماع فالرجال من باب أولى. ومن أهل العلم مَنْ يُقَوِّي كونها فرض عين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>المسألة الثانية: شروطها:</span>\nومن أهم شروطها: دخول الوقت، ووجود العدد المعتبر، والاستيطان.\nفلا تجوز قبل وقتها، ولا تجوز في أقل من ثلاثة أشخاص، ولا تجب على المسافر غير المستوطن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>المسألة الثالثة: المواضع التي تصلى فيها:</span>\nيسن أن تصلى في الصحراء خارج البنيان؛ لحديث أبي سعيد: (كان النبي - ﷺ - يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى) (١)، والقصد من ذلك -والله أعلم- إظهار هذه الشعيرة، وإبرازها. ويجوز صلاتها في المسجد الجامع، مِنْ عذر كالمطر والريح الشديدة، ونحو ذلك.\n_________\n(١) متقق عليه: البخاري برقم (٩٥٦)، ومسلم برقم (٨٨٩).","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المسألة الرابعة: وقتها:</span>\nووقتها كصلاة الضحى بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى وقت الزوال؛ لأنه - ﷺ - وخلفاءه كانوا يصلونها بعد ارتفاع الشمس، ولأن ما قبل ارتفاع الشمس وقت نهي (١). ويسن تعجيل الأضحى فى أول وقتها، وتأخير الفطر؛ لفعله - ﷺ -، ولأن الناس في حاجة إلى تعجيل الأضحى لذبح الأضاحي، وهم في حاجة إلى امتداد وقت صلاة الفطر ليتسع لأداء زكاة الفطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>المسألة الخامسة: صفتها وما يقرأ فيها:</span>\nوصفتها: ركعتان قبل الخطبة لقول عمر: (صلاة الفطر والأضحى ركعتان ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم. وقد خاب من افترى) (٢).\nيكبِّر في الأولى بعد تكبيرة الإحرام والاستفتاح، وقبل التعوذ ستًا. وفي الثانية قبل القراءة خمسًا، غير تكبيرة القيام. لحديث عائشة مرفوعًا: (التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرتي الركوع) (٣). ويرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لأن النبي - ﷺ - (كان يرفع يديه مع التكبير) (٤)، ثم يقرأ بعد الاستعاذة جهرًا بغير خلاف، ويقرأ الفاتحة، وفي الأولى بسبح اسم ربك الأعلى. وفي الثانية بالغاشية لقول سمرة: (كان - ﷺ - يقرأ في العيدين (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» (٥)، وصحَّ عنه - ﷺ - أنه كان يقرأ في الأولى بـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) وفي الثانية (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (٦)،\n_________\n(١) انظر: المغني (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٧)، والنسائي (١/ ٢٣٢)، والبيهقي (٣/ ٢٠٠)، وهو صحيح، انظر إرواء الغليل (٣/ ١٠٦).\n(٣) رواه أبو داود برقم (١١٤٩)، وهو صحيح، انظر إرواء الغليل (٣/ ٢٨٦).\n(٤) رواه أحمد (٤/ ٣١٦)، وحسنه الألباني (الإرواء برقم ٦٤١).\n(٥) رواه أحمد (٥/ ٧) وابن ماجه برقم (١٢٨٣)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٦٤٤).\n(٦) أخرجه مسلم برقم (٨٩١).","vol":"1","page":103},{"text":"فيراعى الإتيان بهذا مرة، وهذا مرة، عملًا بالسنة، مع مراعاة ظروف المصلين، فيأخذهم بالأرفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المسألة السادسة: موضع الخطبة:</span>\nموضع الخطبة في صلاة العيد بعد الصلاة؛ لقول ابن عمر ﵄: (كان النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>المسألة السابعة: قضاء العيد:</span>\nلا يسن لمن فاتته صلاة العيد قضاؤها؛ لعدم ورود الدليل عن النبي - ﷺ - بذلك، ولأنها صلاة ذات اجتماع معين، فلا تشرع إلا على هذا الوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>المسألة الثامنة: سننها:</span>\n١ - يسن أن تؤدى صلاة العيد في مكان بارز وواسع، خارج البلد، يجتمع فيه المسلمون لإظهار هذه الشعيرة، وإذا صليت في المسجد لعذر فلا بأس بذلك.\n٢ - ويسن تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر، كما تقدَّم بيان ذلك عند الكلام على وقتها.\n٣ - وأن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر تمرات، وألا يطعم يوم النحر حتى يصلي، لفعله - ﷺ -، فكان لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر على تمرات يأكلهن وترًا (٢). ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي (٣).\n٤ - ويسن التبكير في الخروج لصلاة العيد بعد صلاة الصبح ماشيًا؛ ليتمكن من الدنو من الإمام، وتحصل له فضيلة انتظار الصلاة.\n٥ - ويسن أن يتجمل المسلم، ويغتسل، ويلبس أحسن الثياب، ويتطيب.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٩٦٣)، ومسلم برقم (٨٨٨).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٩٥٣).\n(٣) أخرجه الترمذي برقم (٥٤٢)، وابن ماجه برقم (١٧٥٦)، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه رقم ١٤٢٢).","vol":"1","page":104},{"text":"٦ - ويسن أن يخطب في صلاة العيد بخطبة جامعة شاملة لجميع أمور الدين، ويحثهم على زكاة الفطر، ويبين لهم ما يخرجون، ويرغبهم في الأضحية، ويبين لهم أحكامها، وتكون للنساء فيها نصيب؛ لأنهن في حاجة لذلك واقتداء بالنبي - ﷺ -، فقد أتى النساء بعد فراغه من الصلاة والخطبة فوعظهن وَذَكرَهُن (١). وتكون بعد الصلاة كما سبق.\n٧ - ويسن كثرة الذكر بالتكبير والتهليل لقوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: ١٨٥]، ويجهر به الرجال في البيوت والمساجد والأسواق، ويُسِرُّ به النساء.\n٨ - مخالفة الطريق، فيذهب إلى العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر؛ لحديث جابر - ﵁ -: (كان النبي - ﷺ - إذا كان يوم عيد خالف الطريق) (٢).\nوقيل في الحكمة من ذلك: ليشهد له الطريقان جميعًا، وقيل: لإظهار شعيرة الإسلام فيهما، وقيل غير ذلك.\nولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضًا يوم العيد، بأن يقول لغيره: تَقَبَّلَ الله منا ومنك صالح الأعمال، فكان يفعله أصحاب النبي - ﷺ -، مع إظهار البشاشة والفرح في وجه من يلقاه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٩٧٨).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٩٨٦).","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الباب الثالث عشر: في صلاة الاستسقاء، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>المسألة الأولى: تعريفها، وحكمها ودليل ذلك:</span>\n١ - تعريفها: الاستسقاء هو طلب السقي من الله تعالى عند حاجة العباد إليه، على صفة مخصوصة؛ وذلك إذا أجدبت الأرض، وقحط المطر؛ لأنه لا يسقي ولا ينزل الغيث إلا الله وحده.\n٢ - حكمها: حكم صلاة الاستسقاء أنها سنة مؤكدة؛ لقول عبد الله بن زيد: (خرج رسول الله - ﷺ - يستسقي فتوجَّه إلى القبلة، يدعو وحَوَّل رداءه، وصلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>المسألة الثانية: سببها:</span>\nوسببها القحط، وهو انحباس المطر؛ لأن النبي - ﷺ - كان يفعلها لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>المسألة الثالثة: وقتها وكيفيتها:</span>\nوقت صلاة الاستسقاء وصفتها كصلاة العيد، لقول ابن عباس: (صلى النبي - ﷺ - ركعتين كما يصلي في العيدين) (٢). فيستحب فعلها في المصلى، كصلاة العيد، وتصلى ركعتين، ويجهر بالقراءة فيهما كصلاة العيد، وتكون قبل الخطبة، وكذلك في عدد التكبيرات وما يقرأ فيها. ويجوز الاستسقاء على أي صفة كانت، فيدعو الإنسان، ويستسقي في صلاته إذا سجد، ويستسقي الإمام على المنبر في صلاة الجمعة، فقد استسقى النبي - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>المسألة الرابعة: الخروج إليها:</span>\nإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس، وأمرهم بالتوبة، والخروج من المظالم، وترك\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٠١١)، ومسلم برقم (٨٩٤).\n(٢) رواه النسائي برقم (١٥٢١)، والترمذي برقم (٥٥٨)، وهو حسن، انظر إرواء الغليل (١٣/ ٣٣).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (٩٣٣)، ومسلم برقم (٨٩٧).","vol":"1","page":106},{"text":"التباغض والتشاحن؛ لأنه سبب في منع الخير من الله سبحانه، ولأن المعاصي سبب القحط والتقوى سبب البركات. قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف: ٩٦]. ويتنظف لها، ولا يتطيب، ولا يلبس الزينة؛ لأنه يوم استكانة وخشوع، ويخرج متواضعًا، متخشعًا، متذللًا، متضرعًا؛ لقول ابن عباس: (خرج النبي - ﷺ - للاستسقاء متذللًا، متواضعًا، متخشعًا، متضرعًا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>المسألة الخامسة: الخطبة فيها:</span>\nيسن أن يخطب الإمام في صلاة الاستسقاء بخطبة واحدة بعد الصلاة، تكون جامعة وشاملة، يأمر فيها بالتوبة، وكثرة الصدقة، والرجوع إلى الله، وترك المعاصي.\nوينبغي أن يكثر في الخطبة من الاستغفار، وقراءة الآيات التي تأمر به، ويكثر من الدعاء بطلب الغيث من الله تعالى كقوله: (اللهم أغثنا) (٢)، وقوله: (اللهم أسقنا غيثًا مغيثًا، مَرِيئًا مَرِيعًا، عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار) (٣).\nومعنى مريئًا: سهلًا طيبًا، ومريعًا: مخصبًا. وقوله: (اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين) (٤). ونحو ذلك، ويرفع يديه؛ لأن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك، حتى كان يرى بياض إبطه، ويرفع الناس أيديهم؛ لأن النبي - ﷺ - لما رفع يديه يستسقي في صلاة الجمعة، رفع الناس أيديهم. ويكثر من الصلاة على النبي - ﷺ -؛ لأن ذلك من أسباب الإجابة.\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (٤٥٨)، وابن ماجه برقم (١٢٦٦)، وهو حسن، انظر: إرواء الغليل (٣/ ١٣٣).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٠١٤)، ومسلم برقم (٨٩٧)، ضمن حديث الاستسقاء الطويل.\n(٣) أخرجه أبو داود برقم (١١٦٩)، وصحح الشيخ الألباني إسناده. (تخريج المشكاة برقم ١٥٠٧).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (١١٧٣)، وحسَّن الشيخ الألباني إسناده. (تخريج المشكاة برقم ١٥٠٨).","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المسألة السادسة: السنن التي ينبغي فعلها فيها:</span>\n١ - أن يكثر من الدعاء المأثور عن النبي - ﷺ - في ذلك، ويستقبل القبلة في آخر الدعاء، ويحوِّل رداءه، فيجعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين، وكذلك ما شابه الرداء كالعباءة ونحوها. فقد ثبت أن النبي - ﷺ - حَوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حوَّل رداءه (١). وقيل: الحكمة من تحويل الرداء التفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه.\n٢ - يسن أن يخرج إلى صلاة الاستسقاء جميع المسلمين، حتى النساء والصبيان.\n٣ - يسن الخروج إليها بخضوع، وخشوع، وتذلل، فقد خرج النبي - ﷺ - للاستسقاء متذللًا، متواضعًا، متخشعًا، متضرعًا (٢).\n٤ - يسن عند نزول المطر أن يقف في أوله ليصيبه منه ويقول: (اللهم صَيِّبًا نافعًا). والصيِّب: المنهمر المتدفق. ويقول: (مُطرنا بفضل الله ورحمته).\n٥ - وإذا كثر المطر، وخيف من الضرر، يسن أن يقول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر) (٣). والظراب: الجبال الصغار. والآكام: جمع أَكَمة، وهي التلّ، وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٠١١)، ومسلم برقم (٨٩٤).\n(٢) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وتقدم في الصفحة السابقة.\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٠٢١)، ومسلم برقم (٨٩٧) واللفظ له.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الباب الرابع عشر: في صلاة الكسوف، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>المسألة الأولى: تعريف الكسوف، والحكمة منه:</span>\nالكسوف: هو انحجاب ضوء أحد النَّيِّرين -الشمس والقمر- بسبب غير معتاد، والكسوف والخسوف بمعنى واحد. ويحدث الله -﷿- ذلك تخويفًا لعباده حتى يرجعوا إليه سبحانه، كما قال - ﷺ -: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يُخَوِّف الله بهما عباده) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>المسألة الثانية: حكم صلاة الكسوف ودليلها:</span>\nوصلاة الكسوف واجبة على ما صرح به أبو عوانة في صحيحه، وَحُكي عن أبي حنيفة، وأجراها مالك مجرى الجمعة، وقَوَّى ابن القيم ﵀ القول بوجوبها، وأيده الشيخ ابن عثيمين؛ وذلك لأن النبي - ﷺ - أمر بها، وخرج فزعًا إليها، وأخبر أنها تخويف للعباد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>المسألة الثالثة: وقتها:</span>\nوقتها من ابتداء الكسوف إلى ذهابه لقوله - ﷺ -: (إذا رأيتم شيئًا من ذلك فصلوا حتى ينجلي) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>المسألة الرابعة: كيفيتها وما يقرأ فيها:</span>\nوكيفيتها: ركعتان. يقرأ في الأولى جهرًا -ليلًا كانت أو نهارًا- الفاتحة، وسورة طويلة، ثم يركع طويلًا، ثم يرفع، فيسمع، ويحمد، ولا يسجد. بل يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٠٤٨)، ومسلم برقم (٩١١).\n(٢) انظر: فتح الباري (٢/ ٦١٢)، والصلاة لابن القيم (ص ١٥)، والشرح الممتع (٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(٣) رواه مسلم برقم (٩١٥).","vol":"1","page":109},{"text":"طويلتين، ثم يصلى الثانية كالأولى، لكن دونها في كل ما يفعل، ثم يتشهد ويسلم. لقول جابر: (كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - في يوم شديد الحر، فصلى بأصحابه، فأطال القيام، حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم سجد سجدتين، ثم قام، فصنع نحو ذلك، فكانت أربع ركعات وأربع سجدات) (١).\nويسن أن يعظ الإمام الناس بعد صلاة الكسوف ويحذِّرهم من الغفلة والاغترار بالدنيا ويأمرهم بالإكثار من الدعاء والاستغفار؛ لفعل النبي - ﷺ -، فقد خطب الناس بعد الصلاة وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكَبِّروا، وصلوا وتصدقوا) (٢).\nفإذا انتهت الصلاة قبل الانجلاء فلا تعاد، بل يذكر الله، ويكثر من دعائه؛ لقوله - ﷺ -: (فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم). فدلَّ على أنه إنْ سَلَّمَ من الصلاة قبل الانجلاء تشاغل بالدعاء. وإذا تم الانجلاء وهو في الصلاة أتمها خفيفة، ولا يقطعها.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٩٠٤).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٤٤).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>الباب الخامس عشر: في صلاة الجنازة وأحكام الجنائر، وفيه مسائل:</span>\nالجنائز: جمع جنازة -بفتح الجيم وكسرها- بمعنى واحد. وقيل: بالفتح اسم للميت، وبالكسر اسم لما يحمل عليه.\nوينبغي للإنسان أن يتذكر الموت ونهايته في هذه الدنيا، فيستعد لذلك بالعمل الصالح، والتزود للآخرة، والتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم.\nوتسن عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية، فإذا احتضر يسنُّ تلقينه (لا إله إلا الله) وتوجيهه للقبلة، فإذا مات سُنَّ تغميضه، والإسراع بتجهيزه ودفنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>المسألة الأولى: حكم غسل الميت وكيفيته:</span>\n١ - حكمه: غسل الميت واجب؛ لأمره - ﷺ - به، كما في قولى - ﷺ - في المحرم الذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماء وسدر) (١). وقوله - ﷺ - في ابنته زينب ﵂: (اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا) (٢). وهو فرض كفاية إجماعًا.\n٢ - كيفية الغسل: ينبغي أن يختار لتغسيل الموتى من هو ثقة عدل عارف بأحكام الغسل، ويقدم في التغسيل الوصي، ثم الأقرب فالأقرب، كالأب والجد والابن إذا كانوا عارفين بأحكام الغسل، وإلا قدم غيرهم ممن هو عالم بذلك. والرجل يغسله الرجال، والمرأة تغسلها النساء، ولكل واحد من الزوجين تغسيل الآخر فالرجل يغسل زوجته والمرأة تغسل زوجها. ولكل من الرجال والنساء تغسيل الأطفال دون سن السابعة. ولا يجوز للمسلم رجلًا كان أو امرأة تغسيل الكافر، ولا حمل جنازته ولا تكفينه، ولا الصلاة عليه، ولو كان قريبًا كالأب والأم.\nويشترط أن يكون الماء الذي يغسل به الميت طهورًا مباحًا، وأن يغسل في مكان مستور، ولا ينبغي حضور مَنْ لا علاقة له بتغسيل الميت.\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم (١٢٦٦)، ومسلم برقم (١٢٠٦).\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم (١٢٥٩)، ومسلم برقم (٩٣٩).","vol":"1","page":111},{"text":"وصفة الغسل: هي أن يضعه على سرير غسله، ثم يستر عورته، ثم يجرده من ثيابه، ويواريه عن العيون في حجرة أو نحوها، ثم يرفع الغاسل رأس الميت إلى قرب جلوسه، ثم يمرر يده على بطنه ويعصره، ثم ينظف الخرجين، وينجِّي الميت، فيغسل ما على الخرجين من نجاسة، وذلك بلف خرقة على يده، ثم ينوي الغسل، ويسمِّي، ويوضئه كوضوء الصلاة، إلا في المضمضة والاستنشاق، فيكفي المسح على الفم والأنف، ثم يغسل رأسه ولحيته بماء السدر، أو صابون، أو غير ذلك، ثم يغسل الميامن ثم المياسر، ثم يكمل غسل باقي الجسم. ويستحب أن يلف على يده خرقة حال التغسيل، والواجب غسلة واحدة إذا حصل بها الإنقاء، والمستحب ثلاث غسلات وإن حصل الإنقاء.\nويستحب أن يجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا، ثم ينشف الميت، ويزيل عنه ما يشرع إزالته من الأظافر والشعور، ويضفر شعر المرأة، ويسدل من ورائها. وإذا تعذر غسل الميت لعدم وجود الماء، أو كان مقطع الجسم بحرق ونحوه، فإنه ييمم بالتراب، ويستحب لمن غسل ميتًا أن يغتسل بعد تغسيله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المسألة الثانية: من يتولَّى الغسل:</span>\nالأفضل أن يتولى غسل الميت من هو أعرف بسنة الغسل من الثقات الأمناء العدول، ولا سيما إذا كان من أهله وأقاربه، لأن الذين تولوا غسله - ﷺ - كانوا من أهله كعليٍّ - ﵁ - وغيره (١)، وأولى الناس بغسله: وصيه الذي أوصى أن يغسله، ثم أبوه ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم ذوو أرحامه.\nويجب أن يتولى غسل الذكر الرجال، والأنثى النساء، ويستثنى من ذلك الزوجان فإنه لكل واحد منهما غسل الآخر، لحديث عائشة ﵂: (لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي - ﷺ - غير نسائه) (٢).\n_________\n(١) رواه ابن ماجه برقم (١٤٦٧)، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ١٢٠٧)، وانظر أيضًا: (الإرواء رقم ٦٩٩).\n(٢) رواه أبو داود برقم (٣٢١٥)، وابن ماجه برقم (١٤٦٤)، وحسَّنه الألباني (الإرواء برقم ٧٠٢).","vol":"1","page":112},{"text":"وقال النبي - ﷺ - لعائشة ﵂: (لو متِّ قبلي لغسلتك وكفنتك) (١)، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق - ﵁ - (٢).\nولا يغسل شهيد المعركة؛ لأن النبي - ﷺ - (أمر بقتلى أحد أن يدفنوا في ثيابهم، ولم يغسلوا، ولم يصلَّ عليهم) (٣). وكذلك لا يكفن، ولا يصلى عليه، بل يدفن بثيابه، كما في الحديث السابق.\nوالسِّقْطُ -وهو الولد يسقط من بطن أمه قبل تمامه، ذكرًا كان أو أنثى-: إذا بلغ أربعة أشهر غسل، وكفن، وصلي عليه، لأنه بعد أربعة أشهر يكون إنسانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>المسألة الثالثة: حكم تكفينه وكيفيته:</span>\nوتكفينه واجب لقوله - ﷺ - في المحرم الذي وَقَصَتْه راحلته: (وكفنوه في ثوبين) (٤). والواجب ستر جميع البدن، فإن لم يوجد إلا ثوب قصير لا يكفي لجميع البدن غطي رأسه، وجُعل على رجليه شيْء من الإذخر؛ لقول خباب في قصة تكفين مصعب بن عمير - ﵁ -: (فأمرنا النبي - ﷺ - أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر) (٥). ولا يغطى رأس المحرم الذكر؛ لقوله - ﷺ -: (ولا تخمروا رأسه) ويكون ذلك بثوب لا يصف البشرة ساترًا، ويجب أن يكون من ملبوس مثله؛ لأنه لا إجحاف على الميت ولا على ورثته. والسنة تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض من قطن، تبسط على بعضها، ويوضع عليها مستلقيًا، ثم يرد طرف العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، ثم طرفها الأيمن على الأيسر، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم يجعل الزائد عند رأسه ثم يعقد، فلو كان الزائد أكثر جعل عند قدميه كذلك ويعقد، فإن ذلك أثبت للكفن؛ لقول عائشة: (كفن\n_________\n(١) رواه ابن ماجه برقم (١٤٦٥)، وهو صحيح، انظر إرواء الغليل (٣/ ١٦٠).\n(٢) أخرجه مالك في الموطأ: (١/ ٢٢٣).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (١٣٤٣).\n(٤) متفق عليه: البخاري برقم (١٢٦٦)، ومسلم برقم (١٢٠٦).\n(٥) متفق عليه: البخاري برقم (١٢٧٦)، ومسلم برقم (٩٤٠).","vol":"1","page":113},{"text":"رسول الله - ﷺ - في ثلاث أثواب بيض سُحُولية (١) جدد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فيها إدراجًا) (٢)، ولقوله - ﷺ -: (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) (٣). والأنثى خمسة أثواب من قطن إزار وخمار وقميص ولفافتين. والصبي في ثوب واحد، ويباح في ثلاثة، والصغيرة في قميص ولفافتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسألة الرابعة: الصلاة على الميت، حكمها ودليل ذلك:</span>\nالصلاة على الميت فرض كفاية، إذا فعلها البعض سقط الإثم عن الباقين.\nودليلها: قوله - ﷺ - فيمن مات وعليه دين: (صَلُّوا على صاحبكم) (٤).\nوقوله - ﷺ - يوم موت النجاشي: (إن أخًا لكم قد مات، فقوموا، فصَلُّوا عليه) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المسألة الخامسة: شروط الصلاة على الميت وأركانها وسننها:</span>\n١ - شروطها: وشروطها كالآتي: النية، والتكليف، واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة؛ لأنها من الصلوات، وحضور الميت بين يدي المصلي إن كان بالبلد، وإسلام المصلي والمصلَّى عليه، وطهارتهما ولو بتراب لعذر.\n٢ - أركانها: وأركانها كالآتي: القيام مِنْ قادر في فرضها؛ لأنها صلاة وجب القيام فيها كالمفروضة. والتكبيرات الأربع. (لأن النبي - ﷺ - كَبَّر على النجاشي أربعًا). وقراءة الفاتحة لعموم حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (٦)،\n_________\n(١) بضم المهِملتين، جمع سَحْل، وهو الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلا من القطن، ويروى بفتح السين أيضًا، منسوب إلى (سَحُول) قرية باليمن. (النهاية ٢/ ٣١٣ - سحل).\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم (١٢٦٤)، ومسلم برقم (٩٤١) واللفظ الأخير عند أحمد (٦/ ١١٨).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٣٨٧٨)، والترمذي برقم (١٠٠٥)، وابن ماجه برقم (١٤٧٢) واللفظ للترمذي. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٧٩٢).\n(٤) رواه مسلم برقم (١٦١٩).\n(٥) رواه مسلم برقم (٩٥٢) - ٦٤.\n(٦) رواه مسلم برقم (٣٩٤).","vol":"1","page":114},{"text":"والصلاة على النبيِّ - ﷺ -، والدعاء للميت؛ لقوله - ﷺ -: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (١)، والسلام لعموم حديث (وتحليلها التسليم)، والترتيب بين الأركان فلا يُقَدِّم ركنًا على الآخر.\n٣ - سننها: ومن سننها: رفع اليدين مع كل تكبيرة، والاستعاذة قبل القراءة، وأن يدعو لنفسه وللمسلمين، والإسرار بالقراءة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>المسألة السادسة: وقت الصلاة على الميت وفضلها وكيفيتها:</span>\n١ - وقتها: وقت الصلاة على الميت يبدأ بعد تغسيله، وتكفينه، وتجهيزه، إن كان حاضرًا، أو بلوغ خبر وفاته إن كان غائبًا.\n٢ - فضلها: قال - ﷺ -: (من شهد الجنازة حتى يُصَلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) قيل: وما القيراطان؟ قال: (مثل الجبلين العظيمين) (٢).\n٣ - كيفيتها: يقوم الإمام والمنفرد عند رأس الرجل، ووسط المرأة، لثبوت ذلك من فعله - ﷺ - فيما رواه عنه أنس - ﵁ - (٣)، ثم يكبر للإحرام، ويتعوذ بعد التكبير، ثم يسمي، ثم يقرأ الفاتحة سرًا، ولو كان ذلك بالليل، ثم يكبر ويصلي على النبي - ﷺ - كما يصلي في التشهد، ثم يكِّبر، ويدعو للميت بالدعاء الوارد عن النبي - ﷺ - ومنه قوله - ﷺ -: (اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأَحْيِه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان) (٤). (اللهم اغفر له، وارحمه وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونَقِّهِ من الذنوب\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣١٩٩)، وهو حسن. انظر: إرواء الغليل (٣/ ١٧٩).\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٣٢٥)، ومسلم برقم (٩٤٥).\n(٣) أخرجه أبو داود برقم (٣١٩٤)، والترمذي برقم (١٠٤٥)، وابن ماجه برقم (١٤٩٤). قال الترمذي: حديث حسن. وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٨٢٦).\n(٤) رواه أبو داود برقم (٣٢٠١)، والترمذي برقم (١٠٢٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٥٨). قال الترمذي: \"حسن صحيح\". وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":115},{"text":"والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، أو عذاب النار) (١). وإن كان الميت صغيرًا قال: (اللهم اجعله سلفًا لوالديه، وفرطًا، وأجرًا) (٢)، ثم يكبر، ويقف بعدها قليلًا. وإن دعا بما تيسر فحسن كأن يقول: (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده) (٣). ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، وإن سلم تسليمتين فلا بأس به. ومن فاته بعض الصلاة دخل مع الإمام، وإذا سلم قضى ما فاته على صفته، ومن فاتته الصلاة قبل الدفن فله أن يصلي على القبر؛ لفعله - ﷺ - ذلك في قصة المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد (٤).\nويصلى على الغائب عن البلد عند العلم بوفاته ولو بشهر أو أكثر. ويصلى على السقط إذا تم له أربعة أشهر فأكثر، وإن كان أقل من ذلك فلا يصلى عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>المسألة السابعة: حمل الجنازة والسير بها:</span>\nيسن اتباع الجنازة وتشييعها إلى القبر، لقوله - ﷺ -: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين) (٥).\nوينبغي للمسلم إذا علم بوفاة أحد من المسلمين أن يخرج لحمل جنازته والصلاة عليه ودفنه؛ لقوله - ﷺ -: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز ...) (٦). ويتأكد ذلك إذا لم يخرج أحد في جنازته. ولا بأس بحملها في سيارة أو على دابة، ولاسيما إذا كانت المقبرة\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٩٦٣).\n(٢) أخرجه عبد الرازق في مصنفه (٣/ ٥٢٩) برقم ٦٥٨٩.\n(٣) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٢٨) برقم ١٧، وعبد الرزاق في مصنفه (٣/ ٤٨٨) برقم ٦٤٢٥، وابن حبان، كما في الإحسان (٧/ ٣٤٢) برقم ٣٠٧٣. وقال محققه: \"إسناده صحيح على شرط مسلم\".\n(٤) أخرجه البخاري برقم (٤٥٨)، ومسلم برقم (٩٥٦).\n(٥) تقدَّم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(٦) أخرجه البخاري برقم (١٢٤٠).","vol":"1","page":116},{"text":"بعيدة، وعلى التابع لها المشاركة في الحمل.\nويشرع دفن الميت في مقبرة خاصة بالموتى؛ لأن النبي - ﷺ - كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة.\nويسن الإسراع بالجنازة، في غسلها، وتكفينها، والصلاة عليها، ودفنها؛ لقوله - ﷺ -: (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره) (١). وما يفعله بعض الناس من تأخيرها ونقلها من مكان إلى آخر أو اختيار يوم من الأسبوع تدفن فيه، فهذا كله خلاف السنة. كما يسنُّ الإسراع في المشي بها أثناء حملها لقوله - ﷺ -: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) (٢)، لكن لا يكون إسراعًا شديدًا، بل دون الخَبَبِ كما اختاره بعض العلماء.\nوعلى الحاملين للجنازة السكينة والوقار، وعدم رفع الصوت، لا بقراءة ولا بغيرها؛ لأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - شيء في ذلك، ومن فعله فقد خالف السنة.\nولا يجوز للنساء الخروج مع الجنازة؛ لحديث أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز) (٣)، فحمل الجنازة وتشييعها خاص بالرجال، ويكره للمشيع الجلوس حتى توضع الجنازة على الأرض، لنهيه - ﷺ - عن الجلوس حتى توضع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>المسألة الثامنة: دفن الميت وصفة القبر وما يسن فيه:</span>\nويسن أن يعمق القبر، وأن يوسع، وأن يُلْحَدَ له فيه، وهو: أن يحفر في قاع القبر حفرة في جانبه إلى جهة القبلة، فإن تعذر اللحد فلا بأس بالشق، وهو: أن يحفر للميت في وسط القبر، لكن اللحد أفضل، لقوله - ﷺ -: (اللحد لنا، والشق لغيرنا) (٥).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني (١٢/ ٣٤٠) ح ١٣٦١٣ وحسنه ابن حجر (الفتح ٣/ ٢١٩).\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم (١٣٥١)، ومسلم برقم (٩٤٤) واللفظ للبخاري.\n(٣) رواه البخاري برقم (١٢٧٨)، ومسلم برقم (٩٣٨)، واللفظ لمسلم.\n(٤) أخرجه البخاري برقم (١٣١٠)، ومسلم برقم (٩٥٩).\n(٥) أخرجه الترمذي برقم (١٠٥٦) وحسنه، وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٨٣٥).","vol":"1","page":117},{"text":"ويوضع الميت في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة، وتسد فتحة اللحد باللبن والطين، ثم يهال عليه التراب، ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنمًا -أي على هيئة السنام- لثبوت ذلك في صفة قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه (١)، ليعلم أنه قبر فلا يهان، ولا بأس بوضع أحجار أو غيرها على أطرافه لبيان حدوده ومعرفته، ويحرم البناء على القبور وتجصيصها والجلوس عليها، كما يكره الكتابة عليها، إلا بقدر الحاجة للإعلام؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: (نهى النبي - ﷺ - أن يُجَصَّص (٢) القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) (٣). زاد الترمذي: (وأن يكتب عليها).\nولأن هذا من وسائل الشرك والتعلق بالأضرحة، وهذا مما يغترُّ به الجُهَّال ويتعلقون به.\nويحرم أيضًا إسراج القبور أي إضاءتها؛ لما فيه من التشبه بالكفار، وإضاعة المال، وبناء المساجد عليها، والصلاة عندها أو إليها؛ لقوله - ﷺ -: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (٤).\nوتحرم إهانتها بالمشي عليها أو وطئها بالنعال أو الجلوس عليها وغير ذلك؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير من أن يجلس على قبر) (٥)، ولنهيه - ﷺ - عن الوطء على القبور (٦).\nويستحب عند الفراغ من الدفن الدعاء للميت؛ لفعله - ﷺ -. فإنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) (٧). وأما قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن عند القبر فإنه بدعة\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع (٤/ ٤٥٨).\n(٢) أي: يطلى بالجص، وهو الكلس أو الكج الذي تطلى به البيوت.\n(٣) رواه مسلم برقم (٩٧٠)، والترمذي برقم (١٠٦٤)، وقال: حسن صحيح.\n(٤) أخرجه البخاري برقم (١٣٣٠)، ومسلم برقم (٥٢٩).\n(٥) رواه مسلم برقم (٩٧١).\n(٦) أخرجه الترمذي برقم (١٠٦٤) وقال: حسن صحيح.\n(٧) رواه أبو داود برقم (٣٢٢١)، وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٧٠)، ووافقه الذهبي، وحسنه النووي والحافظ ابن حجر (انظر: التعليق على الطحاوية ٢/ ٢٦٥ - ٦٦٦).","vol":"1","page":118},{"text":"منكرة؛ لأنه لم يفعله النبي - ﷺ - ولا صحابته الكرام، وقد قال - ﷺ -: (من\nعمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المسألة التاسعة: التعزية، حكمها، وكيفيتها:</span>\nوالتعزية: هي تسلية المصاب وتقويته على تحمل مصيبته، فتذكر له الأدعية والأذكار الواردة في فضيلة الصبر والاحتساب.\nوتشرع تعزية أهل الميت بما يخفف عنهم من مصابهم، ويحملهم على الرضا والصبر، بما ثبت عنه - ﷺ - إن كان يعلمه، ويستحضره، وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض، ولا يخالف الشرع. فعن أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي - ﷺ - فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا لها أو ابنًا لها في الموت، فقال رسول الله - ﷺ -: (ارجع إليها فأخبرها: أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمُرْها فلتصبر، ولتحتسب) (٢) وهذا من أحسن الألفاظ الواردة في التعزية. وينبغي عند العزاء تجنُّب بعض الأمور التي انتشرت بين الناس، وليس لها أصل في الشرع، منها:\n١ - الاجتماع للتعزية في مكان خاص بجلب الكراسي والإضاءة والقراء.\n٢ - عمل الطعام خلال أيام العزاء من قبل أهل الميت لضيافة الواردين للعزاء. لحديث جرير البجلي - ﵁ - قال: (كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة) (٣).\n٣ - تكرار التعزية، فبعض الناس يذهب إلى أهل الميت أكثر من مرة ويعزيهم، والأصل أن تكون التعزية مرة واحدة، ولكن إذا كان القصد من تكرارها التذكير والأمر بالصبر، والرضا بقضاء الله وقدره، فلا بأس. وأما إن كان\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٦٩٧)، ومسلم برقم (١٧١٨) - ١٨ واللفظ لمسلم.\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٨٤)، ومسلم برقم (٩٢٣).\n(٣) رواه ابن ماجه برقم (١٦١٢)، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ١٣١٨).","vol":"1","page":119},{"text":"تكرارها لغير هذا القصد فلا ينبغي؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي - ﷺ - وأصحابه.\nوالسنة أن يعمل أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعامًا؛ لقوله - ﷺ -: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم أمر يشغلهم -أو أتاهم ما يشغلهم-) (١).\nوأما البكاء والحزن على الميت فلا بأس به ويحصل في الغالب، وهو الذي تمليه الطبيعة دون تكلف، فقد بكى النبي - ﷺ - على ابنه إبراهيم حين مات، وقال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ...) (٢).\nلكن لا يكون ذلك على وجه التسخط والجزع والتشكي. ويحرم الندب، والنياحة، وضرب الخدود، وشق الجيوب؛ لقوله - ﷺ -: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) (٣)، كقوله: يا ويلاه، يا ثبوراه وما أشبه ذلك، ولقوله - ﷺ -: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جَرَب) (٤).\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣١١٦)، والترمذي برقم (١٠٠٣)، وابن ماجه برقم (١٦١٠)، وحسَّنه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ١٣١٦).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٣).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (١٢٩٤)، ومسلم برقم (١٠٣).\n(٤) أخرجه مسلم برقم (٩٣٤). والجرب: مرض معروف، وهو بثور تعلو الجلد، ويكون معها حكة.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>ثالثًا: كتاب الزكاة</span>\nويشتمل على ستة أبواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الباب الأول: في مقدمات الزكاة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>المسألة الأولى: في تعريف الزكاة:</span>\nالزكاة في اللغة: النماء والزيادة. يقال: زكا الزرع إذا نما.\nوشرعًا: عبارة عن حق يجب في المال الذي بلغ نصابًا معينًا بشروط مخصوصة، لطائفة مخصوصة. وهي طهرة للعبد، وتزكية لنفسه، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: ١٠٣]، وهي سبب من أسباب إشاعة الألفة، والمحبة، والتكافل بين أفراد المجتمع المسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>المسألة الثانية: حكم الزكاة ودليل ذلك:</span>\nالزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه الخمسة، وهي أهم أركانه بعد الصلاة؛ لقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: ١٠٣].\nولقوله - ﷺ -: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) (١)، وقوله - ﷺ - في وصيته لمعاذ بن جبل - ﵁ - لما بعثه إلى اليمن: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم) (٢).\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٨)، ومسلم برقم (١٦)، من حديث ابن عمر ﵄.\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٣٩٥)، ومسلم برقم (١٩)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":121},{"text":"وقد أجمع المسلمون في جميع الأمصار على وجوبها، واتفق الصحابة على قتال مانعيها.\nفثبت بذلك فرضية الزكاة بالكتاب، والسنة، والإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>المسألة الثالثة: حكم من أنكرها:</span>\nمن أنكر وجوب الزكاة جهلًا بها، وكان ممن يجهل مثله ذلك: إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لكونه نشأ ببادية بعيدة عن الأمصار، عُرِّف وجوبها، ولم يحكم بكفره، لأنه معذور.\nوإن كان منكرها مسلمًا ناشئًا ببلاد الإسلام وبين أهل العلم، فهو مُرْتَدٌّ تجري عليه أحكام الردة، ويستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قُتل؛ لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تكاد تخفى على من هذا حاله، فإذا جحدها لا يكون إلا لتكذيبه الكتاب والسنة، وكفره بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>المسألة الرابعة: حكم مانعها بخلًا:</span>\nمن منع أداء الزكاة بخلًا بها مع اعتقاده بوجوبها، فهو آثم بامتناعه ولا يُخرجه ذلك عن الإسلام؛ لأن الزكاة فرع من فروع الدين، فلم يكفر تاركه بمجرد تركه، لقوله - ﷺ - عن مانع الزكاة: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) (١) ولو كان كافرًا لما كان له سبيل إلى الجنة، وهذا تؤخذ منه الزكاة قهرًا مع التعزير، فإن قاتل دونها قوتل حتى يخضع لأمر الله تعالى، ويؤدي الزكاة؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥].\nوقوله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٩٨٧) وهو جزء من الحديث الطويل في إثم مانع الزكاة، وفيه: أن مانع زكاة الذهب والفضة يعذب بها في نار جهنم، ثم يرى سبيله إلى الجنة أو النار.","vol":"1","page":122},{"text":"دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) (١).\nولقول أبي بكر الصديق: (لو منعوني عَنَاقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليها) (٢). والعَنَاقُ: الأنثى من ولد المعز، ما لم تستكمل سنة.\nوكان معه في رأيه الخلفاء الثلاثة وسائر الصحابة، فكان ذلك إجماعًا منهم على قتال مانعي الزكاة، ومانعها بخلًا يدخل تحت هذه النصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>المسألة الخامسة: في الأموال التي تجب فيها الزكاة:</span>\nتجب الزكاة في خمسة أجناس من الأموال وهي:\n١ - بهيمة الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والغنم، لقوله - ﷺ -: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما نفذت أخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس) (٣)\n٢ - النقدان: وهما الذهب والفضة، وكذلك ما يقوم مقامهما من العملات الورقية المتداولة اليوم، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة: ٣٤].\nوقوله - ﷺ -: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَت له صفائح من نار، فأُحمِيَ عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت رُدَّت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (٤).\n٣ - عروض التجارة: وهي كل ما أعدَّ للبيع والشراء لأجل الربح؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) [البقرة: ٢٦٧]، فقد ذكر عامة أهل العلم أن المراد بهذه الآية زكاة عروض التجارة.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٩٤٦)، ومسلم برقم (٢١).\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٤٠٠)، ومسلم برقم (٢٠).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٩٨٧) من حديث أبي هريرة.\n(٤) أخرجه مسلم برقم (٩٨٧) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":123},{"text":"٤ - الحبوب والثمار: الحبوب: هي كل حب مدخر مقتات من شعير وقمح وغيرهما. والثمار: هي التمر والزبيب؛ لقوله تعالى: (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) [البقرة: ٢٦٧]. وقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١].\nوقولى - ﷺ -: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًّا (١) العشر، وفيما سُقِي بالنَّضْحِ (٢) نصف العشر) (٣).\n٥ - المعادن والرِّكاز: المعادن: هي كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها، من غير وضع واضع مما له قيمة؛ كالذهب، والفضة، والنحاس، وغير ذلك.\nوالرِّكاز: هو ما يوجد في الأرض من دفائن الجاهلية، ودليل وجوب الزكاة في المعادن والركاز عموم قوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) [البقرة: ٢٦٧]. قال الإمام القرطبي في تفسيره: يعني النبات والمعادن والركاز، ولقوله - ﷺ -: (وفي الركاز الخمس) (٤).\nوأجمعت الأمة على وجوب الزكاة في المعادن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>المسألة السادسة: في الحكمة من إيجاب الزكاة، وعلى مَنْ تجب (شروط وجوبها):</span>\nأ- الحكمة في إيجاب الزكاة:\nشرعت الزكاة لحكم سامية، وأهداف نبيلة، لا تحصى كثرة، منها:\n١ - تطهير المال وتنميته، وإحلال البركة فيه، وذهاب شره ووبائه، ووقايته من الآفات والفساد.\n٢ - تطهير المزكِّي من الشح والبخل، وأرجاس الذنوب والخطايا، وتدريبه على البذل والإنفاق في سبيل الله.\n_________\n(١) وهو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، كأن يكون فى بركة ونحوها يصب إليه من ماء المطر في سواق تشق له، أو يكون الماء قريبًا منه فيشرب بعروقه، كالذي يكون قريبا من الأنهار.\n(٢) بالنَّضح: يعني بالإبل التي يحمل عليها الماء لسقي الزرع، وتسمى: ناضح، والأنثى: ناضحة.\n(٣) أخرجه البخاري برقم (١٤٨٣) من حديث ابن عمر ﵄.\n(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري برقم (١٤٩٩)، ومسلم برقم (١٧١٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":124},{"text":"٣ - مواساة الفقير وسد حاجة المعوزين والبائسين والمحرومين.\n٤ - تحقيق التكافل والتعاون والمحبة بين أفراد المجتمع، فحينما يعطي الغني أخاه الفقير زكاة ماله يستلُّ بها ما عسى أن يكون في قلبه من حقد وتمنٍّ لزوال ما هو فيه من نعمة الغنى، وبذلك تزول الأحقاد ويعم الأمن.\n٥ - إن في أدائها شكرًا لله تعالى على ما أسبغ على المسلم من نعمة المال، وطاعة لله ﷾ في تنفيذ أمره.\n٦ - أنها تدل على صدق إيمان المزكي؛ لأن المال المحبوب لا يخرج إلا لمحبوب أكثر محبة، ولهذا سميت صدقة؛ لصدق طلب صاحبها لمحبة الله، ورضاه.\n٧ - أنها سبب لرضا الرب، ونزول الخيرات، وتكفير الخطايا، وغيرها.\nب- على من تجب الزكاة (شروط وجوبها):\nتجب الزكاة على من توافرت فيه الشروط الآتية:\n١ - الإسلام: فلا تجب الزكاة على الكافر؛ لأنها عبادة مالية يتقرب بها المسلم إلى الله، والكافر لا تقبل منه العبادة حتى يدخل في الإسلام، لقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) [التوبة: ٥٤] فإذا كانت لا تقبل منهم فلا فائدة في إلزامهم بها، ولمفهوم قول أبي بكر الصديق - ﵁ -: (هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - ﷺ - على المسلمين) (١)، لكنه مع ذلك محاسب عليها، لأنه مخاطب بفروع الشريعة على الصحيح.\n٢ - الحرية: فلا تجب الزكاة على العبد والمُكَاتَب؛ لأن العبد لا يملك شيئًا، والمكاتب ملكه ضعيف، وأن العبد وما في يده ملك لسيده، فتجب زكاته عليه.\n٣ - ملك النصاب ملكًا تامًا مستقرًا (٢): وكونه فاضلًا عن الحاجات الضرورية التي لا غنى للمرء عنها، كالمطعم، والملبس، والمسكن؛ لأن الزكاة\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٤٥٤)، وذلك في الكتاب الذي كتبه أبو بكر - ﵁ - لأنس بن مالك لما وجهه إلى البحرين.\n(٢) ومعنى كونه مستقرًا: أي أنه ليس بعرضة للتلف، فإن كان عرضة للتلف وعدم التمكن فلا زكاة فيه.","vol":"1","page":125},{"text":"تجب مواساة للفقراء، فوجب أن يعتبر ملك النصاب الذي يحصل به الغنى المعتبر، لقوله - ﷺ -: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة) (١).\n٤ - حولان الحول على المال: وذلك بأن يمر على النصاب في حوزة مالكه اثنا عشر شهرًا قمريًا؛ لقوله - ﷺ -: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (٢).\nوهذا الشرط خاص ببهيمة الأنعام والنقدين وعروض التجارة، أما الزروع والثمار والمعادن والركاز فلا يشترط لها الحول؛ لقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]، ولأن المعادن والركاز مال مستفاد من الأرض، فلا يعتبر في وجوب زكاته حول، كالزروع والثمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>المسألة السابعة: في أقسامها:</span>\nالزكاة قسمان:\n١ - زكاة الأموال: وهي التي تتعلق بالمال.\n٢ - زكاة الأبدان: وهي التي تتعلق بالبدن، وهي زكاة الفطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>المسألة الثامنة: زكاة الدَّيْن:</span>\nالدين إذا كان على معسر فإن صاحب الدين يزكيه إذا قبضه لعام واحد في سنة قبضه، وإن كان على مليء قادر فإنه يزكيه لكل عام؛ لأنه في حكم الموجود عنده.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٤٤٧)، ومسلم برقم (٩٧٩)، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(٢) رواه ابن ماجه وغيره، وصححه الألباني انظر: إرواء الغليل (٣/ ٢٥٤) برقم (٧٨٧)","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الباب الثاني: في زكاة الذهب والفضة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>المسألة الأولى: حكم الزكاة فيهما، وأدلة ذلك:</span>\nتجب الزكاة في الذهب والفضة لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة: ٣٤] ولا يُتَوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب.\nولقوله - ﷺ -: (ما مِن صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَت له صفائح من نار، فأُحْمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت عليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد) (١).\nولإجماع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا، وقيمته مائتا درهم، تجب الزكاة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>المسألة الثانية: مقدارها:</span>\nمقدار الزكاة الواجبة في الذهب والفضة ربع العشر، أي في كل عشرين دينارًا من الذهب نصف دينار، وما زاد فبحسابه قل أو كثر، وفي كل مائتي درهم من الفضة خمسة دراهم، وما زاد فبحسابه؛ لقوله - ﷺ - في كتاب الصدقة: (وفي الرِّقَةِ (٢) كل مائتي درهم ربع العشر) (٣). ولحديث: (... وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا. فإذا كان لك عشرون دينارًا، وحال عليه الحول، ففيها نصف مثقال) (٤). ولما جاء عن النبي - ﷺ - من أنَّه (كان يأخذ من كل عشرين مثقالًا نصف مثقال) (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٩٨٧) من حديث أبي هريرة، وقد تقدم.\n(٢) الرِّقَةُ: -بتخفيف القاف- الفضة والدراهم المضروبة منها، وأصله (الوَرق) فحذفت الواو وعوض منها الهاء.\n(٣) أخرجه البخاري برقم (١٤٥٤) من حديث أنس بن مالك.\n(٤) رواه أبو داود برقم (١٥٧٣) وغيره عن علي بإسناد حسن أو صحيح كما قال الإمام النووي.\n(٥) رواه ابن ماجه برقم (١٧٩١)، والدارقطني برقم (١٩٩)، وهو صحيح. انظر إرواء الغليل (٣/ ٢٨٩).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المسألة الثالثة: شروطها:</span>\nيشترط لوجوب الزكاة في الذهب والفضة الشروط التالية:\n١ - بلوغ النصاب، وهو عشرون مثقالًا من الذهب؛ لحديث علي: (... وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليه الحول ففيها نصف مثقال) ويساوي بالجرامات (٨٥) جرامًا.\nونصاب الفضة مائتا درهم من الفضة لقوله - ﷺ -: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة). والأوقية أربعون درهمًا، فخمس أواق تساوي مائتي درهم، وقولى - ﷺ -: (وفي الرَّقَة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائةً فليس فيها شيء، إلا أن يشاء رَبُّها) (١).\nوقد أجمع العلماء على أن نصاب الفضة خمس أواق، ونصاب الذهب عشرون مثقالًا (٢).\n٢ - بقية الشروط العامة التي سبقت فيمن تجب عليه الزكاة، وهي: الإسلام، والحرية، والملك التام، وحَوَلان الحول، وقد سبق الكلام عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>المسألة الرابعة: في ضم أحدهما -الذهب والفضة- إلى الآخر:</span>\nلا يضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب على القول الراجح؛ لأنهما جنسان مختلفان، فلم يضم أحدهما إلى الآخر، كالإبل والبقر، والشعير والقمح، مع أن المقصود منها واحد، وهو التنمية في الإبل والبقر، والقوت في الشعير والقمح، ولقوله - ﷺ -: (وليس فيما دون خمس أواق صدقة). ويلزم من القول بضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب وجوب الزكاة في أقل من خمس أواق من الفضة، إذا كان عنده ما يكمل به من الذهب. ويشمل\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٤٥٤)، من حديث أنس عن أبي بكر.\n(٢) شرح صحيح مسلم (٧/ ٤٨).","vol":"1","page":128},{"text":"الحديث ما إذا كان عنده من الذهب ما يكمل به خمس أواق، أو لا. وعلى هذا إذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم، فلا زكاة عليه؛ لأن الذهب يزكى وحده، وكذلك الفضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>المسألة الخامسة: في زكاة الحُلِيّ:</span>\nلا خلاف بين أهل العلم في وجوب الزكاة في الحلي المعدّ للادخار والكراء، وفي الحلي المُحَرَّم؛ كالرجل يتخذ خاتمًا من ذهب، أو المرأة تتخذ حليًا صنع على صورة حيوان، أو فيه صورة حيوان، أما الحلي المعدّ للاستعمال المباح والعارية، فالصحيح من قولي أهل العلم وجوب الزكاة فيه؛ وذلك لما يلي:\n١ - عموم النصوص الواردة في وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وهذا العموم يشمل الحلي وغيره.\n٢ - ما رواه أهل السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن امرأة أتت إلى رسول الله ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مَسَكَتانِ (١) غليظتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسوِّرك الله بهما سوارين من نار، فخلعتهما، وألقتهما إلى النبي - ﷺ -) (٢). وهذا الحديث نص في الموضوع، وله شاهد في الصحيح وغيره.\n٣ - ولأن هذا القول أحوط، وأبرأ للذمة؛ لقوله - ﷺ -: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المسألة السادسة: في زكاة عُرُوض التجارة:</span>\nالعروض: جمع عَرْض وعَرَض، وهو ما أعده المسلم للتجارة من أي صنف كان، وهو أعم أموال الزكاة وأشملها. وسُمِّي بذلك: لأنه لا يستقر، بل يعرِض\n_________\n(١) بفتحات، أي: سواران، والواحدة: مَسَكَة.\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (١٥٦٣)، والنسائي (٥/ ٣٨)، والبيهقي (٤/ ١٤٠)، وصحح إسناده ابن القطان كما في نصب الراية (٢/ ٣٧٠)، وحسنه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٥١٨).","vol":"1","page":129},{"text":"ثم يزول، فإن التاجر لا يريد هذه السلعة بعينها، وإنما يريد ربحها من النقدين.\nوالزكاة واجبة فيه لعموم قوله تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩» [الذاريات: ١٩]، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) [البقرة: ٢٦٧]. ولقوله - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ -: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم) (١)، ولا شك أن عروض التجارة مال.\nوشروط وجوب الزكاة فيها:\n١ - أن يملكها بفعله كالشراء، وقبول الهدية، فلا يدخل في ذلك الإرث ونحوه، مما يدخل قهرًا.\n٢ - أن يملكها بنية التجارة.\n٣ - أن تبلغ قيمتها نصابًا، بالإضافة إلى الشروط الخمسة السابقة في أول الزكاة.\nفإذا حال عليها الحول قُوِّمت بأحد النقدين الذهب أو الفضة، فإذا بلغت القيمة نصابًا وجب فيها ربع العشر.\nولا اعتبار في التقويم لما اشتريت به العروض؛ لأن قيمتها تختلف ارتفاعًا ونزولًا، وإنما العبرة بقيمتها وقت تمام الحول.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٣٩٥)، ومسلم برقم (١٩).","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>الباب الثالث: في زكاة الخارج من الأرض، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>المسألة الأولى: متى تجب؟ ودليل ذلك:</span>\nالأصل في وجوبها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) [البقرة: ٢٦٧].\nوتجب الزكاة في الحبوب إذا اشتد الحَبُّ، وصار فريكًا، وتجب في الثمار عند بدو صلاحها، بحيث تصبح ثمرًا طيبًا يؤكل، ولا يشترط له الحول؛ لقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١].\nفتجب الزكاة في كل مكيل مدخر من الحبوب والثمار، كالحنطة، والشعير والذرة، والأرز، والتمر، والزبيب. ولا تجب في الفواكه، والخضروات. فالمكيل: لكون النبي - ﷺ - اعتبر التوسيق فيه، وهو التحميل. والمدَّخر: لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه.\nوعلى هذا، فما لم يكن مكيلًا ولا مدخرًا من الحبوب والثمار، فلا زكاة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>المسألة الثانية: شروطها:</span>\nيشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار شرطان:\n١ - بلوغ النصاب، وهو خمسة أوسق؛ لقوله - ﷺ -: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (١).\nوالوسق حمل البعير، وهو ستون صاعًا بصاع النبي - ﷺ -، وخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، فيكون زنة النصاب بالبرّ الجيِّد ما يقارب ستمائة واثني عشر كيلو جرامًا، على اعتبار أن وزن الصاع ٢.٤٠ كيلو جرامًا.\n٢ - أن يكون النصاب مملوكًا له وقت وجوب الزكاة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٤٨٤)، ومسلم برقم (٩٧٩).","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المسألة الثالثة: في مقدار الواجب:</span>\nوالواجب في الحبوب والثمار: العشر فيما سقي بلا كلفة، بأن كانت عثرية، أو تسقى بماء العيون، ونصف العشر فيما سقي بمؤنة، بأن كانت تسقى بالدلاء والسواني (١) ونحوها؛ لقوله - ﷺ -: (فيما سقت السماء والأنهار والعيون، أو كان بَعْلًا، العشر، وفيما سقي بالسواني، أو النضح، نصف العشر) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>المسألة الرابعة: في زكاة العسل:</span>\nحكى ابن عبد البر -﵀- عن الجمهور أنه لا زكاة فيه، وهو الأظهر؛ لأنه ليس في الكتاب، ولا في السنة، دليل صحيح صريح على وجوبها، والأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب. قال الإمام الشافعي -﵀-: \"الحديث (في أن في العسل العشر) ضعيف، وفي (ألا يؤخذ منه) ضعيف، إلا عن عمر بن عبد العزيز، واختياري أنه لا يؤخذ منه؛ لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست فيه ثابتة فكأنه عفو\". وقال ابن المنذر: \"ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>المسألة الخامسة: في الرِّكاز:</span>\nالرِّكاز: هو ما وُجد من دفائن الجاهلية ذهبًا أو فضة أو غيرهما مما عليه علامة الكفر، ولم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه نفقة وكبير عمل، وأما ما طلب بمال وتطلَّب كبير عمل، فليس بركاز، ويجب فيه الخمس في قليله وكثيره، ولا يُشترط له الحول ولا النصاب؛ لعموم قوله - ﷺ -: (وفي الركاز الخمس) (٣)، وهو\n_________\n(١) الدِّلاء: جمع دلو، وهو ما يستقى به من البئر ونحوه. والسواني: جمع سانية، وهي الناقة التي يستقى عليها، وهي النواضح أيضًا، كما مضى.\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٤٨٣) من حديث ابن عمر ﵄، وأبو داود برقم (١٥٩٦) واللفظ له، والبَعل: النخل يشرب بعروقه فلا يحتاج إلى سقي.\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٤٩٩)، ومسلم برقم (١٧١٠)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":132},{"text":"فيء يصرف في مصالح المسلمين العامة، ولا يشترط أن يكون من مال معين، فسواء كان من الذهب أو الفضة أو غيرهما.\nويعرف كونه من دفائن الجاهلية: بوجود علامات الكفر عليه، ككتابة أسمائهم، ونقش صورهم، ونحو ذلك من العلامات.\nوأما المَعْدِن: فهو كل ما تولَّد من الأرض من غير جنسها، ليس نباتًا، سواء أكان جاريًا، كالنِّفط والقار، أم جامدًا؛ كالحديد والنحاس والذهب والفضة والزئبق. فتجب فيه الزكاة بالإجماع كما سبق، لعموم النصوص الواردة في\nوجوب الزكاة في الخارج من الأرض، كقوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) [البقرة: ٢٦٧].","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>الباب الرابع: في زكاة بهيمة الأنعام، وفيه مسائل:</span>\nوبهيمة الأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم، والبقر يشمل الجاموس أيضًا، فهو نوع من البقر. والغنم يشمل الماعز، والضأن. وسُمِّيت بهيمة الأنعام؛ لأنها لا تتكلم، من الإبهام وهو الإخفاء، وعدم الإيضاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>المسألة الأولى: شروط وجوبها:</span>\nيشترط لوجوب الزكاة في بهيمة الأنعام الشروط التالية:\n١ - أن تبلغ الأنعام النصاب الشرعي، وهو في الإبل خمس، وفي البقر ثلاثون، وفي الغنم أربعون؛ لقول رسول الله - ﷺ -: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة) (١)، ولحديث معاذ: (بعثنى رسول الله أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة) (٢)، ولقوله - ﷺ -: (فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة، فليس فيها صدقة ...) (٣).\n٢ - أن يحول على الأنعام حول كامل عند مالكها وهي نصاب؛ لحديث: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (٤).\n٣ - أن تكون سائمة، وهي التي ترعى الكلأ المباح -وهو الذي نبت بفعل الله سبحانه دون أن يزرعه أحد- في الحول أو أكثره؛ لقوله - ﷺ -: (وفي صدقة الغنم في سائمتها، إذا كانت أربعين إلى مائة وعشرين، شاة) (٥)، وقوله - ﷺ -:\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٤٤٧)، ومسلم برقم (٩٧٩)، والذَّوْدُ من الإبل: من الثلاثة إلى العشرة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، فقوله: (خمس ذود) كقوله: (خمسة أبعرة، وخمسة جمال، وخمس نوق).\n(٢) وهو حديث صحيح أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٠)، وأبو داود برقم (١٥٧٦)، والترمذي برقم (٦٢٣)، وغيرهم، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٧٩٥).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (١٤٥٤).\n(٤) أخرجه الترمذي برقم (٦٣١)، وابن ماجه برقم (١٧٩٢)، وصححه الألباني (الإرواء رقم ٧٨٧).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (١٤٥٤) ..","vol":"1","page":134},{"text":"(وفي كل إبل سائمة في أربعين بنت لبون)، فإن كانت ترعى أقل الحول ويعلفها أكثره، فليست سائمة، ولا زكاة فيها.\n٤ - أن لا تكون عاملة، وهي التي يستخدمها صاحبها في حرث الأرض، أو نقل المتاع، أو حمل الأثقال؛ لأنها تدخل في حاجات الإنسان الأصلية كالثياب. أما إذا أُعِدَّت للكراء فإن الزكاة تكون فيما يحصل من أجرتها، إذا حال عليه الحول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>المسألة الثانية: في قدر الواجب:</span>\n١ - قدر الواجب في الإبل:\nومقدار الزكاة الواجبة: في الخمس من الإبل شاة جذعة (١) من الضأن، أو ثَنِيَّة (٢) من المعز، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض من الإبل، وهي ما تَمَّ لها سنة، ودخلت في الثانية. وسُمِّيت بذلك لأن الغالب أن أمَّها قد حملت، فهي ماخض أي: حامل، فإن لم يجدها أجزأه ابن لبون ذكر، وهو ما تَمَّ له سنتان ودخل في الثالثة، وسُمِّي بذلك؛ لأن أمه وضعت الحمل الثاني في الغالب فهي ذات لبن. وفي ست وثلاثين إلى خمس وأربعين بنت لبون، لها سنتان.\nوفي ست وأربعين إلى ستين حِقَّةٌ، وهي ما تَمَّ لها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة. وسميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل. وقيل: لأنها استحقت الركوب، والتحميل.\nوفي إحدى وستين إلى خمس وسبعين جذعة، وهي ما تَمَّ لها أربع سنين\n_________\n(١) الجذع: الصغير السن، وهو من الغنم ما تم له سنة ودخل في الثانية.\n(٢) الثنية: ما تم له سنتان ودخل في الثالثة.","vol":"1","page":135},{"text":"ودخلت في الخامسة، وسميت بذلك لأنها جذعت مقدم أسنانها أي: أسقطته.\nوفي ست وسبعين إلى تسعين بنتا لبون.\nوفي إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين حقتان.\nفإذا زادت على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة؛ وذلك لحديث أنس في كتاب الصدقة وفيه: (في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى ..) الحديث. (١)\nوهذا جدول يبين كيفية الزكاة في الإبل:\n\nالعدد [من - إلى] ... المقدار الواجب\n[٥ - ٩] ... شاة\n[١٠ - ١٤] ... شاتان\n[١٥ - ٩] ... ثلاث شياه\n[٢٠ - ٢٤] ... أربع شياه\n[٢٥ - ٣٥] ... بنت مخاض\n[٣٦ - ٤٥] ... بنت لبون\n[٤٦ - ٦٠] ... حقة\n[٦١ - ٧٥] ... جذعة\n[٧٦ - ٩٠] ... بنتا لبون\n[٩١ - ١٢٠] ... حقتان\n\nفما زاد على ١٢٠ فالواجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٤٥٤).","vol":"1","page":136},{"text":"٢ - قدر الواجب في البقر:\nيجب في ثلاثين بقرة إلى تسع وثلاثين تبيع، وهو ما تم له سنة، وسُمِّي بذلك لأنه يتبع أمه، وفي أربعين إلى تسع وخمسين مسنة، وهي ما تَمَّ لها سنتان، وسميت بذلك؛ لأنها طلعت لها أسنان.\nوفي ستين إلى تسع وستين تبيعان.\nثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وهكذا مهما بلغت.\nوذلك لحديث معاذ - ﵁ - وفيه: (فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة).\nوهذا جدول يبين كيفية الزكاة في البقر:\n\nالعدد [من - إلى] ... المقدار الواجب\n[٣٠ - ٣٩] ... تبيع\n[٤٠ - ٥٩] ... مسنة\n[٦٠ - ٦٩] ... تبيعان\n[٧٠ - ٧٩] ... تبيع ومسنة\n\nفما زاد ففي كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة.\n٣ - قدر الواجب في الغنم:\nويجب في أربعين من الغنم إلى مائة وعشرين، شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين إلى مائتين، شاتان، وفي مائتين وواحدة إلى ثلاثمائة، ثلاث شياه، ثم تستقر الفريضة فيها بعد هذا المقدار، فيكون في كل مائة شاةٌ، مهما بلغت.\nوذلك لما جاء في حديث أنس في كتاب الصدقة وفيه: (وفي صدقة الغنم","vol":"1","page":137},{"text":"في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على مائة وعشرين إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة) (١).\nوهذا جدول يبين كيفية زكاة الغنم:\n\nالعدد [من - إلى] ... المقدار الواجب\n[٤٠ - ١٢٠] ... شاة\n[١٢١ - ٢٠٠] ... شاتان\n[٢٠١ - ٣٠٠] ... ثلاث شياة\n\nفما زاد على ذلك ففي كل مائة شاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>المسألة الثالثة: في صفة الواجب:</span>\nوازن الإسلام بتشريعه العادل بين المصالح للفقراء والأغنياء، فندب إلى أخذ الفقير حقوقه كاملة، غير منقوصة، وندب إلى مراعاة حقوق الأغنياء في أموالهم، ولذلك حدد الواجب في الزكاة بأن يكون من وسط المال، لا من خياره، ولا من شراره، فيجب على الساعي مراعاة السن الواجبة، إذ لا يجزئ أقلّ منها؛ لأنه إضرار بالفقراء، ولا يأخذ أعلى منها؛ لأنه إجحاف بالأغنياء.\nولا يأخذ المريضة، والمعيبة، والكبيرة الهرمة؛ لأنها لا تنفع الفقير، وبالمقابل لا يأخذ الأكولة، وهي السمينة المعدّة للأكل، ولا الرُّبى، وهي التي تربي ولدها، ولا الماخض وهي الحامل،\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٤٥٤).","vol":"1","page":138},{"text":"ولا الفحل المعد للضراب، ولا حرزات المال، وهي خيارها التي تحرزها العين؛ لأنها من كرائم الأموال، وأخذها إضرار بالغني لقوله - ﷺ -: (... وإياك وكرائم أموالهم) (١).\nولما روي عن عمر أنه قال لعامله سفيان: (قل لقومك: إنا ندع لكم الرُّبى، والماخض، وذات اللحم، وفحل الغنم، ونأخذ الجذع والثني، وذلك وسط بيننا وبينكم في المال).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>المسألة الرابعة: في الخلطة في بهيمة الأنعام:</span>\nوهي على نوعين:\nالنوع الأول: خلطة أعيان، وهي: أن يكون المال مشتركًا بين اثنين في المِلك، مشاعًا بينهما، لم يتميز نصيب أحدهما عن الآخر، وتكون خلطة الأعيان بالإرث، وتكون بالشراء.\nالنوع الثاني: خلطة أوصاف، وهي أن يكون نصيب كل منهما متميزًا معروفا، ويجمع بينهما الجوار فقط.\nوهي بنوعيها تُصَيِّر المالين المختلطين كالمال الواحد إذا كان مجموع المالين نصابًا، وأن يكون الخليطان من أهل وجوب الزكاة. فلو كان أحدهما كافرًا لا تصح الخلطة، ولا تؤثر، وأن يشترك المالان المختلطان في المراح، وهو المبيت والمأوى، ويشتركا في المسرح فيسرحن جميعًا، ويرجعن جميعًا، والمحلب والمرعى، والفحل، فيكون فحل الضراب واحدًا مشتركًا لها جميعًا.\nفإذا توافرت هذه الشروط أصبح المالان كالمال الواحد بتأثير الخلطة.\nلقوله - ﷺ -: (لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة، وما\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٣٩٥)، ومسلم برقم (١٩)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":139},{"text":"كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) (١). فالخلطة تؤثر في إيجاب الزكاة وفي إسقاطها، وذلك في بهيمة الأنعام خاصة دون غيرها.\nومثال الجمع بين المتفرق: أشخاص ثلاثة كل واحد منهم يملك أربعين من الغنم، فجميعها مائة وعشرون، فلو اعتبرنا كل واحد لوحده لوجب عليهم ثلاث شياه، لكن إذا جمعنا الغنم كلها فلا يكون فيها إلا شاة واحدة. فهنا: جمعوا بين متفرق؛ لئلا يجب عليهم ثلاث شياه، بل واحدة.\nومثال التفريق بين مجتمع: شخص عنده أربعون شاة، فإذا علم بمجيء العامل فرق بينها فجعل عشرين منها في مكان وعشرين في مكان آخر، فلا يؤخذ عليها زكاة لعدم بلوغها النصاب متفرقة.\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (٦٢١) وغيره وحسنه، وهو جزء من حديث النبي - ﷺ - في كتاب الصدقة الطويل. وصححه الألباني (الإرواء برقم ٧٩٢).","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الباب الخامس: في زكاة الفطر، ويقال لها: صدقة الفطر. وفيه مسائل:</span>\nوسميت بذلك: لأنها تجب بالفطر من رمضان، ولا تعلق لها بالمال، وإنما هي متعلقة بالذمة، فهي زكاة عن النفس والبدن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>المسألة الأولى: في حكمها ودليل ذلك:</span>\nزكاة الفطر واجبة على كل مسلم؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: (فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر من رمضان صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>المسألة الثانية: شروطها وعلى من تجب:</span>\nتجب زكاة الفطر على كل مسلم كبير وصغير، وذكر وأنثى، وحر وعبد؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق.\nويستحب إخراجها عن الجنين إذا نفخت فيه الروح، وهو ما صار له أربعة أشهر؛ فقد كان السلف يخرجونها عنه، كما ثبت عن عثمان وغيره.\nويجب أن يُخرجها عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته، من زوجة أو قريب، وكذا العبد، فإن صدقة الفطر تجب على سيده؛ لقوله - ﷺ -: (ليس في العبد صدقة، إلا صدقة الفطر) (٢). ولا تجب إلا على مَنْ فضل عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته وحوائجه الضرورية في يوم العيد وليلته ما يؤدي به الفطرة.\nفزكاة الفطر لا تجب إلا بشرطين:\n١ - الإسلام، فلا تجب على الكافر.\n٢ - وجود ما يفضل عن قوته، وقوت عياله، وحوائجه الأصلية في يوم العيد وليلته.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٥٠٣)، ومسلم برقم (٩٨٤).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (٩٨٢) - ١٠.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>المسألة الثالثة: في حكمة وجوبها:</span>\nمن الحكم في وجوب زكاة الفطر ما يلي:\n١ - تطهير الصائم مما عسى أن يكون قد وقع فيه في صيامه، من اللغو والرفث.\n٢ - إغناء الفقراء والمساكين عن السؤال في يوم العيد، وإدخال السرور عليهم؛ ليكون العيد يوم فرح وسرور لجميع فئات المجتمع، وذلك لحديث ابن عباس ﵄: (فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) (١).\n٣ - وفيها إظهار شكر نعمة الله على العبد بإتمام صيام شهر رمضان وقيامه، وفعل ما تيسَّر من الأعمال الصالحة في هذا الشهر المبارك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>المسألة الرابعة: مقدار الواجب، ومِمَّ يخرج</span>؟\nالواجب في زكاة الفطر صاع من غالب قوت، أهل البلد من بر، أو شعير، أو تمر، أو زبيب، أو أَقط (٢)، أو أرز، أو ذرة، أو غير ذلك؛ لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ - في الأحاديث الصحيحة، كحديث ابن عمر ﵄ المتقدم.\nويجوز أن تعطي الجماعة زكاة فطرها لشخص واحد، وأن يعطي الواحد زكاته لجماعة.\nولا يجزئ إخراج قيمة الطعام؛ لأن ذلك خلاف ما أمر به رسول الله - ﷺ -، ولأنه مخالف لعمل الصحابة، فقد كانوا يخرجونها صاعًا من طعام، ولأن زكاة الفطر عبادة مفروضة من جنس معين وهو الطعام، فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس المعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>المسألة الخامسة: في وقت وجوبها وإخراجها:</span>\nتجب زكاة الفطر بغروب الشمس من ليلة العيد؛ لأنه الوقت الذي يكون به الفطر من رمضان. ولإخراجها وقتان: وقت فضيلة وأداء، ووقت جواز.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (١٦٠٩)، وابن ماجه برقم (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩) وصححه، وحسنه النووي في المجموع، وحسنه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ١٤٩٢).\n(٢) الأَقِط: هو لبن مجفف يابس مستحجر، يتخذ من اللبن المخيض.","vol":"1","page":142},{"text":"فأما وقت الفضيلة: فهو من طلوع فجر يوم العيد إلى قبيل أداء صلاة العيد، لحديث ابن عمر ﵄: (أن النبي - ﷺ - أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة) (١).\nوأما وقت الجواز: فهو قبل العيد بيوم أو يومين؛ لفعل ابن عمر وغيره من الصحابة لذلك.\nولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، فإن أخرها فهي صدقة من الصدقات، ويأثم على هذا التأخير؛ لقوله - ﷺ -: (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) (٢).\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٥٠٣)، ومسلم برقم (٩٨٤).\n(٢) رواه أبو داود برقم (١٦٠٩)، وابن ماجه برقم (١٨٢٧)، من حديث ابن عباس ﵄، وحسَّنه الألباني (الإرواء برقم ٨٤٣).","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>الباب السادس: في أهل الزكاة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>المسألة الأولى: من هم أهل الزكاة؟ ودليل ذلك:</span>\nأهل الزكاة هم المستحقون لها، وهم الأصناف الثمانية الذين حصرهم الله ﷿ في قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة: ٦٠].\nوإيضاح هذه الأصناف كما يلي:\n١ - الفقراء: جمع فقير، وهو من ليس لديه ما يسد حاجته، وحاجة من يعول، من طعام وشراب وملبس ومسكن، بألا يجد شيئًا، أو يجد أقلّ من نصف الكفاية، ويعطى من الزكاة ما يكفيه سنة كاملة.\n٢ - المساكين: جمع مسكين، وهو من يجد نصف كفايته أو أكثر من النصف، كمن معه مائة ويحتاج إلى مائتين، ويعطى من الزكاة ما يكفيه لمدة عام.\n٣ - العاملون عليها: جمع عامل، وهو من يبعثه الإمام لجباية الصدقات، فيعطيه الإمام ما يكفيه مدة ذهابه وإيابه ولو كان غنيًا؛ لأن العامل قد فَرَّغ نفسه لهذا العمل، والعاملون هم كل من يعمل في جبايتها، وكتابتها، وحراستها، وتفريقها على مستحقيها.\n٤ - المؤلفة قلوبهم: وهم قوم يعْطَوْن الزكاة؛ تأليفًا لقلوبهم على الإسلام إن كانوا كفارًا، وتثبيتًا لإيمانهم، إن كانوا من ضعاف الإيمان المتهاونين في عباداتهم، أو لترغيب ذويهم في الإسلام، أو طلبًا لمعونتهم أو كف أذاهم.\n٥ - في الرقاب: جمع رقبة، والمراد بها العبد المسلم أو الأمة يُشْتَرى من مال الزكاة وَيُعتق، أو يكون مُكَاتَبًا فيعطى من الزكاة ما يسدد به نجوم كتابته؛ ليصبح حرًا نافذ التصرف، وعضوًا نافعًا في المجتمع، ويتمكن من عبادة الله تعالى على الوجه الأكمل، وكذا الأسير المسلم يفك من الأعداء من مال الزكاة.","vol":"1","page":144},{"text":"٦ - الغارمون: جمع غارم، وهو المدين الذي تَحَملَ دينًا في غير معصية الله، سواء لنفسه في أمر مباح، أو لغيره كإصلاح ذات البين، فهذا يعطى من الزكاة ما يسدد به دينه، والغارم للإصلاح بين الناس يعطى من الزكاة، وإن كان غنيًا.\n٧ - في سبيل الله: المراد به الغزاة في سبيل الله المتطوعون الذين ليس لهم راتب في بيت المال، فيعطون من الزكاة، سواء أكانوا أغنياء أم فقراء.\n٨ - ابن السبيل: وهو المسافر المنقطع عن بلده الذي يحتاج إلى مال؛ ليواصل السفر إلى بلده، إذا لم يجد من يقرضه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>المسألة الثانية: في حد الذين لا تدفع لهم الزكاة:</span>\nالأصناف الذين لا يجوز صرف الزكاة لهم هم:\n١ - الأغنياء، والأقوياء المكتسبون، لقوله - ﷺ -: (لا حظ فيها لغني، ولا لقويٍ مُكْتَسِب) (١)، لكن يُعطى العامل عليها والغارم وإن كانوا أغنياء، كما تقدم. والقادر على الكسب إذا كان متفرغًا لطلب العلم الشرعي، وليس له مال، فإنه يعطى من الزكاة؛ لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله، وأما إن كان القادر على الكسب عابدًا ترك العمل للتفرغ لنوافل العبادات فلا يعطى؛ لأن العبادة نفعها قاصر على العابد بخلاف العلم.\n٢ - الأصول والفروع والزوجة الذين تجب نفقتهم عليه، فلا يجوز دفع الزكاة إلى من تجب على المسلم نفقتهم كالآباء والأمهات، والأجداد والجدات، والأولاد، وأولاد الأولاد؛ لأن دفع الزكاة إلى هؤلاء يغنيهم عن النفقة الواجبة عليه، ويسقطها عنه، ومن ثَم يعود نفع الزكاة إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه.\n٣ - الكفار غير المؤلَّفين، فلا يجوز دفع الزكاة إلى الكفار؛ لقوله - ﷺ -: (تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم) أي أغنياء المسلمين وفقرائهم دون غيرهم،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٢)، وأبو داود برقم (١٦٣٣)، والنسائي (٥/ ٩٩)، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ٢٤٣٥).","vol":"1","page":145},{"text":"ولأن من مقاصد الزكاة إغناء فقراء المسلمين، وتوطيد دعائم المحبة والإخاء بين أفراد المجتمع المسلم، وذلك لا يجوز مع الكفار.\n٤ - آل النبي - ﷺ -: لا تحل الزكاة لآل النبي - ﷺ - إكرامًا لهم لشرفهم؛ لقوله - ﷺ -: (إنها لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) (١). وآل النبي - ﷺ - قيل: هم بنو هاشم، وبنو المطلب؛ وقيل: هم بنو هاشم فقط، وهو الصحيح. وعليه يصح دفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمد - ﷺ -، ولعموم الآية: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) [التوبة: ٦٠]، فيدخل فيهم بنو المطلب.\n٥ - وكذلك لا يجوز دفع الزكاة لموالى آل النبي؛ لحديث: (إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم) (٢). وموالي القوم: عتقاؤهم. ومعنى (من أنفسهم): أي: فحكمهم كحكمهم، فتحرم الزكاة على موالي آل بني هاشم.\n٦ - العبد: لا تدفع الزكاة إلى العبد؛ لأن مال العبد ملك لسيده، فإذا أعطي الزكاة انتقلت إلى ملك سيده، ولأن نفقته تلزم سيده. ويستثنى من ذلك: المكاتب فإنه يعطى من الزكاة ما يقضي به دين كتابته، والعامل على الزكاة، فإذا كان العبد عاملًا على الزكاة أعطي منها لأنه كالأجير، والعبد يجوز أن يستأجر بإذن سيده.\nفمن دفعها لهذه الأصناف مع علمه بأنه لا يجوز دفعها لهم، فهو آثم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>المسألة الثالثة: هل يشترط استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة عند تفريق الزكاة</span>؟\nلا يشترط استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة عند تفريق الزكاة على القول\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (١٠٧٢).\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (١٦٥٠)، والترمذي برقم (٦٥٢) -واللفظ له- والحاكم (١/ ٤٠٤). قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٥٣٠).","vol":"1","page":146},{"text":"الصحيح، بل يجزئ دفعها لأي صنف من الأصناف الثمانية، لقوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢٧١].\nوقولى - ﷺ -: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) متفق عليه، ولقوله - ﷺ - لقبيصة: (أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) (١).\nفهذه الأدلة تدل على أن المراد بقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) الآية [التوبة: ٦٠]، بيان المستحقين للزكاة لا تعميم المستحقين عند تفريقها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>المسألة الرابعة: في نقل الزكاة من بلدها إلى بلد آخر:</span>\nيجوز نقل الزكاة من بلدها إلى بلد آخر قريب أو بعيد للحاجة، مثل أن يكون البلد البعيد أشد فقرًا، أو يكون لصاحب الزكاة أقارب فقراء في بلد بعيد مثل فقراء بلده، فإن في دفعها إلى أقاربه تحصيل المصلحة، وهي الصدقة والصلة.\nوهذا القول بجواز نقل الزكاة هو الصحيح؛ لعموم قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) [التوبة: ٦٠] أي: الفقراء والمساكين في كل مكان.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٠٤٤).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>رابعًا: كتاب الصيام</span>\nويشتمل على خمسة أبواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>الباب الأول: في مقدمات الصيام، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>المسألة الأولى: تعريف الصيام، وبيان أركانه:</span>\n١ - تعريفه: الصيام في اللغة: الإمساك عن الشيء.\nوفي الشرع: الإمساك عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات، مع النية، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.\n٢ - أركانه: من خلال تعريف الصيام في الاصطلاح، يتضح أن له ركنين أساسين، هما:\nالأول: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\nودليل هذا الركن قوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧]. والمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود: بياض النهار وسواد الليل.\nالثاني: النية، بأن يقصد الصائم بهذا الإمساك عن المفطرات عبادة الله ﷿، فبالنية تتميز الأعمال المقصودة للعبادة عن غيرها من الأعمال، وبالنية تتميز العبادات بعضها عن بعض، فيقصد الصائم بهذا الصيام: إما صيام رمضان، أو غيره من أنواع الصيام.\nودليل هذا الركن قوله - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>المسألة الثانية: حكم صيام رمضان ودليل ذلك:</span>\nفرض الله ﷿ صيام شهر رمضان، وجعله أحد أركان الإسلام الخمسة؛\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١)، ومسلم برقم (١٩٠٧).","vol":"1","page":149},{"text":"وذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ١٨٣]. وقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥].\nولما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلًا) (١).\nولما رواه طلحة بن عبيد الله أن أعرابيًا جاء إلى النبي - ﷺ - ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام؟، قال: (شهر رمضان)، قال: هل عليَّ غيره؟ قال: (لا، إلا أن تطوع شيئًا ...) الحديث (٢).\nوقد أجمعت الأمة على وجوب صيام رمضان، وأنه أحد أركان الإسلام التي عُلمت من الدين بالضرورة، وأن منكره كافر، مرتد عن الإسلام.\nفثبت بذلك فرضية الصوم بالكتاب والسنة والإجماع، وأجمع المسلمون على كفر من أنكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>المسألة الثالثة: أقسام الصيام:</span>\nالصيام قسمان: واجب، وتطوع؛ والواجب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١ - صوم رمضان.\n٢ - صوم الكفارات.\n٣ - صوم النذر.\nوالكلام هنا ينحصر في صوم رمضان، وفي صوم التطوع، أما بقية الأقسام فتأتي في مواضعها، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٨)، ومسلم برقم (١٦).\n(٢) رواه البخاري برقم (٤٦)، ومسلم برقم (١١).","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المسألة الرابعة: فضل صيام شهر رمضان، والحكمة من مشروعية صومه:</span>\n١ - فضله: عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) (١).\nوعنه - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) (٢).\nهذا بعض ما ورد في فضل صيام شهر رمضان، وفضائله كثيرة.\n٢ - الحكمة من مشروعية صومه: شرع الله سبحانه الصوم لحكم عديدة وفوائد كثيرة، فمن ذلك:\n١ - تزكية النفس، وتطهيرها، وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة؛ لأن الصوم يضيق مجاري الشيطان في بدن الإنسان.\n٢ - في الصوم تزهيد في الدنيا وشهواتها، وترغيب في الآخرة ونعيمها.\n٣ - الصوم يبعث على العطف على المساكين، والشعور بآلامهم؛ لأن الصائم يذوق ألم الجوع والعطش.\nإلى غير ذلك من الحكم البليغة، والفوائد العديدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>المسألة الخامسة: شروط وجوب صيام رمضان:</span>\nيجب صيام رمضان على من توافرت فيه الشروط التالية:\n١ - الإسلام: فلا يجب، ولا يصح الصيام من الكافر؛ لأن الصيام عبادة، والعبادة لا تصح من الكافر، فإذا أسلم لا يلزم بقضاء ما فاته.\n٢ - البلوغ: فلا يجب الصيام على من لم يبلغ حد التكليف؛ لقوله - ﷺ -: (رفع القلم عن ثلاثة) (٣) فذكر منهم الصبي حتى يحتلم، ولكنه يصح الصيام من غير البالغ لو صام، إذا كان مميزًا، وينبغي لولي أمره أن يأمره بالصيام؛ ليعتاده ويألفه.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٩٠١)، ومسلم برقم (٧٦٠).\n(٢) رواه مسلم برقم (٢٣٣).\n(٣) رواه أحمد (٦/ ١٠٠)، وأبو داود (٤/ ٥٥٨)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٢٩٧).","vol":"1","page":151},{"text":"٣ - العقل: فلا يجب الصيام على المجنون والمعتوه؛ لقوله - ﷺ -: (رفع القلم عن ثلاثة) فذكر منهم المجنون حتى يفيق.\n٤ - الصحة: فمن كان مريضًا لا يطيق الصيام لم يجب عليه، وإن صام صح صيامه؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥]. فإن زال المرض وجب عليه قضاء ما أفطره من أيام.\n٥ - الإقامة: فلا يجب الصوم على المسافر؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الآية؛ فلو صام المسافر صَحَّ صيامه، ويجب عليه قضاء ما أفطره في السفر.\n٦ - الخلو من الحيض والنفاس: فالحائض والنفساء لا يجب عليهما الصيام، بل يحرم عليهما؛ لقوله - ﷺ -: (أليس إذا حاضت لم تصلِّ، ولم تصم؟، فذلك من نقصان دينها) (١). ويجب القضاء عليهما؛ لقول عائشة ﵂: (كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>المسألة السادسة: ثبوت دخول شهر رمضان وانقضائه:</span>\nيثبت دخول شهر رمضان برؤية الهلال، بنفسه أو بشهادة غيره على رؤيته، أو إخباره بذلك؛ فإذا شهد مسلم عدل برؤية هلال رمضان ثبت بهذه الشهادة دخول شهر رمضان؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]، ولقوله - ﷺ -: (إذا رأيتموه فصوموا) (٣)، ولحديث ابن عمر ﵄: (أخبرت النبي - ﷺ - برؤية رمضان فصامه، وأمر الناس بصيامه). (٤)\nفإن لم يرَ الهلال، أو لم يشهد مسلم عدل برؤيته، وجب إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا. ولا يثبت دخول الشهر بغير هذين الأمرين -رؤية الهلال، أو إتمام\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٠٤).\n(٢) رواه مسلم برقم (٣٣٥).\n(٣) رواه البخاري برقم (١٩٠٠)، ومسلم برقم (١٠٨٠) - ٨.\n(٤) رواه أبو داود برقم (٢٣٤٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٣) وصححه.","vol":"1","page":152},{"text":"شعبان ثلاثين يوما- لقوله - ﷺ -: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّي (١) عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) (٢).\nويثبت انقضاء رمضان برؤية هلال شهر شوال بشهادة مسلمين عدلين، فإن لم يشهد مسلمان عدلان برؤية الهلال، وجب إكمال عدة رمضان ثلاثين يومًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>المسألة السابعة: وقت النية في الصوم وحكمها:</span>\nيجب على الصائم أن ينوي الصيام، وهي ركن من أركانه كما مضى؛ لقوله - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). وينويها من الليل في الصيام الواجب؛ كصوم رمضان والكفارة والقضاء والنذر، ولو قبل الفجر بدقيقة واحدة؛ لقوله - ﷺ -: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) (٣).\nفمن نوى صومًا في النهار، ولم يطعم شيئًا، لم يجزئه إلا في صيام التطوع، فيجوز بنية من النهار، إذا لم يطعم شيئًا من أكل أو شرب؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي - ﷺ - ذات يوم فقال: (هل عندكم من شيء؟) فقلنا: لا، قال: (فإني إذنْ صائم) (٤). أما صيام الواجب فلا ينعقد بنية من النهار، ولابد فيه من نية الليل.\nوتكفي نية واحدة في بداية رمضان لجميع الشهر، ويُستحب تجديدها في كل يوم.\n_________\n(١) وفي بعض الروايات: (غُمِّي) وبعضها (غُمَّ) والمعنى: غطي وخفي ولم يظهر.\n(٢) رواه البخاري برقم (١٩٠٩)، ومسلم برقم (١٠٨١).\n(٣) أخرجه الترمذي برقم (٧٣٣)، والنسائي (٤/ ١٩٦)، وابن ماجه برقم (١٧٠٠)، واللفظ للنسائي، وصححه الألباني (صحيح الترمذي رقم ٥٨٣).\n(٤) أخرجه مسلم برقم (١١٥٤) - ١٧٠.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>الباب الثاني: في الأعذار المبيحة للفطر ومفطرات الصائم، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>المسألة الأولى: الأعذار المبيحة للفطر في رمضان:</span>\nيباح الفطر في رمضان لأحد الأعذار التالية:\nالأول: المرض والكبر، فيجوز للمريض الذي يُرجى برؤه الفطرُ، فإذا برئ وجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها؛ لقوله تعالى: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]، وقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥].\nوالمرض الذي يرخص معه في الفطر هو المرض الذي يشق على المريض الصيام بسببه.\nأما المريض الذي لا يرجى برؤه، أو العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًا كالكبير: فإنه يفطر، ولا يجب عليه القضاء، وإنما تلزمه فدية، بأن يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ لأن الله -﷿- جعل الإطعام معادلًا للصيام حين كان التخيير بينهما في أول ما فرض الصيام، فتعيَّن أن يكون بدلًا عنه عند العذر.\nيقول الإمام البخاري -﵀-: \"وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين عن كل يوم مسكينًا. وقال ابن عباس ﵄ في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما: فليطعما مكان كل يوم مسكينًا\". (١)\nفيطعم العاجز عن الصيام عجزًا لا يرجى زواله، بمرض كان أو كبر، عن كل\nيوم مسكينًا نصف صاع من بر، أو تمر، أو أرز، أو نحوها من قوت البلد، ومقدار\nالصاع كيلوان وربع تقريبًا (٢.٢٥) فيكون الإطعام عن كل يوم: كيلو جرام ومائة وخمسة وعشرين جرامًا (١١٢٥ جرام) تقريبًا.\n_________\n(١) صحيح البخاري برقم (٤٥٠٥)، كتاب الصيام.","vol":"1","page":154},{"text":"هذا وإن صام المريض صح صيامه وأجزأه.\nالثاني: السفر؛ فيباح للمسافر الفطر في رمضان، ويجب عليه القضاء؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]. وقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥].\nولقوله - ﷺ - لمن سأله عن الصيام في السفر: (إن شئت فصم، وان شئت فأفطر) (١). وخرج إلى مكة صائمًا في رمضان، فلما بلغ الكَدِيد أفطر، فأفطر الناس (٢).\nويباح الفطر في السفر الطويل الذي يباح فيه قصر الصلاة (٣)، وهو ما يقدر بثمانية وأربعين ميلًا، أي: حوالي ثمانين كيلو مترًا.\nوالسفر المبيح للفطر في رمضان هو السفر المباح، فإن كان سفر معصية أو سفرًا يُراد به التحايل على الفطر، لم يبح له الفطر بهذا السفر.\nوإن صام المسافر صَحَّ صومه وأجزأه، لحديث أنس - ﵁ -: (كنا نسافر مع النبي - ﷺ -، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) (٤). ولكن بشرط ألا يشق عليه الصوم في السفر، فإن شقَّ عليه، أو أضَرَّ به، فالفطر في حقه أفضل؛ أخذًا بالرخصة؛ لأن النبي - ﷺ - رأى في السفر رجلًا صائمًا قد ظُلِّلَ عليه من شدة الحر، وتجمع الناس حوله، فقال - ﷺ -: (ليس من البرِّ الصيام في السفر) (٥).\nالثالث: الحيض والنفاس، فالمرأة التي أتاها الحيض أو النفاس تفطر في رمضان وجوبًا، ويحرم عليها الصوم، ولو صامت لم يصح منها؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم؟\n_________\n(١) صحيح البخاري برقم (١٩٤٣).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٤٤).\n(٣) انظر: المغني (٣/ ٣٤).\n(٤) أخرجه البخاري برقم (١٩٤٧).\n(٥) رواه البخاري برقم (١٩٤٦).","vol":"1","page":155},{"text":"فذلك من نقصان دينها) (١).\nويجب عليهما القضاء؛ لقول عائشة ﵂: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. (٢)\nالرابع: الحمل والرضاع؛ فالمرأة إذا كانت حاملًا أو مرضعًا، وخافت على نفسها أو ولدها بسبب الصوم جاز لها الفطر، لما رواه أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم، وعن الحبلى والمرضع الصوم) (٣)، وتقضي الحامل والمرضع مكان الأيام التي أفطرتاها، وذلك إن خافتا على نفسيهما، فإن خافت الحامل مع ذلك على جنينها، أو المرضع على رضيعها؛ أطعمت مع القضاء عن كل يوم مسكينًا؛ لقول ابن عباس ﵄: (والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا، وأطعمتا) (٤).\nفتلخَّص من ذلك أن الأسباب المبيحة للفطر أربعة: السفر، والمرض، والحيض والنفاس، والخوف من الهلاك، كما في الحامل والمرضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>المسألة الثانية: مفطرات الصائم:</span>\nوهي الأشياء التي تفسد على الصائم صومه وتفطره. ويفطر الصائم بفعل أحد الأمور التالية:\nالأول: الأكل أو الشرب عمدًا؛ لقولى تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧].\nفقد بينت الآية أنه لا يباح للصائم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر حتى الليل -غروب الشمس-. أما من أكل أو شرب ناسيًا فصيامه صحيح، ويجب\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٠٤).\n(٢) رواه مسلم برقم (٣٣٥).\n(٣) رواه الترمذي برقم (٧١٥) وحسنه، والنسائي (٢/ ١٠٣)، وابن ماجه برقم (١٦٦٧)، وحسَّنه الألباني (صحيح سنن النسائي برقم ٢١٤٥).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (٢٣١٧، ٢٣١٨) وصححه الألباني في الإرواء (٤/ ٢٥.١٨) وروي مثله عن ابن عمر أيضًا.","vol":"1","page":156},{"text":"عليه الإمساك إذا تذكَّر، أو ذكر أنه صائم؛ لقوله - ﷺ -: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتمَّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) (١).\nويفسد الصوم بالسَّعُوط (٢)، وبكل ما يصل إلى الجوف، ولو من غير الفم مما هو في حكم الأكل والشرب كالإبر المغذية.\nالثاني: الجماع، يبطل الصيام بالجماع، فمَنْ جامع وهو صائم بطل صيامه، وعليه التوبة والاستغفار، وقضاء اليوم الذي جامع فيه، وعليه مع القضاء كفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: بينما نحن جلوس عند النبي - ﷺ - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله - ﷺ -، هلكت، فقال: (مالك؟)، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: (هل تجد رقبة تعتقها؟)، قال: لا. قال: (هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)، قال: لا، قال: (هل تجد إطعام ستين مسكينًا؟)، قال: لا، قال: فمكث النبي - ﷺ -، فبينما نحن على ذلك أُتي النبي - ﷺ - بِعَرَق فيه تمر -والعَرَقُ المكتل- قال: (أين السائل؟)، فقال: أنا، قال: (خذ هذا فتصدق به)، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابَتَيْها -يريد الحرَّتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك) (٣).\nوفي معنى الجماع: إنزال المني اختيارا؛ فإذا أنزل الصائم مختارًا بتقبيل، أو لمس، أو استمناء، أو غير ذلك فسد صومه؛ لأن ذلك من الشهوة التي تناقض الصوم، وعليه القضاء دون الكفارة؛ لأن الكفارة لا تلزم إلا بالجماع فقط، لورود النص خاصًا به.\nأما إذا نام الصائم فاحتلم، أو أنزل من غير شهوة كمن به مرض، فلا يبطل صيامه؛ لأنه لا اختيار له في ذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٩٣٣)، ومسلم برقم (١١٥٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) وهو دواء يُصَبُّ في الأنف.\n(٣) رواه البخاري برقم (١٩٣٦)، ومسلم برقم (١١١١).","vol":"1","page":157},{"text":"الثالث: التقيؤ عمدًا، وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم عمدًا، أما إذا غلبه القيء وخرج منه بغير اختياره، فلا يؤثر في صيامه؛ لقوله - ﷺ -: (من ذَرَعَهُ (١) القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض) (٢).\nالرابع: الحجامة، وهي إخراج الدم من الجلد دون العروق، فمتى احتجم الصائم فقد أفسد صومه؛ لقوله - ﷺ -: (أفطر الحاجم والمحجوم) (٣)، وكذا يفسد صوم الحاجم أيضًا، إلا إذا حجمه بآلات منفصلة، ولم يحتج إلى مص الدم، فإنه -والله أعلم- لا يفطر.\nوفي معنى الحجامة: إخراج الدم بالفَصْد (٤)، وإخراجه من أجل التبرع به.\nأما خروج الدم بالجرح، أو قلع الضرس، أو الرعاف فلا يضر؛ لأنه ليس بحجامة، ولا في معناها.\nالخامس: خروج دم الحيض والنفاس، فمتى رأت المرأة دم الحيض أو النفاس أفطرت، ووجب عليها القضاء؛ لقوله - ﷺ - في المرأة: (أليس إذا حاضت لم تصلِّ، ولم تصم) (٥).\nالسادس: نية الفطر، فمن نوى الفطر قبل وقت الإفطار وهو صائم، بطل صومه، وإن لم يتناول مفطرًا، فإن النية أحد ركني الصيام، فإذا نقضها قاصدًا الفطر، ومتعمدًا له، انتقض صيامه.\nالسابع: الرِّدة، لمنافاتها للعبادة، ولقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥].\n_________\n(١) أي: سبقه وغلبه في الخروج.\n(٢) رواه أبو داود برقم (٢٣٨٠)، والترمذي برقم (٧٢٠)، وابن ماجه برقم (١٦٧٦)، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ١٣٦٨).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٢٣٦٧)، وابن خزيمة برقم (١٩٨٣)، وصحح الألباني إسناده (التعليق على ابن خزيمة ٣/ ٢٣٦).\n(٤) الفصد: شق العِرْق.\n(٥) رواه البخاري برقم (٣٠٤).","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>الباب الثالث: مستحبات الصيام ومكروهاته، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>المسألة الأولى: مستحبات الصيام:</span>\nيستحب للصائم أن يراعي في صيامه الأمور التالية:\n١ - السُّحُور: لقوله - ﷺ -: (تسحروا فإن في السحور بركة) (١). ويتحقق السحور بكثير الطعام وقليله، ولو بجرعة ماء. ووقت السحور من منتصف الليل إلى طلوع الفجر.\n٢ - تأخير السُّحُور: لحديث زيد بن ثابت - ﵁ - قال: تسحرنا مع رسول الله - ﷺ -، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية. (٢)\n٣ - تعجيل الفطر: فيستحب للصائم تعجيل الفطر متى تحقق غروب الشمس، فعن سهل بن سعد - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قال: (لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر) (٣).\n٤ - الإفطار على رُطَبَات: فإن لم يجد فتمرات، وأن تكون وترًا، فإن لم يجد فعلى جرعات من ماء؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - يفطر على رُطَبَاتٍ قبل أن يصلِّي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حَسا حسوات من ماء) (٤) فإن لم يجد شيئًا نوى الفطر بقلبه، ويكفيه ذلك.\n٥ - الدعاء عند الفطر، وأثناء الصيام: لقوله - ﷺ -: (ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم) (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٩٢٣)، ومسلم برقم (١٠٩٥).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٧٥)، ومسلم برقم (١٠٩٧)، واللفظ لمسلم.\n(٣) رواه البخاري برقم (١٩٥٧)، ومسلم برقم (١٠٩٨).\n(٤) رواه أبو داود برقم (٢٣٥٦)، والترمذي برقم (٦٩٦). وحسنه، وأخرجه البغوي في شرح السنة (٦/ ٢٦٦) وحسَّنه، وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٥٦٠)، وقوى إسناده الأرناؤوط في التعليق على (شرح السنة).\n(٥) رواه الترمذي برقم (٢٥٢٦) وحسنه، وأخرجه البيهقي (٣/ ٣٤٥) وغيره عن أنس مرفوعًا بلفظ: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر). وصححه الألباني (الصحيحة ١٧٩٧).","vol":"1","page":159},{"text":"٦ - الإكثار من الصدقة، وتلاوة القرآن، وتفطير الصائمين، وسائر أعمال البر: فعن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله - ﷺ - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فرسول الله - ﷺ - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) (١).\n٧ - الاجتهاد في صلاة الليل: وبالأخص في العشر الأواخر من رمضان؛ فعن عائشة ﵂: (كان النبي - ﷺ - إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله) (٢)، ولعموم قوله - ﷺ -: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه) (٣).\n٨ - الاعتمار: لقوله - ﷺ -: (عمرة في رمضان تعدل حجة) (٤).\n٩ - قول: \"إني صائم\" لمن شتمه: وذلك لقوله - ﷺ -: (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد، أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>المسألة الثانية: مكروهات الصيام:</span>\nيكره في حق الصائم بعض الأمور التي قد تؤدي إلى جرح صومه، ونقص أجره، وهي:\n١ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق: وذلك خشية أن يذهب الماء إلى جوفه؛ لقوله - ﷺ -: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) (٦).\n٢ - القُبْلَة لمن تحرك شهوته، وكان ممن لا يأمن على نفسه: فيكره للصائم أن\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٦)، ومسلم برقم (٢٣٠٨).\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٠٢٤)، ومسلم برقم (١١٧٤).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٧٥٩).\n(٤) رواه البخاري برقم (١٧٨٢)، ومسلم برقم (١٢٥٦).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٤)، ومسلم برقم (١١٥١) واللفظ للبخاري.\n(٦) رواه الترمذي برقم (٧٨٨) وصححه، والنسائي (١/ ٦٦)، وابن ماجه برقم (٤٠٧)، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ٨٥).","vol":"1","page":160},{"text":"يقبل زوجته، أو أمته؛ لأنها قد تؤدي إلى إثارة الشهوة التي تجر إلى فساد الصوم بالإمناء أو الجماع، فإن أمن على نفسه من فساد صومه فلا بأس؛ لأن النبي - ﷺ - كان يقبِّل وهو صائم، قالت عائشة ﵂: (وكان أملككم لأَرَبِه) (١) -أي: حاجته-. وكذلك عليه تجنب كل ما من شأنه إثارة شهوته وتحريكها؛ كإدامة النظر إلى الزوجة، أو الأمة، أو التفكر في شأن الجماع؛ لأنه قد يؤدي إلى الإمناء، أو الجماع.\n٣ - بلع النخامة: لأن ذلك يصل إلى الجوف، ويتقوى به، إلى جانب الاستقذار والضرر الذي يحصل من هذا الفعل.\n٤ - ذوق الطعام لغير الحاجة: فإن كان محتاجًا إلى ذلك -كأن يكون طبَّاخًا يحتاج لذوق ملحه وما أشبهه- فلا بأس، مع الحذر من وصول شيء من ذلك إلى حلقه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٩٢٧)، ومسلم برقم (١١٠٦) - ٦٤.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>الباب الرابع: في القضاء، والصيام المستحب، وما يكره ويحرم من الصيام، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>المسألة الأولى: قضاء الصيام:</span>\nإذا أفطر المسلم يومًا من رمضان بغير عذر، وجب عليه أن يتوب إلى الله، ويستغفره؛ لأن ذلك جرم عظيم، ومنكر كبير، ويجب عليه مع التوبة والاستغفار القضاء بقدر ما أفطر بعد رمضان، ووجوب القضاء هنا على الفور على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأنه غير مرخَّص له في الفطر، والأصل أن يؤديه في وقته.\nأما إذا أفطر بعذر كحيض أو نفاس أو مرض أو سفر أو غير ذلك من الأعذار المبيحة للفطر فإنه يجب عليه القضاء، غير أنه لا يجب على الفور، بل على التراخي إلى رمضان الآخر، لكن يندب له، ويستحب التعجيل بالقضاء، لأن فيه إسراعًا في إبراء الذمة، ولأنه أحوط للعبد؛ فقد يطرأ له ما يمنعه من الصوم كمرض ونحوه. فإن أخَّره حتى رمضان الثاني، وكان له عذر في تأخيره، كأن استمر عذره، فعليه القضاء بعد رمضان الثاني.\nأما إن أخَّره إلى رمضان الثاني بغير عذر، فعليه مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم.\nولا يشترط في القضاء التتابع، بل يصح متتابعًا ومتفرقًا، لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤] فلم يشترط سبحانه في هذه الأيام التتابع، ولو كان شرطًا لبيَّنه ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>المسألة الثانية: الصيام المستحب:</span>\nمن حكمة الله ﷿ ورحمته بعباده: أن جعل لهم من التطوع ما يماثل الفرائض، وذلك زيادة في الأجر والثواب للعاملين، وجبرًا للنقص والخلل الذي","vol":"1","page":162},{"text":"قد يطرأ على الفريضة، فقد سبق معنا: أن الفرائض تكمل من النوافل يوم القيامة. والأيام التي يستحب صيامها هي:\n١ - صيام ستة أيام من شوال: لحديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (من صام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال، كان كصيام الدهر) (١).\n٢ - صيام يوم عرفة لغير الحاج: لحديث أبي قتادة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده) (٢). أما الحاجُّ فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي - ﷺ - أفطر في ذلك اليوم والناس ينظرون إليه، ولأنه أقوى للحاج على العبادة والدعاء في ذلك اليوم.\n٣ - صيام يوم عاشوراء: فقد سئل النبي - ﷺ - عن صوم عاشوراء؟ فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) (٣). ويستحب صيام يوم قبله أو يوم بعده؛ لقوله - ﷺ -: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) (٤)، ولقوله - ﷺ -: (صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده، خالفوا اليهود) (٥).\n٤ - صوم الاثنين والخميس من كل أسبوع: لحديث عائشة ﵂: (كان النبي - ﷺ - يتحرى صيام الاثنين والخميس) (٦)، ولقوله - ﷺ -: (تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) (٧).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١١٦٤).\n(٢) رواه مسلم برقم (١١٦٢).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (١١٦٢). وهو جزء من حديث طويل.\n(٤) أخرجه مسلم برقم (١١٣٣) - ١٣٤.\n(٥) أخرجه أحمد (١/ ٢٤١)، وابن خزيمة برقم (٢٠٩٥) وفي سنده ضعف، لكنه صح عن ابن عباس بنحوه موقوفًا من قوله.\n(٦) رواه أحمد (٥/ ٢٠١)، والترمذي برقم (٧٤٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني (التعليق على ابن خزيمة رقم ٢١١٦).\n(٧) أخرجه الترمذي برقم (٧٥١)، والنسائي (١/ ٣٢٢)، وأبو داود برقم (٢٤٣٦) وحسنه الترمذي، وصححه الألباني (صحيح الترمذي رقم ٥٩٦).","vol":"1","page":163},{"text":"٥ - صيام ثلاثة أيام من كل شهر: لقوله - ﷺ - لعبد الله بن عمرو: (صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر) (١). وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: (أوصاني خليلي - ﷺ - بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) (٢). ويستحب أن تكون الأيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من كان منكم صائمًا من الشهر فليصم الثلاث البيض) (٣).\n٦ - صوم يوم وإفطار يوم: لقوله - ﷺ -: (أفضل الصيام صيام داود ﵇؛ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) (٤). وهذا من أفضل أنواع التطوع.\n٧ - صيام شهر الله المحرم: لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) (٥).\n٨ - صيام تسع ذي الحجة: وتبدأ من أول يوم من شهر ذي الحجة، وتنتهي باليوم التاسع، وهو يوم عرفة؛ وذلك لعموم الأحاديث الواردة في فضل العمل فيها؛ فقد قال - ﷺ -: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر) (٦). والصوم من العمل الصالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>المسألة الثالثة: ما يكره ويحرم من الصيام:</span>\n١ - يكره إفراد شهر رجب بالصيام؛ لأن ذلك من شعائر الجاهلية، وقد كانوا يعظمون هذا الشهر، فلو صامه مع غيره لم يكره؛ لأنه لا يكون حينئذ مُخَصِّصًا\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٩٧٦).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٨١).\n(٣) رواه أحمد (٥/ ١٥٢)، والنسائي (٤/ ٢٢٢)، واللفظ لأحمد. وحسنه الألباني (صحيح سنن النسائي برقم ٢٢٧٧ - ٢٢٨١).\n(٤) رواه البخاري برقم (١٩٧٦).\n(٥) رواه مسلم برقم (١١٦٣).\n(٦) أخرجه البخاري برقم (٩٦٩).","vol":"1","page":164},{"text":"له بالصيام. روى أحمد بن خرشة بن الحر قال: رأيت عمر بن الخطاب يضرب أكف المترجِّبين، حتى يضعوها في الطعام، ويقول: (كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية) (١).\n٢ - يكره إفراد يوم الجمعة بصيام؛ لقوله - ﷺ -: (لا تصوموا يوم الجمعة، إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده) (٢). فإن صامه مع غيره فلا بأس بذلك، للحديث الماضي.\n٣ - يكره إفراد يوم السبت بصيام؛ لقوله - ﷺ -: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) (٣). والمقصود: النهي عن إفراده، وتخصيصه بالصيام، أما إذا ضُمَّ إلى غيره فلا بأس، لقوله - ﷺ - لأم المؤمنين جويرية وقد دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة: (أصمتِ أمس؟) قالت: لا. قال: (تريدين أن تصومي غدًا؟) قالت: لا. قال: (فأفطري) (٤). فدل قوله - ﷺ - (تريدين أن تصومي غدًا) على جواز صيام يوم السبت مع غيره. قال الإمام الترمذي -﵀- عقب إخراجه حديث النهي الماضي: (ومعنى الكراهية فى هذا: أن يختص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأن اليهود يعظِّمون يوم السبت).\n٤ - تحريم صيام يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال، فإن كانت السماء صحوًا فلا شك. ودليل تحريمه: حديث عمار - ﵁ - قال: (من صام اليوم الذي يشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم) (٥).\n_________\n(١) عزاه الألباني لابن أبي شيبة، وقال: صحيح. (إرواء الغليل ٤/ ١١٣).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٨٥)، ومسلم برقم (١١٤٤).\n(٣) أخرجه أبو داود برقم (٢٤٢١)، والترمذي برقم (٧٤٤)، وابن ماجه برقم (١٧٢٦)، والحاكم (١/ ٤٣٥). وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٥٩٤).\n(٤) أخرجه البخاري برقم (١٩٨٦).\n(٥) علقه البخاري في صحيحه بصيغة جزم (الفتح ٤/ ١٤٣) ك الصيام، ب قول النبي - ﷺ -: (إذا رأيتم الهلال فصوموا). ووصله الترمذي برقم (٦٨٩) وغيره، وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٥٥٣).","vol":"1","page":165},{"text":"ولقوله - ﷺ -: (لا يتقدمَن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم) (١). والمعنى: لا يتقدم أحد رمضان بصوم يوم يُعَدُّ منه بقصد الاحتياط، فإن صومه مرتبط بالرؤية، فلا حاجة إلى التكلف، أما من كان له ورد يصومه فلا شيء عليه؛ لأن ذلك ليس من استقبال رمضان. ويستثنى من ذلك أيضًا: القضاء والنذر لوجوبهما.\n٥ - يحرم صوم يومي العيدين، لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: (نهى النبي - ﷺ - عن صوم يوم الفطر والنحر) (٢)، ولحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (هذان يومان نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم) (٣).\n٦ - يكره صوم أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، لقوله - ﷺ - عنها: (أيام أكل وشرب وذكر لله ﷿) (٤). ولقوله - ﷺ -: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) (٥). ورُخِّص في صيامها للمتمتع والقارن إذا لم يجدا ثمن الهدي؛ لحديث عائشة وابن عمر ﵃، قالا: (لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي) (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٩١٤).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٩١).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (١٩٩٠).\n(٤) أخرجه مسلم برقم (١١٤١).\n(٥) أخرجه الترمذي برقم (٧٧٧)، وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ٦٢٠).\n(٦) أخرجه البخاري برقم (١٩٩٧، ١٩٩٨).","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>الباب الخامس: في الاعتكاف، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>المسألة الأولى: تعريف الاعتكاف وحكمه:</span>\n١ - تعريفه: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه.\nوفي الشرع: لزوم المسلم المميز مسجدًا لطاعة الله ﷿.\n٢ - حكمه: وهو سنة وقربة إلى الله تعالى؛ لقوله ﷿: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة: ١٢٥]. وهذه الآية دليل على مشروعيته حتى في الأمم السابقة. وقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧].\nوعن عائشة ﵂: (أن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله) (١).\nوأجمع المسلمون على مشروعيته، وأنه سنة، لا يجب على المرء إلا أن يوجبه على نفسه كأن ينذره.\nفثبتت سُنيَّة الاعتكاف ومشروعيته، بالكتاب، والسنة، والإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>المسألة الثانية: شروط الاعتكاف:</span>\nالاعتكاف عبادة لها شروط لا تصح إلا بها، وهي:\n١ - أن يكون المعتكف مسلمًا مميزًا عاقلًا: فلا يصح الاعتكاف من الكافر، ولا المجنون، ولا الصبي غير المميز؛ أما البلوغ والذكورية فلا يشترطان، فيصح الاعتكاف من غير البالغ إذا كان مميزًا، وكذلك من الأنثى.\n٢ - النية: لقوله - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنيات) (٢). فينوي المعتكف لزوم معتكفه؛ قربةً وتعبدًا لله ﷿.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٠٢٠)، ومسلم برقم (١١٧٢).\n(٢) رواه البخاري برقم (١)، ومسلم برقم (١٩٠٧).","vol":"1","page":167},{"text":"٣ - أن يكون الاعتكاف في مسجد: لقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد) ِ [البقرة: ١٨٧]. ولفعله - ﷺ - حيث كان يعتكف في المسجد، ولم ينقل عنه أنه اعتكف في غيره.\n٤ - أن يكون المسجد الذي يعتكف فيه تقام فيه صلاة الجماعة: وذلك إذا كانت مدة الاعتكاف تتخللها صلاة مفروضة، وكان المعتكف ممن تجب عليه الجماعة، لأن الاعتكاف. في مسجد لا تقام فيه صلاة الجماعة يقتضي ترك الجماعة وهي واجبة عليه، أو تكرار خروج المعتكف كل وقت، وهذا ينافي المقصود من الاعتكاف، أما المرأة فيصح اعتكافها في كل مسجد سواء أقيمت فيه الجماعة أم لا. هذا إذا لم يترتب على اعتكافها فتنة، فإن ترتب على ذلك فتنة منعت. والأفضل أن يكون المسجد الذي يعتكف فيه تقام فيه الجمعة، لكن ذلك ليس شرطًا للاعتكاف.\n٥ - الطهارة من الحدث الأكبر: فلا يصح اعتكاف الجنب، ولا الحائض، ولا النفساء؛ لعدم جواز مكث هؤلاء في المسجد.\nأما الصيام فليس بشرط في الاعتكاف؛ لما روي عن ابن عمر ﵄ أن عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: (أوف بنذرك) (١). فلو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكافه في الليل، لأنه لا صيام فيه. ولأنهما عبادتان منفصلتان، فلا يشترط لإحداهما وجود الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>المسألة الثالثة: زمان الاعتكاف ومستحباته وما يباح للمعتكف:</span>\n١ - زمن الاعتكاف ووقته: المكث في المسجد مقدارًا من الزمن هو ركن الاعتكاف، فلو لم يقع المكث في المسجد لم ينعقد الاعتكاف، وفي أقل مدة الاعتكاف خلاف بين أهل العلم. والصحيح -إن شاء الله- أن وقت\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٠٣٢)، ومسلم برقم (١٦٥٦).","vol":"1","page":168},{"text":"الاعتكاف ليس لأقله حد، فيصح الاعتكاف مقدارًا من الزمن، وإن قل، إلا أن الأفضل ألا يقل الاعتكاف عن يوم أو ليلة؛ لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه الاعتكاف فيما دون ذلك.\nوأفضل أوقات الاعتكاف العشر الأواخر من رمضان؛ لحديث عائشة ﵂ السابق: \"أن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله\" (١). فإن اعتكف في غير هذا الوقت، جاز ذلك لكنه خلاف الأولى والأفضل.\nومن نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان صلى الفجر من صبيحة اليوم الحادي والعشرين في المسجد الذي ينوي الاعتكاف فيه، ثم يدخل في اعتكافه، وينتهي بغروب شمس آخر يوم من رمضان.\n٢ - مستحباته: والاعتكاف عبادة يخلو فيها العبد بخالقه، ويقطع العلائق عما سواه، فيستحب للمعتكف أن يتفرغ للعبادة، فيكثر من الصلاة، والذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، والتوبة، والاستغفار، ونحو ذلك من الطاعات التي تقربه إلى الله تعالى.\n٣ - ما يباح للمعتكف: ويباح للمعتكف الخروج من المسجد لما لابد منه؛ كالخروج للأكل والشرب، إذا لم يكن له من يحضرهما، والخروج لقضاء الحاجة، والوضوء من الحدث، والاغتسال من الجنابة.\nويباح له التحدث إلى الناس فيما يفيد، والسؤال عن أحوالهم، أما التحدث فيما لا يفيد، وفيما لا ضرورة فيه، فإنه ينافي مقصود الاعتكاف وما شرع من أجله. ويباح له أن يزوره بعض أهله وأقاربه، وأن يتحدث إليه ساعة من زمان، والخروج من معتكفه لتوديعهم؛ لحديث صفية ﵂ قالت: (كان رسول الله - ﷺ - معتكفًا فأتيت ليلًا، فحدَّثته، ثم قمت، فانقلبت، فقام معي ليَقْلِبَني ...) (٢) الحديث. ومعنى ليقلبني: يردني إلى بيتي.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٠٢٠)، ومسلم برقم (١١٧٢).\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٠٣٥)، ومسلم برقم (٢١٧٥).","vol":"1","page":169},{"text":"وللمعتكف أن يأكل، ويشرب، وينام في المسجد، مع المحافظة على نظافة المسجد، وصيانته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>المسألة الرابعة: مبطلات الاعتكاف:</span>\nيبطل الاعتكاف بما يلي:\n١ - الخروج من المسجد لغير حاجة عمدًا، وإن قلَّ وقت الخروج؛ لحديث عائشة ﵂: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة، إذا كان معتكفًا) (١)، ولأن الخروج يفوت المكث في المعتكف، وهو ركن الاعتكاف.\n٢ - الجماع، ولو كان ذلك ليلًا، أو كان الجماع خارج المسجد؛ لقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧].\nوفي حكمه الإنزال بشهوة بدون جماع كالاستمناء، ومباشرة الزوجة في غير الفرج.\n٣ - ذهاب العقل، فيفسد الاعتكاف بالجنون والسكر، لخروج المجنون والسكران عن كونهما من أهل العبادة.\n٤ - الحيض والنفاس؛ لعدم جواز مكث الحائض والنفساء في المسجد.\n٥ - الردة؛ لمنافاتها العبادة، ولقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥].\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٠٢٩).","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>خامسًا: كتاب الحج</span>\nويشتمل على سبعة أبواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الباب الأول: في مقدمات الحج، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>المسألة الأولى: في تعريف الحج:</span>\nالحَجُّ في اللغة: القصد.\nوفي الشرع: التعبد لله بأداء المناسك في مكان مخصوص في وقت مخصوص، على ما جاء في سنة رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>المسألة الثانية: حكم الحج وفضله:</span>\n١ - حكم الحج: الحج أحد أركان الإسلام وفروضه العظام، لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧]. ولقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: ١٩٦].\nولحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: (بني الإسلام على خمس ...)، وذكر منها الحج.\nوقد أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع مرة واحدة في العمر.\n٢ - فضله: ورد في فضل الحج أحاديث كثيرة، منها:\nحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) (١). وقال - ﷺ -: (من حج لله، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) (٢). إلى غير ذلك من الأحاديث.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (١٣٤٩).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (١٥٢١)، ومسلم برقم (١٣٥٠).","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>المسألة الثالثة: هل يجب الحج في العمر أكثر من مرة</span>؟\nلا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة وما زاد على ذلك فهو تطوع؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فقال: (لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم) (١)، ولأن النبي - ﷺ - لم يحج بعد هجرته إلى المدينة إلا حجة واحدة. وقد أجمع العلماء على أن الحج لا يجب على المستطيع إلا مرة واحدة.\nوعليه أن يبادر بأدائه إذا تحققت شروطه، ويأثم بتأخيره لغير عذر؛ لقوله - ﷺ -: (تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يَعْرِضُ له) (٢). وقد رُوي مرفوعًا وموقوفًا، من طرق يقوّي بعضها بعضًا: (من استطاع الحج فلم يحج، فليمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>المسألة الرابعة: شروط الحج:</span>\nيشترط لوجوب الحج خمسة شروط:\n١ - الإسلام: فلا يجب الحج على الكافر ولا يصح منه؛ لأن الإسلام شرط لصحة العبادة.\n٢ - العقل: فلا يجب الحج على المجنون ولا يصح منه في حال جنونه؛ لأن العقل شرط للتكليف، والمجنون ليس من أهل التكليف، ومرفوع عنه القلم، حتى يفيق، كما في حديث علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٣٣٧).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣١٤)، وحسنه الألباني (الإرواء برقم ٩٩٠). ومعنى (ما يعرض له): أي ما يطرأ ويحدث له.\n(٣) انظر: نيل الأوطار (٤/ ٣٣٧).\n(٤) رواه أبو داود برقم (٤٤٠١)، وابن ماجه برقم (٢٠٤١)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٢٩٧).","vol":"1","page":172},{"text":"٣ - البلوغ: فلا يجب الحج على الصبي؛ لأنه ليس من أهل التكليف ومرفوع عنه القلم حتى يبلغ للحديث الماضي: (رفع القلم عن ثلاثة ...)، لكن لو حج فحجه صحيح، وينوي له وليه إذا لم يكن مميزًا، ولا يكفيه عن حجة الإسلام، بلا خلاف بين أهل العلم؛ لما رواه ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت صبيًا فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: (نعم ولك أجر) (١). ولقوله - ﷺ -: (أيما صبيٍّ حج ثم بلغ، فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق، فعليه حجة أخرى) (٢).\n٤ - الحرية: فلا يجب الحج على العبد؛ لأنه مملوك لا يملك شيئًا، لكن لو حج صحَّ حجه إن كان بإذن سيده. وقد أجمع أهل العلم على أن المملوك إذا حج في حال رقه، ثم أعتق، فعليه حجة الإسلام، إذا وجد إلى ذلك سبيلًا، ولا يجزئ عنه ما حَجَّ في حال رقه؛ لقوله - ﷺ - في الحديث الماضي ذكره: (وأيما عبد حج ثم عتق، فعليه حجة أخرى).\n٥ - الاستطاعة: لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧]. فغير المستطيع ماليًا، بأن كان لا يملك زادًا يكفيه ويكفي من يعوله، أو كان لا يملك راحلة توصله إلى مكة وترده. أو بدنيًا بأن كان شيخًا كبيرًا، أو مريضًا ولا يتمكن من الركوب وتحمل مشاق السفر، أو كان الطريق إلى الحج غير آمن، كأن يكون به قطاع طرق، أو وباء، أو غير ذلك مما يخاف الحاج معه على نفسه وماله، فإنه لا يجب عليه الحج حتى يستطيع، وقد قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] والاستطاعة من الوسع الذي ذكره الله، ومن الاستطاعة في حج المرأة: وجود المحرم الذي يرافقها في سفر الحج؛ لأنه لا يجوز لها السفر للحج ولا لغيره بدون محرم؛ لقوله - ﷺ -: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٣٣٦).\n(٢) أخرجه الشافعي في مسنده برقم (٧٤٣) بترتيب السندي، والبيهقي (٥/ ١٧٩) وصححه الشيخ الألباني (الإرواء برقم ٩٨٦).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٣٤٠).","vol":"1","page":173},{"text":"ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها) (٣)، ولقوله - ﷺ - للرجل الذي قال: إن امرأتي خرجت حاجَّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا: (انطلق فحج معها) (١). فإذا حجت بدون محرم فحجها صحيح، وتكون آثمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>المسألة الخامسة: حكم العمرة وأدلة ذلك:</span>\nتجب العمرة على المستطيع مرة واحدة في العمر؛ لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: ١٩٦]، ولقول النبي - ﷺ - لعائشة لما سألته: هل على النساء جهاد؟ قال: (نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) (٢)، ولقوله - ﷺ - لأبي رزين لما سأله أن أباه لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن. قال: (حج عن أبيك واعتمر) (٣).\nوأركانها ثلاثة: الإحرام، والطواف، والسعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>المسألة السادسة: مواقيت الحج والعمرة:</span>\nالميقات لغة: هو الحد. وشرعًا: هو موضع العبادة أو زمنها، فتنقسم المواقيت إلى: زمانية ومكانية.\nأما المواقيت الزمانية للحج والعمرة:\nفالعمرة يجوز أداؤها في جميع أوقات السنة.\nوأما الحج فله أشهر معلومات لا يصح شيء من أعمال الحج إلا فيها؛ لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) [البقرة: ١٩٧]، وهي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٨٦٢)، ومسلم برقم (١٣٤١).\n(٢) رواه أحمد (٦/ ١٦٥)، وابن ماجه برقم (٢٩٠١)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه برقم ٢٣٦٢).\n(٣) رواه أبو داود برقم (١٨١٠)، والنسائي (٥/ ١١١)، وابن ماجه برقم (٢٩٠٤، ٢٩٠٥)، وأحمد (١/ ٢٤٤)، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ٢٤٧٣).","vol":"1","page":174},{"text":"وأما المواقيت المكانية للحج والعمرة: فهي الحدود التي لا يجوز للحاج والمعتمر أن يتجاوزها إلا بإحرام. وقد بيَّنها رسول الله - ﷺ - في حديث ابن عباس ﵄ قال: (وَقَّتَ رسول الله - ﷺ - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) (١). فمن تعدى هذه المواقيت بدون إحرام وجب عليه الرجوع إليها إن أمكن، وإن لم يتمكن من الرجوع فعليه فدية، وهي شاة يذبحها في مكة، ويوزِّعها على مساكين الحرم.\nأما من كانت منازلهم دون المواقيت، فإنهم يُحرمون من أماكنهم؛ لقوله - ﷺ - في الحديث السابق: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ).\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٥٢٤)، ومسلم برقم (١١٨١). وفي لفظ: (ومهل أهل العراق ذات عرق).","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>الباب الثاني: في أركان، الحج وواجباته، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>المسألة الأولى: في أركان الحج:</span>\nأركان الحج أربعة، هي:\n١ - الإحرام: وهو نية الحج وقصده؛ لأن الحج عبادة محضة فلا يصح بغير نية بإجماع المسلمين، والأصل في ذلك قول النبي - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنيات) (١)، والنية محلها القلب، لكن الأفضل في الحج النطق بها، مُعَيِّنًا النسك الذي نواه، لثبوت ذلك من فعله - ﷺ -.\n٢ - الوقوف بعرفة: وهو ركن بالإجماع، ودليله قوله - ﷺ -: (الحج عرفة) (٢)، ووقت الوقوف: من بعد الزوال يوم عرفة، إلى طلوع فجر يوم النحر.\n٣ - طواف الزيارة: ويسمى طواف الإفاضة، لأنه يكون بعد الإفاضة من عرفة، ويسمى طواف الفرض، وهو ركن بالإجماع؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩].\n٤ - السعي بين الصفا والمروة: وهو ركن؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة (٣)، وقوله - ﷺ -: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) (٤).\nوهذه الأركان لا يتم الحج إلا بها، فمن ترك ركنًا منها لم يتم حجه، حتى يأتي به.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١)، ومسلم برقم (١٩٠٧).\n(٢) رواه الترمذي برقم (٨٨٩)، وأبو داود برقم (١٩٤٩)، والنسائي (٥/ ٢٥٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٧٨) وصححه، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ٢٨٢٢).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٢٧٧).\n(٤) رواه أحمد (٦/ ٤٢١)، وابن خزيمة برقم (٢٧٦٤)، والبيهقي (٥/ ٩٨)، وصححه الألباني (التعليق على صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٣٢).","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>المسألة الثانية: واجبات الحج:</span>\n١ - الإحرام من الميقات المعتبر له شرعًا.\n٢ - الوقوف بعرفة إلى الليل لمن أتاها نهارًا؛ لأن النبي - ﷺ - وقف إلى الغروب -كما سيأتي في صفة حجته-، وقال: (خذوا عني مناسككم).\n٣ - المبيت بمزدلفة ليلة النحر إلى منتصف الليل، إن وافاها قبله؛ لفعله - ﷺ - ذلك.\n٤ - المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.\n٥ - رمي الجمرات مرتبًا.\n٦ - الحلق أو التقصير، لقوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) [الفتح: ٢٧]، ولفعله - ﷺ -، وأمره بذلك.\n٧ - طواف الوداع لغير الحائض والنفساء؛ لحديث ابن عباس ﵄: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) (١).\nفمن ترك واجبًا من هذه الواجبات عامدًا أو ناسيًا جبره بدم وصح حجه، لما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليرق دمًا) (٢).\nوما سوى ما ذكر من الأعمال فهو سنة. ومن أهم هذه السنن:\n١ - الاغتسال للإحرام والتطيب ولبس ثوبين أبيضين.\n٢ - تقليم الأظافر وأخذ شعر العانة والإبط وقص الشارب وما يلزم أخذه.\n٣ - طواف القدوم للمفرد والقارن.\n٤ - الرَّمَل في الثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٧٥٥)، ومسلم برقم (١٣٢٨).\n(٢) رواه الدارقطني (٢/ ١٩١) برقم (٢٥١٢)، والبيهقي (٥/ ١٥٢) وغيرهما، وهو ثابت عن ابن عباس من قوله، كما قال ابن عبد البر (الاستذكار ١٢/ ١٨٤) والألباني (الإرواء ٤/ ٢٩٩).","vol":"1","page":177},{"text":"٥ - الاضطباع في طواف القدوم، وهو: أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر.\n٦ - المبيت بمنى ليلة عرفة.\n٧ - التلبية من حين الإحرام إلى رمي جمرة العقبة.\n٨ - الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة تقديمًا.\n٩ - الوقوف بمزدلفة عند المشعر الحرام من الفجر إلى الشروق إن تيسر، وإلا فمزدلفة كلها موقف.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>الباب الثالث: في المحظورات والفدية والهدي، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>المسألة الأولى: في محظورات الإحرام:</span>\nوهي ما يمتنع على المحرم فعله شرعًا، وهي تسعة:\n١ - لبس المخيط، وهو المفصَّل على قدر البدن أو العضو من السراويل والثياب وغيرهما، إلا لمن لم يجد إزارًا فيجوز له لبس السراويل. وهذا المحظور خاص بالرجال، أما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب إلا النقاب والقفازين، كما سيأتي.\n٢ - استعمال الطيب في بدنه أو ثيابه، وكذلك تعمد شمه، ويجوز له شم ما له رائحة طيبة من نبات الأرض، وله الاكتحال بما لا طيب فيه.\n٣ - إزالة الشعر والظفر، ذكرًا كان أو أنثى، ويجوز له غسل رأسه برفق، وإن انكسر ظفره جاز له رميه.\n٤ - تغطية رأس الرجل بملاصق له، وله الاستظلال بالخيمة ونحوها كشجرة.\nويجوز للمحرم أن يستظل بالشمسية عند الحاجة، والمرأة ممنوعة من تغطية وجهها بما عمل على قدره كالنقاب والبرقع، ويجب عليها تغطية وجهها بالخمار عند وجود الرجال الأجانب، وممنوعة من لبس القفازين، وتلبس ما شاءت من الثياب مما يناسبها. فمن تطيب، أو غطَّى رأسه، أو لبس مخيطًا، جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا، فلا شيء عليه؛ لقوله - ﷺ -: (عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).\nفمتى علم الجاهل، أو ذكر الناسي، أو زال الإكراه، فعليه منع استدامة هذا المحظور.\n٥ - عقد النكاح له ولغيره.\n٦ - الوطء في الفرج، وهو مفسد للحج قبل التحلل الأول، ولو بعد الوقوف بعرفة.\n٧ - المباشرة فيما دون الفرج، ولا تفسد النسك، وكذا القُبلة واللمس والنظر بشهوة.","vol":"1","page":179},{"text":"٨ - قتل صيد البر واصطياده، ويجوز له قتل الفواسق التي أمر النبي - ﷺ - بقتلها في الحل والحرم، للمحرم وغيره، وهي: الغراب والفأرة والعقرب والحِدأة والحية والكلب العقور. ولا يجوز له الإعانة على قتل صيد البر، لا بالإشارة ولا بغيرها، ولا يجوز أكل ما صيد من أجله.\n٩ - لا يجوز للمحرم ولا غيره قطع شجر الحرم أو نباته الرطب غير المؤذي، ويجوز قطع الأوصال المؤذية في الطريق، ويستثنى من شجر الحرم الإذخر، وما أنبته الآدميون بالإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>المسألة الثانية: فدية المحظورات:</span>\n- بالنسبة لحلق الشعر، وتقليم الأظافر، ولبس المخيط، والطيب، وتغطية الرأس، والإمناء بنظرة، والمباشرة بغير إنزال المني: الفدية فيها على التخيير بين أصناف ثلاثة:\n١ - صيام ثلاثة أيام.\n٢ - أو إطعام ستة مساكين.\n٣ - أو ذبح شاة.\nلقوله - ﷺ - لكعب بن عجرة حين آذاه هوام رأسه: (احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة) (١). وقيست عليه بقية الأفعال، لأنها محرمة بالإحرام، ولا تفسد الحج.\n- وأما بالنسبة لقتل الصيد: فيخير قاتل الصيد بين ذبح المثل من النعم، أو تقويم المثل بمحل التلف، ويشتري بقيمته طعامًا يجزئ في الفطرة، فيطعم كل مسكين مدّبُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، كتمر أو شعير، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) [المائدة: ٩٥].\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٨١٥)، ومسلم برقم (١٢٠١).","vol":"1","page":180},{"text":"- وأما بالنسبة للوطء في الحج قبل التحلل الأول، وإنزال المني بمباشرة، أو استمناء، أو تقبيل، أو لمس بشهوة، أو تكرار نظر: فإنه يفسد الحج، حتى وإن كان المجامع ساهيًا أو جاهلًا أو مكرهًا. ويجب في ذلك بدنة، وقضاء الحج، والتوبة.\nوأما بعد التحلل الأول، فإنه لا يفسد الحج، ويجب في ذلك شاة.\n- وأما بالنسبة لعقد النكاح: فلا يجب في ذلك فدية، وإنما يكون العقد فاسدًا.\n- وأما بالنسبة لقطع شجر الحرم ونباته الذي لم يزرعه الآدمي: فتضمن الشجرة الصغيرة عرفًا بشاة وما فوقها ببقرة، ويضمن النبات والورق بقيمته لأنه متقوم.\nهذا إذا كان مرتكب المحظور متعمدًا، أما الجاهل والناسي فلا شيء عليهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>المسألة الثالثة: في الهدي وأحكامه:</span>\nالهدي: ما يهدى إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام -الإبل والبقر والغنم- تقربًا إلى الله تعالى.\nأنواع الهدي:\n١ - هدي التمتع والقِران: وهو واجب على من لم يكن حاضر المسجد الحرام، وهو دم نسك لا جبران؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة: ١٩٦].\nفإن عدم الهدي أو ثمنه صام ثلاثة أيام في الحج، ويجوز صيامها في أيام التشريق، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) [البقرة: ١٩٦] ويستحب للحاج أن يأكل من هدي التمتع والقران لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) [الحج: ٣٦].\n٢ - هدي الجبران: وهو الفدية الواجبة لترك واجب، أو ارتكاب محظور من محظورات الإحرام، أو بسبب الإحصار عند وجود سببه؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة: ١٩٦]، ولقول ابن عباس: (من نسي من","vol":"1","page":181},{"text":"نسكه شيئًا أو تركه، فليرق دمًا) (١).\nوهذا النوع لا يجوز الأكل منه، بل يتصدق به على فقراء الحرم.\n٣ - هدي التطوع: وهو مستحب لكل حاج ولكل معتمر؛ اقتداء بالنبي - ﷺ - فقد أهدى مائة بدنة في حجة الوداع.\nويستحب الأكل منه؛ لأن النبي - ﷺ - أمر من كل جزور بِبَضْعَةٍ، فطبخت، وأكل منها، وشرب من مرقها. (٢) والبَضعة: القطعة من اللحم.\nويجوز لغير المحرم أن يبعث هدايا إلى مكة لتذبح بها؛ تقربًا إلى الله تعالى، ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم.\n٤ - هدي النذر: وهو ما ينذره الحاج تقربًا إلى الله عند البيت الحرام، ويجب الوفاء بهذا النذر؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) [الحج: ٢٩]. ولا يجوز الأكل من هذا الهدي.\nوقت ذبح الهدي:\nهدي التمتع والقران يبدأ وقته من بعد صلاة العيد يوم النحر، إلى آخر أيام التشريق.\nأما ذبح فدية الأذى واللبس فحين فعله، وكذلك الفدية الواجبة لترك واجب.\nوأما دم الإحصار فعند وجود سببه، وهو شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة: ١٩٦].\nمكان الذبح:\nهدي التمتع والقران: السنة أن يذبحه بمنى، وإن ذبحه في أي جزء من أجزاء الحرم جاز.\nوكذلك فدية ترك الواجب وفعل المحظور فلا تذبح إلا في الحرم، عدا هدي الإحصار، فيذبحه في موضعه. أما الصيام فيجزئه في كل مكان.\n_________\n(١) رواه البيهقي (٥/ ١٥٢)، وتقدم الكلام عليه في ص (١٧٧).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٢١٨).","vol":"1","page":182},{"text":"والمستحب أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقوله تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦].\nويستحب أن يذبح الحاج بنفسه، وإن أناب غيره فلا بأس بذلك، ويستحب أن يقول عند الذبح: بسم الله، اللهم هذا منك ولك.\nأما شروط الهدي: فهي شروط الأضحية نفسها:\n١ - أن يكون من بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم).\n٢ - أن يكون خاليًا من العيوب التي تمنع الإجزاء، كالمرض والعور والعرج والهزال.\n٣ - أن تتوافر فيه السن المشروعة: فالإبل خمس سنوات، والبقر سنتان، والمعز سنة، والضأن ستة أشهر.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>الباب الرابع: في صفة الحج والعمرة:</span>\nالأصل عند أهل العلم في صفة الحج حديث جابر المشهور. (١)\nوقد تتبعنا الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ - فتلخص لنا من مجموعها الصفة التالية:\nإذا وصل مريد النسك إلى الميقات فإنه يستحب له أن يغتسل، ويأخذ ما يحتاج إلى أخذه من شعر، يحل أخذه، كشعر الإبط والعانة والشارب، ويقلم أظافره، ويتجرد الرجل من المخيط، ويتطيب في بدنه قبل نية الدخول في النسك، ويلبس الرجل إزارًا ورداء نظيفين أبيضين. وتحرم المرأة فيما شاءت من ثياب.\nويغطي الرجل كتفيه بردائه، ويهل بنسكه الذي يريد. والأفضل أن يكون إهلاله إذا استوى على دابته، وإن كان المحرم يخاف من عائق يمنعه من إتمام نسكه كمرض أو قطع طريق أو نحو ذلك فإنه يَشْتَرِط أن مَحِلِّي حيث حبستني.\nويستحب أن يكون عند إهلاله مستقبلًا القبلة ويقول: اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة، ويَشْرَعُ في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وكان الصحابة يزيدون: لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل. ويسن أن يرفع صوته بالتلبية، فإذا وصل مكة استحب له أن يغتسل، فإذا أراد أن يطوف اضطبع الرجل بأن يكشف عن كتفه الأيمن، ويغطي كتفه الأيسر بردائه. ويشترط أن يكون حال الطواف متوضئًا، ويستحب أن يستلم الحجر الأسود ويقبِّله، فإن لم يمكنه ذلك استلمه بيده، وقَبَّل يده، فإن لم يمكنه ذلك يشير إليه بيده، ولا يقبِّلها، ويفعل ذلك عند كل شوط، ويبدأ كل شوط بالتكبير، وإن ابتدأ الطواف ببسم الله والله أكبر فحسن، وإذا أتى الركن اليماني استلمه ولم يقبِّله، فإن لم يمكنه استلامه فإنه لا يشير إليه، ولا يكبر، ويقول بين الركنين -وهما: الركن اليماني والحجر الأسود-: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٢١٦).","vol":"1","page":184},{"text":"ويدعو في بقية الطواف بما شاء، ويستحب أن يَرْمُل في الأشواط الثلاثة الأولى -والرَّمَل فوق المشي ودون العدو- ويمشي في الأربعة، فإذا أتم سبعة أشواط غطى كتفيه بردائه، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة: ١٢٥] ويصلي ركعتين خلف المقام يقرأ في الأولى بسورة (الكافرون) وفي الثانية بسورة (الإخلاص) فإن لم يتمكن من الصلاة خلف المقام لزحام ونحوه، صلى في أي مكان من المسجد، وهذا الطواف هو طواف القدوم للمفرد والقارن وطواف العمرة للمتمتع، ثم يشرع له أن يشرب من زمزم، ويصب على رأسه، ثم يرجع إلى الحجر الأسود، فيستلمه إن تيسر، ثم يخرج إلى الصفا، ويقرأ قول الله ﷿: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) [البقرة: ١٥٨] ثم يرقى الصفا حتى يرى البيت، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه، ويقول: الله أكبر ثلاثًا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يفعل ذلك ثلاث مرات ويدعو بينها طويلًا، ثم ينزل ماشيًا إلى المروة، ويسعى بين الميلين الأخضرين سعيًا شديدًا، وذلك للرجال دون النساء، ثم يمشي حتى يرقى المروة، فيصنع عليها مثل ما صنع على الصفا، وهذا شوط، ثم من المروة إلى الصفا شوط آخر حتى يتم السعي سبعة أشواط. وهذا سعي الحج للمفرد والقارن، ولا يتحللان بعده، بل يبقيان بإحرامهما، وهو سعي العمرة للمتمتع.\nويتحلل المتمتع من عمرته بتقصير شعره ثم يلبس ملابسه، حتى إذا كان يوم التروية -وهو يوم الثامن من ذي الحجة- أحرم المتمتع بالحج من مكانه، وكذا غيره من المحلين بمكة وقربها. ويستحب له أن يفعل ما فعله عند الميقات من الاغتسال والتطيب والتنظف. ويتوجه جميع الحجاج إلى منى ملبِّين، ويصلُّون في منى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بقصر الرباعية من غير جمع، ثم في صبيحة اليوم التاسع يسير الحاج إلى عرفة. فإنْ تيسَّر له أن ينزل بنمرة إلى الزوال فحسن. وإذا زالت الشمس خطب الإمام أو نائبه خطبة","vol":"1","page":185},{"text":"قصيرة، ثم يصلي الظهر والعصر قصرًا وجمعًا في وقت الظهر، ثم يدخل عرفة.\nويجب على الحاج أن يتيقن أنه في داخل حدود عرفة، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه يدعو ويلبي، ويحمد الله، ويجتهد في التضرع والذكر والدعاء في ذلك اليوم العظيم. وأفضل ما يقال في ذلك اليوم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ويكون في ذلك اليوم مفطرًا؛ لأنه أقوى له على العبادة، ولا يزال واقفًا متضرعًا متذللًا، إلى أن تغرب الشمس، فإذا غربت أفاض من عرفة بسكينة، ويسير ملبِّيًا حتى يأتي مزدلفة فيصلي بها المغرب والعشاء جمعًا ويقصر العشاء، ورخص للضعفة أن يخرجوا من مزدلفة بليل، ويبقى القوي في مزدلفة حتى يصلي الفجر، ثم يستقبل القبلة ويحمد الله ويكبره ويهلله حتى يسفر جدًا، ثم يدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، وعليه السكينة، ملبيًا، ويلتقط سبع حصيات من الطريق، حتى إذا أتى جمرة العقبة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقطع التلبية، ثم ينحر هديه، ويستحب أن يأكل منه، ثم يحلق رأسه، ثم يطوف طواف الإفاضة، ويسعى سعي الحج إن كان متمتعًا، أو كان مفردًا أو قارنًا ولم يسع مع طواف القدوم. والسنة ترتيب هذه الأعمال: الرمي، فالذبح، فالحلق، أو التقصير، فإن قدَّم واحدًا منها على آخر فلا حرج، وإذا فعل اثنين من ثلاثة أعمال -رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، والطواف مع السعي، إن كان عليه سعي- تحلل التحلل الأول وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء. فإذا فعل الثلاثة تحلل التحلل الأكبر فيحل له كل شيء حتى النساء، ويبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر وجوبًا، ويرمي الجمرات الثلاث يوم الحادي عشر بادئًا بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى وكذلك في اليوم الثاني عشر، ويبدأ وقت الرمي من الزوال إلى طلوع الفجر، وإذا رمى الجمرة الصغرى سُنَّ له أن يتقدم قليلًا عن يمينه، ويقوم مستقبلًا القبلة رافعًا يديه يدعو. وإذا رمى الجمرة الوسطى سُنَّ له أن يتقدم، ويأخذ ذات الشمال ويستقبل القبلة،","vol":"1","page":186},{"text":"ويقوم طويلًا يدعو رافعًا يديه، ولا يقف بعد جمرة العقبة، فإن أراد أن يتعجل فإنه يجب عليه أن يخرج من منى يوم الثاني عشر قبل غروب الشمس، فإن غربت عليه الشمس في منى مختارًا، وجب عليه مبيت ليلة الثالث عشر. ثم إذا أراد أن يخرج من مكة وجب عليه أن يطوف طواف الوداع، ويجعل آخر عهده بالبيت الطواف، ويسقط هذا الطواف عن الحائض والنفساء.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>الباب الخامس: في الأماكن التي تشرع زيارتها في المدينة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>المسألة الأولى: زيارة مسجد النبي ﷺ:</span>\nتسن زيارة مسجد النبي - ﷺ - وشدُّ الرحل إليه في أي وقت من أيام السنة، سواء أكان ذلك قبل الحج أم بعده، وليس لها وقت خاص، ولا دخل لها في الحج، وليست من شروطه ولا من واجباته، لكن ينبغي لمن قدم إلى الحج أن يزور مسجده - ﷺ - قبل أداء فريضة الحج أو بعدها، وبخاصة من يشق عليه السفر إلى هذه الأماكن. فلو مر الحجاج بالمسجد النبوي وصلوا فيه، لكان أرفق بهم وأعظم لأجرهم ولجمعوا بين الحسنيين: أداء فريضة الحج، وزيارة المسجد النبوي للصلاة فيه، مع العلم -كما سبق- بأن هذه الزيارة ليست من مكملات الحج، ولا دَخْلَ لها فيه، فالحج كامل وتام بدون هذه الزيارة، ولا ارتباط بينها وبين الحج ألبتة.\nوالأدلة على مشروعية شدِّ الرحال لمسجده - ﷺ - والصلاة فيه كثيرة منها:\n١ - قوله - ﷺ -: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد الرسول - ﷺ - ومسجد الأقصى) (١).\n٢ - وقوله - ﷺ -: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام) (٢).\nفهذه النصوص تدل على مشروعية زيارة مسجد النبي - ﷺ - للصلاة فيه لفضلها ومضاعفة أجرها، وتدل أيضًا على أنه يحرم شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة لقصد العبادة، فلا تشرع الزيارة والسفر لأي مكان في أنحاء المعمورة، إلا إلى هذه المساجد الثلاثة. وقَصْدُ المدينة للصلاة في مسجد النبي - ﷺ - مشروع في حق الرجال والنساء؛ لما تقدم من عموم الأدلة السابقة.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١١٨٩)، ومسلم برقم (١٣٩٧) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(٢) رواه البخاري برقم (١١٩٠)، ومسلم برقم (١٣٩٤).","vol":"1","page":188},{"text":"أما كيفية الزيارة: فإذا وصل المسافر إلى المسجد استحب له أن يقدم رجله اليمنى حال دخوله المسجد، ويقول الدعاء المشروع عند دخول أي مسجد: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك.\nوليس لمسجده - ﷺ - ذكر مخصوص، ثم بعد ذلك يصلي ركعتين في أي مكان من المسجد، وإن صلاها في الروضة فهو أفضل؛ لقوله - ﷺ -: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) (١).\nومن زار مسجده - ﷺ - ينبغي له أن يحافظ على أداء الصلوات الخمس فيه، وأن يكثر فيه من الذكر والدعاء وصلاة النافلة في الروضة الشريفة؛ احتسابًا للأجر والثواب الجزيل، أمَّا صلاة الفريضة فالأولى للزائر وغيره أن يتقدم إليها، ويحرص على الصفوف الأول المرغب فيها ما استطاع؛ لأنها مقدمة على الروضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>المسألة الثانية: زيارة قبره ﷺ:</span>\nإذا زار المسلم المسجد النبوي استحب له زيارة قبره - ﷺ - وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر ﵄؛ لأنها تابعة لزيارة مسجده - ﷺ -، وليست هي أصل القصد. وهذه هي الزيارة المشروعة، ولا يشرع شد الرحل إليها، بل شدُّ الرحل لزيارة قبور الأنبياء والصالحين والأماكن الأخرى غير المساجد الثلاثة -المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى- انعقد الإجماع على تحريمه، ومن فعله فهو عاص بنيَّته، آثم بقصده؛ لمخالفته لمفهوم الحديث الوارد في شد الرحال إلى المساجد الثلاثة.\nأما كيفية الزيارة: فعلى الزائر أن يقف تجاه قبر النبي - ﷺ - بأدب وخفض صوت، ثم يسلم عليه قائلًا: (السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته)؛ لقوله - ﷺ -: (ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇) (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١١٩٦)، ومسلم برقم (١٣٩١).\n(٢) رواه أبو داود برقم (٢٠٤١)، وأحمد (٢/ ٥٢٧) من حديث أبي هريرة، وصحح النووي إسناده (الأذكار رقم ٣٤٩)، وابن القيم (جلاء الأفهام رقم ٣٢)، وحسَّنه الألباني (صحيح الترغيب برقم ١٦٦٦).","vol":"1","page":189},{"text":"وإن قال الزائر: السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده، اللهم آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، اللهم اجزه عن أمته خير الجزاء، فلا بأس. ثم بعد ذلك يسلِّم على أبي بكر وعمر -﵄- ويدعو لهما، ويترحم عليهما؛ لما أثر عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا سلم على الرسول - ﷺ - وصاحبيه، لا يزيد على قوله: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه) ثم ينصرف.\nويحرم على الزائر وغيره التمسح بالحجرة أو تقبيلها أو الطواف بها، أو استقبالها حال الدعاء، أو سؤال الرسول - ﷺ - قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وشفاء المرض ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله لله، ولا يطلب إلا منه.\nوليست زيارة قبر النبي - ﷺ - وقبري صاحبيه واجبة، ولا شرطًا في الحج كما يظن بعض الجهال من العامة، بل هي مستحبة في حق من زار مسجد النبي - ﷺ - ولا ارتباط بينها وبين الحج بتاتًا، وما ورد في هذا الباب من الأحاديث التي يحتج بها من يقول بمشروعية شدِّ الرحل إلى قبر النبي - ﷺ -، وأنها من مكملات الحج فهي أحاديث ساقطة، لا أصل لها، إما ضعيفة أو موضوعة، كحديث: (من حج ولم يزرني فقد جفاني)، وحديث: (من زار قبري وجبت له شفاعتي)، وغيرهما كثير، وكلها لم يثبت منها حديث واحد عن النبي - ﷺ -، بل جزم بعض أهل العلم بأنها كلها موضوعة مكذوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>المسألة الثالثة: الأماكن الأخرى التي تشرع زيارتها في المدينة النبوية:</span>\nيستحب لزائر المدينة -رجلًا كان أو امرأة- أن يخرج متطهرًا إلى مسجد قباء ويصلي فيه؛ لفعله - ﷺ - حيث كان يزور مسجد قباء راكبًا وماشيًا ويصلي فيه ركعتين (١).\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١١٩٤)، ومسلم برقم (١٣٩٩) (٥١٦).","vol":"1","page":190},{"text":"وقوله - ﷺ -: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة) (١).\nويسن للرجال فقط زيارة قبور البقيع وقبور الشهداء في أُحُد كقبر حمزة - ﵁ - وغيره، ويسلم عليهم، ويدعو لهم؛ لفعله - ﷺ - إذ كان يزورهم ويدعو لهم، ولعموم قوله - ﷺ -: (زوروا القبور فإنها تذكر الموت) (٢).\nوكان النبي - ﷺ - يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية) (٣).\nهذه هي الأماكن التي تشرع زيارتها في المدينة.\nأما الأماكن الأخرى التي يظن بعض العامة أن زيارتها مشروعة: كمبرك الناقة، ومسجد الجمعة، وبئر الخاتم، وبئر عثمان، والمساجد السبعة، ومسجد القبلتين، فهذه لا أصل لها، ولم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه زار هذه الأماكن أو أمر بزيارتها، ولم يَرِدْ عن أحد من السلف الصالح أنه زارها. وليس لأي مسجد في المدينة فضلٌ خاص، إلا مسجد الرسول - ﷺ - ومسجد قباء. وقد قال - ﷺ -: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (٤)، فينبغي للمسلم إذا زار المدينة أن يتقيد بالأماكن التي تشرع زيارتها، ويتجنب الأماكن التي لا تشرع زيارتها.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٨٧)، وابن ماجه برقم (١٤١٢)، والنسائي (٢/ ٣٧) وغيرهم، وصححه الألباني (صحيح الترغيب برقم ١١٨١)، وانظر: الأحاديث الواردة في فضائل المدينة (ص ٥٤٢).\n(٢) رواه مسلم برقم (٩٧٦) - ١٠٨.\n(٣) رواه مسلم برقم (٩٧٥).\n(٤) رواه مسلم برقم (١٧١٨).","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>الباب السادس: في الأضحية، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>المسألة الأولى: في تعريف الأضحية وحكمها وأدلة مشروعيتها وشروطها:</span>\n١ - تعريف الأضحية:\nالأضحية لغة: هي ذبح الأضحية وقت الضحى.\nوشرعًا: هي ما يذبح من الإبل أو البقر أو الغنم أو المعز تقربًا إلى الله تعالى يوم العيد.\n٢ - حكمها وأدلة مشروعيتها:\nالأضحية سنة مؤكدة؛ لقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢].\nولحديث أنس - ﵁ -: (أن النبي - ﷺ - ضحى بكبشين أملحين أقرنين (١) ذبحهما بيده، وسمّى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما) (٢).\n٣ - شروط مشروعية الأضحية:\nتسن الأضحية في حق مَنْ وجدت فيه الشروط الآتية:\n١ - الإسلام: فلا يخاطب بها غير المسلم.\n٢ - البلوغ والعقل: فمن لم يكن بالغًا عاقلًا فلا يكلف بها.\n٣ - الاستطاعة: وتتحقق بأن يملك قيمة الأضحية زائدة عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته، خلال يوم العيد وأيام التشريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>المسألة الثانية: ما تجوز الأضحية به:</span>\nلا تصح الأضحية إلا أن تكون من:\n١ - الإبل.\n٢ - البقر.\n٣ - الغنم ومنه الماعز.\nلقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) [الحج: ٣٤]. والأنعام لا تخرج عن هذه الأصناف الثلاثة. ولأنه\n_________\n(١) الأملح ما فيه سواد وبياض، والأقرن ما له قرن.\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٥٥٣)، ومسلم برقم (١٩٦٦).","vol":"1","page":192},{"text":"لم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من الصحابة التضحية بغيرها.\nوتجزئ الشاة في الأضحية عن الواحد وأهل بيته؛ ففي حديث أبي أيوب - ﵁ -: (كان الرجل في عهد رسول الله - ﷺ - يضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون) (١).\nويجوز التضحية بالبعير والبقرة الواحدة عن سبعة؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: (نحرنا مع رسول الله - ﷺ - عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>المسألة الثالثة: الشروط المعتبرة في الأضحية:</span>\n١ - السن:\nأ) الإبل: ويشترط أن يكون قد أكمل خمس سنين.\nب) البقر: ويشترط أن يكون قد أكمل سنتين.\nج) المعز: ويشترط أن يكون قد أكمل سنة.\nلحديث جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن) (٣). والمسنة من الإبل ما لها خمس سنين، ومن البقر ما له سنتان، ومن المعز ما له سنة، وتسمى المسنة بالثنية.\nد) الضأن: ويشترط فيه الجذع، وهو ما أكمل سنة، وقيل: ستة أشهر؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله: أصابني جذع. قال: (ضحِّ به) (٤)، ولحديث عقبة بن عامر أيضًا: (ضحَّينا مع رسول الله - ﷺ - بجذع من الضأن) (٥).\n_________\n(١) رواه ابن ماجه برقم (٣١٤٧)، والترمذي وصححه برقم (١٥٠٥)، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ٢٥٦٣).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٣١٨).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٩٦٣).\n(٤) أخرجه البخاري برقم (٥٥٥٧)، ومسلم برقم (١٩٦٥) - ١٦. واللفظ لمسلم.\n(٥) رواه النسائي (٧/ ٢١٩)، وقوّى الحافظ ابن حجر إسناده (الفتح ١٠/ ١٥)، وصححه الشيخ الألباني (صحيح النسائي برقم ٤٠٨٠).","vol":"1","page":193},{"text":"٢ - السلامة.\nيشترط في الإبل والبقر والغنم أن تكون سالمة من العيوب التي من شأنها أن تسبب نقصانًا في اللحم، فلا تجزئ العجفاء، والعرجاء، والعوراء، والمريضة؛ لحديث البراء بن عازب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البيِّنُ عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء التي لا تُنْقِي) (١). والعجفاء: الهزيله، ومعنى (لا تنقي): أي لا مُخَّ لها لهزالها. ويقاس على هذه العيوب الأربعة ما في معناها: كالهتماء التي ذهبت ثناياها، والعضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، ونحو ذلك من العيوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>المسألة الرابعة: وقت ذبح الأضحية:</span>\nيبتدئ وقتها من بعد صلاة العيد لمن صلاها، ومن بعد طلوع شمس يوم عيد الأضحى بمقدار ما يتسع لركعتين وخطبتين لمن لم يصلها، لحديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى) (٢). ويستمر وقتها إلى غروب آخر أيام التشريق؛ لحديث جبير بن مطعم - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (كل أيام التشريق ذبح) (٣).\nوالأفضل ذبحها بعد الفراغ من صلاة العيد؛ لحديث البراء بن عازب - ﵁ -\n_________\n(١) رواه مالك في الموطأ (ص ٢٤٨)، وأحمد (٤/ ٢٨٩)، والترمذي برقم (١٤٩٧) وقال: \"حسن صحيح\"، وأبو داود برقم (٢٨٠٢)، والنسائي (٧/ ٢٤٤) وما بعدها، وابن ماجه برقم (٣١٤٤)، وصححه الألباني (صحيح سنن النسائي برقم ٤٠٧٣).\n(٢) رواه البخاري (٦/ ٢٣٨)، ومسلم (٣/ ١٥٥٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٨٢)، والبيهقي (٩/ ٢٩٥)، وابن حبان (١٠٠٨)، والدارقطني (٤/ ٢٨٤)، قال الهيثمي: \"ورجال أحمد وغيره ثقات\" (مجمع الزوائد ٣/ ٢٥).","vol":"1","page":194},{"text":"أن النبي - ﷺ - قال: (أول ما نبدأ به يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>المسألة الخامسة: ما يصنع بالأضحية، وما يلزم المضحي إذا دخلت العشر:</span>\n١ - ما يصنع بالأضحية:\nيسن للمضحي أن يأكل من أضحيته، ويهدي للأقارب والجيران والأصدقاء، ويتصدق على الفقراء؛ لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج: ٢٨].\nويستحب أن يجعلها أثلاثًا: ثلث لأهل بيته، وثلث يطعمه فقراء جيرانه، ويهدي الثلث، لحديث ابن عباس ﵄ في صفة أضحية النبي - ﷺ - قال: (ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدَّق على السُّؤَّال بالثلث) (٢).\nويجوز ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام؛ لحديث بريدة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم) (٣).\n٢ - ما يلزم مريد التضحية إذا دخلت عشر ذي الحجة:\nإذا دخلت عشر ذي الحجة، حرم على من أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئًا، حتى يضحِّي؛ لحديث أم سلمة ﵂ مرفوعًا: (إذا دخل العشر، وعنده أضحية يريد أن يضحي، فلا يأخذن شعرًا، ولا يقلمن ظفرًا). وفي رواية: (فلا يمس من شعره وبشره شيئًا) (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٥٥٦٠)، ومسلم برقم (١٩٦١).\n(٢) أخرجه الحافظ أبو موسى في الوظائف وحسنه (انظر: المغني ٨/ ٦٣٢).\n(٣) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٦٤) رقم (١٩٧٧).\n(٤) أخرجه مسلم برقم (١٩٧٧) ٣٩ - ٤٠.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>الباب السابع: في العقيقة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>المسألة الأولى: تعريف العقيقة وحكمها ووقتها:</span>\n١ - تعريف العقيقة:\nالعقيقة لغة: مشتقة من العق وهو القطع، وهي تطلق في الأصل على الشعر الذي يكون على رأس المولود حين الولادة.\nوشرعًا: ما يذبح للمولود يوم سابعه عند حلق شعره.\nوهي من حق الولد على والده.\n٢ - حكم العقيقة:\nالعقيقة سنة مؤكدة، لحديث سلمان بن عامر الضبي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى) (١)، ولحديث سمرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه) (٢)، ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (من وُلد له ولد، فأحب أن يَنْسُكَ عنه فَلْيَنْسُك) (٣). ومعنى ينسك. يذبح.\n٣ - وقت العقيقة:\nيدخل وقت جواز ذبح العقيقة بانفصال جميع المولود من بطن أمه، ويستمر وقت الاستحباب إلى البلوغ، إلا أنه يسن أن يعقَّ عنه يوم السابع من ولادته؛ لحديث سمرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع، ويسمى ويحلق رأسه) (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦/ ٢١٧).\n(٢) رواه أحمد (٥/ ٧، ٨، ١٢)، وأبو داود برقم (٢٨٣٧) وما بعدها، والترمذي برقم (١٥٢٢)، والنسائي (٧/ ١٦٦) وما بعدها، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٣٧)، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ٣٩٣٦).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٢٨٤٢) وما بعدها، والنسائي (٧/ ١٦٢)، وأحمد (٢/ ١٨٢) وما بعدها، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ٣٩٢٨).\n(٤) تقدم تخريجه (انظر حاشية رقم ٢ من هذه الصفحة).","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>المسألة الثانية: مقدار ما يذبح في العقيقة:</span>\nيسن أن يذبح عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، لحديث أم كرز الكعبية ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>المسألة الثالثة: تسمية المولود، وحلق رأسه، وتحنيكه، والأذان في أذنه:</span>\n١ - تسمية المولود:\nيسن تسمية المولود في اليوم السابع من ولادته، لحديث سمرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى، ويحلق رأسه) (٢).\nويسن أن يختار له من الأسماء ما كان حسنًا؛ فقد غيَّر النبي - ﷺ - الأسماء القبيحة، وأمر بذلك (٣). وأحسنها: عبد الله وعبد الرحمن؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) (٤).\n٢ - حلق رأس المولود:\nويسن حلق رأسه -ذكرًا كان أو أنثى- يوم سابعه بعد ذبح العقيقة، ويتصدق بزنة شعره فضة؛ لحديث علي - ﵁ - قال: عقَّ رسول الله - ﷺ - عن الحسن بشاة، وقال: (يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة) (٥).\n_________\n(١) رواه أحمد (٦/ ٣٨١)، وأبو داود (٣/ ٢٥٧)، والنسائي (٧/ ١٦٥)، وصححه الألباني (صحيح النسائي برقم ٣٩٣١).\n(٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(٣) انظر: (فتح الباري ١٠/ ٥٧٧).\n(٤) أخرجه مسلم (٣/ ١٦٨٢).\n(٥) أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٠، ٣٩٢)، ومالك في الموطأ (ص ٢٥٩)، والترمذي برقم (١٥١٩)، والحاكم (٤/ ٢٣٧)، والبيهقي (٩/ ٣٠٤)، وحسنه الشيخ الألباني (صحيح الترمذي رقم ١٢٢٦).","vol":"1","page":197},{"text":"٣ - تحنيك المولود:\nويسن تحنيك المولود بتمر سواء أكان ذكرًا أم أنثى.\nوالتحنيك: هو مضغ التمر ودلك حنك المولود به حتى ينزل شيء منه إلى جوفه؛ لحديث أبي موسى - ﵁ - قال: ولد لي غلام، فأتيت به النبي - ﷺ - فسماه إبراهيم وحَنَّكه بتمر (١)، وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان يؤتى بالصبيان ويحنكهم (٢).\n٤ - الأذان في أذن المولود:\nيسن الأذان في أُذن المولود حين ولادته، وقيل: يؤذَّن في أذنه اليمنى، وتقام الصلاة في أذنه اليسرى، لحديث أبي رافع - ﵁ - قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - أذَّنَ في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة، بالصلاة) (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٦/ ٢١٦)، ومسلم برقم (٢١٤٥).\n(٢) رواه مسلم برقم (٢١٤٧).\n(٣) أخرجه الترمذي برقم (١٥١٤) وقال: حسن صحيح. وحسنه الشيخ الألباني (صحيح الترمذي رقم ١٢٢٤).","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>سادسًا: كتاب الجهاد</span>\nويشتمل على ثلاثة أبواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>الباب الأول: تعريف الجهاد وفضله وحكمه وشروطه ومسقطاته، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>المسألة الأولى: تعريفه، وفضله، والحكمة منه، وحكمه، ومتى يتعين</span>؟\nأ- تعريفه:\nالجهاد لغة: بذل الجهد والطاقة والوسع.\nوفي الاصطلاح: بذل الجهد والوسع في قتال الأعداء من الكفار ومدافعتهم.\nب- فضله والحكمة منه:\nالجهاد ذروة سنام الإسلام، كما سماه النبي - ﷺ - (١)، أي: أعلاه، وسمي بذلك؛ لأنه يعلو به الإسلام ويرتفع ويظهر، وقد فضّل الله المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم، ووعدهم الجنة، كما سيأتي في آية سورة النساء بعد قليل، والآيات والأحاديث في فضل الجهاد والمجاهدين كثيرة.\nأما الحكمة من مشروعية الجهاد: فقد شرعه الله سبحانه لأهداف سامية وغايات نبيلة، من ذلك:\n١ - شرع الجهاد لتخليص الناس من عبادة الأوثان والطواغيت وإخراجهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال: ٣٩].\n٢ - كما شرع لإزالة الظلم وإعادة الحقوق إلى أهلها، قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج: ٣٩].\n_________\n(١) أخرجه الترمذي برقم (٢٦١٦)، وقال: حسن صحيح. وأحمد في مسنده (٥/ ٢٣١)، وصححه الألباني (صحيح سنن الترمذي رقم ٢١١٠) وهو جزء من حديث طويل.","vol":"1","page":199},{"text":"٣ - كما شرع الجهاد؛ لإذلال الكفار، وإرغام أنوفهم، والانتقام منهم، قال سبحانه: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) [التوبة: ١٤].\nج- حكمه ودليل ذلك:\nالجهاد بمعناه الخاص -وهو جهاد الكفار فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين وصار في حقهم سنة؛ لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٥]. فقد دلت هذه الآية على أن الجهاد فرض كفاية، لا فرض عين؛ لأن الله فاضل بين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد بدون عذر، وكلًا وعد الحسنى وهي الجنة. ولو كان الجهاد فرض عين لاستحق القاعدون الوعيد لا الوعد.\nولقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) [التوبة: ١٢٢]. وهذا مشروط بما إذا كان للمسلمين قوة وقدرة على قتال أعدائهم، فإن لم يكن لديهم قوة ولا قدرة سقط عنهم كسائر الواجبات، وأصبح قتالهم لعدوهم -والحالة هذه- إلقاءً بأنفسهم إلى التهلكة.\nد- متى يتعين؟\nلكن هناك حالات يتعين فيها الجهاد فيصير فرض عين على المسلم وهي:\nالحالة الأولى: إذا هاجم الأعداء بلاد المسلمين، ونزلوا بها، أو حصروها، تعين قتالهم، ودفع ضررهم، على جميع أفراد المسلمين.\nالحالة الثانية: إذا حضر القتال، وذلك إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفَّان، تعين الجهاد، وحرم على من حضر القتال الانصراف، والتولي من أمام العدو؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ)","vol":"1","page":200},{"text":"[الأنفال: ١٥]، ولعدِّه - ﷺ - التولي يوم الزحف من الكبائر الموبقات (١). ولكن يستثنى من التولي المتوعد عليه حالتان: الأولى: إذا كان المتولي متحرفًا لقتال، أي: يذهب لكي يأتي بقوة أكثر. والثانية: أن يكون متحيزًا إلى فئة من المسلمين تقوية ونصرة لها.\nالحالة الثالثة: إذا عينهم الإمام واستنفرهم للجهاد؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [التوبة: ٣٨ - ٣٩]، وقوله - ﷺ -: (وإذا استنفرتم فانفروا) (٢).\nالحالة الرابعة: إذا احتيج إليه، فإنه يتعيَّن عليه الجهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>المسألة الثانية: شروط الجهاد:</span>\nيشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والاستطاعة المالية والبدنية، والسلامة من الأمراض والأضرار.\n- فلا يجب الجهاد على الكافر؛ لأنه عبادة والعبادة لا تجب عليه، ولا تصح منه، ولأنه لا يتوافر فيه الإخلاص والأمانة والطاعة، فلا يؤذن له بالخروج مع جيش المسلمين؛ لقوله - ﷺ - للرجل المشرك الذي تبعه في بدر: (تؤمن بالله ورسوله؟) قال: لا، قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك) (٣).\n- وكذلك لا يجب على الصبي غير البالغ؛ لأنه غير مكلف، ولحديث ابن عمر ﵄: أنه عرض نفسه على رسول الله - ﷺ - يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه في المقاتلة (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٢٧٦٦)، ومسلم برقم (١٤٥).\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٨٣٤)، ومسلم برقم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) رواه مسلم برقم (١٨١٧) من حديث عائشة ﵂.\n(٤) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٦٦٤)، ومسلم برقم (١٨٦٨).","vol":"1","page":201},{"text":"- وكذلك المجنون لا يجب عليه الجهاد؛ لأنه مرفوع عنه القلم، وليس من أهل التكليف.\n- ولا يجب على العبد؛ لأنه مملوك لسيده، ولا المرأة لحديث عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال: (جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) (١). وفي لفظ: نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال: (لكن أفضل الجهاد حج مبرور) (٢).\n- وغير المستطيع، وهو الذي لا يستطيع حمل السلاح لضعف أو كبر، وكذلك الفقير الذي لا يجد ما ينفق في طريقه فاضلًا عن نفقة عياله لا يجب عليهم الجهاد؛ لقوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) [التوبة: ٩١].\nوكذلك من به ضرر أو مرض أو غير ذلك من الأعذار لا يجب عليه الجهاد؛ لأن العجز ينفي الوجوب، ولقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) [الفتح: ١٧]. وقؤله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة: ٩١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>المسألة الثالثة: مسقطات الجهاد:</span>\nهناك أعذار تسقط عن صاحبها الجهاد إذا كان فرض عين أو فرض كفاية وهي:\n١ - ٢ - الجنون والصِّبا: لقوله - ﷺ -: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم) (٣).\n٣ - الأنوثة: فلا يجب الجهاد على الأنثى. وقد سبق ذكره.\n٤ - الرق: لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (للعبد المملوك الصالح أجران. والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبرّ أمي،\n_________\n(١) رواه ابن ماجه برقم (٢٩٠١)، والبيهقي (٤/ ٣٥٠) وغيرهما، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١١٨٥).\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٧٩٤).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٤٤٠١)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٢٩٧).","vol":"1","page":202},{"text":"لأحببت أن أموت وأنا مملوك) (١).\n٥ - ٦ - الضعف البدني، والعجز المالي، والمرض، وعدم سلامة بعض الأعضاء كالعمى والعرج الشديد، وقد سبق ذكرها.\n٧ - عدم إذن الأبوين أو أحدهما، إذا كان الجهاد تطوعًا؛ لحديث ابن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فاستأذنه في الجهاد، فقال: (أحيُّ والداك؟) قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد) (٢)، فبر الوالدين فرض عين، والجهاد فرض كفاية في هذه الحالة، فيقدَّم فرض العين. فإذا تعيَّن الجهاد فليس لهما منعه، ولا إذن لهما.\n٨ - الدَّيْن الذي لا يجد له وفاءً إذا لم يأذن صاحبه، وكان الجهاد تطوعًا، لقوله - ﷺ -: (القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين) (٣)، فإذا تعيَّن الجهاد فلا إذن لغريمه.\n٩ - العَالِم الذي لا يوجد غيره في البلد؛ لأنه لو قتل لافتقر الناس إليه؛ إذ لا يمكن لأحد أن يحل محله، فإذا كان لا يوجد من هو أفقه منه يسقط عنه الخروج للجهاد نظرًا لحاجة المسلمين له.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٥٤٨)، وقوله: (والذي نفسي بيده) الصحيح أنه مدرج من كلام أبي هريرة.\n(٢) رواه البخاري برقم (٣٠٠٤)، ومسلم برقم (٢٥٤٩).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٨٨٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>الباب الثاني: في الأسرى والغنائم، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>المسألة الأولى: حكم أسرى الكفار:</span>\nذهب أكثر أهل العلم -وهو الصحيح-: أن أسرى الكفار من الرجال أمرهم إلى الإمام، فَيُخَيَّرُ فيهم بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين بين: القتل، والاسترقاق، والمنّ بغير عوض، والفداء إما بمال أو منفعة أو أسير مسلم، أما النساء والصبيان فإنهم يسترقون بمجرد السبي، ويصيرون كجملة المال يضمون إلى الغنيمة، ولا يخير فيهم الإمام، ولا يجوز قتلهم، لنهيه - ﷺ - عن ذلك.\n- والدليل على القتل: قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]. وقوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) [الأنفال: ٦٧]. فأخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم.\nولحديث أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: (اقتلوه) (١)، وقتل - ﷺ - رجال بني قريظة.\n- والدليل على الاسترقاق: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في قصة بني قريظة لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ - ﵁ -، فحكم أن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية (٢).\n- والدليل على المنّ والفداء قوله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: ٤]. وينبغي للإمام أن يفعل الأصلح للمسلمين من هذه الخصال؛ لأن تصرفه لغيره، فلزم أن يكون تخييره للمصلحة.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٨٤٦)، ومسلم برقم (١٣٥٧).\n(٢) رواه البخاري برقم (٣٠٤٣).","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>المسألة الثانية: تقسيم الغنيمة بين الغانمين:</span>\nالغنيمة: اسم لما يؤخذ من أموال الكفرة قهرًا بقتال، على وجه يكون فيه إعلاء كلمة الله تعالى، وتسمى أيضًا: الأنفال -جمع نفل- لأنها زيادة في أموال المسلمين.\nوالأصل في مشروعيتها قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنفال: ٦٩]. وقد أحل الله الغنائم لأمة محمد - ﷺ - دون الأمم السابقة، قال - ﷺ -: (وأحلت لي الغنائم، ولم تحلَّ لأحد قبلي) (١).\nوتشمل الغنائم: الأموال المنقولة، والأسرى، والأرض.\nوذهب جمهور العلماء إلى أن الغنيمة تقسم على خمسة أسهم:\nالسهم الأول: سهم الإمام، وهو خمس الغنيمة يخرجه الإمام أو نائبه.\nويقسم هذا الخمس على ما بيَّن الله في قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [الأنفال: ٤١] فيقسم هذا الخمس خمسة أقسام:\n١ - الله ورسوله: ويكون هذا القسم فيئًا يدخل في بيت المال وينفق في مصالح المسلمين، لقوله - ﷺ -: (والذي نفسي بيده، مالي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم) (٢). فجعله - ﷺ - لجميع المسلمين.\n٢ - ذوي القربى: وهم قرابة الرسول - ﷺ -، وهم: بنو هاشم وبنو المطلب، ويقسم هذا الخمس بينهم حسب الحاجة.\n٣ - اليتامى: وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، ذكرًا كان أم أنثى، ويعم ذلك الغني منهم والفقير.\n٤ - المساكين: ويدخل فيهم الفقراء هنا.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٥٢١).\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٢٦٩٤)، والنسائي برقم (٤١٣٨) في حديث طويل، وصححه الألباني (إرواء الغليل برقم ١٢٤٠).","vol":"1","page":205},{"text":"٥ - ابن السبيل: وهو المسافر الذي انقطعت به السبيل، فيعطى ما يبلغه إلى مقصده.\nوأما باقي السهام الأربعة -أربعة أخماس- فتكون لكل من شهد الوقعة: من الرجال البالغين، الأحرار، العقلاء، ممن استعد للقتال سواء باشر القتال أو لم يباشر، قويًا كان أو ضعيفًا، لقول عمر - ﵁ -: (الغنيمة لمن شهد الوقعة) (١).\nوكيفية التقسيم: أن يعطى الراجل -الذي يقاتل على رجله- سهمًا واحدًا، ويعطى الفارس -الذي يقاتل على فرسه- ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قسم في النفل: للفرس سهمين، وللراجل سهمًا (٢)، ولأن النبي - ﷺ - فعل ذلك في خيبر (جعل للراجل سهمًا واحدًا، وللفارس ثلاثة أسهم) (٣)؛ وذلك لأن غناء الفارس ونفعه أكثر من غناء الراجل.\nوأما النساء والعبيد والصبيان إذا حضروا الوقعة، فالصحيح أنه يُرْضَخ (٤) لهم ولا يقسم لهم؛ لقول ابن عباس ﵄ لمن سأله: إنك كتبت تسألني عن المرأة والعبد يحضران المغنم، هل يقسم لهما شيء؟ وإنه ليس لهما شيء إلا أن يُحْذَيا (٥).\nوفي لفظ: وأما المملوك فكان يُحذى (٦).\nوإذا كانت الغنيمة أرضًا خُيِّر الإمام بين قسمتها بين الغانمين، ووقفها لمصالح المسلمين ويضرب عليها خراجًا مستمرًا يؤخذ ممن هي بيده، سواء أكان مسلمًا أم ذميًّا، فيؤخذ منه ذلك كل عام، وهذا التخيير يكون تخيير مصلحة.\n_________\n(١) رواه البيهقي بإسناد صحيح (٩/ ٥٠) كتاب الجهاد باب الغنيمة، وعبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٣٠٢).\n(٢) رواه البخاري برقم (٤٢٢٨)، ومسلم برقم (١٧٦٢).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (٢٨٧٣).\n(٤) الرَّضْخ: إعطاء الشيء ليس بالكثير.\n(٥) رواه مسلم برقم (١٨١٢). ويُحذيا: يعني يُعطيا.\n(٦) رواه أبو داود برقم (٢٧٢٧).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>المسألة الثالثة: مصرف الفيء:</span>\nالفيء: ما أخذ من أموال أهل الحرب بحق من غير قتال، كالأموال التي يهرب الكفار ويتركونها فزعًا عند علمهم بقدوم المسلمين.\nأما مصرفه: فهو في مصالح المسلمين بحسب ما يراه الإمام كرزق القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء، والمعلمين وغير ذلك من مصالح المسلمين؛ لما ثبت عن عمر - ﵁ - قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسول الله - ﷺ - مما لم يُوجِف (١) المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله - ﷺ - خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في الكُرَاع والسلاح عدة في سبيل الله ﷿. (٢)\nولهذا ذكر الله تعالى كل فئات المسلمين في معرض بيان مصارف الفيء فقال ﷾: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [الحشر: ٧]، فيأخذ منه الإمام من غير تقدير، ويعطي القرابة باجتهاد، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.\n_________\n(١) الإيجاف: الإسراع، أي: لم يعدوا في تحصيله خيلًا ولا إبلًا، وانما حصل بغير قتال.\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٩٠٤)، ومسلم برقم (١٧٥٧). والكُرَاع: الخيل.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>الباب الثالث: في الهدنة والذمة والأمان، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>المسألة الأولى: عقد الهدنة مع الكفار:</span>\n١ - تعريفها: الهدنة لغة: السكون. وشرعًا: عقد الإمام أو نائبه لأهل الحرب على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة وإن طالت، وتسمى: مهادنة، وموادعة، ومعاهدة.\n٢ - مشروعيتها ودليل ذلك: يجوز لإمام السلمين عقد الهدنة مع الكفار على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة، إذا كان في عقدها مصلحة للمسلمين، كضعفهم أو عدم استعدادهم، أو غير ذلك من المصالح، كطمع في إسلام الكفار ونحوه، لقوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) [الأنفال: ٦١]. وقد عقد النبي - ﷺ - الهدنة مع الكفار في صلح الحديبية عشر سنين، وصالح اليهود في المدينة.\n٣ - لزوم الهدنة:\n- تكون الهدنة التي عقدها الإمام أو نائبه لازمة، لا يجوز نقضها ولا إبطالها، ما\nاستقاموا لنا، ولم يخونوا، ولم نخش منهم خيانة؛ لقوله تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) [التوبة: ٧] وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: ١].\n- فإن نقضوا العهد: بقتال، أو مظاهرة عدونا علينا، أو قتل مسلم، أو أخذ مال، انتقض العهد الذي بيننا وبينهم وجاز قتالهم؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) [التوبة: ١٢].\n- وإن خيف منهم نقض العهد بأمارة تدل على ذلك، جاز أن ننبذ إليهم عهدهم ولا يلزم البقاء على عهدهم، قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) [الأنفال: ٥٨]. أي: أعلمهم بنقض عهدهم، حتى تكون أنت وهم سواء في العلم، ولا يجوز قتالهم قبل إعلامهم بنقض العهد.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>المسألة الثانية: عقد الذمة، ودفع الجزية:</span>\n١ - تعريفه: الذمة لغة: العهد، وهو الأمان والضمان.\nوعقد الذمة اصطلاحًا: هو إقرار بعض الكفار على كفرهم، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة التي حكمت بها الشريعة الإسلامية عليهم.\n٢ - مشروعيته: الأصل في مشروعية عقد الذمة قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩] وقوله - ﷺ - في حديث بريدة: (ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية) (١).\n٣ - من تؤخذ منه الجزية؟ تؤخذ الجزية من الرجال، المكلفين، الأحرار، الأغنياء القادرين على الأداء، فلا تؤخذ من العبد؛ لأنه لا يملك فكان بمنزلة الفقير، ولا تؤخذ من المرأة والصبي والمجنون؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال، ولا تؤخذ من المريض المزمن، والشيخ الكبير؛ لأن دماءهم محقونة، فأشبهوا النساء.\n٤ - موجب عقد الذمة: يوجب هذا العقد مع الكفار: حرمة قتالهم، والحفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حريتهم، وعدم إيذائهم، ومعاقبة من قصدهم بأذى، لقوله - ﷺ -: (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>المسألة الثالثة: عقد الأمان:</span>\n١ - تعريفه:\nالأمان لغة: ضد الخوف.\nواصطلاحًا: هو عبارة عن تأمين الكافر على ماله ودمه مدة محدودة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (١٧٣١).\n(٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":209},{"text":"٢ - مشروعيته وأدلة ذلك:\nالأصل في مشروعية عقد الأمان قوله تعالى: (إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) [التوبة: ٦].\n٣ - ممن يصح وشروطه: يصح عقد الأمان من كل أحد من المسلمين، بشرط أن يكون:\n- عاقلًا بالغًا: فلا يصح من المجنون والطفل.\n- مختارًا: فلا يصحُّ من المكره، ولا السكران، ولا المغمى عليه.\nفيصح من المرأة لقوله - ﷺ -: (قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ) (١). ويصح من العبد؛ لقوله - ﷺ -: (ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم) (٢).\nويكون الأمان عامًا: من الإمام لجميع المشركين، أو من الأمير لأهل بلده، وخاصًا: من آحاد الرعية المسلمين لواحد من الأعداء. والأمان العام من تصرفات إمام المسلمين؛ لأن ولايته عامة، وليس لأحد أن يفعل ذلك إلا بموافقته.\nويقع الأمان بكل ما يدل عليه من قول مثل: (أنت آمن)، أو: (أجرتك)، أو (لا بأس عليك)، أو إشارة مفهمة.\nوالمستأمن: هو الذي يطلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام، فتلزم إجابته للآية السابقة، ثم يرد إلى مأمنه.\n٤ - حكم الأمان وما يلزم به: يلزم الوفاء بعقد الأمان، فيحرم قتل المستأمن أو أسره أو استرقاقه، وكذا الالتزام بسائر الأمور المتفق عليها في عقد الأمان.\nويجوز نبذ الأمان إلى الأعداء، إن خيف شرهم وخيانتهم.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٣٣٦) -٨٢\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٣١٧٢)، ومسلم برقم (١٣٧٠).","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>سابعًا: كتاب المعاملات</span>\nويشتمل على ثلاثة وعشرين بابًا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>الباب الأول: في البيوع، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>المسألة الأولى: تعريف البيع وحكمه:</span>\nأ- تعريفه:\nالبيع في اللغة: أخذ شيء، وإعطاء شيء.\nوفي الشرع: مبادلة مال بمال ولو في الذمة، أو منفعة مباحة على التأبيد، غير ربا وقرض.\nب- حكمه:\nالبيع جائز. لقوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [البقرة: ٢٧٥].\nولما روى ابن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا) (١).\nوأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة.\nوحاجة الناس داعية إلى وجوده؛ لأن الإنسان يحتاج إلى ما في يد غيره، وتتعلق به مصلحته، ولا وسيلة له إلى الوصول إليه وتحصيله بطريق صحيح، إلا بالبيع، فاقتضت الحكمة جوازه، ومشروعيته؛ للوصول إلى الغرض المطلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>المسألة الثانية: أركان البيع:</span>\nأركانه ثلاثة: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة.\nفالعاقد يشمل البائع والمشتري، والمعقود عليه المبيع، والصيغة هي الإيجاب والقبول.\nوالإيجاب: اللفظ الصادر من البائع، كأن يقول: بعتُ.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢١١٢)، ومسلم برقم (١٥٣١).","vol":"1","page":211},{"text":"والقبول: اللفظ الصادر من المشتري، كأن يقول: اشتريتُ.\nوهذه هي الصيغة القولية.\nأما الصيغة الفعلية فهي المعاطاة، وهي الأخذ والإعطاء، كأن يدفع المشتري ثمن السلعة إلى البائع، فيعطيه إياها بدون قول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>المسألة الثالثة: الإشهاد على البيع:</span>\nالإشهاد على البيع مستحب وليس بواجب، لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) [البقرة: ٢٨٢]، فأمر الله تعالى بالإشهاد عند البيع، غير أن هذا الأمر للاستحباب،\nبدليل قوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) [البقرة: ٢٨٣]، فدلَّ على أن الأمر إنما هو أمر إرشادٍ؛ للتوثيق والمصلحة.\nوعن عمارة بن خزيمة، أن عمّه حدَّثه -وهو من أصحاب النبي - ﷺ - أنه ﵊ ابتاع فرسًا من أعرابي، واستتبعه ليقبض ثمن فرسِه، فأسرع النبيُّ - ﷺ - وأبطأ الأعرابي، وطفق الرجال يتعرضون للأعرابي فَيَسُومُونَه بالفرس، وهم لا يشعرون أن النبي - ﷺ - ابتاعه. (١) ومعنى \"يسومونه\": يطلبون شراءه منه.\nووجه الدلالة: أن النبي - ﷺ - اشترى الفرس من الأعرابي، ولم يكن بينهما بَيِّنة، ولو كانت واجبة في البيع لم يشتر النبي - ﷺ - إلا بعد الإشهاد.\nوكان الصحابة ﵃ يتبايعون في عصره - ﷺ - في الأسواق، ولم يُنقل عنه أنه أمرهم بالإشهاد، ولا نُقِل عنهم فعله.\nولأن الشراء والبيع من الأمور التي تكثر بين الناس في الأسواق في حياتهم اليومية، فلو أشهدوا على كل شيء، لأدَّى إلى الحرج والمشقة.\nلكن إن كان المعقود عليه من الصفقات الكبيرة المؤجلة الثمن، مما يحتاج إلى توثيق، فينبغي كتابة ذلك، والإشهاد عليه؛ للرجوع إلى الوثيقة إذا وقع خلاف بين الطرفين.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢١٥)، وأبو داود برقم (٣٦٠٧)، والنسائي (٧/ ٣٠١)، وصححه الشيخ الألباني (صحيح سنن النسائي برقم ٤٣٣٢).","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>المسألة الرابعة: الخيار في البيع:</span>\nالخيار: أن يكون لكل من البائع والمشتري الحقُّ في إمضاء عقد البيع، أو فسخه.\nفالأصل في عقد البيع أن يكون لازمًا، متى انعقد مستوفيًا أركانه وشروطه، ولا يحق لأي من المتعاقدين الرجوع عنه.\nإلا أنَّ الدين الإسلامي دينُ السماحة واليسر، يراعي المصالح والظروفَ لجميع أفراده. ومن ذلك أنَّ المسلم إذا اشترى سلعة أو باعها لسبب ما، ثم ندم على ذلك، فقد أباح له الشرع الخيار حتى يفكر في أمره، وينظر في مصلحته، فيقدم على البيع أو يتراجع عنه، على ما يراه مناسبًا له.\nأقسام الخيار:\nللخيار أقسام، أهمها:\nأولًا: خيار المجلس: وهو المكان الذي يجري فيه التبايع، فيكون لكل واحدٍ من العاقدين الخيار ما داما في مجلس العقد ولم يتفرقا منه؛ لحديث ابن عمر ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) (١).\nثانيًا: خيار الشرط: وهو أن يشترط المتعاقدان، أو أحدهما الخيار إلى مدة معلومة، لإمضاء العقد أو فسخه، فإذا انتهت المدة المحددة بينهما من بداية العقد، ولم يُفسخ صار لازمًا.\nمثاله: أن يشتري رجل من آخر سيارة، ويقول المشتري: لي الخيار مدة شهر كامل، فإن تراجع عن الشراء خلال الشهر فله ذلك، وإلا لزمه شراء السيارة بمجرد انتهاء الشهر.\nثالثًا: خيار العيب، وهو الذي يَثْبُت للمشتري إذا وجد عيبًا في السلعة، لم يخبره به البائع، أو لم يَعْلم البائعُ به، وتنقص بسبب هذا العيب قيمة السلعة، ويُرجع في معرفة ذلك إلى أهل الخبرة من التجار المعتبرين، فما عدّوه عيبًا ثبت به الخيار، وإلا فلا.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢١١٠)، ومسلم برقم (١٥٣٢).","vol":"1","page":213},{"text":"ويثبت هذا الخيار للمشتري، فإن شاء أمضى البيع، وأخذ عِوض العيب، وهو الفرق بين قيمة السلعة صحيحة وقيمتها وهي معيبة، وإن شاء ردَّ السلعة، واسترد الثمن الذي دفعه إلى البائع.\nرابعًا: خيار التدليس، وهو: أن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن، وهذا الفعل محرم؛ لقوله - ﷺ -: (من غَشَّنا فليس منَّا) (١).\nمثاله: أن يكون عنده سيارة، فيها عيوبٌ كثيرة في داخلها، فيعمد إلى إظهارها بلون جميل، ويجعل مظهرها الخارجي براقًا حتى يخدع المشتري بأنها سليمة فيشتريها. ففي هذه الحالة يكون للمشتري الحق في رد السلعة على البائع واسترجاع الثمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>المسألة الخامسة: شروط البيع:</span>\nيشترط لصحة البيع الشروط الآتية:\nأولًا: التراضي بين البائع والمشتري. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: ٢٩].\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إنما البيع عن تراض) (٢).\nفلا يصح البيع إذا أكره أحدهما بغير حق، فإن كان الإكراه بحق، كأن يكره الحاكم شخصًا على بيع شيء لسداد دينه، صح.\nثانيا: كون العاقد جائز التصرف، بأن يكون بالغًا عاقلًا حرًا رشيدًا.\nثالثًا: أن يكون البائع مالكًا للمبيع، أو قائمًا مقام مالكه، كالوكيل والوصيّ والولي والناظر. فلا يصح أن يبيع شخصٌ شيئًا لا يملكه؛ لقوله - ﷺ - لحكيم بن حزام - ﵁ -: (لا تبع ما ليس عندك) (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٠١).\n(٢) رواه ابن ماجه برقم (٢١٨٥)، وابن حبان (١١/ ٣٤٠)، والبيهقي (٦/ ١٧). وصححه الألباني، انظر إرواء الغليل (٥/ ١٢٥).\n(٣) رواه أحمد (٣/ ٤٠٢)، وأبو داود (٣٥٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٨٩)، والترمذي برقم (١٢٣٢) وابن ماجه، برقم (٢١٨٧) وصححه الألباني، انظر إرواء الغليل (٥/ ١٣٢).","vol":"1","page":214},{"text":"رابعًا: أن يكون المباع مما يباح الانتفاع به من غير حاجة، كالمأكول، والمشروب، والملبوس، والمركوب، والعقار، ونحو ذلك، فلا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به، كالخمر، والخنزير، والميتة، وآلات اللهو، والمعازف.\nلحديث جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام) (١).\nوعن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (إن الله إذا حَرَّم على قوم أكل شيء حرَّم ثمنه) (٢).\nولا يجوز بيع الكلب، لحديث أبي مسعود - ﵁ -، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب ...) (٣).\nخامسًا: أن يكون المعقود عليه مقدورًا على تسليمه؛ لأنَّ غير المقدور عليه كالمعدوم، فلا يصح بيعه؛ إذ هو داخل في بيع الغَرَرِ (٤)، فإن المشتري قد يدفع الثمن ولا يحصل على المبيع، فلا يجوز بيع السمك في الماء، ولا النوى في التمر، ولا الطير في الهواء، ولا اللبن في الضرع، ولا الحمل الذي في بطن أمه، ولا الحيوان الشارد.\nلحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الغرر) (٥).\nسادسًا: أن يكون المعقود عليه معلومًا لكل منهما برؤيته ومشاهدته عند العقد، أو وصفه وصفًا يميزه عن غيره؛ لأن الجهالة غرر، والغرر منهي عنه، فلا يصح أن يشتري شيئًا لم يره، أو رآه وجهله، وهو غائب عن مجلس العقد.\nسابعًا: أن يكون الثمن معلومًا، بتحديد سعر السلعة المبيعة، ومعرفة قيمتها.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٢٣٦)، ومسلم برقم (١٥٨١).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٤٧)، وأبو داود برقم (٣٤٨٨)، وصححه الأرناؤوط في حاشية المسند (٤/ ٩٥).\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٢٣٧)، ومسلم برقم (١٥٦٧).\n(٤) بيع الغرر: ما كان له ظاهر يَغُرُّ المشتري، وباطن مجهول.\n(٥) رواه مسلم برقم (١٥١٣).","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>المسألة السادسة: البيوع المنهي عنها:</span>\nنهى الشارع الحكيم عن بعض البيوع إذا ترتب عليها تضييع لما هو أهم؛ كأن تشغل عن أداء عبادة واجبة، أو يترتب عليها إضرار بالآخرين. ومن هذه البيوع المنهيِّ عنها:\n١ - البيع والشراء بعد الأذان الثاني يوم الجمعة.\nلا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه صلاة الجمعة بعد الأذان الثاني؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩].\nفقد نهى الله تعالى عن البيع في هذا الوقت، والنهي يقتضي التحريم، وعدم صحة البيع.\n٢ - بيع الأشياء لمن يستعين بها على معصية الله، أويستخدمها في المحرمات. فلا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمرًا، ولا الأواني لمن يشرب بها الخمر، ولا بيع السلاح في وقت الفتنة بين المسلمين. قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢].\n٣ - بيع المسلم على بيع أخيه.\nمثاله أن يقول لمن اشترى شيئًا بعشرة: أنا أبيعك مثله بأرخص منه، أو أبيعك أحسن منه بنفس الثمن؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) (١).\n٤ - الشراء على الشراء.\nمثاله: أن يقول لمن باع شيئًا: اِفْسَخ البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر، بعد أن اتفق البائع والمشتري على الثمن. وهذه الصورة داخلة في النهي الوارد في الحديث السابق.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢١٦٥)، ومسلم برقم (١٤١٢).","vol":"1","page":216},{"text":"٥ - بيع العِينَة.\nوصورته: أن يبيع شخصٌ سلعةً لآخر بثمن معلوم إلى أجل، ثم يشتريها منه البائع بثمن حاضرٍ أقل، وفي نهاية الأجل يدفع المشتري الثمن الأول. كأن يبيع أرضًا بخمسين ألفًا يدفعها بعد سنة، ثم يشتريها البائع منه بأربعين ألفًا نقدا، ويبقى في ذمته الخمسون ألفًا يدفعها المشتري على رأس السنة. وسُميت عِينَة: لأن المشتري يأخذ مكان السلعة عينًا، أي: نقدًا حاضرًا.\nوحُرِّم هذا البيع، لأنه حيلةٌ يتوصل بها إلى الربا، فعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سَلَّط الله عليكم ذلًا لا يرفعه حتى ترجعوا إلى دينكم) (١).\n٦ - بيع المبيع قبل قبضه.\nمثاله: أن يشتري سلعة من شخص، ثم يبيعها قبل أن يقبضها ويحوزها.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه) (٢)، وعن زيد بن ثابت - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) (٣).\nفلا يجوز لمن اشترى شيئًا أن يبيعه حتى يقبضه قبضًا تامًا.\n٧ - بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها.\nلا يجوز بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها؛ خوفًا من تلفها أو حدوثِ عيب بها قبل أخذها، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أرأيتَ إن منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟) (٤).\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٨)، وأبو داود برقم (٣٤٦٢). وصححه الشيخ الألباني (السلسلة الصحيحة برقم ١١).\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢١٣٦)، ومسلم برقم (١٥٢٥).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٣٤٩٩)، وصحح الإمام النووي إسناده. (اللؤلؤ المصنوع برقم (١٦٩١).\n(٤) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢١٩٨)، ومسلم برقم (١٥٥٥).","vol":"1","page":217},{"text":"وعن ابن عمر ﵄، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع) (١).\nويعرف بدو صلاحها: باحمرار ثمار النخيل أو اصفرارها، وفي العنب أن يَسْوَدَّ وتبدو الحلاوة فيه، وفي الحب أن ييبس ويشتد، ونحو ذلك في بقية الثمار.\n٨ - النَّجْشُ.\nوهو أن يزيد شخصٌ في ثمن السلعة المعروضة للبيع، ولا يريد شراءها، وإنما لِيغرَّ غيره بها، ويرغبه فيها، ويرفع سعرها.\nعن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن النجش) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>المسألة السابعة: الإقالة في البيع:</span>\nالإقالة: رفع العقد الذي وقع بين المتعاقدين وفسخه برضاهما. وتحصل بسبب ندم أحد العاقدين على العقد، أو يتبيَّن للمشتري أنه ليس محتاجًا للسلعة، أو لم يستطع دفع ثمنها، فيرجع كلٌّ من البائع والمشتري بما كان له من غير زيادة ولا نقص.\nوالإقالة مشروعة، وحثَّ عليها رسول الله - ﷺ - بقوله: (من أقال مسلمًا بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>المسألة الثامنة: عقد المرابحة:</span>\nالمرابحة: بيع السلعة بثمنها المعلوم بين المتعاقدين، بربح معلوم بينهما.\nمثالها: يقول صاحب السلعة: رأسُ مالي فيها مائة ريال، أبيعك إياها بالمائة، وربح عشرة ريالات.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢١٩٤)، ومسلم برقم (١٥٣٤).\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٩٦٣)، ومسلم برقم (١٥١٦).\n(٣) رواه أحمد (٢/ ٢٢٥)، وأبو داود برقم (٣٤٦٠)، وابن ماجه برقم (٢١٩٩)، وابن حبان (١١/ ٤٠٥)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه برقم ١٨٠٠).","vol":"1","page":218},{"text":"فالبيع على هذه الصورة صحيح، إذا علم البائع والمشتري مقدار الثمن، ومقدار الربح.\nقال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [البقرة: ٢٧٥]، وقال جلَّ شأنه: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: ٢٩].\nوالمرابحة بيعٌ تحقَّق فيه رضا المتعاقدين، والحاجة ماسّةٌ إلى جوازه؛ لأن بعض الناس لا يحسن الشراء ابتداءً، فيعتمد على غيره في الشراء، ويزيده ربحًا محددًا معلومًا بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>المسألة التاسعة: البيع بالتقسيط:</span>\nهو بيع السلعة إلى أجل محدد، يُقَسَّط فيه الثمن أقساطًا متعددة، كلُّ قسط له أجل معلوم يدفعه المشتري.\nمثاله: أن تكون عند البائع سيارة، قيمتها نقدًا أربعون ألف ريال، ومؤجلة ستون ألف ريال، فيتفق مع المشتري على أن يسدده المبلغ على اثني عشر قسطًا، يدفع في نهاية كل شهر خمسة آلاف ريال.\nحكمه: الجواز، عن عائشة ﵂ قالت: (اشترى رسول الله - ﷺ - من يهودي طعامًا بنسيئة -أي بالأجل- ورهنه درعًا له من حديد) (١).\nوالبيع بهذه الطريقة فيه فائدة لكلٍ من البائع والمشتري، فإنَّ البائع يزيد في مبيعاته، ويعدد من أساليبه في تسويق بضاعته، فيبيع نقدًا وتقسيطًا، ويستفيد في حال التقسيط من زيادة الثمن مقابل الأجل. كما أنَّ المشتري يحصل على السلعة وإن لم تكن عنده قيمتها، ويسدد ثمنها فيما بعدُ أقساطًا.\nشروط صحة بيع التقسيط:\nيشترط لصحة بيع التقسيط إضافة إلى شروط البيع المتقدمة ما يلي:\n١ - أن تكون السلعة بحوزة البائع وتحت تصرفه عند العقد، فلا يجوز لهما\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٠٦٨)، ومسلم برقم (١٦٠٣).","vol":"1","page":219},{"text":"الاتفاق على ثمنها، وتحديد مواعيد السداد والأقساط، ثم بعد ذلك يشتريها البائع ويسلمها للمشتري، فإن هذا محرم؛ لقوله - ﷺ -: (لا تبع ما ليس عندك) (١).\n٢ - لا يجوز إلزام المشتري -عند العقد أو فيما بعد- بدفع مبلغ زائدٍ على ما اتفقا عليه عند العقد في حال تأخره عن دفع الأقساط؛ لأن ذلك ربًا محرم.\n٣ - يحرم على المشتري المليء المماطلة في سداد ما حَلَّ من الأقساط.\n٤ - لا حقَّ للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز له أن يشترط على المشتري رهنَ المبيع عنده؛ لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٤٠٢)، وأبو داود برقم (٣٥٠٣)، والترمذي برقم (١٢٣٢)، والنسائي (٧/ ٢٨٩)، وابن ماجه برقم (٢١٨٧)، وصححه الألباني (صحيح سنن النسائي برقم ٤٢٩٩).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>الباب الثاني: في الربا، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>المسألة الأولى: تعريف الربا وحكمه:</span>\n١ - تعريفه: الربا في اللغة: الزيادة.\nوشرعًا: زيادة أحد البدلين المتجانسين من غير أن يقابل هذه الزيادة عوض.\n٢ - حكمه: الربا محرم في كتاب الله تعالى، قال جلّ شأنُه: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة: ٢٧٥]. وقال ﷿: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٢٧٨].\nوتوعَّد ﷾ المتعامل بالربا بأشد الوعيد، فقال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) [البقرة: ٢٧٥]، أي: لا يقومون من قبورهم عند البعث، إلا كقيام المصروع حالة صرعه؛ وذلك لتضخم بطونهم بسبب أكلهم الربا في الدنيا.\nوعدَّه رسول الله - ﷺ - من الكبائر، ولعن كلَّ المتعاملين بالربا، على أيِّ حالٍ كانوا، فعن جابر - ﵁ - قال: لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: (هم سواء) (١). وقد أجمعت الأمة على تحريمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>المسألة الثانية: الحكمة في تحريمه:</span>\nالتعامل بالربا يحمل على حبِّ الذات، والتكالب على جمع الأموال وتحصيلها من غير الطرق المشروعة، وتحريمه رحمة بالعباد، فإن فيه أخذًا لأموال الآخرين بغير عوض؛ إذ المرابي يأكل أموال الناس دون أن يستفيدوا شيئًا في مقابله، كما أنه يؤدي إلى تضخم الأموال وزيادتها على حساب سلب أموال الفقراء، ويعوّد المرابي الكسل والخمول، والابتعاد عن الاشتغال بالمكاسب المباحة النافعة.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٥٩٨).","vol":"1","page":221},{"text":"كما أنَّ فيه قطعًا للمعروف بين الناس، وسدًا لباب القرض الحسن، وتحكم طبقةٍ من المرابين بأموال الأمة واقتصاد البلاد، وهو معصية عظيمة لله تعالى، وهو وإن زاد مال المرابي فإن الله تعالى يمحق بركته، ولا يبارك فيه. قال تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة: ٢٧٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>المسألة الثالثة: أنواع الربا:</span>\nأولًا: ربا الفضل:\nهو الزيادة في أحد البدلين الربويين المتفقين جنسًا.\nمثاله: أن يشتري شخص من آخر ألف صاع من القمح بألفٍ ومائتي صاعٍ من القمح، ويتقابض المتعاقدان العوضين في مجلس العقد. فهذه الزيادة، وهي مائتا صاع من القمح، لا مقابل لها، وإنما هي فضل.\nحكمه: حرَّمت الشريعة الإسلامية ربا الفضل في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح. فإذا بيع واحدٌ من هذه الأشياء الستة بجنسه حرمت الزيادة والتفاضل بينهما؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء) (١). ويقاس على هذه الأشياء الستة ما شاركها في العلة، فيحرم فيه التفاضل.\nفَعِلَّة الربا في هذه الأشياء: الكيل والوزن، فيحرم التفاضل في كل مكيل وموزون.\nثانيًا: ربا النسيئة:\nهو الزيادةُ في أحد العوضين مقابل تأخير الدفع، أو تأخير القبض في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، ليس أحدهما نقدًا.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢١٧٥، ٢١٧٦)، ومسلم برقم (١٥٨٤) واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":222},{"text":"مثاله: أن يبيع شخصٌ ألف صاع من القمح، بألف ومائتي صاع من القمح لمدة سنة، فتكون الزيادة مقابل امتداد الأجل، أو يبيع كيلو شعير بكيلو بر ولا يتقابضان.\nحكمه: التحريم، فإن النصوص الواردة في القرآن والسنة المحرمة للربا والمحذرة من التعامل به، يدخل فيها هذا النوع من الربا دخولًا أوليًا، وهذا هو الذي كان معروفًا في الجاهلية، وهو الذي تتعامل به البنوك الربوية في هذا العصر.\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺبعد أن ذكر الذهب والفضة-: (ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز) والناجز: الحاضر. وفي لفظٍ: (ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>المسألة الرابعة: صور لبعض المسائل الربوية:</span>\nيتبين لنا من خلال تطبيق القاعدة الآتية وما اشتملت عليه، معرفة إن كانت المسألة من مسائل الربا، أو هي من الصور المباحة. وهذه القاعدة هي: إذا بيع الربوي (٢) بجنسه، اشترط فيه شرطان:\n١ - التقابض من الطرفين في مجلس العقد قبل أن يفترقا.\n٢ - التساوي بينهما بالمعيار الشرعي، المكيل بالمكيل، والموزون بالموزون.\nأما إذا بيع الربوي بربوي من غير جنسه فليس بشرط، وإذا بيع الربوي بغير ربوي جاز التفاضل والتفرق قبل القبض.\nوفيما يلي بعض الصور وأحكامها:\n١) باع مائة جرام من الذهب، بمائة جرام من الذهب بعد شهر. هذا محرَّم، وهو من الربا؛ لأنهما لم يتقابضا في المجلس.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٥٨٩).\n(٢) المراد به: إن كان واحدًا من الأصناف الستة المتقدم ذكرها في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أو ما في معناها.","vol":"1","page":223},{"text":"٢) اشترى كيلو جرامًا من الشعير بكيلو جرام من البر، جاز لاختلاف الجنس، ويشترط التقابض في المجلس.\n٣) إذا باع خمسين كيلو جرامًا من البر بشاة جاز مطلقًا، سواء تقابضا في المجلس أو لا.\n٤) باع مائة دولار، بمائة وعشرة دولارات. لا يجوز.\n٥) اقترض ألف دولار على أن يعيدها بعد شهر أو أكثر بألف ومائتي دولار.\nلا يجوز.\n٦) باع مائة درهم من الفضة بعشرة جنيهات من الذهب، يدفعها بعد سنة.\nلا يجوز؛ إذ لابد من التقابض يدًا بيد.\n٧) لا يجوز بيع أو شراء أسهم البنوك الربوية، لأنها من باب بيع النقد بالنقد بغير تساوٍ ولا تقابض.","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>الباب الثالث: في القرض، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>المسألة الأولى: في تعريفه، وأدلة مشروعيته:</span>\nالقرض: دفع مال لمن ينتفع به ويَرُدًّ بدله.\nوهو مشروع، ويدل عليه عموم الآيات القرآنية والأحاديث الدالة على فضل المعاونة، وقضاء حاجة المسلم، وتفريج كربته، وسد فاقته، وأجمع المسلمون على جوازه.\nروى أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - استلف من رجلٍ بَكْرًا (١)، فقدمت عليه إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَه، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا (٢)، فقال: (أعطه إياه، إنَّ خيار الناس أحسنهم قضاء) (٣).\nومن الأدلة على فضله: حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: (ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرة) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>المسألة الثانية: في شروطه وبعض الأحكام المتعلقة به:</span>\n١ - لا يجوز للمسلم أن يقرض أخاه بشرط أن يقرضه بعد ذلك إذا ردَّ عليه قرضه؛ لأن المقرض اشترط نفعًا، وكل قرض جرّ منفعة فهو ربا، كأن يسكنه داره مجانًا أو رخيصة، أو يعيره دابته، أو أي شيء آخر، أو غير ذلك من المنافع. فإنَّ جماعةً من أصحاب النبي - ﷺ - أفتوا بما يدل على عدم جواز ذلك، وأجمع الفقهاء على منعه.\n٢ - أن يكون المقرِض جائز التصرف، بالغًا عاقلًا رشيدًا، يصح تبرعه.\n٣ - ليس للمقرضِ أن يشترط زيادةً في ماله الذي أقرضه؛ لأن ذلك من الربا، فلا يجوز له أخذها، بل يقتصر على المبلغ الذي دفعه للمقترض أولًا.\n_________\n(١) البَكْر: الفتيُّ من الإبل.\n(٢) هو ما استكمل ست سنوات ودخل في السابعة.\n(٣) رواه البخاري برقم (٢٣٩٣)، ومسلم برقم (١٦٠١) واللفظ لمسلم.\n(٤) رواه ابن ماجه برقم (٢٤٣٠) وهو حديث حسن. انظر إرواء الغليل (٥/ ٢٢٦).","vol":"1","page":225},{"text":"٤ - إذا ردَّ المقترض على المقرِضِ أحسن مما أخذ منه، أو أعطاه زيادةً دون شرطٍ أو قصد، صحّ ذلك؛ لأنه تبرع من المقترض وحسن قضاء، ويدل عليه حديث أبي رافع السابق.\n٥ - أن يكون المقرض مالكًا لما يقرضه، ولا يجوز له أن يقرض ما لا يملك.\n٦ - من المعاملات الربوية المحرمة: ما تقوم به البنوك في وقتنا الحاضر من عقد قروض بينها وبين ذوي الحاجات، فتدفع لهم مبالغ من المال نظير فائدة محددة تأخذها زيادة على مبلغ القرض، أو يتفق البنك مع المقترض على قيمة القرض، ثم يدفع له البنك أقل من القيمة المتفق عليها، على أن يردها المقترض كاملة، فمثلًا: يطلب المقترض من البنك مبلغ مائة ألف، فيعطي له البنك ثمانين ألفًا، ويشترط عليه أن يردها مائة. وهذا من الربا المحرم أيضًا.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>الباب الرابع: في الرهن، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>المسألة الأولى: معناه وأدلة مشروعيته:</span>\nالرهن: جَعْلُ عينٍ مالية، وثيقة بدين؛ ليُسْتَوفى منها أو من ثمنها، إذا تعذَّر الوفاء.\nوالأصل في مشروعية الرهن، قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣]. والتقييد بالسفر في الآية خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له؛ لدلالة السنة على مشروعيته في الحضر. فعن عائشة ﵂: (أن النبي - ﷺ - اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة به:</span>\n١ - لا يصح رهن ما لا يجوز بيعه كالوقف والكلب؛ لأنه لا يمكن إيفاء الدين منه، ولا رهن مالا يملك.\n٢ - ويشترط معرفة قدر الرهن وجنسه وصفته.\n٣ - أن يكون الراهن جائز التصرف، مالكًا للمرهون أو مأذونًا له فيه.\n٤ - ليس للراهن التصرف في الرهن بغير رضى المرتهن، ولا يملك المرتهن ذلك بغير رضى الراهن.\n٥ - لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن، إلا أن يكون الرهن مركوبًا أو محلوبًا فيجوز له أن يركب المركوب أو يحلب المحلوب إذا أنفق عليه.\n٦ - المرهون أمانةٌ في يد المرتهن، لا يضمنه إلا بالتعدي، فإذا حلَّ الدين الذي به رهن، وجب على المدين سداده، فإن امتنع أجبره الحاكم، فإن امتنع حبسه، وعزَّره، حتى يوفي ما عليه من الدين، أو يبيع الرهن، ويسدد من قيمته.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٠٦٨)، ومسلم برقم (١٦٠٣).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>الباب الخامس: في السلم، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>المسألة الأولى: في معناه وأدلة مشروعيته والحكمة من ذلك:</span>\nتعريفه: السَّلَمُ والسلفُ بمعنى واحد، وهو: بيعُ سلعةٍ آجلة موصوفة في الذمة بثمن مُقَدَّم.\nدليل مشروعيته: وهو مشروع، فعن ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: (من أسلف، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) (١).\nالحكمة من مشروعيته: وأجازته الشريعة الإسلامية توسيعًا على أفرادها، فالمزارع مثلًا قد لا يملك نقدًا ينفقه في إصلاح أرضه وزراعته، ولا يجد من يقرضه، فأبيح له السَّلَم حتى لا تفوته مصلحة استثمار أرضه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>المسألة الثانية: في شروطه:</span>\nالسلم نوعٌ من أنواع البيع؛ ولذلك يشترط لصحته الشروط المتقدمة في عقد البيع، ويضاف عليها الآتي:\n١) أن يكون المسلَم فيه مما يمكن انضباط صفاته بكيلٍ أو وزنٍ أو ذرع، حتى لا يؤدي إلى التنازع.\n٢) معرفةُ قدرِ المسلَم فيه بمعياره الشرعي، فلا يصح في مكيلٍ وزنًا، ولا في موزون كيلًا.\n٣) أن يذكر جنس المسلم فيه، ونوعه، بصفاته المميزة له.\n٤) أن يكون دينًا في الذمة.\n٥) أن يكون مؤجلًا.\n٦) أن يكون الأجل معلومًا ومحددًا من الطرفين.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٢٤٠)، ومسلم برقم (١٦٠٤).","vol":"1","page":228},{"text":"٧) أن يقبض الثمن كاملًا معلومًا في مجلس العقد قبل تفرقهما.\n٨) كون المسلَم فيه مما يغلب وجوده عند حلول الأجل، حتى يُسَلِّمه له في وقته، فإن لم يكن موجودًا -كالرطب في الشتاء- لم يصح؛ لأنه غرر.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>الباب السادس: في الحوالة، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها:</span>\nالحوالة: نقل الدين من ذمةِ المُحِيلِ إلى ذمةِ المُحَالِ عليه.\nوهي مشروعة لما فيها من الإرفاق، وتبادل المصالح بين أفراد الأمة، والتسامح وتسهيل المعاملات.\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا أتْبعِ أحدكم على مليءٍ فليتبع) (١).\nومعناه: إذا أحيل بالدين الذي له، على موسر فليحتل، وليقبل الحوالة. فإذا أحال المَدين دائنه على مفلس رجع بحقه على مَنْ أحاله؛ لأنَّ الفَلَس عيب ولم يرض به، فله حق الرجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>المسألة الثانية: في شروط صحتها:</span>\nيشترط لصحتها الآتي:\n١ - رضا المُحيل؛ لأنه مُخَيَّر في جهات قضاء الدين، فلا تتعيَّن عليه جهةٌ قهرًا.\n٢ - كون المالين المحال به وعليه، متفقين قدرًا وجنسًا وصفة.\n٣ - أن يكون المحال به دينًا مستقرًا في ذمة المحال عليه.\nويترتب على انعقاد الحوالة الصحيحة حسب ما ذكر انتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.\nومن الصور المعاصرة للحوالة:\n- الحوالة المصرفية: وهي وسيلة لسداد مبالغ نقدية مقابل تسديد مقابلها في جهة أخرى. وصورتها: أن يقوم الشخص بدفع مبلغ نقدي إلى بنك من\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٢٨٧)، ومسلم برقم (١٥٦٤).","vol":"1","page":230},{"text":"البنوك، طالبًا منه سداد قيمة هذا المبلغ لشخص آخر في بلد آخر نظير عمولة يتقاضاها البنك.\n- السُّفْتَجَة: وهي مما يلحق بالحوالة أيضًا، وهي عبارة عن كتاب أو رقعة يكتبها المستقرضُ للمقرض أو نائِبه إلى نائبه في بلد آخر ليوفيه المقرضَ، أو أن يقرض إنسانٌ آخر قرضًا في بلد؛ ليوفيه المقترض أو نائبه إلى المقرضِ أو نائبهِ في بلد آخر. فالورقة التي يكتبها المقترض بذلك تسمى سفتجة -وهي كلمة فارسية معربة-. وقد منعها قوم، والصحيح جوازها؛ إذ فيها مصلحة للطرفين، من غير ضرر على واحد منهما، ولا محظور شرعي.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>الباب السابع: في الوكالة، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>المسألة الأولى: تعريفها، وحكمها، وأدلة مشروعيتها:</span>\n١ - تعريفها: الوكالة تفويض شخصٍ غيرَه؛ ليقوم مقامه فيما تدخله النيابة.\n٢ - حكمها وأدلة مشروعيتها: وهي مشروعة، قال تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) [الكهف: ١٩]، وقال جل شأنه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) [التوبة: ٦٠]. فجوَّز سبحانه العمل عليها، وذلك بحكم النيابة عن المستحقين.\nوعن جابر - ﵁ - قال: أردت الخروج إلى خيبر، فقال النبي - ﷺ -: (إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقًا ...) (١). وعن عروة بن الجعد قال: عرض للنبي - ﷺ - جلَبٌ، فأعطاني دينارًا فقال: (يا عروة، ائت الجلب فاشتر لنا شاة ...) الحديث (٢).\nوأجمع المسلمون على جواز الوكالة في الجملة؛ لأنَّ الحاجة داعية إليها، فإنه لما كان لا يمكن لكل واحدٍ فِعْلُ كل ما يحتاج إليه بنفسه، دعت الحاجة إلى مشروعيتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>المسألة الثانية: شروطها، والأحكام المتعلقة بها:</span>\n١ - يشترط في كل من الوكيل والموكل أن يكون جائز التصرف، بالغًا، عاقلًا، رشيدًا.\n٢ - تصح الوكالة في كل ما تدخله النيابة، كالبيع والشراء وسائر العقود، والفسوخ كالطلاق والخلع، وكذلك تصح في كل ما تدخله النيابة من العبادات، كإخراج الزكاة، والكفارة، والنذر، والحج، ونحو ذلك.\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣٦٣٢)، والدارقطني (٤/ ١٥٥).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٣٦٤٢).","vol":"1","page":232},{"text":"٣ - لا تصح الوكالة فيما لا تدخله النيابة من حقوق الله تعالى، كالطهارة والصلاة.\n٤ - يملك الوكيل من التصرف ما يقتضيه إذن الموكِّل، أو ما تعارف عليه\nالناس، بشرط ألَّا يترتب على هذا الإذن ضررٌ بالموكل.\n٥ - لا يصح للوكيل أن يوكل غيره، إلا إذا أجاز له الموكِّلُ ذلك، أو عجز الوكيل عن العمل، أو كان لا يحسنه، فيوكل أمينًا يقوم مقامه فيما وكل فيه.\n٦ - الوكيل أمين فيما وكل فيه، لا يضمن، إلا إذا فرَّط أو تعدى.\n٧ - الوكالة عقد جائز، لكلٍ من الطرفين فسخه.\n٨ - تبطل الوكالة بموت أحد الطرفين، أو جنونه، أو فسخه لها، أو عزله مِنْ قِبَل المِوكل، أو الحجر عليه لسفهه.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>الباب الثامن: في الكفالة والضمان، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>المسألة الأولى: في معنى الكفالة وأدلة مشروعيتها:</span>\n١ - تعريفها: الكفالة هي التزام إحضار مَنْ عليه حق مالي لربه، إلى مجلس الحكم.\n٢ - أدلة مشروعيتها: وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.\nفمن الكتاب قوله تعالى: (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) [يوسف: ٧٢] أي كفيل ضامن، وقوله تعالى: (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ) [القلم: ٤٠] أي كفيل.\nومن السنة قوله - ﷺ -: (العارية مؤداة، والزعيم غارم، والدين مقضي) (١).\nفالزعيم هو الكفيل، والزعامة الكفالة (٢).\nوقد أجمع العلماء على جواز الكفالة لحاجة الناس إليها ودفع الضرر عن المدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>المسألة الثانية: أركان الكفالة وشروطها:</span>\nأركان الكفالة خمسة: الصيغة، والكفيل، والمكفول له، والمكفول عنه، والمكفول به.\nوصيغتها تتم بإيجاب الكفيل وحده، ولا تتوقف على قبول المكفول له.\nأما الكفيل: فيشترط فيه أن يكون أهلًا للتبرع سواء كان رجلًا أو امرأة؛ لأن الكفالة من التبرعات.\nوعلى ذلك لا تصح الكفالة من المجنون أو المعتوه أو الصبي، وكذلك المحجور عليه لسفه، فلا تصح كفالته، ولا ضمانه.\nوأما المكفول عنه: فلا يشترط رضاه لصحة الكفالة، بخلاف الكفيل فإن\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣٥٦٥)، والترمذي برقم (١٢٦٥) وقال: حديث حسن، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة برقم ٦١٠).\n(٢) معالم السنن (٣/ ١٧٧).","vol":"1","page":234},{"text":"رضاه شرط لصحة الكفالة.\nأما محل الكفالة: فقد تكون الكفالة بالمال، ويطلق عليها الضمان، وقد تكون بالنفس، ويطلق عليها كفالة البدن والوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>المسألة الثالثة: في بعض أحكام الكفالة:</span>\n١ - تصح الكفالة ببدن كل إنسان عليه حق مالي.\n٢ - لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد.\n٣ - لا تصح الكفالة ببدن من عليه قصاص.\n٤ - يبرأ الكفيل بموت المكفول المتعذر إحضاره.\n٥ - الكفيل الغارم ضامن إذا ماطل الأصيل، ولم يسدد، أو أفلس.\n٦ - الكفيل غير الغارم -الحضوري- لا يضمن؛ لأن كفالته كفالة تعريف وإحضار للمكفول أو للكفيل الغارم.\n٧ - تصح الكفالة بالنفس، وهي التزام الكفيل بإحضار المكفول إلى المكفول له، أو إلى مجلس الحكم، أو نحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>المسألة الرابعة: في الضمان:</span>\nالضمان: هو التزام ما وجب على غيره، وهو جائز؛ لقوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) [يوسف: ٧٢] أي ضامن.\nوقوله - ﷺ -: (الزعيم غارم) (١).\nوقد أجمع العلماء على جوازه؛ لأن الحاجة تدعو إليه، وهو من باب قضاء الحاجات والتعاون المأمور به شرعًا.\nأحكام الضمان وشروطه:\n١ - لا يجوز أخذ العوض عليه.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"1","page":235},{"text":"٢ - يجوز تعدد الضامنين، فيجوز أن يضمن الحق اثنان فأكثر.\n٣ - لا يشترط في صحته معرفة الضامن للمضمون عنه.\n٤ - يصح ضمان المعلوم والمجهول إذا كان يؤول إلى العلم، وكذلك يصح ضمان عهدة المبيع.\n٥ - يصح الضمان بكل لفظ يؤدي معناه: كأنا ضامن، أو ضمين، أو زعيم أو نحو ذلك.\n٦ - لا تبرأ ذمة الضامن، إلا إذا برئت ذمة المضمون عنه من الدين، بإبراء أو قضاء.\n٧ - يشترط لصحته: رضا الضامن، فإن أكره على الضمان لم يصح، ولا يشترط رضا المضمون عنه، ولا رضا المضمون له.\nكما يشترط لصحته: أن يكون الضامن جائز التصرف، بأن يكون: بالغًا عاقلًا رشيدًا.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>الباب التاسع: في الحجر، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>المسألة الأولى: معناه وأدلة مشروعيته وأنواعه:</span>\n١ - تعريف الحجر: الحجر لغة: المنع.\nوفي الشرع: منع إنسان من تصرفه في ماله.\n٢ - أدلة مشروعيته: والأصل فيه قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) [النساء: ٥].\nأي: أموالهم، لكن أضيف إلى الأولياء؛ لأنهم قائمون عليها مدبرون لها. وقوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٦]، وقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ) [البقرة: ٢٨٢].\nفدلت هذه الآيات على جواز الحجر على السفيه واليتيم ومن في معناهما -كالمجنون والصغير- في أموالهم، لئلا تتعرض للضياع والفساد، ولا تُدفع إليهم، إلا إذا تحقق رشدهم، وللولي أن يتصرف في أموالهم، إذا دعت المصلحة لذلك.\n٣ - أنواعه: الحجر على نوعين:\nالنوع الأول: الحجر لمصلحة المحجور عليه، كالحجر على الصبي والسفيه والمجنون، قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) [النساء: ٥].\nالنوع الثاني: الحجر على الإنسان لمصلحة غيره، كالحجر على المفلس، فيمنع من التصرف في ماله لئلا يضر بأصحاب الديون. والحجر على المريض مرض الموت فيما زاد على الثلث من ماله لحق الورثة. وكذلك العبد يُحجر عليه لحق سيده، فلا يصح تصرفه بغير إذن سيده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بالنوع الأول من الحجر، وهو الحجر على الإنسان لمصلحة نفسه:</span>\n١ - إذا تعدَّى المحجور عليه لصغره ونحوه، على نفس أو مال بجناية، فإنه","vol":"1","page":237},{"text":"يضمن ويتحمل ما يترتب على ذلك من غرامة؛ لأن المُتعدَّى عليه لم يفرط، ولم يأذن بذلك، وأما إذا دفع ماله إلى صغير أو سفيه أو مجنون، فأتلفه، لم يضمنه؛ لأنه سلَّطه عليه برضاه، فهو مفرّط.\n٢ - يزول الحجر عن الصغير بأمرين:\nالأمر الأول: البلوغ، ويعرف ذلك بعلامات، وهي: إنزاله المني، أو إنبات الشعر الخشن حول القبل، أو بلوغه الخامسة عشرة، أو الحيض في حق الجارية.\nالأمر الثاني: الرشد، وهو الصلاح في المال، لقوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٦].\nويعرف رشده بالامتحان، فيمنح شيئًا من التصرف، ويترك يتصرف مرارًا في المال، فإن لم يغبن غبنًا فاحشًا، ولم ينفق ماله في حرام أو فيما لا فائدة فيه، كان ذلك دليل رشده.\n٣ - يزول الحجر عن المجنون بأمرين أيضًا:\nالأول: زوال الجنون ورجوع عقله إليه.\nوالثاني: الرشد. أما السفيه: فيزول عنه بزوال السفه والطيش واتصافه بالصلاح في التصرفات المالية.\n٤ - يتولى أمر المحجور عليهم الأب إذا كان عدلًا رشيدًا، ثم وصيه. ويجب على من يتولى أمرهم أن يتصرف بما فيه الأحظ والأنفع لهم؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الأنعام: ١٥٢]. والآية نصَّتْ على اليتيم، ويقاس عليه غيره ممن هو في معناه.\n٥ - على ولي اليتيم أن يحافظ على ماله، ولا يأكله، أو يتصرف فيه ظلمًا وبهتانًا؛ لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء: ١٠].","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالنوع الثاني من الحجر، وهو الحجر على الإنسان لمصلحة غيره:</span>\n١ - لا يحجر على المدين بدين لم يحل أجله، لأنه لا يلزمه الأداء قبل حلوله، لكن لو أراد سفرًا طويلًا يحل الدين قبل قدومه منه، فللغريم منعه من السفر، حتى يوثقه برهن أو كفيل مليء.\n٢ - إذا كان مال المحجور عليه أكثر من الدين الذي عليه، فهذا لا يحجر عليه في ماله ولكن يؤمر بالوفاء عند المطالبة، فإن امتنع حبس وعزر حتى يوفي الدين، فإن امتنع تُدُخِّل في ماله بوفاء ديونه. أما إذا كان ماله أقل مما عليه الدين الحالّ، فهذا يحجر عليه التصرف في ماله عند المطالبة؛ لئلا يضر بالغرماء. ولا يُمَكَّن المدين من التصرف في ماله بتبرع أو غيره إذا كان هذا الأمر يضر بأصحاب الديون.\n٣ - من باع المحجور عليه أو أقرضه شيئًا بعد الحجر، فلا يحق له المطالبة إلا بعد فكِّ الحجر عنه.\n٤ - للحاكم أن يبيع ماله ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه الحالّة؛ لأن هذا هو المقصود من الحجر عليه، وفي تأخير ذلك مَطْلٌ وظلم لهم، ويترك له الحاكم ما يحتاج إليه كالنفقة والسكن.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>الباب العاشر: الشركة، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>المسألة الأولى: تعريف الشركة وحكمها وأدلة مشروعيتها:</span>\n١ - تعريف الشركة:\nالشركة لغة: الاختلاط، أي: خلط أحد المالين بالآخر بحيث لا يتميزان عن بعضهما.\nوشرعًا: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف.\nفالاجتماع في الاستحقاق: كشركة الإرث والوصية والهبة في عين أو منفعة، وتسمى هذه أيضًا: \"شركة الأملاك\".\nوالاجتماع في التصرف: وهو ما يعرف بـ \"شركة العقود\"، وهي المقصودة هنا بالبحث. فهذان قسمان للشركة وفق هذا التعريف.\n٢ - أدلة مشروعيتها: الشركة مشروعة، وجاءت الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، بجوازها.\nوقال تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) [ص: ٢٤]. والخلطاء:\nالشركاء. وقال سبحانه: (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) [النساء: ١٢].\nوهي من العقود الجائزة، والمجتمع بحاجة ماسة إليها ولا سيما في المشروعات الضخمة التي لا يستطيع الشخص القيام بها بمفرده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>المسألة الثانية: أنواع شركة العقود:</span>\nأولًا: شركة العِنان: وهي أن يشترك اثنان فأكثر في مال يتجران فيه، وسميت بذلك؛ لاستواء الشريكين فيها في المال والتصرف، كاستواء عِنان فرسيهما إذا استويا في السير، ويُشْترط في صحتها كون رأس المال من كل منهما أو منهم نقدًا معلومًا حاضرًا، وأن يُحَدَّد لكل واحدٍ منهما جزء معلوم من الربح.","vol":"1","page":240},{"text":"ثانيًا: شركة المضاربة: وهي أن يدفع أحد الشريكين للآخر مالًا يتجر به، بجزء معلوم من الربح.\nثالثًا: شركة الوجوه: وهي أن يشتركا في ربح ما يشتريان بجاهيهما، دون أن يكون لهما رأس مال، اعتمادًا على ثقة التجار بهما.\nرابعًا: شركة الأبدان: وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما من المباح، كالاحتشاش، والاصطياد، والمعدن، والاحتطاب، أو يشتركا فيما يتقبلان في ذممهما من العمل، كنسج وخياطة ونحوهما.\nيوزع الربح بين الشركاء على حسب ما يتفقان عليه، وكذلك الخسارة تكون بينهما على قدر ماليهما، وهذا في غير المضاربة، ولكلٍ منهما فسخ عقد الشركة متى شاء، كما تنفسخ بموت أحدهما أو جنونه.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>الباب الحادي عشر: الإجارة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها:</span>\n١ - معنى الإجارة وتعريفها:\nلغة: مشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه تسمية الثواب أجرًا.\nوشرعًا: عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئًا فشيئًا، مدة معلومة، من عين معلومة أو موصوفة في الذمة. أو على عمل معلوم بعوض معلوم.\n٢ - أدلة مشروعيتها: ودليل مشروعيتها قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [الطلاق: ٦]، وقوله جل شأنه: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص: ٢٦].\nوقد ثبت (أن النبي - ﷺ - وأبا بكر استأجرا رجلًا من بني الدَّيل هاديًا خِرِّيتًا) (١).\nوجاء الوعيد لمن لم يوفِّ الأجير أجرته، فعن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: (قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة) ... وذكر منهم: (رجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجرَه) (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أعطوا الأجير أجرَه قبل أن يجف عرقه) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>المسألة الثانية: شروطها:</span>\n١ - لا تصح إلا من جائز التصرف، عاقلًا، بالغًا، حرًا، رشيدًا.\n٢ - أن تكون المنفعة معلومة؛ لأن المنفعة هي المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالبيع.\n٤ - أن تكون الأجرة معلومة؛ لأنها عوض في عقد معاوضة، فوجب العلم بها كالثمن.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٢٦٣). والخِرِّيت: الماهر بالطرق والمسالك الخفية في الصحراء.\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٢٢٧).\n(٣) رواه ابن ماجه برقم (٢٤٤٣)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه برقم ١٩٩٥).","vol":"1","page":242},{"text":"٤ - أن تكون المنفعة مباحة، فلا تصح الإجارة على الزنى، والغناء، وبيع آلات اللهو.\n٥ - كون المنفعة قابلة للاستيفاء، فلا تصح الإجارة لشيء يتعذر استيفاء المنفعة منه، كإجارة أعمى لحفظ شيء يحتاج إلى الرؤية.\n٦ - أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونًا له فيها؛ لأن الإجارة بيع المنافع، فاشترط ذلك فيها كالبيع.\n٧ - أن تكون المدة معلومة، فلا تجوز الإجارة لمدة مجهولة؛ لأنها تؤدي إلى التنازع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بها:</span>\nويتعلق بعقد الإجارة الأحكام الآتية:\n١) لا يجوز الاستئجار على أعمال القرب والعبادات، كالأذان والحج والفتيا والقضاء والإمامة وتعليم القرآن؛ لأنها قربة إلى الله تعالى، ويجوز أن يأخذ من يقوم بذلك رزقًا من بيت مال المسلمين.\n٢) على المؤجر أن يدفع العين المؤجرة للمستأجر ويُمَكَّن من الانتفاع بها، ويجب على المستأجر المحافظة على العين المستأجرة، وأن يدفع الأجرة عند حلولها.\n٣) لا يجوز فسخ عقد الإجارة من أحد الطرفين، إلا برضا الآخر، وإذا مات أحدهما والعين المؤجرة باقية لم يبطل العقد، ويقوم وارثه مقامه.\n٤) تنفسخ الإجارة إذا تلفت العين المؤجرة، أو انقطع نفعها، كدابة ماتت، أو دار انهدمت.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>الباب الثاني عشر: المزارعة والمساقاة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>المسألة الأولى: معناهما وحكمهما:</span>\n١ - معناهما: المزارعة: دفع أرض لمن يزرعها، أو حبٍ لمن يزرعه ويقوم عليه بجزء معلوم مشاعٍ من الثمرة.\nالمساقاة: دفع شجرٍ مغروس معلوم، له ثمر مأكول لمن يعمل عليه بجزء مشاع معلوم من الثمرة.\nوالعلاقة بين المزارعة والمساقاة: أن المزارعة تقع على الزرع كالحبوب، والمساقاة تقع على الشجر كالنخيل، وفي كل منهما للعامل جزءٌ من الإنتاج.\n٢ - حكمهما: مشروعتان، وهما من العقود الجائزة، لحاجة الناس إليهما.\nفعن ابن عمر ﵄: (أن النبيَّ - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>المسألة الثانية: شروطهما:</span>\n١) أن يكون عاقدهما جائز التصرف، فلا يقعان إلا من بالغ، حر، رشيد.\n٢) أن يكون الشجر معلومًا في المساقاة، والبذر معلومًا في المزارعة.\n٣) أن يكون للشجر ثمر مأكول، من نخل وغيره.\n٤) أن يكون للعامل جزء مشاع معلوم مما يحصل من ثمر الشجر، أو من الغلة، كالثلث أو الربع أو نحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بهما:</span>\nويتعلق بهما الأحكام الآتية:\n١) يلزم العامل أن يعمل كلَّ ما يؤدي إلى صلاح الثمرة، من حرثٍ، وسقيٍ، ونظافةٍ، وصيانة، وتلقيح النخل، وتجفيف الثمر، وغير ذلك.\n_________\n(١) متقق عليه: رواه البخاري برقم (٢٣٢٩)، ومسلم برقم (١٥٥١).","vol":"1","page":244},{"text":"٢) على صاحب الأرض العمل على كل ما يحفظ الأصل، كحفر البئر، وتوفير المياه، وإقامة الجدران والحواجز، وجلب الآلات ومضخات المياه.\n٣) يملك العامل حصته بظهور الثمرة.\n٤) لكل عاقد فسخ العقد متى شاء؛ لأنهما عقد جائز غير لازم، فإن انفسخ العقد وقد ظهر الثمر، فهو بين العاقدين على ما شَرَطا، فإن فسخ العامل قبل طلوع الزرع وظهور الثمرة، فلا شيء له؛ لأنه رضي بإسقاط حقه كعامل المضاربة، أما إن فسخ رب المال قبل ظهور الثمرة وبعد الشروع في العمل، فللعامل أجرة عمله.\n٥) لو ساقاه أو زارعه في مدة تكمل فيها الثمرة غالبًا، فلم تحمل تلك السنة، فلا شيء للعامل.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>الباب الثالث عشر الشفعة والجوار، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>المسألة الأولى: في معناها وأدلة مشروعيتها:</span>\n١ - معناها: الشُّفْعَةُ هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي. وسميت بذلك؛ لأن صاحبها ضمَّ المبيع إلى ملكه، فصار شفعًا، بعد أن كان نصيبه منفردًا في ملكه. وقيل: هي حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث بسبب الشركة؛ لدفع الضرر.\n٢ - أدلة مشروعيتها: الأصل فيها حديث جابر - ﵁ - قال: (قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) (١). وفي رواية أخرى: (قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كل شركة لم تقسم رَبْعَةٍ أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يُؤذِن شريكه، فإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه، فهو أحق به) (٢). وعنه - ﷺ - قال: (جار الدار أحق بالدار) (٣).\nوقد أجمع العلماء على إثبات حق الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض، أو دار، أو حائط.\nفتبيَّن من ذلك ثبوت مشروعية الشفعة بالسنة والإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بالشفعة:</span>\n١ - لا يجوز للشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن ويعرض على شريكه، فإن باع، ولم يؤذنه فهو أحق به.\n٢ - لا تثبت الشفعة في غير الأرض والعقار، كالمنقولات من الأمتعة\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٢٥٧) واللفظ له، ومسلم برقم (١٢٢٩).\n(٢) رواه مسلم (١٦٠٨) (١٣٤). والرَّبعَة والربع: الدار والمسكن ومطلق الأرض.\n(٣) رواه الترمذي برقم (١٣٦٨) وقال: \"حسن صحيح\". وأبو داود برقم (٣٥١٧)، واللفظ للترمذي، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٥٣٩).","vol":"1","page":246},{"text":"والحيوان ونحو ذلك.\n٣ - الشفعة حق شرعي لا يجوز التحيل لإسقاطه؛ لأنها شرعت لدفع الضرر عن الشريك.\n٤ - تثبت الشفعة للشركاء على قدر ملكهم، ومن ثبتت له الشفعة أخذه بالثمن الذي بيعت به سواء كان مؤجلًا أو حالًا.\n٥ - تثبت الشفعة بكون الحصة المنتقلة عن الشريك مبيعة بيعًا صريحًا أو ما في معناه، فلا شفعة فيما انتقل عن ملك الشريك بغير بيع: كموهوب بغير عوض، وموروث، وموصى به.\n٦ - لابد أن يكون العقار المنتقل بالبيع قابلًا للقسمة، فلا شفعة فيما لا يقسم: كحمام صغير، وبئر، وطريق.\n٧ - الشفعة تثبت المطالبة بها فور علمه بالبيع، وإن لم يطالب بها وقت البيع سقطت، إلا إذا لم يعلم فهو على شفعته، كذلك لو أخَّر طلبه لعذر، كالجهل بالحكم أو غير ذلك من الأعذار.\n٨ - محل الشفعة الأرض التي لم تقسم، ولم تحد، وما فيها من غراس وبناء فهو تابع لها. فإذا قسمت لكن بقي بعض المرافق المشتركة بين الجيران كالطريق والماء ونحو ذلك، فالشفعة باقية في أصح قولي أهل العلم.\n٩ - ولابد للشفيع مِنْ أخذ جميع المبيع، فلا يأخذ بعضه ويترك بعضه، وذلك دفعًا للضرر عن المشتري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>المسألة الثالثة: في أحكام الجوار:</span>\nالجار له حق على جاره، وقد أوصى النبي - ﷺ - بالجار حتى كاد أن يورثه.\nفمن احتاج إلى جاره كأن يحتاج إلى إجراء الماء في أرضه، أو ممر في ملكه، أو نحو ذلك، فعلى جاره أن يحقق له حاجته، سواء كانت بعوض أو بغير عوض.\nولا يجوز للإنسان أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره، كفتح نافذة تطل على","vol":"1","page":247},{"text":"بيته، أو مصنع يقلق جاره بأصواته أو نحو ذلك. وإذا كان بينهما جدار مشترك لا يتصرف فيه ويضع عليه الخشب إلا عند الضرورة، كأن يحتاج إليه عند التسقيف، فلا يمنعن من ذلك؛ لقوله - ﷺ -: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبةً في جداره) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>المسألة الرابعة: في الطرقات:</span>\n١ - لا يجوز مضايقة المسلمين في طرقاتهم.\n٢ - لا يجوز أن يحدث في ملكه ما يضايق الطريق.\n٣ - لا يجوز أن يتخذ موقفًا لدابته أو سيارته بطريق المارة.\n٤ - الطريق حق للجميع فتجب المحافظة عليه، من جميع ما يضر المارة عليه، كوضع المخلفات والقمائم فيه ونحو ذلك؛ لأن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٤٦٣)، ومسلم برقم (١٦٠٩)، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>الباب الرابع عشر: الوديعة والإتلافات، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>المسألة الأولى: تعريفها وأدلة مشروعيتها:</span>\n١ - تعريفها: الوديعة هي عين يضعها مالكها أو نائبه عند من يحفظها بلا عوض.\n٢ - أدلة مشروعيتها: الأصل فيها قوله تعالى: (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) [البقرة: ٢٨٣]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: ٥٨].\nوقال - ﷺ -: (أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك) (١). ولأن الضرورة والحاجة داعية للإيداع.\nفمن وجد في نفسه القدرة على حفظ الأمانة فإنه يستحب له أن يقبل الوديعة؛ لقوله - ﷺ -: (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) (٢).\nأما إذا علم من نفسه عدم القدرة على حفظ الوديعة فإنه لا يجوز له قبولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>المسألة الثانية: شرط صحتها:</span>\nأن تكون من جائز التصرف لمثله، فلو أودع إنسان جائز التصرف ماله عند صغير أو مجنون أو سفيه، فأتلفه فلا ضمان، لتفريطه. وإن أودع الصغير ونحوه ماله عند آخر، صار الوديع ضامنًا؛ لتعديه بأخذه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>المسألة الثالثة: في الأحكام المتعلقة بالوديعة:</span>\n١ - الوديعة أمانة في يد المستودع، فلا ضمان عليه إن لم يفرط؛ لأنها أمانة كسائر الأمانات، والأمين لا يضمن إن لم يتعد، لقوله - ﷺ -: (لا ضمان على مؤتمن) (٣).\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣٥٣٥)، والترمذي برقم (١٢٦٤)، وصححه الألباني في الإرواء (٥/ ٣٨١).\n(٢) رواه مسلم برقم (٢٦٩٩).\n(٣) رواه الدارقطني برقم (٤١١٣)، والبيهقي (٦/ ٢٨٩)، وحسَّنه الألباني بمجموع طرقه (الإرواء برقم ١٥٤٧).","vol":"1","page":249},{"text":"٢ - إذا تعدَّى على الوديعة، أو فرَّط في حفظها، فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه متلف لمال غيره.\n٣ - يجب على المستودع حفظ الوديعة في حرز مثلها عرفًا؛ لأن الله ﷿ أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، ولا يمكن ذلك إلا بحفظها، ولأن المقصود من الإيداع الحفظ، والوديم ملتزم بذلك، فإن لم يحفظها لم يفعل ما التزمه.\n٤ - يجوز للمستودع أن يدفع الوديعة إلى من يحفظ ماله عادة، كزوجته وعبده وخازنه وخادمه، وإن تلفت عندهم من غير تعد ولا تفريط، فلا ضمان عليهم.\n٥ - لا يجوز أن يودعها عند غيره من غير عذر، وأما لعذر: كسفر أو حضور موت فجائز. وعليه: فإن أودعها عند الغير بعذر، فتلفت، لم يضمن، وإن كان بغير عذر ضمن؛ لتعدِّيه وتفريطه.\n٦ - إذا خاف المستودع على الوديعة أو أراد السفر، فإنه يجب عليه ردُّها إلى صاحبها أو وكيله، فإن لم يجدهما فإنه يحملها معه في السفر، إذا كان ذلك أحفظ لها، وإلا دفعها إلى الحاكم، فإن لم يتمكن أودعها عند من يثق به؛ لأن النبي - ﷺ - قبل الهجرة إلى المدينة أودع الودائع لأم أيمن ﵂، وأمر عليًا أن يردَّها إلى أهلها (١). وكذلك إذا مرض المستودع مرضًا مخوفًا، وعنده ودائع، فإنه يجب عليه ردها إلى أصحابها، فإن لم يتمكن أودعها عند الحاكم، أوعند من يثق به.\n٧ - إذا كانت الوديعة دابة لزم المستودع إعلافها، وتغذيتها، فإن أهملها، وتلفت، ضمنها، ويأثم بهذا الإهمال لحرمتها، ولأن كل كبد رطب فيها أجر.\n٨ - المستودع أمين يُقبل قوله، إذا ادعى أنه رد الوديعة إلى صاحبها، أو من يقوم مقامه، ويقبل قوله مع يمينه، إذا ادعى أنها تلفت من غير تعد ولا تفريط.\nوعلى المستودع ألا يؤخر الوديعة عند طلب صاحبها لها، فإن أخَّرها من غير عذر، فتلفت، فإنه يضمن.\n_________\n(١) رواه البيهقي (٦/ ٢٨٩) وحسنه الألباني في إرواء الغليل (٥/ ٣٨٤).","vol":"1","page":250},{"text":"٩ - من الصور المعاصرة للوديعة: الودائع المصرفية، وهي ما يقوم به الأفراد من إيداع مبالغ نقدية في البنوك، إلى أجل محدد أو مطلقًا، ويقوم البنك بالتصرف في هذه المبالغ، ويدفع لصاحبها فائدة مالية ثابتة، وهذه تصير في معنى القرض، من حيث تملُّك البنك لعينها، وتعلقها بذمته، وتعهده برد مثلها عند المطالبة، وهي بهذه الصورة من الربا المحرم، فليحذر المسلمون من الوقوع فيه. أما الودائع التي لا يتقاضى صاحبها عليها فائدة، كالذي يعرف اليوم بالحساب الجاري، فلا شيء فيه، لأنه لم يأخذ زيادة على أصل ماله. أما إذا ألزم الشخص بقبض الزيادة، وكان مضطرًا إلى الإيداع في مثل هذه البنوك بحيث يلحقه ضرر محقق بترك ذلك، فإنه يقبض هذه الزيادة، وينفقها في مصالح المسلمين العامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>المسألة الرابعة: في الإتلافات:</span>\nيحرم الاعتداء على أموال الناس، وأخذها بغير حق، ومن اعتدى على مال غيره فأتلفه، وكان هذا المال محترمًا، فإنه يجب عليه الضمان، وكذلك من تسبب في إتلاف مال غيره، بحل قيد، أو بفتح باب أو نحو ذلك.\nوإذا كان له مواش وجب عليه حفظها في الليل، من إفساد زروع الناس أو إفساد أنفسهم، فإن أهملها وحصل الفساد ضمن؛ لأن النبي - ﷺ - قضى أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وأهل المواشي حفظها بالليل، وما أفسدت بالليل فإنه مضمون عليهم؛ لأن أموال المسلمين وأرواحهم محترمة، فيحرم التعدي عليها، أو التسبب في إفسادها أو هلاكها.\nوالصّائِلُ (١) من الإنسان أو الحيوان، إذا لم يندفع إلا بالقتل، فقتله، فلا ضمان عليه؛ لأنه قتله دفاعًا عن نفسه؛ لقوله - ﷺ -: (من أريد ماله بغير حقٍّ، فقاتلَ، فقتل، فهو شهيد) (٢).\n_________\n(١) الصائل من الإنسان: هو الذي يسطو على غيره عاديًا، يريد نفسه، أو عرضه، أو ماله.\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (١٤٢٠)، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه برقم (٢٥٨٢)، وحسَّن\nالبوصيري إسناده في \"الزوائد\"، وصححه الشيخ الألباني (صحيح الترمذي برقم ١١٤٧).","vol":"1","page":251},{"text":"ومن أتلف ما حرم الله كآلات اللهو، والصليب، وأواني الخمر، وكتب الضلال والبدعة، وأشرطة ومجلات المجون، والخلاعة، فإنه لا ضمان عليه، لكن لا يكون الإتلاف على إطلاقه، بل لابد من تقييده بأمر الحاكم، وتحت رقابته؛ ضمانًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة، ودرءًا للفتن.","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>الباب الخامس عشر: في الغصب، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>المسألة الأولى: تعريفه وحكمه:</span>\n١ - تعريفه: الغَصْبُ لغة: أخذ الشيء ظلمًا.\nوشرعًا: الاستيلاء على حق الغير، ظلمًا وعدوانًا بغير حق.\n٢ - حكمه: وهو محرم بإجماع المسلمين؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [البقرة: ١٨٨]، وقوله - ﷺ -: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه) (١)، وقال - ﷺ -: (من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طُوِّقَهُ يوم القيامة من سبع أرضين) (٢).\nفعلى كل من عنده مظلمة لأخيه أن يتوب إلى الله، ويتحلل من أخيه، ويطلب منه العفو في الدنيا؛ لقوله - ﷺ -: (من كانت له مَظْلَمَةٌ لأخيه من عرضِهِ أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخذَ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسناتٌ أخذ من سيئات صاحبه، فحُملَ عليه) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>المسألة الثانية: في الأحكام المتعلقة بالغصب:</span>\n١ - يجب على الغاصب رد المغصوب بحاله، وإن أتلفه رد بدلًا منه.\n٢ - يلزم الغاصب رد المغصوب بزيادته، سواء كانت منفصلة أو متصلة.\n٣ - الغاصب إذا تصرف في المغصوب ببناء أو غرس، أمر بقلعه إذا طالبه المالك بذلك.\n٤ - المغصوب إذا تغير، أو قل، أو رخص، ضمن الغاصب النقص.\n٥ - الاغتصاب قد يكون بالخصومة والأيمان الفاجرة.\n٦ - جميع تصرفات الغاصب باطلة، إن لم يأذن بها المالك.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٧٢)، والدارقطني (٣/ ٢٦) وصححه الألباني (الإرواء رقم ١٤٥٩).\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٤٥٢ - ٢٤٥٣)، ومسلم برقم (١٦١٠) واللفظ لمسلم.\n(٣) رواه البخاري برقم (٢٤٤٩).","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>الباب السادس عشر: في الصلح، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>المسألة الأولى: معناه، وأدلة مشروعيته:</span>\n١ - معناه: الصُّلْحُ في اللغة: التوفيق، أي قطع المنازعة.\nوفي الشرع: هو العقد الذي ينقطع به خصومة المتخاصمين.\n٢ - أدلة مشروعيته: وقد دل على مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع.\nفمن الكتاب قوله تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨]، وقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١١٤].\nومن السنة قوله - ﷺ -: (الصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرَّم حلالًا) (١). وكان النبي - ﷺ - يقوم بالإصلاح بين الناس.\nوقد أجمعت الأمة على مشروعية الصلح بين الناس بقصد رضا الله، ثم رضا المتخاصمين.\nفدلَّ على مشروعية الصلح: الكتاب والسنة والإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>المسألة الثانية: في أنواع الصلح العامة:</span>\nالصلح بين الناس على أنواع:\n١ - الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما. قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) [النساء: ٣٥]، أو خافت إعراضه، أي: ترفعه عنها وعدم رغبته فيها؛ قال تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨].\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣٥٩٤)، والترمذي برقم (١٣٥٢) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه برقم (٢٣٥٢)، وصححه الشيخ الألباني (صحيح ابن ماجه برقم (١٩٠٥).","vol":"1","page":254},{"text":"٢ - الصلح بين الطائفتين المتقاتلتين من المسلمين. قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: ٩].\n٣ - الصلح بين المسلمين والكفار المتحاربين.\n٤ - الصلح بين المتخاصمين في غير المال.\n٥ - الصلح بين المتخاصمين في المال، وهو المقصود في بحثنا، وهو على نوعين:\nأ- الصلح مع الإقرار، وهو على نوعين أيضًا:\n١ - صلح الإبراء: وهو صلح على جنس الحق المقرِّ به، كأن يقرَّ رشيد لآخر بدين أو عين، ثم يسقط عنه المقَرّ له بعض العين أو الدين، ويأخذ الباقي، فهو إبراء عن بعض الدين بلفظ الصلح. وهذا جائز بشرط أن يكون صاحب الحق ممن يصح تبرعه، وألا يكون مشروطًا في الإقرار.\n٢ - صلح المعاوضة: وهو أن يصالح عن الحق المقرِّ به بغير جنسه، كما لو اعترف له بدين أو عين ثم تصالحا على أخذ العوض من غير جنسه. فهذا حكمه حكم البيع، وإن وقع على منفعة فحكمه حكم الإجارة.\nب- الصلح مع الإنكار، وهو أن يدَّعي شخص على آخر بعين له عنده أو بدين في ذمته، فينكرُ المدَّعى عليه، أو يسكت وهو يجهل المدعى به، ثم يصالح المدعي عن دعواه بمال حال أو مؤجل؛ فيصح الصلح في هذه الحالة، إذا كان المنكر معتقدًا بطلان الدعوى، فيدفع المال؛ دفعا للخصومة عن نفسه، وافتداءً ليمينه، والمدَّعي يعتقد صحة الدعوى، فيأخذ المال عوضًا عن حقه الثابت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>المسألة الثالثة: في الأحكام المتعلقة بالصلح:</span>\n١ - يصحُّ الصلح عن الحق المجهول، وهو ما تعذَّر علمه من دين أو عين، كأن يكون بين شخصين معاملة وحساب مضى عليه زمن، ولا علم لواحد منهما بما عليه لصاحبه.","vol":"1","page":255},{"text":"٢ - يصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، كالصلح عن القصاص بالدية المحددة شرعا، أو أقل، أو أكثر.\n٣ - لا يصح الصلح عن كل ما لا يجوز أخذ العوض عنه، كالصلح عن الحدود، لأنها شرعت للزجر.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>الباب السابع عشر: المسابقة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>المسألة الأولى: معناها، وحكمها:</span>\n١ - معناها: السبَقُ ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل، والإبل، وفى النضال، فمن سبق أخذه.\nوالمسابقة هي المجاراة بين الحيوان وغيره. والمناضلة والنضال: المسابقة بالرمي بالسهام ونحوها.\n٢ - حكمها وأدلتها: والمسابقة جائزة بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [الأنفال: ٦٠]. ومن السنة: ما رواه ابن عمر ﵄: (أن النبي - ﷺ - سابق بين الخيل المُضَمرة (١) من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق) (٢)، وقوله - ﷺ -: (لا سَبَقَ إلا في خُف أو نَصْل أو حَافرٍ) (٣). والخف: البعير، والنصل: السهم ذو النصل، والحافر: الفرس.\nوقد أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها:</span>\n١ - تجوز المسابقة على الخيل، وغيرها من الدوابِّ والمراكب، وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام، واستعمال الأسلحة.\n٢ - تجوز المسابقة على عوض في الإبل، والخيل، والسهام؛ لقوله - ﷺ -: (لا سَبَقَ إلا في خف أو نصل أو حافر) (٤).\n_________\n(١) تضمير الخيل: هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتًا لتخف، ويكون تضمير الخيل للغزو أو السباق.\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٨٦٨)، ومسلم برقم (١٨٧٠).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٢٥٧٤)، والنسائي برقم (٣٦١٦)، والترمذي برقم (١٧٠٠) وقال: حسن، وصححه الألباني في الإرواء (٥/ ٣٣٣).\n(٤) تقدم تخريجه (انظر الحاشية السابقة).","vol":"1","page":257},{"text":"٣ - كل ما يترتب عليه مصلحة شرعية، كالتدرب على الجهاد، والتدرب على مسائل العلم، فالمسابقة فيه مباحة، ويجوز أخذ العوض عليها.\n٤ - كل ما يُقْصَدُ منه اللعب والمرح الذي لا مضرة منه، مما أباحه الشرع، تجوز فيه المسابقة، بشرط ألا يشغل عن أمور الدين الواجبة كالصلاة ونحوها.\nوهذا النوع لا يجوز أخذ العوض عليه.\n٥ - لكل واحد من المتسابقين فسخ المسابقة ما لم يظهر الفضل لصاحبه، فإن ظهر فللفاضل الفسخ دون المفضول.\n٦ - تبطل المسابقة بموت أحد المتسابقين، أو أحد المركوبين.\n٧ - يكره للأمين أو الحضور مدح أحد المتسابقين، أو عيبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>المسألة الثالثة: شروط أَخْذِ العِوَض في المسابقة:</span>\n١ - تعيين الرماة في المناضلة، أو المركوبين في المسابقة، وذلك بالرؤية.\n٢ - اتحاد المراكب في المسابقة، أو القوسين في المناضلة، وذلك بالنوع؛ فلا تصح بين عربي وهجين، ولا بين قوس عربية وفارسية.\n٣ - تحديد المسافة أو الغاية، وذلك إما بالمشاهدة أو بالذَّرْع.\n٤ - أن يكون العوض معلومًا ومباحًا؛ لأنه مال في عقد، فوجب العلم به وإباحته كسائر العقود.\n٥ - أن يكون العوض من غير المتسابقين؛ ليخرج بذلك عن شَبَه القمار، أما إذا كان منهما، أو من أحدهما، فلا تصح المسابقة.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>الباب الثامن عشر: العارية، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها:</span>\n١ - معناها: الإعارة: إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه. والعَارِيَّة: هي العين المأخوذة للانتفاع، كأن يستعير إنسانٌ من آخر سيارته ليسافر بها ثم يعيدها إليه.\n٢ - أدلة مشروعيتها: وهي مشروعة مستحبة؛ لعموم قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: ٢].\nوقال تعالى: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) [الماعون: ٧]، والمراد ما يستعير الجيران من بعضهم، كالأواني والقدور ونحو ذلك؛ فقد ذَمَّهم الله سبحانه لمنعهم العارية، فدلّ ذلك على أنها مستحبة مندوب إليها. وروى صفوان بن أمية - ﵁ -: (أن النبيَّ - ﷺ - استعار منه أدرعًا يوم حنين) (١). وعن أنس - ﵁ -: (أن النبيَّ - ﷺ - استعار فرسًا من أبي طلحة - ﵁ -) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>المسألة الثانية: شروطها:</span>\n١ - أن يكون المعير والمستعير أهلًا للتبرع شرعًا، والعينُ المعارة ملكًا للمعير.\n٢ - أن تكون العين المعارة مباحة النفع، فلا تصح الإعارة لغناء ونحوه، ولا تصح استعارة إناء من ذهب أو فضة للشرب فيه، وكذا سائر ما يحرم الانتفاع به شرعًا.\n٣ - أن تبقى العين المعارة بعد الانتفاع بها، فإن كانت من الأعيان التي تستهلك كالطعام، فلا تصح إعارتها.\n_________\n(١) رواه أحمد (٤/ ٢٢٢)، وأبو داود برقم (٣٥٦٣)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٥١٣).\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٦٢٧)، ومسلم برقم (٢٣٠٧).","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة بها:</span>\n١ - لا يجوز للمستعير إعارة العين التي استعارها، لأنه غير مالكٍ لها، وكذا لا يجوز له تأجيرها، إلا إذا أذن المالك في ذلك.\n٢ - أنها أمانةٌ في يد المستعير، يجب أن يحافظ عليها، ويردها سليمة، كما أخذها، فإن تعدى أو فَرط ضمنها.\n٣ - الإعارة عقد غير لازم، فللمعير الرجوع فيه متى شاء، ما لم يضر بالمستعير، فإن أضرَّ به لم يجز الرجوع.\n٤ - تنتهي الإعارة، وترد العارية بأمور:\n- مطالبة المالك بذلك، ولو لم يتحقق غرض المستعير منها.\n- وبانقضاء الغرض من العين المعارة.\n- انقضاء الوقت إذا كانت العارية مؤقتة.\n- موت المعير أو المستعير، لبطلان الإعارة بذلك.\n٥ - المستعير في استيفاء النفع كالمستأجر، له أن ينتفع بنفسه، وبمن يقوم مقامه، وذلك لملكه التصرف فيها بإذن مالكها.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>الباب التاسع عشر: إحياء الموات، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>المسألة الأولى: في معناه وحكمه:</span>\n١ - معناه: المَوَاتُ لغة: هو ما لا روح فيه، والمراد به الأرض التي لم تعمر ولا مالك لها.\nوفي الاصطلاح: هو الأرض المنفكَّة عن الاختصاصات وملك معصوم، فهو الأرض الخراب التي لم يَجْر عليها ملك لأحد، ولم يوجد فيها أثر عمارة. أو وجد فيها أثر ملك وعمارة، ولم يعلم لها مالك.\n٢ - حكمه وأدلته: والأصل فيه قوله - ﷺ -: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ) (١). والعرق الظالم: أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها غيره، فيغرس فيها، أو يزرع؛ ليستوجب بذلك الأرض.\nوقد يكون الإحياء مستحبا لحاجة الناس والدواب ونفعهم؛ لقوله - ﷺ -: (من أحيا أرضًا ميتة فله فيها أجر، وما أكله العَوَافي (٢) فهو له صدقة) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>المسألة الثانية: شروطه وما يحصل به:</span>\nيشترط لصحة إحياء الموات شرطان:\n١ - أنه لم يجر على الأرض ملك مسلم، فإن جرى ذلك حرم التعرض لها بالإحياء إلا بإذن شرعي.\n٢ - أن يكون المحيي مسلمًا، فلا يجوز إحياء الكافر مواتًا في دار الإسلام.\nويحصل الإحياء بأمور:\n١ - إذا أحاطه بحائط منيع مما جرت به العادة فقد أحياه؛ لقوله - ﷺ -: (من أحاط حائطًا على أرض فهي له) (٤).\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٣٠٧٣)، والترمذي برقم (١٣٧٨)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٥٥١).\n(٢) جمع العافية والعافي، وهو: كل طالب رزق من طير أو إنسان أو بهيمة.\n(٣) رواه الدارمي (٢/ ٢٦٧)، وأحمد (٣/ ٣١٣)، وصححه الألباني في الإرواء (٦/ ٤).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (٣٠٧٧) عن سمرة بن جندب، وصححه الشيخ الألباني (الإرواء ١٥٥٤).","vol":"1","page":261},{"text":"٢ - إذا حفر في الأرض الموات بئرًا، فوصل إلى الماء، فقد أحياها، وإن لم يصل إلى الماء فهو الأحق من غيره، وكذلك لو حفر فيها نهرًا.\n٣ - إذا أوصلَ إلى الأرض الموات ماءً أجراه من عين أو نهر أو غير ذلك، فقد أحياها بذلك.\n٤ - إذا غرس فيها شجرًا، وكانت قبل ذلك لا تصلح للغراس، فنقَّاها، وغرسها فقد أحياها.\n٥ - ومن العلماء من قال: إن الإحياء لا يقف عند هذه الأمور، ويرجع فيه إلى العرف، فما عدَّه الناس إحياء فهو إحياء، وما لا يُعَدُّ إحياء فلا يعتبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة به:</span>\n١ - من أحيا شيئًا من أرض الموات فقد ملكه؛ لعموم الأحاديث المتقدمة، ومنها قوله - ﷺ -: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له).\n٢ - حريم (١) المعمور لا يملك بالإحياء؛ لأن مالك المعمور يستحق مرافقه.\n٢ - لإمام المسلمين إقطاع الأرض الموات لمن يحييها؛ لحديث وائل بن حُجر: (أن النبي - ﷺ - أقطعه أرضا بحضرموت) (٢).\n٤ - يجوز للإمام أن يَحْمِي العشب في أرض الموات لإبل الصدقة وخيل المجاهدين، إذا احتاج إلى ذلك، ولم يكن فيه ضيق أو مضرَّة على المسلمين، وليس ذلك لأحد سوى إمام المسلمين، وهو مشروع للمصلحة العامة، ففي حديث الصعب بن جثامة مرفوعًا: (لا حمى إلا لله ولرسوله) (٣). ومعنى حماه: أي جعله حمىً، أي: محظورًا لا يقرب.\n_________\n(١) حريمُ الشيء: هو ما حوله من حقوقه ومرافقه، سُمي بذلك لأنه يحرم على غير مالكه أن يستبد بالانتفاع به.\n(٢) رواه الترمذي برقم (١٣٨١) وقال: حديث حسن، وصححه الشيخ الألباني (صحيح سنن الترمذي رقم ١١١٦).\n(٣) رواه البخاري برقم (٢٣٧٠).","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>الباب العشرون: الجعالة، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>المسألة الأولى: معناها وحكمها:</span>\n١ - معناها: الجِعَالَة: التزام عوض معلوم، على عمل معين، بقطع النظر عن فاعله.\nمثاله: أن يقول: مَن وجد سيارتي المفقودة فله ألف ريال.\n٢ - حكمها وأدلتها: وهي من العقود المباحة شرعًا، ويدل عليها قوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) [يوسف: ٧٢].\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: أن ناسًا من أصحاب النبي - ﷺ -، مرّوا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فلم يضيفوهم، فَلُدغَ سيِّدُ الحي، فقالوا للصحابة: هل فيكم من راق؟، قالوا: نعم، لكن لا نفعل إلاّ أن تجعلوا لنا جُعْلًا، فجعلوا لهم قطيع شياه، فرَقاه رجل منهم بفاتحة الكتاب فبرأ الرجل، فأتوهم بالشياه، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله - ﷺ -، فلما رجعوا سألوه، فقال لهم - ﷺ -: (خذوا منهم، واضربوا لي معكم بسهم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها:</span>\nويتعلق بالجعالة الأحكام الآتية:\n١ - يشترط في الملتزم بالجعل أن يكون صحيح التصرف، وفي العامل أن يكون قادرًا على العمل.\n٢ - أن يكون العمل مباحًا، فلا تصحُّ على محرم كغناء، أو صناعة خمر، أو نحوهما.\n٣ - ألا يوقت العمل بوقت محدد، فلو قال: من ردَّ جملي إلى نهاية الأسبوع فله دينار؛ لم يصح.\n٤ - أنها عقد جائز، لكلٍ من الطرفين فسخها، فإن فسخها الجاعل فللعامل أجرة المثل، وإن فسخها العامل فلا شيء له.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٢٧٦)، ومسلم برقم (٢٢٠١).","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>الباب الحادي والعشرون: اللقطة واللقيط، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>المسألة الأولى: معنى اللقطة وحكمها:</span>\n١ - معناها: اللُّقَطَةُ لغة: الشيء الملقوط، وهي اسم الشيء الذي تجده مُلقىً فتأخذه.\nوفي الشرع: هي أخذ مال محترم من مَضْيَعة؛ ليحفظه، أو ليتملكه بعد التعريف.\n٣ - حكمها وأدلتها: والأصل فيها حديث زيد بن خالد الجهني - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - سُئل عن لقطة الذهب أو الورق (الفضة) فقال: (اعرف وكاءها وعفاصها ثم عَرِّفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن عندك وديعة. فإن جاء طالبها يوما من الدهر فَأَدِّها إليه)، وسأله عن ضالة الإبل فقال: (مالك ولها، دعها فإن معها حذاءها، وسقاءها، تَرِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها)، وسأله عن الشاة فقال: (خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>المسألة الثانية: أقسام اللقطة:</span>\n١ - ما لا تتبعه همة الناس: كالسوط والرغيف، والثمرة والعصا، وهذا يجوز التقاطه، وللملتقط الانتفاع به، وتملُّكه بلا تعريف.\n٢ - ما يمتنع بنفسه من صغار السباع وغيرها: كالإبل، والخيل، والبقر، والبغال، وهذا يحرم التقاطه ولا يملكه ملتقطه بتعريفه، لقوله - ﷺ - في حديث زيد بن خالد المتقدم: (مالك ولها، دعها فإن معها حذاءها، وسقاءها، تَرِد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها).\n٣ - ما يجوز التقاطه، ويلزمُه تعريفه: كالذهب، والفضة، والمتاع، وما لا\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٣٧٢)، ومسلم برقم (١٧٢٢)، والوكاء: الخيط الذي تُشَد به الصُرة والكيس وغيرهما، والعِفَاص: الوعاء تكون فيه النفقة، من جلد أو غير ذلك. والمقصود: معرفة الملتقط بالعلامات حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها.","vol":"1","page":264},{"text":"يمتنع من صغار السباع كالغنم والدجاج ونحوهما، وذلك لحديث زيد بن خالد المتقدم. هذا لمن وثق في نفسه، وقدر على تعريفها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة بها:</span>\n١ - إذا كان الملقوط حيوانًا مأكولًا، فهو مخير بين أكله ودفع قيمته في الحال، أو بيعه، والاحتفاظ بقيمته لصاحبه بعد معرفة أوصافه، أو حفظه، والإنفاق عليه من ماله، ولا يملكه، ويرجع بنفقته على مالكه إذا جاء واستلمه، وإذا جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط فله أخذها.\n٢ - إذا كان الملقوط مما يخشى فساده كالفاكهة، فللملتقط أكله ودفع قيمته لمالكه، أو بيعه وحفظ ثمنه حتى يأتي مالكه.\n٣ - أما النقود والأواني والمتاع فيلزمه حفظ الجميع أمانة بيده والتعريف بها في مجامع الناس.\n٤ - لا يجوز أخذ اللقطة إلا إذا أمن على نفسه منها واستطاع أن يُعَرِّف بها؛ لأن التعريف باللقطة واجب، فإذا التقطها يعرف صفاتها، ثم يعرفها سنة كاملة، وذلك بالمناداة عليها في مجامع الناس، فإن جاء صاحبها ووصفها بما يطابق صفتها دفعها إليه، فإن لم يأت صاحبها بعد تعريفها عامًا كاملًا تكون ملكًا له.\n٥ - الملتقط يتملك اللقطة، بعد تعريفها ومرور الحول، لكن لا يتصرف فيها إلا بعد معرفة أوصافها. فمتى جاء طالبها بما ينطبق على تلك الأوصاف دفعها إليه بلا بينة ولا يمين؛ لأمره - ﷺ - بذلك في حديث زيد بن خالد المتقدم.\n٦ - لقطة الصبي والسفيه يتصرف فيها ولي أمرهما، بما سبق بيانه.\n٧ - لقطة الحرم لا تملك بحال، ويجب التعريف بها طول الدهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>المسألة الرابعة: في اللقيط:</span>\nاللَّقِيط: هو الطفل الذي يوجد منبوذًا في شارع، أو باب مسجد ونحوه، أو","vol":"1","page":265},{"text":"يضل عن أهله، ولا يعرف له نسب ولا كفيل.\nولا ينبغي ترك اللقيط، لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: ٢] فعموم الآية يدل على وجوب أخذ اللقيط، فالتقاطه والإنفاق عليه فرض على الكفاية، ولأن في أخذه إحياء لنفسه. وما وجد معه من المال فهو له، عملًا بالظاهر، ولأن يده عليه؛ وينفق عليه منه، فإن لم يكن معه مال أنفق عليه من بيت المال.\nواللقيط حرٌّ مسلم في جميع أحكامه، إلا إذا وجد ببلد الكفر، فإنه كافر.\nويثبت نسب اللقيط بإقرار من يدعيه ممن يمكن كونه منه، فإن تنازع فيه أكثر من واحد ولا بَيِّنة عرض على القَافَة (١).\nوالأحق بحضانة اللقيط واجده، بشرط أن يكون حرًا أمينًا عدلًا رشيدًا، ولا حضانة لكافر ولا فاسق على مسلم.\nويشترط في المُلْتقِط: العقل، والبلوغ، والحرية، والسلام، والعدالة، والرشد. فلا يصح التقاط الصبي، والمجنون، والعبد، والكافر للمسلم، والفاسق والسفيه.\n_________\n(١) جمع قَائِف، وهو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه. (النهاية: قوف).","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>الباب الثاني والعشرون: الوقف، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>المسألة الأولى: معناه وحكمه:</span>\n١ - معناه: الوقف حبسُ عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها، تقربًا إلى الله تعالى، فهو: حبس الأصل وتسبيل الثمرة.\nمثاله: أن يوقف دارًا ويؤجرها، ويصرف الأجرة على المحتاجين، أو المساجد، أو طباعة الكتب الدينية أو نحو ذلك.\n٢ - حكمه وأدلته: وهو من الأعمال المستحبة، والأصل فيه، ما ورد عن عمر - ﵁ -، أنه أصاب أرضًا بخيبر، فقال: يا رسول الله، أصبتُ أرضًا بخيبر، لم أصب مالًا قط أنفسُ عندي منه، فما تأمرني؟، قال: (إن شئتَ حبست أصلها، وتصدَّقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث) (١). وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (٢). فالمقصود بالصدقة الجارية: الوقف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة به:</span>\nويتعلق بالوقف الأحكام الآتية:\n١ - أن يكون الواقف جائز التصرف، عاقلًا بالغًا حرًا رشيدًا.\n٢ - كون الوقف مما ينتفع به انتفاعًا دائمًا مع بقاء عينه، وأن يُعَيِّنَه.\n٣ - أن يكون الوقف على بِرٍّ ومعروف، كالمساجد، والمساكين، وكتب العلم ونحو ذلك؛ لأنه قربة إلى الله تعالى، فيحرم الوقف على معابد الكفار، أو لشراء محرم.\n٤ - إذا تعطلت منافع الوقف، ولم يمكن الانتفاع به، فيباع، ويصرف ثمنه\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٧٣٧)، ومسلم برقم (١٦٣٢).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٦٣١).","vol":"1","page":267},{"text":"في مثله، فإن كان مسجدًا صرف ثمنه في مسجد آخر، أو كان دارًا بيعت، واشتُري بثمنها دار أخرى؛ لأن ذلك أقرب إلى مقصود الواقف.\n٥ - الوقف عقد لازم، يثبت بمجرد القول، ولا يجوز فسخه، ولا بيعه.\n٦ - أن يكون الموقوف معينًا، فلا يصح وقف غير المعين.\n٧ - أن يكون الوقف منجزًا، فلا يصح الوقف المعلق ولا المؤقت، إلا على موته.\n٨ - يجب العمل بشرط الواقف، إذا كان لا يخالف الشرع.\n٩ - إذا وقف على أولاده استوى فيه الذكور والإناث.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>الباب الثالث والعشرون: الهبة، والعطية، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>المسألة الأولى: معناها وأدلتها:</span>\n١ - معناها: الهبة هي التبرع من جائز التصرف في حياته لغيره، بمال معلوم أو غيره، بلا عوض.\n٢ - حكمها وأدلتها: والهبة مستحبة إذا قصد بها وجه الله، كالهبة لصالح، أو فقير، أو صلة رحم، فعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: (تهادوا تحابوا) (١). وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله - ﷺ - يقبل الهدية ويثيب عليها) (٢). وتكره إن كانت رياءً وسمعة ومباهاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>المسألة الثانية: شروط الهبة:</span>\nويتعلق بالهبة الأحكام الآتية:\n١ - أن تكون من جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد.\n٢ - أن يكون الواهب مختارًا، فلا تصح من المكره.\n٣ - أن يكون الموهوب مما يصح بيعه، فما لا يصح بيعه لا تصح هبته، مثل: الخمر، والخنزير.\n٤ - أن يقبل الموهوب له الشيء الموهوب، لأن الهبة عقد تمليك فافتقر إلى الإيجاب والقبول.\n٥ - أن تكون الهبة حالَّة منجزة، فلا تصح الهبة المؤقتة، مثل: وهبتك هذا شهرًا أو سنة؛ لأن الهبة عقد تمليك، فلا تصح مؤقتة.\n٦ - أن تكون بغير عوض، لأنها تبرع محض.\n_________\n(١) رواه البيهقي (٦/ ١٦٩)، وحسنه الألباني (الإرواء برقم ١٦٠١).\n(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٥٨٥).","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة بها:</span>\nويتعلق بالهبة الأحكام الآتية:\n١ - تلزم الهبة إذا قبضها الموهوب له بإذن الواهب، وليس للواهب الرجوع فيها لقوله - ﷺ -: (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) (١). إلا إذا كان أبًا، فإن له الرجوع فيما وهبه لابنه، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبيَّ - ﷺ - قال: (لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده) (٢).\n٢ - يجب على الأب المساواة بين أبنائه في الهبة، فلو خصَّ بعضهم بها، أو فاضل بينهم في العطاء دون رضاهم لم يصح ذلك، وإن رضوا صحت الهبة؛ وذلك لحديث النعمان بن بشير - ﵁ -: أنَّ أباه تصدق عليه ببعض ماله، فقال له النبي - ﷺ -: (أكلَّ ولدك أعطيتَ مثله؟) قال: لا، قال: (فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم) وفي رواية: (لا تشهدني على جور) (٣).\n٣ - إذا فاضل الأب في مرض موته بين أبنائه، أو خَصَّ أحدهم بعطية دون الآخرين، لم يصح إلا إذا أجاز ذلك بقية الورثة.\n٤ - تصح الهبة المعلقة، كأن يقول: إذا قدم المسافر، أو نزل المطر، وهبتك كذا.\n٥ - تصح هبة الدين لمن هو في ذمته، ويعتبر ذلك إبراء له.\n٦ - لا ينبغي ردُّ الهبة والهدية، وإن قَلَّتْ، وتسنُّ الإثابة عليها؛ لفعله - ﷺ -، فعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله - ﷺ - يقبل الهدية، ويثيب عليها) (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٦٢٢)، ومسلم برقم (١٦٢٠).\n(٢) رواه أبو داود برقم (٣٥٢٢)، والترمذي برقم (١٢٩٩) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه برقم (٢٣٧٧)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ١٦٢٤).\n(٣) رواه البخاري برقم (٢٥٨٧)، ومسلم برقم (١٦٢٣).\n(٤) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٥٨٥).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>ثامنًا: كتاب المواريث والوصايا والعتق</span>\nويشتمل على أربعة أبواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>الباب الأول: تصرفات المريض</span>\nالإنسان إذا كان صحيحًا ومعافى فإنه يتصرف في ماله بكل حرية، ولكن بحدود ما جاء به الشرع.\nأما إذا كان مريضًا، فلا يخلو المرض أن يكون غير مخوف، بمعنى أنه لا يخاف أن يموت بسببه كوجع الضرس والأصبع والصداع وآلام الجسم التي لا تؤثر، ويمكن شفاؤها وبرؤها، فهذا المريض يكون تصرفه لازمًا كتصرف الصحيح، فتصح عطيته، وهبته، من جميع ماله، وإنْ تطور إلى مرض مخوف ومات بسببه، فالعبرة بحاله عند العطية والهبة، وهو في هذه الحال في حكم الصحيح.\nأما إذا كان المرض مخوفًا، بأن يتوقع منه الموت كالأمراض الخبيثة والمستعصية، فإن تبرعاته في هذه الحال تنفذ من ثلثه لا من رأس المال، فإن كانت في حدود الثلث فما دون نفذت. وإن زادت على ذلك فإنها لا تنفذ إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت. لقوله - ﷺ -: (إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم) (١). فدل الحديث وما ورد بمعناه على أنه يجوز التصرف للمريض مرض الموت في ثلث المال؛ لأنَّ عطيته من رأس المال تضر بالورثة، فردت إلى الثلث كالوصية.\nأما إذا كان المرض مزمنًا، ولكنه غير مخوف، ولم يلزمه الفراش، كمرض السكر وغيره، ففي هذه الحال تصبح تبرعاته من جميع ماله كتبرعات الصحيح؛ لأنه لا يخاف منه تعجيل الموت، كالشيخ الكبير.\nأما إذا ألزمه الفراش، فلا تصح تبرعاته ولا وصاياه إلا في حدود الثلث لغير الوارث؛ لأنه مريض ملازم لفراشه يخشى عليه من الموت، فلا تعتبر تصرفاته وتبرعاته في هذه الحال كالمريض مرض الموت.\n_________\n(١) رواه ابن ماجه برقم (٢٧٠٩)، والدارقطني (٤/ ٤٥٠)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤) وهو حديث حسن، انظر إرواء الغليل (٦/ ٧٧).","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>الباب الثاني: الوصية، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها:</span>\n١ - تعريفها: الوصية لغة: معناها العهد إلى الغير، أو الأمر.\nوشرعًا: هبة الإنسان غيره عينًا، أو دينًا، أو منفعة، على أن يملك الموصى له الهبة بعد موت الموصي.\nوقد تشمل الوصية ما هو أعم من ذلك، فتكون بمعنى: الأمر بالتصرف بعد الموت -كما عرفها بعضهم بذلك- فتشمل الوصية لشخص بغسله، أو الصلاة عليه إمامًا، أو دفع شيء من ماله لجهة.\n٢ - أدلة مشروعيتها: وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع:\nلقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: ١٨٠].\nولما روى ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما حق امرئ مسلم، يبيت ليلتين، وله شيء يريد أن يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه) (١). وقد أجمع العلماء على جوازها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها:</span>\nويتعلق بالوصية الأحكام الآتية:\n١ - يجب على المسلم أن يُدَوِّن ما له وما عليه من الحقوق في وصيةٍ يبين فيها ذلك؛ لحديث ابن عمر السابق.\n٢ - تستحب الوصية بشيء من المال، يُصرف في طرق البر والخير والإحسان؛ ليصل إليه ثوابه بعد موته، فعن أبي الدرداء - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إنَّ الله تصدَّق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٧٣٨)، ومسلم برقم (١٦٢٧).","vol":"1","page":272},{"text":"حسناتكم، ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم) (١).\n٣ - جواز الوصية بالثلث فأقل، أما جواز الثلث: فلحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - حين سأل النبي - ﷺ - في مرض موته: أتصدق بثلثي مالي؟ قال: (لا)، قلت: فبالشطر؟ قال: (لا). قلت: فبالثلث؟ قال: (الثلث، والثلث كثير). وأما استحباب أقل من الثلث: فلقول ابن عباس ﵄: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإنَّ رسول الله - ﷺ - قال: (الثلث، والثلث كثير) (٢).\n٤ - أن الوصية لا تصح بأكثر من ثلث ما يملك لمن له وارث؛ لحديث سعد ابن أبي وقاص المتقدم، إلا إذا أجاز الورثة ذلك. أما إذا لم يكن له وارث فتصح بالمال كله.\n٥ - لا تصح الوصية لأحد من الورثة؛ لما روى أبو أمامة - ﵁ -، أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: (إن الله قد أعطى كلَّ ذي حق حقَّه، فلا وصية لوارث) (٣).\n٦ - تحرم الوصية بأمر فيه معصية؛ لأنها شُرِعت لزيادة حسنات الموصي، كما مضى في حديث أبي الدرداء.\n٧ - أن الدَّيْن والواجبات الشرعية كالزكاة والحج والكفارات مقدمة على الوصية لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١١]، وقال عليٌّ - ﵁ -: (قضى النبي - ﷺ - بالدين قبل الوصية).\n٨ - يشترط في الوصي أن يكون جائز التصرف في ماله، فيكون عاقلًا، بالغًا، حرًا، مختارًا.\n٩ - يحرم أن يوصِيَ لجهة معصية، كأن يوصي لمعابد الكفار، أو لشراء آلات\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الصفحة قبل السابقة.\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري (٥/ ٣٦٣)، ومسلم برقم (١٦٢٨).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٢٨٥٣)، والترمذي برقم (٢٢٠٣)، وابن ماجه برقم (٢٧١٣)، وصححه الشيخ الألباني (صحيح ابن ماجه رقم ٢١٩٣).","vol":"1","page":273},{"text":"اللهو أو نحو ذلك، وتكون وصية باطلة.\n١٠ - تستحب الوصية لمن له مال كثير ووارثه غير محتاج؛ لقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) [البقرة: ١٨٠]، والخير هو المال الكثير، وتكره لمن ماله قليل ووارثه محتاج؛ لقوله - ﷺ -: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). وكثير من أصحاب النبي - ﷺ - ماتوا، ولم يوصوا.\n١١ - تحرم الوصية إذا كان قصد الموصي المضارة بالورثة؛ لقوله تعالى: (غَيْرَ مُضَارٍّ) [النساء: ١٢].\n١٢ - لا يصح قبول الوصية ولا ملكها إلا بعد موت الموصي؛ لأن ذلك وقت ثبوت حقه، هذا إذا كانت الوصية لمعين، أما إن كانت لغير معين، كالفقراء والمساكين، أو على طلبة العلم، أو المساجد، ودور الأيتام، فإنها لا تحتاج إلى قبول وتلزم بمجرد الموت.\n١٣ - يجوز للموصي أن يرجع في وصيته أو بعضها، وله نقضها. قال عمر - ﵁ -: يغير الرجل ما شاء من وصيته (١).\n١٤ - تصح الوصية لكل شخص يصح تمليكه سواء أكان مسلمًا أم كافرًا. قال تعالى: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا) [الأحزاب: ٦].\n_________\n(١) سنن البيهقي: (٦/ ٢٨١). وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٧١) من قول عطاء وطاوس وأبي الشعثاء.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>الباب الثالث: في العتق، والكتابة، والتدبير، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>المسألة الأولى: في تعريف العتق، ومشروعيته، وفضله، وحكمة مشروعيته:</span>\n١ - تعريف العتق:\nالعِتْق لغة: بكسر العين وسكون التاء: الحرية والخلوص، مشتق مِنْ قولهم: عَتَق الفرس، إذا سبق، وعتق الفرخ: طار واستقل وخلص.\nوشرعًا: هو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، وإزالة الملك عنها، وتثبيت الحرية لها.\n٢ - أدلة مشروعيته:\nالأصل في مشروعية العتق: الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب، فقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢]، وقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) [المجادلة: ٣].\nوأما السنة: فعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: (من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار، حتى فَرْجَه بفرجِهِ) (١).\nوأجمعت الأمة على صحة العتق، وحصول القربة به إلى الله تعالى.\n٣ - فضله:\nالعتق من أفضل القربات وأجل الطاعات، لما جاء في فضل العتق من قوله تعالى: (فَكُّ رَقَبَةٍ) [البلد: ١٣] يعني: تخليص الشخص من الرقِّ، وقد ورد ذلك في معرض بيان الطريق التي فيها النجاة والخير لمن سلكها؛ ألا وهي: عتق الرقاب. وتقدم معنا حديث أبي هريرة - ﵁ - قبل قليل في فضل العتق، وعن أبي\nأمامة - ﵁ - أيضًا عن النبي - ﷺ - قال: (أيما امرئِ مسلم أعتق امرأ مسلمًا كان فكاكه من النار ...) الحديث (٢). والنصوص في فضَل العتق كثيرة جدًا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٢٥١٧)، ومسلم برقم (١٥٠٩) -٢٢، واللفظ له.\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (١٥٤٧) وصححه، وصححه الألباني (صحيح سنن الترمذي برقم ١٢٥٢).","vol":"1","page":275},{"text":"وعتق الرجل أفضل من عتق المرأة، والرقبة الأغلى ثمنًا والأنفس عند أهلها أفضل من غيرها.\n٤ - الحكمة من مشروعيته:\nشُرع العتق في الإسلام لغايات نبيلة، وحكم بليغة. فمن ذلك: أنه تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق، وملك نفسه، وتمكينه من التصرف في نفسه ومنافعه حسب إرادته واختياره.\nومنها: أن الله ﷿ جعله كفارة للقتل، والوطء في رمضان، والأيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>المسألة الثانية: أركان العتق، وشروطه، وصيغته وألفاظه:</span>\n١ - أركان العتق: أركانه ثلاثة:\nأ- المُعْتِق: وهو الشخص الذي وقع منه العتق لغيره.\nب- المُعْتَق: وهو الشخص الذي عُتق، أو وقع عليه العتق.\nج- الصيغة: وهي الألفاظ التي يقع بها العتق.\n٢ - شروطه: يشترط لصحة العتق ووقوعه ما يلي:\n- أن يكون المُعْتِق ممن يجوز تصرفه، وهو: البالغ العاقل الرشيد المختار، فلا يصح العتق من الصبي، ولا المجنون ولا المعتوه، ولا المكره؛ لقوله - ﷺ -: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ). ولا يصح عتق المكره، كما لا تصح سائر تصرفاته.\n- أن يكون مالكًا لمن يعتقه، فلا يصح العتق من غير المالك.\n- ألا يتعلق بالمعتَق حق لازم يمنع عتقه، كدين أو جناية، فلا يصح عتقه حتى يؤدي الدَّين، أو تدفع دية جنايته.\n- لابد أن يكون العتق بلفظ صريح، أو ما يقوم مقامه من الكنايات، ولا يكفي في ذلك مجرد النية؛ لأنه إزالة ملك فلا يحصل بالنية المجردة.","vol":"1","page":276},{"text":"٣ - صيغته وألفاظه:\n- ألفاظه إما صريحة، وهي ما كان بلفظ العتق، والتحرير، وما تصرَّف منهما، مثل: أنت حر، أو محرر، أو: عتيق، أو: معتق، أو: أعتقتك.\n- وإما كنائية، كقوله: اذهب حيث شئت، أو: لا سبيل لي عليك، أو: لا سلطان لي عليك، أو: اغرب، أو ابعد عني، أو: خليتك، ونحو ذلك. وهذه الكنايات لا يحصل العتق بها، إلا إذا نوى قائلها العتق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>المسألة الثالثة: من أحكام العتق:</span>\n١ - يجوز الاشتراك في العبد والأمة في الملك، بأن يملكه أكثر من شخص.\n٢ - إذا أعتق شخص نصيبه في عبد مشترك فقد عتق نصيبه من هذا العبد.\nوأما نصيب شريكه: فإن كان المعتق موسرًا عتق نصيب شريكه من العبد، وقوِّمت عليه حصة شريكه ودفع له القيمة. أما إذا كان الشريك المعتق معسرًا غير موسر، فلا يعتق نصيب شريكه، ويسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب هذا الشريك، فيعتق بعد تسليم ما عليه، ويكون في ذلك كالمكاتب.\nودليل ذلك: قوله - ﷺ -: (من أعتق شِرْكًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قُوِّم عليه العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) (١)، ولقوله - ﷺ -: (من أعتق نصيبًا -أو شقيصًا (٢) - في مملوك، فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قُوِّمَ عليه، فاستسعى (٣) به غير مشقوق عليه) (٤). والظاهر أن ذلك يكون باختيار العبد.\n٣ - يرثُ المعتقُ جميع مال من أعتقه دون العكس، لأن المعتَق ولاؤه لمن\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٢٥٢٢)، ومسلم برقم (١٥٠١).\n(٢) الشِّقص والشَّقيص: النصيب في العين المشتركة من كل شيء.\n(٣) يعني: طلب منه السعي في تحصيل القيمة ليخلص نفسه ويعتق.\n(٤) أخرجه البخاري برقم (٢٥٢٧)، ومسلم برقم (١٥٠٣).","vol":"1","page":277},{"text":"أعتقه، كما قال - ﷺ -: (الولاء لمن أعتق) (١). وقد جعل النبي - ﷺ - الولاء كالنسب، فقال: (الولاء لُحْمة (٢) كلحمة النسب) (٣).\n٤ - من ضرب عبده ظلمًا، أو ضربًا مبرحًا، أو مَثَّل به، أو أفسده، أو قطع له عضوًا أو نحو ذلك، فإنه يعتق عليه، لقوله - ﷺ -: (من ضرب غلامًا له حدًا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه) (٤). أما ما كان من ذلك ضربًا خفيفًا على سبيل التأديب فلا شيء فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>المسألة الرابعة: التدبير:</span>\n١ - تعريفه: التدبير هو تعليق عتق الرقيق بموت سيده.\nيقال: دبَّر الرجلُ عبده تدبيرًا: إذا أعتقه بعد موته، وكذا: أعتقه عن دُبُرٍ.\nوالمُدَبَّر: هو العبد الذي حصل له التدبير، سُمِّى بذلك؛ لأن عتقه جُعل دُبُرَ حياة سيِّده، فالموت يكون دبر الحياة.\n٢ - حكمه، ودليل ذلك:\nالتدبير جائز، وهو صحيح باتفاق العلماء، والأصل فيه حديث جابر - ﵁ -: أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دُبُرٍ، لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فقال: (من يشتريه مني)؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه (٥).\n٣ - من أحكام المدبر:\n- يجوز بيع المدبر مطلقًا للحاجة، وأجاز بعض أهل العلم بيعه مطلقًا للحاجة وغيرها؛ لما تقدم في حديث جابر.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٤٩٣)، ومسلم برقم (١٥٠٥).\n(٢) معناه: المخالطة في الولاء، وأنها تجري مجرى النسب في الميراث.\n(٣) أخرجه الشافعي في الأم (١٢٣٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٤١) وصححه، والبيهقي (١٠/ ٢٩٢) وصححه الألباني (صحيح الجامع برقم ٧١٥٧، والإرواء ٦/ ١٠٩).\n(٤) أخرجه مسلم برقم (١٦٥٧) -٣٠.\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٢٥٣٤)، ومسلم برقم (٩٩٧) واللفظ له.","vol":"1","page":278},{"text":"- المدبر يعتق من الثلث، لا من رأس المال؛ لأن حكمه حكم الوصية، فكلاهما لا ينفذ إلا بعد الموت.\n- ويجوز لسيده هبته، لأن الهبة مثل البيع.\n- يجوز للسيد وطء أمته المدبرة؛ لأنها مملوكته، وقد قال تعالى: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) [المؤمنون: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>المسألة الخامسة: المكاتَب:</span>\n١ - تعريفه:\nالكتابة والمكاتبة لغةً: مأخوذة من كَتَبَ بمعنى أوجب، وألزم.\nوشرعًا: هي إعتاق العبد نفسه من سيده بمال يكون في ذمته يُؤدَّى مؤجلًا.\nفالمكاتَب -بفتح التاء-: هو العبد الذي عُلِّق عتقه بمال يدفعه لسيده، وبكسرها: من تقع منه. وسميت كتابة، لأن السيد يكتب بينه وبين عبده كتابًا بما اتفقا عليه.\n٢ - حكم المكاتبة، ودليل ذلك:\nالكتابة جائزة مستحبة إذا طلبها العبد الصدوق المكتسب القادر على أداء المال الذي اشترطه عليه سيده، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: ٣٣].\n٣ - من أحكام المكاتبة:\n- يعتق العبد أو الأمة ويصيرا حرين متى أديا ما اتفقا عليه مع سيدهما، لقوله - ﷺ -: (المكاتبُ عبدٌ ما بقي عليه من مكاتبته درهم) (١). فمفهومه: أنه متى أدى ما عليه لم يعد عبدًا، ويصير حرًا بالأداء.\n- لا يُعتق العبد إلا إذا أدى جميع كتابته، للحديث الماضي.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (٣٩٢٦)، والترمذي برقم (١٢٦٠) وحسنه، واللفظ لأبي داود. وحسنه الألباني (الإرواء برقم ١٦٧٤).","vol":"1","page":279},{"text":"- ولاء المكاتب يكون لسيده إذا أدى ما عليه، لقوله - ﷺ -: (الولاء لمن أعتق) (١).\n- على السيد أن يضع عن المكاتب شيئًا من المال الذي كاتبه عليه، لقوله تعالى: (وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ) [النور: ٣٣]. قال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: ضعوا عنهم من مكاتبتهم (٢). ويخير السيد بين وضعه عنه وأخذه منه، ودفعه إليه.\n- يُجعل المال على المكاتب منجَّمًا (٣)، نجمين فصاعدًا، على أن تكون النجوم معلومة، ويعلم في كل نجم قدر المال المؤدى.\n- ليس للمكاتب أن يتزوج إلا بإذن سيده، لقوله - ﷺ -: (أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر) (٤). ولا يتسرى كذلك إلا بإذنه.\n- يجوز بيع المكاتب، وتبقى الكتابة عليه في يد مشتريه، فإن أدى ما عليه عتق، ويكون ولاؤه لمشتريه، لقوله - ﷺ - لعائشة في قصة بريرة: (اشتريها وأعتقيها ... فإن الولاء لمن أعتق) (٥).\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الصفحة قبل السابقة.\n(٢) أخرجه البيهقي في سننه (١٠/ ٣٣٠). وانظر المغني لابن قدامة (١٠/ ٣٤٢).\n(٣) النجم: هو الوقت الذي يحل فيه الأداء، يقال: نَجمت عليه الدين إذا جعلته نجمًا نجمًا.\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (٢٠٧٨)، والترمذي برقم (١١١١) وحسَّنه، وحسنه الألباني (صحيح سنن الترمذي برقم ٨٨٧). ومعنى عاهر: زانٍ.\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٢٥٦٥)، ومسلم برقم (١٥٠٤) -١٢","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>الباب الرابع: الفرائض، والمواريث، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>المسألة الأولى: معناها والحث على تعلمها:</span>\nعلم الفرائض من أهم العلوم، فيجب على المسلمين الاهتمام به والتفقه فيه؛ لأن الحاجة ماسة إليه.\nويسمى هذا العلم بالفرائض جمع فريضة، مأخوذة من الفرض وهو التقدير، كما قال تعالى: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: ٢٣٧] أي قدرتم.\nوالفرض في الشرع: نصيب مقدر شرعًا لمستحقه. وعلم الفرائض: هو العلم بالمواريث من حيث فقه أحكامها ومعرفة الحساب الموصل إلى قسمتها.\nوالمواريث: جمع ميراث، وهو الحق المخلَّف عن الميت المنقول إلى الوارث.\nويجب على المسلم أن يهتم بشأن المواريث، ولا يتصرف فيها تصرفًا يغيرها عن وضعها الشرعي، فيورث غير الوارث أو يحرم الوارث من جميع حقوقه أو بعضها، فيعرض نفسه بذلك لسخط الله، وعقابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>المسألة الثانية: الحقوق المتعلقة بالتركة وأسباب الميراث وموانعه:</span>\n١ - حقوق التركة: التركة هي ما يتركه الميت من الأموال النقدية، والعينية، والحقوق. ويتعلق بتركة الميت أربعة حقوق:\n١ - مؤنة تجهيزه من ثمن كفن، وحنوط وأجرة دفن وغسل وغير ذلك.\n٢ - قضاء الديون، وديون الله مقدمة كالزكاة، وصدقة الفطر، والكفارة، والنذر، ثم ديون الآدميين.\n٣ - إخراج الوصايا بشرط أن تكون في حدود الثلث فأقل.\n٤ - الإرث، فيقسم ما بقي بعد ذلك على ورثته القسمة الشرعية.\nوالإرث: هو انتقال مال الميت من بعده إلى حيٍّ، حسبما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.","vol":"1","page":281},{"text":"وقد يتعلق بالتركة حق للغير حال الحياة، وهي الحقوق العينية، كحق البائع في تسلم المبيع، وحق الراهن في المرهون، فهي تقدم على تجهيز الميت؛ لتعلقها بعين المال قبل صيرورته تركةً.\n٢ - أسباب الإرث: أسباب الإرث ثلاثة، وهي:\nالأول: النكاح، وهو عقد الزوجية الصحيح بشاهدين وولي، ولو لم يحصل به وطء ولا خلوة، لعموم قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) [النساء: ١٢].\nالثاني: النسب، أي القرابة من الميت، وهي: الاتصال العضوي بين إنسان وآخرين بولادة قريبة أو بعيدة، وتشمل الأصول، والفروع، والحواشي.\nفالأصول: هم الآباء والأجداد وإن علوا بمحض الذكور، والفروع: هم الأولاد وأولاد البنين وإن نزلوا، والحواشي: هم الإخوة وبنوهم وإن نزلوا، والأعمام وإن علوا، وبنوهم وإن نزلوا.\nالثالث: الولاء، وهو رابطة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، ولا يرث العتيق معتقه بالإجماع، فانحصرت أسباب الإرث في اثنين: النسب، والزواج الصحيح.\n٣ - موانع الإرث: موانع الإرث ثلاثة:\n١ - القتل: اتفق العلماء على أن القتل العمد المحرم مانع من الميراث، فمن قتل مورثه ظلمًا لا يرثه؛ لقوله - ﷺ -: (ليس للقاتل من الميراث شيء) (١).\n٢ - الرِّق: فلا يرث العبد قريبه؛ لأنه إذا ورث شيئًا فسيكون لسيده دونه، وهو كذلك لا يُوَرَّث؛ لأنه لا مِلك له.\n٣ - اختلاف الدين بين المورث والوارث: فإن ذلك مانع من الميراث؛ لقوله - ﷺ -: (لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر) (٢).\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني برقم (٤١٠٢)، والبيهقي (٦/ ٢٢٠)، وصححه الألباني (إرواء الغليل رقم ١٦٧١).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (١٦١٤).","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>المسألة الثالثة: أقسام الورثة:</span>\nالورثة على قسمين: ذكور، وإناث.\nفالوارثون من الذكور عشرة:\n١ - ٢ - الابن وابنه وإن نزل، لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: ١١].\n٣ - ٤ - الأب وأبوه وإن علا، كأبي الأب وأبي الجد؛ لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) [النساء: ١١]. والجد أب وقد أعطاه النبي - ﷺ - السدس.\n٥ - الأخ من أي الجهات كان، سواء أكان شقيقًا أو لأب أو لأم؛ لقوله تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ) [النساء: ١٧٦]. وقال تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) [النساء: ١٢].\n٦ - ابن الأخ لغير أم، أما ابن الأخ لأم فلا يرث؛ لأنه من ذوي الأرحام.\n٧ - ٨ - العم وابن العم من أبيه شقيقًا أو لأب، لا لأم فإنه من ذوي الأرحام.\n٩ - الزوج؛ لقوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) [النساء: ١٢].\n١٠ - المعتق أو من يحل محله؛ لقوله - ﷺ -: (الولاء لُحْمَةٌ كلحمة\nالنسب) (١). وقوله - ﷺ -: (إنما الولاء لمن أعتق) (٢).\nأما الوارثات من النساء فسبع:\n١ - ٢ - البنت وبنت الابن وان نزل أبوها لمحض الذكور؛ لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) [النساء: ١١].\n_________\n(١) رواه الشافعي في الأم (١٢٣٢)، والحاكم (٤/ ٣٤١)، والبيهقي (١٠/ ٢٩٢)، وصححه الألباني في الإرواء (٦/ ١٠٩). واللُّحمة: القرابة.\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٥٦٥)، ومسلم برقم (١٥٠٤).","vol":"1","page":283},{"text":"٣ - الأم؛ لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) [النساء: ١١].\n٤ - الجدة؛ وقد فرض لها النبي - ﷺ - السدس؛ لحديث بريدة ﵁: (أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس، إذا لم يكن دونها أم) (١)، فهي ترث، بشرط عدم وجود الأم.\n٥ - الأخت؛ من أي الجهات كانت شقيقة أو لأب أو لأم، لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) [النساء: ١٢]. وقال تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ) [النساء: ١٧٦]. وقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) [النساء: ١٧٦].\n٦ - الزوجة؛ لقوله تعالى: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) [النساء: ١٢].\n٧ - المعتِقة؛ لقوله - ﷺ -: (إنما الولاء لمن أعتق) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>المسألة الرابعة: أقسام الورثة باعتبار الإرث:</span>\nالقسم الأول: من يرث بالفرض -أي النصيب المقدر- فقط، وهم سبعة: الزوجان، والجدتان، والأم، وولداها.\nالقسم الثاني: من يرث بالتعصيب -أي بلا تقدير- فقط، وهم اثنا عشر: الابن وابنه، والأخ الشقيق وابنه، والأخ لأب وابنه، والعم الشقيق وابنه، والعم لأب وابنه، والمعتق والمعتقة.\nالقسم الثالث: من يرث بالتعصيب تارة، وبالفرض أخرى، ويجمع بينهما، وهما: الأب والجد.\nالقسم الرابع: من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب أخرى، ولا يجمع بينهما، وهم: أصحاب النصف، ما عدا الزوج، وأصحاب الثلثين.\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٢٨٩٤)، وابن ماجه برقم (٢٧٢٤)، والترمذي برقم (٢١٠١)، قال الحافظ ابن حجر: \"صححه ابن خزيمة وابن الجارود، وقوَّاه ابن عديّ\". (بلوغ المرام رقم ٨٩٦).\n(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٥٦١)، وهو قطعة من حديث عتق بريرة.","vol":"1","page":284},{"text":"وجملة أصحاب الفروض واحد وعشرون:\nوالفروض المعينة لأصحاب الفروض ستة، هي: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.\n• أولًا: أصحاب النصف وهم خمسة:\n١ - الزوج: عند عدم الفرع الوارث ذكر أو أنثى من الزوج أو من غيره.\n٢ - البنت: عند انفرادها عمن يشاركها من أخواتها، وانفرادها عمن يعصبها من إخوتها.\n٣ - بنت ابن: عند عدم المشارك والمعصب، والفرع الوارث.\n٤ - الأخ الشقيق: عند عدم المعصب والمشارك والفرع الوارث، والأصل الوارث.\n٥ - الأخت لأب: عند عدم المعصب والمشارك والفرع الوارث، والأصل الوارث والأخ الشقيق والأخت الشقيقة.\n• ثانيًا: أصحاب الربع وهم اثنان:\n١ - الزوج: يستحقه عند وجود الفرع الوارث.\n٢ - الزوجة: تستحقه عند عدم الفرع الوارث.\n• ثالثًا: أصحاب الثمن: الزوجة فأكثر، عند وجود الفرع الوارث.\n• رابعًا: أصحاب الثلثين أربعة وهم:\n١ - البنات: عند عدم المعصب، وهو ابن الميت لصلبه في حالة كونهن اثنتين فأكثر، كونهن جمعًا.\n٢ - بنات الابن: عند عدم المعصب وهو ابن الابن، وعدم الفرع الوارث، وهو الابن، وأن يكن اثنتين فأكثر.\n٣ - الأخوات الشقائق: أن يكن اثنتين فأكثر وعدم المعصب لهما وهو الأخ الشقيق فأكثر، وعدم الفرع الوارث، وهم الأولاد وأولاد البنين.","vol":"1","page":285},{"text":"٤ - الأخوات لأب: أن يكن اثنتين فأكثر، عند عدم المعصب، وعدم الفرع الوارث، وعدم الأشقاء والشقائق.\n• خامسًا: أصحاب الثلث اثنان وهم:\n١ - الأم: تستحقه عند عدم الفرع الوارث وعدم الجمع من الأخوة والأخوات.\n٢ - الأخوة لأم: أن يكونوا اثنين فأكثر، وعدم الفرع الوارث من الأولاد وأولاد البنين، وعدم الأصل الوارث من الذكور وهما الأب والجد.\n• سادسًا: أصحاب السدس سبعة وهم:\n١ - الأب: عند وجود الفرع الوارث من الأولاد وأولاد البنين.\n٢ - الجد: عند وجود الفرع الوارث من الأولاد وأولاد البنين.\n٣ - الأم: عند وجود الفرع الوارث وعند وجود الجمع من الأخوة.\n٤ - الجدة: عند عدم وجود الأم.\n٥ - بنت الابن: عند عدم المعصب وعدم الفرع الوارث الذي أعلى منها، سوى صاحبة النصف، فإنها لا تأخذ السدس إلا معها.\n٦ - الأخت لأب: عند عدم المعصب وهو أخوها، وأن تكون مع أخت شقيقة وارثة للنصف فرضًا.\n٧ - الأخ أو الأخت لأم: عند عدم الفرع الوارث، وعدم الأصل من الذكور الوارثين، وأن يكون منفردًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>المسألة الخامسة: في التعصيب:</span>\nالعَصَبَةُ: هم الذين يرثون بلا تقدير؛ لأن العاصب إذا انفرد حاز جميع المال، وإذا كان معه صاحب فرض أخذ ما بقي بعد الفرض.\nلقول النبي - ﷺ -: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ) (١).\nيعني: أقرب رجل.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٦٧٣٢)، ومسلم برقم (١٦١٥).","vol":"1","page":286},{"text":"والعصبة على ثلاثة أقسام: عصبة بالنفس، وعصبة بالغير، وعصبة مع الغير.\n١ - العصبة بالنفس: هم الابن وابنه وإن نزل، والأب والجد من قبل الأب وإن علا، والأخ الشقيق والأخ لأب وابناهما من قبل الأب وإن علا، والأخ الشقيق والأخ لأب وابناهما وإن نزلا، والعم الشقيق والعم لأب وإن علوا وابناهما وإن نزلا، والمعتق والمعتقة، فمن انفرد منهم حاز جميع المال، وإذا كانوا مع أصحاب الفروض يأخذون ما بقي، وإن لم يبق شيء أسقطوا.\n٢ - العصبة بالغير: وهم البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة والأخت لأب، كل واحدة منهن مع أخيها، وتزيد بنت الابن بأنه يعصبها ابن ابن في درجتها مطلقًا أخوها أو ابن عمها وابن الابن الذي هو أنزل منها إذا احتاجت إليه. ومن عداهم من الذكور لا ترث أخواتهم معهم شيئًا كأبناء الإخوة والأعمام وأبناء الأعمام.\n٣ - العصبة مع الغير: وهم الأخوات الشقيقات مع البنات وبنات الابن، وإذا اجتمع عاصبان فأكثر، فإن اتحدا في الجهة والقوة والدرجة اشتركا في الميراث كالأبناء والأخوة، وإن اختلفا في الجهة يقدم الأقوى كالابن والأب، وإن اتحدا في الجهة واختلفا في الدرجة يقدم الأقرب درجة، كالابن مع ابن الابن، وإن اتحدا في الجهة والدرجة، واختلفا في القوة، فيقدم الأقوى، كالأخ الشقيق مع الأخ لأب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>المسألة السادسة: الحجب:</span>\nالحجب هو: المنع من كل الميراث أو بعضه لوجود شخص آخر أحق منه.\nوهو على قسمين:\n١ - حجب الأوصاف: ويكون فيمن اتصف بأحد موانع الإرث: الرِّق، أو القتل، أو اختلاف الدين، فمن اتصف بواحدة من هذه الأوصاف لم يرث","vol":"1","page":287},{"text":"ووجوده كالعدم، ويدخل على جميع الورثة.\n٢ - حجب الأشخاص: وينصرف إليه اسم الحجب عند الإطلاق. وهو على قسمين:\nالأول: حجب الحرمان: وهو منع شخص معين من الإرث بالكلية، ويدخل على جميع الورثة ما عدا ستة: الأب والأم، والزوج والزوجة، والابن والبنت.\nالثاني: حجب نقصان: وهو منعه من إرث أكثر إلى إرث أقل.\nوسبب هذا الحجب: وجود شخص أحق منه، ولذلك سُمِّي حجب الأشخاص. وهو سبعة أنواع:\n١ - انتقال من فرض إلى فرض أقل منه، وهذا في حق من له فرضان، كالزوجين، والأم، وبنت الابن، والأخت لأب.\n٢ - الانتقال من فرض إلى تعصيب، وهذا في حق ذوات النصف والثلثين، إذا كان معهن من يعصبهن.\n٣ - انتقال من تعصيب إلى فرض أقل منه، وهذا في حق الأب والجد من الإرث بالتعصيب إلى الإرث بالفرض.\n٤ - انتقال من تعصيب إلى تعصيب أقل منه، وهو في حق الأخت الشقيقة أو لأب، فإن لهما مع أخيهما أقل مما لهما مع البنت أو بنت الابن.\n٥ - المزاحمة في الفرض، كازدحام الزوجين في الربع والجدات في السدس.\n٦ - المزاحمة في التعصيب، كازدحام العصبات في المال أو فيما أبقت الفروض.\n٧ - المزاحمة في العَوْل (١) في حق ذوي الفروض في الأصول التي يدخلها العول.\nوعلى هذا نقول: إن من أدلى (٢) بواسطة حجبته تلك الواسطة والأصول، لا يحجبهم إلا الأصول، والفروع لا تحجبهم إلا فروع أعلى منهم، والحواشي تحجبهم الأصول والفروع والحواشي.\n_________\n(١) العَوْل: هو الزيادة في سهام ذوي الفروض، والنقصان من مقادير أنصبتهم في الإرث.\n(٢) الإدلاء: هو الاتصال بالميت، إما مباشرة بالنفس كالأب والأم، والابن والبنت، وإما بواسطة كابن الابن بالابن، وبنت الابن بالابن.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>المسألة السابعة: في ذوي الأرحام:</span>\nذوو الأرحام: هم كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة، وهم على أربعة أصناف:\n١ - من ينتمي إلى الميت، وهم أولاد البنات وأولاد بنات البنين، وإن نزلوا.\n٢ - من ينتمي إليهم الميت، وهم الأجداد الساقطون والجدات السواقط، وإن علوا.\n٣ - من ينتمي إلى أبوي الميت، وهم أولاد الأخوات وبنات الأخوة وأولاد الأخوة لأم ومن يدلي بهم، وإن نزلوا.\n٤ - من ينتمي إلى أجداد الميت وجداته، وهم الأعمام للأم والعمات مطلقًا وبنات الأعمام مطلقًا والأخوال وإن تباعدوا وأولادهم، وإن نزلوا. ودليل توريثهم قوله تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) [الأنفال: ٧٥]. وقال - ﷺ -: (الخال وارث من لا وارث له) (١). وكيفية توريثهم أن ينزل كل واحد منهم منزلة من أدلى به، فيجعل له نصيبه. والله أعلم\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٨)، وأبو داود برقم (٢٨٩٩)، والترمذي برقم (٢١٠٣) وقال: \"حديث حسن صحيح\"، وصححه الشيخ الألباني (صحيح سنن الترمذي برقم ١٧٠٩).","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>تاسعًا: كتاب النكاح والطلاق</span>\nويشتمل على أحد عشر بابًا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>الباب الأول: في النكاح، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>المسألة الأولى: تعريف النكاح، وأدلة مشروعيته:</span>\nأ- تعريف النكاح:\nالنكاح لغة: الضم والجمع والتداخل، يقال: مأخوذ من: تناكحت الأشجار، إذا انضم بعضها إلى بعض، أو من: نكح المطر الأرض، إذا اختلط بثراها.\nوشرعًا: عقد يتضمن إباحة استمتاع كل من الزوجين بالآخر، على الوجه المشروع.\nب- أدلة مشروعية النكاح:\nالأصل في مشروعية النكاح: الكتاب والسنة والإجماع.\nفقد دل على مشروعية النكاح آيات كثيرة: منها قوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣]. وقوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى (١) مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) [النور: ٣٢].\nوأحاديث كثيرة، منها حديث ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة (٢) فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) (٣). وحديث معقل بن يسار - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم) (٤).\nوقد أجمع المسلمون على مشروعية النكاح.\n_________\n(١) الأيامى جمع أيم وهو من لا زوج له من الرجال، ومن لا زوج لها من النساء. (النظم المستعذب ٢/ ١٢٦).\n(٢) الباءة: النكاح والتزوج، والمقصود هنا: تكاليف الزواج ومؤنه.\n(٣) رواه البخاري برقم (٥٠٦٦)، ومسلم برقم (١٤٠٠)، والمراد بالصوم وجاء: أي قاطع لشهوة النكاح.\n(٤) رواه أبو داود برقم (٢٠٣٥)، والنسائي برقم (٦٥١٦) وصححه الألباني، انظر: (صحيح النسائي رقم ٣٠٢٦).","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>المسألة الثانية: الحكمة في مشروعية النكاح:</span>\nلقد شرع الله ﷾ النكاح لحكم سامية يمكن إجمالها في الآتي:\n١ - إعفاف الفروج؛ إذ خلق الله تعالى هذا الإنسان، وغرز في كيانه الغريزة الجنسية، فشرع الله الزواج؛ لإشباع هذه الرغبة، ولعدم العبث فيها.\n٢ - حصول السكن والأنس بين الزوجين وحصول الراحة والاستقرار. قال تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم: ٢١].\n٣ - حفظ الأنساب وترابط القرابة والأرحام بعضها ببعض.\n٤ - بقاء النسل البشري، وتكثير عدد المسلمين، لإغاظة الكفار بهم، ولنشر دين الله.\n٥ - الحفاظ على الأخلاق من الهبوط والتردي في هاوية الزنى والعلاقات المشبوهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>المسألة الثالثة: حكم النكاح واختيار الزوجة:</span>\n١ - حكم النكاح: يختلف حكم النكاح من شخص لآخر:\nأولًا: يكون واجبًا إذا كان الشخص يخاف على نفسه من الوقوع في الزنى؛ وكان قادرًا على تكاليف الزواج ونفقاته؛ لأن الزواج طريق إعفافه، وصونه عن الوقوع في الحرام. فإن لم يستطع فعليه بالصوم، وليستعفف حتى يغنيه الله من فضله.\nثانيًا: يكون مندوبًا مسنونًا إذا كان الشخص ذا شهوة ويملك مؤنة النكاح، ولا يخاف على نفسه الزنى، لعموم الآيات والأحاديث الواردة في الحث على الزواج والترغيب فيه.\nثالثًا: يكون مكروهًا إذا كان الشخص غير محتاج إليه، بأن كان عِنِّينًا، أو كبيرًا، أو مريضًا لا شهوة لهما. والعِنِّين: الذي لا يقدر على إتيان النساء، أو لا يشتهيهن.","vol":"1","page":292},{"text":"٢ - اختيار الزوجة ومقومات ذلك:\nويسن نكاح المرأة ذات الدين والعفاف والأصل الطيب والحسب والجمال؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يَدَاكَ) (١). فيحرص على ذات الدين في المقام الأول، ويجعل ذلك أساس الاختيار لا غيره، ويسن أيضًا اختيار الزوجة الولود، لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) (٢). ويسن اختيار البكر؛ لحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: (فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك) (٣)، إلا إذا كانت هناك مصلحة ترجح نكاح الثيب، فيقدمها على البكر؛ ويختار الجميلة؛ لأنها أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأَدْعى لمودته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>المسألة الرابعة: من أحكام الخطبة، وآدابها:</span>\nالخِطبة: هي إظهار الرغبة في الزواج بامرأة معينة، وإعلام وليها بذلك.\nومن أحكام الخطبة وآدابها:\n١ - تحرم خطبة المسلم على خطبة أخيه الذي أجيب لطلبه ولو تعريضًا، وعلم الثاني بإجابة الأول؛ لقوله - ﷺ -: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك) (٤)؛ وذلك لما في التقدم للخطبة من الإفساد على الأول، وإيقاع العداوة.\n٢ - يحرم التصريح بخطبة المعتدة البائن؛ لقوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) [البقرة: ٢٣٥] فيجوز له\n_________\n(١) متفق عليه. رواه البخاري برقم (٥٠٩٠)، ومسلم برقم (١٤٦٦). ومعنى (تربت يداك): أي افتقرت يداك، والتصقت بالتراب. وهي كلمة يراد بها الحث والتحريض، لا الدعاء.\n(٢) تقدم تخريجه في الصفحة قبل السابقة.\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٥٠٧٩)، ومسلم برقم (٧١٥).\n(٤) رواه البخاري برقم (٥١٤٤).","vol":"1","page":293},{"text":"التعريض، كأن يقول: وددت أن ييسر الله لي امرأة صالحة، أو: إني أريد الزواج، فنَفْي الحرج عن المعرِّض بالخطبة يدل على عدم جواز التصريح، فقد يحملها الحرص على الزواج على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها. وأما المعتدة الرجعية، فيحرم حتى التعريض؛ لأنها في حكم الزوجات.\n٣ - من استشير في خاطب أو مخطوبة وجب عليه أن يذكر ما فيهما من محاسن ومساوئ، ولا يكون ذلك من الغيبة، بل من النصيحة المرغب فيها شرعًا.\n٤ - الخطبة مجرد وعد بالزواج، وإبداء الرغبة فيه، وليست زواجًا، لذا يبقى كل من الخاطب والمخطوبة أجنبيًا عن الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>المسألة الخامسة: حكم النظر إلى المخطوبة:</span>\nمن أراد أن يخطب امرأة يشرع ويسن له النظر إلى ما يظهر منها عادة، كوجهها وكفيها وقدميها، لحديث سهل بن سعد - ﵁ -: (أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - قالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه) (١). وحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: كنت عند النبي - ﷺ - فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار. فقال له رسول الله - ﷺ -: (أنظرت إليها؟)، قال: لا، قال: (فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئًا) (٢).\nوحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل). قال: فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها (٣).\nوالحكمة من ذلك: أن النظر أدعى لحظوتها في نفسه، ومن ثم أدعى للألفة\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٠٨٧)، ومسلم برقم (١٤٢٥).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٤٢٤). و(شيئًا): قيل: المراد صغر، وقيل: زرقة.\n(٣) رواه أبو داود برقم (٢٠٨٢)، وأحمد (٣/ ٣٣٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٥) وقال: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي، وصححه الشيخ الألباني. (السلسلة الصحيحة رقم ٩٩).","vol":"1","page":294},{"text":"والمحبة ودوام المودة بينهما، كما في قوله - ﷺ - للمغيرة وقد خطب امرأة: (انظر إليها فإنه أحرى أن يُؤْدَمَ بينكما) (١). أي: تكون بينكما المحبة والاتفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>المسألة السادسة: شروط النكاح وأركانه:</span>\n١ - شروط النكاح: يشترط في النكاح الآتي:\n١ - تعيين كل من الزوجين: فلا يصح عقد النكاح على واحدة لا يُعيِّنها كقوله: \"زوجتك بنتي\" إن كان له أكثر من واحدة، أو يقول: \"زوجتها ابنك\" إن كان له عدة أبناء. بل لا بد من تعيين ذلك بالاسم: كفاطمة ومحمد، أو بالصفة: كالكبرى أو الصغرى.\n٢ - رضا كل من الزوجين بالآخر: فلا يصح نكاح الإكراه؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن) (٢).\n٣ - الولاية في النكاح: فلا يعقد على المرأة إلا وليها؛ لقوله - ﷺ -: (لا نكاح إلا بولي) (٣)، ويشترط في الولي أن يكون: رجلًا، بالغًا، عاقلًا، حرًا، عدلًا ولو ظاهرًا.\n٤ - الشهادة على عقد النكاح: فلا يصح إلا بشاهدي عدل مسلمين، بالغين، عدلين، ولو ظاهرًا؛ لقول النبي - ﷺ -: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان غير ذلك فهو باطل) (٤). قال الترمذي: (العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود ..). واشتراط الشهادة في النكاح احتياط للنسب خوف الإنكار.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي برقم (١٠٨٧) وقال: حسن. وابن ماجه برقم (١٨٦٥)، وصححه الألباني (صحيح سنن الترمذي رقم ٨٦٨)\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٥١٣٦)، ومسلم برقم (١٤١٩).\n(٣) رواه الترمذي برقم (١١٠١)، وأبو داود برقم (٢٠٨٥)، وابن ماجه برقم (١٩٠٧، ١٩٠٨)، وصححه الشيخ الألباني (صحيح سنن ابن ماجه رقم ١٥٣٧، ١٥٣٨).\n(٤) رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٠٧٥)، وصححه ابن حزم في المحلى (٩/ ٣٤٦٥).","vol":"1","page":295},{"text":"٥ - خلو الزوجين من الموانع التي تمنع من الزواج، من نسب أو سبب، كرضاع ومصاهرة واختلاف دين، ونحو ذلك من الأسباب؛ كأن يكون أحدهما محرمًا بحج، أو عمرة.\n٢ - أركان النكاح: وأركان النكاح التي بها قوامه ووجوده هي:\n١ - العاقدان: وهما الزوج والزوجة الخاليان من موانع الزواج التي سبقت الإشارة إليها، والآتي ذكرها في بحث المحرمات.\n٢ - الإيجاب: وهو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه (وكيلًا) بلفظ إنكاح أو تزويج.\n٣ - القبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، بلفظ: قبلت، أو: رضيت هذا الزواج.\nولا بد من تقدم الإيجاب على القبول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>المسألة السابعة: المحرمات في النكاح:</span>\nالمحرمات في النكاح قسمان: قسم التحريم المؤبد، وقسم التحريم المؤقت.\nالقسم الأول: المحرمات تأبيدًا:\nيحرم تأبيدًا أربع عشرة امرأة، سبع يحرمن بالنسب وسبع بالسبب. ويقصد بالتأبيد عدم جواز نكاحهن أبدًا، مهما كانت الأحوال. ولهذه الحرمة ثلاثة أسباب: القرابة، والمصاهرة، والرضاع.\nأولًا: المحرمات بالقرابة:\n١ - الأم وأم الأم وأم الأب. ويعبر عنهن بأصول الإنسان.\n٢ - البنت وبنت البنت وبنت الابن. ويعبر عنهن بفروع الإنسان.\n٣ - الأخت الشقيقة أو الأخت لأب أو الأخت لأم. ويعبر عنهن بفروع الأبوين.\n٤ - بنت الأخ الشقيق، وبنت الأخ لأب وبنت الأخ لأم.","vol":"1","page":296},{"text":"٥ - بنت الأخت الشقيقة أو لأب أو لأم.\n٦ - العمة وهي أخت الأب، ومثلها عمة الأب وعمة الأم. ويعبر عنهن بفروع الجدين من جهة الأب.\n٧ - الخالة وهي أخت الأم ومثلها خالة الأم وخالة الأب. ويعبر عنهن بفروع الجدين من جهة الأم.\nفهؤلاء النسوة لا يجوز نكاح واحدة منهن بحال. لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) [النساء: ٢٣].\nثانيًا: المحرمات بالمصاهرة:\nويحرم بها الآتي:\n١ - زوجة الأب ومثلها زوجة الجد أب الأب وزوجة الجد أب الأم. ويعبر عنهن بزوجات الأصول. لقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) [النساء: ٢٢].\n٢ - زوجة الابن، وزوجة ابن الابن، وابن البنت أيضًا، وهكذا زوجات الفروع.\nلقوله تعالى: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) [النساء: ٢٣].\n٣ - أم الزوجة، ومثل أمها جميع أصولها من النساء كأم أم الزوجة؛ لقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) [النساء: ٢٣]. وهؤلاء الثلاثة يحرمن بمجرد العقد، سواء دخل بالسبب المُحَرِّم أو لم يدخل.\n٤ - بنت الزوجة وهي المسماة بالربيبة، فهي حرام على زوج أمها؛ لقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) [النساء: ٢٣]. ولا يشترط في التحريم أن تكون الربيبة تربَّتْ في حجر زوج أمها، وإنما ذكر قيد الحجر لبيان الغالب. فهذه البنت تحرم على الرجل إذا دخل بأمها، فإن لم يدخل بها، كأن طلق الأم، أو ماتت قبل الدخول، فإنه يجوز له نكاح ابنتها.\nلقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٣].","vol":"1","page":297},{"text":"٥ - يحرم على المرأة زوج أمها، وزوج ابنتها، وابن زوجها، وأبو زوجها.\nثالثًا: المحرمات بالرضاع:\nيحرم بالرضاع سبع نسوة، ذكر القرآن الكريم منهن اثنتين، وألحقت السنة بهن خمسًا.\nأ) المحرمات بالقرآن الكريم:\n١ - الأم بالرضاع. وهي المرأة التي أرضعتك، ويلحق بها أمها، وأم أمها، وأم أبيها.\n٢ - الأخت بالرضاع. وهي التي رضعتْ من أمك أو رَضَعْتَ من أمها أو رضعت أنت وهي من امرأة واحدة، أو رضعت من زوجة أبيها، أو رضعت هي من زوجة أبيك، لقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) [النساء: ٢٣].\nب) المحرمات بالسنة المطهرة:\n١ - بنت الأخ من الرضاع.\n٢ - بنت الأخت من الرضاع.\n٣ - العمة من الرضاع. وهي التي رضعت مع أبيك.\n٤ - الخالة من الرضاع. وهي التي رضعت مع أمك.\n٥ - البنت من الرضاع. وهي التي رضعت من زوجتك، فيكون الرجل أبًا لها من الرضاع.\nودليل تحريم هؤلاء النساء من السنة حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) (١). وحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - في بنت حمزة ﵄: (إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة مما يحرم من الرحم) (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٠٩٩)، ومسلم برقم (١٤٤٤).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥١٠٠)، ومسلم برقم (١٤٤٧) واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":298},{"text":"القسم الثاني: المحرمات تأقيتًا:\nيحرم تأقيتًا عدة نساء يمكن تقسيمهن إلى نوعين:\nالنوع الأول: ما يحرم من أجل الجمع.\nالنوع الثاني: ما كان تحريمه لعارض.\nالنوع الأول: ما يحرم من أجل الجمع:\n١ - الجمع بين الأختين، سواء كانتا من النسب أو من الرضاع، وسواء عقد عليهما معًا أو متفرقًا. لقوله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) [النساء: ٢٣].\n٢ - الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وبين المرأة وبنت أختها، أو بنت أخيها، أو بنت ابنها، أو بنت ابنتها.\nوالقاعدة هنا: أن الجمع يحرم بين كل امرأتين لو فرضت إحداهما ذكرًا لما جاز له أن يتزوج الأخرى. ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) (١).\nوحديث أبي هريرة - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - نهى أن تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى) (٢). كما أجمع العلماء على هذا التحريم.\nالنوع الثاني: ما كان تحريمه لعارض:\n١ - يحرم تزوج المعتدة من الغير؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه) [البقرة: ٢٣٥].\n٢ - يحرم تزوج من طلقها ثلاثًا حتى يطأها زوج غيره، بنكاح صحيح؛ لقوله\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥١٠٩)، ومسلم برقم (١٤٠٨).\n(٢) رواه أبو داود برقم (٢٠٦٥)، والنسائي (٦/ ٩٦)، والترمذي برقم (١١٢٦)، وقال: \"حسن صحيح\".\nوصححه الشيخ الألباني (الإرواء ٦/ ٢٩٠).","vol":"1","page":299},{"text":"تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠].\n٣ - يحرم تزوج المحرمة حتى تحل من إحرامها؛ لحديث عثمان - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يَنْكِحُ المحرم، ولا يُنْكَحُ، ولا يخطب) (١).\n٤ - يحرم تزوج الكافر بالمرأة المسلمة؛ لقوله تعالى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) [البقرة: ٢٢١].\n٥ - ويحرم على الرجل المسلم أن يتزوج الكافرة إلا الكتابية، فيجوز له أن يتزوج بها، لقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) [البقرة: ٢٢١]، وقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥]. يعني: فهن حل لكم.\n٦ - يحرم على الحر المسلم أن يتزوج الأمة المسلمة، إلا إذا خاف على نفسه الزنى، ولم يقدر على مهر الحرة، أو ثمن الأمة، فيجوز حينئذ تزوج الأمة المسلمة؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء: ٢٥] إلى قوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) [النساء: ٢٥].\n٧ - يحرم على العبد المسلم أن يتزوج سيدته؛ لأن العلماء أجمعوا على ذلك، وللمنافاة بين كونها سيدته وكونه زوجًا لها.\n٨ - يحرم على السيد أن يتزوج مملوكته؛ لأن عقد الملك أقوى من عقد النكاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>المسألة الثامنة: حكم نكاح الكتابية:</span>\nلقد أباح الإسلام نكاح الحرائر من أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [المائدة: ٥].\nوقد أجمع العلماء على جواز نكاح نساء أهل الكتاب.\nويقصد بأهل الكتاب الذين يجوز نكاح نسائهم: أهل التوراة والإنجيل؛ لقوله تعالى: (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا) [الأنعام: ١٥٦].\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٤٠٩).","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>الباب الثاني: في الصداق وحقوق الزواج وواجباته، ووليمة العرس، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>المسألة الأولى: تعريف الصداق، ومشروعيته، وحكمه:</span>\nأ- تعريف الصداق:\nلغة: مأخوذ من الصدق خلاف الكذب.\nوشرعًا: هو المال الذي وجب على الزوج دفعه لزوجته؛ بسبب عقد النكاح.\nوسمي الصداق صداقًا لإشعاره بصدق رغبة باذله في النكاح، ويسمى أيضًا: المهر، والنِّحْلة، والعُقْر.\nب- مشروعيته:\nالأصل في مشروعية الصداق الكتاب والسنة والإجماع، كما سيأتي بيانه في الكلام على حكم الصداق.\nج- حكم الصداق:\nيجب على الزوج دفع المال بمجرد تمام العقد، ولا يجوز إسقاطه. ودل على هذا قوله تعالى: (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) [النساء: ٤]، وقوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) [النساء: ٢٤]. وقوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: ٢٣٦].\nوحديث سهل بن سعد - ﵁ - قال: أتت امرأة النبي - ﷺ - فقالت: إني وهبت نفسي لله ولرسوله، فقال: (مالي في النساء من حاجة)، فقال رجل: زوجنيها، قال: (أعطها ثوبًا ... الحديث) (١)، وحديث أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر زعفران، فقال النبي - ﷺ -: (مَهْيَمْ؟)، - يعني: ما شأنك وما أمرك؟ - فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، فقال: (ما أصدقتها؟) قال: وزن نواة من ذهب،\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥١٤٩)، ومسلم برقم (١٤٢٥).","vol":"1","page":301},{"text":"فقال: (بارك الله لك، أولم ولو بشاة) (١). وأجمع المسلمون على مشروعية الصداق في النكاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>المسألة الثانية: حدُّه، وحكمته، وتسميته:</span>\nأ- حد الصداق:\nلا حد لأقل الصداق ولا أكثره، فكل ما صح أن يكون ثمنًا أو أجرة صح أن يكون صداقًا؛ لقوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) [النساء: ٢٤]، فأطلق المال، ولم يقدره بحد معين. ولحديث سهل بن سعد - ﵁ - وفيه أن النبي - ﷺ - قال في المرأة الواهبة نفسها: (أعطها، ولو خاتمًا من حديد) (٢). فدل هذا على جواز أقل ما يطلق عليه مال.\nوأما الدليل على أنه يجوز ولو كان كثيرًا، فقوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) [النساء: ٢٠]، والقنطار المال الكثير.\nب- الحكمة من مشروعية الصداق:\nالحكمة من تشريع الصداق: هي إظهار صدق رغبة الزوج في معاشرة زوجته معاشرة شريفة، وبناء حياة زوجية كريمة. كما أن فيه إعزازًا للمرأة، وإكرامًا لها، وتمكينًا لها من أن تتهيأ للزواج بما تحتاج إليه من لباس ونفقات.\nج- الحكمة في جعل الصداق بيد الرجل:\nجعل الإسلام الصداق على الزوج؛ رغبة منه في صيانة المرأة من أن تمتهن كرامتها في سبيل جمع المال الذي تقدمه مهرًا للرجل، وهذا يتفق مع المبدأ التشريعي: في أن الرجل هو المكلف بواجبات النفقة، دون المرأة.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥١٥٣)، ومسلم برقم (١٤٢٧).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥١٤٩)، ومسلم برقم (١٤٢٥).","vol":"1","page":302},{"text":"د- ملكية الصداق:\nالصداق ملك للزوجة وحدها، ولا حق لأحد فيه من أوليائها، وإن كان لهم حق قبضه، إلا أنهم يقبضونه لحسابها وملكها؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [النساء: ٤]، وقوله تعالى: (فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [النساء: ٢٠].\nهـ- تسمية الصداق في العقد:\nيسن تسمية الصداق في عقد الزواج وتحديده؛ لأن النبي - ﷺ - لم يخل نكاحًا من تسمية المهر فيه، ولأن في تسميته دفعًا للخصومة والنزاع بين الزوجين.\nوشروط المهر وما يكون مهرًا ومالا يكون:\n١ - أن يكون مالًا متقوَّمًا، مباحًا، مما يجوز تملكه وبيعه والانتفاع به، فلا يجوز بخمر وخنزير ومال مغصوب يعلمانه.\n٢ - أن يكون سالمًا من الغرر، بأن يكون معلومًا معينًا، فلا يصح بالمجهول كدار غير معينة، أو دابة مطلقة، أو ما يثمر شجره مطلقًا، أو هذا العام ونحو ذلك.\nوعلى هذا، يصح المهر بكل ما يصلح أن يكون ثمنًا، أو أجرة، من عين أو دين أو منفعة معلومة.\nز- تعجيل المهر وتأجيله:\nيجوز تعجيل المهر وتأجيله، كله أو بعضه، حسب عرف الناس وعاداتهم، بشرط ألا يكون الأجل مجهولًا جهالة فاحشة، وألا تكون المدة بعيدة جدًا؛ لأن ذلك مظنة سقوط الصداق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>المسألة الثالثة: حكم المغالاة في الصداق:</span>\nيستحب عدم المغالاة في المهر لما يلي:\n١ - حديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من يُمْنِ المرأة","vol":"1","page":303},{"text":"تسهيل أمرها، وقلة صداقها) (١). واليُمْن: البركة.\n٢ - عن عمر - ﵁ - أنه قال: (ألا لا تغالوا في صُدُق النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها رسول الله - ﷺ -، ما أصدق رسول الله - ﷺ - امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه، وحتى يقول كَلِفْتُ فيك عَلَقَ القِرْبة) (٢).\n٣ - وعن أبي سلمة قال: سألت عائشة ﵂ عن صداق رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: اثنتي عشرة أوقية ونَشًّا. قالت: أتدري ما النشُّ؟ قلت: لا أدري. قالت: نصف أوقية. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>المسألة الرابعة: الحقوق الزوجية:</span>\nإذا وقع عقد النكاح صحيحًا ترتب عليه كثير من الحقوق بين الزوجين، وهي:\nأولًا: حقوق الزوجة:\nللزوجة على زوجها حقوق مالية كالصداق والنفقة، وحقوق معنوية غير مالية، كالعدل، وإحسان العشرة، وطيب المعاملة. وتفصيل ذلك على النحو التالي:\n١ - المهر: وهو حق للزوجة على زوجها؛ لقوله تعالى: (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) [النساء: ٤]، وغير ذلك من الأدلة التي سبق ذكرها.\n٢ - النفقة والكسوة والسكنى: فيجب على الزوج تحصيلها للمرأة؛ لقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣]. ولقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان برقم (٤٠٩٥)، والحاكم (٢/ ١٨١)، وصححه على شرط مسلم، وحسنه الألباني (انظر. الضعيفة ٣/ ٢٤٤).\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٢١٠٦)، وأحمد (١/ ٤٠)، والترمذي برقم (١١١٤)، وابن ماجه برقم (١٨٨٧)، وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح الترمذي برقم ١٥٣٢). وعَلَقَ القربة: حبلها الذي تعلق به، فالمراد: تحملت لأجلك كل شيء حتى علق القربة. ويروى بالراء (عَرَق).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٤٢٦).","vol":"1","page":304},{"text":"فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: ٣٤].\nولحديث حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله ما حق الزوجة؟ فقال: (أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت) (١).\nولحديث جابر ﵁ في خطبة رسول الله - ﷺ - وفيه: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (٢).\n٣ - إعفاف الزوجة بالجماع؛ مراعاة لحقها ومصلحتها في النكاح، ودفعًا للفتنة عنها، لعموم قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه) [البقرة: ٢٢٢].\nوقوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [البقرة: ٢٢٣] ولقوله - ﷺ -: (وفي بُضْع أحدكم صدقة) (٣) يعني: الجماع.\n٤ - حسن مَعاشرتها، ومعاملتها بالمعروف؛ لقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ١٩] فيكون حَسَنَ الخلق مع زوجته رفيقًا بها، صابرًا على ما يصدر منها، محسنًا للظن بها. قال - ﷺ -: (خيركم خيركم لأهله) (٤).\n٥ - العدل بين نسائه في المبيت والنفقة، لمن كانت له أكثر من زوجة؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً...) [النساء: ٣]. وعن أنس ﵁ قال: (كان للنبي - ﷺ - تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع ...) (٥).\nثانيًا: حق الزوج:\nوحق الزوج على زوجته أعظم من حقها عليه؛ لقوله سبحانه (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة: ٢٢٨]، ولقوله - ﷺ -: (لو كنت آمرًا أحدًا أن\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٢١٤٢)، وأحمد (٤/ ٤٤٧)، والحاكم (٢/ ١٨٧) وصححه، وصححه أيضًا: الألباني (الإرواء برقم ٢٠٣٣).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٢١٨).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (١٠٠٦).\n(٤) رواه أحمد (٢/ ٤٧٢)، وأبو داود برقم (٤٦٨٢)، وصححه الألباني (الضعيفة ٢/ ٢٤٢).\n(٥) أخرجه مسلم برقم (١٤٦٢).","vol":"1","page":305},{"text":"يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولا تؤدي المرأة حق الله ﷿ عليها كله، حتى تؤدي حق زوجها عليها كله) (١).\nومن حقوق الزوج على زوجته:\n١ - حفظ سره وعدم إفشائه لأحد؛ لقوله تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) [النساء: ٣٤].\n٢ - وجوب طاعته في المعروف؛ لقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [النساء: ٣٤].\n٣ - تمكينه من نفسها إذا دعاها إلى فراشه، ما لم يكن هناك مانع شرعي؛ لقوله - ﷺ -: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح) (٢).\n٤ - المحافظة على بيته وماله وأولاده وحسن تربيتهم، لقوله - ﷺ -: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها) (٣). وقوله - ﷺ -: (ولكم عليهن أن لا يُوْطئن فرشكم أحدًا تكرهونه) (٤).\n٥ - المعاشرة بالمعروف، وحسن الخلق، وكف الأذى عنه؛ لقوله - ﷺ -: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قَاتَلَكِ الله، فإنما هو دخيل يوشك أن يفارقك إلينا) (٥). والدخيل: الضيف والنزيل.\nثالثًا: الحقوق المشتركة بين الزوجين:\nأغلب الحقوق الماضي ذكرها حقوق مشتركة بين الزوجين، وبخاصة حق الاستمتاع، وما يتبعه من حقوق، وكذا تحسين كل من الزوجين خلقه\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه برقم (١٨٥٢)، والبيهقي (٧/ ٢٩٢)، وصحح الألباني إسناده على شرط مسلم (الصحيحة ٣/ ٢٠٢).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٥١٩٣، ٥١٩٤)، ومسلم برقم (١٤٣٦) -١٢٢\n(٣) رواه البخاري برقم (٨٩٣)، مسلم برقم (١٨٢٩).\n(٤) رواه مسلم برقم (١٢١٨).\n(٥) رواه أحمد (٥/ ٢٤٢)، وابن ماجه رقم (٢٠١٤)، وصححه الألباني (الصحيحة ١٧٣).","vol":"1","page":306},{"text":"لصاحبه، وتحمل أذاه ومعاشرته بالمعروف، فلا يماطله بحقه ولا يَتَكَرَّهُ لبذله، ولا يتبعه أذىً ومنةً؛ لقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ١٩]، وقوله ﷾: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٢٨]، وقول النبي - ﷺ -: (خيركم خيركم لأهله) (١).\nكما يسن للزوج إمساك زوجته حتى مع كراهته لها؛ لقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: ١٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>المسألة الخامسة: إعلان النكاح:</span>\nيسن إعلان النكاح، وإظهاره، وإشاعته، والضرب عليه بالدف؛ لقوله - ﷺ -: (فصل ما بين الحرام والحلال الصوت، والدف في النكاح) (٢)، ويكون الضرب بالدف للنساء دون الرجال، شرط ألا يصحب ذلك فحش في القول، أو ما يخالف الشرع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>المسألة السادسة: الوليمة في النكاح:</span>\nالوليمة: طعام العرس يدعى إليه الناس ويجمعون.\nويسنُّ عمل وليمة للنكاح؛ لحديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - أنه تزوج امرأة فقال له النبي - ﷺ -: (أوْلِمْ ولو بشاة) (٣)، و(أولم النبي - ﷺ - على زينب ﵂ بخبز ولحم) (٤)، و(أولم النبي - ﷺ - على بعض نسائه بمدين من شعير) (٥).\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الصفحة قبل السابقة.\n(٢) رواه أحمد (٣/ ٤١٨)، والنسائي (٢/ ٩١)، والترمذي برقم (١٠٨٨) وحسنه، وحسنه الألباني أيضًا في الإرواء برقم (١٩٩٤).\n(٣) رواه البخاري برقم (٥١٦٨)، ومسلم برقم (١٤٢٨).\n(٤) رواه البخاري برقم (٥١٥٤)، ومسلم برقم (١٤٢٨).\n(٥) رواه البخاري برقم (٥١٧٢).","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>المسألة السابعة: حكم إجابة دعوة وليمة العرس:</span>\nيجب على من دعي لوليمة عرس أن يجيب؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) (١)، وحديث أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) (٢).\nشروط إجابة دعوة وليمة العرس:\n١ - أن تكون هي الوليمة الأولى، فإن أولم في أكثر من يوم استحب في الثاني، وكره في الثالث؛ لحديث ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سمعة. ومن سَمَّعَ سمع الله به) (٣).\n٢ - أن يكون الداعي مسلمًا؛ فلا تجب إجابة دعوة الكافر.\n٣ - أن يكون الداعي من غير العصاة المجاهرين بالمعصية، وألا يكون ظالمًا أو صاحب مال حرام.\n٤ - أن تكون الدعوة معينة؛ فإن دعاه في جمع فلا تجب الإجابة.\n٥ - أن يكون القصد من الدعوة التودد والتقرب، فإن دعاه لخوف منه، أو طمع في جاه، فلا تجب الإجابة.\n٦ - ألا يكون في الوليمة منكر، كخمر وغناء ومعازف واختلاط رجال بنساء، فإن وجد شيء من ذلك فلا تجب الدعوة؛ لحديث جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥١٧٣)، ومسلم برقم (١٤٢٩).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٤٣٢).\n(٣) رواه الترمذي برقم (١٠٩٧)، وبمعناه عن أحمد بن حنبل في المسند (٥/ ٢٨) وضعفه الألباني في الإرواء برقم (١٩٥٠)، وذهب الحافظ ابن حجر إلى أن مجموع الأحاديث في هذا المعنى -وان كان في كل منها مقال- يدل على أن لهذا الحديث أصلًا. (فتح الباري ٩/ ١٥١).","vol":"1","page":308},{"text":"عليها الخمر) (١). فإن كان المدعو يستطيع إزالة المنكر بحضوره وجب عليه الحضور، وإجابة الدعوة، وإزالة المنكر؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (٢).\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٢٠)، وصححه الألباني في الإرواء برقم (١٩٤٩).\n(٢) رواه مسلم برقم (٤٩).","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>الباب الثالث: في الخلع، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>المسألة الأولى: معناه، وأدلة مشروعيته:</span>\nأ- تعريف الخلع:\nالخُلْعُ لغة: مأخوذ من خلع الثوب؛ لأن كلًا من الزوجين لباس للآخر.\nوشرعًا: فُرْقَةٌ تجري بين الزوجين على عوض تدفعه المرأة لزوجها، بألفاظ مخصوصة.\nب- مشروعية الخلع:\nالخلع مشروع؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتًُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩].\nولحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر (١) في الإسلام. فقال النبي - ﷺ -: (أَتَرُدِّينَ عليه حديقته؟)، قالت: نعم. فقال رسول الله - ﷺ -: (اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة به، والحكمة منه:</span>\nأ- أحكام الخلع:\nتتلخص أحكام الخلع في الآتي:\n١ - أن الخلع جائز لسوء العشرة بين الزوجين، ولا يقع إلا بعوض مالي، تفرضه الزوجة للزوج.\n٢ - لا يقع من غير الزوجة الرشيدة؛ لأن غير الرشيدة لا تملك التصرف لنقص الأهلية.\n_________\n(١) أي: أنها تكره الوقوع في كفران العشير، والتقصير في حقه عليها وما يجب له، وذلك لشدة بغضها إياه، لا لعيب عليه في خلق ولا دين.\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٥٢٧٣).","vol":"1","page":310},{"text":"٣ - إذا خالع الرجل امرأته ملكت المرأة بذلك أمر نفسها، ولم يبق للزوج عليها من سلطان، ولا رجعة له عليها.\n٤ - لا يلحق المخالعة طلاق، أو ظهار، أو إيلاء، أثناء عدتها من زوجها الذي خالعها، لأنها تصير أجنبية عن زوجها.\n٥ - يجوز الخلع في الحيض والطهر الذي جامعها فيه؛ لعدم الضرر عليها بذلك، فإن الله سبحانه أطلقه، ولم يقيده بزمن دون زمن.\n٦ - يحرم على الرجل أن يؤذي زوجته ويمنعها حقوقها، حتى يضطرها إلى خلع نفسها؛ لقوله تعالى: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) [النساء: ١٩].\n٧ - يكره للمرأة ويحظر عليها مخالعة زوجها مع استقامة الحال ودون سبب يقتضيه، كأن يكون الزوج معيبًا في خَلْقِهِ ولم تطق المرأة البقاء معه، أو كان سَيِّئًا في خُلُقِهِ، أو خافت ألا تقيم حدود الله.\nب- الحكمة من مشروعية الخلع:\nمن المعلوم أن الزواج ترابط بين الزوجين وتعاشر بالمعروف. قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم: ٢١].\nفهذه ثمرة النكاح، فإذا لم يتحقق هذا المعنى، فلم توجد المودة من الطرفين أو لم توجد من الزوج وحده، فساءت العشرة، وتعسَّر العلاج، فإن الزوج مأمور بتسريح الزوجة بإحسان؛ لقوله تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ٢٢٩]. فإذا وجدت المحبة من جانب الزوج دون الزوجة بأن كرهت خُلُق زوجها، أو كرهت نقص دينه، أو خافت إثمًا بترك حقه، فإنه في هذه الحالة يباح للمرأة طلب فراقه على عوض تبذله له، وتفتدي به نفسها؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) [البقرة: ٢٢٩].","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>الباب الرابع: في الطلاق، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>المسألة الأولى: معناه، وأدلة مشروعيته، وحكمته:</span>\nأ- تعريف الطلاق:\nالطلاق لغة: التخلية، يقال: طَلَقَت الناقة إذا سرحت حيث شاءت.\nوشرعًا: حل قيد النكاح أو بعضه.\nب- مَن يصح طلاقه:\nيصح إيقاع الطلاق من الزوج البالغ العاقل المميز المختار الذي يعقله، أو من وكيله، فلا يقع طلاق غير الزوج، ولا الصبي، ولا المجنون، ولا السكران، ولا المكره، ولا الغضبان غضبًا شديدًا لا يدري معه ما يقول.\nج- مشروعية الطلاق:\nالأصل في الزواج استمرار الحياة الزوجية بين الزوجين، وقد شرع الله تعالى أحكامًا كثيرة وآدابًا جمّة في الزواج لاستمراره، وضمان بقائه. إلا أن هذه الآداب قد لا تكون مرعيَّة من قبل الزوجين أو أحدهما، فيقع التنافر بينهما حتى لا يبقى مجال للإصلاح، فكان لابد من تشريع أحكام تؤدي إلى حل عقدة الزواج على نحو لا تهدر فيه حقوق أحد الزوجين، ما دامت أسباب التعايش قد باتت معدومة فيما بينهما.\nوالطلاق مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب: فقد قال تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ٢٢٩]. وقال ﷿: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١] ومن السنة: حديث ابن عمر ﵄، أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي - ﷺ - لعمر: (ليراجعها، فإذا طهرت، فإن شاء فليطلقها) (١). وأجمع علماء الأمة على جواز الطلاق ومشروعيته.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٥٢٥٢)، ومسلم برقم (١٤٧١) -١٠","vol":"1","page":312},{"text":"د- حكمة مشروعيته:\nشرع الطلاق لأن فيه حلًا للمشكلات الزوجية عند الحاجة إليه، وبخاصة عند عدم الوفاق، وحلول البغضاء التي لا يتمكن الزوجان معها من إقامة حدود الله، واستمرار الحياة الزوجية، وهو بذلك من محاسن الدين الإسلامي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>المسألة الثانية: حكم الطلاق، وبيد من يكون</span>؟\nالأصل في الطلاق أن يكون جائزًا، مباحًا، عند الضرورة والحاجة إليه؛ كسوء خلق المرأة وسوء عشرتها، ويكره من غير حاجة إليه؛ لإزالته النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها: من إعفاف نفسه، وطلب النسل، وغير ذلك.\nويحرم الطلاق في بعض الأحوال، كما سيأتي بيانه في الكلام على الطلاق البدعي، وقد يكون واجبًا على الشخص؛ كما لو علم بفجور زوجته وتبين زناها، لئلا يكون ديوثًا، ولئلا تُلْحق به ولدًا من غيره، وكذا لو كانت الزوجة غير مستقيمة في دينها، كما لو كانت تترك الصلاة، ولم يستطع تقويمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>المسألة الثالثة: ألفاظ الطلاق:</span>\nوألفاظ الطلاق تنقسم إلى قسمين:\n١ - ألفاظ صريحة: وهي الألفاظ الموضوعة له، التي لا تحتمل غيره، وهي لفظ الطلاق وما تصرَّف منه، من فعل ماض، مثل: طلَّقتك، أو اسم فاعل، مثل: أنت طالق، أو اسم مفعول، مثل: أنت مطلقة. فهذه الألفاظ تدل على إيقاع الطلاق، دون الفعل المضارع أو الأمر، مثل: تطلقين واطلقي.\n٢ - ألفاظ كنائية: وهي الألفاظ التي تحتمل الطلاق وغيره، مثل قوله لزوجته: أنت خلية، وبرية، وبائن، وحبلك على غاربك، والحقي بأهلك، ونحوها.\nوالفرق بين الألفاظ الصريحة وألفاظ الكناية في الطلاق: أن الصريحة يقع","vol":"1","page":313},{"text":"بها الطلاق ولو لم ينوه، سواء كان جادًّا أو هازلًا أو مازحًا؛ لقوله - ﷺ -: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة) (١). وأما الكناية فلا يقع بها طلاق، إلا إذا نواه نية مقارنة للفظه؛ لأن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره، فلا يقع إلا بنيته، إلا إذا وجدت قرينة تدل على أنه نواه، فلا يصدق قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>المسألة الرابعة: طلاق السنة وحكمه:</span>\nأ- طلاق السُّنَّة:\nيقصد بطلاق السنة: الطلاق الذي أذن فيه الشارع، وهو الواقع طبقًا لتعاليم الشريعة الإسلامية، ويكون ذلك بأمرين:\n١ - عدد الطلاق. ٢ - حال إيقاعه.\nفالسنة إذا اضطر الزوج إلى الطلاق: أن يطلق طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ويتركها فلا يتبعها طلاقًا آخر حتى تنقضي عدتها؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١]، أي: في الوقت الذي يَشرعن فيه في استقبال العدة وهو الطهر، إذ زمن الحيض لا يحسب من العدة.\nقال ابن عمر وابن عباس وجماعة في هذه الآية: الطهر من غير جماع (٢).\nب- حكم طلاق السنة:\nأجمع العلماء على أن طلاق السنة واقع؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١]، أي في زمن الطهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>المسألة الخامسة: الطلاق البدعي وحكمه:</span>\nأ- الطلاق البدعي:\nهو الطلاق الذي يوقعه الرجل على الوجه المحرم الذي نهى عنه الشارع،\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٢١٩٤)، والترمذي برقم (١١٨٤)، وابن ماجه برقم (٢٠٣٩)، وحسَّنه الشيخ الألباني (صحيح سنن ابن ماجه رقم ١٦٧١).\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٨/ ١٦٩).","vol":"1","page":314},{"text":"ويكون بأحد أمرين:\n١ - عدد الطلاق. ٢ - حال إيقاعه.\nفإن طلقها ثلاثًا بلفظ واحد، أو متفرقات في طهر واحد، أو طلقها وهي حائض أو نفساء، أو طلقها في طهر جامعها فيه، ولم يتبيَّن حملها، فإن هذا طلاق بدعيُّ محرمٌ، منهيٌّ عنه شرعًا، وفاعله آثم.\nفالطلاق البدعي في العَدَد يحرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، لقوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠]. -يعني الثالثة- والطلاق البدعي في الوقت يستحب له مراجعتها منه؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي - ﷺ - بمراجعتها (١). وإذا راجعها وجب عليه إمساكها حتى تطهر، ثم إن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها.\nب- حكم الطلاق البدعي:\nيحرم على الزوج أن يطلق طلاقًا بدعيًا، سواء في العدد أو الوقت؛ لقوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١]، أي: طاهرات من غير جماع، ولأن ابن عمر ﵄ لما طلق زوجته وهي حائض، أمره النبي - ﷺ - بمراجعتها.\nويقع الطلاق البدعي كالسُّنيّ؛ لأن النبي - ﷺ - أمر ابن عمر بمراجعة زوجته، ولا تكون الرجعة إلا بعد وقوع الطلاق، وحينئذ تحسب هذه التطليقة من طلاقها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>المسألة السادسة: الرَّجْعة:</span>\nأ- تعريفها: لغة: المرة من الرجوع. وشرعًا: إعادة زوجته المطلقة طلاقًا غير بائن إلى ما كانت عليه قبل الطلاق بدون عقد.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٣٣٢)، ومسلم برقم (١٤٧١).","vol":"1","page":315},{"text":"ب- مشروعيتها: دلَّ على مشروعية الرجعة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا) [البقرة: ٢٢٨] وقوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [البقرة: ٢٣١] أي بالرجعة.\nوأما السنة: فحديث ابن عمر الماضي ذكره، وقول النبي - ﷺ -: (مره فليراجعها) وأجمع العلماء على أنَّ من طلق دون الثلاث فإن له الرجعة في العدة.\nج- الحكمة منها: الحكمة من الرجعة إعطاء الزوج الفرصة إذا ندم على إيقاع الطلاق وأراد استئناف العشرة الزوجية، فيجد الباب مفتوحًا أمامه، وهذا من رحمة الله -﷿- بعباده ولطفه بهم.\nد- شروطها: تصح الرجعة بشروط، وهي:\n١ - أن يكون الطلاق دون العدد الذي يملكه الزوج، وهو ثلاث تطليقات للحر واثنتان للعبد، فإن استوفى عدد الطلاق لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.\n٢ - أن تكون المطلقة مدخولًا بها؛ لأن الرجعة لا تكون إلا في العدة وغير المدخول بها لا عدة عليها؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [الأحزاب: ٤٩].\n٣ - أن يكون الطلاق بغير عوض؛ لأن العوض في الطلاق جعل لتفتدي المرأة نفسها من الزوج، ولا يحصل لها ذلك مع الرجعة، فلا تحل إلا بعقد جديد برضاها.\n٤ - أن يكون النكاح صحيحًا، فلا رجعة إذا طلق في نكاح فاسد. فإذا لم يصح الزواج لم يصح الطلاق؛ لأنه فرعه، وإذا لم يصح الطلاق، لم تصح الرجعة.\n٥ - أن تكون الرجعة في العدة، لقوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) [البقرة: ٢٢٨] أي: في العدة.","vol":"1","page":316},{"text":"٦ - أن تكون الرجعة منجزة، فلا تصح معلقة؛ كقوله: إذا حصل كذا فقد راجعتك.\nهـ- بم تحصل الرجعة؟\n١ - تحصل الرجعة باللفظ، كقوله: راجعت امرأتي، ورددتها، وأعدتها، وأمسكتها، ورجَّعتها.\n٢ - وتحصل بوطء الزوجة إذا نوى بذلك رجعتها.\nومن أحكام الطلاق الرجعي:\n١ - المطلقة طلاقًا رجعيًا زوجة ما دامت في العدة، لها ما للزوجات من نفقة وكسوة ومسكن، وعليها ما عليهن من لزوم المسكن، ولها أن تتزين له، ويخلو بها ويطؤها، ويرث كل منهما صاحبه.\n٢ - لا يشترط في الرجعة رضا المرأة أو وليها، لقوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) [البقرة: ٢٢٨].\n٣ - ينتهي وقت الرجعة بانتهاء العدة، وتعتد بثلاث حِيَض، فإذا طهرت الرجعية من الحيضة الثالثة ولم يرتجعها زوجها، بانت منه بينونة صغرى، فلم تحل له إلا بعقد جديد بشروطه: من ولي وشاهدي عدل.\n٤ - تعود الرجعية، والبائن التي تزوجها زوجها، على ما بقي لها من عدد الطلاق.\n٥ - فإذا استوفى ما يملك من عدد الطلاق فطلقها ثلاثًا، حرمت عليه، وبانت منه بينونة كبرى، فلا تحل له حتى يطأها زوج غيره، بنكاح صحيح.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>الباب الخامس: في الإيلاء</span>\n١ - تعريف الإيلاء، ودليله:\nأ- تعريف الإيلاء:\nالإيلاء لغة: مأخوذ من الأليَّة بمعنى اليمين، يقال: آلى فلان يُولي إيلاءً وأليَّة أي: أقسم.\nوشرعًا: أن يحلف زوج بالله أو بصفة من صفاته -وهو قادر على الوطء- على ترك وطء زوجته في قبلها أبدًا، أو أكثر من أربعة أشهر.\nب- دليله:\nقوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧].\n٢ - شروط الإيلاء:\nأ- أن يكون من زوج يمكنه الوطء، فلا يصح من عاجز عن الوطء لمرض لا يرجى برؤه، أو شلل، أو جبّ كامل.\nب- أن يحلف بالله أو صفة من صفاته، لا بطلاق أو عتق أو نذر.\nج- أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر.\nد- أن يحلف على ترك الوطء في القُبل -الفرج-، فلو حلف على ترك الوطء في الدبر لم يكن موليًا؛ لأنه لم يترك الوطء الواجب.\nهـ- أن تكون الزوجة ممن يمكن وطؤها، أما المرأة المتعذر وطؤها كالرَّتقاء (١) والقَرْنَاء (٢)، فلا يصح الإيلاء منها.\n٣ - حكمه:\nالإيلاء محرم في الإسلام؛ لأنه يمين على ترك واجب، فإذا أقسم الزوج على عدم جماع زوجته أبدًا أو أكثر من أربعة أشهر فهو مولٍ، فإن حصل منه وطء لها\n_________\n(١) هي التي انضم فرجها والتصق فلا يمكن جماعها، من الرتق: ضد الفتق.\n(٢) هي المرأة التي في فرجها مانع يمنع من ولوج الذكر فيه، إما غدّة غليظة، أو لحمة ملتصقة، أو عظم.","vol":"1","page":318},{"text":"وتكفير عن يمينه قبل انتهاء الأربعة أشهر فقد فاء، أي: رجع إلى فعل ما تركه، والله يغفر له ما حصل منه، وان أبى أن يطأ بعد مضي المدة، وطلبت المرأة ذلك منه، فإن الحاكم يأمره بأحد أمرين:\n١ - الرجوع عن يمينه ووطء زوجته، ويكفر عن اليمين.\n٢ - أو الطلاق، إن أبى إلا التمسك بيمينه.\nفإن رفض الأمرين السابقين فإن القاضي يطلق عليه، أو يفسخ؛ لأنه يقوم مقام المولي عند امتناعه، والطلاق تدخله النيابة. فإن انقضت مدة الإيلاء، وبأحد الزوجين عذر يمنع الجماع، أمر الزوج أن يفيء بلسانه فيقول: متى قدرت جامعتك؛ لأن القصد بالفيئة تَرْكُ ما قصده من الإضرار بها. وألحق الفقهاء بالمولي في هذه الأحكام مَنْ ترك وطء زوجته إضرارًا بها بلا يمين، أكثر من أربعة أشهر، وهو غير معذور.\n٤ - من أحكام الإيلاء:\n- ينعقد الإيلاء من كل زوج يصح طلاقه، مسلمًا كان أم كافرًا، حرًا أم عبدًا، ومن الغضبان والمريض، ومن الزوجة التي لم يدخل بها؛ لعموم الآية.\n- في هذا التشريع الحكيم من الله سبحانه -بأمر المولي بالوطء أو الطلاق- إزالة للظلم والضرر عن المرأة، وإبطال لما كانوا عليه في الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء.\n- لا ينعقد الإيلاء من مجنون، ومغمى عليه؛ لعدم تصورهما ما يقولان، فالقصد معدوم منهما.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>الباب السادس: في الظهار</span>\n١ - تعريف الظهار وحكمه:\nأ- تعريف الظهار:\nالظهار لغة: مأخوذ من الظهر.\nوشرعًا: أن يُشَبِّه الرجل زوجته في الحرمة بإحدى محارمه، بنسب، أو رضاع أو مصاهرة، أو ببعضها، فيقول الرجل إذا أراد الامتناع عن الاستمتاع بزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، أو أختي أو غيرهما، فمتى فعل ذلك فقد ظاهر من امرأته.\nب- حكمه:\nالظهار حرام؛ لقوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ) إلى قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) [المجادلة: ٢]. وكان الظهار طلاقًا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أنكره واعتبره يمينًا مكفرة؛ رحمة من الله سبحانه وتيسيرًا على عباده.\nفيحرم عل المظاهر والمظاهر منها استمتاع كل منهما بالآخر -بجماع ودواعيه، كالقبلة، والاستمتاع بما دون الفرج- قبل التكفير؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) [المجادلة: ٣]. وقال النبي - ﷺ - للمظاهر: (لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به) (١).\n٢ - كفارة الظهار:\nكفارة الظهار مرتبة على النحو الآتي:\nأ- عتق رقبة مؤمنة، سليمة من العيوب.\nب- فإن لم يجد الرقبة أو لم يجد ثمنها، صام شهرين قمريين متتابعين، لا\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (١١٩٩) وحسَّنه، وابن ماجه برقم (٢٠٩٥) وحسَّنه الشيخ الألباني. (الإرواء ٢٠٩٢).","vol":"1","page":320},{"text":"يفصل بين الشهرين إلا بصوم واجب كصوم رمضان، أو إفطار واجب كالإفطار للعيد وأيام التشريق، والإفطار للمرض والسفر.\nج- فإن لم يستطع الصوم، فيطعم ستين مسكينًا لكل مسكين مد من البر، أو نصف صاع من غيره، من قوت البلد؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ...) الآيتين [المجادلة: ٣، ٤]. ولحديث سلمة بن صخر البياضي لما جعل امرأته عليه كظهر أمه أمره النبي - ﷺ - بعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فالإطعام (١).\nفإن جامع المظاهر قبل أن يكفِّر كان آثمًا عاصيًا، ولا تلزمه إلا كفارة واحدة، وتبقى الكفارة معلقة في ذمته حتى يُكَفِّر، وتحريم زوجته عليه باق أيضًا حتى يكفِّر.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي برقم (١٢٠٠) وحسَّنه، وأبو داود برقم (٢٢١٣)، وابن ماجه برقم (٢٠٩٢)، وصححه الشيخ الألباني (الإرواء رقم ٢٠٩١).","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>الباب السابع: في اللعان، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>المسألة الأولى: تعريف اللعان، ودليل مشروعيته، وحكمته:</span>\n١ - تعريف اللعان:\nاللعان لغة: مصدر لاعَنَ، مأخوذ من اللعن وهو الطرد والإبعاد.\nوشرعًا: شهادات مؤكدات بالأيمان، مقرونة باللعن من جهة الزوج وبالغضب من جهة الزوجة، قائمة مقام حد القذف في حق الزوج، ومقام حد الزنى في حق الزوجة. وسُمِّي اللعان بذلك؛ لقول الرجل في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ولأن أحدهما كاذب لا محالة، فيكون ملعونًا.\n٢ - دليل مشروعية اللعان:\nيستدل على تشريع اللعان بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ..) الآيات [النور: ٦ - ١٠].\nوبحديث سهل بن سعد - ﵁ - أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين. فقال النبي - ﷺ -: (قد قضى الله فيك وفي امرأتك) قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد.\nوفي رواية: فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله - ﷺ - (١).\n٣ - الحكمة من مشروعية اللعان:\nوالحكمة من مشروعية اللعان للزوج: ألاّ يلحقه العار بزناها، ويفسد فراشه، ولئلا يلحقه ولد غيره، وهو لا يمكنه إقامة البينة عليها في الغالب، وهي لا تقر بجريمتها، وقوله غير مقبول عليها، فلم يبق سوى حلفهما بأغلظ الأيمان، فكان\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٥٣٠٨)، ومسلم برقم (١٤٩٢).","vol":"1","page":322},{"text":"في تشريع اللعان؛ حلًا لمشكلته، وإزالة للحرج، ودرءًا لحد القذف عنه، ولما لم يكن له شاهد إلا نفسه مُكِّنت المرأة أن تعارض أيمانه بأيمان مكررة مثله، تدرأ بها الحد عنها، وإلا وجب عليها الحد. وإن نكل (١) الزوج عن الأيمان وجب عليه حد القذف، وإن نكلت هي بعد حلفه صارت أيمانه مع نكولها بَيِّنَةً قوية، لا معارض لها، ويقام عليها الحد حينئذ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>المسألة الثانية: شروطه وكيفيته:</span>\n١ - شروط صحة اللعان:\n١ - أن يكون بين زوجين مكلفين (بالغين عاقلين)؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) [النور: ٦].\n٢ - أن يقذف الرجل امرأته بالزنى، كقوله: يا زانية، أو: رأيتك تزنين، أو: زنيت.\n٣ - أن تُكَذِّبَ المرأة الرجل في قذفه هذا، ويستمر تكذيبها له إلى انقضاء اللعان.\n٤ - أن يتم اللعان بحكم حاكم.\n٢ - كيفية اللعان وصفته:\nصفة اللعان: أن يقول الزوج عند الحاكم أمام جَمْع من الناس: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنى، يقول ذلك أربع مرات، ويشير إليها إن كانت حاضرة، ويسمِّيها إن كانت غائبة بما تتميز به. ثم يزيد في الشهادة الخامسة -بعد أن يعظه الحاكم ويحذره من الكذب-: وعليَّ لعنة الله، إن كنت من الكاذبين.\nثم تقول المرأة أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنى، ثم تزيد في الشهادة الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.\n_________\n(١) النكول: القعود والنكوص والامتناع.","vol":"1","page":323},{"text":"لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [النور: ٦ - ٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>المسألة الثالثة: الأحكام المترتبة على اللعان:</span>\nإذا تم اللعان فإنه يترتب عليه ما يأتي:\n١ - سقوط حد القذف عن الزوج.\n٢ - ثبوت الفرقة بين الزوجين، وتحريمها عليه تحريمًا مؤبدًا، ولو لم يفرق الحاكم بينهما.\n٣ - ينتفي عنه نسب ولدها ويلحق بالزوجة، ويتطلب نَفْيُ الولد ذِكْرَه صراحة في اللعان، كقوله: \"أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنى، وما هذا بولدي\". لحديث ابن عمر ﵄: أن النبي - ﷺ - لاعن بين رجل وامرأته ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة (١).\n٣ - وجوب حد الزنى على المرأة، إلا أن تلاعن هي أيضًا؛ فإن نكولها عن الأيمان مع أيمانه بينةٌ قوية، توجب إقامة الحد عليها.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٣١٥)، ومسلم برقم (١٤٩٤).","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>الباب الثامن: في العدة والإحداد، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>المسألة الأولى: تعريف العدة ودليل مشروعيتها، والحكمة منها:</span>\n١ - تعريف العِدَّة:\nالعِدَّةُ لغة: اسم مصدر من عَدَّ يَعُدُّ، عَدًّا، وهي مأخوذة من العَدَد والإحصاء؛ لاشتمالها عليه من الأقراء والأشهر.\nوشرعًا: اسم لمدة معينة تتربصها المرأة؛ تعبدًا لله ﷿، أو تفجعًا على زوج، أو تأكدًا من براءة رحم.\nوالعدة من آثار الطلاق، أو الوفاة.\n٢ - دليل مشروعية العدة:\nالأصل في وجوب العدة ومشروعيتها: الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]. وقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤]. وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤].\nوأما السنة: فحديث المسور بن مخرمة - ﵁ -: (أن سبيعة الأسلمية ﵂ نُفِسَت (١) بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت إلى النبي - ﷺ -، فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت) (٢)، وغير ذلك من الأحاديث.\n٣ - الحكمة من مشروعية العدة:\nالحكمة من ذلك: استبراء رحم المرأة من الحمل؛ لئلا يحصل اختلاط الأنساب. وأيضًا: إتاحة الفرصة للزوج المُطَلِّق ليراجع نفسه إذا ندم، وكان طلاقه رجعيًا. وأيضًا: صيانة حق الحمل إذا كانت المفارقة عن حمل.\n_________\n(١) بضم النون وكسر الفاء، أي: ولدت.\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٣٢٠).","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>المسألة الثانية: أنواع العدة:</span>\nتنقسم عدة المرأة إلى قسمين:\n١ - عدة وفاة. ٢ - عدة فراق.\nأولًا: عدة الوفاة:\nهي عدة تجب على من مات عنها زوجها، ولا يخلو الحال فيها من أمرين:\n- إما أن تكون حاملًا.\n- أو تكون غير حامل.\nفإن كانت حاملًا: فعدتها تنتهي بوضع الحمل ولو بعد ساعة من وفاة زوجها؛ لقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤].\nولحديث المسور بن مخرمة - ﵁ - (أن سبيعة الأسلمية ﵂ نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت إلى النبي - ﷺ - فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت) (١).\nوإن كانت غير حامل: فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وهذه تعتد مطلقًا سواء أدخل بها الزوج، أم لم يدخل. لعموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [البقرة: ٢٣٤]، ولم يرد ما يخصص هذه الآية.\nثانيًا: عدة الفراق:\nهي العدة التي تجب على المرأة التي فارقت زوجها بفسخ، أو طلاق، أو خلع بعد الوطء، ولا يخلو الحال فيها من أمور:\n- أن تكون حاملًا.\n- أن تكون غير حامل.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"1","page":326},{"text":"- لا ترى الحيض لصغر، أو آيسة لكبر.\nفإن كانت حاملًا: فعدتها تنتهي بوضع الحمل؛ لعموم قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤].\nوإن كانت غير حامل وهي من ذوات الحيض: فعدتها بمرور ثلاثة أطهار بعد الفراق؛ لقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) [البقرة: ٢٢٨].\nوإن كانت لا ترى الحيض بأن كانت صغيرة أو آيسة لكبر سن: فعدتها تنتهي بمرور ثلاثة أشهر على فراقها. لقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) [الطلاق: ٤].\nحكم المطلقة قبل الدخول بها:\nإذا فارق الزوج زوجته بفسخ أو طلاق قبل الدخول بها فلا عدة عليها؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) [الأحزاب: ٤٩]. ولا فرق بين الزوجات المؤمنات، والكتابيات، في هذا الحكم باتفاق أهل العلم، وذكر المؤمنات هنا من باب التغليب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>المسألة الثالثة: التزامات العدة، وما يترتب عليها:</span>\n١ - عدة الطلاق:\nإذا كانت المرأة معتدة من زوجها عدة طلاق، فلا يخلو الحال من أمرين:\n- أن يكون طلاقها رجعيًا.\n- أن يكون طلاقها بائنًا.\nأولًا: المعتدة من طلاق رجعي:\nيترتب للمعتدة من طلاق رجعي ما يلي:\n١ - وجوب السكنى لها مع الزوج إذا لم يكن هناك مانعٌ شرعيٌ.","vol":"1","page":327},{"text":"٢ - وجوب النفقة لها من مؤنة، وكسوة، وغير ذلك.\n٣ - يجب عليها ملازمة السكن ولا تفارقه إلا لضرورة؛ لقوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ...) [الطلاق: ٦]، ولقوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) [الطلاق: ١].\n٤ - يحرم عليها التعرض لخطبة الرجال؛ إذ هي حبيسة على زوجها، فهي في حكم الزوجة؛ لقوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) [البقرة: ٢٢٨].\nثانيًا: إذا كانت معتدة بطلاق بائن:\nولا يخلو الحال فيها من أمرين:\n- إما أن تكون حاملًا.\n- وإما أن تكون غير حامل.\nأولًا: إن كانت حاملًا: فيترتب لها ما يلي:\n١ - وجوب السكنى على الزوج؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) [الطلاق: ١].\n٢ - النفقة؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُن) [الطلاق: ٦].\n٣ - ملازمة البيت الذي تعتد فيه، وعدم الخروج منه إلا لحاجة؛ لقوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ) [الطلاق: ١]. ودليل خروجها لحاجة: حديث جابر - ﵁ - قال: طُلِّقت خالتي، فأرادت أن تَجُدَّ نخلها (١)، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبيَّ - ﷺ -، فقال: (بلى اخرجي، فجُدِّي نخلك، فإنك عسى أن تَصَدّقي، أو تفعلي معروفًا) (٢).\n_________\n(١) الجداد -بالفتح والكسر-: صرام النخل، وهو قطع ثمرتها.\n(٢) رواه مسلم برقم (١٤٨٣).","vol":"1","page":328},{"text":"ثانيًا: إن كانت غير حامل: فيثبت لها ما يثبت للحامل إلا النفقة، وما يتبعها كالملبس فلا يثبت لها؛ لحديث فاطمة بنت قيس ﵂ حين طلقها زوجها تطليقة كانت بقيت لها، أن النبي - ﷺ - قال لها: (لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا) (١).\n٢ - عدة المتوفى عنها:\nيلزم المعتدة من وفاة زوجها الأحكام التالية:\n١ - يجب عليها أن تعتد في المنزل الذي مات فيه زوجها، وهي فيه، ولو مؤجرًا أو معارًا؛ لقوله - ﷺ - للفريعة بنت مالك: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) (٢). وفي رواية: (امكثي في بيتك الذي جاء فيه نعيُ زوجك ...). ولا يجوز تحولها إلى غيره إلا لعذر، كأن تخاف على نفسها البقاء فيه، أو تحول عنه قهرًا أو لغير ذلك، فيجوز لها التحول حيث شاءت؛ للضرورة.\n٢ - ملازمة البيت الذي تعتد فيه وعدم الخروج منه لغير حاجة. ويجوز لها الخروج من بيتها لحوائجها نهارًا لا في الليل؛ لأن الليل مظنة الفساد، فلا تخرج فيه من غير ضرورة، بخلاف النهار فإنه مظنة قضاء الحاجات.\n٣ - يجب عليها الإحداد على زوجها مدة العدة، وسيأتي الكلام على أحكام الإحداد تفصيلًا.\n٤ - ليس لها النفقة، لانتهاء الزوجية بالموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>المسألة الرابعة: في الإحداد:</span>\nتعريف الإحداد، ودليل مشروعيته:\n١ - تعريف الإحداد:\nالإحداد لغة: الامتناع، يقال: حادٌّ ومُحِدٌّ، إذا تركت المرأة الزينة والطيب.\n_________\n(١) رواه أبو داود برقم (٢٢٨٦)، والنسائي (٦/ ٢١٠)، ومسلم برقم (١٤٨٠) بمعناه، وصححه الألباني (صحيح سنن النسائي برقم ٣٣٢٤).\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (١٢٢٤) وقال: صحيح، وابن ماجه برقم (٢٠٣١)، وصححه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ١٦٥١)","vol":"1","page":329},{"text":"وشرعًا: هو ترك المرأة الزينةَ، والطيب، وغير ذلك مما يُرَغِّبُ فيها، ويدعو إلى جماعها.\n٢ - دليل مشروعية الإحداد:\nالإحداد واجب على المرأة المتوفى عنها؛ لحديث أم حبيبة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا) (١). وحديث أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: (كنا نُنهى أن نحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصْب (٢) ...) الحديث (٣).\nويجب في حقِّ المرأة المُحِدَّة ما يلي:\n١ - المنع عن مظاهر الزينة والطيب، فتمنع من لبس الثياب ذات الألوان الزاهية، ولا تكتحل، ولا تلبس الحلي ذهبًا أو فضة أو غيرهما، ولا تستعمل شيئًا من الأصباغ؛ لحديث أم سلمة ﵂ مرفوعًا: (المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا المُمَشَّق، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل) (٤)، ولحديث أم عطية الأنصارية المتقدم قبل قليل.\n٢ - وجوب ملازمتها بيتها الذي تعتد فيه ولا تخرج إلا لحاجة؛ لحديث الفُريعة بنت مالك ﵂ الماضي ذكره.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٣٣٤)، ومسلم برقم (١٤٨٦).\n(٢) العَصْبُ: بُرْد يصبغ غزله ثم ينسج، ولا يثنى ولا يجمع وإنما يثنى ويجمع ما يضاف إليه، فيقال: بردا عَصْب، وبرود عَصْب.\n(٣) رواه البخاري برقم (٥٣٤١)، ومسلم برقم (٩٣٨).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (٢٣٠٤)، والنسائي برقم (٣٥٣٥)، وصححه الألباني (الإرواء رقم ٢١٢٩).\nوالمُمَشَّق من الثياب: المصبوغ بالمِشْق، وهو صبغ أحمر.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>الباب التاسع: في الرضاع، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>المسألة الأولى: تعريف الرضاع، ودليل مشروعيته، وحكمه:</span>\n١ - تعريف الرضاع:\nالرضاع لغة -بفتح الراء ويجوز كسرها-: مص اللبن من الثدي، أو شربه.\nوشرعًا: هو مص طفل دون الحولين لبنًا ثاب عن حمل، أو شربه أو نحوه.\n٢ - دليل مشروعية الرضاع:\nالرضاع مشروع؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) [الطلاق: ٦].\nولقوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) [البقرة: ٢٣٣].\n٣ - حكم الرضاع:\nحكم الرضاع حكم النسب في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية، وإباحة الخلوة والنظر. فهو موجب للقرابة ناشر للتحريم بشروطه.\nوالدليل على التحريم بالرضاع: الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) [النساء: ٢٣] وذلك في سياق بيان المحرمات من النساء.\nوأما السنة: فحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الرضاعة تُحَرِّم ما تحرم الولادة) (١). وحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - في بنت حمزة: (إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم) (٢).\nوأما الإجماع: فقد أجمع علماء الأمة على التحريم بالرضاع.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٦٤٦)، ومسلم برقم (١٤٤٤).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥١٠٠)، ومسلم برقم (١٤٤٧). واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>المسألة الثانية: شروط الرضاع المحرم، وما يترتب على قرابة الرضاع:</span>\n١ - شروط الرضاع المحرم:\nلا يعد الرضاع موجبًا للقرابة، وناشرًا للتحريم، إلا بشرطين وهما:\n١ - أن يكون الإرضاع خلال السنتين الأوليين من عمر الرضيع، فلا يؤثر الرضاع بعد السنتين؛ لقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: ٢٣٣]، مع قوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) [لقمان: ١٤].\nولحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام) (١). ومعنى فتق الأمعاء: وصل إليها ووسعها؛ فالرضاع المحرم هو ما كان في الصغر، وقام مقام الغذاء، وذلك حيث يكون الرضيع طفلًا فيسدُّ اللبن جوعه وينبت لحمه.\n٢ - أن ترضعه خمس رضعات مشبعات فأكثر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان فيما نزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحَرِّمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهن فيما يقرأ من القرآن) (٢). وهذا مما نسخت تلاوته وبقي حكمه.\nولو وصل اللبن إلى جوف الطفل بغير الرضاع، كأن يقطر في فمه، أو يشربه في إناء ونحوه، فحكمه حكم الرضاع، بشرط أن يحصل من ذلك خمس مرات.\n٢ - ما يترتب على قرابة الرضاع:\nيترتب على القرابة الناشئة بسبب الرضاع حكمان، وهما:\n١ - حكم يتعلق بالحرمة.\n٢ - حكم يتعلق بالحل.\nأما ما يتعلق بالحرمة: فإنَّ الإرضاع له من التأثير في حرمة النكاح\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (٢١٣١) وقال. حسن صحيح، وصححه الألباني في الإرواء برقم (٢١٥٠).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٤٥٢).","vol":"1","page":332},{"text":"مثل ما لقرابة النسب؛ فأمك من الرضاع وان علت، وبنتك وإن سفلت، وأختك لأبويك أو لأحدهما، محرمات عليك بسبب هذه القرابة التي جاءت عن طريق الرضاع.\nوأما ما يتعلق بأثر الحل: فإن كل ما يحل بينك وبين قريبة لك من النسب كالأم والبنت، يحل بينك وبين من بينك وبينها رضاعة، فيحل بينهما النظر والخلوة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>المسألة الثالثة: إثبات الرضاع:</span>\nيثبت الرضاع بشهادة امرأة واحدة مرضية معروفة بالصدق، شهدت بذلك على نفسها أو على غيرها، أنها أرضعت طفلًا في الحولين خمس رضعات؛ وذلك لحديث عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة، فجاءت امرأة فقالت: إني قد أرضعتكما، فأتيت النبي - ﷺ - فقال: (وكيف وقد قيل؟ دعها عنك) أو نحوه (٢)، ولأن هذه شهادة على عورة، فتقبل فيها شهادة النساء منفردات عن الرجال، كالولادة.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الصفحة قبل السابقة.\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٦٦٠).","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>الباب العاشر: في الحضانة، وأحكامها، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>المسألة الأولى: في تعريف الحضانة، وحكمها، ولمن تكون</span>؟\nأ- تعريف الحضانة:\nلغة: تربية الصغير ورعايته، مشتقة من الحِضْن، وهو الجنب؛ لأن المربي والكافل يضم الطفل إلى جنبه.\nوالحاضن والحاضنة: الموكلان بالصبي يحفظانه ويرعيانه.\nوالحضانة شرعًا: هي القيام بحفظ من لا يميز ولا يستقل بأمره، وتربيته بما يصلحه بدنيًا ومعنويًا، ووقايته عما يؤذيه.\nب- حكمها: وهي واجبة في حق الحاضن إذا لم يوجد غيره، أو وجد ولكن المحضون لم يقبل غيره؛ لأنه قد يهلك، أو يتضرر بترك الحفظ، فيجب حفظه عن الهلاك، والوجوب الكفائي يكون عند تعدد الحاضنين.\nج- لمن تكون؟: والحضانة تكون للنساء والرجال من المستحقين لها، إلا أن النساء يقدمن في الحضانة على الرجال؛ لأنهن أشفق وأرفق بالصغار، وإذا لم يكن لهن حق في الحضانة تصرف إلى الرجال؛ لأنهم على الحماية والصيانة وإقامة مصالح الصغار أقدر.\nوحضانة الطفل تكون لوالديه إذا كان النكاح قائمًا بينهما، أمَّا إذا تفرقا فالحضانة للأم ما لم تنكح زوجًا أجنبيًا من المحضون؛ لقوله - ﷺ - للمرأة التي طلقها زوجها وأراد أن ينتزع ولدها منها: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) (١).\nومقتضى الحضانة: حفظ المحضون، وإمساكه عما يؤذيه، وتربيته حتى يكبر، وعمل جميع ما هو في صالحه: مِنْ تعهد طعامه، وشرابه، وغسله، ونظافته ظاهرًا وباطنًا، وتعهُّد نومه، ويقظته، والقيام بجميع حاجاته، ومتطلباته.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ١٨٢)، وأبو داود برقم (٢٢٧٦)، والحاكم (٢/ ٢٠٧) وصححه ووافقه الذهبي، وحسَّنه الألباني (الإرواء برقم ٢١٨٧).","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>المسألة الثانية: في شروط الحاضن، وموانع الحضانة:</span>\n١ - الإسلام: فلا حضانة لكافر على مسلم؛ لأنه لا ولاية له على المسلم، وللخشية على المحضون من الفتنه في دينه وإخراجه من الإسلام إلى الكفر.\n٢ - البلوغ والعقل: فلا حضانة لصغير ولا مجنون ولا معتوه؛ لأنهم عاجزون عن إدارة أمورهم، وفي حاجة لمن يحضنهم.\n٣ - الأمانة في الدين والعفة: فلا حضانة لخائن وفاسق؛ لأنه غير مؤتمن، وفي بقاء المحضون عندهما ضرر عليه في نفسه وماله.\n٤ - القدرة على القيام بشؤون المحضون بدنيًا وماليًا: فلا حضانة لعاجز لكبر سن، أو صاحب عاهة كخرس وصمم، ولا حضانة لفقير معدم، أو مشغول بأعمال كثيرة يترتب عليها ضياع المحضون.\n٥ - أن يكون الحاضن سليمًا من الأمراض المعدية: كالجذام ونحوه.\n٦ - أن يكون رشيدًا: فلا حضانة لسفيه مبذر لئلا يتلف مال المحضون.\n٧ - أن يكون الحاضن حرًا: فلا حضانة لرقيق؛ لأن الحضانة ولاية، وليس الرقيق من أهل الولاية.\nوهذه الشروط عامة في الرجال والنساء. وتزيد المرأة شرطًا آخر، وهو: أن لا تكون متزوجة من أجنبي من المحضون؛ لأنها تكون مشغولة بحق الزوج، ولقوله - ﷺ -: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) (١). وتسقط الحضانة بوجود مانع من الموانع المذكورة، أو زوال شرط من شروط استحقاقها السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>المسألة الثالثة: من الأحكام المتعلقة بالحضانة:</span>\n- إذا سافر أحد أبوي المحضون سفرًا طويلًا، ولم يقصد به المضارة، وكان الطريق آمنًا، فالأب أحق بالحضانة، سواء أكان هو المسافر أم المقيم؛ لأنه هو الذي يقوم بتأديب الولد والمحافظة عليه، فإذا كان بعيدًا ضاع الولد.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"1","page":335},{"text":"- إذا كان السفر لبلد قريب دون مسافة القصر، فالحضانة للأم، سواء أكانت هي المسافرة أم المقيمة؛ لأنها أتم شفقة ويمكن لأبيه الإشراف عليه، وتعهد حاله.\nأما إذا كان السفر طويلًا ولحاجة، وكان الطريق غير آمن فالحضانة تكون للمقيم منهما.\n- وتنتهي الحضانة عند سن السابعة، ويخير الذكر بعدها بين أبويه، فيكون عند من اختار منهما؛ لقوله - ﷺ -: (يا غلام! هذا أبوك وهذه أمك؛ فخذ بيد أيهما شئت) فأخذ بيد أمه فانطلقت به (١)، وقضى بالتخيير أيضًا: عمر وعليّ ﵄، ولا يخير إلا إذا بلغ عاقلًا، وكان الأبوان من أهل الحضانة.\nوقيد التخيير بالسبع؛ لأنه أول سن أمر فيه الشارع بمخاطبته بالصلاة. فإن اختار الولد أباه كان عنده ليلًا ونهارًا ليؤدبه ويربيه، ولا يمنعه من زيارة أمه، وان اختار أمه صار عندها ليلًا وعند أبيه نهارًا؛ ليؤدبه ويربيه، ولأن النهار وقت قضاء الحوائج، وعمل الصنائع.\nوالأنثى إذا بلغت سبع سنين فإنها تكون عند أبيها؛ لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها من غيره، ولقربها من سن التزويج، والأب وليها وإنما تخطب منه، وهو الأعلم بالكفء ممن يتقدَّمون لها، ولا تمنع الأم من زيارتها عند عدم المحظور كخوف الفساد عليها أو غير ذلك. فإن كان الأب عاجزًا عن حفظها؛ لشغله، أو لكبره، أو لمرضه، أو لقلة دينه. والأم أصلح وأقدر فإنها أحق بها.\nوكذلك إذا تزوج الأب وجعلها عند زوجته، تؤذيها وتقصر في حقها، فالأم أحق بالحضانة.\n- أجرة الحضانة -سواء أكان الحاضن أمًا أم غيرها- مستحقة من مال المحضون إن كان له مال، أو من مال وليه ومن تلزمه نفقته، إن لم يكن له مال.\n_________\n(١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٦)، وأبو داود برقم (٢٢٧٧)، والترمذي برقم (١٣٧٥) وقال: حسن صحيح، والحاكم (٤/ ٩٧) وصححه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني (الإرواء برقم ٢١٩٢).","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>الباب الحادي عشر: في النفقات، وفيه مسألتان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>المسألة الأولى: تعريف النفقة وأنواعها:</span>\nأ- تعريف النفقة:\nالنفقة لغة: مأخوذة من الإنفاق، وهو في الأصل بمعنى الإخراج والنفاد، ولا يستعمل الإنفاق إلا في الخير.\nوشرعًا: كفاية من يَمُونُه (١) بالمعروف قوتًا، وكسوة، ومسكنًا، وتوابعها.\nب- أنواع النفقات:\n١ - نفقة الإنسان على نفسه.\n٢ - نفقة الفروع على الأصول.\n٣ - نفقة الأصول على الفروع.\n٤ - نفقة الزوجة على الزوج.\nأولًا: نفقة الإنسان على نفسه:\nيجب على المرء أن يبدأ في الإنفاق على نفسه إن قدر على ذلك؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: أعتق رجل من بني عُذرة عبدًا له عن دُبُر (٢) إلى أن قال رسول الله - ﷺ - فيه: (ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك ...) (٣) الحديث.\nثانيًا: نفقة الفروع:\nفيجب على الوالد وإن علا نفقة ولده وإن سفل؛ لقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣]. فأوجب على الوالد نفقات رضاعة الولد، ولحديث عائشة ﵂ أن هند بنت عتبة قالت:\n_________\n(١) مانَ الرجل أهله يَمُونُهم مَوْنًا ومؤونة: كفاهم وعالهم وأنفق عليهم.\n(٢) تدبير العبد: هو تعليق عتقه بموت سيده، فيقول: أنت حر يوم أموت.\n(٣) رواه مسلم برقم (٩٩٧).","vol":"1","page":337},{"text":"يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (١).\nثالثًا: نفقة الأصول:\nفتجب نفقة الوالدين على ولدهما، لقوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: ١٥]. وقوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: ٢٣]، ومن الإحسان الإنفاق عليهما، بل إن ذلك من أعظم الإحسان إلى الوالدين.\nولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه) (٢)، ولحديث عمرو بن العاص - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: (أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من طيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم) (٣).\nرابعًا: نفقة الزوجة:\nتجب نفقة الزوجة على الزوج؛ لقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: ٣٤]، ولحديث جابر - ﵁ - في سياق حجة النبي - ﷺ - وفيه: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (٤)، ولقوله - ﷺ - في حديث جابر المتقدم: (فإن فضل شيء فلأهلك).\nولحديث عائشة المتقدم أيضًا، وفيه قوله - ﷺ - لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).\nفيلزم الزوج نفقة زوجته قوتًا، وسكنى، وكسوة بما يصلح لمثلها.\nوهذه النفقة تجب للزوجة التي في عصمته، وكذا المطلقة طلاقًا رجعيًا، ما دامت في العدة. وأما المطلقة البائن فلا نفقة لها، ولا سكنى، إلا أن تكون حاملًا فلها\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٢١١)، ومسلم برقم (١٧١٤).\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (١٣٥٨)، وأبو داود برقم (٣٥٢٨)، والنسائي (٧/ ٢٤١)، وابن ماجه برقم (٢١٣٧)، وصححه الشيخ الألباني (صحيح النسائي ٤١٤٤).\n(٣) أخرجه أبو داود برقم (٣٥٣٠)، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٨٣٨).\n(٤) رواه مسلم برقم (١٢١٨).","vol":"1","page":338},{"text":"النفقة، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>المسألة الثانية: نفقة المماليك والبهائم:</span>\nأولًا: نفقة المماليك:\nأ- حكم النفقة على المماليك: يجب على السيد نفقة مملوكه من قوت وكسوة وسكن بالمعروف، لقوله تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [الأحزاب: ٥٠]. وقوله - ﷺ -: (للمملوك طعامه وكسوته) (١).\nويجب الرفق بهم وعدم تحميلهم فوق طاقتهم؛ لقوله - ﷺ -: (ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) (٢).\nب- تزويج المملوك وإنكاحه: إن طلب الرقيق نكاحًا زوجه سيده؛ لقوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) [النور: ٣٢]، ولأنه يخشى وقوعه في الفاحشة إذا ترك إعفافه. وإذا طلبت الأمة نكاحًا؛ خيَّرها سيدها بين وطئها، أو تزويجها، أو بيعها إزالة للضرر عنها.\nثانيًا: نفقة البهائم:\nيجب على من ملك بهيمة إطعامها، وسقيها، والقيام بشؤونها، ورعايتها؛ لقوله - ﷺ -: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلًا) (٣).\nفدل ذلك على وجوب النفقة على الحيوان المملوك؛ لأن دخول المرأة النار كان بسبب ترك الإنفاق على الهرة، ومثلها باقي الحيوانات المملوكة.\nفإن عجز مالك البهيمة عن الإنفاق عليها، أجبر على بيعها، أو تأجيرها، أو ذبحها إن كانت مما يؤكل؛ لأن بقاءها في ملكه مع عدم الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (١٦٦٢).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (١٦٦١).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٦١٩).","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-448>عاشرًا: كتاب الجنايات</span>\nويشتمل على ثلاثة أبواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>الباب الأول: في الجنايات، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>المسألة الأولى: تعريف الجناية وأقسامها:</span>\nأ- تعريف الجِناية:\nالجِناية جمعها جنايات، وهي لغة: التعدي على بدن أو مال أو عرض، وقد جعل الفقهاء كتاب الجنايات خاصًا بالتَّعدي على البدن، وكتاب الحدود خاصًا بالتعدي على المال والعرض.\nفالجناية شرعًا: التعدِّي على البدن بما يوجب قصاصًا، أو مالًا، أو كفارة.\nب- أقسام الجناية: تنقسم الجناية إلى قسمين:\n١ - جناية على النفس.\n٢ - جناية على ما دون النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>المسألة الثانية: الجناية على النفس:</span>\nوهي كل فعل يؤدي إلى زهوق النفس، وهي القتل. وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [الإسراء: ٣٣]. ولحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) (١). فتحريم القتل بغير حق ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nحكم قاتل النفس بغير حق:\nإذا قتل شخص شخصًا متعمدًا بغير حق فحكمه أنه فاسق؛\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٣٣٥)، ومسلم برقم (١٦٧٧).","vol":"1","page":341},{"text":"لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، وقد عظَّم الله شأن القتل، فقال سبحانه: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: ٣٢]. وقال - ﷺ -: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا) (١). وقد توعده الله سبحانه، فقال: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا...) [النساء: ٩٣]. وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨]. فهو داخل تحت المشيئة؛ لأن ذنبه دون الشرك. هذا إن لم يتب، أما إذا تاب فتوبته مقبولة؛ لقوله ﷿: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: ٥٣] ولكن لا يسقط حق المقتول في الآخرة بمجرد توبة القاتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>المسألة الثالثة: أنواع القتل:</span>\nينقسم القتل إلى ثلاثة أقسام: القتل العمد، وشبه العمد، والخطأ.\nوالخطأ والعمد ورد ذكرهما في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) [النساء: ٩٢]. وقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٣].\nوأما شبه العمد: فثبت في السنة المطهرة أن النبي - ﷺ - قال: (عقل شبه العمد مغلظ، مثل عقل العمد) (٢).\nوإلى تفصيل القول في هذه الأقسام الثلاثة:\nالقسم الأول: قتل العمد:\nحقيقته: أن يقصد القاتل آدميًا معصومًا، فيقتله بما يغلب على الظن موته\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٦٨٦٢).\n(٢) رواه أبو داود برقم (٤٥٦٥)، وأحمد في المسند (٢/ ١٨٣) وحسَّنه الأرناؤوط في حاشية المسند (١١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":342},{"text":"به. فعلى هذا لابد من توافر ثلاثة شروط، حتى يكون القتل عمدًا:\n١ - وجود القصد من القاتل، وهو إرادة القتل.\n٢ - أن يعلم أن الشخص الذي قصد قتله آدمي معصوم الدم.\n٣ - أن تكون الآلة التي قتله بها مما تصلح أن تكون للقتل عادة، سواء أكانت محددة أم غير محددة.\nفإن اختل شرط من هذه الشروط لم يكن القتل عمدًا.\n• صور القتل العمد:\n١ - أن يضربه بمُحَدَّد، وهو ما يقطع ويدخل في البدن؛ كالسيف والسكين والرمح وما في معناها.\n٢ - أن يقتله بِمُثَقَّل كبير، كالحجر الكبير والمطرقة ونحوها؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - أن جارية وجد رأسها قد رُضَّ (١) بين حجرين. فسألوها: من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديًا، فأومت برأسها، فأُخذ اليهودي، فأقرَّ، فأمر به رسول الله - ﷺ - أن يرض رأسه بالحجارة. (٢)\n٣ - أن يمنع خروج نَفَسِهِ، كأن يخنقه بحبل ونحوه، أو يسد فمه، وأنفه، حتى يموت.\n٤ - أن يسقيه سُمًّا لا يعلم به، أو يطعمه شيئًا قاتلًا، فيموت به.\n٥ - أن يلقيه في مهلكة يكثر فيها السباع، أو ينعدم فيها الماء.\n٦ - أن يلقيه في ماء يغرقه، أو نار تحرقه، ولا يمكنه التخلص منهما.\n٧ - أن يحبسه، ويمنع عنه الطعام والشراب زمنًا يموت فيه غالبًا، فيموت بذلك جوعًا أو عطشًا.\n٨ - أن يلقيه إلى حيوان مفترس كأسد، أو حية قاتلة، فيموت من ذلك.\n٩ - أن يتسبب في قتله بما يقتل غالبًا، كأن يشهد عليه بما يوجب قتله من زنى، أو ردة، أو قتل، فيقتل، ثم يرجع الشهود عن شهادتهم ويقولون: تعمدنا قتله، فيقتلون به.\n_________\n(١) الرضُّ: الدق والكسر.\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٤١٣)، ومسلم برقم (١٦٧٢) -١٧.","vol":"1","page":343},{"text":"• حكم قتل العمد:\nلقتل العمد حكمان:\n١ - حكم أخروي: وهو تحريم القتل، ولفاعله الإثم العظيم، والعذاب الأليم، إن لم يتب، أو يعفو الله عنه؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٣].\n٢ - حكم دنيوي: فيترتب على قتل العمد القصاص إن لم يعف أولياء المقتول؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ١٧٨]، ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يعفو وإما أن يُقتل) وفي رواية: (إما أن يقاد وإما أن يُفدى) (١). فولي الدم مخير بين القصاص، أو العفو بلا مقابل، أو أخذ الدية وهي بدل عن القصاص وله الصلح على أكثر منها. قال الموفق: لا أعلم فيه خلافًا؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: (من قَتَلَ عمدًا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حِقَّةً وثلاثون جَذَعَةً وأربعون خَلِفَةً، وما صُولحوا عليه فهو لهم وذلك تشديد العقل) (٢). وعفوه بلا مقابل أفضل؛ لقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [البقرة: ٢٣٧].\n• شروط القصاص في النفس: يستحق ولي القتيل القصاص بشروط أربعة:\n١ - أن يكون القاتل مكلفًا، وهو البالغ العاقل. فلا قصاص على الصغير والمجنون والمعتوه والنائم، لقوله - ﷺ -: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٤٢٩٥)، ومسلم برقم (١٣٥٤).\n(٢) رواه ابن ماجه برقم (٢٦٢٦)، وغيره بسند حسن، انظر: إرواء الغليل (٧/ ٢٥٩)، وصحيح ابن ماجه برقم (٢١٢٥). والحقة من الإبل: ما أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، والجذعة: ما أتمت أربع سنين، ودخلت في الخامسة، والخلفة: الحامل من الإبل، وجمعها مخاض من غير لفظها.","vol":"1","page":344},{"text":"يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) (١)، ولأن هؤلاء ليس لهم قصد صحيح، أو لعدم وجود القصد منهم.\n٢ - أن يكون المقتول معصوم الدم؛ لأن القصاص شرع لحقن الدماء، ومهدر الدم غير محقون، فلو قتل مسلم كافرًا حربيًا، أو مرتدًا قبل توبته، أو زانيًا محصنًا، فلا قصاص عليه، ولا دية، لكنه يعزر لتعدِّيه على الحاكم.\n٣ - التكافؤ بين القاتل والمقتول، فيساويه في الحرية والدين والرق، فلا يقتل مسلم بكافر، ولو كان المسلم عبدًا والكافر حرًا؛ لقوله - ﷺ -: (لا يقتل مسلم بكافر) (٢). ولا يقتل حر بعبد؛ لقوله تعالى: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) [البقرة: ١٧٨] وما سوى ذلك فلا يؤثر التفاضل في شيء منها في القصاص، فيقتل الشريف بالوضيع، والذكر بالأنثى، والصحيح بالمجنون والمعتوه؛ لعموم قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: ٤٥].\n٤ - عدم الولادة، فلا يكون المقتول ولدًا للقاتل ولا لولده وإن سفل، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل، لقوله - ﷺ -: (لا يقتل والد بولده) (٣).\nويقتل الولد بكل من الأبوين؛ لعموم قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) [البقرة: ١٧٨].\n• الحكمة من القصاص:\nشرع الله سبحانه القصاص؛ رحمة بالناس، وحفظًا لدمائهم، وزجرًا عن العدوان، وإذاقة للجاني ما أذاقه لغيره، وفيه إذهاب لحرارة الغيظ من قلوب أولياء المجني عليه، وفيه حياة للناس، وبقاء للنوع الإنساني، كما قال سبحانه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: ١٧٩].\n_________\n(١) تقدم تخريجه مرارًا، انظر ص (٢٠٢).\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٩١٥).\n(٣) أخرجه الترمذي برقم (١٤٣٣، ١٤٣٤)، وابن ماجه برقم (٢٦٦١، ٢٦٦٢) وصححه الألباني، صحيح ابن ماجه (٢١٥٦، ٢١٥٧).","vol":"1","page":345},{"text":"• شروط استيفاء القصاص:\nإذا توافرت شروط استحقاق القصاص ووجوبه، فإنه لا يستوفى من الجاني ولا توقع العقوبة عليه إلا بشروط ثلاثة، وهي:\n١ - أن يكون مستحق القصاص مكلفًا -بالغًا عاقلًا- فإن كان مستحقه -أو بعضهم- صبيًا أو مجنونًا، لم ينب عنهما غيرهما في استيفائه، وإنما يحبس الجاني إلى حين بلوغ الصغير، وإفاقة المجنون. وقد فعله معاوية - ﵁ - وأقرَّه الصحابة، فكان كالإجماع منهم.\n٢ - اتفاق أولياء الدم المستحقين للقصاص جميعًا على استيفائه، وليس لبعضهم الانفراد به، لئلا يكون مستوفيًا لحق غيره بغير إذنه، فينتظر قدوم الغائب، وبلوغ الصغير، وإفاقة المجنون، ومن مات من مستحقي القصاص قام وارثه مقامه. وان عفا بعض مستحقي القصاص سقط القصاص.\n٣ - أن يُؤْمَن عدم تعدي القصاص إلى غير الجاني؛ لقوله تعالى: (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) [الإسراء: ٣٣]. فإن وجب القصاص على حامل لا تقتل حتى تضع حملها؛ لأن قتلها يتعدى إلى الجنين. فإن وضعت ما في بطنها: فإن وجد من يقوم مقامها في إرضاع الولد أقيم عليها الحدُّ، وإن لم يوجد تركت حتى تفطمه لحولين؛ لقوله - ﷺ - في حديث الغامدية: (إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه) فقام رجل من الأنصار فقال: إليَّ رضاعه يا نبي الله! فرجمها (١).\n• من أحكام القصاص:\n١ - ينفذ القصاص بحضور الحاكم -الإمام- أو نائبه، فهو الذي يقيمه ويأذن فيه؛ ليمنع من الجور فيه، ولإقامته على الوجه الشرعي، ودرءًا للفساد والتخريب والفوضى.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (١٦٩٥).","vol":"1","page":346},{"text":"٢ - الأصل أن يفعل بالجاني كما فعل بالمجني عليه؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [النحل: ١٢٦]. ولأن النبي - ﷺ - رضَّ رأس اليهودي الذي قتل الجارية بين حجرين، كما فعل بها (١). وكذا إن قطع يديه، ثم قتله، فعل به ذلك.\n٣ - لا بد أن تكون الآلة التي ينفذ بها القصاص ماضية، كسيف وسكين ونحوه؛ لقوله - ﷺ -: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) (٢).\n٤ - إن كان ولي المقتول يحسن الاستيفاء على الوجه الشرعي، مَكَّنه الحاكمُ من ذلك، وإلا أمره أن يوكل من يقتص له، ممن يحسن ذلك.\nالقسم الثاني: قتل شبه العمد:\nحقيقته: أن يقصد الاعتداء على شخص بما لا يقتل غالبًا، فيموت المجني عليه، ويسمى أيضًا خطأ العمد، فهو يشبه العمد من جهة قصد ضربه، ويشبه الخطأ من جهة ضربه بما لم يقصد به القتل، فلذلك كان حكمه مترددًا بين العمد والخطأ. وسواء في ذلك قصد العدوان عليه أو تأديبه.\n• من صور قتل شبه العمد وأمثلته:\n١ - أن يضربه في غير مقتل بسوط أو حجر صغير أو عصا صغيرة، أو يلكمه أو يلكزه في غير مقتل فيموت. واللَّكم: الضرب بجُمْع الكف، واللَّكز: الضرب بجمع الكف في الصدر.\n٢ - أن يربطه ويلقيه إلى جانب ماء قد يزيد وقد لا يزيد، فيزيد الماء، ويموت منه، وكذا لو ألقاه في ماء قليل لا يغرق مثله فغرق.\n٣ - أن يصيح بعاقل في حال غفلته فيموت، أو يصيح بصغير، أو معتوه، على سطح، فيسقط، فيموت.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في ص (٣٤٣).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (١٩٥٥).","vol":"1","page":347},{"text":"• حكم قتل شبه العمد:\nلقتل شبه العمد حكمان:\n١ - حكم أخروي: وهو الحرمة والإثم والعقاب في الآخرة؛ لأنه تسبب بفعله في قتل معصوم الدم، إلا أن عقابه دون قتل العمد.\n٢ - حكم دنيوي: فيترتب عليه الدية مغلظة، ولا يترتب عليه قصاص كالعمد وإن طالب به ولي الدم، وتجب الكفارة في مال الجاني، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين. وتثبت الدية لولي الدم على عاقلة (١) القاتل مؤجلة في ثلاث سنوات؛ لحديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه) (٢)، وحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: (ضربت امرأة ضرة لها بعمود فسطاط، وهي حبلى فقتلتها، فجعل رسول الله - ﷺ - دية المقتولة على عصبة القاتلة) (٣).\nالقسم الثالث: قتل الخطأ:\nحقيقته: أن يقتل شخصًا من غير قصد لقتله.\n• أنواع قتل الخطأ:\n١ - الخطأ في الفعل، وهو: أن يفعل ما يجوز له فعله فيصيب آدميًا معصومًا لم يقصده، كأن يرمي صيدًا، فيصيب إنسانًا فيقتله، أو ينقلب وهو نائم على إنسان فيموت.\n٢ - الخطأ في القصد، كأن يرمي ما يظنه مباحًا فيتبين آدميًا، كما لو رمى شيئًا يظنه صيدًا، فيتبين آدميًا معصومًا.\n٣ - أن يكون القاتل عمدًا صغيرًا أو مجنونًا، فعمد الصبي والمجنون يجري مجرى الخطأ؛ لأنهما ليس لهما قصد.\n_________\n(١) العاقلة: هم العصبة، وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية قتل الخطأ.\n(٢) تقدم تخريجه في ص (٣٤٢).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٦٨٢).","vol":"1","page":348},{"text":"ويلحق بقتل الخطأ: القتل بالتسبب، كما لو حفر بئرًا، أو حفرة في طريق، فتلف بسبب ذلك إنسان.\n• حكم قتل الخطأ:\nلهذا القتل حكمان:\n١ - حكم أخروي: وهو عدم الإثم والعقاب؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) (١).\n٢ - حكم دنيوي: وهو وجوب الدية على عاقلة القاتل مؤجلة ثلاث سنين ومخففة في خمسة أنواع من الإبل؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) [النساء: ٩٢]، ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: (قضى رسول الله - ﷺ - في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بِغُرَّةٍ: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قَضَى عليها بالغرة توفيت (٢)، فقضى رسول الله - ﷺ - أن ميراثها لزوجها، وبنيها، وأن العقل على عصبتها) (٣).\nوتجب على من قتل خطأً مع الدية كفارة وهي كالآتي:\n١ - عتق رقبة مؤمنة: وهذا إذا كان يستطيع العتق، ويشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة سليمة من العيوب؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢]. فإن لم يتمكن من العتق؛ لفقره أو لعدم وجود الرقيق، فإنه ينتقل إلى:\n٢ - صوم شهرين متتابعين إن كان يستطيع؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) [النساء: ٩٢]. فإن عجز عن الصوم\n_________\n(١) رواه ابن ماجه برقم (٢٠٤٣)، والبيهقي، وهو صحيح، وصححه الألباني في الإرواء برقم (٨٢).\n(٢) المراد أن المرأة التي قضي لها بالغرة -وهي المجنيّ عليها- هي التي توفيت. (شرح النووي على مسلم ١١/ ١٧٧).\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٧٤٠)، ومسلم برقم (١٦٨١).","vol":"1","page":349},{"text":"لمرض أو كبر سن بقيت الكفارة متعلقة في ذمته، ولا يجزئ عنه الإطعام؛ لأن الله تعالى لم يذكره، والأبدال في الكفارة تتوقف على النص دون القياس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>المسألة الرابعة: الجناية على ما دون النفس:</span>\nوهي كل أذى يقع على الإنسان مما لا يودي بحياته، من الجراح وقطع الأعضاء ونحو ذلك، ويجب في ذلك القصاص لثبوت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع:\nأما الكتاب: فقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: ٤٥].\nوأما السنة: فقوله - ﷺ - في قصة كسر الرّبَيِّع ثنية جارية: (كتاب الله القصاص) (١). وأجمع العلماء على وجوب القصاص فيما دون النفس، إن أمكن.\nوهي ثلاثة أنواع:\n١ - الجناية بالجرح.\n٢ - قطع طرف.\n٣ - إبطال منفعة عضو.\nالنوع الأول: الجناية بالجرح:\nوهذه الجناية تنقسم إلى قسمين:\nأ- الجراح الواقعة على الوجه والرأس وتسمى الشجاج، جمع شجة.\nب- الجراحات في سائر البدن، وتسمى جرحًا، لا شجة.\nالقسم الأول: الجراحات الواقعة في الرأس والوجه، وهي عشرة أنواع:\n١ - الحَارِصَة، وهي التي تحرص الجلد، أي: تشقه قليلًا، ولا تدميه، كالخدش، وتسمى القاشرة والمليطاء، من الحَرْص، وهو الشقُّ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٦٨٩٤)، ومسلم برقم (١٦٧٥).","vol":"1","page":350},{"text":"٢ - الدامية، وهي التي تدمي موضعها من الشق (تدمي الجلد) فيخرج منها دم يسير، وتسمى البازلة والدامعة، تشبيها بخروج الدمع من العين.\n٣ - الباضِعَة، وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد، أي تشقه شقًا خفيفًا، ولا تبلغ العظم.\n٤ - المتلاحمة، وهي التي تغوص في اللحم، ولا تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم.\n٥ - السِّمْحَاق، وهي التي تبلغ الجلدة الرقيقة بين اللحم والعظم من الرأس، سُميت الجراحة باسمها.\nوهذه الخمس ليس فيها قصاص ولا دية، وإنما يجب فيها حكومة، والحكومة هي أن يقوّم المجني عليه قبل الجناية كأنه عبد، ثم يُقَوَّم، وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة، فللمجني عليه مثل نسبته من الدية.\n٦ - المُوَضِّحة، وهي التي تخرق السمحاق وتوضح العظم أي تكشفه، وفيها خمس من الإبل، نصف عشر الدية.\n٧ - الهاشمة، وهي التي توضح العظم وتهشمه أي تكسره، وفيها عشر من الإبل.\n٨ - المُنَقِّلة، وهي التي تنقل العظم من موضع لآخر، سواء أوضحته، وهشمته، أو لا، وفيها خمس عشرة من الإبل.\n٩ - المأمومة، وهي التي تبلغ أم الدماغ أي: جلدة الدماغ المحيطة به، ويقال لها الآمَّة، وفيها ثلث دية النفس.\n١٠ - الدامغة، وهي التي تخرق جلدة الدماغ، وتصل إليه، وفيها ثلث دية النفس أيضًا.\nويضاف إلى ذلك الجائفة، وهي التي تصل إلى باطن الجوف، مما لا يظهر للرائي، كداخل بطن، وداخل ظهر، وصدر، وحلق، ومثانة، وهذه ليست من","vol":"1","page":351},{"text":"الشجاج، لأنها ليست في الرأس أو الوجه، إلا أنهم يذكرونها تبعًا بجامع التقدير فيها، وفيها ثلث دية النفس.\nودليل هذه الجراح:\n١ - حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - كتب إلى أهل اليمن كتابًا، وذكر فيه: (وفي المأمومة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل ... وفي الموضحة خمس من الإبل) (١).\n٢ - إجماع العلماء على أن دية المنقلة خمس عشرة من الإبل.\n٣ - اتفاق العلماء على أن في الجائفة ثلث الدية؛ لما في حديث عمرو بن حزم: (وفي الجائفة ثلث الدية).\n٤ - أثر زيد بن ثابت - ﵁ - أنه قضى في الهاشمة عشر من الإبل (٢)، ولم يُعرف له مخالف.\n٥ - ولما جاء في كتاب عمرو بن حزم السابق أن في المأمومة ثلث الدية، والدامغة أبلغ منها، فهي أولى منها بأن تكون فيها ثلث الدية.\nوهذه الشجاج لا يجب القصاص فيها، إلا في الموضحة فقط لتيسر ضبطها واستيفاء مثلها، بخلاف ما عداها، فإنه لا يؤمن فيها الزيادة والنقص في طول الجراحة وعرضها، ولا يوثق باستيفاء المثل.\nالقسم الثاني: الجراحات في سائر البدن:\nوهذه الجراحات تختلف باختلاف النوع، فما لا قصاص فيه إذا كان في الرأس أو الوجه فلا قصاص فيه أيضًا، إذا كان في سائر البدن، إلا الموضحة التي تقطع جزءًا من أجزاء البدن، كالصدر والعنق.\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٢/ ٢٥٢)، والحاكم (١/ ٣٩٧)، والبيهقي (٨/ ٧٣). وهو صحيح، انظر: إرواء الغليل (٧/ ٣٢٦).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٣١٤)، والبيهقي في سننه (٨/ ٧٢).","vol":"1","page":352},{"text":"النوع الثاني: قطع الطرف:\nتنقسم هذه الجنايه إلى ثلاثة أقسام:\n١ - عمد.\n٢ - شبه عمد.\n٣ - خطأ.\nولا يجب القصاص في الخطأ وشبه العمد، وإنما يجب في العمد كالقتل بشروط ثلاثة:\n١ - إمكان الاستيفاء بلا حيف، وذلك بأن يكون القطع من مفصل، أو له حد ينتهي إليه كالأنامل، والكوع، والمرفق. فلا قصاص في جراحة لا تنتهي إلى حد كالجائفة، ولا قصاص في كسر عظم غير السن، كعظم الفخذ والذراع والساق.\n٢ - التماثل بين عضوي الجاني والمجني عليه في الاسم والموضع، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا خنصر ببنصر، ولا عضو أصلي بزائد.\n٣ - استواء العضوين من الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال، فلا تؤخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصتها، وهكذا.\nالنوع الثالث: إبطال منفعة عضو:\nإذا أبطل الجاني منفعة عضو المجني عليه فإنه لا قصاص عليه؛ لعدم إمكان الاستيفاء بلا حيف، وعليه في ذلك دية نفس كاملة.\nومن نقصت منفعة عضوه، فإن عرف قدره وجب له من الدية قسط الذاهب، كنصف الدية أو ربعها مثلًا، إذا كان الذاهب نصف المنفعة أو ربعها، وهكذا.\nوان لم يمكن معرفة قدر الذاهب من المنفعة، وجبت حكومة، يقدرها الحاكم باجتهاده.\nومن المنافع: إزالة العقل والسمع والبصر، وإبطال الشم، وذهاب النطق والصوت والذوق، وزوال المضغ وزوال الإمناء، وإبطال قوة الإحبال، وغير ذلك.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>الباب الثاني: في الديات، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>المسألة الأولى: تعريفها</span>.\nالدِّيَة لغة: من: وَدَيْتُ القتيلَ أَدِيهِ دِيةً، إذا أعطيت ديته، والجمع: ديات.\nوشرعًا: هي المال المؤدَّى للمجني عليه أو لوليه بسبب الجناية.\nوتسمى أيضًا (العَقْل)؛ لأن القاتل كان يجمع الدية من الإبل، فيعقلها بفناء أولياء المقتول؛ ليسلمها إليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>المسألة الثانية: مشروعيتها، ودليل ذلك، والحكمة منها:</span>\n١ - أدلة مشروعيتها: الدية واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) [النساء: ٩٢].\nوأما السنة: فحديث أبي هريرة المتقدم ذكره: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقتل). وكذا حديث عمرو بن حزم في الكتاب الذي كتبه له النبي - ﷺ - وفيه مقادير الديات.\nوأجمع أهل العلم على وجوب الدية.\n٢ - حكمة مشروعيتها: أما الحكمة من مشروعيتها: فهي حفظ الأرواح، وحقن دماء الأبرياء، والزجر، والردع عن الاستهانة بالأنفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>المسألة الثالثة: على من تجب الدية؟ ومن يتحملها</span>؟\nمن أتلف إنسانًا أو جزءًا منه، لا يخلو من أحد أمرين:\n- إن كانت الجناية التي فسدت بسببها النفس عمدًا محضًا، وجبت الدية كلها في مال القاتل، إن حصل العفو وسقط القصاص. فإن بدل التلف يجب على متلفه، قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤].","vol":"1","page":354},{"text":"- وأما إن كانت الجناية خطأً أو شبه عمد، فإن الدية تكون على عاقلة القاتل؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: (قضى رسول الله - ﷺ - في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغُرَّة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله - ﷺ - أن ميراثها لزوجها، وبنيها، وأن العقل على عصبتها) (١).\nوإنما وجبت على العاقلة؛ لأن جنايات الخطأ كثيرة، والجاني فيها معذور، فوجبت مواساته، والتخفيف عنه بخلاف المتعمد؛ ولأن المتعمد يدفع الدية فداءً عن نفسه؛ لأنه يجب عليه القصاص، فإن عفي عنه تَحَمَّل الدية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>المسألة الرابعة: أنواع الديات ومقاديرها:</span>\n١ - أنواع الديات:\nالأصل في الدية هو الإبل، لقوله - ﷺ -: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل ...) (٢).\nوقوله - ﷺ -: (ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل) (٣).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم ... فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت. قال: ففرضها عمر -وفي رواية: فقوَّم- على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة) (٤).\nوعلى هذا؛ فإن الأصل في الدية الإبل. وهذه الأشياء المذكورة سواها يكون معتبرًا بها من باب التقويم، وقد كان ذلك من عمر ﵁ بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا ذلك عليه، فيكون إجماعًا، فتدفع الدية إبلًا، أو قيمتها، من هذه الأشياء المذكورة.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في ص (٣٤٩).\n(٢) أخرجه النسائي برقم (٤٨٥٧). وصححه الألباني (صحيح النسائي رقم ٤٥١٣).\n(٣) أخرجه النسائي برقم (٤٧٩١). وصححه الألباني (صحيح النسائي رقم ٤٤٦٠).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (٤٥٤٢). وحسنه الألباني (الإرواء رقم ٢٢٤٧).","vol":"1","page":355},{"text":"٢ - مقادير الدية:\n- دية الحر المسلم: تكون مائة من الإبل، وتغلظ في قتل العمد وشبهه، وتغليظ الدية: أن يكون في بطون أربعين منها أولادها، كما تقدم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه: (وأربعون خَلِفَة).\n- دية الحر الكتابي: دية الكتابي الحر -ذميًا كان أو غيره- نصف دية المسلم، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي - ﷺ - قال: (عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين) (١). وفي لفظ: (دية العاهد نصف دية المسلم).\n- دية المرأة: دية الحرة المسلمة على النصف من دية الرجل الحر المسلم، كما في كتاب عمرو بن حزم: (دية المرأة على النصف من دية الرجل). ونقل ابن عبد البر، وابن المنذر، الإجماع على ذلك.\n- دية المجوسي: دية المجوسي الحر -ذميًا كان أو معاهدًا أو غيره- وكذا الوثني: ثمانمائة درهم؛ لحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: (دية المجوسي ثمانمائة درهم) (٢).\n- دية المجوسية ونساء أهل الكتاب وعبدة الأوثان: على النصف من دية ذكرانهم، كما أن دية نساء المسلمين على النصف من دية ذكرانهم؛ لعموم حديث عمرو بن شعيب المتقدم: (عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين).\n- دية الجنين: دية الجنين إذا سقط ميتًا بسبب جناية على أمه عمدًا أو خطأ: غرة عبد أو أمة، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (قضى رسول الله - ﷺ - في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة: عبد أو أمة) (٣). وتُقَدَّر الدية بعشر دية أمه وهي: خمس من الإبل. وتورث الغرة عنه، كأنه سقط حيًّا.\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٨/ ٤٥)، والترمذي برقم (١٤١٣) وحسنه، وحسنه الألباني (إرواء الغليل برقم ٢٢٥١).\n(٢) أخرجه البيهقي في سننه (٨/ ١٠١) وفيه ضعف، لكنه قول جماعة من الصحابة، ولا يعرف لهم مخالف. انظر: التلخيص الحبير (٤/ ٣٤).\n(٣) تقدم تخريجه ص ٣٤٩.","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>الباب الثالث: في القسامة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>المسألة الأولى: تعريفها، وحكمها، وحكمتها:</span>\n١ - تعريفها: القسامة لغة: مصدر قولهم: أَقْسَمَ يُقْسِمُ إقسامًا وقَسَامَةً، أي: حلف حلفًا.\nوشرعًا: هي الأيمان المكررة في دعوى القتيل المعصوم، سميت بذلك؛ لأن الأيمان تقسم على أولياء القتيل فيحلفون خمسين يمينًا أن المدَّعى عليه قتل صاحبهم. وصورتها: أن يوجد قتيل لا يُعرف قاتله، فتجري القسامة على الجماعة التي ينحصر فيها إمكان قتله، وذلك إذا توافرت الشروط الآتي ذكرها.\n٢ - مشروعيتها: وهي مشروعة، ويثبت بها القصاص، أو الدية، إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار، ووجد اللَّوْث، وهو العداوة الظاهرة بين القتيل والمتهم بقتله؛ كالقبائل التي يطلب بعضها بعضًا بالثأر، وقيل: لا يختص بذلك، بل يتناول كل ما يغلب على الظن صحة الدعوى.\nوالدليل على مشروعيتها: حديث سهل بن أبي حَثْمة: أن عبد الله بن سهل ومُحَيِّصَة بن مسعود خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل، وطرح في عين أو فَقِير (١)، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه. فقالوا: والله ما قتلناه. ثم أقبل حتى أتى على قومه، فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة -وهو أكبر منه- وعبد الرحمن بن سهل ... فقال رسول الله - ﷺ - لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: (أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم) وفي رواية (تأتون بالبينة)، قالوا: ما لنا بينة. فقال: (أتحلفون)؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد، ولم نر. قال: (فتحلف لكم يهود؟)، قالوا: ليسوا بمسلمين. فوداه رسول الله - ﷺ - مِنْ عنده، فبعث إليهم رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) الفَقِير: البئر الواسعة الفم، القريبة القعر، وقيل: الحفيرة تكون حول النخل.","vol":"1","page":357},{"text":"مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء (١).\nفدل ذلك على مشروعية القسامة، وأنها أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه.\n٣ - حكمتها: شرعت القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها؛ فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء، وصيانتها، وعدم إهدارها، ولما كان القتل يكثر، بينما تقل الشهادة عليه؛ لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، جعلت القسامة حفظًا للدماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>المسألة الثانية: شروط القسامة:</span>\n١ - أن يكون هناك لوث، وقد سبق بيان معناه.\n٢ - أن يكون المدَّعَى عليه مكلفًا، فلا تصح الدعوى فيها على صغير ولا مجنون.\n٣ - أن يكون المدَّعِي مكلفًا أيضًا، فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون.\n٤ - أن يكون المدَّعَى عليه معينًا، فلا تقبل الدعوى على شخص مبهم.\n٥ - إمكان القتل من المدَّعى عليه، فإن لم يمكن منه القتل لبعده عن مكان الحادث وقت وقوعه ونحو ذلك، لم تسمع الدعوى.\n٦ - ألا تتناقض دعوى المُدَّعِي.\n٧ - أن تكون دعوى القسامة مفصلة موصوفة، فيقول: أدّعي أن هذا قتل وليي فلان بن فلان، عمدًا أو شبه عمد أو خطأ، ويصف القتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>المسألة الثالثة: صفة القسامة:</span>\nإذا توافرت شروط القسامة، يُبدأ بالمدعين فيحلفون خمسين يمينًا توزع عليهم\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٦٨٩٨، ٦٨٩٩)، ومسلم في القسامة برقم (١٦٦٩) - ٦، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":358},{"text":"على قدر إرثهم من القتيل، أن فلانًا هو الذي قتله. ويكون ذلك بحضور المدعى عليه؛ لقوله - ﷺ - في حديث ابن أبي حثمة الماضي: (أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟) (١).\nفإن أبى الورثة أن يحلفوا، أو امتنعوا من تكميل الخمسين يمينًا، فإنه يحلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا إذا رضي المدعون بأيمانه؛ لقوله - ﷺ - في الحديث المتقدم: (فتحلف لكم يهود؟) قالوا: ليسوا بمسلمين، ولم يرضوا بأيمانهم. فإذا حلف برئ، وإن لم يرض المدعون بتحليف المدعى عليه فدى الإمام القتيل بالدية من بيت المال، كما فعل النبي - ﷺ - عندما فدى القتيل من بيت المال عندما امتنع الأنصار من قبول أيمان اليهود؛ لأنه لم يبق سبيل لإثبات الدم على المدَّعى عليه، فوجب الغرم من بيت المال؛ لئلا يضيع دم المعصوم هدرًا.\nومن قُتل في الزحام فإنه تدفع ديته من بيت المال؛ لما روي عن علي - ﵁ - أنه قال لعمر - ﵁ - في رجل قتل في زحام الناس بعرفة: (يا أمير المؤمنين لا يُطَلُّ (٢) دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال) (٣).\n_________\n(١) البخاري (رقم ٦٨٩٩).\n(٢) أي يهدر، يقال: طَلَّ السلطان الدم، طَلًاّ -من باب قَتَلَ-: أهدره.\n(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (١٠/ ٥١)، وابن أبي شيبة (٩/ ٣٩٥).","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>حادي عشر: كتاب الحدود</span>\nويشتمل على ثمانية أبواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>الباب الأول: في تعريف الحدود، ومشروعيتها، والحكمة منها، ومسائل أخرى:</span>\n١ - تعريفها: الحد لغة: هو المنع، وحدود الله: محارمه التي نهى عن ارتكابها وانتهاكها، قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) [البقرة: ١٨٧] سميت بذلك لأنها تمنع من الإقدام على الوقوع فيها.\nوشرعًا: عقوبة مقدرة في الشرع؛ لأجل حق الله تعالى. وقيل: عقوبة مقدرة شرعًا في معصية؛ لتمنع من الوقوع في مثلها أو في مثل الذنب الذي شرع له العقاب.\n٢ - دليل مشروعيتها: الأصل في مشروعية الحدود الكتاب والسنة والإجماع؛ فقد قرر الكتاب والسنة عقوبات محددة لجرائم ومعاصٍ معينة، كالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وغيرها، مما سيأتي تفصيله في الأبواب التالية إن شاء الله، مع ذكر أدلة ذلك كله.\n٣ - الحكمة من مشروعية الحدود: شرعت الحدود؛ زجرًا للنفوس عن ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات الله سبحانه، فتتحقق الطمأنينة في المجتمع ويشيع الأمن بين أفراده، ويسود الاستقرار، ويطيب العيش.\nكما أن فيها تطهيرًا للعبد في الدنيا؛ لحديث عبادة بن الصامت مرفوعًا في البيعة، وفيه: (ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارته) (١). وحديث خزيمة ابن ثابت مرفوعًا: (من أصاب حدًا أقيم عليه ذلك الحد، فهو كفارة ذنبه) (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٦٧٨٤)، ومسلم برقم (١٧٠٩).\n(٢) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢١٤)، والدارقطني في سننه رقم (٣٩٧). قال الحافظ ابن حجر: سنده حسن. (الفتح ١٢/ ٨٦). وصححه الشيخ الألباني (صحيح الجامع برقم ٦٠٣٩).","vol":"1","page":361},{"text":"وهذه الحدود مع كونها محققة لمصلحة العباد، فإنها عدل كلها وإنصاف، بل هي غاية العدل.\n٤ - وجوب إقامة الحدود وتحريم الشفاعة فيها:\nتجب إقامة الحدود بين الناس منعًا للمعاصي وردعًا للعصاة، وقد قال رسول الله - ﷺ - مرغبًا في إقامة الحدود: (إقامة حد من حدود الله، خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله ﷿) (١).\nوتحرم الشفاعة في الحدود لإسقاطها وعدم إقامتها، إذا بلغت الإمام وثبتت عنده، كما يحرم على ولي الأمر قبول الشفاعة في ذلك؛ لقوله - ﷺ -: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره) (٢)، ولرده - ﷺ - شفاعة أسامة بن زيد في المخزومية التي سرقت، وغضبه لذلك، حتى قال - ﷺ -: (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) (٣).\nوأما العفو عن الحدّ قبل أن يبلغ الإمام فجائز؛ لقوله - ﷺ - للذي سُرقَ رداؤه، فأراد أن يعفو عن السارق: (فهلاَّ قبل أن تأتيني به) (٤).\n٥ - من يقيم الحد ومكان إقامته:\nالذي يقيم الحد هو الإمام أو نائبه، فقد كان النبي - ﷺ - يقيم الحدود في حياته، ثم خلفاؤه من بعده. وقد وَكَل النبي - ﷺ - من يقيم الحد نيابة عنه، فقال: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) (٥).\nووجب ذلك على الإمام؛ ضمانًا للعدالة، ومنعًا للحيف والظلم.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه برقم (٢٥٣٧)، وأحمد (٢/ ٤٠٢) واللفظ لابن ماجه، وحسنه الألباني (صحيح ابن ماجه برقم ٢٠٥٦ - ٢٠٥٧)، وانظر: السلسلة الصحيحة برقم (٢٣١).\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٣٥٩٧)، وأحمد (٢/ ٧٠)، والحاكم (٢/ ٢٧) وصحح إسناده، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني (الصحيحة برقم ٤٣٧).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (٦٧٨٨)، ومسلم برقم (١٦٨٨).\n(٤) أخرجه أبو داود برقم (٤٣٩٤)، والحاكم (٤/ ٣٨٠) وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني (الإرواء برقم ٢٣١٧).\n(٥) أخرجه البخاري برقم (٦٨٣٥، ٦٨٣٦)، ومسلم برقم (١٦٩٧، ١٦٩٨).","vol":"1","page":362},{"text":"ويقام الحد في أيّ مكان غير المسجد، فقد (نهى النبي - ﷺ - أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود) (١)؛ وذلك صيانة للمسجد عن التلوث ونحوه. وجاء في بعض الروايات في قصة رجم ماعز: (فأخرج إلى الحرة فرجم) (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم (٤٤٩٠)، وأحمد (٣/ ٤٣٤) وحسنه الألباني (الإرواء برقم ٢٣٢٧).\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (١٤٢٨). وقال: حديث حسن. وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح الترمذي برقم ١١٥٤).","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-465>الباب الثاني: في حد الزنى، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>المسألة الأولى: تعريف الزنى وحكمه وخطورته:</span>\n١ - تعريف الزنى:\nالزنى لغة: يطلق على وطء المرأة من غير عقد شرعي، وعلى مباشرة المرأة الأجنبية.\nوشرعًا: وطء الرجل المرأة في القُبُل من غير المِلك وشبهته. أو: هو فِعلُ الفاحشة في قبل أو دبر.\n٢ - حكم الزنى:\nالزنى محرم، وهو من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) [الإسراء: ٣٢].\nولحديث ابن مسعود - ﵁ - قال: (سألت رسول الله - ﷺ - عن أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك) (١).\nوأجمع العلماء على تحريمه.\n٣ - خطورة جريمة الزنى، وشناعتها، ومفاسدها:\nالزنى من أعظم الجرائم وأشنعها وأكثرها خطرًا على الأفراد والمجتمعات، لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب، مما يؤدي إلى ضياع الحقوق عند التوارث، وضياع التعارف، والتناصر على الحق. وهو سبب في تفكك الأسرة، وضياع الأبناء، وسوء تربيتهم، وفساد أخلاقهم. وفيه تغرير بالزوج؛ إذ قد ينتج عن الزنى حمل، فيربي الزوج غير ابنه. وأضراره كثيرة لا يخفى أثرها في الأفراد والمجتمعات: من ضياع وانحلال وتفكك.\nلذا حذَّر منه الإسلام أشد التحذير، ورتب على ارتكابه أشد العقوبة، كما سيأتي بيانه.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٦٨٦١)، ومسلم برقم (٨٦).","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>المسألة الثانية: حدُّ الزنى:</span>\nلا يخلو حال الزاني من أحد أمرين:\n١ - أن يكون محصنًا.\n٢ - أو يكون غير محصن.\nأولًا: الزاني المحصن:\nويشترط للإحصان الموجب للحدِّ الشروط التالية:\nأ- أن يحصل منه الوطء في القبل، وذلك بأن يتقدم للزاني والزانية وطء مباح في الفرج.\nب- أن يكون الوطء في نكاح صحيح.\nج- أن يكون الرجل والمرأة حال الوطء بالغين حرين عاقلين.\nفالمحصن: هو من وَطِئ زوجته في قُبُلِهَا، بنكاح صحيح، وكانا بالغين عاقلين حرين.\nفهذه خمسة شروط لا بد منها لحصول الإحصان الموجب للحدِّ، وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والوطء في الفرج، وأن يكون الوطء بنكاح صحيح.\nحده: إذا زنى المحصن فإن حده الرجم بالحجارة حتى الموت، رجلًا كان، أو امرأة. والرجم ثابت عن النبي - ﷺ - بالتواتر من قوله وفعله. وقد كان الرجم مذكورًا في القرآن، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وذلك في قوله ﷿: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم).\nفعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه خطب فقال: (إن الله بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء إذا","vol":"1","page":365},{"text":"قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف) (١)، ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله - ﷺ - وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثَنَى ذلك عليه أرج مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله - ﷺ - فقال: (أبك جنون؟) قال: لا، قال: (فهل أحصنت؟) قال: نعم، فقال النبي - ﷺ -: (اذهبوا به فارجموه) (٢).\nوأجمع العلماء على أن من زنى، وهو محصن، فحكمه الرجم بالحجارة حتى الموت.\nثانيًا: الزاني غير المحصن:\nوهو من لم تتوافر فيه الشروط السابقة في الزاني المحصن.\nحده: إذا زنى غير المحصن فإن حده الجلد مائة جلدة، وتغريب عام، إلا أنه يشترط في تغريب المرأة وجود محرم معها؛ لقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) [النور: ٢] ولحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي عام) (٣). وتغريب الزاني: نفيه وإبعاده عن وطنه.\nوإن زنى الرقيق -محصنًا كان أو غير محصن، عبدًا كان أو أمة- فإن حده أن يجلد خمسين جلدة، لقوله تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥]. فالعذاب المذكور في الآية هو الجَلْدُ مائة جلدة، فينصرف التنصيف إليه، ولأن الرجم لا يمكن تنصيفه.\nولا تغريب على الرقيق، إذ لم ترد السنة بتغريب المملوك إذا زنى، ولأن في تغريبه إضرارًا بسيده. ولا تغرب المرأة إلا بمحرم كما سبق.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٨٧٢)، ومسلم برقم (١٦٩١).\n(٢) رواه البخاري برقم (٦٨٢٥)، ومسلم برقم (١٦٩١) - ١٦، واللفظ لمسلم.\n(٣) رواه مسلم برقم (١٦٩٠).","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>المسألة الثالثة: بِمَ يثبت الزنى</span>؟\nلإقامة حد الزنى لا بد من إثبات وقوعه، ولا يثبت وقوعه إلا بأحد أمرين: الأمر الأول: أن يقر به الزاني أربع مرات، ولو في مجالس متعددة؛ فقد أخذ النبي - ﷺ - باعتراف ماعز والغامدية. وأما اشتراط الأربع: فلأن ماعزًا اعترف عند النبي - ﷺ - ثلاث مرات فرده، فلما اعترف الرابعة أقام عليه الحد.\n- ولا بد أن يصرح في إقراره بحقيقة الزنى والوطء، لاحتمال أنه أراد غير الزنا من الاستمتاع الذي لا يوجب حدًا، فقد قال النبي - ﷺ - لماعز حين أقر عنده: (لعلك قَبَّلت أو غمزت؟) قال: لا. وكرر معه الاستيضاح عدة مرات حتى زال كل احتمال.\n- ولا بد أن يثبت على إقراره حتى إقامة الحد، ولا يرجع عنه، فقد قرَّر النبي - ﷺ - ماعزًا مرة بعد مرة، لعله يرجع عن إقراره، ولأن ماعزًا لما هرب أثناء رجمه قال رسول الله - ﷺ -: (هلا تركتموه؟!) (١).\nالأمر الثاني: أن يشهد عليه بالزنى أربعة شهود، لقوله تعالى: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) [النور: ١٣]. وقوله: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) [النساء: ١٥].\nويشترط لصحة شهادتهم عليه بالزنى شروط:\n١ - أن يكون الشهود أربعة، للآيات المتقدمة، فإن كانوا أقل من أربعة لم تقبل.\n٢ - أن يكونوا مكلفين -بالغين عاقلين-، فلا تقبل شهادة الصبيان والمجانين.\n٣ - أن يكونوا رجالًا عدولًا، فلا تقبل شهادة النساء في حد الزنى، صيانة لهن وتكريمًا، لأن الزنى فاحشة. ولا تقبل شهادة الفاسق أيضًا؛ لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: ٦].\n_________\n(١) أخرجه الترمذي برقم (١٤٢٨)، وابن ماجه برقم (٢٥٥٤) وحسنه الترمذي. وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح الترمذي رقم ١١٥٤).","vol":"1","page":367},{"text":"٤ - أن يعاين الشهود الزنى ويصفوا ذلك وصفًا صريحًا يدفع كل الاحتمالات عن إرادة غيره من الاستمتاع المحرم، فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة، وإنما أبيح النظر في مثل ذلك للضرورة.\n٥ - أن يكون الشهود مسلمين، فلا تقبل شهادة الكافر لعدم تحقق عدالته.\n٦ - أن يشهدوا عليه في مجلس واحد، سواء جاءوا مجتمعين أو متفرقين في المجلس نفسه.\nفإن اختل شرط من هذه الشروط، وجب إقامة حد القذف على الشهود جميعًا؛ لأنهم قذفة.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>الباب الثالث: في حد القذف، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>المسألة الأولى: معنى القذف وحكمه:</span>\n١ - تعريف القذف:\nالقذف لغة: الرمي، ومنه القذف بالحجارة وغيرها، ثم استعمل في الرمي بالمكاره كالزنى واللواط ونحوهما؛ لعلاقة المشابهة بينهما، وهي الأذى.\nوشرعًا: الرمي بزنى أو لواط، أو شهادة بأحدهما ولم تكمل البينة، أو نفي نسب موجب للحد فيهما.\n٢ - حكم القذف:\nالقذف في الأصل حرام بالكتاب، والسنة، والإجماع، وكبيرة من كبائر الذنوب، فيحرم الرمي بالفاحشة.\nلقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ٢٣].\nولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)، وذكر منها: (قذف المحصنات المؤمنات الغافلات) (١).\nوقد أجمع المسلمون على تحريم القذف وعدوه من كبائر الذنوب.\nويجب القذف على من يرى زوجته تزني، ثم تلد ولدًا يقوى في ظنه أنه من الزاني؛ لئلا يلحقه الولد، ويدخله على قومه وليس منهم. ويباح القذف لمن رأى زوجته تزني، ولم تلد من ذلك الزنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>المسألة الثانية: حد القذف، والحكمة منه:</span>\n١ - حد القذف: لقد قرر الشارع أن من قذف مسلمًا بالزنى، ولم تقم بينة على صدقه فيما قذف به أنه يجلد ثمانين جلدة إن كان حرًا، وأربعين إن كان\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٧٦٦)، ومسلم برقم (٨٩).","vol":"1","page":369},{"text":"عبدًا، رجلًا كان أو امرأة، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: ٤]. ويجب على القاذف -مع إقامة الحد عليه- عقوبة، وهي رد شهادته والحكم بفسقه؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: ٤].\nفإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وتوبته: أن يكذب نفسه فيما قذف به غيره، ويندم ويستغفر ربه، لقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: ٥].\n٢ - الحكمة منه: يهدف الإسلام من إقامة حد القذف إلى صيانة المجتمع، والمحافظة على أعراض الناس، وقطع ألسنة السوء، وسد باب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>المسألة الثالثة: شروط إيجاب حد القذف:</span>\nلا يجب حد القذف إلا إذا توافرت شروط في القاذف، وشروط في المقذوف، حتى يصبح جريمة تستحق عقوبة الجلد:\nأولًا: شروط القاذف، وهي خمسة:\n١ - أن يكون بالغًا، فلا حد على الصغير.\n٢ - أن يكون عاقلًا، فلا حد على المجنون والمعتوه.\n٣ - ألا يكون أصلًا للمقذوف، كالأب والجد والأم والجدة، فلا حدَّ على الوالد -الأب أو الأم- إن قذف ولده -الابن أو البنت- وإن سفل.\n٤ - أن يكون مختارًا، فلا حد على النائم والمكره.\n٥ - أن يكون عالمًا بالتحريم، فلا حد على الجاهل.\nثانيًا: شروط المقذوف، وهي خمسة أيضًا:\n١ - أن يكون المقذوف مسلمًا، فلا حدَّ على من قذف كافرًا؛ لأن حرمته ناقصة.\n٢ - أن يكون عاقلًا، فلا حدَّ على من قذف المجنون.","vol":"1","page":370},{"text":"٣ - أن يكون بالغًا أو يكون ممن يطأ ويوطأ مثله، وهو ابن عشر وبنت تسع فأكثر.\n٤ - أن يكون عفيفًا عن الزنى في الظاهر، فلا حدَّ على من قذف الفاجر.\n٥ - أن يكون المقذوف حرًا، فلا حدَّ على من قذف مملوكًا، لقوله - ﷺ -: (من قذف مملوكه بالزنى يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال) (١).\nقال الإمام النووي ﵀: \"فيه إشارة إلى أنه لا حدَّ على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، لكن يعزر قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن ... \" (٢).\nفتبين مما تقدم أن شرط إقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف محصنًا، وهو من كان: مسلمًا، عاقلًا، حرًا، عفيفًا عن الزنى، بالغًا أو يكون ممن يطأ أو يوطأ مثله. وذلك لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) [النور: ٤].\nفمفهوم ذلك: أنه لا يُجلد من قذف غير المحصن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>المسألة الرابعة: شروط إقامة حدَّ القذف:</span>\nإذا وجب حدُّ القذف فإنه لا بد من شروط أربعة لإقامته، وهي:\n١ - مطالبة المقذوف للقاذف، واستدامة الطلب حتى إقامة الحد؛ لأن حدَّ القذف حق للمقذوف لا يقام إلا بطلبه ويسقط بعفوه. فإذا عفا عن القاذف سقط الحد عنه، لكنه يُعَزر بما يردعه عن التمادي في القذف المحرم.\n٢ - ألا يأتي القاذف ببينة على ثبوت ما قذف به -وهي أربعة شهداء-؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ) [النور: ٤].\n٣ - ألا يصدقه المقذوف فيما قذفه به ويقر به، فإن أقر المقذوف، وصدَّق القاذف، فلا حدَّ؛ لأن ذلك أبلغ في إقامة البينة.\n٤ - ألا يلاعن القاذف المقذوف، إن كان القاذف زوجًا، فإن لاعنها سقط الحد، كما مضى في اللعان.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (١٦٦٠).\n(٢) شرح مسلم (١١/ ١٣١ - ١٣٢).","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>الباب الرابع: في حد شارب الخمر، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>المسألة الأولى: تعريف الخمر وحكمه وحكمة تحريمه:</span>\n١ - تعريف الخمر:\nالخمر لغة: كل ما خَامَرَ العقل، أي غطاه من أي مادة كان.\nوشرعًا: كل ما أسكر سواء كان عصيرًا أو نقيعًا من العنب أو غيره، أو مطبوخًا أو غير مطبوخ. والسُّكْر: هو اختلاط العقل، والمُسْكِر: هو الشراب الذي جعل صاحبه سكران، والسكران: خلاف الصاحي.\n٢ - حكمه:\nحكم الخمر التحريم، وكذا سائر المسكرات، فكل مسكر خمر، فلا يجوز شرب الخمر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وشربه كبيرة من الكبائر، والخمر محرمة بالكتاب والسنة والإجماع؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠].\nفالأمر بالاجتناب دليل على التحريم.\nولحديث عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: (كل شراب أسكر فهو حرام) (١). وعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) (٢). والأحاديث في تحريمها، والتنفير منها، كثيرة جدًا تبلغ التواتر.\nوقد أجمعت الأمة على تحريمها.\n٣ - الحكمة في تحريم الخمر:\nلقد أنعم الله ﷿ على الإنسان بنعم كثيرة، منها نعمة العقل التي ميزه بها عن سائر المخلوقات، ولما كانت المسكرات من شأنها أن تفقد الإنسان نعمة العقل، وتثير الشحناء والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن الصلاة، وعن ذكر الله،\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٥٨٥)، ومسلم برقم (٢٠٠١).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٠٠٣) -٧٥.","vol":"1","page":372},{"text":"حرمها الشارع، فالخمر خطرها عظيم، وشرها جسيم، فهي مطية الشيطان التي يركبها للإضرار بالمسلمين. قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ) [المائدة: ٩١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>المسألة الثانية: حد شارب الخمر، وشروطه، وبم يثبت</span>؟\n١ - حد شارب الخمر:\nحد شارب الخمر الجلد، ومقداره: أربعون جلدة، ويجوز أن يبلغ ثمانين جلدة، وذلك راجع لاجتهاد الإمام، يفعل الزيادة عند الحاجة إلى ذلك، إذا أدمن الناس الخمر، ولم يرتدعوا بالأربعين؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - في قصة الوليد بن عقبة: (جلد النبي - ﷺ - أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنَّةٌ، وهذا أحب إليَّ) (١)، ولحديث أنس - ﵁ -: (أن النبي - ﷺ - كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين) (٢).\n٢ - شروط إقامة حد الخمر: يشترط لإقامة الحد على السكران شروط، وهي:\n- أن يكون مسلمًا، فلا حدَّ على الكافر.\n- أن يكون بالغًا، فلا حد على الصبي.\n- أن يكون عاقلًا، فلا حد على المجنون، والمعتوه.\n- أن يكون مختارًا، فلا حد على المكره والناسي وأمثاله. وهذه الشروط الثلاثة يدل عليها قوله - ﷺ -: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه). وقوله صلى الله عنه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة...) الحديث. وقد تقدما مرارًا.\n- أن يكون عالمًا بالتحريم، فلا حد على الجاهل.\n- أن يعلم أن هذا الشراب خمر، فإن شربه على أنه شراب آخر، فلا حد عليه.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٧٠٧).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٧٠٦).","vol":"1","page":373},{"text":"٣ - ما يثبت به حد الخمر:\nيثبت حد الخمر بأحد أمرين:\n١ - الإقرار بالشرب، كأن يقر، ويعترف بأنه شرب الخمر مختارًا.\n٢ - البينة، وهي شهادة رجلين عدلين، مسلمين عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>المسألة الثالثة: حكم المخدرات والاتجار بها:</span>\n١ - حكم المخدرات سوى الخمر:\nيقصد بالمخدرات ما يغشي العقل والفكر، ويصيب متعاطيها بالكسل، والثقل، والفتور، من البنج والأفيون والحشيش ونحوها. والمخدرات حرام كيفما كان تعاطيها؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: (كل شراب أسكر فهو حرام) (١)، ولحديث ابن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام...) (٢) الحديث، ولعظم خطر هذه المواد المخدرة، وشدة إفسادها، وفتكها بشباب الأمة، ورجالها، وشغلهم عن طاعة ربهم، وجهاد أعدائهم، ومعالي الأمور.\n٢ - حكم الاتجار بالمواد المخدرة:\nورد النهي عن رسول الله - ﷺ - في تحريم بيع الخمر، فقد روى جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) (٣).\nولقوله - ﷺ -: (إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه) (٤).\nولذا قال العلماء: إن ما حرم الله الانتفاع به يحرم بيعه، وأكل ثمنه.\nولما كانت المخدرات يتناولها اسم الخمر، فإنَّ النهي عن بيع الخمر يتناول هذه المخدرات شرعًا، فلا يجوز بيعها إذن، ويكون المال المكتسب من الاتجار بها حرامًا.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٥٨٥)، ومسلم برقم (٢٠٠١).\n(٢) رواه مسلم برقم (٢٠٠٣).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٥٨١).\n(٤) رواه أبو داود برقم (٣٤٨٨)، وأحمد (١/ ٢٤٢)، وهو صحيح (انظر التعليق على مسند أحمد ٤/ ٩٥ ح ٢٢٢١) طبعة الأرناؤوط.","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>الباب الخامس: في حد السرقة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>المسألة الأولى: تعريف السرقة، وحكمها، وحد فاعلها، والحكمة من إقامة الحد فيها:</span>\n١ - تعريف السرقة:\nالسرقة لغة: الأخذ خفية.\nوشرعًا: أخذ مال الغير خفية ظلمًا من حرز مثله بشروط معينة، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.\n٢ - حكم السرقة:\nالسرقة حرام؛ لأنها اعتداء على حقوق الآخرين، وأخذ أموالهم بالباطل. قد دلَّ على تحريمها الكتاب والسنة والإجماع، وهي من كبائر الذنوب؛ فقد لعن الله صاحبها كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) (١). وغير ذلك من الأحاديث في تحريم السرقة، والتنفير منها.\n٣ - حدُّ فاعلها:\nويجب على فاعلها الحد، وهو: قطع يده، رجلًا كان أو امرأة؛ لقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [المائدة: ٣٨].\nولحديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله - ﷺ - يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا) (٢)، ولحديث عائشة ﵂ أيضًا قالت: إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، وفيه قوله - ﷺ -: (وايم الله لو أن\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٧٨٣)، ومسلم برقم (١٦٨٧).\n(٢) رواه البخاري برقم (٦٧٩٠)، ومسلم برقم (١٦٨٤).","vol":"1","page":375},{"text":"فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها (١).\nوأجمع المسلمون على تحريم السرقة، وعلى وجوب قطع يد السارق في الجملة.\n٤ - الحكمة من إقامة حد السرقة:\nاحترم الإسلام المال، واحترم حق الأفراد في امتلاكه، وحَرَّم الاعتداء على هذا الحق: بسرقة أو اختلاس أو غش أو خيانة أو رشوة، أو غير ذلك من وجوه أكل أموال الناس بالباطل.\nولما كان السارق عضوًا فاسدًا في المجتمع -إذ لو ترك لسرى شرُّه، وعمَّ خطره وضرره- شرع الإسلام بتر هذا العضو الفاسد؛ عقابًا لهذه اليد على ظلمها وعدوانها، وردعًا لغيره عن اقتراف مثل هذه الجريمة، وصيانة لأموال الناس وحقوقهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>المسألة الثانية: شروط وجوب حد السرقة:</span>\nيشترط لإقامة حد السرقة وقطع السارق الشروط التالية:\n١ - أن يكون أخذ المال على وجه الخفية، فإن لم يكن كذلك فلا قطع، فالمنتهب على وجه الغلبة، والمغتصب، والمختطف، والخائن لا قطع عليهم؛ لقوله - ﷺ -: (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع) (٢).\n٢ - أن يكون السارق مكلفًا -بالغًا عاقلًا- فلا قطع على الصغير والمجنون؛ لأنه مرفوع عنهما التكليف كما مرَّ، ولكن يؤدب الصغير إذا سرق.\n٣ - أن يكون السارق مختارًا، فلا قطع على المكره؛ لأنه معذور؛ لقوله - ﷺ -: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).\n٤ - أن يكون عالمًا بالتحريم، فلا قطع على جاهل بتحريم السرقة.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٤٧٥)، ومسلم برقم (١٦٨٨).\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (١٤٨٨)، وابن ماجه برقم (٢٥٩١) واللفظ للترمذي، وقال فيه: حسن صحيح.\nوصححه الألباني (صحيح الترمذي برقم ١١٧٢).","vol":"1","page":376},{"text":"٥ - أن يكون المسروق مالًا محترمًا، فما ليس بمال لا حرمه له؛ كآلات اللهو والخمر والخنزير والميتة، وكذا ما كان مالًا لكنه غير محترم؛ كمال الكافر الحربي -فإن الكافر الحربي حلال الدم والمال- لا قطع فيه.\n٦ - أن يبلغ الشيء المسروق نصابًا، وهو ربع دينار ذهبًا فأكثر، أو ثلاثة دراهم فضة أو ما يقابل أحدهما من النقود الأخرى، فلا قطع في أقل من ذلك؛ لقوله - ﷺ -: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا) (١).\n٧ - أن يكون المال المسروق من حرز مثله، وهو المكان الذي يحفظ فيه المال في العادة، وهو يختلف باختلاف الأموال والبلدان وغير ذلك، ويرجع فيه إلى العرف، فإن سرق من غير حرز، كأن يجد بابًا مفتوحًا، أو حرزًا مهتوكًا؛ فلا قطع عليه.\n٨ - أن تنتفي الشبهة عن السارق، فإن كان له شبهة فيما سرق فلا قطع عليه؛ فإن الحدود تدرأ بالشبهات، فلا قطع على من سرق من مال أبيه، وكذا من سرق من مال ابنه؛ لأن نفقة كل منهما تجب في مال الآخر. ولا يقطع الشريك بالسرقة من مال له فيه شرك. وكذا كل من له استحقاق في مال، فأخذ منه، فلا قطع عليه، لكن يؤدب ويرد ما أخذ.\n٩ - أن تثبت السرقة عند الحاكم، إما بشهادة عدلين أو بإقرار السارق؛ لعموم قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) [البقرة: ٢٨٢]. وأما الإقرار فلأن الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه بالإضرار بها.\n١٠ - أن يطالب المسروق منه بماله؛ لأن المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل إباحة صاحبه له، أو إذنه بدخول حرزه، أو غير ذلك مما يسقط الحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>المسألة الثالثة: الشفاعة في حد السرقة، وهبة المسروق للسارق:</span>\n١ - الشفاعة في حد السرقة: لا تجوز الشفاعة في حد السرقة، ولا في غيره\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (١٦٨٤) -٢.","vol":"1","page":377},{"text":"من الحدود، إذا علمه الإمام ووصل الأمر إليه؛ لقوله - ﷺ - لأسامة بن زيد لما أراد الشفاعة للمرأة المخزومية التي سرقت: (أتشفع في حد من حدود الله؟!) (١)\nوقد تقدم الكلام على ذلك في أول الحدود.\n٢ - هبة المسروق للسارق: يجوز هبة الشيء المسروق للسارق، وعفو المسروق منه عنه، قبل رفع الأمر للحاكم. أما إذا وصل إليه فلا؛ لحديث صفوان بن أمية في السارق الذي أخذ رداءه من تحت رأسه، فلما رفع الأمر إلى النبي - ﷺ - وأمر بقطعه، قال صفوان: (إني أعفو وأتجاوز). وفي رواية: (قال: يا رسول الله هو له). فقال رسول الله - ﷺ -: (هلاَّ قبل أن تأتيني به) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>المسألة الرابعة: كيفية القطع وموضعه:</span>\nإذا توافرت الشروط السابق ذكرها، ووجب القطع، قطعت يد السارق اليمنى من مفصل الكف. وبعد القطع تحسم يد السارق بكيِّها بالنار، أو غمسها في زيت مغليّ، أو غير ذلك من الوسائل التي توقف نزف الدم، وتجعل الجرح يندمل، حتى لا يتعرض المقطوع للتلف والهلاك.\nفإذا عاد السارق إلى السرقة ثانية، قُطعت رجله اليسرى.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٤٧٥)، ومسلم برقم (١٦٨٨).\n(٢) أخرجه النسائي (٢/ ٢٥٥)، وأحمد (٦/ ٤٦٦)، وهو صحيح، وصححه الألباني في الإرواء برقم (٢٣١٧).","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>الباب السادس: في التعزير، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>المسألة الأولى: تعريف التعزير، وحكمه، والحكمة منه:</span>\n١ - تعريف التعزير:\nالتعزير لغة: المنع والرد ويأتي بمعنى النصرة مع التعظيم، كما في قوله تعالى: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) [الفتح: ٩]، فإنه يمنع المعادي من الإيذاء. كما يأتي بمعنى الإهانة، يقال: عزره بمعنى أدَّبه على ذنب وقع منه، فهو بذلك من الأضداد. والأصل فيه المنع.\nواصطلاحًا: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.\n٢ - حكم التعزير:\nالتعزير واجب في كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة من الشارع، من فعل المحرمات وترك الواجبات إذا رآه الإمام؛ لحديث أبي بردة بن نيار - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله) (١)، ولأنه - ﷺ - (حبس في تهمة) (٢). وكان عمر - ﵁ - يعزر ويؤدب بالنفي، وحَلْق الرأس وغير ذلك. والتعزير راجع إلى الإمام أو نائبه، يفعله إذا رأى المصلحة في فعله، ويتركه إذا اقتضت المصلحة تركه.\n٣ - الحكمة من مشروعية التعزير:\nشرع التعزير؛ صيانة للمجتمع من الفوضى والفساد، ودفعًا للظلم، وردعًا وزجرًا للعصاة وتأديبًا لهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>المسألة الثانية: أنواع المعاصي التي توجب التعزير:</span>\nالمعاصي التي توجب التعزير نوعان:\n١ - ترك الواجبات مع القدرة على أدائها؛ كقضاء الديون، وأداء الأمانات\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٨٤٨، ٦٨٤٩)، ومسلم برقم (١٧٠٨).\n(٢) أخرجه الترمذي برقم (١٤٥٠)، وأبو داود برقم (٣٦٣٠) وحسنه الألباني (صحيح الترمذي رقم ١١٤٥).","vol":"1","page":379},{"text":"وأموال اليتامى، فإن هذه الأمور ومثلها يعاقب عليها من ترك أداءها حتى يؤديها، لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (مطل الغني ظلم) (١).\nوفي رواية: (لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) (٢).\n٢ - فعل المحرمات؛ كأن يختلي رجل بامرأة أجنبية أو يباشرها في غير الفرج، أو يُقَبِّلها أو يمازحها، وكإتيان المرأة المرأة، ففي هذا وأمثاله التعزير؛ إذ لم يرد فيه عقوبة محددة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>المسألة الثالثة: مقدار التعزير:</span>\nلم يقدر الشارع حدًّا معينًا في عقوبة التعزير، وإنما المرجع في ذلك لاجتهاد الحاكم وتقديره لما يراه مناسبًا للفعل، حتى إن بعض العلماء يرى أن التعزير قد يصل إلى القتل إذا اقتضت المصلحة، كقتل الجاسوس المسلم، والمفرق لجماعة المسلمين، وغيرهما ممن لا يندفع شرهم إلا بالقتل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>المسألة الرابعة: أنواع العقوبات التعزيرية:</span>\nيمكن أن تصنف العقوبات التعزيرية حسب متعلقاتها على النحو التالي:\n١ - ما يتعلق بالأبدان، كالجلد والقتل.\n٢ - ما يتعلق بالأموال؛ كالإتلاف والغرم، كإتلاف الأصنام وتكسيرها، وإتلاف آلات اللهو والطرب وأوعية الخمر.\n٣ - ما هو مركب منهما؛ كجلد السارق من غير حرز مع إضعاف الغرم عليه، فقد قضى - ﷺ - على من سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه الجَرِينُ: بالحدِّ وغَرَّمَه مرتين. والجرين: موضع تجفيف التمر.\n٤ - ما يتعلق بتقييد الإرادة، كالحبس، والنفي.\n٥ - ما يتعلق بالمعنويات؛ كإيلام النفوس بالتوبيخ، والزجر.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٤٠٠)، ومسلم برقم (١٥٦٤).\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٣٦٢٨)، والنسائي (٧/ ٣١٦)، وابن ماجه برقم (٢٤٢٧)، وصححه غير واحد، وحسنه الألباني. (انظر: صحيح سنن النسائي رقم ٤٣٧٢، ٤٣٧٣). واللَّيُّ معناه: المطل.","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>الباب السابع: في حد الحرابة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>المسألة الأولى: تعريف الحرابة، وحد المحاربين:</span>\n١ - تعريف الحَرَابَة:\nلغة: مأخوذ من حَرِبَ حَرَبًا أي. أخذ جميع ماله.\nوشرعًا: البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرهاب، مكابرة، اعتمادًا على الشوكة، مع البعد عن مسافة الغوث، من كل مكلف ملتزم للأحكام، ولو كان ذميًا أو مرتدا.\nوتسمى أيضًا: قطع الطريق.\n٢ - حد الحرابة وعقوبة المحاربين:\nالأصل في إقامة الحد على المحاربين وقطاع الطرق وعقوبتهم قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) [المائدة: ٣٣].\nوتختلف عقوبة المحاربين وحدُّهم باختلاف الجرائم التي ارتكبوها، وذلك على النحو التالي:\n- من قتل منهم وأخذ المال: قتل وصلب، حتى يشتهر أمره، ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء.\n- ومن قتل منهم ولم يأخذ المال: قتل ولم يصلب.\n- ومن أخذ المال ولم يقتل: قطعت يده ورجله من خلاف في آن واحد.\n- ومن أخاف الناس والطريق فقط، ولم يقتل، ولم يأخذ مالًا، نفي من الأرض وشرد وطورد، فلا يُترك يأوي إلى بلد.\nوهذا التفصيل في عقوبتهم مأخوذ من أن (أو) في الآية للتنويم في العقوبة وترتيبها لا للتخيير، وهو مرويٌّ عن ابن عباس ﵄ (١).\n_________\n(١) أخرجه الشافعي في مسنده برقم (٢٨٢).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>المسألة الثانية: شروط وجوب الحد على المحاربين:</span>\nيشترط لتطبيق الحد على المحاربين شروط، أهمها:\n١ - التكليف: فلا بد من البلوغ والعقل حتى يعدَّ الشخص محاربًا، ويقام عليه الحد. فالمجنون والصبي لا يُعَدَّان محاربين، ولا يقام عليهما الحد؛ لعدم تكليف واحد منهما شرعًا.\n٢ - أن يأتوا مجاهرة، ويأخذوا المال قهرًا. فإن أخذوه مختفين فهم سُرَّاق، وإن اختطفوه، وهربوا فهم منتهبون، فلا قطع عليهم.\n٣ - ثبوت كونهم محاربين، إما بإقرارهم أو بشهادة عدلين، كما في السرقة.\n٤ - أن يكون المال الذي يؤخذ في حرز، بأن يأخذه من يد صاحبه قهرًا، فإن كان المال متروكًا ليس بيد أحد، لم يكن آخذه محاربًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>المسألة الثالثة: سقوط الحد عن المحاربين:</span>\nيسقط حد الحرابة إذا تاب الجاني المحارب قبل القدرة عليه وتَمَكُّنِ الحاكم منه، كأن يهرب أو يختفي ثم يتوب؛ لقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة: ٣٤]، فيسقط ما كان واجبًا لله، من النفي عن البلد، وقطع اليد والرجل، وتحتَّم القتل. إلا أن حقوق الآدميين من نفس أو طرف أو مال لا تسقط؛ لأنه حق لآدمي تعلق به فلا يسقط كالدَّين، إلا أن يعفو عنها مستحقها.\nأما من تاب بعد القدرة عليه، ورفعه إلى ولي الأمر، فلا يسقط الحد عنه، وإن كان صادقًا في توبته.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>الباب الثامن: في الردة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>المسألة الأولى: تعريفها، وشروطها، وحكم المرتد:</span>\n١ - تعريف الردة: الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء، ومنه الرجوع عن الإسلام.\nوفي الاصطلاح: الكفر بعد الإسلام طوعًا بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل.\n٢ - شروطها: أما شروطها: فالعقل والتمييز والاختيار.\nفلا يحكم على مجنون، أو صبي غير مميز، أو مكره بالردة، إذا وقعت منهم.\n٣ - حكم المرتد: أما حكمه في الدنيا: فهو القتل؛ لقوله - ﷺ -: (من بَدل دينه فاقتلوه) (١). وينبغي قبل القتل أن يستتاب، ويدعى إلى الإسلام، وأن يضيق عليه ويحبس ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل؛ لحديث اليهودي الذي كان أسلم ثم ارتد. فقال معاذ - ﵁ - لأبي موسى: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل، فقتل. وفي رواية: (وكان قد استُتيب قبل ذلك) (٢). ولقول عمر - ﵁ - لما بلغه أن رجلًا كفر بعد إسلامه فضربت عنقه قبل أن يستتاب: (فهلاَّ حبستموه ثلاثًا، فأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه، لعله يتوب، أو يراجع أمر ربه. اللهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني) (٣).\nوالذي يتولى قتله الإمام أو نائبه؛ لأنه حق لله تعالى فيكون إلى وليِّ الأمر.\nولا يقتل الصبي المميز -ولو قيل بصحة ردته- حتى يبلغ.\nوأما حكمه في الآخرة: فقد بَيَّنه الله تعالى في قوله: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٢١٧].\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٦٥٢٤).\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٤٣٥٥). وقواه الحافظ ابن حجر (الفتح ١٢/ ٢٨٧).\n(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٧٣٧) برقم ١٦","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>المسألة الثانية: الأمور التي تحصل بها الردة:</span>\nوالردة تحصل بارتكاب ما يوجبها جدًا أو هزلًا أو استهزاءً، كالشرك بالله بجميع أنواعه، وجحود الصلاة وغيرها من أركان الإسلام، وسب الله ورسوله - ﷺ -، وجحود القرآن الكريم كله أو بعضه، ومن اعتقد أن بعض الناس يجوز له الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - كغلاة الصوفية، وكذلك مَنْ ظاهر المشركين وأعانهم على المسلمين، وغير ذلك من أنواع الردة التي تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام الكثيرة. ومن ذلك: تحكيم القوانين الوضعية ممن يرى أنها أصلح مما جاءت به الشريعة الإسلامية أو أنها مساوية لها.\nوعلى هذا فإنه يمكن حصر الأمور التي تحصل بها الردة فيما يلي:\n١ - القول: كمن سبَّ الله تعالى أو رسوله أو الملائكة، أو ادعى النبوة، أو ادعى علم الغيب، وكذا الشرك بالله تعالى.\n٢ - الفعل: كالسجود للصنم والقبر ونحو ذلك، أو إلقاء المصحف، أو تعمد امتهانه، أو مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، وغير ذلك.\n٣ - الاعتقاد: مثل اعتقاد الشريك لله تعالى أو الصاحبة أو الولد، أو اعتقاد حل الزنا أو الخمر، أو اعتقاد أن هدي غير النبي - ﷺ - أكمل من هديه.\n٤ - الشك: كأن يشك في حرمة ما أُجمع على حله، أو حل ما أجمع على حرمته، ومثله لا يجهله لكونه نشأ بين المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالردة:</span>\n١ - المكره إذا نطق بما يوجب ردته بسبب الإكراه فإنه لا يحكم بارتداده؛ لقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦].\n٢ - المرتد يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل، وقتله للإمام أو نائبه، كما مضى بيان ذلك.\n٣ - المرتد يمنع من التصرف في ماله، فإنْ أسلم مُكِّنَ من التصرف فيه، وإن","vol":"1","page":384},{"text":"مات على ردته أو قتل مرتدًا فماله فيءٌ لبيت مال المسلمين؛ لأنه لا وارث له، لأن المسلم لا يرث الكافر، ولا يرثه أحد من الكفار؛ لأنه لا يُقَرُّ على رِدَّته.\n٤ - المرتد لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين إذا قتل على ردته.\n٥ - تحصل توبة المرتد بإتيانه بالشهادتين، لعموم قوله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) (١). ومن كانت ردته بسبب جحود شيء من أمور الدين فتوبته إلى جانب الإتيان بالشهادتين: إقراره بما جحد وأنكر، ورجوعه عما كفر به.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٢٥)، ومسلم برقم (٢١).","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>ثاني عشر: كتاب الأيمان والنذور</span>\nويشتمل على بابين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>الباب الأول: الأيمان، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>المسألة الأولى: في تعريف الأيمان:</span>\nالأيمان لغة: جمع يمين، وهو الحَلِف أو القَسَم، وسمي الحلف يمينًا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه.\nوشرعًا: توكيد الشيء المحلوف عليه بذكر اسم الله، أو صفة من صفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>المسألة الثانية: أقسام اليمين:</span>\nتنقسم اليمين من حيث انعقادها وعدم انعقادها إلى ثلاثة أقسام:\n١ - اليمين اللغو: وهو الحلف من غير قصد اليمين، كأن يقول: لا واللهِ، وبلى واللهِ، وهو لا يريد بذلك يمينًا ولا يقصد به قسمًا، فهذا يعدُّ لغوًا، أو يحلف على شيء يظن صدقه فيظهر خلافه؛ لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) [المائدة: ٨٩]. قالت عائشة ﵂: (أنزلت هذه الآية (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) في قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله) (١). وهذه اليمين لا كفارة فيها، ولا مؤاخذة، ولا إثم على صاحبها.\n٢ - اليمين المنعقدة: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، وتكون على المستقبل من الأفعال، وتكون على أمر ممكن، فهذه يمين منعقدة مقصودة، فتجب فيها عند الحِنْث (٢) كفارة، لقوله تعالى:\n(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) [المائدة: ٨٩].\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٤٦١٣).\n(٢) الحِنْث في اليمين: عدم الوفاء بموجبها.","vol":"1","page":387},{"text":"٣ - اليمين الغموس: وهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الغش والخيانة، فصاحبها يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، وهي كبيرة من الكبائر، ولا تنعقد هذه اليمين، ولا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر، ولأنها يمين غير منعقدة، فلا توجب الكفارة كاللغو. وتجب التوبة منها، ورد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب عليها ضياع حقوق. وسميت هذه اليمين غموسًا لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في نار جهنم عياذًا بالله. ودليل حرمتها قوله تعالى: (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: ٩٤]، ولحديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) (١)، ولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبَهْت مؤمن، ويمين صابرة (٢) يقطع بها مالًا بغير حق) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>المسألة الثالثة: كفارة اليمين وشروط وجوبها:</span>\n١ - كفارة اليمين: شرع الله ﷿ لعباده كفارة اليمين التي يكون بها تحلة اليمين والخروج منها، وذلك رحمة بهم، قال الله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) [التحريم: ٢] وقال - ﷺ -: (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه) (٤). وهذه الكفارة تجب على الشخص إذا حنث في يمينه، ولم يَفِ بموجبها.\n_________\n(١) رواه الجخاري برقم (٦٢٩٨).\n(٢) وهي اليمين الغموس، وسميت صابرة من الصبر، وهو الحبس والإلزام؛ لأن صاحبها يلزم بها ويحبس عليها، وتكون لازمة له من جهة الحكم.\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٢)، وحسَّنه الألباني (الإرواء رقم ٢٥٦٤).\n(٤) أخرجه البخاري برقم (٦٧٢٢) ومسلم برقم (١٦٥٠) واللفظ له.","vol":"1","page":388},{"text":"وكفارة اليمين فيها تخيير وترتيب. فيخيَّر من لزمته بين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من الطعام، أو كسوة عشرة مساكين لكل واحد ثوب يجزئه في الصلاة، أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، فمن لم يجد شيئًا من هذه الثلاثة المذكورة صام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) [المائدة: ٨٩].\nفجمعت كفارة اليمين بين التخيير والترتيب، تخيير بين الإطعام والكسوة والعتق، وترتيب بين هذه الثلاثة وبين الصيام.\n٢ - شروط وجوب كفارة اليمين:\nلا تجب الكفارة في اليمين إذا نقضها الحالف، ولم يف بموجبها، إلا بشروط ثلاثة، وهي:\nالشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة، بأن يقصد الحالف عقدها على أمر مستقبل كما مضى بيان ذلك، ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته؛ لقوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) [المائدة: ٨٩].\nفدل ذلك على أن الكفارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة، أما من سبق اليمين على لسانه بلا قصد فلا تنعقد يمينه، ولا كفارة عليه.\nالشرط الثاني: أن يحلف مختارًا، فمن حلف مكرهًا لم تنعقد يمينه ولا كفارة عليه فيها؛ لقوله - ﷺ -: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).\nالشرط الثالث: أن يحنث في يمينه، بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، ذاكرًا ليمينه مختارًا، أما إذا حنث في يمينه ناسيًا أو مكرهًا فلا كفارة عليه للحديث المتقدم.\n• الاستثناء في اليمين:\nمن حلف فقال في يمينه: إن شاء الله، فلا حنث عليه ولا كفارة، إذا نقض","vol":"1","page":389},{"text":"يمينه، لقوله - ﷺ -: (من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث) (١).\n• نقض اليمين والحنث فيها:\nالأصل أن يفي الحالف باليمين، لكن قد ينقضه لمصلحة، أو ضرورة. وقد شرع له كفارة ذلك كما سبق. ويمكن تقسيم نقض اليمين، والحنث فيها بحسب المحلوف عليه، على النحو التالي:\n١ - أن يكون نقض اليمين واجبًا: وذلك إذا حلف على ترك واجب، كمن حلف أن لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم، كأن يحلف ليشربن خمرًا؛ فهنا يجب عليه نقض يمينه، وتلزمه الكفارة؛ لأنه حلف على معصية.\n٢ - أن يكون نقض اليمين حرامًا: كما لو حلف على فعل واجب، أو ترك محرم، وجب عليه الوفاء، ويحرم عليه نقض اليمين؛ لأن حلفه في هذه الحالة تأكيد لما كلف الله به عباده.\n٣ - أن يكون نقض اليمين مباحًا: وذلك إذا حلف على فعل مباح أو تركه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>المسألة الرابعة: صور لبعض الأيمان الجائزة والممنوعة:</span>\nإن اليمين الجائزة هي التي يحلف فيها باسم الله، أو بصفة من صفاته.\nكأن يقول: والله أو: ووجهِ الله أو: وعظمته وكبريائه ..؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - أدركَ عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب، يحلف بأبيه فقال: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) (٢)، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: (كانت يمين النبي - ﷺ -: لا، ومقلِّبِ القلوب) (٣). وكذلك لو قال: أقسم بالله لأفعلن كذا فهو يمين إن نواها؛ لقوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) [النحل: ٣٨].\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (١٥٣٢)، وأحمد (٢/ ٣٠٩). وصححه الألباني (صحيح الترمذي ١٢٣٧).\n(٢) رواه البخاري برقم (٦٢٧٠)، ومسلم برقم (١٦٤٦).\n(٣) رواه البخاري برقم (٦٦٢٨).","vol":"1","page":390},{"text":"ومن الأيمان الممنوعة:\n١ - الحلف بغير الله تعالى، كقوله: وحياتك، والأمانة ..؛ لحديث عبد الله ابن عمر ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: (فمن كان حالفًا فيلحلف بالله أو ليصمت) (١).\n٢ - الحلف بأنه يهودي أو نصراني، أو أنه بريء من الله أو من رسول الله - ﷺ - إن فعل كذا ففعله؛ لحديث بريدة عن أبيه - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (من حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا) (٢).\n٣ - الحلف بالآباء والطاغوت؛ لحديث عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم) (٣).\n_________\n(١) متفق عليه، وقد تقدم.\n(٢) أخرجه أبو داود برقم (٣٢٥٨)، والنسائي (٧/ ٦)، وصححه الألباني (صحيح سنن النسائي رقم (٣٥٣٢).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٦٤٨).","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>الباب الثاني: النذور، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>المسألة الأولى: تعريف النذر، ومشروعيته، وحكمه:</span>\n١ - تعريف النذر:\nالنذر لغة: الإيجاب، تقول: نذرت كذا إذا أوجبته على نفسك.\nوشرعًا: إلزام مكلف مختار نفسه شيئًا لله تعالى.\n٢ - مشروعية النذر وحكمه:\nالنذر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، كما سيأتي ذكره من الأدلة على ذلك.\nوأما حكم النذر ابتداءً فإنه مكروه غير مستحب؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - نهى عن النذر وقال: (إنه لا يردُّ شيئًا وإنما يستخرج به من الشحيح) (١)، ولأن الناذر يلزم نفسه بشيء لا يلزمه في أصل الشرع، فيحرج نفسه، ويثقلها بذلك، ولأنه مطلوب من المسلم فعل الخير بلا نذر.\nإلا أنه إذا نذر فعل طاعة وجب عليه الوفاء به؛ لقوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) [البقرة: ٢٧٠]، وقوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) [الإنسان: ٧]، ولحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (٢).\nفقد مدح الله ﷿ الموفين بالنذر وأثنى عليهم، وأمر - ﷺ - بالوفاء به، فدل ذلك على أن النهي المتقدم عن النبي - ﷺ - إنما هو للكراهة لا للتحريم، وأن المنهي عنه والمكروه هو ابتداء النذر والدخول فيه، وأما الوفاء به، وإنجازه لمن لزمه فواجب، وطاعة لله سبحانه. والنذر نوع من أنواع العبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، فمن نذر لقبر أو وليٍّ ونحوه، فقد أشرك بالله تعالى شركًا أكبر، والعياذ بالله.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٦٦٩٢)، ومسلم برقم (١٦٣٩)، واللفظ له.\n(٢) رواه البخاري برقم (٦٦٩٦).","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>المسألة الثانية: شروط النذر، وألفاظه:</span>\n١ - شروط النذر: لا يصح النذر إلا من شخص بالغ عاقل مختار، فلا يصح النذر من الصبي، ولا من المجنون والمعتوه، ولا من المكره؛ لقوله - ﷺ -: (رفع القلم عن ثلاثة ...) الحديث، ولقوله - ﷺ -: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ ...) الحديث، وقد تقدما مرارًا.\n٢ - ألفاظ النذر: صيغ النذر وألفاظه أن يقول: \"لله عليَّ أن أفعل كذا\"، أو: \"عليَّ نذر كذا\". ونحو ذلك من الألفاظ التي يصرح فيها بذكر النذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>المسألة الثالثة: أقسام النذر:</span>\n١ - النذر الصحيح وغير الصحيح:\nينقسم النذر باعتبار صحته وعدم صحته إلى: صحيح وغير صحيح، أو: جائز وممنوع، أو منعقد وغير منعقد.\nفيكون النذر صحيحًا منعقدًا واجب الوفاء: إذا كان طاعة وقربة، يتقرب بها الناذر إلى الله تعالى.\nويكون غير صحيح ولا منعقد ولا واجب الوفاء: إذا كان معصية لله تعالى؛ كالنذر للقبور والأولياء أو الأنبياء، أو نذر أن يقتل، أو أن يشرب الخمر، ونحو ذلك من المعاصي، فإن هذا النذر لا ينعقد، ويحرم الوفاء به.\n٢ - النذر المطلق والمقيد:\nأ- النذر المطلق: هو الذي يلتزمه الشخص ابتداءً دون تعليقه على شرط، وقد يقع شكرًا لله على نعمة أو لغير سبب، كأن يقول الشخص: لله عليَّ أن أصلي كذا أو أصوم كذا. فيجب الوفاء به.\nب- النذر المقيَّد: وهو ما كان معلقًا على شرط وحصول شىء، كأن يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي، فعليَّ كذا. وهذا يلزم الوفاء به، عند تحقق شرطه، وحصول مطلوبه.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>المسألة الرابعة: أنواع النذر وأحكامه:</span>\nينقسم النذر بحسب الأحكام المترتبة عليه، ولزوم الوفاء به من عدمه، إلى خمسة أنواع:\n١ - النذر المطلق: نحو قوله: لله عليَّ نذر. ولم يسم شيئًا، فليزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقًا أو مقيدًا؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين) (١).\n٢ - نذر اللَّجَاج والغضب: وهو تعليق نذره بشرط يقصد به المنع من فعل شيء أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب، كقوله: إن كلمتك، أو إن لم أخبر بك، أو إن لم يكن هذا الخبر صحيحًا، أو إن كان كذبًا فعليَّ الحج، أو العتق ..، فهذا النذر خارج مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه، ولم يقصد به النذر ولا القربة، فهذا يخير فيه بين فعل ما نذره أو كفارة يمين؛ لقوله - ﷺ -: (كفارة النذر كفارة يمين) (٢).\n٣ - النذر المباح: وهو أن ينذر فعل الشيء المباح، نحو: أن ينذر لبس ثوب أو ركوب دابة .. ونحو ذلك، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا شيء عليه فيه؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي - ﷺ - يخطب، إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم، فقال: (مروه، فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) (٣).\n٤ - نذر المعصية: وهو أن ينذر فعل معصية، كنذر شرب خمر، والنذر\nللقبور، أو لأهل القبور من الأموات، وصوم أيام الحيض، ويوم النحر، فهذا النذر\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (١٥٢٨)، وقال: حسن صحيح غريب، وضعفه غيره، لكن يؤيده ما رواه أبو داود برقم (٣٣٢٢) بنحوه من حديث ابن عباس، ورجح الأئمة وقفه عليه (انظر: سبل السلام ٨/ ٤٢).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٦٤٥).\n(٣) رواه البخاري برقم (٦٧٠٤).","vol":"1","page":394},{"text":"لا ينعقد ولا يجب الوفاء به، لحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (١)؛ لأن معصية الله لا تباح في حال من الأحوال، ولا يلزمه به كفارة.\n٥ - نذر التبرر: وهو نذر الطاعة، كنذر فعل الصلاة والصيام والحج، سواء أكان مطلقًا، أم معلقًا على حصول شيء، فيجب الوفاء به إن كان مطلقا، وعند حصول الشرط إن كان معلقًا؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>المسألة الخامسة: صور من النذر الذي لا يجوز الوفاء به:</span>\nإن النذر الذي لا يجوز الوفاء به هو نذر المعصية وهذا يتحقق في صور، منها:\n١ - نذر شرب الخمر أو صوم أيام الحيض؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه).\n٢ - النذر الذي يقع للأموات كأن يقول: يا سيدي فلان، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا وكذا. فهذا باطل، وهو شرك أكبر والعياذ بالله؛ لأنه نذر للمخلوق، وهو لا يجوز؛ لأن النذر عبادة، وهي لا تكون إلا لله.\n٣ - إذا نذر أن يسرج قبرًا، أو شجرة، لم يجز الوفاء به، ويصرف قيمة ذلك للمصالح؛ لأنه معصية، ولا نذر في معصية؛ للحديث المتقدم.\n_________\n(١) رواه البخاري، وقد سبق في ص (٣٩٢).\n(٢) رواه البخاري، وقد سبق في ص (٣٩٢).","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>ثالث عشر: كتاب الأطعمة، والذبائح، والصيد</span>\nويشتمل على ثلاثة أبواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>الباب الأول: في الأطعمة، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>المسألة الأولى: تعريفها والأصل فيها:</span>\n١ - تعريفها: الأَطْعِمَة جمع طَعَام، وهو ما يأكله الإنسان ويتغذى به من الأقوات وغيرها أو يشربه.\n٢ - الأصل فيها: تنطلق القاعدة الشرعية في معرفة ما يحل من الأطعمة وما يحرم من قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنعام: ١٤٥]، ومن قوله ﷾:\n(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧]، ومن قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: ٣٢]. والمراد بالطيبات: ما تستطيبه النفس وتشتهيه؛ لأن الطعام لما كان يتغذى به الإنسان، فإن أثره ينعكس على أخلاقه، فالطعام الطيب يكون أثره طيبًا، والخبيث يكون على الضد من ذلك؛ لذا أباح الله سبحانه الطيب من المطاعم، وحَرَّم الخبيث منها.\nفالأصل في الأطعمة الحل، إلا ما حرمه الشارع الحكيم؛ ولذا قال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩].\nوقد جاء هذا التفصيل مشتملًا على أمور ثلاثة:\n١ - النص على المباح.\n٢ - النص على الحرام.\n٣ - ما سكت عنه الشارع.\nوقد بيَّن النبي - ﷺ - ذلك بقوله: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ","vol":"1","page":397},{"text":"حدودًا فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>المسألة الثانية: ما نص الشارع على حله، وإباحته:</span>\nوالأصل في ذلك والقاعدة: أن كل طعام طاهر لا مضرة فيه فإنه مباح، والأطعمة المباحة على نوعين: حيوانات ونباتات؛ كالحبوب والثمار، والحيوانات على نوعين: برية وبحرية.\nأولًا: الحيوان البحري: وهو كل حيوان لا يعيش إلا في البحر؛ كالسمك بأنواعه المختلفة وكذا غيره من حيوانات البحر، إلا ما فيه سُمٌّ فإنه يحرم للضرر، وكذا يحرم من طعام البحر ما كان مستخبثًا مستقذرا كالضفدع، مع ما جاء من النهي عن قتله، وكالتمساح؛ لكونه مستخبثًا، ولأن له نابًا يفترس به. لعموم قوله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧] ويجوز أكل الحيوان البحري سواء صاده مسلم أو غيره، وسواء كان له شبه، يجوز أكله في البر أم لم يكن. والحيوان البحري لا يحتاج إلى تذكية؛ لقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) [المائدة: ٩٦]. قال ابن عباس ﵄: (ألا إن صيده: ما صيد، وطعامه: ما لفظ البحر) (٢). ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (هو الطَّهور ماؤهُ، الحلُّ ميتته) (٣).\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في سننه (٤/ ١٨٤)، والبيهقي (١٠/ ١٢) وحسنه النووي كما نقله عنه الشيخ الفوزان (الملخص الفقهي ٢/ ٤٦٠).\n(٢) أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٧٠). وانظر تفسير ابن كثير (٣/ ١٨٩) عند الآية المذكورة.\n(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٦٤)، والنسائي برقم (٥٩)، وابن ماجه برقم (٣٨٦)، والترمذي برقم (٦٩) وقال: حسن صحيح، ومالك في الموطأ (ص ٢٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٤٠) وغيرهم، وصححه الألباني (صحيح سنن النسائي رقم ٥٨).","vol":"1","page":398},{"text":"ثانيًا: الحيوان البري: والحلال من الحيوان البري المنصوص عليه يمكن تلخيصه في الآتي:\nأ) الأنعام: لقوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) [النحل: ٥]، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) [المائدة: ١]. والمقصود ببهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم.\nب) الخيل: لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (نهى النبي - ﷺ - يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل) (١).\nج) الضب: لحديث ابن عباس ﵄ قال: (أُكِلَ الضب على مائدة رسول الله - ﷺ -) (٢). وقوله - ﷺ -: (كلوا فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي) (٣).\nد) الحمار الوحشي: وهو غير المستأنس؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ -: أنه رأى حمارًا وحشيًا فعقره، فقال النبي - ﷺ -: (هل معكم من لحمه شيء؟) قال: معنا رجله، فأخذها، فأكلها. (٤)\nهـ) الأرنب: لما رواه أنس - ﵁ - أنه أخذ أرنبًا، فذبحها أبو طلحة، وبعث بوركها إلى النبي - ﷺ - فقبله. (٥)\nو) الضبع: لما روى جابر - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الضبع، فقال: (هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده) (٦)، أي: وهو محرم، قال الحافظ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٥٢٠)، ومسلم برقم (١٩٤١).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٢١٧)، ومسلم برقم (١٩٤٥).\n(٣) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٧٢٦٧)، ومسلم برقم (١٩٤٤).\n(٤) متفق عليه: رواه البخاري (٦/ ٢٢٢)، ومسلم برقم (١١٩٦).\n(٥) متفق عليه: رواه البخاري (٦/ ٢٣١)، ومسلم برقم (١٩٥٣).\n(٦) أخرجه أبو داود برقم (٣٨٠١)، والترمذي (٤/ ٢٢٢) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه برقم (٣٠٨٥) والنسائي برقم (٤٣٣٤)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه رقم ٢٥٢٢).","vol":"1","page":399},{"text":"ابن حجر: \"وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها\" (١).\nز) الدجاج: لما روى أبو موسى - ﷺ -، قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل لحم دجاج) (٢). ويلحق بالدجاج الأوز والبط؛ لأنهما من الطيبات، فتدخل في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) [المائدة: ٤].\nح) الجراد: لحديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: (غزونا مع النبي - ﷺ - سبع غزوات أو ستًا، كنا نأكل معه الجراد) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>المسألة الثالثة: ما نص الشارع على تحريمه:</span>\nوالأصل فيما يحرم من الأطعمة: أن كل طعام نجس مستقذر فيه مضرة، لا يجوز أكله، وذلك على النحو التالي:\n١ - المحرمات من الطعام في كتاب الله محصورة في عشرة أشياء وردت في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) [المائدة: ٣].\n- أما الميتة: فهي ما مات حتف أنفه، وفارقته الحياة بدون ذكاة شرعية، وحرمت لما فيها من المضرة بسبب الدم المحتقن وخبث التغذية، وتجوز للمضطر بقدر الحاجة، ويستثنى من الميتة: السمك والجراد، فإنهما حلال.\n- والدم: المراد به الدم المسفوح، فإنه حرام؛ لقوله تعالى في آية أخرى: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) [الأنعام: ١٤٥]، أما ما يبقى من الدم في خلل اللحم، وفي العروق بعد الذبح، فمباح، وكذا ما جاء الشرع بحله من الدم؛ كالكبد والطحال.\n- ولحم الخنزير: لأنه قذر، ويتغذى على القاذورات، ولمضرته البالغة، وقد جمع الله ﷿ هذه الثلاثة في قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [الأنعام: ١٤٥].\n_________\n(١) فتح الباري: (٩/ ٥٧٤).\n(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٥٥١٧)، ومسلم برقم (١٦٤٩).\n(٣) رواه البخاري برقم (٥٤٩٥)، ومسلم برقم (١٩٥٢).","vol":"1","page":400},{"text":"- وما أهل لغير الله به: أي ذبح على غير اسمه تعالى، وهذا حرام لما فيه من الشرك المنافي للتوحيد؛ فإن الذبح عبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، كما قال ﷿: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢].\n- والمنخنقة: وهي التي تخنق فتموت، إما قصدًا أو بغير قصد.\n- والموقوذة: هي التي تُضْرَب بعصا أو شيء ثقيل، فتموت.\n- والمتردية: هي التي تتردَّى من مكان عال، فتموت.\n- والنطيحة: هي التي تنطحها أخرى، فتقتلها.\n- وما أكل السبع: هي التي يعدو عليها أسد أو نمر أو ذئب أو فهد أو كلب، فيأكل بعضها، فتموت بسبب ذلك. فما أُدرك من هذه الخمسة الأخيرة، وبه حياة، فذكي، فإنه حلال الأكل؛ لقوله تعالى في الآية المذكورة: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣].\n- وما ذُبح على النصب: وهي حجارة كانت منصوبة حول الكعبة، وكانوا في الجاهلية يذبحون عندها، فهذه لا يحل أكلها؛ لأن ذلك من الشرك الذي حرَّمه الله، كما مضى فيما أُهِل لغير الله به.\nويحرم من الأطعمة أيضًا:\n٢ - ما فيه مضرة: كالسم، والخمر، وسائر المسكرات والمفتِّرات؛ لقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥]، وقوله ﷿: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩].\n٣ - ما قطع من الحي: لحديث أبي واقد الليثي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة) (١).\n٤ - سباع البهائم: وهي التي تفترس بنابها -أي تنهش- من حيوانات البر؛ كالأسد والذئب والنمر والفهد والكلب؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني - ﵁ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن كل ذي ناب من السباع) (٢)، ولقوله - ﷺ -:\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٥/ ٢١٨)، وأبو داود برقم (٢٨٥٨)، والترمذي برقم (١٤٨٠) وحسَّنه، وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني (صحيح الترمذي برقم ١١٩٧).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٥٣٠)، ومسلم برقم (١٩٣٢).","vol":"1","page":401},{"text":"(كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام) (١).\n٥ - سباع الطير: وهي التي تصيد بمخلبها؛ كالعُقاب والباز والصقر والحدأة والبومة، لحديث ابن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور) (٢).\n٦ - ويحرم من الطيور ما يأكل الجيف: كالنسر والرَّخَم والغراب؛ لخبث ما يتغذى به.\n٧ - يحرم كل حيوان نُدِبَ قتله: كالحية والعقرب والفأرة والحدأة؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: (خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور) (٣)، ولكونها مستخبثة مستقذرة.\n٨ - الحمر الأهلية؛ لما روى جابر: (أن النبي - ﷺ - نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية) (٤).\n٩ - ما يستخبث من الأطعمة: كالفأرة والحية والذباب والزنبور والنحل؛ لقول الله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧].\n١٠ - الجلاَّلة: وهي التي أكثر أكلها النجاسة؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل الجلالة) (٥) وسواء في ذلك الإبل والبقر والغنم والدجاج ونحوها، فإذا حبست بعيدًا عن النجاسات، وأطعمت الطاهرات، حل أكلها. وكان ابن عمر ﵄ يحبسها ثلاثًا إذا أراد أكلها، وقيل: تحبس أكثر من ذلك.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (١٩٣٣).\n(٢) رواه مسلم برقم (١٩٣٤). والمِخْلَب للطير والسبع كالظفر للإنسان؛ لأن الطائر يخلب الجلد بمخلبه، أي: يقطعه ويمزقه.\n(٣) رواه البخاري برقم (١٨٢٩)، ومسلم برقم (١١٩٨).\n(٤) رواه البخاري برقم (٥٢٠٤)، ومسلم برقم (١٩٤١).\n(٥) رواه أبو داود برقم (٣٧٨٥)، وابن ماجه برقم (٣١٨٩) وهو صحيح. انظر إرواء الغليل (٨/ ١٤٩).","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>المسألة الرابعة: ما سكت عنه الشارع:</span>\nما سكت عنه الشارع، ولم يرد نص بتحريمه، فهو حلال، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، دل على هذا قوله تعلى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة: ٢٩]، وحديث أبي الدرداء - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيثًا، وتلا: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>المسألة الخامسة: ما يكره أكله:</span>\nيكره أكل البصل والثوم وما كان في معناهما مما له رائحة كريهة؛ كالكراث والفجل، ولا سيما عند حضور المساجد وغيرها من مجامع الذكر والعبادة، لحديث جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس) (٢) يعني: شجرة الثوم، وفي رواية: (حتى يذهب ريحها). فإن طَبَخَ هاتين البقلتين حتى يذهب ريحهما، فلا بأس بأكلهما؛ لقول عمر بن الخطاب - ﵁ -: (فمن أكلهما فليمتهما طبخًا) (٣). وفي رواية لجابر ﵄: (ما أراه يعني إلا نَيئه) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>المسألة السادسة: آداب الأكل:</span>\nللأكل آداب ينبغي الحرص عليها، وهي:\n١ - التسمية عند ابتداء الأكل: لحديث عمر بن أبي سلمة - ﵁ - قال: كنت غلامًا فى حجر رسول الله - ﷺ -، وكانت يدي تطيشُ في الصَّحْفَة، فقال\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٥) وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٤٥٢)، ومسلم برقم (٥٦٤).\n(٣) أخرجه مسلم برقم (٥٦٧).\n(٤) جامع الأصول (٨/ ٢٨٠).","vol":"1","page":403},{"text":"لي رسول الله - ﷺ -: (يا غلام سَم الله، وكُلْ بيمينك، وكل مما يليك) فما زالت تلك طِعمتي بعد (١).\n٢ - الأكل باليمين: للحديث السابق.\n٣ - الأكل مما يلي الشخص: للحديث السابق أيضًا، إلا إذا علم أن مُجالسه لا يتأذى، ولا يكره ذلك، فلا بأس أن يأكل حينئذ من نواحي القصعة؛ لحديث أنس - ﵁ - في قصة الخياط الذي دعا النبي - ﷺ - إلى طعام، قال أنس: (فرأيته -يعني النبي - ﷺ - يتتبع الدباء من حوالي القصعة) (٢). أو كان الشخص وحده ليس معه أحد، أو كان الطعام مشتملًا على ألوان متعددة، فيجوز له الأخذ مما ليس أمامه، ما لم يؤذ بذلك أحدًا.\n٤ - الحمد في آخره: لحديث أبي أمامة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رُفعت المائدة من بين يديه، يقول: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مُوَدَّعٍ، ولا مستغنىً عنه ربنا) (٣)، ولقوله - ﷺ -: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) (٤).\n٥ - الأكل على السُّفَر: لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: (ما أكل نبي الله - ﷺ - على خِوَان ولا في سُكُرُّجَة، ولا خُبزَ له مُرَقَّق، قال: فقلت لقتادة: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على هذه السُّفَرِ) (٥).\n٦ - كراهية الأكل متكئًا: لحديث عائشة ﵂ قالت: قلت يا\nرسول الله كُلْ -جعلني الله فداك- متكئًا، فإنه أهون عليك، فأصغى برأسه\n_________\n(١) رواه البخاري (٦/ ١٩٦)، ومسلم برقم (٢٠٢٢). ومعنى تطيش: تتحرك في نواحي القصعة ولا تقتصر على موضع واحد.\n(٢) أخرجه البخاري برقم (٥٣٧٩).\n(٣) رواه البخاري برقم (٥٤٥٩). ومعنى (غير مودع): غير متروك الطاعة.\n(٤) أخرجه مسلم برقم (٢٧٣٤).\n(٥) رواه البخاري برقم (٥٣٨٦). والخوان: ما يؤكل عليه، وهو المائدة، معرب. والسُّفرة: التي يؤكل عليها أيضًا، سميت كذلك لأنها تبسط إذا أكل عليها. والسكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم، وهي فارسية. وربما كان تركه الأكل على الخوان لأنه من عادة العجم يكون على هيئة معينة، وربما يقال ذلك في السكرجة أيضًا.","vol":"1","page":404},{"text":"حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض، قال: (لا، بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) (١)، ولحديث أبي جحيفة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إني لا آكل متكئًا) (٢).\n٧ - عدم عيب الطعام الذي لا يريد أكله: لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: (ما عاب رسول الله - ﷺ - طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه) (٣).\n٨ - الأكل من جوانب القصعة وكراهية الأكل من وسط القصعة: لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه أتي بقصعة من ثريد فقال: (كلوا من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها، فإن البركة تنزل في وسطها) (٤).\n٩ - الأكل بثلاثة أصابع، ولعقها بعد الأكل: لحديث كعب بن مالك - ﵁ - قال: (كان النبي - ﷺ - يأكل بثلاثة أصابع، ولا يمسح يده حتى يَلْعَقَها) (٥).\n١٠ - أكل ما سقط منه أثناء الطعام أو تناثر: لقوله - ﷺ -: (إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان) (٦).\n١١ - مسح القصعة التي يأكل فيها ولعقها: لقول أنس - ﵁ - في الحديث الماضي: (وأمرنا -يعني النبي - ﷺ - أن نَسْلُتَ القصعة) يعني: نمسحها، ونتتبع ما بقي فيها من طعام. وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: (إنكم لا تدرون في أيِّه البركة) (٧).\n_________\n(١) أخرجه البغوي في شرح السنة (١١/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، وأحمد في الزهد ص ٥، ٦ وصححه الأرناؤوط بشاهد مرسل (حاشية شرح السنة).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٣٩٨).\n(٣) رواه البخاري برقم (٥٤٠٩)، ومسلم برقم (٢٠٦٤).\n(٤) رواه أحمد (١/ ٢٧٠)، والترمذي برقم (١٨٠٥) وقال: حسن صحيح، وأبو داود برقم (٣٧٧٢)، وابن ماجه برقم (٣٢٧٧)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه برقم ٢٦٥٠).\n(٥) رواه مسلم برقم (٢٠٣٢).\n(٦) أخرجه مسلم برقم (٢٣٠٥).\n(٧) أخرجه مسلم برقم (٢٠٣٣).","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>الباب الثاني: أحكام الذبائح، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>المسألة الأولى: معناها، وأنواع التذكية، وحكمها:</span>\n١ - تعريف الذبائح:\nلغة: الذبائح جمع ذبيحة، بمعنى مذبوحة.\nوشرعًا: الحيوان الذي تمت تذكيته على وجه شرعي. والتذكية: هي ذبح -أو نحر- الحيوان البري المأكول المقدور عليه، بقطع حلقومه ومريئه، أو عَقْرِ الممتنع غير المقدور عليه منها. والعَقْرُ معناه: الجرح.\n٢ - أنواع التذكية: وحيث إن الذبح يراد به الحيوان الذي تمت تذكيته على الوجه الشرعي؛ فإنه من المناسب بيان أنواع التذكية التي تبيح أكل الحيوان،\nوهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، كما يتضح من التعريف السالف للتذكية:\nأولًا: الذبح: وهو قطع الحلق من الحيوان بشروط.\nثانيًا: النحر: وهو قطع لَبَّة الحيوان، وهي أسفل العنق، وهو التذكية المسنونة للإبل؛ لقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢].\nثالثًا: العقر: وهو قتل الحيوان غير المقدور عليه من الصيد والأنعام، بجرحه في غير الحلق واللبة في أي مكان من جسمه؛ لحديث رافع - ﵁ - قال: نَدَّ بعير، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول - ﷺ -: (ما نَدَّ عليكم فاصنعوا به هكذا) (١).\n٣ - حكم التذكية: حكم تذكية الحيوان المقدور عليه أنها لازمة، لا يحل شيء من الحيوان المذكور بدونها، وذلك بلا خلاف بين أهل العلم؛ لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣] وغير المذكى ميتة، إلا السمك، والجراد، وكل مالا يعيش إلا في الماء، فيحلُّ بدون ذكاة، كما مضى بيانه في الأطعمة.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٥٠٩)، ومسلم برقم (١٩٦٨). ونَد: نَفَرَ وذهب على وجهه شاردًا.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>المسألة الثانية: شروط صحة الذبح:</span>\nتنقسم هذه الشروط إلى أقسام ثلاثة:\n١ - شروط تتعلق بالذابح.\n٢ - شروط تتعلق بالمذبوح.\n٣ - شروط تتعلق بآلة الذبح.\nأولًا: الشروط المتعلقة بالذابح:\n١ - أهلية الذابح: بأن يكون الذابح عاقلًا مميزًا، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، مسلمًا أم كتابيا. قال تعالى: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣]، وهذه الآية في ذبيحة المسلم. وقال تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: ٥] وهذه الآية في ذبيحة الكتابي، قال ابن عباس: (طعامهم: ذبائحهم) (١). أما سائر الكفار من غير أهل الكتاب، وكذا المجنون، والسكران، والصبي غير المميز، فلا تحل ذبائحهم.\n٢ - ألا يذبح لغير الله ﷿ أو على غير اسمه، فلو ذبح لصنم أو مسلم أو نبي لم تحل؛ لقوله تعالى عند ذكر المحرم من الأطعمة: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [المائدة: ٣].\nفإذا توافر هذان الشرطان في الذابح حلت ذبيحته، لا فرق في الذابح بين أن يكون رجلًا أو امرأة، كبيرًا أو صغيرًا، حرًا أو عبدًا.\nثانيًا: الشروط المتعلقة بالمذبوح:\n١ - أن يقطع من الحيوان الحلقوم، والمريء، والودجين. والحلقوم هو مجرى النفس. والمريء هو مجرى الطعام. والودجان هما العِرقان المتقابلان المحيطان بالحلقوم؛ لحديث رافع بن خديج - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر) (٢). فقد اشترط في الذبح\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا، ووصله البيهقي (انظر: فتح الباري ٩/ ٥٥٢ - ٥٥٣).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٥٠٣)، ومسلم برقم (١٩٦٨).","vol":"1","page":407},{"text":"أن يسيل الدم. والذبح بقطع الأشياء المشار إليها من الحيوان. وفي هذا المحل خاصة أسرع في إسالة دمه وزهوق روحه، فيكون أطيب لِلَّحم، وأخف وأيسر على الحيوان. وما أصابه سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وكذا المريضة، وما وقع في شبكة، أو أنقذه من مهلكة: إذا أدركه وفيه حياة مستقرة -كتحريك يده، أو رجله، أو طرف عينه- فذكاه فهو حلال؛ لقوله تعالى: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) [المائدة: ٣] أي: فليس بحرام.\nوأما ما عجز عن ذبحه في المحل المذكور، لعدم التمكن منه، كالصيد، والنعم المتوحشة، والواقع في بئر ونحو ذلك، فذكاته بجرحه في أي موضع من بدنه فيكون ذلك ذكاة له؛ لحديث رافع بن خديج المتقدم في البعير الذي نَدَّ وشرد فأصابه رجل بسهم، فأوقفه، فقال النبي - ﷺ -: (ما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا) (١).\n٢ - أن يذكر اسم الله ﷿ عند الذبح؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [الأنعام: ١٢١]، ويسن أن يكبر مع التسمية، لما روي عنه - ﷺ - في الأضحية أنه لما ذبحها (سمى وكبَّر) (٢).\nوفي رواية: أنه كان يقول: (باسم الله، والله أكبر) (٣).\nثالثًا: الشرط المتعلق بآلة الذبح:\nأن تكون الآلة مما يجرح بحدّه من حديد ونحاس وحجر، وغير ذلك مما يقطع الحلقوم، وينهر الدم، عدا السن والظفر؛ لحديث رافع - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السِّنَّ والظُّفْرَ) (٤). ويدخل في حكم السن والظفر في المنع سائر أنواع العظام، سواء أكانت من آدمي أم غيره.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في ص (٤٠٦).\n(٢) صحيح مسلم (رقم ١٩٦٦).\n(٣) صحيح مسلم برقم (١٩٦٦) -١٨.\n(٤) تقدم في الصفحة السابقة.","vol":"1","page":408},{"text":"وسبب المنع من ذلك ما ذكر في الحديث، وتمامه: (وسأحدثكم عن ذلك: أما السنُّ فعظم، وأما الظفر فَمُدَى الحبشة).\nأما النهي عن الذبح بالعظام: فلأنها تنجس بالدم، وقد نهى النبي - ﷺ - عن تنجيسها؛ لأنها زاد إخواننا من الجن.\nوأما الظفر: فللنهي عن التشبه بالكفار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>المسألة الثالثة: آداب الذبح:</span>\nللذبح آداب ينبغي للذابح التقيد بها، وهي:\n١ - أن يحد الذابح شفرته؛ لحديث شداد بن أوس - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، واذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحَة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) (٢).\n٢ - أن يُضجع الدابة لجنبها الأيسر، ويترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح؛ لتستريح بتحريكها؛ لحديث شداد بن أوس المتقدم قبل قليل. ولحديث أبي الخير أن رجلًا من الأنصار حدثه عن رسول الله - ﷺ - أنه أضجع أضحيته ليذبحها، فقال رسول الله - ﷺ - للرجل: (أَعِنِّي على ضحيتي) فأعانه (٣).\n٣ - نحر الإبل قائمة معقولة ركبتها اليسرى. والنحر: الطعن بمحدد في اللَّبة، وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر؛ لقوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) [الحج: ٣٦] أي: (قيامًا من ثلاث) (٤). ومر ابن عمر ﵄ على رجل قد أناخ بدنته؛ لينحرها، فقال: (ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد - ﷺ -) (٥).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (٩/ ٥٤٤).\n(٢) أخرجه مسلم برقم (١٩٥٥).\n(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣٧٣)، قال الهيثمي: \"ورجاله رجال الصحيح\" (مجمع الزوائد ٤/ ٢٥)، وقال الحافظ ابن حجر: \"رجاله ثقات\" (الفتح ١٠/ ١٩).\n(٤) زاد المسير (٥/ ٤٣٢).\n(٥) رواه البخاري برقم (١٧١٣)، ومسلم برقم (١٣٢٠).","vol":"1","page":409},{"text":"٤ - ذبح سائر الحيوان غير الإبل: لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) [البقرة: ٦٧]، ولحديث أنس - ﵁ - (أن النبي - ﷺ - ذبح الكبشين اللذين ضحى بهما) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>المسألة الرابعة: مكروهات الذبح:</span>\n١ - يكره الذبح بآلة كَالَّة -أي: غير قاطعة-؛ لأن ذلك تعذيب للحيوان؛ لحديث شداد بن أوس الماضي، وفيه: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) (٢). ولحديث ابن عمر ﵄: (أن رسول الله - ﷺ - أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم) (٣).\n٢ - يكره كسر عنق الحيوان أو سلخه قبل زهوق روحه؛ لحديث شداد بن أوس - ﵁ -: (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) (٤)، ولقول عمر - ﵁ -: (لا تعجلوا الأنفس أن تزهق) (٥).\n٣ - يكره حد السكين والحيوان يبصره؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق وفيه: (وأن توارى عن البهائم) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>المسألة الخامسة: حكم ذبائح أهل الكتاب:</span>\nتحل ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لقوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) [المائدة: ٥]، أي: ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى حل لكم أيها المسلمون. قال ابن عباس رضي الله\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٥٥٥٤)، ومسلم برقم (١٩٦٦).\n(٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٠٨)، وابن ماجه برقم (٣١٧٢)، وضعَّفه الألباني (ضعيف سنن ابن ماجه برقم ٦٨١) لكن له ما يشهد له.\n(٤) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(٥) أخرجه البيهقي في سننه (٩/ ٢٧٨)، وقال الألباني: هذا إسناد يحتمل التحسين (إرواء الغليل ٨/ ١٧٦).\n(٦) تقدم تخريجه (انظر حاشية ٣ من هذه الصفحة).","vol":"1","page":410},{"text":"عنهما: (طعامهم: ذبائحهم) (١).\nفذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى حلال بإجماع المسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، وتحريم الميتات، بخلاف غيرهم من الكفار من عبدة الأوثان والزنادقة والمرتدين والمجوس، فإنه لا تحل ذبائحهم، وكذا المشركون شركًا أكبر، من عُبَّاد القبور والأضرحة ونحوهم.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في ص (٤٠٧).","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>الباب الثالث: أحكام الصيد، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>المسألة الأولى: في تعريف الصيد، وحكمه، ودليل مشروعيته:</span>\n١ - تعريف الصيد:\nالصَّيْدُ لغة: مصدر صَادَ يَصِيْدُ صيدًا أي: قنصه، وأَخْذُه خلسة وحيلة، سواء أكان مأكولًا أم غير مأكول. وأُطلق على المصيد، تسميةً للمفعول باسم المصدر، فيقال للحيوان المصيد: صيد.\nوشرعًا: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا، غير مملوك، ولا مقدور عليه.\nوالوَحْشُ: هو كل حيوان غير مستأنس من دواب البر.\n٢ - مشروعية الصيد:\nالصيد مشروع مباح؛ قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [المائدة: ١]، وقوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢].\nولحديث عدي بن حاتم - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فَكُلْ) (١).\nهذا إن كان الصيد لحاجة الإنسان، أما إن كان لمجرد اللعب واللهو، فهو مكروه؛ لكونه من العبث، ولنهيه - ﷺ - أن تُصْبَرَ البهائم (٢). أي: تتخذ غرضًا للرمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>المسألة الثانية: الصيد المباح وغير المباح:</span>\nالصيد كله مباح بحريه وبريه إلا في حالات:\nالحالة الأولى: يحرم صيد الحَرَم للمحرم وغيره، وذلك بالإجماع، لقوله - ﷺ - يوم\nفتح مكة: (إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض ... لا يعضد شوكه،\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٤٨٣)، ومسلم برقم (١٩٢٩).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٥١٣)، ومسلم برقم (١٩٥٦).","vol":"1","page":412},{"text":"ولا يُنَفَّر صيده) (١). قال الحافظ ابن حجر: \"قيل: هو كناية عن الاصطياد .. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى\" (٢).\nالحالة الثانية: يحرم على المحرم صيد البَر، أو اصطياده، أو الإعانة على صيده بدلالة أو إشارة أو نحو ذلك؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) [المائدة: ٩٥].\nوكذلك يحرم عليه الأكل مما صاده، أو صيد لأجله، أو أعان على صيده، لقوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) [المائدة: ٩٦]. وقد ردَّ النبي - ﷺ - حمارًا وحشيًا أهداه إليه الصعب بن جثامة، وقال: (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) (٣). يعنى: من أجل أننا حرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>المسألة الثالثة: شروط إباحة الصيد:</span>\nيشترط لحل الصيد وإباحته شروط، وذلك في الصائد، وآلة الصيد.\nأولًا: شروط الصائد:\nيشترط في الصائد الذي يحل أكل صيده ما يشترط في الذابح بأن يكون مسلمًا أو كتابيًا، عاقلًا، فلا يحل ما صاده مجنون أو سكران لعدم الأهلية، ولا يحل ما صاده مجوسي أو وثني أو مرتد؛ لأن الصائد بمنزلة المذكي. أما ما لا يحتاج إلى ذكاة كالحوت والجراد، فيباح إذا صاده من لا تحل ذبيحته. وأن يكون الصائد قاصدًا للصيد؛ لأن الرمي بالآلة وإرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح، فاشترط له القصد.\nثانيًا: شروط آلة الصيد:\nالآلة نوعان:\n١ - ما له حَدٌّ يجرح؛ كالسيف والسكين والسهم: وهذا يُشترط فيه ما يشترط\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (١٨٣٣)، ومسلم برقم (١٣٥٣).\n(٢) فتح الباري: (٤/ ٥٥ - ٥٦).\n(٣) أخرجه البخاري برقم (١٨٢٥).","vol":"1","page":413},{"text":"في آلة الذبح بأن ينهر الدم، ويكون غير سن وظفر، وأن يجرح الصيد بحده لا بثقله؛ لحديث رافع بن خديج - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه) (١). وسئل رسول الله - ﷺ - عن صيد المعراض فقال: (ما خَزَقَ فَكُلْ، وما قتل بعرضه فلا تأكل) (٢)، وفي معنى المعراض: الحجارة، والعصا، والفخ، وقطع الحديد ونحوه مما ليس محددًا، إلا الرصاص الذي يستعمل اليوم في البنادق، فإنه حلال صيده؛ لأن به قوة دفع تخزق، وتنهر الدم.\n٢ - الجارحة من سباع البهائم أو جوارح الطير، فيجوز الصيد بسباع البهائم التي تصيد بنابها وجوارح الطير التي تصيد بمخلبها، لقوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) [المائدة: ٤]. ومثال سباع البهائم: الكلب، الفهد، النمر. ومثال جوارح الطير: الصقر، الباز، الشاهين.\nشروط الاصطياد بسباع البهائم وجوارح الطير:\nيشترط في الاصطياد بسباع البهائم وجوارح الطير أن تكون مُعَلَّمة، أي أنها تعلم آداب أخذ الصيد؛ وذلك بأن تتصف بالصفات التالية:\n١ - أن تقصد إلى الحيوان الذي يراد صيده إذا أرسلت إليه، ولا تقصد شيئًا غيره.\n٢ - أن تنزجر إذا زجرت، فتتوقف إذا استوقفها صاحبها. وهذان الشرطان معتبران في الكلب خاصة؛ لأن الفهد لا يكاد يجيب داعيًا، وإن اعتبر متعلمًا.\nأما الطير: فتعليمها يعتبر بأمرين كذلك: أن تسترسل إذا أرسلت، وأن ترجع إذا دعيت.\n_________\n(١) تقدم تخريجه في ص (٤٠٧).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥١٦٨)، ومسلم برقم (١٩٢٩). والمِعْرَاض: سهم بلا ريش ولا نصل، وإنما يصيب بعرضه دون حده. وخزق السهم الرمية: طعنها ونفذ فيها.","vol":"1","page":414},{"text":"٣ - ألا تأكل شيئًا من الصيد إذا قتلته، قبل أن تصل به إلى صاحبها الذي أرسلها.\nوالأصل في اعتبار هذه الشروط قوله تعالى: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٤]. وحديث عدي ابن حاتم - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إذا أرسلت الكلب المعلم، وسمَّيت، فأَمْسَكَ، وقَتَلَ، فكلْ، وإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه) (١).\nالتسمية عند رمي الصيد:\nومن الشروط أيضًا: التسمية عند رمي الصيد أو إرسال الجارحة؛ لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) [المائدة: ٤]، ولحديث عدي بن حاتم - ﵁ - مرفوعًا: (إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه ... وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه) (٢). وفي لفظ: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكل) (٣) فإن ترك التسمية سهوًا حلً الصيد. والله أعلم.\nحكم إدراك الصيد حيًا:\nإذا أدرك الصائد الصيد وفيه حياة مستقرة، فإنه يجب ذكاته، ولا يحل بدونها، أما إذا أدركه ولا حياة فيه مستقرة، فإنه يجوز أكله بدون ذكاة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري برقم (٥٤٨٣)، ومسلم برقم (١٩٢٩) -٣.\n(٢) أخرجه مسلم برقم (١٩٢٩) -٦.\n(٣) تقدم تخريجه في ص (٤١٢).","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>رابع عشر: كتاب القضاء والشهادات</span>\nويشتمل على بابين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>الباب الأول: في القضاء، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>المسألة الأولى: في تعريف القضاء، وحكمه، وأدلة مشروعيته:</span>\n١ - تعريفه: القضاء في اللغة: الحكم والفصل. وإحكام الشيء والفراغ منه، يقال: قَضَى يقضِي قضاءً إذا حَكَمَ وفَصَلَ.\nوفي الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات، وقطع المنازعات.\nوسمي القضاء حكما لما فيه من منع الظالم، مأخوذ من الحكمة التي توجب وضع الشيء في موضعه.\n٢ - حكمه والحكمة منه: القضاء فرض على الكفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن امتنع كل الصالحين عنه أثموا؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، وهو من القُرَبِ العظيمة، ففيه نصرة المظلوم، وإقامة الحدود، وإعطاء كل مستحق حقه، والإصلاح بين الناس، وقطع المخاصمات والمنازعات؛ ليستتب الأمن، ويقل الفساد.\nلذا يجب على الإمام تعيين القضاة حسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة، لئلا تضيع الحقوق ويعم الظلم، وفيه فضيلة عظيمة وأجر كبير لمن دخل فيه، وقام بحقه، وهو من أهله، وفيه إثم عظيم لمن دخل فيه ولم يؤد حقه ولم يكن من أهله.\n٣ - أدلة مشروعيته: الأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع.\nفدليل مشروعيته من الكتاب قوله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) [ص: ٢٦].","vol":"1","page":417},{"text":"ومن السنة قوله - ﷺ -: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم واجتهد ثم أخطأ فله أجر) (١).\nوقد تولى النبي - ﷺ - منصب القضاء، ونَصَّب القضاة، وكذلك فِعْلُ أصحابه مِنْ بعده والسلف الصالح.\nأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاة والحكم بين، الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>المسألة الثانية: شروط القاضي:</span>\nيشترط فيمن يتولى القضاء الشروط الآتية:\n١ - أن يكون مسلمًا؛ لأن الإسلام شرط للعدالة، والكافر ليس بعدل، كما أن تولي الكافر القضاء رفعة له، والمطلوب إذلاله.\n٢ - أن يكون مكلفًا -أي: بالغًا عاقلًا-؛ لأن الصبي والمجنون غير مكلفين، وتحت ولاية غيرهما.\n٣ - الحرية؛ لأن الرقيق مشغول بحقوق سيده وليس له ولاية، فليس أهلًا للقضاء، كالمرأة.\n٤ - الذكورة؛ فلا تتولى المرأة القضاء؛ لأنها ليست من أهل الولاية، قال النبي - ﷺ -: (لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة) (٢).\n٥ - العدالة؛ فلا يولى الفاسق؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: ٦]. فإذا كان لا يقبل خبره، فعدم قبول حكمه من باب أولى.\n٦ - السلامة من العاهات المزمنة كالصمم والعمى والخرس، لأنه لا يتمكن مع هذه العاهات من الفصل بين الخصوم، وفي اشتراط البصر نظر.\n_________\n(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٧٣٥٢)، ومسلم برقم (١٧١٦).\n(٢) رواه البخاري برقم (٤٤٢٥).","vol":"1","page":418},{"text":"٧ - أن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية التي ولي للقضاء بها ولو في مذهبه الذي يقلد فيه إمامًا من الأئمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>المسألة الثالثة: آداب القاضي وأخلاقه، وما ينبغي له ومالا ينبغي:</span>\n١ - ينبغي أن يكون القاضي قويًا ذا هيبة من غير تكبر ولا عنف، لينًا من غير ضعف؛ لئلا يطمع القوي في باطله، ويَيْئَس الضعيف مِنْ عدله.\n٢ - أن يكون حليما متأنيًا؛ لئلا يغضب من كلام الخصم فيمنعه الحكم.\n٣ - أن يكون ذا فطنة ويقظة، لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة.\n٤ - ينبغي أن يكون القاضي عفيفًا ورعًا، نزيهًا عما حرم الله.\n٥ - أن يكون قنوعًا صدوقًا، ذا رأي ومشورة.\nقال علي - ﵁ -: (لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم) (١).\n٦ - يحرم على القاضي أن يسارَّ أحد الخصمين، أو يحابي أحدهما، أو يلقنه حجته، أو يعلمه كيف يدّعي.\n٧ - يحرم على القاضي أن يقضي وهو غضبان غضبًا شديدًا؛ لقوله - ﷺ -: (لا يقضي حاكم بين اثنين وهو غضبان) (٢). ويقاس على الغضب كل ما يشوش على الفكر من المشكلات والهموم، والجوع والعطش والتعب، والمرض وغيرها.\n٨ - يحرم على القاضي قبول الرشوة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم) (٣)؛ فالرشوة تمنعه من الحكم بالحق لصاحبه، أو تجعله يحكم بالباطل للمبطل، وكلاهما شر عظيم.\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة (١٤/ ١٧). وقال الألباني: لم أره لعلي، وأخرج البيهقي (١٠/ ١١٠) نحوه عن عمر بن عبد العزيز، انظر إرواء الغليل (٨/ ٢٣٩).\n(٢) رواه البخاري برقم (٧١٥٨)، ومسلم برقم (١٧١٧).\n(٣) رواه الترمذي برقم (١٣٣٦) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه برقم (٢٣١٣)، وصححه الألباني (صحيح سنن الترمذي برقم ١٠٧٣).","vol":"1","page":419},{"text":"٩ - يحرم على القاضي قبول الهدايا من الخصمين أو من أحدهما، ومن كانت له عادة بمهاداته قبل القضاء فلا بأس، بشرط ألا يكون لهذا المهدي خصومة يحكم له فيها. ولو تورع عن ذلك كله لكان أفضل له. فالقاضي ينبغي له أن ينزه نفسه عن جميع ما يؤثر في قضائه وسمعته، حتى البيع والشراء لا ينبغي له أن يبيع ويشتري بنفسه ممن يعرفه، خشية المحاباة؛ فإن المحاباة في البيع والشراء كالهدية. وإنما يتعاطى البيع والشراء بوكيل لا يعرف أنه له.\n١٠ - لا يجوز للقاضي أن يقضي لنفسه ولا لقرابته، ممن لا تقبل شهادته له، ولا يحكم على عدوه، لقيام التهمة في هذه الأحوال.\n١١ - لا يحكم القاضي بعلمه؛ لأن ذلك يفضي إلى تهمته.\n١٢ - يستحب للقاضي أن يتخذ كاتبًا يكتب له الوقائع، وغيره ممن يحتاجه لمساعدته، كالحاجب والمزكي والمترجم وغيرهم، لكثرة انشغاله بأمور الناس فيحتاج من يساعده.\n١٣ - يتعين على القاضي أن يحكم بما في كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، فإن لم يجد قضى بالإجماع، فإن لم يجد وكان من أهل الاجتهاد اجتهد، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فعليه أن يستفتي في ذلك فيأخذ بفتوى المفتي.\n١٤ - يجب على القاضي العدل بين الخصمين في كل شيء، كتب عمر - ﵁ - إلى أبي موسى - ﵁ -: (واس بين الناس في وجهك، ومجلسك، وعدلك؛ حتى لا ييئس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>المسألة الرابعة: طريق الحكم وصفته:</span>\nيتوصل القاضي إلى الحكم في قضية ما باتباع الخطوات التالية:\n- إذا حضر عنده الخصمان أجلسهما بين يديه، وسألهما: أيُّكما المدَّعِي؟ أو يسكت حتى يتكلم المدَّعِي فيستمع دعواه.\n_________\n(١) رواه الدارقطني (٥١٢) وهو صحيح، انظر: إرواء الغليل (٨/ ٢٤١).","vol":"1","page":420},{"text":"- فإن جاءت الدعوى على الوجه الصحيح، سأل القاضي المدَّعَى عليه عن موقفه حيالها، فإن أقرَّ بها قضى عليه، وإن أنكر طالب المدعِي بالبينة.\n- فإن كانت للمدعِي بينة طالبه بإحضارها، واستمع شهادتها، وحكم بها بشروطها، ولا يحكم بعلمه.\n- فإن لم يكن للمدَّعِي بينة أعلمه القاضي أن له اليمين على خصمه؛ لقوله - ﷺ - للحضرمي الذي ادَّعى أرضًا غلبه عليها الكندي: (ألك بينة؟) قال: لا.\nقال: (فلك يمينه) (١)، ولقوله - ﷺ -: (البينة على المدَّعي، واليمين على المدَّعى عليه) (٢).\n- فإن قبل المُدَّعي يمين المدعى عليه، حلفه القاضي وخلَّى سبيله؛ لأن الأصل براءة الذمة.\n- فإن نكل المدَّعى عليه عن اليمين وأبى أن يحلف، قضى عليه الحاكم بالنكول، فالنكول -يعني: الامتناع- قرينة ظاهرة دالة على صدق المدَّعي، وقد حكم بالنكول عثمان - ﷺ - وجماعة من أهل العلم.\nوذهب جماعة آخرون إلى أن اليمين ترد على المدعِي إذا نكل المدعَى عليه، فيحلف، ويستحق، ولا سيما إذا قوي جانبه.\n- فإذا حلف المدعى عليه وخلَّى الحاكم سبيله، فأحضر المدَّعي بَينة بعد ذلك حكم له بها؛ لأن يمين المنكر لا تزيل الحق، وإنما هي مزيلة للخصومة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (٢٢٣).\n(٢) سيأتي تخريجه في الباب الذي بعد هذا (انظر ص ٤٢٣).","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>الباب الثاني: في الشهادات، وفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>المسألة الأولى: في تعريفها، وحكمها، وأدلتها:</span>\n١ - تعريفها: الشهادة في اللغة: هي الخبر القاطع، مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعاينه.\nوالمراد بها عند الفقهاء: الإخبار بحق للغير على الغير في مجلس القضاء.\nأو: هي الإخبار بما علمه الشاهد بلفظ خاص، وهو: أشهد أو شهدت، أو ما يقوم مقامهما.\n٢ - حكمها: تَحَمُّل الشهادة في غير حق الله تعالى -يعني في حق الآدميين- فرض على الكفاية، إذا وجد من يقوم بذلك كفى عن الآخرين لحصول الغرض، وإن لم يوجد إلا من يكفي تعيَّن عليه؛ لقوله تعالى: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) [البقرة: ٢٨٢].\nوأما أداؤها وإثباتها عند الحاكم: ففرض عين على من تحملها متى دُعي إلى أدائها؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: ٢٨٣]، وهذا وعيد شديد لمن كتمها، فدل على فرضية أدائها على من تحملها، متى دعي إلى ذلك.\nويشترط لوجوب تحملها وأدائها: انتفاء الضرر عن الشاهد، فإن كان يلحقه من ذلك ضرر في عرضه أو ماله أو نفسه أو أهله، فلا يجب عليه؛ لقوله - ﷺ -: (لا ضرر ولا ضرار) (١).\n٣ - أدلة مشروعيتها: دلَّ على مشروعية الشهادة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) [الطلاق: ٢]. وقوله\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٥٧ - ٥٨) وصححه، ووافقه الذهبي. والبيهقي (٦/ ٦٩ - ٧٠) وصححه الألباني (الصحيحة رقم ٢٥٠).","vol":"1","page":422},{"text":"تعالى:: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: ٢٨٣].\nوقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢]. وقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢].\nومن السنة: حديث ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (شاهداك أو يمينه) (١)، وحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: (البينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر) (٢).\nوقد أجمع العلماء على مشروعيتها؛ لإثبات الحقوق، ولأن الحاجة داعية إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>المسألة الثانية: شروط الشاهد الذي تقبل شهادته:</span>\nيشترط فيمن تقبل شهادته الشروط التالية:\n١ - الإسلام: فلا تقبل شهادة الكافر؛ لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢]. وقوله ﷿: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس بعدل ولا مرضي، وتقبل شهادة الكفار من أهل الكتاب في حال الوصية في السفر لأجل الضرورة، وذلك إذا لم يوجد غيرهم؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) [المائدة: ١٠٦]. قال ابن عباس وجماعة كثيرون في قوله: (أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ): من غير المسلمين، يعني أهل الكتاب (٣).\n٢ - البلوغ والعقل: فلا شهادة لصغير وإن اتصف بالعدالة، لأنه غير كامل العقل، فهو ناقص الأهلية. لكن تقبل شهادة الصبيان بعضهم على\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٦٦٧٦)، ومسلم برقم (١٣٨) -٢٢١، واللفظ لمسلم.\n(٢) رواه الترمذي برقم (١٣٤١)، وصححه الألباني من حديث عمرو بن شعيب بلفظ \"واليمين على المدعى عليه\" (صحيح سنن الترمذي برقم ١٠٧٨).\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢١١).","vol":"1","page":423},{"text":"بعض في الجروح خاصة، وبخاصة قبل تفرقهم إذا اتفقت كلمتهم. وكذا لا تقبل شهادة المجنون والمعتوه والسكران؛ لأن شهادتهم لا تفيد اليقين الذي يحكم بمقتضاه.\n٣ - الكلام: فلا تقبل شهادة الأخرس، ولو فهمت إشارته؛ وإنما قبلت إشارته في الأحكام الخاصة به للضرورة. لكن لو أدى الشهادة بخطه كتابة قُبلت؛ لدلالة الخط على الألفاظ.\n٤ - الحفظ والضبط واليقظة: فلا تقبل شهادة المغفل والمعروف بكثرة الخطأ والسهو؛ لعدم حصول الثقة بقوله؛ لاحتمال أن يكون ذلك من غلطه، لكن تقبل ممن يقلُّ منه ذلك؛ لأنه لا يسلم منه أحد.\n٥ - العدالة: فلا تقبل شهادة الفاسق؛ لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢]، والعدل: هو المستقيم في دينه، الذي لم تظهر منه ريبة، ذو المروءة، المؤدي للواجبات والمستحبات، المجتنب للمحرمات والمكروهات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالشهادة:</span>\n١ - يجب على الشاهد أن يكون على علم بما يشهد به، فلا يجوز له أن يشهد بما لا يعلم، قال الله ﷿: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: ٣٦]. وقال تعالى: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٦] أي: على بصيرة وعلم.\nوالعلم يحصل بالسماع أو بالرؤية أو بالشهرة والاستفاضة فيما لا يحصل إلا بها غالبًا كالنسب والموت.\n٢ - لا تقبل شهادة الأب لابنه ولا العكس؛ لحصول التهمة، وكذلك أحد الزوجين لصاحبه. وتقبل الشهادة عليهم، فلو شهد على أبيه أو ابنه أو زوجته أو شهدت عليه قبلت؛ لعدم التهمة في ذلك، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [النساء: ١٣٥].","vol":"1","page":424},{"text":"٣ - لا تقبل شهادة العدو على عدوه، ولا من يجر إلى نفسه نفعًا بها، أو يدفع بها ضررًا عن نفسه، أما العداوة في الدين فلا تمنع قبول الشهادة، فتقبل شهادة المسلم على الكافر، والسنيّ على المبتدع.\n٤ - يجب على الشاهد أن يشهد بالحق ولو على أقرب الناس إليه ولا تجوز المحاباة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [النساء: ١٣٥] أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم.\n٥ - تقبل الشهادة على الشهادة؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، ولكن بشرط تعذُّر شهود الأصل لمرض أو موت أو غيرهما، مع ثبوت عدالة شاهد الأصل والفرع معًا.\n٦ - لا تقبل شهادة الزور، وهو الكذب، وهي من الكبائر لقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [الحج: ٣٠]. وقوله - ﷺ -: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئًا فقال: ألا وقول الزور. قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) (١)، ولأن فيها رفعًا للعدل وتحقيقًا للجور والظلم.\n٧ - لا يجوز للشاهد أخذ الأجرة على أداء الشهادة، لكن لو عجز عن المشي إلى محل أداء الشهادة فله أخذ أجرة الركوب.\n٨ - عدد الشهود يختلف باختلاف المشهود به: فالزنى واللواط لا يقبل فيهما أقل من أربعة شهود من الرجال؛ لقوله تعالى: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) [النور: ١٣]. أما بقية الحدود كالسرقة والقذف، وكذلك ما ليس بمال ولا يقصد به المال، وكان مما يطلع عليه الرجال في الغالب، كالنكاح والطلاق والرجعة والظهار والنسب والوكالة والوصية ونحو ذلك، فيقبل فيها شاهدان\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٦٥٣، ٢٦٥٤)، ومسلم برقم (٨٧).","vol":"1","page":425},{"text":"من الرجال. ولا تقبل فيه شهادة النساء، لقوله تعالى في الرجعة: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢]، فيقاس عليه سائر ما ذكر، فإنه ليس بمال ولا يقصد به المال، فأشبه العقوبات.\nأما المال وما يقصد به المال، كالبيع والإجارة والأجل والقرض والرهن والوديعة ونحو ذلك من العقود المالية، فيقبل فيه شهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين؛ لقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢].\nويقبل أيضًا في المال وما يقصد به المال شهادة رجل واحد ويمين المدعي لقضاء النبي بها.\nأما ما لا يطلع عليه الرجال في الغالب كعيوب النساء المستورة والثيوبة والبكارة والولادة والرضاع واستهلال المولود ونحو ذلك فتقبل فيه شهادة النساء منفردات، وتكفي امرأة واحدة عدلة.\nومن ادعى الفقر بعد أن كان غنيًا، فيشترط لإثبات ذلك شهادة ثلاثة رجال؛ لقوله - ﷺ - في حديث قبيصة بن الخارق فيمن تحل له المسألة: (ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة) (١).\n٩ - لا يشترط في أداء لفظ الشهادة أن يقول: (أشهد) أو (شهدت)، بل يكفي في ذلك قوله: رأيت كذا وكذا، أو سمعت، أو نحو ذلك؛ لعدم ورود ما يدل على اشتراط ذلك.\nوبعد، فهذا ما يَسَّر الله -سبحانه- جمعه في هذا المختصر، نسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به عباده المؤمنين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم (١٠٤٤). والحِجا: العقل.","vol":"1","page":426}]}