{"ً":{"ٌ":22886,"ٍ":"نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الرقاق والآداب والأذكار/نداء الريان في فقه الصوم - العفاني - ط عسيري 1-3","files":["nrfs0.pdf|الغلاف","nrfs1.pdf","nrfs2.pdf","nrfs3.pdf"]},"ّ":"الكتاب: نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان\nالمؤلف: أبو التراب سيد بن حسين بن عبد الله العفاني\nقدم له: أبو بكر الجزائري - محمد صفوت نور الدين - محمد عبد المقصود\nتوزيع: دار ماجد عسيري - جدة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[نداء الريان-العفاني]\n\nقال الشيخ أبو بكر الجزائري\n«ما ترك شاردة ولا واردة، ولا نافلة، ولا فريضة، ولا كبيرة، ولا صغيرة، في باب الصيام وأحكامه وفضائله، وكمال أهله إلا ذكرها بأسلوب الأدب الرفيع والحكمة البالغة.\nوقبل أن أدعوَ له بخير الدارين أنصح لكل طالب علم أن يقتني هذا الكتاب ويكبّ عليه ويقرأه، وينشر طِيبه بين المسلمين»\n\nوقال الشيخ محمد صفوت نور الدين:\n«موسوعة تاريخية فقهية حديثية طبية وعظية قصصية واقعية يحتاجها المدرس والكاتب والمؤرخ والصائم، ويحتاجها قاسي القلب ليلين قلبه، ويحتاجها الشارد ليقرب والقريب ليزداد قربا، ويحتاجها الباحث والطبيب الذي يعالج أمراض الأبدان، والواعظ الذي يغذي القلوب والأرواح»\n\nوقال الشيخ محمد بن عبد المقصود العفيفي:\n«موسوعةً ضخمة جدًّا في الصيام وكل ما يتعلق به، ومؤلفه الأخ الأستاذ الدكتور سيد حسين، ذكر فيها فضائلَ الصيام وآثاره، وصيام الصالحين، وصيام أهل البدع، وفوائد الصيام، وفضائل شهر رمضان، والغزوات التي وقعت في شهر رمضان، حتى الفتاوى الطبية المتعلقة بشهر رمضان، وكتب الطب التي ألفتْ فيما يتعلق بموضوع هذا الكتاب -وهو الصوم- وفتاوى العلماء قديمًا وحديثًا، وكذلك الأشعار التي وردت في شهر رمضان وكتبها.\nفهذا في الحقيقة جهد كبير جدًّا …»","ٓ":"1.0","ٔ":1115,"ٕ":23,"ٖ":1770155474,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"بقلم فضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري","level":2,"page":3},{"title":"بقلم فضيلة الشيخ: محمد صفوت نور الدين","level":2,"page":4},{"title":"بقلم فضيلة الشيخ الدكتور/ محمد بن عبد المقصود العفيفي","level":2,"page":6},{"title":"المقدمة","level":2,"page":8},{"title":"الباب الأول من معاني الصوم","level":1,"page":12},{"title":"أ- الإخلاص عنوان الصوم","level":2,"page":13},{"title":"(ب) التقوى حكمة الصوم العليا","level":2,"page":18},{"title":"(جـ) ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون","level":2,"page":19},{"title":"(د) الصوم وإعداد الأمة","level":2,"page":20},{"title":"(هـ) الصوم رياضة للنفس على ترك الشهوات","level":2,"page":20},{"title":"(و) الصوم والمراقبة","level":2,"page":22},{"title":"الباب الثاني فضائل الصوم","level":1,"page":24},{"title":"الفضيلة الأولى: الصائمون هم السائحون","level":2,"page":25},{"title":"الفضيلة الثانية: الصوم لا مثل له","level":2,"page":26},{"title":"الفضيلة الثالثة إضافته لله تعالى تشريفا لقدره وتعريفا بعظيم فخره","level":2,"page":26},{"title":"الفضيلة الرابعة: رفعة الدرجات","level":2,"page":29},{"title":"الفضيلة الخامسة: الصيام مناسب لصفة من صفات الحق","level":2,"page":30},{"title":"الفضيلة السادسة جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام","level":2,"page":31},{"title":"الفضيلة السابعة الصوم كفارة للخطيئات","level":2,"page":32},{"title":"الفضيلة الثامنة تشريف الله والملائكة له بالصلاة عليه","level":2,"page":34},{"title":"الفضيلة التاسعة الصيام جنة من النار","level":2,"page":35},{"title":"الفضيلة العاشرة الصوم في الصيف يورث السقيا يوم العطش","level":2,"page":38},{"title":"الفضيلة الحادية عشر الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة","level":2,"page":39},{"title":"الفضيلة الثانية عشر نداء الريان لعاشر الصوام","level":2,"page":41},{"title":"الفضيلة الثالثة عشر الصوم سبيل إلى الجنات","level":2,"page":43},{"title":"الفضيلة الرابعة عشر شفاعة الصيام يوم القيامة لصاحبه","level":2,"page":47},{"title":"الفضيلة الخامسة عشر دعوة الصائم لا ترد","level":2,"page":47},{"title":"الفضيلة السادسة عشر الصيام شعار الأبرار","level":2,"page":48},{"title":"الفضيلة السابعة عشر للصائم فرحتان","level":2,"page":48},{"title":"الفضيلة الثامنة عشر خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك","level":2,"page":51},{"title":"الفضيلة التاسعة عشر الصوم جنة","level":2,"page":56},{"title":"الفضيلة العشرون قطع أسباب التعبد لغير الله","level":2,"page":58},{"title":"الفضيلة الواحد والعشرون الصوم شكر للمنعم عالم الخفيات","level":2,"page":59},{"title":"الفضيلة الثانية والعشرون توفير الطاعات وتحريض على المثوبات","level":2,"page":59},{"title":"الفضيلة الثالثة والعشرون تكثير الصدقات، والإحسان إلى ذوي الحاجات","level":2,"page":61},{"title":"الفضيلة الرابعة والعشرون رقة القلب وصيانة الجوارح","level":2,"page":66},{"title":"الفضيلة الخامسة والعشرون الصيام فدية لبعض الأعمال","level":2,"page":67},{"title":"ثمرات الصيام","level":2,"page":68},{"title":"الباب الثالث صوم الجاهلية موضوع تحت قدمي","level":1,"page":70},{"title":"إياكم وبنيات الطريق","level":2,"page":71},{"title":"١- الجناحية من الرافضة وصومها","level":2,"page":74},{"title":"٢- الخطابية","level":2,"page":75},{"title":"٣- الكيسانية","level":2,"page":76},{"title":"٤- العجلية","level":2,"page":76},{"title":"٥- الحزمية","level":2,"page":76},{"title":"٦- الإسماعيلية (الباطنية)","level":2,"page":76},{"title":"٧- صوم القرامطة","level":2,"page":77},{"title":"٨- الصليحيون \"الإسماعيلية الطيبية باليمن\"","level":2,"page":78},{"title":"٩- صوم البهرة","level":2,"page":78},{"title":"١٠- الإسماعيلية النزارية","level":2,"page":79},{"title":"أ- الحشاشون","level":2,"page":79},{"title":"١١- صوم الإسماعيلية الأغاخانية","level":2,"page":80},{"title":"١٢- النصيريون وصومهم","level":2,"page":80},{"title":"١٣- صوم الدروز","level":2,"page":81},{"title":"فلاسفة الصومية وغلاتها","level":2,"page":83},{"title":"١٤- صوم ابن عربي","level":2,"page":83},{"title":"١٥- صوم الحلاج","level":2,"page":83},{"title":"١٦- صوم ابن الفارض: وسنن النصارى","level":2,"page":84},{"title":"١٧- صوم الرفاعية","level":2,"page":85},{"title":"١٨- صوم البدوي","level":2,"page":87},{"title":"١٩- أبو العلاء المعري والصوم عن الحيوان \"زهاد المبتدعة\"","level":2,"page":87},{"title":"صوم المارقين المرتدين:- البهائية -القاديانية-","level":2,"page":88},{"title":"٢٠- صوم البهائية","level":2,"page":88},{"title":"٢١- صوم القاديانية","level":2,"page":90},{"title":"٢٢، ٢٣- صوم النصارى واليهود","level":2,"page":91},{"title":"الباب الرابع فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب","level":1,"page":94},{"title":"النهي عن التشبه بالمشركين","level":2,"page":95},{"title":"الفرق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب تعجيل الفطر","level":2,"page":97},{"title":"أكلة السحر فرق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب","level":2,"page":99},{"title":"الباب الخامس سادات الصائمين","level":1,"page":102},{"title":"(١) صوم الفاروق عمر بن الخطاب (﵁)","level":2,"page":105},{"title":"(٢) صوم ذي النورين عثمان بن عفان (﵁)","level":2,"page":106},{"title":"(٣) صوم أبي طلحة الأنصاري","level":2,"page":106},{"title":"(٤) صوم عائشة زوج رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":107},{"title":"(٥) صوم أم المؤمنين حفصة بنت عمر","level":2,"page":108},{"title":"(٦) صوم أبي الدرداء حكيم الأمة وسيد القراء","level":2,"page":109},{"title":"(٧) صوم عبد الله بن عمرو بن العاص","level":2,"page":110},{"title":"(٨) صوم عبد الله بن عمر","level":2,"page":112},{"title":"(٩) صوم أبي أمامة الباهلي","level":2,"page":112},{"title":"(١٠) صوم عبد الله بن الزبير","level":2,"page":113},{"title":"(١١) صوم عبد الله بن رواحة","level":2,"page":114},{"title":"(١٢) صوم الصحابي الجليل حمزة بن عمرو الأسلمي","level":2,"page":115},{"title":"(١٣) صوم أبي مسلم الخولاني","level":2,"page":115},{"title":"(١٤) صوم عامر بن عبد قيس","level":2,"page":116},{"title":"(١٥) صوم الأسود بن يزيد النخعي","level":2,"page":117},{"title":"(١٦) صوم مسروق بن عبد الرحمن","level":2,"page":118},{"title":"(١٧) صوم العلاء بن زياد","level":2,"page":119},{"title":"(١٨) صوم سعيد بن المسيب سيد التابعين","level":2,"page":121},{"title":"(١٩) صوم أبي بكر بن عبد الرحمن راهب قريش","level":2,"page":121},{"title":"(٢٠) صوم عروة بن الزبير","level":2,"page":121},{"title":"(٢١) صوم سليمان بن يسار","level":2,"page":123},{"title":"(٢٢) صوم عطاء بن يسار","level":2,"page":123},{"title":"(٢٣) صوم إبراهيم النخعي","level":2,"page":123},{"title":"(٢٤) صوم الحسن البصري","level":2,"page":123},{"title":"(٢٥) صوم ابن سيرين","level":2,"page":125},{"title":"(٢٦) صوم عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي","level":2,"page":126},{"title":"(٢٧) صوم عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي الكومي","level":2,"page":126},{"title":"(٢٨) صوم عراك بن مالك الغفاري","level":2,"page":126},{"title":"(٢٩) صوم منصور بن المعتمر","level":2,"page":127},{"title":"(٣٠) صيام سليمان بن طرخان","level":2,"page":127},{"title":"(٣١) صوم الزهري","level":2,"page":128},{"title":"(٣٢) صوم ابن جريج","level":2,"page":128},{"title":"(٣٣) صوم عبد الله بن عون","level":2,"page":129},{"title":"(٣٤) صوم داود بن أبي هند","level":2,"page":129},{"title":"(٣٥) صوم ابن أبي ذئب","level":2,"page":130},{"title":"(٣٦) صوم شعبة الخير أبي بسطام","level":2,"page":131},{"title":"(٣٧) صوم غندر","level":2,"page":132},{"title":"(٣٨) صوم معروف الكرخي","level":2,"page":132},{"title":"(٣٩) صوم أحمد بن حرب","level":2,"page":133},{"title":"(٤٠) صوم أحمد بن حنبل إمام أهل السنة","level":2,"page":134},{"title":"(٤١) صوم إبراهيم بن هانئ النيسابوري","level":2,"page":136},{"title":"(٤٢) صوم أحمد بن سليمان أبو بكر النجاد","level":2,"page":137},{"title":"(٤٣) صوم بقي بن مخلد","level":2,"page":138},{"title":"(٤٤) صوم المنبجي","level":2,"page":139},{"title":"(٤٥) صوم ابن زياد النيسابوري","level":2,"page":139},{"title":"(٤٦) صوم القطان","level":2,"page":139},{"title":"(٤٧) صوم ابن بطة","level":2,"page":140},{"title":"(٤٨) صوم ابن جميع","level":2,"page":140},{"title":"(٤٩) صوم السكن ابن جميع","level":2,"page":141},{"title":"(٥٠) صوم الصوري","level":2,"page":141},{"title":"(٥١) صوم الدوني","level":2,"page":141},{"title":"(٥٢) صوم العماد المقدسي","level":2,"page":141},{"title":"(٥٣) صوم ثابت البناني","level":2,"page":142},{"title":"(٥٤) صوم سعد بن إبراهيم الزهري","level":2,"page":143},{"title":"(٥٥) صوم وكيع بن الجراح","level":2,"page":143},{"title":"(٥٦) صوم أبي بكر بن عياش","level":2,"page":144},{"title":"(٥٧) صوم جعفر بن الحسن الدرزيجاني","level":2,"page":145},{"title":"(٥٨) صوم رحلة العابدة","level":2,"page":146},{"title":"(٥٩) صوم ميمونة بنت الأقرع","level":2,"page":146},{"title":"(٦٠) صوم أبي حنيفة","level":2,"page":146},{"title":"(٦١) صوم محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة","level":2,"page":147},{"title":"(٦٢) صوم الملك العادل نور الدين محمود زنكي","level":2,"page":147},{"title":"(٦٣) صوم الشيخ الورع علي العياش","level":2,"page":149},{"title":"(٦٤) صوم السيدة المكرمة الصالحة نفيسة ابنة الحسن بن زيد","level":2,"page":149},{"title":"(٦٥) صوم زيد بن بندار","level":2,"page":150},{"title":"الباب السادس بين يدي رمضان","level":1,"page":151},{"title":"إذا العشرون من شعبان ولت","level":2,"page":152},{"title":"التهنئة بقدوم رمضان","level":2,"page":155},{"title":"رمضان قصيدة لمحمود حسن إسماعيل","level":2,"page":161},{"title":"مدرسة الثلاثين يوما \"شهر للثورة\" لمصطفى صادق الرافعي","level":2,"page":164},{"title":"الباب السابع فضائل رمضان","level":1,"page":171},{"title":"رمضان شهر نزول القرآن والكتب السماوية","level":2,"page":172},{"title":"\"سجع\"","level":2,"page":192},{"title":"رمضان شهر التراويح والتهجد","level":3,"page":193},{"title":"صلاة التراويح وأثرها علي العمود الفقري والقلب","level":3,"page":196},{"title":"رمضان شهر تكفير الذنوب","level":2,"page":199},{"title":"قصيدة أنا العبد الذي كسب الذنوبا","level":3,"page":206},{"title":"التائبون العابدون \"سجع\"","level":3,"page":208},{"title":"رمضان شهر الجود والإحسان","level":2,"page":210},{"title":"رمضان شهر فتح أبواب الجنان","level":2,"page":224},{"title":"رمضان شهر غلق أبواب النيران","level":2,"page":230},{"title":"رمضان شهر الصبر والتربية","level":2,"page":235},{"title":"رمضان شهر الشكر","level":2,"page":246},{"title":"رمضان شهر الدعاء المستجاب","level":2,"page":255},{"title":"رمضان شهر مضاعفة الأجر","level":2,"page":268},{"title":"رمضان شهر تصفيد الشياطين","level":2,"page":270},{"title":"شياطين الإنس ورمضان","level":3,"page":276},{"title":"رمضان غنم للمؤمن ونقمة للفاجر","level":2,"page":280},{"title":"رمضان شهر تربية المجتمع","level":2,"page":282},{"title":"رمضان شهر ليلة القدر","level":2,"page":284},{"title":"الباب الثامن رمضان شهر الجهاد والفتوحات","level":1,"page":293},{"title":"غزوة بدر الكبرى فى السنة الثانية من الهجرة","level":2,"page":299},{"title":"السنة الثالثة من الهجرة","level":2,"page":301},{"title":"السنة الخامسة من الهجرة: الاستعداد لغزوة الخندق","level":2,"page":301},{"title":"السنة السادسة من الهجرة: سرية غالب بن عبد الله","level":2,"page":301},{"title":"السنة الثامنة من الهجرة: فتح مكة","level":2,"page":301},{"title":"هدم الأصنام","level":2,"page":305},{"title":"السنة التاسعة من الهجرة: عودة من غزوة تبوك","level":2,"page":307},{"title":"السنة الثالثة عشرة من الهجرة: معركة \"البويب\"","level":2,"page":307},{"title":"فتح النوبة ومعاهدة القبط","level":2,"page":308},{"title":"سنة ٥٣ هـ فتح جزيرة رودس","level":2,"page":312},{"title":"سنة ٦٧ هـ زالت دولة المختار الثقفي","level":2,"page":312},{"title":"سنة ٩١ هـ غزوة طريف","level":2,"page":314},{"title":"سنة ٩١ هـ فتح الأندلس","level":2,"page":314},{"title":"وقفة على أبواب مدريد","level":2,"page":315},{"title":"فتوح المسلمين في فرنسا","level":2,"page":317},{"title":"سنة ٢٢٢ هـ فتح البذ مدينة \"بابك الخرمي\"","level":2,"page":319},{"title":"سنة ٢٢٣ هـ فتح عمورية على يد المعتصم","level":2,"page":320},{"title":"سنة ٢٦٤ هـ سقوط سرقوسة من جزيرة صقلية","level":2,"page":323},{"title":"سنة ٥٥٩ هـ وقعة حارم","level":2,"page":324},{"title":"سنة ٥٨٤ هـ فتح الكرم وصفد","level":2,"page":324},{"title":"سنة ٦٥٨ هـ وقعة \"عين جالوت\"","level":2,"page":324},{"title":"فتح أنطاكية","level":2,"page":326},{"title":"فتح أرمينيا الصغرى","level":2,"page":329},{"title":"سنة ٧٠٢ هـ معركة شقحب (معركة مرج الصفر)","level":2,"page":331},{"title":"فتح جزيرة قبرص","level":2,"page":335},{"title":"فتح البوسنة والهرسك","level":2,"page":338},{"title":"سنة ٨٢٧ هـ فتح بلغراد على يد السلطان العثماني سليمان القانوني","level":2,"page":341},{"title":"جهاد المسلمين في الحبشة","level":2,"page":342},{"title":"سنة ١٣٩٣ هـ العاشر من رمضان لنصر على اليهود","level":2,"page":345},{"title":"الباب التاسع حدث في رمضان","level":1,"page":347},{"title":"قبض موسى ورفع عيسى إلي السماء ﵉","level":2,"page":348},{"title":"٤ هـ زواج الرسول بأم المؤمنين بزينب بنت خزيمة ﵂","level":2,"page":349},{"title":"٥ هـ حديث الإفك","level":2,"page":349},{"title":"٩ هـ قدوم وفد ثقيف على رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":350},{"title":"٩ هـ قدوم رسول ملك حمير على رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":351},{"title":"١١ هـ وفاة أم أبيها فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":351},{"title":"٤٠ هـ استشهاد علي ابن أبي طالب","level":2,"page":352},{"title":"٥٨ هـ وفاة أم المؤمنين عائشة ﵂","level":2,"page":352},{"title":"٩٥ هـ موت الحجاج الثقفي","level":2,"page":353},{"title":"١٣٢ هـ قيام الدولة العباسية","level":2,"page":354},{"title":"٢٢١ هـ نصر أهل السنة والإمام أحمد في محنة خلق القرآن","level":2,"page":354},{"title":"الباب العاشر أسرار الصوم وشروطه الباطنة","level":1,"page":356},{"title":"الباب الحادي عشر الموضوع والضعيف في الصوم","level":1,"page":373},{"title":"الباب الثاني عشر الصوم على أربعين وجها","level":1,"page":441},{"title":"الباب الثالث عشر الصوم المندوب والمنهي عنه","level":1,"page":445},{"title":"الصوم المندوب","level":2,"page":446},{"title":"صيام شهر الله المحرم","level":2,"page":449},{"title":"صوم شعبان","level":2,"page":451},{"title":"حكم التطوع بالصيام بعد انتصاف شعبان","level":2,"page":455},{"title":"ليلة النصف من شعبان","level":2,"page":459},{"title":"صيام ستة أيام من شوال","level":2,"page":460},{"title":"صوم الأشهر الحرم","level":2,"page":466},{"title":"صوم رجب","level":2,"page":467},{"title":"النوع الثانى: صوم الأيام","level":2,"page":471},{"title":"١- صوم عشر ذي الحجة","level":2,"page":471},{"title":"٢- صوم يوم عرفة","level":2,"page":473},{"title":"٣- صوم يوم عاشوراء","level":2,"page":475},{"title":"أربع حالات لصفة صيام النبي - ﷺ - لعاشوراء","level":2,"page":477},{"title":"صوم الصبيان في عاشوراء","level":2,"page":479},{"title":"صوم تاسوعاء مع عاشوراء مخالفة لليهود","level":2,"page":482},{"title":"٤- صوم أيام البيض","level":2,"page":485},{"title":"٥- صيام الاثنين والخميس","level":2,"page":487},{"title":"٦- صوم يوم الجمعة مقرونا بغيره","level":2,"page":490},{"title":"٧- صيام يوم السبت والأحد مخالفة للمشركين","level":2,"page":491},{"title":"الصوم المبهم المقيد بزمن","level":2,"page":492},{"title":"(١) صوم يوم وإفطار يوم","level":2,"page":492},{"title":"(٢) صوم يوم وإفطار يومين","level":2,"page":494},{"title":"(٣) صوم عشرة أيام من الشهر","level":2,"page":495},{"title":"(٤-٧) صوم إحدى عشرة أو تسعا أو سبعا أو خمسة أيام من الشهر","level":2,"page":495},{"title":"(٨) صيام أربعة أيام من الشهر","level":2,"page":496},{"title":"(٩) صوم ثلاثة أيام من الشهر كيفية ذلك","level":2,"page":496},{"title":"(١٠) صوم يومين من الشهر","level":2,"page":500},{"title":"(١١) صوم يوم من الشهر","level":2,"page":501},{"title":"الأيام المنهي عن صيامها","level":2,"page":502},{"title":"(أ) المتفق على تحريمها:","level":2,"page":502},{"title":"(١ و٢) يوم الفطر، والأضحى","level":2,"page":502},{"title":"(ب) الأيام المنهي عن صيامها والمختلف فيها","level":2,"page":503},{"title":"١- أيام التشريق","level":2,"page":503},{"title":"سر حسن","level":2,"page":507},{"title":"٢- صوم يوم الجمعة","level":2,"page":508},{"title":"٣- بعد النصف من شعبان","level":2,"page":511},{"title":"٤- صوم السبت","level":2,"page":512},{"title":"٥- يوم الشك","level":2,"page":513},{"title":"فإن غم عليكم فأكملوا العدة الثلاثين","level":2,"page":515},{"title":"النهي عن صوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها وهو حاضر","level":2,"page":520},{"title":"إفراد يوم النيروز بصوم","level":2,"page":522},{"title":"صيام الدهر","level":2,"page":522},{"title":"الوصال في الصوم","level":2,"page":529},{"title":"جواز الوصال حتى السحر","level":2,"page":534},{"title":"معني \"إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني\"","level":2,"page":536},{"title":"هديه ﷺ في صيام التطوع","level":2,"page":538},{"title":"الباب الرابع عشر فقه الصوم ورمضان","level":1,"page":547},{"title":"الصيام لغة:","level":2,"page":548},{"title":"الصيام شرعا:","level":2,"page":548},{"title":"الصوم الواجب:","level":2,"page":548},{"title":"فرض الصوم على أحوال","level":2,"page":550},{"title":"على من يجب الصيام؟","level":2,"page":552},{"title":"أركان الصوم","level":2,"page":556},{"title":"الركن الأول: الزمان","level":2,"page":556},{"title":"إحصاء عدة شعبان:","level":2,"page":557},{"title":"رؤية الهلال هي المعتبرة فقط دون الحساب:","level":2,"page":558},{"title":"الشهادة على رؤية الهلال:","level":2,"page":563},{"title":"مذاهب العلماء فيما إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيرهم:","level":2,"page":566},{"title":"إذا رأى القمر نهارا","level":2,"page":570},{"title":"صيام الأسير والمطمور","level":2,"page":572},{"title":"زمن الإمساك","level":2,"page":574},{"title":"أول زمن الإمساك:","level":2,"page":575},{"title":"الفجر الصادق والفجر الكاذب","level":2,"page":577},{"title":"من أكل شاكا - في طلوع الفجر","level":2,"page":577},{"title":"الركن الثاني: وهو الإمساك","level":2,"page":580},{"title":"مذاهب في الاكتحال:","level":2,"page":582},{"title":"مذاهب العلماء في الأكل والشرب ناسيا:","level":2,"page":583},{"title":"ما يفطر من غير المأكول والمشروب:","level":2,"page":584},{"title":"\"القبلة للصائم\":","level":2,"page":585},{"title":"مذاهب العلماء في القبلة للصائم:","level":2,"page":585},{"title":"القيء للصائم","level":2,"page":586},{"title":"الحجامة للصائم","level":2,"page":587},{"title":"مذاهب العلماء في حجامة الصائم:","level":2,"page":588},{"title":"الجماع في نهار رمضان","level":2,"page":591},{"title":"مذاهب العلماء فيمن كرر جماع زوجته في يوم من رمضان:","level":2,"page":593},{"title":"مذاهب العلماء فيمن وطء في يومين أو أيام من رمضان:","level":2,"page":593},{"title":"مذاهب العلماء في المباشرة فيما دون الفرج - القبل والدبر -:","level":2,"page":595},{"title":"مذاهب العلماء فيمن أفطر بغير الجماع في نهار رمضان","level":2,"page":596},{"title":"الركن الثالث: النية","level":2,"page":596},{"title":"تقديم النية في الصوم","level":2,"page":596},{"title":"تأخير النية في الصوم","level":2,"page":597},{"title":"أدلة الفريق الموجب للنية من الليل في صوم رمضان \"الجمهور\"","level":2,"page":603},{"title":"النية لكل يوم","level":2,"page":608},{"title":"حكم من ظهر له وجوب الصيام نهارا","level":2,"page":609},{"title":"الليل كلة وقت للنية","level":2,"page":610},{"title":"المدى الذي يصح أن يحدث فيه النية من النهار:","level":2,"page":614},{"title":"شروط من أجاز صوم النفل بنية من النهار:","level":2,"page":615},{"title":"المقدار الذي يثاب عليه الناوي من النهار:","level":2,"page":615},{"title":"صفة النية في الصوم","level":2,"page":616},{"title":"تبيت النية في صوم رمضان","level":2,"page":617},{"title":"مباحث تتعلق بالنية في الصوم:","level":2,"page":620},{"title":"١- استصحاب حكم النية:","level":2,"page":620},{"title":"(٢) رفض النية:","level":2,"page":621},{"title":"(أ) رفض النية بعد تمام العبادة:","level":2,"page":621},{"title":"(ب) رفض نية الصوم في أثنائه:","level":2,"page":622},{"title":"(٣) قلب نية الصوم وتغييرها:","level":2,"page":624},{"title":"أقسام النية التي قلبت","level":2,"page":624},{"title":"(١) نقل فرض إلى فرض:","level":2,"page":624},{"title":"(٢) نقل نفل إلى فرض:","level":2,"page":625},{"title":"(٣) نقل نفل إلى نفل:","level":2,"page":625},{"title":"(٤) عدم التشريك في النية:","level":2,"page":625},{"title":"(٥) قصد الصوم دفعة واحدة:","level":2,"page":626},{"title":"النيابة في النيات في الصوم","level":2,"page":628},{"title":"أدلة الذين منعوا النيابة مطلقا","level":2,"page":629},{"title":"المجيزون النيابة مطلقا وأدلتهم","level":2,"page":632},{"title":"موقف الذين أجازوا النيابة في بعض العبادات من حجج المجيزين مطلقا:","level":2,"page":639},{"title":"تحرير محل النزاع","level":2,"page":644},{"title":"الرأي الراجح:","level":2,"page":647},{"title":"إهداء ثواب العبادة للأموات","level":2,"page":648},{"title":"النية: ركن أم شرط في الصوم؟","level":2,"page":649},{"title":"الصوم في السفر","level":2,"page":650},{"title":"المسألة الأولى [إن صام المريض أو المسافر هل يجزيه؟]","level":2,"page":652},{"title":"المسألة الثانية [هل الصوم في السفر أفضل أم الفطر]","level":2,"page":657},{"title":"المسألة الثالثة [هل الفطر الجائز للمسافر هو في سفر محدود أم غير محدود؟]","level":2,"page":658},{"title":"المسألة الرابعة [متى يفطر المسافر ومتى يمسك؟]","level":2,"page":659},{"title":"سنة ميتة فتمسك بها:","level":2,"page":663},{"title":"المسألة الخامسة [هل يجوز للصائم أن ينشئ سفرا ثم لا يصوم فيه]","level":2,"page":666},{"title":"يريد الله بكم اليسر","level":2,"page":666},{"title":"صيام المريض","level":2,"page":667},{"title":"الحامل والمرضع ماذا عليها إذا أفطرت","level":2,"page":668},{"title":"بحث للألباني في \"الحامل والمرضع\"","level":2,"page":672},{"title":"القضاء","level":2,"page":679},{"title":"المسألة الأولى [هل يقضى الصوم متتابعا أم لا؟]","level":2,"page":680},{"title":"متى يقضى؟","level":2,"page":681},{"title":"ماذا على من أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر","level":2,"page":682},{"title":"إذا مات وعليه صوم هل يصوم عنه وليه أم لا؟","level":2,"page":684},{"title":"الكفارة","level":2,"page":685},{"title":"هل هذه الكفارة مرتبة ككفارة الظهار أو على التخيير.","level":2,"page":685},{"title":"حكمة الأنواع الضعيفة في الكفارة","level":2,"page":688},{"title":"اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعته على الجماع","level":2,"page":688},{"title":"مسألة [مقدار الكفارة بالإطعام]","level":2,"page":689},{"title":"مسألة [هل تسقط الكفارة بالإطعام]","level":2,"page":690},{"title":"مسألة [هل تسقط الكفارة بالإعسار","level":2,"page":690},{"title":"خلافهم في الكفارة","level":2,"page":691},{"title":"الفدية","level":2,"page":692},{"title":"صوم النذر","level":2,"page":694},{"title":"مسائل","level":2,"page":696},{"title":"صوم الكفارات","level":2,"page":700},{"title":"مسألة [اختلافهم في اشتراط تتابع الأيام]","level":2,"page":700},{"title":"فصل: ما يباح للصائم فعله","level":2,"page":702},{"title":"الباب الخامس عشر الاعتكاف","level":1,"page":706},{"title":"أركان الاعتكاف أربعة:","level":2,"page":709},{"title":"[مكان الاعتكاف]","level":2,"page":709},{"title":"أقوال أهل العلم في المسجد المعتكف فيه","level":2,"page":710},{"title":"\"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة\" والرد عليه","level":2,"page":712},{"title":"الرد على فضيلة الشيخ الألباني","level":2,"page":714},{"title":"[وقت الاعتكاف]","level":2,"page":718},{"title":"العمل الذي يخص الاعتكاف","level":2,"page":720},{"title":"الخروج إلى الجمعة","level":2,"page":722},{"title":"الصوم في الاعتكاف.","level":2,"page":722},{"title":"مذاهب العلماء في أقل الاعتكاف","level":2,"page":725},{"title":"ما يباح للمعتكف","level":2,"page":726},{"title":"الجماع في الاعتكاف","level":2,"page":727},{"title":"من جامع ناسيا في اعتكافه","level":2,"page":728},{"title":"هل تجب الكفارة على من جامع","level":2,"page":728},{"title":"هل يجوز للمعتكف أن يتزوج","level":2,"page":728},{"title":"الطيب للمعتكف","level":2,"page":729},{"title":"المعتكفه إذا حاضت","level":2,"page":729},{"title":"البيع والشراء للمعتكف","level":2,"page":729},{"title":"مسألة","level":2,"page":730},{"title":"مرض المعتكف","level":2,"page":731},{"title":"إذا أخرجه السلطان","level":2,"page":731},{"title":"قضاء الاعتكاف","level":2,"page":731},{"title":"الأولى للمعتكف أن يبيت في المسجد","level":2,"page":731},{"title":"حكمة الاعتكاف","level":2,"page":732},{"title":"الباب السادس عشر وداع رمضان","level":1,"page":734},{"title":"فصل: العشر الأواخر من رمضان","level":2,"page":735},{"title":"الأعمال التي كان رسول الله - ﷺ - يخص بها العشر الأواخر","level":2,"page":735},{"title":"في وداع رمضان","level":2,"page":741},{"title":"فصل: مواعظ","level":2,"page":748},{"title":"فضل الجوع:","level":2,"page":752},{"title":"سجع على قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا)","level":2,"page":755},{"title":"الباب السابع عشر حيوانات تصوم","level":1,"page":756},{"title":"معجزة الدب الأبيض:","level":2,"page":757},{"title":"طائر البطريق ومدرسة الحضانة:","level":2,"page":759},{"title":"الصحة والجمال والرشاقة وعلاقتها بالصوم","level":2,"page":760},{"title":"صوم بعض الحيوانات آثناء فترة النزو الجنسي:","level":2,"page":761},{"title":"الصوم بعد الولادة.","level":2,"page":762},{"title":"الصوم حين يكون حس الجوع غائبا:","level":2,"page":763},{"title":"الصوم في حالات الغضب:","level":2,"page":763},{"title":"الصوم في حالات الغضب والأسر والمرض والإصابة بجرح","level":2,"page":763},{"title":"السبات الشتوي عند النباتات:","level":2,"page":763},{"title":"الباب التاسع عشر الصوم علاج رباني","level":1,"page":765},{"title":"الصوم والأمراض الجلدية:","level":2,"page":768},{"title":"الصوم والعظام:","level":2,"page":769},{"title":"الصوم والحميات:","level":2,"page":769},{"title":"الصوم والأمراض القلبية والدورة الدموية:","level":2,"page":769},{"title":"الصوم ومستوى جديد من الصحة:","level":2,"page":771},{"title":"نتائج طبية هامة للصوم الطبي والصوم الإسلامي من باب أولى","level":2,"page":772},{"title":"الصوم الطبي:","level":2,"page":782},{"title":"الفرق بين الصيام الإسلامي والتجويع [الصوم الطبي]","level":2,"page":787},{"title":"وظائف الأعضاء في الصيام الإسلامي","level":2,"page":788},{"title":"وظائف الأعضاء في التجويع المطلق:","level":2,"page":792},{"title":"أوجه الاتفاق والاختلاف بين الصيام الإسلامي والتجويع:","level":2,"page":794},{"title":"مميزات الصيام الإسلامي لا توجد في التجويع:","level":2,"page":796},{"title":"نظريات علمية في بعض فوائد الصيام الإسلامي وآدابه","level":2,"page":798},{"title":"الصيام والتخلص من السموم","level":2,"page":798},{"title":"هل الأفضل في الصيام الحركة أم السكون؟","level":2,"page":801},{"title":"الصيام والتخلص من الشحوم","level":2,"page":805},{"title":"الصيام وتجدد الخلايا","level":2,"page":807},{"title":"لماذا الإفطار على التمر؟","level":2,"page":810},{"title":"أمر النبي - ﷺ - الصائم بالهدوء والبعد عن الشجار وتفسير ذلك طبيا:","level":2,"page":812},{"title":"من فوائد عدم شرب الماء في الصيام","level":2,"page":814},{"title":"الصيام وجهاز المناعة","level":2,"page":818},{"title":"الصيام ومكونات الدم","level":2,"page":819},{"title":"الصيام وهرمونات المرأة","level":2,"page":821},{"title":"الصيام ومرضى الجهاز البولي","level":2,"page":822},{"title":"الصيام وعمل الغدة الدرقية","level":2,"page":823},{"title":"الصيام وهرمونات الشدة","level":2,"page":824},{"title":"الصيام وخلايا الدم","level":2,"page":825},{"title":"الصيام وتجلط الدم","level":2,"page":826},{"title":"الصيام ومرضى السكري","level":2,"page":827},{"title":"تأثير الصيام على الحمل والرضاعة","level":2,"page":830},{"title":"تأثير الصيام الإسلامي على وزن الجسم","level":2,"page":832},{"title":"الصيام والإخصاب عند الرجل","level":2,"page":833},{"title":"تأثير الصيام المتواصل على مرضى التهاب المفاصل الشبيه بالرثية","level":2,"page":834},{"title":"تأثير الصيام على قرحة المعدة","level":2,"page":834},{"title":"تأثير الصيام المتواصل على الغدد الجنسية","level":2,"page":835},{"title":"صيام رمضان وأثره على بعض أمراض الأوعية الدموية الطرفية","level":2,"page":837},{"title":"تأثير الصيام على الوارد الكهربائية والتناضح في البول والدم","level":2,"page":838},{"title":"وجوه الإعجاز في الصوم","level":2,"page":840},{"title":"الوجه الأول الوقاية من العلل والأمراض","level":2,"page":840},{"title":"الوجه الثاني منافع وفوائد الصيام","level":2,"page":842},{"title":"الوجه الثالث يسر الصيام الإسلامي وسهولته","level":2,"page":850},{"title":"دفاع العقاد عن الصيام ردا على المستشرقين","level":2,"page":864},{"title":"الباب التاسع زكاة الفطر","level":1,"page":868},{"title":"حكمها:","level":2,"page":869},{"title":"فيمن تجب عليه، وعمن تجب؟","level":2,"page":870},{"title":"اليسار شرط لوجوب الفطرة:","level":2,"page":872},{"title":"وقت خروجها:","level":2,"page":874},{"title":"دفع الزكاة إلى كافر أو ذمي:","level":2,"page":874},{"title":"أصناف زكاة الفطر:","level":2,"page":875},{"title":"مقدارها:","level":2,"page":876},{"title":"عمن يؤديها الرجل؟","level":2,"page":876},{"title":"جهة إخراجها:","level":2,"page":877},{"title":"هل تجزيء القيمة في الزكاة","level":2,"page":878},{"title":"المانعون (الجمهور) وأدلتهم","level":2,"page":879},{"title":"كيف يقدر الصاع؟","level":2,"page":886},{"title":"الباب العشرون العيد لمن طاعاته تزيد","level":1,"page":888},{"title":"أعياد المؤمنين في الدنيا والآخرة","level":2,"page":889},{"title":"أبدان العارفين في الدنيا وقلوبهم في الآخرة","level":2,"page":890},{"title":"مغزى العيد الاجتماعي والإنساني","level":2,"page":893},{"title":"عندما يحزن العيد","level":2,"page":895},{"title":"سنن العيد","level":2,"page":897},{"title":"الخروج إلى المصلى:","level":2,"page":899},{"title":"التكبير في العيدين:","level":2,"page":901},{"title":"صيغ التكبير:","level":2,"page":902},{"title":"حكم صلاة العيدين:","level":2,"page":904},{"title":"وقت صلاة عيد الفطر:","level":2,"page":904},{"title":"التخيير بحضور الخطبة:","level":2,"page":907},{"title":"التوسعة على العيال","level":2,"page":909},{"title":"الباب الحادي والعشرون فتاوى الصيام","level":1,"page":910},{"title":"*","level":2,"page":911},{"title":"ما هي أركان الصيام:","level":3,"page":911},{"title":"ما حكم من رأى الهلال وحده عند دخول الشهر أو خروجه؟","level":3,"page":911},{"title":"ما هي الطريقة التي يثبت بها أول كل شهر قمري؟","level":3,"page":912},{"title":"هل يجوز للمسلم الاعتماد في بدء الصوم ونهايته على الحساب الفلكي","level":3,"page":914},{"title":"سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: عن أهل المدينة رأى بعضهم هلال ذي الحجة، ولم يثبت عند حاكم المدينة؛ فهل لهم أن يصوموا اليوم الذي في الظاهر التاسع","level":3,"page":918},{"title":"ما حكم الذي لا يصوم حتى يرى بنفسه","level":3,"page":922},{"title":"سؤال عن إخبار مخبر، أن أهل بلد رأوا هلال شوال، وعيدوا؟","level":3,"page":923},{"title":"سؤال عن اختلاف الأهلة بالكبر","level":3,"page":923},{"title":"سؤال عن شهادة الأعراب؟","level":3,"page":924},{"title":"هل يعمل بالبرقية والمدافع في ثبوت الصوم والفطر؟","level":3,"page":925},{"title":"هل يعتبر المذياع والتليفون وسيلة من الوسائل الشرعية التي يعتمد عليها في الصوم","level":3,"page":930},{"title":"للقاضي إذا تحقق من خبر الإذاعة إعلان دخول الشهر","level":3,"page":930},{"title":"العمل بخبر المذياع في دخول رمضان","level":3,"page":931},{"title":"وما حكم من سمع الخبر من الإذاعة ولم يأخذ به","level":3,"page":934},{"title":"كتاب الحكم برؤية الهلال؟","level":3,"page":935},{"title":"الصيام برؤية واحدة","level":3,"page":936},{"title":"كيف يصوم المسلمون في بعض بلاد الكفار التي ليس فيها رؤية شرعية؟!","level":3,"page":936},{"title":"إذا رؤي الهلال في المملكة هل يجب الصيام على أهل البلاد الأخرى؟","level":3,"page":938},{"title":"رؤية الهلال في بلد هل تلزم البلاد الأخرى بالصيام؟","level":3,"page":940},{"title":"أهل القرية يلزمهم رؤية العاصمة","level":3,"page":940},{"title":"كيف يصوم الناس إذا اختلفت المطالع؟","level":3,"page":941},{"title":"الصوم مع الدولة التي تقيم فيها","level":3,"page":942},{"title":"كل مسلم يصوم ويفطر مع مسلمي بلده","level":3,"page":942},{"title":"هل يمكن لأهل أفريقيا أن يصوموا برؤية أهل مكة","level":3,"page":943},{"title":"اختلاف مطالع الأهلة وأي الجهات أولى بالاتباع","level":3,"page":946},{"title":"صيام من يطول نهارهم جدا وكذا من يقصر نهارهم","level":3,"page":949},{"title":"حكم صوم من لا تطلع عندهم الشمس أيام الشتاء مطلقا","level":3,"page":953},{"title":"العبرة في ابتداء الصيام في البلدة التي سافر منها وفي نهايته في البلدة التي قدم إليها","level":3,"page":954},{"title":"ما الحكم في قوم يصومون رمضان ثلاثين يوما باستمرار؟","level":3,"page":955},{"title":"متى قامت البينة على دخول رمضان وجب الصوم","level":3,"page":956},{"title":"رأى هلال رمضان ورد القاضي شهادته مخافة الخطأ هل يصوم؟","level":3,"page":956},{"title":"لا يجوز للمسلم صيام يوم الثلاثين من شعبان إذا لم تثبت رؤية الهلال","level":3,"page":957},{"title":"نية الصيام","level":3,"page":957},{"title":"صائم رمضان هل يفتقر كل يوم إلى نية؟","level":3,"page":958},{"title":"تبييت النية في الصوم","level":3,"page":959},{"title":"النية الجازمة للفطر دون أكل وشرب هل يفطر","level":3,"page":959},{"title":"لا يجوز لمن نوى صوم القضاء وشرع فيه أن يقطعه","level":3,"page":960},{"title":"حكم تعليق النية في صيام النفل","level":3,"page":960},{"title":"هل يصح أن ينوي الصائم -صيام نفل- نية الصيام بعد الزوال؟","level":3,"page":961},{"title":"هل يثاب الصائم نفلا على الوقت الذي سبق نيته","level":3,"page":961},{"title":"هل من نوى الإفطار يفطر؟","level":3,"page":962},{"title":"حكم جمع نية واحدة لأكثر من عمل","level":3,"page":963},{"title":"وقت الإمساك، والأكل بعد طلوع الفجر","level":3,"page":964},{"title":"الأكل والشرب بعد الأذان","level":3,"page":965},{"title":"الكف عن السحور عند بدء أذان الفجر","level":3,"page":965},{"title":"لا يمسك عن الطعام حتى نهاية الأذان","level":3,"page":966},{"title":"هل للصائم الفطر بمجرد الغروب؟","level":3,"page":967},{"title":"هل يتابع الصائم المؤذن في الأذان أم يستمر في فطره؟","level":3,"page":967},{"title":"بلاد يتأخر فيها الغروب كيف يفطر أهلها؟","level":3,"page":969},{"title":"الإفطار بغروب الشمس","level":3,"page":969},{"title":"راكب الطائرة متى يفطر؟","level":3,"page":970},{"title":"لا يلزمه الإفطار","level":3,"page":972},{"title":"كيف يفطر من يؤذن المغرب في بلده وهو في الطائرة يرى الشمس لم تغرب","level":3,"page":972},{"title":"من أسلم وسط نهار رمضان","level":3,"page":973},{"title":"إذا أفطر لعذر وزال العذر في نفس النهار هل يواصل أم يمسك؟","level":3,"page":973},{"title":"إذا رؤي صائم يأكل أو يشرب في نهار رمضان ناسيا فهل يذكر أم لا؟","level":3,"page":975},{"title":"هل يؤمر الصبي المميز بالصيام؟","level":3,"page":976},{"title":"حكم صيام من يعقل زمنا ويجن زمنا آخر","level":3,"page":976},{"title":"فاقد الذاكرة والمعتوه والصبي والمجنون هل يجب عليهم الصوم؟","level":3,"page":977},{"title":"كلما أراد أن يصوم أغمى عليه هل له الفطر؟!","level":3,"page":978},{"title":"صيام المرأة الكبيرة التي يشق عليها الصوم","level":3,"page":978},{"title":"متى يسقط صيام رمضان عن الكبير","level":3,"page":979},{"title":"صيام المريض الذي لا يرجى برؤه","level":3,"page":980},{"title":"قبول خبر الطبيب المسلم العدل. وغير المسلم والمسلم غير العدل","level":3,"page":981},{"title":"سفر القصر، وسفر الطاعة والمعصية، والسافر في رمضان هل ينكر عليه؟","level":3,"page":982},{"title":"السفر المبيح للفطر","level":3,"page":985},{"title":"متى يبدأ المسافر بالفطر؟","level":3,"page":985},{"title":"الصيام في السفر بالوسائل المريحة","level":3,"page":986},{"title":"نوى الصيام ثم سافر في أثناء النهار هل له أن يفطر؟","level":3,"page":987},{"title":"حكم من جامع زوجته في نهار رمضان وهو على سفر","level":3,"page":988},{"title":"المقيم في بلد أكثر من أربعة أيام يصوم","level":3,"page":989},{"title":"هل للفطر في السفر أياما معدودة؟","level":3,"page":989},{"title":"المسافة التي يجب عندها الإفطار","level":3,"page":990},{"title":"مسافر وصل إلى أهله قبيل العصر مفطرا هل يمسك بقية اليوم؟","level":3,"page":991},{"title":"إذا رجع المسافر إلى بلده مفطرا هل يستمر في فطره أم يمسك؟","level":3,"page":991},{"title":"المبتعث مسافر يفطر ولو امتد ابتعاثه سنوات","level":3,"page":993},{"title":"هل السائقون خارج المدن بصفة مستمرة ينطبق عليهم حكم السفر؟","level":3,"page":996},{"title":"لا يجوز الفطر في رمضان إلا لعذر","level":3,"page":997},{"title":"حكم السفر في شهر رمضان تحايلا على الإفطار","level":3,"page":998},{"title":"حكم صيام الحائض النفساء","level":3,"page":998},{"title":"جاءها الحيض في سن الحادية عشرة هل يلزمها الصوم؟","level":3,"page":1000},{"title":"النفساء والصوم","level":3,"page":1001},{"title":"الدم الخارج بعد السقط هل يفطر","level":3,"page":1002},{"title":"حكم صيام من أجهضت","level":3,"page":1003},{"title":"حكم صيام من أسقطت في الشهر الثالث","level":3,"page":1003},{"title":"متى طهرت النفساء فإنها تصوم وتصلي","level":3,"page":1004},{"title":"صيام الحامل والمرضع","level":3,"page":1005},{"title":"حكم الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما","level":3,"page":1005},{"title":"صيامك وأنت حامل ومعك نزيف لا يؤثر على الصيام","level":3,"page":1007},{"title":"حكم المرأة الحامل التي لا تطيق الصوم","level":3,"page":1008},{"title":"لم تصم ثلاث رمضانات بسبب الولادة والحمل","level":3,"page":1009},{"title":"حكم من رؤي مفطرا في مكة في رمضان","level":3,"page":1009},{"title":"هل يفطر من يعمل في الأفران","level":3,"page":1010},{"title":"صوم العاملين في مجال الحديد والصلب","level":3,"page":1012},{"title":"من أخذ شيء من ماله ولا يقدر عليه إلا بالفطر","level":3,"page":1013},{"title":"يفطر لإنقاذ غيره من مهلكة","level":3,"page":1013},{"title":"الفطر بسبب الامتحانات لا يجوز","level":3,"page":1014},{"title":"حكم من جامع زوجته في نهار رمضان وهي حائض","level":3,"page":1016},{"title":"حكم الصائم إذا جامع وهو مسافر","level":3,"page":1017},{"title":"استعمال العادة السرية في نهار رمضان مفسد للصوم","level":3,"page":1018},{"title":"خروج المني في نهار رمضان","level":3,"page":1019},{"title":"حكم من قبل أو لمس وهو صائم فأمنى أو أمذى","level":3,"page":1020},{"title":"حكم من سحب منه دم وهو صائم","level":3,"page":1021},{"title":"هل الفصاد في نهار رمضان يفسد الصوم؟","level":3,"page":1022},{"title":"حكم تغيير الدم لمريض الكلى وهو صائم","level":3,"page":1024},{"title":"قلع الضرس وبلع الريق هل يفطر الصائم؟","level":3,"page":1025},{"title":"حكم أخذ الحقنة الشرجية للصائم","level":3,"page":1026},{"title":"استعمال الإبر في الوريد وفي العضل هل يفطر الصائم؟","level":3,"page":1027},{"title":"الكحل هل يبطل الصيام","level":3,"page":1027},{"title":"استخدام مراهم للأنف للصائم","level":3,"page":1028},{"title":"حكم القطرة والمرهم في العين للصائم","level":3,"page":1029},{"title":"القطرة في الأنف والأذن والعين في نهار رمضان","level":3,"page":1029},{"title":"شرب الدخان حرام ومن المفطرات","level":3,"page":1031},{"title":"بلع البلغم هل يفطر الصائم؟","level":3,"page":1031},{"title":"ابتلاع النخامة هل يفطر الصائم؟","level":3,"page":1032},{"title":"حكم من ترك القضاء حتى رمضان الذي بعده","level":3,"page":1032},{"title":"القضاء لمن لم يصم رمضان سنوات عديدة","level":3,"page":1033},{"title":"قضاء رمضان لمن أفطر بغير عذر جهلا بوجوب الصيام","level":3,"page":1033},{"title":"قضاء الصوم على الترتيب ولو لسبع سنوات","level":3,"page":1035},{"title":"من برئت ذمته بالإطعام لم يجب عليه الصيام","level":3,"page":1036},{"title":"إذا تعدد الجماع في اليوم أو في الشهر هل تتعدد الكفارة؟","level":3,"page":1036},{"title":"جامع زوجته وهو لم يعلم أن ذلك اليوم من رمضان","level":3,"page":1038},{"title":"باشر زوجته معتقدا بقاء الليل ثم تبين له طلوع الفجر","level":3,"page":1038},{"title":"جامع زوجته وهو جاهل هل تلزمه الكفارة؟","level":3,"page":1039},{"title":"إذا لم يجد الإطعام هل تسقط عنه الكفارة؟","level":3,"page":1039},{"title":"هل تسقط كفارة الوطء عن هذا الرجل؟","level":3,"page":1040},{"title":"أفطر رمضان متعمدا ثم جامع هل يلزمه القضاء والكفارة؟","level":3,"page":1040},{"title":"جامع زوجته بعد أن أفطر بالأكل هل عليه الكفارة؟","level":3,"page":1041},{"title":"قدم مسافرا وهو مفطر ووجد امرأته تغتسل من الحيض هل يجوز أن يجامعها؟","level":3,"page":1042},{"title":"حكم من مات وعليه صيام واجب","level":3,"page":1043},{"title":"من مات وعليه قضاء من شهر رمضان","level":3,"page":1044},{"title":"مات وعليه كفارة","level":3,"page":1044},{"title":"إذا مات الشخص وعليه صيام من رمضان","level":3,"page":1045},{"title":"يشرع ذلك أن تصوم عن والدك من الأيام مما يغلب على ظنك أنه أفطرها","level":3,"page":1045},{"title":"حكم من مات وعليه خمسة أيام وله خمسة أبناء","level":3,"page":1046},{"title":"صم عن نفسك أولا ثم صم عن قريبك","level":3,"page":1046},{"title":"الأولى أن تتولى أمها القضاء عنها","level":3,"page":1047},{"title":"من الأحق بالقضاء عن المرأة زوجها أو أولادها؟","level":3,"page":1047},{"title":"مات على نية قضاء الصوم ولم يقض","level":3,"page":1048},{"title":"لا شيء على من لم يفرط في قضاء ما عليه","level":3,"page":1048},{"title":"أصيبت باختلال عقلي فلم تصلي ولم تصم ثم ماتت هل يصام عنها؟","level":3,"page":1049},{"title":"هل القضاء عن الميت خاص بصوم النذر فقط؟","level":3,"page":1050},{"title":"موجبات القضاء والكفارة","level":3,"page":1050},{"title":"لا يجزيء دفع نقود عن الإطعام","level":3,"page":1052},{"title":"إطعام المساكين هل يكفي في مكان واحد؟","level":3,"page":1052},{"title":"الإطعام هل يجوز لغير السلمين؟","level":3,"page":1053},{"title":"حكم قراءة آيات الصيام أول ليلة من رمضان في العشاء","level":3,"page":1054},{"title":"حكم السهر في ليالى رمضان لتلاوة القرآن بأجرة","level":3,"page":1054},{"title":"هل الإفطار الجماعي من محدثات الأمور؟","level":3,"page":1056},{"title":"الاعتكاف هل له أقسام؟","level":3,"page":1056},{"title":"هل تكفي النية إذا شرط في اعتكافه شيئا لابد منه ولم ينطق به؟","level":3,"page":1058},{"title":"بعض أحكام الاعتكاف","level":3,"page":1058},{"title":"متى يبدأ دخول المعتكف المسجد في العشر الأواخر ومتى ينتهي؟","level":3,"page":1059},{"title":"متى يخرج المعتكف من اعتكافه؟","level":3,"page":1060},{"title":"حكم الاعتكاف في الغرف التي داخل المسجد","level":3,"page":1060},{"title":"يجوز الاعتكاف في أي وقت دون العشر الأواخر","level":3,"page":1061},{"title":"هل يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة؟","level":3,"page":1061},{"title":"الاتصال بالتليفون للمعتكف هل يجوز؟","level":3,"page":1062},{"title":"رفض والده ولم يسمح له بالاعتكاف","level":3,"page":1063},{"title":"هل للمعتكف في الحرم أن يخرج للأكل أو الشرب؟","level":3,"page":1063},{"title":"جواز تنقل المعتكف في جميع أنحاء المسجد","level":3,"page":1065},{"title":"ما يستحب وما يكره للاعتكاف","level":3,"page":1065},{"title":"هل يلزم من نذر أن يعتكف الوفاء به؟","level":3,"page":1066},{"title":"نذر أن يعتكف في مسجد معين هل يجوز له أن يعتكف في غيره؟","level":3,"page":1066},{"title":"صيام الثلاثة أشهر والاعتكاف فيها","level":3,"page":1067},{"title":"نذر أن يصوم الاثنين والخميس ثم بدا له أن يصوم يوما ويفطر يوما","level":3,"page":1075},{"title":"نذرت أن تصوم سنة -لوجه الله- لشفاء زوجها","level":3,"page":1076},{"title":"حكمة إباحة الصوم في أيام التشريق للمتمتع والقارن مع عدم الهدي","level":3,"page":1077},{"title":"حكم الإستكثار من صيام شعبان وحكم صوم النصف الأخير منه","level":3,"page":1078},{"title":"التهنئة بقدوم رمضان","level":3,"page":1079},{"title":"الموت في رمضان","level":3,"page":1079},{"title":"هل يضاعف الصوم في الحرم؟","level":3,"page":1080},{"title":"الكافر لا يجاهر بالفطر في رمضان","level":3,"page":1081},{"title":"التدرج في الصوم","level":3,"page":1081},{"title":"هل يكفر تارك الصوم؟","level":3,"page":1082},{"title":"صيام بعض الأيام بلياليها هل يجزيء عن صيام الشهر؟","level":3,"page":1082},{"title":"حكم من أفطر في رمضان","level":3,"page":1083},{"title":"أيهما أفضل ليلة القدر أم ليلة الإسراء؟","level":3,"page":1084},{"title":"هل يجوز إهداء ثواب الصيام للميت؟","level":3,"page":1084},{"title":"هل أصوم وأصلي عن والدي المتوفى","level":3,"page":1084},{"title":"حكم الاعتكاف للرجل والمرأة","level":3,"page":1086},{"title":"هل يجوز الاعتكاف بلا صوم؟","level":3,"page":1087},{"title":"ليس له أن يخص يوما بعينه يعتاد الاعتكاف فيه","level":3,"page":1087},{"title":"هذا الحديث لا يصح في فضل الاعتكاف","level":3,"page":1088},{"title":"إخراج زكاة الفطر عن الأخت","level":3,"page":1088},{"title":"هل تلزم صدقة الفطر الرجل عن أهل بيته؟","level":3,"page":1089},{"title":"هل يلزم إخراج الفطرة عن الولد الغائب؟","level":3,"page":1089},{"title":"هل يلزم إخراج الفطرة عن الولد الغائب؟","level":3,"page":1090},{"title":"هل الأنواع التي تخرج في صدقة الفطر محددة؟","level":3,"page":1090},{"title":"الأطعمة التي يجوز إخراج زكاة الفطر منها","level":3,"page":1090},{"title":"هل يجوز إخراج زكاة الفطر لحما؟","level":3,"page":1091},{"title":"حكم من يجبر على إخراج زكاة الفطر دراهم","level":3,"page":1092},{"title":"حكم إخراج زكاة الفطر أثناء الخطبة بعد صلاة العيد","level":3,"page":1092},{"title":"هل تسقط زكاة الفطر عمن لم يخرجها قبل العيد؟","level":3,"page":1093},{"title":"نسي إخراج زكاة الفطر قبل العيد","level":3,"page":1093},{"title":"حكم وضعها عند الجار حتى يأتي الفقير وتأخرت عن يوم العيد","level":3,"page":1094},{"title":"لا يجوز إعطاؤها إلا للفقير من المسلمين","level":3,"page":1094},{"title":"حكم إخراج زكاة الفطر للمجاهدين","level":3,"page":1094},{"title":"زكاة الفطر توزع بين فقراء البلد","level":3,"page":1095},{"title":"هل أخرج زكاة الفطر في بلدي أم في مكان العمل الذي أقيم فيه؟","level":3,"page":1096},{"title":"هل يجوز نقل زكاة الفطر من بلد لآخر؟","level":3,"page":1096},{"title":"زكاة الفطر تتبع الإنسان أينما كان","level":3,"page":1098},{"title":"تزيين المساجد بالأنوار في أيام الفطر","level":3,"page":1098},{"title":"من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية","level":2,"page":1100},{"title":"فيمن رأى الهلال وحده، وتحقق الرؤية: فهل له أن يفطر وحده؟ أو يصوم وحده؟ أو مع جمهور الناس؟","level":3,"page":1100},{"title":"فتوي هامه في صوم الجمال والملاح والفرق بين سفر الطاعة والمعصية؟","level":3,"page":1102},{"title":"فتوي عن الأكل بعد أذان الصبح","level":3,"page":1105},{"title":"صوم المغمي عليه","level":3,"page":1106},{"title":"من فتاوى الشيخ ابن باز","level":2,"page":1107},{"title":"الصوم والإفطار يتبعان بلد الإقامة","level":3,"page":1107},{"title":"من فتاوى اللجنة","level":2,"page":1117},{"title":"حكم صوم يوم عاشوراء","level":3,"page":1132},{"title":"استنشاق الدواء هل يفطر؟","level":3,"page":1132},{"title":"صيام رمضان ٢٨ يوما","level":3,"page":1134},{"title":"هل نصوم ٣١ يوما","level":3,"page":1136},{"title":"قطرة العين هل تفطر","level":3,"page":1136},{"title":"من أكل وقت الأذان","level":3,"page":1137},{"title":"توضيح من سماحة الشيخ الفاضل عبد العزيز بن باز علم الحساب لا يعتمد عليه في إثبات الصوم والفطر والأحكام الشرعية بإجماع سلف الأمة","level":3,"page":1138},{"title":"من فتاوى الشيخ ابن عثيمين حفظه الله","level":2,"page":1154},{"title":"صيام القضاء والنافلة بنية واحدة","level":3,"page":1154},{"title":"أقسام الناس في الصيام","level":3,"page":1157},{"title":"السفر المبيح للفطر","level":3,"page":1158},{"title":"سائق الشاحنات كيف يصوم ومتى؟!","level":3,"page":1165},{"title":"فاقد الذاكرة والمعتوه والصبي والمجنون هل يجب عليه الصوم؟","level":3,"page":1166},{"title":"الإفطار من أجل الامتحانات هل يجوز؟!","level":3,"page":1167},{"title":"استعمال بخاخ ضيق النفس للصائم لا يفطر","level":3,"page":1174},{"title":"الروائح العطرية هل تفطر؟ والبخور هل يفطر؟","level":3,"page":1176},{"title":"سريان البنج في الجسم هل يفطر","level":3,"page":1181},{"title":"معجون الأسنان هل يكره للصائم؟","level":3,"page":1181},{"title":"دواء الغرغرة هل يبطل الصوم","level":3,"page":1183},{"title":"الحقنة الشرجية للصائم هل تفطر","level":3,"page":1184},{"title":"الحقن والإبر المغذية هل تفطر الصائم","level":3,"page":1184},{"title":"حقنة العروق وحقنة العضل هل تفطر","level":3,"page":1186},{"title":"هل هذا الحديث صحيح","level":3,"page":1187},{"title":"اعتكف وترك الوظيفة","level":3,"page":1206},{"title":"من فتاوى الشيخ محمد مخلوف مفتي مصر سابقا","level":2,"page":1214},{"title":"خبر الطبيب غير المسلم","level":3,"page":1215},{"title":"صيام رمضان في شمال أوربا","level":3,"page":1224},{"title":"فتوي هامه في حمل المأموم للمصحف في صلاة التراويح","level":3,"page":1231},{"title":"الباب الثاني والعشرون الصوم ورمضان في واحة الشعر","level":1,"page":1233},{"title":"قصيدة لمصطفى الصادق الرافعي في رمضان","level":2,"page":1234},{"title":"قصيدة الشاعر محمود عواد","level":2,"page":1235},{"title":"مناجاة للشاعر أحمد محمد الصديق","level":2,"page":1236},{"title":"في رحاب رمضان للشاعر أحمد محمد الصديق","level":2,"page":1237},{"title":"تأملات في رمضان لأحمد محمد الصديق","level":2,"page":1240},{"title":"ربيع الروح للسيد الصديق حافظ","level":2,"page":1242},{"title":"ذلك هو الصوم لمحمد عبد الرحمن صان الدين","level":2,"page":1244},{"title":"إرهاف للإحساس لصان الدين","level":2,"page":1245},{"title":"شهر الرضا والنور","level":2,"page":1247},{"title":"أشرق يا رمضان للشيخ أبو زيد إبراهيم سيد","level":2,"page":1248},{"title":"شهر الصيام لصالح أحمد البوريني","level":2,"page":1250},{"title":"اعتذار إلى الشهر المبارك لمحمود مفلح","level":2,"page":1252},{"title":"رمضان الشاعر يس الفيل","level":2,"page":1254},{"title":"رمضان الشاعر الكبير محمد حسن فقي","level":2,"page":1255},{"title":"رمضان للشاعر محمد بن علي السنوسي","level":2,"page":1260},{"title":"رمضان للشاعر الكبير حسين عرب","level":2,"page":1262},{"title":"رمضان عدت ولم تزل للشاعر أحمد سالم باعطب","level":2,"page":1264},{"title":"هلال الرحمة","level":2,"page":1266},{"title":"أنا صائم للشاعر محمد هاشم رشيد","level":2,"page":1268},{"title":"قصيدة للأخضر الجزائري","level":2,"page":1272},{"title":"أمل السماء قصيدة ليس الفيل","level":2,"page":1273},{"title":"قصيدة للشاعر محمد الأسمر","level":2,"page":1274},{"title":"قصيدة للشاعر مصطفى حمام","level":2,"page":1274},{"title":"قصيدة للشاعر محمد هارون الحلو","level":2,"page":1275},{"title":"قصيدة للشاعر محمود جبر","level":2,"page":1275},{"title":"شعر للشيخ عبد الله بن علي في وداع رمضان","level":2,"page":1276},{"title":"شعر للشاعر اليمني عبد العزيز الدريني في وداع رمضان","level":2,"page":1276},{"title":"قصيدة للشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري","level":2,"page":1277},{"title":"قصيدة \"رمضان العافية\" للأميري","level":2,"page":1278},{"title":"قصيدة \"نشوة القدر\" للأميري","level":2,"page":1278},{"title":"قصيدة \"كل وهمته\" للأميري","level":2,"page":1279},{"title":"قصيدة \"برق في منام ليلة قدر\" للأميري","level":2,"page":1279},{"title":"قصيدة \"رمضان\" في وداع رمضان للأميري","level":2,"page":1281},{"title":"قصيدة وأخيرا \"حتى ترضى\" لك الحمد دوما للأميري","level":2,"page":1281}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,25":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,73":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,99":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,109":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,176":167,"1,177":168,"1,178":169,"1,179":170,"1,181":171,"1,183":172,"1,184":173,"1,185":174,"1,186":175,"1,187":176,"1,188":177,"1,189":178,"1,190":179,"1,191":180,"1,192":181,"1,193":182,"1,194":183,"1,195":184,"1,196":185,"1,197":186,"1,198":187,"1,199":188,"1,200":189,"1,201":190,"1,202":191,"1,203":192,"1,204":193,"1,205":194,"1,206":195,"1,207":196,"1,208":197,"1,209":198,"1,210":199,"1,211":200,"1,212":201,"1,213":202,"1,214":203,"1,215":204,"1,216":205,"1,217":206,"1,218":207,"1,219":208,"1,220":209,"1,221":210,"1,222":211,"1,223":212,"1,224":213,"1,225":214,"1,226":215,"1,227":216,"1,228":217,"1,229":218,"1,230":219,"1,231":220,"1,232":221,"1,233":222,"1,234":223,"1,235":224,"1,236":225,"1,237":226,"1,238":227,"1,239":228,"1,240":229,"1,241":230,"1,242":231,"1,243":232,"1,244":233,"1,245":234,"1,246":235,"1,247":236,"1,248":237,"1,249":238,"1,250":239,"1,251":240,"1,252":241,"1,253":242,"1,254":243,"1,255":244,"1,256":245,"1,257":246,"1,258":247,"1,259":248,"1,260":249,"1,261":250,"1,262":251,"1,263":252,"1,264":253,"1,265":254,"1,266":255,"1,267":256,"1,268":257,"1,269":258,"1,270":259,"1,271":260,"1,272":261,"1,273":262,"1,274":263,"1,275":264,"1,276":265,"1,277":266,"1,278":267,"1,279":268,"1,280":269,"1,281":270,"1,282":271,"1,283":272,"1,284":273,"1,285":274,"1,286":275,"1,287":276,"1,288":277,"1,289":278,"1,290":279,"1,291":280,"1,292":281,"1,293":282,"1,294":283,"1,295":284,"1,296":285,"1,297":286,"1,298":287,"1,299":288,"1,300":289,"1,301":290,"1,302":291,"1,303":292,"1,305":293,"1,307":294,"1,308":295,"1,309":296,"1,310":297,"1,311":298,"1,312":299,"1,313":300,"1,314":301,"1,315":302,"1,316":303,"1,317":304,"1,318":305,"1,319":306,"1,320":307,"1,321":308,"1,322":309,"1,323":310,"1,324":311,"1,325":312,"1,326":313,"1,327":314,"1,328":315,"1,329":316,"1,330":317,"1,331":318,"1,332":319,"1,333":320,"1,334":321,"1,335":322,"1,336":323,"1,337":324,"1,338":325,"1,339":326,"1,340":327,"1,341":328,"1,342":329,"1,343":330,"1,344":331,"1,345":332,"1,346":333,"1,347":334,"1,348":335,"1,349":336,"1,350":337,"1,351":338,"1,352":339,"1,353":340,"1,354":341,"1,355":342,"1,356":343,"1,357":344,"1,358":345,"1,359":346,"1,361":347,"1,363":348,"1,364":349,"1,365":350,"1,366":351,"1,367":352,"1,368":353,"1,369":354,"1,370":355,"1,371":356,"1,373":357,"1,374":358,"1,375":359,"1,376":360,"1,377":361,"1,378":362,"1,379":363,"1,380":364,"1,381":365,"1,382":366,"1,383":367,"1,384":368,"1,385":369,"1,386":370,"1,387":371,"1,388":372,"1,389":373,"1,391":374,"1,392":375,"1,393":376,"1,394":377,"1,395":378,"1,396":379,"1,397":380,"1,398":381,"1,399":382,"1,400":383,"1,401":384,"1,402":385,"1,403":386,"1,404":387,"1,405":388,"1,406":389,"1,407":390,"1,408":391,"1,409":392,"1,410":393,"1,411":394,"1,412":395,"1,413":396,"1,414":397,"1,415":398,"1,416":399,"1,417":400,"1,418":401,"1,419":402,"1,420":403,"1,421":404,"1,422":405,"1,423":406,"1,424":407,"1,425":408,"1,426":409,"1,427":410,"1,428":411,"1,429":412,"1,430":413,"1,431":414,"1,432":415,"1,433":416,"1,434":417,"1,435":418,"1,436":419,"1,437":420,"1,438":421,"1,439":422,"1,440":423,"1,441":424,"1,442":425,"1,443":426,"1,444":427,"1,445":428,"1,446":429,"1,447":430,"1,448":431,"1,449":432,"1,450":433,"1,451":434,"1,452":435,"1,453":436,"1,454":437,"1,455":438,"1,456":439,"1,457":440,"1,459":441,"1,461":442,"1,462":443,"1,463":444,"1,465":445,"1,467":446,"1,468":447,"1,469":448,"1,470":449,"1,471":450,"1,472":451,"1,473":452,"1,474":453,"1,475":454,"1,476":455,"1,477":456,"1,478":457,"1,479":458,"1,480":459,"1,481":460,"1,482":461,"1,483":462,"1,484":463,"1,485":464,"1,486":465,"1,487":466,"1,488":467,"1,489":468,"1,490":469,"1,491":470,"1,492":471,"1,493":472,"1,494":473,"1,495":474,"1,496":475,"1,497":476,"1,498":477,"1,499":478,"1,500":479,"1,501":480,"1,502":481,"1,503":482,"1,504":483,"1,505":484,"1,506":485,"1,507":486,"1,508":487,"1,509":488,"1,510":489,"1,511":490,"1,512":491,"1,513":492,"1,514":493,"1,515":494,"1,516":495,"1,517":496,"1,518":497,"1,519":498,"1,520":499,"1,521":500,"1,522":501,"1,523":502,"1,524":503,"1,525":504,"1,526":505,"1,527":506,"1,528":507,"1,529":508,"1,530":509,"1,531":510,"1,532":511,"1,533":512,"1,534":513,"1,535":514,"1,536":515,"1,537":516,"1,538":517,"1,539":518,"1,540":519,"1,541":520,"1,542":521,"1,543":522,"1,544":523,"1,545":524,"1,546":525,"1,547":526,"1,548":527,"1,549":528,"1,550":529,"1,551":530,"1,552":531,"1,553":532,"1,554":533,"1,555":534,"1,556":535,"1,557":536,"1,558":537,"1,559":538,"1,560":539,"1,561":540,"1,562":541,"1,563":542,"1,564":543,"1,565":544,"2,2":545,"2,4":546,"2,5":547,"2,7":548,"2,8":549,"2,9":550,"2,10":551,"2,11":552,"2,12":553,"2,13":554,"2,14":555,"2,15":556,"2,16":557,"2,17":558,"2,18":559,"2,19":560,"2,20":561,"2,21":562,"2,22":563,"2,23":564,"2,24":565,"2,25":566,"2,26":567,"2,27":568,"2,28":569,"2,29":570,"2,30":571,"2,31":572,"2,32":573,"2,33":574,"2,34":575,"2,35":576,"2,36":577,"2,37":578,"2,38":579,"2,39":580,"2,40":581,"2,41":582,"2,42":583,"2,43":584,"2,44":585,"2,45":586,"2,46":587,"2,47":588,"2,48":589,"2,49":590,"2,50":591,"2,51":592,"2,52":593,"2,53":594,"2,54":595,"2,55":596,"2,56":597,"2,57":598,"2,58":599,"2,59":600,"2,60":601,"2,61":602,"2,62":603,"2,63":604,"2,64":605,"2,65":606,"2,66":607,"2,67":608,"2,68":609,"2,69":610,"2,70":611,"2,71":612,"2,72":613,"2,73":614,"2,74":615,"2,75":616,"2,76":617,"2,77":618,"2,78":619,"2,79":620,"2,80":621,"2,81":622,"2,82":623,"2,83":624,"2,84":625,"2,85":626,"2,86":627,"2,87":628,"2,88":629,"2,89":630,"2,90":631,"2,91":632,"2,92":633,"2,93":634,"2,94":635,"2,95":636,"2,96":637,"2,97":638,"2,98":639,"2,99":640,"2,100":641,"2,101":642,"2,102":643,"2,103":644,"2,104":645,"2,105":646,"2,106":647,"2,107":648,"2,108":649,"2,109":650,"2,110":651,"2,111":652,"2,112":653,"2,113":654,"2,114":655,"2,115":656,"2,116":657,"2,117":658,"2,118":659,"2,119":660,"2,120":661,"2,121":662,"2,122":663,"2,123":664,"2,124":665,"2,125":666,"2,126":667,"2,127":668,"2,128":669,"2,129":670,"2,130":671,"2,131":672,"2,132":673,"2,133":674,"2,134":675,"2,135":676,"2,136":677,"2,137":678,"2,138":679,"2,139":680,"2,140":681,"2,141":682,"2,142":683,"2,143":684,"2,144":685,"2,145":686,"2,146":687,"2,147":688,"2,148":689,"2,149":690,"2,150":691,"2,151":692,"2,152":693,"2,153":694,"2,154":695,"2,155":696,"2,156":697,"2,157":698,"2,158":699,"2,159":700,"2,160":701,"2,161":702,"2,162":703,"2,163":704,"2,164":705,"2,165":706,"2,167":707,"2,168":708,"2,169":709,"2,170":710,"2,171":711,"2,172":712,"2,173":713,"2,174":714,"2,175":715,"2,176":716,"2,177":717,"2,178":718,"2,179":719,"2,180":720,"2,181":721,"2,182":722,"2,183":723,"2,184":724,"2,185":725,"2,186":726,"2,187":727,"2,188":728,"2,189":729,"2,190":730,"2,191":731,"2,192":732,"2,193":733,"2,195":734,"2,197":735,"2,198":736,"2,199":737,"2,200":738,"2,201":739,"2,202":740,"2,203":741,"2,204":742,"2,205":743,"2,206":744,"2,207":745,"2,208":746,"2,209":747,"2,210":748,"2,211":749,"2,212":750,"2,213":751,"2,214":752,"2,215":753,"2,216":754,"2,217":755,"2,219":756,"2,221":757,"2,222":758,"2,223":759,"2,224":760,"2,225":761,"2,226":762,"2,227":763,"2,228":764,"2,229":765,"2,231":766,"2,232":767,"2,233":768,"2,234":769,"2,235":770,"2,236":771,"2,237":772,"2,238":773,"2,239":774,"2,240":775,"2,241":776,"2,242":777,"2,243":778,"2,244":779,"2,245":780,"2,246":781,"2,247":782,"2,248":783,"2,249":784,"2,250":785,"2,251":786,"2,252":787,"2,253":788,"2,254":789,"2,255":790,"2,256":791,"2,257":792,"2,258":793,"2,259":794,"2,260":795,"2,261":796,"2,262":797,"2,263":798,"2,264":799,"2,265":800,"2,266":801,"2,267":802,"2,268":803,"2,269":804,"2,270":805,"2,271":806,"2,272":807,"2,273":808,"2,274":809,"2,275":810,"2,276":811,"2,277":812,"2,278":813,"2,279":814,"2,280":815,"2,281":816,"2,282":817,"2,283":818,"2,284":819,"2,285":820,"2,286":821,"2,287":822,"2,288":823,"2,289":824,"2,290":825,"2,291":826,"2,292":827,"2,293":828,"2,294":829,"2,295":830,"2,296":831,"2,297":832,"2,298":833,"2,299":834,"2,300":835,"2,301":836,"2,302":837,"2,303":838,"2,304":839,"2,305":840,"2,306":841,"2,307":842,"2,308":843,"2,309":844,"2,310":845,"2,311":846,"2,312":847,"2,313":848,"2,314":849,"2,315":850,"2,316":851,"2,317":852,"2,318":853,"2,319":854,"2,320":855,"2,321":856,"2,322":857,"2,323":858,"2,324":859,"2,325":860,"2,326":861,"2,327":862,"2,328":863,"2,329":864,"2,330":865,"2,331":866,"2,332":867,"2,333":868,"2,335":869,"2,336":870,"2,337":871,"2,338":872,"2,339":873,"2,340":874,"2,341":875,"2,342":876,"2,343":877,"2,344":878,"2,345":879,"2,346":880,"2,347":881,"2,348":882,"2,349":883,"2,350":884,"2,351":885,"2,352":886,"2,353":887,"2,355":888,"2,357":889,"2,358":890,"2,359":891,"2,360":892,"2,361":893,"2,362":894,"2,363":895,"2,364":896,"2,365":897,"2,366":898,"2,367":899,"2,368":900,"2,369":901,"2,370":902,"2,371":903,"2,372":904,"2,373":905,"2,374":906,"2,375":907,"2,376":908,"2,377":909,"3,5":910,"3,7":911,"3,8":912,"3,9":913,"3,10":914,"3,11":915,"3,12":916,"3,13":917,"3,14":918,"3,15":919,"3,16":920,"3,17":921,"3,18":922,"3,19":923,"3,20":924,"3,21":925,"3,22":926,"3,23":927,"3,24":928,"3,25":929,"3,26":930,"3,27":931,"3,28":932,"3,29":933,"3,30":934,"3,31":935,"3,32":936,"3,33":937,"3,34":938,"3,35":939,"3,36":940,"3,37":941,"3,38":942,"3,39":943,"3,40":944,"3,41":945,"3,42":946,"3,43":947,"3,44":948,"3,45":949,"3,46":950,"3,47":951,"3,48":952,"3,49":953,"3,50":954,"3,51":955,"3,52":956,"3,53":957,"3,54":958,"3,55":959,"3,56":960,"3,57":961,"3,58":962,"3,59":963,"3,60":964,"3,61":965,"3,62":966,"3,63":967,"3,64":968,"3,65":969,"3,66":970,"3,67":971,"3,68":972,"3,69":973,"3,70":974,"3,71":975,"3,72":976,"3,73":977,"3,74":978,"3,75":979,"3,76":980,"3,77":981,"3,78":982,"3,79":983,"3,80":984,"3,81":985,"3,82":986,"3,83":987,"3,84":988,"3,85":989,"3,86":990,"3,87":991,"3,88":992,"3,89":993,"3,90":994,"3,91":995,"3,92":996,"3,93":997,"3,94":998,"3,95":999,"3,96":1000,"3,97":1001,"3,98":1002,"3,99":1003,"3,100":1004,"3,101":1005,"3,102":1006,"3,103":1007,"3,104":1008,"3,105":1009,"3,106":1010,"3,107":1011,"3,108":1012,"3,109":1013,"3,110":1014,"3,111":1015,"3,112":1016,"3,113":1017,"3,114":1018,"3,115":1019,"3,116":1020,"3,117":1021,"3,118":1022,"3,119":1023,"3,120":1024,"3,121":1025,"3,122":1026,"3,123":1027,"3,124":1028,"3,125":1029,"3,126":1030,"3,127":1031,"3,128":1032,"3,129":1033,"3,130":1034,"3,131":1035,"3,132":1036,"3,133":1037,"3,134":1038,"3,135":1039,"3,136":1040,"3,137":1041,"3,138":1042,"3,139":1043,"3,140":1044,"3,141":1045,"3,142":1046,"3,143":1047,"3,144":1048,"3,145":1049,"3,146":1050,"3,147":1051,"3,148":1052,"3,149":1053,"3,150":1054,"3,151":1055,"3,152":1056,"3,153":1057,"3,154":1058,"3,155":1059,"3,156":1060,"3,157":1061,"3,158":1062,"3,159":1063,"3,160":1064,"3,161":1065,"3,162":1066,"3,163":1067,"3,164":1068,"3,165":1069,"3,166":1070,"3,167":1071,"3,168":1072,"3,169":1073,"3,170":1074,"3,171":1075,"3,172":1076,"3,173":1077,"3,174":1078,"3,175":1079,"3,176":1080,"3,177":1081,"3,178":1082,"3,179":1083,"3,180":1084,"3,181":1085,"3,182":1086,"3,183":1087,"3,184":1088,"3,185":1089,"3,186":1090,"3,187":1091,"3,188":1092,"3,189":1093,"3,190":1094,"3,191":1095,"3,192":1096,"3,193":1097,"3,194":1098,"3,195":1099,"3,196":1100,"3,197":1101,"3,198":1102,"3,199":1103,"3,200":1104,"3,201":1105,"3,202":1106,"3,203":1107,"3,204":1108,"3,205":1109,"3,206":1110,"3,207":1111,"3,208":1112,"3,209":1113,"3,210":1114,"3,211":1115,"3,212":1116,"3,213":1117,"3,214":1118,"3,215":1119,"3,216":1120,"3,217":1121,"3,218":1122,"3,219":1123,"3,220":1124,"3,221":1125,"3,222":1126,"3,223":1127,"3,224":1128,"3,225":1129,"3,226":1130,"3,227":1131,"3,228":1132,"3,229":1133,"3,230":1134,"3,231":1135,"3,232":1136,"3,233":1137,"3,234":1138,"3,235":1139,"3,236":1140,"3,237":1141,"3,238":1142,"3,239":1143,"3,240":1144,"3,241":1145,"3,242":1146,"3,243":1147,"3,244":1148,"3,245":1149,"3,246":1150,"3,247":1151,"3,248":1152,"3,249":1153,"3,250":1154,"3,251":1155,"3,252":1156,"3,253":1157,"3,254":1158,"3,255":1159,"3,256":1160,"3,257":1161,"3,258":1162,"3,259":1163,"3,260":1164,"3,261":1165,"3,262":1166,"3,263":1167,"3,264":1168,"3,265":1169,"3,266":1170,"3,267":1171,"3,268":1172,"3,269":1173,"3,270":1174,"3,271":1175,"3,272":1176,"3,273":1177,"3,274":1178,"3,275":1179,"3,276":1180,"3,277":1181,"3,278":1182,"3,279":1183,"3,280":1184,"3,281":1185,"3,282":1186,"3,283":1187,"3,284":1188,"3,285":1189,"3,286":1190,"3,287":1191,"3,288":1192,"3,289":1193,"3,290":1194,"3,291":1195,"3,292":1196,"3,293":1197,"3,294":1198,"3,295":1199,"3,296":1200,"3,297":1201,"3,298":1202,"3,299":1203,"3,300":1204,"3,301":1205,"3,302":1206,"3,303":1207,"3,304":1208,"3,305":1209,"3,306":1210,"3,307":1211,"3,308":1212,"3,309":1213,"3,310":1214,"3,311":1215,"3,312":1216,"3,313":1217,"3,314":1218,"3,315":1219,"3,316":1220,"3,317":1221,"3,318":1222,"3,319":1223,"3,320":1224,"3,321":1225,"3,322":1226,"3,323":1227,"3,324":1228,"3,325":1229,"3,326":1230,"3,327":1231,"3,328":1232,"3,329":1233,"3,331":1234,"3,332":1235,"3,333":1236,"3,334":1237,"3,335":1238,"3,336":1239,"3,337":1240,"3,338":1241,"3,339":1242,"3,340":1243,"3,341":1244,"3,342":1245,"3,343":1246,"3,344":1247,"3,345":1248,"3,346":1249,"3,347":1250,"3,348":1251,"3,349":1252,"3,350":1253,"3,351":1254,"3,352":1255,"3,353":1256,"3,354":1257,"3,355":1258,"3,356":1259,"3,357":1260,"3,358":1261,"3,359":1262,"3,360":1263,"3,361":1264,"3,362":1265,"3,363":1266,"3,364":1267,"3,365":1268,"3,366":1269,"3,367":1270,"3,368":1271,"3,369":1272,"3,370":1273,"3,371":1274,"3,372":1275,"3,373":1276,"3,374":1277,"3,375":1278,"3,376":1279,"3,377":1280,"3,378":1281,"3,379":1282},"ٜ":{"1":[1,565],"2":[2,377],"3":[5,379]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,73","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,99","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,109","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,181","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,305","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,361","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,459","1,461","1,462","1,463","1,465","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","2,2","2,4","2,5","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,195","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,219","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,355","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","3,5","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"4":[3],"6":[4],"8":[5],"12":[6],"13":[7],"18":[8],"19":[9],"20":[10,11],"22":[12],"24":[13],"25":[14],"26":[15,16],"29":[17],"30":[18],"31":[19],"32":[20],"34":[21],"35":[22],"38":[23],"39":[24],"41":[25],"43":[26],"47":[27,28],"48":[29,30],"51":[31],"56":[32],"58":[33],"59":[34,35],"61":[36],"66":[37],"67":[38],"68":[39],"70":[40],"71":[41],"74":[42],"75":[43],"76":[44,45,46,47],"77":[48],"78":[49,50],"79":[51,52],"80":[53,54],"81":[55],"83":[56,57,58],"84":[59],"85":[60],"87":[61,62],"88":[63,64],"90":[65],"91":[66],"94":[67],"95":[68],"97":[69],"99":[70],"102":[71],"105":[72],"106":[73,74],"107":[75],"108":[76],"109":[77],"110":[78],"112":[79,80],"113":[81],"114":[82],"115":[83,84],"116":[85],"117":[86],"118":[87],"119":[88],"121":[89,90,91],"123":[92,93,94,95],"125":[96],"126":[97,98,99],"127":[100,101],"128":[102,103],"129":[104,105],"130":[106],"131":[107],"132":[108,109],"133":[110],"134":[111],"136":[112],"137":[113],"138":[114],"139":[115,116,117],"140":[118,119],"141":[120,121,122,123],"142":[124],"143":[125,126],"144":[127],"145":[128],"146":[129,130,131],"147":[132,133],"149":[134,135],"150":[136],"151":[137],"152":[138],"155":[139],"161":[140],"164":[141],"171":[142],"172":[143],"192":[144],"193":[145],"196":[146],"199":[147],"206":[148],"208":[149],"210":[150],"224":[151],"230":[152],"235":[153],"246":[154],"255":[155],"268":[156],"270":[157],"276":[158],"280":[159],"282":[160],"284":[161],"293":[162],"299":[163],"301":[164,165,166,167],"305":[168],"307":[169,170],"308":[171],"312":[172,173],"314":[174,175],"315":[176],"317":[177],"319":[178],"320":[179],"323":[180],"324":[181,182,183],"326":[184],"329":[185],"331":[186],"335":[187],"338":[188],"341":[189],"342":[190],"345":[191],"347":[192],"348":[193],"349":[194,195],"350":[196],"351":[197,198],"352":[199,200],"353":[201],"354":[202,203],"356":[204],"373":[205],"441":[206],"445":[207],"446":[208],"449":[209],"451":[210],"455":[211],"459":[212],"460":[213],"466":[214],"467":[215],"471":[216,217],"473":[218],"475":[219],"477":[220],"479":[221],"482":[222],"485":[223],"487":[224],"490":[225],"491":[226],"492":[227,228],"494":[229],"495":[230,231],"496":[232,233],"500":[234],"501":[235],"502":[236,237,238],"503":[239,240],"507":[241],"508":[242],"511":[243],"512":[244],"513":[245],"515":[246],"520":[247],"522":[248,249],"529":[250],"534":[251],"536":[252],"538":[253],"547":[254],"548":[255,256,257],"550":[258],"552":[259],"556":[260,261],"557":[262],"558":[263],"563":[264],"566":[265],"570":[266],"572":[267],"574":[268],"575":[269],"577":[270,271],"580":[272],"582":[273],"583":[274],"584":[275],"585":[276,277],"586":[278],"587":[279],"588":[280],"591":[281],"593":[282,283],"595":[284],"596":[285,286,287],"597":[288],"603":[289],"608":[290],"609":[291],"610":[292],"614":[293],"615":[294,295],"616":[296],"617":[297],"620":[298,299],"621":[300,301],"622":[302],"624":[303,304,305],"625":[306,307,308],"626":[309],"628":[310],"629":[311],"632":[312],"639":[313],"644":[314],"647":[315],"648":[316],"649":[317],"650":[318],"652":[319],"657":[320],"658":[321],"659":[322],"663":[323],"666":[324,325],"667":[326],"668":[327],"672":[328],"679":[329],"680":[330],"681":[331],"682":[332],"684":[333],"685":[334,335],"688":[336,337],"689":[338],"690":[339,340],"691":[341],"692":[342],"694":[343],"696":[344],"700":[345,346],"702":[347],"706":[348],"709":[349,350],"710":[351],"712":[352],"714":[353],"718":[354],"720":[355],"722":[356,357],"725":[358],"726":[359],"727":[360],"728":[361,362,363],"729":[364,365,366],"730":[367],"731":[368,369,370,371],"732":[372],"734":[373],"735":[374,375],"741":[376],"748":[377],"752":[378],"755":[379],"756":[380],"757":[381],"759":[382],"760":[383],"761":[384],"762":[385],"763":[386,387,388,389],"765":[390],"768":[391],"769":[392,393,394],"771":[395],"772":[396],"782":[397],"787":[398],"788":[399],"792":[400],"794":[401],"796":[402],"798":[403,404],"801":[405],"805":[406],"807":[407],"810":[408],"812":[409],"814":[410],"818":[411],"819":[412],"821":[413],"822":[414],"823":[415],"824":[416],"825":[417],"826":[418],"827":[419],"830":[420],"832":[421],"833":[422],"834":[423,424],"835":[425],"837":[426],"838":[427],"840":[428,429],"842":[430],"850":[431],"864":[432],"868":[433],"869":[434],"870":[435],"872":[436],"874":[437,438],"875":[439],"876":[440,441],"877":[442],"878":[443],"879":[444],"886":[445],"888":[446],"889":[447],"890":[448],"893":[449],"895":[450],"897":[451],"899":[452],"901":[453],"902":[454],"904":[455,456],"907":[457],"909":[458],"910":[459],"911":[460,461,462],"912":[463],"914":[464],"918":[465],"922":[466],"923":[467,468],"924":[469],"925":[470],"930":[471,472],"931":[473],"934":[474],"935":[475],"936":[476,477],"938":[478],"940":[479,480],"941":[481],"942":[482,483],"943":[484],"946":[485],"949":[486],"953":[487],"954":[488],"955":[489],"956":[490,491],"957":[492,493],"958":[494],"959":[495,496],"960":[497,498],"961":[499,500],"962":[501],"963":[502],"964":[503],"965":[504,505],"966":[506],"967":[507,508],"969":[509,510],"970":[511],"972":[512,513],"973":[514,515],"975":[516],"976":[517,518],"977":[519],"978":[520,521],"979":[522],"980":[523],"981":[524],"982":[525],"985":[526,527],"986":[528],"987":[529],"988":[530],"989":[531,532],"990":[533],"991":[534,535],"993":[536],"996":[537],"997":[538],"998":[539,540],"1000":[541],"1001":[542],"1002":[543],"1003":[544,545],"1004":[546],"1005":[547,548],"1007":[549],"1008":[550],"1009":[551,552],"1010":[553],"1012":[554],"1013":[555,556],"1014":[557],"1016":[558],"1017":[559],"1018":[560],"1019":[561],"1020":[562],"1021":[563],"1022":[564],"1024":[565],"1025":[566],"1026":[567],"1027":[568,569],"1028":[570],"1029":[571,572],"1031":[573,574],"1032":[575,576],"1033":[577,578],"1035":[579],"1036":[580,581],"1038":[582,583],"1039":[584,585],"1040":[586,587],"1041":[588],"1042":[589],"1043":[590],"1044":[591,592],"1045":[593,594],"1046":[595,596],"1047":[597,598],"1048":[599,600],"1049":[601],"1050":[602,603],"1052":[604,605],"1053":[606],"1054":[607,608],"1056":[609,610],"1058":[611,612],"1059":[613],"1060":[614,615],"1061":[616,617],"1062":[618],"1063":[619,620],"1065":[621,622],"1066":[623,624],"1067":[625],"1075":[626],"1076":[627],"1077":[628],"1078":[629],"1079":[630,631],"1080":[632],"1081":[633,634],"1082":[635,636],"1083":[637],"1084":[638,639,640],"1086":[641],"1087":[642,643],"1088":[644,645],"1089":[646,647],"1090":[648,649,650],"1091":[651],"1092":[652,653],"1093":[654,655],"1094":[656,657,658],"1095":[659],"1096":[660,661],"1098":[662,663],"1100":[664,665],"1102":[666],"1105":[667],"1106":[668],"1107":[669,670],"1117":[671],"1132":[672,673],"1134":[674],"1136":[675,676],"1137":[677],"1138":[678],"1154":[679,680],"1157":[681],"1158":[682],"1165":[683],"1166":[684],"1167":[685],"1174":[686],"1176":[687],"1181":[688,689],"1183":[690],"1184":[691,692],"1186":[693],"1187":[694],"1206":[695],"1214":[696],"1215":[697],"1224":[698],"1231":[699],"1233":[700],"1234":[701],"1235":[702],"1236":[703],"1237":[704],"1240":[705],"1242":[706],"1244":[707],"1245":[708],"1247":[709],"1248":[710],"1250":[711],"1252":[712],"1254":[713],"1255":[714],"1260":[715],"1262":[716],"1264":[717],"1266":[718],"1268":[719],"1272":[720],"1273":[721],"1274":[722,723],"1275":[724,725],"1276":[726,727],"1277":[728],"1278":[729,730],"1279":[731,732],"1281":[733,734]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان]ـ\nالمؤلف: أبو التراب سيد بن حسين بن عبد الله العفاني\nقدم له: أبو بكر الجزائري - محمد صفوت نور الدين - محمد عبد المقصود\nتوزيع: دار ماجد عسيري - جدة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","vol":"1","page":1},{"text":"إهداء\nإلى الرجال حين يعزّ الرجال..\nإلى الضخام بذلا وعطاء..\n* إلى الوالد المفضال.. الذي إذا رُؤي ذكر الله تعالى برؤيته الشيخ الربّاني مقدم أهل السنة بمصر الشيخ/ محمد صفوت نور الدين.\n* إلى تيار الفرات.. الذي غمرني بإحسانه ونواله وكرمه.. الكريم المفضال الذي جعل الله له في قلوب المؤمنين ودا.. إلى من كانت له اليد الطُولى في نشر كتب ابن تيمية في مكتبته \"مكتبة ابن تيمية\" الشيخ/ عبد الفتاح الزيني.\nانشر علوم السابقين وداونا ... لله درك من فتى رباني\n* وإلى سمي البخاري.. الرباني.. الشيخ محمد إسماعيل.\nيا زهر آمال البلاد وحبها ... يا حادي الغرباء للأوطان\nوسمي حبر وطب هدى نبينا ... أعني البخاري العظيم الشان\nيا ابن إسماعيل ويا بقية سلفنا ... إرو الغليل بشيخنا الألباني\nياحسن عود للحجاب كتبته ... من نبض قلبك في حلى التبيان\nلا تنسنا من طيب صالح دعوة ... بظهر الغيوب لحبك العفاني\n***","vol":"1","page":2},{"text":"مقدمة الطبعة الثانية\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>بقلم فضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري</span>\nشيخ المسجد النبوي\nبالمدينة النورة\nبسم الله الرحمن الرحيم\nكلمة تقريظ\nلأبي بكر جابر الجزائري\nقال عفا الله عنه:\nبعد حمد الله تعالى، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه أجمعين أقول: لقد أهداني العلّامة ذو الفقه والبصيرة الدكتور سيد بن حسين العفاني حفظه الله وأطال عمره، وأفاض الخير عليه وعلى محبيه. أهداني كتابه \"نداء الريّان في فقه الصوم وفضل رمضان\" وتصفّحت الكتاب فوجدته قد جمع فأوعى، ورفع مؤلفه فأعلى.\nإنه كتاب من مجلدين بلغت صفحاته سبعًا وعشرين ومائة وألف صفحة، ما ترك شاردة ولا واردة، ولا نافلة، ولا فريضة، ولا كبيرة، ولا صغيرة، في باب الصيام وأحكامه وفضائله، وكمال أهله إلا ذكرها بأسلوب الأدب الرفيع والحكمة البالغة.\nوقبل أن أدعوَ له بخير الدارين أنصح لكل طالب علم أن يقتني هذا الكتاب ويكبّ عليه ويقرأه، وينشر طِيبه بين المسلمين. فاللهم زد عبدك سيد باسمه علمًا وفقهًا ونورًا، ولا تحرمنا مما آتيته إنك ولينا ووليّه آمين.\nوسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.\nأبو بكر جابر الجزائري\nفي ٤/٩/١٤١٧هـ","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالطبعة الثانية\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>بقلم فضيلة الشيخ: محمد صفوت نور الدين</span>\nرئيس جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر\nلنداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان\nتقديم\nالحمد لله رب العالمين، اختص سبحانه بعض خلقه بالتكريم والتعظيم، وأصلي وأسلم على من اختصه الله ﷾ بالرسالة الخاتمة، فبلغها فكان إمام المتقين وإمام العابدين وإمام الأنبياء وخاتم المرسلين، وأصلي وأسلم على آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وأصلي وأسلم على سائر الأنبياء وجميع المرسلين. وبعد،،،\nفإن شريعة الله في الصوم عمت كل الأمم السابقة وصارت عونا للمؤمنين لسلوك طريق المتقين لذا قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وكان الصوم من أجل الأعمال التي يعملها السالكون لذا جاء في الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه أنه قال: \"كل عمل ابق آدم له. الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\" فكان قوله: \"فإنه لي\" أعظم شرف للعمل وهو الصيام وخير شرف للعامل وهو الصائم.","vol":"1","page":4},{"text":"وقد فضل الله سبحانه شهر رمضان بفضائل عظيمة جليلة فهو القائل: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وهو الذي جعل فيه ليلة القدر، وقال عنها سبحانه: (ليلة القدر خير من ألف شهر) .\nوالله جعل رمضان شهر الصبر وشهر النصر، تغل فيه الشياطين، وشهر يغفر فيه لمن تتبع أسباب المغفرة بالصيام والقيام وتلمس ليلة القدر، والله جعل البركة في كل رمضان والصيام حتى جعل أبسط ما فيه وهو السحور بركة فقال رسول الله - ﷺ -: \"تسحروا فإن في السحور بركة\". والله ﵎ جعل رمضان شهر الجنة، فللجنة باب اسمه الريان يدخل منه الصائمون فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد وجعل رمضان شهر القرب، ففي الحديث: \"بعد من أدرك رمضان ولم يغفر له\" فالبركة والخير والإلف والمحبة والصالحات من الأعمال والقرآن والصدقة والجود وحسن الخلق وغير ذلك إنما يكون من ثمرات من عمل في رمضان ومن تعبد الله بالصيام في رمضان وبعده.\nكل هذا شحذ قريحة أخينا الحبيب الدكتور سيد حسين العفاني جزاه الله خير الجزاء وصنف موسوعة تاريخية فقهية حديثية طبية وعظية قصصية واقعية يحتاجها المدرس والكاتب والمؤرخ والصائم، ويحتاجها قاسي القلب ليلين قلبه، ويحتاجها الشارد ليقرب والقريب ليزداد قربا، ويحتاجها الباحث والطبيب الذي يعالج أمراض الأبدان، والواعظ الذي يغذي القلوب والأرواح وهذه الكلمات القليلة أسوقها على استحياء لتقديم هذه الموسوعة الطيبة (نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان) والله أسأل أن ينفع بها وأن يجعلها ذخرا لكل من صنف وقدم وقرأ وعمل، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.\nوكتبه\nمحمد صفوت نور الدين","vol":"1","page":5},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nمقدمة\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>بقلم فضيلة الشيخ الدكتور/ محمد بن عبد المقصود العفيفي</span>.\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا)، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا) .\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوبعد: فإنه ليشرفني أن أقدم إلى المكتبة الإسلامية هذا المؤلَّف الجليل، والذي يُعد بحق موسوعةً ضخمة جدًّا في الصيام وكل ما يتعلق به، ومؤلفه الأخ الأستاذ الدكتور سيد حسين، ذكر فيها فضائلَ الصيام وآثاره، وصيام الصالحين، وصيام أهل البدع، وفوائد الصيام، وفضائل شهر رمضان، والغزوات التي وقعت في شهر رمضان، حتى الفتاوى الطبية المتعلقة بشهر رمضان، وكتب الطب التي ألفتْ فيما يتعلق بموضوع","vol":"1","page":6},{"text":"هذا الكتاب -وهو الصوم- وفتاوى العلماء قديمًا وحديثًا، وكذلك الأشعار التي وردت في شهر رمضان وكتبها.\nفهذا في الحقيقة جهد كبير جدًّا بذله حضرة المؤلف الاستاذ الدكتور سيد حسين -أصلح الله حاله، وجعله في ميزان حسناته- وذلك ليقدم إلى الناس هذه الموسوعة القيمة.\nوالحقيقة قد طلب مني حضرة المؤلف الدكتور سيد حسين أن أقدم للكتاب. وأنا أقولها لله ﷿: الفروض أن يقدِّمَ هو لي لا أن أقدم أنا له، وقد زدنا بالكتاب شرفًا، ولم يزد المؤلف ولا كتابه منا شيئا. وسيتضح لك هذا أيها القارئ الكريم حين تعيش مع صفحات هذا الكتاب ستقف على كمّ المراجع التي رجع إليها واستخدمها، ليقدم لك هذه المادة، وهي متنوعة، فمنها مراجع في الفقه ومراجع في التاريخ ومراجع في الحديث، بل وكتب الأشعار وكتب الطب ... كتب كثيرة جدًّا حتى يجمع لك مادة هذا الكتاب نفعنا الله به.\nونسأل الله تعالى أن يوفقنا لقراءة هذا الكتاب، والعمل بما فيه، وأن ندعو الناس لاتباع الخير الكثير الذي فيه، وأن يجعل الله ذلك في ميزان حسناتنا (يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم) .\nوكتبها\nد. محمد بن عبد المقصود العفيفي","vol":"1","page":7},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [آل عمران: ١٠٢] .\n(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث\nمنهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا) [النساء: ١] .\n(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا) (١) [الأحزاب: ٧٠-٧١] .\nأما بعد:\nفإن الله تعالى أعظم على عباده المنِّة، بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنه، ورد أمله وخيب ظنه، إذ جعل الصوم حصنًا لأوليائه وجُنَّة، وفتح لهم به أبواب الجنَّة، وعرفهم أنَّ وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنَّة، وأنَّ بقمعها\n_________\n(١) خطبة الحاجة وهي التي كان رسول الله - ﷺ - يبدأ بها خطبه، وقد جمع طرق أحاديثها محدث الديار الشامية الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في رسالة قصيرة.","vol":"1","page":8},{"text":"تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنَّة (١) .\nوأعظم بعبادة متميزة بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر الأركان، وجاوز ثوابها قانون التقدير والحسبان، فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغًا، ويجازف جزافًا فلا يدخل تحت وهم وتقدير.\nوناهيك بعبادة يباهي الله بها ملائكته، والله غني وهو الكريم يا أخي عن تجويع القوم.. فافهم من الخلوف معنى الصوم فأنت المراد من هذا الكون.\nفكم من ملائكة كرام ما ذاقوا طعاما ولا شربوا شرابًا ليس لهم مرتبة \"ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك\".\nفيا إخوتاه البدار البدار، كلوا من طعام الجد، واشربوا دموع الأسف، تناولوا من طعام الاستغفار ولو جرعة، صاح مُمسك قنديل الأمل، لرؤية فجر الأجل.\nرحم الله أقوامًا رمضانهم دائم وشوالهم صائم.\nفي رضاكم رمضان عمره ... ينقضي ما بين إدبار وطيّ\nوعلى الطرف الآخر آخر أحواله تشبه شهور السنة \"ماله في باب الإيثار المحرم، وقلبه من الذكر صفر، وهواه وشهواته ربيعان وكفاه في البذل جُمادَيَان، وسمعه عن المواعظ رجب، وهمه في شبابه شعبان\" (٢)، فكن كما شئت فإنما تجني ما تغرس.\nولا يدرك ألطاف وعطايا الربَّانية إلا من ربَّى للصوم نيَّة.\nغرس القوم نخل العزائم من نهر باب الريان ونبات عزمك نبات الكشوت (٣) يروى من ماء صديد.\n_________\n(١) المنة بالضم: القوة، وخمق بعضهم به قوة القلب، يقال: هو ضعيف المنة، ويقال: هو طويل المنة، حسن السنة\nقوي المنة، الأمة: القامة، والسنة: الوجه، والمنة: القوة.\n(٢) \"مقامات ابن الجوزي\".\n(٣) نبات معروف.","vol":"1","page":9},{"text":"أخي: ليس الصوم صوم جماعة الطّغام عن الجماع والطعام إنما الصوم صوم الجوارح عن الآثام، وصمت اللسان عن فضول الكلام، وغض العين عن النظر إلى الحرام، وكفّ الكفّ عن أخذ الحطام، ومنع الأقدام عن قبيح الإقدام.\nإن المطلوب من الصوم التقلل ليسبق المضمّر، وهم يستوفون وقت الإفطار الحِمْل، ويجعلون السحور علاوة، فيقف جمل التعبد.\nالمراد من التجويع خلوف الفم، والذين عندهم جُشَاء التَّخم يصبحون وبهم من الطعام بَشَم (١)، ومن الماء بغر (٢)، \"جاعوا بالنهار وما يفهمون كيف صاموا، وشبعوا بالليل فناموا وما قاموا\" (٣) .\nقال - ﷺ -: \"إنما الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته\" (٤) .\nفاتق الله في أمانته عندك.\nولكل عبادة ظاهرًا وباطنًا، وقشرًا ولبًّا، ولقشرها درجات، ولكل درجة طبقات، فإليك الخيرة الآن في أن تقنع بالقشر عن اللباب أو تتحيز إلى غمار أرباب الألباب.\nفطوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الري الكامل\nطوبى لمن جوع نفسه ليوم الشبع الأكبر\nطوبى لمن ترك شهوات حياة عاجلة لموعد غيب لم يره\nمتى اشتد عطشك إلى ما تهوى فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الري الكامل وقل: قد عيل صبر الطبع في سنيِّه العجاف، فعجِّل لي العام الذي فيه أغاثُ وأعصر.\nأخي: -وبعد أن أطلنا- هذه أوراق جمعناها في الصوم وفضله وثماره\n_________\n(١) مرض يجعل الرجل لا يشبع من الطعام.\n(٢) البغر: داء يشتد معه العطش، فلا يخفضه الماء.\n(٣) \"مقامات ابن الجوزي\" (ص ٢٦١) .\n(٤) رواه الخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" من حديث ابن مسعود في حديث الأمانة في الصوم وإسناده حسن قاله\nالعراقي، وقال ابن السبكي لم أجد له إسنادا.","vol":"1","page":10},{"text":"وسادات الصائمين، ورمضان وجزيل نعمه وحُسنه، وضممنا إلى ذلك آدابًا في الصوم وفصلًا في الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الصوم ثم فقه الصوم والاعتكاف وزكاة الفطر وسنن العيد، وعقدنا فصلا للصوم عند الشعراء فاللَّهم تقبل عملي هذا، واسقني يا جواد من كأس كان مزاجها كافورًا واجعل الريَّان ري قلبي الظمآن (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) .\nوكتبه\nسيد بن حسين العفاني\nبني عفان - غرة جمادى الآخرة ١٤١٥هـ\n***","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الباب الأول\nمن معاني الصوم</span>\n\"الصوم لا رياء فيه\"\n(الإمام أحمد بن حنبل)","vol":"1","page":12},{"text":"الصوم عبادة السادات، وعبادة السادات سادات العبادات، وشيم الأحرار أحرار الشيم.\nنصوم فإن الصوم من علم التقى ... وإن طويل الجوع يومًا سيشبع\nفما الغاية العظمى؟.. وما أهم معاني الصوم؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>أ- الإخلاص عنوان الصوم</span>\nأحلى أعطيات الصوم وأغلى معانيه الإخلاص، والإخلاص لله خلاص وتجرد بعيدًا بعيدًا عن أوحال الأرض.\nوالصوم هو العبادة الوحيدة التي خُصَّت بالنسبة إلى الله \"إلا الصيام فإنه لي\" (١) .\nوكما قال الإمام أحمد: لا رياء في الصوم، فلا يدخله الرياء في فعله، من صفى صفى له، ومن كَدَّر كدر عليه، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله، وإنما يُكال للعبد كما كال.\nوالجنة لا تطلب إلا قلبًا خالصًا لله (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) [يوسف:٧٩] .\nوالصوم يعلم الناس الإخلاص، فما صام منافق مرائي.\nوالغاية الواحدة في مصطلح القرآن هي الإخلاص وهي محور دعوات الرسل، يقول ﵎: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصًا له الدين..) [الزمر: ٢] الآية، (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين ...) [الزمر: ١١] الآية، (قل الله أعبد مخلصًا له ديني..) [الزمر: ١٤] الآية، (وادعوه مخلصين له الدين ...) [الأعراف: ٢٩] الآية، (فادعوا الله مخلصين له الدين) [غافر: ١٤] الآية.\nوالإخلاص: التعري عما دون الله ونسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.. أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة وإخراج الخلق عن معاملة الرب.\n_________\n(١) جزء من حديث صحيح يأتي بعد ذلك.","vol":"1","page":13},{"text":"والإخلاص أشد شيء على النفس لأنه ليس لها فيه نصيب كما قال سهل.\nوالصدق في الإخلاص من أشد الأمور على النفوس، يقول سفيان الثوريّ: \"ما عالجت شيئًا عليّ أشد من نيّتي، إنها تتقلب عليّ\".\nوالإخلاص هو الحرية في أرقى صورها وأكمل مراتبها، لا لا يا قيود الأرض.\nتفيض نفوس بأوصابها ... وتكتم عوادها ما بها\nوما أنصفت مهجة تشتكي ... جواها إلى غير أحبابها\n\"شجرة الإخلاص أصلها ثابت، لا يضرها زعزع (أين شركائي)، وأما شجرة الرياء فاجتثت عند نسمة (وقفوهم)، لريح المخلصين عطرية القبول، وللمرائي سموم النسيم، نفاق المنافقين صيّر المسجد مزبلة (لا تقم فيه أبدًا) وإخلاص المخلصين رفع قدر الوسخ \"رُبَّ أشعث أغبر\"، فيا أسفا ذهب أهل الإخلاص والتحقيق وبقيت بنيَّات الطريق، رحل والله السادة وبقي قرناء الرياء والوسادة.\nذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام\nيا إخوتاه: الإخلاص مسك مصون في مسك القلب، تنبه ريحه.. العمل صورة والإخلاص روح.\nالإخلاص اليسير كثير، وخليج صاف أنفع من بحر كدر، أتحدو ومالك بعير؟!، أتمد القوس وما لها وتر؟!، أتتجشأ من غير شبع؟!.\nكم بذل نفسه مراء لتمدحه الخلائق فذهبت والمدح، ولو بذلها للحق لبقيت والذكر، المرائي يحشو جراب العمل رملًا فيثقله ولا ينفعه، ريح الرياء جيفة تتحاماها مسام القلوب.\nلما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تتشبه وقالت: لك نسج ولي نسج، فقالت دودة القز: ولكن نسجي أردية بنات الملوك ونسجك شبكة الذباب وعند مس النسيجين يبين الفرق.","vol":"1","page":14},{"text":"\"إذا اشتبكت دموع في خدود تبينَّ من بكى ممن تباكا\" (١) .\nوالأمة أحوج ما تكون إلى إخلاص أبنائها، قال - ﷺ -: \"إنما ينصر الله هذه الأمه بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم\" (٢)، وفيه خلاص الأمة ورفعتها، فعن أبي بن كعب (﵁) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بشِّر هذه الأمة بالسناء والدين، والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب\" (٣)، وفي رواية للبيهقيّ قال رسول الله - ﷺ -: \"بشر هذه الأمة بالتيسير والسناء، والرفعة بالدين والتمكين في البلاد والنصر، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا، فليس له في الآخرة من نصيب\".\nما أحوجنا إلى الصيام والإخلاص: عن أبي هريرة (﵁) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنما يبعث الناس على نياتهم\" (٤)، وعن جابر (﵁) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنما يحشر الناس على نياتهم\" (٥) .\nما أحوجنا إلى الفرار من الرياء والصيام خير عون، عن عبد الله بن عمرو (﵄) قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من سمَّع الناس بعمله سمَّع الله به مسامع خلقه وصغره وحقَّره\" (٦)، وقال - ﷺ -: (ثلاث لا يُغَل عليهن قلب امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم\" (٧) .\nولو لم يكن في الإخلاص إلَّا طرد الخيانة والحقد من القلب لكفاه شرفًا، فكيف والأعمال ميتة بدونه، وقشر خالٍ من اللباب سواه.\nومن هنا تأتي أهمية الصوم ومعناه الكبير! إذ كل عبادة سواه قد يدخلها الرياء وإرادة\n_________\n(١) \"المدهش\" (ص ٤١٤) .\n(٢) صحيح: رواه النسائي عن سعد بن أبي وقاص وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (١/٦) .\n(٣) صحيح: رواه أحمد، وابن حبان، والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد \"صحيح الترغيب\" (١/١٦) .\n(٤) حسن: رواه ابن ماجة وحسنه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/٨) .\n(٥) صحيح: رواه ابن ماجة وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/٨) .\n(٦) رواه الطبراني في \"الكبير\" بأسانيد أحدها صحيح والبيهقي \"صحيح الترغيب\" (١/١٦) .\n(٧) قال المنذري: رواه البزار بإسناد حسن وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (١/٥) .","vol":"1","page":15},{"text":"وجه المخلوقين حتى الصلاة خير الأعمال قد يدخلها الرياء.\nعَن أبي سعيد الخدريّ (﵁) قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: \"ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال\" فقلنا: بلى يا رسول الله! فقال: \"الشرك الخفي: أن يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل\" (١) .\nوعن محمود بن لبيد (﵁) خرج النبي - ﷺ - فقال: \"يا أيها الناس! إياكم وشرك السرائر\" قالوا: يا رسول الله! وما شرك السرائر! قال: \"يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر\" (٢) .\nوالجهاد والصدقة وقراءة القرآن قد يدخلها الرياء، فدل ذلك على خطره وفظاعته وشناعته، وإليك هذا الحديث لترى خوف الصحابة من الرياء وعلى ضوء ذلك ترى المعنى الجليل الذي يورثه الصيام لأصحابه وهو الإخلاص.\nعن عقبة بن مسلم أن شُفَيًّا الأصبحيّ حدثه أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال مَن هذا؟ قالوا: أبو هريرة، قال: فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه؛ وهو يحدث الناس، فلمَّا سكت وخلا، قلت له: أسألك بحقِّ وبحقِّ، لماَّ حدَّثتني حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ - وعَقِلْتَه وعَلِمْتَه، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثًا حدَّثنيه رسول الله - ﷺ - عقلته وعلمته، ثم نشغ (٣) أبو هريرة نشغة فمكثنا قليلًا ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله - ﷺ - أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ثم أفاق، ومَسح عن وجهه فقال: أفعل، لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله - ﷺ - أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة ثم مال خارًّا على وجهه فأسندته طويلًا ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله - ﷺ - إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة ينزل على العباد ليقضي\n_________\n(١) حسن: رواه ابن ماجة، والبيهقي، وحسنه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/١٧) .\n(٢) صحيح: رواه ابن خزيمة في صحيحه، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/١٧) .\n(٣) أي شهق حتى كاد يغشى عليه أسفًا أو خوفًا.","vol":"1","page":16},{"text":"بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يُدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله ﷿ للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فما عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله ﷿: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله ﵎: بل أردت أن يقال فلان قاريء وقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ﷿: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد، قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله ﵎: بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: فيم قتلت؟ فيقول: أي رب أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريئ فقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله - ﷺ - على ركبتيّ، فقال: \"يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة\"، قال الوليد أبو عثمان المديني: وأخبرني عقبة أن شُفَيًّا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حاتم أنه كان سيّافًا لمعاوية، قال: فدخل عليه رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس ثم بكى معاوية بكاءً شديداَّ حَتى ظننا أنه هالك، وقلنا قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلَّا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) [هود: ١٥ - ١٦] (١) .\nفكيف بمن بقي من الناس ... لا نجاة إلا بالإخلاص.\nفياللصوم من عبادة أسها ولحمتها وسداها الإخلاص وفيه من النيران الخلاص.\n***\n_________\n(١) رواه الترمذي وحسنه وابن حبان في \"صحيحه\" كلاهما بلفظ واحد عن أبي عثمان المديني، ورواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" نحو هذا لم يختلف إلا في حرف أو حرفين.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>(ب) التقوى حكمة الصوم العليا</span>\nقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [البقرة: ١٨٣] .\nإن الغاية الأولى هي إعداد القلوب للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله تعالى، \"هكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم.. إنها التقوى.. فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله، وإيثارًا لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل إليها، ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفًا وضيئًا يتجهون إليه عن طريق الصيام (لعلكم تتقون) ثم يثني بتقرير أن الصوم أيام معدودات، فليس فريضة العمر وتكليف الدهر، ومع هذا فقد أعفى من أدائه المرضى حتى يصحِّوا، والمسافرون حتى يقيموا تخفيفًا وتيسيرًا.\nوظاهر النص في المرض والسفر يطلق ولا يحدد، فأي مرض وأي سفر يسوغ الفطر، وهذا هو الأولى في فهم النص القرآني، والأقرب إلى المفهوم الإسلامي في رفع الحرج ومع الضرر لإرادة اليسر بالناس لا العسر.\nفالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات، إنما يقودهم بالتقوى وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى.\nوالذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء، لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق.\nوهذا الدين دين الله لا دين الناس، والله أعلم بتكامل هذا الدين، بين مواضع الترخص ومواضع التشدد، وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها، بل لابد أن يكون الأمر كذلك، ومن ثم أمر رسول الله - ﷺ - أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخص لهم.","vol":"1","page":18},{"text":"وإذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال، فإن صلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام، ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى في أرواحهم وإذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع، وسد للذرائع، فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف، إذ هي حساب بين العبد والرب، والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب، وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت، ولم يستخدم الرخصة إلى حيث يرتضيها قلبه، ويراها وهى الأولى (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>(جـ) ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون</span>\n\"هذه غاية من غايات الفريضة.. أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم، وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة، وهم مكفوفو القلب عن التفكير في المعصية، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها.. وهم شاعرون بالهدى ملموسًا محسوسًا، ليكبروا الله على هذه الهداية، وليشكروه على هذه النعمة، ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة، كما قال لهم في مطلع الحديث عن الصيام \"لعلكم تتقون\" وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقًّا على الأبدان والنفوس، وتتجلى الغاية التربوية منه، والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير\" (٢) .\n\"وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء، فكان لقول المسلم: الله أكبر إشارة إلى أن الله يعبد بالصوم، وأنه منزَّه عن ضراوة الأصنام\" (٣) .\n\"ولعلكم تشكرون\" تعليل آخر وهو أعم من مضمون جملة \"ولتكبروا الله ... \" فإن التكبير تعظيم يتضمن شكرًا والشكر أعم لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله ويكون\n_________\n(١) \"الظلال\".\n(٢) \"الظلال\" (١/١٧٢) .\n(٣) \"التحرير والتنوير\" (٢/١٧٧) .","vol":"1","page":19},{"text":"بفعل القرب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر، ومن مظاهر الشكر لبس أحسن الثياب يوم الفطر\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>(د) الصوم وإعداد الأمة</span>\nلقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليها الجهاد في سبيل الله لتقرير منهجه في الأرض، وللقوامة به على البشرية، وللشهادة على الناس، فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها واحتمال ضعفها وثقلها، إيثارًا لما عند الله من الرضى والمتاع، وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك؛ والذي تتناثر على جوانبه الرغاب والشهوات؛ والذي تهتف بالسالكيه آلاف المغريات\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>(هـ) الصوم رياضة للنفس على ترك الشهوات</span>\nإذا كان من المتعذر على الإنسان بما هو مستودع فيه أن يتجرد عن شهوة الجسد، إذ من المتعذر عليه الانقطاع البات عن إمداد جسده بما فطره الله فيه، فكان من اللازم لتطلب ارتقاء نفسه أن يتدرج به في الدرجات الممكنة من تهذيب شهوته وتخليصه من التوغل فيها بقدر الإمكان، لذلك كان الصوم من أهم مقومات هذا الغرض، لأن فيه خصلتين عظيمتين؛ هما: الاقتصاد في إمداد القوى الحيوانية وتعود الصبر بردها عن دواعيها \"وبذلك يحصل للإنسان دُربة على ترك شهواته، فيتأهل للتخلق بالكمال، فإن الحائل بينه وبين الكمالات والفضائل هو ضعف التحمل للانصراف عن هواه وشهواته.\nإذا المرء لم يترك طعامًا يحبه ... ولم يَنْه قلبًا غاويًا حيث يَمَّما\nفيوشك أن تلقى له الدهر سبة ... إذا ذكرت أمثالُها تملأُ الفما (٣)\n_________\n(١) \"التحرير والتنوير\" (٢/١٧٧) .\n(٢) \"الظلال\" (١/١٦٧) .\n(٣) \"التحرير والتنوير\" (٢/١٦٠) .","vol":"1","page":20},{"text":"\"الصوم يعد نفس الصائم لتقوى الله بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالًا لأمره واحتسابًا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال - ﷺ -: \"الصيام نصف الصبر\".\nوهذا معنى دلالة \"لعل\" على الترجي، فالرجاء إنما يكون فيه، وقعت أسبابه وموضحه هنا الخاطبون لا المتكلم، ومَن لم يصم النية وقصد القربى لا ترجى له هذه الملكة في التقوى، فليس الصيام في الإسلام لتعذيب النفس لذاته بل لتربيتها وتزكيتها.\nقال شيخنا: إن الوثنيين كانوا يصومون لتسكين غضب آلهتهم إذا عملوا ما يغضبهم، أو لإرضائها واستمالتها في بعض، الشئون والأغراض، وكانوا يعتقدون أن إرضاء الآلهة أو التزلف إليها يكون بتعذيب النفس وإماتة حظوظ الجسد، وانتشر هذا الاعتقاد في أهل الكتاب حتى جاء الإسلام ويعلمنا أن الصوم إنما فرض لأنه يعدنا للسعادة بالتقوى، وإن الله غني عنا وعن عملنا وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا\" (١) .\nأشواق الروح بطبيعتها لا تنتهي، فيعارضها الجسم بجعل حاجاته غير منتهية، يحاول أن يطمس بهذه على تلك، وأن يغلِّب الحيوانية على الروحانية، فإذا أتى الصوم كفَّه وأمات أكثر نزعاته، ووضع لكل حاجة حدًّا ونهاية.\nالصوم يصنع الإنسان صناعة جديدة، تخرجه من ذات نفسه وتكسر القالب الأرضي الذي صُبّ فيه، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي جسمه، فلا تغره الدنيا ولا يمسكه الزمان ولا تخضعه المادة، إذا كانت هذه هي صفات المستعبد بأهوائه لا الحرّ فيها، والخاضع بنفسه لا المستقل بها، والمقبور في إنسانيته لا الحيّ فوق إنسانيته؛ ومثل هذا المستعبد الخاضع المقبور لا وجود له إلا في حكم حواسه، فعمله ما يعيش به لا ما يعيش من أجله، ويتصل بكل شيء اتصالًا مبتورًا ينتهي في هوى من أهواء الحيوان الذي فيه، والصوم يطلق من سلطان نفسه، وينقح الآدمية فيه يجعله يجد نفسه، وموضع نفسه\" (٢) .\n_________\n(١) \"تفسير المنار\" (ج ٢) .\n(٢) \"من وحي القلم\" للرافعي.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>(و) الصوم والمراقبة</span>\nومعنى \"لعل\" الإعداد والتهيئة، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأنًا، وأنصعها برهانًا، وأظهرها أثرًا، وأعلاها خطرًا وشرفًا أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه إلا الله تعالى، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرف له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع له لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ملاحظًا عند عروض كل رغيبة له -من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجة أو جمالها الداعي إلى ملابستها- أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها فلا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى، والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس مؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا ولسعادتها في الآخرة.\nكما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضًا، انظر هل يقدم من تلابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟ هل يسهل عليه أن يراه الله آكلًا لأموالهم بالباطل؟ هل يحتال على الله في منع الزكاة؟ هل يحتال على أكل الربا؟ هل يقترف المنكرات جهارًا؟ هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستارًا؟ كلا! إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى وإذا نسي وألمّ بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) [الأعراف: ٢٠١] .\nفالصيام أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء؛ فأجدر بالصائم أن يكون حرًّا يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبدًا للشهوات، إنما روح الصيام وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة\".","vol":"1","page":22},{"text":"رقيب حيّ في قلبه لا يرائيه ولا يجامله، ولا يخدع من تأويل ولا يُغرّ بفلسفة ولا تزين ولا يسكته ما تسول النفس، ولا يزال دائمًا يقول للنفس: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك.\nأين هذا من حال أولئك الغافلين عن الله وعن أنفسهم الذين يفطرون في رمضان عمدًا، أو الأدنياء الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، الذين يأكلون ولو في بيوت الأخلية حيث تأكل الجرذ، وما قذف بهؤلاء وأمثالهم ومن هم شر منهم كالمجاهرين بالفطر إلا تلقينهم العبادة جافة خالية من الروح الذي ذكرناه، والسر الذي أفشيناه، فحسبوها عقوبة كما كان يحسبها الوثنيون من قبل، وما كل إنسان يتحمل العقوبة راضيًا مختارًا\" (١) .\n***\n_________\n(١) \"تفسير المنار\" (٢/١٤٥-١٤٧) .","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الباب الثاني\nفضائل الصوم</span>","vol":"1","page":25},{"text":"فضائل الصوم\nأَنْعِم بالصوم عبادة بها رفع الدرجات، وتكفير الخطيئات، وكسر الشهوات وتكثير الصدقات، وتوفير الطاعات، وشكر عالم الخفيات، والانزجار عن خواطر المعاصي والمخالفات، والبعد عن النار سمومها واللفحات، وقرع أبواب الجنات، وكم للصوم من فضائل وفضائل.. وإليك طرف منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفضيلة الأولى: الصائمون هم السائحون</span>\nقال تعالى: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) [التوبة: ١١٢] .\nقال ابن جرير: أمَّا قوله \"السائحون\" فإنهم الصائمون.\nوهو قول أبي هريرة، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وعطاء.\nقالت عائشة: سياحة هذه الأمة: الصيام.\nوقال ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة: هم الصائمون.\nوقال أبو عمرو العبدي: الذين يديمون الصيام من المؤمنين.\nوقال الضحاك: كل شيء في القرآن (السائحون) فإنه الصائمون.\nوقال ابن عيينة: \"إذا ترك الطعام والشراب والنساء فهو السائح\" (١) .\n* قال تعالى: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارًا) [التحريم: ٥] .\n\"قال ابن عباس: سائحات: صائمات.\nوهو قول قتادة والضحاك.\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (٦/٣٦-٣٨) .","vol":"1","page":27},{"text":"وكان بعض أهل العربية يقول: نرى أن الصائم إنما سمي سائحًا، لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد الطعام فكأنه أخذ من ذلك\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفضيلة الثانية: الصوم لا مثل له</span>\n* عن أبي أمامة، قال: أنشأ رسول الله - ﷺ - جيشًا، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة، قال: \"اللَهمَّ سَلمهم وغَنِّمهم\" فغزونا، فسلمنا وغنمنا، حتى ذكر ذلك ثلاث مرات، قال: ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله، إني أتيتك تترى ثلاث مرات، أسألك أن تدعو لي بالشهادة، فقلت: \"اللَّهمَّ سلمهم وغنمهم\"، فسلمنا وغنمنا يا رسول الله، فمرني بعمل أدخل به الجنة، فقال: \"عليك بالصوم، فإنه لا مثل له\".\nقال: فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهارًا إلا إذا نزل بهم ضيف، فإذا رأوا الدخان، عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف\" (٢) .\n* وعن أبي أمامة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: \"عليك بالصوم، فإنه لا عدل له\".\nقلت: يا رسول الله مرني بعمل، قال: \"عليك بالصوم؛ فإنه لا عدل له\" (٣) .\nوللحاكم وصححه، وفي رواية للنسائي قال: أتيت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، مرني بأمر ينفعني الله به، قال: \"عليك بالصيام؛ فإنه لا مثل له\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفضيلة الثالثة\nإضافته لله تعالى تشريفًا لقدره وتعريفًا بعظيم فخره</span>\n* عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"قال الله ﷿: كل\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١١/١٦٤-١٦٥) .\n(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم: رجاله ثقات رجال الشيخين غير رجاء بن حيوة فمن رجال مسلم.\nرواه ابن حبان في \"صحيحه\" واللفظ له، وأحمد، والنسائي، والطبراني، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق.\n(٣) صحيح: رواه النسائي، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (هكذا بالتكرار وبدونه، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١١/٤١٣) .","vol":"1","page":28},{"text":"عمل ابن آدم له، إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، الصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يصخب، فإنْ سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه\" (١) .\nوفي رواية للبخاري: \"يترك طعامه وشرابه من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها\".\n* الرواية الثانية:\nقال - ﷺ -: \"كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك\" (٢) .\n* وفي أخرى له أيضًا ولابن خزيمة: \"وإذا لقي الله ﷿ فجزاه فرح....\" (٣) الحديث.\n* وعند الترمذي. قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن ربكم يقول: كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصوم لي، وأنا أجزي به، والصوم جنة من النار، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإنْ جَهِل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل: إني صائم، إني صائم (٤) .\n* وعند ابن خزيمة قال رسول الله - ﷺ -: \"قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به، الصيام جُنة، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه\" (٥) .\n_________\n(١) رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم، وعند أحمد \"وإذا لقي الله فجزاه فرح\" وسنده صحيح على شرط مسلم.\n(٢) رواه مسلم.\n(٣) رواه مالك وأبو داود والنسائي بمعناه مع اختلاف بينهم في الألفاظ وهو صحيح.\n(٤) حسن: حسنه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/٤٠٨) .\n(٥) وهي عند أحمد، وكذا البخاري وهي هنا الرواية الأولى، لكن ليس فيها قوله \"يوم القيامة\" وهو عند النسائي في\n\"الكبرى\".","vol":"1","page":29},{"text":"قال: \" كل عمل ابن آدم له حسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي يدع الشراب من أجلي ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلى، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه\".\nالصيام لي:\nقال ابن عبد البر: كفى بقوله: \"الصوم لي\" فضلًا للصيام على سائر العبادات وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: \"الصيام لي وأنا أجزي به\" مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال:-\nأحدها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره.\nقال أبو عبيد في غريبه: قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى على الناس، وهذا وجه الحديث عندي\".\nقال القرطبي: \"لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يَطّلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: \"يدع شهوته من أجلي\".\nوعند مالك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، فالصيام لي بزيادة الفاء وهي للسببية، أي سبب كونه لي أنه يترك شهوته لأجلي.\nوقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلَّ أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم.\nوارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بأن أعمال بني آدم لمَّا كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم بخلاف الصوم، فإن حال الممسك شبعًا مثل حال الممسك تقربًا، يعني في الصورة الظاهرة.\nومعنى: \"لا رياء في الصوم\" أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء","vol":"1","page":30},{"text":"بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها.\nوقد حاول بعض الأئمة إلحاق شيء من العبادات البدنية بالصوم فقال: إن الذكر بلا إله إلا الله يمكن أن لا يدخله الرياء، لأنه بحركة اللسان خاصة دون غيره من أعضاء الفم، فيمكن للذاكر أن يقولها بحضرة الناس ولا يشعرون بذلك\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفضيلة الرابعة: رفعة الدرجات </span>(٢)\nقال الحافظ ابن حجر: \"المراد بقوله: \"وأنا أجزي به\" أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس.\nقال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير.\nويشهد لهذا السياق رواية الموطأ، وكذا رواية الأعمش عن أبى صالح حيث قال: \"كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله\" قال الله: \"إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\" أي أجازي عليه جزاءً كثيرًا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) انتهى، والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال قلت: وسبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه فقال: بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (٣) .\nقال المناوي: \"وأنا أجزي به\" إشارة إلى عظم الجزاء عليه وكثرة الثواب لأن الكريم إذا أخبر بأنه يعطي العطاء بلا واسطة اقتضى سرعة العطاء وشرفه\" (٤) .\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (ج٤ /١٢٩-١٣٠) .\n(٢) وهي الوجه الثاني في معنى الحديث عند ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٣٠) .\n(٣) \"فتح الباري\" (ج ٤ /١٣٠) .\n(٤) \"فيض القدير\" للمناوي (٤/٢٥١) .","vol":"1","page":31},{"text":"* قال ابن رجب الحنبلي:\n\"يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة فتكون الأعمال كلها تضاعف بعشر امثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد بل يضاعفه الله ﷿ أضعافًا كثيرة بغير حصر عدد.\nفإن الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون) الآية، ولهذا ورد عن النبي - ﷺ - أنه سمى رمضان شهر الصبر، وقال - ﷺ -: \"الصوم نصف الصبر\"\nوالصبر على ثلاثة أنواع:\nصبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على الأقدار المؤلمة.\nوتجتمع الثلاثة في الصوم فإن فيه صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عما حرّم الله على الصائم من الشهوات، وصبرًا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن، وهذا الألم الناشئ من أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه كما قال الله تعالى في المجاهدين: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطأً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) (١) .\nقال ابن حجر: \"يأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام المراد أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلا الله تعالى\".\nويؤيده أيضًا العرف المستفاد من قوله: \"أنا أجزي به\" لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه\".\nقال عز الدين بن عبد السلام: \"أنا أجزي به\" معناه تعظيم جزائه بأنه هو المتولي لإسدائه، وإن كان هو المجازي على الطاعات\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>الفضيلة الخامسة: الصيام مناسب لصفة من صفات الحق</span>\nالله هو الغني، وهو القيوم، وهو الصمد.\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" لابن رجب (ص ١٦٨) .\n(٢) \"فوائد الصوم\" لعز الدين بن عبد السلام (ص ٢٣) تحقيق عبد الله نذير - دار ابن حزم.","vol":"1","page":32},{"text":"والصمد هو الذي لا يحتاج إلى الطعام والشراب.\nقال الحافظ: \"والاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب ﷻ، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه.\nوقال القرطبي: إن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه يقول: إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي\" (١) .\nوكذلك المعنى بالنسبة إلى الملائكة لأن ذلك من صفاتهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الفضيلة السادسة\nجميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام</span>\nفي رواية للبخاري: \"عن ربكم قال: لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به\" (٢) ومعناها أن لكل عمل من المعاصي كفارة من الطاعات.\nورواه أحمد عن أبي هريرة رفعه \"كل العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به\" ورواه أبو داود الطيالسي: \"قال ربكم ﵎: كل العمل كفارة إلا الصوم\" قال ابن رجب: \"الاستثناء يعود إلى التكفير بالأعمال، ومن أحسن ما قيل في ذلك ما قاله سفيان بن عيينة قال: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها: \"إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة\" خرَّجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" وغيره وعلى هذا فيكون المعنى: أن الصيام لله ﷿ فلا سبيل لأحد إلى أخذ أجره من الصيام لله ﷿ بل أجره مدخر لصاحبه عند الله ﷿، وحينئذ فقد يقال: إن سائر الأعمال قد يكفر بها ذنوب صاحبها فلا يبقى لها أجر فإنه روى \"أنه يوازن يوم القيامة بين الحسنات والسيئات ويقص بعضها من بعض، فإن بقي من الحسنات حسنة دخل بها صاحبها إلى الجنة\" قال سعيد بن جبير وغيره، وفيه حديث مرفوع خرّجه\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/١٣٠) .\n(٢) أخرجها البخاري في التوحيد عن آدم عن شعبة.","vol":"1","page":33},{"text":"الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعًا فيحتمل أن يقال في الصوم: إنه لا يسقط ثوابه بمقاصة ولا غيرها بل يوفر أجره لصاحبه حتى يدخل الجنة فيوفى أجره فيها\" (١) .\nيقول ابن حجر بعد ذكره لقول ابن عيينة: \"قال القرطبي: قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكرت في حديث المقاصة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال: \"المفُلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا\" الحديث وفيه \"فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاته فطرحت عليه، ثم طرح في النار\" فظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك، قلت: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك\".\nثم قال: \"والاستثناء المذكور يشهد لما ذهب إليه ابن عيينة، لكنه وإن كان صحيح السند فإنه يعارضه حديث حذيفة \"فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها الصلاة والصيام والصدقة\".\nوقال بعدها ابن حجر: \"فقد لا يعارض الحديث وهو كون الأعمال كفارة إلا الصوم لأنه يحمل في الإثبات على كفارة شيء مخصوص، وفي النفي على كفارة شيء آخر.\nوعلى هذا فقوله: \"كل العمل كفارة إلا الصيام\" يحتمل أن يكون المراد إلا الصيام فإنه كفارة وزيادة على ثواب الكفارة، ويكون المراد بالصيام الذي هذا شأنه ما وقع خالصًا سالمًا من الرياء والشوائب والله أعلم\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الفضيلة السابعة\nالصوم كفارة للخطيئات</span>\nقال - ﷺ -: \"فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" (٣) .\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" لابن رجب (ص ١٦٨، ١٧٠) .\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/١٣١، ١٣٣) .\n(٣) رواه البخاري ومسلم، والترمذي، وابن ماجة عن حذيفة.","vol":"1","page":34},{"text":"قال المناوي: \"فتنة الرجل: أي ضلاله ومعصيته أو ما يعرض له من الشر ويدخل عليه من المكروه في أهله مما يعرض له معهم من نحو هّم وحزن، أو شغل بهم عن كثير من الخير وتفريطه فيما يلزمه من القيام بحقهم وتأديبهم وتعليمه و(ماله) بأن يأخذه من غير حله ويصرفه في غير حله ووجهه أو بأن يشغله لفرط محبته له عن كثير من الخيرات.\nوفتنته في (نفسه) بالركون إلى شهواتها ونحو ذلك، وفتنته في (ولده) بفرط محبته والشغل به عن المطلوبات الشرعية، وفي (جاره) بنحو حسد وفخر ومزاحمة في حق وإهمال في تعهد.\nونبه بالأربع على ما سواها. (يكفرها) أي الفتنة المتصلة بما ذكر (الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) لأن الحسنات يذهبن السيئات، ونبه به على ما عداها، فنبه بالصلاة والصوم على العبادة الفعلية، وبالصدقة على المالية، وبالأمر والنهي على القولية، فهي أصول المكفرات والمراد الصغائر فقط.\nويحتمل أن يكون كل واحد من الصلاة وما بعدها يكفر المذكورات كلها لا كل واحد منها!\nوخص الرجل لأنه غالبًا صاحب الحكم في داره وأهله، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"صوم يوم عرفة كفارة السنة الماضية والسنة المستقبلة\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده،\nوصيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله\" (٤) .\n_________\n(١) \"فيض القدر\" (٤/٤٢٣) .\n(٢) رواه البخاري ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وأحمد.\n(٣) صحيح: رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن أبي سعيد وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٠٥) .\n(٤) رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة عن أبي قتادة.","vol":"1","page":35},{"text":"قال المناوي: \"أي أرجو منه. قال ابن الأثير: الاحتساب على الله البدار إلى طلب الأجر وتحصيله باستعمال أنواع البر.\nقال الطيبي: وكان القياس: أرجو من الله فوضع محله أحتسب وعدّاه بعلى التي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة في تحقق حصوله.\n(يكفر السنة التي قبله): يعني الصغائر المكتسبة فيها.\n(والسنة التي بعده) بمعنى أنه تعالى يحفظه أن يذنب فيها، أو يعطى من الثواب ما يكون كفارة لذنوبها، أو يكفرها حقيقة ولو وقع فيها ويكون المكفِّر مقدمًا على المكفَّر.\nقال صاحب العدة: وذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفضيلة الثامنة\nتشريف الله والملائكة له بالصلاة عليه</span>\nقال - ﷺ -: \"إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين\" (٢) .\nوعن عبد الله بن عمرو موقوفًا: \"الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة\" (٣) .\nفإنْ كان الله وملائكته يصلون على المتسحرين، والسحور عون على الصيام فما ظنك بالصيام؟\nفأكرم بها من عبادة يصلي الله عليك بها والملأ الأعلى.\nيا هذا: تبيع صلاة الله والملائكة بشبع وتخمة، ولا تصوم عن لقمة!!\n\"إنما يريد العاقل أن يأكل ليحيا لا أن يحيا ليأكل\".\nوإن خير المطاعم ما استُخدِمت، وإن شرها ما خُدمت، وهل عالج الحجامة وفصد الفصاد إلا خارج عن حد الاقتصاد\" (٤) .\n_________\n(١) \"فيض القدير\" (٤/٢٣) .\n(٢) حسن: رواه ابن حبان في \"صحيحه\"، والطبراني في \"الأوسط\"، وأبو نعيم في \"الحلية\" عن ابن عمر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٨٤٤)، والصحيحة رقم (١٦٥٤) .\n(٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو موقوف له حكم الرفع، قاله الألباني في \"الضعيفة\" (٣/٥٠٢-٥٠٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وابن المبارك.\n(٤) \"مقامات ابن الجوزي\" (ص ٩١) .","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الفضيلة التاسعة\nالصيام جنة من النار</span>\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"الصوم جُنَّة من عذاب الله\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \" الصوم جُنَّة يستجن بها العبد من النار\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"الصيام جُنَّة من النار، كجنة أحدكم من القتال\" (٣) .\nوقال - ﷺ -: \"الصيام جُنَّة وحصن حصين من النار\" (٤) .\nوقال - ﷺ -: \"قال الله تعالى: الصيام جنة يستجن بها العبد من النار، وهو لي وأنا أجزي به\" (٥) .\nقال المناوي: \"وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة وحفظ الجوارح وفي الآخرة من النار\".\nوقال: \"الصوم جنة من عذاب الله فليس للنار عليه سبيل كما لا سبيل لها على مواضع الوضوء لأن الصوم يغمر البدن كله فهو جنة لجميعه برحمة الله من النار\" (٦) .\nقال ابن عبد البر: حسبك بهذا فضلًا للصائم.\n_________\n(١) صحيح: رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عثمان بن أبي العاص، ورواه أحمد والنسائي، وابن ماجة وابن خزيمة، وابن حبان، وصححه السيوطي والألباني في \"صحيح الجامع\" برقم (٣٨٦٧) .\n(٢) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن عثمان بن أبي العاص، ورواه أحمد، النسائي، وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان، وقال الهيثمي سنده حسن، وصححه السيوطي والألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٦٨) .\n(٣) صحيح: رواه أحمد في \"مسنده\"، والنسائي، وابن ماجة عن عثمان بن أبي العاص، ورواه ابن عبد البر، وابن حبان، وابن خزيمة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" برقم (٣٨٧٩) .\n(٤) حسن: رواه أحمد، والبيهقي في \"شعب الإيمان\"، عن أبي هريرة وصححه السيوطى، وقال المناوي في \"فيض القدير\" (٤/٢٥٠) \"قال الهيثمي: هو في الصحيح خلا قوله وحصن إلخ وسنده حسن\" وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٨٠) .\n(٥) حسن: رواه أحمد، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن جابر وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٣٠٨) .\n(٦) \"فيض القدير\" (٤/٢٤٢، ٢٥٠) .","vol":"1","page":37},{"text":"* وقال رسول الله - ﷺ -: \"الصيام جنة، وهو حصن من حصون المؤمن، وكل عمل لصاحبه إلا الصيام، يقول الله: الصيام لي، وأنا أجزي به\" (١) .\nقال المناوي: \"أجزي به صاحبه جزاء كثيرًا، وأتولى الجزاء عليه بنفسي فلا أكله إلى ملك مقرب ولا غيره لأنه سرّ بيني وبين عبدي، لأنه لما كف نفسه عن شهواتها جوزي بتولي الله سبحانه إحسانه\" (٢) .\nالصوم في سبيل الله يباعد من النار:\nقال ابن الجوزي: \"إذا أطلق ذكر سبيل الله، فالمراد به الجهاد\".\nوقال القرطبي: سبيل الله: طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله.\nقال الحافظ: ويحتمل أن يكون ما هو أعم من ذلك.\nوقال ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإنْ حُمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت والأول أقرب ومن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين.\n* وقال ملا عليّ القاريء في \"مرقات المفاتيح\" (٤/٣٠٢):\nفي سبيل الله: أي في الجهاد أو في طريق الحج أو العمرة أو طلب العلم أو ابتغاء مرضاة الله\".\n* وقال المناوي في \"فيض القدير\" (٦/١٦١) في سبيل الله أي لله ولوجهه أو في الغزو أو الحج.\nقال - ﷺ -: \"صيام المرء في سبيل الله يبعده من جهنم مسيرة سبعين عامًا\" (٣) .\n_________\n(١) حسن: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن أبي أمامة، وكذا رواه عنه الديلمي، وقال المناوي (٤/٢٥٠): قال الهيثمي: سنده حسن، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٨١) .\n(٢) \"فيض القدير\" (٤/٢٥٠) .\n(٣) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن أبي الدرداء، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٤٧) .","vol":"1","page":38},{"text":"* وقال - ﷺ -: \"من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام\" (١) .\n* وقال رسول الله - ﷺ -: \"من صام يومًا في سبيل الله بعدت منه النار مسيرة مائة عام\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله منه جهنم سبعين عامًا\" (٣) .\n* وقال رسول الله - ﷺ -: \"لا يصوم يومًا عبد في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا\" (٤) .\n* وقال - ﷺ -: \" من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله بذلك اليوم حر جهنم عن وجهه سبعين خريفًا\" (٥) .\n* وقال - ﷺ -: \"ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا\" (٦) .\n* قال - ﷺ -: \"من صام يومًا في سبيل الله بَعَد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا\" (٧) .\nقال المناوي (٦/١٦١): \"أي نجاه منها أو عجل إخراجه منها قبل أوان الاستحقاق، عبر عنه بطريق التمثيل ليكون أبلغ لأن من كان مبعدًا عن عدوه بهذا القدر لا يصل إليه ألبتة\".\n(سبعين خريفًا): سنة أي نحّاه وباعده منها مسافة تقطع في سبعين سنة إذ كل ما مرّ خريف انقضت سنة، فهو من إطلاق اسم البعض على الكل، وذكر الخريف من ذكر الجزء وإرادة الكل، وخصه دون غيره من الفصول لأنه وقت بلوغ الثمار وحصول سعة\n_________\n(١) حسن: رواه النسائي عن عقبة بن عامر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٣٣٠) .\n(٢) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" عن عمرو بن عبسة بإسناد لا بأس به قاله المنذري، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (١/٤١٤) .\n(٣) صحيح: رواه النسائي عن أبي سعيد، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (٦٣٣١) .\n(٤) صحيح: رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" عن أبي سعيد الخدري.\n(٥) صحيح: رواه النسائي وابن ماجة، عن أبي سعيد، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٣٢٩) .\n(٦) رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي عن أبي سعيد.\n(٧) رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي والنسائي عن أبي سعيد.","vol":"1","page":39},{"text":"العيش، وذلك لأنه تحمّل مشقة الصوم ومشقة الغزو فاستحق هذا التشريف\".\n* وقال - ﷺ -: \"من صام يومًا في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفًا\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"من صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض\" (٢) .\nأخي: إذا كانت أعزّ أمنية لآخر أهل النار خروجًا منها -وهو من يخرج منها حبوًا- صرف وجهه عن النار قبل الجنة لا يسأل مولاه غير ذلك، فكيف إذا باعد الله وجهه وجعل بينه وبين النار خندقًا مسافة خمسمائة عام هذا بصيام يوم واحد نفلًا، فما ظنك بصيام شهر رمضان وهو الفريضة؟!\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الفضيلة العاشرة\nالصوم في الصيف يورث السقيا يوم العطش</span>\nعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك، قد رفعوا الشراع (٣) في ليلة مظلمة، إذا هاتف (٤) فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبرًا، قال: إن الله ﵎ قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف، سقاه الله يوم العطش (٥) .\n* وعن أبي موسى بنحوه إلَّا أنه قال فيه. قال: \"إن الله قضى على نفسه أنّ من عطّش\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد، والترمذي والنسائي، وابن ماجة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٣٣٤) .\n(٢) صحيح: رواه الترمذي عن أبي أمامة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٣٣٣)، و\"السلسلة الصحيحة\" رقم (٥٦٣)، و\"صحيح الترغيب\" (٨٩١) .\n(٣) الشراع هو قلع السفينة التي بصفقه الريح فتمشي.\n(٤) في المصباح \"وهتف به هاتف سمع صوته ولم ير شخصه\".\n(٥) حسن: قال المنذري: رواه البزار بإسناد حسن إن شاء الله، وحسنه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (١/٤١٢) .","vol":"1","page":40},{"text":"نفسه لله في يوم حار كان حقّا على الله أن يُرويه يوم القيامة\".\nقال: فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حرًّا فيصومه (١) .\nصيام نهار الصيف من خصال الإيمان لطول نهار الصيف وشدة حره.\nقال ابن رجب: \"عن بعض السلف قال: بلغنا أنه يوضع للصوّام مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب فيقولون: يا رب نحن نحاسب وهم يأكلون، فيقال: إنهم طالما صاموا وأفطرتم وقاموا ونمتم\".\nوما بكى العباد على شيء عند موتهم إلا على ما يفوتهم من ظمأ الهواجر.\nقال معاذ بن جبل عند موته: \"مرحبًا بالموت، زائر مغب، حبيب جاء على فاقة، اللَّهم كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك، اللَّهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الفضيلة الحادية عشر\nالصوم في الشتاء الغنيمة الباردة</span>\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة\" (٣) .\nيا أخي: قال عمر بن الخطاب: \"الشتاء غنيمة العابدين\" (٤) .\n_________\n(١) حسن: حسّنه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (١/٤١٢) .\n(٢) \"الثبات عند الممات\" لابن الجوزي (ص ١١٩)، \"الزهد\" للإمام أحمد (ص ١٨٠)، \"حلية الأولياء\" (١/٢٣٩) .\n(٣) حسن: رواه أحمد في مسنده، وأبو يعلى في مسنده، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" عن عامر بن مسعود، ورواه الطبراني في الأوسط، وابن عدي في \"الكامل\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن أنس، وابن عدي والبيهقي فى \"شعب الإيمان\" عن جابر، ورواه ابن أبي شيبة، والضياء عن عامر، وأشار السيوطي إلى حسنه، وحسّنه الألباني في \"صحيح الجامع رقم (٣٨٦٨) .\nوصح وقفه على أبي هريرة كما في \"زوائد الزهد\" لعبد الله بن أحمد وعنه أبو نعيم وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقال البيهقي: هذا موقوف، وقال السخاوي: \"وهو أصح\".\n(٤) موقوف على عمر بن الخطاب وهو صحيح: رواه أحمد في \"الزهد\"، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم في \"الحلية\" عن أبي عثمان النهدي، عن عمر: وإسناده صحيح على شرطهما.","vol":"1","page":41},{"text":"قال الحسن: نعم زمان المؤمن الشتاء: ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه.\nوقال قتادة: إن الملائكة تفرح بالشتاء للمؤمن يقصر النهار فيصومه ويطول الليل فيقومه.\nوكان عبيد بن عمير الليثي إذا جاء الشتاء يقول: \"يا أهل القرآن، قد طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصومكم\".\nيا أخي: الشتاء ربيع المؤمن.\nقال ابن رجب: \"لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه كما ترتع البهائم في مرعى الربيع فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسّر الله فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش فإن نهاره قصير بارد فلا يحس فيه بمشقة الصيام\" (١) .\nقال المناوي: \"الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة\" أي الغنيمة التي تحصل بغير مشقة والعرب تستعمل البارد في شيء ذي راحة، والبرد ضد الحرارة لأن الحرارة غالبة في بلادهم فإذا وجدوا بردًا عدّوه راحة، وقيل الباردة: الثابتة من برد لي على فلان كذا أي ثبت، أو الطيبة من برد الهواء إذا طاب، والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب وأيضًا فإن الهواء والماء لما كان طيبها ببردهما سيما في بلاد تهامة والحجاز قيل هواء بارد وماء بارد على سبيل الاستطابة ثم كثر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة ذكره الزمخشري.\nقال الطيبي: والتركيب من قلب التشبيه لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة وفيه من المبالغة أن الأصل في التشبيه أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال زيد كالأسد فإذا عكس وقيل الأسد يجعل الأصل كالفرع والفرع كالأصل يبلغ التشبيه إلى الدرجة القصوى في المبالغة ومعناه الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن تمسه مشقة الجوع\" (٢) .\nفبادر أخي إلى صيام الشتاء تحصّل الغنائم وتكن من السعداء.\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ٣٤١) .\n(٢) \"فيض القدير\" (٤/٢٤٣) .","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الفضيلة الثانية عشر\nنداء الريان لعاشر الصوام</span>\n* \"في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون\" (١) .\n* عن سهل بن سعد (﵁) عن النبي - ﷺ - قال: \"إن في الجنة بابًا يقال له (الريَّان)، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحد\" (٢) .\nوزاد الترمذي: \"ومن دخله لم يظمأ أبدًا\"\n* وعند ابن خزيمة قال - ﷺ -: \"للصائمين باب في الجنة يقال له الريَّان، لا يدخل (فيه) منه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق، ومن دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا\"\n* عن أبي هريرة (﵁) أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من أبواب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريّان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة\"، فقال أبو بكر (﵁): بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: \"نعم وأرجو أن تكون منهم\" (٣) .\n* ذكر ابن حبان: أن كل طاعة لها من الجنة أبواب يدعى أهلها منها إلا الصيام، فإن له بابًا واحدًا.\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من أبواب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من أبواب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من أبواب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان\". فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على أحد من ضرورة من\n_________\n(١) رواه البخاري عن سهل بن سعد.\n(٢) رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي.\n(٣) رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.","vol":"1","page":43},{"text":"أيها دُعي، فهل يدعى أحد منها كلها يا رسول الله؟ قال: \"نعم، وأرجو أن تكون منهم\" (١) .\nقال أبو حاتم: \"عسى\" من الله واجب، و\"أرجو\" من النبي حق.\n* وقال - ﷺ -: \"في الجنة باب يقال له الريان أعد للصائمين، فإذا دخل آخراهم أغلق\" \"إن في الجنة بابًا\".\nقال الزين بن المنير: إنما قال في الجنة ولم يقل للجنة ليشعر بأن في الباب المذكور من النعيم والراحة ما في الجنة فيكون أبلغ في التشوق إليه.\n\"فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد\" كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيدًا.\nقال عز الدين بن عبد السلام: \"أما تخصيص دخولهم الجنة بباب الريّان فإنهم ميزوا بذلك الباب لتميز عبادتهم وشرفها\" (٢) .\nقال ابن حجر عن الريان: \"وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائمين\".\nقال القرطبي: \"اكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، قلت: أو لكونه أشق على الصائم من الجوع\" (٣) .\nقال القاري: \"الريان\" إما لأنه بنفسه ريَّان لكثرة الأنهار الجارية إليه، والأزهار والثمار الطريدة لديه، أو لأن من وصل إليه يزول عنه عطش يوم القيامة، ويدوم له الطراوة والنظافة في دار المقامة.\nقال الزركشي: الريان فعلان كثير الري نقيض العطش سمي به لأنه جزاء للصائمين على عطشهم وجوعهم.\nليس المراد به المقتصر على شهر رمضان بل ملازمة النوافل من ذلك وكثرتها\" (٤) .\n_________\n(١) إسناده صحيح: أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" وابن أبي شيبة.\n(٢) \"فوائد الصوم\" لعز الدين بن عبد السلام.\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/١٣٤) .\n(٤) \"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح\" (٤/٢٣٠) .","vol":"1","page":44},{"text":"قال المناوي في \"فيض القدير\" (٢/٤٦٤): \"ولا يناقضه أن المتشهد عقب الوضوء تفتح له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء لجواز أن يصرف الله مشيئة ذلك المتشهد عن دخول باب الريان إن لم يكن من مكثري الصوم\".\nالريَّان: مسمى الباب يبعث على الراحة.\nانظر يا أخي كيف قابل الله ظمأهم وعطشهم بباب مسماه يبعث على الراحة فما ظنك بالداخل وريّه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الفضيلة الثالثة عشر\nالصوم سبيل إلى الجنات</span>\nقال رسول الله - ﷺ -: ... ... ... ... (١) .\nقال المناوي: \"أي من ختم عمره بصيام يوم بأن مات وهو صائم أو بعد فطره من صومه دخل الجنة مع السابقين الأولين، أو من غير سبق عذاب\" (٢) .\nوعن حذيفة ﵁ قال: أسندت النبي - ﷺ - إلى صدري فقال: \"من قال لا إله إلا الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن تصدّق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة\" (٣) .\nورواه الأصبهاني ولفظه: \"يا حذيفة من ختم له بصيام يوم يريد به وجه الله ﷿ أدخله الله الجنة\"\n* قال ابن خزيمة: \"إيجاب الله ﷿ الجنة للصائم يومًا واحدًا إذا جمع مع صومه صدقة، وشهود جنازة وعيادة مريض\".\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ \" فقال أبو بكر: أنا، فقال: \"من أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ \" قال أبو بكر: أنا،\n_________\n(١) صحيح: رواه البزار عن حذيفة ورواه أحمد، وابن شاهين، وابن بشران، وأبو نعيم، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٢٢٤) .\n(٢) \"فيض القدير\" (٦/١٢٣) .\n(٣) صحيح: قال المنذري: رواه أحمد بإسناد لا بأس به، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/٤١٢) .","vol":"1","page":45},{"text":"فقال: \"من تبع منكم اليوم جنازة؟ \" فقال أبو بكر: أنا، قال: \"من عاد منكم اليوم مريضًا؟ \" قال أبو بكر: أنا\".\nفقال رسول الله - ﷺ -: \" ما اجتمعت هذه الخصال قط في رجل إلا دخل الجنة\" (١) قال ابن خزيمة: \" هذه فضائل لهذه الأعمال لا كما يدعي من لا يفهم العلم ولا يحسنه\" (٢) .\n* وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعد الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام\" (٣) .\nوعند ابن خزيمة عن أبي معانق، أو أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن في الجنة لغرفة قد يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألين الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام\" (٤) .\nالغرفات معدة للصائمين يا أخي، وما أدراك ما الغرفات؟\nعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف في الجنة كما تراءون الكواكب في السماء\" (٥) .\nأبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم\" (٦) .\n_________\n(١) رواه ابن خزيمة ومسلم.\n(٢) قاله ابن خزيمة في: \"صحيحه\" (٣/٣٠٤) .\n(٣) حسن: رواه أحمد في \"مسنده\"، وابن حبان في \"صحيحه\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\"، والترمذي عن عليّ، وقال الترمذي: غريب.\nقال المناوي: هو وإن ضعفه ابن عدي لكن أقام له شواهد يعتضد بها، وقال الألباني: حديث حسن، \"صحيح الجامع\" رقم (٢١١٩)، و\"تخريج المشكاة\" (رقم ١٢٣٥) .\n(٤) إسناده حسن لغيره: رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، وقال الألباني في التعليق على صحيح ابن خزيمة: إسناده حسن لغيره (٣/٣٠٦-٣٠٧) .\n(٥) رواه البخاري ومسلم وأحمد، عن سهل بن سعد.\n(٦) رواه البخاري، ومسلم عن أبي سعيد، ورواه الترمذي عن أبي هريرة.","vol":"1","page":46},{"text":"لبعدهم ورفعتهم وصفاء لونهم وخلوص نورهم.\nقال تعالى: (كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية)\nقال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين.\nمن ترك طعامه وشرابه وشهوته لله يرجو عنده عوض ذلك في الجنة ... من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا مما تركه.\nفكيف بمن قلصت شفاهه عطشًا؟!\nقال يعقوب بن يوسف الحنفي: بلغنا أن الله تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وجفت بطونكم، كونوا اليوم في نعيمكم، وتعاطوا الكأس فيما بينكم.\nوقال الحسن: تقول الحوراء لوليّ الله وهو متكئ معها على نهر العسل تعاطيه الكأس: إن الله نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين وأنت في ظمأ هاجرة من جهد العطش فباهى بك الملائكة وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجته وشهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي رغبة فيما عندي اشهدوا أني قد غفرت له فغفر لك يومئذ وزوجنيك.\n* كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوته فمات، فرآه بعض أصحابه الصالحين في المنام فسأله عن حاله فضحك وأنشد:\nقد كسى حلة البهاء وطافت ... بالأباريق حوله الخدام\nثم حلى وقيل يا قاريء أرقه ... فلعمرك لقد براك الصيام\nياما خبأنا للصائمين:\nأخي: من ترك لله في الدنيا طعامًا وشرابًا وشهوة مدة يسيرة عوّضه الله عنده طعامًا وشرابًا لا ينفد وأزواجًا لا يمتن أبدًا\" (١) .\nمهور الحور العين طول التهجد وكثرة الصيام.\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (١٧٧-١٧٨) .","vol":"1","page":47},{"text":"\"كان بعض الصالحين كثير التهجد والصيام فصلى ليلة في المسجد ودعا فغلبته عيناه فرأى في منامه جماعة علم أنهم ليسوا من الآدميين بأيديهم أطباق عليها أرغفة بياض الثلج فوق كل رغيف در كأمثال الرمَّان فقالوا: كل، فقال: إني أريد الصوم، قالوا له: يأمرك صاحب هذا البيت أن تأكل، قال: فأكلت وجعلت آخذ ذلك الدر لاحتمله فقالوا له: دعه نغرسه لك شجرًا ينبت لك خيرًا من هذا، قال: أين؟ قالوا: في دار لا تخرب، وثمر لا يتغير، وملك لا ينقطع، وثياب لا تبلى، فيها رضوى، وعينًا، وقرة أعين، أزواج رضيات، مرضيات راضيات لا يغرن ولا يغرن فعليك بالانكماش فيما أنت، فإنما هي غفوة حتى ترتحل فتنزل الدار فما مكث بعد هذه الرؤيا إلا جمعتين حتى توفي، فرآه ليلة وفاته في المنام بعض أصحابه الذين حدّثهم برؤياه وهو يقول: لا تعجب من شجر غرس لي في يوم حدثتك، وقد حمل، فقال له: ما حمل؟ قال: لا تسأل لا يقدر أحد على صفته لم ير مثل الكريم إذا حلَّ به مطيع\" (١) .\nيا قوم ألا خاطب في الصوم إلى الرحمن، ألا راغب فيما أعده الله للطائعين في الجنان، ألا طالب لما أخبر به من النعيم المقيم مع أنه ليس الخبر كالعيان.\nمن يرد ملك الجنان ... فيلدع عنه التواني\nوليقم في ظلمة الليـ ... ـل إلى نور القرآن\nوليصل صومًا بصوم ... إن هذا العيش فاني\nإنما العيش جوار الله في دار الأمان\n* أخي أتطلب الحور العين ولا تصوم، وتنام!\nأتطلب مثلي وعني تنام ... ونور المحبين عنا حرام\nلأنا خلقنا لكل امرئ ... كثير الصلاة براه الصيام\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٧٨) .","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الفضيلة الرابعة عشر\nشفاعة الصيام يوم القيامة لصاحبه</span>\nعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربي إني منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فُيشَفَّعَان\" (١) .\nقال الألباني: \"أي يشفعهما الله فيه ويدخله الجنة\".\nقال المناوي: \"وهذا القول يحتمل أنه حقيقة بأن يجسد ثوابهما ويخلق الله فيه النطق (والله على كل شيء قدير) ويحتمل أنه على ضرب من المجاز والتمثيل\".\nقلت: \"والأول هو الصواب الذي ينبغي الجزم به هنا وفي أمثاله من الأحاديث التي فيها تجسيد الأعمال ونحوها كمثل تجسيد الكنز شجاعًا أقرع، ونحوه كثير.\nوتأويل مثل هذه النصوص ليس من طريقة السَلف ﵃، بل هو طريقة المعتزلة ومن سلك سبيلهم من الخلف، وذلك مما ينافي أول شروط الإيمان (الذين يؤمنون بالغيب) فحذار أن تحذو حذوهم، فتضل وتشقى، والعياذ بالله تعالى (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الفضيلة الخامسة عشر\nدعوة الصائم لا ترد</span>\nقال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر\" (٣) .\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد في \"مسنده\"، والطبراني في \"الكبير\"، ورجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب \"الجوع\" وغيره بإسناد حسن، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" وقال: صحيح على شرط مسلم، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (١/٤١١) .\n(٢) تعليق الألباني على \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/٤١١) .\n(٣) صحيح: رواه العقيلي في \"الضعفاء\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن أبي هريرة، ورواه ابن ماسي وابن عساكر، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٠٣٠) .","vol":"1","page":49},{"text":"* وقال - ﷺ -: \"ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر\" (١) .\nوعند البيهقي: \"دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر\"\n* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم\" (٢) .\nفأعظم به من دعاء تنطق به شفاة ذابلة من الصيام يصعد إلى السموات فما يرده -بكرمه- الرحمن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الفضيلة السادسة عشر\nالصيام شعار الأبرار</span>\nقال - ﷺ -: \"جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بأئمة ولا فجار\" (٣) .\nقال المناوي (٣/٣٤٨): \"والظاهر أن المراد بالصلاة هنا الدعاء من قبيل دعائه لقوم أفطر عندهم قوله \"صلت عليكم الملائكة\".\nفانظر إلى شعار الأبرار كما وصفهم رسول الله - ﷺ -: قيامهم بالليل وصيامهم بالنهار، والأبرار سادات المتقين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الفضيلة السابعة عشر\nللصائم فرحتان</span>\nقال - ﷺ -: \"للصائم فرحتان، فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه\" (٤) .\n_________\n(١) حسن: رواه أبو الحسن بن مهرويه في \"الثلاثيات\"، والضياء عن أنس، والألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٠٣٢) .\n(٢) حسن: أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\"، وأحمد في \"مسنده\"، والطيالسي، والبيهقي، وابن أبي شيبة، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال ابن حجر في \"أمالي الأذكار\" هذا حديث حسن، وأخرجه البزار في \"مسنده\" قال محقق \"الإحسان في تقريب ابن حبان\" (٨/٢١٥) .\n(٣) صحيح: رواه عبد بن حميد، والضياء عن أنس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٠٩٧) .\nو\"الصحيحة\" (١٨١٠) .\n(٤) صحيح: رواه الترمذي عن أبي هريرة، ورواه أحمد في \"مسنده\"، مسلم وابن حبان.","vol":"1","page":50},{"text":"وفي الحديث: \"وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه\".\nوفي الحديث: \".. إن للصائم فرحتين: إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله تعالى فجزاه فرج\".\nقال العلامة ابن رجب: \"أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحا بإباحة ما مُنعت منه خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه، فإن النفوس تفرح بذلك طبعًا فإن كان ذلك محبوبًا لله كان محبوبًا شرعًا، والصائم عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حرم على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات فقد أذن له فيها في ليل الصيام بل أحب منه المبادرة إلى تناولها في أول الليل وآخره فأحب عباده إليه أعجلهم فطرًا، والله وملائكته يصلون على المتسحرين، فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقربًا إلى الله وطاعة له ويبادر إليها في الليل تقربًا إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله فإنه يرجى له المغفرة أو بلوغ الرضوان بذلك، وفي الحديث: \"إن الله ليرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها\"، وربما استجيب دعاؤه عند ذلك، وإن نوى جمله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابًا على ذلك.\nقال أبو العالية: الصائم في عبادة وإن كان نائمًا على فراشه فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي فالصائم في ليله ونهاره في عبادة ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره فهو في نهاره صائم صابر وفي ليله طاعم شاكر.\nوفي الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره: \"الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر\"، ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرح الصائم عند فطره، فإنّ فطره على الوجه المشار إليه من فضله ورحمته فيدخل في قول الله تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) .\nوأما فرحه عند لقاء ربه: فبما يجده عند الله من ثواب الصيام مدّخرًا فيجده أحوج ما كان إليه كما قال تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرا)","vol":"1","page":51},{"text":"وقال تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا)\nوقال: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره)، وقد تقدم قول ابن عيينة \"إن ثواب الصيام لا يأخذه الغرماء في المظالم، بل يدخره الله عنده للصائم حتى يدخله به الجنة\".\nوعن عيسى ابن مريم ﵇ قال: \"إن هذا الليل والنهار خزانتان فانظروا ما تضعون فيهما، فالأيام خزائن للناس ممتلئة بما خزنوه فيها من خير وشر، وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها، فالمتقون يجدون في خزائنهم العز والكرامة، والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرة والندامة.\nوالصائمون على طبقتين:\nإحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله يرجو عنده عوض ذلك فهذا قد تاجر الله وعامله والله تعالى يقول: \"لا نضيع أجر من أحسن عملًا\" ولا يخيب معه من عامله بل يربح عليه أعظم الربح.\nوالطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عمّا سوى الله فيحفظ الرأس وما حوى، ويحفظ البطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته.\nأهل الخصوص من الصوام صومهم ... صون اللسان عن البهتان والكذب\nوالعارفون وأهل الأنس صومهم ... صون القلوب عن الأغيار والحجب\n* العارفون لا يسليهم عن رؤية مولاهم قصر، ولا يرويهم دون مشاهدته نهر، هممهم أجل من ذلك.\nكبرت همة عبد ... طمعت في أن تراك\nمن يصم عن المفطرات ... فصيامي عن سواك\nيا معشر التائبين: صوموا اليوم عن شهوات الهوى، لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء، لا يطولن عليكم الأمل باستبطاء الأجل فإن معظم نهار الصيام قد ذهب وعيد اللقاء قد اقترب.","vol":"1","page":52},{"text":"إن يومًا جامعًا شملى بهم ... ذاك عيدي ليس لي عيد سواه (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفضيلة الثامنة عشر\nخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك</span>\nعن أبي هريرة (﵁) عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، والصيام لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" (٢) .\nفم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة.\nعن أبي هريرة (﵁) قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقى الله فرح بصومه\" (٣) .\nقال أبو حاتم: شعار المؤمنين في القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقًا بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طِيبُ خلوفهم أطيب من ريح المسك ليعرفوا بين ذلك الجمع بذلك العمل، نسأل الله بركة ذلك اليوم.\nخلوف الصائم قد يكون أطيب من ريح المسك في الدنيا:\nعن أبي هريرة (﵁) عن النبي - ﷺ - قال: \"كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، يقول الله إلا الصوم، فهو لي وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي، والشراب من أجلي، وشهوته من أجلي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم حين يخلف من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك\" (٤) .\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (١٧٦-١٧٩) .\n(٢) رواه ابن حبان واللفظ له وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه مسلم والنسائي.\n(٣) إسناده صحيح: رواه ابن حبان واللفظ له، وابن خزيمة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي.\n(٤) إسناده صحيح على شرط الشيخين: رواه ابن حبان في \"صحيحه\" واللفظ له، وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم، وابن ماجة.","vol":"1","page":53},{"text":"وفي الحديث في فضل هذه الأمة في رمضان: \"وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك\" (١) .\nإن للطاعات يوم القيامة ريحًا تفوح، فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك.\nوهل هو في الدنيا أم في يوم القيامة؟\nقال ابن حجر: \"هذه المسألة إحدى المسائر التي تنازع فيها ابن عبد السلام، وابن الصلاح، فذهب ابن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة كما في دم الشهيد واستدل بالرواية التي فيها \"يوم القيامة\"، وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا واستدل بما تقدم وأن جمهور العلماء ذهبوا إلى ذلك.\nويؤخذ من قوله \"أطيب من ريح المسك\" أن الخلوف أعظم من دم الشهيد لأن دم الشهيد شبه ريحه بريح المسك، والخلوف وصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصوم أفضل من الشهادة لما لا يخفى، ولعل سبب ذلك النظر إلى أصل كل منهما فإن أصل الخلوف طاهر وأصل الدم بخلافه، فكان ما أصله طاهر أطيب ريحًا (٢) .\nيا هذا تأمل العبارة..\n\"فَضّل ما ينكره الناس من الصيام على أطيب ما يستلذ من جنسه\" (٣) .\nليقاس عليه ما فوقه من آثار الصوم ونتائجه إن كان هذا حال الخلوف فكيف بأثر الإخلاص في الصوم.\nقال الحافظ ابن رجب \"خلوف الفم: رائحة ما يتصاعد منه من الأبخرة لخلو المعدة من الطعام بالصيام، وهي رائحة مستكرهة في مشام الناس في الدنيا لكنها طيبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته وابتغاء مرضاته، كما أن دم الشهيد يجيء يوم القيامة يثغب دمًا لونه لون الدم وريحه ريح المسك، وبهذا استدل من كره السواك للصائم أوْ لمْ يستحبه\n_________\n(١) إسناده مقارب رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" من حديث جابر وقال المنذري إسناده مقارب، انظر \"الفتح\" (٤/١٢٨) .\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/١٢٨) .\n(٣) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/٢٢٢-٢٢٣) .","vol":"1","page":54},{"text":"من العلماء وأول من علمناه استدل بذلك عطاء بن أبي رباح، وروي عن أبي هريرة أنه استدل به لكن من وجه لا يثبت وفي المسألة خلاف مشهور بين العلماء وإنما كرهه من كرهه في آخر نهار الصوم لأنه وقت خلو المعدة وتصاعد الأبخرة. وهل يدخل وقت الكراهة بصلاة العصر؟ أو بزوال الشمس؟ أو بفعل صلاة الظهر في أول وقتها؟ على ثلاثة أقوال: والثالث هو المنصوص عند أحمد.\nوفي طيب ريح خلوف الصائم عند الله ﷿ معنيان:\nأحدهما: أن الصيام لماّ كان سرًا بين العبد وبين ربه في الدنيا أظهره الله في الآخرة علانية للخلق ليشتهر بذلك أهل الصيام ويُعرفون بصيامهم بين الناس جزاءً لإخفائهم صيامهم في الدنيا.\nقال مكحول: يُروّح على أهل الجنة برائحة فيقولون: ربنا ما وجدنا ريحًا منذ دخلنا الجنة أطيب من هذا الريح فيقال: هذه رائحة أفواه الصوام.\nوقد تفح رائحة الصيام في الدنيا وتستنشق قبل الآخرة.\nوهو نوعان:\nأحدهما: ما يُدرك بالحواس الظاهرة، كان عبد الله بن غالب -الحداني- من العباد المجتهدين في الصلاة والصيام فلما دُفِن كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك فرؤي في المنام فسُئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ.\nوالنوع الثانيْ: ما تستنشقه الأرواح والقلوب فيوجب ذلك للصائمين المخلصين المودة والمحبة في قلوب المؤمنين.\nلماّ كان أمر المخلصين بصيامهم لمولاهم سرًّا بينه وبينهم أظهر الله سرّهم لعباده فصار علانية فصار هذا التجلي والإظهار جزاء لذلك الصون والإسرار، في الحديث \"ما أسرّ أحد سريرة إلَّا ألبسه الله رداءها علانية\".\nقال يوسف بن أسباط: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء قل لقومك يخفون لي أعمالهم وعلي إظهارها لهم.","vol":"1","page":55},{"text":"تذلل أرباب الهوى في الهوى عزّ ... وفقرهُم نحو الحبيب هو الكنزُ\nوسترهُم فيه السرائر شهرة ... وغير تلاف النفس فيه هو العجز\nوالمعنى الثاني: أن من عبد الله وأطاعه وطلب رضاه في الدنيا بعمل فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا فإن تلك الآثار غير مكروهة عند الله بل هي محبوبة له وطيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته فإخباره بذلك للعاملين في الدنيا فيه تطيب لقلوبهم لئلا يكره منهم ما وجد في الدنيا.\nكل شيء ناقص في عرف الناس في الدنيا حتى إذا انتسب إلى طاعة الله ورضاه فهو الكامل في الحقيقة، خلوف أفواه الصائمين له أطيب من ريح المسك، عُري المحرمين لزيارة ييته أجمل من لباس الحلل.... نوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من التسبيح.... انكسار المخبتين لعظمته هو الجبر.... ذل الخائفين من سطوته هو العز.... تهتك المحبين في محبته أحسن من الستر.... بذل النفوس للقتل في سبيله هو الحياة.... جوع الصائمين لأجله هو الشبع.... عطشهم في طلب مرضاته هو الري.... نصب المجتهدين في خدمته هو الراحة.\nذل الفتى في الحب مكرمةٌ ... وخضوعه لحبيبه شرف (١)\nقال المناوي (٤/٢٥٠): \"لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" فإذا كان هذا بتغير ريح فمه فما ظنك بصلاته وقراءته وسائر عباداته.\nقال ابن جماعة: \"وفيه أن خلوف فم الصائم أفضل من دم الجريح في سبيل الله لأن النبي - ﷺ - قال في الشهيد إن ريحه ريح المسك، وقال في خلوف الصائم أنه أطيب منه، ووجهه أن الجريح يظهر أمره للناس فربما دخله رياء، والصائم لا يعلم بصومه إلا الله، فلعدم دخول الرياء فيه صار أرفع\".\n* قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فكأنه أبطأ بهنّ، فأوحى الله إلى عيسى: إما أن يبلغهن، أو تبلغهن فأتاه\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٧٩-١٨٢) .","vol":"1","page":56},{"text":"عيسى فقال له: إنك أُمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال له: يا روُح الله إني أخشى أن سبقتني أن أُعذب أو يُخسف بي، فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن:\nوأولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإنّ مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق، ثم أسكنه دارًا، فقال له: اعمل وارفع إليِّ، فجعل العبد يعمل ويرفع إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا.\nوأمركم بالصلاة، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله ﷿ يقبل بوجهه على عبده ما لم يلتفت.\nوأمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل معه صُرّة مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.\nوأمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فكّ نفسه.\nوأمركم بذكر الله كثيرًا، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعًا في أثره فأتى حصنًا حصينًا فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله.\nوأنا آمركم بخمس أمرني الله بهنّ: الجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجعِ، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثاء جهنم، وإن صام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله\" (١) .\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد في مسنده، والبخاري في \"التاريخ\"، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم في \"المستدرك\" عن الحارث بن الحارث الأشعري، وصححه الحاكم والترمذي وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٧٢٤)، ورواه أيضًا الآجري، والطيالسي.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الفضيلة التاسعة عشر\nالصوم جُنَّة</span>\nقال - ﷺ -: \"الصوم جُنَّة\" (١)\nوقال - ﷺ -: \"الصوم جنة\"\n* وقال - ﷺ -: \"الصيام جنة، وإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث (٢)، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، [يقول الله: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها] \"\n* وفي حديث جابر: \"يا كعب بن عجرة، الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة، والصلاة برهان -أو قال: قربان- يا كعب بن عُجْرة، الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها\" (٣)\n* وقال - ﷺ -: \"خصاء أمتي الصيام\" رواه أحمد، والطبراني في \"الكبير\" عن ابن عمرو وصححه الألباني.\n* وقال - ﷺ -: \"يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء\" (٤) .\nقال ابن حجر: \"الجنة الوقاية والستر، وتبين بالروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر، وأما صاحب \"النهاية\" فقال: معنى كونه جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات\".\n_________\n(١) صحيح: رواه النسائي عن معاذ وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٦٦)، وقال العامري: صحيح.\nالجنة: بضم الجيم: كل ما ستر، ومنه (المجن) وهو الترس، وإنما كان الصوم جنة لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، قال ابن الأثير في \"النهاية\": معنى كونه جُنّة: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات.\n(٢) الرفث: الكلام القبيح، أو الجماع.\n(٣) إسناده صحيح على شرط مسلم، رواه ابن حبان، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد، والحاكم في \"المستدرك\" وصحح إسناده ووافقه الذهبي.\n(٤) الوجاء: رضّ أنثيي الفحل رضًَا شديدًا يذهب شهوة الجماع ويتنزل في قمة منزلة الخصي، قال ابن الأثير: نزل - ﷺ - كسر الصوم للشهوة منزلة رض الأنثيين في حسم الشهوة.","vol":"1","page":58},{"text":"وقال القرطبي: جنة أي سترة، يعني بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه عن ما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: \"فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث\"، ويصح أن يراد أن ستره بحسب فائدة وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله \"يدع شهوته\"، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات.\nوقال عياض في \"الإكمال\": معناه سترة من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النووي.\nوقال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة باالشهوات.\nولأحمد من حديث أبي عبيدة \"الصيام جنة ما لم يخرقها\".\nوفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام، وقال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم، وأفرط ابن حزم فقال. يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كان فعلًا أو قولًا لعموم قوله فلا يرفث ولا يجهل، والجمهور خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع.\nوأشار ابن عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات فقال: حسبك أن يكون الصيام جنة من النار.\nقال الشيخ عمر الأشقر: \"الصيام جنة ووقاية يقي العبد الذنوب والمعاصي، والبغيض من الكلام والسيء من الفعال، وبذلك يتقي العبد النار\".\n\"والصيام حصن منيع، يحصن الإنسان من الشيطان وخطواته ويمنع صاحبه من أن ينزلق في الأقذار والأرجاس\" (١) .\nقال القسطلاني في كلامه عن فضائل الصوم: \"تهذيب النفس برياضتها وكسر شهواتها\".\n_________\n(١) \"الصوم في ضوء الكتاب والسنة\" (ص ١٠) .","vol":"1","page":59},{"text":"وقال: \"تقليله لما يعرض من سلطان النزعات وشيطان التبعات\".\nوقد قال - ﷺ -: \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مسالكه بالجوع\" (١) .\nقال المناوي في \"فيض القدير\" (٤/٢٤٢): \"الصوم وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة لأنه يقمع الهوى ويردع الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان فإن الشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان ولهذا قال ﵊: \"ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطنه\" فإذا ملأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت فكرته، وقد يقع في مداحض فيروغ عن الحق، وغلب عليه الكسل والنعاس فيمنعه عن وظائف العبادات، وقويت قوى بدنه، وكثرت المواد والفضول فينبعث غضبه وشهوته وتشتد مشقته لدفع ما زاد على ما يحتاجه بدنه فيوقعه ذلك في المحارم.\nقال بعض الأعلام: صوم العوام عن المفطرات، وصوم الخواص عن الغفلات، وصوم العوام جنة عن الإحراق، وصوم الخواص جنة لقلوبهم عن الحجب والافتراق\".\n* قال القارئ في \"مرقاة المفاتيح\" (٤/٢٢٩):\n\"ثالث أركان الإسلام شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجبًا لشيئين أحدهما ناشئ عن الآخر: سكون النفس الأمارة وكسر شهوتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج فإن به تضعف حركتها في محسوساتها، ولذا قيل إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلها، والناشيء عن هذا صفاء القلب عن الكدر، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيهما، وبصفائه تناط المصالح والدرجات\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الفضيلة العشرون\nقطع أسباب التعبد لغير الله</span>\nاعلم يا أخي أن إلف الإنسان لطعامه وشرابه ونكاحه \"متى طال أمده فإنه يعبد الإنسان لهواه وشهوته وينسيه الغاية التي خلقه الله من أجلها، والتي من أجلها أوجد الله له الطعام والشراب كي يستعين به على طاعة الله، فإذا أصبحت الأمور من طعام وشراب\n_________\n(١) \"مدارك المرام في مسالك الصيام\" للقسطلاني (ص ٧٥) . \"فضيقوا مجاريه بالجوع: قال الألباني في التعليق\nعلى صحيح الجامع لا أصل لها خلافًا لمن وهم\" كما ذكره في \"صحيح الجامع\" (١/٣٤١) .","vol":"1","page":60},{"text":"ونكاح همّ العبد وشاغله، أسرته وأذلته وصار عبدًا لها، وبذلك يتحقق فيه قول الرسول - ﷺ -: \"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش\" وما أحسن ما قاله العلامة المناوي في كتابه \"فيض القدير\" موضحًا لهذه الحكمة: \"إنما شرع الصوم كسرًا لشهوات النفوس، وقطعًا لأسباب الاسترقاق والتعبد للأشياء، فإنهم لو داوموا على أغراضهم لاستعبدتهم الأشياء، وقطعتهم عن الله، والصوم يقطع أسباب التعبد لغيره، ويورث الحرية من الرق للمشتهيات، لأن المراد من الحرية أن يملك الأشياء لا تملكه، فإذا ملكته فقد قلب الحكمة، وصير الفاضل مفضولًا والأعلى أسفلًا، (أغير الله أبغيكم إلهًا وهو فضلكم على العالمين) [الأعراف: ١٤]، والهوى إله معبود، والصوم يورث قطع أسباب التعبد لعبده\" انتهى (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الفضيلة الواحد والعشرون\nالصوم شكر للمنعم عالم الخفيات</span>\nقال عز الدين بن عبد السلام: \"وأما شكر عالم الخفيات: إذا صام عرف نعمة الله عليه في الشبع والريّ، فشكرها لذلك، فإن النعم لا تعرف مقدارها إلا بفقدها\" (٢) .\nوقال القسطلاني وهو يتحدث عن مقاصد الصوم وفضائله: \"تكثيره لشكر النعم، واعترافه بما سبق له من نعمة الشبع عند جوعه وعطشه فيجتهد في الشكر فإن الشيء إنما يعرف ما كان عليه بضده\" (٣) كما قيل:\nضدان لما استجمعا حَسُنا ... والضد يُظهر حسنه الضِّدُّ\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الفضيلة الثانية والعشرون\nتوفير الطاعات وتحريض على المثوبات</span>\nقال عز الدين بن عبد السلام: \"وأما توفير الطاعات: فلأنه تذكر جوع أهل النار وظمأهم، فيحثه ذلك على تكثير الطاعات، لينجو بها من النار.\n_________\n(١) \"الصوم في ضوء الكتاب والسنة\" للأشقر (ص ١١-١٢) .\n(٢) \"فوائد الصوم\" (ص ٢٥) .\n(٣) \"مدارك المرام في مسالك الصيام\" (ص ٧٦) .","vol":"1","page":61},{"text":"وأما الانزجار عن خواطر المعاصي والمخالفات: فلأن النفس إذا شبعت طمحت إلى المعاصي وتشوّفت إلى المخالفات، وإذا جاعت وظمئت تشوفت إلى المطعومات والمشروبات.\nوطموح النفس إلى المناجات واشتغالها بها خير من تشوفها إلى المعاصي والزلات، ولذلك قدّم بعض السلف الصوم على سائر العبادات، فسُئل عن ذلك؟ فقال: \"لأن يطلع الله على نفسي وهي تنازعني إلى الطعام والشراب أحب إلي من أن يطلع عليها وهي تنازعني إلى معصيته إذا شبعت\" (١) .\nقال القسطلاني في \"فضائل الصوم\":\n\"زجره عن الخواطر الذميمة: الموقعة في المآثم المقيمة، إذا الجوع يكبح النفس بلجام الجفوة للهفوة الموجبة للغلظة والقسوة، والشبع مما يقودها إلى الطماح والجماح، ويذودها عن السعي في قص ما زاد من جناح الجناح، ويوقعها في الجرأة والفظاظة والانكباب على ارتكاب المناهي.\nوالجوع يجسم مواد الفساد من هذه العلل ويقللها حتى يقتصر فكر الجائع على مأكول ومشروب يدفع به ما هو فيه؛ فتنصرف فكرته إلى المباح السالم من تعاطاه عن الأذى والإثم، فظهر أنه أولى من الشبع الذي يؤدي إلى المحرم أو المكروه، والله أعلم.\nثم قال: \"حثه على فعل الطاعات وتحريضه على تحصيل المثوبات: لأن المعدة إذا خلت من الأغذية ضعف من الجسد ما هو فيه من القوى النفسانية وقويت منه الروحانية، فأشرق في القلب نور القدس، ولاح في الروح ضياء القدس، وخشعت الجوارح لفعل القربات، ولانت الجلود لإتيانها بالطاعات؛ فأقبلت على خدمة الله تعالى بقلب منيب، وأعرضت عن عصيانه ومخالفته.\nالتذكر لتعداد نعم الله في الدارين: إذ نعمته بلذاذة هذه العبادة عاجلًا بتذكر حال أهل النار آجلًا، ومآل أمرهم من الجوع والعطش كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله:\n_________\n(١) \"فوائد الصوم\" (ص ٢٥) .","vol":"1","page":62},{"text":"(أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) فيحدوه ذلك على كثرة الشكر، والاجتهاد في الطاعة بالعمل والذكر والفكر\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفضيلة الثالثة والعشرون\nتكثير الصدقات، والإحسان إلى ذوي الحاجات</span>\nقال عز الدين بن عبد السلام: \"وأما تكثير الصدقات، فلأن الصائم إذا جاع تذكر ما عنده من الجوع، فيحثه ذلك على إطعام الجائع \"فإنما يرحم العشّاق من عشقا\"، وقد بلغنا أن سليمان أو يوسف ﵉ لا يأكل حتى يأكل جميع المتعلقين به، فسُئل عن ذلك؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع\" (٢) .\nقال القسطلاني: \"إعانته على بذل الصدقات فإن الصائم يجوع؛ فيعرف قدر ألم الجوع، فيحرضه ذلك على حرصه في الإحسان إلى الجياع، ويحمله على تدبر ما هم فيه من ضرر العجز والانقطاع، وإنما يجد ذوق التعب مَنْ نازله، ويعرف قدر الضرر مَنْ واصله، وفي مثل ذلك قيل:\nلا يعرف الشوق إلا مَنْ يُكابِدُه ... ولا الصبابة إلَّا من يُعانيها (٣)\nقال القاري في \"مرقاة المفاتيح\": \"ومنها كونه موجبًا للرحمة والعطف على المساكين فإنه لمّا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في عموم الساعات فتسارع إلى الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء ومنها موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحيانًا وفي ذلك رفع حاله عند الله كما حكي عن بشر الحافي أنه دخل عليه رجل في الشتاء فوجده جالسًا يرعد وثوبه معلق على المشجب، فقال له: في مثل هذا الوقت تنزع الثوب أو معناه، فقال: يا أخي الفقراء كثير، وليس لي طاقة مواساتهم بالثياب فأواسيهم بتحمل البرد كما يتحملون. انتهى.\n_________\n(١) \"مدارك المرام في مسالك الصيام\" (ص ٧٧-٧٨) .\n(٢) \"فوائد الصيام\" (ص ٢٥) .\n(٣) \"مدارك المرام\" (ص ٧٦) .","vol":"1","page":63},{"text":"ولهذا كان يقول بعض الأولياء العارفين عند كل أكلة: \"اللهمَّ لا تؤاخذني بحق الجائعين\"، وقد ثبت أن سيدنا يوسف ﵇ ما كان يشبع من الطعام في سنة القحط مع كثرة المأكول عنده في ذلك العام لئلا ينسى أهل الجوع والفاقة وليتشبه بهم في الخاصة والحاجة\" (١) .\nقال أحمد شوقي أمير الشعراء: \"الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع، لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة، ويحض على الصدقة، ويسن خلال البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع، وعرف المترف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع\".\nيقول المنفلوطي: \"فتّشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحًا أو متلافا، أما الأول فلو كان جار البيت فاطمة ﵂ وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديْها من الجوع ما مدّ أصبعيه إلى أذنيه ثقة منه أن قلبه المتحجر لا تنفذه أشعة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان، وأما الثاني: فمالُه بين ثغر الحسناء، وثغر الصهباء، فعلى يد أي رجل من هذين الرجلين تدخل الفضيلة قصور الأغنياء\" (٢) .\nويقول ﵀: \"لو أعطى الغني الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سُقمًا ولا ألمًا، لقد كان جديرًا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته، ويُطفي غلته، ولكنه كان محبًا لنفسه مغاليًا بها فضمّ إلى مائدته ما اختلسه من صحفة الفقير فعاقبه الله على قسوته بالبِطنة حتى لا يَهنيءَ للظالم ظلمه ولا يطب له عيشه، وهكذا يصدق المثل القائل: بطنة الغني انتقام لجوع الفقير.\nما ضنّت السماء بمائها، ولا شحّت الأرض بنباتها، ولكن حسد القوي الضعيف عليهما فزواهما عنه واحتجنهما (٣) دونه فأصبح فقيرًا معدمًا، شاكيًا متظلمًا، غرماؤه المياسير الأغنياء لا الأرض والسماء\".\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/٢٢٩) .\n(٢) \"أين الفضيلة\" من كتاب النظرات (١/٧٢) لمصطفى لطفي المنفلوطي نشر دار الآفاق الجديدة.\n(٣) احتجن الشيء إذا جذبه بالمحجن إلى نفسه، والمحجن الصولجان والمراد أنه استأثر به.","vol":"1","page":64},{"text":"ثم يقول يرحمه الله: \"لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنًا، لأني لا أعتمد فصلًا صحيحًا بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان، وإني أرى الناس ثلاثة، رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلًا إلى الإحسان إلى نفسه، وهو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان، ورجل يحسن إلى نفسه ولا يُحسن إلى غيره، وهو الشره المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذَبح في سبيله الناس جميعًا.\nورجل لا يُحسن إلى نفسه ولا إلى غيره، وهو البخيل الأحمق الذي يجيع بطنه ليشبع صندوقه، أما الرابع الذي يحسن إلى غيره ويحسن إلى نفسه، فلا أعلم له مكانًا ولا أجد إليه سبيلًا، وأحسب أنه هو ذلك الذي كان يفتّش عنه الفيلسوف اليوناني ديوجين الكلبي حينما سئل ما يصنع بمصباحه وكان يدور به في بياض النهار، فقال: أفتش عن إنسان\" (١) .\nيقول المنفلوطي ﵀ في مقالة \"الرحمة\":\n\"سأكون في هذه المرة شاعرًا بلا قافية ولا بحر لأني أريد أن أخاطب القلب وجهًا لوجه ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر.\nإن البذور تلقى في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها وجعل عاليها سافلها، وكذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلا إذا داخلته وتخللت أجزائه، وبلغت سويدائه، ولا محراث للقلب غير الشِعر، أيها الرجل السعيد كن رحيمًا أَشعِر قلبك الرحمة، ليكن قلبُك الرحمةَ بعينها.\nستقول إني غير سعيد لأن بين جنبيّ قلبًا يُلم به من الهمّ ما يلم بغيره من القلوب، أجل فليكن ذلك كذلك، ولكن أطعم الجائع واكس العاري وعزّ المحزون، وفرّج كربة المكروب يكن لك من هذا المجتمع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك فالبدر لا يطلع إلا إذا شقّ رداء الليل، والفجر لا يَدْرُج إلا من مهد الظلام.\n_________\n(١) \"الغني والفقير\" مقالة للمنفلوطي من كتاب النظرات (١/٧٦-٧٩) .","vol":"1","page":65},{"text":"لقد بَليت اللذات كلها ورثت حبالها وأصبحت أثقل على النفس من الحديث المعاد ولم يبق ما يعزى الإنسان عنها إلا لذة واحدة هي لذة الإحسان.\nإن منظَر الشاكر منظر جميل جذاب ونغمة ثنائه وحمده أوقع في السمع وأعذب.\nأحسن إلى الفقراء والبائسين وأعدك وعدًا صادقًا أنك ستمر في بعض لياليك على بعض الأحياء الخاملة فتسمع من يحدث جاره من حيث لا يعلم بمكانك منه أنك أكرم مخلوق وأشرف إنسان ثم يعقب الثناء عليك بالدعاء لك أن يجزيك الله خير بما فعلت فيدعو صاحبه بدعائه، ويرجو برجائه، وهنالك تجد من سرور النفس وحبورها بهذا الذكر الجميل في هذه الهيئة الخاملة ما يجده الصالحون إذا ذكروا في الملأ الأعلى.\nليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤود فنبتسم سرورًا ببكائك، واغتباطً بدموعك، لأن الدموع التي تتحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء أنك إنسان.\nإن السماء تبكي بدموع الغمام ويخفُق قلبها بلمعان البرق وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح وتضج بأمواج البحر، وما بكاءُ السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان، ونحن أبناء الطيعة فلنجارها في بكائها وحنينها.\nإن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تُريق الدماء، والتي تشرح الصدور أشرف من التي تبقَر البطون، فالمحسن أفضل من القائد، وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيي الميت ومن يميت الحي.\nإن الرحمة كلمة صغيرة ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظَرها والشمس في حقيقتها.\nإذا وَجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناء.\nلو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عار ولا مغبون ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، واطمأنت الجنوب في المضاجع، ولمحت الرحمةُ الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.","vol":"1","page":66},{"text":"لم يخلق الإنسان ليقتّر عليه رزقه ولم يقذف به في هذا المجتمع ليموت فيه جوعًا، بل أرادت حكمته أن يخلقه ويخلق له فوق بساط الأرض وتحت ظلال السماء ما يكفيه مؤونته، ويسد حاجته، ولكن سلبه الرحمة فبغى بعضه على بعض وغدر القوي بالضعيف واحتجن دونه رزقَه فتغير نظام القسمة العادلة وتشوه وجهها الجميل، ولو كان للرحمة سبيل إلى القلوب لما كان للشقاء إليها سبيل.\nالفرد هو المجتمع وإنما يتعدد بتعدد الصور، أتدري متى يكون الإنسان إنسانًا؟ متى عرف هذه الحقيقة حق المعرفة وأشعرها نفسَ فخفق قلبه لخفقان القلوب وسكن لسكونها، فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها انفرد عنها واستوحش من نفسه، وإذا كان الأنس مأخذَ الإنسان المجتمع، فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع.\nوجِماع القول أنه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الأشقياء في مكان واحد إلا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملَك الرحيم، والشيطان الرجيم.\nإن من الناس من تكون عنده المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا يفعل، فإذا مشى مشى متدفعًا مندلثًا (١) لا يلوي على شيء مما حوله من المناظر المؤثرة المحزنة، وإذا وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلا الإغراق في الضحك سخرية به وببذاذة ثوبه ودمامة خلقه، وإن من الناس من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيف يحتلب دِرتهم (٢) ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته، لا يقربها ولا يُطعمها ولا يَسقيها إلا لما يترقب من الربح في الاتجار بألبانها وأصوافها، ولو استطاع أن يهدم بيتًا ليربح حجرًا لفعل، وإن من الناس من لا حديث له إلا الدينار وأين مستقره وكيف الطريق إليه وما السبيل إلى حبسه والوقوفِ في وجهه والحيطة لفراره، ويبيت ليله حزينًا كئيبًا لأن خزانته ينقصها درهم كان يتخيل في يقظته أو يرى في منامه أنه سيأتيه فلم يُقيض له، وإن من الناس من يؤذي الناس لا يجلب بذلك لنفسه منفعة أو يدفع عنها مضرة بل لأنه شرير يدفعه طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو ليضرّي (٣) نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة\n_________\n(١) اندلث في الأمر: اندفع فيه.\n(٢) الدرة: اللبن إذا كثر وسال.\n(٣) يقال: أضرى فلان كلبه بالصيد وضرّاه إذا أغراه به وعوّده متابعته.","vol":"1","page":67},{"text":"إليه، حتى لو لم يبق في العالَم شخص غيره لكانت نفسُه مدبَّ عقاربه وغرض سهامه، وإن من الناس من إذا كشف لك عن أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها أو عن أظافره رأيت تحتها مخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية أو عن قلبه رأيت حجرًا صلدًا من أحجار الغرانيت لا يبض (١) بقطرة من الرحمة، ولا تَخْلُص إليه نسمة من العظة.\nفيا أيها الإنسان احذر الحذر كله من أن تكون واحدًا من هؤلاء فإنهم سباع مفترسة وذئاب ضارية، بل أعظك ألا تدنو من أحدهم أو تعترض طريقَه فربما بدا له أن يأكلك فأكلك غير حافل بك ولا آسف عليك.\nأيها الإنسان: ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار، ارحمها قبل أن ينال منها ويعبث الهم بقلبها فتفضل الموت على الحياة.\nأيها السعداء، أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض ورحمكم من في السماء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفضيلة الرابعة والعشرون\nرقة القلب وصيانة الجوارح</span>\nمراد الله من الناس رقة قلوبهم وأكرم بها من نعمة.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير\" (٢) .\nيقول القسطلاني معددًا لثمرات الصوم: \"رقة القلب وغزارة الدمع وذلك من أسباب السعادة فإن الشبع مما يذهب نور العرفان ويقضي بالقسوة والحرمان\".\nثم يقول في ثمرات الصوم أيضًا:\n\"صيانة جوارحه عن استرسالها في المخالفات وهذا هو أعظم ثمرات الصوم، بل هو الأصل في تحقيق المعنى، فإن النفس إذا مسّها ألم الجوع ذلت وانقادت، وأذعنت، واشتغلت بما هي فيه عن امتداد أملها إلى الفِكَر الدنية، فتسكن جوارحها عن الحركات\n_________\n(١) بضّ الدم: سال.\n(٢) رواه مسلم، وأحمد، عن أبي هريرة.","vol":"1","page":68},{"text":"الردية، وتمتنع عن انتهاك المحارم المردية، والجوارح سبع: العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل، والنفس هي الممدِّة لهذه الجوارح، وهي الأصل عند الاعتبار، فإذا ضعف الأصل ضعف الفرع، وهذا هو سر الصوم، ولأجل ذلك قيل:\nإذا ما المرء صام عن الخطايا ... فكل شهوره شهر الصيام\nفإن قصّر في حفظها، أو حفظ شيء منها ربما أداه إلى الدخول إلى جهنم من سعة أبوابها، فإنه ما يستحق أحد جهنم إلا بعصيانه بأحد هذه الجوارح فمن رعاها في صيامه، أمّنه الله في الآخرة من انتقامه\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الفضيلة الخامسة والعشرون\nالصيام فدية لبعض الأعمال</span>، أو بدلا منها، أو كفارة لها\nمن فضائل الصوم أن الله ﷿ \"جعله في شريعة الإسلام فدية لبعض الأعمال، أو بدلا عنها، أو كفارة لها\" (٢)، وهذا ليس لأي عبادة إلا الصوم:-\nأولا: فقد جعل الله الصيام فدية لحلق شعر الرأس الذي هو من محظورات الإحرام في الحج والعمرة وبدلًا عن هدي واجب لمن عجز عن الهدي، فقد قال الله ﷿ (وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤءسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب) [البقرة: ١٩٦] .\nثانيا: جعل الله الصيام معادلًا للهدي وإطعام المساكين في كفارة قتل الصيد بالنسبة للمحرم، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما كل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو\n_________\n(١) \"مدارك المرام\" ص (٧٩، ٨٠) .\n(٢) \"الصيام ورمضان\" لعبد الرحمن الميدان (ص ١٢٠ - دار القلم) .","vol":"1","page":69},{"text":"عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام) [المائدة: ٩٥] .\nثالثا: جعل الله صيام ثلاثة أيام بدل كفارة اليمين عند العجز عنها وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، على التخيير بين هذه الثلاثة. قال تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)\nرابعا: جعل الله كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار عتق رقبة مؤمنة، هذه هي الكفارة الأساسية، فمن لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها فعليه أن يصوم بدلا عنها شهرين متتابعين ... فسبحان من جعل الصوم ينوب عن عتق الرقاب عند العجز ويجعله كفارة القتل الخطأ.\nقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: ٩٢] .\nوقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المجادلة: ٣-٤] .\nفجعل الله الصيام ولم يجعل الصلاة أو الحج ... وهذه خاصية للصوم فأنعم به من عبادة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>ثمرات الصيام</span>\nأما ثمراته فأنواع:\nأحدها: \"صحة الأبدان\" (١)\n_________\n(١) سنفرد لها أصلًا.","vol":"1","page":70},{"text":"النوع الثاني: سلامة الأذهان وتصحيح أفكارها فإن الحرارة الغرورية يثيرها الجوع والعطش فيقوى إدراكها لفهم المعاني ويكثر تدبرها لما من الأعمال الصالحة تعاني.\nالنوع الثالث: نهضة القوة الحافظة وتقليل نسيانها فإن كثرة الأكل تكثر الرطوبة في الجسد وتوجب البلادة في الطبع.\nالنوع الرابع: خفة حركة الأعضاء للطاعات فإن الشبع يرخي الجسد ويقتضي التثاقل عن العبادة والإبطاء عن الإجابة إليها.\nالنوع الخامس: خذلان أعوان الشيطان ونصر أجناد الرحمن.\nالنوع السادس: رقة القلب وغزارة الدمع.\nالنوع السابع: إجابة الدعاء وذلك من علامة اللطف والاعتناء.\nالنوع الثامن: فرحه عند لقاء ربه بصومه.\nالنوع التاسع: فرحه عند فطره، وليس المراد بأكله وشربه، وإنما المراد فرحه بتوفير أجره عند تمام صومه وسلامته عند قاطع يقطعه عليه.\nالنوع العاشر: صيانة جوارحه عن استرسالها في المخالفات.\nالنوع الحادي عشر: المباهاة به يوم القيامة.\nالنوع الثاني عشر: اختصاصه بالدخول إلى الجنة من باب الريان\" (١) .\nفهذا ما يتعلق بفضائله وثمراته وهي أكثر من أن تُحصى ولله الحمد والمنة.\n***\n_________\n(١) \"مدارك المرام\" (ص ٧٨-٨١) .","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الباب الثالث\nصوم الجاهلية\nموضوع تحت قدمي</span>\n\"أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي\"\nمن حديث رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>إياكم وبنيات الطريق</span>\nقُطّاع الطريق إلى الله وإلى الدار الآخرة من حاد عن طريق الله.\nقال - ﷺ -: \"أسرق الناس الذي يسرق صلاته: لا يتم ركوعها ولا سجودها وأبخل الناس من بخل بالسلام\" (١) .\nمن يسرق من صلاته، ومن يسرق من صيامه على دربه ... من يفطر من غير عذر ومن يفطر قبل تحلة صومه.\nعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"بينما أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلًا وعرًا، فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقال: إنا سنسهله لك، فصعدت، حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم\" (٢) .\nقال المنذري: قبل تحلة صومهم: يفطرون قبل وقت الإفطار ذكر الإمام ابن خزيمة \"باب ذكر تعليق المفطرين قبل وقت الإفطار بعراقيبهم وتعذيبهم في الآخرة بفطرهم قبل تحلة صومهم\".\nعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلًا وعرًا، فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دمًا، قال، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة\n_________\n(١) صحيح: رواه الطبراني في \"الصغير\" و\"الأوسط\" و\"الكبير\" عن عبد الله بن مغفل، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٩٦٦)، و\"صحيح الترغيب\" رقم (٥٢٦) .\n(٢) صحيح: رواه ابن خزيمة وابن حبان، والنسائي في \"الكبرى\"، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\".","vol":"1","page":75},{"text":"صومهم، فقال: خابت اليهود والنصارى فقال سليمان (١): ما أدري أسمعه أبو أمامة من رسول الله - ﷺ - أم شيء من رأيه، ثم انطلق فإذا بقوم أشد شيء انتفاخًا، وأنتنه ريحًا، وأسوأه منظرًا، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء قتلى الكفار، ثم انطلق بي فإذا بقوم أشد شيء انتفاخًا وأنتنه ريحًا كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني، ثم انطلق بي، فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيّات، قلت: ما بال هؤلاء؟ قال: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن، ثم انطلق بي فإذا أنا بالغلمان يلعبون بين نهرين، قلت: مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذراري المؤمنين، ثم شرف شرفًا فإذا أنا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء جعفر وزيد وابن رواحة، ثم شرفني شرفًا آخر، فإذا أنا بنفر ثلاثة، قلت: من هؤلاء؟ قال: هذا إبراهيم وموسى وعيسى وهم ينظروني\" (٢) .\nهذا فعل الله بمن تهاونوا في أداء الفرائض، فكيف بمن حرّفوها.\nوأوّلوا معانيها تأويلًا ما أنزل الله به من سلطان.\nكيف بمن قالوا بإسقاط التكاليف من الصوفية ودجاجلة الشيعة، والاتحادية وأصحاب وحدة الوجود ودجالهم ابن عربي النكرة عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \"أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه\" (٣) .\nقال ابن تيمية: فقوله في هذا الحديث: \"ومبتع في الإسلام سنة جاهلية\"، يندرج فيه كل جاهلية، مطلقة، أو مقيدة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئية أو وثنية أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد - ﷺ -، وإن كان لفظ الجاهلية لا يقع غالبًا إلَّا على حال العرب التي كانوا عليها، فإن المعنى واحدًا\" (٤) .\n_________\n(١) الراوي عن أبي أمامة.\n(٢) رواه ابن خزيمة واللفظ له وإسناده صحيح، ورواه الحاكم مختصرًا (٣/٢٣٧) .\n(٣) رواه مسلم.\n(٤) \"مهذب اقتضاء الصراط المستقيم\" (ص ٩٣، ٩٧) .","vol":"1","page":76},{"text":"الرافضة وغلاة الشيعة:\n١- صوم الجناحية.\n٢- الخطابية.\n* المعمرية من الخطابية.\n٣- الكيسانية.\n٤- الإسماعملية: الباطنية.\n٥- القرامطة.\n٦- الإسماعيلية الطيبية باليمن \"الصليحيون\".\n٧- البهرة \"الإسماعيلية الطيبية بالهند\".\n٨- الإسماعيلية النزارية.\nأ- الحشاشون.\n٩- الإسماعيية الأغاخانية\n١٠- النصيريون.\n١١- الدروز.\nفلاسفة الصودية وغلاتها:\n١٢- ابن عربي.\n١٣- صوم الحلاج.\n١٤- الرفاعية.\n١٥- البدوي - ابن الفارض.\nصوم زهاد المبتدعة:\n١٦- \"أبو العلاء المعري\".","vol":"1","page":77},{"text":"صوم المارقين المرتدين:\n١٧- صوم البهائية.\n١٨- صوم القاديانية.\nصوم مشركي أهل الكتاب:\n١٩- صوم النصارى.\n٢٠- صوم اليهود.\nبدع الرافضة:\nقال عبد القاهر البغدادي عن أصول أهل السنة:\n\"وقالوا بوجوب صوم رمضان، وحزموا الفطر فيه إلا بعذر: صغر، أو جنون، أو مرض، أو سفر، أو نحو ذلك من الأعذار.\nوقالوا باعتبار شهر الصيام من رؤية هلال رمضان، أو بكمال شعبان ثلاثين يومًا، ولم يفطروا في آخره إلا برؤية هلال شوال، أو بكمال أيام رمضان ثلاثين يومًا، وضللوا من صام من الروافض قبل الهلال بيوم وأفطر قبل الفطر بيوم\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>١- الجناحية من الرافضة وصومها:</span>\nمن غلاتهم \"الجناحية\" وهي فرقة خارجة ومرتدة عن الإسلام \"استحلوا الخمر والميتة والزنى واللواط وسائر المحرمات، وأسقطوا وجوب العبادات، وتأولوا العبادات على أنها كنايات عمن تجب موالاتهم من أهل بيت عليّ، وقالوا في المحرمات المذكورة في القرآن إنها كنايات عن قوم يجب بغضهم كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة\" (٢) .\n_________\n(١) \"الفرق دون الفرق\" (٢٤٥-٢٤٦) .\n(٢) \"الفرق بين الفرق\".","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>٢- الخطابية:</span>\nهناك طوائف من الشيعة مرتدون غلاة، أنكر الشيعة أنفسهم نسبة تلك الفرق الغالية إليهم وإلى الإسلام ولكن كتاب الفرق الإسلامية جميعًا يثبتون علاقة وطيدة بين هذه الفرق الغالية وبين التيار الشيعي العام\" (١) منهم الخطابية: \"أصحاب أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي\".\n\"كان أصحابه كلما ثقل عليهم أداء فريضة أتوه وقالوا: يا أبا الخطاب خفف علينا فيأمرهم بتركها حتى تركوا جميع الفرائض واستحلوا جميع المحارم\" (٢) .\nوالتحلل من الشريعة وعدم الالتزام بأوامرها ونواهيها تكاد كل الفرق الغالية -كالسيئة والغرابية، والبيانية، والمغيرية، والهاشمية، والكيسانية، والنعمانية، واليونسية، والنصيرية، والخطابية- تقول به وتنتهي إليه.\nوجعلوا الفرائض التي فرض الله تعالى رجالًا سموهم وأنهم أمروا بمعرفتهم وولايتهم، وجعلوا المعاصي رجالًا، أمروا بالبراءة منهم ولعنهم واجتنابهم وتأولوا على ما استحلوا من ذلك قول الله ﷿: (يريد الله أن يخفف عنكم) وقالوا: خفف عنا بأبي الخطاب ووضع عنّا به الأغلال والآصار يعنون الصلاة والزكاة والصيام والحج، فمن عرف الرسول النبي الإمام فذلك عنه موضوع فليصنع ما أحب.\n* والمعمرية من الخطابية: دانوا بترك الفرائض ومنها الصوم فخرجوا من ملة الإسلام.\nبرئت إلى الرحمن من كل رافض ... بصير بباب الكفر في الدين أعورا\nإذا كف أهل الحق عن بدعة مضى ... عليها، وإن يمضوا إلى الحق قصّرا\nولو قيل إن الفيل ضب لصدقوا ... ولو قيل زنجي تحول أحمرا\nواخلف من بول العبير فإنه ... إذا هو للإقبال وجه أدبرا\n_________\n(١) \"دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين\" (ص ١٠٢) .\n(٢) \"دراسة عن الفرق\" (ص ١٠٤) .","vol":"1","page":79},{"text":"فيا قبح أقوام أتونا بفرية ... كما قال في عيسى الفري من تنصر (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٣- الكيسانية:</span>\n\"ينسب الشهرستاني إلى الكيسانية القول بأن الدين طاعة رجل وهو الإمام، وزعموا أن الوصول إلى طاعة الإمام، يسقط التكاليف الشرعية\" (٢) .\nوعلى ذلك أيضًا:\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٤- العجلية:</span>\nأتباع أبي منصور العجلي، وطائفة من\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٥- الحزمية:</span>\nقال عنهم الشهرستاني: \"إنهم دانوا بترك الفرائض، وقالوا: إن الدين معرفة الإمام فقط، ومنهم من قال. الدين أمران: معرفة الإمام وأداء الأمانة، ومن حصل له الأمران فقد وصل إلى الكمال وارتفع عن التكليف\" (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٦- الإسماعيلية (الباطنية):</span>\nمنسلخون من دين الله بالكلية يُدعون في مصر بالعبيدية \"الفاطمية\" وفي الشام بالنصيرية والدروز، وفي الهند بالبهرة وبالإسماعيلية والكفِر ملة واحدة.\nوهؤلاء عمقوا مفهوم \"الظاهر والباطن وتوسعوا في استخدامه، وذهبوا كما ذهب معظم الشيعة إلى أن التأويل الباطني من الأمور التي اختص الله لها عليًا بن أبي طالب، فكما أن النبي خص بالتنزيل، فعليّ قد خصّ التأويل وأن عليًا ورّث هذا العلم الأئمة من بعده.\n_________\n(١) \"الفرق بين الفرق\".\n(٢) \"الملل والنحل\" (١/١٤٧) .\n(٣) \"الملل والنحل\" (١/١٥٤) .","vol":"1","page":80},{"text":"وهم الذين يدلون الناس على المعاني الباطنة وأسرار الدين، وقد تطرف الإسماعيلية في تأويلاتهم، فذهبت طوائف منهم إلى تأليه الأئمة وإلى طرح فرائض الشرع، وفسروا الصلاة بأنها الاتجاه القلبي للإمام، وأن الصوم عبارة عن عدم إفشاء أسرار الدعوة، والحج زيارة الإمام، وأن الفجر هو المهدي المنتظر، وأن الأهلة هم الأئمة، والسماء هي الدعوة، والملائكة هم الدعاة، وزعمت طوائف من هؤلاء الباطنية أن جميع الأشياء التي فرضها الله على عبادة وسنها نبيه - ﷺ - لها ظاهر وباطن، وأن جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة فأمثال مضروبة وتحتها معان هي بطونها، وعليها العمل وفيها النجاة، وأن ما ظهر منها فهي التي نهي عنها، وفي استعمالها الهلاك، وهي جزء من العذاب الأدنى، عذّب الله به قومًا وأخذهم به ليشقوا بذلك إذ لم يعرفوا الحق، ولم يقولوا به ولم يؤمنوا\" (١) .\n* وهذا علي بن الفضل الإسماعيلي أعفى أتباعه من أداء الشعائر الإسلامية من صلاة وصوم وحج، ودخل مدينة الجند في أول خميس من رجب سنة ٢٩٢هـ فصعد المنبر وقال:\nتولى نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب\nلكل نبي مضى شرعة ... وهذي شريعة هذا النبي\nفقد حط عنا فروض الصلاة ... وحطّ الصيام ولم يتعب\nإذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوّموا فكلي واشربي (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>٧- صوم القرامطة:</span>\nالقرامطة من الإسماعيلية، وعلى رأسهم فاجرهم أبو طاهر القرمطي قتل الحجيج في يوم التروية وهو يقول:\nأنا الله وبالله أنا ... يخلق الحلق وأفنيهم أنا\n_________\n(١) \"دراسة عن الفرق\" (ص ٢١٣-٢١٤) .\n(٢) \"كشف أسرار الباطنية\" (ص ٨٢-٨٣) .","vol":"1","page":81},{"text":"وقال:\nألست أنا المذكور في الكتب كلها ... ألست أنا المبعوث في سورة الزمر\nقالوا ما قالت بقية طوائف الإسماعيلية من أن الحج والصوم والصلاة ما هي إلا رموز لمعان باطنية.\nقتل أبو طاهر بهيت، رمته امرأة من سطحها بلبنة على رأسه فدمغته، وقتيل النساء أخس قتيل وأهون فقيد (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٨- الصليحيون \"الإسماعيلية الطيبية باليمن</span>\":\nوهم أتباع الطيب بن الآمر.\nوهم من الشيعة المستعلية باليمن سقطت دولتهم سنة ٥٦٣هـ.\nيفسرون الصوم بأنه \"كتمان أسرار الدعوة، ويفسرون بناء على هذا الآية (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) بأنها تعني كتمان الأئمة في وقت الاستتار خوفًا من الظلمة، ويجدون مصداقًا لقولهم قول مريم الوارد في قوله تعالى: (إني نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيًا) [مريم: ٢٦] .\nفلو كان الله عنى بالصيام ترك الطعام لقال فلن أطعم اليوم شيئًا، فالصيام إذن هو الصموت عن الكلام\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٩- صوم البهرة:</span>\nوهم من الإسماعيلية الطبية وعرفوا باسم البهرة \"التجار\" فبعد نهاية الدولة الصليحية في اليمن انصرفوا إلى التجارة التي أعطتهم الفرصة لنشر دعوتهم الإسماعيلية في الهند.\nويعتبر البهرة أكثر الشيعة تعصبًا لمذهبهم ومحافظة على عقائدهم.\n_________\n(١) \"الفرق بين الفرق\" (ص ٢٨٧) .\n(٢) \"كشف أسرار الباطنية\" (ص ١٢، ١٣) .","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>١٠- الإسماعيلية النزارية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>أ- الحشاشون:</span>\nأوهم زعيمهم الحسن الثاني بطرح جميع التكاليف الدينية والامتناع عن إقامة الفرائض الإسلامية لأن النبي - ﷺ - قال: \"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته\"، فالإمام هو المسئول الأول عن أتباعه وهو الذي يتحمل بدلهم الحساب يوم القيامة، إن أطاعوه طاعة تامة واعتقدوا إمامته على هذا النحو، وبذلك دخلت الإسماعيلية دورًا جديدًا وهو دور \"القيامة أو عدم القيام بالفرائض الدينية من صلاة وصوم وحج \"ونسخ حكم الشريعة\" (١) .\nوقد كان الحسن الثاني وابنه محمد متشددين في فرض التعاليم الجديدة وكانا يريان أن الاستمساك بالأحكام الشرعية الظاهرة إثم لا يعدله إلا إغفالها أيام أن كان العمل مفروضًا بموجب الثقة، لذلك أوحيا النكال والقتل والرجم والتعذيب على كل من استمسك بحكم الشريعة في دورة القيامة (٢) أو اشتغل بالعبادة الظاهرة وواظب على الرسوم الجسمانية.\n\"وقد حل محل الشريعة عندهم ما يعرف بأركان الحقيقة، فالشهادة هي أن تعرف الله بالله (أي تعرف الله بالقائم)، والصلاة هي أن تجتنب الآداب والسنن الماضية (أي الأحكام الشرعية) والصوم هو أن تلتزم التقية في حديثك مع المبطلين حتى تظل صائمًا\" (٣) .\n_________\n(١) \"دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين\" (ص ٢٣٥) دكتور أحمد محمد أحمد.\n(٢) القيامة عندهم \"الوقت - الذي يصل فيه الخلق إلى الحق تعالى وتظهر دقائق الحقائق، وتتجلى بواطن الخلائق، وفيه تتجه القلوب إلى الله، وتترك الرسوم الشرعية والعادات والعبادات التي التزموها مؤقتًا، وتتوجه وجوه النفوس والأرواح إلى الحضرة الإلهية\" فرقة النزارية تعاليمها ورجالها السيد محمد العزاوي (ص ١٧٥) .\n(٣) \"دراسة عن الفرق\" (ص ٢٣٥، ٢٣٦) .","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>١١- صوم الإسماعيلية الأغاخانية:</span>\nأطلق الإنجليز هذا اللقب على إمامهم ودجّالهم وهم الإسماعيلية النزارية بالهند.\nومنهم الأغاخان الثالث: وهو ممن يدينون بآراء وعقائد الإسماعيلية التي بشر بها الحسن الثاني وانتهت إلى إبطال التكاليف، يبالغ أتباعه في تقديسه إلى درجة الألوهية، حينما سأل مؤرخ الإسماعيلية محمد كامل حسين الأغاخان الثالث قائلًا: \"لقد أدهشتني بثقافتك وعقليتك فكيف تسمح لأتباعك أن يدعوك إلهًا؟\nضحك الأغاخان طويلًا، كما يقول محمد حسين: وعلت قهقهاته ودمعت عيناه من كثرة الضحك ثم قال: هل تريد الإجابة على هذا السؤال؟ إن القوم في الهند يعبدون البقرة ألست خيرًا من البقرة (١) .\nهذا الفاجر الذي عرفته موائد القمار وأماكن اللهو، والذي عرف عنه أنه كان في شبابه زير نساء، ومن زوجاته الأربع عارضة الأزياء، وفتاة من بائعات الحلوى والسجائر، ووصفه سومرست موم \"بأنه من عظماء رواد المسرح فقد أحب الأوبرا ورقص الأوبرا، وكانت له صداقات مع ممثلين وممثلات\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>١٢- النصيريون وصومهم:</span>\nهم من غلاة الباطنية وهم أكفر من اليهود والنصارى يذهبون إلى إسقاط التكاليف، ويقولون في كتابهم \"الهفت الشريف\" (ص ٢٢١):\n\"لا يحتجن أحدكم بصومه وصلاته وحجه وجهاده، فإن الله غني عن ذلك كله، وهو أعلم بعباده، البار منهم والفاجر، ولا يفوز أحدكم في كثرة صلاته وصومه إذا لم يعرف الله وأوليائه وأعداءه، وإمامه، وحجته فيما بينه وبين ربه\".\n\"الصوم عندهم مختلفون فيه، فيفسره بعضهم بأنه كتمان أسرارهم وأنه عبارة\n_________\n(١) \"طائفة الإسماعيلية\" (ص ١٢٦) .\n(٢) \"مذكرات أغاخان\" (ص ١٥، ١٦) دار العلم للملايين.","vol":"1","page":84},{"text":"عن ذكر اسم ثلاثين رجلًا واسم ثلاثين امرأة معروفة لديهم (١)، ومن يصم من النصيرية فإنه يخالف المسلمين في أداء هذه الفريضة، إذ يصوم بعضهم قبل صلاة الفجر ويفطر قبل غروب الشمس.\nويضيف إليه بعضهم البعد عن معاشرة النساء طوال الشهر، ويقولون: \"إن كل ساعة صوم لملك من الملائكة المقريين المذكور في القرآن، وهناك فريق منهم يفسر الصوم على أنه صون أي امتناع عن النساء طوال شهر رمضان، وليس امتناعًا عن الطعام والشراب وما شاكلهما\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>١٣- صوم الدروز:</span>\nمن الفرق الباطنية يذهبون إلى ألوهية الخليفة الفاطمي الحاكم الذي نقض سائر أركان الإسلام من صلاة وصوم وزكاة وحج وجهاد.\nوالصوم عند الدروز عبارة عن صيانة القلب بتوحيد الحاكم، وهو أيضًا من الشعائر التي أسقطها الحاكم إذ لم يراع أوقاتها المحدودة.\nبل تؤكد تعاليمهم أن دعوة الحاكم هدفها الرئيسي ليس الشريعة الإسلامية الظاهرة فحسب، بل تهدف أيضًا إلى إلغاء التأويل الباطني للشريعة والذي تبناه غلاة الشيعة كالإسماعيلية.\nورسائل الدروز المقدسة تفيض بالنصوص التي تشير إلى هذا.\nوهذا دجّالهم حمزة بن علي يخاطب الدروز في إحدى رسائله (التي تعتبر شرعًا لهم) فيقول: (قد بينت لكم في الكتاب المعروف بـ\"النقض الخفي\" نسخ السبع دعائم ظاهرها وباطنها، وذلك بقوة مولانا جل ذكره وتأييده ولا حول ولا قوة إلا به\" [مولاه الحاكم أخزاه الله] .\nويُقصد بالسبع دعائم التي نسخها الشهادتان، والصلاة والصوم والحج والزكاة\n_________\n(١) \"الفتاوى\" (٣٥/١٤٥) .\n(٢) \"إسلام بلا مذاهب\" للشكعة (ص ٢٣٤) طبعة أولى.","vol":"1","page":85},{"text":"والجهاد والولاية.\nويقول حمزة بن عليّ أيضًا:\n\"والآن فقد دارت الأدوار وبطل ما كان في جميع الأعصار، ولم يبق من نار الشريعة الشركية غير لهيبها والشرار، وسوف يخمد حسرها ويضمحلّ العوار\" (١) .\nوحمزة بن علي يصف نفسه بأنه هادم القبلتين ومبيد الشريعتين \"الظاهرة والباطنة الإسماعيلية\".\nوأقام الدروز بدلًا من الدعائم الإسلامية خصال التوحيد السبع وهي عندهم:\n١- صدق اللسان في دائرة الدروز فقط وهو عوض عن الصلاة.\n٢- حفظ الإخوان -أي الدروز- عوض عن الزكاة.\n٣- ترك ما كان عليه الموحدون وما اعتقدوه من عبادة العدم والبهتان وهو عوض عن الصوم.\n٤- البراءة من الأبالسة والطغيان.. أي من الأنبياء السابقين ومن الأديان وهو عوض عن الحج.\n٥- التوحيد للمولى \"الحاكم إلههم\" في كل عصر وزمان ودهر وأوان وهذا عوض عن الشهادتين.\n٦- الرضا بفعله \"أي الحاكم\" كيف كان وهو عوض عن الجهاد.\n٧- التسليم لأمره في السر والحدثان وهو عوض عن الولاية (٢) .\nيقول دجّالهم الدرزي كمال جنبلاط المقتول فيما نقله عنه مصطفى الشكعة:\n\"الدين الدرزي دين صوفي يعتمد على الداخليات والجواهر ولا يهتم بالشكليات، والطهارة الداخلية أي النفسية الروحية هي الأساس وأما الطهارة الخارجية فلا قيمة لها\".\n_________\n(١) \"السيرة المستقيمة\" حمزة بن علي.\n(٢) \"مذاهب الإسلاميين\" لعبد الرحمن بدوي (ص ٧٢٩) .","vol":"1","page":86},{"text":"وقد كان الشيوخ يصلون في المساجد إلى عهد قريب ويصومون رمضان ويحجون البيت، ولكن هذه الفرائض جميعًا قد رفعت عنهم واستبدلت بها تكاليف أخرى.\nويقول الشيخ محمد أبي شقرا شيخ عقل الدروز:\n\"الصوم معناه الامتناع عن الرفث، ومعنى ذلك أنه يجوز الأكل والشرب في الصوم وهو عشرة أيام في ذي الحجة تنتهي بالعيد\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>فلاسفة الصومية وغلاتها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>١٤- صوم ابن عربي:</span>\nقال ابن عربي بإسقاط التكاليف.\nقال ابن المقري في ذم ابن عربي:\nألا يا (رجال الله) غارة ثائر ... غيور على حرماته والشعائر\nيحاط بها الإسلام ممن يكيده ... ويرميه من تلبيسه بالفواقر\nفقد حدثت بالمسلمين حوادث ... كبار المعاصي عندها كالصغائر\nحوتهن كَتْب حارب الله ربهَا ... وغَرَّ بها مَنْ غَرَّ بين الحواضر\nتجاسر فيها ابنُ العُرَيْبي واجترى ... على الله فيما قال كل التجاسر\nفقال بأن الرب والعبدَ واحد ... فربي مربوبي بغير تَغاير\nوأنكر تكليفا إذ العبد عنده ... إله وعبد فهو إنكار حائر (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>١٥- صوم الحلاج:</span>\nوانظر إلى صوم شيخ الحلولية \"الحلاج\" فيما ينقله ابن كثير يقول الحلاج: \"إنِ\n_________\n(١) \"إسلام بلا مذاهب\" (٣٠٦-٣٠٧) الطبعة الرابعة.\n(٢) \"العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين\" (٢/١٩٢-١٩٣) .","vol":"1","page":87},{"text":"من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندبًا أجزأه ذلك عن صيام رمضان، ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك، وأن من جاور بمقابر الشهداء وبمقابر قريش عشرة أيام يصلي ويدعو ويصوم ثم لا يفطر إلا على شيء من خبز الشعير والملح والجريش أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>١٦- صوم ابن الفارض: وسَنن النصارى:</span>\n\"كانت لابن الفارض أربعينيات متواصلة لا جمل ولا يشرب ولا ينام فيها، وهو في هذه الأربعينيات إنما كان يأخذ نفسه بالشدة التي لا تعرف لينًا أو هوادة، وبالزهد في كل شيء، والانصراف عن كل شيء، وما زال بها على هذه الحال حتى تهيأ له ما كان يطمح إليه من كمال -كما يزعمون- ويدل على هذا ما يحكى من أنه بينما كان في آخر أيام أربعينياته اشتهت نفسه لونًا من الطعام، فأخذ يطالبها بالصبر، ولكنها أخذت تلح عليه، فإذا هو يشتري هذا اللون، ويدخل به إلى قبة الشرابي، ولم يكد يرفع أول قطعة منه إلى فمه حتى انشق جدار القبة وخرج شاب جميل الوجه، حسن الهيئة، أبيض الثياب، عطر الرائحة، ولامه أن أكلها، فما كان من ابن الفارض إلا أن ألقى بهذه القطعة قبل أن تصل إلى فمه وتركها، وخرج إلى السياحة وأدّب نفسه بزيادة عشرة أيام في المواصلة على الأربعين لتتمة خمسين يومًا\" (٢) .\nهكذا صومهم ... خالفوا هدي رسول الله - ﷺ - وتشبهوا بالنصارى في الوصال، ويرحم الله ابن عيينة إذ يقول: \"من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى\" (٣) .\n* عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية ﵁ وعنها قالت:\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (١١/١٥١) .\n(٢) \"ابن الفارض والحب الإلهي\" للدكتور محمد مصطفى حلمي (ص ٥٩) نقلًا عن ديباجة الديوان (ص ١٠) .\n(٣) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (ص ٩٧) .","vol":"1","page":88},{"text":"\"أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وقال: إن رسول الله - ﷺ - نهاني عن ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصوم كما أمركم الله، و(أتموا الصيام إلى الليل) فإذا كان الليل فأفطروا (١) .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى، وهو كما قال رسول الله حق ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها (٢) .\nوروي الغزالي في \"الإحياء\": عن عيسى ﵇ أنه مكث يناجي ربه ستين يومًا فخطر بباله الخبز فانقطع عن المناجاة، فإذا رغيف موضوع بين يديه فجلس يبكي على فقد المناجاة (٣) .\nكيف تصبح جائعًا:\nيرشدك الغزالي إلى أنه يمكن ذلك بتقليل الطعام بالعادة شيئًا فشيئًا حتى تتعود الصبر عنه عشرة أيام (بل عشرين يومًا) !!.\nوهو يحكي لك بأن الأمر قد انتهى ببعض الزهاد الاقتصار على حبة واحدة من الحمص كل يوم، وبعضهم في الوقت إلى عشرين يومًا، وقيل أربعين.\nوهذه رتبة عظيمة يقل من يستقل بها (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>١٧- صوم الرفاعية:</span>\nومما ينسبه الرفاعية زورًا وبهتانا إلى أحمد الرفاعي وهو منه برئ فقد أثنى عليه الذهبي وابن تيمية وهو من سادات العباد ومن علماء الشافعية من أهل السُنة والجماعة ينسبون إليه امتناعه عن الطعام والشراب لأيام وأسابيع وشهور، بل وربما سنوات.\n_________\n(١) رواه أحمد، وسعيد بن منصور، وعزاه ابن حجر في \"الفتح\"، للطبراني، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم في \"تفسيرهما\"، وصححه ابن حجر، وقال الألباني: إسناده صحيح.\n(٢) \"الاقتضاء\" (ص ٢٩) .\n(٣) \"إحياء علوم الدين\" (٣/٨٩) .\n(٤) \"ميزان العمل\" (١١٧-١١٨) .","vol":"1","page":89},{"text":"فقد ذكر الصيادي -البغل المزركش كما كانوا يسمونه- أن الشيخ الرفاعي خرج إلى الحج ثم إلى المدينة، ومنذ خروجه من العراق إلى أن عاد إليها من الحج لم يأكل طعامًا قط، ولم يتناول جرعة ماء واحدة (١) .\nوذكر أيضًا أنه بقي مرة نصف نهار لم يشرب ماء فوجد قدحًا على التنور وفيه ماء وسخ من غسل الأيدي، فقالت له نفسه: قد عذبتني نصف النهار بالعطش وتسقيني من هذا الماء الوسخ؟\nفلما رأى منها هذا العتاب ألقى القدح من يده وأقسم أن لا يذيقها الماء سنة كاملة، وفعل ذلك (٢) .\nومع عدم الاقتناع بأن يبقى إنسان شيئًا يسيرًا بلا ماء، فإن الظاهر أن سياق القصة مأخوذ من قصة أبي يزيد البسطامي مع الماء فإنه لا اختلاف بين القصتين بتاتًا (٣) .\nوذكروا مثل هذه الكرامات لغير الرفاعي.\nفالشيخ أبو رفاعة المهدي الرفاعي بقي أربعين يومًا متتالية لا يأكل ولا يشرب بل ولا ينام، ومع ذلك كله لم يغب عن أداء ما افترضه الله عليه (٤) .\nوكذلك السيد ولي الله \"السكران\" أبو محمد اليعقوبي الرفاعي كان كثيرًا ما يمكث الستة أشهر لا يأكل طعامًا ولا يشرب ماء (٥) .\nولقد ضرب الشيخ عثمان بن مروزة البطائحي الرفاعي الرقم القياسي في الامتناع عن الطعام والشراب، حيث بقي بلا طعام ولا شراب سبع سنين (٦) .\n_________\n(١) \"الكنز المطاسم في مدّ يد النبي لولده الغوث الرفاعي الأعظم\" (ص ١٤، ١٨) .\n(٢) \"المعارف المحمدي في الوظائف الأحمدية، لعز الدين الصيادي الرفاعي (ص ٨٤) - مطبعة محمد أفندي.\n(٣) \"الرسالة القشيرية\" (١٤) دار الكتاب العربي.\n(٤) \"ذخيرة المعاد في ذكر السادة بن الصياد\" (ص ٢٢)، و\"جامع كرامات الأولياء\" (٢/١٤٢) .\n(٥) \"إرشاد المسلمين\" (ص ١١٧) .\n(٦) \"ذخيرة المعاد في ذكر السادة بني الصياد\" (ص ٢٢)، و\"جامع كرامات الأولياء\" (٢/١٤٢) .","vol":"1","page":90},{"text":"فهل حصل مثل هذه الكرامة لنبي من الأنبياء فضلًا عن أن تحصل لغيرهم (١) .\n١٨- والبدوي أيضًا:\nيحكي الصوفية عنه صبره وصومه عن الطعام والشراب ووصاله أربعين يومًا (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>١٩- أبو العلاء المعري والصوم عن الحيوان \"زهاد المبتدعة</span>\":\nأخذ أبو العلاء عن أهل الهند تحريم الحيوان وما يخرج من الثمرات وشعره يدل على تحريمه أكل الحيوان، وإنما زعم أنه ترك الحيوان وهو يعتقد أنه مباح.\nيقول المعري:\nغدوت مريض العقل والدين فأَلْقِنى ... لتسمع أنباء الأمور الصحائح\nفلا تأكلن ما أخرج البحرُ ظالمًا ... ولا تبغ قوتًا من غريض الذبائح\nولا بَيْض أمات أرادتْ صريحه ... لأطفالها دون الغواني الصرائح\nولا تفجعن الطير وهي غوافل ... بما وضعت فالظلم شر القبائح\nودع ضربَ النحل الذي بكرت له ... كواسبَ من أزهار نبت فوائح\nفما أحرزته كي يكون لغيرها ... ولا جمعته للندى والمنائح\nمسحت يدي من كلّ هذا فليتني ... أبَهْتُ لشاني قبل شيب المسائح (٣)\nوإن لم يكن يحرمها فقد وافق سنن النصارى.\nفعن عدي بن حاتم قال: \"قلت: يا رسول الله! إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرجًا، قال: لا تدع شيئًا ضارعت فيه نصرانية\" (٤) .\n_________\n(١) \"الرفاعية\" لعبد الرحمن دمشقية (ص ٢٧-٢٨) .\n(٢) \"السيد البدوي\" د. سعيد عاشور (ص ٣٨) .\n(٣) \"تجديد ذكرى أبي العلاء\" لطه حسين طبع دار المعارف.\n(٤) حسن لغيره: أخرجه أحمد والبيهقي، وابن حبان، وحسنه الترمذي والألباني في \"جلباب المرأة المسلمة\" (ص ١٨٢) .","vol":"1","page":91},{"text":"قال الألباني: \"أي شابهت لأجله أهل المِلَّة النية من حيث امتناعهم إذا وقع في قلب أحدهم أنه حرام أو مكروه\"، وهذا في المعنى تعليل النهي، والمعنى: لا تتحرج فإنك إن فعلت ذلك؛ ضارعت فيه النصرانية، فإنه من دأب النصارى وترهبهم. كذا في \"تحفة الأحوذي\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>صوم المارقين المرتدين:- البهائية -القاديانية</span>-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٢٠- صوم البهائية:</span>\nانظر إلى صوم البهائية كما جاء عن رجال البهائية البهاء المازندراني في كتابه \"الأقدس\" أو الخبث والأنجس على الصحيح.\nيقول البهاء حسين علي في الصوم:\n\"يا قلمي الأعلى قل يا ملا الإنشاء قد كتبنا عليكم الصيام أيامًا معدودات وجعلنا النيروز عيدًا لكم بعد إكمالها، كذلك أضاء شمس البيان من أفق الكتاب من لدن مالكَ المبدأ والمآب\" (٢) .\n* يؤكدَ وجوبه وفرضيته بقوله: هذه حدود الله التي رقمت من القلم الأعلى في الزبر والألوِاح\" (٣) .\nومتى يصوم؟ \"قد كتب لكم، الصيام في شهر العلاء، صوموا لوجه ربكم العزيز المتعال\" (٤) .\nوشهر العلاء هو آخر الشهور البهائية التسعة عشر ويشتمل على الأيام التسعة عشر.\n(١) وما معنى الصوم عند البهائية؟\n_________\n(١) \"جلباب المرأة المسلمة\" للألباني (ص ١٨٢) طبع المكتبة الإسلامية بالأردن.\n(٢) \"الأقدس\" للمازندراني الفقرة (٤) .\n(٣) \"الأقدس\" للمازندراني الفقرة (٤٥) .\n(٤) \"لوح كاظم\" للمازندراني، و\"خزينة حدود وأحكام\" (ص ٣٦) .","vol":"1","page":92},{"text":"يخبر عنه حسين علي حيث يقول: \"كفوا أنفسكم عن الأكل والشرب من الطلوع إلى الأفول، إياكم أن يمنعكم الهوى عن هذا الفضل الذي قد قدر في الكتاب\" (١) .\nو\"كفوا أنفسكم عن الطلوع إلى الغروب كذلك حكم المحبوب من لدى الله المقتدر المختار\" (٢) .\nوالمعنى أن الصائم يفعل ما يشاء من الطلوع إلى الغروب وحتى المباشرة للزوج (٣) وليس عليه إلا الكف عن الأكل والشرب من طلوع الشمس إلى غروبها.\nولم ترد الكتب البهائية عن ذلك شيئًا، وحتى المازندراني بين الصيام في عدّة مواضع ولم يبين أكثر من ذلك، لا عن السحور ولا عن الإفطار، ولا عن المجامعة والمباشرة، ولا غير ذلك من الأحكام، كما لم ينبه عليها بعده ابنه عباس وحفيد ابنه شوقي أفندي، فما هو الصيام وما فائدته؟\nإنهم ما ذكروا الصوم إلا لأنه ذكر في الإسلام للمضاهات والمحاكاة ولم يستطيعوا أن يذكروا حدوده وقيوده، أو تركوا فراغًا قصدًا لجلب أهل الهوس والشهوات إليهم حيث لم يمنعوا عن أي فسق وفجور ومتعة ولذة فيه.\n* وأمَّا فرضيته فمثل فرضية الصلاة أيضًا: فقد عفى عنى المسافر والمريض والحامل والمرضع والهرم والكسول.\nفعَلى مَنْ بقي الصوم؟ والناس إمّا مسافر ومريض وإما كسل وهرم.\nقال: \"ليس على المسافر والمريض والحامل وضع حرج عفا الله عنهم فضلًا من عنده إنه لهو العزيز الوهّاب\".\n\"وعند التكسر والتكاسل لا يجوز الصلاة والصيام وهذا حكم الله من قبل ومن بعد\" (٤) .\n_________\n(١) \"الأقدس\" الفقرة (٤٧) .\n(٢) \"خزينة حدود وأحكام\" (ص ٤٩) .\n(٣) \"الأقدس\" الفترة (٤٤) .\n(٤) \"خزينة حدود وأحكام\" (ص ٣٧) .","vol":"1","page":93},{"text":"وقال المازندراني في \"الأقدس\": \"من كان في نفسه ضعف من المرض والهرم عفا الله عنه فضلًا من عنده إنه لهو الغفور الكريم\" (١) .\nو\"قد عفا الله عن النساء حينما يجدن الدم الصوم والصلاة\" (٢) .\n* وأكثر من ذلك الذي يكون مشتغلًا بالأعمال الشديدة والكبيرة عفى عنه الصوم أيضًا، كما قال في جواب سائل \"الذين يشتغلون بالأمور المهمة والأعمال الشديدة هل عليهم الصوم؟ قال: الصوم عن النفوس المذكورة رفع\" (٣) .\n* وهكذا رفع الصوم إنْ وقع يوم عيد المولود -للشيرازي والمازندراني- ويوم المبعث -إعلان دعوة محمد الشيرازي ببابيته- كما قال في رسالة \"سؤال وجواب\": \"إن وقع عيد المولود أو المبعث في أيام الصيام فلا صوم يومئذ\" (٤) .\nفهذه حقيقة الصوم عند القوم وهذه شريعتهم التي يتباهون بها على الشيعة الإسلامية البيضاء الغرّاء التي ليلها كنهارها (هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (٥) [الرعد: ١٦] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٢١- صوم القاديانية:</span>\nأمَّا رجال القاديانية غلام أحمد المتبني القادياني فيقول: \"قال لي الله إني أصلي وأصوم، وأصحو وأنام\" (٦)، فما ظنك بصوم البشر!!\n_________\n(١) الفقرة (٣٤) .\n(٢) الفقرة (٣١) .\n(٣) \"خزينة حدود وأحكام\" فصل الذين لا صوم عليهم (ص ٤٦) .\n(٤) \"رسالة سؤال وجواب لعباس أفندي\" نقلًا عن الخزينة (ص ٤٩) .\n(٥) \"البهائية\" لإحسان إلهي ظهير (ص ١٦٥-١٦٧) .\n(٦) \"البشرى\" (ج٢) .","vol":"1","page":94},{"text":"صوم مشركي أهل الكتاب:\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٢٢، ٢٣- صوم النصارى واليهود:</span>\nاليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون:\nيقول ابن تيمية مخاطبًا للنصارى في \"الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح\" \"بل عامة ما أنتم عليه من السنن أمور محدثة مبتدعة بعد الحواريين، كصومكم خمسين يومًا زمن الربيع، واتخاذكم عيدًا يوم الخميس والجمعة والسبت، فإن هذا لم يسنه المسييح ولا أحد من الحواريين، وكذلك عيد الحواريين: الميلاد والغطاس وغير ذلك من أعيادكم\" (١) .\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"وقد أخبر عن المسيح أنه لماّ صام أربعين يومًا عقب المعمورية وكان يُعيِّد مع اليهود في عيدهم لا يُعيِّد عقب صومه، شاركه النصارى في ذلك مدة، فصاروا يصومون أربعين عقب الغطاس الذي هو نظير المعمورية أو يعيدون مع اليهود العيد، ثم إنهم بعد هذا، ابتدعوا تغيير الصوم، فلم يصوموا عقب الغطاس، بل نقلوا الصوم إلى وقت يكون عيدهم مع عيد اليهود\" (٢) .\nيقول ابن القيم في \"المثلثة\" عبّاد الصلبان:\n\"المسيح ما شرع لهم هذا الصوم الذي يصومون قط ولا صامه في عمره مرة واحدة ولا أحد من أصحابه، لا صام صوم المحذارى في عمره، ولا أكل في الصوم ما يأكلونه ولا حرّم فيه ما يحرمونه\" (٣) .\nيقول الشيخ محمد رشيد رضا:\n\"المعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية فهو معروف عن\n_________\n(١) \"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح\" (٢/٢٣٠) .\n(٢) \"الجواب الصحيح\" (١/١١) .\n(٣) \"هداية الحيارى\" (ص ٢٧٤) لابن القيم، دار الريان للتراث.","vol":"1","page":95},{"text":"قدماء المصريين في أيام وثنيتهم، وانتقل منهم إلى اليونان فكانوا يفرضونه لا سيما على النساء، وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومونه إلى الآن. وليس في أسفار التوراة التي بين أيدينا -المحرّفة- ما يدل على فرضية الصيام، وإنما فيها مدحه ومدح الصائمين وثبت أن موسى ﵇ صام أربعين يومًا وهو يدل على أن الصوم كان معروفًا مشروعًا ومعدودًا من العبادات.\nواليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعًا تذكارًا لخراب أورشليم وأخذها، ويصومون يومًا من شهر آب.\nأقول وينقل أن التوراة فرضت عليهم صوم يوم العاشر من الشهر السابع وأنهم يصومونه بليلته ولعلّهم كانوا يسمونه عاشوراء ولهم أيام أخرى يصومونها نهار.\nوأما النصارى: فليس في أناجيلهم المعروفة -المحرّفة- نص في فرضية الصوم وإنما فيها ذكره ومدحه واعتباره عبادة كالنهي عن الرياس وإظهار الكآبة، بل تأمر الصائم بدهن الرأس وغسل الوجه حتى لا تظهر عليه أمارة الصيام فيكون مرائيًا كالفريسيين، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى ﵉، والحواريون ﵃، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروبًا أخرى من الصيام، وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم، وصوم عن السمك، وصوم عن البيض واللبن.\nوكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصوم اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة، فغيّروه، وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار\" (١) .\nيقول الشيخ محمد طاهر عاشور:\n\"كان لليهود صوم فرضه الله عليهم وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم وهو الشهر المسمى عندي \"تِسْرِي\" يبتديء الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر وهو يوم كفارة الخطايا \"كَبُّور\" ثم إن أحبارهم\n_________\n(١) \"تفسير المنار\" (٢/١٤٣-١٤٤) .","vol":"1","page":96},{"text":"شرعوا صوم أربعة أيام أخرى وهي الأيام الأولى من الأشهر الرابع والخامس والسابع والعاشر من سنتهم تذكارًا لوقائع بيت المقدس وصوم يوم \"بُورِيم\" تذكارًا لنجاتهم من غضب ملك الأعاجم \"أحشويروش\" في واقعة (استير) وعندهم صوم التطوع، وفي الحديث: \"أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا\".\nأما النصارى فليس في شريعتهم نص على تشريع صوم زائد على ما في التوراة فكانوا يتبعون صوم اليهود.\nوفي \"صحيح مسلم\" عن ابن عباس \"قالوا: يا رسول الله إن يوم عاشوراء تعظمه اليهود والنصارى\"، ثم إن رهبانهم شرعوا صوم أربعين اقتداء بالمسيح إذ صام أربعين يومًا قبل بعثته ويشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة إلا أنهم يتوسعون في صفة الصوم، فهو عندهم ترك الأقوات المقوية والمشروبات أو هو تناول طعام واحد في اليوم ويجوز أن تلحقه أكلة خفيفة\".\n***","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الباب الرابع\nفصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب</span>","vol":"1","page":99},{"text":"قد تقرر في الشرع أنه لا يجوز للمسلمين رجالًا ونساء التشبه بالكفار سواءً في عباداتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاص بهم، قال تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية: ١٨] .\nوقال تعالى: (وكذلك أنزلناه حكمًا عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق) [الرعد: ٣٧]\nوقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: ١٦] .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولا يكونوا] نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضًا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي.\n* وقال ابن كثير عن تفسير هذه الآية (٤/٣١١):\n\"ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية\".\nوقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) .\nقال قتادة: كانت اليهود تقوله استهزاءً، فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم، وقال أيضًا: كانت اليهود تقول للنبي - ﷺ -: راعنا سمعك يستهزءون بذلك، وكانت في اليهود قبيحة، فهذا يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها، لأن اليهود كانوا يقولونها وإن كانت من اليهود قبيحة، ومن المسلمين لم تكن قبيحة، لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم.\nعن أنس بن مالك: \"إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي - ﷺ - النبي - ﷺ - فأنزل الله تعالى:","vol":"1","page":101},{"text":"(ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) إلى آخر الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: \"اصنعوا كل شيء إلا النكاح\".. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه ... \" (١) الحديث.\nقال ابن تيمية في \"الاقتضاء\":\n\"فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود بل على أنه خالفهم في عامة أمورهم حتى قالوا:\nما يريد أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه.\nقال الألباني ناقلًا لكلام ابن تيمية:\n\"ثم إن المخالفة تارة تكون في أصل الحكم، وتارة في وضعه، وقد ذكرنا حديث ليلى امرأة بشير بن الخصاصية\".\nوعن ابن عباس قال:\n\"حين صام رسول الله - ﷺ - يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع\"، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - ﷺ - (٢) .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فهذا يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر سنة ماضية، صامه رسول الله - ﷺ -، وأمر بصيامه، ورغب فيه، ثم لماّ قيل له (قبيل وفاته): إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، أمر بمخالفتهم، بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك، ولهذا استحب العلماء أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء وبذلك علّلت الصحابة ﵃\" (٣) .\n_________\n(١) رواه مسلم، وأبو عوانة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(٢) رواه مسلم والبيهقي وغيرهما.\n(٣) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (ص ٤١) .","vol":"1","page":102},{"text":"قال سعيد بن منصور حدثنا ... عن ابن عباس: \"صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود\" (١) .\n* وعن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام، ويقول: \"إنهما يومًا عيد المشركين فأنا أحب أن أخالفهم\" (٢) .\nقال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/٣٧٥):\n\"وأشار بقوله (يومًا عيد) إلى أن يوم السبت عيد عند اليهود، والأحد عيد عند النصارى، وأيام العيد لا تصام فخالفهم بصيامها، ويستفاد من هذا أن الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيدًا، بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد فالأولى أن يصاما معًا وفرادى امتثالًا لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب، ثم قال: وقد جمعت المسائل التي وردت الأحاديث فيها بمخالفة أهل الكتاب فزادت على الثلاثين حكمًا وقد أودعتها كتابي الذي أسمتيه \"القول الثبت في صيام يوم السبت\" ا. هـ.\nلا نسب لهذه الأمة إلا المحمدية ليست بإمعة:\nغريبة تبتغي الفرقان رائدة ... بدرية جلّ في أعماقها النسب\n* عن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: \"فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر\" (٣) .\nقال المناوي \"قال النووي: المشهور وضبط الجمهور أنه بفتح الهمزة مصدر للمرة من الأكل، وضبطه المغاربة بالضم، وقال عياض: روي بالفتح والضم\n_________\n(١) قال الألباني: إسناده صحيح على شرطهما.\n(٢) رواه أحمد والحاكم، والبيهقي، والنسائي في \"السنن الكبرى\"، والطبراني في \"الكبير\" وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الألباني: إسناده حسن، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.\n(٣) مسلم، وأصحاب السنن، وأحمد.","vol":"1","page":103},{"text":"فبالضم معنى اللقمة، وبالفتح الأكل مرة واحدة، قال: وهو الأشبه لأن الثواب في الفعل لا في الطعام.\nقال الحافظ العراقي: ولو قيل: الأشبه هنا الضم لم يبعد لأن الفضل يحصل بلقمة ولا يتوقف على زيادة. انتهى، والقصد بهذا الحديث الحث على السحور والإعلام بأن هذا من الدين، وذلك لأن الله أباح لنا إلى الفجر ما حرّم عليهم من نحو أكل وجِماع بعد النوم، فمخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر لتلك النعمة التي خصصنا بها.\nقال ابن تيمية: \"وفيه دليل على أن الفصل بين العبادتين أمر مقصود للشارع.\nقال مالك: ولذلك كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يكرهون ترك العمل يوم الجمعة لئلا يصنعوا فيه كما فعل اليهود والنصارى في يوم السبت والأحد\" (١) .\n* وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون\" (٢) .\nقال شيخ الإسلام:\n\"وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى، وإذا كانت مخالفتهم سببًا لظهور الدين، فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فتكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة\".\n* وقال - ﷺ -: \"لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر\" (٤) خ، م، ت.\n_________\n(١) \"فيض القدير\" (٤/٤٣٠) .\n(٢) رواه الترمذي وأحمد بإسناد حسن قاله الألباني وقال: قد خرجناه في \"التعليقات الجياد على زاد المعاد\".\n(٣) رواه أحمد عن إلى ذر وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٢٨٤) .\n(٤) رواه البخاري ومسلم.","vol":"1","page":104},{"text":"* وقال - ﷺ -: \" لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، فإن اليهود يؤخرون\" (١) .\n* قال المناوي (٦/٣٩٥): \"امتثالًا للسنة ومخالفة لأهل الكتاب حيث يؤخرون الفطر إلى ظهور النجوم، وفيه إيماء إلى أن فساد الأمور تتعلق بتغير هذه السنة، وأن تأخير الفطر علم على فساد الأمور\".\nقال القسطلاني: \"وأمَّا ما يفعله الفلكيون من التمكين بعد الغروب بدرجة فمخالف للسنة فلذا قلّ الخير\".\nوقال أيضًا: \"تعجيل الفطر وتأخير السحور من خصائص هذه الأمة\".\nقال ابن عبد البر: \"أخبار تعجيل الفطر وتأخير السحور متواترة\".\nوقال أيضًا (٦/٤٥٠):\n\"تعجيله بعد تيقن الغروب من سنن المرسلين، فمن حافظ عليه تخلّق بأخلاقهم، ولأن فيه مخالفة أهل الكتاب في تأخيرهم إلى اشتباك النجوم، وفي ملتنا شعار أهل البدع، فمن خالفهم واتبع السنة لم يزل بخير، فإن أخّر غير معتقد وجوب التأخير ولا ندبه فلا خير فيه كما قال الطيبي: أن متابعة الرسول - ﷺ - هو الطريق المستقيم، ومَنْ تعوّج عنها فقد ارتكب المعوّج من الضلال ولو في العبادة\".\n* وعن سهل بن سعد أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تزال أمتي على سنتي، ما لم تنتظر بفطرها النجوم\" (٢) .\nوهذه الخيرية تصيب الأمة بأسرها لبركة اتباع السنة، وينال محي هذه السنة مخالفة لأهل الكتاب من هذه الخيرية النصيب الوافر.\nقال - ﷺ -: \"إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين\" (٣) .\n_________\n(١) حسن رواه ابن ماجة عن أبي هريرة، وابن خزيمة، وابن حبان، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٩٥) .\n(٢) صحيح: رواه ابن حبان في \"صحيحه\"، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/٤٤٩) .\n(٣) حسن: رواه ابن حبان والطبراني في \"الأوسط\" وأبو نعيم في \"الحلية\" عن ابن عمر وحسنه الألباني في \"صحيح\nالجامع\" رقم (١٨٤٤) .","vol":"1","page":105},{"text":"وقال - ﷺ -: \"عليكم بهذا السحور فإنه هو الغداء المبارك\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"هلم إلى الغداء المبارك -يعني السحور-\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"تسحروا ولو بجرعة ماء\" (٣) .\nوقال - ﷺ -: \"ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة (٤) .\n* وقال - ﷺ -: \"إنا معشر الأنبياء أُمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا، ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة\" (٥) .\n* وقال - ﷺ -: \"بكروا بالإفطار وأخروا السحور\" (٦) .\nوقال - ﷺ -: \"السحور أكلة بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين\" (٧) .\nوكان صحابة رسول الله - ﷺ - يسمون السحور الفلاح.\n\"وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر خشيهّ أن يفوتنا الفلاح -السحور- الغداء المبارك، وصلاة الله، ومن أخلاق النبوة لأنه فيه مخالفة لأهل الكتاب فكيف لا تكون فيه الخيرية وظهور هذا الدين\".\nقلّب فؤادك في محاسن شرعنا ... تلقى جميع الحسن فيه مصورا\n_________\n(١) رواه أحمد، والنسائي، عن المقدام وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٠٨١) .\n(٢) صحيح: رواه أحمد وأبو داود، والنسائي، وابن حبان عن العرباض وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٠٤٣) .\n(٣) صحيح: رواه أبو يعلى عن أنس، ورواه الضياء في \"المختارة\"، وأحمد عن أبي سعيد ورواه ابن حبان عن ابن عمرو وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٩٤٥) .\n(٤) رواه الطبراني في \"الكبير\" عن أبي الدرداء وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٠٣٨) .\n(٥) صحيح: رواه الطيالسي، والطبراني في \"الكبير\" عن ابن عباس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٢٨٦) .\n(٦) رواة ابن عدي عن أنس وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٨٣٥) .\n(٧) حسن: رواه أحمد عن أبي سعيد وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٦٨٣) .","vol":"1","page":106},{"text":"كم من معاني في صيام نبينا ... نفح أرق من النسيم إذا سرى\nوانظر لفرق صيامهم وصيامنا ... نهرًا تفجر أحمديا كوثرا\nفدهشت بين جماله وجلاله ... وغدا لسان الحال عني مخبرا\nلو أن كل الحسن أكمل صورة ... ورآه كان مهللًا ومكبرا\n***","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الباب الخامس\nسادات الصائمين</span>","vol":"1","page":109},{"text":"صوم الصالحين\nوردت آثار كثيرة عن السابقين في علو هممهم وأخذهم بالعزائم في العبادات، وهم جبال في الاقتداء والتأسي برسول الله - ﷺ -.\nيقول الشاطبيّ في \"الاعتصام\" (١/٤٠٤): \"نحن نحمل ما داوم عليه الأولون من الأعمال على أنه لم يكن شاقًا عليهم، وإن كان ما هو أقل منه شاقًا علينا، فليس عمل مثلهم بما عملوا به حجة لنا أن ندخل فيما دخلوا فيه، إلَّا بشرط أن يمتد مناط المسألة فيما بيننا وبينهم، وهو أن يكون ذلك العمل لا يشق الدوام على مثله.\nوليس كلامنا هذا لمشاهدة الجميع، فإن التوسط والأخذ بالرفق هو الأولى والأحرى للجميع، وهو الذي دلت عليه الأدلة دون الإيغال الذي لا يسهل مثله على جميع الخلق ولا أكثرهم؛ إلا على القليل النادر منهم، والشاهد لصحة هذا المعنى قوله - ﷺ -: \"إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني\" (١)، يريد ﵇: أنه لا يشق عليه الوصال، ولا يمنعه عن قضاء حق الله وحقوق الخلق.\nفعلى هذا؛ من رزق أنموذجًا مما أعطه ﵇، فصار يوغل في العمل مع قوته ونشاطه وخفة العمل عليه؛ فلا حرج\" (٢) .\nيقول الشاطبي: \"كم من رجل صلى الصبح بوضوء العشاء كذا كذا سنة، وسرد الصيام كذا وكذا سنة، وكانوا هم العارفين بالسنة، لا يميلون عنها لحظة، وروي عن ابن عمر وابن الزبير: أنهما كانا يواصلان الصيام (٣) وأجاز مالك -وهو\n_________\n(١) جزء من حديث صحيح.\n(٢) \"الاعتصام\" (١/٤٠٤) .\n(٣) قال في \"الاعتصام\" (١/٤٠٥): \"ويكون عمل ابن الزبير وابن عمر وغيرهما في الوصال جاريًا على أنهم مما\nأعطيه رسول الله - ﷺ - وهذا بناء على أصل مذكور في كتاب \"الموافقات\" والحمد لله.","vol":"1","page":111},{"text":"إمام في الاقتداء (١) - صيام الدهر؛ يعني إذا أفطر أيام العيد، والآثار في هذا المعنى كثيرة عن الأولين، وهي تدل على الأخذ بما هو شاق على الدوام ولم يعدهم أحد بذلك مخالفين للسُنة، بل عدوهم من السابقين -جعلنا الله منهم- وأيضًا فإن النهي ليس عن العبادة المطلوبة بل هو عن الغلوّ فيها غلوًا يدخل المشقة على العامل، فإذا فرضنا من فُقدت في حقه تلك العِلة فلا ينهض النهي في حقه؛ كما إذا قال الشارع: لا يقضي القاضي وهو غضبان، وكانت علة النهي تشويش الفكر عن استيفاء الحجج؛ اطّرد النهي مع كل مشوش، وانتهى عند انتفائه حتى أنه مع وجود الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الحجج، وهذا صحيح جار على الأصول.\nوحال من فقدت في حقه العِلة حال من يعمل بحكم منْ غلبه الشوق أو غلبه الرجاء أو المحبة، فإن الخوف سوط سائق، والرجاء حادٍ قائد، والمحبة سبيل حامل، فالخائف إن وجد المشقة، فالخوف مما هو أشق يحمله على الصبر على ما هو أهون وإن كان العمل شاقًّا، والراجي يعمل وإن وجد المشقة، لأن رجاء الراحة التامة يحمله على الصبر على بعض التعب، والمحب يعمل ببذل المجهود؛ شوقًا إلى المحبوب، فيسهل عليه الصعب، ويقرب عليه البعيد، فيوهن القوى ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة، ويعصر الأنفاس ولا يرى أنه قضى نهمته.\nوإذا كان كذلك صحَّ بين الأدلة، وجاز الدخول في العمل التزامًا مع الإيغال فيه! إما مطلقًا وإمَّا مع ظن انتفاء العِلة، وإن دخلت المشقة فيما بعد؛ إذا صحّ من العامل الدوام على العمل ويكون ذلك جاريًا على مقتضى الأدلة وعمل السلف الصالح\" (٢) .\nفالحاصل: جواز الاجتهاد في العبادة بشروط:\nالأول: أن لا يحصل له ملل يفقده لذة العبادة بدليل \"ليصل أحدكم نشاطه\"\nالثاني: أن يكثر حسب طاقته، ودليله: \"عليكم من الأعمال ما تطيقون\"\n_________\n(١) قال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم.\n(٢) \"الاعتصام\" (١/٤٠٠-٤٠١) .","vol":"1","page":112},{"text":"الثالث: لا يفوت من الأعمال ما هو أهم، ويدل عليه قول عمر \"لأن أشهد الصبح في جماعة أحبَّ إلي من أن أقوم ليلة\".\nالرابع: أن لا يضيع حقًّا شرعيًّا، كما حصل لابن عمرو وأبي الدرداء.\nالخامس: أن لا يبطل رخصة شرعية، كما ظنَّ الرهط الذين تقالوا عمل النبي - ﷺ - في بيته.\nالسادس: أن لا يوجب ما ليس بواجب شرعي، كما أوجب ابن مظعون على نفسه.\nالسابع: أن يأتي بالعبادة المجتهد فيها بتمامها، بدليل: \"لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث\".\nالثامن: أن يداوم على ما يختاره من العبادة، بدليل \"أحب الأعمال إلا الله أدومها\".\nالتاسع: أن لا يجتهد بحيث يورث الملل لغيره، أخذًا بحديث \"إذا صلى أحدكم فليخفف\".\nالعاشر: أن لا يعتقد أنه أفضل عملًا مما كان عليه - ﷺ - من تقليل العمل (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>(١) صوم الفاروق عمر بن الخطاب (﵁)</span>\nالمفارق للتنعم والترفيه، المعانق لما كُلِّف من التشمر والتوجه.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"لم أر عبقريًا يفري فَرِية\" (٢) .\nعن ابن عمر (﵄) قال: ما مات عمر حتى سرد الصوم (٣) .\n_________\n(١) بتصرف من \"إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس ببدعة\" للكنوي (من ١٤٧-١٥٣) ط مكتب المطبوعات الإسلامية.\n(٢) متفق على صحته.\n(٣) \"صفة الصفوة\" لابن الجوزي (١/٢٨٦)، والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١/١٢١)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/٣٠١)، وابن حزم في \"المحلى\" (٧/١٤) .","vol":"1","page":113},{"text":"فمنْ يسعَ أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يُسبق (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>(٢) صوم ذي النورين عثمان بن عفان (﵁)</span>\nأمير البررة وقتيل الفجرة.\nحبيب محمد ووزير صدق ... ورابع خير من وطيء الترابا\nقال أبو نعيم عنه: \"حظه من النهار الجود والصيام، ومن الليل السجود والقيام، مبشر بالبلوى، ومنعم بالنجوى\" (٢) .\nوعن الزبير بن عبد الله، عن جدة له يقال لها هيمة قالت: \"كان عثمان يصوم الدهر، ويقوم الليل إلا هجعة من أوله\" ﵁ قتلوه وقد كان صائمًا (٣) .\nوروى ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (٧/٢٠٧): \"صلى صلاة الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال: إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة فقالا لي: صم يا عثمان إنك تفطر عندنا، وإني أشهدكم أني وقد أصبحت صائمًا وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالمًا مسلومًا منه ثم دعا بالمصحف فأكب عليه\" ﵁ \"ما طوى المصحف ... وقتلوه وهو يقرؤه\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>(٣) صوم أبي طلحة الأنصاري</span>\nزيد بن سهل، أحد أعيان البدريين وأحد النقباء الاثنى عشر ليلة العقبة، قال عنه - ﷺ -: \"لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل\" (٤) .\nعن أنس (﵁) قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول\n_________\n(١) \"صفة الصفوة\" (١/٢٩٢) .\n(٢) \"الحلية\" (١/٥٥) .\n(٣) \"الحلية\" (١/٥٦)، و\"صفة الصفوة\" (١/٣٠٢) .\n(٤) صحيح: رواه الحاكم في \"المستدرك\" عن جابر، ورواه ابن عساكر وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٠٨١) .","vol":"1","page":114},{"text":"الله - ﷺ - من أجل الغزو، فلما قبض النبي - ﷺ - لم أره يفطر إلَّا يوم أضحى أو يوم فطر (١) .\nوقال الذهبيّ: \"كان قد سرد الصوم بعد النبي - ﷺ -\" (٢) .\nقال أبو زرعة الدمشقي: إن أبا طلحة عاش بعد رسول الله - ﷺ - أربعين سنة يسرد الصوم (٣) . قال الذهبى: قلت بل عاش بعده نيفًا وعشرين سنة (٤) .\nوعن أنس: \"أن أبا طلحة صام بعد رسول الله - ﷺ - أربعين سنة لا يفطر إلا يوم فطر أو أضحى\" (٥) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>(٤) صوم عائشة زوج رسول الله - ﷺ </span>-\n\"الصديقة بنت الصديق، العتيقة بنت العتيق، حبيبة الحبيب، وأليفة القريب، سيد المرسلين محمد الخطيب، المبرأة من العيوب، المعراة من ارتياب القلوب لرؤيتها جبريل رسول علام الغيوب\" (٦) .\nعن عبد الرحمن بن القاسم: أن عائشة كانت تصوم الدهر (٧) وأخرجه ابن سعد عن القاسم بلفظ: أن عائشة كانت تسرد الصوم (٨) .\nعن عروة: أن عائشة (﵂) كانت تسرد الصوم، وعن القاسم أنها كانت تصوم الدهر، لا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر) (٩)، قال عروة: بعث\n_________\n(١) \"المعجم الكبير\" للطبراني (٥/٩١)، وأشار الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي إلى صحته.\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (١/٢٧) .\n(٣) \"تاريخ دمشق\" لأبي زرعة (٥٦٢) .\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" (١/٢٩) .\n(٥) \"المستدرك\" (٣/٣٥٣)، وقال على شرط مسلم.\n(٦) \"حلية الأولياء\" (٣/٤٣) .\n(٧) \"سير أعلام النبلاء\" (١/١٨٧)، ورجاله ثقات أخرجه ابن سعد (٨/٦٨) .\n(٨) أخرجه ابن سعد (٨/٧٥) .\n(٩) \"السمط الثمين\" (ص ٩)، و\"صفة الصفوة\" (٢/٣١) . والمعنى: أنها كانت تصوم غير الأيام المنهي عنها: كالعيدين، وأيام التشريق والحيض.","vol":"1","page":115},{"text":"معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف درهم، فقسمتها؛ لم تترك منها شيئًا، فقالت بريرة: \"أنت صائمة، فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحمًا؟ \" قالت: \"لو ذكرتني لفعلت\" (١) .\nوعن محمد بن المنكدر عن أم ذَرَّة وكانت تغشى عائشة (﵁) قالت. بعث إليها الزبير بمال في غرارتين، قالت: أراه ثمانين ومائة ألف فدعت بطبق وهي صائمة يومئذ، فلما أمست قالت: \"يا جارية هلمي فطوري فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم ذرّة: \"أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحمًا نفطر عليه\" فقالت: \"لا تعنفيني، لو كنت أذكرتني لفعلت\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>(٥) صوم أم المؤمنين حفصة بنت عمر</span>\nالقوامة الصوامة، حفصة بنت عمر بن الخطاب، وارثة الصحيفة، الجامعة للكتاب (٣) .\nعن قيس بن زيد أن النبي - ﷺ - طلق حفصة بنت عمر فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شِبَع، وجاء النبي - ﷺ - فتجلببت، قال: فقال لي جبريل ﵇: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة (٤)، أي شهادة أعظم من شهادة الله وجبريل لحفصة ﵂، وأنعم بها من عبادة كانت سببًا لرجوع أم المؤمنين حفصة إلى رسولنا - ﷺ - لتبقى له زوجة في الجنة.\nوعن نافع قال: \"ماتت حفصة حتى ما تفطر\".\n_________\n(١) أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/٤٧)، والحاكم (٤/١٣) .\n(٢) ابن سعد (٨/٤٦)، و\"الحلية\"، (٢/٤٧)، ورجاله ثقات.\n(٣) \"الحلية\" (٢/٥٠) .\n(٤) حسن: أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" عن أنس وقيس بن زيد.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>(٦) صوم أبي الدرداء حكيم الأمة وسيد القراء</span>\nوامق العبادة، فارق التجارة، داوم على العمل استباقًا، وأحب اللقاء اشتياقًا، تفرّغ من الهموم ففتحت له الفهوم، صاحب الحكم والعلوم (١) .\nقال أبو الدرداء: \"كنت تاجرًا قبل أن يبعث محمد - ﷺ -، فلما بعث محمد زاولت العبادة والتجارة فلم يجتمعا، فأخذت في العبادة وتركت التجارة\" (٢) .\nوفي رواية: \"كنت تاجرًا قبل المبعث، فلما جاء الإسلام جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فتركت التجارة ولزمت العبادة\" (٣) .\nقال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء (٤) .\nوعن يزيد بن معاوية: أن أبا الدرداء كان من العلماء الفقهاء الذين يشفون من الداء (٥) .\nعن أبي جحيفهّ أن رسول الله - ﷺ - آخى بين سلمان وأبي الدرداء فجاءه سلمان يزوره، فإذا أم الدرداء متبذلة (٦)، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك لا حاجة له في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، فجاء أبو الدرداء فرحب به وقرب إليه طعامًا، فقال له سلمان: كل، قال: إني صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرن، فأكل معه، ثم بات عنده، فلما كان من الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم، فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقًّا، ولربك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، صم، وأفطر، وصل، وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه، فلما كان وجه الصبح، قال: قم الآن إن شئت؛ فقاما، فتوضأ، ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا\n_________\n(١) \"الحلية\" (١/٢٨) .\n(٢) \"الحلية\" (١/٢٩) .\n(٣) ابن سعد (٧/٣٩١)، قال الهيثمي (٩/٣٦٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(٤) ابن عساكر (٢/١٣/٣٧١) .\n(٥) \"سير أعلام النبلاء\" (٢/٣٤٦) .\n(٦) أي لابسة ثياب البذلة وهي المهنة.","vol":"1","page":117},{"text":"أبو الدرداء ليخبر رسول الله - ﷺ - بالذي أمره سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقًّا، مثل ما قال لك سلمان\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>(٧) صوم عبد الله بن عمرو بن العاص</span>\nصاحب الصيام والقيام، \"الإمام الحبر العادل\" \"له مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل\" (٢) .\nعن عبد الله بن عمرو قال: \"أنكحنى أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته (٣) فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشًا ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي - ﷺ - فقال: \"ألقنى به فلقيته بعد، فقال: كيف تصوم؟ قلت أصوم كل يوم، قال: وكيف تختم؟ قلت: كل ليلة، قال: صم في كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين وصم يومًا، قال قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صمْ أفضل الصوم صيام داود، صيام يوم وإفطار يوم واقرأ في كل سبعة ليالي مرة\"، فليتني قبلت رخصة رسول الله - ﷺ - وذاك أني كبرت وضعفت فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئًا فارق النبى - ﷺ - (٤) .\nوعند النسائي قلت: دعني أستمتع من قوتي وشبابى قال: \"اقرأه في عشرين قلت: دعني أستمتع؛ قال: اقرأْه فى سبع ليال، قلتْ: دعني يا رسول الله أستمتع قال: فأبى\" (٥) .\n_________\n(١) البخاري، والترمذي.\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٣/٨٠) .\n(٣) كنته: بفتح الكاف وتشديد النون هي زوج الولد.\n(٤) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب \"في كم يقرأ القرآن\" (٨/٧١٢، ٧١٣) .\n(٥) رواه النسائى.","vol":"1","page":118},{"text":"وصح أن رسول الله - ﷺ - نازله إلى ثلاث ليال ونهاه أن يقرأ في أقل من ثلاث (١) .\nوعند أحمد عن عبد الله بن عمرو \"زوجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت على جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، فجاء أبي إلى كنفه، فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير رجل من رجل لم يفتش لنا كنفًا، ولم يقرب لنا فراشًا، قال: فأقبل على، وعضني بلسانه، ثم قال: أنكحتك امرأة ذات حسب، فعضلتها وفعلت، ثم انطلق، فشكاني إلى النبي - ﷺ - فطلبني فأتيته، فقال لي: \"أتصوم النهار وتقوم الليل\"؟ قلت: نعم، قال. \"لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (٢) .\nعن عبد الله بن عمرو قال: دخل رسول الله - ﷺ - بيتى هذا، فقال: \"يا عبد الله ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار؟ \" قلت: إني لأفعل، فقال: \"إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، فكأنك قد صمت الدهر كله\" قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني، فقال: \"فخمسة أيام\"، قلت: إني أجد قوة، قال: \"سبعة أيام\" فجعل يستزيده، ويزيده حتى بلغ النصف، وأن يصوم نصف الدهر. \"إن لأهلك عليك حقًا، وإن لعبدك عليك حقًَا، وإن لضيفك عليك حقّا\"، وكان بعدما كبر وسنّ يقول: ألا كنت قبلت رخصة النبي - ﷺ - أحب إلي من أهلي ومالي (٣) .\nقال الذهبي: هذا السيد العابد الصاحب كان يقول -لماّ شاخ-: ليتني قبلت رخصة رسول الله - ﷺ -، فرضي الله عن صاحب الصيام والقيام الذي زمّ نفسه في تعبده وورده بالسنة النبوية.\n_________\n(١) أبو داود والترمذي وابن ماجة.\n(٢) رجاله ثقات.\n(٣) إسناده حسن، رواه أحمد في \"مسنده\" (٢/٢٠٠) .","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>(٨) صوم عبد الله بن عمر</span>\n\"الإمام القدوة شيخ الإسلام\" (١) المتعبد المتهجد، يكفيه قول رسول الله - ﷺ -: \"نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل\" (٢)، وقوله: \"إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل\" (٣) .\nقال عنه نافع: \"كان ابن عمر لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر\" (٤) .\nعن سعيد بن جبير قال: لما احتضر ابن عمر، قال: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا، يعني الحجاج (٥) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>(٩) صوم أبي أمامة الباهلي</span>\nصاحب رسول الله - ﷺ -.\nعن رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة: أنشأ رسول الله - ﷺ - جيشا فأتيته، فقلت: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، قال: \"اللهم سلمهم وغنمهم\"، فغزونا، فسلمنا وغنمنا، حتى ذكر ذلك ثلاث مرات، قال: ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله، إني أتيتك تترى ثلاث مرات، أسألك أن تدعو لي بالشهادة، فقلت: \"اللهم سلمهم وغنمهم\"، فسلمنا وغنمنا يا رسول الله، فمرني بعمل أدخل به الجنة، فقال: \"عليك بالصوم فإنه لا مثل له\" قال: فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهارًا إلا إذا نزل بهم ضيف، فإذا رأوا الدخان نهارًا عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف\" (٦) .\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (٣/٢٠٤) .\n(٢) صحيح: رواه البخاري، ومسلم، وأحمد.\n(٣) صحيح: رواه البخاري، ومسلم وابن ماجة.\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" (٣/٢١٥) .\n(٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن سعد (٤/١٨٥)، والذهبي في \"السير\" (٣/٢٣٢) .\n(٦) إسناده صحيح على شرط مسلم، أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\"، وابن أبي شيبة، والنسائي، والطبراني، وعبد الرزاق.","vol":"1","page":120},{"text":"وعند أمامة: فكان أبو أمامة، وامرأته، وخادمه لا يُلْفَون إلا صيامًا (١) .\nقال الذهبي: \"ولأبي أمامة كرامة باهرة جزع هو منها، وهي في كرامات الداكالي وأنه تصدق بثلاثة دنانير، فلقي تحت كراجته ثلاث مئة دينار (٢) .\nوفي \"تاريخ الذهبى\" (٣/٣١٥) عن مولاة لأبي أمامة قالت: \"كان أبو أمامة يحب الصدقة ولا يقف به سائل إلا أعطاه، فأصبحنا يومًا وليس عنده إلا ثلاثة دنانير، فوقف به سائل، فأعطاه دينارًا، ثم آخر، فكذلك، ثم آخر، فكذلك، قلت: لم يبق لنا شيء، ثم راح إلى مسجده صائمًا، فرققت له واقترضت له ثمن عشاء، وأصلحت فراشه، فإذا تحت المرفقة ثلاث مئة دينار، فلما دخل ورأى ما هيأت له، حمد الله وابتسم، وقال: هذا خير من غيره، ثم تعش، فقلت: يغفر الله لك جئت بما جئت به، ثم تركته بموضع وضيعه! قال: وما ذاك؟ قلت: الذهب ورفعت المرفقة، ففزع لما رأى، وقال: ما هذا ويحك؟ قلت: لا علم لي، فكثر فزعه\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>(١٠) صوم عبد الله بن الزبير</span>\nأمير المؤمنين ابن الحواريّ عائذ ببيت الله، المشاهد في القيام، المواصل للصيام.\nقال الذهبى: عدّوه في صغار الصحابة، وإن كان كبيرًا في العلم والشرف والجهاد والعبادة.\nقالت عنه أسماء بنت أبي بكر أنه: قوّام الليل، صوام النهار، وكان يسمى حمام المسجد (٣) .\nعن ابن أبي مليكة قال: \"كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام، ويصبح في اليوم السابع وهو أليثنا\" (٤) .\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (٣/٣٦٠) .\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٣/٣٦٢) .\n(٣) \"حلية الأولياء\" (١/٣٣٥)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٣/٣٦٧) .\n(٤) رواه الحاكم (٣/٥٤٩)، أليثنا: أي كأنه ليث.","vol":"1","page":121},{"text":"لقد كان ابن الزبير مع ملكه صنفًا في العبادة (١) .\nوقال ابن عمر وقد رآه مصلوبًا: \"السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صوّامًا قوّامًا وصولًا للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>(١١) صوم عبد الله بن رواحة</span>\nالأمير السعيد الشهيد البدري النقيب، أبو عمرو الأنصاريّ الخزرجي شاعر رسول الله - ﷺ -.\nعن أبي الدرداء ﵁ قال: \"خرجنا مع النبي - ﷺ - في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي - ﷺ - وابن رواحة\" (٣) .\nوعند الذهبي في \"السير\": \"إن كنا لنكون مع رسول الله - ﷺ - فى السفر في اليوم الحار ما في القوم أحد صائم إلا رسول الله - ﷺ - وعبد الله بن رواحة\" (٤) .\nعن ابن أبي ليلى: تزوج رجل امرأة ابن رواحة، فقال لها: تدرين لِمَ تزوجتك؟ لتخبريني عن صنيع عبد الله في بيته، فذكرت له شيئًا لا أحفظه غير أنها قالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته، صلى ركعتين، وإذا دخل صلى ركعتين لا يدع ذلك أبدًا\" (٥) .\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (٣/٣٦٨) .\n(٢) رواه مسلم في \"صحيحه\".\n(٢) خ، م، د، هـ، رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وابن ماجه.\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" (١/٢٣٢-٢٣٣) .\n(٥) إسناده صحيح: نسبه الحافظ في \"الإصابة\" (٦/٧٨-١٧٩)، ابن المبارك في \"الزهد\" وصحح سنده، ورواه\nالذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (١/٣٣) ورجاله ثقات.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>(١٢) صوم الصحابي الجليل حمزة بن عمرو الأسلمي</span>\nكان (﵁) يسرد الصوم.\nروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم فأصوم في السفر قال: \"صم إن شئت وأفطر إن شئت\".\nقال النووي: \"فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقته أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضررًا، ولا يفوت به حقًّا بشرط فطر يومي العيدين والتشريق، لأنه أخبر بسرده ولم ينكر عليه، بل أقره عليه، وأذن له فيه في السفر، ففي الحضر أولى.\nوهذا محمول على أن حمزة بن عمرو كان يطيق السرد بلا ضرر ولا تفويت حق، كما في الرواية التي بعدها (أجد بي قوة على الصيام في السفر)، وأما إنكاره - ﷺ - على ابن عمرو بن العاص صوم الدهر، فلأنه علم - ﷺ - أنه سيضعف عنه، وهكذا جرى بأنه ضعف في آخر عمره، وكان يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله - ﷺ - وكان رسول الله - ﷺ - يحب العمل الدائم وإن قلَّ ويحثهم عليه\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>(١٣) صوم أبي مسلم الخولاني</span>\n\"المتسلي بالأوراد والنوب، الخولانى عبد الله بن ثوب، حكيم الأمة وممثلها، ومديم الخدمة ومحررها\" (٢) .\nعن عطية بن قيس، قال: دخل ناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غاز في أرض الروم، وقد احتفر جُورةً في فسطاطه (٣)، وجعل فيها نِطعًا وأفرغ فيه الماء\n_________\n(١) صحيح: مسلم بشرح النووي.\n(٢) \"حلية الأولياء\" (٢/١٢٢) .\n(٣) البيت من الشعر.","vol":"1","page":123},{"text":"وهو يتصلق (١) فيه، فقالوا: ما حملك على الصيام وأنت مسافر؟ قال: لو حضر قتال لأفطرت ولتهيأت له وتقويت، إن الخيل لا تجري الغايات وهُنّ بُدن، إنما تجري وهن ضُمَّر؛ ألا وإن أيامنا باقية جائية\" (٢)، وفي الحلية: \"بين أيدينا أيامًا لها نعمل\" (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>(١٤) صوم عامر بن عبد قيس</span>\nالقدوة الولي الزاهد راهب هذه الأمة.\nكان يقول: \"لذات الدنيا أربعة: المال، والنساء، والنوم، والطعام، فأما المال والنساء فلا حاجة لي فيهما، وأما النوم والطعام فلابد لي منهما، فوالله لأضرن بهما جهدي، ولقد كان يبيت قائمًا، ويظل صائمًا\" (٤) .\n\"وعن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية، عامر بن عبد الله بن عبد قيس، وأويس القرني، وهرم بن حيان، والربيع بن خيثم، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وأبو مسلم الخولاني، والحسن بن أبي الحسن\" (٥) .\nوكان يقول: \"ما أبكي على دنياكم رغبة فيها، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء\" (٦) .\nوعن قتادة: \"لما احتضر عامر بكى، فقيل ما يبكيك؟ قال: ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل\" (٧) .\n_________\n(١) يتصلق: يتقلب ويتلوى على جنبه.\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/١٠) .\n(٣) \"الحلية\" (٢/١٢٧) .\n(٤) \"الحلية\" (٢/٨٨) .\n(٥) \"الحلية\" (٢/٨٧) .\n(٦) \"الحلية\" (٢/٨٨) .\n(٧) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/١٩) .","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>(١٥) صوم الأسود بن يزيد النخعي</span>\nالإمام القدوة، القارئ القوَّام، الساري الصوَّام، الفقيه الأثير، الفقير الأسير \"هو نظير مسروق في الجلالة والعلم والثقة والسن يضرب بعبادتهما المثل\" (١) .\nسئل الشعبى عن الأسود فقال: \"كان صوّامًا قوّامًا حجّاجًا\" (٢) .\nوعن علقمة بن مرثد، قال: \"انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم الأسود ابن يزيد كان مجتهدًا في العبادة يصوم حتى يخضر جسده ويصفر، وكان علقمة ابن قيس يقول له: ويحك لِمَ تعذب هذا الجسد؟ قال: راحة هذا الجسد أريد، [إن الأمر جد، إن الأمر جد] (٣)، فلما احتضر بكى فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: ما لي لا أجزع ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله ﷿ لهمّني الحياء منه مما قد صنعته، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه، فلا يزال مستحيًا منه\" (٤) .\nوروى شعبة عن الحكم أن الأسود كان يصوم الدهر (٥) .\nوروى حماد عن إبراهيم، كان الأسود يصوم حتى يَسود لسانه من الحر (٦) .\nوعن عبد الله بن بشران علقمة والأسود بن يزيد حجا، وكان الأسود صاحب عبادة، وصام يومًا فكان الناس بالهجير وقد تربد وجهه، فأتاه علقمة فضرب على فخذه فقال: ألا تتق الله يا أبا عمرو في هذا الجسد؟ علام تعذب هذا الجسد؟ فقال الأسود: يا أبا شبل الجد الجد (٧) .\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٥٠) .\n(٢) \"حلية الأولياء\" (٢/١٠٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/٥١) .\n(٣) \"الاعتصام\" للشاطبى (١/٣٩٩) .\n(٤) \"حلية الأولياء\" (٢/١٠٣، ١٠٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/٥٢) .\n(٥) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٥٢) .\n(٦) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٥٣) .\n(٧) \"حلية الأولياء\" (٢/١٠٤) .","vol":"1","page":125},{"text":"قال حنس بن حارث: رأيت الأسود وقد ذهبت إحدى عينيه من الصوم (١) لا ضير إن كانت الجنة فسيبدل الله بعين أصح منها.\nما ضرَّهم ما أصابهم جبر الله لهم بالجنة كل مصيبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>(١٦) صوم مسروق بن عبد الرحمن</span>\n\"في العلم معروق، وبالضمان موثوق، ولعباد الله معشوق، أبو عائشة مسروق\" (٢) .\nعن الشعبي قال: \"غشي على مسروق في يوم صائف، وكانت عائشة قد تبنته فسمى بنته عائشة، وكان لا يعصي ابنته شيئًا، قال: فنزلت إليه فقالت: يا أبتاه أفطر واشرب، قال: ما أردت لي يا بُنية؟ قالت: الرفق، قال. يا بنية، إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين إلى سنة\" (٣)، وفي رواية: \"إنما طلبت الرفق لتعبي\" (٤) .\nقالت له عائشة الصديقة: \"يا مسروق إنك من ولدي، وإنك لمن أحبهم إلي\" (٥) .\nوكان لا يأخذ على القضاء أجرًا، وكان يقول: \"لأن أفتي يومًا بعدل وحقّ أحب إلي من أن أغزو سنة\" (٦) .\nقال الأصمعى: كان مسروق يتمثل:\nويكفيك مما أغلق الباب دونه ... وأرخى عليه الستر ملح وجردق\nوماء فرات بارد ثم تغتدي ... تعارض أصحاب الثريد الملبق\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (٢/١٠٤) .\n(٢) \"حليهْ الأولياء\" (٢/٩٥) .\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٦٧-٦٨) .\n(٤) \"الاعتصام\" (١/٤٠٠) .\n(٥) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٦٦) .\n(٦) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٦٨،٦٦) .","vol":"1","page":126},{"text":"تجشأ إذا ما هم تجشأوا كأنما ... غذيت بألوان الطعام المفتق\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>(١٧) صوم العلاء بن زياد</span>\n\"المبشر المحزون، المستتر المخزون، تجرد من الثلاد، وتشمر للمهاد، وقدّم العتاد للمعاد، العلاء بن زياد\" (١) .\nكان ربانيًّا تقيًا قانتًا لله، بكّاء من خشية الله.\nقال قتادة: كان العلاء بن زياد قد بكى حتى غشي بصره، وكان إذا أراد أن يقرأ أو يتكلم، جهشه البكاء، وكان أبوه قد بكى حتى عمي.\nقال الحسن لعلاء بن زياد وقد سله الحزن كيف أنت يا علاء؟ فقال: واحزناه على الحزن.\nقال الحسن: قوموا فإلى هذا والله انتهى استقلال الحزن\" (٢) .\nوعن هشام بن حسان أن العلاء بن زياد كان قوت نفسه رغيفًا كل يوم وكان يصوم حتى يخضرّ أو يصلي حتى يسقط فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا كله، فقال: إنما أنا عبد مملوك لا أدع من الاستكانة شيئًا إلا جئته به\" (٣) .\nقال له رجل: رأيت كأنك في الجنة فقال له. ويحك أما وجد الشيطان أحدًا يسخر به غيري وغيرك (٤) .\nوكان يقول: \"لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه تعالى نفسه فأقاله فليعمل بطاعة الله ﷿\" (٥) .\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (٢/٢٤٢) .\n(٢) \"الحلية\" (٢/٢٤٢) .\n(٣) \"الحلية\" (٢/٢٤٣) .\n(٤) \"الحلية\" (٢/٢٤٥) .\n(٥) \"الحلية\" (٢/٢٤٤) .","vol":"1","page":127},{"text":"قال سلمة بن سعيد رئي العلاء بن زياد أنه من أهل الجنة فمكث ثلاثًا لا ترقأ له دمعة ولا يكتحل بنوم ولا يتذوق طعامًا فأتاه الحسن فقال: أي أخي أتقتل نفسك أن بُشرت بالجنة فازداد بكاء\" فلم يفارقه حتى أمسى وكان صائمًا فطعم شيئًا\" (١) .\nعن هشام بن زياد العدوي قال: تجهز رجل من أهل الشام وهو يريد الحج فأتاه آت في منامه فقال: ائت العراق ثم ائت البصرة ثم ائت بني عدي فائت بها العلاء ابن زياد فإنه رجل أقصم الثنية بسام فبشره بالجنة، قال: فقال: رؤيا ليست بشيء حتى إذا كانت الليلة الثانية رقد فأتاه آت فقال: ألا تأتي العراق فذكر مثل ذلك حتى إذا كانت الليلة الثالثة جاءه بوعيد فقال: ألا تأتي العراق ثم تأتي البصرة ثم تأتي بني عدي فتلقى العلاء بن زياد رجل ربعة أقصم الثنية بسام فبشره بالجنة قال فأصبح وأخذ جهازه إلى العراق فلما خرج من البيوت إذا الذي أتاه في منامه يسير بين يديه ما سار، فإذا نزل فقده فلم يزل يراه حتى دخل الكوفة ففقده قال: فتجهز من الكوفة فرآه يسير بين يديه ما سار حتى قدم البصرة فأتى بني عدي فدخل دار العلاء ابن زياد فوقف الرجل على باب العلاء فسلم. قال هشام: فخرجت إليه فقال لي: أنت العلاء بن زياد؟ قلت: لا، وقلت: أنزل رحمك الله فضع رحلك وضع متاعك فقال: لا أين العلاء بن زياد؟ قلت: هو في المسجد، قال: وكان العلاء يجلس في المسجد ويدعو بدعوات ويحدث قال هشام: فأتيت العلاء فخفف من حديثه وصلى ركعتين ثم جاء فلما رآه العلاء تبسم فبدت ثنيته فقال: هذا والله صاحبي قال: فقال العلاء: هلا حططت رحل الرجل هَلَّا أنزلته؟ قال: قد قلت له فأبى، قال: فقال العلاء: انزل رحمك الله، قال: فقال الرجل: أدخلني قال، فدخل العلاء منزله وقال: يا أسماء تحولي إلى البيت الآخر قال فتحولت ودخل الرجل وبشره برؤياه ثم خرج فركب قال: وقام العلاء فأغلق بابه وبكى ثلاثة أيام وقال سبعة أيام لا يذوق فيهما طعامًا ولا شرابًا ولا يفتح بابه، قال هشام فسمعته يقول في خلال بكائه أنا أنا قال: فكنا نهابه أن نفتح بابه وخشيت أن يموت فأتيت الحسن فذكرت له ذلك وقلت لا أراه إلا ميتًا لا جمل ولا يشرب باكيًا قال: فجاء\n_________\n(١) \"السير\" (٤/٢٠٣) .","vol":"1","page":128},{"text":"الحسن حتى ضرب عليه بابه وقال: افتح يا أخي فلما سمع كلام الحسن قام ففتح بابه وبه من الضرّ شيء الله به عليم فكلمه الحسن ثم قال: رحمك الله ومن أهل الجنة إن شاء الله أفقاتل نفسك أنت، قال هشام: حدثنا العلاء لي وللحسن بالرؤيا وقال: لا تحدثوا بها ما كنت حيّا\" (١) .\nلك الله يا علاء أئن بشرت بالجنة صمت وبكيت حتى أشرفت على الموت، لك الله يا إمام ولك من اسمك أوفر نصيب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>(١٨) صوم سعيد بن المسيب سيد التابعين</span>\nعالم العلماء كما قال مكحول فقيه الفقهاء - حدث يزيد بن أبي حازم أن سعيد بن المسيب كان يسرد الصوم وقال ابن المسيب: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>(١٩) صوم أبي بكر بن عبد الرحمن راهب قريش</span>\nالإمام أحد فقهاء المدينة السبعة وكان من سادات قريش، قال ابن سعد، كان يقال له راهب قريش لكثرة صلاته (٣) .\nروى الشعبي عن عمر بن عبد الرحمن أن أخاه أبا بكر كان يصوم ولا يفطر.\nقال الذهبي: \"قلت كان أبو بكر بن عبد الرحمن ممن جمع العلم والعمل والشرف وكان ممن خلف أباه في الجلالة\" (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>(٢٠) صوم عروة بن الزبير</span>\nعالم المدينة أحد الفقهاء السبعة وابن حواري رسول الله - ﷺ - مُكن من الطاعة\n_________\n(١) \"الحلية\" (٢/٢٤٥-٢٤٦)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٢٠٣-٢٠٤) .\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٢٢١)، وقال الذهبي إسناده ثابت.\n(٣) \"طبقات ابن سعد\" (٥/٢٠٧-٢٠٨) .\n(٤) \"السير\" (٤/٤١٧-٤١٨) .","vol":"1","page":129},{"text":"فاكتسب وامتحن بالمحنة فاحتسب عروة بن الزبير بن العوام المجتهد المتعبد الصوام (١) .\nقال الزهري: \"جالست ابن المسيب سبع سنين لا أرى أن عالمًا غيره ثم تحولت إلى عروة ففجرّت به ثبج بحر.\nوقال أيضًا: رأيت عروة بحرًا لا تكدره الدلاء\" (٢) .\nعن هشام بن عروة أن أباه كان يصوم الدهر إلا يوم الفطر ويوم النحر ومات وهو صائم ويعفوا يقولون له أفطر فلم يفطر (٣) .\nوعن هشام بن عروة أن أباه كان يسرد الصوم (٤) .\nوعن هشام أن أباه وقعت في رجله الآكلة فقال ألا ندعو لك طبيبًا قال إن شئتم فقالوا نسقيك شرابًا يزول فيه عقلك؟ فقال: امضِ لشأنك إن ربي ابتلاني ليرى صبري ما كنت أظن أن خلقًا يشرب ما يزيل عقله حتى لا يعرف به فوضع المنشار على ركبته اليسرى فما سمعنا له حسّا فلما قطعها جعل يقول لئن أخذت، لقد أبقيت ولئن ابتليت لقد عافيت وما ترك جزءه بالقرآن تلك الليلة (٥) .\nوكان ورده ربع القرآن كل يوم في المصحف نظرًا يقوم به الليل.\nوعن عبد الواحد مولى عروة قال: شهدت عروة بن الزبير قطع رجله من المعضل وهو صائم (٦) .\nوالله لكأنها الأعاجيب ولا تعجب فإنّ أمه أسماء وأبوه الحواري وجدته صفية وخالته عائشة وجده الصديق.\nفما استخبأت في رجل خبيئًا ... كمثل الدين أو حسب عتيق\nذووا الأحساب أكرم من تراث ... وأصبر عند نائبة الحقوق\n_________\n(١) \"الحلية\" (٢/١٧٦) .\n(٢) \"السير\" (٤/٤٢٥) .\n(٣) \"طبقات ابن سعد\" (٥/١٨٠)، و\"الزهد\" لأحمد (٣٧١)، \"صفة الصفوة\" (٢/٨٨) .\n(٤) \"صفة الصفوة\" (٢/٨٨) .\n(٥) \"سير أعلام النبلاء\" (٤/٤٣٠) .\n(٦) \"الحلية\" (٢/١٧٨) .","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>(٢١) صوم سليمان بن يسار</span>\nالفقيه الإمام عالم المدينة وفقيهها عن أبي الزناد قال كان سليمان بن يسار يصوم الدهر.\nوكان أخوه عطاء يصوم يومًا ويفطر يومًا (١) (صفة الصفوة ٢/٨٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>(٢٢) صوم عطاء بن يسار</span>\nالإمام الفقيه الواعظ المذكر كبير القدر كان يصوم يومًا ويفطر يومًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>(٢٣) صوم إبراهيم النخعي</span>\nالتقي الخفي الفقيه الرضي الإمام الحافظ فقيه العراق ومفتي أهل الكوفة إلى عمران.\nحدثت هُنيدة امرأة إبراهيم، أن إبراهيم كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، قال سعيد بن جبير: تستفتوني وفيكم إبراهيم النخعي؟ (٢) .\nوكان يقول ﵀: وددت أني لم أكن تكلمت ولو وجدت بدًا من الكلام ما تكلمت وأن زمانًا صرت فيه فقيهًا لزمان سوء (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>(٢٤) صوم الحسن البصري</span>\nإمام الدنيا بأسرها.\nقال عنه أبو جعفر الباقر ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء (٤) .\n_________\n(١) \"السير\" (٤/٤٤٨)، ابن سعد (٥/١٧٣) .\n(٢) \"الحلية\" (٤/٢٢١) .\n(٣) \"الحلية\" (٤/٢٢٣) .\n(٤) \"الحلية\" (٢/١٤٧)، \"السير\" (٤/٥٨٥) .","vol":"1","page":131},{"text":"قال أيوب السختياني: لو رأيت الحسن لقلت أنك لم تجالس فقيهًا قط (١)، وقال عنه عطاء: ذاك إمام ضخم يقتدى به (٢)، وكان من رؤوس العلماء في الفتن والدماء والفروج (٣) .\nوقال علي بن زيد: سمعت من ابن المسيب أو عروة والقاسم وغيرهم: ما رأيت مثل الحسن ولو أدرك الصحابة وله مثل أسنانهم ما تقدموه (٤) .\nقال عوف: ما رأيت رجلًا أعلم بطريق الجنة من الحسن (٥) .\nرحم الله الحسن نبت في العلم وتحقبه وتشربه، به يسقون وبه يُدفع عنهم، قال السري بن يحيى \"كان الحسن يصوم البيض وأشهر الحرم والاثنين والخميس\" (٦) .\nدعوه لا تلوموه دعوه:\nقيل له يومًا: يا أبا سعيد أي شيء يدخل الحزن فى القلب فقال: الجوع، قال: فأي شيء يخرجه، قال: الشبع، وكان يقول: توبوا إلى الله من كثرة النوم والطعام (٧) .\nوكان يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل ولا صيام النهار فاعلم أنك محروم قد كبلتك الخطايا والذنوب (٨) .\nدعوه لا تلوموه دعوه ... فقد علم الذي لم تعلموه\nرأى علم الهدى فسمى إليه ... وطالب مطلبًا لم تطلبوه\nأجاب دعاءه لما دعاه ... وقام بأمره وأضعتموه\n_________\n(١) \"السير\" (٤/٥٨٥) .\n(٢) \"السير\" (٤/٥٧٤) .\n(٣) \"السير\" (٤/٥٧٥)، ابن سعد (٧/١٦٣) .\n(٤) ابن سعد (٧/٢٦١) .\n(٥) \"السير\" (٤/٥٧٥) .\n(٦) \"السير\" (٤/٥٧٨)، و\"الزهد\" لأحمد (٢٦٩) .\n(٧) \"الحسن البصري\" لابن الجوزي (ص ١٣، ١٤) .\n(٨) \"الحسن البصري\" لابن الجوزى (ص ١٩) .","vol":"1","page":132},{"text":"بنفسي ذاك من فطن لبيب ... تذوّق مطعمًا لم تطعموه\nهذا قول الحسن وبكاء الحسن وهذا صدق رضيع أم سلمة كان يقول وهو يبكي: أي رب ما أخسر صفقة من صرف عن بابك وضرب دونه حجابك ثم أنشد:\nإذا أنا لم أشكرك جهدي وطاقتي ... ولم أصف من قلبي لك الود أجمعا\nفلا سلمت نفسي من السقم ساعة ... ولا أبصرت عيني من الشمس مطلعا\nثم استغفر وبكى وقال: القلب الذي يحب الله يحب التعب ويؤثر النصب هيهات لا ينال الجنة من يؤثر الراحة من أحب ما عند الله سخا بنفسه إن صدق وترك الأماني فإنها سلاح النّوكى (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>(٢٥) صوم ابن سيرين</span>\nابن سيرين الإمام شيخ الإسلام.\nعن حبيب بن الشهيد كنت عند عمرو بن دينار فقال: والله ما رأيت مثل طاووس، فقال أيوب السختياني وكان جالسًا والله لو رأى محمد بن سيرين لم يقله (٢) .\nوعن ابن عون قال ثلاثة لم تر عيناي مثلهم ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حَيوة بالشام كأنهم التقوا فتواصوا (٣) .\nذكر محمد عند أبي قلابة فقال: اصرفوه كيف شئتم فلتجدنه أشدكم ورعًا وأملككم لنفسه ومن يستطع ما يطيق محمد يركب مثل حد السنان (٤) .\n_________\n(١) الفعل منه نوك بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، والمصدر نوكًا نواكًا، حَمقُ، والأنوك: الأحمق\nوالجمع: نوكي نُوك، \"الحسن\" لابن الجوزي (ص ٢٠، ٢١) .\n(٢) \"السير\" (٤/٦٠٨) .\n(٣) \"السير\" (٤/٦٠٩) .\n(٤) ابن سعد (٧/١٩٦)، و\"السير\" (٤/٦٠٩) .","vol":"1","page":133},{"text":"عن أيوب قال: كان محمد يصوم يومًا ويفطر يومًا قال ابن عون: كان محمد من أشد الناس إزارًا على نفسه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>(٢٦) صوم عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي</span>\nالإمام بن الإمام قال هلال بن خباب كان عبد الرحمن بن الأسود وعقبة مولى أديم وسعد أبو هشام يحرمون من الكوفة ويصومون يومًا ويفطرون يومًا حتى يرجعوا.\nوعن الحكم أن عبد الرحمن بن الأسود لما احتُضر بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أسفًا على الصلاة والصوم ولم يزل يتلو حتى مات.\nقال الشعبي: أهل بيت خلقوا للجنة: علقمة والأسود وعبد الرحمن.\nوروي أن عبد الرحمن صام حتى أحرق الصوم لسانه (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>(٢٧) صوم عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي الكومي</span>\nالإمام الحجة القدوة الرباني أبي الحكم - قال بكير بن عامر: كان لو قيل له: قد توجه إليك ملك الموت ما كان عنده زيارة عمل.\nقال عبد الملك بن أبي سليمان. كان يفطر في الشهر مرتين أذى أنه أنكر على الحجاج كثرة القتل فهم به فقال له من في بطنها أكثر ممن على ظهرها (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>(٢٨) صوم عراك بن مالك الغفاري</span>\nأحد العلماء العاملين كان يسرد الصوم وقال عمر بن عبد العزيز: ما أعلم أحدًا أكثر صلاة من عِرَاك بن مالك (٤) .\n_________\n(١) \"الزهد\" (٣٠٧)، و\"السير\" (٦١٥) .\n(٢) \"السير\" (٥/١٢) .\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/٦٢-٦٣) .\n(٤) \"السير\" (٥/٦٣-٦٤) .","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>(٢٩) صوم منصور بن المعتمر</span>\nحليف الصيام والقيام، خفيف التطعم والمنام الحافظ القدوة أبو عتاب السلمي.\nقال أبو بكر بن عباس: رحم الله منصورًا كان صوامًا قوامًا قال الثوري: لو رأيت منصور بن المعتمر لقلت: يوم الساعة. حدّث زائدة أن منصورًا صام أربعين سنة وقام ليلها وكان يبكي فتقول له أمه يا بني قتلت قتيلًا فيقول أنا أعلم بما صنعت بنفسي فإذا كان الصبح أكحل عينيه ودهن رأسه وبرق شفته وخرج إلى الناس.\nوذكر سفيان بن عيينة منصورًا فقال: قد كان عمش من البكاء، وقال سفيان أن منصور بن المعتمر صام ستين سنة يقوم ليلها ويصوم نهارها (١) .\nعن مفضل قال: حبس ابن هبيرة منصورًا شهرًا على القضاء يريده عليه فأبى، وقيل إنه أحضر قيدًا ليقيده به ثم خلاه (٢)، وكانت أمه فظة عليه تصيح به وتقول: يا منصور يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى وهو واضع لحيته على صدره ما يرفع طرفه إليها (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>(٣٠) صيام سليمان بن طرخان</span>\nالإمام شيخ الإسلام، أبو المعتمر التيمي كان مقدمًا في العلم والعمل (٤) .\nعن محمد بن عبد الأعلى قال لي معتمر بن سليمان: لولا أنك من أهلي ما حدثتك بذا عن أبي، مكث أبي أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا ويصلي صلاة الفجر بوضوء عشاء الآخرة (٥) .\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/٤٠٤-٤٠٦)، \"حلية الأولياء\" (٥/١٢٤)، \"مختصر قيام الليل\" (٢٨) .\n(٢) \"السير\" (٥/٤٠٦) .\n(٣) \"السير\" (٥/٤٠٥) .\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" (٦/١٩٥) .\n(٥) \"حلية الأولياء\" (٣/٢٢٨)، \"السير\" (٦/١٩٧) .","vol":"1","page":135},{"text":"عن معاذ بن معاذ ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعًا (١) .\nقال حماد بن سلمة عن سليمان التيمي كنا نرى أنه لا يحسن يعصي الله (٢) .\nعن عبد الله بن المبارك قال: أقام سليمان التيمي أربعين سنة إمام الجامع بالبصرة يصلي العشاء والصبح بوضوء واحد (٣) .\nوعن حماد بن سلمة قال: لم يضع سليمان التيمي جنبه بالأرض - أي ليلًا عشرين سنة.\nعن شعبة قال: ما رأيت أحدًا أصدق من سليمان التيمي ﵀ كان إذا حدث عن النبي - ﷺ - تغير لونه (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>(٣١) صوم الزهري</span>\nالإمام العلم حافظ زمانه محمد بَن شهاب الزهري.\nعن معاذ بن صالح أن أبا جيلة حدثه قال: كنت مع ابن شهاب في سفر وصام يوم عاشوراء، فقيل له لِمَ تصوم وأنت تفطر في رمضان في السفر؟ قال: إن رمضان له عدة من أيام أُخر وأن عاشوراء يفوت (٥) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>(٣٢) صوم ابن جريج</span>\nالإمام الحافظ شيخ الحرم أبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي.\nقال عطاء بن أبي رباح: سيد شباب أهل الحجاز ابن جريج (٦) .\n_________\n(١) \"الحلية\" (٣/٢٨) .\n(٢) \"السير\" (٦/١٩٨) .\n(٣) \"السير\" (٦/٢٠٠) .\n(٤) \"الحلية\" (٣/٢٣١)، و\"السير\" (٦/١٩٦) .\n(٥) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/٣٤٢) .\n(٦) \"السير\" (٦/٣٢٨) .","vol":"1","page":136},{"text":"قال عبد الرزاق: ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج (١) .\nوقال: كنت إذا رأيت ابن جريج أعلمت أنه يخشى الله (٢) .\nقال أبو عاصم النبيل: كان ابن جريج من العباد كان يصوم الدهر سوى ثلاثة أيام من الشهر (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>(٣٣) صوم عبد الله بن عون</span>\nابن أرطبان سيد القرآن في زمانه الإمام القدوة الحافظ عالِم البصرة، الحافظ للسانه، الضابط لأركانه.\nعن خارجة بن مصعب قال: صحبت عبد الله -يعني ابن عون- أربعًا وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة (٤) .\nقال الذهبي كان ابن عون عديم النظر في وقته زهدًا وصلاحًا.\nقال ابن المبارك: ما رأيت مصليًا مثل ابن عون، وما رأيت (٥) أحدًا ممن ذكر لي إلا كان إذا رأيته دون ما ذكر لي إلا ابن عون وحيوة بن شريح (٦) .\nقال بكار بن محمد: كان ابن عون يصوم يومًا ويفطر يومًا (٧) .\nقال الأوزاعي: إذا مات ابن عون والثوري استوى الناس وقال: لو خيرت لهذه الأمة من ينظر لها ما اخترت إلا الثوري وابن عون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>(٣٤) صوم داود بن أبي هند</span>\nأبي بكر الإمام الحافظ الثقة مفتي أهل البصرة (٨) .\n_________\n(١) \"السير\" (٦/٣٣٠) .\n(٢) \"السير\" (٦/٣٣٢) .\n(٣) \"السير\" (٦/٣٣٣) .\n(٤) \"الحلية\" (٣/٣٧) .\n(٥) \"الحلية\" (٣/٣٨) .\n(٦) \"سير أعلام النبلاء\" (٦/٣٦٧-٣٦٨) .\n(٧) \"السير\" (٣٦٦)، و\"الحلية\" (٣/٤٠) .\n(٨) \"سير أعلام النبلاء\" (٦/٣٧٦-٣٧٧) واسم أبي هند دينار بن عُذافر.","vol":"1","page":137},{"text":"قال حماد بن زيد: ما رأيت أحدًا أفقه من داود.\nقال ابن جريج: ما رأيت مثل داود بن أبي هند إن كان ليفرع العلم فرعًا.\nقال الفلاس: سمعت ابن أبي عون يقول: صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله -وكان خزازًا- يحمل معه غذاءه فيتصدق به في الطريق (١) .\nقال ابن الجوزي: يظن أهل السوق أنه قد أكل في البيت ويظن أهله أنه قد أكل في السوق (٢) .\nومستفسر عن سر يومي رددته ... فأصبح في يومي بغير يقين\nيقولون خبرنا فأنت أمينها ... وما أنا إن خبرتهم بأمين\nقال محمد بن أبي عدي أقبل علينا داود فقال: يا فتيان أخبركم لعل بعضكم أن ينتفع به كنت وأنا غلام أختلف إلى السوق فإذا انقلبت إلى البيت جعلت على نفسي أن أذكر الله إلى مكان كذا وكذا فإذا بلغت إلى ذلك المكان جعلت على نفسي أن أذكر الله كذا وكذا حتى آتي المنزل (٣) - رحمك الله يا إمام، صيام مع صدقة مع ذكر مع علم وفقه وحديث حزت الخير أجمعه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>(٣٥) صوم ابن أبي ذئب</span>\nالإمام شيخ الإسلام أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب القرشي.\nقال أحمد: كان يشبه بسعيد بن المسيب فقيل لأحمد خلّف مثله قال: لا ثم قال: كان أفضل من مالك إلا أن مالكًا ﵀ أشد تنقية للرجال منه - كان يصلي الليل أجمع ويجتهد في العبادة ولو قيل له: إن القيامة تقوم غدًا ما كان فيه مزيد من الاجتهاد.\nقال أخوه: كان أخي يصوم يومًا ويفطر يومًا ثم سرد الصوم وكان شديد الحال\n_________\n(١) \"السير\" (٦/٣٧٨) .\n(٢) \"المدهش\" (٤٣٥) .\n(٣) \"السير\" (٦/٣٧٧-٣٧٨) .","vol":"1","page":138},{"text":"يتعشى الخبز والزيت (١) .\nقال أحمد بن حنبل إن ابن أبي ذئب ثقة قد دخل على أبي جعفر المنصور فلم يهبه أن قال له الحق وقال: الظلم ببابك فاش وأبو جعفر أبو جعفر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>(٣٦) صوم شعبة الخير أبي بسطام</span>\nسيد المحدثين كما قال سليمان بن المغيرة (٢) -الضخم الذي يحدث عن الضخام- الإمام المشهور والعلم المنثور، شعبة بن الحجاج الإمام أمير المؤمنين في الحديث، كان الثوري يقول: أستاذنا شعبة.\nوقال حمزة بن زياد عن شعبة: كان قد يبس جلده على عظمه من العبادة (٣) .\nوقال أبو بكر البكراوي: ما رأيت أعبد لله من شعبة لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه من العبادة (٤) .\nوقال عمر بن هارون: كان شعبة يصوم الدهر كله لا يرى عليه.\nقال أبو قطن: كانت ثياب شعبة لونها لون التراب وكان كثير الصلاة كثير الصيام سخي النفس.\nقال شعبة: كل من سمعت منه حدثنا فأنا له عبد.\nقال يحيى بن معين: شعبة إمام المتقين.\nوقال ابن مهدي: ما رأيت أحدًا أكثر تقشفًا من شعبة.\nقال عبد السلام بن مطهر: ما رأيت أمعن في العبادة من شعبة (٥) .\n_________\n(١) \"السير\" (٧/١٤١) .\n(٢) \"الحلية\" (٧/١٥٣) .\n(٣) \"الحلية\" (٧/١٤٤) .\n(٤) \"الحلية\" (٧/١٤٤) .\n(٥) \"السير\" (٧/٢٢٦) .","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>(٣٧) صوم غندر</span>\nالحافظ المجود الثبت أبو عبد الله محمد بن جعفر الهندلي، لزم شعبة عشرين سنة.\nقال يحيى بن معين: أخرج غندر إلينا ذات يومًا جرابًا فيه كتب، فقال: اجتهدوا أن تخرجوا فيه خطأ قال: فما وجدنا فيه شيئًا وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا منذ خمسين سنة (١) .\nقال ابن مهدي: كنا نستفيد من كتب غندر في حياة شعبة.\nوقال غندر: أثبت في شعبة مني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>(٣٨) صوم معروف الكرخي</span>\nالملهوف إلى المعروف عن الفاني مصروف وبالباقي مشغوف وبالتحف محفوف وللطف مألوف، الكرخي أبو محفوظ معروف (٢) علم الزهاد، بركة العصر أبو محفوظ البغدادي (٣) .\nقال ابن حنبل: وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف؟\nقال ابن عبيد لإسماعيل بن شداد ما فعل ذلك الحبر الذي منكم ببغداد؟ قلنا: من هو؟ قال: أبو محفوظ معروف قلنا: بخير، قال: لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم (٤) .\nسُئل: كيف تصوم؟ فغالط السائل وقال: صوم نبينا - ﷺ - كان كذا وكذا وصوم داود كذا وكذا فألح عليه فقال: أصبح دهري صائمًا فمن دعاني أكلت ولم أقل إني صائم (٥) .\n_________\n(١) \"السير\" (٩/٩٩-١٠٠) .\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٩/٣٩) .\n(٣) \"تاريخ بغداد\" (١٣/٢٠٠)، و\"طبقات الحنابلة\" (١/٣٨٢) .\n(٤) \"الحلية\" (٨/٣٦٦)، و\"تاريخ بغداد\" (١٣/٢٠١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٩/٣٤٠) .\n(٥) \"السير\" (٩/٣٤١)، \"تاريخ بغداد\" (١٣/٢٥٢) .","vol":"1","page":140},{"text":"قال عبيد بن محمد الوراق: مرّ معروف وهو صائم بسقّاء يقول ﵀: من شرب فشرب رجاء الرحمة (١) .\nوكان ﵀ يقول: إن صليت بكم هذه الصلاة لا أصلي بكم ثانية نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل (٢) .\nوكان يقول إذا أراد الله بعبد شرًا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل (٣) -.\nوعنه قال: ما أكثر الصالحين وما أقل الصادقين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>(٣٩) صوم أحمد بن حرب</span>\nالإمام القدوة شيخ نيسابور أبو عبد الله النيسابوري، كان من كبار الفقهاء والعباد (٤) . من صحت بدايته صحت نهايته أجسام ذللت منذ الصغر لخدمة سيدها ومولاها.\nقال زكريا بن حرب: ابتدأ أخي بالصوم وهو في الكتاب فلما راهق حج مع أخي الحسين بن حرب أقاما بالكوفة للطلب وبالبصرة وبغداد ثم أقبل على العبادة لا يفتر وأخذ من المواعظ والتذكير وحث على العبادة وأقبلوا على مجلسه (٥) .\nهكذا صوم منذ الصغر مثلما كان ابن حنبل يحصي الليل وهو غلام.\nقال محمد بن يحيى مرّ أحمد بن حرب بصبيان يلعبون فقال أحدهم: أفسحوا فإن هذا أحمد بن حرب الذي لا ينام الليل فقبض على لحيته، وقال الصبيان: يهابونك وأنت تنام فأحيا الليل بعد ذلك حتى مات (٦) .\n_________\n(١) \"الحلية\" (٨/٣٦٥)، و\"السير\" (٩/٣٤٢) .\n(٢) \"الحلية\" (٨/٣٦١) .\n(٣) \"الحلية\" (٨/٣٠٦١)، و\"السير\" (٦/٣٤٠) .\n(٤) \"السير\" (١١/٣٢-٣٣) .\n(٥) \"السير\" (١١/٣٣) .\n(٦) \"السير\" (١١/٣٣) .","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>(٤٠) صوم أحمد بن حنبل إمام أهل السنة</span>\nمعلم الخير كما قال يحيى بن معين وقال: والله ما تقوى على ما يقوى عليه أحمد وعلى طريقة أحمد.\nقال ابن المديني: أحمد بن حنبل سيدنا.\nوقال: اتخذت أحمد بن حنبل إمامًا فيما بيني وبين الله.\nوقال: إن الله ﷿ أعز هذا الدين برجلين لا ثالث لهما أبو بكر الصديق يوم الرَّدَّة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: أحمد بن حنبل إمامنا إني لأتزين بذكره.\nوقال إسحاق بن راهويه: لولا أحمد بن حنبل وبذل نفسه لما بذلها له لذهب الإسلام.\nوقال بشر بن الحارث: إن هذا الرجل قام اليوم بأمر عجز عنه الخلق أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء؟ إن أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله، إن أحمد بن حنبل طار بحظها وغنائها في الإسلام.\nوقال أبو ثور: كنت إذا رأيت أحمد بن حنبل خيِل إليك أن الشريعة لوح بين عينيه.\n\"قال إبراهيم بن هانئ -وكان أبو عبد الله حيث توارى من السلطان توارى عنده- فحكى أنه لم يرد أحد أقوى على الزهد والعبادة وجهد النفس من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، قال: كان يصوم النهار ويعجّل الإفطار، ثم يصلي بعد العشاء الآخرة ركعات، ثم ينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيتطهر ولا يزال يصلي حتى يطلع الفجر، ثم يوتر بركعة، وكان هذا دأبه طول مقامه عندي، ما رأيته فتر ليلة واحدة، وكنت لا أقوى معه على العبادة، وما رأيته مفطرًا إلا يومًا واحدًا أفطر واحتجم\" (١) .\n_________\n(١) \"مناقب الإمام أحمد\" (٣٥٩) .","vol":"1","page":142},{"text":"* وبعد خروج الإمام أحمد إلى العسكر بعد انقضاء ما اتهم به \"قال أبو بكر المروزيّ قال: قال لي أحمد بن حنبل ونحن بالعسكر: لي اليوم ثمان منذ لم آكل شيئًا ولم أشرب إلا أقل من ربع سويق، وكان يمكث ثلاثًا لا يطعم، فإذا كانت ليلة الرابعة أضع بين يديه قدر نصف ربع سويق، فربما شربه وربما ترك بعضه، وكان إذا ورد عليه أمر يهمه لم يطعم ولم يفطر إلى على شربة ماء.\nقال صالح بن أحمد: جعل أبي يواصل الصوم يفطر في كل ثلاث على تمر شهرين فمكث بذلك خمسة عشر يومًا، يفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلة وليلة لا يفطر إلا على رغيف.\nوكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكي لا يراها فيأكل من حضر، وكان إذا أجهده الحر تلقى له خرقة فيضعها على صدره (١) .\nقال أبو بكر المروزي: أنبهني أبو عبد الله ذات ليلة، وكان قد واصل، فإذا هو قاعد فقال: هو ذا يدار بي من الجوع فأطعمني شيئًا فجئته بأقل من رغيف، فأكل ثم قال: لولا أني أخاف العون على نفسي ما أكلت، وكان يقوم من فراشه إلى المخرج، فيقعد يستريح من الضعف من الجوع، حتى إن كنت لأبل له الخرقة فيلقيها على وجهه لترجع إليه نفسه.\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا، ما ذاق شيئًا إلا مقدار ربع سويق، في كل ليلة كان يشرب شربة ماء، وفي كل ثلاث يستف حفنة من السويق، فرجع إلى البيت ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، ولرأيت مآقية قد دخلا في حدقتيه.\nوقال أبو بكر المروزي: كان أبو عبد الله بالعسكر يقول: انظر هل تجد لي ماء الباقلاء؟ فكنت ربما بللت خبزه بالماء فيأكله بالملح، ومنذ دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق طبيخًا ولا دسمًا (٢) .\n_________\n(١) \"مناقب الإمام أحمد\" (٤٤٩، ٤٥٠) .\n(٢) \"مناقب الإمام أحمد\" (٤٥٤، ٤٥٥) .","vol":"1","page":143},{"text":"قال أبو بكر المروزي: قال لي أبو عبد الله ونحن بالعسكر: ألا تعجب! كان قوتي فيما مضى أرغفة؛ وقد ذهبت عني شهوة الطعام فما أشتهيه، قد كنت في السجن آكل وذلك عندي زيادة في إيماني وهذه نقصان، وقال لنا يومًا ونحن بالعسكر: لي اليوم ثمان لم آكل شيئًا ولم أشرب إلا أقل من ربع سويق، وكان يمكث ثلاثًا لا يطعم وأنا معه، فإذا كان الليلة الرابعة أضع بين يديه قدر نصف ربع سويق، فربما شربه وربما ترك بعضه.\nوكلم في أمره في الحمل على نفسه فقيل له: لو أمرت بقدر تطبخ لك ليرجع إليك نفسك فقال: الطبيخ طعام المطمئنين، مكث أبو ذر ثلاثين يومًا ما له طعام إلا ماء زمزم، وهذا إبراهيم التيمي كان يمكث في السجن كذا وكذا لا يأكل، وهذا ابن الزبير كان يمكث سبعًا (١) .\nكتب المتوكل إلى خلفيته أن يحمل أحمد إليه، فحمل إليه، فلما قدم أحمد أمر أن يفرغ له قصر ويبسط له فيه ويجري على مائدته كل يوم كذا وكذا، وأراد أن يسمع ولده الحديث فأبى أحمد ولم يجلس على بساطه، ولم ينظر إلى مائدته وكان صائمًا، فإذا كان عند الإفطار أمر رفيقه الذي معه أن يشتري له ماء الباقلاء فيفطر عليه، فبقي أيامًا على هذه الحال، وكان علي بن الجهم من أهل السنة حسن الرأي في أحمد، فكلم أمير المؤمنين فيه، وقال: هنا رجل زاهد لا ينتفع به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن له؟ ففعل ورجع أحمد إلى منزله\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>(٤١) صوم إبراهيم بن هانئ النيسابوري</span>\nالإمام العلم أبو إسحاق النيسابوريّ.\nقال الخطيب: \"كان أحد الأبدال\" (٣) .\nقال الإمام أحمد: \"إن يكن أحد ممن يعرف من الأبدال فإبراهيم بن هانئ\".\n_________\n(١) \"المناقب\" (٤٥٦) .\n(٢) \"المناقب\" (٤٥٧، ٤٥٨) .\n(٣) \"تاريخ بغداد\" (٦/٢٠٤) .","vol":"1","page":144},{"text":"وقال. إن كان ببغداد رجل من الأبدال فأبو إسحاق النيسابوريّ (١) .\nقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: كان أحمد بن حنبل مختفيًا هاهنا عندنا في الدار فقال لي أحمد بن حنبل: لست أطيق ما يطيق أبوك -يعني من العبادة-.\nولو لم يكن هذا الإمام الجبل من الفضل إلا ما قاله إمام أهل السنة فيه لكفاه فخرًا إلى يوم أن يرث الأرض ومن عليها.\nهذا الإمام الصوّام الذي مات وهو صائم.\nقال أبو بكر النيسابوري: حضرت إبراهيم بن هانئ عند وفاته فجعل يقول لابن إسحاق: يا أبا إسحاق ارفع الستر قال: يا أبت الستر مرفوع، قال: أنا عطشان فجاءه بماء قال: غابت الشمس؟ قال: لا، قال: فردّه، ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون ثم خرجت روحه.\nوفي \"صفة الصفوة\": فدعا ابنه إسحاق فقال: هل غربت الشمس؟ قال: لا، ثم قال: يا أبت رُخص لك في الإفطار في الفرض وأنت متطوع، قال: أمهل ثم قال: (لمثل هذا فليعمل العاملون) ثم خرجت نفسه\" (٢) .\nرحمك الله يا أبا إسحاق فقد كنت نسيجًا وحدك في صومك وعبادتك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>(٤٢) صوم أحمد بن سليمان أبو بكر النجاد</span>\nمن كبار علماء الحنابلة في جمع العلم والزهد، وكانت له حلقة بجامع المنصور، يفتي قبل الصلاة، ويملي الحديث بعدها.\nوصنف كتاب \"الخلاف\" نحو مائتي جزء، وقد سمع من أبي داود السجستاني وغيره.\nوكان يصوم الدهر ويفطر كل ليلة على رغيف (٣) .\n_________\n(١) \"تاريخ بغداد\" (٦/٢٠٥) .\n(٢) \"تاريخ بغداد\" (٦/٢٠٦)، و\"صفة الصفوة\" (٢/٤٠١) .\n(٣) \"مناقب الإمام أحمد\" (١٦٧، ٦١٨) .","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>(٤٣) صوم بقي بن مخلد</span>\nالإمام القدوة، شيخ الإسلام الحافظ، صاحب \"التفسير\" و\"المسند\" الذين لا نظير لهما، تلميذ الإمام أحمد.\nقال عنه الذهبي: كان إمامًا مجتهدًا صالحًا، ربانيًّا صادقًا مخلصًا، رأسًا في العلم والعمل، عديم المثل، منقطع القرين، يُفتي بالأثر، ولا يقلد أحدًا.\nقد ظهرت له إجابات الدعوة في غير ماشيء (١) .\nقال عنه أبو عبد الملك أحمد بن محمد بن عبد البر: \"كان فاضلًا تقيًا صوامًا قوامًا متبتلًا، منقطع القرين في عصره، منفردًا عن النظير في عصره\" (٢) .\nذكر أبو عبيدة صاحب القبلة قال: \"كان بقيّ يختم القرآن كل ليلة ثلاث عشرة ركعة، وكان يصلي بالنهار مئة ركعة، ويصوم الدهر، وكان كثير الجهاد، فاضلًا، يُذكر عنه أنه رابط اثنتين وسبعين غزوة\" (٣) .\nقال عند حفيده عبد الرحمن: \"كان جدي قد قسّم أيامه على أعمال البر، فكان إذا صلى الصبح قرأ حزبه من القرآن في المصحف، سدس القرآن، وكان أيضًا يختم القرآن في الصلاة في كل يوم وليلة، ويخرج كل ليلة في الثلث الأخير إلى مسجده، فيختم قرب انصداع الفجر، وكان يصلي بعد حزبه من المصحف صلاة طويلة جدًا، ثم ينقلب إلى داره -وقد اجتمع في مسجده الطلبة- ليجدد الوضوء ويخرج إليهم، فإذا انقضت الدول، صار إلى صومعة المسجد، فيصلي إلى الظهر، ثم يكون هو المتبدئ بالأذان، ثم يهبط، ثم يسمع إلى العصر، ويصلي ويُسمع، روبما خرج في بقية النهار، فيقعد بين القبور يبكي ويعتبر، فإذا غربت الشمس أتى مسجده ثم يصلي، ويرجع إلى بيته فيفطر، وكان يسرد الصوم إلا يوم الجمعة،\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/٢٨٦، ٢٨٧) .\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/٢٨٩) .\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/٢٩٢) .","vol":"1","page":146},{"text":"ويخرج إلى المسجد، فيخرج إليه جيرانه، فيتكلم معهم في دينهم ودنياهم، ثم يصلي العشاء، ويدخل بيته فيحدث أهله، ثم ينام نومة قد أخذتها نفسه، ثم يقوم، هذا إلى أن توفي\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>(٤٤) صوم المنبجي</span>\nالإمام المحدث، القدوة العابد، أبو بكر عمر بن سعيد الطائي المنبجي، قال عنه ابن حبان: \"كان قد صام النهار وقام الليل ثمانين سنة، غازيًا مرابطًا ﵀\" (٢) .\nكذاك الفخر يا همم الرجال ... تعافي فانظري كيف التعالي\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>(٤٥) صوم ابن زياد النيسابوري</span>\nالإمام الحافظ شيخ الإسلام أبي بكر عبد الله بن محمد بن زياد إمام الشافعيين في عصره بالعراق.\nقال الدارقطني تلميذه: ما رأيت أحفظ من أبي بكر النيسابوري.\nقال أبو الفتح يوسف القواس: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: تعرف من أقام أربعين سنة لم ينم الليل، ويتقوت كل يوم بخمس حبات ويصلي صلاة الغداة على طهارة عشاء الآخرة؟ ثم قال: أنا هو، وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، أيش أقول لمن زوّجني؟ ثم قال: ما أراد إلا الخير\" (٣)، ومعنى يتقوت كل يوم بخمس حبات أي بعد صيامه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>(٤٦) صوم القطان</span>\nالإمام الحافظ القدوة، شيخ الإسلام أبي الحسن القطان عالم قزوين قال عنه جماعة من شيوخ قزوين:\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/٢٩٥) .\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/٢٩٠) .\n(٣) \"تاريخ بغداد\" (١٠/١٢٢)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/٦٦) .","vol":"1","page":147},{"text":"لم ير أبو الحسن ﵀ مثل نفسه في الفضل والزهد أدام الصيام ثلاثين سنة، وكان يفطر على الخبز والملح، وفضائله أكثر من أن تعد (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>(٤٧) صوم ابن بطة</span>\nالإمام القدوة العابد الفقيه المحدث شيخ العراق العكبري الحنبلي صاحب \"الإبانة الكبرى\".\nقال الخطيب: \"لما رجع ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة، لم يُر في سوق ولا رؤي مفطر إلا في عيد، وكان أمَّارًا بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيره\" (٢) .\nقال العتيقي: كان ابن بطة مستجاب الدعوة.\nقال أبو محمد الجوهري: سمعت أخي الحسين، يقول: رأيت النبي - ﷺ - في المنام، فقلت: يا رسول الله قد اختلفت عليّ المذاهب، فقال: عليك بابن بطة، فأصبحت ولبست ثيابي، ثم أصعدت إلى عُكبرا، فدخلت وابن بطة في المسجد، فلما رآني قال لي: صدق رسول الله - ﷺ - صدق رسول الله - ﷺ - (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>(٤٨) صوم ابن جميع</span>\nالمسند الرّحال العالم الصالح محمد بن أحمد بن جُمَيع الغسّاني الصيداوي صاحب \"المعجم\".\nقال ابنه: \"صام أبي أبو الحسين وله ثمان عشرة سنة إلى أن توفي، وقد عاش ستًا وتسعين سنة\" (٤) .\nوكذا كان والده أبو بكر عابدًا صوّامًا.\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/٤٦٤) .\n(٢) \"تاريخ بغداد\" (١٠/٣٧٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٦/٥٢٩، ٥٣٠) .\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/٥٣٠) .\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/١٥٥، ١٥٦) .","vol":"1","page":148},{"text":"سبحان الله يسرد الصوم ثمانية وسبعين سنة لا يفطر إلا في العيدين وأيام التشريق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>(٤٩) صوم السكن ابن جميع</span>\nأبي محمد. قال: سردت الصوم ولي ثمان وعشرون سنة ولي الآن سبع وثمانون سنة، وكذا سرد الصوم أبي وجدي (١) .\nوهل ينبت الخطيّ إلا وشيجه ... ويزرع إلا في منابته النخل\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>(٥٠) صوم الصوري</span>\nالإمام الحافظ البارع الحجة أبي عبد الله محمد بن علي بن رحيم الشامي الصوري تلميذ الحافظ عبد الغني.\nكان ﵀ يسرد الصوم إلا الأعياد (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>(٥١) صوم الدوني</span>\nالشيخ العالم الزاهد أبي محمد عبد الرحمن بن حمد الدوني.\nوهو آخر من روى كتاب \"المجتبى\" من سنن النسائي.\nقرأ عليه السلفي كتاب النسائي.\nقال السلفي: قال ابنه أبو سعد لي: لوالدي خمسون سنة ما أفطر النهار (٣)\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>(٥٢) صوم العماد المقدسي</span>\nالعالم، الإمام، الزاهد، القدوة، بركة الوقت، عماد الدين أبو إسحاق إبراهيم المقدسي أخو الحافظ عبد الغني.\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/١٥٧) .\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/٦٢٨) .\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/٢٤٠) .","vol":"1","page":149},{"text":"كان الشيخ الموفق يقول: ما نقدر نعمل مثل العماد.\nقال الضياء: لم أر أحدًا أحسن صلاة منه ولا أتم خشوع وخضوع، قيل: كان يسبح عشرًا يتأنى فيها، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان إذا دعا كان القلب يشهد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه، ومن دعائه المشهور: \"اللهم اغفر لأقسانا قلبًا، وأكبرنا ذنبًا، وأثقلنا ظهرًا، وأعظمنا جرمًا\".\n\"يا دليل الحيارى دلنا على طريق الصادقين واجعلنا من عبادك الصالحين\".\nقال عنه الموفق: ما أعلم أنني رأيت أشد خوفًا منه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>(٥٣) صوم ثابت البناني</span>\nالمتعبد الناحل، والمتهجد الذابل أبي محمد.\nقال عنه أنس: إن للخير مفاتيح، وإن ثابتًا مفتاح من مفاتيح الخير.\nقال شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن في يوم وليلة، ويصوم الدهر.\nقال بكر بن عبد الله: من أراد أن ينظر إلى أعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني فما أدركت الذي هو أعبد منه، إنه ليظل في اليوم المعمعاني (٢) الطويل ما بين طرفيه صائمًا يروح ما بين جبهته وقدمه (٣) .\nوكان ﵀ يقول: لا يسمى عابد أبدًا عابدًا، وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان، الصوم والصلاة، لأنهما من لحمه ودمه (٤) .\nقال المبارك بن فضالة: دخلت على ثابت البناني في مرضه وهو في علوله، وكان لا يزال يذكر أصحابه فلما دخلنا عليه، قال: يا إخوتاه لم أقدر أن أصلي البارحة كما كنت أصلي، ولم أقدر أن أصوم كما كنت أصوم، ولم أقدر أن أنزل\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (٢٢/٤٨، ٤٩) .\n(٢) في \"النهاية\": كان ابن عمر يتتبع اليوم المعمعاني فيصومه، أي الشديد الحر.\n(٣) \"حلية الأولياء\" (٢/٣١٨) .\n(٤) \"حلية الأولياء\" (٢/٣١٨) .","vol":"1","page":150},{"text":"إلى أصحابي فأذكر الله ﷿ كما كنت أذكره معهم، ثم قال: اللهم إذ حبستني عن ثلاث فلا تدعني في الدنيا ساعة، [أو قال] إذ حبستني أن أصلي كما أريد وأصوم كما أريد وأذكرك كما أريد فلا تدعني في الدنيا ساعة، فمات من وقته ﵀ (١) .\nيرحم الله ثابتا.. وأقر عينه في جناته.\n(٥٤) صوم سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فقيه العصر، صائم الدهر، المتعبد القارئ، الكاسي العاري سعد بن إبراهيم الزهري.\nقال شعبة: كان سعد بن إبراهيم يصوم الدهر (٢) .\nكان ﵀ يحتبي فما يحل حبوته حتى يقرأ القرآن.\nقال إبراهيم بن سعد: كان أبي سعد بن إبراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين لم يفطر، حتى يختم القرآن، وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة، وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة، وكان كثيرًا إذا أفطر يرسلني إلى مساكين يأكلون معه (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>(٥٥) صوم وكيع بن الجراح</span>\nالنصّاح والمفهم المفصاح أبو سفيان وكيع بن الجراح!، الإمام الحافظ الرؤاسي محدث العراق، كان من بحور العلم وأئمة الحفظ.\nقال يحيى بن معين: وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه.\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (٢/٣٢٠) .\n(٢) \"حلية الأولياء\" (٣/١٦٩) .\n(٣) \"حلية الأولياء\" (٣/١٧٠) .","vol":"1","page":151},{"text":"قال الإمام أحمد: ما رأيت قط مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوع وورع.\nوقال عنه وكيع: إمام المسلمين في زمانه.\nقال له الفضيل بن عياض: ما هذا السمن، وأنت راهب العراق؟ قال: هذا من فرحي بالإسلام فأفحمه (١) .\nقال يحيى بن أكثم: صحبت وكيعًا في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة (٢) .\nقال الذهبي: \"رضي الله عن وكيع وأين مثل وكيع\" (٣) .\nقال ابن عمار: كان وكيع يصوم الدهر، ويفطر يوم الشك والعيد (٤) .\n* كان وكيع لا ينام حتى يقرأ جزءه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل، فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر.\nقال أبو جعفر الجمّال: أتينا وكيعًا فخرج بعد ساعة، وعليه ثياب مغسولة، فلما بصرنا به، فزعنا من النور الذي يتلألأ من وجهه، فقال رجل بجنبي: أهذا ملك؟ فتعجبنا من ذلك النور (٥) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>(٥٦) صوم أبي بكر بن عيّاش</span>\nالقارئ الهشاش، العابد البشاش أبو بكر بن عياش كان في العداد واحدًا، وفى العبادة شاهدًا (٦) .\nكان ﵀ يقول: يا ملكيّ ادعوا الله لي فإنكما أطوع لله مني وكان\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (٩/١٥٦) .\n(٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٩/١٤٢) .\n(٣) \"سير أعلام النبلاء\" (٩/١٤٣) .\n(٤) \"سير أعلام النبلاء\" (٩/١٤٩) .\n(٥) \"سير أعلام النبلاء\" (٩/١٥٧) .\n(٦) \"حلية الأولياء\" (٨/٣٠٣) .","vol":"1","page":152},{"text":"﵀ يقول: إن أحدهم لو سقط منه درهم لظل يوم يقول: إنا لله، ذهب درهمي، ولا يقول ذهب يومي ما عملت فيه (١) .\nقال الإمام النووي في \"شرح صحيح مسلم\" (١/٧٩): \"هو الإمام المجمع على فضله\".\nروينا عن ابنه إبراهيم قال: قال لي أبي: إن أباك لم يأت بفاحشة قط، وإنه يختم القرآن منذ ثلاثين سنة كل يوم مرة.\nوروينا عنه أنه قال لابنه: يا بنيّ إياك أن تعصي الله في هذه الغرفة، فإني ختمت فيها اثني عشر ألف ختمة.\nوروينا عنه أنه قال لبنته عند موته وقد بكت: يا بنية لا بتكي، أتخافين أن يعذبني الله تعالى وقد ختمت في هذه الغرفة أربع وعشرين ألف ختمة.\nقال الحافظ ابن حجر في ترجمته:\n\"ولد سنة ٩٥ أو ٩٦، ومات سنة ١٩٣، وكان قد صام سبعين سنة وقامها، وكان لا يعلم له بالليل نوم\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>(٥٧) صوم جعفر بن الحسن الدرزيجاني </span>المقرئ\nالزاهد الفقيه الحنبلي.\nقال عنه الحافظ ابن رجب: \"كان من عباد الله الصالحين، أمّارًا بالمعروف، نهّاء عن المنكر، وله المقامات المشهورة في ذلك.\nكان مداومًا على الصيام والتهجد والقيام، وله ختمات كثيرة جدًا، كل ختمة منها في ركعة، توفي في الصلاة ساجدًا سنة ٥٠٦ رحمه الله تعالى (٣) .\n_________\n(١) \"حليهّ الأولياء\" (٨/٣٠٣) .\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١٢/٣٦)، وانظر أيضًا \"الثبات عند الممات\" (١٠٩) .\n(٣) \"ذيل طبقات الحنابلة\" (١/١١٠) .","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>(٥٨) صوم رحلة العابدة </span>مولاة معاوية\nعن سعيد بن عبد العزيز قال: ما بالشام ولا بالعراق أفضل من رحلة ودخل عليها نفر من القرّاء، فكلموها في الرفق بنفسها فقالت: \"ما لي وللرفق بها؟ فإنما هي أيام مبادرة، فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غدًا، والله يا إخوتاه لأصلين ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي\" ثم قالت: أيكم يأمر عبده بأمر فيحب أن يقصر فيه، ولقد قامت رحمها الله حتى أقعدت، وصامت حتى اسودت، وبكت حتى عمشت، وكانت تقول \"علمي بنفسي قرّح فؤادي، وكلم قلبي، والله لوددت أن الله لم يخلقني ولم أك شيئًا مذكورًا\".\nوكانت رحمها الله تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين فى سبيل الله (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>(٥٩) صوم ميمونة بنت الأقرع</span>\nعابدة زاهدة كتبت عن الإمام أحمد بن حنبل أشياء، وأخبر المروزي فقال: ذكرت لأحمد بن حنبل ميمونة بنت الأقرع فقلت له: \"إنها أرادت أن تبيع غزلها فقالت للغزال: إذا بعت هذا الغزل فقل إني ربما كنت صائمة فأرخي يدي فيه، ثم ذهبت ورجعت فقالت: رد عليّ الغزل أخاف ألا تبين للغزال هذا\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>(٦٠) صوم أبي حنيفة</span>\nعن الحسن بن عمارة أنَّه غسل حين توفي وقال: غفر الله له، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة (٣) .\n_________\n(١) \"صفة الصفوة\" (٤/٤٠، ٤١) .\n(٢) \"أعلام النساء\" لعمر رضا كحالة (٥/١٣٨) نقلًا عن طبقات الفقهاء الحنابلة للفرّاء (مخطوط) .\n(٣) \"إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس ببدعة\" (ص ٧٧) .","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>(٦١) صوم محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة </span>بن الحارث بن أبي وهب\nقال الواقدي: كان يصلي الليل أجمع ويجتهد في العبادة، فلو قيل له أن القيامة تقوم غدًا ما كان فيه يزيد الاجتهاد، وقال أخوه: أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ثم سرده (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>(٦٢) صوم الملك العادل نور الدين محمود زنكي</span>\nالشهيد بن الشهيد والقسيم بن القسيم.\nقال ابن كثير: \"صاحب بلاد الشام وغيرها من البلدان الكثيرة الواسعة، كان مجاهدًا في الفرنج، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، محبًا للعلماء والفقراء والصالحين، مبغضًا للظلم، صحيح الاعتقاد، مؤثرًا لأفعال الخير، لا يجسر أحد أن يظلم أحدًا في زمانه، وكان قد قمع المناكر وأهلها، ورفع العلم والشرع، وكان مدمنًا لقيام الليل، يصوم كثيرًا ويمنع نفسه من الشهوات، وكان يحب التيسير على المسلمين، ويرسل البر إلى العلماء الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل، وليست الدنيا عنده بشيء ﵀ وبلّ ثراه بالرحمة والرضوان\".\nقال ابن الجوزي: استرجع نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى من أيدي الكفار نيفًا وخمسين مدينة.\n\"وكان قد عزم على فتح بيت المقدس شرفه الله فوافته المنية في شوال من هذه السنة (٥٦٩ هـ) والأعمال بالنيات فحصل له أجر ما نوى\" (٢) .\n\"وكان نور الدين يأمر الولاة والأمراء في الموصل ألا يفعلوا أمرًا حتى يعلموا به الشيخ عمر الملا من الموصل وكان من الصالحين الزهاد، وكان نور الدين يستقرض\n_________\n(١) \"العبر\" (١/٢٣١)، واليافعي في \"مرآة الجنان\" (١/٣٤٠) .\n(٢) \"البداية والنهاية\" (١٢/٣٠٦-٣٠٧) .","vol":"1","page":155},{"text":"منه في كل رمضان ما يفطر عليه، وكان يرسل إليه بفتيت ورقاق فيفطر عليه جميع رمضان\" (١) .\nيرحم الله نور الدين لا يطعم ولا يفطر في رمضان على طعام المملكة بل يفطر على طعام شيخه.\nوهو الذي قال عنه ابن الأثير: \"لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين، ولا أكثر تحريًّا للعدل والإنصاف منه، وكان مقتصدًا في الإنفاق على نفسه وعياله في المطعم والملبس، وكانت له دكاكين بحمص قد اشتراها مما يخصه من المغانم، فكان يقتات منها\".\nكتب إليه الشيخ عمر بن الملا هذا: \"إن المفسدين قد كثروا، ويحتاج إلى سياسة، ومثل هذا لا يجيء إلا بقتل وصلب وضرب، وإذا أخذ إنسان في البرية من يجيء ويشهد له؟ فكتب إليه الملك نور الدين على ظهر كتابه: إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة وهو أعلم بما يصلحهم، ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا، فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة فهو يكملها بزيادته، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المظلمة لا تهتدي، والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم، فلما وصل الكتاب إلى الشيخ عمر الملا جمع الناس بالموصل وقرأ عليهم الكتاب وجعل يقول انظروا إلى كتاب الزاهد إلى الملك، وكتاب الملك إلى الزاهد\".\nفألبس الله هاتيك العظام وإن ... بلين تحت الثرى عفوا وغفرانا\nسقى ثرى أودعوه رحمة ملأت ... مثوى قبورهم روحًا وريحانًا\nويرحم الله من يقول:\nومدرسة ستدرس كل شيء ... وتبقى في حمى علم ونسك\nتضوع ذكرها شرقًا وغربًا ... بنور الدين محمود بن زنكي (٢)\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (١٢/٣٠٢) .\n(٢) \"البداية والنهاية\" (١٢/٢٩٩-٣٠٧) .","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>(٦٣) صوم الشيخ الورع علي العياش: </span>يصوم يومًا ويفطر يوما\n\"الشيخ الصالح الورع المجدّ على العبادة ليلا ونهارا. كان من أجل أصحاب سيدي أبي العباس الغمري وسيدي إبراهيم المتبولي كان يصوم يومًا ويفطر يومًا\" (١) .\nونختم بختام المسك من آل هاشم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>(٦٤) صوم السيدة المكرمة الصالحة نفيسة ابنة الحسن بن زيد </span>ابن السيد سبط النبي ﷺ الحسن بن علي (﵄) العلوية الحسنية\n\"كانت رحمها الله وأكرمها بين الصالحات العوابد، زاهدة، تقية نقية، تقوم الليل، وتصوم النهار حتى قيل لها: \"ترفقي بنفسك\" لكثرة ما رأوا منها فقالت: \"كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون؟ \" حجت ثلاثين حجة وكانت تحفظ القرآن وتفسيره (٢) .\nقال عنها ابن كثير: \"كانت عابدة زاهدة كثيرة الخير\".\n\"توفيت رحمها الله تعالى وهي صائمة، فألزموها الفطر، فقالت: \"واعجباه! أنا منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه صائمة، أأفطر الآن هذا لا يكون\" وخرجت من الدنيا، وقد انتهت قراءتها إلى قوله: (قل لمن ما في السموات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة) (٣) .\nويرحم الله من قال:\nلو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا\nقوم أبوهم [علي] حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا\n_________\n(١) \"الكواكب السائرة\" (٢/٢٢٢) .\n(٢) \"عودة الحجاب\" (٢/٦٠٧-٦٠٨) .\n(٣) \"مرآة الزمان\" (٨٢) .","vol":"1","page":157},{"text":"إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا ... مُرزَّءون بهاليل إذا حشدوا\nمحسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا\nقال عمر: \"أحسن، وما أعلم أحدًا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله - ﷺ - وقرابتهم منه\" (١) .\nونختم سادات الصائمين بالعجب العجاب:\n(٦٥) زيد بن بندار بن زيد أبو النخاني يصوم هو وابنه وامرأته نحو أربعين سنة\nرحم الله أبا جعفر زيد بن بندار بن زيد أبو النخاني.. \"كان من العابدين\" (٢)، قال عنه أبو نعيم الأصبهاني: \"من الفقهاء، صام نحو أربعين سنة هو وابنه وامرأته توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين\" (٣) .\nأخي: هل سمعت بأعجب من هذا ... ﵏ أهل بيت عابدين ... ما سمعنا بمثل قصتهم هذه أبدا.\n***\n_________\n(١) \"تاريخ الطبري\" (٢/٥٧٧-٥٧٨)، والبيت الثاني في الأصل قوم أبوهم سنان بدلا من عليّ.\n(٢) \"طبقات المحدثين بأصبهان\" لأبي الشيخ الأصبهاني (ج ٣/٢٢٩) مؤسسة الرسالة.\n(٣) كتاب \"تاريخ أصبهان\" لأبي نعيم الأصبهاني (١/٣٧٧) - دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الباب السادس\nبين يدي رمضان</span>","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>إذا العشرون من شعبان ولت</span>\nيا إخوتاه ليس من رغب إلى الله كمن رغب عن الله -ليس من بقي مع الله كمن بقي عن الله- ليس من عمره كله رمضان كمن عمره كله للجشاء والطعام فمن الناس قوم قبل رمضان يأخذون بحظ أنفسهم من الشهوات والأكل ويقولون هي أيام توديع للأكل والطعام.\nوربما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحة بل يتعدى إلى المحرمات وهذا هو الخسران المبين، وأنشد لبعضهم:\nإذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار\nولا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق على الصغار\nونرد عليه:\nإذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل ذكر ليلك بالنهار\nوقال آخر:\nجاء شعبان منذرًا بالصيام ... فاسقياني راحا بماء الغمام\nومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه وله نصيب من قوله: (وقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها) الآية وربما تكره كثير منهم بصيام رمضان حتى أن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعرًا:\nدعاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر\nفلو كان يعديني الأنام بقدرة ... على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر\nفأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة ومات قبل أن يدركه رمضان آخر.","vol":"1","page":161},{"text":"وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه من الصلاة والصيام فكثير من هؤلاء الجهال لا يصلي إلا في رمضان إذا صام.\nوكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان فيطول عليه ويشق على نفسه مفارقتها لمألوفها فهو يعد الليالي ليعود إلى المعصية وهؤلاء مصرون على ما فعلوا وهم يعلمون.\nكما يقول قائلهم أحمد شوقي:\nرمضان ولى هاتها يا ساقي ... مشتاقة تسعى إلى مشتاق\nوحكاية محمد بن هارون البلخي مشهورة وقد رويت من وجوه وهو أنه كان مصرًّا على شرب الخمر فجاء في آخر يوم من شعبان وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنورًا فحملها فألقاها في التنور فاحترقت وكان بعد ذلك قد تاب وتعبد فرؤي له في النوم أن الله قد غفر للحاج كلهم سواه، فمن أراد الله به خيرًا حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان فصار من الراشدين، ومن أراد به شرًّا خلى بينه وبين نفسه فأتبعه الشيطان فحبب إليه الكفر والفسوق والعصيان فكان من الغاوين - فالحذر الحذر من المعاصي فكم سلبت من نعم وكم جلبت من نقم وكم خربت من ديار وكم أخلت ديارا من أهلها فما بقي منهم ديّار، كم أخذت من العصاة بالثمار، كم محت لهم من آثار.\nيا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه ... عواقب الذنب تخشى وهي تنتظر\nفكل نفس ستجزى بالذي كسبت ... وليس للخلق من ديانهم وزر (١)\nفيا من ذنوبه كثيرة لا تُعدّ، ووجه صحيفته بمخالفته قد اسودّ، كم ندعوك إلى الصيام وتأتي إلى الصدّ، أما الموت قد سعى نحوك وجدّ، أما عزم أن يلحق بالأب والجد، أما ترى منعما أترب الثرى منه الخد، فاحذر أن يأتي على العاصي فإنه إذا أتى أبى الرد.\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" بتصرف (ص ١٥٣-١٥٤) .","vol":"1","page":162},{"text":"ألم يأن تركي ما عليّ ولا ليَا ... وعَزْمي على ما فيه إصلاح حاليا\nوقد نال مني الدهر وابيض مفرقي ... بكرّ الليالي والليالي كما هيا\nأصوّتُ بالدنيا وليست تجيبني ... أحاول أن أبقى وكيف بقائيا\nوما تبرح الأيام تحذف مدتي ... بعد حساب لا كعدّ حسابيا\nأليس الليالي غاصباتي مهجتي ... كما غصبت قبلي القرون الخواليا\nوتسكنني لحدًا لدى حفرة بها ... يطول إلى أخرى الليالي ثُوائيا\nفيا ليتني من بعد موتي ومبعثي ... أكون ترابًا لا عليّ ولا ليَا\nفاغتنموا إخواني زمنكم، وبادروا بالصحة سقمكم، واحفظوا أمانة التكليف لمن أمنكم، وكأنكم بالحميم وقد دفنكم، وبالعمل في القبر قد ارتهنكم (١)؟\nأين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان ليلهم قيام ونهارهم صيام؟!\nباع قوم من السلف جارية فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتها فقالوا نتهيأ لصيام رمضان فقالت وأنتم لا تصومون إلا رمضان! لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ردوني عليهم.\nباع الحسن بن صالح جارية له فلما انتصف الليل قامت فنادتهم يا أهل الدار الصلاة الصلاة، قالوا طلع الفجر؟ قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة!! ثم جاءت الحسن فقالت: بعتني إلى قوم لا يصلون إلا المكتوبة ردني ردني.\nقيل لبشر إن قومًا يتعبدون ويجتهدون في رمضان فقط فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقًّا إلا في رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها.\nوقيل لأحد الصالحين أيهما أفضل رجب أو شعبان فقال: كن ربانيًّا ولا تكن شعبانيًّا.\nقال بعض السلف: صم الدنيا، واجعل فطرك الموت، الدنيا كلها شهر\n_________\n(١) \"التبصرة\" (٢/٢٦٦-٢٦٧) .","vol":"1","page":163},{"text":"رمضان، المتقون يصومون فيه عن الشهوات المحرمات فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم.\nوقد صمت عن لذّاتِ دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي\nمن صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجّل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته. شاهد ذلك قوله: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) [الأحقاف: ٢٠] (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>التهنئة بقدوم رمضان</span>\n\"كان رسول الله - ﷺ - يبشر أصحابه بقدوم رمضان كما أخرجه الإمام أحمد، والنسائي فعن أبي قلابة عن أبي هريرة قال رسول الله - ﷺ - يبشر أصحابه \"قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنة ويغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم\" (٢) .\nقال ابن رجب: \"هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران، كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان.\nمن أين يشبه هذا الزمان زمان؟!\nقال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم.\nوقال يحيى بن أبي كثير: \"كان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلا\".\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٥٤-١٥٥) .\n(٢) إسناده صحيح: \"رواه النسائي والبيهقي، كلاهما عن أبي قلابة، انظر \"مسند أحمد\" (٧١٤٨، ٩٤٩٣، ٨٩٧٩) تحقيق شاكر، عن أبي هريرة، قال الشيخ أحمد شاكر في التعليق على مسند أحمد (٧١٤٨)، إسناده صحيح، وفى \"التهذيب\" يقال أنه لم يسمع من أبي هريرة ولم أجد ما يؤيد هذا، وأبو قلابة -عبد الله بن زيد- لم يعرف بتدليس والمعاصرة كافية في الحكم بوصل الإسناد.","vol":"1","page":164},{"text":"بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه.\nعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: \"كان رجلان من بلى من قضاعة أسلما مع النبي - ﷺ - واستشهد أحدهما وأُخِّر الآخر سنة قال طلحة بن عبيد الله: فأريت الجنة فرأيت فيها المؤخر منهما أدخل قبل الشهيد فعجبت لذلك فأصبحت فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - أو ذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: \"أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة أو كذا وكذا ركعة صلاة السنة\" (١) .\nعن أبي سلمة، عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين من بَليِّ قدما على رسول الله - ﷺ - وكان إسلامهما جميعا: فكان أحدهما أشد اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي.\nقال طلحة: فرأيت في المنام: بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ثم خرج فأذن للذي استشهد ثم رجع إلي فقال: أرجع فإنك لم يأن لك بعد.\nفأصبح طلحة يحدث الناس فعجبوا لذلك فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - وحدثوه الحديث: فقال: من أيِّ ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشد الرجلين اجتهادًا ثم استشهد ودخل هذا الآخر الجنة قبله فقال رسول الله - ﷺ -: \"أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى: قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله - ﷺ -: \"فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض\" (٢) .\nمن رحم في رمضان فهو المرحوم، ومن حرم خيره فهو المحروم، ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم.\nأتى رمضان مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد\n_________\n(١) إسناده صحيح انظر مسند أحمد بتحقيق شاكر حديث رقم (٨٣٨٠، ٨٣٨١) (١٦/١٧٠-١٧١) .\n(٢) صحيح رواه ابن ماجة في \"سننه\" كتاب الرؤيا باب تعبير الرؤيا\" وصححه الألباني، انظر \"صحيح سنن ابن\nماجة حديث رقم (٣١٧١ ج ٢/٣٤٥-٣٤٦) .","vol":"1","page":165},{"text":"فأد حقوقه قولًا وفعلًا ... وزادك فاتخذه للمعاد\nفمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوّه نادمًا يوم الحصاد\nوقال الشاعر:\nإذا رمضان أتى مقبلًا ... فأقبل بالخير يستقبل\nلعلك تخطئه قابلًا ... وتأتي بعذر فلا يقبل\nكم ممن أمّل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر، كم من مستقبل يومًا لا يستكمله، ومؤمل غدًا لا يدركه، إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.\nيا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب ... حتى عصى ربه في شهر شعبان\nفاحمل على جسد ترجوه النجاة له ... فسوف تضرم أجساد بنيران\nكم كنت تعرف ممن صام في سلف ... من بين أهل وجيران وإخوان\nأفناهم الموت واستبقاك بعدهم ... حيا فما أقرب القاصي من الداني\nومعجب بثياب العيد يقطعها ... فأصبحت في غد أثواب أكفان\nحتى متى يعمر الإنسان مسكنه ... يصير مسكنه قبر لإنسان (١)\nاعلم يا أخي أن الناصح لنفسه لا تخرج عنه مواسم الطاعات وأيام القربات عطلًا لأن الأبرار ما نالوا البر إلا بالبر.\nيضع نصب عينيه قول رسول الله - ﷺ -: \"افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده\" (٢) .\nوقوله - ﷺ -: \"إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٥٥-١٥٧) .\n(٢) حسن: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن أنس وقال الهيثمي إسناده رجاله رجال الصحيح وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١٨٩٠) .","vol":"1","page":166},{"text":"منها نفحة لا يشقى بعدها أبدًا\".\nفيتعرض لإحسان مولاه، سبحانه من كريم أضحت رحالنا بباب كرمه مطروحة ورمضان سيد الشهور وتاج على مفرق الأيام والدهور.\nرمضان ربيع التقي وقد فاح فواحه ... رمضان يوسف الزمان في عين يعقوب الإيمان.\nفمرحى بشهر طيب كريم مبارك.\n* شهر نزول القرآن والكتب السماوية، شهر الشفاعة بالصيام والقرآن.\n* شهر التراويح والتهجد.\n* شهر التوبة وتكفير الذنوب.\n* شهر تصفيد الشياطين.\n* شهر غلق أبواب الجحيم.\n* شهر فتح أبواب الجنان.\n* شهر الجود والإحسان.\n* شهر العتق من النيران.\n* شهر ليلة القدر.\n* شهر الدعاء.\n* شهر الجهاد.\n* شهر مضاعفة الحسنات.\n* شهر الصبر والشكر.\nفهلم يا باغيَ الخير إلى شهر يضاعف فيه الأجر للأعمال، فَنصَبَ المجتهدين في خدمة مولاهم في هذا الشهر هو الراحة.","vol":"1","page":167},{"text":"بين الجوانح في الأعماق سكناه ... فكيف أنسى ومن في الناس ينساهُ\nوكيف أنسى حبيبًا كنت من صغري ... أسير حسن له جلت مزاياه\nولم أزل في هواه، ما نقضتُ له ... عهدًا ولا مَحَتِ الأيام ذكراه\nقد شاخ جسمي ولكن في محبته ... ما زال قلبي فتىً في عشق معناه\nفي كل عام لنا لقيا محببة ... يهتز كل كياني حين ألقاه\nبالعين والقلب بالآذان أرقبه ... وكيف لا وأنا بالروح أحياه\nوالليل تحلو به اللقيا وإن قصرت ... ساعاتها ما أُحيلاها وأحلاه\nفنوره يجعل الليل البهيم ضحى ... فما أجل وما أجلى محياه\nألقاه شهرًا ولكن في نهايته ... يمضي كطيف خيال قد لمحناه\nفي موسم الطهر في رمضان الخير، تجمعنا ... محبة الله لا مال ولا جاه\nمن كل ذي خشية لله ذي ولع ... بالخير تعرفه دومًا بسيماه\nقد قدروا موسم الخيرات فاستبقوا ... والاستباق هنا المحمود عقباه\nصاموه قاموه إيمانًا ومحتسبا ... أحيوه طوعًا وما في الخير إكراه\nوكلهم بات بالقرآن مندمجًا ... كأنه الدم يسري في خلاياه\nفالأذن سامعة والعين دامعة ... والروح خاشعة والقلب أوّاه\n* هبت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب في رمضان وسعى\nسمسار الوعظ للمهجورين في الصلح ووصلت البشارة للمنقطعين بالوصل، وللمذنبين بالعفو والمستوجبين النار بالعتق، لما سلسل الشيطان في شهر رمضان، وخمدت نيران الشهوات بالصيام، انعزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل، فكم يبق للعاصي عذر.","vol":"1","page":168},{"text":"يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشّعي، يا شموس التقوى والإيمان اطلعي، يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي، يا قلوب الصائمين اخشعي، يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي، يا عيون المجتهدين لا تهجعي، يا ذنوب التائبين لا ترجعي، يا أرض الهوى ابلعي ماءك ويا سماء النفوس اقلعي، يا بروق العشاق للعشاق المعي، يا خواطر العارفين ارتعي، يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي قد مدّت في هذه الأيام موائد الأنعام للصوّام فما منكم إلا مَنْ دعي (يا قومنا أجيبوا داعي الله) [الأحقاف: ٣١] .\nويا همم المؤمنين أسرعي، فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويل لمن طُرد عن الباب وما دعي.\nليت شعري إن جئتهم قبلوني ... أم تراهم عن بابهم يصرفوني\nأم تراني إذا وقفت لديهم ... يأذنوا بالدخول أم يطردوني (١)\nيا من طالت غيبته عن مولاه، قد قربت أيام المصالحة، يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، كم ينادي حي على الفلاح وأنت خاسر، وكم تدعى إلى الصلاح وأنت على الفساد مثابر.\nمن لم يربح في رمضان ففي أي وقت يربح، ومن لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح.\nيتلذذون بذكره في ليلهم ... ويكابدون لدى النهار صياما\nفسيغنمون عرائسًا بعرائس ... ويُبَوءون من الجنان خياما\nوتقر أعينهم بما أخفى لهم ... وسيسمعون من الجليل سلامًا (٢)\n***\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٤٢-١٤٣) .\n(٢) \"عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان\" للشيخ إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن.","vol":"1","page":169},{"text":"رمضان\nأضيف أنتَ حَلَ على الأنَامِ ... وأقسَم أَنْ يُحيا بالصيام؟!\nقطعتَ الدهر جَوابًا وفيًا ... يَعودُ مَزارَهُ في كل عام\nتُخيم.. لا يَحدُّ حماكَ ركن ... فكل الأرض مهدٌ للخيام\nنسَخْتَ شعائرَ الضيفان، لما ... قنعتَ من الضيافة بالمقامِ\nورُحت تَسُنُّ للأجوادِ شرعًا ... من الإحسان عُلوي النظام،\nبأن الجودَ حرمَان وزُهْد ... أعزُّ منَ الشراب أو الطعَام!!\nأشهر أنتَ أم رُؤْيا مَتاب ... تألق طيفُها مثل الشهاب؟\nتَمرغَ في ظلالِكَ كل عاص ... وكلُّ مَرَجَّس دَنِس الإهابِ\nفأنتَ محير الآثام.. تَجْري ... فتَلْحقها بأحلام العذابِ\nتَراكَ شفيعَ تَوْبتَها، فتَخْزى؛ ... وتُوأَدُ تحت أجنحة الشباب!\nوأنتَ مَنارة الغُفْران، يأوِي ... إليك اليائسون من المتاب\nوعندَ الله سُؤْلُك مستَجابٌ ... ولو حُملتَ أوزارَ التُّراب!!\nوقفتَ خُطاكَ عندَ البائسينا ... فكنتَ للَيلهم فلقًا مُبينا\nتُساقُ إليكَ أمواجُ التحايا ... فتدفَعُهَا لباب المُعوزينا\nفكم آهات محْروم حَدَاها ... إليك البؤسُ! فانقَلَبتْ رَنينًا\nفأنتَ مفزع البُخالْ.. تَجْري ... خُطاكَ على حجارتِهِم مَعينا\nوأَنتَ مُلَقن الأيدي نَداها ... ومُكسبُها التراحُم والحْنينا\nيخَافكَ كلُّ قارون شحيح ... فيخْجلُ أنْ يُردَّ السائلينا","vol":"1","page":170},{"text":"ومُنْذُ تَهِل ترهَبُكَ الذُّنوبُ ... وتَخَتشِعُ السرائرُ والقلوبُ\nوتفزعُ أن تُقابلك المعَاصي ... فتُهْرَعُ أو تُقَنعُ، أو تذُوبُ\nويُجفل أنْ يراك أخو هَواها ... ولو قَتَلَتْ مشاعره العُيوبُ\nكأنَّكَ فارسُ الأيام، تَبدُو ... فيصعقها مُهنَّدُكَ الغَضُوبُ\nكأنَّ بكفِّك البيضاء سرًّا ... من النَّجْوى تَكتَّمُهُ الغيوبُ\nتُجابهُ كلهَ غَيَّان عَنيد ... فيَكتَتِمُ الغِوايةَ أو يَتُوِبُ\nجعلتَ النَّاس في وقت المغيبِ ... عبيدَ ندائكَ العاتي الرَّهيبِ\nكم ارتقَبُوا الأذانَ كأنَّ جُرحًا ... يُعذبُهمْ تَلَفتْ للطَّبيب\nوأتلَعَتِ الرِّقاب بهم، فلاحوا ... كَرُكْبان علَى بلَد غَريبِ\nعُتاةُ الإنسِ، أنتَ نسخْتَ منهم ... تَذَلُّلَ أَوْجُهِ وضنى جُنوبِ\nفيا.. من لقْمة، حفيف ماءِ ... يُقِّلب روحَه فوقَ اللهيب\nعلامَ البغْيء والطغيان؟! إِنِّي ... كفَرتُ بمنطق الدُّنْيا العَجيبِ!\nتَلفتْ للمآذِنِ حاليات ... كَحُورِيَّات خلْد سافِراتِ\nتفوحُ مباخرُ النُّسَّاك منها ... فتحسبُها غُصونًا عاطراتِ\nتلألأ حولها أطواق نور\nكأنكَ حامل وحيًا إليها ... وقَفْنَ لسِحرِه متلهفاتِ\nإِذا صاحَ الأذانُ بها أَرنَّتْ ... بإلهام كموْج البَحرِ عاتِ\nيذكَّرُ بالهِدايةِ كل ناس ... ويُوقِظُ كلِّ غاف في الحيَاةِ!\nوهذا المعُجِزُ العالي الرَّخيمُ ... أَذانُ الله، والذْكر الحكيم\nتَلَاهُ في سكون اللَّيل تال ... فكاد لِهَوله تَهْوِي النجومُ","vol":"1","page":171},{"text":"نِداء تفزَغُ الأفلاك منه ... ويخشعَ في مساريه السَّديمُ\nعلى سمْع الهُداة يَضُوعُ عطرًا ... وتُقذَفُ منه للغاوي رُجُومَ\nأصاخ الكونُ مسحورًا إليه ... وخَر لبأسِه الأزلُ القَديمُ\nتَنَزلَ فوق صدرِكَ منْ علاه ... يشيرُ الوَحْي، والدِّينُ القَويمُ\nسلامًا ناسَكَ الزمنِ القَوِيِّ ... منَ القلبِ الحزين الشاعري\nحملتُ إليك أشواقي وسري ... لتَحْمِلَها إلى الأُفُق العَلِي\nأمُر بها على زمنى غريبًا ... كطَير تاهَ في ظُلَم العَشي\nوأعزِفُ للصبائحِ والأَماسي ... فينتَفضُ الغناءُ لِكُلِّ حَي\nكأني ما ذرفتُ أسىَ زماني ... ولا أَفضَى صَداي بأيِّ شَيء!!\nطَلعْتَ منوِّرًا فوق العباد ... فأيقظْ من تشبثَ بالرقاد\nوقل للشرق: إن الكون يَمْشي ... على سُبُل مغيبة الرَّشاد\nفخُذ لزمانكَ الزَّاد المرَجّى ... من الخلقِ القويم والاتحاد\nولا يوقفْكَ في التيار هولٌ ... فنارُ الهوْل، نورٌ للجهاد\nلقد ملَّتْ تقلبنا الليالي ... على وَضَرِ التنعمِ والفَسَاد\nشَدَا لكَ بالأذان خميلُ مصرِ ... فَقُمْ.. وانشُر صَداهُ على البَوادِي!! (١)\n***\n_________\n(١) محمود حسن إسماعيل الديوان الحادي عشر صوت من الله قصيدة: \"الزمن\" رمضان ص (١٧٦٣-١٧٧٠) .","vol":"1","page":172},{"text":"مدرسة الثلاثين يومًا\n\"شهر للثورة\" (*)\n* يقول الأديب الفاضل مصطفى صادق الرافعي ﵀.\n\"لم أقرأ لأحد قولًا شافيًا في فلسفة الصوم وحكمتِه؛ أما منفعتُه للجسم، وأنه نوعٌ من الطب له، وبابٌ من السياسة في تدبيره؛ فقد فرغ الأطباءُ من تحقيق القول في ذلك؛ وكأن أيامَ هذا الشهر المبارك إن هي إلا ثلاثون حبةً تؤخذُ في كل سنة مرةً لتقوية المعدة وتصفية الدم وحياطة أنسجة الجسم؛ ولكنا الآن لسنا بصدد من هذا، وإنما نستوحي تلك الحقيقة الإسلامية الكبرى التي شَرعت هذا الشرع لسياسة الحقائق الأرضية الصغيرة، عاملة على استمرارِ الفكرة الإنسانية فيها، كي لا تتبدَّل النفس على تغير الحوادث وتَبَدُّلِها، ولكيلا تجهل الدنيا معاني الترقيع إذا أتت على هذه الدنيا معاني التمزيق.\nمن معجزات القرآن الكريم أنه يدَّخرُ في الألفاظ المعروفة في كل زمن، حقائقَ غيرَ معروفة لكل زمن، فيُجلِّيها لوقتها حين يَضِج الزمانُ العلمي في مَتَاهَتِه وحَيرَته، فيَشغَبُ على التاريخ وأهله مستَخِفًّا بالأديان، ويذهبُ يتتبعُ الحقائق، ويستقصي في فنون المعرفة، ليستخلصَ من بيِن كُفرٍ وإيمان دينًا طبيعيًّا سائغًا، يتناولُ الحياة أول ما يتناولُ فيضبطها بأسرار العلم، ويوجِّهُها بالعلم إلى غايتها الصحية، ويضاعف قُواها بأساليبه الطبيعية، ليحقِّق في إنسانية العالم هذه الشيئية المجهولة التي تتوهمُها المذاهبُ الاجتماعية ولم يهتد إليها مذهبُ منها ولا قاربَها؛ فما برحت سعادةُ الاجتماع كالتجربة العلمية بين يَدي علمائها: لم يحققوها ولم ييأسوا منها، وبقيت تلك المذاهبُ كعقارب الساعة في دورَتها: تبدأ من حيثُ تبدأ ثم لا تنتهي إلا إلى حيثُ تبدأ..\nيضطرب الاشتراكيون في أوربا وقد عجزوا عجز من يحاول تغيير الإنسان\n_________\n(*) كتبها في شهر رمضان سنة ١٣٥٣ هـ، وانظر \"عود على بدء\" من كتاب حياة الرافعي.","vol":"1","page":173},{"text":"بزيادة ونقص في أعصابه؛ ولا يزال مذهبهُم في الدنيا كُتُب ورسائل؛ ولو أنهم تدَبروُا حكمة الصوم في الإسلام، لرأوا هذا الشهر نظاما عمليّا من أقوى وأبدع الأنظمة الصحيحة: فهذا الصومُ فَقر إجباريّ تَفرضه الشريعةُ على الناس فرضًا ليتساوَى الجميع في بواطنهم، سواء منهم من مَلَك المليونَ من الدنانير، ومن ملك القرش الواحد، ومن لم يملك شيئًا؛ كما يتساوى الناسُ جميعا في ذهاب كبريائهم الإنساني بالصلاة التي يفرضُها الإسلام على كل مسلم؛ وفي ذهاب تَفاوُتِهم الاجتماعي بالحج الذي يفرضُه على من استطاع.\nفقرُ إجباريٌ يراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح، أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها، وأنها إنما تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون، وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد لا حين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة.\nولو حققت رأيت الناس لا يختلفون في الإنسانية بعقولهم، ولا بأنسابهم، ولا بمراتبهم، ولا بما ملكوا؛ وإنما يختلفون ببطونهم وإحكام هذه البطون على العقل والعاطفة؛ فمن البطن نكبةُ الإنسانية، وهو العقلُ العملي على الأرض؛ وإذا اختلف البطنُ والدماغُ في ضرورةٍ، مد البطنُ مدَّهُ من قَوَى الهضم فلم يبقِ ولم يَذَر.\nومن ههنا يتناولُه الصوم بالتهذيب والتأديب والتدريب، ويجعل الناس فيه سواء: ليس لجميعهم إلا شعورٌ واحد وحس واحد وطبيعة واحدة؛ ويُحكم الأمر فيحولُ بين هذا البطن وبين المادة، ويبالغ في إحكامه فيمسك حواشيه العصبية في الجسم كله يمنعُها تغذيتها ولذتها.\nوبهذا يضَعُ الإنسانيةَ كلَّها في حالة نفسية واحدة تَتَلبسُ بها النفس في مشارق الأرض ومغاربها، ويُطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يُعلم الرحمة ويدعو إليها، فيُشبعُ فيها بهذا الجوعِ فكرة معينة هي كل ما في مذهب الاشتراكية (١) من الحق، وهي تلك الفكرةُ التي يكون عنها مساواة الغني للفقير من طبيعته، واطمئنان\n_________\n(١) ليس فيها أي حق.","vol":"1","page":174},{"text":"الفقير إلى الغني بطبيعته؛ ومن هذين: (الاطمئنان والمساواة)، يكون هدوءُ الحياة بهدوء النفسين اللتين هما السلبُ والإيجابُ في هذا الاجتماع الإنساني؛ وإذا أنت نزعتَ هذه الفكرة من الاشتراكية بقى هذا المذهبُ كلُّه عَبثًا من العَبث في محاولة جعلِ التاريخ الإنساني تاريخًا لا طبيعة له.\nمن قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم، وهذا بعضُ السر الاجتماعي العظيم في الصوم، إذ يبالغ أشدَ المبالغة، ويدقق كلَّ التدقيق، في منع الغذاء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدةً آخرها آخر الطاقة؛ فهذه طريقةٌ عملية لتربية الرحمة في النفس، ولا طريقة غيرُها إلا النكباتُ والكوارث؟ فهما طريقتان كما ترى مُبصرةٌ وعمياء، وخاصةٌ وعامة، وعلى نظام وعلى فجأة.\nومتى تحققت رحمةُ الجائع الغني للجائع الفقير، أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانُها النافذ، وحكم الوازع النفسي على المادة؛ فيسمع الغني في ضميره صوت الفقير يقول: \"أعطي\" ثم لا يسمع منه طلبًا من الرجاء، بل طلبًا من الأمر لا مفر من تلبيته والاستجابة لمعانيه، كما يُواسي المبتلى من كان في مثل بلائه.\nأية معجزة إصلاحية أعجبُ من هذه المعجزة الإسلامية التي تقضي أن يحذفَ من الإنسانية كلها تاريخُ البطن ثلاثين يومًا في كل سنة، ليحِل في محله تاريخُ النفس (١)؟ وأنا مُستيقن أن هناك نسبة رياضية هي الحكمة في جعل هذا الصوم شهرًا كاملًا من كل اثني عشر شهرًا، وأن هذه النسبة متحقِّقةٌ في أعمال النفس للجسم، وأعمال الجسم للنفس؛ كأنه الشهرُ الصِّحي الذي يفرضه الطبُّ في كل سنة للراحة والاستجمام وتغيير المعيشة، لإحداث الترميم العصبي في الجسم، ولعل ذلك آتٍ من العلاقة بين دورة الدم في الجسم الإنساني وبين القمر منذ يكون هلالًا إلى أن يدخل في المحاق؛ إذ تنتفخُ العروقُ وتَربوا في النصف الأول من الشهر، كأنها في (مَدّ) من نور القمر ما دام هذا النورُ إلى زيادة، ثم يراجعُها (الجزرُ) في\n_________\n(١) أفسد ضعفى النفوس هذا المعنى، فما يحقق الناس (تاريخ البطن) كما يحققونه في شهر رمضان، وهم يعوضون البطن في الليل ما منعوه في النهار، حتى جعلوا الصوم تغييرًا لمواعيد الأكل.. ولكن الصوم على ذلك لم يحرمهم فوائده.","vol":"1","page":175},{"text":"النصف الثاني حتى كأن للدم إضاءة وظلامًا. وإذا ثبت أن للقمر أثرًا في الأمراض العصبية، وفي مدّ الدم وجَزرِه (١)، فهذا من أعجب الحكمة في أن يكون الصيام شهرًا قمريّا دون غيره.\nوفي ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر، وهو -مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها- إثباتُ الإرادة وإعلانُها، كأنما انبعث أولُ الشعاع السماوي في التنبيه الإنساني العامّ لفروض الرحمة والإنسانية والبرّ.\nوهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عملُه في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يُدرّبُ الصائم على أن يمتنع باختياره من شهوَاته ولذّةِ حيوانيته، مُصِرًّا على الامتناع، مُتهَيئًا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مُزاولًا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسَخُ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة.\nوإدراكُ هذه القوة من الإدراك العملية منزلةُ اجتماعية سامية، هي في الإنسانية فوق منزلة الذكاء والعلم، ففي هذين تعرض الفكرةُ مارّة مُرورهَا، ولكنها في الإرادة تعرِض لتستقرّ وتتحقَّق، فانظر في أي قانون من القوانين، وفي أية أمة من الأمم، تجد ثلاثين يومًا من كل سنة قد فُرِضت فرضًا لتربية إرادة الشعب ومزاولتِه فكرة نفسيّةً واحدةً بخصائصها ومُلابساتها حتى تستقر وترسخ وتعودَ جزءًا من عمل الإنسان، لا خيالًا يمر برأسه مَرًا.\nأليست هذه هي إتاحةَ الفرصة العملية التي جعلوها أساسًا في تكوين الإرادة؟\nوهل تبلغ الإرادةُ فيما تبلغ، أعلى من منزلتها حين تجعل شهوات المرء مُذعنَة لفكرهِ، منقادة للوازع النفسي فيه، مُصَرفَة بالحس الديني المسيطِرِ على النفس ومشاعِرِها.\nأما والله لو عم هذا الصومُ الإسلامي أهلَ الأرض جميعًا، لآل معناه أن يكون إجماعًا من الإنسانية كلِّها على إعلان الثورة شهرًا كاملًا في السنة، لتطهير العالم\n_________\n(١) قال الجاحظ في (الحيوان): \"ولزيادة القمر حتى يصير بدرًا، أثر بين في زيادة الدماء في الأدمغة وجميع الرطوبات\".","vol":"1","page":176},{"text":"من رذائله وفساده، ومَحق الأثَرَة والبخل فيه، طرح المسألة النفسية ليتَدراسَهَا أهلُ الأرض دراسةَ عمليةَ مدة هذا الشهر بطوله، فيَهبطُ كلُّ رجُل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها، ليختبرَ في مصنع فكره معنى الحاجة ومعنى الفقر وليفهم في طبيعة جسمه -لا في الكتب- معاني الصبر والثبات والإرادة، وليبلغَ من ذلك وذلك درجات الإنسانية والمواساة والإحسان؛ فيُحقق بهذه وتلك معاني الإخاء والحرية والمساواة.\nشهرٌ هو أيام قلبيةٌ في الزمن؛ متى أشرفَت على الدنيا قال الزمنُ لأهله: هذه أيامُ من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي؛ فيُقبلُ العالم كلُّه على حالة نفسية بالغة السموّ، ويتعهدُ فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعَت من طعامها اليومي كما جاع هو، وكأنما أُفرغَتْ من خَسائسِها وشهواتها كما فَرَغَ هو، وكأنما أُلزِمَت معانيَ التقوى كما أُلزِمَها هو وما أجملَ وأبدع أن تَظهَر الحياةُ في العالم كله -ولو يومًا واحدًا- حاملةً في يده السبحة..! فكيف بها على ذلك شهرًا من كل سنة؟\nإنها والله طريقة عملية لرسوخ فكرة الخير والحق في النفس؛ وتطهير الاجتماع من خسائس العقل الماديّ؛ ورد هذه الطبيعة الحيوانية المحكومة في ظاهرها بالقوانين، والمحررةِ من القوانين في باطنها - إلى قانون من باطنها نفسه يُطهرُ مَشاعرَها، ويسمو بإحساسها، ويصرفها إلى معاني إنسانيتها، ويُهذب من زياداتها، ويحذف كثيرًا من فُضُولها، حتى يرجع بها إلى نحو من براءة الطفولة، فيجعلها صافية مُشرقة بما يجتذبُ إليها من معاني الخير والصفاء والإشراق؛ إذ كان من عمل الفكرة الثابتة في النفس أن تدعوَ إليها ما يلائمها ويتصل بطبيعتها من الفكر الأخرى والنفسُ في هذا الشهر مُحتَبَسَة في فكرة الخير وحدها، فهي تبني بناءَها من ذلك ما استطاعت.\nهذا على الحقيقة ليس شهرًا من الأشهر، بل هو فصلٌ نَفساني كفصول الطبيعة في دَورَانها؛ ولَهو والله أشبهُ بفصل الشتاء في حلوله على الدنيا بالجو الذي من","vol":"1","page":177},{"text":"طبيعته السحُبُ والغيث، ومن عمله إمدادُ الحياة بوسائل لها ما بعدها إلى آخر السنة، ومن رياضته أن يكسبِهَا الصلابة والانكماش والخفة، ومن غايته إعداد الطبيعة للتفتح عن جمال باطنها في الربيع الذي يتلوه.\nوعجيب جدًّا أن هذا الشهر الذي يَدَّخر فيه الجسمُ من قواه المعنوية فيودِعُها مَصرِفَ روحانيته، ليجدَ منها عند الشدائد مَدَدَ الصبر والثبات والعزم والجلَد والخشونة.\nوسحر العظائم في هذه الدنيا إنما يكون في الأمة التي تعرف كيف تدَّخر هذه القوّة وتوفِّرها لتستمدّها عند الحاجة، وذلك هو سِر أسلافنا الأولين الذين كانوا يجدون على الفقر في دمائهم وأعصابهم ما تجدُ الجيوش العظمى اليوم في مخازن العتَاد والأسلحة والذخيرة.\nكلُّ ما ذكرتُه في هذا المقال من فلسفة الصوم، فإنما استخرجته من هذه الآية الكريمة: (كُتِبَ عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قَبلِكم لعلكم تتقون) [البقرة: ١٨٣] .\nوقد فهمها العلماء جميعًا على أنها معنى \"التقوى\"، أما أنا فأوّلتُها من \"الاتّقَاء\"؛ فبالصوم يَتقي المرءُ على نفسه أن يكون كالحيوان الذي شريعتُه مَعِدَتُه، وألا يُعامِلَ الدنيا إلا بمواد هذه الشريعة؛ ويتقي المجتمعُ على إنسانيته وطبيعته مثل ذلك، فلا يكون إنسانٌ مع إنسان كحمار مع إنسان يبيعه القوة كلَّها بالقليل من العَلَف.\nوبالصوم يتقى هذا وهذا ما بين يديه وما خلفه، فإن ما بين يديه هو الحاضرُ من طباعه وأخلاقه، وما خَلَفَه هو الجيلُ الذي سيرثُ من هذه الطّباع والأخلاق، فيعمل بنفسه في الحاضر، ويعمل بالحاضر في الآتي (١) .\n_________\n(١) يفسر القرآن بعضه بعضًا، ومن معجزاته في هذا التأويل الذي استخرجناه أنه يؤيده بالآية الكريمة في سورة (يس): (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون..) ويشير إلى هذا التأويل قول النبي - ﷺ -: \"إنما الصوم جنة (بضم الجيم) فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، وإني صائم\".\nالجنة: الوقاية يتقي بها الإنسان، والمراد أن يعتقد الصائم أنه قد صام ليتقي شر حيوانيته وحواسه، فقوله: \"إني صائم، إني صائم\"؛ أي إنني غائب عن الفحش والجهل والشر؛ إني في نفسي وليست في حيوانيتي.","vol":"1","page":178},{"text":"وكلُّ ما شرحناه فهو اتقاءُ ضرر لجلب منفعة، واتقاءُ رذيلة لجلب فضيلة؛ ولهذا التأويل تتوجه الآية الكريمةُ جهةً فلسفيةً عاليةً، لا يأتي البيانُ ولا العلمُ ولا الفلسفةُ بأوجزَ ولا أكمل من لفظها؛ ويتوج الصيامُ على أنه شريعة اجتماعية إنسانيةٌ عامة؛ يتقى بها الاجتماعُ شرورَ نفسِه؛ ولن يتهذّبَ العالَم إلا إذا كان له مع القوانين النافذة هذا القانونُ العام الذي اسمُهُ الصومُ، ومعناه \"قانونُ البطن\" ...\nألا ما أعظمَكَ يا شهر رمضان! لو عَرَفَكَ العالَمُ حقّ معرفتِك لسَماكَ: \"مدرسة الثلاثين يومًا\".\n***","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الباب السابع\nفضائل رمضان</span>","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>رمضان شهر نزول القرآن\nوالكتب السماوية</span>\nيا له من شهر طيب اختاره الله لنزول الكتب السماوية فيه.\nعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله - ﷺ -: \"أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشر خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان\" (١) .\nقال تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) [القدر:١] .\nوقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) [الدخان: ٣] .\nقال ابن جرير الطبري: \"نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد - ﷺ - على ما أراد الله إنزاله إليه\".\nعن ابن عباس قال: \"أنزل القرآن جملة من الذكر (٢)، في ليلة أربع وعشرين من رمضان (٣) فجعل في بيت العزة.\nوعن سعيد بن جبير: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان فجعل في سماء الدنيا.\nوعن ابن عباس: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا، جملة واحدة، ثم فرّق في السنين بعدُ. قال: وتلا ابن عباس هذه الآية. (فلا أقسم بمواقع النجوم) [الواقعة: ٧٥] قال: نزل مفرقًا (٤) .\n_________\n(١) حسن: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن واثلة، وأحمد في \"مسنده\"، وابن عساكر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٥٠٩) .\n(٢) أي اللوح المحفوظ.\n(٣) وهي عند ابن عباس ليلة القدر والوتر من العشر الأواخر كما يقول ابن تيمية قد يكون باعتبار ما مضى من الشهر أو باعتبار ما بقي.\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٢/١١٤-١١٥) طبعة مصطفى الحلبي.","vol":"1","page":183},{"text":"أنزل القرآن بفرض صيامه قاله مجاهد والضحاك.\nأنزل في فضله القرآن: قاله سفيان بن عيينة (١) .\nوالقرآن: \"كتاب هذه الأمة الخالد، الذي أخرجها من الظلمات إلى النور فأنشأها النشأة وبدَّلها من خوفها أمنًا، ومكَّن لها في الأرض، ووهبها مقوماتها التي بها صارت أمة، ولم تكن من قبل شيئًا، وهي بدون هذه المقومات ليست أمة وليس لها مكان في الأرض، ولا ذكر في السماء، فلا أقل من شكر الله على نعمة هذا القرآن بالاستجابة إلى صوم الشهر الذي نزل في القرآن\" (٢) .\nالقرآن كتاب هذه الأمة، هو روحها وباعثها، وقوامها وكيانها، وهو حارسها وراعيها، هو بيانها وترجمانها، هو دستورها ومنهجها، وهو زاد الطريق.\nولكن ستظل هناك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا، ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية ذات وجود حقيقي، ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة، وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك.\nسيظل هناك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة، لا علاقة لها بواقع الحياة البشرية، بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسًا ووقائع وأحداثًا حية، لقد خاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كلها معها، ولكنه مع هذا يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة، وكأنما هو يتنزل اللحظة الأخيرة لمواجهة الجماعة المسلمة في شئونها الجارية وفي صراعها الراهن، وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير\" (٣) .\n\"آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند\n_________\n(١) \"التبصرة\" لابن الجوزي (٢/٧٣) .\n(٢» \"الظلال\" (١/١٧١-١٧٢) .\n(٣) من وحي القلم.","vol":"1","page":184},{"text":"الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليه أعراف الضمائر فابتز أنفالها\" (١) .\nكم صدوا عن سبيله صدًّا، ومن ذا يدافع السيل إذا أهدر؟ واعترضوه بالألسنة ردًّا، ولعمري من يرد على الله القدر؟\nألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا لانت فأنفاس الحياة الآخرة متى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب، وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسن ترعد من حمى القلوب.\nمعانٍ هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان، ترف بندى الحياة على زهرة الضمير، وتخلق في أرواجها من معاني العبرة معنى العبير.\nيجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ويتصل بالروح فإنما يمد لها بسبب إلى السماء.\nألفاظ لم تعهد كلم أحداقها، وثمرات لم تنبت في قلم أوراقها، ونور عليه رونق الماء فكأنما اشتعلت به الغيوم، وماء يتلألأ من النور فكأنما عصر من النجوم.\nوهل رأوا إلا كلامًا تضيء ألفاظه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح، يريدون أن يطفئوا نور الله وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب تطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه! وهيهات هيهات دون ذلك درج الشمس وهي أم الحياة في كفن وإنزالها بالأيدى وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن.\nلا جرم أن القرآن سر السماء، فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون، وظلت\n_________\n(١) المراد: \"أن ضمائر العرب امتنعت عن القرآن بما أستوعر فيها من العادات والأخلاق فنفذ إليها وابتزها وغلبها على أمرها\".","vol":"1","page":185},{"text":"آياته تلقف ما يأفكون، (فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون) (١) [الأعراف: ١١٨] .\nنزول القرآن على قلب نبينا - ﷺ - أعظم النعم\nقال تعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) الآية [العنكبوت:٥١] .\nأولم يكفهم أن يعيشوا مع السماء بهذا القرآن، يشعرهم أن عين الله عليهم، وأنه معني بهم يتنزل عليهم، يحدثهم بما في نفوسهم، وهم هذا الخلق الصغير الضئيل التائه في ملكوت الله الكبير.\nوالله بعد ذلك يكرمهم حتى لينزل عليهم كلماته تتلى عليهم ثم هم لا يكتفون إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون.\nالذين يؤمنون هم الذين يجدون مس هذه الرحمة في نفوسهم، وهم الذين يتذكرون فضل الله وعظيم منته على البشرية بهذا التنزيل، ويستشعرون كرمه وهو يدعوهم إلى حضرته وإلى مائدته وهو العلي الكبير.\nوهم الذين ينفعهم هذا القرآن، لأنه يحيا في قلوبهم، ويفتح لهم عن كنوزه، ويمنحهم ذخائره ويشرق في أرواحهم بالمعرفة والنور.\nالإيمان بكلام الله والعيش معه طمأنينة في القلب واستقامة على الطريق، وثبات على الدرب، وثقة بالسند، واطمئنان للحمى، ويقين بالعاقبة.\nقال تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) [يونس: ٥٨] .\nوقال تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) [الزمر: ٢٣] .\n_________\n(١) \"إعجاز القرآن\" للرافعي من (٢٩-٣١) .","vol":"1","page":186},{"text":"الحياة في ظلال القرآن نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتذكيه.\nأي تكريم للإنسان يفوق هذا التكريم العلوي الجليل.\n(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) [الكهف:١] . أي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن.. نعمة لا يسعها حمد البشر فحمد الله نفسه على هذه النعمة.\nأي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل، أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان القليل الصغير خالقه الكريم.\nقال تعالى: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا) الآية [النساء: ١١٣] .\nهي منة الله على الإنسان في هذه الأرض.. المنة التي ولد الإنسان معها ميلادًا جديدًا، ونشأ بها الإنسان نشأة جديدة.\nالمنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية لترقى بها في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة على طريق المنهج الرباني الفريد العجيب.\nالمنة التي لا يعرف قدرها إلا الذي عرف الإسلام والجاهلية جاهلية الماضي والحاضر.\nوإذا كانت منة يذكر الله بها رسوله - ﷺ - فلأنه أول من عرفها، وذاقها وأكبر من عرفها وذاقها، وأعرف من عرفها وذاقها، قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) الهدى حقيقته، والهدى طبيعته، والهدى كيانه، والهدى ماهيته، القلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة، قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة، قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده، قيمة الدرب المستقيم بدلًا من التخبط في المنعرجات المظلمة، كما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ.","vol":"1","page":187},{"text":"وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة، وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال\" (١) .\nلقد سمى الله كتابه روحًا لتوقف الحياة الحقيقية عليه \"واعجبا للناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه وهو أشد وموت القلوب بالبعد عن علام الغيوب\".\nوسماه نورًا لأن القلوب لا تضيء ولا تشرق إلا بالقرآن.\nقال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) [الشورى: ٥٢] .\nوقال تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) [المائدة: ١٥، ١٦] .\nليس أدق ولا أصدق ولا أدل على القرآن من أنه نور، نور تشرق به كينونته فتشف وتخف وترف.. ويشرق به كل شيء أمام ثقلة الطين في كيانه، وظلمة التراب، وكثافة اللحم والدم، وعرامة الشهوة والنزوة، كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى، تخف الثقلة، وتشرق الظلمة، وترق الكثافة، وترف العرامة.\nواللبس والغبش في الرؤية، والتأرجح والتردد في الخطوة، والحيرة والشرود في الاتجاه والطريق البهيم الذي لا معالم فيه.. كل أولئك يشرق ويضيء ويتجلى.. يتضح الهدف ويستقيم الطريق إليه وتستقيم النفس على الطريق (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) [المائدة: ١٦] .\nهو ما يسكبه (القرآن) والدين في الحياة كلها.. سلام الفرد، وسلام الجماعة، وسلام العالم.. سلام الضمير ... وسلام العقل، وسلام الجوارح.. سلام\n_________\n(١) \"الظلال\" (٢/٧٥٦) .","vol":"1","page":188},{"text":"البيت والأسرة، وسلام المجتمع والأمة، وسلام البشر والإنسانية.. السلام مع الحياة، والسلام مع الكون، والسلام مع الله رب الكون والحياة.. السلام الذي لا تجده البشرية.. -ولم تجده يومًا- إلا في هذا الدين؛ وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، (سبل السلام) سبل السلام كلها في هذه الجوانب جميعها.. ولا يدرك عمق هذه الحقيقة كما يدركها من ذاق حرب القلق الناشيء من عقائد الجاهلية في أعماق الضمير.. وحرب القلق الناشيء من شرائع الجاهلية وتخبطها في أعماق الحياة.\nما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا، ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا، وتحطم أخلاقنا وسلوكنا، وتحطم مجتمعنا وشعوبنا.. بينما نملك الدخول في السلم الذي منحه الله لنا؛ حين نتبع رضوانه؛ ونرضى لأنفسنا ما رضيه الله لنا! إننا نعاني من ويلات الجاهلية، والقرآن منا قريب.. نعاني من حرب الجاهلية وسلام القرآن في متناول أيدينا لو نشاء.. فأية صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ونشتري فيها الضلالة بالهدى؟\n(ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه) [المائدة: ١٦] .\nوالجاهلية كلها ظلمات، ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات، وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه، وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس. وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين (ويهديهم إلى صراط مستقيم) [المائدة: ١٦] .\nمستقيم مع فطرة النفس ونواميسها.. مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه، مستقيم إلى الله لا يلتوي ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات (١) .\n(ألا بذكر الله تطمئن القلوب) [الرعد: ٢٨] .\n\"ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين\n_________\n(١) \"في ظلال القرآن\" (٢/٨٦٢، ٨٦٣) .","vol":"1","page":189},{"text":"خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم.. يعرفونها ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها، لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام.\nوليس أشقى على وجه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله، ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتور الصلة بما حوله في الكون، لأنه انفصم من العروة التي تربطه بالله، ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه وحيدًا شاردًا في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين.\n(ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا) [الرعد: ٣١] .\nهذا القرآن العجيب، الذي لو كان من شأن قرآن أن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض أو يكلم به الموتى، لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثرات ما تتم معه هذه الخوارق والمعجزات، ولكنه جاء لخطاب المكلفين الأحياء.\nولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى، لقد صنع في هذه النفوس وبهذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثارًا في أقدار الحياة، بل أبعد أثرًا في شكل الأرض ذاته، فكم غير الإسلام والمسلمون من وجه الأرض، إلى جانب ما غيروا من وجه التاريخ.\nالذين تلقوه وتكيفوا به سيروا ما هو أضخم من الجبال وهو تاريخ الأمم والأجيال وقطعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد، وأحيوا ما هو أخمد من الموتى، وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام (١) .\n(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) [الإسراء: ٩] .\nيهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بين ظاهر الإنسان وباطنه، في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، في علاقات الناس بعضهم ببعض.\n_________\n(١) \"الظلال\" (٢٠٦٠-٢٠٦١) .","vol":"1","page":190},{"text":"(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) [الإسراء: ٨٢] .\nفي القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان فأشرقت، وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان.\nفي القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيرضى ويستروح الرضا من الله والرضى عن الحياة، والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.\nوفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان.\nوفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير فهو يعصم العقل من الشطط.\nوفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء المجتمعات (١) .\n(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) [الزخرف: ٣٦] .\n\"وأسوأ ما يصنعه قرين بقرين أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة ثم لا يدعه يفيق، أو يتبين الضلال فيتوب؛ إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم، حتى تفاجئهم النهاية وهم سادرون، هنا يفيقون كما يفيق المخمور، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال.\nوالعذاب كامل لا تخففهُ الشركة، ولا يتقاسمه الشركاء فيهون\" (٢) .\n(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى) [طه: ١٢٤] .\nالحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة؛ ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع.\n_________\n(١) \"الظلال\" (٤/٢٢٤٨) .\n(٢) \"الظلال\" (٣١٨٩-٣١٩٠) .","vol":"1","page":191},{"text":"إنه ضنك الانقطاع عن الاتصال بالله والاطمئنان إلى حماه.... ضنك الحيرة والقلق والشك.... ضنك الحرص والحذر: الحرص على ما في اليد والحذر من الفوت.... ضنك الجري وراء بارق المطالع والحسرة على كل ما يفوت.\nلقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه فألقى بالهدى من بين يديه، وهو أنفس ثراء وذخر (١) .\nقال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [المائدة: ٤٤] .\nإنه ليس أشنع من خيانة المستأمن؛ وليس أبشع من تفريط المستحفظ؛ وليس أخس من تدليس المستشهد.. يخونون ويفرطون ويدلسون، فيسكتون على العمل لتحكيم ما أنزل الله ويحرفون الكلم عن مواضعه، لموافاة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله.\n(فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) [المائدة: ٤٨] .\n(أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) [المائدة: ٥] .\nأجل؛ فمن أحسن من الله حكمًا؟!!.\n\"من ذا الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس ويحكم فيهم، خيرًا مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم، وأي حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض؟!\nأيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟! أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس؟! أيستطيع أن يقول: إن الله سبحانه - وهو يشرع شريعته الأخيرة، ويرسل رسوله الأخير، ويجعل رسوله - ﷺ - خاتم النبيين،\n_________\n(١) \"الظلال\" (٢٣٥٥) .","vol":"1","page":192},{"text":"ويجعل رسالته خاتمة الرسالات، ويجعل شريعته شريعة الأبد كان -سبحانه وحاشاه- يجهل أن أحوالًا ستطرأ، وأن حاجات ستستجد، وأن ملابسات ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان؟!\nما الذي يستطيع أن يقوله من ينحي شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية، وحكم الجاهلية، ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب، أو هوى جيل من أجيال البشر، فوق حكم الله، وفوق شريعة الله؟!\nما الذي يستطع أن يقوله.. وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟! الظروف؟! الملابسات؟! عدم رغبة الناس؟! الخوف من الأعداء؟! ألم يكن كل هذا في علم الله، قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة؛ والأوضاع المتجددة، والأحوال المتغلبة؟ ألم يكن ذلك في علم الله.\nيستطيع غير المسلم أن يقول ما يشاء.. ولكن المسلم.. أو من يدعون الإسلام.. ما الذي يقولون عن هذا كله؛ ثم يبقون على شيء من الإسلام؟ أو يبقى لهم شيء من الإسلام؟ إنه مفرق الطريق الذي لا معدى عنده من الاختيار، ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال إما إسلام وإما جاهلية إما حكم الله وإما حكم الجاهلية (١) .\n(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) [الحديد: ١٦] .\nلا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلد، فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة، وأن يشرق فيه النور وأن يخشع لذكر الله، فالله يحيي الأرض بعد موتها، فتنبض بالحياة، وتزخر بالنبت والزهر، وتمنح الأكل والثمار، وكذلك القلوب حين يشاء الله.\nوفي هذا القرآن ما يُحيي القلوب كما تحيا الأرض وما يمدها بالغذاء والري والدفء\" (٢) .\n_________\n(١) \"الظلال\" (٢/٩٠٥) .\n(٢) \"الظلال\" (٣٤٨٩) .","vol":"1","page":193},{"text":"يا أصحاب السورة ويا أصحاب السورتين ماذا غرس القرآن في قلوبكم إن القرآن ربيع قلب المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، إن الغيث قد ينزل على الحبة في الحش، ما يمنعه نتن موضعها من أن تزهر وتثمر وتربو فماذا غرس القرآن في قلوبكم؟!\nقال تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله) (١) الآية [الحشر: ٢١] .\nإن لهذا القرآن لثقلًا وسلطانًا وأثرًا مزلزلًا لا يثبت له شيء يتلقاه بحقيقته، والذين أحسّوا شيئًا من مس القرآن في كيانهم يتذوقون هذه الحقيقة تذوقًا لا يعبر عنه إلا هذا النص القرآني المشع الموحي\".\n(وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) [الإسراء: ١٠٥] .\nلقد أنزل الله هذا القرآن قائمًا على الحق منزل ليقر الحق في الأرض ويثبته.. (وبالحق نزل) فالحق مادته والحق غايته، ومن الحق قوامه، وبالحق اهتمامه.. الحق الأصيل الثابت في ناموس الوجود (٢) .\n(قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدًا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا) [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨] .\n\"هم لا يسجدون ولكن (يخرون للأذقان سجدًا) لا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ.\n\"هذا أثر القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه، العارفة بطبيعته وقيمته\".\n\"إني لأعجب لقرّاء القرآن كيف يهنيهم النوم ومعهم القرآن، أما والله لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحًا بما رُزقوا\".\n_________\n(١) \"الظلال\" (٣٥٣٢) .\n(٢) \"الظلال\" (٢٢٥٣) .","vol":"1","page":194},{"text":"في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: \"كان النبي - ﷺ - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله - ﷺ - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة\".\nقال ابن رجب: \"دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان\".\nوفى حديث فاطمةَ ﵍ عن أبيها - ﷺ -: أنه أخبرها أن جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين.\nوفي حديث ابن عباس (﵄) أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلًا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلًا فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا وأقوم قيلًا) [المزمل: ٦] . (١) فكتاب الله أفضل مؤانس وسميرك إذا احلولكت ظلمة الحنادس.\nنعم السمير كتاب الله إن له ... حلاوة هي أحلى من جني الضرب\nبه فنون المعاني قد جمعن فما ... تفتّر من عجب إلَّا إلى عجب\nأمر ونهي وأمثال وموعظة ... وحكمة أودعت في أفصح الكتب\nلطائف يجتليها كل ذي بصر ... وروضة يجتنيها كل ذي أدب\nقال تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور) [فاطر: ٢٩-٣٠] .\nقال - ﷺ -: \"أوصيك بتقوى الله تعالى؛ فإنه رأس كل شيء وعليك بالجهاد فإنه\n_________\n(١) \"لطائف\" (١٨٩) .","vol":"1","page":195},{"text":"رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض\" (١) .\nقال - ﷺ -: \"خياركم من تعلم القرآن وعلمه\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"من سرَّه أن يحب الله ورسوله فلينظر في المصحف\" (٣) .\nوقال - ﷺ -: \"من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف\" (٤)\nوقال - ﷺ -: \"الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتعتع فيه وهو عليك شاق له أجران\" (٥) .\nوقال - ﷺ -: \"يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة، اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد لكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه\" (٦) .\nوقال - ﷺ -: \"يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيُلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق، ويزاد بكل آية حسنة\" (٧) .\nوقال - ﷺ -: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يُقرأ فيه سورة البقرة\" (٨) .\n_________\n(١) حسن: رواه أحمد عن أبي سعيد وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٥٤٣) .\n(٢) صحيح: رواه الدارمي عن سعد، وأحمد وابن أبي شيبة عن علي، وابن أبي شيبة عن عثمان وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٢٦٨) .\n(٣) حسن: رواه أبو نعيم في \"الحلية\" والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن ابن مسعود وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٢٨٩) .\n(٤) رواه البخاري في \"التاريخ\"، والترمذي، والحاكم عن ابن مسعود وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٤٦٩) .\n(٥) رواه البخاري ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة عن عائشة.\n(٦) رواه أحمد والنسائي، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، عن ابن عمرو وصححه الألباني رقم (٨١٢٢) في \"صحيح الجامع\".\n(٧) حسن: رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٨٠٣٠) .\n(٨) رواه أحمد ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة.","vol":"1","page":196},{"text":"وقال - ﷺ -: \"لو كانت سورة واحدة لكفت الناس\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"إن الله تعالى يرفع بهذا الكلام أقوامًا ويضع به آخرين\" (٣) .\nوقال - ﷺ -: \"إن لله تعالى أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته\" (٤) .\nوقال - ﷺ -: \"أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله\" (٥) .\nوقال - ﷺ -: \"إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله\" (٦) .\nوقال - ﷺ -: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" (٧) .\nوقال - ﷺ -: \"من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة\" (٨) .\nقال ابن رجب: \"كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها\".\n\"كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان يختم في غير رمضان في كل ست ليال\" (٩) .\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود عن أبي سعيد، والطحاوي، وابن حبان، والحاكم، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٢٩٣) .\n(٢) صحيح: رواه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\"، وابن جرير عن أبي سعيد وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٤٧٣) .\n(٣) رواه مسلم، وابن ماجة عن عمر.\n(٤) رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم عن أنس وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢١٦٥) .\n(٥) صحيح: رواه محمد بن نصر في كتاب الصلاة والبيهقي في \"شعب الإيمان\" والخطيب عن ابن عباس، والسجزي في \"الإنابة\"، والخطيب عن ابن عمر، والديلمي في \"مسند الفردوس\" عن عائشة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٩٤) .\n(٦) صحيح: رواه ابن ماجة عن جابر وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٢٠٢) .\n(٧) رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم عن البراء، والطبراني عن ابن عباس، وأبو نعيم عن عائشة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٥٨٠) .\n(٨) رواه أحمد والنسائي، عن تميم وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٤٦٥) .\n(٩) \"الحلية\" (٢/١٦٣) .","vol":"1","page":197},{"text":"\"كان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة\" (١) .\n\"وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث\" (٢) .\nوالشافعي قال عنه ربيع بن سليمان: \"كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلا في صلاة\".\nوقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: كنت أختم القرآن في رمضان ستين مرة.\nوقال الحميدي: كان الشافعي يختم القرآن كل يوم ختمة، وعن أبي حنيفة نحوه\" (٣) .\n\"وكان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الرجوي يختم كل يوم\".\nوأبو العباس بن عطاء: قال عنه أبو الحسين محمد بن علي صاحب الجنيد: \"صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدبًا بآدابه، وكان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات\".\nقال النووي: \"روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا ﵀ كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء\" وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل\" (٤) .\nوعن منصور: \"كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان\" (٥) .\n_________\n(١) \"الحلية\" (٢/٣٣٨)، \"لطائف\" (١٩١) .\n(٢) \"لطائف\" (١٩١) .\n(٣) \"لطائف المعارف\" (١٩١) .\n(٤) \"التبيان\" (١١، ١٢)، و\"الأذكار\" (٩٥، ٩٦) .\n(٥) \"التبيان\" (١١، ١٢)، و\"الأذكار\" (٩٥، ٩٦) .","vol":"1","page":198},{"text":"قال ابن رجب: وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان.\nوكان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.\nقال ابن الحكم. كان مالك إذا دخل رمضان يفرّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.\nقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.\nوكانت عائشة (﵂) تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت.\nوقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه.\n\"وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصًا في الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان، وهو قول أحمد، وإسحاق وغيرهما من الأئمة وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره\" (١) .\nقال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.\nقال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه يشير إلى سهره وطول تهجده.\nقال وهيب بن الورد: قيل لرجل ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي.\nقال أحمد بن الحواري: إني لأقرأ القرآن وانظر في آية فيحير عقلي بها،\n_________\n(١) \"لطائف\" (١٩١، ١٩٢) .","vol":"1","page":199},{"text":"وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحًا بما رزقوا.\nوأنشد ذو النون المصريّ:\nمنع القرآن بوعده ووعيده ... مقل العيون بليلها لا تهجع\nفهموا عن الملك الكريم كلامه ... فهمًا تذل له الرقاب وتخضع (١)\nرمضان والشفاعة:\nلأنه شهر الصيام والقرآن وهما يشفعان للعبد يوم القيامة قال - ﷺ -. \"القرآن شافع مشفع، ماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه\" (٣) .\nوقال - ﷺ -: \"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان\" (٤) .\nعن ابن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك\" (٥) .\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (١٩٣) .\n(٢) رواه ابن حبان، وابن ماجة عن جابر، والطبراني في \"الكبير\" والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن ابن مسعود وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٤٤٣) .\n(٣) رواه أحمد، ومسلم عن أبي أمامة.\n(٤) صحيح: رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" عن ابن عمرو، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٨٢) .\n(٥) قال الألباني في \"صحيح ابن ماجة\" (٢/٣١٤): ضعيف يحتمل التحسين. قال ابن كثير: هذا إسناد حسن\nعلى شرط مسلم فإن بشيرًا هذا خرج له مسلم ووثقه ابن معين وقال النسائي ما به بأس انظر \"الفتح الرباني\" (١٨/٧٢) .","vol":"1","page":200},{"text":"قال ابن رجب (١): \"فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها أولا يختص كشهوة فضول الكلام المحرمة، والنظر المحرم والسماع المحرم، والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه ومنعه من شهواته، فأما من ضيّع صيامه ولم يمنعه مما حرمه الله عليه فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني.\nقال بعض السلف: إذا احتضر المؤمن يقال للملك: شم رأسه قال: أجد في رأسه القرآن، فيقال: شم قلبه، فيقول: أجد في قلبه الصيام، فيقال: شم قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام، فيقال: حفظ نفسه حفظه الله ﷿.\nوكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له، أما من كان معه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار، فإنه ينتصب القرآن خصمًا له يطالبه بحقوقه التي ضيعها كما جاء في حديث سمرة ابن جندب عن النبي - ﷺ -: \"إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وقالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا ورجع إليه حتى يصحّ رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى\" ... الحديث وفيه: \"أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ بالقرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة\" (٢) .\nيا من ضيّع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط، وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة (٣) .\n_________\n(١) \"اللطائف\" (١٩٢) .\n(٢) رواه البخاري تامًا في كتاب التعبير باب تعبير الرؤيا، ومسلم، وأحمد، والترمذي، والنسائي.\n(٣) \"اللطائف\" (١٩٤) .","vol":"1","page":201},{"text":"ويل لمن شفعاؤه خصماؤه ... والصور في يوم القيامة ينفخ\nيا إخوتاه:\n\"هذا عباد الله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وفي بقيته للعابدين مستمتع وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويُسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا يتصدع، ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع، ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع، وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع، كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، لا الشاب منا ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة، أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والأبصار، أفمالنا فيهم أسوة؟ ما بيننا وبين حال الصفا أبعد مما بين الصفا والمروة، كلما حسنت منا الأقوال ساءت الأعمال.\nيا نفس فاز الصالحون بالتقى ... وأبصروا الحق وقلبي قد عمي\nيا حسنهم والليل قد جنهم ... ونورهم يفوق نورالأنجم\nترنموا بالذكر في ليلهم ... فعيشهم قد طاب بالترنم\nقلوبهم للذكر قد تفرغت ... دموعهم كلؤلؤ منتظم\nأسحارهم بهم لهم قد أشرقت ... وخلع الغفران خير القسم\nويحك يا نفس ألا تيقظ ... ينفع قبل أن تزل قدمي\nمضى الزمان في ثوان وهوى ... فاستدركي ما قد بقى واغتنمي (١)\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (١٩٤، ١٩٥) .","vol":"1","page":202},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-144>سجع</span>\"\nإخواني:\n\"هذه الأيام تصان، هي كالتاج على رأس الزمان، وصل توقيع القِدم من الرحيم الرحمن (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) [البقرة: ١٨٥] .\n* قد ذهب نصف البضاعة في التفريط والإضاعة، والتسويف يمحق ساعة بعد ساعة والشمس والقمر بحسبان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .\n* يا واقفًا في مقام التحيّر هل أنت على عزم التغيّر؟ إلى متى ترمني بالنزول في منزل الهوان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .\n* هل مضى من يومك يوم صالح، سلمت فيه من جرائم القبائح، تالله لقد سبق المتقي الرابح وأنت راض بالخسران (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .\n* عينك مطلقة في الحرام، ولسانك منبسط في الآثام، ولأقدامك على الذنوب إقدام والكل مثبت في الديوان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .\n* تالله لو غفلت حالك أو ذكرت ارتحالك، أو تصورت أعمالك لبنيت بيت الأحزان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .\n* سيشهد رمضان عليك، بنطق لسانك ونظر عينيك، وسيشار يوم الجمع إليك، شقى فلان وسعد فلان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .\n* في كل لحظة تُقرَّب من قبرك، فانظل لنفسك في تدبير أمرك، وما أراك إلا كأول شهرك، الأول والآخر سيان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .\n* زنوا أفعالكم في هذا الشهر بميزان، واشتروا خلاصكم بما عزَّ وهان، فإن عجزتم فسلوا المعين وقد أعان، إن كان في الماضي قد قبح الوصف فقم الآن (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) .","vol":"1","page":203},{"text":"\"سجع\"\nصاموا النهار بلا فتور نصبوا الأقدام في الدَّيجور، ببكاء مطرود مهجور، فامتلأت بالخيرات الجحور (يرجون تجارة لن تبور) .\nرفضوا الدنيا شغلًا عن الزينة، وأذلوا أنفسهم فعادت مسكينة، وعلموا الدنيا سفينة فتهيأوا للعبور (يرجون تجارة لن تبور) .\nيؤثرون بالطعام ويؤثرون الصيام، يأملون فضل الإنعام، فما كانت إلا أيام حتى اخضرت البذور (يرجون تجارة لن تبور) .\nالعليل عليل، والأنين طويل، والعيون تسيل، وما مضى إلا القليل حتى فرح الصبور (يرجون تجارة لن تبور) (١) .\nبخلوف عبد مسكين نالوا المقام الأمين، وانشعب قلب الحزين بأكمل الحبور (يرجون تجارة لن تبور) .\nسبحان من قضى لقوم سرورًا، وعلى آخرين ثبورًا فما لهم من نور (يرجون تجارة لن تبور) (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>رمضان شهر التراويح والتهجد</span>\nشهر رمضان شهر المصالح، شهر التهجد والتراويح، واهًا لأوقاته من زواهر ما أشرفها، ولساعاته التي كالجواهر ما أظرفها، أشرقت لياليها بصلاة التراويح، وأنارت أيامها بالصيام والتسبيح، حليتها الإخلاص والصدق، وثمرتها الخلاص والعتق.\nفطوبى لعبد صام نهاره، وقام أسحاره ... يا حسنه ومصابيح النجوم تزهر، والناس قد ناموا وهو في الخير يسهر، غسل وجهه من ماء عينه وعَين العين أطهر.\n_________\n(١) \"التبصرة\" (٢/٩٦، ٩٧) .\n(٢) \"التبصرة\" بتصرف (٢/٢٩١) .","vol":"1","page":204},{"text":"وكم من فوائد ومعان في التراويح:\n(١) قيام رمضان من الإيمان، ومغفرة لسالف الذنوب:\nقال رسول الله - ﷺ -: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" (١) .\nوزاد مسلم في أوله: كان رسول الله - ﷺ - يُرغِّبُ في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمته ثم يقول: \"من قام رمضان ... \" (٢) .\nقال الألباني: \"هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تغفر له بسبب هذه العبادات، فإن لم يكن للإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب\" (٣) .\n(٢) استحقاق قائمة اسم الصديقين والشهداء:\nوهذا فيض الكريم وجوده يسوقه - ﷺ -، وفيه الغنم كل الغنم: \"جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذ شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته فَمِمن أنا؟ قال: \"من الصديقين والشهداء\" (٤) .\nولفظ ابن خزيمة: \"جاء رسول الله - ﷺ - رجل من قضاعة، فقال له: إن شهدت ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات وصمت الشهر وقمت رمضان، وآتيت الزكاة؟ فقال النبي - ﷺ -: \"من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء\".\n_________\n(١) أخرجه أصحاب الكتب الستة، ومالك، وأحمد، والدارمي، والفريابي في \"كتاب الصوم\" وعبد الغني المقدسي في \"فضائل رمضان\".\n(٢) زيادة عند مسلم وأبي داود، والترمذى.\n(٣) \"التعليق على صحيح الترغيب والترهيب\" (١/٤١٥) .\n(٤) صحيح: رواه البزار، وابن خزيمة، وابن حبان في \"صحيحيهما\" واللفظ لابن حبان، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب\" رقم (٩٩٣)، و\"التعليق على ابن خزيمة\" (٢٢١٢) .","vol":"1","page":205},{"text":"وما زاد الصحابي الجليل على أركان الإسلام الخمسة إلا قيام رمضان واستحق بهذه الزيادة اسم الصديقين والشهداء.\nكان عمر بن الخطاب إذا دخل أول ليلة من رمضان يصلي المغرب ثم يقول:\n\"أما بعد، فإن هذا الشهر كُتب عليكم صيامه، ولم يُكتب عليكم قيامه، فمن استطاع منكم أن يقوم فليقم، فإنها نوافل الخير التي قال الله\" (١) .\n* وقال أحدهم: ما على أحدكم أن يقول: الليلة ليلة القدر، فإذا جاءت أخرى قال: الليلة ليلة القدر\".\nوكان ابن عون إذا جاء شهر رمضان جاء برمل فألقاه في المسجد، ثم يقول لبنيه: \"ما تبتغون بعد شهر رمضان وكان لا ينام\" (٢) .\n(٣) من قام مع إمامه كتب له قنوت ليلة:\nجاء في حديث أبي ذر قوله - ﷺ -: \"إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليلة\" (٣) .\nقال الألباني: [والشاهد من هذا الحديث قوله: \"من قام مع الإمام ... \" فإنه ظاهر الدلالة على فضيلة قيام رمضان مع الإمام] .\nقال صاحب عون المعبود: \"حصل له ثواب قيام ليلة تامة\".\nوعن أبي إسحاق الهمداني: خرج علي بن أبي طالب في أول ليلة من رمضان، والقناديل تزهر في المسجد، وكتاب الله يتلى فجعل ينادي: نوّر الله لك يا ابن الخطاب في قبرك كما نوّرت مساجد الله بالقرآن\" (٤) .\n_________\n(١) \"المصنف\" لعبد الرزاق.\n(٢) \"مختصر قيام الليل\" (ص ٩٢) .\n(٣) سنده صحيح: رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجة، وابن أبي شيبة، وقال الألباني: سنده صحيح \"صلاة التراويح\" (ص ١٥) .\n(٤) \"مختصر قيام الليل\" (ص ٩٤) .","vol":"1","page":206},{"text":"فاتق الله في عمرك، وأقبل على صلاة التراويح يقبل الله عليك وانظر إلى سلفك من الصحابة.\nعن السائب بن يزيد أنه قال: \"أمر عمر بن الخطاب أبيّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنّا نعتمد على العصيّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر\" (١) خشية أن يفوتنا الفلاح: السحور (٢) .\nوالله ما صلاح الأجساد إلا بانتصابها في القيام والتراويح وهو شفاء من أمراض الأجساد والقلوب ورفعة للدرجات عند علاَّم الغيوب وهذا طريق الصالحين من قبلنا.\nقال - ﷺ -: \"عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد\" (٣) .\nفي بحث أعدته الدكتورة \"سلوى محمد رشدي\" جامعة حلوان كلية التربية الرياضية وموضوعه \"صلاة التراويح وأثرها على مرونة العمود الفقري والكفاءة الوظيفية للقلب بعد الستين\".\nتقول الدكتورة سلوى: \"إن هذه الدراسة تهدف إلى التعرف على أهمية صلاة التراويح للمسلم، وأثر ذلك على الكفاءة الوظيفية للقلب، ودرجة المرونة في العمود الفقري ... وقد أجريت هذه الدراسة على عينة مكونة من ستين رجلًا وامرأة مقسمين إلى ثلاثين ممن قاموا بتأدية التراويح في شهر رمضان عام ١٤٠٥هـ،\n_________\n(١) سنده صحيح: أخرجه مالك في باب \"ما جاء في قيام رمضان\" وعنه البيهقي في \"سننه الكبرى\" وقال السيوطي في المصابيح \"سنده في غاية الصحة\" وصححه الألباني.\n(٢) صلاة التراويح وما يتعلق بها من أحكام، وأحكام قيام الليل عامة مبسوط في جمعي \"رهبان الليل\".\n(٣) صحيح: رواه الترمذي والبيهقي والحاكم في \"المستدرك\" عن بلال، والترمذي، والحاكم، والبيهقي في \"السنن\" عن أبي أمامة، وابن عساكر في \"التاريخ\" عن أبي الدرداء، والطبراني في \"الكبير\" عن سلمان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٩٥٨ ج٣/٥٠) .","vol":"1","page":207},{"text":"وثلاثين من المصلين الذين لم يقوموا بتأديتها، وقد طبعت عليهم اختبارات لمعرفة مرونة العمود الفقري من الأوضاع المختلفة، وكذلك اختبار الكفاءة الوظيفية باستخدام العملية الأرجومترية.. وقد أظهرت هذه الدراسة أن هناك فروقًا كبيرة بين المصلين التراويح وغير المصلين، في درجة مرونة العمود الفقري، وكذلك في الكفاءة الوظيفية للقلب، وقالت الدكتورة سلوى رشدي: لقد أوصيت في هذه الدراسة بتشجيع المسلم على تأدية الصلاة عمومًا، وعلى صلاة التراويح على وجه الخصوص لما لها من فائدة على الجهاز الدوري والتنفسي، ومرونة مفاصل الجسم وخاصة العمود الفقري، حيث أن كبار السن في حاجة إلى القيام بتأدية التمرينات التي تحافظ على اللياقة البدنية، واللياقة الوظيفية للقلب\" (١) .\nوقد كان صحابة رسول الله يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها من طول القيام في التراويح.\nقال ابن رجب: \"إن جمع ثلاثة قرآء فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالناس ثلاثين، وأوسطهم بخمس وعشرين، وأبطأهم بعشرين ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات، فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنه خفف\".\nقال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهويه: كم يقرأ في شهر رمضان؟ فلم يرخص في دون عشر آيات، فقيل له: إنهم لا يرضون، فقال: لا رضوا، فلا تؤمنَّهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من (البقرة)، يعني في كل ركعة، وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات.\nوقال الإمام أحمد: إنما الأمر على ما يحتمله الناس.\nوقال أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفاء، اقرأ خمسًا، ستًا، سبعًا: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين.\n_________\n(١) انظر مجلة الاعتصام العددان الرابع والخامس محرم وصفر سنة ١٤٠٦هـ نوفمبر وديسمبر سنة ١٩٨٥م ص (٢٠، ٢١) .","vol":"1","page":208},{"text":"وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم، وقاله أيضًا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم (١) .\nقال - ﷺ -: \"من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين\" (٢) .\nقوله: \"من المقنطرين\" أي: ممن كتب له قنطار من الأجر.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"من سورة (تبارك الذي بيده الملك) إلى آخر القرآن ألف آية والله أعلم\".\nقال ابن رجب: \"وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث، وبعضهم في كل سبع، منهم قتادة، وبعضهم في كل عشرة، منهم أبو رجاء العطاردي\" فرحم الله رجلًا قدم لآخرته، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، وقدم مهره فإنما مهر الحور الحسان طول التهجد بالقرآن، ولا تكن مِمّن يعظم الخطة ويسيء المهر\".\nبادر يا أخي فإنه مبادر بك.\nكان أبو الدرداء يقول: صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير\" (٣) .\nوقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلًا\nفما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويصبح ذا الأحزان فرحان جاذلا\n* * *\n_________\n(١) \"بغية الإنسان في وظائف رمضان\" لابن رجب الحنبلي (ص ٣٥) دار القادسية.\n(٢) صحيح: رواه أبو داود، وابن خزيمة، وحسنه الألباني فى \"صحيح الترغيب\"رقم (٦٣٥)، وصححه في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٣١٥) .\n(٣) \"بغية الإنسان في وظائف رمضان\" (ص ٢٩) .","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>رمضان شهر تكفير الذنوب</span>\nأنعم الكريم على الأمة بتمام إحسانه، وعاد عليها بفضله وامتنانه، وجعل شهرها هذا مخصوصًا بعميم غفرانه.\nيا إخوتاه: أيام رمضان أيام محو ذنوبكم فاستغيثوا إلى مولاكم من عيوبكم.\nهي أيام الإنابة فيها تفتح أبواب الإجابة، فأين اللائذ بالجناب، أين المتعرّض بالباب، أين الباكي على ما جنى، أين المستغفر لأمر قد دنا.\nكم منقول في هذه الليلة من ديوان الأحياء عن قريب يفاجأ بالممات وهو مقيم على السيئات، ألا رب فَرِح بما يؤتى قد خرج اسمه مع الموتى ألا رب غافل عن تدبير أمره قد انفصمت عُرَى عمره، ألا رب مُعْرض عن سبيل رشده قد آن أوان شق لحده، ألا رُبّ رافل في ثوب شبابه قد أزف فراقه لأحبابه، ألا رب مقيم على جهله قد ترب رحيله عن أهله، ألا رب مشغول بجمع ماله قد حانت خيبة آماله، ألا ربّ ساع في جمع حطامه قد دنا تشتت عظامه، ألا ربّ مُجدّ في تحصيل لذاته قد آن خراب ذاته.\nأين المعتذر مما جناه فقد اطلع عليه مولاه، أين الباكي على تقصيره قبل تحسره في مصيره.\nيا مطرودًا ما درى، تعاتب ولا تفهم ما جرى، متى تُرَى على الباب تُرَى.\nتعالوْ كلّ من حضرا ... لنطرق بابه سحرا\nونبكي كلنا أسفا ... على من بات قد هجرا\nعن جابر بن سمرة ﵁ قال، قال رسول الله - ﷺ -: \"أتاني جبريل، فقال: يا محمد، من أدرك أحد والديه فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، قال: يا محمد، من أدرك شهر رمضان فمات ولم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، قال: ومن ذُكرت عنده فلم يُصل عليك فمات فدخل النار فأبعده","vol":"1","page":210},{"text":"الله، قل: آمين، فقلت: آمين\" (١) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رغم أنف (٢) رجل ذُكرت عنده فلم يصل على، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة\" (٣) .\nقال المناوي. \"رغم أنف من علم أنه لو كفّ نفسه عن الشهوات شهرًا في كل سنة، وأتى بما وُظفَ له فيه من صيام وقيام غفر له ما سلف من الذنوب فقصّر ولم يفعل حتى انسلخ الشهر ومضى، فمن وجد فرصة عظيمة بأن قام فيه إيمانًا واحتسابًا عظّمه الله، ومنْ لم يعظِّمه الله حقَّره وأهانه\" (٤) .\n\"والغفران مشروط بشرطين: الإيمان والاحتساب، وهما مدار الفرق بين العادة والعبادة فبدونهما يكون الصوم إرثًا وتقليدًا قلّما يدفع صاحبه إلى الخير وينهاه عن الشر\" (٥) .\n* وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" (٦)، \"وما تأخر\".\nقال الحافظ ابن حجر: زاد أحمد \"وما تأخر\"، ووقعت هذه الزيادة في رواية الزهري عن أبي سلمة، وقد وقعت هذه الزيادة أيضًا في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين وإسناده حسن، وقد استوعبت الكلام على طرقه في\n_________\n(١) صحيح: رواه الطبراني في (الكبير عن جابر بن سمرة، ورواه ابن حبان في \"صحيحه\"، وصححه الألباني فى \"صحيح الجامع\" رقم (٧٥) .\n(٢) رغِم: بالكسر أي لصق بالرغام أي: التراب هذا أصله، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف.\n(٣) صحيح: رواه الترمذي في الدعوات، وقال: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح، وقال بن حجر: له شواهد، وقال الألباني: وإسناده حسن، وأخرج منه الحاكم (١/٥٤٩) الفقرة الأولى من هذا الوجه، وأخرج مسلم الفقرة الأخيرة منه عن أبي هريرة، وصححه الألباني في تحقيق المشكاة (رقم ٩٢٧)، و\"صحيح الجامع\" رقم (٣٥١٠) .\n(٤) \"فيض القدير\" (٤/٣٤) .\n(٥) \"الصوم في ضوء الكتاب والسنة\" للأشقر ص (١٤) .\n(٦) رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة مختصرًا.","vol":"1","page":211},{"text":"\"كتاب الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة\" (١) .\nوقال الساعاتي في \"الفتح الرباني\" (٩/٢٥): \"رواه أحمد بالزيادة بعد ذكر الصوم إسناد حسن، وقال المنذري: انفرد بهذه الزيادة قتيبة بن سعيد عن سفيان وهو ثقة ثبت وإسناده على شرط الصحيح\" ا. هـ.\nوفي رواية النسائي: \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\".\n* وقال - ﷺ -: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\".\nقال الخطابي: \" (إيمانًا واحتسابًا) أي نية وعزيمة، وهو أن يصومه على التصديق والرغبة في ثوابه، طيبة به نفسه غير كاره له، ولا مستثقل لأيامه لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب\".\nوقال البغوي: \"احتسابًا\" أي طلبًا لوجه الله وثوابه: يقال فلان يحتسب الأخبار ويتحسبّها: أي يتطلبها.\nقال المناوي: \"أي صام أيامه كلها إيمانًا بفرضيته ومصدقًا طلبًا للثواب\".\nقال الحافظ ابن حجر: ظاهره يتناول الصغائر والكبائر وبه جزم ابن المنذر.\nوقال النووي: \"المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، وقال بعضهم. ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة\".\nوقال المناوي: \"غفر له ما تقدم من ذنبه\" لكنْ خصه الجمهور بالصغائر والتصديق والاحتساب وهو الطواعية شرط لنيل الثواب والمغفرة في صوم رمضان، فينبغي الإتيان به بنية خالصة وطويّة صافية امتثالًا لأمره تعالى واتكالًا على وعده من غير كراهية وملالة لما يصيبه من أذى الجوع والعطش وكلفة الكفّ عن قضاء الوطر، بل يحتسب النصب والتعب في طول أيامه، ولا يتمنى ساعة انصرافه ويستلذ مضاضيته\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/١٣٨-١٣٩) .","vol":"1","page":212},{"text":"وقال: \"علم من الأدلة الخارجية أن حقوق الخلق لابدّ فيها من رضا الخصم فهو عام خصّ بحق الله إجماعًا، بل وبالصغائر عند قوم، وظاهره أن ذلك لا يحصل إلا بصومه كله، فإن صام بعضه وأفطر بعضه لعذر كمرض -وكان لولاه لصام- جاز الثواب ذكره ابن جماعة\" (١) .\n* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول - ﷺ -: \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر\" (٢) .\n* عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"احضروا المنبر\" فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: \"آمين\"، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: \"آمين\"، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: \"آمين\" فلما نزل قلنا: يا رسول الله! لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنا نسمعه، قال: (إن جبريل عرض لي فقال: بَعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: (آمين)، فلما ترقيت الثانية قال: بَعُد من ذُكرت عنده فلم يصل عليك فقلت: (آمين)، فلما رقيت الثالثة قال: بَعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قلت: (آمين) (٣) .\n\"وعن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه، عن جده قال:\nصعد رسول الله - ﷺ - المنبر فلما رقى عتبة قال: \"آمين\" ثم رقى أخرى فقال: \"آمين\"، ثم رقى عتبة ثالثة فقال: \"آمين\"، ثم قال: \"أتاني جبريل فقال: يا محمد! من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، فقلت: (آمين)، قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله، فقلت: (آمين)، قال: ومن ذُكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله، فقلت: (آمين) \" (٤) .\n_________\n(١) \"فيض القدير\"، للمناوي (٤/٣٤) .\n(٢) رواه مسلم.\n(٣) صحيح: رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\"رقم (٩٨٥) .\n(٤) صحيح: رواه ابن حبان في\"صحيحه\"، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\"، رقم (٩٨٦) .","vol":"1","page":213},{"text":"\"وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - صعد المنبر فقال: \"آمين، آمين، آمين\"، قيل: يا رسول الله! إنك صعدت المنبر فقلت: \"آمين، آمين، آمين\" فقال: \"إن جبرائيل ﵇ أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل: (آمين)، فقلت: (آمين) ... الحديث (١) .\nيا إخوتاه.. قال ابن مسعود: وددت لو أن الله غفر لي ذنبًا واحدًا وأن لا يعرف لي نسب، وقال: وددت أني عبد الله بن روثة وأن الله غفر لي ذنبًا واحد.\nفما ظنك بغفران الذنوب في رمضان.\nأخي\n* يا مضيعًا اليوم تضييعه أمس، تيقظ.... ويحك ... فقد قتلت النفس، وتنبه للسحور فإلى كم نحس، واحفظ بقية العمر فقد بعت الماضي بالبخس.\n* يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه، يا مؤثرًا الهوى على التقى لقد ضاع حزمه، يا معتقدًا صحته فيما هو سقمه، يا من كلما زاد عمره زاد إثمه، يا طويل الأمل وقد رق عظمه (٢) .\nيا لديغ الأمل قد بالغ فيه سمه.... حبال الأمل رثاث، وساحر الهوى نفّاث، رحل العصاة إلى ظلام الأجداث، باتوا شباعًا من المعاصي فإذا هم غِراث (٣) .\nيا قليل العبر وقد رحل أبوه وأمه، يا من سيجمعه اللحد عن قليل ويضمّه، كيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه. كيف يُوقظ من نام قلبه لا عينه ولا جسمه؟! (٤) .\n_________\n(١) صحيح: رواه ابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحه\" واللفظ له.\n(٢) \"التبصرة\" (٢/٦٨) .\n(٣) الغراث: الجوعى.\n(٤) \"التبصرة\" (٢/٦٨-٦٩) .","vol":"1","page":214},{"text":"أخى\nمن ناله داءٌ دو بذنوبه ... فليأت في رمضان باب طبيبة\nفخُلُوف هذا الصوم يا قوم اعملوا ... أشهى من المسك السحيق وطيبه\nأو ليس هذا القول قول مليككم ... الصوم لي وأنا الذي أجزي به\nأين من كان معكم في رمضان الماضي؟، أما أفنته المنون القواضي، أين من كان يصلي التراويح في الظلم؟ سافر عن داره منذ زمان ولِمَ؟ أين من صبر على الجوع والظّمَا، غاب فما آب ومضى فما، أين الذين ارتفعت أصواتهم بالأدعية خرجت تلك الجواهر من تلك الأدعية.\n* أيُّها الغافل اعرف زمانك، يا كثير الحديث فيما يؤذي احفظ لسانك، يا مسئولًا عن أعماله اعقل شأنك، يا متلونًا بالزلل اغسل بالتوبة أدرانك، يا مكتوبًا عليه كل قبيح تصفح ديوانك.\n* أخي؟ يا من أكثر عمره مع الذنوب قد مضى....، إن كان ما فرط يوجب السخط فاطلب في هذا الشهر الرضا، يا كثير القبائح غدًا تنطق الجوارح، فأين الدموع السوافح، يا ذا الداء الشديد الفاضح سُدَّ أبواب اللهو والممازح (١) .... أيها الرائح، كيف حالك في الضرائح، من لك إذا أوثقك الذابح؟!.\n* يا من قد سارت بالمعاصي أخباره، يا من قد قَبُح إعلانه وإسراره، أتؤثر الخسران -قل لي- وتختاره؟ يا كثير الذنوب وقد دنا إحضاره، نقدك بهرج إذا حُك معياره.\nقد ضاعت في الذنوب الأعمار، فأين يكون لهذا الغرس إثمار؟!.\nإخواني: اعرفوا قَدْر مَنْ قدر، تذكروا كيف عصيتم وستر، وايم الله لو قمتم على البصر، وسجدتم شكرًا على الإبر، ما وفيتم بشكر نعيم محتقر، أما طوى\n_________\n(١) جمع ممزح.","vol":"1","page":215},{"text":"القبيح وكل الجميل نشر، أما بعض نعمه السمع والبصر.\nبك أستجير ومن يجير سواكا ... فأجر ضعيفًْا يحتمي بحماكا\nيا غافر الذنب العظيم وقابلا ... للتوب قلب تائب ناجاكا\nأترده وترد صادق توبتي ... حاشاك تطرد لائذا حاشاكا\nأنا كنت يا ربي أسير غشاوة ... رانت على قلبي فضل سناكا\nواليوم يا رب محوت غشاوتي ... وبدأت بالقلب البصير أراكا\nذقت الهوى مرًّا ولم أذق الهوى ... يا رب حلوًا قبل أن أهواكا\n* أيها المجتهد هذا ربيع جِدِّك، أيها الطالب هذه أوقات رِفدك، تيقظ أيها الغافل من سنة البطالة، تحفظ أيها الجاهل من شبه الضلالة، اغتنم سلامتك في قبرك قبل انقراض مدتك وعزم عدتك، وإزماع فوتك وانقطاع صوتك، وعثور قدمك وظهور ندمك؟ فإن العمر ساعات تذهب وأوقات تنهب، وكلها معدودة عليك، والموت يدنو كل لحظة إليك.\nقال السري السقطي: \"السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفاس العباد ثمرتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطّافها\".\nهذه الأشهر الثلاث المعظمة كالجمرات الثلاث، فرجب كأول جمرة تحمي بها العزائم، وشعبان كالثانية تذوب فيها مياه العيون، ورمضان كالثالثة تورق فيها أشجار المجاهدات، وأي شجرة لم تورق في الربيع قطعت للحطب.\nفيا منْ قد ذهبت عنه هذه الأشهر وما تغير أحسن الله عزاءك!\nياهذا:\nلو قيل لأهل القبور تَمنَّواْ لتمنوا يومًا من رمضان، وأنت كلما خرجت من ذنوب دخلت في أخر، يا قليل الصفا إلى كم هذا الكدر، أنت في رمضان كما","vol":"1","page":216},{"text":"كنت في سفر، أما تنفعك العبر، أَصُمّ السمعُ أمْ غُشِي البصر، آن الرحيل وأنت على خطر، ودنا السفر وتأمن الغِيَر؟!، وعند الممات يأتيك الخبر.\nأنا العبد الذي كسب الذنوبا ... وصدته الأماني أن يتوبا\nأنا العبد الذي أضحى حزينا ... على زلاته قلقًا كئيبًا\nأنا العبد الذي سطرت عليه ... صحائف لم يخف فيها الرقيبا\nأنا العبد المسيء عصيت سرًّا ... فمالي الآن لا أبدي النحيبا\nأنا العبد المفرط ضاع عمري ... فلم أرع الشبيبة والمشيبا\nأنا العبد الغريب بلج بحر ... أصيح لربما ألقى مجيبا\nأنا العبد السقيم من الخطايا ... وقد أقبلت ألتمس الطبيبا\nأنا العبد المخلف عن أناس ... حووا من كل معروف نصيبا\nأنا العبد الفقير مددت كفي ... إليكم فارفعوا عني الخطوبا\nأنا الغدار كم عاهدت عهدًا ... وكنت على الوفاء به كذوبا\nأنا المقطوع فارحمني وصلني ... ويسر منك لي فرجًا قريبًا\nأنا المضطر أرجوا منك عفوًا ... ومن يرجو رضاك فلن يخيبا\nفيا أسفي على عمر تقضى ... ولم أكسب به إلا الذنوبا\nوأحذر أن يعاجلني ممات ... يحير هول مصرعه اللبيبا\nويا حزناه من حشري ونشري ... بيوم يجعل الولدان شيبا\nتفطرت السماء به ومارت ... وأصبحت الجبال به كثيبًا\nإذا ما قمت حيرانًا ظميئا ... حسير الطرف عريانًا سليبا\nويا خجلاه من قبح اكتسابي ... إذا ما أبدت الصحف العيوبا","vol":"1","page":217},{"text":"وذلة موقف وحساب عدل ... أكون به على نفسي حسيبا\nويا حذراه من نار تلظى ... إذا زفرت وأقلقت القلوبا\nتكاد إذا بدت تنشق غيظًا ... على مَنْ كان ظلامًا مريبا\nفيا من مَدّ في كسب الخطايا ... خطاه أما آن الأوان لأن تتوبا (١)\nأخي:\nيا صاحب الخطايا أين الدموع الجارية؟!.\nيا كثير المعاصي ابك على الذنوب الماضية، يا مبارزًا بالقبائح أتصبر على الهاوية، أسفًا لك إذا جاءك رمضان وما أنبت، واحسرةً لك إذا دعيت إلى التوبة فما أجبت، كيف تصنع إذا نودي بالرحيل وما تأهبت، ألست الذي بارزت بالكبائر وما راقبت.\nقد مضى في اللهو عمري ... وتناهى فيه أمري\nشمر الأكياس وأنا ... واقف قد شيب أمري\nبان ربح الناس دوني ... ولحيني بان خسري\nليتني أقبل وعظي ... ليتني أسمع زجرى\nكل يوم أنا رهن ... بين آثامي ووزري\nليت شعري هل أرى لي ... هِمة في فك أسري\nأو أُرى في توبة صدق ... قبل أن أنزل قبري\nويح قلبي من تناسيه ... مقامي يوم حشري\nواشتغالي عن خطايا ... أثقلت والله ظهري\n_________\n(١) الإمام الصرصري.","vol":"1","page":218},{"text":"يا إخوتاه:\nمآثم المذنبين ما تنقضى ... آخر الدهر أو يحلوا اللحودا\nوحقيق أن ينوحوا ويبكوا ... قد عصوا ماجدًا رءوفا ودودا\nكل ثكلى أحزانها لنفاد.. ولنا الحزن قد نراه جديدا\nكيف تفنى أحزان من ... عاهد الله مرارًا وخان منه العهودا\nويح نفسي ما أقول إذا ما ... أحضر الله رُسله لي شهودا\nثم قال اقرأ ماذا عملت وجاوز ... ت بما كان منك الحدودا\nثم تخفي لما استترت من الخلـ ... ـق وبارزتني وكنت شهيدا\n* \"أيها التائب لا تستصحب إلا حزينًا يبكيك، ما يصلح لمرافقة الثكلى إلا مثلها، لما خرجت أزهار الربيع طلب الورد رفيقًا من النبات يأنس به، لما نبت، فأبت كلها عن صحبته، وقالت: أنت ملول لا تقيم على مودة، فصاح به الياسمين أنت صاحبي قد اشتركت في قصر العمر، فأشر أنت إلى التائب باحمرار الخجل، حتى أشير أنا إلى الخائف باصفرار الوجل، لو علم الورد قصر عمره ما تبسم وكذا الوغد، أيها المذنب قف بالباب إذا نام الناس، وابسط لسان الاعتذار، ونكس الرأس وقل ليس عندي سوى الفقر والإفلاس.\nيا سندي وسيدي ومددي ... قد أوهن طردكم وبعدي جلدي (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>التائبون العابدون \"سجع</span>\"\n* سبحان من وفّق للتوبة أقوامًا، ثبت لهم على صراطها أقدامًا، كفوا الأكف عن المحارم احترامًا، فكفر عنهم ذنوبًا وآثامًا ونشر لهم بالثناء على ما عملوا أعلامًا، فهم على رياض المدائح بترك القبائح يتقلبون \"التائبون العابدون\".\n_________\n(١) \"رؤوس القوارير\" (ص ١٥١) .","vol":"1","page":219},{"text":"* ندموا على الذنوب فَنُدبوا، وسافروا إلى المطلوب فاغتبروا، وسَقَوا غرس الخوف دمع الأسف وشربوا، فإذا أقلقهم الحذر طاشوا وهربوا، وإذا هبّ عليهم نسيم الرجاء عاشوا وطربوا، فتأمل أرباحهم وتلمّح ما كسبوا، واعلم أن نيل النصيب بالنصيب يكون \"التائبون العابدون\".\n* نظروا إلى الدنيا بعين الاعتبار، فعلموا أنها لا تصلح للقرار، فنغصوا بالصيام لذة الهوى بالنهار، وبالأسحار هم يستغفرون \"التائبون العابدون\".\n* أبدانهم قلقى من الجوع والضرر، وأجفانهم قد حالفت في الليل السهر، ودموعهم تجري كدائمة المطر، تأهب القوم فهم على أقدام السهر، عبروا عليكم ومروا لديكم وما عندكم خبر، وترنمت حداتهم لو تسمعون \"التائبون العابدون\".\nيا رب سِر بنا في سَرب النجابة، ووفقنا للتوبة والإنابة، وافتح لأدعيتنا أبواب الإجابة، يا من إذا سأله المضطر أجابه، يا من يقول للشيء كن فيكون.\n\"التائبون العابدون\".\n* * *","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>رمضان شهر الجود والإحسان</span>\nيا إخوتاه: هذا شهر الجود والمواسات، والجود من معالي الأخلاق.\nقال - ﷺ -: \"إن الله كريم يحب الكرماء، جواد يحب الجودة، يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"إن الله تعالى جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: (إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها\" (٣) .\nوفي حديث أبي ذر عن النبي - ﷺ - عن ربه قال: \"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر\"\nوالله ﷾ أجود الأجودين، وجُوده يتضاعف في أوقات خاصة: كشهر رمضان، وفيه أنزل: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) الآية.\nرمضان شهر العتق من النيران:\nومن سابغ جود الله وعظيم كرمه تفضله في هذا الشهر بعتق عباده من النيران.\n_________\n(١) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\"، وأبو نعيم في \"الحلية\"، والحاكم في \"المستدرك\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن سهل بن سعد، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٨٠٠) .\n(٢) صحيح: رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" عن طلحة بن عبيد الله، وأبو نعيم في \"الحلية\" عن ابن عباس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (١٧٤٤) .\n(٣) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\"، وأبو نعيم والحاكم، والبيهقى في \"الشعب\" عن سهل بن سعد وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (١٨٠١) .","vol":"1","page":221},{"text":"وفي حديث أبي هريرة: \" ... وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة\".\nوعن أبي أمامة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"لله عند كل فطر عتقاء\" (١) .\nرسول الله - ﷺ - أجود الناس:\nوقد جبل الله نبيه - ﷺ - على أكمل الأخلاق وأشرفها، وكان - ﷺ - فيّ أجود بني آدم.\nفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله - ﷺ - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وزاد أحمد في آخره \"لا يسأل عن شيء إلى أعطاه\".\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٣٩): \"قال الزين بن المنير: وجه التشبيه بين أجوديته - ﷺ - بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أيْ فيعم خيره وبره مَنْ هو بصفة الفقر والحاجة، ومَنْ هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعمّ الغيث الناشئة عن الريح المرسلة\".\n* وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس وأشجع الناس، وأجود الناس.\n\"وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام\n_________\n(١) صحيح: قال المنذري: رواه أحمد بإسناد لا بأس به، والطبراني والبيهقي، وقال: هذا حديث غريب من رواية الأكابر عن الأصاغر، وهو رواية الأعمش عن الحسين بن واقد وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" رقم (٩٩١) .","vol":"1","page":222},{"text":"جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، ولم يزل - ﷺ - على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافًا كثيرة.\n* وفي \"صحيح مسلم\" عن أنس قال: \"ما سئل رسول الله - ﷺ - على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة\".\nوفي رواية: \"يعطي عطاء ما يخاف الفقر\".\nقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.\nوفيه أيضًا عن صفوان بن أمية قال: \"لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليّ فما برح يعطني حتى إنه لأحب الناس إليّ\".\nقال ابن شهاب أعطاه يوم حنين مائة من الغنم ثم مائة ثم مائة.\n* وفي مغازي الواقدي: أن النبي - ﷺ - أعطى صفوان يومئذ واديًا مملوءً إبلًا ونعمًا فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.\n* وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أن الأعراب علقوا بالنبي - ﷺ - مرجعه من\nحنين يسألونه أن يقسم بينهم فقال: \"لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا\".\nوفيهما عن جابر قال: ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا فقال لا، وأنه قال لجابر: \"لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا وقال بيديه جميعًا\".\n* وخرج البخاري من حديث سهل بن سعد أن شملة أهديت للنبي - ﷺ - فلبسها وهو يحتاج إليها فسأله إياها رجل فأعطاه فلامه الناس وقالوا كان محتاجًا","vol":"1","page":223},{"text":"إليها وقد علمت أنه لا يرد سائلًا فقال: إنما سألتها لتكون كفني فكانت كفنه (١) .\n* وعن ابن مسعود قال: دخل النبي - ﷺ - على بلال وعنده صُبرة من تمر فقال: \"ما هذا يا بلال؟ \" قال: أعد ذلك لأضيافك، قال: \"أما تخشى أن يكون لك دخان في نار جهنم؟! أنفق بلال! ولا تخشى من ذي العرش إقالًا\" (٢) .\nوعند الطبراني قال: \"أما تخشى أن يفور له بخار في نار جهنم؟! \".\nوعن أنس أيضًا قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يدخر شيئًا لغد (٣) .\nوعن سمرة بن جندب ﵁، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: \"إني لألج هذه الغرفة ما ألجها إلا خشية أن يكون فيها مال فأتوفى ولم أنفقه\" (٤) .\nقال ابن رجب:\n\"كان جوده - ﷺ - كله لله وفي ابتغاء مرضاته فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقدْ في بيته نار وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان قد أتاه سبي فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت وطلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها وقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع\" (٥) .\n_________\n(١) \"الطائف المعارف\" (ص ١٧٣-١٧٤) .\n(٢) صحيح: رواه البزار بإسناد حسن والطبراني في \"الكبير\"، قاله المنذري وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" رقم (٩١٢) .\n(٣) صحيح: قال المنذري: رواه ابن حبان في \"صحيحه\"، والبيهقي، وصححه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" رقم (٩٣٠) .\n(٤) حسن: رواه الطبراني في \"الكبير\" بإسناد حسنه المنذري والألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" رقم (٩٢١) .\n(٥) \"لطائف المعارف\" (١٧٥) .","vol":"1","page":224},{"text":"وقال أيضًا: \"كان - ﷺ - بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك، فإنه كان يلتقي هو وجبريل ﵇ وهو أفضل الملائكة وأكرمهم ويدارسه الكتاب الذي جاء به وهو أشرف الكتب وأفضلها وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق، وقد كان رسول الله - ﷺ - هذا الكتاب له خلقًا بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع مما زجر عنه فلهذا كان يتضاعف جوده وأفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل ﵇ وكرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم الذي يحث على المكارم والجود، ولا شك أن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقًا من المخالطة.\nكان بعض الشعراء قد امتدح ملكًا جوادًا فأعطاه جائزة سنية فخرج بها من عنده وفرّقها كلها على الناس وأنشد:\nلمستُ بكفي كفه أبتغي الغنا ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي\nفبلعْ ذلك الملك فأضعف له الجائزة.\nوقد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلا لرسول الله - ﷺ -:\nتعوّد بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله\nتراه إذا ما جئته متهللًا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله\nهو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله\nولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله\nسمع الشبلي قائلًا يقول: يا الله ... يا جواد، فتأوه وصاح وقال: \"كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود ومخلوق يقول في شكله فذكر هذه الأبيات ثم بكى، وقال: بلى يا جواد فإنك أوجدت تلك الجوارح وبسطت تلك الهمم فأنت الجواد كل الجود. فإنهم يعطون عن محدود وعطاؤك لا حد له ولا صفة، فيا جوادا يعلوا","vol":"1","page":225},{"text":"كل جواد وبه جاد كل من جاد\" (١) .\n* وفي تضاعف جوده - ﷺ - في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:\n* منها شرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه.\n* ومنها إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعاتهم فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم.\nوفي حديث زيد بن خالد ﵁، قال رسول الله - ﷺ -: \"من فطر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا\" (٢) .\nوفي حديث آخر: عن زيد بن خالد ﵁ قال، قال رسول الله - ﷺ -: \"من فطر صائمًا، أو جهز غازيًا، فله مثل أجره\" (٣) .\n* ومنها أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار لا سيما في ليلة القدر.\nوالله تعالى يرحم من عباده الرحماء كما قال - ﷺ -: \"إنما يرحم الله من عباده الرحماء\" فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل والجزاء من جنس العمل.\n* ومنها أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة كما جاء في حديث علي ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن في الجنة غرفًا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها قالوا: لمن هي يا رسول الله قال: لمن طيّب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام\"، وهذه الخصال كلها كون في رمضان فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام.\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٧٥-١٧٦) .\n(٢) رواه أحمد في \"مسنده\"، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٤١٥) .\n(٣) رواه البيهقي في \"سننه\" وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٤١٤) .","vol":"1","page":226},{"text":"قال بعض السلف: الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق والصيام يوصله إلى باب الملك والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك.\nوفي \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرة ﵁ أنه - ﷺ - قال: \"من أصبح منكم اليوم صائمًا\" قال أبو بكر: أنا، قال: \"من تبع منكم اليوم جنازة\" قال أبو بكر: أنا، قال: \"من تصدق بصدقة\"، قال أبو بكر: أنا، قال: \"فمن عاد منكم مريضًا\" قال أبو بكر: أنا، قال: \"ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة\".\n* ومنها أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم: والمباعدة عنها وخصوصًا إذا ضم إلى ذلك قيام الليل.\nفالصيام جنة، وفي حديث معاذ: \"الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وقيام الرجل من جوف الليل\" يعني أن يطفئ الخطيئة أيضًا وقد صرّح بذلك في رواية الإمام أحمد.\nوفي الحديث الصحيح عنه - ﷺ -: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة\".\n* ومنها: الصدقة تجبر ما في الصوم من خلل: إن الصيام لابد أن يقع فيه خلل أو نقص، وتكفير الصيام للذنوب مشروط بالتحفظ مما ينبغي التحفظ منه.\nوعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي ولهذا نهى أن يقول الرجل: صمت رمضان كله أو قمته كله.\nفالصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل، ولهذا وجب فى آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث.\nوالصيام والصدقة لهما مدخر في كفارات الإيمان ومحظورات الإحرام وكفارة الوطء في رمضان ولهذا كان الله تعالى قد خيّر المسلمين في ابتداء الأمر بين الصيام وإطعام المسكين ثم نسخ ذلك وبقي الإطعام لمن يعجز عن الصيام لكبره.\nومن أخّر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر فإنه يقضيه ويضم إليه إطعام مسكين لكل يوم تقوية له عند أكثر العلماء، كما أفتى به الصحابة.","vol":"1","page":227},{"text":"وكذلك من أفطر لأجل غيره كالحامل والمرضع على قول طائفة من العلماء.\n* ومنها \"أن الصائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصائمين على التقوِّي على طعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله وآثر بها أو واسى منها ولهذا يشرع له تفطير الصوام معه إذا أفطر لأن الطعام يكون محبوبًا له حينئذ فيواسي منه حتى يكون ممن أطعم الطعام على حبه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطعام والشراب له ورده عليه بعد منعه إياه فإن هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها\" (١) .\nمواساة السلف:\nكان كثير من السلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به ويطوون:\n* كان ابن عمر يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه للسائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائمًا ولم يأكل شيئًا، وكان يتصدق بالسكر ويقول: \"سمعت الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) والله يعلم أني أحب السكر\".\nواشتهى بعض الصالحين من السلف طعامًا وكان صائمًا فوضع بين يديه عند فطوره فسمع سائلًا يقول: من يقوض الملي الوفي الغني؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات. فقام وأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاويًا.\n* وجاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ثم طوى وأصبح صائمًا.\n* وكان الحسن يُطعم إخوانه وهو صائم تطوعًا ويجلس يروّحهم وهم يأكلون.\n* وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم.\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٧٧-١٧٨) .","vol":"1","page":228},{"text":"سلام الله على تلك الأرواح، رحمة الله على تلك الأشباح، لم يبق منهم إلا أخبار وآثار، كم بينْ من يمنع الحق الواجب عليه وبين أهل الإيثار.\nلا تقعدن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد\n* وله فوائد أخر:\nقال الشافعي ﵁: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله - ﷺ - ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم وكذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا أيضًا\" (١) .\nيا إخوتاه:\nقال - ﷺ -: \"أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن السرور، أو تقضي عنه دينًا أو تطعمه خبزا\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله ﷿ سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينًا أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرًا.... الحديث\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"خير الناس أنفعهم للناس\" (٤) .\n* وقال - ﷺ -: \"الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار\" (٥) .\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٧٨-١٧٩) .\n(٢) حسن: رواه ابن أبي الدنيا في \"قضاء الحوائج\" والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن أبي هريرة، وابن عدي عن ابن عمر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (رقم ١٠٩٦) .\n(٣) حسن: رواه ابن أبي الدنيا في \"قضاء الحوائج\" والطبراني في \"الكبير\" عن ابن عمر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٧٦) .\n(٤) حسن: رواه الطبراني في \"الكبير\"، والدارقطني، والبيهقى في \"شعب الإيمان\" وابن عسكر والقضاعي عن جابر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٢٨٩) .\n(٥) رواه أحمد، والبخاري ومسلم، والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة.","vol":"1","page":229},{"text":"* وقال - ﷺ -: \"صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيًا تطفيء غضب الرب، وصلة الرحم زيادة في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة\" (١) .\nأخي: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - قال: أي الإسلام خير؟ قال: \"تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\" (٢) .\n* وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"ليس صدقة أعظم أجرًا من ماء\" (٤) .\nيا هذا اسمع إلى حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: \"بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث؛ يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر، فملأ منه، ثم أمسكه بفيه حتى رَقِيَ، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له\" قالوا: يا رسول الله! إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: \"في كل كبد رطبة أجر\" (٥) .\nأو هذا الحديث.. قال - ﷺ -: \"بينما كلب يطيف (٦) بركيه (٧)، كاد يقتله العطش، إذا رأته بغيّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت مُوقها (٨) فاستقت له، فغفر لها\".\n_________\n(١) صحيح: رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن أم سلمة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٧٩٦) .\n(٢) رواه البخاري، ومسلم، والنسائي.\n(٣) حسن: رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وحسنه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" رقم (٩٣٧) .\n(٤) رواه البيهقي وحسنه الألباني من حديث أبي هريرة في \"صحيح الترغيب والترهيب\" رقم (٩٤٩) .\n(٥) رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم، والنسائي.\n(٦) يدور.\n(٧) ببئر.\n(٨) خفها الذي تلبسه في قدمها.","vol":"1","page":230},{"text":"أو \"غُفر لامرأة مومسة، مرت بكلب على رأس ركي يلهث، كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، وأوثقته بخمارها، فنزعت (١) له من الماء، فغفر لها بذلك\".\nهذا في كلب، فما ظنك الصائم الطائع لربه، وما ظنك بعظيم المغفرة حتى المومسة.\nيا أخي ... قال - ﷺ -: \"إن لله تعالى أقوامًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها، نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم\" (٢) .\n* يا أخي: الصدقة والإطعام باب لرفعة الدرجات.\nقال - ﷺ -: \"وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام\" وكلها في رمضان.\n* أختي الصائمة: تصدقي بطعام بيتك ولا تجاوزي المعتاد إن كان ذلك يغضب زوجك.\nعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا\" (٣) .\n* أخي: ... قال - ﷺ -: \"داووا مرضاكم بالصدقة\" (٤) .\nعن عليّ بن الحسين بن شقيق قال: سمعت ابن المبارك وسأله رجل: يا أبا عبد الرحمن! قرحة خرجت من ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم أنتفع به؟ قال: اذهب فانظر موضعا يحتاج الناس للماء فاحفر هناك بئرًا فإنني أرجو أن ينبع هناك عين، ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرئ\" (٥) .\n_________\n(١) أخرجت.\n(٢) حسن: رواه ابن أبي الدنيا في \"قضاء الحوائج\" والطبراني في \"الكبير\"، وأبو نعيم في \"الحلية\" عن ابن عمر، ورواه تمام، والخطيب وابن عساكر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢١٦٤) .\n(٣) رواه البخاري، ومسلم، واللفظ له، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي، وابن حبان.\n(٤) حسن: رواه أبو الشيخ في \"الثواب\" عن أبي أمامة، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٣٥٨) .\n(٥) رواه البيهقي وذكره الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/٤٠١) .","vol":"1","page":231},{"text":"* أخي: في صومك تذكر قول عبيد بن عمير: \"يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأعطش ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، فمن أطعم لله ﷿ أشبعه الله، ومن سقى لله ﷿ سقاه الله، ومن كسا لله ﷿ كساه الله\".\n* وقال الشعبي: \"من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته وضرب بها وجهه\".\nأخي: ما قدر كسرة تعطيها، أو ما سمعت أن الرب يربيها؟ فيراها صاحبها كجبل أحد، أفيرغب عن مثل هذا أحد؟!.\nما قدر لقمة لا ييالي بها أحد حتى يصير كجبل أُحد؟! ... واعجبًا للقمة كانت قليلة فكثرت، وفانية فبقيت.\nإن اللقمة إذا أُكلت صارت أذى وقبائح في الحش، وإذا تصدق بها صارت إذًا مدائح عند العرش.\n* إن تطوعات البدن لا تتعدى المتطوع، وإن نفع الصدقة متعدد متنوع.\nمن فطر صائما قد صبر من عشائه إلى فجره فله مثل أجره.\n* أما تعلم أن الصدقة تزيد في العمر، ثم إنها والله سريعة الخلف، وحافظة بعد الموت للخلف، واعلم أن إنفاق كل حبة يثمر لك الوفاق والمحبة.\n\"في كل سنبلة مائة حبة..\".\nوفي شهر الجود والمواساة نهدي هذه القصيدة لمن أداموا الشبع والجشاء:\nالجوع ... الجوع!!\nيموتُ المسلمون ولا نُبَالي ... ونهرِفُ (١) بالمكارم والخصالِ\nونحيَا العُمرَ أوتارا وقَصفا ... ونحيا العمرَ في قِيل وقالِ\n_________\n(١) نهرف: نهذي (من الهذيان) يقال: يهرف بما لا يعرف [المعجم الوجيز] مادة هرف.","vol":"1","page":232},{"text":"وننسى إخوةً في الله ذَرَّتْ ... بهم كف الزمان على الرمالِ\nتُمَزقُهم نُيُوبُ الجوعِ حتى ... يكاد الشيخُ يَعْثُرُ بِالعِيالِ\nيَشُدون البُطونَ عَلَى خَوَاء ... وَيقْتَسِمُون أرْغِفَةَ الخيالِ\nوتَضْرِبهم ريَاحُ الموتِ هُوجا ... وفي أحْداقِهم نَزْفُ الليالي\nونَاموا في العراءِ بِلا غِطاء ... وساروا في العراءِ بِلا نِعَالَ\nكأن البيدَ تَلفِظُهُم فَتَجْري ... بهم بيد إلى بيد خَوَالِ\nيَسيلُ لُعَابُهم لَهَفا وتَذوِي ... عيونُهُم على جَمر السؤالِ\nوَلَيتَ جراحَهم في الجسم لكِنْ ... جراحُ النفس أقَتلُ للرجالِ\nيَمُدون الحبالَ وَليستَ شِعري ... انَقْطعُ أمْ سَنُمْسِك بالحبال؟\nوقبل الجوع تَنْهَشُهم كِلاب ... من الإفرِنْج داميَةُ النِّصَالِ\nيَؤَدونَ الضريبة كل يوْم ... بِمَا مَلَكُوا ودينُ الله غال\nصِلابٌ إنما الأَيامُ رُقْط ... (وَيَثْنِي الجوعُ أعْناقَ الرجالِ)\nأتَوْا للشَرق عَل الشرق دَرء ... إذا بالشرق يَنفُر كالثَّعَالي\nلماذا كل طائِفَة أغاثَت ... بَنيهَا غَيرُكم أهْلَ الهِلال!؟\nتَرَى الصُّلْبان قد نَفَرَتْ وهَبتْ ... يهودٌ بالدواءِ وبالغِلالِ\nهَبُوهُم بعضَ سَائمةِ البَرَارِي ... هَبُوهُم بعضَ سابِلةِ النمالِ\nنَسيتُم \"واتقوا يومًا ثقيلًا\" ... به النيرانُ تَقْذِف كالجبالِ؟!\nتَفُورُ وتَزْفَرُ الأحشاءُ زَفْرًا ... كأن شرارَها حُمرُ الجمالِ\nونحن المسلمينَ ننامُ حتى ... يَضِيقَ الدهرُ بالنوْمِ الخَبالِ","vol":"1","page":233},{"text":"جَلَستُم والآرائك فَاخِرات ... وأوْجفْتُم (١) على الفُرُش الغَولي\nوَرَصعْتُم قُصُورَكُم مَرايَا ... لِتنْطِقَ بِالْبَهَاءِ وبالجمَالِ\nومَاجَ العطرُ وائتلقت جِنانُ ... كأن العُمْرَ ليس إلى زَوالِ!!\nنَنَامُ على \"الرِّيالِ\" وإن صَحَوْنا ... فإن الفجرَ فاتحةُ الرِّيَال (٢)\n***\n_________\n(١) أوجَفَ: أسرع في السير، استوجفه: ذهب به، يقال: استَوجَفَ الحُب فُوَاده.\n(٢) الريال نوع من المسكوكات الفضية، من ديوان \"إنها الصحوة إنها الصحوة\" لمحمود مفلح دار الوفاء.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>رمضان شهر فتح أبواب الجنان</span>\n* عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا جاء رمضان، فُتحتْ أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار وصُفدت الشياطين\" (١) .\nوفي رواية لمسلم: \"فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين\".\n* وقال - ﷺ -: \"إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفّدت (٢) الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ويناد مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة\" (٣) .\nوفي رواية ابن خزيمة: الشياطين مردة الجن أي بغير واو.\n* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم\" (٤) .\nاعلم يا أخي أن فتح أبواب الجنة في رمضان حقيقة لا تحتاج إلى تأويل وهذه نعمة عظيمة ومنة كريمة من الله يتفضل بها على عباده في هذا الشهر فأبواب الجنان مغلقة لا تفتح إلا في تمام النعمة.\nيقول ابن القيم ﵀ في قوله تعالى: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) الآية [الزمر: ٧٣] .\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم.\n(٢) صفدت: بضم الصاد وتشديد الفاء أي شدت بالأغلال.\n(٣) صحيح: رواه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في \"صحيحه\"، والبيهقي عن أبي هريرة.\n(٤) حسن: رواه النسائي والبيهقي عن أبي هريرة، وحسنه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" رقم (٩٨٩ ج٤١٨١) .","vol":"1","page":235},{"text":"\"أما الجنة فإنها دار الله ودار كرامته ومحل خواصه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم - ﷺ - فيقول: \"أنا لها فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجدًا لربه فيدعه ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه وأن يسأل حاجته فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها فيشفعه ويفتحها تعظيمًا لخطرها وإظهارًا لمنزلة رسوله - ﷺ - وكرامته عليه\" وإن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك رب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها، وما ركبه من الأطباق طبقا بعد طبق وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة حتى أذن الله تعالى لخاتم أنبيائه ورسله وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم، وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدر بخلاف ذلك لئلا يتوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء فجنة الله عالية غالية بين الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلا به فما لمن اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار فليعد عنها إلى ما هو أولى به وقد خلق له وهيئ له.\nوهنا يدرك الإنسان قيمة فتح أبواب الجنة في رمضان.\nعجبًا لمن يعلم أن الجنة فوقه موجودة تزخرف وتفتح أبوابها في رمضان ثم لا يشتاق إليها ويسعى لها على الأجفان.\nقال - ﷺ -: \"من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة\".\nفاحذر أن تقدم على جنة عرضها السماوات والأرض وليس لك فيها موضع قدم.\nإن الحياة للأرض حياة تليق بالديدان والزواحف والحشرات والهوام، والوحوش والأنعام، فأما الجنة فهي الحياة اللائقة بذلك الإنسان الكريم على الله وأودع روحه الإيمان الذي ينزع به إلى السماء وإن استقرت على الأرض قدماه.","vol":"1","page":236},{"text":"إن مستوى النعيم في هذه الدنيا معروف، ومستوى النعيم هناك يليق بالخلود، فأين غاية من غاية؟!.\nإنها الجنة التي غرس غراسها الرحمن بيده.... إنها الجنة الجزاء الرفيع الخالص الفريد، الجزاء الذي يتجلى فيه ظلال الرعاية الخاصة، والإعزاز الذاتي، والإكرام الإلهي والحفاوة الربانية بهذه النفوس (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٧] .\nحفاوة من الله سبحانه وتوليه بذاته العلية إعداد المذخور لهم عنده من الحفاوة والكرامة هذا المذخور لا يطلع عليه أحد سواه، والذي يظل عنده خاصة مستورًا حتى يكشف لأصحابه عند لقياه.\nيا الله! كم ذا يفيض الله على عباده من كرمه (١) .\nإنها الجنة التي لا يسأل بوجه الله العظيم غيرها لكرامتها على الله.\nإنها الجنة التي اشتاق إليها الصالحون من هذه الأمة فسلوا عنها جعفر الطيار وعمير بن الحمام وحرام بن ملحان وأنس بن النضر وعامر بن أبي فهيرة وعمرو بن الجموح وعبد الله بن رواحة.\nإنها الجنة دار كرامة الرحمن فهل من مشمر لها.... إنها الجنة فاعمل لها بقدر مقامك فيها.... إنها الجنة فاعمل لها بقدر شوقك إليها.\nفواعجبا لها كيف نام طالبها، وكم لم يسمح بمهرها في رمضان خاطبها، كيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف قر للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها.\nإنها الجنة دار الموقنين بوعد الله المتهجدين في ليل رمضان، الصائمين نهاره، المطعمين عباد الله وهذا من موجبات الجنة.\n_________\n(١) قول لابن السماك.","vol":"1","page":237},{"text":"قال - ﷺ -: \"إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها قالوا لمن هي يا رسول الله. قال: لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام\"\nتسعى بهم أعمالهم سوقا إلى ... الجنات سوق الخيل بالركبان\nصبروا قليلا فاستراحوا دائما ... يا عزة التوفيق للإنسان\nحمدوا التقى عند الممات كذا السرى ... عند الصباح فحبذا الحمدان\nوحدت بهم عزماتهم نحو العلى ... وسروا فما نزلوا إلى نعمان\nباعوا الذي يفنى من الخزف الخسيس ... بدائم من خالص العقيان\nرفعت لهم في السير أعلام السعا ... دة والهدى يا ذلة الحيران\nفتسابق الأقوام وابتدروا لها ... كتسابق الفرسان يوم رهان\nإنها الجنة ... \"ما حليت لأمة من الأم مثلما حُلِّيتْ لأمتنا هذه ومع هذا لا نرى لها عاشقا\".\nوأخو البصيرة حاضر متيقظ ... متفرد عن زمرة العميان\nيسمو إلى ذاك الرفيق الأرفع ... الأعلى وخلّى اللعب للصبيان\nإنها الجنة ...\nلو كنت تعلم من خطبت ... ومن طلبت جعلت السعي منك لها على الأجفان\nحور تزف إلى ضرير مقعد ... يا محنة الحسناء بالعميان (١)\nإنها الجنة ... وكيف يقدر قدر دار غرسها الله بيده، وجعلها مقرًا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص.\nفإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها\n_________\n(١) انظر جمعي \"شذا الريحان ذكر جنة الرحمن\".","vol":"1","page":238},{"text":"فهو عرش الرحمن، وإن سألت عن ملاطها فهو المسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر.\nوإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب وفضة، لا من الحطب والخشب، وإن سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها فإنها تستفز بالطرب لمن يسمعها، وإن سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها.\n* وإن سألت عن علاليها وجواسقها فهي غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، وإن سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوكب الطالع أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار، وإن سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب، وإن سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين، وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين، وأعلى منهما سماع خطاب رب العالمين.\nوإن سألت عن أزواجهم فهن الخيرات الحسان اللاتي كالياقوت والمرجان.\nفما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها، وإذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها أفما تعدُّ مهرها من الآن.. وهو طول التهجد بالقرآن في ليل رمضان، وخلوف الفم بالنهار من آثار الصيام.\nعجبا لك إن نبي الله موسى خدم العبد الصالح عشر سنوات مهرا لزواجه من ابنته، فكم تخدم مولاك لأجل بنات الجنان الحور الحسان، فوالله ما انتقلن من الجنة ولا أكلن منها ولا خلقن إلا فيها من ترك دفء الفوالق في ليل رمضان كان جزاؤه من جنس عمله وزوّج من الحور الحسان، أما علمت يا أخي أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها وحراسها، وإن سألت عن يوم المزيد وزيارة العزيز الحميد فذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير وصهيب وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد.\nفيا لذة الأسماع بأطيب محاضرة، ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم","vol":"1","page":239},{"text":"في الدار الآخرة، ويا ذلة الراجعين بالصفقة الآخرة (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة) [القيامة: ٢٢-٢٥] .\nفحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم\nولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم\nفلله أبصار ترى الله جهرة ... فلا الحزن يغشاها ولا هي تسأم\nفيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة ... أمن بعدها يسلو المحب المتيم\nأحبتنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ والمورد العذب أنتم\n***","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>رمضان شهر غلق أبواب النيران</span>\nمَر بك في الحديث أنه في شهر رمضان تغلق أبواب النار فما يفتح منها باب فما أطيبها من نعمة يمن الله بها على العباد. حين يغلق الشر بحذافيره..\nأخي: عجبًا لمن علم أن النار تسجر ويضحك ملء فيه، أما سمع أن النار \"أعدت للكافرين\" (إن جهنم كانت مرصادًا * للطاغين مآبا) [النبأ: ٢١-٢٢] .\nوقوله - ﷺ -: \"وأيم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلًا وبكيتم كثيرًا\". قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: \"رأيت الجنة والنار\" (١) .\nالنار التي رآها رسول الله - ﷺ - يحطم بعضها بعضًا والتي قال عنها - ﷺ - لما رآها \"لم أر منظرًا كاليوم قط أفظع\" فالنار مخلوقة ومعدة فإياك أن تكون من وقودها.\n\"فيا أيها الغافل عن نفسه، دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه، واصرف الفكر إلى موردك، فإنك أخبرت بأن النار مورد الجميع إذ قال: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) [مريم: ٧١-٧٢] .\nفأنت من الورود على يقين ومن النجاة في شك. فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد للنجاة منه، وتأمل في حال الخلائق، وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفًا ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأظلت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيرا وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأم على الركب، حتى أشفق البرآء من سوء المنقلب.\nوخرج المنادي من الزبانية قائلا: أين فلان بن فلان المسوّف نفسه في الدنيا بطول الأمل، المضيع عمره في سوء العمل؟ فيبادرونه بمقامع حديد، ويستقبلونه بعظائم التهديد، ويسوقونه إلى العذاب الشديد، وينكسونه في قعر الجحيم، ويقولون له (ذق إنك أنت العزيز الكريم) فأسكنوا دارًا ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك،\n_________\n(١) رواه مسلم عن أنس.","vol":"1","page":241},{"text":"مبهمة المهالك، يخلد فيها الأسير ويوقد فيها السعير، طعام أهلها الزقوم، وشرابهم فيها الحميم، ومستقرهم الجحيم، الزبانية تقمعهم والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك وما لهم منها فكاك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوهم من ظلمة المعاصي، ينادون من أكنافها، ويصيحون في نواحيها وأطرافها: يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود، فتقول الزبانية: هيهات لات حين أمان ولا خروج لكم من دار الهوان\".\nيا هذا: أحدثك عن نار غم قرارها، مظلمة أقطارها، حامية قدورها، فظيعة أمورها، عقابها عميم، عذابها أليم، بلاؤها شديد، وقعرها بعيد، سلاسل وأغلال، ومقامع وأنكال، زمانهم ليل حالك، ضجيجهم ضجيج هالك، يصطرخون فيها فلا يجيبهم مالك\".\nيدعون بالويل والثبور، ومقامع الحديد تهشم بها جباهم، ويتفجر الصديد من أفواههم، تنقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم، لهيب النار سار في بواطن أعضائهم وحيات الهاوية وعقاربها تأخذ بأشفارهم.\nيا هذا: جهنم سوداء ماؤها أسود شجرها أسود، أهلها سود مقبوحون، كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلمًا.\nأخي:\nعياذا بالله: أن تكون من قوم لباسهم نار ومهادهم نار لحُف من نار وسرابيلهم القطران ومساكن من نار في شر دار وأسوء عذاب أكلًا أكلًا وحطمًا حطمًا قد أكلوا من النار، ومشوا على النار ثم عاشوا بعد ذلك. لا يهدأون ولا ينامون ولا يموتون.\nفيها غلاظ شداد من ملائكة ... قلوبهم شدة أقسى من الحجر\nلهم مقاميع للتعذيب مرصدة ... وكل كسر لديهم غير منجبر","vol":"1","page":242},{"text":"سوداء مظلمة شعثاء موحشة ... دهماء محرقة لواحة البشر\nيا ويلهم تحرق النيران أعظمهم ... فالموت شهوتهم من شدة الضجر\nضجوا وصاحوا زمانًا ليس ينفعهم ... دعاء داع ولا تسليم مصطبر\nوكل يوم لهم في طول مدتهم ... نزع شديد من التعذيب والسعر\nيا هذا يا صبيح الوجه: كم من وجه صبيح ولسان فصيح غدا بين أطباق النار يصيح.\nوسيق المجرمون وهم عراة ... إلى ذات السلاسل والنكال\nفنادوا ويلنا ويلا طويلا ... وعجوا في سلاسلها الطوال\nفليسوا ميتين فيستريحوا ... وكلهم بحر النار صال\nأخي: إنك قد جربت جلدك في الشوكة تدميه، في العثرة تؤذيه، في ضربة الشمس تؤثر فيه.... أحدنا يؤثر الظل على الشمس فما بالنا لا نؤثر الجنة على النار.\nفيا عجبا ندري بنار وجنة ... وليس لذي نشتاق أو تلك نحذر\nإذا لم يكن خوف وشوق ولا حيا ... فماذا بقي فينا من الخير يذكر\nوليس لحر صابرين ولا بلى ... فكيف على النيران يا قوم نصبر\nوفوت جنان الخلد أعظم حسرة على تلك فليستحسر المتحسر يا من يؤذيك حر الهجير ويأخذ بأنفاسك.... أما سمعت قول رسولك - ﷺ -: \"لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيه رجل من أهل النار فتنفس فأصاب نفسه لاحترق المسجد بمن فيه\" (١) .\nيا جميل المحيا.. أما سمعت قول نبيك - ﷺ -: \"ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث\" (٢) .\n_________\n(١) \"المطالب العالية\" رقم (٤٦٦٧) .\n(٢) رواه مسلم والترمذي والحاكم وابن حبان وأحمد عن أبي هريرة.","vol":"1","page":243},{"text":"وقوله - ﷺ -: \"ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وعرض جلده سبعون ذراعا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل وَرقان، ومقعده من النار ما بيني وبن الربذة\" (١) .\n\"ليكون ذلك أنكى في تعذيبهم، وأعظم في تعبهم ولهيبهم يا حَسَنَ المطعم والمشرب: تذكر قول الله ﷿: هذا فليذوقوه حميم وغساق\".\nوتذكر قول نبيك - ﷺ -: \"لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه\" (٢) .\nفهل تصبر على الزقوم والغسلين والضريع وطعام ذي غصة؟!.\nويا من غذي بلذيذ الشراب أين أنت من الحميم والغساق وطينة الخبال والصديد؟!.\n\"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر على صور الناس تعلوهم نار الأنيار يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال\".\nألبسوا النضيح من النحاس، وضعوا خروج الأنفاس، فالأنفاس في أجوافهم تتردد، والنيران على أبدانهم توقد، قد أطبقت عليهم الأبواب، وغضب عليهم رب الأرباب، وقيل للخزان أن أطبقوا وقيل للنيران أن أحرقي ... يا نار كلي، يا نار أنضجي، كلي ولا تقتلي\" (٣) .\n\"توهم نفسك يا أخي وأنت تطلب الروح فلا روح بين الحميم وبين النار أبدًا، فلما اشتد بك الكرب وبلغ منك المجهود ذكرت الجنان، فهاجت غصة من فؤادك إلى حلقك أسفًا على جوار الله ﷿ وحزنًا على نعيم الجنة وبرد مائها وطيب عيشها، تسأل أهل الجنة شرابًا فأجابوك بالخيبة فتقطع قلبك حسرة بما خيبوا من أملك، ففزعت إلى الله بالنداء بالمرجع والعتبى أن يردك إلى الدنيا فمكث عنك دهرًا طويلًا فلا يجيبك هوانًا بك، وأن صوتك عنده ممقوت، وجاهك عنده ساقط، ثم ناداك بالخيبة منه أن (اخسئوا فيها ولا تكلمون) .\n_________\n(١) رواه أحمد في \"مسنده\" والحاكم وصححه الحاكم والذهبي والألباني في \"الصحيحة\" (٣/٩٤) .\n(٢) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن ابن عباس.\n(٣) من رسالة \"نار الخلود بئس الورد المورود\" من جمعي وهي تحت الطبع.","vol":"1","page":244},{"text":"فيا إياسك ويا إياس أهل النار وقد سمعوا رجوف أبوابها قد أغلق، وانقطع الرجاء ألا فرج أبدًا، ولا مخرج منها، عذاب لا زوال له عن بدنك، ودوام حرق قلبك ومضضك، أحزان لا تنقضى وهموم لا تنفد، وسقم لا يبرأ، وقيود لا تحل، وأغلال لا تفك أبدًا، وعطش لا يروون بعده أبدا، كرب لا يهدأ أبدًا، لا يرحم بكاؤهم، ولا يجاب دعاؤهم.\n\"إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم جرت، وإنهم ليبكون الدم\" (١) لا يغاثون عند تضرعهم، ولا تقبل توبتهم، ولا تقال عثرتهم، فتوهم ذلك بعقل فارغ، رحمة لضعفك، وارجع عما يكره مولاك، وترضي ربك عسى أن يرضى عنك، وأعِذْ به بعقلك، واستقله يقلل عثرتك، وابك من خشيته عسى أن يرحمك، فإن الخطر عظيم، وإن البدن ضعيف، والموت منك قريب، فاحذر الله وخفه واستح منه وأجله، ولا تستخف بنظره، ولا تتهاون باطلاعه، وأجلّ مقامه عليك، وعلمه بك، فلا طاقة لك بغضبه، ولا قوة لعذابه، ولا صبر لك على عقابه، ولا صبر عندك عن جواره، فتدارك نفسك قبل لقائه، فكأنك بالموت قد نزل بك بغتة فتوهم ما وصفت لك فإنما وصفت بعض الجمل، فتوهم ذلك بعقل فارغ موقن عارف بما قد جنيت على نفسك، وما استوجبت بجنايتك، وفكر في مصيبتك في دينك، ولير الله ﷿ عليك أثر المصيبة لعله أن يرحمك فيتجاوز عنك بمغفرته وعفوه.... جعلنا الله وإياك من زمرة العابدين الخائفين، وأقطعنا عمالات المتقين\" (٢) .\n***\n_________\n(١) حسن: رواه الحاكم في \"المستدرك\" عن أبي موسى، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٢٠٣٢) .\n(٢) \"التوهم\" للمحاسبي بتصرف.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>رمضان شهر الصبر والتربية</span>\nوالصبر جواد لا يكبو، وصارم لا ينبو، وجند لا يهزم، وحصن حصين لا يهدم، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر محل الرأس من الجسد.\n* وقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب، أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب.\n* وأخبرهم أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين) [الأنفال: ٤٦]، فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة.\n* وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) [السجدة: ٢٤] .\n* وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكدًا باليمين، فقال تعالى: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) [النحل: ١٢٦] .\n* وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط فقال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط) [آل عمران: ١٢٠] .\n* وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصّلاه إلى محل العز والتمكين فقال: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) [يوسف: ٩٠] .\n* وعلّق الفلاح بالصبر والتقوى، فعقل ذلك منه المؤمنون، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) [آل عمران: ٢٠٠] .\n* وأخبر عن محبته لأهله وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين فقال تعالى: (والله يحب الصابرين) [آل عمران: ١٤٦] .","vol":"1","page":246},{"text":"* ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون فقال تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) [البقرة: ١٥٥، ١٥٦] .\n* وأوصى عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: ٤٥] .\n* وجعل الفوز بالجنة لا يحظى به إلا الصابرون فقال تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) [المؤمنون: ١١١] .\n* وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها إلا أولو الصبر المؤمنون فقال تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون) [القصص: ٨٠] .\n* وأخبر أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم، وأن هذه الخصلة لا يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.\n* وأخبر سبحانه خبرًا مؤكدًا بالقسم: (إن الإنسان في خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصر: ٢، ٣] .\n* وقسّم خلقه قسمين أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة، وخص أهل الميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة.\n* وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييزا لهم بهذا الحظ الموفور.\nفقال في أربع من آياته: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) .\n* وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر، وذلك على من يسّره يسير فقال: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) .\n* وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور، فقال: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) [الشورى: ٤٣] .\n* وأمر رسول الله - ﷺ - بالصبر والحكمة، وأخبر أن صبره إنما هو لربه وبذلك جميع المصائب تهون.","vol":"1","page":247},{"text":"فقال: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) [الطور: ٤٨] .\nوقال: (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) [النحل: ١٢٧] .\nوالصبر آخية (١) المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها، وساق إيمانه الذي لا اعتماد له إلا عليها.\nقال - ﷺ -: \"الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"ما رزق عبد خيرًا له ولا أوسع من الصبر\" (٣) .\n* قال عمر بن الخطاب: \"أفضل عيش أدركناه بالصبر\".\nوقال عليّ بن أبي طالب: الصبر مطية لا تكبو، وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطه الله إلا لعبد كريم عنده، وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبده نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عَوّضه خيرا مما انتزعه\" (٤) .\nواعلم يا أخي وأنت في شهر الصبر \"أنّ من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه، وأوصلته إليه، والرب تعالى هو الصبور، بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه، وهو صبر من أعظم مصبور عليه، فإن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين بغاية القبح وأعظم الفجور، ونسبته إلى كل ما لا يليق به، والقدح في كماله وأسمائه والإلحاد في آياته، وتكذيب رسله ﵈، ومقابلتهم بالشتم والأذى، وتحريق أوليائه وقتلهم وإهانتهم لا يصبر عليه إلا الصبور\n_________\n(١) العروة التي تشد إليها الدابة.\n(٢) رواه أحمد في \"مسنده\"، ومسلم، والترمذي عن أبي مالك الأشعري.\n(٣) صحيح: رواه الحاكم في \"المستدرك\" وصححه عن أبي هريرة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٦٢٦) .\n(٤) \"عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين\" لابن قيم الجوزية (ص ٩٠-٩١) .","vol":"1","page":248},{"text":"الذي لا أحد أصبر منه، ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره سبحانه. والله يحب أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته، وظهور آثارها في العبد، فهو صبور يحب الصابرين.\nوإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته، فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف، ورمضان شهر الصوم، والصوم تجتمع فيه معاني الصبر الثلاثة: الصبر على ألم الجوع والعطش، والصبر على المعاصي، والصبر على الطاعات.\nأما الصبر عن المعاصي: فما أحوجنا في رمضان إلى كظم الغيظ عمن أساء إلينا قال - ﷺ -: \"من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين ويزوجه منها ما شاء\" (١)\nوفي الصحيح: \"ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة\".\nورحم الله من قال:\nوالصبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجسام (٢)\nفاصبر صبر الكرام، فالكريم يصبر عن معصية الرحمن، واللئيم يصبر في طاعة الشيطان، فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم، وأقل الناس صبرًا عن معصية ربهم، فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر، ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء.\nويصبر على تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه، ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه.\nويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية، ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذي في الله.\n_________\n(١) حسن: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن معاذ بن أنس، ورواه أحمد في \"مسنده\"، والطبراني في \"الصغير\"، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٥٢٢) .\n(٢) \"الذريعة إلى مكارم الشريعة\" للراغب الأصفهاني.","vol":"1","page":249},{"text":"ويبذل عرضه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته.\nفهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس، واعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله، وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريما عند الله، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون.\nفليصبر الإنسان عن معصية الله في هذا الشهر، ولا يبيع حظه مع الله بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها، تذهب الشهوة وتبقى الشقوة. ويعينه على صبره عن شهواته مشهد قهره لشيطانه والظفر به، ومشهد العوض وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك الحرام، ومشهد البلاء والعافية، فإن البلاء ليس إلا الذنوب، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها.\nيصبر العبد عن المعصية في رمضان حذرا من الوقوع في الحرام، وإبقاء لنور وبهجة الإيمان.\nيصبر عن معصيته إيمانا بالوعيد وحبا لله وحياءً من مولاه.\nيصبر على فتنة النفس، والشهوة وجاذبيته للأرض، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، أو في الدعة والاطمئنان، وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوقات والمثبطات في أعمال النفس وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة وفي تصورات أهل الزمان.\nلابد من الصبر:\nالصبر على فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه وهو لا يملك عنهم دفعا. والصبر على فتنة إقبال الدنيا على المبطلين تصاغ لهم الأمجاد الكاذبة، والصبر على الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقًا في تيار الضلالة وهو وحده موحش غريب طريد.","vol":"1","page":250},{"text":"* ويصبر في رمضان على طاعة الله والدعوة إليه وهو أعلى أنواع الصبر والصبر على الطاعة والدعوة أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص، وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء، فهي أمانة كريمة، ومن ثَمَّ تحتاج إلى طراز خاص يصبر ويصبر.\nوالنفس بالصبر تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع ويشتد غورها ويصلب، فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، لا يثبت إلا من يؤتمن على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير المؤمن. إن الصابرين ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن، وبما صبروا لها من الصبر على المحن.\nوالذي يصبر على الأذى والحرمان يشعر ولا شك بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" (١) .\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها (٢)، فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشد فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء\" (٣) .\n* لا بد من صبر على طاعة الله والاستقامة على دربه وبذل النفس في مرضاة الله. وهنا لابد من نصح للحركة الإسلامية بعدم العجلة، والحماس الفائر، ولنا في قصة بني إسرائيل العبر: (ألم تر إلى الملاء من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" عن فاطمة بنت اليمان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٩٩٦) .\n(٢) يقطعها.\n(٣) صحيح: رواه ابن ماجه، وأبو يعلي في \"مسنده\"، والحاكم في \"المستدرك\" وصححه عن أبي سعيد، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٩٩٥) .","vol":"1","page":251},{"text":"لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين) [البقرة: ٢٤٦] إلى نهاية الآيات.\n(فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده..) الآية [البقرة: ٢٤٩] .\n\"فالتفلت من الطاعة والنكوص عن التكليف سمة كل حركة لا تنضج تربيتها الإيمانية، فهي سمة بشرية عامة لا تغير منها إلا التربية العالية الطويلة الأمد العميقة التأثير.\nومِنْ ثَمَّ ينبغي للقادة أن يكونوا منها على حذر، وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر كي لا تفاجأ بها، فيتعاظمها الأمر، فهي متوقعة من الجماعات البشرية التي لم تخلص من الأوشاب، ولم تصهر ولم تطهر من هذه العقابيل\" (١) .\nلابد للقادة أن يربو الجيل على الصمود للرغبات والشهوات، والصمود على الحرمان والمتاعب، والصبر على قيام الليل في رمضان باب هذا، وصيام النهار والذكر أعلى درجات الطاعة.\nإنه لابد من الصبر:\nالصبر على طول الطريق الشائك، الصبر على قلة الناصر، الصبر على عناد القلب ومضاضة الإعراض عن طريق الله، والتواء النفوس الصبر على انتفاش الباطل، أن ترى الشر نافشًا والخير ضاويًا، ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق.\nيا إخوتاه:\nالصبر نبل غاية، وطهارة قصد، ونظافة طريق.\nلابد من صبر على الطاعة والتربية ينفض عنا الكسل والخمول، ويستجيش ما في شباب الأمة من مكنونات مذخورة للدور النبيل الذي يمليه رمضان شهر الصبر وشهر الفتوحات.\n_________\n(١) \"الظلال\" لسيد قطب.","vol":"1","page":252},{"text":"(وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) [الأعراف: ١٢٨-١٢٩] .\nإنه ليس لأصحاب الدعوة إلى رب العالمين إلا ملاذ واحد، وهو الملاذ الحصين الأمين والأولى، واحد وهو الولي القوي المتين، وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه، وألا يعجلوا، فهم لا يطلعون الغيب، ولا يعلمون الخير.\nعلى الناس ألا يتبرموا من طول الطريق فالعاقبة للصابرين طال الزمن أم قصر، فلا يخالج قلوب الداعين إلى رب العالمين قلق على المصير، ولا يخايل لهم تقلب الذين كفروا في البلاد، فيحسبونهم باقين.\nلابد للدعاة أن يصبروا على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات بالصبر على الطاعة.\nوانظر إلى مناجاة موسى لربه وإعداده لنفسه بالصوم كي تصفو الروح وتشف وتستضيء وتتقوى العزيمة على مواجهة حمل الأمانة والدعوة.\nقال تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ...) الآية [الأعراف: ١٤٢] .\nقال ابن كثير \"فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة، قال المفسرون فصامها موسى ﵇ وطواها، فلمّا تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله أن تكمل العشرة أربعين\".\nصيام ومناجاة ... ختمها بعشر ذي الحجة..\nوهكذا.. فالتمرن بالصبر على الطاعة يؤهل النفوس للأدوار العظيمة.\nيا إخوتاه ويا حملة الدعوة ... هذه أيامكم.. أيام الصبر في رمضان ومنها العظة ولابد من الصبر.","vol":"1","page":253},{"text":"لقد كان أول توجيه للأمة الوسط الشهيدة على الناس ذات الشخصية الخاصة والكيان الخاص هو الاستعانة بالصبر والصلاة على تكاليف هذا الدور العظيم.\nقال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: ٤٥] .\nقال ابن جرير في \"تفسيره\" (١/٢٥٩): \"وقد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع: الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا\".\nيتكرر ذكر الصبر -منه الصوم- في القرآن كثيرًا، ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع، والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتى الصراعات والعقبات، والذي يتطلب أن تبقي النفس مشدودة الأعصاب، مجندة القوى، يقظة للمداخل والمخارج.. ولابد من الصبر في هذا كله.\nلابد من الصبر على الطاعات، والصبر على عناد المشاقين لله، وفضح أساليبهم وأهدافهم، الصبر على الكيد بشتى صنوفه، والصبر على بطء النصر، والصبر على بُعد الشُقَّة.\nعن خباب بن الأرت ﵁ قال: \"شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون\" (١) .\nلابد من تربية للنفوس بالبلاء وبالجوع، لابد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة، كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدّوا في سبيلها من تكاليف، فالتكاليف هنا هي الثمن النفيس الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الأخرين.\n_________\n(١) رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي.","vol":"1","page":254},{"text":"لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها، وصبرهم على بلائها، عندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها، مقدرين لها، مندفعين إليها.\nولابد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة، وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد، والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش من العيون، والران عن القلوب.\nوأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله.. الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأسناد كلها، وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده لا يجد سندًا إلا سنده، وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات وتتفتح البصيرة، وينجلي الأفق على مدّ البصر ... لا حول إلا حول الله، ولا ملجأ إلّا إليه.\nقال تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيية قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) [البقرة: ١٥٥-١٥٧] .\nإنا لله.. كلنا.. كل ما فينا.. كل كياننا وذاتيتنا.. لله. وإليه المرجع والمآب في كل أمر، وفي كل مصير.. التسليم.. التسليم المطلق..\nهؤلاء هم الصابرون.. الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل.. وهؤلاء هم الذين يعلن المنعم الجليل مكانهم عنده جزاء الصبر الجميل (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) .\n\"صلوات من ربهم ورفعهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته سبحانه وهو مقام كريم.. ورحمة.. وشهادة من الله بأنهم هم المهتدون.. وكل أمر من هذه هائل عظيم\".\nإن الله يضع الصبر في كفة.. ويضع في الكفة الأخرى أمرًا واحدًا.. صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.. إنه لا يعدهم هنا نصرًا.. ولا يعدهم هنا تمكينًا، ولا يعدهم هنا مغانم، ولا يعدهم هنا شيئًا إلا صلوات الله ورحمته وشهادته","vol":"1","page":255},{"text":"لقد كان الله يعد هذه الجماعة لأمر أكبر من ذواتها، وأكبر من حياتها، فكان من ثَم يجردها من كل غاية، ومن كل هدف، ومن كل رغبة من الرغبات البشرية، حتى الرغبة في انتصار العقيدة - كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته.. كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شيء إلا رضى الله وصلواته ورحمته وشهادته لهم بأنهم مهتدون.. هذا هو الهدف، وهذه هي الغاية.. وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها.. فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فهو لدعوة الله التي يحملونها.\nإن الكفة ترجح بهذا العطاء فهو أثقل في الميزان من كل عطاء.. أرجح من النصر وأرجح من التمكين وأرجح من شفاء غيظ الصدور.\n\"هذه هي التربيه التي أخذ الله بها الصف المسلم ليعده ذلك الإعداد العجيب وهذا هو المنهج الإلهي في التربية لمن يريد استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من بين البشر أجمعين\" (١) .\n* * *\n_________\n(١) نقل بتصرف من \"الظلال\".","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>رمضان شهر الشكر</span>\nرمضان شهر الشكر والحياء.. ولو سجدنا لله على إبر الشوك إلى يوم لقياه ما قدرنا حق عطاياه.. فكيف بنعم الله وفضله في رمضان شكر على الإسلام وكفى بها نعمة! أم شكر على نعمة البقاء وإدراك رمضان ونحن أحياء؟ أم شكر على غفران الذنوب؟ أم شكر على فتح أبواب الجنان؟ أم شكر على غلق أبواب النيران؟ أم شكر على تصفيد الشياطين؟ أم شكر على إجابة الدعاء؟ أم شكر على العتق من النيران؟ أم شكر على رفرفة الأرواح نحو الملأ؟ أم شكر على التحرير من ثقلة الأرض وحمأة الطين؟ أم شكر على التهجد والتراويح؟ أم شكر على الصدقات والتسبيح؟ أم شكر على مواساة الفقير؟ قال تعالى: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) .\nولله در محمود الورّاق إذ يقول:\nإذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكرُ\nفكيف وقوع الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمرُ\nإذا مسّ بالسرّاء عمّ سرورها ... وإنْ مسّ بالضراء أعقبها الأجر\nوما منهما إلا له فيه منّة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر\nالشكر لله درجات، تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته، وتنتهي بالتجرد لشكره، والقصد إلى هذا الشكر في كل حركة بدن، وفي كل لفظة لسان وفي كل قطرة جنان.. مع كل خفقة ووجيب قلب.\nومن كلام شيخ الإسلام ابن القيم مفرقًا: \"جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل الجنة فقال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده)، وقال: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) .\nومنزلة الشكر من أعلى المنازل، وهي فوق \"الرضى\" وزيادة، فالرضى مندرج","vol":"1","page":257},{"text":"في الشكر بل يندرج فيه جميع مقامات الإيمان حتى المحبة والرضى والتوكل، وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر ولا أعلى وهو نصف الإيمان.\n* وقد قرن الله تعالى ذكره بذكره مع أنه قال: (ولذكر الله أكبر)، وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر قال تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) [البقرة: ١٥٢] .\n* وقرن سبحانه الشكر بالإيمان فقال تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) الآية.\n* وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنّته عليهم من بين عباده فقال تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) [الأنعام: ٥٣] .\n* وقسّم العباد إلى شكور وكفور قال تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا) [الإنسان: ٣] .\n* وقد أمر الله به، ونهى عن ضده وذمه، فقال تعالى: (إن الإنسان لربه لكنود) [العاديات: ٦] .\nيعد المصائب وينسى النعم.\nيا أيها الظالم في فعلهِ ... والظلم مردود على من ظَلَمْ\nإلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النَّعَمْ\n* وهو غاية الرب من عبده، وهو الغاية من خلقه وأمره، قال تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [النحل: ٧٨] .\n* وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من يشكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال: (واشكروا لله إن كنتم إيّاه تعبدون) .","vol":"1","page":258},{"text":"* وأول وصية وصى بها الإنسان بعد ما عقل عنه الشكر له وللوالدين: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصالُه في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير) [لقمان: ١٤] .\n* وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى: (وإن تشكروا يرضه لكم) .\n* وأثنى على أهله ووصف به خواصّ عباده، وأثنى عليه خليله إبراهيم ﵊ بشكر نعمه فقال: (إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) [النحل: ١٢١]، فختم صفات خليله بأنه شاكر، فجعل الشكر غاية خليله.\n* وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى: (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) [الأعراف: ١٤٤] .\n* وقد أثنى الله ﷾ على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال تعالى: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا) [الإسراء: ٣]، وفي تخصيص نوح ها هنا بالذكر، وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به فإنه أبوهم الثاني، فإن الله لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلًا إلا من ذريته كما قال تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين) [الصافات: ٧٧] .\n* وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه كقوله: (وقليل من عبادي الشكور) .\n* وقابل الله سبحانه بين الشكر والكفر فقال عن نبيه سليمان ﵊ (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني كريم) [النمل: ٤٠] .\n* ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سببًا للمزيد من فضله (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) [إبراهيم: ٧] .\n* وقد وقف سبحانه كثيرًا من الجزاء على المشيئة كقوله: (فيكشف ما تدعون","vol":"1","page":259},{"text":"إليه إن شاء)، وقوله في الرزق: (يرزق من يشاء)، وفي المغفرة (يغفر لمن يشاء)، والتوبة (ويتوب الله على من يشاء)، وأطلق جزاء الشكر إطلاقًا حيث قال: (وسنجزي الشاكرين)، (وسيجزي الله الشاكرين) .\n* ولماّ عرف إبليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها، جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه فقال: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) .\n* واشتق الله للشاكرين اسمًا من أسمائه، فإنه سبحانه هو الشكور، فأعطاهم من وصفه، وسمّاهم باسمه، وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلًا، وهو يوصّل الشاكر إلى مشكوره، بل يعيد الشاكر مشكورًا، قال تعالى: (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورًا) [الإنسان: ٢٢] .\n* وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ -: \"أنه قام حتى تورّمت قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا\".\nوقال لمعاذ: \"والله يا معاذ، إني لأحبك، فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الدنيا\" (٢) .\n* والشكر مبني على خمسة قواعد:\n(١) خضوع الشاكر للمشكور وإضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة له.\n(٢) حبه له، قال سلمان: ذكر النعم يورث الحب.\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي وابن حبان والحاكم في \"المستدرك\" وصححه، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٩٦٩) .\n(٢) صحيح: رواه أبو نعيم في \"الحلية\" والحاكم في \"المستدرك\"، عن ابن عباس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٣٥٥)، و\"السلسلة الصحيحة\" رقم (٢١٧٦) .","vol":"1","page":260},{"text":"(٣) اعترافه بنعمته ومعرفته بها وقبولها.\n(٤) ثناؤه عليه بها.\n(٥) أن لا يستعملها فيما يكره.\nومن عدم واحدة منها: اختل من قواعد الشكر قاعدة.\nأما معرفتها: فهو إحضارها في الذهن ومشاهدتها وتمييزها.\nوقبولها: هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها، وأن وصولها إليه بغير استحقاق منه، قال الجنيد: \"الشكر أن لا ترى نفسك أهلًا للنعمة\".\nوهذا معنى قول حمدون -وما ألطفه-: \"شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا\".\n* والثناء بها على المنعم: وصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء.\n* والتحدث بنعمته: ذكر النعمة والإخبار بها، والدعوة إلى الله وتبليغ رسالته وتعليم الأمة قال تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) [الضحى: ١١] .\nقال - ﷺ -: \"التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير\" (١) .\nومن الرزية أن شكري صامت ... عما فعلت وأن برّك ناطقُ\nوأرى الصنيعة منك ثم أسرّها ... إني إذًا لدى الكريم لسارقُ\nنعم يا أخي: الشكر: عكوف القلوب على محبة المنعم، والجوارح على\nطاعته، وجريان اللسان بذكره، والثناء عليه.\nوالشكر: قيد النعم الموجودة، وصيد النعم المفقودة.\nقال عمر بن عبد العزيز: قيّدوا نعم الله بشكر الله.\n_________\n(١) حسن: رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" عن النعمان بن بشير، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٠١٤)، و\"السلسلة الصحيحة\" رقم (٦٦٧) .","vol":"1","page":261},{"text":"* وشكر العامة على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصة على قوت القلوب والتوحيد والإيمان.\nنعم: الشكر: التلذذ بثنائه على ما لم تستوجب من عطائه، وقيل: من قصرت يداه عن المكافآت فليطل لسانه بالشكر.\nوالشكر معه المزيد فمتى لم ترَ حالك في مزيد فاستقبل الشكر.\n* والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح:\nفالقلب للمعرفة والمحبة، واللسان للثناء والحمد، والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه.\nقال الشاعر:\nأفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجّبا\n* والشكر أخص بالأفعال، والحمد أخص بالأقوال، فإنه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله أو يشكر على نعمه.\nوسبب الحمد أعمّ من سبب الشكر.\nومتعلق الشكر وما به الشكر أعمّ مما به الحمد، فإنه يشكر بالقلب واللسان والجوارح، ويحمد بالقلب واللسان.\nوأي نعم الله تحصي في الدنيا أو في الآخرة.\nعن عبد الله بن محصن قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها\" (١) . فما ظنك بنعمة ترك المعصية في هذا الشهر.\nأصبحت بين نعمتين لا تدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها الله فلا يستطيع أن يعيرك بها أحد، ومودة قذفها في قلوب العباد لا يبلغها العمل.\n_________\n(١) حسن: رواه البخاري في \"الأدب المفرد\"، والترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٠٢٤) .","vol":"1","page":262},{"text":"أخي: كم عدو حط ّمنك بالذم فرقاك، كم أعطش من شراب الأمانيّ خلقًا وسقاك، كم أمات بعض من لم يبلغ رمضان وأبقاك.\nلقد أعطاك أيتها النفس ما لم تأملي، وبلّغك ما لم تطلبي، وستر عليك من القبيح ما لو فاح لضجّت المشام.\nكيف لا تحب من أنت به، وبقاؤك منه، ورجوعك إليه.\nقال سليمان التيمي: إن الله سبحانه أنعم على عبده على قدره، وكلّفهم بالشكر على قدرهم.\nقالت امرأة لابن أبي الحواري: أنا في بيتي قد شُغل قلبي، قلت: وما هو؟\nقالت: أريد أن أعرف نعم الله عليّ في طرفة عين، أو أعرف تقصيري عن شكر النعمة عليّ في طرفة عين. قلت: تريدين ما لا تهتدي إليه عقولنا. وتنسّك رجل فقال: لا آكل الخبيص لا أقوم بشكره، فقال الحسن: هذا أحمق؟! وهل يقوم بشكر الماء البارد!!\n* ومن دقيق نعم الله على العبد التي لا يكاد يفطن لها: أن يغلق عليه بابه فيرسل الله إليه من يطرق عليه الباب فيسأله شيئًا من القوت ليعرف نعمته عليه.\n* وقال الثوري: ما أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تضرعه إليه فيها.\nوقال أبو حازم: نعم الله فيما زوي عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطانى منها.\nقال بكر بن عبد الله: ما قال عبد قط الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله، فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد\".\nفسبحان \"المنعم فما قام مخلوق بحقه، الموالي بفضله على جميع خلقه بشرائف المنائح على طول الزمان، أنشأ المخلوقات بحكمته وصنعها، وفرّق الأشياء بقدرته وجمعها، ودحا الأرض على الماء وأوسعها (والسماء رفعها ووضع الميزان) .\n* سالت الجوامد لهيبته ولانت، وذلت الصعاب لسطوته وهانت، وإذا بطش","vol":"1","page":263},{"text":"(انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) .\nيعز ويذل، ويفقر ويغني، ويسعد ويُشقي، ويبقي ويُفني، ويشين ويزين، وينقض ويبني (كل يوم هو في شأن) .\nقدّر التقدير فلا رادّ لحكمه، وعلم سر العبد وباطن عزمه (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) .\nمدّ الأرض فأوسعها بقدرته، وأجرى فيها أنهارها بصنعته، وصبغ ألوان نباتها بحكمته فمن يقدر على صبغ تلك الألوان، ثبتها بالجبال الرواسي في نواحيها، وأرسل السحاب بمياه تحييها، وقضى بالفناء على ساكنيها (كل من عليها فان) .\nمن خدمه طامعًا في فضله نال، ومن لجأ إليه في رفع كربه زال، ومن عامله أربحه وقد قال: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (١) .\n* فاتق الله أفلا تنافس الجن في حسن المقال.\nقال - ﷺ - للصحابة: \"لما قرأتها (يعني سورة الرحمن) على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد\" (٢) .\n\"فاللهم إنا نعوذ بك أن نبدل نعمتك كفرًا، وأن نكفرها بعد أن عرفناها، وأن ننساها ولا نثني بها\" كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀.\n\"إلهي من كرمك أنك تطاع ولا تعصى، ومن حلمك أنك تعصى وكأنك لا ترى، وأي زمن لم يعصك فيه سكان أرضك وأنت بالخير عوّاد\".\nولله در الحسن: كان إن ابتدأ حديثه قال:\n\"الحمد لله ربنا لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كبّت عدونا، وبسطت رزقنا، وأظهرت أمتنا، وجمعت فرقتنا،\n_________\n(١) \"التبصرة\" (٢/٧٠) .\n(٢) صحيح: رواه ابن ماجه عن أنس، ورواه ابن السني والخرائطي والضياء وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٥٦٣) .","vol":"1","page":264},{"text":"وأحسنت معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، سرًا أو علانية، أو خاصة أو عامة، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت\".\nقال رسول الله - ﷺ -: \"ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى، أفضل مما أخذ\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها، إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة\" (٢) .\n* * *\n_________\n(١) صحيح: رواه ابن ماجه عن أنس، ورواه ابن السني والخرائطي والضياء وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٥٦٣) .\n(٢) حسن: رواه ابن السني، والخرائطي، والضياء عن أنس، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٥٦٢) .","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>رمضان شهر الدعاء المستجاب</span>\nإن لم يكن رمضان وقت الدعاء المستجاب ففي أي شهر يكون الدعاء؟ وهو وقت الشفاة الذابلة والطاعة الكاملة، والبطون الضامرة، وقت نزول الملائكة، وقت فتح أبواب الرحمة وأبواب السماء قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [البقرة: ١٨٦] .\nوعجيب وجميل أن يذكر الدعاء وسط الكلام عن الصيام وأحكامه.\nقال الشيخ محمد رشيد رضا: هذا التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام إلى خطاب الرسول - ﷺ - أن يذكرهم ويعلمهم ما يراعونه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والإخلاص والتوجه إليه وحده بالدعاء الذي يعدهم للهدي والرشاد.\nقال البيضاوي في \"وجه الاتصال\": \"واعلم أنه تعالى أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيدًا له وحثًا عليه\" (١) .\n* وقال الرازي في \"التفسير الكبير\": \"في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها\nالأول: أنه تعالى لماّ قال بعد إيجاب فرض الصوم وبين أحكامه (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) فأمر العبد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر، بينّ أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه، ويجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه (٢) .\nالثاني: أنه أمر بالتكبير أولًا، ثم رغّبه في الدعاء ثانيًا، تنبيهًا على أن الدعاء لابد وأن يكون مسبوقًا بالثناء الجميل.\n_________\n(١) \"تفسير المنار\" (١/١٦٧) .\n(٢) \"مفاتيح الغيب\" (٣/٨٨) .","vol":"1","page":266},{"text":"الثالث: أن الله تعالى لماّ فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم، فشقّ ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي - ﷺ - عن توبتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبرًا لهم بقبول توبتهم، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم.\nقبل أن يمضي سياق الآيات التي تتحدث عن الصوم في سورة البقرة في \"بيان أحكام تفصيلية عن مواعيد الصيام، وحدود المتاع فيه وحدود الإمساك.. نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة. نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم، والجزاء المعجل على الاستجابة لله.. نجد ذلك العوض وهذا الجزاء في القرب من الله، وفي استجابته للدعاء.. تصوره ألفاظ رفافة شفافة تكاد تنير: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) [البقرة: ١٨٦] .\nفإني قريب.. أجيب دعوة الداع إذا دعان.. أية رقة؟ وأي انعطاف؟ وأية شفافية؟ وأي إيناس؟ وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود، وظل هذا القريب، وظل هذا الإيناس؟\nوفي كل لفظ في التعبير في الآية كلها تلك النداوة الحبيبة: إضافة العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه.. لم يقل لهم، فقل لهم: إني قريب.. إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال.. قريب.. ولم يقل أسمع الدعاء.. إنما عجل بإجابة الدعاء.. (أجيب دعوة الداع إذا دعان) .\nإنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين.. ويعيش منها المؤمن في جناب رضى وقربى نديّة، وملاذ أمين وقرار مكين.\nوفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الوحية يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح.","vol":"1","page":267},{"text":"فالثمرة الأخيرة منه الاستجابة والإيمان هي لهم كذلك.. وهي الرشد والهدي والصلاح فالله غني عن العالمين.\nوالرشد الذي ينشئه الإيمان وتنشئه الاستجابة لله هو الرشد، واستجابة الله للعباد مرجوة حين يستجيبون له وهم يرشدون. وعليهم أن يدعوه ولا يستعجلوه.. فهو يقدر الاستجابة في وقتها بتقديره الحكيم\" (١) فسبحان من أطمع المطيع والعاصي، والداني والقاصي في الانبساط إلى حضرة جلاله برفع الحاجات والأماني بقوله: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) .\nيقول الرازي في \"مفاتيح الغيب\": \"تدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه: الأول: كأنه ﷾ يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك.\nالثاني: أن قوله: (وإذا سألك عبادي) يدل على أن العبد له، وقوله تعالى: (فإني قريب) يدل على أن الرب للعبد.\nوالثالث: لم يقل فالعبد مني قريب، بل قاله: أنا منه قريب\" (٢) .\nوانظر إلى كرم الجواد الذي إذا لم يُسأل يغضب فقال تعالى: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) [الأنعام: ٤٣]، وقال تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربكم لولا دعاؤكم) .\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"إنه من لم يسأل الله يغضب عليه\" (٣) .\nوقال الشاعر:\nفالله يغضب إن تركت سؤاله ... وبُني آدم حين يسأل يغضب\n_________\n(١) \"الظلال\" (١/١٧٢-١٧٣) .\n(٢) \"مفاتيح الغيب\" (٣/٩٥) .\n(٣) صحيح: رواه الترمذي عن أبى هريرة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٤١٨) .","vol":"1","page":268},{"text":"* وقال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل العبادة الدعاء\" (١) .\nفالدعاء تذلل وخضوع، وإخبات وانطراح على سدة الكريم.\nوقال - ﷺ -: \"الدعاء هو العبادة\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"إن أبخل الناس من بخل بالسلام، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء\" (٤) .\nقال المناوي (٦/٣٦٥- ٣٦٦): \"قال الطيب: لدلالته على قدرة الله وعجز الداعي، ولا منافاة بين هذا الحديث وآية (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) لأن كل شيء يشرق في بابه فإنه يوصف بالكرم\".\n* وقال - ﷺ -: \"الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء\" (٥) .\n* وقال - ﷺ -: \"إن الله حيى كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين\" (٦) .\n* وقال - ﷺ -: \"لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر\" (٧) .\n* وقال - ﷺ -: \"ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه\n_________\n(١) صحيح: رواه الحاكم في \"المستدرك\" عن ابن عباس، وابن عدي عن أبي هريرة، وابن سعد عن النعمان بن بشير وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وصححه السيوطي، والألباني في صحيح الجامع\" رقم (١١٢٢) .\n(٢) رواه أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في \"الأدب\" وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن النعمان بن بشير، وأبو يعلي عن البراء، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٤٠٧) .\n(٣) صحيح: رواه أبو يعلي في \"مسنده\" عن أبي هريرة، ورواه ابن حبان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٥١٩) .\n(٤) حسن: رواه أحمد والبخاري في \"الأدب\" والترمذي والحاكم عن أبي هريرة، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٣٩٢) .\n(٥) حسن: رواه الحاكم عن ابن عمر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٤٠٩) .\n(٦) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم عن سلمان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٧٥٧) .\n(٧) حسن: رواه الترمذي والحاكم عن سلمان، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٦٨٧) .","vol":"1","page":269},{"text":"من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ودعوت، فلم يستجب لي\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعان\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء\" (٣) .\n* وعليه بآداب الدعاء وهي عشرة:\n(الأول) أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع ووقت السحر من ساعات الليل.\n(الثاني) أن يغتنم الأحوال الشريفة.\nوهذه الأوقات والأحوال التي فيها يستجاب الدعاء:\n١- وقت التنزل الإلهي:\nقال - ﷺ -: \"إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك في كل ليلة\" (٤) .\nوقال - ﷺ -: \"أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن\" (٥) .\n٢- في السجود:\nقال - ﷺ -: \"وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِن (٦) أن يستجاب لكم\" (٧) .\n_________\n(١) حسن: رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٦٣٧) .\n(٢) رواه أحمد عن أنس، ومسلم والترمذي عن أبي هريرة.\n(٣) حسن: رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٢٩٠) .\n(٤) رواه مسلم وأحمد عن جابر.\n(٥) صحيح: رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن عمرو بن عبسة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١١٧٣) .\n(٦) أي جدير.\n(٧) جزء من حديث ابن عباس أخرجه مسلم.","vol":"1","page":270},{"text":"٣- أن يبيت على ذكر فيتعار من الليل فيدعو:\nقال - ﷺ -: \"ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرًا فيتعار من الليل فيسأل الله تعالى خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه\" (١) .\n٤- عند الأذان:\nقال - ﷺ -: \"إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"إذا نودي بالصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء\" (٣) .\n٥- بين الأذان والإقامة:\nقال رسول الله - ﷺ -: \"الدعاء بين الأذان والأقامة مستجاب فادعوا\" (٤) .\n٦، ٧، ٨- عند نزول المطر، وعند التقاء الجيوش، وعند إقامة الصلاة:\nقال رسول الله - ﷺ -: \"ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء وتحت المطر\" (٥) .\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث\" (٦) .\n٩- آخر ساعة من نهار الجمعة:\nقال رسول الله - ﷺ -: \"يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر\" (٧) .\n١٠- دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب:\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن معاذ، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٧٥٤) .\n(٢) صحيح: رواه الطيالسي وأبو يعلي والضياء عن أنس، وصححه الألباني في (صحيح الجامع) رقم (٨١٨) .\n(٣) صحيح: رواه أبو يعلي والحاكم عن أبي أمامة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٨٠٣) .\n(٤) صحيح: رواه أبو يعلي عن أنس، وصححه الألبانى في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٤٠٥)، و\"المشكاة\" رقم (٦٧١) .\n(٥) حسن: \"رواه الحاكم عن سهل بن سعد، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٠٧٨) .\n(٦) صحيح: رواه الشافعي والبيهقي في \"المعرفة\" وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\"، رقم (١٠٢٦) .\n(٧) صحيح: رواه أبو داود والنسائي والحاكم عن جابر، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٨١٩٠) .","vol":"1","page":271},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \"دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب لايرد\" (١) .\n١١- دعوة المسافر.\n١٢- دعوة المظلوم.\n١٣- دعوة الوالد لولده.\n١٤- دعوة الصائم.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر\"، وقال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم ودعوة المسافر\".\n١٥- عدم العجلة:\nقال رسول الله - ﷺ -: \"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يُستجب لي\" (٢) .\n١٦- دعاء رمضان: فهو وقت صيام، وزمان شريف.\nوهناك علاقة وطيدة بين فتح أبواب السماء وأبواب الرحمة وإجابة الدعاء كما يظهر من الأحاديث، وهي حاصلة في رمضان.\n(الثالث) أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه قبل أن تغل بالأغلال.\n(الرابع) خفض الصوت بين المخافتة والجهر، قال تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قالت عائشة: أي بدعائك.\nوقال - ﷺ -: \"يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصم ولا غائب\" متفق عليه.\n(الخامس) أن لا يتكلف السجع في الدعاء.\nادع بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق.\n_________\n(١) صحيح: رواه البزار عن عمران بن حصين، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٣٧٩) .\n(٢) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة.","vol":"1","page":272},{"text":"(السادس) التضرع والخشوع والرغبة والرهبة:\nقال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعًا وخفية) .\nوقال تعالى: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا) الآية.\n(السابع) أن يجزم بالدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه.\nقال - ﷺ -: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، وليعزم المسألة، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يعظم عليه شيء أعطاه\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت فليعزم المسألة فإنه لا مكره له\" (٣) .\nقال سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فإن الله ﷿ أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين) [الحجر: ٣٦-٣٧] .\n(الثامن) أن يلح في الدعاء ويعظم المسألة ويكرر الدعاء ثلاثًا:\nقال ابن مسعود: \"كان ﵇ إذا دعا دعا ثلاثًا وإذا سأل سأل ثلاثًا\" (٤) .\nوقال - ﷺ -: \"إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه\" (٥) .\n_________\n(١) حسن: رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٤٥) .\n(٢) رواه البخاري في \"الأدب\" عن أبي سعيد، ومسلم عن أبي هريرة.\n(٣) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وعن أنس\"إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقل: اللهم إن شئت فاعطني فإن الله لا مستكره له\" رواه البخاري ومسلم وأحمد.\n(٤) رواه مسلم وأصله متفق عليه.\n(٥) رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن عائشهّ، ورمز السيوطي لحسنه. قال المناوي (١/٣٢٠): \"وهو تقصير أو قصور وحقه الرمز لصحته فقد قال الهيثمي وغيره: رجاله رجال الصحيح\" وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٣٧) .","vol":"1","page":273},{"text":"وقال - ﷺ -: \"إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه\" (١) .\nقال المناوي: \"إذا تمنى أحدكم خيرًا من خير الدارين فليكثر الأماني فإنما يسأل ربه الذي رباه وأنعم عليه وأحسن إليه، فيعظم الرغبة ويوسع المسألة، ويسأله الكثير والقليل حتى شسع النعل فإنه إن لم ييسره لا يتيسر، فينبغي للسائل إكثار المسألة ولا يختصر ولا يقتصر فإن خزائن الجود سحاء الليل والنهار ولا يفنيها عطاء وإن جل وعظم فعطاؤه بين الكاف والنون، وليس ذا بمناقض لقوله سبحانه: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) فإن ذلك نهى عن تمنى ما لأخيه بغيًا وحسدًا، وهذا تمنى على الله سبحانه خيرًا في دينه ودنياه وطلب من خزائنه فهو نظير (واسألوا الله من فضله) .\n(التاسع) أن يفتتح الدعاء بذكر الله والثناء عليه وأن يختمه بالصلاة على رسول الله - ﷺ -.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"كل دعاء محجوب حتى يصلي على النبي - ﷺ -\" (٢) .\nقال أبو سلمان الداراني ﵀: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي - ﷺ - ثم يسأله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي - ﷺ - فإن الله ﷿ يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما.\n(العاشر) وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة: \"التوبة ورد المظالم والإقبال على الله ﷿ بكنه الهمة، فذلك هو السبب القريب في الإجابة\".\nقال مالك بن دينار: \"إنكم تستبطئون المطر وأنا استبطئ الحجارة\" أي نزول الحجارة.\nقال عطاء السلمي: منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن بسعدون المجنون في المقابر فنظر إليّ فقال: يا عطاء أهذا يوم النشور أو بعثر ما في القبور؟ فقلت: لا\n_________\n(١) صحيح: رواه ابن حبان في \"صحيحه\" عن عائشة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٩١) .\n(٢) حسن: رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" عن أنس، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن علي موقوفًا، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٤٥٢٣)، ورواه ابن حبان عن معاذ، وابن مخلد عن علي مرفوعًا.","vol":"1","page":274},{"text":"ولكنا منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فقال: يا عطاء بقلوب أرضية أم بقلوب سماوية؟ فقلت: بل بقلوب سماوية. فقال: هيهات يا عطاء، قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير. ثم رمق السماء بطرفه وقال: إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك ولكن بالسر المكنون من أسمائك وما وارت الحجب من آلائك إلا ما سقيتنا ماءً غدقًا فراتًا تحيي به العباد وتروي به البلاد يا من هو على كل شيء قدير، قال عطاء فما استتم الكلام حتى ارعدت السماء وأبرقت وجادت بمطر كأفواه القرب فولى وهو يقول:\nأفلح الزاهدون والعابدونا ... إذ لمولاهم أجاعوا البطونا\nأسهروا الأعين العليلة حبا ... فانقضى ليلهم وهم ساهرونا\nشغلتهم عبادة الله حتى ... حسب الناس أن فيهم جنونا\nقال ابن المبارك: \"قدمت المدينة في عام شديد القحط فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد أتزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه، فجلس إلى جنبي فسمعته يقول: إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرة الذنوب ومساويء الأعمال وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك، فأسألك يا حليما ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة الساعة، فلم يزل يقول: الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل جانب، قال ابن المبارك: فجئت إلى الفضيل، فقال لي: ما لي أراك كئيبا؟ فقال: أمر سبقنا إليه غيرنا فتولاه دوننا وقصصت عليه القصة فخر الفضيل مغشيًا عليه\" (١) فهذا شهر الدعاء فرطب لسانك بدعاء النبي - ﷺ -.\n\"اللهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني، وانقطاع أمري\" (٢) .\n\"اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، ومن\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (١/٣٦١-٣٦٦) .\n(٢) حسن: رواه الحاكم عن عائشة، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٥٥) .","vol":"1","page":275},{"text":"أمامي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل لي في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا\" (١) .\n\"اللهم احفظني بالإسلام قائمًا، واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تشمت لي عدوًا حاسدًا، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك\" (٢)، \"اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا وأحشرني في زمرة المساكين\" (٣)، \"اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر\" (٤) .\n\"اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير\" (٥) .\n\"اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم أنعشني واجبرني، واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت\" (٦) .\n\"اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما يهون علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوراث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا\" (٧) .\n_________\n(١) رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس.\n(٢) حسن: رواه الحاكم عن ابن مسعود، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٦٠) .\n(٣) صحيح: رواه عبد بن حميد وابن ماجه عن أبي سعيد، والطبراني في \"الكبير\"، والضياء عن عبادة بن الصامت، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٦٠) .\n(٤) رواه مسلم عن أبي هريرة.\n(٥) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى.\n(٦) حسن: رواه ابن السني، والطبراني في \"الأوسط\" و\"الصغير\"، والحاكم عن أبي أيوب وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٦٦) .\n(٧) حسن: رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٦٨) .","vol":"1","page":276},{"text":"\"اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا\" (١) .\n\"اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت\" (٢) .\n\"اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، والقسوة والغفلة والغيلة، والذلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر، والفسوق والشقاق والنفاق، والسمعة والرياء، وأعوذ بك من الصمم والبكم والجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام\" (٣) .\n\"اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها\" (٤) .\n\"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، ودعاء لا يسمع\" (٥) .\n\"اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع\" (٦) .\n\"اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء\" (٧) .\n_________\n(١) رواه ابن ماجه عن عائشة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٧٦) .\n(٢) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن ابن مسعود، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٧٨) .\n(٣) صحيح: رواه الحاكم والبيهقي في \"الدعاء\" عن أنس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٨٥) .\n(٤) جزء من حديث صحيح: رواه أحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم.\n(٥) صحيح: رواه أحمد، وابن حبان والحاكم عن أنس وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٩٥) .\n(٦) صحيح: رواه الترمذي والنسائي عن ابن عمرو، وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة والنسائي عن أنس وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٩٧) .\n(٧) صحيح: رواه الترمذي والطبراني في \"الكبير\" والحاكم عن عم زياد بن علاقة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٩٨) .","vol":"1","page":277},{"text":"\"اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المقامة\" (١) .\n\"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد - ﷺ - نعوذ بك من النار\" (٢) .\n\"اللهم رب جبريل وميكائيل ورب إسرافيل أعوذ بك من حر النار ومن عذاب القبر\" (٣) .\n\"اللهم حبب إلينا لقاءك، وسهل علينا قضاءك، وأقلل لنا من الدنيا\".\n\"اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي. اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين\" (٤) .\n\"اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه\" (٥) .\n* * *\n_________\n(١) حسن: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن عقبة بن عامر، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٢٩٩) .\n(٢) حسن: رواه الطبراني في \"الكبير\" والحاكم عن والد أبي المليح، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٣٠٤) .\n(٣) حسن: رواة النسائي عن عائشة، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٣٠٥) .\n(٤) صحيح: رواه النسائي والحاكم عن عمار بن ياسر، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٣٠١) .\n(٥) صحيح.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>رمضان شهر مضاعفة الأجر</span>\nاعلم يا أخي أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب:\n* منها شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم: ولذلك تضاعف الصلاة في مسجدي مكة والمدينة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: \"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام\".\n* ومنها شرف العامل عند الله وقربه منه وكثرة تقواه: كما يضاعف أجر هذه الأمة على أجور من قبلهم من الأمم وأعطوا كفلين من الأجر.\n* ومنها شرف الزمان كشهر رمضان وعشر ذي الحجة.\nوفي الصحيحين عن النبي - ﷺ - قال: \"عمرة في رمضان تعدل حجة\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"عمرة في رمضان كحجة معي\" (٢)، وعند مسلم \"عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي\".\nقال المناوي (٤/٣٦١): \"أي تقابلها وتماثلها في الثواب لأن الثواب يفضل بفضيلة الوقت، ولا تقوم مقامها في إسقاط الفرض بالإجماع\".\nقال ابن العربي: هذا صحيح مليح وفضل من الله ونعمة نزلت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها.\nوفيه أنه يسن إكثار العمرة في رمضان وعليه الشافعية.\nقال ابن رجب: \"ذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره\".\nقال النخعي: \"صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة فيه أفضل من\n_________\n(١) رواه أحمد والبخاري وابن ماجه عن جابر، وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس، وابو داود والترمذي وابن ماجه عن أم معقل، وابن ماجه عن وهب بن خنيس والطبراني في الكبير عن ابن الزبير.\n(٢) صحيح: رواه سموية عن أنس وصححه ابن العربي والسيوطي والألباني في صحيح الجامع.","vol":"1","page":279},{"text":"ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة، فلما كان الصيام في نفسه مضاعفًا أجره بالنسبة إلى سائر الأعمال كان صيام شهر رمضان مضاعفًا على سائر الصيام لشرف زمانه، وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها\" (١) .\nفهلمّ إلى فعل الخير أما ترى دعاء الملك في رمضان إلى الخيرات والتقصير من السيئات \"يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر\".\n* * *\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٦٩) .","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>رمضان شهر تصفيد الشياطين</span>\nروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين\".\n* وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين\" (١) .\nوعند مسلم: \"فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين\".\n* وعند الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب\".\nولفظ ابن خزيمة \"صفدت الشياطين مردة الجن\" بغير واو.\n* وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أتاكم شهر رمضان، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين\" (٢) .\nقال ابن خزيمة في صحيحه (٣/١٨٧-١٨٨): \" لفظ عام مراده خاص في تصفيد الشياطين إنما أراد بقوله \"صفدت الشياطين\" مردة الجن منهم، لا جميع الشياطين، إذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم\".\nوقال ابن حبان في \"الإحسان\" (٨/٢٢١): \"إنما يصفد الشياطين في شهر رمضان مردتهم دون غيرهم\".\n* والتصفيد على ظاهره ولا حاجة للتأويل وصرف اللفظ عن ظاهره، نؤمن بهذا.\n* قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٣٦-١٣٧): \"قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقوا السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم.\n(٢) صحيح: رواه النسائي والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وصححه الألباني.","vol":"1","page":281},{"text":"أن يكون أن المراد لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع للشهوات، وبقراءة القرآن والذكر.\nوقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في صحيحه.\nقال عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين.\nوقال الزين بن المنير: والأول أَوْجَه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره.\nوقال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحية.\nوقال القرطبي بعد أن رجّح على ظاهره: فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين بالصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات.\nأو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع فيه شر ولا معصية لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية.\nوقال غيره في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له: قد كُفّت الشياطين عنك، فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية\".\n\"قال ابن عقيل: الشياطين عصاة الجن، وقال أبو يعلي الحنبلي: الشياطين مردة الجن وأشرارهم، ذكره السفاريني في \"اللوامع\" (٢٢٠) .\nوقال ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (١/٥٧): \"وأما كافرو الجن فمنهم الشياطين ومقدمهم الأكبر: إبليس عدو آدم\".","vol":"1","page":282},{"text":"أساليب الشيطان في إضلال الإنسان:\n(١) تزيين الباطل: كما قال اللعين لرب العزة (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) .\nيقول ابن القيم: \"ومن مكايده أنه يسحر العقل دائمًا حتى يكيده ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله، فيزين له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه أنفع الأشياء، فلا إله إلا الله كم فتن بهذا السحر من إنسان، وكم حال بينه وبين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان، وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة، وشنّع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة، كم بهرج من الزيوف على الناقدين، وكم روّج من الزغل على العارفين\".\n- وتسمية الأمور المحرمة بأسماء محببة كما سمى الشجرة المحرمة بشجرة الخلد كي يزين لآدم الأكل منها. وكما يسمون الرقص والغناء والتمثيل والتماثيل فنًا.\n(٢) الإفراط والتفريط:\nيقول ابن القيم \"وما أمر الله ﷿ بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو.\n(٣) تثبيطه العباد عن العمل ورميهم بالتسويف والكسل:\nسئل الرسول - ﷺ - عن رجل نام ليلة حتى أصبح فقال: \"ذاك رجل بال الشيطان في أذنية\".\nفمن قام بالليل وتوضأ وصلى انحلت عقد الشيطان كلها عن قافية رأسه فأصبح نشيطًا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان، كان أحد الصالحين يقول: \"أنذرتكم سوف فإنها أكبر جنود إبليس\".\n(٤) الوعد والأمنية: يعد الناس بالمواعيد الكاذبة ويعللهم بالأماني المعسولة كي يوقعهم في وهدة الضلال (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) [النساء: ١٢٠] .\n(٥) إظهار النصح للإنسان: قال تعالى: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) .","vol":"1","page":283},{"text":"(٦) التدرج في الإضلال.\n(٧) إنساؤه العبد ما فيه خيره وصلاحه.\nقال تعالى: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) [يوسف: ٤٢] .\nوإذا تمكن الشيطان من الإنسان تمكنًا كليًا فإنه ينسيه الله بالكلية (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله) [المجادلة: ١٩] .\n(٨) تخويف المؤمنين أولياءه: أي يخوفهم بأوليائه. ويعظمهم في صدورهم.\n(٩) دخوله إلى النفس من الباب الذي تهواه: ومن هنا دخل الشيطان على آدم وحواء \"فشام عدو الله الأبوين فأحس منهما إيناسًا وركونًا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب\".\n(١٠) إلقاء الشبهات.\n(١١-١٤) الخمر والميسر والأنصاب والأزلام:\n(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) [المائدة: ٩٠] .\n(١٥) السحر.\n(١٦) ضعف الإنسان ومرض قلبه.\n(١٧) النساء.\n(١٨) حب الدنيا.\n(١٩) الغناء والموسيقى.\n(٢٠) تهاون المسلمين فيما أمروا به.\nحرز الإنسان من الشيطان في رمضان وغيره:\nذكر ابن القيم في بدائع الفوائد قاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان ويستدفع به شره ويحترز منه.","vol":"1","page":284},{"text":"وذلك عشرة أسباب نذكرها باختصار:\nالأول: الاستعاذه بالله من الشيطان قال تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، وقال تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون) .\nالحرز الثاني: المعوذتان: قال - ﷺ -: \"أفضل ما تعوذ به المتعوذون وكان يتعوذ بهما في كل ليلة عند نومه\" رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة. وأمر عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة.\nالحرز الثالث: قراءة آية الكرسي عند النوم.\nقال ابن تيمية: من أعظم ما ينتصر به عليهم آية الكرسي.\nالحرز الرابع: قراءة سورة البقرة.\nقال - ﷺ -: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة\" (١) .\nالحرز الخامس: خاتمة سورة البقرة:\nقال - ﷺ -: \"من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\"\nالحرز السادس: آية الكرسي صباحًا فيحفظ حتى يمسي، ومساء فيحفظ حتى يصبح وقد صححه الألباني والأرناؤوط.\nالحرز السابع: قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة.\nففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك\"\n_________\n(١) رواه مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة.","vol":"1","page":285},{"text":"قال ابن القيم: فهذا حرز عظيم النفع جليل الفائدة يسير سهل على من يسّره الله عليه.\nوفي حديث يحيى بن زكريا: \"وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعًا حتى أتى على حصن حصين، فاحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله\".\nالحرز الثامن: الوضوء والصلاة.\nالحرز التاسع: \"إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس. فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب الأربعة\".\nالحرز العاشر: الأذان: فالشيطان يهرب من الأذان.\nوفي الصحيح: \"إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال (١) له ضراط حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس\" رواه مسلم.\nالحرز الحادي عشر: أن يختم بذكر حتى ينام ويفتح به: عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك اختم بخير، ويقول الشيطان اختم بشر، فإذا ذكر الله تعالى حتى يغلبه -يعني النوم- طرد الملك الشيطان وبات يكلأه (٢)، فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد الذي أحيا نفسي بعد موتها، ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، طرد الملك الشيطان وظل يكلأه\" (٣) .\nولكن عند أبي يعلي هكذا \"أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فإن وقع من سريره فمات دخل الجنة\".\n_________\n(١) أي تحول من موضعه.\n(٢) أي يحفظه.\n(٣) صحيح: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":286},{"text":"الحرز الثاني عشر: ومنها قوله - ﷺ -: \"أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وبرأ، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتنة الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا بخير يا رحمن\" (١) .\nالحرز الثالث عشر: \"بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم من قالها ثلاثًا حين يصبح لم يضره شيء حتى يمسي، ومن قالها ثلاثًا حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح\" (٢) .\nالحرز الرابع عشر: \"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثًا\" (٣) .\nالحرز الخامس عشر: إذا خرج من بيته \"بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله\" (٤) .\nشياطين الإنس:\nوكذلك من يتمرد من الإنس ويتمخض للشر والغواية (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) .\nشرهم خالص وخسرانهم خالص.\nجبلات منكوسة موكوسة مطموسة تواصوا بالإفساد وأخذوا يحولون المجتمع إلى فتات غارق في وحل الجنس والفاحشة والخمور ديدنهم محاربة المساجد بالمراقص والزوجات بالمومسات.\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد والطبراني وابن السني عن عبد الرحمن بن حنيش التيمي وصححه الألباني في \"الصحيحة\".\n(٢) حسن: رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب، وحسنه الألباني والأرناؤوط.\n(٣) رواه مسلم.\n(٤) الجن في معتقد أهل السنة والجماعة للشيخ إبراهيم زكريا.","vol":"1","page":287},{"text":"يصدق فيهم قول القائل:\nوكنت امرءً من جند إبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي\nفلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي\nيقول رسول الله - ﷺ -: \"إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت! نعم أنت\" (١) .\nفكيف بمن فرّق يين الأمة وكتابها وسنة نبيها بالشبهات المضللة للطعن في الكتاب والسنة، من شياطين حرية الفكر والإباحية، كيف بمن يمكر بالأمة ليلًا ونهارًا بالدعوة للإباحية وشهوات الجسد المسعورة لفتنة رجال الأمة شبابًا وكهولًا (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) [مريم: ٨٣] .\nكيف بمن يبث تلفازهم السموم من أفلامه حتى إفطار الناس خاصة وقبل تراويحهم، ومسلسلاتهم النكدة التي تطعن في الثوابت من دين الأمة، بكل خضراء الدمن ممثلة زنديقة شوهاء؟\nحديثها كذب محض حقيقته ... مأخوذة من أباطيل الغرانيق\nتباع في كل سوق للضلال فلا ... تسألْ عن التاجرالكذاب والسوق\nوعن سماسرة باعوا ضمائرهم ... وذوبوا العقل في نار الأباريق\nتبدي خصالًا من الإيمان كاذبة ... وفي مشاعرها إحساس زنديق (٢)\nوكل كذب إلى نهاية ولا يبقى إلا الحق يا شوهاء يا من تسَخَّر لإباحتيك الطائرات.. ويا من جسّدت العهر والزندقة في تمثيلك في رمضان:\nلا الليلة الحمراء باقية ... لا الكأس لا العشاق لا الخمر\nكم نجمة بالأمس قد سقطت ... واليوم لا حس ولا خبرُ\n_________\n(١) رواه أحمد ومسلم عن جابر.\n(٢) من قصيدة لعبد الرحمن العشماوي.","vol":"1","page":288},{"text":"أنت الضحية أنت بينهم ... وعليك ثم عليهم الوزرُ\nلا تسخري بالتائبات ففي ... هذا الإيابِ العز والفخر\nمست شغاف قلوبهم سور ... فتفجر الإيمان والعطرُ\nويح الذين قست قلوبهم ... وأمامهم يتشقق الصخر\nويح الذين تَصُخُّ سمعهم ... آيات ربي ثم لم يدروا\nيا نجمة الأضواء إن غدا ... آت ويُسدل بعدها السرّ\nوالمعجبون سيرحلون غدا ... وسيرحل التطبيل والزمر\nوستطفأ الأنوار في عجل ... فالزيت في قنديلكم نزر\nوستزفين العمر من ندم ... لو كان ينفع عندها الزّفر\nوستشربين الكأس مترعة ... مُر شراب كئوسكم مر\nوسيضرب النسيان بينكم ... سدا، فلا يبقى لكم ذكر\nالآن مطوي كتابكمُ ... ولكل مطوي غدا نشرُ (١)\nيا شباب المسلمين: إن كان من شياطين الإنس من يقول له إبليس: أنت أنت فهل منكم من أحد يقول له رسول الله - ﷺ -: أنت! أنت! كما قال رسول الله - ﷺ - لعمر: \"إن الشيطان ليفرق منك يا عمر\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"إني لأنظر شياطين الجن والإنس فروا من عمر\" (٣) .\nفمن منكم يا إخوتاه تفر منه شياطين الإنس.\nمن منكم يا إخوتاه من يقهر شيطانه وشياطين الإنس كما جاء في الحديث:\n(إن المؤمن لينصي شيطانه كما ينصي أحدكم بعيره في السفر\" (٤) .\n_________\n(١) إلى ممثلة لمحمود مفلح.\n(٢) صحيح: رواه أحمد والترمذي وابن حبان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٢/٧٤) .\n(٣) صحيح: رواه الترمذي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٢/٣٢٩) .\n(٤) رواه أحمد، ينصي شيطانه: أي يأخذ بناصيته، فيغلبه ويقهره.","vol":"1","page":289},{"text":"فاكشفوا مخططات الشياطين وافضحوا زورهم وبهتانهم واستقيموا على درب الله\nتجدوا المدد والعون من الله (إِن عبادي ليس لك عليهم سلطان)\n* * *","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>رمضان غنم للمؤمن ونقمة للفاجر</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: \"بمحلوف رسول الله - ﷺ - ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم وغَنْم للمؤمن يغتنمه الفاجر\" (١) .\nيقسم أبو هريرة ﵁ بما أقسم به النبي أنه ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان.... والحديث يفسّر ذلك فقوله - ﷺ - \"وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة\" أي ما يقويهم عليها في رمضان كادخار القوت وما ينفقه على عياله فيه، وقد فسّره في طريق ثانية بقوله \"وذلك أن المؤمن يعدّ فيه القوة للعبادة من النفقة أي لأن اشتغالهم بالعبادة فيه يمنعهم من تحصيل المعاش أو يقلل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يحصّلون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله ليتفرغوا فيه للعبادة والإقبال على الله ﷿ واجتناء ثمرة هذا الموسم، فهو خير لهم لما اكتسبوا فيه من الأجر العظيم والغفران العميم\".\nوقوله - ﷺ -: \"وما يعد فيه المنافقون من ضلات الناس وعوراتهم\" يعني أن المنافقين يستعدون في شهر رمضان للإيذاء بالمسلمين في دنياهم وتتبع عوراتهم أثناء غفلتهم عن الدنيا وانقطاعهم إلى الله ﷿، فكأن ذلك غنيمة اغتنموها في نظرهم، ولكنها في الحقيقة شر لهم لو كانوا يعلمون ما أعده الله لهم في الآخرة من العذاب المقيم وحرمانهم من فضله العميم نعوذ بالله من ذلك.\nوما أرق هذا الوصف في حق أهل الفن والإعلام الذين يغتنمون موسم الطاعة لصد الناس عن سبيل ربهم وفتنتهم عن طاعة الله ﷿.\n_________\n(١) رواه أحمد وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح رقم الحديث (٨٣٥٠)، وضعفه الألباني، وفي رواية البيهقي \"ونقمة للفاجر\".","vol":"1","page":291},{"text":"قوله - ﷺ -: \"وغنم للمؤمن\"، أي وفوز للمؤمنين بالأجر والثواب الجزيل من غير مشقة كبيرة وذلك لما ينزله الله سبحانه على عباده من الرحمات ويفيضه عليهم من النفحات ويوسّع عليهم من الأرزاق والخيرات ويجنبهم فيه من الزلات حيث يفتح لهم أبواب الجنان ويغلق عنهم أبواب النيران ويصفد فيه مردة الجان فهو للأمة ربيعها وللعبادة موسمها وللخيرات سوقها فلا شهر أفضل للمؤمن منه، ولا عمل يفضل عما فيه، فهو بحق غنيمة للمؤمن.\n\"قوله - ﷺ - \"يغتنمه الفاجر\"، وفي رواية البيهقي \"ونقمة للفاجر\"، المعنى أن الله ﷿ ينتقم منه ويذيقه العذاب الأليم بسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه والانقطاع إلى الله ﷿ بالعبادة فيه\" (١) .\nيا هذا أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي\nإما أن يدعو عليك جبريل ويؤمن على دعائه خليل الله المصدوق على دعائه \"يا محمد، من أدرك شهر رمضان فمات، فلم يغفر له، فأُدخل النار؛ فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين\" الحديث.\n* من خاض البحر اللجاج ولم يطهر فماذا يطهره.\nإذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه ... ففي أي حين ينير ويُخْصب\nوإما أن تكون ممن يصلى عليهم الله في هذا الشهر منْ السبَّاقين لقرع أبواب الجنان، والفوز بالحور الحسان، والنظر إلى وجه الرحمن، فنفسك نفسك.. ليس لك نفس غيرها.\n* * *\n_________\n(١) \"بين يدي رمضان\" للشيخ محمد بن إسماعيل (ص ٧-٩) .","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>رمضان شهر تربية المجتمع</span>\n\"وذلك أن الصائم حين يرى الناس من حوله صيامًا كلهم فإن الصوم يكون يسيرًا عليه، ويحس بالتلاحم مع المجتمع الذي يربطه به جانب عبادي يلتقي عليه الجميع\".\nإن الذي يقارن بين صوم النافلة وصوم رمضان يجد أن في صوم النافلة شيئًا من الكلفة بينما يجد أن صوم رمضان المفروض يسير سهل لا كلفة فيه ولا مشقة للسبب الذي سلف ذكره، حيث أن الصائم في رمضان لا يرى حوله إلا صائمين مثله، فإن خرج إلى السوق وجد الناس فيه صيامًا، وإن دخل البيت وجد أهله صيامًا، وإنْ ذهب إلى دراسته أو عمله وجد الناس صيامًا.. وهكذا فيشعر بمشاركة الجميع له في إمساكه فيكون ذلك عونًا له ومُنْسيًا له ما قد يجده من المشقة ولذلك نجد المسلمين الذين يدركهم رمضان في بلاد كافرة دفعتهم الضرورة للذهاب إليها؛ إما لمرض أو لغيره نجدهم يعانون مشقة ظاهرة في صيام رمضان لأن المجتمع من حولهم مفطرون يأكلون ويشربون وهم مضطرون لمخالطتهم.\nإذن فشعور الصائم بأن الناس من حوله يشاركونه عبادته يخفف عليه أمر الصوم ويعينه على تحمله بيسر وسهولة وهذا الأمر ملحوظ حتى في المجتمعات التي لم يبق فيها إلا بقايا قليلة للإسلام، فإنك تجد آثار رمضان ظاهرة على الجميع حتى الفساق في ذلك المجتمع الذي غلب عليه الفساد يظهر عليهم أثر هذا الشهر الكريم، وفي ذلك -بلا شك- تربية للمجتمع بجملته.\nومن هنا كانت عناية الإسلام بإصلاح المجتمعات عناية كبيرة، فالفساد بصفته حوادث فردية لا مناص من وقوعه في المجتمع وقد وقع شيء من تلك الحوادث الفردية في مجتمع الصحابة الأطهار، فكان هناك من سرق ومن شرب الخمر ومن زنى فهذا الأمر لابد من وقوعه، لكن الذي لا يصح أن يقع في المجتمع المسلم هو أن تعلن المنكرات ويجاهر بها فيتلوث المجتمع العام ويصبح من العسير على الفرد الذي يريد طريق الخير أن يهتدي لأن المجتمع يضغط عليه ويثنيه عن غايته.","vol":"1","page":293},{"text":"ومن هذا المنطلق حرص أعداء الإسلام على إفساد المجتمعات الإسلامية، ولعلّ من أحدث وسائلهم في ذلك ما يسمى (البث المباشر) وهذه الوسيلة -مع ما يعترض طريقها من صعوبات- متوقعة الحدوث، ولا ريب أن فيها من الشرور والأخطار على المجتمع الإسلامي فكريًا وعقديًا وأخلاقيًا وتقليديًا ما لا يخفى.\nفالحاصل أن تربية المجتمع من مقاصد الإسلام، والصوم من وسائل ذلك، وأثره في ذلك المجال واضح ولعلّ من مظاهر ذلك -إضافة إلى ما سبق- أنك تجد صغار السن في المجتمع يصومون، وتجد أهل الفسق يستترون بالعصيان، وترى الكفار لا يستطيعون أن يعلنوا الأكل والشرب\" (١) .\n* * *\n_________\n(١) \"دروس رمضان وقفات للصائمين للعودة\" (ص ١١-١٣)، دار الصفا - الطبعة الثانية.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>رمضان شهر ليلة القدر</span>\nوليلة القدر ليلة يفتح فيها الباب، ويقرب فيها الأحباب، ويسمع الخطاب ويرد الجواب ويُسنى للعاملين عظيم الأجر.\nهي ليلة عتق ومباهاة، وخدم ومفاجأة، وقربة ومصافاة.\nقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر) [القدر كاملة] .\n\"الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال. ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى. ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد - ﷺ - ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعًا، العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري.\n* آيات تكاد ترف وتنير. بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود نور الله المشرق في القرآن (إنا أنزلناه في ليلة القدر) .\n* ونور الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر.\n* ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقًا مع نور الوحي ونور الملائكة، وروح السلام المرفرف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود (سلام هي حتى مطلع الفجر)، قد يكون معناه التقدير والتدبير. وقد يكون معناه القيمة والمقام. وكلاهما يتفق مع ذلك الحدث العظيم.. حدث القرآن والوحي والرسالة.. ليس أعظم منه ولا أقوم في أحداث هذا الوجود وليس أدل منه كذلك على التقدير والتدبير في حياة العبيد.\nوهي خير من ألف شهر. والعدد لا يفيد التحديد. في مثل هذه المواضع من القرآن إنما يفيد التكثير. والليلة خير من آلاف الشهور في حياة البشر.\nفكم من آلاف الشهور وآلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة من آثار وتحولات.","vol":"1","page":295},{"text":"* والليلة من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري (وما أدراك ما ليلة القدر) .\nهي ليلة عظيمة باختيار الله لها لبدء تنزيل هذا القرآن. وإفاضة هذا النور على الوجود كله. وإسباغ السلام من الله على الضمير البشري والحياة الإنسانية.\nوحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة، ونتصور ذلك المهرجان العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة، ونتدبر حقيقة الأمر الذي تم فيها، ونتملى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان وفي واقع الأرض، وفىِ تصورات القلوب والعقول.. فإننا نرى أمرًا عظيمًا حقًا، وندرك طرفًا من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الآية: (وما أدراك ما ليلة القدر) .\nلقد فرق فيها من كل أمر حكيم، وقد وضعت فيها قيم وأسس وموازين، وقد قررت فيها من أقدار أكبر من أقدار الأفراد أقدار أمم ودول وشعوب، بل أكثر وأعظم.. أقدار حقائق وأوضاع وقلوب!\nولقد تغفل البشرية -لجهالتها ونكد طالعها- عن قدر ليلة القدر.\nوعن حقيقة ذلك الحدث، وخسرت السعادة والسلام الحقيقي -سلام الضمير، وسلام البيت وسلام المجتمع- الذي وهبها إياه الإسلام. ولم يعوضها عما فقدت ما فتح عليها من أبواب كل شيء من المادة والحضارة والعمارة، فهي شقية، شقية على الرغم من فيض الإنتاج وتوافر وسائل المعاش!\nلقد انطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرة، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى، وغاب السلام الذي فاض على الأرواح والقلوب، فلم يعوضها شيء عن فرحة الروح ونور السماء وطلاقة الرفرفة إلى عليين\" (١) .\nوليلة قَدْر أشرقت في تطلعي ... إلى الله، أدعو أستمد الرضا الأعلى\n_________\n(١) \"الظلال\" (٦/٣٩٤٤-٣٩٤٦) .","vol":"1","page":296},{"text":"وأدنو بخفق القلب مِلْءَ ضراعتي ... بصمت، وبعض الصمت من كَلم أَجْلَى\nوأسأل رب الكونُ للكون رحمةً ... حنانًا.. وإحسانًا.. وعافية مُثلى\nأيا ليلة القدر السنية ليت لي ... شُعاعَ تَجَل منك يُسعفُ في الجلى\nويسمو بهذا الحُبِّ حُرًّا لربِّه ... من الملأ الأدنى إلى الملأ الأعلى (١)\nقال الزهري: سميت ليلة القدر لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم لفلان قدر أي شرف ومنزلة.\n\"ليلة القدر: قال مجاهد: ليلة الحكم. وقال سعيد بن جبير: يؤذن للحجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم، وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم\".\nقال رجل للحسن وأنا أسمع: رأيت ليلة القدر في كلّ رمضان هي؟ قال: نعم، والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة القدر \"فيها يفرق كل أمر حكيم\" فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها.\nعن ابن عمر: ليلة القدر في كل رمضان.\n(وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر) .\nقال ابن جرير: قال بعضهم معنى ذلك العمل في ليلة القدر بما يرضي الله، خير من العمل في غيرها ألف شهر.\nعن مجاهد قال: \"عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر\".\n_________\n(١) \"قصيدة تطلع إلى شعاع\" (ص ٢٩١) من ديوان قلب ورب لعمر بهاء الأميري.","vol":"1","page":297},{"text":"وقال عمرو بن قيس الملائي: \"عمل فيها خير من عمل ألف شهر\".\nوقال آخرون: معنى ذلك أن ليلة القدر خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.\nعن قتادة: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وسرد أقوال أخرى، ثم قال ابن جرس: وأشبه الأقوال في ذلك بظاهر التنزيل قول من قال: عمل في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر\" (١) .\nقال أبو بكر الورّاق: سميت ليلة القدر لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر على لسان ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، وعلى أمة ذات قدر.\n(تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) .\nتنزل الملائكة وجبريل معهم في ليلة القدر من كل أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل.\nقال قتادة: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.\n(سلام هي حتى مطلع الفجر) .\nقال ابن جرير: سلام ليلة القدر من الشر كله من أولها إلى طلوع الفجر من ليلتها.\nقال قتادة: \"هي خير كلها إلى مطلع الفجر\" (٢) .\nعن أنس ﵁ قال: \"دخل رمضان، فقال رسول الله - ﷺ -: إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم\" (٣) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم\" (٤) .\n_________\n(١) \"تفسير الطبري\" (١٢/٢٥٩-٢٦٠) .\n(٢) \"تفسير الطبري\" (١٢/٢٦١) .\n(٣) حسن: رواه ابن ماجه وحسنه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (١/٤١٨ حديث رقم ٩٩٠) .\n(٤) حسن: رواه النسائي والبيهقي، وحسنه الألباني في \"صحيح الترغيب\" (١/٤١٨ حديث ٩٨٩) .","vol":"1","page":298},{"text":"هذه ليلة يربح فيها من فهم ودرى، ويصل إلى مراده كل من جَدّ وسرى، ويُفك فيها العاني وتطلق الأسْرى.\nأخي: يهون العمر كله إلا هذه الليلة.\nلقد كان رسولكم - ﷺ - يجتهد في العشر الأواخر ويعتكف، إلتماسًا لتلك الليلة، كان يواصل ابتغاء لتلك الليلة.\nفيا مَنْ ضاع عمره في لا شيء استدرك ما فات فى ليلة القدر فإنها تحسب بالعمر.\nشفيت بها قلبًا أطيل غليله ... زمانا فكانت ليلة بليالي\nوإليك هدايا الملك تزف فى هذه الليلة.\nيقول الأميري في ليلة القدر:\nتألهَ قَلْبيَ لَماّ سجَدْتُ ... أهيمُ بِمحْراب خَيرِ الأنامْ\nوأرْسِلُ مِنْ شَفَتَيهِ الدعَاءَ ... وَجيًا، وفي السَمْع سَجْعُ الحَمَامْ\nوفي أعْيني مِنْ سَنَا الله بَرقٌ ... يُحَس، ولكنهُ لا يُشَامْ\nلَهُ في خَلايايَ دَفْع وِرَفعٌ ... إلى شرفَاتِ حِمَىً لا يُرامْ\nأغيبُ، كَمَنْ نامَ في نشوَة ... ونَفسِي عُيُونُ هَوَىً لا تَنَامْ\nوأشعر أن كيانى تمدد ... حتى تخطى الدنى والحطام\nأقول سموت وفوق السمو ... أقول: ثملت وما من مدام\nأقول: آرْتَوَيْتُ أجَلْ، لاولا ... وكَيفَ آرْتَوَيْتُ وكُلّي أوامْ؟!!\nألَا إنها نُعْمَيَاتُ التجَلي ... هُيَامُ سُجُود يَفُوقُ الهُيَامْ\nفَسُبحَانَكَ الله مِلءَ الوُجُودِ ... ومِلءَ السجُود ِومِلْءَ القِيَامْ\nويرق شعر الأميري ويرق ويعذب في ليلة القدر:\nيا رُؤى الإشراق في الليلِ المنيرِ ... يا شذا الرضوانِ في الخلدِ النضيرِ\nهلْ لنَفْسي أَملٌ في نَفْحَة ... مِن فُيوضِ الله، إنْ لج مسيري\nهذه روحيَ حامَتْ وَلَهًا ... وتسامَتْ فِوقَ أجواءِ الأثيرِ\nواشرأبت والجوى يَحْفِزُها ... في التماس الأمَلِ الرحبِ الأثير\nتبتَغي مِن لَيلةِ القَدْرِ سَنًا ... لَيتَها تنعَمُ مِنْهَا بعبِيرِ (١)\n_________\n(١) \"في ليلة القدر\" (ص ٩٠-١٠٠) من ديوان صفحات ونفحات لعمر بهاء الدين الأميري الطعبة الأولى مؤسسة الشرق للعلاقات العامة للنشر والترجمة.","vol":"1","page":299},{"text":"وإليك هدايا الملك الكريم الجواد تزف في هذه الليلة:\n* عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" (١) .\nقال كعب الأحبار: \"نجد هذه الليلة حطوطًا تحط الذنوب\" (٢) .\nلاستحياء ذكرى نزول القرآن في أرواحنا لتظل موصولة بها أبدًا حث الرسول - ﷺ - على قيام هذه الليلة.\nوالإسلام ليس شكليات ظاهرية، ومن ثَمَّ قال رسول الله - ﷺ - في القيام في هذه الليلة أن يكونا \"إيمانًا واحتسابًا\".. وذلك ليكون هذا القيام استحياء للمعاني الكبيرة التي اشتملت عليها هذه الليلة \"إيمانًا\" وليكون تجردًا لله وخلوصًا \"واحتسابًا\"..\nومن ثَم تنبض في القلب حقيقة معينة بهذا القيام.. ترتبط بهذا المعنى الذي نزل به القرآن.\nوالمنهج الإسلامي في التربية يربط بين العبادة وحقائق العقيدة في الضمير، ويجعل العبادة وسيلة لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها وتثبيتها في صورة حية تتخلل المشاعر ولا تقف عند حدود التفكير.\nوقد ثبت أن هذا المنهج وحده هو أصلح المناهج لإحياء هذه الحقائق ومنحها الحركة في عالم الضمير وعالم السلوك، وأن الإدراك النظري وحده لهذه الحقائق بدون مساندة العبادة، وعن غير طريقها، لا يقر هذه الحقائق، ولا يحركها حركة واقعة في حياة الفرد ولا في حياة الجماعة.\nوهذا الربط بين ذكرى ليلة القدر وبين القيام فيها إيمانًا واحتسابًا هو طرف من هذا المنهج الإسلامي الناجح القويم (٣) .\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.\n(٢) \"مختصر قيام الليل\" (ص ١٠٩) .\n(٣) \"الظلال\" (٦/٣٩٤٦) .","vol":"1","page":300},{"text":"دعا رمضان الخير كل مرابط ... لديه.. فلبى المؤمنون على الإثرِ\nوطافت بهم ريحُ الجنان عليلةً ... تهب من الرحمن.. ذائعة النشر\nتنفس فيها الخلدُ حين تفتحت ... أزاهيره البيضاءُ في \"ليلة القدر\"\nفطوبى لمن يحظى بشم عبيرها ... فيسجد مغشيًا عليه من البشْرِ\nويضرع في حب ويبكي من الجوى ... ويكتم أشواقًا تأجَّجُ كالجمر\nويُصغِى إلى صوت السماء كأنه ... صدى خفقات القلب ينبض في الصدر\nصيامُك مفتاح لكل فضيلة ... يزودك التقوى.. ويغريك بالطهر\nفقل مخلصًا.. آمنت بالله واستقم ... وأحسن له الأعمال في السر والجهر (١)\nليلة مباركة تشرف فيها الأرض بالملائكة:\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليلة القدر ليلة السابعة أو التاسعة وعشرين وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى\" (٢) .\nما يدعى به في ليلة القدر:\nعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها، قال: قولي \"اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني\" (٣) .\nليلة القدر:\nقال ابن حجر: \"وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل.\nوأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الجمهور ليلة سبع وعشرين\" (٤) .\n_________\n(١) \"تأملات في رمضان\" (ص ١٤٥-١٤٦) من ديوان \"نداء الحق\" لأحمد محمد الصديق.\n(٢) إسناده حسن: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط وابن خزيمة، والطيالسى. وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وحسن إسناده الألباني في \"صحيح الجامع\" (رقم ٥٣٤٩)، و\"صحيح ابن خزيمة\" (٣/٣٣٢) .\n(٣) إسناده صحيح: رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه الترمذي، وقال الألباني: إسناده صحيح \"المشكاة\" (رقم ٢٠٩١) .\n(٤) \"فتح الباري\" (جـ ٤) .","vol":"1","page":301},{"text":"ويقول ابن تيمية ﵀:\n\"ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، وتكون في الوتر منها، لكن الوتر يكون باعتبار الماضي مْتطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين.\nويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي - ﷺ -: \"التاسعة تبقى لخامسة تبقى لثالثة تبقى\"\nفعلى هذا اذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الإشفاع وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى وهكذا.\nفسرّه أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النبي - ﷺ - في الشهر، وإن كان الشهر تسعًا وعشرين، كان التاريخ بالباقي كالتاريخ الماضي، وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه كما قال - ﷺ -: \"تحروها في العشر الأواخر\"، وتكون في السبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين، كما كان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين\" (١) .\nإلهي لو أنفقت عمري ساجدًا ... أقدس، ما وفيت حمدك ياربي\nوفي ذروة الإحسان والفضل والجدا ... بذاك بأن أودعت حمدك في قلبي\nفظل وجيبي المستمر مقدسًا ... عُلاك، ولو أني مقيم على ذنبي\nعلى أن ذنب المؤمن الحر ينتهي ... إلى التوب.. والرحمن يجزي على التوب (٢)\nويرحم الأميري حين يصور صراع الروح والجسم في ليلة القدر:\nتضِج برأسي طُيوف العُلى ... ويتقِدُ النورُ في نَاظِرَي\nوَتهتَاجُ حِسّي طُيوبُ البَها ... وتُغْري الخِلاباتُ جسِميِ عليّ\nفألبث حَيرانَ حَيرانَ منْ ... تَهاتُر هذا وذيّاك فِيّ\nويَظْهرُ بؤْسي، ويُهْدَرُ أنسي ... وَتُصْهَرُ نَفْسي، مِنْ حَيرَتَي\nفيا رَحمة وَسِعَتْ كلّ شيء ... إِليَّ.. إليَّ.. إليَّ.. إليَّ (٣)\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" (٢٥/٢٨٣-٢٨٥)، انظر كتاب \"رهبان الليل\" وفيه تفصيل عن ليلة القدر وآدابها.\n(٢) لعمر بهاء الأميري من ديوان قلب ورب.\n(٣) \"في ليلة القدر\" لعمر بهاء الأميري من ديوان \"صفحات ونفحات\".","vol":"1","page":302},{"text":"كان شيخ الإسلام أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري كثير ما يقول في مجلسه وفي غير المجلس: \"عفوك يا عفو عفوك، في المحيا عفوك، وفي الممات عفوك، وفي القبور عفوك، وعند النشور عفوك، وعند تطاير الصحف عفوك، وعند ممر الصراط عفوك، وعند الميزان عفوك، وفي جميع الأحوال عفوك يا عفو عفوك\". قال أبو عمرو بن أبي جعفر: ورؤي أبو عثمان في المنام بعد وفاته بأيام فقيل له: ماذا انتفعت من أعمالك في الدنيا؟ فقال: بقولي: عفوك عفوك (١) .\n* * *\n_________\n(١) \"فضائل الأوقات للبيهقي\" (ص ٢٥٩) تحقيق عدنان القسي طبع مكتبة المنارة بمكة.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الباب الثامن\nرمضان شهر الجهاد والفتوحات</span>","vol":"1","page":305},{"text":"شهر الجهاد والفتوحات\nرمضان شهر الجهاد وشهر التجارة الرابحة ذروة سنام الإسلام قال تعالى:\n(يآ أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم * وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين) [الصف: ١٠- ١٣] .\nمن ذا الذي لا يشتاق أن يدله الله على هذه التجارة ... ألا يشرق القلب عند سماع هذه الآيات في فضل الجهاد.\n(يغفر لكم ذنوبكم..) وهذه وحدها تكفي فمن ذا الذي يضمن أن يغفر له ذنبه ثم يتطلع بعدها إلى شيء؟ أو يدخر في سبيلها شيئًا. ولكن فضل الله ليس له حدود ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن.. وإنها لأربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة ثم يعوض عنها تلك الجنات وهذه الساكن في نعيم مقيم.\nإن المؤمن الذي يدرك هذا ويعيش بقلبه هذا التصور ويطلع على آفاقه وآماده ثم ينظر إلى الحياة بغيرة في حدودها الضيقة الصغيرة وفي مستوياتها الهابطة الواطية وفي اهتماماتها الهذيلة الزهيدة هذا القلب لا يطيق أن يعيش لحظة بغير أن يحدث نفسه به ويكفي ما سكن في القلب من رضى وارتياح.\n(يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) وهذا وضع كريم يرفعنا الله إليه وهل أرفع من مكان أن يكون العبد نصيرًا للرب؟ إن هذه الصفة عمل من التكريم ما هو أكبر من الجنة والنعيم.\nوقال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) [آل عمران: ١٤٢] .","vol":"1","page":307},{"text":"وقال تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) [التوبة: ٢٤] .\nوقال تعالى: (انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) [التوبة: ٤١] .\nوقال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) [الحج: ٧٨] .\nانتدبكم لهذه الأمانة الضخمة واختاركم لها من بين عباده إنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء.\nوقال تعالى: (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورًا رحيمًا) .\nعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله وما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض\" (١) .\nإن الجهاد ليس ملابسة طارئة من ملابسات تلك الفترة وإنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه الدعوة وإلا لما قال رسول الله - ﷺ - تلك الكلمة الشاملة لكل مسلم إلى قيام الساعة \"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق\"، ومن ثَم لابد منه في كل صورة ولابد أن يبدأ في عالم الضمير ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والشهود لابد من بذل الأموال والأنفس.\nوتلك حياة رفيعة نظيفة كريمة حرة طليقة بدلا من الحياة الذليلة الضعيفة لذة التجرد لله وهذه لذة علوية لا تعدلها لذائذ في الأرض لذة الرجاء في رضوان الله ولذة الاستعلاء على\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم.","vol":"1","page":308},{"text":"الضعف والهبوط والخلاص من ثقلة اللحم والدم والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضيء.\nإن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاعة إلى القتال إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال.\n(التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله) .\nوقال تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) [التوبة: ١١١] .\nبيعة الله لا ييقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولا في ماله يحتجزه دون الله سبحانه، باع المؤمن نفسه وماله مقابل الجنة وهو ثمن لا تعدله السلعة ولكن فضل الله ومَنَّه لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله لم يعد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا ... كلا ... إنها صفقة مشتراه لشاريها أن يتصرف بها وفق ما يفرض ووفق ما يحدد. ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل.\nما الذي فات المؤمن الذي يسلم نفسه وماله ويستعيض الجنة؟ فالجنة الكسب كل الكسب.\nقال - ﷺ -: \"عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم\" (١) (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثقالتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) [التوبة: ٣٨] .\nإنها ثقلة الأرض ومطامع الأرض وتصورات الأرض ثقلة الخوف على الحياة والخوف على المال والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع، ثقلة الدعة والراحة.\nثقلة اللحم والدم والتراب والجسم المترف الثقيل وهم مع هذا يقدمون على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء.\n_________\n(١) صحيح: رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن أبي أمامة، وأحمد والحاكم والضياء عن عبادة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\".","vol":"1","page":309},{"text":"وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه لها جهاد الأعداء.\nوواقع الأمة المسلمة الآن وهتك أعراضها وسلب أغلى مقدساتها وذبح أطفالها وهدم الثوابت من دينها، جزاء من جنس عملها، جزاء ما تركت من ذروة سنام دينها.\nوالعيش بعيدًا عن الجهاد عيش تافه رخيص مفزع وهكذا تخاف الأمة من ظلها وتفرق من صداها تؤدي ضريبة الذل كاملة تؤديها من نفسها ومن قدرها ومن سمعتها ومن اطمئنانها ومن دينها بعد أن باعها عملاء اليهود في كل واد.\nما العجب: قد كبت المآذن غيلة ... واغتيل تحت قبابنا الترتيلُ\nوإذا عيون الشمس تطبق جفنها ... حول الصباح أينفع القنديل؟\nمالعجب؟ قد باع الرجال سيوفهم ... وتعثرت بالهاربين خيول\nواستبدلوا طبلًا بصوت مكبر ... فإذا الجهاد ربابة وطبول\nتحت الكراسي في البلاد جماجم ... وعل الكراسي في البلاد مغول\nوإذا الزنادقة استقام لأمرهم ... حكم فغانية الكهوف بتول\nللجاهلية في البلاد عقيدة ... وبني قريضة محفل وقبيل\nزمر إذا مرت على بستاننا ... شاصت عروق النخل وهي حمول\nيدرون أن الوحل فوق جباهم ... ينمو وأن أمامهم ضِلِّيلُ (١)\nوتحول الصقر الإسلامي إلى طائر الحجل في وداعته وكما قال إقبال: \"عَلَّموا الليث حجلة الظبي وأمحوا عنه قصة الأسد\". الإسلام يا إخوتاه دين لا يتعارض مع الواقع ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها وهذا الأمر يحتاج إلى جهاد أمة بأسرها فقد تذهب الأيام بداهية وتأتي بداهية أفظع منه والحماس وحده لا يكفي وهذا قول الإمام المجاهد ابن تيمية من حنكته الأيام والتجارب يقول: \"فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من\n_________\n(١) من قصيدة ثكلتك دجلة يا فرات بتصرف للشاعر يحيى السماوي المجلة العربية العدد (٢٠٩) .","vol":"1","page":310},{"text":"الذين أوتوا الكتاب والمشركين وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية (فقاتلوا أئمة الكفر) الذين يطعنون في الدين وبآية (فقاتلوا الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) \" (١) .\nوأمام الواقع البائس النكد الذي يواجه أمة سقطت إلى الوحل وضاع منها كل شيء يقول الشيخ سيد قطب: \"فإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون بواقعهم تحقيق هذه الأحكام فهم اللحظة ومؤقت غير مكلفين بتحقيقها ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ولهم في الأحكام المرحلية سعة يتدرجون معها حتى ينتهوا إلى تنفيذ هذه الأحكام الأخيرة عندما يكونون في الحال التي يستطعون معها تنفيذها\".\nويبقى دائمًا وأبدًا في كل وقت جهاد الحجة قال تعالى: (وجاهدهم به جهادًا كبيرًا) .\nقال ابن القيم: \"ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به..) أي بالقرآن (جهادًا كبيرًا) فهذه السورة مكية والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة\" (٢) .\nوأمام الدعاة المجاهدين بالحجة ألوف من تلاميذ الاستشراق وصبيان العلمانية\nوالدعاة إلى القومية والماسونية وأصحاب الدعوة إلى الإنسانية وإلى زمالة الأديان والدعوة إلى السلام العالمي البارد تلاميذ اليهود والصليبية العالمية الذين يدبجون الشبه ويجدون من علماء السوء من يطلق بضاعته المسمومة، فإن للقرآن من القوة والسلطان والتأثير العميق ما يهز القلوب ويزلزل الأرواح ولا يثبت لحجته مجادل أو ممحال.\nيصيبهم الزعر من صمود الدعاة أمامهم يقارعونه بحجج القرآن الناصعة وإن لم يكن هذا جهاد فأي شيء يكون؟!\nرمضان شهر الجهاد والفتوحات: امتنَّ الله ﷿ على الأمة في هذا الشهر بأحلى انتصارتها وعلى مدار التاريخ الإسلامي كان هذا الشهر رمز للعطاء والبذل.\n_________\n(١) \"الصارم المسول\" لابن تيمية (ص ٢٢١) .\n(٢) \"زاد المعاد\" (٢/٥٨) .","vol":"1","page":311},{"text":"* ففي السنة الأولى من الهجرة وفي رمضان كوّن المسلمون أول سرية بقيادة حمزة بن عبد المطلب ثم سرية عبيدة بن الحارث وذلك لبث الرعب في قلوب الأعداء.\nغزوة بدر الكبرى (غزوة الفرقان):\n* وفى السنة الثانية من الهجرة وفي السابع عشر من رمضان كانت غزوة بدر الكبرى:\nوبيئر بدر إذ يكفّ مطيهم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد\nمضت في التاريخ كله قصة عقيدة. قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل قصة انتصار الحق على أعدائه المدجّجين بالسلاح المزودين بكل زاد، قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله الثابتة المستعلية بيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها لقد انتصرت على نفسها فقلبت بيقينها ميزان الظاهر.\nتمضي غزوة بدر مثلًا في التاريخ تقرر دستور النصر والهزيمة إلا أنها كتاب مفتوح تقرؤه الأجيال فى كل زمان وفي كل مكان فهي آية من آيات الله ما دامت السماوات والأرض.\n(ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) [آل عمران: ١٢٣] .\nخرج النبي - ﷺ - في ثلثمائة وبضعة عشر رجلًا يريدون أبي سفيان والغنيمة فأرادها الله ملحمة فجمعهم الله بعدوهم على غير ميعاد وخرجت قريش بقدها وقديدها تسعمائة وخمسين مقاتلًا، ألف رجل بعدتهم وعتادهم بطرًا ورئاء الناس يقول فاجرهم: لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، واستفتح اللعين أبو جهل \"اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف\". وفي رواية \"اللهم أضل الفريقين وأقطعهما للرحم فأحنه الغداة\".\nوفي يوم بدر يتجلى ثبات الرجال:\nيقول المقداد بن عمرو: \"يا رسول الله امضي لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه\".\nويقول صديق الأنصار سعد بن معاذ: \"امضي يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل","vol":"1","page":312},{"text":"واحد وما نكره أن تلق بنا عدونا غدًا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك فسر على بركة الله فَسُرّ رسول الله بقول سعد وقال: \"سيروا وأبشروا فإن الله قد ودعني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم\".\nإنها قصة الاسغاثة والتجرد لله.\n\"استقبل النبي - ﷺ - القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: \"اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا\" فما زال يستغيث الله ويدعوه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فردّاه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ﷿ (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) [الأنفال: ٩]، وقال تعالى: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان) [الأنفال: ١٢] .\nإنه يوم قتال جبريل والملائكة مع الصادقين.\nعن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه -وكان أبوه من أهل بدر- قال: جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: \"من أفضل المسلمين -أو كلمة نحوها- قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة\" (١) . وقتل صناديد قريش وقطع دابر الكافرين، وخضدت شوكتهم، وعلت راية الإسلام وكلمة الله بمقدار اتصال القلوب بالله لا تقف لها قوة وكان هذا عن تجربة واقعية لا مجرد تصور واعتقاد قلبي، لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله وخلاصة هذه الموقعة ما قالته قريش نفسها قبلها.\n\"لما بعث خفاف بن أيماء بن رخضة الغفاري -أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري إلى قريش- حين مروا به، ابنًا له بجزائر أهداها لهم، وقال لهم: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا، قال: فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم! قد قضيت الذي عليك.\nفلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم. ولئن كنا إنما نقاتل الله -كما يزعم محمد- فما لأحدٍ بالله من طاقة.\n_________\n(١) رواه البخاري.","vol":"1","page":313},{"text":"* في<span data-type=\"title\" id=toc-164> السنة الثالثة من الهجرة:</span>\nوفي رمضان عبّأ الرسول - ﷺ - جيشًا في المدينة لصد عدوان المشركين الذين كانوا يستعدون للثأر لقتلاهم في غزوة بدر.\n* في السنة الخامسة من الهجرة:\nاستعداد الرسول - ﷺ - لغزوة الخندق إذ أن هذه الغزوة كانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين وكان من الاستعدادات بل أهمها ما أشار به سلمان الفارسي من حفر الخندق حول المدينة، وقد استغرق حفر الخندق كما يقول ابن القيم شهرًا كاملًا وقد بلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، أما عمق الخندق فلم يكن أقل من سبعة أذرع والعرض كذلك فرضى الله عن الصحابة الجيل القرآني الفريد.\n* في السنة السادسة من الهجرة:\nفي رمضان سرية غالب بن عبد الله المؤلفة من مائة وثلاثين مسلمًا لقتال بني عبد الله ابن ثعلبة وكانوا قد أعلنوا عداوتهم للمسلمين، فانتصر غالب عليهم وغنم كثيرًا من الخيرات وساقها إلى المدينة.\n* في السنة الثامنة من الهجرة:\nفي العشرين من رمضان كان الفتح الأعظم: \"الذي أعز الله به نبيه ورسوله وجنده وحزبه الأمين واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدي للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجًا\" (١) ودخل فيه رسول الله مكة ومعه عشرة آلاف من كتائب الإسلام وجنود الرحمن، \"وتهيأت مكة الحبيبة وكادت جبالها تزحف فرحًا لاستقبال الأمين البار الصابر المحتسب - ﷺ - ليعيد إلى ربوعها أشعة أنوار دين إبراهيم ﵇ وأخذ التاريخ طرسه\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (٢/١٦٠) .","vol":"1","page":314},{"text":"ليسجل في زهو تلك المفارقة العجيبة الرائعة التي تتجسد فيها أعظم العظات والعبر.\nإن ما شهدته مكة في صباح ذلك اليوم التاريخي الأغر من مفارقات عجيبة رائعة إنما هو إحدى ثمار الثبات على العقيدة السليمة الدافعة كل شيء يعترض سبيلها حتى ولو كان الجبال الراسيات.\nأية مفارقة أروع وأعظم مما كتبه التاريخ في ذلك اليوم الأغر، فلقد كان رسول الله - ﷺ - ولسبع سنوات فقط أهون على قومه في مكة من أي شيء لديهم.\nأجمعوا على قتله وهو بين ظهرانيهم بمكة وهم يعرفون كلهم أنه أبر وأشرف وأطهر وأنبل من عرفته بطحاؤهم.\nقبل سبع سنوات فقط خرجت مكة كلها تبحث عنه في مطاردة جنونية مسعورة وكل فرد يمني بقتل هذا الرجل.\nواليوم تذكر مكة ولا تنسى وهي تقف اليوم يرجف كبار مجرميها تحت رحمة عشرة آلاف محارب يقودهم هذا الرجل الذي أراد أهل مكة أن يجعلوا منه طريدًا لا عودة له.\nتذكر مكة ولا تنسى أن هذا الرجل إياه خرج منها وحيدًا خائفًا يترقب، يترصده الموت من كل مكان.\nوها هو اليوم يعود إلى مكة الحبيبة مرفوع الرأس وضاح الجبين، قد أحاطه الله بالعزة والمنعة وألبسه رداء السيادة ووضع في يده مقابض كل القيادة، قد أحاط به بحر يموج بآلاف الفرسان وآلاف المشاة من جنود الله كلهم يفديه وتحوطه ملائكة السماء.\nوجبريلٌ رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاءُ\nيستقبلهم اليوم أهل مكة في ذلة وانكسار وأيدي كبار مجرميها تتحسس رؤوسهم خوفًا من أن تفصلها عن كواهلهم سيوف الرجل الطريد بالأمس والفاتح العزيز المنتصر اليوم (١) .\nولا شيء عنده إلا العفو الشامل لنبي من أولي العزم صفت نفسه وطهرت. ودخل\n_________\n(١) \"فتح مكة\" لبشاميل (١٧١-١٧٣) .","vol":"1","page":315},{"text":"رسول الله - ﷺ - مكة وهو يقرأ سورة الفتح وذقنه على راحلته متخشعًا. إن رسول الله ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل. دخل رسول الله - ﷺ - مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلثمائة نصب جعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) (١) .\nوعند مسلم \"أتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه وفي يد رسول الله - ﷺ - قوس وهو آخذ بسيتها فلما أتى على الصنم فجعل يطعن في عينه ويقول: \"جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا\".\nوفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا\nويقول الشاعر:\nلو قد رأيت محمدًا وقبيلَهُ ... بالفتح يوم تكسر الأصنام\nلرأيت دين الله أضحى بينًا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام\nإن نصر الله يجيئ به الله في الوقت الذي يقدره، في الصورة التي يريدها، للغاية التي يرسمها، وليس لأحد من أمره شيء، وحسب الناس أن يقيمهم الله حراسا لدينه.\n(وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: ٨١] .\nيجييء الحق بقوته وصدقه وثباته، ويزهق الباطل ويندو فمن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق.\n\"إن الباطل كان زهوقا\"\nفالباطل ينتفخ وينتفج وينفش، لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة، ومن ثَمَّ يحاول أن يموه على العين، وأن يبدو للعين عظيمًا كبيرًا ضخمًا راسخًا، ولكنه هش سريع العطب كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عاليًا ثم تخبوا سريعًا وتستحيل إلى رماد بينما الجمرة الذاكية تدفئُ وتنفع وتبقى، وكالزيت يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء.\n_________\n(١) البخاري عن عبد الله بن مسعود.","vol":"1","page":316},{"text":"إن الباطل إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وإسناد غير طبيعي، فإذا تخلخلت تلك العوامل، ووهت هذه الأسانيد تهاوي وانهار فأما الحق فمن عند الله الذي جعل الحق من أسمائه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء وإن وقفت ضده الأهواء والسلطان.\n\"إن الباطل كان زهوقا\" ومن ورائه الشيطان، ومن ورائه السلطان، ولكن وعد الله أصدق وسلطان الله أقوى، وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان، إلا وذاق معه حلاوة الوعد وصدق العهد، \"ومن أوفى بعهده من الله؟ ومن أصدق من الله حديثًا\" (١)؟!\nلما سمع حماس بن قيس الديلي برسول الله - ﷺ - جلس يصلح سلاحه، فقالت له امراته: لمن تعد هذا؟ قال لمحمد وأصحابه، فإني أرجو أن أخدمَك منهم خادمًا فإنك إليه محتاجه.\nقالت: ويحك لا تفعل ولا تقاتل محمدًا، والله ليضلنّ هذا عنك لو رأيت محمدًا وأصحابه.\nقال: سترين. وبعدها بقليل أقبل حماس منهزمًا حتى أتى بيته فدقه ففتحت امرأته فدخل، وقد ذهبت روحه، فقالت: أين الخادم الذي وعدتني ما زلت منتظرتك منذ اليوم، تسخر به.\nقال: دعي عنك هذا أغلقي بابك فإنه من أغلق بابه فهو آمن ثم قال شعرًا:\nوأنت لو شهدتنا بالخندمه ... إذ فر صفوان وفرّ وعكرمه\nوأبو يزيد كالعجوز المؤتمه ... إذ يلحقونا بالسيوف المسلمة\nيقطعن كلّ ساعد وجمجمة ... ضربا فلا يُسمع إلا غمغمه\nلهم زئير خلفنا وهمهمة ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة (٢)\nقال تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ...) [النصر: ١، ٢] .\nقال ابنُ كثير: \"والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولًا واحد فإن أحياء العرب كانت\n_________\n(١) \"الظلال\" (٤/٢٢٤٧- ٢٢٤٨) .\n(٢) \"فتح مكة\" محمد أحمد شاميل (ص ١٧٨- ١٧٩)، نقلًا عن سيرة ابن هشام (ج ٤/٥٠)، و\"مغازي الواقدي\" (٢/٢٨٧)، \"البداية والنهاية\" (٤/٢٩٧) .","vol":"1","page":317},{"text":"تتلوم (١) بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ولله الحمد والمنة. وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله - ﷺ - وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-168> هدم الأصنام:</span>-\n\"هبل ... العزّى ... سواع.... مناة\" رمضان سنة ٨ هـ، هدم اللات رمضان سنة ٩ هـ\".\n* كان من فضل رمضان أن هدمت في أيامه الغرّ سائر الأصنام وقد كانت للأصنام في جزيرة العرب قصة مظلمة سوداء طمس ظلامها نور الإسلام، وأزال قتامها إشراق الإيمان، واسْتخزت الأوثان، واجتثت الأصنام.\nففي العشرين من رمضان سنة ثمان للهجرة، دخل رسول الله - ﷺ - مكة فاتحا، وكانت الأصنام منصوبة حول الكعبة، فأخذ طرف رمحه، وجعل يطعنها في عيونها ووجوهها فتهوي تحت قدميه وهو يردد: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: ٨١] ثم أمر بها فكفئت على وجوهها وأخرجت من المسجد وأضرمت فيها النار وكان على رأسها \"هبل\".\nهبل كان أعظم أصنامها في جوف الكعبة، وكان من عقيق أحمر على صورة إنسان، وقد كان مكسور اليد اليمنى فجعلوا له يدًا منْ ذهب فذهب هبل إلى مزبلة التاريخ ... وتلاشت من الوجود \"اعل هبل\".\n* وأرسل رسول الله - ﷺ - عمرو بن العاص في رمضان سنة ٨ هـ فهدم سواع.\n* ومناة التي كانت الدماء تمنى عنده وتراق تقربا إليه وسموا أولادهم به؛ من ذلك \"عبد مناة\" و\"زيد مناة\" وعظمته الأوس والخزرج كأشد تعظيم.\n_________\n(١) تتلوم: أي تنتظر.","vol":"1","page":318},{"text":"* في الرابع والعشرين من رمضان سنة ثمان للهجرة، بعث الرسول ﵊ سعد بن زيد الأشهلي إلى \"مَنَاة\" فهدمها، ولم يجد في خزانتها شيئًا.\n* وفي الخامس والعشرين من رمضان سنة ٨ هـ أرسل رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد ﵁ في ثلاثين فارسا من أصحابه، وأمرهم بهدم \"العزّى\" وكان سدنتها وحجابها من بني \"شيبان\" فلما سمع سادنها بمسير خالد إليه، علّق سيفا عليها وأنشدها قوله:\nأَيَاعُزُّ شُدِّي شَدَّةً لا شَوَى (١) لَهَا ... على خالدٍ أَلْقِي القِناعَ وشمِّرِي\nأَيَا عُز إِنْ لم تَقْتُلي المرءَ خَالدًا ... فبُوئي بإثمٍ عاجلٍ، أَو تَنَصَّرِي\nفلما انتهى إليها خالد هدمها وهو يردد:\nيا عُزَ كُفرانَكِ لا سُبحانك ... إني رأيتُ الله قد أهانكِ\nنعم.. أهان الله أكبر صنم كان يعبد من دون الله في جزيرة العرب عزى التي حمت لها قريش حرما، وأقاموا عندها منحرا للهدي، وبكى على يومه هذا سعيد بن العاص.. إذْ لماّ جاءه الموت دخل عليه أبو لهب يعوده فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا أُحَيحة؟ أمن الموت تبكي ولا بدّ منه!! قال: لا ولكني أخاف ألا تعبد \"العزّى\" من بعدي قال أبو لهب: والله ما عُبدت في حياتك من أجلك، حتى تترك عبادتها بعد موتك.\n* وفي رمضان سنة تسع للهجرة وفدت ثقيف صاحبة \"اللات\" على الرسول - ﷺ - تعرض إسلامها عليه، ويسألونه أن يترك لهم \"اللات\" ثلاث سنين لا يهدمها.. فأبى الرسول - ﷺ - ذلك، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأدى عليهم ذلك، حتى سألوا شهرا واحدا، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمّى، وأصر على هدمها، فسألوه ألا يهدموها بأيديهم. فأرسل الرسول - ﷺ - معهم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة لهدم \"اللات\"، فلما بلغا \"الطائف\" خرجت نساء ثقيف حُسّرا يبكين آلهتهن، ويندبنها ويزرين على رجالهن الذين أسلموها. ولما همّ المغيرة بهدمها قال لأبي سفيان: ألا أضحكك من ثقيف؟ قال: بلى.... فأخذ الفأس وضرب به \"اللات\" ضربة واحدة، ثم صاح وخرّ على وجهه\n_________\n(١) أي لا تبقي على شيء.","vol":"1","page":319},{"text":"كأنه صُعق، فارتجّت الطائف بالصياح سرورًا بأن اللات قد صرعت المغيرة، وأقبلوا عليه يقولون:\nويحك، كيف رأيتها؟ إنها تُهلك من عاداها ... إنهاْ تهلك من عاداها، فقام المغيرة\nيضحك من القوم، ثم أقبل على اللات يضربها بمعوله وهو يقول: \"الله أكبر، الله أكبر.. لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... أحدٌ فردٌ صمد.\n* وفي السنة التاسعة من الهجرة:\nفي رمضان كانت عودة الرسول - ﷺ - من غزوة تبوك المظفرة.\n* وفي السنة الثالثة عشرة من الهجرة:\nوفي رمضان كانت معركة \"البويب\".\nقال ابنُ كثير في \"البداية والنهاية\" (٧/٣٠):\n\"وكانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام\".\n\"فقد بعث أمراء الفرس جيشًا لهم بقيادة مهران واكتمل صف المسلمين تحت إمرة المثنى بن حارثه، فتوافوهم وإياهم بمكان يقال له \"البويب\" قريب من مكان الكوفة اليوم وبينهما الفرات قالوا: إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم، فقال المسلمون: بل اعبروا إلينا فعبرت الفرس إليهم فتوافقوا، وذلك في شهر رمضان. فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، وعبأ الجيش وجعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجيلة وجماعة من سادات المسلمين. وقال المثنى لهم: إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا. فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول، فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم. واقتتلوا قتالًا شديدًا، ورأى المثنى في بعض صفوفه خللًا فبعث إليهم رجلًا يقول: الأمير يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا. فلما رأى ذلك منهم -وهم بنو عجل- أعجبه وضحك وبعث إليهم يقول: يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا الله","vol":"1","page":320},{"text":"ينصركم، وجعل المثنى والمسلمون يدعون الله بالظفر والنصر. فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، وحمل على مَهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة.\nقال محمد بن إسحاق: وحمل المنذر بن حسان بن ضرار الضبي على مهران قائد الفرس فطعنه واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي، وهربت المجوس وركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلًا، وسبق المثنى بن حارثه إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون. فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن بعد إلى الليل فيقال: أنه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف ولله الحمد والمنة وغنم المسلمون مالًا جزيلًا وطعامًا كثيرًا، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر بن الخطاب -﵁- وقد قتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بشر كثير أيضًا، وذلت لهذه الموقعة رقاب الفرس، وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة فغنموا شيئًا عظيمًا لا يمكن حصره.\nقال الأعور العبدي:\nهاجت لأعورَ دارُ الحي أحزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس حسانا\nوقد أرانا بها والشمل مجتمع ... إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا\nإذا كان سار المثنى بالخيول لهم ... فقتل الزحف من فرس وجيلانا\nسما لمهران والجيش الذي معه ... حتى أبادهم مثنى ووحدانا (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>فتح النوبة ومعاهدة القبط </span>سنة ٣١ هـ:\n\"سينقلنا الحديث إلى منطقة من مناطق المسلمين لنتعرف على بداية دخول الإسلام لها بعد معركة من معارك المسلمين العظيمة تمخضت عن عهد كان له عظيم الأثر في انتشار الإسلام في تلك البقاع.\nأما المنطقة فهي بلاد النوبة الواقعة جنوب مصر، وأما قائد هذه المعركة فهو الصحابي الجليل عبد الله بن سعد بن أبي سرح.\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٧/٢٩-٣٠) .","vol":"1","page":321},{"text":"بدأت علاقة المسلمين بهذه المنطقة بعد فتح مصر على يد عمرو بن العاص -﵁-، فقد أرسل حملة إلى بلاد النوبة بقيادة عقبة بن نافع الفهري ﵀ فدخل تلك البلاد، ولقي المسلمون قتالًا شديدًا، حيث كان النوبيون يُجيدون الرمي بالسهام فرشقوهم بالنبل حتى جرح عامتهم، فانصرف المسلمون وقد فقئت حدق الكثير منهم من جراء النبل ولذا سموهم \"رماة الحدق\"، وتمخض عن هذه الحملة عقد صلح بينهم وبين المسلمين تقررت من جرائه الهدنة.\nوظلَّ الوضع على ذلك حتى تولى ولاية مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان -﵁-، فنقض النوبيون الصلح وهاجموا صعيد مصر وأفسدوا فيه، فخرج عبد الله بن أبي سرح بجيش تعداده عشرون ألفا وتوغل في بلادهم جنوبا ووصل عاصمتهم دنقلة فحاصرها حصارا شديدا ورماها بالمنجنيق وضيق على أهلها حتى اضطروا للتسليم، وطلب ملكهم \"قليدور\" الصلح، وخرج إلى عبد الله ابن أبي سرح، وأبدى ضعفا ومسكنة وتواضعًا فتلقاه عبد الله وقرر الصلح معه وعقدت بين الجانبين معاهدة فريدة من نوعها، كان لها عظيم الأثر على عملية انتشارالإسلام في شرق القارة الإفريقية، وكان ذلك في شهر رمضان من سنة احدى وثلاثين هجرية.\nوجاء في هذه المعاهدة:\n\"عهدٌ من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعظيم التوبة ولجميع أهل مملكته: عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة، من أرض أسوان إلى حد أرض علوة أن عبد الله جعل لهم أمانًا وهدنة:\nإنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد - ﷺ - أن لا نحاربكم، ولا نَنْصُبَ لكم حربًا، ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم\".\nثم يعدد العهد الشرائط تلك ومنها:\n- عليكم حفظ من نزل بلادكم أو يطرقه من مسلم أو معاهد حتى يخرج عنكم.\n- وعليكم رد من لجأ إليكم من مسلم محارب للمسلمين وأن تخرجوه من بلادكم.\n- وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه","vol":"1","page":322},{"text":"مصليا، ولا تعرضوا لمسلم قصده وجاور فيه إلى أن ينصرف عنكم، وعليكم كنْسه وإسراجه وتكرمته.\n- وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأسًا تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم.\nعلينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد - ﷺ - ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به ... الله الشاهد بيننا وبينكم. وكتب عمر بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين هجرية.\nهذا هو عقد الصلح الذي تم بين المسلمين وبين النوبة، وإذا نحن تمعنَّا في بنوده وجدناها عوامل مهمة لنشر الإسلام في تلك البلاد.\nولربما كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد أدرك صعوبة فتح تلك المناطق لوعورة تضاريسها ولشدة أهلها في القتال، فأراد أن يوفر بهذه المعاهدة مناخًا مناسبًا لانتشار الإسلام بصورة سلمية.\nولقد حصل هذا فعلًا فظلت المعاهدة أساسا للعلاقات بين المسلمين وبين النوبة حتى انتشر الإسلام فيها، وأصبحت بذلك جزءًا من العالم الإسلامي.\nولنعد إلى بنود المعاهدة لنرى أثرَها في ذلك.\nكان من أول الشروط التي اشترطها عبد الله -﵁- حفظ من دخل النوبة من المسلمين وهو بهذا يضمن سلامة الدعاة المسلمين، وكذلك التجار، فيدخلون إلى تلك المناطق، ويقومون بدعوة أهلها إلى الإسلام دون عوائق.\nحيث إنهم تحت حماية الدولة الإسلامية، ولو كانوا خارج حدودها في بلاد النوبة.\nواستفاد الدعاة من هذا الشرط، وتوغّلوا في تلك البلاد حتى وصلوا الحبشة وأواسط السودان الحالية، واستطاعوا تحويل أهلها إلى الإسلام.\nومن الشروط كذلك: حفظ المسجد الذي بني خارج عاصمة النوبة \"دنقلة\" بل واشترط عليهم كنسه وإسراجه وتكرمته وعدم منع المسلمين من الصلاة أو الإقامة فيه.","vol":"1","page":323},{"text":"وهكذا ضمنت هذه المعاهدة بقاء مركزٍ للدعوة الإسلامية في تلك البلاد النصرانية، ذلك أن المسجد هو منطلق الدعوة ومركزها، وكان أول عمل يقوم به الدعاة هو بناء المساجد ومن ثم تبدأ الدعوة منها، ولا زال المسجد يقوم بدور كبير في القارة الأفريقية حتى الآن، بمعنى أنه يؤدي وظيفته الحقيقية. وقد ظلَّ مسجد \"دنقلة\" الذي بناه المسلمون منذ سنة إحدى وثلاثين هجرية فترة زمنية طويلة يؤدي رسالته في الدعوة الإسلامية، ويؤمه الدعاة من مختلف أقطار العالم الإسلامي فيستقرون فيه أو حوله ويدعون الناس إلى الإسلام مما كان له عظيم الأثر في تحطم الوجود النصراني والقضاء عليه.\nوفي الشرط الأخير من شروط المعاهدة تعهد النوبيون بدفع ثلاثمائة وستين رأسًا من الرقيق إلى والي المسلمين، ولقد كانت النوبة منذ القدم تشتهر بتصدير هؤلاء الرقيق فرأى قائد المسلمين عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن يستأثر بهؤلاء الرقيق للدولة الإسلامية، فإذا سُلِّموا للمسلمين أصبحوا مماليك دولة لا رقيق: أفراد، وينتج عن ذلك عدد من النتائج:\nفهؤلاء يتحولون إلى الإسلام وينقذون من الكفر والضْلال لأنهم في الأصل إما من النصارى أو الوثنيين، ولذلك فقد قال أحدهم لتاجر أوروبي لقيه في مصر: إننا في الحقيقة لا نأتي من الحرية للرق، بل إننا نأتي من الرق الحقيقي والعبودية للبشر لنصبح أحرارًا بالإسلام، وقد كان لهؤلاء بعد إسلامهم شأن في الدولة الإسلامية فكان منهم الجند والوزراء بل والولاة أحيانا، وبعض هؤلاء يؤثر العودة إلى موطنه بعد إسلامه فيعود إليها داعيًا للإسلام، وهكذا فلم يمض القرن الثامن الهجري حتى أصبحت بلاد النوبة كلها بلادًا إسلامية وأهلها قد اعتنقوا الإسلام، وذلك بطريقة سلمية جراء تأثير بنود هذه المعاهدة، وفي هذا ما يدحض تلك الفرية التي طالما ردَّدها الغربيون وتلامذتهم وهي أن الإسلام لا ينتشر إلا بالقوة والسيف.\nرضي الله عن عبد الله بن أبي سرح الذي مهد الطريق لنشر الإسلام في تلك البقاع\" (١) .\n_________\n(١) \"من معارك المسلمين في رمضان\" للدكتور عبد العزيز بن راشد العبيدي (ص ٣٩-٤٢) - مكتبة العبيكان وانظر \"فتوح البلدان\" للبلاذري (ص ٣٣١)، و\"الخطط\" للمقريزي (١/٢٠٠)، و\"فتوح مصر\" لابن عبد الحكم (ص ١٨٨) .","vol":"1","page":324},{"text":"فتح جزيرة رودس سنة ٥٣ هجرية:\n* فى رمضان سنة ٥٣ هـ \"افتتح المسلمون وعليهم جنادة بن أبي أمية جزيرة رودس وأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شيء على الكفار يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>سنة ٦٧ هـ زالت دولة المختار الثقفي:</span>\nقتل المختار في رابع عشر رمضان سنة سبع وستين هجرية.\nركب مصعب بن الزبير والي البصرة على رأس جيش لملاقاة جيش المختار فقطعوا دجله إلى الكوفة واقتتلوا قتالًا شديدًا إلى الليل وقتل أعيان المختار وتفرق أصحاب المختار عنه \"وأشار عليه جماعة من أساورته أن يدخل القصر دار إمرته، فدخله وهو ملوم مذموم، وعن قريب ينفذ فيه القدر المحتوم، فحاصره مصعب فيه وجميع أصحابه حتى أصابهم من جهد العطش ما الله به عليم وضيق عليهم المسالك والمقاصد، وأفسد عليهم أبواب الحيل، وليس فيهم رجل رشيد ولا حليم، ثم جعل المختار يحيل فكرته، ويكرر رويته في الأمر الذي قد حلّ به واستشار من عنده في هذا السبب السييء الذي قد اتصل سببه بسببه من الموالي والعبيد، ولسان القدر والشرع يناديه (قل جاء الحق وما يبديء الباطل وما يعيد) [سبأ: ٤٩]، ثم قوي عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه على أن أخرجته من بين مَن كان يحالفه ويواليه، ورأى أن يموت على فرسه، حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه، فنزل حمية وغضبًا، وشجاعة وكلبًا، وهو مع ذلك لا يجد مناصًا ولا مفرًا ولا مهربًا وليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر، ولعله إن كان قد استمر على ما عاش عليه أن يفارقه التسعة عشر الموكلون بسقر، ولما خرج من القصر سأل أن يخلى سبيله فيذهب في أرض الله فقالوا له إلا على حكم الأمير، والمقصود أنه لما خرج من القصر تقدم إليه شقيقان أخوان وهما طرفة وطراف ابنا عبد الله بن دجاجه فقتلاه بمكان الزياتين من الكوفة واحتزا رأسه وأتيا به مصعب بن الزبير زالت دولة المختار، وكذلك سائر الدول، وفرح المسلمون بزوالها\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٨/٦٣) .","vol":"1","page":325},{"text":"وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقًا، بل كان كاذبًا يزعم أن الوحى يأتيه على يد جبريل ولما دخل زيد بن الأرقم عليه قال له: يا أبا عامر لو شفت رأي جبريل وميكائيل، فقال له زيد، خسرت وتعست، أنت أهون على الله من ذلك، كذاب مفتر على الله ورسوله (١) .\nوفي حديث أسماء عند أحمد أن أسماء قالت للحجاج \"والله لقد أخبرنا رسول الله - ﷺ - أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول\".\nوعند مسلم عنها أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن في ثقيف كذابًا مبيرا\".\nقال ابن كثير: \"وقد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة، وأسر إلى أخصائه أنه يوحى إليه، ولكن ما أدري هل كان يدعي النبوة أم لا، وكان قد وضع له كرسي يعظم ويحف به الرجال، ويستر بالحرير ويحمل على البغال، وكان يضاهي به تابوت بني إسرائيل المذكور في القرآن، ولا شك أنه كان ضالًا مضلًا أراح الله المسلمين منه\" (٢) .\n\"روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني عنده، وكان يتعاهد مبيتي بالليل قال: فقال لي: اخرج فحدّث الناس، قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان قال الله تعالى: (بما أوحينا إليك هذا القرآن) [يوسف: ٣]، وقال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) [الأنعام: ١١٢]، قال: فهموا أن يأخذوني فقلت: ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم، فتركوني، وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحى ينزل عليه\".\nوقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحىَ يأتيه، فقال صدق قال تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) [الأنعام: ١٢١] (٣) .\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٨/٢٩٠-٢٩٥) .\n(٢) \"البداية والنهاية\" (٨/٢٩٥) .\n(٣) \"البداية والنهاية\" (٨/٢٩٤) .","vol":"1","page":326},{"text":"غزوة طريف سنة ٩١ هجرية:\nبعث موسى بن نصير رجلًا من البربر يسمى طريفًا (*) ويكنى بأبي زرعة، في مائة فارس وأربعمائة راجل فجاز في أربعة مراكب حتى نزل ساحل البحر بالأندلس فيما يحاذي (طنجه) وهو المعروف اليوم بـ (جزيرة طريف) سميت باسمه لنزوله هناك فأغار منها على ما يليها إلى جهة الجزيرة الخضراء وأصاب سببًا ومالًا كثيرًا ورجع سالمًا أو كانت أجازته في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين هجرية\" (١) .\nفتح الأندلس في رمضان سنة ٩١ هـ:\nعلى يد طارق بن زياد مولى موسى بن نصير.\nيقول المقري في \"نفح الطيب\": \"ذكر عن طارق أنه كان نائمًا في المركب فرأى في منامه النبي - ﷺ -، الخلفاء الأربعة أصحابه -﵃- يمشون على الماء حتى مروا به، فبشره النبي - ﷺ - بالفتح، وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد.\nوقيل: إنه لما ركب البحر غلبته عينه فكان يرى النبي - ﷺ -، وحوله المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسى فيقول له رسول الله - ﷺ -: يا طارق تقدم لشأنك، ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدّامه، فهبّ من نومه مستبشرًا، وبشر أصحابه وثابت إليه نفسه ثقة ببشراه، فقويت نفسه ولم يشك في الظفر\" وعسكر لزريق ملك أسبانيا مائة ألف وجيش طارق اثنا عشر ألف وفي وادي (لكه) يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان ونصر الله المسلمين نصرًا لا كفاء له، واتصلت الحرب بينهم إلى يوم الأحد لخمس خلون من شوال وهزم الله المشركين، فقتل منهم خلق كثير، أقامت عظامهم بعد ذلك بدهر طويل ملبّسه لتلك الأرض، قالوا: وحاز المسلمون من عسكرهم ما يجل قدره، فكانوا يعرفون كبار العجم وملوكهم بخواتيم الفضة ويميزون عبيدهم بخواتيم النحاس.\n_________\n(*) طريف بن ملوك المعافري هكذا سماه الحميدي، ويسميه المقري: طريف البربري، ويسميه ابن خلدون: طريف ابن مالك النخعي.\n(١) \"قادة فتح المغرب العربي\" (ص ٢٤٤-٢٤٥) نقلًا عن \"البيان المعزب\" (٢، ٦) - \"نفح الطيب\" (١/٢١٤) .","vol":"1","page":327},{"text":"ورمى \"لُذرَيق\" نفسه في وادي (لكه) وقد أثقله السلاح، فلم يعلم له خبر ولم يوجد، وقالوا إن المسلمين وجدوا فرسه الأشهب الذي فقدوه وراكبه وقد ساخ الفرس طين وحمأه، وغرق العلج ولم يوجد حيًا ولا ميتًا.\nيقول طارق بن زياد في فتح الأندلس:\nركبا سفينا بالمجاز مُقيّرا ... عسى أن يكون الله مناقد اشترى\nنفوسًا وأموالًا وأهلًا بجنة ... إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسّرا\nولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا ... إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا\nرحم الله طارقًا.. مولى موسى.. معذرة بل سيد من السادات وغيره العبيد وإن كان ملوكًا سيقوا إلى مدريد في يوم احتفالهم بخروج المسلمين ليكتبوا وثيقة الذل والعار مع اليهود والصليبيين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>وقفة على أبواب مدريد</span>\nعذرًا رُبى المجد، إنَّ القومَ قد هانوا ... وإنهم في أيادي المعتدي لانوا\nعذرًا فما ردَّهم عمَّا يُحاك لهم ... وعيٌ، ولا ردَهم دينٌ وقرآنُ\nعذرًا فأروقة الأحزان حافلة ... وساحة الفرح المقتول قيعانُ\nعذرًا فبحر المآسي لم يزلْ لجبًا ... يموج في مائه قرش وحيتانُ\nعذرًا فإنَّ بلاد العرب لاهيةٌ ... تضج في صدرها عبسٌ وذبيانُ\nأما ترين روابي الشعر هامدةٌ ... فمالها اليوم أوراقٌ وأغصانُ\nقصيدتي ذَبُلتْ ممّا يداهمها ... من الجفاف، وطرف الشعر سهرانُ\nتنكّبتْها غيومُ اللحن، ما ابتهجتْ ... خصبًا، ولا استبشرت بالغيث أفنانُ\nولوحة الصمت، فيها ألفُ دائرة ... مرسومة، ما لها في الفنِّ ميزانُ\nما لامستها يدٌ بالرسم ماهرةٌ ... ولا سقاها شرابَ الحبر فنَّانُ\nرأيتُ فيها خطوطًا لا حدودَ لها ... وليس يفهمها إنْسٌ ولا جان","vol":"1","page":328},{"text":"رأيت في بعضها رأسًا أشبهه ... بحيَّة، شدَّها للخلف ثعبانُ\nرأيت غصنًا من الزينون تأكله ... رصاصةٌ، ووراءَ الغصن \"كاهانُ\"\nمن حوله أحرفٌ عِبريّةٌ نُقشتْ ... وليس فيها عن الألغاز تبيانُ\nكان الغبارُ يُواريها، وحين جلا ... بدا لعينى شاميرٌ و\"ديَّان\"\nولاح لي في مداها وجهُ أندلسٍ ... جبينهُ لسباق الحزنِ ميدانُ\nيا وجهَ أندلسٍ، في أُفْقنا سحبٌ ... من الدخان، وفي الأدغال بركانُ\nطارت إليك وفود العرب، في فمها ... بوقٌ، وبين يديها الطبلُ رنَّانُ\nشاميرُ يسخر منهم، من تطلعهم ... إلى السراب، ألا فَلْيَروْ ظَمآنُ\nلو أبصرتهم عيون الداخل امتلأت ... قذىً، وأغضتْ على الأشواك أجفانُ\nولو رأى طارقٌ تلك الوجوهَ، لَماَ ... عصاه سيفٌ، ولا عاقته أكفانُ\nكأنني بقلاع المجد قد وجمتْ ... لماَّ أتاها بروح الذل \"عُربانُ\"\nيا بؤسَها أمةً يسعى بحاجتها ... لصُّ، وبائع أفيون، وسجَّانُ\nتُدعى إلى الملتقى باسم السلام، ولم ... يُرفع لها بين أهل الملتقى شانُ\nيقام حفلٌ لها من حُرِّ ثروتها ... ولم يُقدم لها في الحفل فنجانُ\nيا بؤسها أمةً، في الحرب خاسرةٌ ... ولا يفارقها في السلم خُسرانُ\nإن حاربتْ شربتْ كأس الهزيمة في ... ذل، وإنْ فاوضت فالذل ألوانُ\nأنَّى تقوم لها في الكون قائمةٌ ... وقلبها غارق في الوهم حيرانُ\nيا من رحلتم إلى مدريدَ، قربتُكم ... مخروقة، وجِرَابُ الخصم ملاَنُ\nبشراكم اليومَ، إسرائيل راضيةٌ ... عنكم، وفي قلبها شكر وعرفانُ\nبشراكم اليوم، أمريكا تبجّلكم ... وفي يدَي روسيا \"فلٌ وريحانُ\"\nأما فلسطين، والأقصى وأمتكم ... فما لها عندكم قدرٌ ولا شانُ","vol":"1","page":329},{"text":"يا من رحلتم إلى مدريد، أمتكم ... بريئة، وادّعاءُ السِّلم بُهتانُ\nالقدس أكرم عند الله منزلةً ... من أنْ يطهرها لهوٌ وعصيانُ\nالقدس أعظم عند الله منزلةً ... من أن يخلصِها ذلٌ وإذعانُ\nسلام أعدائكم حرب معلَّبةٌ ... في علبة الوهم، والبرهانُ لبنانُ\nلو كان شامير إنسانًا لضلَّلكم ... فكيف، وهو على التحقيق شيطانُ\nإنا ننادي، وللتاريخ حَمْحَمَةٌ ... من حولنا، وفؤاد المجد غضبانُ\nيا مجلس الذل في مدريدَ لا نظرتْ ... عينٌ، ولا سمعت دعواكَ آذانُ\nلنا طريقٌ إلى العلياء نعرفه ... يشدو به حجر في القدس صَوَّانُ\nيشدو به الطفل لحنًا لا يقاومه ... صوت الرصاص، ولا تُخفيه حيطانُ\nيامجلس الذل في مدريدَ منهجُنا ... قد صاغه في رُبى باميرَ أفغانُ\nطريقنا واضحٌ كالشّمس، تعرفه ... أجيالُنا، بابُه عزمٌ وإيمانُ\nآمالُنا لم تزل خضرَاءَ يانعةً ... في القلب منتجع منها وبُستانُ\nولينا الله لا نرضى به بدلًا ... وكيف ييأس مَنْ مولاه رحمان (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>فتوح المسلمين في فرنسا </span>سنة ١٠٢ هـ:\nبعد أن استقر المسلمون في الأندلس، بدأت غزواتُهم تتجه نحو الشمال فيما وراء جبال البرانس الفاصلة بين الأندلس وفرنسا، وتولى قيادة الجيوش الإسلامية آنذاك عدد من القادة المسلمين الذين تفرغوا للجهاد في سبيل الله فمات أكثرهم في ساحات القتال، ﵏.\nبدأت الفتوح في تلك المناطق في عهد عبد العزيز بن موسى بن نصير، الذي تولى الأندلس بعد رحيل والده، ولم تحدد المصادر التاريخية مدنًا أو نواحي معينة فتحها.\nوتوالى الولاة على الأندلس حتى إذا تولى السمح بن مالك الخولاني اتجه نحو الجهاد فى\n_________\n(١) من ديوان \"عندما تشرق الشمس\" لعبد الرحمن العشماوي (ص ٢٤-٢٧) .","vol":"1","page":330},{"text":"جنوب فرنسا، والحقيقة أن هذا الوالي كان من أفاضل عربِ أفريقية، ولّاه الخليفة عمر بن عبد العزيز ولاية الأندلس لما عرف عنه من الأمانة وحسن الخلق وذلك في شهر رمضان سنة مائة هجرية وطلب منه تنظيم البلاد وضبط أموالها، فسار في ذلك سيرة حسنة.\nوفي عهده نشطت حركة الفتوح فيما وراء جبال البرانس، الفاصلة بين الأندلس وفرنسا، لأنه كان رجلًا وثيق الإيمان جم النشاط، فانطلق بجيشه في عام اثنين ومائة وفتح إقليم \"سبتمانيا\"، وهي المنطقة الساحلية التي تمتد من البرانس غربًا إلى مصبِّ نهر الرون شرقا، وتتصل بما يعرف اليوم بالريفيرا الإيطالية، كما أنها تُطلُّ على البحر الأبيضِ جنوب فرنسا، وكانت تشمل سبعة أقسام إدارية وعاصمتها \"أربونة\"، وقد استولى السمح على هذه العاصمة بعد شهر من الحصار، واتخذها مركزًا وقاعدة لعملياته الحربية في فرنسا، ولا يزال يوجد بهذه المدينة شارع يُنسب إليه ويعرف \"بشارع السمح\".\nانطلق السمح بعد ذلك يفتح كل المدن التي بطريقه حتى وصل إلى \"طُولوشة عاصمة أكويتانيا\" فحاصرها، غير أنها قاومت الحصار، حتى وصلتها الإمدادات وعلى رأسها حاكم الإقليم الدوق أود الفرنجي، فتجمع للنصارى جيش كبير يفوق جيش المسلمين عددًا وتجهيزا، فوقف السمح في جنوده يُحمِّسهم ويشد من أزرهم ويقرأ قول الله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالبَ لكم) [آل عمران: ١٦٠] وحدثت معركة عنيفة بين المسلمين والنصارى أواخر سنة اثنتين ومائة هجرية، واشتد القتال بين الجانبين وصبر المسلمون صبرًا كريمًا، وأصاب قائدهم سهم قاتل فاستشهد في يوم عرفة، وفتَّ ذلك في عضد الجند فتراجعوا عن طولوشة واستطاع واحد من قادته وهو عبد الرحمن الغافقي الارتداد بهم إلى أربونة بعد أن قُتل منهم عدد كبير.\nخلف السمح على ولاية الأندلس عنبسة بن سُحيم الكلبي، وواصل الغزو في فرنسا الجنوبية، فسار على الساحل حتى وصل إلى \"قرقشونة\" فحاصرها وشدد عليها الحصار حتى نزل أهلُها على شروطه، فتنازلوا له عن البلد ونصف الإقليم المحيط به، وتعهدوا بردِّ أسرى المسلمين الذين كانوا عندهم، وبأن يدفعوا الجزية، ويلتزموا بأحكام أهل الذمة من محاربة من حاربه المسلمون ومسالمة من سالموه، وأخذ منهم عنبسة بعض الرهائن وأرسلها إلى \"برشلونة\".","vol":"1","page":331},{"text":"وواصل عنبسة -﵀- سيره، ووجد الطريق أمامه خالية، فسار مسرعًا دون أن يلقى مقاومة، وصعد حتى أدرك نهر الساءون فاستولى على أوتون، واستمر في زحفه الظافر فقذف الله في قلوب الكفار الرعب فلم يتصد أحد منهم للمسلمين إلا لطلب الصلح، واجتاح المسلمون مدينة أوزه، وفيين، وفالنسي ووصلوا إلى مدينة ليون التي يسميها العرب \"حصن لودون\"، كذلك زحفوا على مدينة ماسون، وشالون، ووصلوا إلى مدينة \"سانس\" عاصمة إقليم \"يوند\" على بعد ثلاثين كيلوا مترًا فقط جنوبي باريس، وقد تصدت هذه المدينة للزحف الإسلامى فكانت آخر ما وصل إليه المسلمون.\nويبدو أن القائد المسلم عنبسة بن شحيم قد أدرك بعد هذا التقدم الظافر الذي جعله يقترب من باريس أنه توغل في قلب فرنسا أكثر مما ينبغي، فقد طالت خطوط العودة فخشى أن تقطع عليه بعد أن ابتعد مسافة ألف ميل شمالي قرطبة، كما أن أحوال الأندلس قد بدأت تتغير بظهور العصبيات المختلفة، مما دعاه إلى العودة بعد هذا النصر العظيم.\nوقد أثارت هذه الفتوح المخاوف في نواحي فرنسا، وارتاعت معظم الدوقيات وشعرت مملكة الفرنج أنها أمام خطر حقيقي، وبدا واضحا أن الحملة المقبلة ستكون حملة حاسمة.\nوالحقيقة أن أحوال الأندلس في ذلك الوقت قد أثرت كثيرًا على هذه الفتوح الإسلامية، ولولاها لما توقف عنبسة عن فتوحه الموفقة تلك. وفي طريق العودة داهمت جيشَ المسلمين جموع كبيرة من الفرنجة وجرح عنبسة بجروح بليغة توفى على إثرها في شهر شعبان سنة سبع ومائة هجرية، بعد أن نشر الرعب في نواحي فرنسا ووصل برايات الإسلام إلى قلب أوروبا الغربيّة، وكفاه ذلك فخرًا حيث لم يدرك هذا الشأو بعد ذلك قائد مسلم آخر (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>سنة ٢٢٢ هـ فتح البذ مدينة \"بابك الخرمي</span>\":\nجهّز المعتصم جيشًا كثيرًا للأفشين على محاربة \"بابك\" وبعث إليه ثلاثين ألف ألف\n_________\n(١) \"من معارك المسلمين في رمضان\" (ص ٥٠-٥٢) .","vol":"1","page":332},{"text":"درهم نفقة للجند، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، وافتتح \"الأفشين\" \"البذ\" مدينة \"بابك\" واستباح ما فيها وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان وذلك بعد محاصرة وحروب شديدة وقتالٍ شديد وجهدٍ جهيد ثم بعد ذلك أمسكوا \"ببابك\" بعد فراره من دار ملكه.\nوقد كان المعتصم شديد العناية بأمر هذا اللعين الذي قتل من المسلمين في مدة ظهوره وهي عشرون سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألف وخمسمائة إنسان.\nقاله ابن جرس وأسر خلقًا لا يحصون وكان من جملة من استنقذه \"الأفشين\" من أسره نحوًا من سبعة آلاف وستمائة إنسان. أراح الله المسلمين من شره بعد ما افتتن به خلق كثير وجم خفير من العوام الطغام (١) .\n\"ولقد توج المعتصم \"الأفشين\" (٢) وقلده وشاحين من جوهر، وأطلق له عشرين ألف درهم، وكتب له بولاية \"السند\" وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه ويمدحوه على ما فعل من الخير للمسلمين وعلى تخريبه بلاد بابك التي يقال لها \"البذ\" وتركه إياها قيعانا خرابًا، فقالوا في ذلك فأحسنوا وكان من جملتهم أبو تمام الطائي قال:\nبذ الجلاد البذُ فهو دفينُ ... ما إن بها إلا الوحوش قطين\nلم يقر هذا السيف هذا الصبر ... في هيجاء إلا عزّ هذا الدينُ\nقد كان عذرة سؤددٍ فافتضها ... بالسيف فحل المشرق الأفشين\nفأعادها تعوي الثعالب وسطها ... ولقد ترى بالأمس وهي عرينُ\nهطلت عليه من جماجم أهلها ... ديم إمارتها طلىً وشؤون\nكانت من المهجات قبل مفازة ... عسرًا فأضحت وهي منه معين\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>سنة ٢٢٣ هـ فتح عمورية على يد المعتصم:</span>\n\"في هذه السنة أوقع ملك توفيل بن ميخائيل بأهل سلطته من المسلمين وما والاها ملحمة عظيمة، قتل فيها خلقا كثيرًا من المسلمين، وأسر ما لا يحصون كثرة، وكان من\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (ج ١٠/٢٩٥) .\n(٢) كان مجوسيًا فكتم مجوسيته أشتهر أمره وافتضح بعد ذلك.","vol":"1","page":333},{"text":"جملة من أسر ألف امرأة من المسلمات ومثل بمن وقع في أسره من المسلمين فقطع آذانهم وأنوفهم وسمل أعينهم -قبحه الله-.\nولما بلغ ذلك المعتصم انزعج لذلك جدًا وصرخ في قصره بالنفير، ثم نهض من فوره وأمر بتعبئة الجيوش واستدعى القاضي والشهود فأشهدهم أن ما يملكه من الضياع ثلثه صدقه، وثلثه لولده، وثلثه لمواليه وخرج بالجيش إعانة للمسلمين فوجدوا ملك الروم قد فعل ما فعل وشمر راجعا إلى بلاده وتفارط ولم يمكن الاستدراك فيه، فقال للأمراء أي بلاد الروم أمنع؟ فقالوا: عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام وهى عندهم أشرف من القسطنطنية\" (١) فعزم على فتحها.\nرب وامعتصماه انطلقت ... ملء أفواه الصبايا اليتم\nصادفت أسماعنا لكنها ... لم تصادف نخوة المعتصم\nتجهّز المعتصم جهازًا لم يجهزه أحد كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه آلات الحرب والأحمال والجمال والقرب والدواب والنفط والخيل والبغال شيئًا لم يسمع بمثله، وسار إلى عمورية في جحافل أمثال الجبال وقدم المعتصم إليها صبيحة يوم الجمعة لستٍ خلون من رمضان فدار حولها دورة ثم نزل قريبًا منها، وقد تحصّن أهلها تحصينًا شديدًا وملؤا أبراجها بالرجال والسلاح، وهي مدينة عظيمة كبيرة جدًا ذات سور منيع وأبراج عالية كبار كثيرة، وقسم المعتصم الأبراج بالأمراء فنزل كل أمير تجاه الموضع الذي أقطعه وعينه له، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين، وكان قد تنصّر عندهم وتزوج منهم، فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبنى بناءً ضعيفا بلا أساس، فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية فكان أول موضع انهدم من سورها ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الأسير فبادر أهل البلد فسدوه بالخشب الكبار المتلاصقة فألحّ عليها المنجنيق لجعلوا فوقها البرادع ليردوا حرة الحجر فلم تعْن شيئًا وانهدم السور من ذلك الجانب وتفسّخ. فكتب نائب البلد إلى ملك الروم يعلمه بذلك، وبعث ذلك مع\n_________\n(١) (البداية والنهاية) (١٠/٢٨٩-٢٩٩) .","vol":"1","page":334},{"text":"غلامين من قومهم فلما اجتازوا الجيش في طريقهما أنكر المسلمون أمرهما فسألوهما من أنتما؟ فقالا: من أصحاب فلان لأمير سموْه من أمراء المسلمين، فحملا إلى المعتصم فقررهما فإذا معهما كتاب من \"مناطس\" نائب عمورية إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار، وأنه عَازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتة على المسلمين ومناجزهم القتال كائنًا في ذلك ما كان. فلما وقف المعتصم على ذلك أمر بالغلامين فخلع عليهما، وأن يعطى كل غلام منهما بدرة، فأسلما من فورهما، فأمر الخليفة أن يطاف بهما حول البلد وعليهما الخلع، وأن يوقفا تحت حصن \"مناطس\" فينثر عليهما الدراهم والخلع، ومعهما الكتاب الذي كتب به مناطس إلى ملك الروم فجعلت الروم تلعنهما وتسبهما، ثم أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط والاحتفاظ من خروج الروم بغتة، فضاقت الروم ذرعًا بذلك، وألحّ عليهم المسلمون في الحصار، وقد زاد المعتصم في المجانيق والدبّابات وغير ذلك من آلات الحرب، ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها، أعمل المجانيق في مقاومة السور وكان قد غنم في الطريق غنمًا كثيرًا جدًا ففرقها في الناس وأمر أن يأكل كل رجل رأسًا ويجيء بملء جلده ترابًا فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الأرض من كثرة ما طرح فيه من الأغنام ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقًا ممهدًا، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج الله إلى ذلك، وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة، فبعث المعتصم من نادى في الناس: إنما ذلك سقوط السور ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا لكن لم يكن ما هدم يسع الخيال والرجال إذا دخلوا، وقوىَ الحصار وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميرًا يحفظه، فضعف ذلك الأمير (١) -وندوا- الذي هدمت ناحيته من السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار فذهب إلى مناطس (٢) فسأله نجدة فامتنع أحد من الروم أن ينجده وقالوا: لا نترك ما نحن موكلون بحفظه.\n_________\n(١) اسمه عند ابن جرير في تاريخه (٥/٢٤١) وتفسيره بالعربية \"الثور\".\n(٢) عند ابن جرير اسمه \"ياطس\".","vol":"1","page":335},{"text":"\"قال \"وندوا \": إن الحرب علىّ وعلى أصحابي، ولم يبق معي أحد إلا جرح، فصيروا أصحابكم على الثلمه يرمون قليلًا وإلا افتضحتم. وذهبت المدينة فأبوا أن يمدوه بأحد\" (١) .\nفلما يئسَ منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به (ليطلب الأمان على الذرية) فلما وصل إليه أمر المعتصم المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد خلت من المقاتلة، فركب المسلمون وتقدموا إلى الثملة، ولم يقدر الروم على دفع المسلمين بعد أن تكاثروا ودخلوا المدينة قهرًا وتتابع المسلمون إليها يكبرون وتفرقت الروم عن أماكنها فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم وقد حشروهم في كنيسة هائلة ففتحوها قسرًا وقتلوا من فيها وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت فأحرقوا عن آخرهم، ولم يبق فيها موضع محصن سوى المكان الذي فيه النائب وهو مناطس في حصن منيع فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه \"مناطس\" فناداه المنادي ويحك يا مناطس! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك فقالوا: ليس بمناطس ها هنا مرتين، فغضب المعتصم من ذلك وولى فنادى مناطس: هذا مناطس ... هذا مناطس، فرجع الخليفة ونصب السلالم على الحصن وطلع عليه الحسن الرومي (٢) فقال له: ويحك انزل على حكم أمير المؤمنين، فتمنع ثم نزل متقلدًا سيفًا فوضع السيف في عنقه ثم جِيءَ به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضربه بالسوط على رأسه ثم أمر به أن يمشى إلى مضرب الخليفة مهانًا إلى الوطاق الذي فيه الخليفة نازل فأوثق هناك. وأخذ المسلمون من عمورية أموالًا لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقى من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لئلا يتقوى بهما الروم على شيء من حرب المسلمين\" (٣) .\nسنة ٢٦٤ هـ ١٤ رمضان سقوط سرقوسة من جزيرة صقلية:\nسقطت سرقوسة في يد المسلمين في ١٤ رمضان سنة ٢٦٤ هـ ٢١ مارس\n_________\n(١) \"تاريخ الطبري\" (٥/٢٤١) .\n(٢) اسمه من تاريخ ابن جرير (٥/٢٤١) .\n(٣) \"البداية والنهاية\" بتصرف (١٠/٢٩٩-٣٠١) .","vol":"1","page":336},{"text":"سنة ٨٧٨ م، على يد جعفر بن محمد بعد حصار دام تسعة شهور برًا وبحرًا، وهزم جعفرًا أسطولًا روميًا جاء لنجدتها وظفر بأربع قطع بحرية منه، وكان سقوطها كارثة كبرى لبيزنطة وسياستها الحربية، فقد انهارت الجهود الجبارة التي بذلتها سنوات طويلة لإعادة النفوذ البيزنطي على ساحل البحر الأدورياتي\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>سنة ٥٥٩ هـ وقعة حارم:</span>\n\"فتحت في رمضان من هذه السنة، وذلك أن الملك نور الدين محمود زنكي استغاث بعساكر المسلمين فجاؤْه من كل فجٍ ليأخذ ثأره من الفرنج فالتقى معهم على حارم فكسرهم كسرة فظيعة، وأسر البرنس بيمند صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس، والدوك صاحب الروم، وابن جوسليق، وقتل منهم عشرة آلاف وقيل عشرين ألفًا\" (٢) .\nسنة ٥٨٤ هـ رمضان فتح الكرم وصفد:\nبعد أن عاد صلاح الدين الأيوبي إلى دمشق في أوائل رمضان وجاءته البشائر بفتح الكرم وإنقاذه من أيدي الفرنج، وأراح الله منهم تلك الناحية، وسهل حزنها على السالكين من التجار والغزاة والحجاج (فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام: ٤٥] .\nولم يقم السلطان بدمشق إلا أيامًا حتى خرج قاصدًا صفد فنازلها في العشر الأوسط من رمضان، وحاصرها بالمجانيق، وكان البرد شديدًا، يصبح الماء فيه جليدًا، فما زال حتى فتحها صلحًا في ثمان شوال\" (٣) .\nسنة ٦٥٨ هـ الجمعة ٢٥ رمضان وقعة \"عين جالوت\":\nأو هكذا ننسى المفاخر مثلما ... يُنسي الصغير هوى الرِّضاع فِطامُ\nأو لم تكن في عين جالوت لنا ... همم لردع المعتدين عظَامُ\n_________\n(١) \"الكامل\" (ج ٦) لابن الأثير، \"فتح صقلية\" لشوقي خليل (ص ٧٧) ط. دار الغد.\n(٢) \"البداية والنهاية\" (١٢/٢٦٦) .\n(٣) \"البداية والنهاية\" (١٢/٣٥٢) .","vol":"1","page":337},{"text":"لما بلغ الملك المظفر قطز ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وذبحهم للمسلمين وتشريدهم وتخريب دورهم وأنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بادرهم قبل أن يبادروه، وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، حتى انتهى إلى الشام، فكان اجتماعهم على \"عين جالوت\" يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان وهذه بشارة عظيمة فإن وقعة بدر كانت يوم الجمعة في رمضان.\nولما رأى قطز عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس وتفيء الظلال وتهب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم.\nوكان قطز قد رأى في المنام وهو صغير رسول الله وقال له: أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتار، وكان يحدث بهذا.\nواقتتل الفريقان اقتتالًا عظيمًا، وقتل جواد قطز، فترجل وبقي واقفًا على الأرض ثابتًا، والقتال عمال في المعركة، وهو في موضع السلطان في القلب، فلما رآه بعض الأمراء ترجل عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها فامتنع وقال لذلك الأمير: ما كنت لأحرم المسلمين نفعك، ولم يزل كذلك حتى جاؤوه بالخيل فركب، فلامه بعض الأمراء وقالوا: يا خوند لِمَ لا ركبت فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإسلام بسببك، فقال: أما أنا فكنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، قد قتل فلان وفلان وفلان حتى عد خلقًا من الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم ولم يضيع الإسلام.\nوكانت النصرةُ ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزموهم المسلمون هزيمة هائلة وقتل أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته، قتله الأمير جمال الدين آقوش الشمس، واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع.\nوقد قاتل الملك المنصور صاحب حماه مع الملك المظفر قتالًا شديدًا، وكذلك الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، وكان أتابك العسكر، وقد أسر من جماعة كتبغانوين ابنه فأحضر بين يدي قطز فقال له: أهرب أبوك؟ قال: إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رأه ابنه صرخ وبكى، فلما تحققه المظفر سجد لله تعالى ثم قال: أنام طيبًا،","vol":"1","page":338},{"text":"كان هذا سعادة التتار وبقتله ذهب سعدهم، وهكذا كان كما قال ولم يفلحوا بعده أبدًا وأسر الملك السعيد بن عبد العزيز بن العادل وكان يقاتل مع كتبغا فأمر المظفر بضرب عنقه.\nواتبع الأمير بيبرس البندقداري وجماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، وهرب من بدمشق منهم يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم ويستفكون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه، فجاوبتها دق البشائر من القلعة وفرح المؤمنون بنصر الله فرحًا شديدًا، وأيّد الله الإسلام وأهله تأييدًا وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون، فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها فاحترق دور كثيرة للنصارى، وملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة (*)، وهمت طائفة بنهب اليهود فقيل لهم إنهم لم يكن منهم من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان، وقتلت العامة وسط الجامع شيخًا رافضيًا، كان خبيث الطوية مصانعًا للتتارعلى أموال الناس يقال له الفخر محمد بن يوسف الكنجي، وقتلوا جماعة مثله من المنافقين (فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام: ٤٥] .\n\"رحم الله قطز فقد كان بطلًا كثير الخير ناصحًا للإسلام وأهله\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>فتح أنطاكية </span>سنة ٦٦٦ هـ:\nوهذه معركة من معارك المسلمين ضد الصليبيين أما الزمان فهو رمضان من سنة ستٍ وستين وستمائة، وأما المكان فهو الشام وبالتحديد مدينة أنطاكية، وأما القائد فهو السلطان المسلم والقائد المظفر قاهر المغول والصليبيين الظاهرُ بيبرس -﵀-.\n_________\n(*) \"ثبت بأدلة قاطعة أن تحرك المغول للسيطرة على بلاد المسلمين كان بتحريض من الصليبيين وكانت هناك اتصالات بين البابا أنوسنت الرابع قبل سنة ٦٥٦ هـ وبين ملوك المغول سنة ٦٤٢ هـ، وبعد ذلك بثلاث سنوات أوفد لويس التاسع الناسك رجلًا آخر. وعندما دخل المغول دمشق قبل موقعة عين جالوت جعل النصارى يشربون الخمر علنًا في رمضان ويرشونها على المسلمين، كما صاروا يمرون في الطرقات وهم يحملون الصليب ويجبرون المسلمين على القيام احترامًا وإجلالًا لهم\" انظر \"معركة شقحب للدكتور محمد لطفي الصباغ\" (ص ١١-١٥) .\n(١) \"البداية والنهاية\" (١٣/٢٣٣-٢٣٤)، (١٣/٢٣٨-٢٤٠) .","vol":"1","page":339},{"text":"تولى هذا القائد المسلم الحكم في دولة المماليك بُعَيد معركة \"عين جالوت\"، وأبدى من الأعمال والإصلاحات ما جعل المؤرخين يعدونه بحق مؤسس الدولة المملوكية في مصر والشام والحجاز.\nوالواقع أن الظاهر بيبرس قاد أمة الإسلام وحقق الله النصر لها على يديه على عدوين قويين تحالفا من أجل القضاء على هذه الأمة ودينها، وهما المغول الوثنيون في الشرق، والصليبيون النصارى في الغرب. فالمغول في الشرق أقاموا لهم دولة في فارس والعراق، وأصبحوا يتحينون الفرص للثأر من المسلمين الذين سحقوهم في معركة \"عين جالوت\"، كما تحدثنا عن ذلك، فيما مضى.\nأما النصارى فعلى الرغم من الهزائم التي أنزلها بهم صلاح الدين الأيوبي -﵀- فلا زالت الإمدادات تصلهم تباعًا من الدول الأوربية فتتقوى بها إماراتهم الثلاث في قلب العالم الإسلامي.\nوهكذا وجد سلطان المسلمين آنذاك أنه محصور بين هاتين القوتين، ومع ذلك لم يضعف ولم يستسلم، ولكنه عزم على الجهاد، هيأ درلته وشعبه لهذا الأمر العظيم، واتخذ الأسباب المعينة على هزيمة الأعداء، ووضع لنفسه منهجًا وأسلوبًا عسكريًا فريدًا، قوامه الصرامة في التعامل مع الأعداء، ووضع الخطط الحربية المناسبة، والسرية التامة في كل تحركاته ووجهاته حتى مع جنده وقادته، وحقق بتوفيق الله انتصارات حاسمة على المغول وعلى الصليبيين، فتهاوت أمامه المدن والقلاع وطهرها من رجس الصليبيين، وفي رمضان سنة ستٍ وستين وستمائة كان الموعد مع أنطاكية.\nوأنطاكية عاصمة الإمارة الصليبية التي تحمل اسمها، وهي واحدة من ثلاث إمارات صليبية ظلت باقية في العالم الإسلامي إلى ذلك الوقت، حيث أزالها المماليك بعد ذلك.\nسار السلطان بيبرس بجيشه نحو أنطاكية مارًّا بمدن الشام، حيث أمرَ بإبطال الخمور والمنكرات، وأمر ببناء مسجد في حمص، وهكذا كان معظم قادة المسلمين يقدمون الأعمال الصالحة قبل جهادهم، ويطهرون بلادهم من المعاصي والمنكرات لعلمهم أن ذلك هو الطريق إلى النصر المظفر بإذن الله.","vol":"1","page":340},{"text":"وما خُذِلَ المسلمون وما هُزموا إلا بما قدمته أيديهم، ولذا كانت وصية خلفاء رسول الله - ﷺ - لقادتهم هي اجتناب المعاصي والبعد عن الآثام لأنها سبب الهزائم.\nوصلت الجيوش الإسلامية إلى أنطاكية، وأحاطت بها من كل جانب، وكان ذلك في يوم جمعة من أيام رمضان المبارك، فكان ذلك شرف زماني عظيم تُرَجَّى فيه إجابة الدعوات، وأرسل المسلمون للنصارى يطلبون منهم الاستسلام حفظًا لأرواحهم، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، وفي يوم السبت زحفت العساكر الإسلامية وأطافت بالمدينة والقلعة على اتساعها، وقاتل أهلها قتالًا شديدًا فتسوّر المسلمون الأسوار من جهة الجبل، ونزلوا المدينة فهرب أهلها إلى القلعة، وتسلم المسلمون المدينة، فقتلوا من قاتلهم، وأسروا الباقي، وكان في هذه المدينة مائة ألفٍ من الصليبيين من المحاربين.\nوأما القلعة فقد اجتمع فيها ثمانية آلاف من المقاتلة الأشدّاء، غير أن المسلمين ضيَّقوا عليهم فطلبوا التسليم في يوم الأحد، على أن لا يقتلوا فاستجاب لهم المسلمون وصعد السلطان الظاهر بيبرس -رحمه الله تعالى- وتسلَّم القلعة وعفا عن كل من فيها.\nوكُتِبَت كتب البشائر لأنحاء العالم الإسلامي بهذا النصر العظيم، والفتح الكبير وسقطت بذلك إمارة أنطاكية الصليبية، فكان ذلك إيذانًا بزوال الإمارات الصليبية كلها، وكان ملك أنطاكية خارجها فسلم لأجل ذلك، وأرسل له السلطان بيبرس كتابًا يخبره بهذا الفتح ويصف له الوقعة ويدعوه إلى الاستسلام وهذه مقتطفات منه:\n\"وفتحناها بالسيف من يوم السبت من رمضان، وقتلنا كل من اخترته لحفظها، والمحاماة عنها، وما كان أحد منهم إلا وعنده شيء من الدنيا، فما بقي أحد منا إلا وعنده شيء منهم ومنها، فلو رأيت خيالتك وهم صراعى تحت أرجل الخيل، وديارك والنهابة فيها تصول، وأموالك وهي توزن بالقنطار، وإماءك فكل أربع منهن تباع فتشترى من مالك بدينار، ولو شاهدت النيران وهي في قصورك تخترق، والقتلى بنار الدنيا قبل نار الآخرة تحترق لكنت تقول: (يا ليتني كنت ترابا) [النبأ: ٤٠]، واستنزلنا أصحابك من الصياصي، وأخذناهم بالنَّواصي، وفرقناهم في الداني والقاصي، ولم يبق شيء يطلق عليه اسم العصيان، إلا النهر فلو استطاع لما تسمى بالعاصي، وقد أجرى دموعه ندمًا\" (١) .\n_________\n(١) \"من معارك المسلمين في رمضان\" (ص ٧٢-٧٤) .","vol":"1","page":341},{"text":"وهكذا انتصر المسلمون على الصليبيين، واستعادوا منهم منطقة من مناطق العالم الإسلامي التي احتلوها قبل عشرات السنين، ومع ذلك لم ييأس المسلمون ولم يقنطوا وعملوا أسباب النصر فوهب الله لهم ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>فتح أرمينيا الصغرى </span>سنة ٦٧٣ هـ:\nموعدنا مع نصر محطم حققه المسلمون على النصارى الأرمن في شهر رمضان من سنة ثلاث وسبعين وستمائة هجرية.\nوأما مكان هذا النصر فهو الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى بين جبال طوروس والبحر المتوسط.\nوالحقيقة أن هذه المنطقة التي أطلق عليها المسلمون اسم الدرب تمثل الحدود المتاخمة لبلاد الروم، ولذا اهتم بها المسلمون منذ وقت مبكر نظرًا لموقعها الاستراتيجي على أبواب دولة الروم، وأصبحت مدنها ومراكزها ثغورًا من أهم الثغور الإسلامية وأكثرها خطرًا، فشحنها الخلفاء المسلمون بالرجال والسلاح، وجعلوا منها مراكز حصينة للدفاع عن أراضي المسلمين، وأصبحت تعرف بثغور الشام. واشتهر من هذه الثغور مدن طرسوسٍ، وأذنة، والمصيصة، والخلفاء مهتمون بأمرها ولا يولونها إلا شجعان القواد والراغبون في الجهاد.\nوبعد قرون من القوة والمنعة، أصاب هذه الثغور الضعف نتيجة عدم الاهتمام بها، واستغل الروم ذلك فهاجموها واستولوا عليها، ومنذ ذلك الوقت خرجت تلك الثغور من يد المسلمين وعادت للروم، ثم بدأت أعداد من النصارى الأرمن يستقرون فيها واستطاعوا تشكيل كيان ثابت لهم في تلك البقاع سرعان ما تحول إلى دويلة صليبية في شمال العالم الإسلامي.\nوحينما جاءت الحملات الصليبية إلى العالم الإسلامي فرح بها هؤلاء الأرمن وقدموا لرجالها كلّ المساعدة، وأعانوهم على المسلمين، ودلّوهم على عوراتهم، بل إن الأرمن اشتركوا بصورة مباشرة في الحرب ضدَّ المسلمين، وكانوا عليهم أشد من نصارى أوروبا وأعنف، ولا عجب فملة الكفر واحدة.","vol":"1","page":342},{"text":"ولم يكتف الأرمن بذلك بل كان لهم أثر كبير في تشجيع المغول الوثنيين ودعوتهم لمهاجمة المسلمين، وعقد ملوك أرمينيا الصغرى تحالفًا معهم ضد المسلمين. ولما جاءت الجيويق المغولية، واكتسحت العالم الإسلامي انضمت جموع النصارى من الأرمن وغيرهم معهم، وكانوا لا يقلون عنفًا وقسوة في تعاملهم مع المسلمين. وهذا هو الذي جعل المسلمين يعدّون الأرمن \"أخبث عدو للمسلمين\" كما يقول أحد المؤرخين.\nولكن وكما أشرنا إليه في الصفحات السابقة فإن الأمة الإسلامية كانت لا تستكين للهزيمة، ولا تستسلم للذل، وهذا هو ما يريده الله ﷾ لها، أمة مستعلية بدينها منتصرة بعقيدتها، مستمدة أسباب ذلك منه -﷿-.\nوبعد أن أفاقت الأمة الإسلامية من هول الاكتساح المغولي بدأ حكامها في العمل على تقويتها، وأدركوا مدى الخطر العظيم الذي يمثله نصارى الأرمن على حدود الدول الشمالية، فخططوا لإخضاعهم وكسر شوكتهم، وكان ذلك في عهد السلطان المملوكي \"الظاهر بيبرس\".\nوهذا الحاكم المسلم واحد من أعظم قادة الأمة الإسلامية في التاريخ، حقق الله على يديه لأمة الإسلام انتصارات عظيمة على المغول والصليبيين. ووضع -﵀- مملكة أرمينيا الصغرى نصب عينيه، وانتهز فرصة هدوء الأوضاع على جبهات القتال مع المغول والصليبيين، فكوّن جيشا عظيما هدفُه استعادة أملاك المسلمين التي استولى عليها نصارى الأرمن، ولكنه أسرَّ ذلك ولم يطلع عليه أحدًا من قادته، وسار الجيش الإسلامي من مصر قاصدًا الشام ثم اتجه شمالًا إلى بلاد الثغور وكان بيبرس على رأس الجيوش ووصلوا إلى تلك المناطق، ولنترك وصف مسير هذا الجيش لمؤرخ معاصر لهذه الحملة هو ابن عبد الظاهر حيث يقول: \"ووصل الجيش النهرَ الأسودَ، وقطعته العساكر بمشقة، ووقف السلطان حتى عدَّى بأكثر الناس، وفرق الأمراء بجيوشهم كل واحد منهم إلى جهة، فطلعوا الجبال وما سأل أحد عن طريق، ولا بالى بمضيق، ومروا وعليهم جبال من الحديد لامعة، وسنابك الخيل تتلوى على الجبال، والأرض ترج رجًّا والجبال تبسُّ بسًا وتغدو هباء منبثا\".","vol":"1","page":343},{"text":"وتساقطت مدن الثغور الواحدة تلو الأخرى في يد المسلمين، وكان ذلك في شهر رمضان. وعيد السلطان بيبرس -﵀- في مدينة \"سيس\" وهي كرسيُّ المملكة الأرمينية، واستولى على قصر الملك، واتجهت فرقة من الجيش المملوكي إلى مدينة \"إياس\" وهي ميناء أرمينية على البحر الأبيض فاستولت عليها، وفرت مجموعة من الأرمن والفرنج عبر البحر فغرقوا فيه وهكذا لم يكمُل شهر رمضان إلا والجيوش الإسلامية قد أتمت استعادة بلاد الثغر، واستحق السلطان بيبرس أن يوصف بقاهر الصليبيين والمغول. ولا غرو في ذلك فهو تلميذ صلاح الدين -﵀- سار على منهجه، واتبع خطاه في الجهاد، فحقق الله على يديه النصر العظيم، وكان ذلك بعد عملٍ دؤوب وكفاح مستمر وتحقيق لعوامل النصر كما أوضحها القرآن الكريم، فالنصر دائمًا مع المسلمين إن هم صدقوا الله وطبقوا شرعه وعملوا بمقتضاه.\nوتغنى الشعراء بهذا النصر العظيم وخلّدوه في شعرهم، يقول أحدهم:\nأي يوم بنصره قد حُبينا ... وبه الله قد أقرَّ العيونا\nيومَ جزنا بلاد سيسٍ وقلنا ... أيّ نصرٍ من ربِّنا قد جُزينا\nإذ تبدَّى السلطان بين نجوم ... من بني الترك يعشقون المنونا\nإلى أن يقول:\nوترامت كل البلاد وقالت: ... ليتنا مثل سيس قد غُزينا\nليت جيش السلطان وافى إلينا ... ليت أنا بخيله قد وُطينا\nوصدق هذا الشاعر فكم من البلاد تتمنى حكم المسلمين، وتحنّ إلى عدلهم ورحمتهم (١) .\nسنة ٧٠٢ هـ ٢ رمضان ٢٠ إبريل سنة ١٣٠٣م \"معركة شقحب (٢) \" أو معركة \"مرج الصُّفر\":\nيرى المؤرخ الأرمني أن السبب في سير هذه الحملة التي وقعت فيها معركة شقحب كان رغبة قازان حفيد هولاكو في تحطيم سلطان المسلمين في مصر واسترداد الأرض\n_________\n(١) \"من معارك المسلمين في رمضان\" (ص ٧٥-٧٧) .\n(٢) شقحب: عين ماء جنوب دمشق بعد قرية الكسوة على يمين الذاهب إلى حوراء.","vol":"1","page":344},{"text":"المقدسة وتسليمها إلى النصارى، وأن قازان كان يريد السير بنفسه على رأس تلك الحملة، ولكنّ تهديد حدوده الشرقية أدى إلى أن ينيب عنه قطلوشاه التي تعاون مع النصارى ولا سيما أن الأرمن الذين كانوا يشكلون قوة كبيرة في جيش قطلوشاه، وقد استولوا على عدد من مدن المسلمين وقتلوا فيها ومثلوا ونهبوا وفعلوا الأفاعيل البالغة في الفظاعة والشناعة.\nوكان الرعب الذي يرافق تحركات المغول شديدًا يملأ صدور الناس ويوهن قواهم.\nوعمل العلماء على إشراك الخليفة المستكفي بالله والسلطان الناصر محمد بن قلاوون الصالحي في مواجهة هؤلاء الغزاة وقام شيخ الإسلام بن تيمية بمهمة جسيمة في هذا المجال وجعل المرجفون يرددون: لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار وتصدى ابن تيمية والعلماء لهولاء المرجفين المثبطين حتى استطاعوا أن يقنعوا الأمراء بالتصدي للتتار مهما كان الحال. واجتمع الأمراء وتعاهدوا وتحالفوا على لقاء العدو وشجعوا أنفسهم ورعاياهم، ونودي بالبلد دمشق أن لا يرحل منه أحد، وتوقدت الحماسة الشعبية وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية أعظم التأثير في ذلك الموقف. ثم عمل -﵀- على إلهاب عواطف الأمة وإذكاء حماستها وتهيئتها لخوض معركة الخلاص، وتوجه إلى معسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيفة ما بين دمشق وحمص، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم.\nوكان شيخ الإسلام ابن تيمية يحلف للأمراء والناس، إنكم في هذه الكرّة منصورون.\nفيقول له الأمراء: قل إن شاء الله.\nفيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا.\nوكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله) [الحج: ٦٠] .\nوقد ظهرت عند بعضهم شبهات تفت في عضد المحاربين للتتار من نحو قولهم:","vol":"1","page":345},{"text":"كيف نقاتل هؤلاء التتار وهم يظهرون الإسلام وليسوا بغاة على الإمام.. فإنهم لم يكونوا فى طاعته في وقت ثم خالفوه؟\nفردّ شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الشبهة قائلًا:\nهؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليّ ومعاوية -﵄- ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين وهم متلبسون بالمعاصي والظلم.\nفانجلى الموقف وزالت الشبهة وقال ابن تيمية:\n\"إذا رأيتموني في ذلك الجانب -يريد جانب العدو- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني\" وخرج بن تيمية من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر بدمشق وصحبته جماعة كبيرة يشهد القتال بنفسه وبمن معه.\nوأراد السلطان الناصر أن يقف معه بن تيمية تحت رايته في القتال، فقال له بن تيمية: السنة أن يقف تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، وحرّض السلطان على القتال وبشره بالنصر.\nوأفتى بن تيمية الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أيضًا وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليقووا به على القتال أفضل من صيامهم.\nوكان عدد الجيش المغولي خمسين ألف مقاتل، وقيل إن عدده كان يصل إلى مائة ألف وكان فيه فرقتان الكرج ونصارى الأرمن.\nوكانت المعركة في يوم السبت ٢ رمضان في سهل شقحب الذي يشرف عليه جبل غباغب وكان السلطان الناصر والخليفة المستكفي بالله والقضاة والأمراء في القلب ومر السلطان والخليفة والقراء بين صفوف الجيش وكانوا يقرؤون آيات القرآن التي تحض على الجهاد والاستشهاد وكان الخليفة يقول: دافعوا عن دينكم وعن حريمكم.\nووضعت الأحمال وراء الصفوف، وأمر الغلمان بقتل من يحاول الهرب من المعركة.","vol":"1","page":346},{"text":"والتحم القتال وثبت السلطان ابن قلاوون ثباتًا عظيمًا، وأمر بجواده فقيدّ حتى يهرب، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف وصدق الله فصدقه الله وقُتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ منهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي، وثمانية من الأمراء المقدمين معه.\nواحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستحر القتل، واستطاع المغول في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارة جسيمة فقتل من قتل من الأمراء ولكن الحال لم يلبث أن تحول بفضل الله -﷿-، وثبت المسلمون أمام المغول وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتغير وجه المعركة وأصبحت الغلبة للمسلمين، حتى أقبل الليل فتوقف القتال إلا قليلًا، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغب، وبقوا هناك طول الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمروا منها، وقد تبعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، كما أنهم مروا بأرض موحلة وهلك كثيرون منهم فيها، وقبض على بعضهم.\nقال ابن كثير: \"فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله -﷿-، وجعلوا يجيئون بهم من الجبال فتضرب أعناقُهم.\nثم لحق المسلمون أثر المنهزمين إلى \"القريتين\" (١) يقتلون منهم ويأسرون ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور.. والذى عبر فيه هلك.. فساروا على جانبه إلى بغداد فانقطع أكثرهم على شاطيء الفرات وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة.\nوفي يوم الاثنين رابع رمضان رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر. وفيه دخل شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ودعوا له، وهنؤوه بما يسرّ الله على يديه من الخير.\nوفي يوم الثلاثاء خامس رمضان دخل السلطان إلى دمشق ويين يديه الخليفة، وزينت البلد، وبقيا في دمشق إلى ثالث شوال إذ عادا إلى الديار المصرية\" (٢) .\n_________\n(١) وهي بلدة على طريق المسافر بين بغداد ودمشق.\n(٢) \"البداية والنهاية\" (١٤/٢٤-٢٦) .","vol":"1","page":347},{"text":"وكان فرح السلطان الناصر والمسلمين بهذه المعركة فرحًا كبيرًا، ودخل مصر دخول المظافر المنتصر يتقدم موكبه الأسرى المغول يحملون في أعناقهم رؤوس زملائهم القتلى واستقبل استقبال الفاتحين.\nقال ابن حجر في \"الدرر الكامنة\" (٤/٢٦١-٢٦٥): \"كانت وقعة شقحب وكان للناصر فيها اليد البيضاء من الثبات، ووقع النصر للمسلمين\".\nيقول ابن عبد الهادي:\n\"قد أخبرني صاحب أمير، ذو دين متين، وصدق لهجة، معروف في الدولة، قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمرج الصفر وقد تراءى الجمعان: يا فلان! أوقفني موقف الموت.\nقال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم، ثم قلت له: يا سيدي هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة، فدونك ما تريد. قال: فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره، وحرّك شفتيه طويلًا، ثم انبعث وأقدم على القتال.\nوأما أنا فخيّل إليّ أنه دعا عليهم، وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة.. ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر، وانحاز التتار إلى جبل صغير، عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين في تلك الساعة.. وكان آخر النهار وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما تحريضًا على القتال، وتخويفًا للناس من الفرار\".\nقال ابن عبد الهادي \"وظهر فيها من كرامات الشيخ، وإجابة دعائه، وعظيم جهاده وقوة إيمانه وشدة نصحه للإسلام، وفرط شجاعته، ونهاية كرمه، وغير ذلك من صفاته ما يفوق النعت ويجوز الوصف\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>فتح جزيرة قبرص </span>في عهد المماليك سنة ٨٢٩ هـ:\nمخرت سفن المسلمين عباب البحار للجهاد ونشر دين الله في كل منطقة يصلون\n_________\n(١) انظر \"معركة شقحب\" للدكتور محمد لطفي الصباغ و\"العقود الدرية\" لابن عبد الهادي (ص ١٧٥-١٧٨) .","vol":"1","page":348},{"text":"إليها، كما طوت خيلهم فلوات الأرض حتى وصلت أقصاها.\nوكانت جزيرة قبرص، من المناطق التي فتحها المسلمون منذ عصر مبكر حيث وصلها معاوية بن أبي سفيان -﵁- سنة ٢٨ هـ لتكون بعد ذلك خاضعة للمسلمين تدفع لهم الجزية كل عام، وظلت كذلك مدة من الزمن حتى إذا ضعف المسلمون بعد ذلك طمع فيهم الأعداء من نصارى أوروبا فغزوهم بجيوش جرارة متتابعة وسقطت بعض المناطق الإسلامية في أيديهم ومنها جزيرة قبرص.\nوالحقيقة أن هذه الجزيرة بموقعها الاستراتيجي شرق البحر الأبيض المتوسط ظلت طيلة الحروب الصليبية قاعدة ينطلق منها الصليبيون لمهاجمة العالم الإسلامي، وأصبح حكامها أكثر النصارى تعصبًا للحروب الصليبية ورغبة في استمرارها، ولذا ظلوا يسعون لدى ملوك أوروبا ويطلبون منهم إرسال الحملات العسكرية لتحطم العالم الإسلامي.\nوفي سنة ٧٦٩ هـ قاد ملك قبرص حملة صليبية اتجهت نحو الإسكندرية وهاجمها في غفلة من حكامها واستطاع دخولها فأعمل السيفَ في رقاب المسلمين وقتل وأسر ونهب، وكانت مقتلة عظيمة لم يصب هذا الثغر بمثلها قبل ذلك، وعاد هذا الملك الصليبي الحاقد على الإسلام محملا بما نهب من المسلمين.\nوظل حكام المماليك في مصر يتحينون الفرصة للأخذ بالثأر والقضاء على خطر هذه الجزيرة ومعاقبة حكامها.\nوفي عهد السلطان المملوكي الأشرف برسباي (٨٢٥-٨٤١ هـ) عقد هذا السلطان العزم على فتح هذه الجزيرة وأخذ يستعد لذلك بتجهيز المراكب وتجميع العساكر، وأرسل لها ثلاث حملات متتاليات في ثلاث سنوات ابتداءً من سنة ٨٢٧ هـ وكلُّها في شهر رمضان.\nكانت الحملتان الأوليان لغرض الاستكشاف، استطاع المسلمون من خلالهما التعرف على الجزيرة ومدى قوة حكامها، كما حققوا انتصارات عليهم وعادوا محملين بالغنائم والأسرى.\nأما الحملة الثالثة: فكانت في شهر رمضان سنة ٨٢٩ هـ وقادها أربعة من أمراء","vol":"1","page":349},{"text":"المماليك انطلقت في عدد كبير من المراكب نحو الجزيرة، تحمل أعدادًا عظيمة من المجاهدين، وقد تخلف عدد أكبر لم يجدوا ما يحملهم فحزنوا لذلك حزنًا شديدًا.\nيقول المؤرخ المعاصر لذلك الفتح ابن تغري بردي: \"وعظم ازدحام الناس على كُتّاب المماليك ليكتبوهم في جملة المجاهدين في المراكب المعينَّة، حتى أنه سافر في هذه الغزوة عددٌ من أعيان الفقهاء، ولما أن صار السلطان لا يُنعم لأحد بالتوجه بعد أن استكفت العساكر، سافر جماعة من غير إذن، وأعجبُ من هذا، أنه كان الرجل ينظر في وجه المسافر للجهاد يعرفه قبل أن يسأله لما بوجهه من السرور والبشر الظاهر بفرحه للسفر، وبعكس ذلك فيمن لم يعينَّ للجهاد، هذا مع كرة من تعين للسفر من المماليك السلطانية وغيرهم، وما أرى هذا إلا أنّ الله تعالى قد شرح صدرهم للجهاد وحببهم في الغزو وقتال العدو ليقضى الله أمرًا كان مفعولًا، ولم أنظر ذلك في غزوة من الغزوات قبلها ولا بعدها\".\nوكان ليوم خروج المجاهدين نهار يجل عن الوصف، اجتمع الناس لوداعهم وابتهلوا إلى الله تعالى أن ينصرهم، ووصلت السفن الإسلامية جزيرة قبرص، ونزل المجاهدون يفتحون المدن والقرى كل ذلك في شهر رمضان المبارك، وحلت الهزائم بالنصارى واستنجدوا بملوك أوروبا فوصلت إليهم الإمدادات وتجمعت جيوشهم والتقى بها المسلمون في معركة حاسمة وكانت أعداد النصارى أضعاف عدد المسلمين، والمسلمون مع قلتهم ويسير عددهم في ثبات إلى أن نصر الله الإسلام وأُسر ملك قبرص المدعو \"جانوس\" وركب المسلمون أقفية النصارى يقتلون ويأسرون حتى أن قتلى النصارى يجلون عن الحصر. وتم فتح العاصمة وتوالت الانتصارات وكمل فتح الجزيرة. ثم أقام المجاهدون وأراحوا أبدانهم سبعة أيام، وهم يقيمون شعائر الإسلام من الأذان والصلاة والتسبيح وحمد الله على هذا الفتح العظيم الذي لم يقع مثله في الإسلام من يوم غزاهم معاوية بن أبي سفيان -﵁-.\nوعاد المسلمون إلى مصر يحملون الأسرى وعلى رأسهم ملك قبرص وفرح المسلمون بذلك فرحًا عظيما، وحينما علم بذلك السلطان المملوكي بكى من شدة الفرح، وبكى الناس لبكائه، وصار يكثر من الحمد والشكر لله ﷾، وانطلقت ألسن الشعراء تشيد بهذا الفتح العظيم يقول أحدهم:","vol":"1","page":350},{"text":"بشراك يا مُلْكَ المليك الأشرفي ... بفتوح قبوص بالحسام المشرفي\nفتح بشهر الصوم تم له فيا ... لك أشرف في أشرفٍ في أشرفِ\nفتح تفتحت السماوات العلى ... من أجله بالنصر واللطف الحفي\nوالله حفّ جنوده بملائك ... عاداتها التأييد وهو بها حفي\nوهكذا انتصر المسلمون في هذا الشهر العظيم بعد أن صدقوا في جهادهم واستعانوا بالله على أعدائهم فوفقهم ونصرهم رغم قلة عددهم وكثرة أعدائهم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>فتح البوسنة والهرسك </span>سنة ٧٩١ هـ \"معركة قوص أوه\":\nسيكون الحديث عن منطقة من مناطق العالم الإسلامي تواجه أعظم هجمة صليبية في العصر الحديث، حيث يقضى على المسلمين بالقتل والأسر والتهجير، وحيث يموت الآلآف بأيدي الصليبيين أو نتيجة الجوع والعطش والمرض، حيث هم محاصرون منذ سنوات.\nإنها منطقة البوسنة والهرسك، نعود إليها عبر سنين مضت لنعرف كيف وصلها الإسلام وانتشر فيها، وكيف انتصر المسلمون على النصارى الصرب في ذلك الوقت، وضموها إلى بلادهم.\nفي ذلك التاريخ كانت الدولة العثمانية في أوج قوتها وازدهارها حينما اكتسحت أوروبا الشرقية فتهاوت مدنها ودولها تحت ضربات الجيش العثماني المسلم، ووصلت طلائع هذا الجيش إلى مدينة \"فيينا\" لتحاصرها فترة من الزمن، ويتسابق ملوك أوروبا بإعلان الولاء والانقياد للسلاطين العثمانيين، في ذلك التاريخ كان هَم هؤلاء السلاطين الجهاد في سبيل الله ونشر كلمة التوحيد في كل مكان.\nلنتوقف قليلًا في عهد السلطان مراد الأول بن السلطان أورخان الغازي، فقد كان من السلاطين العظام الذين جاهدوا في سبيل الله ففتحوا المناطق الواسعة من أوروبا.\nولد هذا السلطان سنة ست وعشرين وسبعمائة للهجرة، ونشأ على كريم الأخلاق، ولما شب اشترك مع والده في جهاد اليونان، فأظهر بسالة لا توصف وإقداما لفت الأنظار،\n_________\n(١) \"من معارك المسلمين في رمضان\" (ص ٨١-٨٣) .","vol":"1","page":351},{"text":"وبعد وفاة والده تولى الحكم سنة إحدى وستين وسبعمائة هجرية فقضى كل سني حكمه في جهاد مستمر.\nكانت أول أعماله الجهادية فتح مدينة \"أدِرنَه\" فجعلها عاصمة لدولته وظلت كذلك حتى فتحت القسطنطينية، ثم ساق جيشه نحو البلقان فتبوأوا مدنها وافتتحوا حصونها، وأبرم معاهدة مع ملك اليونان، بيد أن هذه المعاهدة لم تستمر طويلًا؛ حيث نقضها اليونان، وهكذا استطاع السلطان مراد الأول أن يستولي على جزء كبير من أوروبا الشرقية، وأن يحيط بالقسطنطينية من جميع الجهات.\nوهنا اضطرب ملوك أوروبا النصارى وارتعدت فرائصهم، وأدركوا عظيم الخطر الذي تشكله هذه الدولة المسلمة الفتية، فطلبوا من البابا \"أوربانوس\" الخامس أن يأمر جميع الدول النصرانية أن تتحد للوقوف في وجه المسلمين، وإخراجهم من أوروبا قبل أن يجتازوا حدود البلقان وحينئذٍ لا يستطيع أحد الوقوف في وجههم فيكتسحوا أوروبا كلَّها.\nولبّى البابا استغاثتهم وكتب لجميع ملوك أوروبا النصارى يأمرهم بالتأهب لمحاربة المسلمين، وأن يشنوا حربًا دينية للحفاظ على النصرانية في وجه الإسلام ولم ينتظر الملك أوروك الخامس ملك الصرب وصول الإمدادات من أوروبا، بل استعان بالدول القريبة منه وكوّن جيشا جرارًا من اليونان والصرب والمجر والرومان، وسار بهم إلى عاصمة العثمانيين أدِرْنة فحاصرها، وكان السلطان مراد خارجها فعاد مسرعًا بجيشه، وهاجم النصارى بغتة حيث فوجئوا بالتهليل والتكبير وسيوف المسلمين تعلوهم فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى ولّوا الأدبار تاركين الثرى مخضبا بدمائهم، وهكذا فشلت محاولة الصرب هذه ضد المسلمين.\nوكان من نتيجة هذه المعركة أن تسابق حكام البلقان لإعلان الولاء للمسلمين ودفع الجزية لهم.\nوفي سنة إحدى وثمانين وسبعمائة تحالف ملك الصرب الجديد \"لازارجر بلينانوفتش\" مع ملك البلغار على مهاجمة المسلمين، لكنهما بعد عدة مناوشات تحققا","vol":"1","page":352},{"text":"من عجزهما عن هزيمة العساكر الإسلامية، فأبرما صلحًا مع السلطان مراد، على أن يدفعا له خراجًا سنويًّا.\nولم يستمر هذا الصلح طويلًا فقد نقضه النصارى، وبدأوا يعدُّون العدة لمحاربة المسلمين، إلا أن العثمانيين لم يمهلوهم فاجتاحت جيوشهم بلاد البلغار وهزمت ملكها واحتلت مدُنها، وانتهى الأمر بأسر ملك البلغار.\nولما علم ملك الصرب لازار بذلك بدأ يستعد لمواجهة المسلمين فألَّف جيشًا من الصرب والبوسنة والهرسك والألبان والأفلاق والبُغدان وتعاهد الجميع على محاربة المسلمين والاستيلاء على الدولة العثمانية، وبلغ الخبر مسامع السلطان مراد فألف مجلسا للشورى والنظر في الأمر، لكن ولده بايزيد هتف قائلًا في المجلس: \"الحرب الحرب والقتال القتال\" فأبطل كل مشورة، ودقَّت طبول الحرب وسار الجيش الإسلامي إلى الأعداء فالتقاهم في سهل \"قوص أوه\" سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ونشب القتال بين الجانبين ووثب المسلمون على النصارى والتحموا معهم في القتال التحاما لم يعد ورى معه إلا جماجم طائرة وفرسان غائرة، ودويّ سلاح يدك الجبال الشامخة، وبقيت الحرب بينهما سجالًا مدةً من الزمن دافع الصليبيون الصرب خلالها دفاعًا مستميتًا، وتناثرت الرؤوس، وأزهقت النفوس، وفي أثناء المعركة انحاز صهر ملك الصرب بفرقته إلى المسلمين، ودارت الدائرة على الصربيين، وجرح ملكهم لازار، ثم وقع أسيرًا في يد المسلمين، وانتصر المسلمون على الصربيين وكانت من المعارك الحاسمة في تاريخ أوروبا الشرقية، وظلَّ ذكرها شهيرًا في أوروبا بأسرها، وزال استقلال الصرب وخضعت كل بلادها للمسلمين، كما فقدت البلغار استقلالها من قبل.\nوبعد المعركة أخذ السلطان مراد يتمشى بين الجثث وينظر إليها بعين الاندهاش، إذ قام من بينها جندي صربي اسمه \"ميلوك كوبلوفتش\" فطعن السلطان بخنجر طعنة قاضية، وسقط -﵀- ليسلم الروح بعد قليل.\nوهكذا شهد سهل كوسوفو بولجي معركة (قوص أوه) الحاسمة بين المسلمين والصرب، وانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا، وأخذ الإسلام ينتشر في تلك البقاع حتى تحولت مناطق كاملة إلى الإسلام كما هو الحال في البوسنة والهرسك وكوسفو وغيرها.","vol":"1","page":353},{"text":"وكما يشهد هذا انتصار المسلمين، فقد شهد أيضًا غدر الصرب الذي ذهب ضحيته سلطان المسلمين مراد، فمات أوائل شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة من الهجرة -﵀- وسجل التاريخ منذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا أن الصرب لا يلتزمون بعهد ولا ميثاق، ولا يعرفون في تعاملهم مع المسلمين إلا لغة القوة والبطش وسفك الدماء.\nواليوم وكما غدر الصرب وأعوانهم بقائد المسلمين في تلك المعركة يغدرون بالمسلمين جميعًا في البوسنة والهرسك، فيقتلون ويأسرون ويغتصبون لا يردعهم خلق ولا دين، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، والعجب كل العجب أن يقف المسلمون جميعا موقف المتفرج على هذا كله\" (١) .\nسنة ٨٢٧ هـ ٢٥ رمضان فتح بلغراد عاصمة المجر على يد السلطان العثماني سليمان القانوني:\n\"كان السلطان سليمان قد أرسل سفيرًا إلى ملك المجر يطلب منه دفع الجزية أو الحرب، فما كان من ملك المجر (لويز الثاني) إلّا أن أمر بإعدام السفير، مما أثار غضب السلطان سليمان، فأمر بتجهيز الجيوش وجمع كل ما تتطلبه من الذخائر والمؤن، وسار هو بنفسه في مقدمة الجيش، وأرسل أحد مشاهير قواده (واسمه أحمد باشا) لمحاصرة مدينة \"شابتس\" (٢) القريبة من بلغراد، ففتحها يوم ٢ شعبان سنة ٩٢٧ ص (الموافق ٨ تموز - يوليو سنة ١٥٢١م)، ووصل إليها السلطان سليمان في اليوم التالي، ثم قاد الجيوش التي كانت تقوم على حصار هذه المدينة لمساعدة وزيره (بير محمد باشا) الذي كان يحاصر مدينة بلغراد، ويضيق الخناق عليها، ودافع المجريون عن عاصمتهم دفاعًا شديدًا، غير أن جند المسلمين تمكنوا من اقتحامها يوم ٢٥ رمضان سنة ٩٢٧ هـ (٢٩ أغسطس سنة ١٥٢١م) وأخلى الجنود المجريون قلعتها، ودخلها السلطان، وصلى الجمعة في إحدى كنائسها التي حُولت فورًا إلى مسجد. وصارت هذه المدينة التي كانت أمنع حصن للمجرين ضد تقدم القوات العثمانية، أكبر مساعد لها على فتح ما وراء\n_________\n(١) \"من معارك المسلمين في رمضان\" (ص ٨٤-٨٧) .\n(٢) تقع إلى الشمال من بلغراد وتسمى اليوم سابوتيكا.","vol":"1","page":354},{"text":"الدانوب من الأقاليم والبلدان. وأعلن السلطان هذا الانتصار بالكتابة إلى جميع الولاة، وإلى ملوك أوروبا، ورئيس جمهورية البنادقة، ثم عاد القسطنطينية مكللًا بالنصر والظفر على الأعداء، وأرسل إليه قيصر الروس يهنئه بالفوز والظفر، وكذلك فعل رئيسا جمهوريتي البندقية وراجوزه (١) \" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>جهاد المسلمين في الحبشة </span>سنة ٩٣٥ هـ:\nموعدنا مع نصر عظيم حققه المسلمون للإسلام في بقعة كانت ولا زالت موطنًا للجهاد في سبيل الله، وصلها الإسلام منذ وقت مبكر وظل ينتشر فيها وبين أبنائها حتى اعتنقه أكثرهم، فكان منهم الدعاة والمجاهدون الذين حملوا لواء هذا الدين ينشرونه ويدعون له بين بني قومهم.\nإنها بلاد الحبشة، دار الهجرة الأولى: التي آوت المسلمين المهاجرين فترة من الزمن.\nلقد انتشر الإسلام على يد هؤلاء المهاجرين، ثم توافد المسلمون إلى تلك البلاد من الحجاز واليمن، واستقروا فيها، وحملوا معهم الإسلام وتعاليمه، وأخذ ينتشر انتشارًا سلميًّا هادئًا، حتى إذا مضى قرن ونيف من الزمان تحول الساحل الحبشي إلى الإسلام وأصبح المسلمون هم سادته وحكامه.\nولم يتوقف المد الإسلامي عند الساحل فقط، بل تعداه إلى الداخل في عمق الهضبة الحبشية، حيث أصبح سكان تلك المناطق من المسلمين، وتحولت قبائل كثيرة من الأحباش إلى الإسلام.\nوبمرور الوقت اتضح الكيان السياسي للمسلمين في الحبشة وكونوا لهم سبع ممالك إسلامية، عرفت بممالك الطراز الإسلامي، وقد تولى حكام هذه الممالك الإسلامية عبء الجهاد في سبيل الله في الحبشة.\nوإلى جانب هذه الممالك تقوم دولة نصرانية تتخذ من مدينة أكسوم عاصمة لها وهي الدولة التي استضاف واحد من حكامها الأوائل جموع المهاجرين المسلمين، إلا أن\n_________\n(١) من النمسا الآن.\n(٢) \"القانوني القائد\" لبسام العسلي (ص ٢٨-٢٩) طبع دار النفائس.","vol":"1","page":355},{"text":"حكامها المتأخرين أظهروا العداوة للمسلمين وبدأوا يحاربونهم ويفتنونهم عن دينهم ويضيقون عليهم، وإذا كان المسلمون في أول الأمر قد كفوا عن مهاجمة الحبشة ولم يمدوا إليها موجة الجهاد الإسلامي، فإنهم اضطروا أخيرًا إلى إعلان الجهاد ومهاجمة الدولة النصرانية للدفاع عن دينهم وأنفسهم وإخوانهم المسلمين.\nوتوالى عدد من الحكام المسلمين المجاهدين الذين قتل أغلبهم في ساحات المعارك مع النصارى، وكلما سقط واحد منهم رفع اللواء آخر، حتى آل إلى مجاهد كبير وقائد عظيم من قادة المسملمين الأحباش ذلك هو الإمام أحمد بن إبراهيم القرين أو أحمد جران كما يسميه المسلمون هناك.\nكان هذا الإمام ابنا لقسيس حبشي فاعتنق الإسلام وحسن إسلامه، ووجد نفسه في دولة إسلامية ضعيفة، يهيمن عليها النصارى، ويأخذون من حكامها الجزية عكس ما يدعو إليه الإسلام، فلم يستسلم لذلك بل عمل على تقوية المسلمين وذلك بالدعوة إلى الجهاد وإثارته في النفوس.\nواستطاع الإمام أحمد توحيد الدولة الإسلامية في الحبشة، وكان أول عمل قام به بعد ذلك هو منع دفع الجزية للملوك النصارى، وعندئذ أصبح قيام الحرب بينهم أمر لا مفر منه، وعندما تحركت جيوش الحبشة النصرانية، واجتاحت مملكة المسلمين تصدى لها الإمام أحمد وهزمها شر هزيمة، وعندئذٍ اشتعلت في نفوس المسلمين حماسة الجهاد في سبيل الله والتي كمنت في نفوسهم وقتا طويلًا.\nواستطاع الإمام أحمد تنظيم صفوف القبائل المسلمة في مهارة فائقة، وجعل منهم قوة ضاربة منيعة، وعندما تم له ذلك، أعلن الجهاد في سبيل الله، وحاول البعض من المسلمين اليائسين تحذيره من هذا الأمر، وأن مصيره سيكون مثل مصير الحكام السابقين الذين ماتوا في ساحات المعارك، ولكن الإمام أجابهم بأن الجهاد في سبيل الله لا يمكن أن يعود بالخسران على المسلمين.\nوتوالت انتصارات المسلمين في الحبشة وتوالى سقوط المدن النصرانية في أيدي المسلمين، وسيطروا على وسط الحبشة وجنوبها في مدة وجيزة، وأقبل الأحباش على","vol":"1","page":356},{"text":"الإسلام يعتنقونه بأعداد كبيرة، حتى أن قائدًا من قادتهم قد دخل بجنده في الإسلام دفعة واحدة وكان عددهم عشرين ألفًا، ويذكر أحد المؤرخين أنه لم يبق على النصرانية أكثر من العُشر وهم الذين فضلوا دفع الجزية للمسلمين.\nوحاول إمبراطور الحبشة جمع جيوشه المنهارة فاجتمع له عدد كبير سار بهم نحو المسلمين وعلم الإمام بذلك فسار بجيشه مسرعا والتقى العسكران الإسلامي\nوالنصراني، وبات المسلمون يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه، وقام الإمام أحمد في أصحابه وقال: توكلوا على الله واعتصموا به وأشيروا عليَّ: فقالوا: الجهاد بغيتنا ومُنانا، ولا نزال نصبر لهم على الضرب والطعن حتى يحكمَ الله بيننا وهو خير الحاكمين، ففرح بقولهم وبات الجميع مستعدين للقتال، وفي صباح يوم من أيام رمضان سنة خمس وثلاثين وتسعمائة من الهجرة بدأت المعركة بين المسلمين وأعدائهم، وأبلى المسلمون بلاء حسنا وصمدوا في وجه النصارى رغم قوتهم وكثرة عددهم، وأنزل الله النصر عليهم، فانهزم النصارى هزيمة قاسية، وقتل أكثرهم وانفتح الطريق إلى عاصمتهم أكسوم فاستولى عليها المسلمون وقضوا على بقية دولتهم.\nهذا هو الفتح العظيم الذي حصل للمسلمين في الحبشة على يد أحمد القرين -﵀- والذى حول الحبشة كلها إلى الإسلام.\nولكنَّ القوى الصليبية في ذلك الوقت لم تكن لتسكت على انهيار دولة النصارى الوحيدة في العالم الإسلامي، وكان الأحباش النصارى قد استنجدوا بالبرتغال وهم سادة البحار في ذلك الوقت، فأنجدوهم بجيش قوي حديث مسلح بالمدافع، التي لا يعرفها المسلمون الأحباش في ذلك التاريخ، ودخلت القوات البرتغالية الحبشة ورحب بها النصارى وقاومها المسلمون، وحدثت معارك عنيفة بين الصليبين والمسلمين وصمد المسلمون أمامهم مدة من الزمن وكانت مدافع البرتغاليين تقصفهم بلا هوادة ولا رحمة، واستنجد المسلمون بالعثمانيين وتأخرت النجدات، وما وصل منها لم يكن ليغير ميزان القوى لضعفه وقلة تسليحه، وحلت الهزيمة بالمسلمين وقتل قائدهم أحمد القرين -﵀- وبذلك تغير مجرى التاريخ في الحبشة، وعادت القوة للنصارى، واتخذت هجماتهم طابعًا من القوة والوحشية،","vol":"1","page":357},{"text":"وخربوا المساجد وأماكن العبادة وأفرطوا في القتل والتنكيل، وأرغموا المسلمين على اعتناق النصرانية. وهكذا أبلى هذا القائد المسلم بلاء حسنا في الجهاد، وقاد جيوشه في هضبة الحبشة ينشر الإسلام، وكان أكثر معاركه في شهر رمضان.\nوإلى جانب نجاحه -﵀- كقائد عسكري، فقد كان نموذجًا للحاكم المسلم، يقيم الحدود، ويداوم على الفرائض، ويجلس ويلطف بالمساكين، ويرحم الصغير ويوقر الكبير، وينصر المظلوم من الظالم حتى يرد الحق إلى مكانه، ولا تأخذه في الله لومة لائم\" (١) .\nسنة ١٣٩٣ هـ العاشر من رمضان السادس من أكتوبر ١٩٧٣ النصر على اليهود:\nمنّ الله على عباده وجنوده المؤمنين في مصر بهزيمة اليهود في العاشر من رمضان وعبر المسلمون القناة وحطموا خط بارليف وعلا التكبير في كل مكان من أرض المعركة وأذل المسلمون اليهود في هذه الحرب فالنصر حليف الإيمان والطاعة.\nدارت على سيناء معركة الوغى ... فوق السهول وفي ربى وبطاح\nوكتائب الإيمان تهتف كلها ... (الله أكبر) فوق كل سلاح\nلتدك بارليف النيع بقوة ... طب الجراح بمبضع الجرّاح\nفإذا (مسليمة) اليمامة هارب ... متنكرًا يعدو بمرط (سجاح)\nوإذا (بمائير) العجوز بمأتم ... ومناحة كبرى سوء صياح\nما أفلتت دبابة من حتفها ... (كوهين) أو (شالوم) أو (مزراحي)\n(عساف ياجوري) أتى مستسلمًا ... بفريقه أملا بيوم سراح\nوهناك في أعلى الهضاب مجند ... كالليث تحت لوائه الصداح\n(الله أكبر) زلزلت أركانهم ... وكأنما يشدو بها ابن رباح (٢)\n_________\n(١) \"من معارك المسلمين في رمضان\" (ص ٩٢-٩٥) .\n(٢) مجلة منبر الإسلام شعر عبد الغفار الدلاش.","vol":"1","page":358},{"text":"واليوم يعود اليهود يذبحون المسلمون وهم ساجدون في المسجد الإبراهيمي في رمضان ويا للمفارقة العجيبة:\nوكنا عظامًا فصرنا عظامًا ... وكنا نقوت فها نحن قوت\n***","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الباب التاسع\nحدث في رمضان</span>","vol":"1","page":361},{"text":"قُبض كليم الرحمن موسى ﵇ ورفع عيسى ﵉ إلي السماء:-\nقال حريث بن مخشي -﵀-: إن عليا ﵁ قُتِل صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، فسمعت الحسن بن علي -﵁- يقول وهو يخطب، وذكر مناقب علي، فقال: \"قُتل ليلة أُنزل القرآن، وليلة أسري بعيسى ﵇\" (١) .\nموت أم المؤمنين خديجة في العاشر من رمضان:\n﵂ وأرضاها وجعل جنات الفردوس مأواها، المبشرة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب؛ لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان.\nآمنت به إذ كفر به الناس، وصدقته إذ كذّبه الناس، وواسته بما لها إذ حرمه الناس، ورزقه الله ولدها إذ حرمه أولاد النساء.\nلم يتزوج عليها النبي - ﷺ - حتى ماتت إكرامًا لها، وتقديرًا لإسلامها سلّم الرب -﷿- عليها وكم لها من مقام صدق في أول البعثة.\nقالَ رسول الله - ﷺ -: \"خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد\" (٢) .\nمصرع أبي جهل:\n\"في هذا الشهر الكريم في السابع عشر من رمضان، سنة اثنتين للهجرة طُويت أكبر راية من رايات الجاهلية السود..... وهوى أضخم صنم من أصنام الشرك في جزيرة العرب ... لقي أبو جهل مصرعه على أيدي المسلمين في \"بدر\" وغيبت رمال \"القليب\" في جوفها السحيق أكبر طاغية عرفته جزيرة العرب\" (٣) .\nولم تنفع اللاتُ والعزى أبا جهل، وقيل سحقًا للقوم الظالمين.\n_________\n(١) \"خبر حسن\"، أخرجه الحاكم (٣/١٤٣) وصححه وسكت عنه الذهبي وأسري بعيسى أي رُفع إلى السماء.\n(٢) رواه أحمد في المسند والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عليّ بن أبي طالب ﵁.\n(٣) \"حدث في رمضان\" للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا (ص ٣٧) دار الأدب الإسلامي.","vol":"1","page":363},{"text":"٤ هـ: \"زواج الرسول بزينب بنت خزيمة بنت الحارث التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم وإحسانها إليهم، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا ودخل بها في رمضان.\nقال أبو عمر بن عبد البر: ولا خلاف أنها ماتت في حياة رسول الله - ﷺ -، وقيل لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت -﵂- \".\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>٥ هـ حديث الإفك:</span>\nفحديث الإفك كان في منصرفهم من غزوة بني المصطلق \"غزوة المريسيع\" في شعبان، وفي قصة الإفك \"فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - ﷺ - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي\".\nفالشاهد من هذا أن حديث الإفك امتد إلى رمضان يقينًا.\nرمضان شهر الصبر وتجلى فيه أروع صبر عرفه الوجود \"صبر رسولنا - ﷺ - \".\n\"لقد كانت حادثة الإفك معركة خاضها رسول الله - ﷺ - وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك، وخاضها الإسلام، معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول الله - ﷺ - وخرج منها منتصرًا كاظمًا لآلامه الكبار محتفظًا بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره، فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله، والآلام التي تناوشه لعلها أعظم الآلام التي مرت في حياته، والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه.\nوها هو ذا يُرمى في طهارة فراشه، وهو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة، وها هو ذا يرمى في صيان حرمته، وهو القائم على الحرمات في أمته.\nها هو ذا يرمى في كل شيء حين يُرمى في عائشة -﵂-. يرمى في فراشه وعرضه وقلبه ورسالته، يرمى في هذا كله، ويتحدث الناس في المدينة شهرًا","vol":"1","page":364},{"text":"كاملًا، والله يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهرًا كاملًا، لا يبين فيه بيانًا، فأي صبر فوق صبر رسولنا - ﷺ -؟!!\nوعندما تصل الآلام ذروتها يتعطف عليه ربه، فيتنزل القرآن ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة، وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع\" (١) . وكان هذا في رمضان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>٩ هـ قدوم وفد ثقيف على رسول الله - ﷺ </span>- في رمضان:\nلما رآهم المغيرة بن شعبة -وكان يرعى- ذهب يشتد ليبشر رسول الله - ﷺ - فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله - ﷺ - حتى أكون أنا أحدثه ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله - ﷺ - بقدومهم لما قدموا على رسول الله - ﷺ - ضربت عليهم قبه في المسجد ليكون أرق. قال ابن إسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم أمر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان أحدثهم سنًا لأن الصديق -﵁- قال: يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن.\nوذكر موسى بن عقبه أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله - ﷺ - خلّفوا عثمان ابن أبي العاص في رحالهم فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله - ﷺ - فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن فإن وجده نائمًا ذهب إلى أبي بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى فقه في الإسلام وأحبه رسول الله في حبًا شديدًا. وصام وفد ثقيف مع رسول الله - ﷺ - ما بقي من شهر رمضان وكان رسول الله - ﷺ - يأتيهم كل ليلة بعد العشاء يحدثهم قائمًا على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام فأكثر ما يحدثهم ما لقي من قومه من قريش.\nوفي قدومهم هذا \"وكانوا بضعة عشر رجلًا\" لما سألوه عن الربة \"اللات\" ما هو صانع بها؟ قال: اهدموها \"قالوا: هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها\"، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد يا ليل ما أجهلك، إنما الربة حجر.\nفقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، ثم قالوا يا رسول الله - ﷺ - تول أنت هدمها أما نحن فإنا لن نهدمها أبدًا، فقال: \"سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها\" فكاتبوه على ذلك. فكان\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٣/٩١-٩٢) .","vol":"1","page":365},{"text":"كتاب هدم اللات في رمضان فاعظم به من نصر، فبعث رسول الله إليهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة وخالد بن الوليد، فهدمها المغيرة بن شعبة ونساء ثقيف خسرًا يبكين عليها ويقلن: لنبكين دِفاع، اسلمها الرضاع (١) لم يحسنوا المصَاع (٢) .\nوالمغيرة يقول إنما هي لكاع حجارة ومدر. وأبو سفيان يقول: -والمغيرة يضربها بالفأس- \"وآهًا لك وآهًا لك\" (٣) .\nوقرّت عين الرسول -صلوات الله عليه- بإسلام \"ثقيف\" بعد إباء عنيد ونفور جامح دام عشرين عاما:\n\"وتاريخ الدعوة الإسلامية، يروي لثقيف وإسلامها قصة قاتمة البداية؛ مشرقة النهاية\" (٤) .\nسنة ٩ هـ من رمضان \"قدوم رسول ملك حمير إلى رسول الله - ﷺ - بإسلامهم\": قال ابنُ كثير: \"قال الواقدي: وكان ذلك في رمضان سنة تسع. قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله - ﷺ - كتاب ملوك حمير ورسلهم بإسلامهم مقدمه من تبوك وهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان، وبعث إليه زرعة ذو يزن ملك بن مرة الرهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله\".\nسنة ١١ هـ ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان وفاة أم أبيها فاطمة بنت محمد ﵍:\nثبت في الصحيح عن عائشة أن فاطمة عاشت بعد النبي - ﷺ - ستة أشهر -﵂-.\nقال ابن كثير: \"يقال أنها لم تضحك في مدة بقائها بعده ﵇، وأنها كانت تذوب من حزنها عليه، وشوقها إليه\".\n_________\n(١) أي اللئام.\n(٢) المصاع: الضرب.\n(٣) \"البداية والنهاية\" (٥/٢٦-٣٠) .\n(٤) \"حدث في رمضان\" (ص ٦٩) .","vol":"1","page":366},{"text":"﵂ -، وتكنى أم أبيها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقًا به، وقال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟\nوكانت أصغر بنات النبي - ﷺ - على المشهور ولم يبق بعده سواها، فلهذا عظم أجرها لأنها أصيبت به ﵇. وليس له ﵇ نسل إلا من جهتها.\nسنة ٤٠ هـ يوم الجمعة سحر السبع عشرة خلت من رمضان \"استشهاد علي ابن أبي طالب\":\nفي مثل يوم بدر ١٧ من رمضان منّ الله باستشهاد عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله ﷿ وقاتله أشقى الآخرين كما صح عن سيد المرسلين.\nسنة ٥٨ هـ ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان وفاة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر (﵂) أم عبد الله زوجة رسول الله - ﷺ - وأحب أزواجه إليه، المبرأة من فوق سبع سماوات -﵂- وعن أبيها، لم يتزوج رسول الله - ﷺ - بكرًا غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، ولم يكن في أزواجه أحب إليه منها، وقد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حرير مرتين أو ثلاثا فيقول: هذه زوجتك.\nولما تكلم فيها أهل الإفك بالزور والبهتان، غار الله لها فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تُتلى على تعاقب الأيام. وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها.\nمات رسول الله - ﷺ - في يومها وفي بيتها وبين سحرها ونحرها، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة في الآخرة، ودفن في بيتها.\nقال - ﷺ -: \"إنه ليهون عليّ أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة\".\nتفرد به أحمد (١) . وهذا في غاية ما يكون من المحبة العظيمة أنه يرتاح لأنه رأى بياض كفها أمامه في الجنة \"فرضي الله عنها\" (٢) .\n_________\n(١) قال الساعاتي: إسناده لا بأس به.\n(٢) \"البداية والنهاية\" (٨/٩٥) .","vol":"1","page":367},{"text":"سنة ٩٥ هـ ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان موت الحجاج بن يوسف الثقفي: في أرجى الليالي لليلة القدر منّ الله على الأمة وأراحها من الغشوم الظلوم الحجاج بن يوسف الثقفي مبير هذه الأمة كما ثبت في حديث رسول الله - ﷺ - وكما قالت له أسماء.\nقال عنه عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم.\nقال ابن كثير: الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله -﷿-.\nلما بشر الحسن البصري بموت الحجاج سجد شكرًا لله تعالى.\nوأخبر طاووس بموت الحجاج مرارًا فلما تحقق وفاته قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الأنعام: ٤٥] (١) .\nوهذه منة من الله تعالى عظيمة حدثت في ليلة عظيمة من شهر عظيم.\nاستشهاد عبد الرحمن الغافقي في رمضان سنة ١١٤ هـ:\nاستشهد هذا البطل في معركة \"بلاط الشهداء\" أو \"تور بواتيه\"، \"يمكننا القول: إن عبد الرحمن هو أقدر قائد عسكري عرفته الأندلس في عصر الولاة، ومع قلة الأخبار التي وصلت إلينا عنه إلا أننا نستشف منها عظيم تقدير المؤرخين له وثناءهم عليه\" (٢) .\nهو القائد المسلم الذي تتحدث المصادر النصرانية عن شجاعته النادرة وبقدرته الحربية العظيمة.. هو القائد الذي يقول \"إن السماوات والأرض لو كانتا رتقا لجعل الله للمتقين منها مخرجا..\".\nهو القائد الذي زحف بسبعين إلى مائة ألف مقاتل عبر جبال البرانس إلى وسط أوروبا، فاستولى على مدينة آرل، ودوقية أقطانية، وهزم الدوق هزيمة قاسية، واستولى على مدينة تور، وفي تور بواتيه يلقى ربه شهيدا بعد أن كانت الغلبة له في بداية الأمر.\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٩/١٤٣-١٤٦) .\n(٢) \"معارك المسلمين في رمضان\" (ص ٥٤، ٥٥) .","vol":"1","page":368},{"text":"موت الإمام المحدث محمد بن شهاب الزهري أول من دوّن الحديث النبوي:\n\"قال ابن سعد وخليفة والزبير: مات لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة\" (١) .\nقيام الدولة العباسية سنة ١٣٢ هـ:\nبعد دخول أبي العباس عبد الله أول الخلفاء العباسيين دمشق.\nموت شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك\nوموت إمام الشافعية الإمام المزني كان في رمضان (٢) .\n٢٢١ هـ نصر أهل السنة في محنة خلق القرآن:\nوفيها نصر الله أهل السنة في محنة خلق القرآن بثبات إمامهم أحمد بن حنبل في العشر الأخير من رمضان رغم حبسه الطويل والضرب الشديد والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب، وقلة مبالاة أحمد بذلك وصبره وتمسكه بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم، فهيأه الله بما آتاه لبلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أوليائه.\nتخلعت يداه وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربه سوطين، ويقول المعتصم: شد قطع الله يديك، ويجيء الآخر فيضربه سوطين، ثم الآخر كذلك، فضربوه أسواطًا فأُغمى عليه وذهب عقله مرارًا فأطلقوه في يوم الخامس والعشرين من رمضان سنة ٢٢١ فلم يشعر إلا وهو في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجله. وأتوه -﵀- بسويق ليفطر فامتنع من ذلك وأتم صومه.\nيرحم الله بن حنبل وما أجمل ما قاله البخاري: \"لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة\".\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (٥/٣٥٠) .\n(٢) انظر \"سير أعلام النبلاء\" ترجمة ابن المبارك والإمام المزني.","vol":"1","page":369},{"text":"وقال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعليّ يوم الجمل وصفين\".\nإن ابن حنبل إن سألت إمامنا ... وإن الأئمة في الأنام تمسكوا\nخلف النبي محمد بعد الألى ... خلفوا الخلائف بعده واستهلكوا\nحذو الشراك على الشراك وإنما ... يحذو المثال مثالهُ المستمسك (١)\n***\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٩/١٤٣-١٤٦) .","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الباب العاشر\nأسرار الصوم وشروطه الباطنة</span>\n\"رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش\"\nجزء من حديث صحيح","vol":"1","page":371},{"text":"\"اعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص\".\n* أما صوم العموم: فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة.\n* وأما صوم الخصوص: فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام.\n* وأما صوم خصوص الخصوص: \"فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله بالكلية. فهو إقبال بكل الهمة على الله ﷿ وانصراف عن غير الله سبحانه\" (١) .\nيقول العلامة ابن رجب: \"الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عمّا سوى الله، فيحفظ الرأس وما حَوى، ويحفظ البطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته\" (٢) .\nأهل الخصوص من الصُوّام صومهم ... صون اللسان عن البهتان والكذب\nوالعارفون وأهل الأنس صومهم ... صون القلوب عن الأغيار والحجب\nالعارفون لا يسليهم عن رؤية مولاهم قصر، ولا يرويهم دون مشاهدته نهر، هممهم أجل من ذلك.\nكبرت همة عبد ... طمعت في أن تراك\nمن يصم عن مفطرات ... فصيامي عن سواك\n* من صام عن شهواته أدركها غدًا في الجنة، ومن صام عمّا سوى الله فعيده يوم لقائه (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) [العنكبوت:٥] .\nوقد صمت عن لذات دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي\nيا معشر التائبين: صوموا اليوم عن شهوات الهوى لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء لا يطولن عليكم الأمل باستبطاء الأجل، فإن معظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (١/٢٧٧) .\n(٢) \"لطائف المعارف\" (ص ١٦٨-١٦٩) .","vol":"1","page":373},{"text":"قد اقترب.\nإن يومًا جامعًا شملي بهم ... ذاك عيدي ليس لي عيد سواه\nصوم الصالحين:\nكف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور:\nالأول: غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره، وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله -﷿-.\nقال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ...) [النور: ٣٠-٣١] .\nأدب نفسي واستعلاء على الرغبة وطهر للمشاعر، وارتفاع وعلو عن عدم الارتكاس إلى الدرك الحيواني الهابط، وإغلاق للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية وثمرته حفظ الفرج.\nعن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن نظرة الفجأة فقال: اصرف بصرك (١) .\nيا أخي: كان عيسى -﵇- يقول: النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها خطيئة.\nأخي: من أطلق طرفه كان كثيرًا أسفه.\nفحذار أخي من فضول النظر فضلًا عن النظر إلى الشيطان المرئي المسمى بالتلفاز ويكفي ما فيه من فتن المارقات العاصيات ونظراتهن الجائعة الجاهرة المتلصصة الهاتفة المثيرة التي تثير كوامن الفتنة في صدور الرجال. نظرات خائنة وتكشّف وعري وتنزي كما تتنزى البهيمة، وتهتف للذكور حينما كانت هتاف الحيوان بالحيوان.\n_________\n(١) رواه مسلم: وهو من أفراده.","vol":"1","page":374},{"text":"لواحظنا تجني ولا علم عندها ... وأنفسنا مأخوذة بالجرائر\nولم أر أغبى من نفوس عفائف ... تصدق أخبار العيون الفواجر\nومن كانت الأجفان حُجّاب قلبه ... أذِنّ على أحشائه بالفواقر\nولله در من يقول:\nوأنا الذي اجتلب النية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل\nوانظر يا أخي إلى أخبار من مضى، قال أبو الأديان: كنت مع أستاذي أبي بكر الدقاق فمر حدث فنظرت إليه، فرآني أستاذي وأنا أنظر إليه فقال: يا بني لتجدنّ غبها ولو بعد حين. فبقيت عشرين سنة وأنا أراعي الغِبّ، فنمت ليلة وأنا متفكر فيه فأصبحت وقد نسيت القرآن كله (١) .\n\"عن أحمد بن سعيد العابد عن أبيه قال: كان عندنا بالكوفة شاب متعبد لازم المسجد الجامع لا يكاد يفارقه، وكان حسن الوجه حسن القامة حسن السمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل فشغفت به وطال عليها ذلك، فلما كان ذات يوم وقفت له على الطريق وهو يريد المسجد فقالت له: يا فتى اسمع مني كلماتٍ أكلمك بها ثم اعمل ما شئت، فمضى ولم يكلمها، ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه وهو يريد منزله فقالت له: يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها، فأطرق مليًا وقال لها: هذا موقف تهمة وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعًا، فقالت له: والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك ولكن -معاذ الله- أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني، والذي حملني على أن لقيتك في مثل هذا الأمر بنفسي لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، وأنتم -معاشر العباد- على مثال القوارير أدنى شيء يعيبها، وجملة ما أقول لك: إن جوارحي كلها مشغولة بك فالله الله في أمري وأمرك، قال: فمضى الشاب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي! فأخذ قرطاسًا وكتب كتابًا ثم خرج من منزله وإذا بالمرأة واقفة في موضعها فألقى الكتاب إليها ورجع إلى منزله، وكان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: اعلمي أيتها المرأة أن الله -﷿- إذا عصاه العبد حلم، فإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره، فإذا لبس لها\n_________\n(١) \"التبصرة\" (١/١٦١) .","vol":"1","page":375},{"text":"ملابسها غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضيق منها السماوات والأرض والجبال والشجر والدواب فمن ذا يطيق غضبه، فإن كان ما ذكرت باطلًا فإني أذكرك يومًا تكون السماء فيه كالمهل، وتصير الجبال كالعهن، وتجثو الأم لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح غيري؟ وإن كان ما ذكرت حقًا فإني أدلك على طبيب هدى يداوي الكلوم الممرضة والأوجاع المرمضة ذلك الله رب العالمين فاقصديه بصدق المسألة، فإني مشغول عنك بقوله تعالى: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع * يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) [غافر: ١٨-١٩] فأين المهرب من هذه الآية؟!.\nثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على الطريق فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله كيلا يراها، فقالت: يا فتى لا ترجع فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدًا إلا غدًا بين يدي الله تعالى، ثم بكت بكاءً شديدًا وقالت: أسأل لك الله الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك، ثم إنها تبعته وقالت: امتن عليّ بموعظة أحملها عنك وأوصيني بوصية أعمل عليها، فقال لها: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك، وأذكرك قوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) [الأنعام: ٦٠] قال: فأطرقت وبكت بكاءً شديدًا أشد من بكائها الأول، ثم إنها أفاقت ولزمت بيتها وأخذت في العبادة فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدًا، فكان الفتى يذكرها بعد موتها ثم يبكي، فيقال له: مم بكاؤك وأنت قد أيأستها من نفسك؟ فيقول: إني قد ذبحت طمعها في أول أمرها، وجعلت قطيعتها ذخيرة لي عند الله تعالى، فأنا استحي منه أن استرد ذخيرة ادخرتها عنده تعالى\" (١) .\nفقل للناظرين إلى المشتهى في ديارهم، هذا أنموذج من دار قرارهم، فإن استعجل أطفال الهوى قدارِهم، وعِدْهمُ قرب الرحيل إلى ديارهم (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) [النور: ٣٠] .\nالثاني: حفظ اللسان: عن فضول الكلام والهذيان والخوض في الباطل والمراء والجدال والخصومة والكذب والنميمة والفحش والجفاء والمراء والسب وبذاءة اللسان\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (٣/١١٤-١١٥) .","vol":"1","page":376},{"text":"واللعن والسخرية والاستهزاء وإلزامه السكوت والصمت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن فهذا صوم اللسان.\nفمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم.\nوقد قال - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"عليك بحسن الخلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما تجمل الخلائقُ بمثلهما\" (٢) .\nوقال الحسن: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه.\nوقال محمد بن واسع لمالك بن دينار: يا أبا يحيى حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم.\nوليتدبر الإنسان قول الله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق ١٨] .\nقال الحسن: يا ابن آدم قد بسطت لك صحيفة ووكل بها ملكان كريمان يكتبان أعمالك فاعمل ما شئت وأكثر وأقل.\nقال - ﷺ -: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة\" (٣) .\nوكان علقمة يقول: كم من كلام منعنيه حديث بلال بن الحارث وليعلم العبد أن الموت بين يديه، وأنه مسؤول عن كل كلمة، وأن أنفاسه رأس ماله، وأن لسانه شبكة يقدر أن يقتنص بها الحور العين فإهماله ذلك وتضييعه خسران مبين.\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.\n(٢) حسن: رواه ابن أبي الدنيا، والبزار، والطبراني في \"الأوسط\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن أنس، وأبو الشيخ عن أبي ذر وأبي الدرداء وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٠٤٨) .\n(٣) رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن بلال بن الحارث وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (١٦١٩) .","vol":"1","page":377},{"text":"وليعلم العبد أن \"الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم هو ضرر ومنفعة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة\".\nفأما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر.\n* وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران.\nفلا يبقى إلا القسم الرابع، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي ربع، وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقيق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجًا يخفي دركه فيكون الإنسان به مخاطرًا\" (١) .\nوفصل الخطاب قوله - ﷺ -: \"من صمت نجا\" صلى الله على من أوتي جواهر الحكم وجوامع الكلم، ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواصُ العلماءِ.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"الصيام جُنة من النار، فمن أصبح صائمًا فلا يجهل يومئذ، وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه، وليقل إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" (٣) .\nوعند البخاري من حديث أبي هريرة قال - ﷺ -: \"قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب (٤)، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم....\" الحديث.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/١٢٦):\n(فلا يرفث) بالضم والكسر ويجوز في ماضيه التثليث: والمراد بالرفث هنا: وهو\n_________\n(١) رواه أحمد والترمذي عن ابن عمرو وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٣٦٧) .\n(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة.\n(٣) صحيح: رواه النسائي عن عائشة وصححه السيوطي والألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٧٨) .\n(٤) للأكثر بالصاد، ولبعضهم بالسين وهو بمعناه: والصخب: الخصام والصياح.","vol":"1","page":378},{"text":"بفتح الراء والفاء: الكلام الفاحش، \"وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته وعلى ذكره مع النساء أو مطلقًا\" (١)، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها.\n(ولا يجهل) أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك.\nولسعيد بن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه \"فلا يرفث ولا يجادل\" قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم\".\nقال المناوي: \"لا يفعل خلاف الصواب من قول أو فعل، فهو أعم مما قبله، أو لا يعمل بخلاف ما يقتضيه العلم\" (٢) .\n(وإن امرؤ قاتله أو شاتمه) (٣):\nقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٢٦):\n\"اتفقت الروايات كلها على أنه يقول: \"إني صائم\" فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة، وقد استشكل ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصًا المقاتلة، والجواب عن ذلك بأن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها، أي إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته فليقل إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله \"قاتله\" شاتمه لأن القتل يطلق على اللعن واللعن من جملة السب -ويؤيده ما ذكرت من الألفاظ المختلفة فإن حاصلها يرجع إلى الشتم- فالمراد من الحديث: أن لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله \"إني صائم\".\nواختلف في المراد بقولها \"فليقل إني صائم\" هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك أو\n_________\n(١) من قول أبي زرعة.\n(٢) \"فيض القدير\" (٤/٤٢٤) .\n(٣) في رواية صالح \"فإن سابه أحد أو قاتله\" وعند سعيد بن منصور \"فإن سابه أحدًا أو ماراه\" ولابن خزيمة من حديث أبي هريرة \"فإن سابك أحد فقل إني صائم\" وإن كنت قائمًا فاجلس\" وللنسائي من حديث عائشة \"وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه\".","vol":"1","page":379},{"text":"يقولها في نفسه؟ وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجّح النووي الأول في \"الأذكار\"، وقال في \"شرح المهذب\" كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى ولو كان جمعهما لكان حسنًا، ولهذا التردد أتى البخاري في ترجمته بالاستفهام فقال: \"باب هل يقول إني صائم إذا شتم؟ \"، وقال الروياني: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقله في نفسه. وادعى ابن العربي أن موضع الخلاف في التطوع. وأما الفرض فيقوله بلسانه قطعًا.\nوأما تكرير قوله \"إني صائم\" فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك، ثم قال ابن حجر: \"المراد بالمفاعلة -قاتله- إرادة غير الصائم ذلك من الصائم، وقد تطلق المفاعلة على التهيؤ لها ولو وقع الفعل من واحد، وقد تقع المفاعلة بفعل الواحد كما يقال لواحد عالج الأمر وعافاه الله\".\nقال المناوي: \"فليقل بلسانه إني صائم عن مكافأتك أو عن فعل ما لا يرضاه من أصومُ له بحيث يسمعه الصائم وجمعه بين اللسان والجنان أولى فيذكر نفسه بإحضاره صيامه بقلبه ليكف نفسه وينطق بلسانه لينكف عنه خصمه\".\nقال ابن القيم: \"أرشد إلى تعديل قوي الشهوة والغضب وأن على الصائم أن يحتمىَ من إفسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره\" (١) .\n* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه\" (٢) .\nوعند ابن ماجه قال رسول - ﷺ -: \"من لم يدع قول الزور، والجهل، والعمل به، فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه\" (٣) .\nوالضمير \"به\" في الأول يعود على قول الزور، وفي الثاني يعود على الجهل.\nوالمراد بقول الزور: الكذب، والجهل: السفه، والعمل به: أي بمقتضاه.\n_________\n(١) \" فيض القدير\" للمناوي (١/٤٢٤) .\n(٢) رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي. قال ابن حجر \"زاد في نسخة الصغاني\" في الصوم.\n(٣) صحيح: صححه الألباني في \"صحيح ابن ماجه\" رقم (١٣٧٠)، و\"صحيح أبي داود\" (٢٠٤٥) .","vol":"1","page":380},{"text":"وفي حديث أنس عند الطبراني في \"الأوسط\" \"من لم يدع الخنا والكذب\".\nقال ابن حجر: ورجاله ثقات.\n\"فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه\".\n\"قال ابن بطال: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه\".\nوقال ابن الكمال: هذا وما أشبهه يتفرع على الكناية أي ليس له اعتبار عند الله.\nوقال الزين العراقي: أي ليس مطلوب له. وقال ابن حجر: \"معناه فليس لله إرادة في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة، وقد سبق أبو عمر بن عبد البر إلى شيء من ذلك. قال ابن المنير في الحاشية: بل هو كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن ردّ عليه شيئًا طلبه منه فلم يقم به: لا حاجة لي بكذا، فالمراد ردّ الصوم المتلبس بالزور وقبول السالم منه.\nقال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه.\nوقال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر المقبول، فنفى السبب وأراد المسبب والله أعلم. واستدل به على أن هذه الأفعال تنقص الصوم، وتعقب بأنها صغائر تكفر باجتناب الكبائر. والرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما علم النهي عنه مطلقًا، والصوم مأمور به مطلقًا، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة فيه معنى يفهمه، فلما ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين: أحدهما: زيادة قبحها في الصوم على غيرها، والثاني: البحث على سلامة الصوم عنها وأن سلامته منها صفة كمال فيه، فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة منها، قال: فإذا لم يسلم عنها نقص. ثم قال: ولا شك أن التكاليف قد ترد بأشياء وينبه بها على أخرى بطريق الإشارة، وليس المقصود من الصوم العدم المحض كما في المنهيات لأنه يشترط له النية بالإجماع، ولعلّ القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله وأمر","vol":"1","page":381},{"text":"بالإمساك عن المفطرات، ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات، فيكون اجتناب المفطرات واجبًا، واجتناب ما عداها من المخالفات من المكملات والله أعلم\" (١) .\nقال المناوي: \"قال الطيبي فيه دليل على أن الكذب والزور أصل الفواحش ومعدن النواهي بل هو قرين الشرك قال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور) [الحج: ٣٠]، وقد علم أن الشرك مضاد الإخلاص وللصوم مزيد اختصاص بالإخلاص فيرتفع بما يضاده\" (٢) .\nالغيبة والصيام:\nقال ابن حجر: \"الغيبة تضر بالصيام، وقد حكي عن عائشة، وبه قال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم. وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كانت فعلًا أو قولًا، لعموم قوله \"فلا يرفث ولا يجهل\"، وقوله: \"من لم يدع ... \"، والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع\" (٣) .\nقال أبو العالية: \"الصائم في عبادة وإن كان راقدًا على فراشه ما لم يغتب\" (٤)\nفكانت حفصة تقول: \"يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي\" (٥) .\nقال العلامة ابن رجب: وفي حديث آخر \"ليس الصيام من الطعام والشراب إنما الصيام من اللغو والرفث\"، وقال الحافظ أبو موسى المديني على شرط مسلم. قال بعض السلف: \"أهون الصيام ترك الشراب والطعام\".\nوقال جابر: \"إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/١٤٠/١٤١) .\n(٢) \"فيض القدير\" (٦/٢٢٤) .\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/١٢٥-١٢٦) .\n(٤) رواه عبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\" وهو صحيح موقوف عل أبي العالية.\n(٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، ونقل ذلك ابن رجب في \"لطائف المعارف\" (ص ١٦٥) .","vol":"1","page":382},{"text":"إن التقرب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات ثم تقرب إلى الله تعالى بترك المباحات كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل. وإن كان صومه مجزئًا عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته لأن العمل إنما يبطل بارتكاب ما نهي عنه فيه لخصوصه دون ارتكاب ما نهي عنه لغير معنى يختص به هذا هو أصل قول جمهور العلماء، ولهذا المعنى والله أعلم ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشراب. على الصائم بالنهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل، فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان بخلاف الطعام والشراب إلى أنّ من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل فإنه محرم بكل حال لا يباح في وقت من الأوقات\" (١) .\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"رب قائم حظه من قيامه السهر، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش\" (٣) .\nقال الغزالي: \"قيل هو الذي يفطر على حرام، أو من يفطر على لحوم الناس بالغيبة، أو من لا يحفظ جوارحه عن الآثام\".\nقال المناوي: \"أما الفرض فيسقط والذمة تبرأ بعمل الجوارح فلا يعاقب عقاب ترك العبادة بل يعاتب أشد عتاب حيث لم يرغب فيما عند ربه من الثواب\" (٤) .\nالثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه:\nلأن كل ما حُرّم قوله حُرِّم الإصغاء إليه، ولذلك سوى الله -﷿- بين المستمع\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ١٦٣، ١٦٤) .\n(٢) صحيح: رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه أيضًا النسائي، وصححه السيوطي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (رقم ٣٤٨٨) .\n(٣) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن ابن عمر، وأحمد والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة، قال المناوي: \"قال الحافظ العراقي إسناده حسن، وقال تلميذه الهيثمي: رجاله موثقون\" وصححه السيوطي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٤٩٠) .\n(٤) \"فيض القدير\" (٤/١٦) .","vol":"1","page":383},{"text":"وآكل السحت، فقال تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت) [المائدة: ٤٢]، وقال ﷿: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت) [المائدة: ٦٣] .\nولله در الشاعر:\nإذا لم يكن في السمع مني تصاون ... وفي بصري غض وفي منطقي صمتُ\nفحظي إذًا من صومي الجوع والظما ... فإن قلت إني صمت يومي فما صمتُ\nالرابع: كف بقية الجوارح عن الآثام:\nكف اليد والرِجل عن المكاره، وكفّ البطن عن الشهوات وقت الإفطار. فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام. فمثال هذا الصائم مثال من يهدم قصرًا ويبني مصرًا، فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لا بنوعه، فالصوم لتقليله، وتارك الاستكثار من الدواء خوفًا من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان سفيهًا. والحرام سم مهلك للدين. والحلال دواء ينفع قليله، ويضر كثيره، وقصد الصوم تقليله.\nالخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار: لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتليء جوفه، فما من وعاء أبغض إلى الله ﷿ من بطن مليء من حلال، وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر.\nورقة القلب وصفاؤه إِنما تكون بترك الشبع.\nقال الجنيد: يجعل أحدهم بينه وبين صدره مخلاة من الطعام ويريد أن يجد حلاوة المناجاة.\n- عند أكل الصالحين تنزل الرحمة.\n- حق للمرء أن يتناول الطعام تناول مضطر عالم بقذارة مآله، \"وأن يرى إدخاله في نفسه كدخول المستراح، ويتحقق أن نسبة الإنسان إلى الثمار والفواكه نسبة الجعل إلى الروث، فلو نطق الشجر لقال لك أنت تأكل فضالتي، كما يأكل الجعل فضالتك،","vol":"1","page":384},{"text":"والخنزير إذا استطاب لفاظة الإنسان فما هو إلا كاستطابتنا لفاظة الشجر\" (١) .\n- حسب ابن آدم لقيمات وذلك دون عشر لقيمات لأن جمع القلة بالألف والتاء لما دون العشرة.\nومن أكل كثيرًا نام كثيرًا فخسر كثيرًا، وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجّد، وإن تهجد لم يجد حلاوة العبادة.\nيقول الحسن: \"حتى إذا أخذته الكظة ونزلت به البطنة قال: يا غلام ائتني بشيء أهضم به طعامي، يا لكع أطعامك تهضم؟ إنما تهضم دينك\".\nومن أخلى معدته من الطعام فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يخل همته من غير الله ﷿ وذلك هو الأمر كله.\nالسادس: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقًا بين الخوف والرجاء (٢):\nإذ ليس يدري أيُقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين؟ وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها.\nفقد رُوي عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون فقال: \"إن الله ﷿ جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه لطاعته فسبق قوم ففازوا، وتخلف قوم فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون. أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته\" أي كان سرور المقبول يشغله عن اللعب، وحسرة المردود تسدّ عليه باب الضحك.\nوعن الأحنف بن قيس: \"أنه قيل له إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك، فقال: إني أعده لسفر طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه. فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم\".\nفالمقصود من الصوم: قمع الشهوات والارتفاع إلى أعلى عليين. والالتحاق بأفق\n_________\n(١) \"الذريعة إلى مكارم الشريعة\" (ص ٣١١) .\n(٢) هذه الشروط الستة ذكرها الغزالي في \"الإحياء\" (١/٢٧٥-٢٨٠) .","vol":"1","page":385},{"text":"الملائكة، والملائكة مقربون من الله ﷿، والذي يقتدي بهم ويتشبه بهم يقرب من مولاه كقربهم، فإن الشبيه من القريب قريب، فإذا علمت هذا فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخرى طول النهار.\nقال أبو الدرداء: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم، ولذرة من ذوي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين.\nولذلك قال بعض العلماء: كم من صائم مفطر، ومفطر صائم ومن فهم معنى الصوم وسره علم أن مثل من كفّ عن الأكل والجماع وأفطر بمخالطة الآثام وإطلاق الجوارح كمن مسح على عضو من أعضائه في الوضوء ثلاث مرات وترك الغسل فصلاته مردودة عليه. وجمع بين هذه المعاني وبين الواجبات الظاهرة في الصوم فقد جمع الأصل والفضل وهو الكمال.\nالصوم على أربعة أنواع.\nقال الحافظ ابن حجر: \"نقل بن العربي عن بعض الزهاد أن الصوم على أربعة أنواع:\n١- صيام العوام: وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع.\n٢- وصيام خواص العوام: وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول أو فعل.\n٣- وصيام الخواص: وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته.\n٤- وصيام خواص الخواص: وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلى يوم القيامة، وهذا مقام عالٍ\" (١) ا. هـ.\nقال ابن الجوزي: \"الصوم ثلاثة: صوم الروح وهو قصر الأمل، وصوم العقل وهو مخالفة الهوى، وصوم الجوارح وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع\" (٢) .\nوقال: \"وما من جارحة في بدن الإنسان إلا ويلزمها الصوم في رمضان وغير رمضان، فصوم اللسان ترك الكلام إلا في ذكر الله تعالى، وصوم السمع ترك الإصغاء\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/١٣١-١٣٣) .\n(٢) \"بستان الواعظين\" (ص ٣١٦، ٣١٧) .","vol":"1","page":386},{"text":"إلى الباطل وإلى ما لا يحلّ سماعه، وصيام العينين ترك النظر والغض عن محارم الله\" (١) .\nذم أعرابي قومًا فقال: يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفواحش.\n* وفي \"رسالة الحقوق\" لعلي زين العابدين:\n\"حق الصوم أن تعلم أنه حجاب ضربه الله على لسانك وسمعك وبصرك، وفرجك وبطنك، ليسترك به من النار، وهكذا جاء في الحديث \"الصوم جنة من النار\".\nفإن سكنت أطرافك في حجبتها ورجوت أن تكون محجوبًا، وإن أنت تركتها تضطرب في حجابها وترفع جنبات الحجاب فتطلع إلى ما ليس لها بالنظرة الداعية للشهوة، والقوة الخارجة عن حدّ التقية لله لم تأمن أن تخرق الحجاب، وتخرج منه، ولا قوة إلا بالله. فإن تركت الصوم خرقت ستر الله عليك\" (٢) .\n* \"عن طليق بن قيس، قال، قال أبو ذر: \"إذا صمت فتحفّظْ ما استطعت، فكان طليق إذا كان يوم صومه دخل ولم يخرج إلا للصلاة\" (٣) .\nقالوا: \"صوم القدمين كفهما عن البطش والسعي إلى ما يكتب عليهما وزره ويبقى قبلهما تباعته وإثمه\".\nالشهور كأولاد يعقوب:\n\"قيل الشهور الاثنى عشر كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام. وشهر رمضان بين الشهور كيوسف بين إخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علّام الغيوب.\nنكتة حسنة لأمة محمد - ﷺ -: إن كان في يوسف من الحلم والعفو ما غمر جفاهم حين قال (لا تثريب عليكم اليوم) [يوسف: ٩٢]، فذلك شهر رمضان فيه من الرأفة والبركات والنعمة والخيرات، والعتق من النار، والغفران من الملك القهار، ما يغلب جميع الشهور.\n_________\n(١) \"بستان الواعظين\" (ص ٣٠٠، ٣٠١) .\n(٢) \"عليّ زين العابدين\" (ص ١٠٧) .\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/٣)، باب: ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب.","vol":"1","page":387},{"text":"جاء أخوة يوسف معتمدين عليه في سد الخلل، وإزاحة العلل بعد أن كانوا خطايا زلل، فأحسن لهم الإنزال، وأصلح لهم الأحوال، وبلّغهم غاية الآمال، وأطعمهم في الجوع، وأذن لهم في الرجوع، وقال لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلّهم يعرفونها، فَسَدّ الواحد خلل أحد عشر، كذلك رمضان واحد والشهور أحد عشر، وفي أعمالنا خلل وأي خلل، ويرجو العبد أن يتلافى شهر رمضان ما فرّط فيه في سائر الشهور.\nكان ليعقوب أحد عشر ولدًا ذكورًا بين يديه حاضرين، ينظر إليهم، ويراهم ويطّلع على أحوالهم وما يبدو من فعالهم، ولم يرتد بصره بشيء من ثيابهم، وارتد بقميص يوسف بصيرًا، وصار بصره منيرًا، فكذلك المذنب إذا شمّ روائح رمضان، وجلس فيه مع المذكرين وقرأ القرآن، وصحبهم بشرط الإسلام والإيمان، وترك الغيبة والبهتان، يصير إن شاء الله مغفورًا له بعد ما كان عاصيًا، وقريبًا بعد ما كان قاصيًا، ينظر بقلبه بعد العمى، ويسعد بقربه بعد الشقا، ويقابل بالرحمة بعد السخط.\nفالله الله اغتنموا هذه الفضيلة، في هذه الأيام القليلة، تعقبكم النعمة الجزيلة، والدرجة الجليلة والراحة الطويلة، والحالة الرضية، والجنة السرية والعيشة الرضية، لا تنال إلا بالوقار لهذا الشهر، ومن لا يوقره كان مصيره إلى النار\" (١) .\nالصوم لم يعبد به غير الله؟\n* قال الحافظ ابن حجر في معنى \"الصيام لي\" وذكر من معانيه:\n\"سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يعبد به غير الله، بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك، واعترض على هذا بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات، فإنهم يتعبدون لها بالصيام. وأجيب بأنهم لا يعتقدون إلهية الكواكب وإنما يعتقدون أنها فعالة بأنفسها، وهذا الجواب عندي ليس بطائل، لأنهم طائفتان، إحداهما كانت تعتقد إلهية الكواكب وهم من كان قبل ظهور الإسلام واستمر منهم من استمر على كفره، والأخرى من دخل منهم في الإسلام واستمر على تعظيم الكواكب وهم الذين أشير إليهم\" (٢) .\n_________\n(١) \"بستان الواعظين\" بتصرف (ص ٣١٧-٣١٩) .\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/١٣٠-١٣١) .","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>الباب الحادي عشر\nالموضوع والضعيف في الصوم</span>","vol":"1","page":389},{"text":"(١) (شهر رمضان معلق بين السماء والأرض، ولا يرفع إلى الله إلا بزكاة الفطر) .\nضعيف: رمز له السيوطي في \"الجامع الصغير\" بالضعف، وقال المناوي: \"أورده بن الجوزي في \"الواهيات\" وقال: لا يصح فيه محمد بن عبيد المصري مجهول لا يتابع عليه\" وأقره الحافظ عليه.\nقال الألباني: ثم إن الحديث لو صح لكان ظاهر الدلالة على أن قبول صوم رمضان يتوقف على إخراج صدقة الفطر، فمن لم يخرجها لم يقبل صومه، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم يقول به \"الضعيفة\" رقم (٤٣ ج ١/٥٩/٦٠) .\n(٢) (صوموا تصحوا) .\nضعيف: قال العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٣/٧٥):\nرواه الطبراني في الأوسط \"وأبو نعيم في \"الطب النبوي\" من حديث أبي هريرة بسند ضعيف\".\nقال الألباني \"ولا ينافيه قول المنذري في \"الترغيب\" (٢/٦٠) والهيثمي في \"المجمع\" (٣/١٧٩) \"ورجاله ثقات\"، لأنه لا ينفي أن يكون في السند معه ثقة رجاله علة تقتضي ضعفه كما لا يخفى على العارف بقواعد هذا العلم، ولعلّ الصغاني قد بالغ حين قال (ص ٧): \"وهذا الحديث موضوع\".\n(٣) عن سلمان الفارسي قال:\nخطبنا رسول الله - ﷺ - آخر يوم من شعبان فقال: \"يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن، ومن فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء. قالوا: يا رسول الله","vol":"1","page":391},{"text":"ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم. قال: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن، أو تمرة، أو شربة من ماء، ومن أشبع صائما سقاه الله من الحوض شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوله رحمة، ووسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى بكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غنى بكم عنهما، فتسألون الجنة، وتعوذون من النار\" (١) .\nمنكر: \"فيه علي بن زيد بن جدعان؛ فإنه ضعيف كما قال أحمد، وقال الإمام بن خزيمة \"لا أحتج به لسوء حفظه\" ولذلك لما روى هذا الحديث في صحيحه قرنه بقوله \"إن صح الخبر\" وأقره المنذري في \"الترغيب\" (٢/٦٧) (٢) \".\n(٤) (إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أول ليلة من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق الجنة عن الحور العين، فقلن: يا رب اجعل لنا من عبادك أزواجا تقر بهم أعيننا وتقر أعينهم بنا) (٣) .\nمنكر: فيه الوليد بن الوليد القلانسي واه، وقال الدارقطني والنسائي متروك وقال الذهبي: تفرد به الوليد بن الوليد القلانسي وقد تركوه\" يعني هذا الحديث وفي طريق ابن خزيمة \"جرير بن أيوب البجلي\".\nقال ابن خزيمة \"إن صح الخبر، فإن في القلب من جرير من أيوب البجلي\".\nوقال المنذري \"جرير من أيوب واهٍ، ولوائح الوضع عليه\".\nوأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\".\n_________\n(١) رواه المحاملي في \"الأمالي\" وابن خزيمة في صحيحه (١٨٨٧) وقال: إن صح، والواحدي في \"الوسيط\".\n(٢) قول الألباني في \"الضعيفة\" رقم (٨٧١ ج ١/٢٦٢-٢٦٣) .\n(٣) أخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\"، وتمام في \"الفوائد\" وابن عساكر عن ابن عمر وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١٨٨٦) من حديث جرير بن أيوب البجلي عن الشعبي عن نافع بن بردة عن أبي مسعود الغفاري مرفوعا به.","vol":"1","page":392},{"text":"(٥) (لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم) (١) .\nضعيف: أما حديث أبي هريرة ففيه: موسى بن عبيدة الربذي.\nقال البوصيري في \"الزوائد\" متفق على تضعيفه، وأما حديث سهل بن سعد ففيه حمّاد بن الوليد.\n* قال ابن عدي \"لا أعلم يرويه عن الثوري غير حماد، ولحماد أحاديث غرائب، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه\".\n* وقال ابن حبان في \"الضعفاء والمتروكين\" \"يسرق الحديث، ويلزق بالثقات ما ليس من أحاديثهم\".\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح.\nوقال الهيثمي: حماد بن الوليد: ضعيف.\nوقال الذهبي في ضعائفه: متروك ساقط \"الضعيفة\" رقم (٣٠١٣٢٩/٤٩٧-٤٩٨) .\n(٦) (من صام يومًا ابتغاء وجه الله تعالى، بعده الله ﷿ من جهنم كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما) (٢) .\nضعيف: في حديث أبي هريرة عند أحمد شيخ لهيعة لم يسم - ولهيعة \"مستور\"، لم يوثقه غير ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول الحال.\nورواه الطبراني في \"الأوسط\" من حديث سلامة بن قيصر وفيه سهل بن بكر ضعيف، وزبان بن قائد ضعيف والحديث لا يصح كما قال البخاري لأن مداره على ابن لهيعة. وقد اختلفوا في إسناده.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، وابن ماجه ووكيع في \"الزهد\"، وابن عدي في \"الكامل\" عن أبي هريرة، ورواه الطبراني في \"الكبير\" وابن عدي في \"الكامل\" وابن الجوزي في \"الأحاديث الواهية\" عن سهل بن سعد.\n(٢) أخرجه أحمد عن أبي هريرة وضعفه الألباني في \"الضعيفة\" رقم (٣١٣٣٠/٤٩٨/٥٠٠) .","vol":"1","page":393},{"text":"(٧) (أشعرت يا بلال إن الصائم تسبح عظامه، وتستغفر له الملائكة ما أُكل عنده) (١)\nموضوع: فيه محمد بن عبد الرحمن القشيري:\nقال أبو حاتم: متروك الحديث كان يكذب ويفتعل الحديث.\nوقال الذهبي: متهم ليس بثقة.\nوقال أبو الفتح الأزدي: كذاب متروك.\nوقال الألباني: يكذب في الحديث فمثله يكون حديثه موضوعًا ولا كرامه.\n(٨) (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانت نورا بين عينيه يوم القيامة) (٢) .\nضعيف: فيه كيسان أبو عمر ضعفه الدارقطني والبيهقي وابن الملقن في \"خلاصة البدر المنير\" وابن حجر، وقال العراقي حديث ضعيف جدا. وضعّفه الحافظ الغساني (٣) .\nوما بين كيسان وبين علي غير معروف، وضعفه الألباني.\n(٩) (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله ﷿ إلى خلقه، وإذا نظر الله ﷿ إلى عبده لم يعذبه أبدا، ولله ﷿ في كل ليلة ألف ألف عتيق من النار) (٤) .\nموضوع. فيه عثمان بن عبد الله الشامي.\nقال عنه الضياء المقدسي: متهم في روايته.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" وحكم عليه بالوضع الألباني في \"الضعيفة\" رقم (٣١٣٣١/٥٠٠-٥٠١) .\n(٢) أخرجه الطبراني، والدارقطني وعنه البيهقي عن علي موقوفا، وأخرجوه عن خباب عن النبي - ﷺ - \"الضعيفة\" رقم (٤٠١ ج ١/٣٩٤) .\n(٣) قال الغسائي في \"تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني\" (٢٥٣): عبد الصمد وكيسان ليسا بقويين.\n(٤) رواه ابن فنجويه في \"مجلس من الأمالي في فضل رمضان\" عن أبي هريرة مرفوعا ومن هذا الوجه الضياء المقدسي في \"المختارة\".","vol":"1","page":394},{"text":"وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" ثم قال \"موضوع، وفيه مجاهيل، والمتهم به عثمان، يضع\" وأقره السيوطي في \"اللآليء\" والألباني في \"الضعيفة\" (٢٩٩ ج ١/٣١٣) .\n(١٠) (إن الله ليس بتارك أحدا من المسلمين صبيحة أول يوم من شهر رمضان إلا غفر له) (١) .\nموضوع: فيه سلام الطويل اتهمه غير واحد بالكذب والوضع وشيخه زياد بن ميمون وضاع باعترافه.\nأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\"، وأقره الألباني.\n(١١) (سبحان الله ماذا تستقبلون، وماذا يستقبل بكم؟ قالها ثلاثا فقال عمر: يا رسول الله وحي نزل أو عدو حضر؟ قال: لا، ولكن الله يغفر في أول ليلة من رمضان لكل أهل هذه القبلة، قال: وفي ناحية القوم رجل يهز رأسه يقول بخ بخ!!، فقال له النبي - ﷺ -: كأنك ضاق صدرك مما سمعت؟ قال: لا والله يا رسول الله ولكن ذكرت المنافقين، فقال النبي - ﷺ -: إن المنافق كافر، وليس لكافر في ذا شيء) (٢) .\nمنكر: فيه عمرو بن حمزة ضعفه الدارقطني، وقال البخاري والعقيلي: \"لا يتابع على حديثه\". وفيه خلف أبو الربيع لم يذكر له البخاري ولا ابن خزيمة ولا ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلا.\nقال الألباني: وجملة القول: أن هذا الحديث عندي منكر لتفرد هذين المجهولين به.\n(١٢) (صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر) (٣) .\nمنكر: الموقوف منه على عبد الرحمن بن عوف صحح إسناده الدارقطني والألباني.\n_________\n(١) رواه الخطيب (٥/٩١) من طريق سلام الطويل عن زياد بن ميمون عن أنس مرفوعا. قاله الألباني في \"الضعيفة\" رقم (٢٩٦ ج ١/٣١٠) .\n(٢) رواه الطبراني في \"الأوسط\" من زوائده، وأبو طاهر الأنباري في \"مشيخته\" وابن فنجويه في \"فضل رمضان\" والواحدي في \"الوسيط\" والدولابي في \"الكنى\" عن أنس بن مالك، ورواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" وابن خزيمة قاله الألباني في \"الضعيفة\" رقم (٢٩٨ ج ١/٣١٢-٣١٣) .\n(٣) رواه ابن ماجه، والضياء في \"المختارة\" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف مرفوعا. =","vol":"1","page":395},{"text":"أما المرفوع منه فله علتان:\nالأولى: الانقطاع لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه كما في \"الفتح\".\nالثانية: أسامة بن زيد في حفظه ضعف، وقد خالفه الثقة وهو ابن أبي ذئب قال البيهقي في \"السن\": روى مرفوعًا وإسناده ضعيف.\n(١٣) (صام نوح ﵊ الدهر إلا يوم الفطر ويوم الأضحى) (١)\nضعيف: قال البوصيري في \"الزوائد\": \"هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة\".\n(١٤) (الصائم في عبادة، ما لم يغتب) (٢) .\nمنكر. وفيه عبد الرحيم بن هارون أورده الذهبي في \"الضعفاء والمتروكين\" وقال \"كذبه الدارقطني\" وقال الحافظ في \"التقريب\": \"ضعيف، كذبه الدارقطني\".\n(١٥) (إن هاتين صامتا عما أحلّ الله، وأفطرتا على ما حرم الله ﷿ عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا تأكلان لحوم الناس) (٣)\nضعيف: سنده ضعيف بسبب الرجل الذي لم يسم. وقال الحافظ العراقي إنه مجهول.\nوعند الطيالسي فيه الربيع بن صبيح ضعيف، ويزيد الرقاشي متروك.\n_________\n= ورواه النسائي، والفريابي في \"الصيام عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه موقوفا\" قاله الألباني في \"الضعيفة\" رقم (٤٩٨ ج ١/٥٠٥) .\n(١) أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ... فذكره. ضعفه الألباني في (الضعيفة) رقم (٤٥٩ ج ١/٤٧٠-٤٧١) .\n(٢) أخرجه ابن عدي من طريق الحسن بن منصور ... عن أبي هريرة، وأورده السيوطي في \"الجامع الكبير\" وزاد \"مسلما أو يؤذه\" وذكره الألباني في \"الضعيفة\" رقم (١٨٢٩ ج ٤/٣١١) .\n(٣) رواه أحمد عن رجل عن عبيد مولى رسول الله - ﷺ - \"أن امرأتين صامتا، وأن رجلا قال: يا رسول الله: إن ها هنا امرأتين قد صامتا وإنهما كادتا أن تموتا من العطش، فأعرض عنه أو سكت، ثم عاد، وأراه قال بالهاجرة - قال: يا نبي الله إنهما والله قد ماتتا أو كادتا أن تموتا، قال: ادعهما، قال: فجاءتا، قال: فجيء بقدح أو عس، فقال لإحداهما: قيئي، فقاءت قيحا أو دما وصديدا ولحما، حتى قاءت نصف القدح، ثم قال للأخرى: قيئي، فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره حتى ملأت القدح، ثم قال: فذكره. ورواه الطيالسي عن أنس\" \"الضعيفة\" للألباني رقم (٥١٩ ج ٢/١٠-١١) .","vol":"1","page":396},{"text":"(١٦) (الصائم في عبادة وإن كان راقدا على فراشه) (١) .\nضعيف: رواه تمام وفي سنده: يحيى الزجاج، ومحمد بن هارون قال الألباني: لم أجد من ذكرهما. وفيه هاشم بن أبي هريرة لم يذكر ابن أبي حاتم فيه جرحًا ولا تعديلا.\nوفي رواية الديلمي عن أنس: محمد بن أحمد بن سهل قال ابن عدي: هو ممن يضع الحديث.\nورواه عبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\" من قول أبي العالية موقوفا عليه \"الصائم في عبادة وإن كان راقدا على فراشه ما لم يغتب\".\n(١٧) (رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان ...) (٢) .\nباطل: رواية الطبراني فيها عبد الله بن كثير قال عنه الذهبي في \"الميزان\" وساق له هذا الحديث \"لا يُدرى من ذا؟ وهذا باطل، والإسناد مظلم\" وأقره الحافظ في \"اللسان\". وضعفه أيضًا الهيثمي.\nورواية أبي نعيم فيها عاصم بن عمر العمري ضعيف.\nوالهيثم بن بشر لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلا قاله الألباني.\nوطريق بن عساكر فيها عمر بن أبي بكر الموصلي قال عنه أبو حاتم: ذاهب الحديث متروك الحديث.\nوفيها القاسم بن عبد الله العمري قال عنه الإمام أحمد: كان يكذب ويضع الحديث وكثير المزني متهم بالكذب.\n(١٨) (من أدرك رمضان بمكة فصام وقام منه ما تيسر له، كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواها، وكتب الله له بكل يوم عتق رقبة، وكل ليلة عتق رقبة، وكل\n_________\n(١) رواه تمام عن سلمان بن عامر الضبي مرفوعا، ورواه السيوطي في \"الجامع الصغير\" برواية الديلمي في \"مسند الفردوس\" عن أنس، انظر \"الضعيفة\" للألباني رقم (٦٥٣ ج ٢/١٠٦) .\n(٢) رواه الطبراني وابن عساكر عن بلال بن الحارث مرفوعا، وأخرجه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" وبن عساكر.\nذكره الألباني في \"الضعيفة\" رقم (٨٣١ ج ٢/٢٣٠-٢٣١) .","vol":"1","page":397},{"text":"يوم حُملان فرس في سبيل الله، وفي كل يوم حسنة وفي كل ليلة حسنة) (١) .\nموضوع: رواه ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا، وفيه عبد الرحيم بن زيد العَمِّي قال ابن معين فيه: \"كذاب خبيث\".\nوقاك النسائي: \"ليس بثقة ولا مأمون\"، وقال ابن حاتم في \"العلل\": \"هذا حديث منكر، وعبد الرحيم بن زيد متروك الحديث\".\n(١٩) (رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة) (٢) .\nرواه البزار عن ابن عمر، وأورده السيوطي أيضًا وفيه عاصم بن عمر وهو ضعيف أعلّه الهيثمي به.\n(٢٠) (ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء) (٣) .\nمنكر: أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\"، والطحاوي في \"معاني الآثار\"، وابن عدي والخطيب في \"الأمالي\" عن ابن عباس مرفوعا.\nقال الألباني: \"رجاله ثقات ولكن عبد الجبار بن الورد في حفظه ضعف كما قال البخاري: \"يخالف في بعض حديثه\".\nوهذه الرواية الضعيفة تتعارض مع الأحاديث الأخرى التي تصرح بأن لبعض أيام أخرى غير يوم عاشوراء فضلًا على سائر الأيام كصيام يوم عرفة.\n(٢١) (من صام يوم الأربعاء والخميس كتب له براءة من النار) (٤) .\nضعيف: رواه أبو يعلى عن ابن عباس مرفوعا، وضعفه المنذري في \"الترغيب\" وبينّ السبب الهيثمي فقال: \"فيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف\".\n(٢٢) (من صام يوم عرفة كان له كفارة سنتين، ومن صام يومًا من المحرم فله بكل\n_________\n(١) \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" للألباني رقم (٨٣١ ج ٢/٢٣٠) .\n(٢) \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" للألباني رقم (ج ٢/٢٢٩) .\n(٣) \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" للألباني رقم (٢٨٥ ج ١/٣٠١-٣٠٢) .\n(٤) \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" للألباني رقم (٤٨٠ ج ١/٤٩٢) .","vol":"1","page":398},{"text":"يوم ثلاثون يومًا) (١) .\nموضوع: تفرد به الهيثم بن حبيب اتهمه الذهبي بخبر باطل، وفيه سلام الطويل قال فيه ابن خراش \"كذاب\"، وقال ابن حبان: \"يروي عن الثقات الموضوعات\" وقال الحاكم \"روى أحاديث موضوعة\"، وابن أبي سليم ضعيف.\n(٢٣) (من صام يومًا من المحرم فله بكل يوم ثلاثون حسنة) (٢)\nموضوع: فيه سلام الطويل، وابن أبي سليم ضعيف، والهيثم بن حبيب مر في الحديث السابق.\n(٢٤) (نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة) (٣)\nضعيف: حوشب بن عقيل وشيخه مهدي الهجري لم يخرج لهما البخاري وإن قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.\nبل إن الهجري مجهول كما قال ابن حزم في \"المحلّى\" وأقرّه الذهبي في \"الميزان\" وفي \"التهذيب\" عن ابن معين مثله. وضعف الحديث بن حزم، وبن القيم في \"الزاد\" (١/١٦، ٢٣٧)، وتساهل ابن خزيمة في تصحيح الحديث، وضعفه الألباني في \"الضعيفة\" رقم (٤٠٤ ج ١/٣٩٧-٣٩٩) قال الألباني: \"نقول هذا بيانًا لحقيقة هذا الحديث، ولكي لا يغتر به جاهل فيحرم به صيام يوم عرفة على الحاج تمسكا بظاهر النهي، وإلاَّ فالأحب إلينا أن يفطر الحاج هذا اليوم لأنه أقوى له على أداء النسك، ولأنه هو الثابت عنه - ﷺ - من فعله في حجة الوداع.\nلكن رواه الدولابي عن بن عمر موقوفًا عليه وسنده حسن\".\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" من طريق الهيثم بن حبيب ثنا سلام الطويل عن حمزة الزيات عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن بن عباس مرفوعا وقال: \"تفرد به الهيثم بن حبيب قاله الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" رقم (٤١٢ ج ١/٤١١) .\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" بنفس إسناد الحديث السابق عن بن عباس مرفوعًا. انظر \"السلسلة الضعيفة\" للألباني رقم (٤١٣ ج ١/٤١٢) .\n(٣) أخرجه أبو داود، وبن ماجه، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" والعقيلي في \"الضعفاء\" والحربي في \"غريب الحديث\" والحاكم، والبيهقي من طريق حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي!","vol":"1","page":399},{"text":"وروى بن سعد عن عمر نحوه وسنده ضعيف.\n(٢٥) (كان يستاك آخر النهار وهو صائم) (١) .\nباطل: أعله ابن حبان بابن ميسرة وقال: \"لا يُحتج به، ورفعه باطل، والصحيح عن ابن عمر من فعله\" كذا في نصب الراية.\n(٢٦) (إن البرد ليس بطعام ولا بشراب) (٢) .\nمنكر: فيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف كما قال الحافظ، وقال شعبة \"حدثنا علي بن زيد وكان رفاعا\"، قال الألباني يعني أنه يخطئ فيرفع الحديث الموقوف وهذا هو علة هذا الحديث، فإن الثقات رووه عن أنس موقوفا على أبي طلحة خلافا لعلي بن زيد الذي رفعه إلى النبي - ﷺ - فأخطأ، فرفعه منكر، فقد أخرجه أحمد وبن عساكر من طريق شعبة عن قتادة وحميد عن أنس قال:\n\"مطرنا بردًا وأبو طلحة صائم فجعل يأكل منه، قيل له: أتأكل وأنت صائم؟! فقال: إنما هذا بركة\"!.\nوسنده صحيح على شرط الشيخين، وصححه بن حزم في \"الأحكام\" (٦/٨٣) .\nورواه البزار موقوفًا وزاد \"فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فكرهه، وقال: إنه يقطع الظمأ\". قال البزار \"لا نعلم هذا الفعل إلا عن أبي طلحة\".\n(٢٧) (من أدرك رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يقضه، لم يتقبل، ومن صام تطوعًا وعليه من رمضان شيء لم يقضه، فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه) (٣) .\nضعيف. أخرجه أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - وأخرج الشطر الأول منه\n_________\n(١) رواه بن حبان في \"كتاب الضعفاء\" عن بن عمر مرفوعا.\nذكره الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" رقم (٤٠٢ ج ١/٣٩٤-٣٩٥) .\n(٢) أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" وأبو يعلى في \"مسنده\" والسلفي في \"الطيوريات\" وبن عساكر من طريق علي بن زيد بن جدعان من أنس قال: \"مطرت السماء بردا فقال لنا أبو طلحة: ناولني من هذا البرد، فجعل يأكل وهو صائم وذلك في رمضان؛ فقلت: أتأكل البرد وأنت صائم؟ فقال: إنما هو برد نزل من السماء نطهر به بطوننا وأنه ليس بطعام ولا شراب! فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته بذلك فقال: خذها عن عمك\". انظر \"الضعيفة\" للألباني رقم (٦٣ ج ١/٨٥/٨٦) .\n(٣) \"الضعيفة\" للألباني رقم (٨٣٨ ج ٢/٢٣٥-٢٣٦) .","vol":"1","page":400},{"text":"الطبراني في \"الأوسط\" وقال \"تفرد به بن لهيعة\".\nقال الألباني \"إن بن لهيعة كان يضطرب فيه على وجوه، فتاره يسمى تابعي الحديث عبد الله بن أبي رافع، وتارة يسميه عبد الله بن رافع، وتارة: عبد الله لا ينسبه، وتارة يرفع الحديث، وتارة يوقفه، والاضطراب علامة على أن الراوي لم يضبط حفظ الحديث.\nولذلك كان المضطرب من أقسام الحديث الضعيف.\nومما يؤكد ضعف الحديث ما رواه عن سعيد بن أبي عروبة عن رجل تتابع عليه رمضانان وفرط فيما بينهما؟ فأخبر عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن مجاهد عن أبي هريرة أنه قال \"يصوم الذي حضر، ويقضي الآخر، ويطعم لكل يوم مسكينا\" (١) .\n(٢٨) (من اعتكف عشرًا في رمضان كان كحجتين وعُمرتين) .\nموضوع: \"رواه البيهقي في \"الشعب\" من حديث الحسين بن علي مرفوعًا وقال: \"إسناده ضعيف\" ومحمد بن زاذان أحد رجاله متروك، وقال البخاري: لا يكتب حديثه\" وفيه أيضًا عنبسة بن عبد الرحمن، قال البخاري: تركوه، وقال الذهبي في \"الضعفاء\" متروك متهم أي بالوضع، وقال عنه أبو حاتم \"كان يضع الحديث\"، وقال ابن حبان: صاحب أشياء موضوعة وما لا أصل له (٢) .\n(٢٩) (من أفطر يومًا في شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعًا من تمر المساكين) .\nموضوع: \"أورده بن الجوزي في \"الموضوعات\" وأقرّه السيوطي في \"اللآلئ\" وفيه مقاتل بن سليمان: كذاب، قاله ابن الجوزي، وقال الذهبي عنه: غير ثقة، وخالد بن عمرو قال عنه الذهبي: تالف، كذّبه الفريابي ووهاه بن عدي والحارث بن عبيدة: ضعيف.\nقال الذهبي: هذا حديث باطل\" (٣) .\n_________\n(١) قال الألباني: إسناده صحيح انظر \"الضعيفة\" (ج ٢/٢٣٦) .\n(٢) \"السلسلة الضعيفة\" للألباني رقم (٥١٨ ج ٢/١٠) .\n(٣) \"السلسلة الضعيفة\" رقم (٦٢٣ ج ٢/٨٨-٨٩) .","vol":"1","page":401},{"text":"(٣٠) (من أفطر \"يعني في السفر\" فرخصة، ومن صام فالصوم أفضل) .\nضعيف شاذ: محلول بالوقف فمحمد بن حازم \"أبو معاوية الضرير\" مثله يحتج به إذا لم يخالف، أو لم يختلف عليه كما وقع في هذا الإسناد، فأبو هاشم زياد بن أيوب رفعه، وبن أبي شيبة أوقفه.\nفالصواب في هذا الحديث الواقف، وإنه شاذ مرفوعا (١) .\n(٣١) (من كانت له حَمولة تأوي إلى شبع [وَرِيّ] فليصم رمضان حيث أدركه) (٢) .\nضعيف: قال العقيلي فيه: عبد الصمد بن حبيب الأزدي لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به، وأورده البخاري في \"الضعفاء\" وقال: \"ضعفه أحمد\".\nقال البخاري \"منكر الحديث، ذاهب الحديث، ولم يعد البخاري هذا الحديث شيئًا. وفيه حبيب بن عبد الله قال الذهبي في \"الميزان\" وبن حجر في \"التقريب\" مجهول وضعفه هذا الحديث الحافظ بن عبد الهادي في رسالته \"الأحاديث الضعيفة والموضوعة\".\n(٣٢) (كان لا يمسّ من وجهي شيئًا وأنا صائمة. قالته عائشة) (٣) .\nمنكر: رواه بن حبان في \"صحيحه\".\nوعلة حديث الترجمة إنما هو تفرد محمد بن الأشعث بهما، وهو في عداد مجهولي الحال فقد أورده البخاري في \"التاريخ الكبير\" وبن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nقال الألباني: تفرد بهذا الحديث وخالف فيه الثقة وهو طلحة بن عبد الله بن عثمان\n_________\n(١) \"السلسلة الضعيفة\" رقم (٩٣٢ ج ٢/٣٣٦) .\n(٢) أخرجه أبو داود، وأحمد، والعقيلي في \"الضعفاء\" عن سلمة بن المحبق الهذلي عن رسول الله - ﷺ -. \"السلسلة الضعيفة\" للألباني رقم (٩٨١ ج ٢/٤١٢) .\nومعنى الحديث: من كانت له حمولة تأويه إلى حال شبع ورفاهية أو إلى مقام يقدر فيه على الشبع ولم يلحقه في سفره وعثاء وشقة فليصم رمضان حيث أدركه.\n(٣) \"السلسلة الضعيفة\" رقم (٩٥٨ ج ٢/٣٧٥-٣٧٦) .","vol":"1","page":402},{"text":"القرشي الذي أثبت أنه - ﷺ - كان يقبل عائشة وهي صائمة.\nفيما رواه أحمد عن طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت:\n\"تناولني رسول الله - ﷺ - فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم\".\n(٣٣) (كان يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار) (١) .\nضعيف جدا: رواه العقيلي في \"الضعفاء\"، وأبو يعلى في \"مسنده\" واللفظ له وعنه الضياء في \"المختارة\" عن أنس مرفوعا.\nوفيه عبد الواحد بن ثابت: قال عنه البخاري \"منكر الحديث\"، وقال العقيلي: \"لا يتابع على هذا الحديث\" وقال الهيثمي: ضعيف.\n(٣٤) (لا بأس بقضاء شهر رمضان مفرقا) (٢) .\nضعيف: قال الألباني: \"رواه الماليني في \"الأربعين\" عن بن عمر مرفوعا وفيه يحيى بن سليم الطائفي ضعيف لسوء حفظه.\nوفيه محمد بن حسان الزاهد لم يذكر فيه جرح ولا تعديل.\nويقابل هذا حديث أبي هريرة المرفوع ولفظه \"من كان عليه من رمضان شيء فَلْيَسرُدُه ولا يقطعه\" حسن الإسناد عندي تبعا لابن القطان وابن التركماني؛ ولذلك أوردته في \"الأحاديث الصحيحة\".\n(٣٥) (كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النساء وجعل عشاءه مسحورًا) (٣) .\nضعيف: قال ابن رجب: رواه الطبراني عن أنس وفيه حفص بن واقد. قال ابن عدي: هذا الحديث من أنكر ما رأيت له.\n_________\n(١) \"السلسلة الضعيفة\" رقم (٩٩٦ ج ٢/٤٢٤-٤٢٥) .\n(٢) \"الضعيفة\" رقم (٦٩٦ ج ٢/١٣٦-١٣٧) .\n(٣) أخرجه ابن ماجه والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ومن طريقه (بن عساكر في تاريخ دمشق) عن محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن بريدة عن أبيه. انظر \"السلسلة الضعيفة\" رقم (١٣٣١ ج ٣/٥٠٠-٥٠١) .","vol":"1","page":403},{"text":"(٣٦) (إن الصائم إذا أُكل عنده صلت عليه الملائكة حتى يفرغوا وربما قال: حتى يقضوا أكلهم) (١) .\nضعيف: قال الترمذي \"حديث حسن صحيح\" وأقره المناوي في شرحية \"الفيض\" و\"التيسير\".\nقال الألباني: فيه: ليلى مولاة لحبيب بن زيد لا تعرف، فقد أوردها الذهبي في فصل \"النسوة المجهولات\" وقال: تفرد عنها حبيب بن زيد.\n(٣٧) (الصائم إذا أَكَلَ عنده المفاطير صلت عليه الملائكة \"حتى يمسي\" (٢» .\nمنكر: بهذه الزيادة منكر، ولشريك وهو بن عبد الله القاضي سيء الحفظ.\n(٣٨) (مَن فطر صائما في رمضان من كسب حلال، صلت عليه الملائكة ليالي رمضان كلها، وصافحه جبريل، ومن يصافحه جبريل يرق قلبه، وتكثر دموعه. قال رجل: يا رسول الله! فإن لم يكن ذاك عنده؟ قال: قبضة من طعام: قال: أرأيت من لم يكن ذاك عنده؟ قال: ففلقت خبز. قال: أفرأيت إن لم يكن ذاك عنده؟ قال: فمَذْقة من لبن: قال: أفرأيت من لم يكن ذاك عنده؟ قال: فشربة من ماء) (٣)\nضعيف: أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" عن حكيم بن خِذام العبدي: نا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال: قال رسول الله - ﷺ - ... فذكره وتابعه الحسن بن علي بن أبي جعفر عند ابن عدى.\nوفي الطريقين عند ابن عدي:\n١- علي بن زيد بن جدعان ضعيف لسوء حفظه.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي والنسائي في \"السنن الكبرى\" والدارمي وابن خزيمة وابن ماجه وابن أبي شيبة وابن المبارك في \"الزهد\" وأحمد، وابن سعد في \"الطبقات\" وأبو يعلى في \"مسنده\"، وابن حبان، والطبراني في \"الكبير\"، وأبو نعيم في \"الحلية\" والبيهقي كلهم من طريق حبيب بن زيد الأنصاري.. عن أم عمارة بنت كعب \"الضعيفة\" رقم (١٣٣٢ ج ٣/٥٠٢-٥٠٣) .\n(٢) أخرجه الترمذي وابن خزيمة بإسناد واحد عن شريك عن حبيب بن زيد وليس عند الترمذي \"حتى يمسي\" وهو بهذه الزيادة منكر. \"الضعيفة\" ج ٣/٥٠٣) .\n(٣) \"الضعيفة\" رقم (١٣٣٣ ج ٣/٥٠٣-٥٠٤) .","vol":"1","page":404},{"text":"٢- حكيم. قال أبو حاتم: \"متروك الحديث\" وقال البخاري: \"منكر الحديث\".\n٣- الحسن بن أبي جعفر ضعيف. فالحديث ضعيف قاله الألباني.\n(٣٩) (كان رسول الله - ﷺ - يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما أخرّ ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان) (١) .\nضعيف: رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن عائشة.\nقال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٤/٢٥٢): فيه ابن أبي ليلى ضعيف.\n(٤٠) (من صام يومًا لم يخرقه كُتبت له عشر حسنات) .\nضعيفٌ: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وأبو نعيم في \"الحلية\" عن البراء بن عازب مرفوعا.\nقال الطبراني: لم يروه عن طلحة إلا أبو جناب، ولا عنه إلا إسحاق الأزرق، تفرد به عبد الرحمن بن عبد الوهاب.\nقال أبو نعيم: \"غريب من حديث طلحة، تفرد به إسحاق الأزرق\".\nوأبو جناب الكلبي يحيى بن أبي حية \"ضعيف مدلس، فهو علة الحديث\" (٢) .\n(٤١) (نعم السحور التمر، ونعم الإدام الخل، ورحم الله المتسحّرين) .\nضعيف: رواه أبو عوانة في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعا.\nوفيه: خالد بن يزيد العمري قال عنه الذهبي: كذبه أبو حاتم ويحيى، قال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الأثبات.\n(٤٢) (تسحروا ولو بشربة من ماء، وأفطروا ولو على شربة ماء) .\nموضوع: رواه ابن عدي عن علي مرفوعا.\nوفيه حسين بن عبد الله بن ضميرة: كذّبه مالك وأبو حاتم وابن الجارود وقال البخاري: \"منكر الحديث\"، وقال ابن حبان في \"الضعفاء\": يروي عن أبيه عن جده\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/٢٥٢) .\n(٢) كلام الألباني في \"الضعيفة\" رقم (١٣٢٧ ج ٣/٤٩٦) .","vol":"1","page":405},{"text":"بنسخة موضوعة، وقال ابن عدي عنه: \"منكر الحديث\".\n(٤٣) (الصيام جُنّة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة) (١) .\nضعيف جدا: أخرجه ابن عدي والطبراني في \"الأوسط\" عن أبي هريرة مرفوعا وفيه الربيع بن بدر وهو ضعيف جدا، ولم يروه عن يونس إلا الربيع.\n(٤٤) (ليتقِه الصائمُ. يعني الكحل) (٢) .\nمنكر: أخرجه أبو داود والبيهقي ولفظ البيهقي \"لا تكتحل بالنهار وأنت صائم، اكتحل ليلا. وفيه علتان:\nالأولى: ضعف عبد الرحمن بن النعمان، وبه أعله المنذري، فقال في \"مختصر السنن\" \"قال: يحيى بن معين: ضعيف، وضعفه الذهبي.\nالثانية: جهالة النعمان بن معبد: وأشار إلى ذلك شيخ الإسلام بن تيمية في رسالة \"الصيام\" وقال فيه الذهبي: غير معروف، وقال الحافظ: مجهول.\n(٤٥) (مر النبي - ﷺ - بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، فقال: ما هذا الصوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى شكرًا لله تعالى، فقال - ﷺ - أنا أحق ...) الحديث.\nرواه أحمد من حديث أبي هريرة.\nوفي إسناده حبيب بن عبد الله الأزدي قال الحافظ في \"التقريب\" مجهول.\nقال الألباني: فلم يحسن صنعًا حين سكت عليه في \"الفتح\" (٤/٢١٤) .\n(٤٦) (صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، والثاني كفارة سنتين، والثالث كفارة سنة، ثم كل يوم شهرا) (٣)\nضعيف: أخرجه أبو محمد الخلال في \"فضائل رجب\" عن ابن عباس.\n_________\n(١) \"الضعيفة\" رقم (١٤٤٠ ج ٣/٦٣١) .\n(٢) \"الضعيفة\" رقم (١٠١٤ ج ٣/٧٥-٧٦) .\n(٣) ضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٤٩٩ ج ٣/٢٧٢) .","vol":"1","page":406},{"text":"(٤٧) (صوموا، فإن الصيام جنة من النار ومن بوائق الدهر) (١) .\nضعيف: رواه ابن النجار عن أبي مليكة.\n(٤٨) (صوم يوم الترويه كفارة سنة، وصوم يوم عرفة كفارة سنتين) (٢) .\nموضوع: رواه أبو الشيخ في \"الثواب\" وابن النجار عن ابن عباس مرفوعا. ضعفه السيوطي. وأورده الديلمي في \"مسند الفردوس\" وفيه محمد بن السائب الكلبي قال الحافظ: متهم بالكذب، وفيه على بن علي الحميري لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلا.\n(٤٩) (صوموا أيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، هن كنز الدهر) (٣) .\nضعيف: قال الألباني: \"رواه أبو ذر الهروي في \"جزء من حديثه\" عن قتادة ابن ملحان.\n(٥٠) (صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يومًا، وبعده يومًا) .\nضعيف: رواه أحمد والبيهقي عن ابن عباس وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٥٠٨) .\n(٥١) (صوموا يوم عاشوراء يوم كانت الأنبياء تصومه فصوموه أنتم) (٤) .\nضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" عن أبي هريرة مرفوعا.\nقال الألباني: وهذا منكر بهذا اللفظ، وعلّته الهجري واسمه إبراهيم بن مسلم. قال الحافظ؛ \"لين الحديث\".\n_________\n(١) \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٥٠١ ج ٣/٢٧٢) .\n(٢) قال في \"الارواء\" رقم (٩٥٦ ج ٤/١١٢-١١٣): ضعيف على أحسن الأحوال وقال في \"ضعيف الجامع\": موضوع انظر \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٥٠٠ ج ٣/٢٧٢) .\n(٣) \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٥٠٥ ج ٣/٢٧٣) .\n(٤) \"الإرواء\" حديث رقم (٩٥٥ ج ٤/١١٢)، \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٥٠٩ ج ٣/٢٧٣-٢٧٤) .","vol":"1","page":407},{"text":"(٥٢) (صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم) .\nرواه ابن حبان عن عائشة وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٥٢٥ ج ٣/٢٧٧) .\n(٥٣) (الصائم بعد رمضان كالكار بعد الفار) .\nضعيف: رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" عن ابن عباس، وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٥٢٩ ج ٣/٢٧٨) قال المناوي: \"فيه اسماعيل بن بشير قال العقيلي متهم بالوضع\".\n(٥٤) (الصائم المتطوع بالخيار، ما بينه وبين نصف النهار) (١) .\nضعيف.\n(٥٥) (الصائم في عبادة من حين يصبح إلى أن يُمسي ما لم يغتب، فإذا اغتاب خرق صومه) (٢) .\nموضوع: رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" عن أبي هريرة، وحكم عليه بالوضع الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٣٥٣١ ج ٣/٢٧٨) .\n(٥٦) (الصوم يُدِقُ المصير (٣)، ويُذبِل اللحم ويُبعِد من حر السعير، إن لله مائدة عليها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لا يعقد عليها إلا الصائمون) (٤) .\nضعيف: ضعفه السيوطي في \"الجامع الصغير\"، وقال المناوي \"قال الهيثمي: فيه\n_________\n(١) ضعيف: رواه البيهقي في \"سننه\" عن أنس وأبي أمامة وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٥٢٨ ج ٣/٢٧٨)، و\"الارواء\" رقم (٩٦٥) . قال المناوي في \"فيض القدير\" (٤/٢٣١): \"قال أعني البيهقي عون بن عمارة، وعون ضعيف وفي حديث أبي أمامة جعفر بن الزبير قال الذهبي وجعفر متروك فيه، وفي حديث أبي ذر إبراهيم بن مزاحم وسريع بن نبهان قال الذهبي: وإبراهيم وسريع مجهولان\".\n(٢) أشار السيوطي إلى ضعفه في \"الجامع الصغير\".\n(٢) المصير: الأمعاء، ويدقها أي يصيرها دقيقة، والدقة ضد الغلط.\n(٤) ضعيف: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وأبو القاسم بن بشران في \"أماليه\" عن أنس انظر \"ضعيف الجامع الصغير\" رقم (٣٥٦١ ج ٣/٢٨٥) .","vol":"1","page":408},{"text":"عبد المجيد بن كثير الحرالي لم أجد من ترجمة\"، وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\".\n(٥٧) (الصيام جنة حصينة من النار) (١) .\nضعيف: ضعفه المناوي في \"فيض القدير\" قال: وفيه يوسف بن يعقوب القاضي قال الذهبي في \"الضعفاء\": \"مجهول، وأحمد بن عيسى وابن لهيعة ضعيفان\" (٢) .\nوضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\".\n(٥٨) (الصيام جنة ما لم يخرقها) (٣) .\nضعيف: ضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\".\n(٥٩) (الصيام لا رياء فيه، قال الله تعالى \"هو لي وأنا أجزى به\" يدع طعامه وشرابه من أجلى) .\nضعيف جدا: رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" عن أبي هريرة.\nوضعفه ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٢٩) والسيوطي في \"الجامع الصغير\" والألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\" رقم (٣٥٨٢ ج ٣/٢٨٩) .\n(٦٠) (ليس مِن امبِر امصيام في امسفر) (٤) .\nشاذ بهذا اللفظ:\nقال الألباني: \"أخرجه أحمد عن معمر عن الزهري عن صفوان بن عبد الله عن أم الدرداء عن كعب بن عاصم الأشعري -وكان من أصحاب السقيفة- قال سمعت رسول الله - ﷺ - فذكره.\nقلت: وهذا إسناد ظاهره الصحة، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وعلته الشذوذ\n_________\n(١) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" عن جابر \"ضعيف الجامع الصغير\" رقم (٣٥٧٩ ج ٣/٢٨٩) .\n(٢) \"فيض القدير\" (٤/٢٥٠) .\n(٣) رواه النسائي، والبيهقي في \"سننه\" عن أبي عبيدة. انظر \"ضعيف الجامع الصغير\" رقم (٣٥٨٠ ج ٣/٢٨٩) .\n(٤) \"السلسلة الضعيفة\" رقم (١١٣٠ ج ٣/٢٦٤-٢٦٥) .","vol":"1","page":409},{"text":"ومخالفة الجماعة. فقد قال أحمد \"ثنا سفيان عن الزهري به بلفظ \"ليس من البر الصيام في السفر\".\nوتابعه عليه ابن جريج ويونس ومحمد بن أبي حفصة والزبيدي كلهم رووه عن الزهري بلفظ سفيان.\nوتابعهم معمر نفسه عند البيهقي وقال: \"وهو المحفوظ عنه - ﷺ - \" وليس يشك عالم بأن اللفظ الذي وافق معمر الثقات عليه، هو الصحيح الذي ينبغي الأخذ به والركون إليه بخلاف اللفظ الآخر الذي خالفهم فيه فإنه ضعيف لا يعتمد عليه.\nوإن مما يؤكد وهم معمر في هذا اللفظ الذي شذ به عن الجماعة أن الحديث قد ورد عن جماعة آخرين من الصحابة، مثل جابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي برزة، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعمار بن ياسر وأبي الدرداء، جاء ذلك عنهم من طرق كثيرة، وكلها أجمعت على روايته باللفظ الثاني الذي رواه الجماعة.\nوإنما عنيت هنا عناية خاصة لبيان ضعف الحديث بهذا اللفظ لشهرته عند علماء اللغة والأدب، ولقول الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\".\n\"هذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميما، ويحتمل أن يكون النبي - ﷺ - خاطب بها هذا الأشعري (يعني: كعب بن عاصم) كذلك لأنها لغته، ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته، فحملها الراوي عنه، وأداها باللفظ الذي يسمعها به. وهذا الثاني أوجه عندي. والله أعلم\".\nفأقول: إن إيراد الحافظ -رحمه الله تعالى- هذين الاحتمالين قد يشعر القارئ لكلامه أن الرواية ثبتت بهذا اللفظ عن الأشعري، ورجّح الثاني. وهذا الترجيح لا داعي إليه، بعد أن أثبتنا أنه وهم من معمر، فلم يتكلم به النبي - ﷺ -، ولا الأشعري، بل ولا صفوان ابن عبد الله، ولا الزهري. فليعلم هذا فإنه عزيز نفيس إن شاء الله\" ا. هـ.\n(٦١) (أوصيك يا أبا هريرة! خصال أربع لا تدعهن ما بقيت، أوصيك بالغسل يوم الجمعة، والبكور إليها، ولا تلغ أو لا تله، وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإنه صوم الدهر، وأوصيك بركعتي الفجر، لا تدعهما وإن صليت الليل كله، فإن","vol":"1","page":410},{"text":"فيهما الرغائب، قالها ثلاثا) (١) .\nضعيف جدا: رواه ابن عدي من طريق أبي يعلى عن سليمان بن داود اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -.\nقال ابن عدي: \"سليمان بن داود، عامة ما يرويه بهذا الإسناد لا يتابعه أحد عليه\".\nقال الألباني: قلت: وقال البخاري: \"منكر الحديث\"، وقال الذهبي: \"وقد مر لنا أن البخاري قال: مَنْ قلت فيه: منكر الحديث، فلا تحل رواية حديثه\" وقال ابن حبان: \"ضعيف\". وقال آخر: \"متروك\".\n(٦٢) (أول شهر رمضان رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار) (٢) .\nمنكر: قال العقيلي: \"لا أصل له من حديث الزهري\".\nوقال ابن عدي: \"وسلام هو عندي منكر الحديث، ومسلمة ليس بالمعروف\" وكذا قال الذهبي:\nومسلمة بن الصلت: قال فيه أبو حاتم: \"متروك الحديث\" كما في ترجمته في \"الميزان\".\n(٦٣) (تحفة الصائم الزائر أن تُغَلَّف لحيته، وتجمر ثيابه، ويُذَرَّرُ، وتحفة المرأة الصائمة أن تُمشط رأسها، وتجمر ثيابها وتُذَرَّ) (٣) .\nموضوع: محمد بن موسى الحرشي قال الحافظ \"لين\"، وهيبرة بن حدير قال يحيى معين: \"لا شيء\"، وعمير بن مأموم، قال الدارقطني: لا شيء، وسعيد بن طريف قال عنه ابن عدي: أحاديثه كلها لا يرويها غيره، وقال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروى عنه،\n_________\n(١) \"السلسلة الضعيفة\" رقم (١٥٣٤ ج ٤/٤٤-٤٥) .\n(٢) \"السلسلة الضعيفة\" رقم (١٥٦٩ ج ٤/٧٠-٧١) .\nأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\"، وابن عدي، والخطيب في \"الموضح\" والديلمي، وابن عساكر عن سلام بن سوار بن الصلت عن مسلمة بن الصلت عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره.\n(٣) رواه ابن عدي عن محمد بن موسى الحرشي ثنا هبيرة بن حدير العدوى ثنا سعد الحذاء عن عمير بن مأموم عن الحسن بن علي قال: سمعت أبي، وحدثني -يعني النبي - ﷺ - يقول: \"الضعيفة\" رقم (١٧٨٩ ج ٤/٢٧٤) .","vol":"1","page":411},{"text":"وقال ابن حبان \"كان يضع الحديث على الفور\".\n(٦٤) (ثلاثة لا يسألون عن نعيم المطعم والمشرب: المفطر، والمتسحر، وصاحب الضيف. وثلاثة لا يلامون على سوء الخلق: المريض، والصائم حتى يفطر، والإمام العادل) (١) .\nموضوع: أخرجه الديلمي في \"مسنده من طريق مجاشع بن عمرو ... عن أبي هريرة مرفوعا.\nقال الألباني: \"وهذا موضوع، آفته مجاشع بن عمرو، قال ابن حبان في \"الضعفاء\" \"كان ممن يضع الحديث على الثقات، ويروى الموضوعات عن أقوام ثقات، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه\".\n(٦٥) (خمس تفطر الصائم وتنقض الوضوء: الكذب، والغيبة والنميمة، والنظر بالشهوة، واليمين الفاجرة) (٢) .\nموضوع: رواه أبو القاسم الخرقي في \"عشر مجالس من الأمالي\" عن محمد بن الحجاج الحمصي عن جابان عن أنس مرفوعا.\nوالحديث أورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" من هذه الطريق وقال: \"موضوع\"، وأقره السيوطي في \"اللآلي\"، وزاد ابن عراق في \"تنزيه الشريعة\" فقال: \"قلت: رواه أبو الفتح الأزدي في \"الضعفاء\" في ترجمة محمد بن الحجاج الحمصي وأعله به، وقال: لا يكتب حديثه، وقال ابن حاتم في \"العلل\" سألت أبي عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث كذب انتهى\".\n(٦٦) (ما صام من ظل يأكل لحوم الناس) (٣) .\nضعيف: رواه الديلمي في \"الفردوس\" عن أنس، وضعفه الألباني في \"ضعيف\n_________\n(١) \"السلسلة الضعيفة\" رقم (١٩٨٠ ج ٤/٤٤٧) .\n(٢) \"السلسلة الضعيفة\" رقم (١٧٠٨ ج ٤/١٩٩) .\n(٣) \"ضعيف الجامع الصغير\" (ج ٥/٩٨ رقم ٥٠٨٥) .","vol":"1","page":412},{"text":"الجامع الصغير\" رقم (٥٠٨٥ ج ٥/٩٨) .\n(٦٧) (للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة) (١) .\nضعيف. رواه الطيالسي، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو وضعفه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٨٩٣)، و\"ضعيف الجامع\" (٤٧٥٠ ج ٥/٢٨) .\n(٦٨) (من صام يومًا تطوعا، لم يطلع عليه أحد، لم يرض الله له بثواب دون الجنة) .\nموضوع: رواه الخطيب عن سهل بن سعد.\nقال المناوي: \"فيه عصام بن الوضاح قال الذهبي: له مناكير قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به\" (٢) .\nوقال الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\" \"موضوع\" (٣) .\n(٦٩) (من صام ثلاثة أيام من شهر حرام: الخميس والجمعة والسبت، كُتب له عبادة سنتين) (٤)\nضعيف: رواه الطبراني في \"الأوسط\" من حديث يعقوب بن موسى المدني عن مسلمة عن أنس بن مالك.\nقال المناوي في \"فيض القدير\" (٦/١٣٦): \"قال الهيثمي: ويعقوب مجهول، ومسلمة إن كان الخشني فهو ضعيف، وإن كان غيره فلم أعرفه\".\nوضعفه أيضًا الألباني.\n(٧٠) (من صام رمضان، وستًا من شوالا، والأربعاء والخميس دخل الجنة) (٥) .\nضعيف: رواه أحمد في \"مسنده\" عن رجل لم يسم وهو العريف.\n_________\n(١) \"الإرواء\" رقم (٨٩٣) .\n(٢) \"فيض القدير\" (٦/١٦٢) .\n(٣) \"ضعيف الجامع الصغير\" رقم (٥٦٦٤ ج ٥/٢١١) .\n(٤) \"ضعيف الجامع الصغير\" رقم (٥٦٦١ ج ٥/٢١٠) .\n(٥) \"ضعيف الجامع الصغير\" رقم (٥٦٦٢ ج ٥/٢١٠) .","vol":"1","page":413},{"text":"وقال الهيثمي: فيه من لم يسم، وبقية رجاله ثقات، وضعفه الألباني.\n(٧١) (من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ ما ينبغي أن يتحفظ، كفر ما قبله) .\nضعيف: أخرجه ابن حبان في صحيحه واللفظ له، وأحمد وأبو يعلى وابن المبارك في \"الزهد\" \"وفيه عبد الله بن قرط لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه غير يحيى بن أيوب، وأورده ابن أبي حاتم (٥/١٤٠) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، وقال الحسيني في \"رجال المسند\": \"مجهول\" (١) .\n(٧٢) (من صام من كل شهر حرام: الخميس، والجمعة، والسبت، كتبت له عبادة سبعمائة سنة) .\nضعيف: رواه تمام الرازي في \"فوائده\" عن أنس عن رسول الله - ﷺ - قال الحافظ ابن حجر في \"تبيين العجب بما ورد في فضل رجب\" (ص ٢٤): \"في سنده ضعفاء ومجاهيل\".\n(٧٣) (إن في الجنة نهرا يقال له رجب: ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يومًا من رجب سقاه الله من ذلك النهر) .\nضعيف: قال ابن حجر \"أورده أبو سعيد النقاش في كتاب \"فضل الصيام\"، ورواه أبو الشيخ في \"فضل الصوم\"، ورواه البيهقي في \"فضائل الأوقات\" عن أنس بن مالك، ورواه ابن شاهين \"في كتاب الترغيب والترهيب\" قال ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\": \"فيه مجاهيل\".\nأما موسى بن عمران، فلا يُدرى من هو.\nوأما منصور بن زيد فلم أقف فيه للمتقدمين على جرح ولا تعديل.\nوقال الذهبي: \"الخبر باطل\" (٢) .\n_________\n(١) \"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان - تحقيق الأرناؤوط\" (ص ٨ ص ٢٢٠) .\n(٢) \"تبيين العجب بما ورد في فضل رجب\" (ص ٢٦-٣٠) لابن حجر -علق عليه إبراهيم يحيى أحمد- مكتبة سليم الحديثة.","vol":"1","page":414},{"text":"(٧٤) (كان إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب، وشعبان، وبلغنا رمضان) .\nضعيف: رواه البزار في \"مسنده\"، والطبراني في \"الأوسط\" والبيهقي في \"فضائل الأوقات\" عن أنس.\nوضعفه ابن حجر في \"تبيين العجب\" (٣٠-٣٢) .\nفيه زائدة بن أبي الرقاد: قال فيه أبو حاتم يحدث عن زياد النميري، عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة، فلا يدري منه، أو من زياد.\nوقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي في \"السنن\" لا أدري من هو. وقال ابن حبان: لا يحتج بخبره\".\n(٧٥) (عن أبي هريرة ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - لم يصم بعد رمضان إلا رجب وشعبان) .\nحديث منكر: قاله ابن حجر في \"تبيين العجب\" (ص ٣٢) \"من أجل يوسف بن عطية فإنه ضعيف جدا\".\n(٧٦) (رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي)\nباطل موضوع: قال ابن حجر في \"تبيين العجب\" (٣٣) وقال:\n\"رواه أبو بكر النقاش المفسر. وسنده مركب، ولا يعرف لعلقمة سماع من أبي سعيد، والكسائي المذكور في \"السند\" لا يدري من هو، والعهدة في هذا الإسناد على النقاش وأبو بكر النقاش: ضعيف متروك الحديث قاله الذهبي في \"الميزان\".\n(٧٧) (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم: رجب، لا يقارنه من الأشهر أحد، ولذلك يقال له: شهر الله الأصم، وثلاثة أشهر متواليات: يعني ذا القعدة وذا الحجة، ومحرم،.\nألا وإن رجبًا شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي. فمن صام من رجب يومًا إيمانًا واحتسابًا استوجب رضوان الله الأكبر، وأسكنه الله الفردوس الأعلى،","vol":"1","page":415},{"text":"ومن صام من رجب يومين فله من الأجر ضعفان، وزن كل ضعف مثل جبال الدنيا، ومن صام من رجب ثلاثة أيام جعل الله بينه وبين النار خندقا، طول مسيرة ذلك اليوم سنة.\nومن صام من رجب أربعة أيام عوفي من البلاء، ومن الجذام، والجنون، والبرص، ومن فتنة المسيخ الدجال، ومن عذاب القبر.\nومن صام من رجب خمسة أيام وقي عذاب القبر.\nومن صام من رجب ستة أيام خرج من قبره ووجهه أضوأ من القمر ليلة البدر.\nومن صام من رجب سبعة أيام فإن لجهنم سبعة أبواب، يغلق الله -تعالى- عنه بصوم كل يوم بابًا من أبوابها.\nومن صام من رجب ثمانية أيام فإن للجنة ثمانية أبواب، يفتح الله له بكل صوم يوم بابًا من أبوابها.\nومن صام من رجب تسعة أيام خرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلا الله، فلا يرد وجهه دون الجنة.\nومن صام من رجب عشرة أيام جعل الله له على كل ميل على الصراط فراشا يستريح عليه.\nومن صام من رجب أحد عشر يومًا لم يواف عبد يوم القيامة بأفضل منه إلا من صام مثله، أو زاد عليه.\nومن صام من رجب اثني عشر يومًا كساه الله يوم القيامة حليتين الحلة الواحدة خير من الدنيا وما فيها\nومن صام من رجب ثلاثة عشر يومًا وضع له يوم القيامة مائدة في ظل العرش، فأكل عليها والناس في شدة شديدة.\nومن صام من رجب - أربعة عشر يومًا أعطاه الله من الثواب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.","vol":"1","page":416},{"text":"ومن صام من رجب خمسة عشر يومًا وقفه الله يوم القيامة موقف الآمنين) .\nموضوع، رواه الحافظ محمد بن ناصر في \"أماليه\" عن أبي سعيد الخدري وفيه أبو بكر محمد بن الحسن النقاش، والكسائي.\nأما النقاش فقد قال عنه ابن حجر في \"تبيين العجب\" (ص ٣٦):\n\"النقاش وضاع رجال، فوالله ما حدث أبو معاوية، ولا من فوقه بشيء من هذا قط.\nوليس الكسائي على بن حمزة القدسي النحوي، فقد جزم بأنه غيره - الإمام أبو الخطاب ابن دحية، فقال: الكسائي المذكور لا يدري من هو.\nوقال بعد أن أخرج الحديث: هذا موضوع.\nقال ابن حجر: وللحديث طريق أخرى واهية، وفي رواتها مجاهيل، عند ابن عساكر في \"أماليه\" وفيها زيادة ونقص وفيها:\n(من صام من رجب ستة عشر يومًا كان في أوائل من يزور الرحمن وينظر إلى وجهه، ويسمع كلامه. ومن صام من رجب سبعة عشر يومًا نصب الله على كل ميل من الصراط استراحة يستريح محليها.\nومن صام من رجب ثمانية عشر يومًا زاحم إبراهيم في قبته.\nومن صام من رجب تسعة عشر يومًا بنى الله له قصرًا تجاه إبراهيم وآدم، يسلم عليهما، ويسلمان عليه. ومن صام من رجب عشرين يومًا نادى مناد من عند الله: أما ما مضى فقد غفرت لك، فأستأنف العمل)\n(٧٨) (خيرة الله من الشهور، وهو شهر الله من عظم شهر رجب فقد عظم أمر الله أدخله جنات النعيم، وأوجب له رضوانه الأكبر.\nوشعبان شهري، فمن عظمّ شهر شعبان فقد عظم أمري، ومن عظم أمري كنت له فرطًا وذخرًا يوم القيامة.\nوشهر رمضان شهر أمتي، فمن عظم شهر رمضان، وعظم حرمته، ولم ينتهكه، وصام نهاره، وقام ليله، وحفظ جوارحه، خرج من رمضان وليس عليه ذنب يطالبه","vol":"1","page":417},{"text":"الله تعالى به) .\nموضوع: قال ابن حجر في \"تبيين العجب\" (٣٧-٣٨):\n\"قال البيهقي: هذا حديث منكر بمرة.\nقلت: بل هو موضوع ظاهر الوضع، بل هو من وضع نوح الجامع وهو أبو عصمة الدين.\nقال عنه ابن المبارك، لماّ ذكره لوكيع: عندنا شيخ يقال له: أبو عصمة، كان يضع الحديث. وهو الذي كانوا يقولون فيه: نوح الجامع جمع كل شيء إلا الصدق.\nوقال الخليلي: أجمعوا على ضعفه\".\n(٧٩) (فضل رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر الأذكار، وفضل شعبان على سائر الشهور، كفضل محمد على سائر الأنبياء، وفضل رمضان على سائر الشهور، كفضل الله على عباده) .\nموضوع: قال ابن حجر في \"تبيين العجب\" (ص ٣٩): \"السقطي هو الآفة، وكان مشهورا بوضع الحديث، وتركيب الأسانيد\".\n(٨٠) (رجب شهر الله الأصم. ومن صام من رجب يومًا إيمانًا واحتسابًا استوجب رضوان الله الأكبر) .\nموضوع: قال ابن حجر في \"تبيين العجب\" (ص ٤٠) \"متن لا أصل له\".\n(٨١) (من صام ثلاثة أيام من رجب كتب الله له صيام شهر، ومن صام سبعة أيام أغلق عنه سبعة أبواب النار، ومن صام ثمانية أيام فتح الله له ثمانية أبواب الجنة.\nومن صام نصف رجب كتب الله له رضوانه، ومن كتب الله له رضوانه لم يعذبه. ومن صام رجب كله حاسبه حسابًا يسيرا) .\nموضوع: رواه أبو القاسم السمرقندي في \"فضل رجب\" عن أبان بن أبي عياش من حديث أنس: وحكم عليه بالوضع ابن حجر في \"تبيين العجب\" (ص ٤٠-٤١) وفيه عمر بن الأزهري: قال البخاري يرمى بالكذب كما في \"الميزان\".","vol":"1","page":418},{"text":"وكذبه يحيى بن معين.\nوأبان بن عياش: ضعيف، قال شعبة: \"لأن أشرب من بول حمار حتى أروى أحبّ إلي من أن أحدث عن أبان بن عياش\" كما في \"الميزان\" (ج ١/١٠) .\n(٨٢) (رجب من أشهر الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يومًا، وجوّد صومه بتقوى الله، نطق الباب ونطق اليوم، فقالا: يارب اغفر له. وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له) .\nموضوع: قال ابن حجر في \"تبيين العجب\" (٤٢): \"في إسناده إسماعيل بن يحيى التميمي، وهو مذكور بالكذب\".\n(٨٣) (من صام يومًا من رجب كان كصيام سنة، ومن صام سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم. ومن صام ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة ومن صام عشرة أيام لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه. ومن صام خمسة عشرة يومًا نادى مناد من السماء قد غفر لك ما سلف، فاستأنف العمل. ومن زاد زاده الله وفي شهر رجب حمل نوح السفينة فصام، وأمر من معه أن يصوموا) .\nموضوع: رواه البيهقي في \"فضائل الأوقات\" قال ابن حجر: فيه عثمان بن مطر كذّبه ابن حبان، وأجمع الأئمة على ضعفه.\n(٨٤) (من صام يومًا من رجب، وصلى فيه أربع ركعات، يقرأ في أول ركعة مائة مرة آية الكرسي، وفي الركعة الثانية قل هو الله أحد مائة مرة، لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له) .\nموضوع: قال ابن حجر \"هذا حديث موضوع على رسول الله. وأكثر رواته مجاهيل، عثمان بن عطاء متروك عند المحدثين\".\n(٨٥) حديث صلاة الرغائب:\n(رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي. قيل: يا رسول الله ما معنى قولك: رجب شهر الله؟ قال. لأنه مخصوص بالمغفرة، وفيه تحقن الدماء، وفيه تاب الله على أنبيائه، وفيه أنقذ أولياءه من بلاء عذابه. ومن صامه استوجب على الله","vol":"1","page":419},{"text":"ثلاثة أشياء: مغفرة لجميع ما سلف من ذنوبه، وعصمته فيما بقي من عمره، وأمانًا من العطش يوم العرض الأكبر. فقام شيخ ضعيف فقال: يا رسول الله، إني لأعجز عن صيامه كله. فقال - ﷺ -: \"صم أول يوم منه، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وأوسط يوم منه، وآخر يوم منه - فإنك تعطى ثواب من صام كله: ولكن لا تغفلوا عن أول ليلة جمعة في رجب، فإنها ليلة تسميها الملائكة: الرغائب. وذلك أنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في جميع السماوت والأرض إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، ويطلع الله ﷿ عليهم اطلاعه، فيقول: ملائكتي، سلوني ما شئتم. فيقولون: يا ربنا حاجتنا إليك: أن تغفر لصوام رجب. فيقول الله ﷿: قد فعلت: ثم قال رسول الله - ﷺ -: وما من أحد يصوم يوم الخميس، أول خميس من رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة، يعني ليلة الجمعة: اثنتي عشر ركعة) يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وإنا أنزلناه في ليلة القدر ثلاث مرات، وقل هو الله أحد، اثنتي عشر مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى سبعين مرة، يقول: اللهم صلى على محمد النبي الأمي، وعلى آله، ثم يسجد، فيقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه ... \" الحديث.\nموضوع: قال ابن حجر \"وقد اتهموا به علي بن جهضم، فنسبوه إلى الكذب وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ، يقول: رجاله مجهولون. وقد فتشت عليهم جميع الكتب فما وجدتهم. وقال الحافظ: شيخ علي: علي بن محمد بن سعيد البصري مجهول، وشيخه مجهول قال المصنف. ولقد أبدع من وصفها، فإنه يحتاج من يصليها إلى أن يصوم، وربما كان النهار شديد الحر، فإذا صام لم يتمكن من الأكل حتى يصلي المغرب، ثم يقف فيها، ويقع في ذلك التسبيح الطويل، والسجود الطويل، فيتأذى غاية الأذى: وإني لأغار لرمضان ولصلاة التراويح. كيف زوحم بهذه؟ بل هذه عند العوام أعظم وأجل، فإنه يحضرها من لا يحضر الجماعات\".\n(٨٦) (إن شهررجب شهر عظيم، من صام منه يومًا كتب الله له صوم ألف سنة، ومن صام يومين كتب له صوم ألفي سنة، ومن صام منه ثلاثة أيام، كتب الله له صوم ثلاثة آلاف سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية","vol":"1","page":420},{"text":"أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، فيدخل من أيها شاء، ومن صام خمسة عشر بدلت سيئاته حسنات ونادى مناد من السماء قد غفر لك، فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله) .\nموضوع: قال ابن حجر \"هو حديث موضوع، لا شك فيه. والمتهم به الختلي أي إسحاق بن إبراهيم الختلي\".\n(٨٧) (من صام يومًا من رجب عدل صيام شهر، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب الجحيم، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام عشرة أيام بدّل الله سيئاته حسنات، ومن صام ثمانية عشر نادى منادٍ قد غفر الله لك ما مضى - فاستأنف العمل) .\nموضوع: قال ابن حجر: رشدين بن سعد والحكم بن مروان متروكان.\n(٨٨) (في رجب يوم وليلة من صام ذلك اليوم، وقام تلك الليلة كان كمن صام من الدهر مائة سنة، وقام مائة سنة، وهو لثلاث بقين من رجب، وفيه، بعث الله محمدا) .\nمنكر للغاية: قال ابن حجر \"هذا حديث منكر إلى الغاية. وهيام بن بسطام الهروي: ضعفه ابن معين، وقال أبو داود: تركوه. وقال جزرة: الهياج منكر الحديث وخالد بن الهياج يروى المناكير\".\n(٨٩) (بعثت نبيا السابع والعشرين من رجب فمن صام ذلك اليوم كان كفارة ستين شهرا) .\nإسناده منكر: رواه هناد النسفي في \"فوائده\" عن أنس. وقال ابن حجر: إسناده منكر.\n(٩٠) (نهى عن صوم رجب كله) .\nضعيف: رواه ابن ماجه، والطبراني في \"الكبير\" والبيهقي في \"فضائل الأوقات\" عن ابن عباس. وفيه داود بن عطاء.","vol":"1","page":421},{"text":"قال ابن حجر \"داود بن عطاء المذكور لينه ابن معين، وقال البيهقي: داود ليس بالقوي\" وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد \"ليس بشيء\" كذا في \"الميزان\" (٢/١٢) .\n(٩١) (عن مكحول أن رجلًا سأل أبا الدرداء عن صيام رجب، فقال: سألت عن شهر كانت الجاهلية تعظمه في جاهليتها، وما زاده الإسلام إلا فضلا وتعظيما، ومن صام منه يومًا تطوعا، يحتسب به ثواب الله ويبتغي به وجه الله مخلصا أطفأ صومه ذلك اليوم غضب الله، وغلق عنه بابا من أبواب النار، ولو أعطى ملء الأرض ذهبًا ما كان حقا له، لا يستكمل أجره بشيء من الدنيا دون يوم الحساب، وله عشر دعوات مستجابات،.... ومن صام يومين كان له مثل ذلك، وله مع ذلك أجر عشرة من الصديقين في عمرهم بالغة أعمارهم، وشفع في مثل ما شفعوا.... ومن صام ثلاثة أيام كان له مثل ذلك، وقال الله له عند إفطاره: لقد وجب حق عبدي هذا، ووجبت له محبتي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\nومن صام تسعة أيام منه رفع كتابه في عليين، وبعث يوم القيامة من الآمنين، ويخرج من قبره ووجهه يتلألأ حتى يقول أهل الجمع هذا نبي مصطفى، وإن أدنى ما يعطى أن يدخل الجنة بغير حساب، ومن صام عشرة أيام فبخ بخ بخ!، له مثل ذلك وعشرة أضعافه.... ويكون من المقربين لله بالقسط، وكمن عبد الله ألف عام صائمًا قائمًا محتسبا. ومن صام عشرين يومًا كان له مثل ذلك وعشرون ضعفا، وهو ممن يزاحم خليل الله في قبته، ويشفع في مثل ربيعة ومضر، كلهم من أهل الخطايا والذنوب، ومن صام ثلاثين يومًا كان له من جميع ذلك ثلاثين ضعفا.....\nوإذا خرج من قبره شيعه سبعون ألفًا من النجائب من الدر والياقوت ... فهو من أول الناس دخول جنات عدن.....\nفإن كان له في كل يوم يصومه على قدر قوته فتصدّق به فهيهات هيهات -ثلاثا- لو اجتمع الخلائق على أن يقدر وأقدر ما أعطي ذلك العبد من الثواب لما بلغوا معشار العشر مما أعطي ذلك العبد من الثواب) .","vol":"1","page":422},{"text":"موضوع: قال ابن حجر في \"تبيين العجب\" (٦٣-٦٤) .\n\"وهذا حديث موضوع ظاهر الوضع. قبح الله من وضعه فوالله لقد وقف شعري من قراءته في حال كتابته، فقبح الله من وضعه، ما أجرأه على الله وعلى رسوله، والمتهم به عندي: داود بن المحبر أو العلاء بن خالد كلاهما قد كذب، ومكحول لم يدرك أبا الدرداء، ولا والله ما حدّث به مكحول قط\".\nهام: قال العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاتي في كتابه \"تبيين العجب بما ورد في فضل رجب\" (ص ٢١) \"لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو اسماعيل الهروي الحافظ رويناه عنه بإسناد صحيح\".\n(٩٢) (من صام يوم الأربعاء والخميس والجمعة بنى الله له بيتًا في الجنة يرى ظاهره من باطنه وباطنه من ظاهره) .\nضعيف: رواه الطبراني في \"الكبير\" قال الهيثمي: وفيه صالح بن جبلة ضعفه الأزدي.\n(٩٣) (من صام يوم الأربعاء والخميس والجمعة بنى الله له قصرًا في الجنة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد وكتب له براءة من النار) .\nضعيف: رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن أنس قال الهيثمى (٣/١٩٩) . وفيه صالح بن جبلة ضعفه الأزدي.\n(٩٤) (من صام يوم الأربعاء والخميس ويوم الجمعة ثم تصدق يوم الجمعة بما قل أو كثر غفر له كل ذنب عمله حتى يصير كيوم ولدته أمه من الخطايا) .\nضعيف: رواه الطبراني في \"الكبير\". قال الهيثمي (٣/١٩٩): فيه محمد بن قيس المدني أبو حازم لم أجد من ترجمة.\n(٩٥) (افترض الله تعالى على أمتي الصوم ثلاثين يومًا وافترض على سائر الأمم أقل وأكثر وذلك لأن آدم لما أكل من الشجرة بقي في جوفه مقدار ثلاثين يومًا فلما تاب الله عليه أمره بصيام ثلاثين يومًا بلياليها وافترض عليَّ وعلى أمتي بالنهار، وما نأكل","vol":"1","page":423},{"text":"بالليل ففضل من الله) .\nموضوع: رواه الخطيب من حديث أنس.\n\"ذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" ولم يخالف فيه أقره السيوطي وابن عراق في \"تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة\" (٢/١٤٥) وقال: وفيه موسى ابن نصر أبو عمران الثقفى\".\n(٩٦) (لو أذن الله لأهل السماوت وأهل الأرض أن يتكلموا بشروا صوام رمضان بالجنة) .\nموضوع: رواه العقيلي في \"الضعفاء\" عن أنس.\nقال ابن عراق (٢/١٤٧): إسناده مجهول وهو غير محفوظ حكم له بالوضع ابن الجوزي ولم يخالف فيها.\n(٩٧) (إن الله تعالى أوحى إلى الحفظة أن لا يكتبوا على صوام عبيدي بعد العصر سيئة) .\nموضوع: حكم عليه بالوضع ابن الجوزي ولم يخالف فيه.\nقال ابن عراق (٢/١٤٧): رواه الخطيب من حديث أنس ولا يصح، فيه إبراهيم ابن عبد الله المحزمي الدقاق، قال الدارقطني: له أحاديث باطلة هذا منها.\n(٩٨) (إذا كان أول ليلة من رمضان نادى الجليل رضوان خازن الجنة فيقول: لبيك وسعديك فيقول: نجّد جنتي وزينها للصائمين من أمة محمد ولا تغلقها عنهم حتى ينقضي شهرهم ... وفيه فإذا كان يوم فطرهم باهى بهم ملائكته..) .\nموضوع: قال ابن حبان هذا متن باطل، وحكم عليه بالوضع ابن الجوزي والسيوطي وابن عراق.\n(٩٩) (من أفطر على تمرة من حلال زيد في صلاته أربعمائة صلاة) .\nموضوع: ذكره ابن عدي من حديث أنس من طريق موسى الطويل حكم عليه بالوضع ابن الجوزي ولم يخالف، وقال ابن عراق (٢/١٤٧) \"فأما وضعه فحدث به\".","vol":"1","page":424},{"text":"(١٠٠) (من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا عذر كان عليه أن يصوم ثلاثين يومًا، ومن أفطر يومين كان عليه ستين، ومن أفطر ثلاثة كان عليه تسعين) .\nموضوع: رواه الدارقطني في الأفراد من حديث أنس.\nقال ابن عراق \"ولا يثبت فيه عمر بن أيوب وعنه محمد بن صبيح ليس بشيء قال السيوطي وجاء من طريق آخر أخرجه ابن عساكر، قال ابن عراق: فيه من لم أعرفهم والله أعلم.\n(١٠١) (من أفطر يومًا من رمضان في غير رخصة رخّصها الله له، لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن صامه) .\nضعيف: رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي عن أبي هريرة، وقال الترمذي: سمعت محمدًا -يعني البخاري- يقول: أبو المطوس الراوي لا أعرف له غير هذا الحديث (١) . وذكره البخاري تعليقا بصيغة التمريض.\nقال المناوي في \"فيض القدير\" (٦/٧٨): \"قال القرطبي: حديث ضعيف لا يحتج بمثله، وقال الدميري: ضعيف وإن علقه البخاري وسكت عليه أبو داود، وممن جزم بضعفه البغوي، وقال ابن حجر فيه اضطراب، قال الذهبي في \"الكبائر هذا لم يثبت\".\nوضعفه الألباني (٢) .\n(١٠٢) (من أفطر يومًا من رمضان، فمات قبل أن يقضيه فعليه بكل يوم مُد لمسكين) .\nضعيف: رواه أبو نعيم في \"الحلية\" عن ابن عمر ورواه الطبراني أيضًا \"وفيه أشعث ابن سوار ضعفه جمع قاله المناوي (٦/٧٨) وضعفه السيوطي والألباني\" (٣) .\n(١٠٣) (عن عائشة أن شابًا كان صاحب سماع وكان إذا هل هلال ذي الحجة أصبح صائمًا فأرسل إليه رسول الله فقال: ما يحملك على صيام هذه الأيام فقال بأبي\n_________\n(١) وقال البخاري عن أبي المطوس بن يزيد \"ولا أدري سمعه أبوه من أبي هريرة أم لا\".\n(٢) \"ضعيف الجامع\" رقم (٥٤٧١)، و\"تخريج المشكاة\" (٢٠١٣) .\n(٣) \"ضعيف الجامع\" رقم (٥٤٦٩) .","vol":"1","page":425},{"text":"وأمي يا رسول الله إنها أيام المشاعر وأيام الحج عسى الله أن يشركني في دعائهم فقال لك بكل يوم عدل مائة رقبة تعتقها ومائة بدنة تهديها إلى بيت الله ومائة فرس تحمل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم عرفة فلك عدل ألفي رقبة، وألفي بدنة، وألفي فرش تحمل عليها في سبيل الله وصيام سنتين قبلها وسنتين بعدها) .\nموضوع: رواه ابن عدي ولا يصح.\nقال ابن عراق (٢/١٤٨): \"فيه محمد بن عبيد المحرم، قال الذهبي في \"ترجمة المحرم\" عقب إيراد الحديث هذا كأنه موضوع، وقال الحافظ ابن حجر: هذا إن لم يكن موضوعا فما في الدنيا حديث موضوع والله تعالى أعلم\".\n(١٠٤) (من صام آخر يوم من ذي الحجة وأول يوم من المحرم فقد ختم السنة الماضية وافتتح السنة المستقبلة بصوم جعل الله له كفارة خمسين سنة) .\nموضوع: رواه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" ولم يخالف.\n\"من حديث ابن عباس وفيه الجويباري وهب بن وهب\" قاله ابن عراق.\n(١٠٥) (من صام تسعة أيام من أول المحرم بنى الله له قبة في الهواء ميلًا في ميل لها أربعة أبواب) .\nموضوع: رواه أبو نعيم في \"الحلية\" من حديث أنس.\nقال ابن عراق (٢/١٤٨): \"وفيه موسى الطويل وهو آفته\".\n(١٠٦) (من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنة بصيامها وقيامها، ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب عشرة آلاف ملك، ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب ألف حاج ومعتمر ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب عشرة آلاف شهيد، ومن صام يوم عاشوراء كتب الله له أجر سبع سماوات، ومن أفطر عنده مؤمن في يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد....\" الحديث.\nموضوع: رواه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" ولم يُخالف من حديث ابن عباس.\nقال ابن عراق (٢/١٤٩): \"وفيه حبيب بن أبي حبيب وهو آفته\".","vol":"1","page":426},{"text":"(١٠٧) (في يوم عاشوراء تاب الله على آدم وعلى أهل مدينة يونس، وفيه ولد إبراهيم وفيه ولد عيسى بن مريم، وفيه فرق البحر لموسى وبني اسرائيل، وجرت السفينة آخر ذلك يوم العاشور لعشر مضين من المحرم، واستوت على الجوديّ فصام نوح وأصحابه والوحش شكرًا لله ﷿) .\nموضوع: فيه ابن الصباح وهو وضّاع.\n(١٠٨) (لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن يكون السنة كلها، فقال رجل من خزاعة: يا نبي الله حدثنا، فقال: \"إن الجنة لتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق الجنة فتنظر الحور العين إلى ذلك فيقلن: يا رب اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجا تقر أعيننا بهم، وتقر أعينهم بنا، قال: فما من عبد يصوم يومًا من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة مما نعت الله (حور مقصورات في الخيام) على كل امرأة سبعون حلة ليس منها حلة على لون الأخرى، تعطي سبعين لونًا من الطيب، ليس منه لون على ريح الآخر، لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجتها، وسبعون ألف وصيف، من كل وصيف صحفة من ذهب، فيها لون طعام تجد لآخر لقمة منها لذة لا تجد لأوله، لكل امرأة منهن سبعون سريرا من ياقوتة حمراء، على كل سرير سبعون فراشا بطائنها من استبرق، فوق كل فراش سبعون أريكة، ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر، موشح بالدر، عليه سواران من ذهب، هذا بكل يوم صامه من رمضان، سوى ما عمل من الحسنات) .\nموضوع: رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، وأبو يعلى من حديث أبي مسعود الغفاري.\nقال ابن عراق (٢/١٥٤): \"فيه جرير بن أيوب، قال البيهقي: وجرير بن أيوب ضعيف عند أهل النقل\" وأورده المنذري في \"الترغيب\" من حديث أبي مسعود وقال عقبة جرير بن أيوب واه، ولوائح الوضع ظاهرة على الحديث\".\n(١٠٩) (لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان) .","vol":"1","page":427},{"text":"ضعيف: رواه ابن عدي والبيهقي في سننه من حديث أبي هريرة، وحكم عليه بالوضع ابن الجوزي واقتصر البيهقي على تضعيفه.\nقال ابن عراق (٢/١٥٣): \"وجاء من حديث ابن عمر أخرجه تمام في فوائده، ومن حديث عائشة أخرجه ابن النجار، وفي سند الأول ناسب بن عمرو، وفي سند الثاني من لم أعرفهم\".\n(١١٠) (من صام العشر فله بكل يوم صوم شهر وله بصوم يوم التروية سنة، وله بصوم يوم عرفة سنتان) .\nموضوع: أخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" من حديث ابن عباس.\nقال ابن عراق (٢/١٥٦): \"إخراج أبي الشيخ له في \"الثواب\" لا يرقيه عن درجة الوضع، وحديث جابر عند ابن النجار في \"تاريخه لا يصلح شاهدا لأنه من طريق محمد ابن عبد الملك الأنصاري وهو وضاع والله أعلم\".\n(١١١) [حديث] (أبي غليظ بن أمية الجمحي رآني رسول الله - ﷺ - وعلي يدي صرد فقال: \"هذا أول طائر صام يوم عاشوراء) .\nحديث منكر: رواه الخطيب وحكم عليه بالوضع ابن الجوزي، وفيه عبد الله بن معاوية منكر الحديث.\nقال ابن عراق (٢/١٥٦): \"الحديث أخرجه ابن قانع في \"معجم الصحابة\".\nوقال في \"الميزان\": \"هذا حديث منكر\".\n(١١٢) (من أحيى ليلة من رجب وصام يومها أطعمه الله من ثمار الجنة وكساه من حلل الجنة وسقاه من الرحيق المختوم إلا من فعل ثلاثًا: من قتل نفسا أو سمع مستغيثا يستغيث بليل أو نهار فلم يغثه أو شكى إليه أخوه حاجة فلم يفرج عنه) .\nموضوع: رواه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" من حديث الحسين بن علي وفيه الحسين بن مخارق وهو المتهم به.","vol":"1","page":428},{"text":"(١١٣) (لله تعالى عند كل فطر من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفا فإذا كان يوم الفطر أعتق مثل ما أعتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفا) .\nقال الحافظ بن حجر فيه زيادة منكرة.\nفيه ناشب بن عمرو الشيباني، قال فيه ابن حجر في \"لسان الميزان\" \"قال الدارقطني ضعيف، وقال البخاري منكر الحديث\".\n(١١٤) (إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام، وإذا سلم رمضان سلمت السنة) .\nضعيف: رواه الدارقطني في \"الأفراد\" من حديث عائشة وفيه عبد العزيز بن أبان وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" من طريقه.\nوفيه عبد العزيز بن أبان وهو ضعيف بمرة.\n(١١٥) (من صام رمضان في إنصات وسكون، وكفّ سمعه وبصره وجوارحه من الحرام والكذب اقترب الله منه يوم القيامة حتى تمس ركبته ركبة إبراهيم ﵇) .\nموضوع: رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" من حديث أبي هريرة وفيه السري ابن سهل.\nقال ابن عراق (٢/١٦٠): \"عند الحارث في \"مسنده\" من حديث أبي هريرة وابن عباس خطبنا رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث وفيه \"ومن صام رمضان وكفّ عن الغيبة والنميمة والكذب والخوض بالباطل وأمسك لسانه إلا عن ذكر الله، وكفّ سمعه وبصره وجميع جوارحه عن جميع محارم الله وعن أذى المسلمين كان له من القربى عند الله أن تمس ركبته ركبة إبراهيم الخليل ﵇ (قال الحافظ ابن حجر في المطالب العالية هذا حديث موضوع. إلا أن ابن الجوزي أورد حديثه في الواهيات وأقره الذهبي في تلخيصه ولم يزد في جرح السري على قوله ضعّفه الدارقطني فكان عنده ليس موضوعًا والله أعلم) .\n(١١٦) (أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يُعطها أمة قبلهم: خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين","vol":"1","page":429},{"text":"الله كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى، ويصيروا إليك، ويصفّد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة. قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: \"لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله\") .\nضعيف: قال المنذري: رواه أحمد والبزار والبيهقي وكذا في \"الإتحاف\" أيضًا، وزاد رواه ابن منيع والحارث بسند ضعيف. وضعفه ابن حجر في \"المطالب العالية\" (١/٢٧٥) .\n(١١٧) (اتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله جعل لكم إحدى عشر شهرا تشبعون فيها وتروون وشهر رمضان شهر الله، فاحفظوا فيه أنفسكم) .\nموضوع: رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" من حديث أبي أمامة وواثلة وعبد الله بن بسر، وحكم عليه بالوضع السيوطي، وفيه إسحاق بن محمد الأسدي.\n(١١٨) (تدرون لم سمي شعبان لأنه يتشعب فيه لرمضان خير كثير وإنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يذيبها من الحر) .\nموضوع: رواه أبو الشيخ من حديث أنس، وحكم عليه السيوطي بالوضع، وفيه زياد بن ميمون وهو هالك اعترف بالكذب.\n(١١٩) (تدرون لم سُمي رمضان؟ لأنه ترمض فيه الذنوب، وإن في رمضان ثلاث ليال من فاتته فاته خير كثير: ليلة سبع عشر وليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وآخر ليلة. فقال عمر: يا رسول الله هي سوى ليلة القدر؟ قال نعم، ومن لم يغفر له في شهر رمضان، ففي أي شهر يغفر له) .\nموضوع: رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" من طريق زياد بن ميمون، وحكم عليه السيوطي بالوضع.\n(١٢٠) (من صام يومًا من رجب وقام ليلة من لياليه بعثه الله آمنًا يوم القيامة ومرّ على الصراط وهو يهلل ويكبر) .\nموضوع رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" من حديث جابر من طريق إسماعيل","vol":"1","page":430},{"text":"(ابن يحيى التيمي)، قال عنه جزرة: كان يضع الحديث، وقال الأزدي: ركن من أركان الكذب.\n(١٢١) (صوموا يوم النيروز خلافا على المشركين ولكم عندي صيام سنتين) .\nموضوع: رواه الديلمي في \"مسند الفردوي\" من حديث أنس.\nقال ابن عراق \"فيه عبد الوهاب بن إبراهيم الحراني وجماعة لم أعرفهم والله تعالى أعلم\" وحكم عليه بالوضع السيوطي.\n(١٢٢) (رجب شهر الله الأصم المنبتر الذي أفرده الله تعالى لنفسه فمن صام يومًا إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر.\nوشهر رمضان شهر أمتي ترمض فيه ذنوبهم، فإذا صام عبد مسلم ولم يكذب ولم يغتب، وفطره طيب خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها) .\nموضوع: رواه الحاكم في تاريخه من حديث أبي سعيد الخدري وفيه أبو هرون العبدي متروك وعنه عصام بن طليق ليس بشيء.\nقال ابن عراق: \"لعل الآفة أبو هرون فإنهم كذبوه حتى قال بعضهم هو أكذب من فرعون\".\n(١٢٣) (صوم يوم عرفة كصوم ستين سنة) .\nموضوع: رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" من حديث ابن مسعود وفيه محمد ابن تيميم قال فيه ابن حبان كان يضع الحديث. والحديث حكم عليه السيوطي وابن عراق بالوضع.\n(١٢٤) (في أول ليلة من ذي الحجة ولد إبراهيم، فمن صام ذلك اليوم كان كفارة ثمانين سنة، وفي تسع من ذي الحجة أنزل توبة داود فمن صام ذلك اليوم كان كفارة ستين سنة) .\nموضوع: رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" من حديث علي، وفيه محمد بن سهل بن الحسين العطار قال الدارقطني كان يضع الحديث، ومن حديث ابن مسعود","vol":"1","page":431},{"text":"صدّره بلفظ ولد إبراهيم الخليل في أول يوم من ذي الحجة فصوم ذلك اليوم كصوم سبعين سنة\".\nقال ابن عراق: وفى سنده من لم أقف لهم على ترجمة.\n(١٢٥) (من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، وإن صام يوم عرفة أعطاه الله ﷿ مثل ثواب عيسى بن مريم، وإن لم يأكل يوم النحر حتى يصلي أعطاه الله ثواب من صلى في ذلك اليوم، فإن مات إلى ثلاثين مات شهيدا) .\nموضوع: رواه الديلمي من حديث أنس، وفيه حماد بن عمرو: قال الجوزقاني كان يكذب، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث. حكم عليه بالوضع السيوطي وابن عراق.\n(١٢٦) (من أفطر عنده يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد - ﷺ -) .\nموضوع: رواه أبو نعيم في \"الحلية\" من حديث ابن عباس، وفيه حبيب بن أبي حبيب كان يضع الحديث. والحديث حكم عليه بالوضع السيوطي وابن عراق.\n(١٢٧) (يسبح للصائم كل شعرة منه، ويوضع للصائمين والصائمات يوم القيامة تحت العرش مائدة من ذهب مكللة بالدر والجوهر على مقدار دائرة الدنيا عليها من أنواع أطعمة الجنة وأشربتها وثمارها فهم يأكلون ويشربون وينعمون والناس في شدة الحساب) .\nموضوع: رواه الديلمي من حديث أبي الدرداء من طريق أبي عصمة نوح بن أبي مريم.\n(١٢٨) (من صام يومًا تطوعا فلو أعطي ملء الأرض ذهبًا ما وفي بأجره دون يوم الحساب) .\nموضوع: رواه ابن النجار في تاريخه من حديث أنس، وفيه خراش مولى أنس، وعنه أبو سعيد العدوي.\nقال ابن عراق (١/٥٧): \"خراش بن عبد الله الطحان عن أنس ساقط عدم، ما أتى به غير أبي سعيد العدوي الكذاب\".","vol":"1","page":432},{"text":"(١٢٩) (من صلى الجمعة وصام يومه وعاد مريضا وشهد جنازة وشهد نكاحًا وجبت له الجنة) .\nضعيف: قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/٢٠٠): \"رواه الطبراني في \"الكبير والأوسط\" بنحوه، عن أبي أمامة وفيه محمد بن حفص وهو ضعيف.\n(١٣٠) (من ألبسه الله نعمة فليكثر من الحمد لله، ومن كثرت ذنوبه فليستغفر الله، ومن أبطأ رزقه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ومن نزل بقوم فلا يصومن إلا بإذنهم ...) الحديث.\nضعيف: رواه الطبراني في \"الصغير والأوسط\" عن أبي هريرة.\nقال الهيثمي (٣/٢٠١): \"وفيه يونس بن تميم ضعّفه الذهبي بهذا الحديث\".\n(١٣١) (سيد الشهور رمضان وأعظمها حرمة ذو الحجة) .\nضعيف: رواه البزار عن أبي سعيد الخدري، وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي.\n(١٣٢) (إن أمتي لم يخزوا ما أقاموا شهر رمضان. قيل: يا رسول الله، وما خزيهم في إضاعة شهر رمضان؟ قال: انتهاك المحارم فيه، من زنى فيه أو شرب فيه خمرًا لعنه الله ومن في السماوات إلى مثله من الحول، فإن مات قبل أن يدركه رمضان فليست له عند الله حسنة يتقي بها النار، فاتقوا شهر رمضان فإن الحسنات تضاعف فيه ما لا تضاعف فيما سواه وكذلك السيئات) .\nضعيف: رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن أم هانئ بنت أبي طالب وفيه عيسى بن سليمان أبو طيبة ضعفه ابن معين ولم يكن فيمن يتعمد الكذب ولكنه نسب إلى الوهم.\n(١٣٣) (لكل شيء باب، وباب العبادة الصيام) .\nضعيف: رواه أبو يعلى في مسنده عن أبي الدرداء رفعه، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف الحديث.\n(١٣٤) (سُئل النبي - ﷺ - عن قبلة الصائم قال: \"ريحانة تشمها\") .","vol":"1","page":433},{"text":"ضعيف: رواه ابن أبي عمر، والطبراني في الصغير والأوسط.\nقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/٢٤٦) \"سألت أبي عنه فقال: حديث باطل\".\nقال الهيثمي: فيه أبان بن أبي عياش وهو ممن يرغب عن الرواية عنه.\n(١٣٥) (عن عائشة ﵂ قالت: \"دخل عليّ رسول الله - ﷺ - فقال: يا عائشة، هل من كسرة؟ فأتيته بقرص، فوضعه في فيه، وقال: يا عائشة، هل دخل بطني منه شيء؟ كذلك قبلة الصائم، إنما الإفطار مما دخل، وليس مما خرج\") .\nضعيف: رواه أبو يعلى في مسنده، وفيه سلمى من بكر بن وائل لا تعرف كما في \"التقريب\"، ورزين البكري إن كان هو الجهني فثقة، وإلا فمجهول.\nقال الهيثمي \"رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفه\".\nوالصواب في الحديث أنه موقوف على ابن عباس.\n(١٣٦) (ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره) .\nلا أصل له مرفوعا: قال العراقي في \"تخريج الإحياء\" (١/٣٠، ١٠٥): رواه الترمذي الحكيم في \"النوادر\" من قول بكر بن عبد الله المزني، ولم أجده مرفوعا\".\nوأقره السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (٩٧٠) قاله الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" رقم (٩٦١ ج ٢/٣٧٨) .\n(١٣٧) (تحفة الصائم الدهن والمجمَر) .\nموضوع: رواه الترمذي عن الحسن بن علي عن رسول الله - ﷺ -.\nقال الترمذي: \"هذا حديث غريب ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث سعد ابن طريف. وسعد يضعف، ويقال عمير بن مأموم أيضًا\".\nورواه البيهقي في \"شعب الإيمان\". وضعف الحديث السيوطي في \"الجامع الصغير\" قال المناوي (٣/٢٣٣): \"قال الديلمي: سعد وعمير ضعيفان، وقال ابن الجوزي: لا يعرف إلا من حديث سعد وقد قال يحيى: لا تحل الرواية عنه، وقال ابن حبان كان يضع","vol":"1","page":434},{"text":"الحديث انتهى. وقال الذهبي: تركه واتهمه ابن حبان.\nوقال الألباني في \"ضعيف سنن الترمذي\" موضوع (١/٩٢) .\n(١٣٨) (من نزل على قوم، فلا يصومن تطوعًا إلا بإذنهم) .\nضعيف جدا: رواه الترمذي من حديث عائشة.\n\"قال الترمذي: سألت محمد يعني البخاري عنه فقال: حديث منكر، وقال عبد الحق: ما في رجاله من يقبل حديثه. وقال ابن الجوزي لا يصح\" انتهى من \"فيض القدير\" (٦/٢٣١) وضعفه السيوطي، وقال الألباني: ضعيف جدا.\n(١٣٩) (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر) .\nضعيف: رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل عن النهاس. وسألت محمدا -يعني البخاري- عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه. وقد تكلم يحيى بن سعيد في نهاس بن قهم من قبل حفظه\".\nقال المناوي \"والنهاس ضعفوه فالحديث معلول، وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح تفرد به مسعود بن واصل عن النهاس، ومسعود ضعفه أبو داود، والنهاس قال القطان: متروك، وابن عدي قال عنه: لا يساوي شيئًا، وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به، وأورده في \"الميزان\" من مناكير مسعود عن النهاس، وقال: مسعود ضعّفه الطيالسي، والنهاس فيه ضعف\" انتهى من \"فيض القدير\" (٥/٤٧٤-٤٧٥) والحديث ضعفه السيوطي والدارقطني في \"العلل\"، وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٥١٦١)، وضعيف الترمذي (٧٦٢)، وضعيف ابن ماجه (١٧٢٨)، و\"مشكاة المصابيح\" (١٤٧١) .\n(١٤٠) (عن مسلم القرشي قال: سألت -أو سُئل- النبي - ﷺ - عن صيام الدهر؟ فقال:\n(إن لأهلك عليك حقا، ثم قال: \"صم رمضان والذي يليه، وكل أربعاء وخميس،","vol":"1","page":435},{"text":"فإذا أنت قد صمت الدهر وأفطرت\") .\nرواه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي: حديث مسلم القرشي حديث غريب وضعفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\" (٤٢٠)، \"ضعيف الترمذي\" (٧٦١)، و\"المشكاة\" (٢٠٦١) .\n(١٤١) (كان رسول الله - ﷺ -، يصوم من الشهر السبت، والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء، والأربعاء، والخميس) .\nضعيف: رواه الترمذي عن عائشة وقال هذا حديث حسن. وروى عبد الرحمن ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان، ولم يرفعه.\nوضعفه الألباني في \"ضعيف الترمذي\" رقم (٧٥٠) .\n(١٤٢) (إن كنت صائما بعد شهر رمضان، فصم المحرم، فإنه شهر الله، فيه يوم تاب الله فيه على قوم، ويتوب فيه على قوم آخرين) .\nضعيف: رواه الترمذي عن علي، وقال الترمذي. هذا حديث حسن غريب، وأشار إلى حسن السيوطي في \"الجامع الصغير\".\nقال المناوي في \"فيض القدير\" (٣/٣٤):\n\"قال الزين العراقي: تفرد بإخراجه الترمذي، وقد أورده ابن عدي في \"الكامل\" في ترجمة عبد الرحمن الواسطي، ونقل تضعيف الأئمة له أحمد بن حنبل وابن معين والبخاري والنسائي\" وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\" (١٢٩٨) .\n(١٤٣) (عن عائشة قالت \"كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه\") .\nفجاء رسول الله - ﷺ - فبدرتني إليه حفصة -وكانت ابنة أبيها- فقالت: يا رسول الله!! إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، قال: (اقضيا يومًا آخر مكانه) .\nوعند أبي داود (لا عليكما، صوما مكانه يومًا آخر) .\nرواه الترمذي وأبو داود عن عائشة.","vol":"1","page":436},{"text":"وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٦٣١٧)، و\"ضعيف سنن أبي داود\" و\"ضعيف سنن الترمذي\" (١١٨)، و\"مشكاة المصابيح\" (٢٠٨٠) .\n(١٤٤) (ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام) .\nضعيف: رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري، وعند أبي داود عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - (لا يُفطِر من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم) .\nضعيف: ضعفه الألباني في تخريج حقيقة الصيام \"ضعيف سنن الترمذي\"، \"ضعيف سنن أبي داود\" (٥١٣)، \"ضعيف الجامع الصغير\" (٢٥٦٧) .\n(١٤٥) (عن معاذ بن زهرة، أنه بلغه أن النبي - ﷺ - كان إذا أفطر، قال \"اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت) .\nرواه أبو داود وعبد الله بن المبارك في \"الزهد\" والبيهقي، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" وابن السني. سنده ضعيف: فإن مع إرسال فيه جهالة معاذ أورده ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، ولم يوثقه ابن حجر في \"التقريب\" وإنما قال \"مقبول\" يعني عند المتابعة، كما نص عليه في المقدمة.\nوهناك طريقان ضعيفان جدا، لا يستشهد بهما، فيبقى حديثه ضعيفا والطريقان هما: طريق ابن عباس كان النبي - ﷺ - إذا أفطر قال: \"اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا، اللهم تقبل منا، إنك أنت السميع العليم\".\nضعيف. أخرجه الدارقطني، وابن السني، والطبراني في \"المعجم الكبير\". وفيه عبد الملك بن هارون ضعيف جدا، قال الذهبي في \"الضعفاء\": تركوه، قال السعدي: دجال وفيه هارون بن عنترة، مختلف فيه.\nولذلك قال ابن القيم في \"زاد المعاد\": لا يثبت. وقال الحافظ في \"التلخيص\": سنده ضعيف، وقال الهيثمي: ضعيف جدا.\nوحديث أنس بلفظ كان إذا أفطر قال: \"بسم الله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت\" أخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير والأوسط\" ومن طريقة أبو نعيم في \"تاريخ أصبهان\".","vol":"1","page":437},{"text":"وقال الطبراني: تفرد به إسماعيل بن عمرو قال الذهبي في \"الضعفاء\": ضعفه غير واحد، وشيخه داود بن الزبرقان شر منه، قال الذهبي: \"قال أبو داود: متروك\" وقال الحافظ في \"التقريب\": متروك كذبه الأزدي.\n(١٤٦) (عن أبي هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - قال الله ﷿: أحبّ عبادي إلي أعجلهم إليّ فطر) .\nضعيف: رواه أحمد في مسنده والترمذي واللفظ لي وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة، وأشار إلى صحته السيوطي.\nوقال الترمذي: حسن غريب. قال المناوي \"وفيه مسلم بن علي الخشني قال في \"الميزان\" شامي واه، وقال البخاري: منكر الحديث، والنسائي متروك وابن عدي حديث غير محفوظ ثم ساق له هذا الخبر\" انتهى من \"فيض القدير\" (٤/٤٨٥) .\n(١٤٧) (عن عائشة أن النبي - ﷺ - كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها) . ضعيف: ضعفه الألباني في \"ضعيف سنن أبي داود\" و(المشكاة ٢٠٠٥) .\n(١٤٨) (عن قدامة بن ملحان قال: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بصوم أيام الليالي الغر البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة) .\nضعيف: رواه النسائي وضعفه الألباني في \"ضعيف النسائي\" رقم (١٥٠) .\nوبلفظ آخر: أن رسول الله - ﷺ -، كان يأمر بهذه الأيام الثلاث البيض ويقول: \"هن صيام الشهر\" عن عبد الملك بن أبي المنهال يحدث عن أبيه رواه النسائي واللفظ له، وابن ماجه وضعفه الألباني في \"ضعيف النسائي\" رقم (١٤٨)، و\"ضعيف ابن ماجه\" رقم (٣٧٥) .\n(١٤٩) (عن حفصة قالت: \"أربع لم يكن يدعهن النبي - ﷺ -: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر وركعتين قبل الغداة\") .\nضعيف: رواه النسائي، وضعفه الألباني في \"ضعيف النسائي\" رقم (١٤١)، و\"الإرواء\" (٩٥٤) عن أم سلمة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يأمر بصيام ثلاثة أيام، أول خميس، والاثنين.","vol":"1","page":438},{"text":"قال الألباني: شاذ.\n(١٥٠) (عن ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: أبصرت الهلال الليلة. فقال \"أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله؟ قال: نعم قال: \"قم يا بلال! فأذن في الناس أن يصوموا غدا\") .\nضعيف: ضعفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\" (٤٠٢-٤٠٣)، \"الإرواء\" (٩٠٧)، \"ضعيف ابن ماجه\" (٣٦٤) .\n(١٥١) (عن أنس بن مالك ﵁ قال: رخص رسول الله - ﷺ - للحُبلى التي تخاف على نفسها، أن تفطر. وللمرضع التي تخاف على ولدها) .\nضعيف جدا: ضعفه الألباني في \"ضعيف ابن ماجه\" (٣٦٦) .\n(١٥٢) (عن فضالة بن عبيد الأنصاري أن النبي خرج عليهم في يوم كان يصومه. فدعا بإناء فشرب. فقلنا: يا رسول الله! إن هذا يوم كنت تصومه؟ قال: \"أجل. ولكني قِئتُ\") .\nضعيف: رواه ابن ماجه، وضعفه الألباني في \"ضعيف ابن ماجه\" (٣٦٩) .\n(١٥٣) (من خير خصال الصائم السواك) .\n(خير خصال الصائم السواك) .\nضعيف: الأول من رواية ابن ماجه ولفظه، والثاني رواه البيهقي في سننه، والجميع عن عائشة قال المناوي في \"فيض القدير\" (٣/٤٨٦): \"مجالد وعاصم ليسا بقويين ورواه الدارقطني من هذا الوجه ثم قال فمجالد غيره أثبت منه\".\n(١٥٤) (عن ميمونه مولاة النبي - ﷺ - قالت: سئل النبي - ﷺ - عن رجل قبّل امرأته وهما صائمان قال: \"قد أفطر\") .\nضعيف جدا: رواه ابن ماجه والدارقطني وقال الألباني \"في ضعيف ابن ماجه\" (٣٧٢): ضعيف جدا.","vol":"1","page":439},{"text":"قال الحافظ الغساني: لا يثبت هذا وأبو يزيد الضبي ليس بمعروف.\nعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال:\n(١٥٥) (استعينوا بطعام السحر على صيام النهار. وبالقيلولة على قيام الليل) .\nضعيف: رواه ابن ماجه واللفظ له والحاكم والطبراني في \"الكبير\" والبيهقي في \"شعب الإيمان\"، قال المناوي \"قال الحاكم - فيه زمعة بن صالح وسلمة بن وهرام ليسا بمتروكين وأقرّه الذهبي في \"التلخيص\" لكنه أورد زمعة في \"الضعفاء والمتروكين\" وقال ضعّفه أحمد وأبو حاتم والدارقطني، ونقل في \"الكاشف\" عن أبي داود أنه ضعّف سلمة هذا، وقال ابن حجر في سنده زمعة بن صالح وفيه ضعف، وقال السخاوي: زمعة كان مع صدقة ضعيفا لخطئه ووهمه ولذا لم يخرج له مسلم إلا مقرونًا بغيره، وسلمة ضعيف مطلقًا أو في خصوص ما يرويه عن زمعة\" انتهى من \"فيض القدير\" (١/٤٩٤) .\nوضعّفه الألباني في \"ضعيف ابن ماجه\" (٣٧٣) و\"ضعيف الجامع\" (٨١٦) .\n(١٥٦) (عن محمد بن إبراهيم، أن أسامة بن زيد كان يصوم أشهر الحرام، فقال له رسول الله - ﷺ -: صم شوالا فترك أشهر الحرم، ثم لم يزل يصوم شوالا حتى مات) .\nضعيف. رواه ابن ماجه، وضعّفه الألباني في \"ضعيف ابن ماجه\" رقم (٣٨١) .\n(١٥٧) (عن ابن عمر؛ قال \"كان النبي - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حتى يغَدي أصحابه من صدقة الفطر\") .\nضعيف: رواه ابن ماجه، وضعفه الألباني في \"ضعيف ابن ماجه\" (٣٨٨) .\n(١٥٨) (عن مجيبة الباهلية عن أبيها، أو عمها أنه أتى رسول الله - ﷺ - ثم انطلق، فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حالته وهيئته، فقال: يا رسول الله أما تعرفني؟ قال: \"ومن أنت؟ \" قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول، قال: \"فما غيّرك، وقد كنت حسن الهيئة؟ قال: ما أكلت طعامًا إلا بليل، منذ فارقتك، فقال رسول الله - ﷺ - \"لم عذّبت نفسك؟ \" ثم قال: \"صم شهر الصبر ويومًا من كل شهر\"، قال زدني فإن بي قوة، قال \"صم يومين\"، قال: زدني، قال \"صم ثلاثة أيام\"،","vol":"1","page":440},{"text":"قال: زدني، قال: \"صم من الحُرُم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك\" وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها\".\nضعيف: رواه أبو داود واللفظ له، وابن ماجه، قال ابن حجر في \"تبيين العجب\" (٢٤) .\nفي إسناده من لا يعرف، وضعفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\" (٥٢٦)، و\"ضعيف ابن ماجه\" (٣٧٩) .\n(١٥٩) (عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال في \"المعتكف\" هو يعكِف الذنوب، ويُجَرى له من الحسنات كعامل الحسنات كلها) .\nضعيف: رواه ابن ماجه واللفظ له، ورواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" بلفظ \"المعتكف يعكف الذنوب، ويجرى له من الأجر كأجر عامل الحسنات كلها\".\nضعيف: ضعفه السيوطي في \"الجامع\" رقم (٥٩٤٠)، والألباني في \"ضعيف ابن ماجه\" (٣٩٤)، \"المشكاة\" (٢١٠٨) .\n(١٦٠) (عن أبي هريرة \"أن النبي - ﷺ - أمر الذي أفطر يومًا من رمضان بكفارة الظهار\") .\nضعيف: رواه الدارقطني في سننه، وقال الحافظ الغساني في \"تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني\" (٢٤٦) رقم (٥٨٢، ٥٨٣): الحِماني ليس بالقوي وليث عن مجاهد: ليث ليس بالقوي.\n(١٦١) (وعن أبي هريرة \"أن رجلًا أكل في رمضان فأمر النبي - ﷺ - أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكينا\") .\nضعيف: رواه الدارقطني برقم ٥٣ (٢/١٩١)، وقال الحافظ الغساني (٥٨٤) (ص ٢٤٦): أبو معشر هو نجيح ليس بالقوي.\n(١٦٢) (أفضل الصوم بعد رمضان شعبان لتعظيم رمضان، وأفضل الصدقة صدقة في رمضان) .","vol":"1","page":441},{"text":"رواه الترمذي، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن أنس، وقال الترمذي: غريب، وضعفه السيوطي والألباني، وفيه صدقة بن موسى قال الذهبي في \"المهذب\": صدقة ضعّفوه\".\n(١٦٣) (شعبان شهري، ورمضان شهر الله) .\nضعيف. رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" عن عائشة: وفيه الحسن بن يحيى الخشني قال الذهبي تركه الدارقطني وضعفه السيوطي والألباني.\n(١٦٤) (جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ليس أحب إلى الله من جوع وعطش) .\nليس له أصل: قال العراقي في \"تخريج الإحياء\" \"لم أجد له أصلا\" (٣/٨٨) .\n(١٦٥) (أقرب الناس من الله يوم القيامة من طال جوعه وعطشه ...) .\nقال العراقي \"أخرجه الخطيب في \"الزهد\" من حديث سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله - ﷺ - وأقبل على أسامة بن زيد ... ومن طريقه رواه ابن الجوزي في \"الموضوعات\"، وفيه حباب بن عبد الله بن جبلة أحد الكذابين وفيه من لا يعرف أيضًا وهو منقطع أيضًا.\n(١٦٦) (أديموا قرع باب الجنة يفتح لكم، فقلت: كيف نديم قرع باب الجنة؟ قال: \"بالجوع والظمأ\") .\nقال العراقي في \"تخريج الإحياء\" لم أجده.\n(١٦٧) (السائحون هم الصائمون) .\nرواه الحاكم في \"المستدرك\" عن أبي هريرة، ورواه عنه ابن منده وأبو الشيخ والديلمي وأعله الدارقطني في \"العلل\" (٨/٢٠٦)، والصحيح عن الأعمش موقوف عن أبي هريرة وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\"، وابن عدي في \"الكامل\" وقال: لا أعلم رفع هذا الحديث عن الأعمش غير حكيم بن خذام (٢/٦٣٨)، وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٣٢٩) .","vol":"1","page":442},{"text":"(١٦٨) (كان إذا دخل رمضان تغيّر لونه وكثرت صلاته، وابتهل في الدعاء، وأشفق لونه) .\nضعيف: رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" عن عائشة.\nقال المناوي في \"فيض القدير\" (٥/١٣٢) \"فيه عبد الباقي بن قانع قال الذهبي قال الدارقطني يخطئ كثيرا\" وضعفه السيوطي، والألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٤٤٠٤) .\n(١٦٩) (كان إذا دخل رمضان شد مئزره، ثم لم يأت فراشه حتى ينسلخ) .\nضعيف: رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" عن عائشة.\nقال المناوي: \"رمز السيوطي لحسنه فيه الربيع بن سليمان فإن كان هو صاحب الإمام الشافعي فثقة أو الربيع بن سليمان البصري الأزدي فضعيف قال يحيى: ليس بشيء\".\nوضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٤٤٠٥) .\n(١٧٠) (كان إذا دخل رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل) .\nرواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" والبزار عن ابن عباس، ورواه ابن سعد عن عائشة.\nقال ابن حاتم في \"العلل\" (١/٢٢٧) \"سألت أبي عن حديث.. وذكر الحديث فقال: هذا حديث منكر\" والحديث ضعيف فيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف.\nوضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٤٤٠٣)، و\"تخرج المشكاة\" (١٩٦٦) .\n(١٧١) (كان إذا أفطر قال: الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت) .\nرواه ابن السني، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن معاذ.\nقال المناوي (٥/١٠٧): \"قال ابن حجر أخرجاه عن رجل عن معاذ هذا وهذا محقق الإرسال ا. هـ، وأقول حصين بن عبد الرحمن هذا أورده الذهبي في \"الضعفاء\" وقال ثقة نسي أو شاخ وقال النسائي تغير\" وضعف الحديث السيوطي، والألباني في \"صحيح الجامع\" (٤٣٥٣)، و\"الإرواء\" (٩٠١)، و\"تخريج المشكاة\" (١٩٩٤) .","vol":"1","page":443},{"text":"(١٧٢) (صمت الصائم تسبيح، ونومه عبادة، ودعاؤه مستجاب، وعمله مضاعف) .\nضعيف: رواه أبو زكريا بن منده في \"أماليه\"، والديلمي في \"مسنده الفردوس\" عن ابن عمر.\nقال المناوي في \"فيض القدير\" (٤/٢٠٦) \"فيه شيبان بن فروخ قال أبو حاتم يرى القدر اضطر إليه الناس بآخرة، والربيع بن بدر وهو ساقط.\nقال الذهبي: قال الدارقطني وغيره: متروك، قال ابن حجر في \"الفتح\" \"في إسناده الربيع بن بدر وهو ساقط\". وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٤٩٢) .\n(١٧٣) (صم صيام داود؛ فإنه أعدل الصيام عند الله، يومًا صائما، ويوما مفطرا، وإنه كان إذا وعد لم يخلف، وإذا لقي لم يفر) .\nضعيف: رواه النسائي عن ابن عمرو وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٤٩١) .\n(١٧٤) (صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر، صام الدهر وأفطر الدهر) .\nضعيف: رواه الطبراني في \"الكبير\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن ابن عمرو قال المناوي (٤/١٩٠): \"رمز السيوطي لحسنه قال الهيثمي: هذا الخبر فيه أبو فارس ولم أعرفه، وأقول فيه أيضًا ابن لهيعة\"، وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٤٦٤) .\n(١٧٥) (ذاكر الله في رمضان مغفورٌ له، وسائل الله فيه لا يخيب) .\nموضوع: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن عمر. قال المناوي في \"فيض القدير\" (٣/٥٥٩): \"قال الهيثمي: فيه هلال بن عبد الرحمن وهو ضعيف، وقال الذهبي في \"الضعفاء\" منكر الحديث، وأقول فيه أيضًا عبد الله بن علي بن جدعان قال الدارقطني لا يزال عندي فيه لين وقال الذهبي في \"الضعفاء\"","vol":"1","page":444},{"text":"قال أحمد ويحيى ليس بشيء وأبو زرعة غير قوي\".\nوحكم الألباني عليه بأنه موضوع في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٠٣٨) .\n(١٧٦) (إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى يكون آخر ليلة من رمضان فليس من عبد مؤمن يصلي في ليلة منها إلا كتب الله له ألفا وخمس مائة حسنة، بكل سجدة، وبنى له بيتا في الجنة من ياقوتة حمراء، لها ستون ألف باب لكل باب منها قصر من ذهب موشح بياقوتة حمراء، فإذا صام أول يوم من رمضان غفر له ما تقدم من ذنبه إلى مثل ذلك اليوم، ومن شهد رمضان استغفر له كل يوم سبعون ألف ملك، من صلاة الغداة إلى أن توارى بالحجاب، وكان له بكل سجدة سجدها في شهر رمضان بليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلها خمس مائة عام) .\nموضوع: \"رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\"، و\"فضائل الأوقات\" عن أبي سعيد الخدري، وذكره المنذري في \"الترغيب والترهيب\" وفيه محمد بن مروان السدي.\nقال الذهبي: تركوه، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ والضعف على رواياته بين، وقال الحافظ: متهم بالكذب.\n(١٧٧) (حديث: ابيضاض بدن آدم، بصيام أيام البيض) .\nقال الشوكاني في \"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\" (ص ٩٢): قال صاحب الخلاصة: موضوع.\n(١٧٨) (عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله - ﷺ - أنه ذكر شهر رمضان ففصله على الشهور وقال:\n\"من قام رمضان إيمانا واحتسابا، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\") .\nضعيف: قال الألباني ضعيف ذكره \"ضعيف سنن النسائي\" رقم (١٢٧ ص ٧٦) .\n(١٧٩) (إن الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) .","vol":"1","page":445},{"text":"ضعيف: أخرجه أحمد والبخاري في \"التاريخ الكبير\" والنسائي وابن ماجه والبزار في \"مسنده\"، والخلال في \"الأمالي\"، وعبد الغني المقدسي في \"فضائل شهر رمضان\" وابن شاهين في \"فضائل شهر رمضان\" من طريق النضر بن شيبان.\nقال البزار: تفرد به النضر.\nوقال ابن خزيمة \"إني خائف أن يكون هذا الإسناد وهمًا، أخاف أن يكون أبو سلمة لم يسمع من أبيه شيئًا\".\nوقال النسائي بعد روايته هذا الحديث: \"هذا خطأ الصواب حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وقال ابن حجر في \"التهذيب\": \"وقد جزم جماعة من الأئمة بأن أبا سلمة لم يصح سماعه من أبيه \"وقال أيضًا في \"التهذيب\" (١٢/١١٧) قال علي بن المديني\nوأحمد وأحمد وابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وأبو داود: حديثه عن أبيه مرسل\".\nوضعفه الألباني في \"ضعيف سنن النسائي\" رقم (١٢٩ ص ٧٦، ٧٧) .\nوقال ابن عبد البر: حديث النضر في سماع أبي سلمة عن أبيه لا يصححونه وذهب الشيخ أحمد شاكر في \"تعليقه على السند\" حديث رقم (١٦٦٠ ج ١/١٢٧، ١٢٨) إلى تصحيح الحديث قال: إسناده صحيح. وقال \"إن أبا سلمة مات سنة ٩٤ عن ٧٢ سنة أو أكثر فكانت سنه عند موت أبيه أكثر من ١٠ سنين، فما يبعد أن يحفظ عن أبيه أحاديث، وقد حفظ من هو أصغر من هذا وقبل الأئمة روايته، ولذلك لم يجزم البخاري بضعف هذا الحديث ولا علله وإنما ذكر أن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أصح وهو كما قال أصح.\n(١٨٠) (إن أبواب الجنان تفتح في أول ليلة من رمضان إلى آخر ليلة منه فلا تغلق منها باب، وتغلق أبواب جهنم في أول ليلة من رمضان إلى آخر ليلة منه فلا يفتح منها باب، وتغل فيه مردة الشياطين لحق رمضان وحرمته، ويبعث الله مناديا ينادي في السماء الدنيا كل ليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر: يا باغىَ الخير هلم هل من داع يستجاب له، هل من سائل يعطى سؤله، من مستغفر يغفر له، من تائب يتب عليه، ولله تعالى عتقاء عند وقت فطر كل ليلة من شهر رمضان عبادا أو إماء) .","vol":"1","page":446},{"text":"ضعيف: رواه الخطيب في \"التاريخ\"، ورواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" وفيه ناشب بن عمرو عن مقاتل بن حبان: قال الدارقطني: ضعيف، وقال البخاري منكر الحديث. ورواه الحافظ عبد الغني المقدسي في \"فضائل شهر رمضان\" وفيه ابن المذهب: قال الذهبي: ليس المتقن، وفيه القردواني: قال الحاكم: ليس بالمتين وفيه سابق البربري وهو غير سابق البربري الزاهد، ضعفه ابن عدي وذكره الذهبي في \"المغني\" في الضعفاء وسكت عنه ابن أبي حاتم في \"الجرح\".\n(١٨١) (نهى عن صيام الراداة) .\nقال عمر بن حفص الوصابي: هو يوم الشك.\nحديث منكر: قال ابن أبي حاتم في \"علل الحديث\" (١/٢٤٧) \"قال أبي هذا حديث منكر\". وهو من رواية صالح مولى التومة عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -.\n(١٨٢) (عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان أكثر صيامه في شعبان فقلت يا رسول الله: مالي أرى أكثر صيامك في شعبان فقال: يا عائشة إنه شهر ينسخ لملك الموت من يقبض فأحب أن لا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم) .\nحديث منكر: قال ابن حاتم في \"علل الحديث\" (١/٢٥٠-٢٥١) \"سألت أبي عن حديث وذكر الحديث قال أبي: هذا حديث منكر\".\n(١٨٣) (عن علي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من منعه الصيام من طعام أو شراب يشتهيه أطعمه الله من ثمار الجنة وسقاه من شرابها\") .\nحديث منكر: قال ابن حاتم في \"علل الحديث\" (١/٢٥١): \"قال أبي هذا حديث منكر\".\n(١٨٤) (ثلاث من فَعَلَهُن أطاق الصوم: من أكل قبل أن يشرب، وتسحر، وقال) .\nضعيف: رواه البزار عن أنس وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٢٥٤٢) .","vol":"1","page":447},{"text":"(١٨٥) (ثلاث من حفظهن فهو ولي حقا، ومن ضيعهن فهو عدوي حقا: الصلاة، والصيام، والجنابة) .\nضعيف: رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن أنس وسعيد بن منصور في \"سننه\"، عن الحسن مرسلا.\nقال المناوي (٣/٢٩٠) \"قال الهيثمي: فيه عدي بن الفضل وهو ضعيف\".\nوأعله الدارقطني في \"علله\" (٨/٢٤٣) بالإرسال.\nوفيه \"عبيد الله بن تمام ضعفه الدارقطني وأبو حاتم وأبو زرعة، وقال الساجي: كذاب يحدث بمناكير\".\n(١٨٦) عن أبي هريرة قال \"أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاث أيام من كل شهر ولا أنام إلا على وتر، سبحة الضحى\".\nضعيف: أخرجه البخاري في \"تاريخه الكبير\" في ترجمة أيوب بن يناق.\nلم يذكر فيه البخاري جرحًا ولا تعديلا، وفيه يونس بن الحارث الطائفي ضعيف.\n(١٨٧) عن عمر عن النبي - ﷺ -: \"أنه كان لا يرى بأسا بقضاء رمضان في عشر ذي الحجة\".\nضعيف: رواه الطبراني في \"الصغير\" و\"الأوسط\" وقال الهيثمي: وفيه إبراهيم بن إسحاق وهو ضعيف \"مجمع الزوائد\" (٣/١٧٩) . وقال الدارقطني: متروك.\n(١٨٨) (لا يقض رمضان في عشر ذي الحجة، ولا تعمدن صوم يوم الجمعة، ولا تحتجم وأنت صائم، ولا تدخل الحمام وأنت صائم) .\nضعيف: رواه الدارقطني في \"العلل\" (٣/١٧٥)، وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" عن علي مرفوعا، قال الدارقطني: والأصح وقفه وأخرجه موقوفا على علي ابن أبي شيبة في \"مصنفه\"، وعبد الرزاق في \"المصنف\".\n(١٨٩) عن سعيد بن أبي وقاص \"أن النبي - ﷺ - لم يصم يوم عاشوراء) .\nضعيف: رواه الدارقطني في \"العلل\" (٤/٣٩٦-٣٧٠) وقال: \"عن شعبة مرسلا وهو الصواب\".","vol":"1","page":448},{"text":"(١٩٠) عن علي، عن النبي - ﷺ - \"في بيض النعام صوم يوم لكل بيضة\".\nضعيف: ذكره الدارقطني في \"العلل\" (٤/١٠-١١)، والبيهقي في \"سننه\" في كتاب الحج، باب بيض النعام يصيبها المحرم، وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" وابن أبي شيبة.\n(١٩١) (إن الله يكتب الصيام بالليل، فمن صام فقد تعنى ولا أجر له) .\nضعيف: رواه الترمذي في \"الجامع\"، وابن السكن في \"الصحابة\" والدولابي في \"الكنى\" من حديث أبي سعيد الخير.\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٣٩) \"قال ابن منده: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقال الترمذي. سألت البخاري عنه فقال: ما أرى أبا عبادة سمع من أبي سعيد الخير\".\n(١٩٢) (من صلى في آخر جمعة من رمضان، الخمس الصلوات المفروض في اليوم والليلة، قضت عنه ما أخل به من صلاة سنته) .\nموضوع: قال الشوكاني في \"الفوائد المجموعة\" (ص ٥٤) \"هذا موضوع لا إشكال فيه، ولم أجده في شيء من الكتب التي جمع مصنفوها فيها الأحاديث الموضوعة، ولكنه اشتهر عند جماعة من المتفقهة بمدينة صنعاء في عصرنا هذا. وصار كثير منهم يفعلون ذلك، ولا أدري من وضعه لهم. فقبح الله الكذابين\".\n(١٩٣) (من صلى ليلة الفطر مائة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد عشر مرات ويقول في ركوعه وسجوده عشر مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإذا فرغ من صلاته استغفر مائة مرة ثم يسجد ثم يقول: يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما يا أرحم الراحمين يا إله الأولين والآخرين اغفر لي ذنوبي وتقبل صومي وصلاتي والذي بعثني بالحق لا يرفع رأسه من السجود حتى يغفر الله له ويتقبل منه شهر رمضان ... إلخ) .","vol":"1","page":449},{"text":"موضوع: وأول الحديث: والذي بعثني بالحق نبيًا: أن جبريل أخبرني عن إسرافيل عن الله -﷿-: \"أن من صلى ليلة الفطر....\"\nقال الشوكاني في \"الفوائد المجموعة\" (ص ٥٢): موضوع ورواته مجاهيل.\n(١٩٤) (من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) .\nموضوع: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن عبادة، وضعفه السيوطي.\nقال المناوي في \"فيض القدير\" (٦/٣٩): \"قال الهيثمي فيه عمر بن هارون البجلي والغالب عليه الضعف، وأثنى عليه ابن مهدي لكن ضعفه جمع كثيرون\".\nوقال ابن حجر: حديث مضطرب الإسناد وفيه عمر بن هارون ضعيف، وقد خولف في صحابيه وفي رفعه، ورواه الحسن بن سفيان عن عبادة أيضًا وفيه بشر بن رافع متهم بالوضع، وأخرجه ابن ماجه من حديث بقية عن أبي أمامة بلفظ \"من قام ليلتي العيد لله محتسبًا لم يمت قلبه حين تموت القلوب، وتقية صدوق لكن كثير التدليس، وقد رواه بالعنعنة.\nورواه ابن شاهين بسند فيه ضعف ومجهول، وقال الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٥٣٦٧): موضوع.\n(١٩٥) (أغنوهم -يعني المساكين- عن الطواف في هذا اليوم) .\nضعيف: رواه ابن عدي والدارقطني من حديث ابن عمر قال الحافظ في \"بلوغ المرام\" (ص ١٤٩) بإسناد ضعيف، قال الصنعاني في \"سبل السلام\" (٢/١٣٨) \"لأن فيه محمد بن عمر الواقدي وهو متروك متهم بالكذب\".\n(١٩٦) (عن أبي ذر أن جبريل قال للنبي - ﷺ - \"إن الله قد قبل وصالك ولا يحل لأحد بعدك\".\nضعيف: قال الحافظ في \"الفتح\": رواه الطبراني في \"الأوسط\" من حديث أبي ذر وليس إسناده بصحيح.\n(١٩٧) (من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعة فكأنما صام السنة) .","vol":"1","page":450},{"text":"ضعيف: قال ابن رجب في \"لطائف المعارف\" (ص ٢٣٣): أخرجه الطبراني وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا من طرق ضعيفة.\n(١٩٨) (صم رمضان، والذي يليه، وكل أربعاء وخميس؛ فإذا أنت قد صمت الدهر) .\nضعيف: رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" عن مسلم القرشيي، وكذا رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال الترمذي غريب وضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٣٤٨٨) .\n(١٩٩) (من قام ليلتي العيد محتسبًا لله لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) .\nموضوع: رواه ابن ماجه في \"سننه\" وقال الألباني في \"ضعيف سنن ابن ماجه\" (٣٩٥): موضوع.\n(٢٠٠) (كان يأمر بصيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة، وخمس عشرة ويقول: \"هو كصوم الدهر\" أو \"كهيئة الدهر\") .\nضعيف: رواه ابن ماجه وقال الألباني في \"ضعيف سنن ابن ماجه\" رقم (٣٧٥): ضعيف\".\n(٢٠١) (نعم الشهر شهر رمضان تُفَتّح فيه أبواب الجنان وتُغلق فيه أبواب النار، وتصفّد فيه الشياطين ويغفر فيه إلا لمن يأبَى) .\nإسناده ضعيف: أخرجه الخطيب البغدادي في \"تاريخه\"، وابن شاهين في \"فضائل شهر رمضان\" عن أبي هريرة، وفيه أبو معشر نُجيح بن عبد الرحمن قال ابن المديني: كان يحدّث عن نافع وعن المقبري بأحاديث منكرة. قال أحمد: أصح الناس حديثا عن سعيد المقبري، ليث بن سعد، وأضعفهم عنه حديثا أبو معشر.\n(٢٠٢) (أُعْطيت أمتي في رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، أما واحدة: فإذا كان أول ليلة نظر الله ﷿ إليهم، ومن نظر الله ﷿ إليه لم يعذبه أبدا.\nوأما الثانية: فإن خلوف أفواههم حين يُمسون أطيب عند الله -﷿- من ريح المسك.","vol":"1","page":451},{"text":"وأما الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة.\nوأما الرابعة: فإن الله ﷿ يأمر جنته فيقول تزيني واستعدي لعبادي.\nوأما الخامسة: فإذا كان آخر ليلة غُفر لهم) .\nإسناده ضعيف: أخرجه البيهقي في \"فضائل الأوقات\" وابن شاهين في \"فضائل شهر رمضان\" عن أبي هريرة، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" إلى الأصبهاني في \"الترغيب\" وأبو الشيخ في \"الثواب\"، ومدار الحديث على الهيثم بن الحواري، وزيد العمي، وزيد العمي ضعيف الحديث. وفيه هشام بن أبي هشام -أبو المقدام- وهو متروك الحديث كما في \"التقريب\".\n(٢٠٣) (من أفطر يومًا من رمضان من غير مرض ولا رخصة فلا يفيه صيام الدهر كله وإن صامه) .\nإسناده ضعيف: أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، والدارقطني، والخلال في \"الأمالي\" وابن حبان في \"المجروحين\".... عن ابن المطوس -أو أبي المطوس- عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري تعليقا (فتح الباري ٨/٣٠٥) .\n(٢٠٤) (إن الله ﵎ بنى جنانًا كلها من ياقوت أحمر، أساسها وأعاليها شبّكت بالذهب، عليها ستور السندس والاستبرق، وكل جنة طولها مائة عام، [وعرضها مائة عام]، في كل جنة مائة ألف قصر، في كل قصر قبّة بيضاء، سماؤها زبرجد أخضر، الأنهار تطرد في حيطانها، والأشجار دانية عليها، يقول: هذه الجنة صاحبها ينعم فلا ييأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه قال رسول الله - ﷺ -: \"تلك جنان بُنيت لمن صام شهر رمضان يهبها الله لأهلها يوم الفطر\") .\nموضوع: أخرجه ابن أبي الدنيا في \"فضل شهر رمضان\" وزاهر بن طاهر الشحامي في \"تحفة عيد الفطر\"، وابن عساكر في \"أماليه\". وفي إسناده النضر بن طاهر، كذاب يسرق الحديث كما قال ابن عدي والذهبي، وسلام بن سليم متروك الحديث ومتهم.","vol":"1","page":452},{"text":"(٢٠٥) (اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، والعافية المجلّلة، ورفع الأسقام، والعون على الصيام والصلاة وتلاوة القرآن، اللهم سلمنا لرمضان وسلّمه لنا وتسلّمه منا حتى يخرج رمضان وقد غفرت لنا ورحمتنا وعفوت عنا\".\nثم يقبل على الناس بوجهه فيقول \"أيها الناس: إن هذا شهر رمضان غُلَّتْ فيه الشياطين، وغُلّقت فيه أبواب جهنم، وفُتّحت فيه أبواب الجنان، ونادى مناد كل ليلة: هل من سائل فيُعطى، هل من مستغفر فأغفر له، اللهم أعط كل منفق خلفا، وعجّل لكل ممسك تلفا، حتى إذا كان يوم الفطر نادى منادٍ من السماء: اليوم يوم الجائزة فاغدوا فبادروا خذوا جوائزكم\") .\nإسناده ضعيف: رواه ابن أبي الدنيا في \"فضائل شهر رمضان\" وابن عساكر عن أبي جعفر وهو مرسل.\n(٢٠٦) (من أتى عليه شهر رمضان صحيحًا مسلمًا صام نهاره وصلّى وردًا من ليله، وغضّ بصره، وحفظ فرجه ولسانه ويده وحافظ على صلاته مجموعة، وبكّر إلى جُمَعة فقد صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرب\".\nإسناده ضعيف: نفس إسناد الحديث (٢٠٥) .\n(٢٠٧) (انبسطوا في النفقة في شهر رمضان فإن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله) .\nإسناده ضعيف: رواه ابن أبي الدنيا في \"فضائل شهر رمضان\" عن ضمرة بن حبيب وراشد بن سعد وفيه أبو بكر بن أبي مريم والحديث مرسل.\n(٢٠٨) (نعم غداء المؤمن السحور إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) .\nإسناده ضعيف: رواه ابن أبي الدنيا في \"فضل شهر رمضان\" وأبو محمد الجوهري فيه أماليه عن ابن عمر وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقد صح آخر الحديث.\n(٢٠٩) (الجماعة بركة، والثريد بركة، والسحور بركة، تسحروا فإنه يزيد في القوّة، تسحروا ولو على جرعة من ماء، صلوات الله على المتسحرين) .\nإسناده ضعيف جدا: أخرجه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" وأبو نعيم","vol":"1","page":453},{"text":"وأبو موسى في \"الصحابة\" وابن أبي الدنيا في \"فضائل شهر رمضان\" عن أبي سعيد الإسكندراني وفيه. بحر السقاء متروك الحديث.\nوالحديث مرسل، فالإسكندراني ليس بصحابي.\n(٢١٠) (إن الجنة تزخرف وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان هبّت ريح من تحت العرش يُقال لها: المتبرد فيصطفق ورق أشجار الجنان وحلق المصاريع، فيُسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه، فتشرف الحور العين حتى يقفن على شجر الجنان فينادين: هل من خاطب إلى الله -﷿- فيزوجه، ثم يقلن: يا رضوان ما هذه الليلة فيجيبهن بالتلبية ثم يقول: يا خيرات حسان هذه أول ليلة من شهر رمضان فتفتح فيها أبواب الجنان للصائمين من أمة محمد - ﷺ - يقول الله -﷿-: يا رضوان: افتح أبواب الجنان، يا مالك: اغلق أبواب الجحيم عن الصائمين من أمة محمد - ﷺ -، يا جبريل: اهبط إلى الأرض فصفِّدْ مردة الشياطين وغُلهُم في الأغلال ثم اقذف بهم في لجج البحار حتى لا يفسدوا على أمة حبيبي. قال: ثم يقول الله -﷿- في كل ليلة من شهر رمضان ثلاث مرات: هل من سائل فأعطيه سؤله، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، من يقرض المليء غير المعدم، والوفي غير الظلوم، قال: ولله -﷿- في كل ليلة من شهر رمضان ألف ألف عتيق من النار، فإذا كان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أعتق في كل ساعة منها ألف ألف عتيق من النار كلهم استوجب العذاب، فإذا كان أخر ليلة من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره، فإذا كانت ليلة القدر أمر الله ﵎ جبريل ﵇ فيهبط في كوكبة من الملائكة ومعه لواء أخضر مركز اللواء على ظهر الكعبة وله ستمائة جناح؛ منها جناحان لا ينشرهما إلا في ليلة القدر، فينشرهما في تلك الليلة فيجاوزان المشرق والغرب.\nقال: ومكث جبريل والملائكة في هذه الأمة فيسلمون على كل قائم وقاعد ومصل وذاكر فيصافحونهم ويؤمنون على دعائهم حتى مطلع الفجر، فإذا طلع الفجر نادى جبريل: يا معشر الملائكة الرحيل الرحيل، فيقولون يا جبريل: ما صنع الله في","vol":"1","page":454},{"text":"حوائج المؤمنين من أمة محمد - ﷺ - فيقول: إن الله -﷿- نظر إليهم في هذه الليلة فعفى عنهم وغفر لهم إلا أربعة: فقال رسول الله - ﷺ -، وهؤلاء الأربعة: رجل مدمن خمر، وعاق لوالديه، وقاطع رحم، ومشاحن\"، فقيل: يا رسول الله وما المشاحن؟ قال: هو المصارم، فإذا كانت ليلة الفطر سميت ليلة \"الجابرة\"، فإذا كان غداة الفطر يبعث الله ﵎ الملائكة في كل بلد فيهبطون إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمعه جميع مَنْ خلق الله إلا الجن والإنس، فيقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى رب كريم يغفر العظيم، فإذا برزوا في مصلاهم يقول الله -﷿-: يا ملائكتي: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله، فيقول الملائكة: إلهنا وسيدنا جزاؤه أن توفيه أجره، فيقول الله -﷿-: أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضاي ومغفرتي، فيقول الله -﷿-: سلوني وعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئًا في جمعكم هذا لآخرتكم إلا أعطيتكموه، ولا لدينا إلا نظرت لكم، وعزتي لأسترنّ عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين أصحاب الجدود -أو الحدود- انصرفوا مغفورًا لكم، قد أرضيتموني فرضيت عنكم. قال: فتفرح الملائكة ويستبشرون بما يعطي الله -﷿- هذه الأمة إذا أفطرت) .\nإسناده ضعيف جدا. رواه عبد الغني المقدسي في \"فضائل شهر رمضان\" عن ابن عباس. ورواه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" لأبي الشيخ في \"الثواب\"، و\"البيهقي\" والأصبهاني. وذكره السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\".\nوالحديث لا يصح لأنه مسلسل بالضعفاء، والانقطاع بين الضحاك وابن عباس.\n(٢١١) (من اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله باعد الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق كما بين الخافقين) .\nضعيف: كما ورد في \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" بالسعودية - فتوى رقم (٦٧١٨) .\n(٢١٢) (أظلكم شهركم هذا؛ بمحلوف رسول الله - ﷺ -، ما مر بالمسلمين","vol":"1","page":455},{"text":"المسلمين شهر خير لهم منه، وما مر بالمنافقين شهر شر منه، إنه ليكتب أجره ونوافله قبل\nأن يدخل، ويكتب إصره وشقاؤه قبل أن يدخل، وذلك أن المؤمن يعد القوة بالعبادة والنفقة، ويعدّ النافق غفلة المؤمنين واتباع عوراتهم وهو غنيمة للمؤمن يغنمه الله -﷿- أجره) .\nولفظ أحمد في \"مسنده\" (٨٣٥٠):\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لمحلوف رسول الله - ﷺ - ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان ولا أتى على المنافقين شهر شر من رمضان وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة والعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم والمؤمن يغتنمه الفاجر\".\nإسناده ضعيف: أخرجه أحمد، وابن خزيمة، والعقيلي في \"الضعفاء\"، والبيهقي في \"الكبرى\" وفي \"فضائل الأوقات\" وعبد الغني المقدسي في \"فضائل شهر رمضان\" وابن أبي الدنيا وابن شاهين في \"فضائل شهر رمضان\" عن عمرو بن تميم عن أبيه عن أبي هريرة.\nقال البخاري: \"عمرو بن تميم عن أبيه، عن أبي هريرة في \"فضل شهر رمضان\"، روى عنه كثير بن زيد: في حديثه نظر.\nوأبوه: تميم بن يزيد -مولى بن زمعة- قال الحسيني في \"الإكمال\" (ص ٥٥): مجهول وتبعه الحافظ بن حجر -على ذلك- في \"تعجيل المنفعة\" (ص ٤٤) .\nوضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (١٠٢٠) .\nقال الشيخ أحمد شاكر في \"تخريج مسند أحمد\" (١٦/١٥٨) رقم الحديث (٨٣٥٠): إسناده صحيح.\n(٢١٣) (أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله - ﷺ -، ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله -﷿- ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يُدخله، ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله وذلك أن المؤمن يعد فيه القوة للعبادة من النفقة، ويعد المنافق اتباع غفلة الناس واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه المنافق) .","vol":"1","page":456},{"text":"ضعيف: \"رواه الإمام أحمد، والبيهقي، والطبراني في \"الأوسط\"، وابن خزيمة في \"صحيحه\" عن أبي هريرة مرفوعا وسكت عنه المنذري، وأورده الهيثمي، وقال: \"رواه أحمد والطبراني في \"الأوسط\" عن تميم مولى ابن رمانة ولم أجد من ترجمه\" ا. هـ (١) .\n***\n_________\n(١) \"بين يدي رمضان\" لمحمد بن إسماعيل المقدم (ص ٩-١٠) .","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الباب الثاني عشر\nالصوم على أربعين وجهًا</span>\n\"علي زين العابدين\"\n﵀","vol":"1","page":459},{"text":"قال علي زين العابدين -﵀-: \"الصوم على أربعين وجهًا:\nعشرة منها واجبة كوجوب شهر رمضان.\nوعشرة منها حرام.\nوأربعة عشر خصة صاحبها بالخيار: إن شاء صام، وإن شاء أفطر.\nوصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب\".\nثم فسّرهُنّ فقال:\nأما الواجب:\n* فصوم شهر رمضان.\n* وصيام شهرين متتابعين - يعني في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق.\nقال تعالى: (ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليمًا حكيما) [النساء: ٩٢] .\n* وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، قال الله -﷿-: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) [المائدة: ٨٩] .\n* وصيام حلق الرأس، قال الله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) [البقرة: ١٩٦] صاحبه بالخيار إن شاء صام ثلاثا.\n* وصوم المتعة لمن لم يجد الهدي، قال الله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ...) [البقرة: ١٩٦] .\n* وصوم جزاء الصيد، قال الله ﷿: (ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم) [المائدة: ٩٥]، وإنما يقوم ذلك الصيد قيمة ثم يقص ذلك الثمن على الحنطة.","vol":"1","page":461},{"text":"وأما الذي صاحبه بالخيار:\nفصوم الاثنين، والخميس، وصوم ستة أيام من شوال بعد رمضان، ويوم عرفه، ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار: إن شاء صام وإن شاء أفطر (١) .\nوأما صوم الإذن: فالمرأة لا تصوم تطوعًا إلا بإذن زوجها، وكذلك العبد والأمة.\nوأما صوم الحرام:\nفصوم يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك نهينا أن نصومه كرمضان، وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر حرام، والضيف لا يصوم تطوعًا إلا بإذن صاحبه، قال رسول الله - ﷺ -: \"من نزل على قوم فلا يصومن تطوعًا إلا بإذنهم\" (٢) .\n* ويؤمر الصبي بالصوم إذا لم يراهق \"تأنيسًا وليس بفرض\".\nوكذلك من أفطر لعلة من أول النهار ثم وجد قوة في بدنه أمر بالإمساك وذلك تأديب الله -﷿- وليس بفرض.\n* وكذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثم قدم أمر بالإمساك.\n* وأما صوم الإباحة، فمن أكل أو شرب ناسيًا من غير عمد فقد أُبيح له ذلك وأجزأه.\n* وأما صوم المريض، وصوم المسافر، فإن العامة اختلفت فيه، فقال بعضهم يصوم، وقال قوم لا يصوم، وقال قوم: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وأما نحن فنقول: يفطر في الحالين جميعًا، فإن أفطر في السفر والمرض فعليه القضاء (٣) قال الله -﷿-: (فعدة من أيام أخر) [البقرة: ١٨٤] (٤) .\n_________\n(١) ومنه أيضًا: ثلاثة أيام من كل شهر، الثلاثة البيض من كل شهر، صيام يوم وإفطار يوم، صيام عشر ذي الحجة \"أي: التسع منها\".\n(٢) سبق الكلام على ضعفه.\n(٣) وهذا القول مرجوح.\n(٤) \"حلية الأولياء\" (٣/١٤١، ١٤٢) .","vol":"1","page":462},{"text":"\"قال ابن الجوزي: الصيام ينقسم على أحد عشر ضربًا، صيام الفرض، وصيام الظهار، وصيام النقل، وصيام الوطء في رمضان، وصيام كفارة اليمين، صيام فدية الأذى، وصيام التمتع، وصيام إفساد الحج، وصيام كفارة قتل الصيد، وصيام النوافل، وصيام النذر، والأيام المنهي عن صيامها ستة: يوم الفطر، ويوم الأضحية، وثلاثة أيام بعد أيام التشريق، ويوم الشك\" (١) .\n***\n_________\n(١) \"بستان الواعظين\" لابن الجوزي (ص ٢٩٩-٣٠٠) .","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>الباب الثالث عشر\nالصوم المندوب والمنهي عنه</span>","vol":"1","page":465},{"text":"اعلم يا أخي أن الصوم على نوعين:\n\"أ- الصوم الواجب.\nب-<span data-type=\"title\" id=toc-208> الصوم المندوب</span>.\nالصوم الواجب: ينقسم إلى:\n(أ) واجب بإلزام الشرع ابتداءً:\n* كصوم رمضان، والكفارة من الفطر بالجماع في نهاره، وكفارة الظهار، والقتل، وكل منهما شهران متتابعان.\n* وكفارة اليمين، وفدية الأذى في الإحرام، وكل منهما ثلاثة أيام.\n* وفدية التمتع والقران وكل منهما عشرة أيام.\n* وجزاء الصيد وهو تقويم البدنة بدراهم، والدراهم بطعام. فيصام بدلًا عن كل مدّ يوم.\n(ب) ما يجب بالالتزام: النذر، وقد نزله الشارع منزلة ما ألزمه ابتداء من الواجبات.\nفهذا ما يتعلق بالصوم الواجب\" (١) .\nالصوم المندوب\n\"الصوم في الجملة من العباد أمر مطلوب، وثمرته تجنى في الآخرة إذ هو إلى الله منسوب. وهو ينقسم إلى قسمين:\n(أ) مطلق. قد أثنى الله على الصائمين والصائمات ثم قال مجازيًا \"أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا\".\n(ب) مقيد بزمن: وهو على ضربين:\n(١) معين.\n(٢) ومبهم.\n_________\n(١) \"مدارك المرام في مسالك الصيام\" للمحدث قطب الدين القسطلاني\" (ص ٢٢-٢٣) الأزهر.","vol":"1","page":467},{"text":"الصوم المقيد بزمن وهو معين:\nوهو أنواع:\nالنوع الأول: صوم الأشهر: وهي أربعة أزمان:\n(١) الزمن الأول: شهر الله المحرم.\n(٢) الزمن الثاني: شهر شعبان.\n(٣) الزمن الثالث: شهر شوال.\n(٤) الزمن الرابع: الأشهر الحرم.\n(٥) الزمن الخامس: شهر رجب.\nالنوع الثاني: صوم الأيام منها:\n(١) صوم عشر ذي الحجة.\n(٢) صوم يوم عرفة.\n(٣) صوم يوم عاشوراء وتاسوعاء.\n(٤) صوم أيام البيض.\n(٥) صوم يوم الاثنين والخميس وما يغتنم من عانى ذلك من الأجر النفيس.\nالصوم المقيد بزمن وهو مبهم وهو نوعان:\nأ- غب الصوم وهو إفطار يوم وصوم يوم.\nب- ثلاثة أيام من كل شهر.","vol":"1","page":468},{"text":"ويمكن إجمال ما سبق هكذا:\n\nالصوم المندوب\n١- مطلق\n٢- مقيد بزمن [معين - مبهم]\n- - معين\n- - - صوم الأشهر [المحرم - شعبان - شوال - الأشهر الحرم - رجب]\n- - - صوم الأيام [عشر ذي الحجة - يوم عرفة - عاشوراء والتاسع - أيام البيض - الاثنين والخميس]\n- - مبهم (مثال غب الصوم، ثلاثة أيام من كل شهر)","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>صيام شهر الله المحرم</span>\n* قال رسول الله - ﷺ - \"أفضل الصلاهّ بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم\" (١) .\n* وقال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل الصيام بعد رمضان الشهر الذي تدعونه المحرم\" (٢) .\n* وعند مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل\".\nقال النووي: \"فإن قيل إن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم، فكيف أكثر منه في شعبان دون المحرم\" (١) .\nوالجواب: لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه. أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كفر ومرض وغيرهما\".\nقال المناوي (١/٤١): \" [أفضل الصيام بعد شهر رمضان] المضاف محذوف أي أفضل شهور الله (شهر الله) قال الزمخشري إضافة إليه عزّ أسمه تعظيمًا له وتفخيمًا، وخصّ بهذه الإضافة دون بقية الشهور مع أن فيها أفضل منه إجماعًا، لأنه اسم إسلامي فإنه اسمه في الجاهلية صفر الأول وبقية الشهور متحدة الأسماء جاهلية وإسلامًا\".\nقال العلامة ابن رجب الحنبلي:\n\"الحديث صريح في أن أفضل ما تطوع به من الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وقد يحتمل أنه يراد أنه أفضل شهر تطوع بصيامه كاملًا بعد رمضان، فأما بعض التطوع ببعض شهر فقد يكون أفضل من بعض أيامه كصيام يوم عرفة أو عشر ذي الحجة أو ستة أيام من شوال ونحو ذلك. ولكن يقال أن النبي - ﷺ - كان يصوم شهر شعبان ولم ينقل إنه كان يصوم المحرم، إنما كان يصوم عاشوراء، وقوله في آخر سنة لئن عشت إلى قابل\n_________\n(١) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه الروياني في \"مسنده\"، والطبراني في \"الكبير\" عن جندب.\n(٢) صحيح: رواه النسائي عن جندب، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١١٢١) .","vol":"1","page":470},{"text":"لأصومن التاسع يدل على أنه كان لا يصوم التاسع قبل ذلك. وقد أجاب الناس عن هذا السؤال بأجوبة فيها ضعف والذي ظهر لي والله أعلم أن التطوع بالصيام نوعان:\n* أحدهما: التطوع المطلق بالصوم فهذا أفضله المحرم كما أن أفضل التطوع المطلق بالصلاة قيام الليل.\n* والثاني: ما صيامه تبع لصيام رمضان قبله أو بعده: فهذا ليس من التطوع المطلق بل صيامه تبع لصيام رمضان وهو ملتحق بصيام رمضان، ولهذا قيل أن صيام ستة من شوال يلتحق بصيام رمضان ويكتب بذلك لمن صامها مع رمضان صيام الدهر.\nفهذا النوع من الصيام ملتحق برمضان وصيامه أفضل التطوع مطلقًا.\nفأما التطوع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم، وأفضل صيام الأشهر الحرم صيام شهر الله المحرم.\nويشهد لهذا أنه - ﷺ - قال في هذا الحديث وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، ومراده بعد المكتوبة ولو أحقها من سننها الرواتب، فإن الرواتب قبل الفرائض، وبعدها أفضل من قيام الليل عند جمهور العلماء لالتحاقها بالفرائض.\nفكذلك الصيام قبل رمضان وبعده ملتحق برمضان، وصيامه أفضل من صيام الأشهر الحرم. وأفضل الأشهر الحرم المحرم كما قال الحسن: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام فليس شهر في السنة بعد رمضان أعظم عند الله من المحرم.\nوكان يسمى شهر الله.\nوأفضل شهر الله المحرم عُشره الأول، وقال أبو عثمان النهدي: كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأول من المحرم.\nولما كان الأشهر الحرم أفضل الأشهر بعد رمضان أو مطلقًا، وكان صيامها كلها مندوبًا إليه وكان بعضها ختام السنة الهلالية وبعضها مفتاحًا لها فمن صام شهر ذي الحجة سوى الأيام المحرم صيامها منه، وصام المحرم، فقد ختم السنة بالطاعة وافتتحها بالطاعة فيرجى أن تكتب له سنته كلها طاعة، فإن من كان أول عمله طاعة وآخره طاعة فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين.","vol":"1","page":471},{"text":"قال ابن المبارك: من ختم نهاره بذكر كتب نهاره كله ذكرًا يشير إلى أن الأعمال\nبالخواتم، فإذا كان البداءة والختام ذكرًا فهو أولى أن يكون حكم الذكر شاملًا للجميع.\nوقد سمى النبي - ﷺ - المحرم شهر الله وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله، فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته، ولما كان هذا الشهر مختصًا بإضافته إلى الله تعالى، وكان الصيام من بين الأعمال مضافًا إلى الله تعالى، فإن له من بين الأعمال ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام.\nشهر الحرام مبارك ميمون ... والصوم فيه مضاعف مسنون\nوثواب صائمه لوجه إلهه ... في الخلد عند مليكه مخزون (١)\n\"قال الزمخشري: خصه من بين الأشهر الحرم لمكان عاشوراء، فأفضل الأشهر لصوم التطوع المحرم.\nوتفضيل صوم داود باعتبار الطريقة، وهذا باعتبار الزمن، فطريقة داود في المحرم أفضل من طريقته في غيره\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>صوم شعبان</span>\nعن عائشة ﵂ قالت:\n\"كان أحب الشهور إليه أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان\" (٣) .\n* وعن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله لم أراك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: \"ذاك شهر يغفل الناس عنه بين وجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن ورفع عملي وأنا صائم\" (٤) .\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (٢٩-٣٢) .\n(٢) \"فيض القدير\" (١/٤١) .\n(٣) صحيح: رواه أبو داود عن عائشة، ورواه النسائي وابن خزيمة والحاكم في \"المستدرك\" وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٦٢٨) .\n(٤) حسن: أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٧١١) .","vol":"1","page":472},{"text":"وعند البيهقي في \"الشعب\":\n\"شعبان بين رجب وشهر رمضان تغفل الناس عنه، ترفع فيه أعمال العباد، فأحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم\".\n* وعن ابن عباس ﵄ قال: \"ما صام النبي - ﷺ - شهرًا كاملًا قط غير رمضان، ويصوم حتى يقول القائل، لا والله ما يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم\" رواه البخاري.\n* وعن عائشة ﵂ قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان\" رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي.\n* وعن عائشة ﵂ قالت: \"لم يكن النبي - ﷺ - يصوم شهرًا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله\" وزاد مسلم \"كان يصوم شعبان إلا قليلًا\".\nقال ابن حجر (٤/٢٥٢):\n\"وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داود وغيره \"أنه كان لا يصوم من السنة شهرًا تامًا إلا شعبان يصله برمضان\" أي كان يصوم معظمه، ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنه جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع ولعلّه قد تعشى واشتغل ببعض أمره، قال الترمذي. كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله أن الرواية الأولى مفسرة للثانية مخصصة لها وأن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال.\nواستبعده الطيبي قال: لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول ودفع التجوز، فتفسيره بالبعض مناف له، قال: يحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه تارة أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان.\nوالأول هو الصواب ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم، وسعد ابن هشام، عنها عند النسائي ولفظه \"ولا صام شهرًا كاملًا قط منذ قدم المدينة غير رمضان\" وهو مثل حديث ابن عباس المذكور\".","vol":"1","page":473},{"text":"قال السندي قوله: \"وهو شهر ترفع فيه الأعمال ... \" قيل: وما معنى هذا مع أنه ثبت في الصحيحين أن الله تعالى يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل؟ قلت: يحتمل أمران:\nأحدهما: أن أعمال العباد يعرض على الله تعالى كل يوم ثم تعرض عليه أعمال الجمعة كل اثنين وخميس ثم تعرض عليه أعمال السنة في شعبان فتعرض عرضًا بعد عرض ولكل عرض حكمة يطلع عليها من شاء من خلقه أو يستأثر بها عنده مع الله تعالى لا يخفى عليه من أعمالهم خافية.\nثانيهما: أن المراد أنها تُعرض في اليوم تفصيلًا ثم في الجمعة جملة أو بالعكس (١) باب: \"الصوم من آخر الشهر\" يعني شعبان.\nعن عمران بن حصين ﵄ أن النبي - ﷺ - قال له أو لآخر: \"أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت فصم يومين\" (٢) .\nوفي رواية عند مسلم \"فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه\".\nقال ابن حجر: \"السرر بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها جمع سرة ويقال أيضًا سرار بفتح أوله وكسره، ورجّح الغراء الفتح، وهو من الاستسرار، قال أبو عبيد والجمهور: المراد بالسرر هنا آخر الشهر، سميت بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين. ونقل داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله، ونقل الخطابي عن الأوزاعي كالجمهور\".\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٣/٢٢٨-٢٢٩):\n\"قال البيهقي في \"السنن الكبير\" بعد أن روى الروايتين عن الأوزاعي: الصحيح آخره، ولم يعرف الأزهري أن سرره أوله، قال الهروي: والذي يعرفه الناس أن سرره آخره\".\nقال القاضي. الأشهر أن المراد بآخر الشهر كما قاله أبو عبيد والأكثرون، وعلى هذا يقال: هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة في النهي عن تقديم رمضان بصوم يوم\n_________\n(١) \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (ج ٤/٢٠٢) .\n(٢) رواه مسلم واللفظ له والبخاري وعند البخاري \"أما صمت سَرَر هذا الشهر\".","vol":"1","page":474},{"text":"ويومين، ويجاب عنه بما أجاب المازري وغيره، وهو أن هذا الرجل كان معتاد الصيام آخر الشهر أو نذره فتركه بخوفه من الدخول في النهي عن تقدم رمضان، فبين له النبي - ﷺ - أن الصوم المعتاد لا يدخل في النهي وإنما ينتهي عن غير المعتاد والله أعلم.\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٧١):\n\"يؤخذ من الحديث: الندب إلى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة للمكلف فلا يعارضه النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لقوله فيه (إلا رجلًا كان يصوم يومًا فليصمه) \".\nقال ابن حجر (٤/٢٧١):\n\"أشار القرطبي إلى أن الحامل لمن حمل سرر الشهر على غير ظاهره وهو آخر الشهر الفرار من المعارضة لنهيه - ﷺ - عن تقدم رمضان بيوم أو يومين وقال: الجمع بين الحديثين ممكن بحمل النهي على من ليست له عادة بذلك، وحمل الأمر على من له عادة حملًا للمخاطب بذلك على ملازمة عادة الخير حتى لا يقطع\".\nصوم يوم من شعبان يعدل صوم يومين من غيره:\nقال ابن حجر \"قال -أي القرطبي- وفيه إشارة إلى فضيلة الصوم في شعبان وأن صوم يوم يعدل صوم يومين في غيره أخذًا من قوله في الحديث (فصم يومين مكانه) يعني مكان اليوم الذي فوّته من صيام شعبان. قلت: وهذا لا يتم إلا إنْ كانت عادة الخاطب بذلك أن يصوم من شعبان يومًا واحدًا، وإلا فقوله (هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا) أعم من أن يكون عادته صيام يوم منه، أو أكثر، نعم وقع في سنن أبي مسلم الكجي (فصم مكان ذلك اليوم يومين) \".\nلا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين:\nعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم\" رواه البخاري.\nوقال - ﷺ -: \"لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين، إلا أن يوافق ذلك عمومًا كان يصومه","vol":"1","page":475},{"text":"أحدكم، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين، ثم أفطروا\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"لا تقدموا شهر رمضان بصوم قبله بيوم ولا بيومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصمه\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين، إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمام، فأتموا العدة ثلاثين، ثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون\" (٣) .\nقال ابن حجر (٤/١٥٢، ١٥٣):\n\"أي لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط فإن صومه مرتبط بالرؤية فلا حاجة إلى التكليف\".\nقال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان.\nقال الترمذي لما أخرجه: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان ا. هـ.\nومقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز ويجوز لمن له عادة.\nومعنى الاستثناء: \"أن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده والله وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>حكم التطوع بالصيام بعد انتصاف شعبان:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان\" (٤) .\n_________\n(١) صحيح: رواه الترمذي وأحمد والدارقطني عن أبي هريرة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٣٩٣) .\n(٢) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة.\n(٣) صحيح: رواه أحمد والنسائي والترمذي والدارمي والحاكم وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٣٩٢) .\n(٤) صحيح: رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي عن أبي هريرة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٩٧) .","vol":"1","page":476},{"text":"وفي رواية الترمذي: \"إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا\".\nاختلف العلماء في صحة هذا الحديث منهم من صححه ومنهم من ضعفه.\nأما الذين صححوه فقد أوّلوه ففسروه تفسيرًا لا يتعارض مع ما تقدم من الأدلة على كثرة الصيام في شعبان:\n* فقد قال الترمذي عقب روايته: \"حديث حسن صحيح لا نعرفه إلّا من هذا الوجه على هذا اللفظ\"، ثم قال: ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن يكون الرجل مفطرًا فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم لحال شهر رمضان ا. هـ.\nوقال ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/٢٨٢):\n\"باب إباحة وصل صوم شعبان بصوم رمضان\"، والدليل على أن معنى خبر أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان\" أي لا تواصلوا شعبان برمضان فتصوموا جميع شعبان لا أنه نهي عن الصوم إذا انتصف شعبان نهيًا مطلقًا.\nهذا كلام من صحح الحديث وخلاصته أن النهي محمول على اختصاص النصف الأخير بالصيام أو على عدم وصل شعبان برمضان.\n* أما الذين ضعفوه:\nفقد قال ابن حجر (٤/١٥٣-١٥٤):\n\"قال جمهور العلماء. يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه. وقال أحمد وابن معين إنه منكر وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء وكذا صنع قبله الطحاوي واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعًا \"أفضل الصيام بعد رمضان شعبان\" لكن إسناده ضعيف، واستظهر أيضًا بحديث عمران بن حصين، ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمع حسن والله أعلم\".\nقال ابن رجب الحنبلي ﵀ في \"لطائف المعارف\" (ص ١٤٢):","vol":"1","page":477},{"text":"\"اختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به\".\nفأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر.\nوتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن ابن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم.\nوقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثًا أنكر منه وردّه بحديث \"لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين \"فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين.\nوقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير إلى أحاديث صيام النبي - ﷺ - شعبان ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين، فصار الحديث حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة.\nوقال الطحاوي: \"هو منسوخ وحكى الإجماع على ترك العمل به، وأكثر العلماء على أنه لا يعمل به\".\nقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢/٤٠):\n\"اختلف العلماء في صوم آخر يوم من شعبان تطوعًا، فأجازه مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر الفقهاء إذا كان تطوعا ولم يكن خوفًا ولا احتياطًا أن يكون من رمضان. ولا يجوز عندهم صومه على الشك.\nوقال مالك: إن تيقن أنه من شعبان جاز صومه تطوعًا، وهو قول الشافعي.\nوقال أبو حنيفة: لا يصام يوم الشك إلا تطوعًا، وقال الثوري: لا يتلوم يوم الشك ولا يصوم أحد يوم الشك.\nقال ابن رجب في \"اللطائف\" (ص ١٤٩):\n\"قالت طائفة: حديث عمران يدل على أنه يجوز صيام يوم الشك وآخر شعبان مطلقًا سواءً وافق عادة أو لم يوافق وإنما نهي عنه إذا صامه بنية الرمضانية احتياطا وهذا مذهب مالك، وذكر أنه القول الذي أدرك عليه أهل العلم حتى قال محمد ابن مسلمة من","vol":"1","page":478},{"text":"أصحابه يكره الأمر بفطره لئلا يعتقد وجوب الفطر قبل الشهر كما وجب بعده، وحكى ابن عبد البر هذا القول عن أكثر علماء الأمصار\".\nوقال أيضًا (ص ١٥١): \"صيام آخر شعبان له ثلاثة أحوال:\nأحدها: أن يصومه بنية الرمضانية احتياطًا لرمضان فهذا منهي عنه وقد فعله بعض الصحابة وكأنهم لم يبلغهم النهي عنه.\nوالثاني: أن يصام بنية الندب أو قضاء عن رمضان أو عن كفارة ونحو ذلك فجوّزه الجمهور ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر مطلقًا.\nوالثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر منهم الحسن وإن وافق صومًا كان يصومه ورخّص فيه مالك ومن وافقه.\nوفرق الشافعي والأوزاعي وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أولا، وكذلك يفرق بين من تقدم صيامه بأكثر من يومين ووصله برمضان فلا يكره أيضًا إلا عند من كره الابتداء بالتطوع بالصيام بعد نصف شعبان\".\n* قال ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٠/٣٢٨): \"استحب ابن عباس وجماعة من السلف ﵏ أن يفصلوا بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو أيام، كما كانوا يستحبون أن يفصلوا بين صلاة الفريضة بكلام أو قيام أو مشي أو تقدم أو تأخر من المكان.\nوفي \"مصنف عبد الرزاق\" (٤/١٥٨): عن عطاء قال: كنت عند ابن عباس قبل رمضان بيوم أو يومين فقرب غداؤه فقال: \"أفطروا أيها الصيام: لا تواصلوا رمضان شيئًا، وافصلوا\".\n* قال ابن رجب: \"قيل في صوم شعبان أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.\nولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن.","vol":"1","page":479},{"text":"قال سلمة بن كهيل: كان يقال: شهر شعبان شهر القراء، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القرّاء، وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرّغ لقراءة القرآن.\nيا مَنْ فرط في الأوقات الشريفة وضيّعها وأودعها الأعمال السيئة وبئس ما استودعها.\nمضى رجب وما أحسنت فيه ... وهذا شهر شعبان المباركْ\nفيا من ضيع الأوقات جهلًا ... بحرمتها أفق واحذر بواركْ\nفسوف تفارق اللذات قسرًا ... ويخلي الموت كرهًا منك دارك\nتدارك ما استطعت من الخطايا ... بتوبة مخلص واجعل مدارك\nعلى طلب السلامة من جحيم ... فخير ذوي الجرائم مَنْ تدارك\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>ليلة النصف من شعبان:</span>\nقال - ﷺ -: \"إن الله يطلع فى ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن\" (١) .\nوعن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه\" (٢) .\nوعند الطبراني في \"الكبير\" بلفظ:\n\"إن الله يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه\" (٣) .\nقال الألباني: \"لا يلزم من ثبوت هذا الحديث اتخاذ هذه الليلة موسمًا يجتمع\n_________\n(١) حديث صحيح: أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\"، وابن حبان، والبيهقي في \"شعب الإيمان\"، وابن عساكر في \"التاريخ\" قال الألباني: \"حديث صحيح رُوي عن جماعة من الصحابة من طرق مختلفة يشد بعضها بعضًا وهم معاذ بن جبل وأبو ثعلبة الخشني وعبد الله بن عمرو وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وأبى بكر الصديق وعوف ابن مالك وعائشة\". \"السلسلة الصحيحة\" رقم (١١٤٤/٣/١٣٥) .\n(٢) حسن: رواه البيهقي في \"شعب الايمان\"، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٧١) .\n(٣) حسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٧٩٨) .","vol":"1","page":480},{"text":"الناس فيها\" (١) .\nقال ابن رجب: \"أما صيام يوم النصف منه فغير منهي عنه فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر\" (٢) فمن صامها من جملة أيام البيض فقد وافق السنة.\nفصم يومها لله وأحسن رجاءه ... لتظفر عند الكرب منه بلطفه\nأخي: أشرف هذا الشهر ليلة نصفه فأين أنت من شعبان وأيامه وليلة نصفه.\nليالي شعبان وليلة نصفه ... بأيه حال قد تنزل لي صكي\nوحق لعمري أن أديم تضرعي ... لعل إله الخلق يسمح بالفك\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>صيام ستة أيام من شوال</span>\nقال رسول الله - ﷺ -: \"من صام رمضان، وأتبعه ستًا من شوال كان كصوم الدهر\" (٣) .\nوروى مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي - ﷺ -: \"من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر\".\nقال المناوي: \"خص شوال لأنه زمن يستدعي الرغبة فيه إلى الطعام لوقوعه عقب الصوم، فالصوم حينئذ أشق، فثوابه أكثر\".\nوقال - ﷺ -: \"من صام ستة أيام بعد الفطر، كان تمام السنة (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) \" (٤) .\nوقال - ﷺ -: \"صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعده بشهرين، فذلك صيام السنة\" (٥) .\n_________\n(١) \"تحقيق الألباني في كتاب إصلاح المساجد للقاسمي\" (ص ٩٩) .\n(٢) \"لطائف المعارف\" (ص ١٤٣) .\n(٣) رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي أيوب.\n(٤) صحيح: رواه ابن ماجه عن ثوبان، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٣٢٨) .\n(٥) صحيح: رواه الدارمي وابن ماجه وابن خزيمة والطحاوي وابن عساكر وأحمد والنسائي وابن حبان عن ثوبان وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٥١) .","vol":"1","page":481},{"text":"وقال - ﷺ -: \"جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، الشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الشهر تمام السنة\" (١) .\nقال ابن رجب في \"لطائف المعارف\" (ص ٢٣٢-٢٣٨) بعد إيراده الحديث أبي أيوب:\n\"اختلف في هذا الحديث وفي العمل به فمنهم من صححه، ومنهم من قال هو موقوف، قاله ابن عيينة وغيره وإليه يميل الإمام أحمد، ومنهم من تكلم في إسناده\".\nوأما العمل به فاستحب صيام ستة من شوال أكثر العلماء، روي ذلك عن ابن عباس ﵄، وطاوس والشعبي وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.\n* وأنكر ذلك آخرون.\nوروي عن الحسن أنه كان إذا ذكر عنده صيام هذه الستة قال: لقد رضي الله بهذا الشهر للسنة كلها، ولعله إنما أنكر على من اعتقد وجوب صيامها وأنه لا يكتفى بصيام رمضان عنها في الوجوب وظاهر كلامه يدل على هذا.\n* وكرهها الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف، وعلل أصحابهما ذلك مشابهة أهل الكتاب يعنون في الزيادة في صيامهم المفروض عليهم ما ليست منه. وأكثر المتأخرين من مشايخهم قالوا لا بأس به وعللوا أن الفطر قد حصل بفطر يوم العيد حكى ذلك صاحب الكافي منهم.\n* وكان مهدي يكرهها ولا ينهي عنها.\nوكرهها أيضًا مالك وذكر في \"الموطأ\" أنه لم ير أحدًا من أهل العلم يفعل ذلك، وقد قيل أنه كان يصومها في نفسه، وإنما كرهها على وجه يخشى منه أن يعتقد فريضتها لئلا يزاد في رمضان ما ليس منه.\n* وأما الذين استحبوا صيامها فاختلفوا في صيامها على ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) صحيح: ذكره أبو الشيخ في \"الثواب\" عن ثوبان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٠٩٤) .","vol":"1","page":482},{"text":"أحدها: أنه يستحب صيامها من أول الشهر متتابعة، وهو قول الشافعي وابن المبارك.\nوالثاني. أنه لا فرق بين أن يتابعها أو يفرقها من الشهر كله وهما سواء، وهو قول وكيع وأحمد.\nوالثالث: أنها لا تصام عقب الفطر فإنها أيام أكل وشرب. ولكن يصام ثلاثة قبل أيام البيض وأيام البيض أو بعدها. وهذا قول معمر وعبد الرزاق.\nوروي عن عطاء. حتى روي عنه أنه كره لمن عليه صيام من قضاء رمضان أن يصومه ثم يصله بصيام تطوع وأمر بالفطر بينهما وهو قول شاذ.\n* وأكثر العلماء على أنه يكره صيام ثاني يوم الفطر وقد دلّ عليه حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال لرجل: إذا أفطرت فصم، وقد سرد طائفة من الصحابة والتابعين الصوم إلا يوم الفطر والأضحى.\nوعن الشعبي قال: \"لأن أصوم يومًا بعد رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم الدهر كله\".\nوخرج أبو يعلى الموصلي بإسناد متصل عن أسامة قال: كنت أصوم شهرًا من السنة فقال لي رسول الله - ﷺ -: أين أنت من شوال فكان أسامة إذا أفطر أصبح الغد صائمًا من شوّال حتى يأتي على آخره (١) .\n* وصيام شوال كصيام شعبان لأن كلا الشهرين حريم لشهر رمضان وهما يليانه، وقد ذكرنا في فضل صيام شعبان أن الأظهر أن صيامهما أفضل من صيام الأشهر الحرم، والاختلاف في ذلك، وإنما كان صيام رمضان واتباعه بست من شوال يعدل صيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها.\n* وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة:\n* منها أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله.\n* ومنها أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن قبل الصلاة المفروضة وبعدها فيكمل\n_________\n(١) قال ابن مفلح في \"الفروع\" (٣/١٢٠): \"روى سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي أن أسامة بن زيد كان يصوم شهر المحرم فأمره رسول الله - ﷺ - بصيام شوال فما زال أسامة يصومه حتى لقي الله\" إسناد جيد.","vol":"1","page":483},{"text":"بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص فإن الفرائض تجبر أو تكمل بالنوافل يوم القيامة كما ورد ذلك عن النبي - ﷺ - من وجوه متعددة وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال، ولهذا نهى النبي - ﷺ - أن يقول الرجل صمت رمضان كله أو قمته كله قال الصحابي فلا أدري أكره التزكية أم قال لابد من رقدة أو غفلة.\nكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: \"من لم يجد ما يتصدق به فليصم\" يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة الفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر، فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في التكفير للسيئات كما يقوم مقامه في كفارات الأيمان وغيرها من الكفارات في مثل كفارات القتل والوطء في رمضان والظهار.\n* ومنها أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله إذا تقبّل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده كما قال بعضهم: \"ثواب الحسنة الحسنة بعدها\"، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بعد بحسنة كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.\n* ومنها أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر وهو يوم الجوائز فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرا لهذه النعمة فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب.\n\"كان النبي - ﷺ - يقوم حتى تتورّم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) \".\nوقد أمر الله ﷾ عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره وغير ذلك من أنواع شكره فقال: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) .\nفمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرًا عقب ذلك.\nكان بعض السلف إذا وُفِّق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهاره صائمًا، ويجعل صيامه شكرًا للتوفيق للقيام.","vol":"1","page":484},{"text":"وكان وهيب بن الورد يُسئل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه فيقول لا تسألوا عن ثوابه ولكن اسألوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر للتوفيق والإعانة عليه.\nإذا أنت لم تزد على كل نعمة ... لموليكها شكرًا فلست بشاكر\nقال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر من رمضان لم يعص الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر عصى ربه فصيامه عليه مردود.\n* ومنها أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيًا، وذلك أن كثيرًا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعًا، فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تكره به.\nوقد كان النبي - ﷺ - يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال. فترك في عام اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ثم قضاه في شوال فاعتكف العشر الأول منه.\nفمنْ كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوال فإنه أسرع لبراعة ذمته وهو أولى من التطوع بصيام ستة من شوال، فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض هل يجوز أن يتطوع قبله أوْ لا؟ وعلى قول من جوّز التطوع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة أيام من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، فمن كان عليه قضاء من رمضان ثم بدأ بصيام ست من شوال، حيث لم يكمل عدة رمضان لم يحصل له ثواب.\nمن صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة من شوال آخر صيام السنة بغير إشكال.\nومن بدأ بالقضاء في شوال ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ستة من شوال بعد تكميله قضاء رمضان كان حسنًا لأنه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال، ولا","vol":"1","page":485},{"text":"يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان لأن صيام الست من شوال إنما تكون بعد إكمال عدة رمضان.\nعمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله، قال الحسن: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت ثم قرأ (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) .\nهذه الشهور والأعوام، والليالي والأيام، مقادير الآجال، ومواقيت الأعمال، ثم تنقصي سريعا، وتمضي جميعا والذي أوجدها وابتدعها، وخصّها بالفضائل وأودعها باق لا يزول، ودائم لا يحول، هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد، فسبحان من قلّب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم، يسبغ عليهم فيها فواضل النعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم.\nفما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات، فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف ويتقرب بها إلى مولاه وهو راج خائف، المحب لا يملّ من التقرب إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه.\nما للمحب سوى إرادة حبه ... إن المحب بكل أمر يضرع\nكل وقت يخليه العبد من طاعة مولاه فقد خسره، وكل ساعة يغفل فيها عن ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترة فوا أسفاه على زمان ضاع في غير طاعته، وواحسرتاه على قلب بات في غير خدمته.\nما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها.\nسلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا به من تقلب القلوب، ومن الحور بعد الكور.\nما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة.\nارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذل، وغنى قوم بالذنوب افتقر.\nترى الحي الأولى بانوا ... على العهد كما كانوا\nإذا عز ّبغير الله يو ... ما معشر هانوا","vol":"1","page":486},{"text":"فيا شباب التوبة لا ترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الصيام، فالرضاع إنما يصلح للأطفال لا للرجال.\nألسنا نرى شهوات النفو ... س تفنى وتبقى علينا الذنوب\nيخاف على نفسه منْ يتوب ... فكيف يكون الذي لا يتوب\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>صوم الأشهر الحرم</span>\nقال تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) .\nفي الصحيحين من حديث أبي بكرة أن النبي - ﷺ - خطب في حجة الوداع فقال في خطبته: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: \"اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرمًا وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم\".\nقال كعب: اختار الله الزمان فأحبه إلى الله الأشهر الحرم.\nقال ابن رجب في \"لطائف المعارف\" (ص ١١٧): \"واختلف في أي هذه الأشهر الحرم أفضل، فقيل رجب قاله بعض الشافعية وضعّفه النووي وغيره، وقيل المحرم قاله الحسن ورجّحه النووي، وقيل ذي الحجة روي عن سعيد بن جبير وغيره وهو أظهر والله أعلم\".\nقال ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/٢٩١): \"في المسند وغيره حديث عن النبي - ﷺ - أنه أمر بصوم الأشهر الحرم: وهي رجب وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم\".\nفهذا فى صوم الأربعة جميعًا، لا من يخصص رجب.\nقال ابن رجب في \"لطائف المعارف\" (ص ١٢٣): \"قد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها منهم ابن عمر والحسن البصري، وأبو إسحاق السبيعي. وقال الثوري: الأشهر الحرم أحبّ إلي أن أصوم فيها\".","vol":"1","page":487},{"text":"قال ابن مفلح في \"الفروع\" (٣/١١٩): قال ابن الجوزي في كتاب \"أسباب الهداية\": \"يستحب صوم الأشهر الحرم وشعبان كله، وهو ظاهر ذكره صاحب المحرر في الأشهر الحرم\".\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٣٨-٤٣٩): \"قال أصحابنا: ومن الصوم المستحب صوم الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. ومن لا يشق عليه فصوم جميعها فضيلة\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>صوم رجب</span>\n* عن خرشة بن الحر قال: \"رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول: كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية\" (١) .\n* وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه، وقال: \"صوموا منه وأفطروا\" (٢) .\nقال ابن قدامة في \"المغني\" (٤/٤٢٩): \"ويكره إفراد رجب بالصوم. قال أحمد: وإن صامه رجل، أفطر فيه يومًا أو أيامًا بقدر ما لا يصومه كله\".\nوبإسناده عن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس.....\n* وعن ابن عباس نحوه، وبإسناده عن أبي بكرة أنه دخل على أهله، وعندهم سلال جدد وكيزان، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه. قال: أجعلتم رجب رمضان، فأكفأ السلال وكسر الكيزان.\nقال أحمد: \"من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصومه متواليا يفطر فيه ولا يشبهه برمضان\".\nقال ابن رجب في \"اللطائف\" (١٢٣، ١٢٤):\n\"قد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيدًا\".\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح قاله الألباني في \"الإرواء\" (٤/١١٣ رقم ٩٥٧) .\n(٢) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح قاله الألباني في \"الإرواء\" (٤/١١٤ رقم ٩٥٨) .","vol":"1","page":488},{"text":"* وعن ابن عباس أنه كره أن يصام رجب كله، وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يريان أن يفطر منه أيامًا. وكرهه أنس أيضًا وسعيد بن جبير: وكره صيام رجب كله يحيى ابن سعيد الأنصاري والإمام أحمد.\nوقال الشافعي في القديم: أكره أن يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان، وقال: إنما كرهته أن لا يتأسى رجل جاهل فيظن أن ذلك واجب وإن فعل لحسن. وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم بأن يصوم معه شهرًا آخر تطوعًا عند بعض أصحابنا مثل أن يصوم الأشهر الحرم أو يصوم رجب وشعبان.\nوقد تقدم عن ابن عمر وغيره صيام الأشهر الحرم. والمنصوص عن أحمد أنه لا يصومه بتمامه إلا من صام الدهر ويروي عن ابن عمر ما يدل.\n* عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر: \"أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر فقالت: بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب، وميثرة الأرجوان، وصوم رجب كله! فقال لي عبد الله: أما ما ذكرت من رجب فكيف بمن يصوم الأبد\" أخرجه مسلم وأحمد.\nقال ابن رجب: \"وهذا يدل على أنه لا يصام رجب إلا مع صوم الدهر\".\nقال الألباني في \"إرواء الغليل\" (٤/١١٥-١١٦):\n\"فكيف بمن يصوم الأبد: فسروه بأنه إنكار منه لما بلغ أسماء من تحريمه، وإخبار منه أنه يصوم رجبا كله، وأنه يصوم الأبد\" كما في \"شرح مسلم\" للنووي و\"السراج الوهاج\" لصديق حسن خان.\nفلعل التوفيق بين صومه لرجب، وكراهته لذلك، أن تحمل الكراهة على إفراد رجب بالصوم كما يفرد رمضان به، فأما صيامه في جملة ما يصوم فليس مكروهًا عنده والله أعلم.\nوقال الألباني: \"نهى عمر ﵁ عن صوم رجب المفهوم من ضربه للمترجبين ليس نهيًا لذاته بل لكي لا يلتزموا صيامه ويتموه كما يفعلون برمضان\".","vol":"1","page":489},{"text":"قال ابن مفلح في \"الفروع\" (٣/١١٨-١٢٠): \"يكره إفراد رجب بالصوم.\nوتزول الكراهة بالفطر أو بصوم شهر آخر من السنة، قال صاحب المحرر: وإن لم يَله. قال شيخنا: من نذر صومه كل سنة أفطر بعضه وقضاه. وفي الكفارة خلاف. قال: ومن صامه معتقدًا أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعُزر، وحمل عليه فعل عمر. وقال أيضًا: في تحريم إفراده وجهان، ولعله أخذه من كراهة أحمد، وفي \"فتاوى ابن الصلاح الشافعي\": لم يؤثمه أحد من العلماء فيما نعلمه.\nولا يكره إفراد شهر غير رجب، قال صاحب المحرر: لا نعلم فيه خلافًا.\nوذكر في \"الغنية\" أنه يستحب صوم أول يوم من رجب وأول خميس منه والسابع والعشرين ... وذكر أشياء واحتج بأخبار ليست صحيحة وكثير منها موضوع.\nسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عما ورد في ثواب صيام الثلاثة أشهر وما تقول في الاعتكاف فيها؟ والصمت هل هو من الأعمال الصالحات أم لا؟\nفقال ابن تيمية ﵀ (٢٥/٢٩٠-٢٩٢):\n\"أما تخصيص رجب وشعبان جميعًا بالصوم أو الاعتكاف فلم يرد فيه عن النبي - ﷺ - شيء، ولا عن أصحابه، ولا أئمة المسلمين، بل قد ثبت في \"الصحيح\" أن رسول الله - ﷺ - كان يصوم شعبان، ولم يكن يصوم من السنة أكثر مما يصوم من شعبان، من أجل شهر رمضان.\nوأما صوم رجب بخصوصه فأحاديث كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات. وقد روى ابن ماجه في \"سننه\" عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن صوم رجب، وفي إسناده نظر.\nوأما تخصيصها بالاعتكاف فلا أعلم فيه أمرًا، بل كل من صام صومًا مشروعًا وأراد أن يعتكف من صيامه كان ذلك جائز بلا ريب، وإن اعتكف بدون الصيام ففيه قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد:\nأحدهما: أنه لا اعتكاف إلا بصوم، كمذهب أبي حنيفة ومالك.","vol":"1","page":490},{"text":"والثاني: يصح الاعتكاف بدون الصوم كمذهب الشافعي.\nوأمّا الصمت عن الكلام مطلقًا في الصوم، أو الاعتكاف، أو غيرهما فبدعة مكروهة باتفاق أهل العلم لكن هل ذك محرم أو مكروه؟ فيه قولان في مذهبه وغيره.\nوفي صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق دخل على امرأة من أحمس فوجدها مصمتة لا تتكلم، فقال لها أبو بكر: إن هذا لا يحل إن هذا من عمل الجاهلية.\nوعن ابن عباس أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فقال: \"من هذا؟ \" فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال: \"مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه\" فأمره - ﷺ - مع نذره للصمت أن يتكلم كما أمره مع نذره للقيام أن يجلس، ومع نذره أن لا يستظل أن يستظل، وإنما أمره بأن يوفي بالصوم فقط. وهذا صريح في أن هذه الأعمال ليست من القرب التي يؤمر بها الناذر.\nفقول الخير وهو الواجب أو المستحب خير من السكوت عنه، وما ليس بواجب ولا مستحب، فالسكوت عنه خير من قوله. ولهذا قال بعض السلف لصاحبه: \"السكوت عن الشر خير من التكلم به\"، فقال له الآخر: \"التكلم بالخير خير من السكوت عنه\".\n* * *","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>النوع الثانى: صوم الأيام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>١- صوم عشر ذي الحجة</span>\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل أيام الدنيا أيام العشر\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"ما العمل في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة، ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء\" (٢) .\nوروى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام\" -يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: \"ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلًا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء\".\nقال ابن رجب في \"اللطائف\" (ص ٢٧٦-) .\n\"دل الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها. وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده\". وقال: \"والعمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره\".\nوقد دلّ حديث ابن عباس على مضاعفة الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها.\n* وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: \"صيام يوم من العشر يعدل شهرين\". وقال عبد الكريم عن مجاهد: \"العمل فى العشر يضاعف\".\nوقال أيضًا: \"العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها، فكل عمل صالح يقع فى هذا الشهر فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها من أي شهر كان فيكون تفضيلًا للعمل في كل يوم منه على العمل في كل يوم من أيام السنة غيره\".\n_________\n(١) صحيح: رواه البزار عن جابر، ورواه ابن حبان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١١٣٣) .\n(٢) صحيح: رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس.","vol":"1","page":492},{"text":"* كان سعيد بن جبير وهو الذي روى الحديث عن ابن عباس ﵄ إذا دخل العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه.\n* وعن ابن عمر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من أيام أعظم ولا أحب إليه العمل عند الله فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد\".\nعن حميد قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: \"صوم كل يوم من العشر يعدل سنة\".\nقال ابن رجب في \"اللطائف\" (ص ٢٧٧-٢٧٨):\n\"في المسند والسنن عن حفصة أن النبي - ﷺ - كان لا يدع صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر، وفي إسناده اختلاف\".\nوروي عن بعض أزواج النبي - ﷺ - أن النبي كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة، وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر ﵄.\nوقد تقدم عن الحسن وابن سيرين وقتادة ذكر فضل صيامه وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم.\n* وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: \"ما رأيت رسول الله - ﷺ - صائمًا العشر قط\"، وفي رواية: \"في العشر قط\".\nوقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث فأجاب مرة بأنه قد روي خلافه وذكر حديث حفصة، وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة فأسنده الأعمش، ورواه منصور عن إبراهيم مرسلًا، وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت لأن معه علمًا خفي على النافي.\n* وأجاب أحمد مرة أخرى بأن عائشة أرادت أنه لم يصم العشر كاملًا يعني، وحفصة أرادت أنه كان يصوم غالبه، فينبغي أن يصام بعضه ويفطر بعضه. وهذا الجمع يصح في رواية من روى: \"ما رأيته صائمًا العشر\"، وأما من روى: \"صائمًا في العشر\" فيبعد أو يتعذر هذا الجمع.","vol":"1","page":493},{"text":"* وكان ابن سيرين يكره أن يقال: صام العشر لأنه يوهم دخول يوم النحر فيه، وإنما يقال: صيام التسع، ولكن الصيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه.\nولو نذر صيام العشر فينبغي أن ينصرف إلى التسع أيضًا فلا يلزم بفطر يوم النحر قضاء ولا كفارة فإنه غلب استعماله عرفًا في التسع.\nويحتمل أن يخرج في لزوم القضاء والكفارة خلاف، فإن أحمد قال فيمن نذر صوم شوال فأفطر يوم الفطر أنه يلزمه قضاء يوم وكفارة، وقال القاضي أبو يعلى: هذا إذا نوى صومه جميعًا فأما إن أطلق لم يلزمه شيء لأن الفطر مستثنى شرعًا، وهذه قاعدة من قواعد الفقه وهي أن العموم هل يخص بالشرع أم لا ففي المسألة خلاف مشهور\".\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٣/٢٤٥): \"ليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة، فيتأول قولها: \"لم يصم العشر\"، أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>٢- صوم يوم عرفة</span>\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"صوم يوم عرفة كفارة السنة الماضية والسنة المستقبلة\" (١) .\n* قال - ﷺ -: \"صوم يوم عرفة يكفر سنتين؛ ماضية ومستقبلة، وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده، وصيام عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"من صام يوم عرفة غفر الله له سنتين: سنة أمامه، وسنة خلفه\" (٤) .\n_________\n(١) صحيح: رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن أبي سعيد الخدري، ورواه ابن ماجه من هذا الوجه عن أبي سعيد عن قتادة بن النعمان، وصححه السيوطى، والألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٠٥) .\n(٢) رواه مسلم وأحمد وأبو داود عن أبي قتادة.\n(٣) رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان عن أبي قتادة.\n(٤) رواه ابن ماجه عن قتادة بن النعمان وصححه السيوطي، والألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٣٣٥) .","vol":"1","page":494},{"text":"قال النووي في شرحه على \"صحيح مسلم\" (٣/٢٢٦):\n\"معناه يكفر ذنوب صائمه في السنتين، قالوا: والمراد بها الصغائر\".\nقال المناوي في \"فيض القدير\" (٤/٢١١-٢١٢):\n\"لأن يوم عرفة سنة المصطفى - ﷺ -، ويوم عاشوراء سنة موسى فجعل سنة نبينا - ﷺ - تضاعف على سنة موسى في الأجر\".\nوقال: \"المكفر الصغائر الواقعة في السنتين فإن لم يكن له صغائر رفعت درجته أو وقي اقترافها أو استكثارها وقول مجلي تخصيص الصغائر تحكم ردوه وإن سبقه إلى مثله ابن المنذر بأنه إجماع أهل السنة وكذا يقال فيما ورد في الحج وغيره لذلك المستند لتصريح الأحاديث بذلك في كثير من الأعمال المكفرة بأنه يشترط في تكفيرها اجتناب الكبائر\".\nوقال المناوي أيضًا (٦/١٦٢):\n\"قال البلقيني: الناس أقسام: منهم من لا صغائر له ولا كبائر فصوم عرفة له رفع درجات، ومن له صغائر فقط بلا إصرار فهو مكفر له باجتناب الكبائر ومن له صغائر مع الإصرار فهي التي تكفر بالعمل الصالح كصلاة وصوم. ومن له كبائر وصغائر فالمكفر له بالعمل الصالح الصغائر فقط، ومن له كبائر فقط يكفر عنه بقدر ما يكفر من الصغائر\".\nاستحباب الفطر للحاج بعرفة:\n* عن أم الفضل بنت الحارث: \"أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي - ﷺ -، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه\" (١) .\n* وعن ميمونة ﵂: \"أن الناس، شكوا في صيام النبي - ﷺ - يوم عرفة فأرسلت إليه بحلَاب وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون\" (٢)، رواه: البخاري.\n* وعن ابن عمر ﵄ قال: \"حججت مع النبي - ﷺ - فلم يصمه -يعني\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك.\n(٢) رواه البخاري.","vol":"1","page":495},{"text":"يوم عرفة- ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه\" (١) .\nأكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة، واستدل بهذين الحديثين على هذا.\nوقال يحيى بن سعيد الأنصاري: يجب فطر يوم عرفة للحاج.\nوعن ابن الزبير وأسامة بن زيد وعائشة: أنهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان.\nوعن قتادة مذهب آخر، قال: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء.\nوقال عطاء: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف وهي معللة بالضعف عن الدعاء.\nواستحباب الصوم إذا لم يضعف عن الدعاء نقله البيهقي في \"المعرفة\" عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولى من الشافعية.\nوقال الجمهور: يستحب فطره، حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم.\nوقال الطبري: إنما أفطر رسول الله - ﷺ - بعرفة ليدل على الاختيار للحاجة بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة، وقيل إنما كره صوم يوم عرفة لأنه عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، يؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة مرفوعًا: \"يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام\". وعن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن صوم يوم عرفة بعرفات (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>٣- صوم يوم عاشوراء</span>\n* روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: \"ما رأيت النبي - ﷺ - يتحرى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان\".\n_________\n(١) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ورواه الدارمي، وأحمد.\n(٢) إسناده لا بأس به: رواه النسائي في \"الكبرى\"، وأبو داود وابن ماجه وأحمد والبخاري في \"التاريخ الكبير\"، وقال الذهبي في \"سير أعلام النبلاء\": إسناده لا بأس به. (١٠/٦٨٣) .","vol":"1","page":496},{"text":"قال ابن حجر: \"ابن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره\".\n* وعن عائشة ﵂ قالت: \"كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - ﷺ - يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه\" رواه البخاري.\nقال ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٠/١٣١): \"قال الشافعي عقيب حديث عائشة: لا يحتمل قول عائشة: ترك عاشوراء، بمعنى يصح إلا ترك إيجاب صومه، إذ علمنا أن كتاب الله بين لهم أن شهر رمضان المفروض صومه، وأبان ذلك لهم رسول الله - ﷺ - وترك صوم عاشوراء على الاستحباب\".\nعاشوراء:\n* عاشوراء بالمد على المشهور وحكى فيه القصر.\nواختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر: هو اليوم العاشر.\nقال القرطبي: \"عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علمًا على اليوم العاشر\".\nوذكر أبو منصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا، وضروراء وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر وهذا قول الخليل وغيره.\nقال الزين بن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية.\nوقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني فهو مضاف لليلته الآتية.\nوقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية","vol":"1","page":497},{"text":"أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا: وردنا عشرًا بكسر العين.\nوروى مسلم عن الحكم بن الأعرج: \"انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: أهكذا كان النبي - ﷺ - يصومه؟ قال: نعم\" وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين بن المنير: قوله: إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائمًا إلا بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة. قلت: ويقوى هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبل ذلك\" فإنه ظاهر في أنه - ﷺ - \"كان يصوم العاشر وهمّ بصوم التاسع فمات قبل ذلك\" (١) .\nقال رسول الله - ﷺ -: \"عاشوراء يوم العاشر\" (٢) .\nصفة صيام النبي - ﷺ - لعاشوراء:\nكان للنبي - ﷺ - في صيامه أربع حالات:\nالحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم.\nففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: \"كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - ﷺ - يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينه صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه\".\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٨٩-٢٩١):\n\"أما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيت في المجلس الثالث من \"مجالس الباغندي الكبير\" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، هذا أو معناه ثم قال ابن حجر: \"وجدت في\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/٢٨٨) .\n(٢) صحيح: رواه الدارقطني في \"الأفراد\"، والديلمي في \"مسند الفردوس\" عن أبي هريرة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٩٦٨) .","vol":"1","page":498},{"text":"\"المعجم الكبير\" للطبراني عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقوله الناس، إنما كان يوم تستر فيه الكعبة، وكان يدور في السنة، وكانوا يأتون فلانًا اليهودي -يعني ليحسب لهم- فلما مات أتوا زيد بن ثابت فسألوه، وسنده حسن. فجهلة اليهود يعتمدون في صيامهم وأعيادهم حساب النجوم فالسنة عنده شمسية لا هلالية، فمن ثم احتاجوا إلى من يعرف الحساب ليعتمدوا عليه.\nوهذا مما يترجى به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى ﵊ لإضلال اليهود اليوم المذكور وهداية الله للمسلمين له\" ا. هـ.\nفيوم عاشوراء يوم إسلامي له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة وصومه لفضله كان معروفًا بين الأنبياء.\n* قال - ﷺ -: \"كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كرهه فليدعه\" (١) .\nالحالة الثانية: أن النبي - ﷺ - لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به صامه وأمر الناس بصيامه وأكد الأمر بصيامه والحث عليه حتى كانوا يصومونه أطفالهم.\nففي الصحيحيِن عن ابن عباس قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ \" فقالوا: هذا يوم عظيم أنجي الله فيه موسى وقومه وغَرّق فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا لله فنحن نصومه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فنحن أحق وأولى بموسى منكم\" فصامه رسول الله - ﷺ - وأمر بصيامه.\nوهذا الحديث أفاد تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء وقد كان أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية.\nوالرأي الراجح أنه كان فرضًا وواجبًا في هذه الحالة.\n_________\n(١) صحيح: رواه ابن ماجه عن ابن عمر وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٤٥٧) .","vol":"1","page":499},{"text":"* عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: \"أمر النبي - ﷺ - رجلًا من أَسْلَم أنْ أَذِّنْ في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء\" رواه البخاري واللفظ له ومسلم.\n* وفي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: \"أرسل رسول الله - ﷺ - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه ونُصَوِّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياه عند الإفطار\" (١)، وفي رواية: \"فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم\".\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٣/١٩٣): \"في هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات، ولكنهم ليسوا مكلفين\".\n* وعن بنت رَزِينة قالت: قلت لأمي: \"أسمعت رسول الله - ﷺ - في عاشوراء؟\nقالت: كان يعظمه، ويدعو برضعائه ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهن ألا يرضعن إلى الليل\" (٢)، وفي رواية أخرى: \"فكان الله يكفيهم\"، وفي أخرى: \"وكان ريقهم يجزئهم\".\n\"واستدل بهذا الحديث على أن عاشوراء كان فرضا قبل أن يفرض رمضان\" (٣) .\n* وعن محمد بن صيفي الأنصار، قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - في يوم عاشوراء فقال: \"أصمتم يومكم هذا؟ \" فقال بعضهم: نعم. وقال بعضهم: لا. قال: \"فأتموا بقية يومكم هذا، وأمرهم أن يؤذنوا أهل العروض أن يتموا بقية يومهم ذلك\" (٤) .\n_________\n(١) اللفظ لمسلم.\n(٢) رواه ابن خزيمة في صحيحه باب \"استحباب ترك الأمهات إرضاع الأطفال يوم عاشوراء تعظيما لعاشوراء\" قال ابن حجر (٤/٢٣٧): \"توقف ابن خزيمة في صحته وإسناده لا بأس به\".\n(٣) \"فتح الباري\" (٤/٢٣٧) .\n(٤) رواه ابن خزيمة واللفظ له وأحمد وابن ماجه وقال د. محمد مصطفى الأعظمي: إسناده صحيح. تحقيق ابن خزيمة (٣/٢٨٩) .","vol":"1","page":500},{"text":"قال ابن رجب: \"وقد اختلف العلماء ﵃ هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبا؟ أم كان سُنة متأكدة؟ على قولين مشهورين ومذهب أبي حنيفة أنه كان واجبًا حينئذ وهو ظاهر كلام أحمد وأبي بكر الأثرم وقال الشافعي ﵀: بل كان متأكد الاستحباب فقط وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم\" (١) .\nقال ابن حجر: اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟\nفالجمهور -وهو المشهور عند الشافعية- أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ.\nفمن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعًا: \"لم يكتب الله عليكم صيامه\"، ومن أدلة الحنفية ظاهر حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين بلفظ الأمر، عن ابن عمر ﵄ قال: \"صام النبي - ﷺ - عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه\" رواه البخاري.\nوحديث مسلمة مرفوعًا: \"من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم\" (٢) .\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٩٠) ذاهبًا إلى وجوب عاشوراء قبل فرض رمضان: \"قوله: \"ولم يكتب عليكم صيامه\" وقد استدل به على أنه لم يكن فرضًا فقط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخًا، ويؤيد ذلك أن معاوية إنما صحب النبي - ﷺ - من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني، ويؤخذ من\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ٤٧) .\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/١٢٤) .","vol":"1","page":501},{"text":"مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر مَن أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود: \"لما فرض رمضان ترك عاشوراء، مع العلم أنه ما ترك استحبابه بل هو باقٍ، فدلّ على أن المتروك وجوبه.\nوأما قول بعضهم المتروك تأكدًا استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته - ﷺ - حيث يقول: (لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر) ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ \".\nالحالة الثالثة: لماّ فرض صيام شهر رمضان ترك النبي - ﷺ - أمر الصحابة بصيام عاشوراء وتأكيده فيه.\n* روى مسلم عن عبد الله بن عمر -﵄- أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وأن رسول الله - ﷺ - صامه والمسلمون قبل أن يُفترض رمضان فلما افترض رمضان قال رسول الله - ﷺ -: \"إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه\".\n* وروى مسلم عن عائشة -﵂-: \"أن يوم عاشوراء كان يصام في الجاهلية. فلما جاء الإسلام من شاء صامه ومن شاء تركه\".\n* روى مسلم عن جابر بن سمرة -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده\".\n* وفي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيبا بالمدينة يعني في قَدْمة قدمها خطبهم يوم عاشوراء فقال: أين علماؤكم يا أهل المدينة سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لهذا اليوم: \"هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ومن أحب أن يفطر فليفطر\" (١) .\nوروى مسلم عن ابن مسعود -﵁-: \"إنما هو يوم كان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) هذا من كلام النبي - ﷺ - وقد جاء مبينًا في رواية النسائي.","vol":"1","page":502},{"text":"يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان تُرك\"، وفي رواية (تركه) .\n* عن قيس بن سعد بن عبادة -﵄- قال: \"أمرنا النبي - ﷺ - أن نصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله\".\nفهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي - ﷺ - لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه.\n\"فإذا كان أمره - ﷺ - بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء -﵃-، وإن كان أمره للاستحباب المؤكد فقد قيل: أنه زال التأكيد وبقي أصل الاستحباب ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله\".\n* قد روي عن ابن مسعود وابن عمر -﵄- ما يدل على أن أصل استحباب صيامه قد زال، وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد وممن روى عن صيامه من الصحابة عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وأبو موسى وقيس بن سعد وابن عباس وغيرهم، ويدل على بقاء استحبابه قول ابن عباس -﵄-: لم أر رسول الله - ﷺ - يصوم يومًا يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان، وابن عباس إنما صحب النبي - ﷺ - بآخر أمره\" (١) .\nالحالة الرابعة: عزم النبي - ﷺ - في آخر عمره على أن لا يصومه مفردا بل يضم إليه يومًا آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه.\n* عن أبي موسى -﵁- قال: \"كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا\".\nقال النبي - ﷺ -: \"فصوموه أنتم\" رواه البخاري ومسلم.\nوعند مسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فصوموا أنتم\".\n* وعن ابن عباس -﵄- قال: حين صام رسول الله - ﷺ - يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (ص ٤٧-٤٨) .","vol":"1","page":503},{"text":"\"فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع\"، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - ﷺ - رواه مسلم. وعند أبي داود \"إذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع\".\n* وعند مسلم عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع\" (١) .\nوعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا\" (٢) .\n* وصح عن ابن عباس أنه كان يقول في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر. قال الإمام أحمد: وأنا أذهب إليه.\nوروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء في السفر ويوالي بين اليومين خشية فواته، وكذلك روى عن أبي إسحاق أنه صام يوم عاشوراء ويوما قبله ويوما بعده، وقال: إنما فعلت ذلك خشية أن يفوتني.\n* وروي عن ابن سيرين أنه كان يصوم ثلاثة أيام عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطا.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٣/١٩١): \"قال بعض العلماء: لعل السبب في صوم التاسع مع العاشر ألا يتشبه باليهود في إفراد العاشر. وفي الحديث إشارة إلى هذا، وقيل: للاحتياط في تحصيل عاشوراء، والأول أولى والله أعلم\".\nوممن رأى صيام التاسع والعاشر الشافعي وأحمد وإسحاق، وكره أبو حنيفة إفراد العاشر وحده بالصوم. وممن قال بصيامهما: أبو رافع صاحب أبي هريرة وابن سيرين بل ذكر الشافعي في \"الأم\" استحباب صوم الثلاثة، وذكر الحنابلة أنه إن اشتبه على المسلم أول الشهر صام ثلاثة أيام ليتيقن صومهما.\n_________\n(١) رواه مسلم وابن ماجه.\n(٢) إسناده حسن: رواه أحمد في مسنده، وقال الشيخ شاكر (٤/٢١): \"ابن أبي ليلى قال ابن عدي: عندي أنه لا بأس بروايته عن أبيه عن جده\" وحسن إسناده الشيخ شاكر.","vol":"1","page":504},{"text":"قال ابن حجر: \"وعلى كل حال فلم يصمه - ﷺ - اقتداء بهم (١) فإنه كان يصومه قبل ذلك وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه\" (٢) .\nوقال: \"فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذلك، فوافقهم أولًا وقال: \"نحن أحق بموسى منكم\"، ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم.\nوعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم\".\nوقال ابن حجر أيضًا (٤/٢٩٢): \"في رواية مسلم: \"كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود تتخذه عيدا\" فظاهره أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى، لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم بأنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه فلعلهم كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه\".\nقال ابن رجب: \"وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيدا\".\n* وكان طائفة من السلف يصومون عاشوراء في السفر منهم ابن عباس، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري. قالوا له: \"يا أبا بكر تصوم يوم عاشوراء في السفر، وأنت تفطر في رمضان في السفر؟ \" فقال: \"إن رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت\" (٣) .\nوروى عبد الرزاق بإسناده عن طاووس أنه كان يصوم عاشوراء في الحضر ولا يصومه في السفر.\nقال ابن حجر (٤/٢٨٩): \"نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس\n_________\n(١) أي باليهود.\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/٢٩١، ٢٨٨) .\n(٣) \"التمهيد\" (٧/٢١٥) .","vol":"1","page":505},{"text":"بفرض الإجماع على أنه مستحب. ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء لكن انقرض القائلون بذلك. وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك\".\n* وكل ما روي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه فموضوع لا يصح.\n* أما التوسعة على العيال في ذلك اليوم فلا يصح فيها حديث عن رسول الله - ﷺ - وإنما آثار عن السلف: فعن إبراهيم بن محمد عن المنتشر وكان من أفضل أهل زمانه أنه بلغه أنه من وسع على عياله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر السنة.\nقال ابن عيينة: جربناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا منه إلا خيرًا.\nوقال شعبة مثله، وقال يحيى بن سعيد: جربنا ذلك فوجدناه حقًّا (١) .\n* وأما اتخاذه مأتما كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي -﵄- فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فما أمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف بمن دونهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>٤- صوم أيام البيض </span>ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة\n\"قيل: المراد بالبيض الليالي وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره، حتى قال الجواليقي: من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ، وفيه نظر لأن اليوم الكامل هو النهار بليلته، وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض، فصح قول \"الأيام البيض\" على الوصف.\nوالبيض وسط الشهر ووسط الشيء أعدله، ولأن الكسوف غالبًا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد من العبادة إذا وقع فإذا اتفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام البيض صائمًا\n_________\n(١) \"الاستذكار\" (١٠/١٤٠) .","vol":"1","page":506},{"text":"فيتهيأ له أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة، بخلاف من لم يصمها فإنه لا يتأتى له استدراك صيامها\" (١) .\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"إن كنت صائما فصم أيام الغُر\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"إن كنت صائما فعليك بالغر البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة\" (٤) .\n* وقال - ﷺ -: \"صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وهي أيام البيض: صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة\" (٥) .\n* وقال - ﷺ -: \"يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة\" (٦) .\nعن عبد الملك بن المنهال عن أبيه أنه كان مع النبي - ﷺ - فقال: كان النبي - ﷺ - يأمرهم بصيام البيض، ويقول: \"هي صيام الدهر\" (٧) .\nالأقوال في البيض:\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٦٧-٢٦٨):\n\"قال شيخنا في \"شرح الترمذي\": حاصل الخلاف في تعيين البيض تسعة أقوال:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/٢٦٦-٢٦٧) .\n(٢) صحيح: رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي ذر، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٧٣) .\n(٣) حسن: رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٤٣٥)، و\"الصحيحة\" رقم (١٥٦٧) .\n(٤) حسن: رواه النسائي عن أبي ذر وأحمد وابن حبان والبيهقي في \"سننه\"، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٤٣٥) .\n(٥) إسناده صحيح: رواه النسائي وأبو يعلى والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن جرير، وقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٦٦): إسناده صحيح، وقال الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٤٩): حسن.\n(٦) صحيح: رواه الترمذي والنسائي عن أبي ذر، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٨١٧) .\n(٧) صحيح: رواه ابن حبان في \"صحيحه\" واللفظ له، وأخرجه أحمد والطيالسي والنسائي.","vol":"1","page":507},{"text":"أحدها: لا تتعين بل يكره تعيينها، وهذا عن مالك.\nالثاني: أول ثلاثة من الشهر قاله الحسن البصري.\nالثالث: أولها الثاني عشر.\nالرابع: أولها الثالث عشر.\nالخامس: أولها سبت من أول الشهر ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه وهكذا وهو عن عائشة.\nالسادس: أول خميس ثم اثنين ثم خميس.\nالسابع: أول اثنين ثم خميس ثم اثنين.\nالثامن: أول يوم والعاشر والعشرون عن أبي الدرداء.\nالتاسع: أول كل عشر عن ابن شعبان المالكي.\nقلت: بقي قول آخر وهو:\nآخر ثلاثة من الشهر عن النخعي فتمت عشرة\".\nعن ابن عباس -﵄- أن رسول الله - ﷺ -: \"كان لا يدع صوم أيام البيض في سفر ولا حضر\" (١) .\nيرحم الله بن حبان حيث يبّوب في كتابه ويقول: ذكر تفضل الله بكتبة صائمي البيض لهم أجر صوم الدهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>٥- صيام الاثنين والخميس </span>(٢)\n* عن أبي قتادة الأنصاري -﵁- أن رسول الله - ﷺ - سُئل عن صوم الاثنين فقال: \"فيه ولدت وفيه أنزل عليّ\" رواه مسلم.\n_________\n(١) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\"، وحسنه السيوطي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم: (٤٨٤٨) .\n(٢) قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٣٨): \"قال أهل اللغة: سمي يوم الاثنين لأنه ثاني الأيام، قال أبو جعفر =","vol":"1","page":508},{"text":"* وعن أبي قتادة الأنصاري -﵁- أن رسول الله - ﷺ - سُئل عن صومه قال: فغضب رسول الله - ﷺ - فقال عمر -﵁-: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمدٍ - ﷺ\" - رسولا وببيعتنا بيعة. قال: فسئل عن صيام الدهر فقال: \"لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر\". فُسئل عن صوم يومين وإفطار يوم قال: \"ومن يطيق ذلك\". قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين قال: \"ليت أن الله قوانا لذلك\". قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم. قال: \"ذاك صوم أخي داود ﵇\".\nقال: وسئل عن صوم يوم الاثنين قال: \"ذاك يوم ولدت فيه ويوم بُعثت أو أنزل عليّ فيه\".\nقال: فقال: \"صوم ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر\". قال: وسئل عن صوم يوم عرفة فقال: \"يكفر السنة الماضية والباقية\". قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: \"يكفر السنة الماضية\" رواه مسلم.\n* وعن حفصة -﵂- قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ مضجعه جعل كفه اليمنى تحت خده الأيمن، وكان يصوم الاثنين والخميس (١) .\n* وعن عائشة -﵂-: أن النبي - ﷺ - كان يتحرى صيام الاثنين والخميس (٢) .\n* وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي - ﷺ - كان يصوم الاثنين والخميس (٣) .\n* وعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس.\nفقيل له. فقال: الأعمال تُعرض كل اثنين وخميس، فيغفر لكل مسلم إلا المتهاجرين فيقول: أخروهما\" (٤) .\n_________\n= النحاس: سبيله أن لا يثنى ولا يجمع بل يقال: مضت أيام الاثنين. قال: وقد حكى البصريون اليوم الأثن، والجمع الثنى. وذكر الفراء أن جمعه الأثانين والأثان، وفي كتاب سيبويه اليوم الثني فعلى هذا جمعه الأثناء وقال الجوهري: لا يثنى ولا يجمع لأنه مثنى، فإن أحببت جمعه قلت: أثانين.\nوأما يوم الخميس فسمي بذلك لأنه خامس الأسبوع. قال النحاس: جمعه أخمسة وخمس وخمسان حكاه الفراء والله أعلم.\n(١) رواه النسائي وصححه الألباني في \"صحيح النسائي\" (٢/٤٩٨) وقال: حسن صحيح.\n(٢) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٨٩٧) .\n(٣) رواه ابن ماجه وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٩٧٠) .\n(٤) صحيح: رواه أحمد عن أبي هريرة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٨٠٤) .","vol":"1","page":509},{"text":"* عن أسامة بن زيد قال: كان رسول الله - ﷺ - يصوم الأيام يسرد حتى يقال: لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم، إلا في يومين من الجمعة إن كانا في صيامه وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان، فقلت: يا رسول الله، إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا يكاد أن تصوم إلا يومين إنْ دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: \"أي يومين؟ \" قال: قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: \"ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم\"، قال: قلت: ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال: \"ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم\" (١) .\n* وعن أسامة بن زيد -﵄- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته فقال: \"إن الأعمال تعرض يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم\" (٢) .\nولفظ النسائي: قلت: يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك، وإلا صمتهما قال: \"أي يومين؟ \" قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس قال: \"ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"إن الأعمال ترفع يوم الاثنين والخميس فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم\" (٤) .\n_________\n(١) إسناده حسن: رواه أحمد واللفظ له، والنسائي. قال الألباني في \"إرواء الغليل\" (٤/١٠٣): وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير ثابت بن قيس قال النسائي: ليس به بأس، وقال أحمد: ثقة. وقال المنذري في \"مختصر السنن\" (٣/٣٢٠): وهو حديث حسن.\n(٢) صحيح: أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة.\n(٣) حسن صحيح: قاله الألباني في \"صحيح سنن النسائي\" (٢/٤٩٧) .\n(٤) صحيح: رواه الشيرازي في \"الألقاب\" عن أبي هريرة، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن أسامة بن زيد، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم ١٥٨٣، وحسنه السيوطي.","vol":"1","page":510},{"text":"* وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا\".\n* وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم\" (١) .\n* وعن عائشة -﵂- قالت: \"كان يصوم شعبان كله حتى يصله برمضان وكان يتحرى الاثنين والخميس\" (٢) .\n* وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا. انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا\" رواه مسلم.\n* وعن أبي هريرة يرفعه قال: \"تُعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين فيغفر الله -﷿- في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: اركوا (٣) هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا\" رواه مسلم.\n* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس، وتعرض الأعمال في كل اثنين وخميس\" (٤) .\n٦- صوم يوم الجمعة على الدوام مقرونًا بغيره\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من صام يوم الجمعة،\n_________\n(١) صحيح: رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٩٥٩)، و\"صحيح الترمذي\" رقم (٥٩٦) .\n(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري غير ربيعة وهو ثقة، رواه ابن حبان واللفظ له وابن ماجه، والنسائي والترمذي وأحمد.\n(٣) ارْكُوا: أي أخروا، ركاه يركوه ركوا إذا أخره.\n(٤) حديث صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه واللفظ له، ورواه ابن أبي شيبة وأحمد.","vol":"1","page":511},{"text":"وراح إلى الجمعة، وعاد مريضًا، وشهد جنازة، وأعتق رقبة\" (١)، أي بصيامه مقرونا بغيره.\n* وعن ابن مسعود -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يصوم من غُرة كل شهر ثلاثة أيام، وقلّما كان يفطر يوم الجمعة\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>٧- صيام يوم السبت والأحد مخالفة للمشركين</span>\nعن أم سلمة -﵂- قالت: إنّ رسول الله - ﷺ - كان أكثر صومه السبت والأحد، ويقول: \"هما عيد المشركين فأحب أن أخالفهم\" (٣) .\n* عن كريب مولى ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي - ﷺ - إلى أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أن أسألها أي الأيام كان النبي - ﷺ - أكثرها صومًا؟ فقال: يوم السبت ويوم الأحد فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك عليّ، فظنوا أني لم أحفظ فردوني، فقالت مثل ذلك، فأخبرتهم، فقاموا بأجمعهم فقالوا: إنا أرسلنا إليك في كذا وكذا، فزعم أنك قلت: كذا وكذا، فقالت: صدق، كان رسول الله - ﷺ - يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما كان يصوم من الأيام ويقول: إنهما عيدان للمشركين فأحب أن أخالفهم\" (٤) .\nقال ابن حجر: \"يستفاد من هذا أن الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيدا، بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد فالأولى أن يصاما معا وفرادى امتثالا لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب\" (٥) .\n_________\n(١) صحيح: رواه أبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٢٥٢)، وعند أبي يعلى \"من وافق صيامه\".\n(٢) إسناده حسن: رواه ابن حبان والنسائي والبيهقي، وأخرج القسم الأخير منه الطيالسي وابن أبي شيبة والبيهقي ولفظه: \"ما رأيت رسول الله - ﷺ - مفطر الجمعة\" وحسنه الألباني في \"صحيح سنن النسائي\" رقم (٢٢٣٢)، و\"صحيح الترمذي\" (٧٤٦)، و\"صحيح الجامع\".\n(٣) حسن: رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" والحاكم والبيهقي في \"سننه\" عن أم سلمة، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٨٠٣)، وضعفه في \"جلباب المرأة المسلمة\".\n(٤) رواه ابن حبان واللفظ له وإسناده حسن، وصحح الحاكم إسناده كما في \"المجموع\" (٦/٤٨٢) . وقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢/٧٨): \"الحديث أراه حسنا\"، وقال الذهبي في \"الميزان\" (٣/٦٨٨): \"يعني لا يبلغ الصحة\".\nواحتج به ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/٣٧٤-٣٧٥)، وصححه الذهبي.\n(٥) \"فتح الباري\" (١٠/٣٧٥) .","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>الصوم المبهم المقيد بزمن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>(١) صوم يوم وإفطار يوم</span>ًا (غب الصوم)\n\"صوم داود ﵇\"\nقال رسول الله - ﷺ -: \"أحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سدسه\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"أفضل الصوم صوم أخي داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى\" (٢) .\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"صم أفضل الصيام، صيام داود: صوم يوم، وفطر يوم\" (٣) .\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"لا صوم فوق صوم داود، شطر الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا\" (٤) .\nوفي بعض الروايات: \"كان عبد الله بن عمرو يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله - ﷺ - \".\nوفي رواية حصين: \"وكان عبد الله حين ضعف وكبر يصوم تلك الأيام وكذلك يصل بعضها إلى بعض ثم يفطر بعدد تلك الأيام فيقوى بذلك\".\nوفي رواية: \"وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى وصام مثلهن\".\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٨/٧١٥): \"يؤخذ منه أن الأفضل لمن أراد أن يصوم صوم داود أن يصوم يومًا ويفطر يومًا دائمًا، ويؤخذ من صنيع عبد الله بن عمرو أن من أفطر من ذلك وصام قدر ما أفطر أنه يُجزئ عنه صيام يوم وإفطار يوم\".\nوذهب ابن دقيق العيد إلى أن صوم يوم وإفطار يوم أفضل صور الصيام وأن الأولى التفويض إلى حكم الشارع ولما دل عليه ظاهر قوله: \"لا أفضل من ذلك\" وقوله: \"إنه أحب\n_________\n(١) رواه أحمد، والبخاري ومسلم، وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمرو.\n(٢) صحيح: رواه الترمذي والنسائي عن ابن عمرو، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١١٢٠) .\n(٣) صحيح: رواه النسائي عن ابن عمرو، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٧٩٣) .\n(٤) رواه البخاري والنسائي عن ابن عمرو.","vol":"1","page":513},{"text":"الصيام إلى الله تعالى\" (١) . وهو قول أكثر العلماء ونقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصيام.\n* عن عبد الله بن عمرو قال: كنت رجلًا مجتهدًا فزوجني أبي، ثم زارني، فقال للمرأة: كيف تجدين بعلك؟ فقالت: نعم الرجل من رجل لا ينام ولا يفطر. قال: فوقع بي أبي، ثم قال: زوجتك امرأة من المسلمين فعضلتها، فلم أبال ما قال لي مما أجد من القوة والاجتهاد إلى أن بلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: \"لكني أنام وأصلي وأصوم وأفطر، فنم وصل وأفطر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام\" فقلت: يا رسول الله أنا أقوى من ذلك. قال: \"فصم صوم داود: صم يومًا وأفطر يومًا، وأقرأ القرآن في كل شهر\" قلت: يا رسول الله أنا أقوى من ذلك.\nقال حصين: فذكر لي منصور عن مجاهد أنه بلغ سبعًا، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي، فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك\" فقال عبد الله: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله - ﷺ - أحب إليّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي، وأنا اليوم شيخ قد كبرت وضعفت، وأكره أن أترك ما أمرني به رسول الله - ﷺ - (٢) قال ابن خزيمة: \"صوم يوم وفطر يوم أفضل الصيام وأحبه إلى الله وأعدله\".\nوقال (٣/٢٩٥): \"صوم داود أعدل الصيام وأفضله، وأحبه إلى الله إذ صائم يوم مفطر يوم، يكون مؤديًا لحظ نفسه وعينه وأهله أيام فطره، ولا يكون مضيعًا لحظ نفسه وعينه وأهله\".\nصوم الأواب مزامير ... فليصغ شباب البلدان\nوفي حدثنا لمسلم وابن خزيمة: \"فصم صوم داود نبي الله - ﷺ - فإنه كان أعبد الناس\".\nقال: قلت: يا نبي الله: وما صوم داود؟ قال: \"كان يصوم يومًا ويفطر يومًا\".\n* وعن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كان داود أعبد البشر\" (٣) .\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/٢٦٣) .\n(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري رواه ابن خزيمة في صحيحه.\n(٣) حسن: رواه الترمذي والحاكم في \"المستدرك\"، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٤٥٣)، ورواه البخاري في \"التاريخ\" عن أبي الدرداء.","vol":"1","page":514},{"text":"قال المناوي في \"فيض القدير\" (١/١٧١-١٧٢): \"أحب الصيام المتطوع به إلى الله تعالى صيام نبي الله داود فهو أفضل من صوم الدهر لأنه أشق على النفس بمصادفة مألوفها يومًا ومفارقته يومًا. قال الغزالي: وسره أن من صام الدهر صار الصوم له عادة فلا يحس بوقعه في نفسه بالانكسار وفي قلبه بالصفاء وفي شهواته بالضعف فإن النفس إنما تتأثر بما يرد عليها لا بما تمرنت عليه، ألا ترى أن الأطباء نهوا عن اعتياد شرب الدواء، وقالوا: من تعوده لم ينتفع به إذا مرض لإلف مزاجه له فلا يتأثر به، وطب القلوب قريب من طب الأبدان. انتهى، وهذا أوضح في البيان وأبلغ في البرهان من قول من قال: صوم الدهر قد يفوت بعض الحقوق، وقد لا يشق باعتياده عليه.\nوقال أبو شامة: \"وقد جمعت الأيام التي ورد فيها الأخبار أن نبينا - ﷺ - كان يصومها فقاربت أن تكون شطر الدهر فهو بمثابة صوم داود\".\nقال ابن المنير: \"كان داود يقسم ليله ونهاره لحق ربه وحق نفسه، فأما الليل فاستقام له ذلك في ليله، وأما النهار فيتعذر تجزئته لعدم تبعيض الصيام فنزل صوم يوم وفطر يوم بمنزلة التجزئة في شقص اليوم\".\nقال المناوي (٢/٤٣): \"ذكر بعض الشافعية أن من فعله فوافق فطره يومًا يسن صومه كالاثنين والخميس يكون فطره فيه أفضل ليتم له فطر يوم وصوم يوم، وصوم يوم وفطر يوم جمع بين القربتين وقيام الوظيفتين، فإن الله لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، فلو استفرغ جهده فيه قصّر في غيره فالأولى الاقتصار -أي على صيام يوم وفطر يوم- ليبقى بعض قوة لغيره كالجهاد\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>(٢) صوم يوم وإفطار يومين</span>\nقال ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/٢٩٦-٢٩٧):\n\"باب: ذكر تمني النبي - ﷺ - استطاعة صوم يوم وإفطار يومين\"\n* عن أبي قتادة قال: قال عمر لرسول الله - ﷺ -: فكيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: \"ويطيق ذلك أحد؟ \" قال: فكيف بمن يصوم يومًا، ويفطر يومًا؟ قال: \"ذاك","vol":"1","page":515},{"text":"صوم داود\"، قال: فكيف بمن يصوم يومًا يفطر يومين؟ قال: \"وددت أني طوقت ذلك\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>(٣) صوم عشرة أيام من الشهر</span>\nهكذا بوّب النسائي.\n* عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنه بلغني أنك تقوم الليل وتصوم النهار\".\nقلت: يا رسول الله، ما أردت بذلك إلا الخير، قال: \"لا صام من صام الأبد، ولكن أدلك على صوم الدهر، ثلاثة أيام من الشهر\" قلت: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك قال: \"صم خمسة أيام\" قلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: \"فصم عشرا\" فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: \"صم صوم داود ﵇ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>(٤-٧) صوم إحدى عشرة أو تسعا أو سبعا أو خمسة أيام من الشهر</span>\n* عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله - ﷺ - ذُكر له صومي، فدخل عليّ فألقيت له وسادة أدم ربعة، حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة فيما بيني وبينه، قال: \"أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ \" قلت: يا رسول الله؟ قال: \"خمسا\" قلت: يا رسول الله؟ قال: \"سبعًا\" قلت: يا رسول الله؟ قال: \"تسعا\" قلت: يا رسول الله؟ قال: \"احدى عشرة\" قلت. يا رسول الله؟ فقال النبي - ﷺ -: \"لا صوم فوق صوم داود، شطر الدهر، صيام يوم، وفطر يوم\" (٣) .\n_________\n(١) إسناده صحيح: رواه ابن خزيمة واللفظ له، وأبو داود من طريق حماد مطولا. وكذا مسلم.\n(٢) رواه النسائي وقال الألباني في \"صحيح سنن النسائي\" (٢/٥٠٥): صحيح.\n(٣) صحيح: رواه النسائي واللفظ له، وصححه الألباني في \"صحيح النسائي\" (٢/٥٠٦) .","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>(٨) صيام أربعة أيام من الشهر</span>\n* عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"صم من الشهر يومًا، ولك أجر ما بقي\". قلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: \"فصم يومين ولك أجر ما بقي\". قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: \"صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي\" قل: إني أطيق أكثر من ذلك فقال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل الصوم صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>(٩) صوم ثلاثة أيام من الشهر كيفية ذلك</span>\n* عن أبي ذر قال: \"أوصاني حبيبي - ﷺ - بثلاثة لا أدعهن إن شاء الله تعالى أبدا.\nأوصاني بصلاة الضحى، وبالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر\" (٢) .\n* وعن أبي هريرة قال: \"أمرني رسول الله - ﷺ - بركعتي الضحى، وأن لا أنام إلا على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"ألا أخبركم بما يذهب وحر الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر\" (٤) .\nووحر الصدر: غشه ووساوسه.\n* وقال - ﷺ -: \"ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله\" (٥) .\n* وقال - ﷺ -: \"شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر\" (٦) .\n* وقال - ﷺ -: \"صم شهر الصبر: رمضان، صم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر\" (٧) .\n_________\n(١) صحيح: رواه النسائي واللفظ له ومسلم، وصححه الألباني في \"صحيح النسائي\" (٢/٥٠٧) .\n(٢) صحيح: رواه النسائي بلفظه، والبخاري ومسلم دون قوله: \"لا أدعهن أبدا\"، وعند البخاري معناه.\n(٣) صحيح: رواه النسائي بلفظه، والبخاري ومسلم بلفظ: \"أوصاني\" نحوه، وصححه الألباني في \"صحيح النسائي\" (٢/٤٩٨) .\n(٤) صحيح: رواه النسائي عن رجل من الصحابة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٦٠٨) .\n(٥) رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي قتادة.\n(٦) رواه النسائي عن أبي هريرة، ورواه أحمد، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٧١٨) .\n(٧) صحيح: رواه أبو داود وابن ماجه عن الباهلي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٧٩٤) .","vol":"1","page":517},{"text":"* وقال - ﷺ -: \"صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان صوم الدهر وإفطاره\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وإفطاره\" (٤) .\n* وقال - ﷺ -: \"صيام حسن صيام ثلاثة أيام من الشهر\" (٥) .\n* عن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله - ﷺ - كان يصوم من غرة (٦) كل شهر ثلاثة أيام (٧) .\nولقد تفضل الله بكِتبة صيام الدهر وقيامه لمن صام الأيام الثلاثة من الشهر.\nعن معاوية بن قرة عن أبيه عن النبي - ﷺ -: \"صوم ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وقيامه\" (٨) .\n* عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قلت: من أَيِّهِ؟ قالت: لم يكن يبالي من أيه كان (٩) .\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد ومسلم عن أبي قتادة.\n(٢) صحيح: رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٠٣) .\n(٣) صحيح: رواه البزار عن علي وعن ابن عباس، ورواه البغوي والبارودي والطبراني في \"الكبير\" عن النمر بن حولب، ورواه أيضًا ابن حبان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٠٤) .\n(٤) صحيح: رواه أحمد وابن حبان عن قرة بن إياس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٤٨) .\n(٥) صحيح: رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن عثمان بن أبي العاص، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٥٠) .\n(٦) أول كل شهر.\n(٧) إسناده حسن: رواه ابن حبان واللفظ له، والطيالسي، وأبو داود، وأحمد.\n(٨) إسناده صحيح على شرط الشيخين غير صحابية قرة -وهو ابن إياس- فقد روى له أصحاب السنن: رواه ابن حبان والبزار.\n(٩) إسناده صحيح على شرط الشيخين. رواه ابن حبان واللفظ له وابن ماجه وأحمد.","vol":"1","page":518},{"text":"* وعن معاذة قالت: قلت لعائشة: أكان النبي - ﷺ - يصوم من الشهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، قلت: من أيّه؟ قالت: لم يبال من أيّه صام (١) .\n* وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: قال: بلغ النبي - ﷺ - أني أصوم -أسرد الصوم وأصلي الليل- فأرسل إليه، ولماّ لقيه قال: \"ألم أُخبَر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل. فلا تفعل، فإن لعينك حظا، ولنفسك حظا، ولأهلك حظًّا، وصم وأفطر، وصل ونم، وصم من كل عشرة أيام يومًا، ولك أجر تسعة\" قال: قلت: إني أقوى لذلك يا رسول الله قال: \"صم صوم داود إذًا\" قال: وكيف كان صيام داود يا نبي الله؟ قال: \"كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ولا يفرّ إذا لاقى\". قال: ومن لي بهذا يا نبي الله (٢) .\n* عن أم سلمة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس، من هذه الجمعة، والاثنين من المقبلة (٣) .\n* عن حفصة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر يوم الخميس ويوم الاثنين، ومن الجمعة الثانية يوم الاثنين (٤) .\n* عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من صام ثلاثة أيام من الشهر، فقد صام الدهر كله\" ثم قال: \"صدق الله في كتابه (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام: ١٦٠] \" (٥) .\nعن أبي هريرة -رصي الله عنه- قال: \"أوصاني خليلي بثلاث لست بتاركهن: أن لا أنام إلا على وتر وأن لا أدع ركعتي الضحى فإنها صلاة الأوابين وصيام ثلاثة أيام من كل شهر\" (٦) .\nعن أبي عثمان أن أبا هريرة كان في سفر، فلما نزلوا ووضعت السفرة بعثوا إليه وهو يصلي، فقال: إني صائم، فلما كادوا أن يفرغوا جاء فجعل يأكل، فنظر القوم إلى\n_________\n(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين: رواه ابن حبان واللفظ له، والطيالسي والترمذي وابن خزيمة والبغوي.\n(٢) صحيح الإسناد: رواه النسائي بلفظه، ونحوه عند البخاري ومسلم دون قوله: \"قال: ومن لي ... \".\n(٣) حسن: رواه النسائي بلفظه، وأبو داود. وقال الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٢٢٩) .\n(٤) حسن: رواه النسائي وحسنه الألباني في \"صحيح النسائي\" رقم (٢٢٣٠) .\n(٥) صحيح: رواه النسائي وصححه الألباني في \"صحيح النسائي\" رقم (٢٢٦٩) .\n(٦) صحيح: رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، وأبو داود وصححه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١١٦٤) .","vol":"1","page":519},{"text":"رسولهم، فقال: ما تنظرون إليّ قد -والله- أخبرني أنه صائم، فقال أبو هريرة: صدق، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من صام ثلاثة أيام من كل شهر، فقد صام الشهر كله\"، وقد صمت ثلاثة أيام من كل شهر، وإني الشهر كله صائم، ووجدت تصديق ذلك في كتاب الله جل وعلا: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام: ١٦٠] (١) .\n* عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أُخبر رسول الله - ﷺ - أني أقول: والله لأصومنّ النهار، ولأقومنّ الليل ما عشت، فقلت له: قد قلته يا رسول الله. قال: \"فإنك لا تستطيع ذلك، صم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر\" (٢) .\nقال ابن حجر في الجمع بين الأحاديث المختلفة في صيام الثلاثة أيام:\nحديث عائشة قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي شهر صام\" قال (٣): فكل من رآه فعل نوعًا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت. والذي يظهر أن الذي أمر به وحث عليه ووصى به أولى من غيره، وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكل ذلك في حقه أفضل، وتترجح البيض. ورجح بعضهم صيام الثلاثة في أول الشهر لأن المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع، وقال بعضهم: يصوم من أول كل عشرة أيام يومًا، وله وجه في النظر، ونقل ذلك عن أبي الدرداء وهو يوافق ما تقدم في رواية النسائي.\nواختار النخعي أن يصومها آخر الشهر ليكون كفارة لما مضى ويؤيده حديث عمران ابن حصين في الأمر بصيام سرار الشهر، وقال الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب.\nوفي كلام غير واحد من العلماء أيضًا أن استحباب صيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر\" (٤) .\n_________\n(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رواه ابن حبان بلفظه، والنسائي والطيالسي وأحمد.\n(٢) إسناده صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه والبخاري وعبد الرزاق وأحمد.\n(٣) أي البيهقي.\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/٢٦٧) .","vol":"1","page":520},{"text":"قال النووي في \"شرح صحيح مسلم\" (٣/٢٢٧-٢٢٨): \"قال القاضي: واختلفوا في تعيين هذه الأيام الثلاثة المستحبة من كل شهر:\n* ففسره جماعة من الصحابة والتابعين بأيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو ذر، وبه قال أصحاب الشافعي، واختار النخعي وآخرون آخر الشهر.\n* واختار آخرون ثلاثة من أوّله منهم الحسن.\n* واختارت عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده.\n* واختار آخرون الاثنين والخميس، وفي حديث رفعه ابن عمر: \"أول اثنين في الشهر وخميسان بعده\".\n* وعن أم سلمة أول خميس والاثنين بعده، ثم الاثنين.\n* وقيل: أول يوم الشهر والعاشر والعشرين، وقيل: إنه صيام مالك بن أنس، وروى عنه كراهة صوم أيام البيض.\n* وقال ابن شعبان المالكي: أول يوم من الشهر والحادي عشر والحادي وعشرون.\nوالله أعلم\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>(١٠) صوم يومين من الشهر</span>\nعن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الصوم فقال: \"صم يومًا من الشهر\" قلت: يا رسول الله زدني زدني! قال: \"تقول: يا رسول الله زدني زدني، يومين من كل شهر\" قلت: يا رسول الله زدني زدني، إني أجدني قويًّا.\nفقال: \"زدني زدني، أجدني قويًّا\".\nفسكت رسول الله - ﷺ -، حتى ظننت أنه ليردني قال: \"صم ثلاثة أيام من كل شهر\" (١) .\n_________\n(١) صحيح الإسناد: رواه النسائي، وصححه الألباني في \"صحيح سنن النسائي\" رقم (٢٢٨٢، ٢٢٨٣) .","vol":"1","page":521},{"text":"وفي رواية أخرى: \"واستزاده قال: بأبي أنت وأمي، أجدني قويًّا فزاده، قال: \"صم يومين من كل شهر\" فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني أجدني قويّا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني أجدني قويا. إني أجدني قويّا\" فما كان أن يزيده، فلما ألحّ عليه قال رسول الله - ﷺ -: \"صم ثلاثة أيام من كل شهر\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>(١١) صوم يوم من الشهر</span>\nقال ابن خزيمة (٣/٣٠٠): باب: فضل صوم يوم واحد من كل شهر، وإعطاء الله -﷿- صائم يوم واحد من الشهر مع الدليل على أن الله لم يرد بقوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام: ١٦٠] أنه لا يعطي بالحسنة الواحدة أكثر من عشر أمثالها إذ النبي المبيّن عنه -﷿- قد أعلم أن الله يعطي بصوم يوم واحد جزاء شهر تام.\n* عن عبد الله بن عمرو -﵄-، قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فسألته عن الصوم، فقال: \"صم يومًا من الشهر، ولك أجر ما بقي\" (٢) .\n***\n_________\n(١) صحيح الإسناد: رواه النسائي، وصححه الألباني في \"صحيح سنن النسائي\" رقم (٢٢٨٢، ٢٢٨٣) .\n(٢) صحيح: رواه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/٣٠٠) .","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>الأيام المنهي عن صيامها</span>\nالأيام المنهي عن صيامها قسمان:\nأ- منها ما هو متفق على تحريمه كالعيدين.\nب- ومنها ما هو مختلف فيه:\n(١) كأيام التشريق.\n(٢) ويوم الشك.\n(٣) ويوم الجمعة.\n(٤) ويوم السبت.\n(٥) وبعد النصف من شعبان.\n(٦) وصيام الدهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>(١ و٢) يوم الفطر، والأضحى</span>\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"أنهاكم عن صيام يومين: الفطر والأضحى\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"لا يصلح الصيام في يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر من رمضان\" (٢) .\n* وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد -﵁- أن رسول الله - ﷺ - \"نهى عن صيام يومين. يوم الأضحى ويوم الفطر\" (٣) .\n* وعن أبي عبيد مولى أزهر قال: \"شهدت العيد مع عمر بن الخطاب، فقال: هذان يومان نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم\" (٤) .\n_________\n(١) صحيح: رواه أبو يعلى عن أبي سعيد، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٥١٧) .\n(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد.\n(٣) رواه البخاري ومسلم.\n(٤) رواه أحمد والبيهقي وابن الجارود والشيخان ومالك وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي شيبة والطحاوي.","vol":"1","page":523},{"text":"وأخرجه الطحاوي عن أبي عبيد عن علي وعثمان -﵄- مرفوعًا وإسناده جيد، وفي الباب عن عائشة وابن عمر.\nعن عائشة -﵂- قالت: نهى رسول الله - ﷺ - عن صومين: يوم الفطر ويوم الأضحى. رواه مسلم.\nوجاء رجل إلى ابن عمر -﵄- فقال: إني نذرت أن أصوم يومًا فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال ابن عمر -﵄-: \"أمر الله تعالى بوفاء النذر ونهى رسول الله - ﷺ - عن صوم هذا اليوم\" رواه مسلم.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٣/١٩٣، ١٩٤): \"قد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواءً صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك. ولو نذر صومهما متعمدًا لعينهما، قال الشافعي والجمهور: لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما، وقال أبو حنيفة: ينعقد، ويلزمه قضاؤهما، قال: فإن صامهما أجزأه، وخالف الناس كلهم في ذلك\".\nثم قال النووي: \"ابن عمر توقف عن الجزم بجوابه، لتعارض الأدلة عنده\".\nوقد اختلف العلماء فيمن نذر صوم العيد معينًا. وأما هذا الذي نذر صوم يوم الاثنين فوافق يوم العيد، فلا يجوز له صوم العيد بالإجماع، وهل يلزمه قضاؤه؟ فيه خلاف للعلماء، وفيه للشافعي قولان أصحهما: لا يجب قضاؤه، لأن لفظه لم يتناول القضاء، وإنما يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار عند الأصوليين، وكذلك لو صادف أيام التشريق لا يجب قضاؤه في الأصح، والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>(ب) الأيام المنهي عن صيامها والمختلف فيها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>١- أيام التشريق</span>\nاختلف في كونها يومين، أو ثلاثة بعد يوم النحر وهو قول ابن عمر وأكثر العلماء، وروي عن ابن عباس وعطاء أنها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده.","vol":"1","page":524},{"text":"\"وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل التشريق التكبير دبر كل صلاة\" (١) .\nقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تصوموا هذه الأيام: أيام التشريق، فإنها أيام أكل وشرب\" (٢) .\n* وعن نبيشه الهذلي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب\" (٣) .\nوفي رواية لمسلم: \"وذكر لله\".\nوعن كعب بن مالك حدث أن رسول الله - ﷺ - بعث أوس بن الحدثان أيام التشريق فنادى: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب (٤) .\n* وعن بشير بن سحيم أن النبي - ﷺ - أمره أن ينادى أيام التشريق: \"أنه لا يدخل الجنة....\" (٥) الحديث مثل حديث كعب.\n* وعن أبي هريرة مرفوعًا به مثل حديث كعب: \"أيام منى ... \" (٦) .\n* وعن علي مرفوعًا: \"إنها ليست أيام صيام إنها أيام أكل وشرب وذكر\" (٧) .\n* وعن عبد الله بن حذافة أن النبي - ﷺ - أمره أن ينادي في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب (٨) .\n* وعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: \"أمر رسول الله - ﷺ - عبد الله بن حذافة أن يركب راحلته أيام منى فيصيح في الناس: \"لا يصومن أحد، فإنها أيام أكل وشرب\" قال: فلقد رأيته على راحلته ينادي بذلك\" (٩) .\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/٢٨٥) .\n(٢) صحيح: رواه أحمد في \"مسنده\" والنسائي عن حمزة بن عمرو الأسلمي، ورواه أحمد والحاكم عن بديل بن ورقاء وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٣٥٥) .\n(٣) رواه مسلم والبيهقي وأحمد والطحاوي.\n(٤) رواه أحمد ومسلم والبيهقي.\n(٥) إسناده صحيح على شرط الشيخين: أخرجه النسائي والدارمي وابن ماجه والطحاوي والطيالسي وأحمد.\n(٦) إسناده حسن: أخرجه ابن ماجه، وقال البوصيري في \"الزوائد\": إسناده صحيح، رجاله ثقات.\n(٧) أخرجه الطحاوي والبيهقي وأحمد والحاكم، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\n(٨) سنده صحيح: أخرجه الطحاوي وأحمد.\n(٩) سنده صحيح: رواه أحمد والطحاوي.","vol":"1","page":525},{"text":"* وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص، فوجده يأكل، قال: فدعاني، قال: فقلت له: إني صائم، فقال: \"هذه الأيام التي نهانا رسول الله - ﷺ - عن صيامهن، وأمرنا بفطرهن\" (١) .\n* وعن عقبة بن عامر مرفوعًا بلفظ: \"يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب\" (٢) .\n* عن أبي الشعثاء قال: أتينا ابن عمر في اليوم الأوسط من أيام التشريق، قال: فأتى بطعام فدنا القوم، وتنحى ابن له، قال: فقال له: أدن فاطعم، قال: فقال: إني صائم، قال: فقال: أما علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنها أيام طعم وذكر\" (٣) .\nقال الألباني في \"إرواء الغليل\" (٤/١٣١): \"وبالجملة، فهذا الحديث متواتر المعنى عن رسول الله - ﷺ - \".\nعن هشام بن عروة بن الزبير قال: أخبرني أبي: كانت عائشة ﵂ تصوم أيام منى، وكان أبوه يصومها. رواه البخاري.\nوعن عائشة، وعن ابن عمر ﵃، قالا: \"لم يرَخّص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي\" (٤) .\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٨٦):\n\"الجديد -أي عند الشافعي- أنه لا يصح فيها صوم. وممن قال به من السلف العلماء بامتناع صومها للمتمتع وغيره علي بن أبي طالب وأبو حنيفة وداود وابن المنذر، وهو أصح الروايتين عن أحمد.\n_________\n(١) إسناده صحيح: أخرجه مالك وعنه أبو داود وأحمد والدارمي والحاكم: وقال الحاكم: إسناده صحيح ووافقه الذهبي وأقره الألباني.\n(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم: أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي وابن أبي شيبة وابن خزيمة والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي والألباني.\n(٣) أخرجه أحمد: وقال الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح\"، وقال الألباني في \"الإرواء\" (٤/١٣١): إسناده على شرط مسلم.\n(٤) رواه البخاري والطحاوي والدارقطني والبيهقي. وهو ليس صريحا في الرفع وإنما هو ظاهر فيه، وهو في حكم المرفوع عند جمهور أهل العلم.","vol":"1","page":526},{"text":"وحكى ابن المنذر جواز صومها للمتمتع وغيره عن الزبير بن العوام وابن عمر وابن سيرين، وقال ابن عمر وعائشة والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق في رواية عنه: \"يجوز للمتمتع صومها\".\nقال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٤/٢٨٥): \"هل تلتحق -أيام التشريق- بيوم النحر في ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج أو يجوز صيامها مطلقًا، أو للمتمتع خاصة، أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع.\nوقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقًا، وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقًا وهو المشهور عن الشافعي، وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره يصومها أيضًا المحصر والقارن.\nوفي كتاب \"إرشاد المسترشد\": \"أما أيام التشريق: فإن أهل الظاهر وجديد قولي الشافعي لا يجيزون الصوم فيها مطلقًا، وكرهه مالك وأبو حنيفة وأحمد إلا لمن كان عليه هدي ولم يتمكن من صوم الثلاثة قبل يوم الأضحى. وحديث عائشة وابن عمر يدل على أن النهي عن صومها للكراهة لا للتحريم، والراجح عندي: ما ذهب إليه مالك ومن معه من الأئمة والله أعلم\" (١) .\nقال تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) .\nقال ابن حجر (٤/٢٨٦) . \"قوله: \"في الحج\" يعم ما قبل النحر وما بعده فيدخل فيه أيام التشريق، وقد ثبت نهيه - ﷺ - عن صوم أيام التشريق وهو عام في حق المتمتع وغيره، وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعًا فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر؟ فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري والله أعلم\".\n_________\n(١) \"إرشاد المسترشد\" (ص ٣٤٢) .","vol":"1","page":527},{"text":"قال ابن رجب في \"لطائف المعارف\" (ص ٣٠٤-٣٠٥):\n\"إنما نهى عن صيام أيام التشريق لأنها أعياد المسلمين مع يوم النحر، فلا تصام بمنى ولا غيرها عند جمهور العلماء خلافا لعطاء في قوله: إن النهي يختص بأهل منى، وإنما نهى عن التطوع بصيامها سواء وافق عادة أو لم يوافق، فأما صيامها عن قضاء فرض أو نذر أو صيامها بمنى للمتمتع إذا لم يجد الهدي ففيه اختلاف مشهور بين العلماء، ولا فرق بين يوم منها ويوم عند الأكثرين إلا عند مالك فإنه قال: في اليوم الثالث منها يجوز صيامه عن نذر خاصة\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>سرّ حسن:</span>\nقال ابن رجب في \"اللطائف\" (ص ٣٠٥): \"وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشرب سرّ حسن وهو أن الله تعالى لما علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم نسكهم، فهم في ضيافة الله ﷿ لطفًا من الله بهم ورأفة ورحمة، وشاركهم أيضًا أهل الأمصار في ذلك، لأن أهل الأمصار شاركوهم في حصول المغفرة والنصب لله.\nوالاجتهاد في عشر ذي الحجة بالصوم وبالذكر والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحى فشاركوهم في أعيادهم واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكل والشرب كما اشتركوا جميعًا في أيام العشر في الاجتهاد في الطاعة والنصب، وصار المسلمون كلهم في ضيافة الله ﷿ في هذه الأيام يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله، ونهوا عن صيامها لأن الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه، فكأنه قيل للمؤمنين في هذه الأيام قد فرغ عملكم الذي عملتموه فما بقي لكم إلا الراحة فهذه الراحة بهذا التعب كما أريح الصائمون لله شهر رمضان بأمره بإفطار يوم العيد.\nويؤخذ من هذا إشارة إلى حال المؤمنين في الدنيا، فإن الدنيا كلها أيام سفر كأيام الحج، وهو زمان إحرام المؤمن عما حرم الله عليه من الشهوات فمن صبر في مدة سفره","vol":"1","page":528},{"text":"على إحرامه وكفّ عن الهوى، فإذا انتهى سفر عمره، ووصل إلى منى المنى، فقد قضى تفثه ووفى نذره فصارت أيامه كلها كأيام منى: أيام أكل وشرب وذكر لله وصار في ضيافة الله ﷿ في جواره أبد الأبد.\nفصم عن الدنيا وليكن فطرك الموت.\nفصم يومك الأدنى لعلك في غد ... تفوز بعيد الفطر والناس صوّم\nمن صام اليوم عن شهواته أفطر عليها غدا بعد وفاته، ومن تعجّل ما حرم عليه من لذاته عوقب بحرمان نصيبه من الجنة وفواته.\nأنت في دار شتات ... فتأهب لشتاتك\nواجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواته\nوليكن فطرك عند الله في يوم وفاتك.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"نهى عن صيام يوم قبل رمضان، والأضحى، والفطر، وأيام التشريق\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٢- صوم يوم الجمعة</span>\n* عن محمد بن عباد بن جعفر: سألت جابر بن عبد الله ﵄ وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله - ﷺ - عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: نعم ورب هذا البيت (٢)، وزاد البخاري - يعني أن ينفرد بصومه.\n* وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده\" (٣) .\n* وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تخصّوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم\" (٤) .\n_________\n(١) صحيح: رواه البيهقي في سننه، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٩٦٤) .\n(٢) رواه مسلم واللفظ له والبخاري وأحمد، وعند النسائي: \"ورب الكعبة\" وليس عند البخاري إلا قوله: \"نعم\".\n(٣) رواه مسلم.\n(٤) رواه مسلم.","vol":"1","page":529},{"text":"* وقال - ﷺ -: \"لا تصوموا يوم الجمعة إلا قبله يوم وبعده يوم\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"لا تصوموا يوم الجمعة مفردا\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده\" (٣) .\n* وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - نهى أن يفرد يوم الجمعة بصوم (٤) .\n* وعن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صوم ستة أيام من السنة: ثلاثة أيام التشريق، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم الجمعة مختصة من الأيام (٥) .\n* وعن جابر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صيام يوم الجمعة (٦) .\n* وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله - ﷺ - دخل على جويرية بنت الحارث ﵂ وهي صائمة في يوم جمعة، فقال لها: \"أصمت أمس؟ \" فقالت: لا. قال: \"أتريدين أن تصومي غدًا؟ \" فقالت: لا. قال: \"فأفطري إذا\" (٧) .\nقال ابن حجر (٤/٢٧٥): \"هذه الأحاديث تقيد النهي المطلق في حديث جابر وتؤيد الزيادة التي تقدمت من تقييد الإطلاق بالإفراد، ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده، أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة، ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر يوم قدوم زيد مثلًا أو يوم شفاء فلان\".\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد عن أبي هريرة، ورواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٣٥٦) .\n(٢) صحيح: رواه أحمد والنسائي والحاكم عن جنادة الأزدي وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٣٥٧) .\n(٣) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة.\n(٤) صحيح: رواه أحمد عن أبي هريرة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٨٣٧) .\n(٥) صحيح: رواه الطيالسي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٩٦١) .\n(٦) رواه أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه.\n(٧) رواه أحمد واللفظ له، والبخاري من حديث جويرية، ورواه النسائي وابن حبان وصححه عن عبد الله بن عمرو، ورواه أبو داود والطحاوي.","vol":"1","page":530},{"text":"قال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٧٥-٢٧٦): \"استدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام، ونقله أبو الطب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية، وكأنه أخذه من قول ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، كما ثبت عن صوم يوم العيد، وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصوم فهذا قد يشعر بأنه يرى تحريمه\".\nوقال أبو جعفر الطبري: \"يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده. ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر، قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفا من الصحابة وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه. وعن مالك وأبي حنيفة لا يكره\".\n* وقال النووي في \"شرح مسلم\" (٣/١٩٧): \"وأما قول مالك في \"الموطأ\": لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه، ومَنْ يقتدَى نهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه، فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به. ومالك معذور؛ فإنه لم يبلغه، قال الداودي -من أصحاب مالك-: لم يبلغ مالكا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه\".\n* قال ابن حجر (٤/٢٧٦): وزعم عياض أن كلام مالك يؤخذ منه النهي عن إفراده لأنه كره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة فيكون له في المسألة روايتان. وعاب ابن العربي قول عبد الوهاب منهم: يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، لكونه قياسا مع وجود النص.\nواستدل الحنفية بحديث ابن مسعود: \"كان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة\". حسنه الترمذي، وليس فيه حجة لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعا بين الحديثين، ومنهم من عدّه من الخصائص، وليس بجيد لأنها لا تثبت بالاحتمال. والمشهور عند الشافعية وجهان:","vol":"1","page":531},{"text":"أحدهما ونقله المزني عن الشافعي: أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والذكر والدعاء.\nوالثاني وهو الذي صححه المتأخرون. كقول الجمهور.\nوحديث ابن مسعود المتقدم حمله الجمهور على حديث أبي هريرة السابق وقالوا: إذا صام قبله أو بعده جاز بلا كراهة وإلا فهو مكروه، وهو الراجح عندنا لأن أكثر أهل الأصول يقولون: إذا تعارض النهي والفعل قدم جانب الحظر على الفعل لقوله - ﷺ -: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا\".\n• واختلف في سبب النهي عن إفراده على أقوال:\n* أحدها: لكونه يوم عيد والعيد لا يصام، قال ابن حجر: \"وهذا أقوى الأقوال وأولاها بالصواب وورد فيه صريحًا حديثان: أحدهما رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: \"يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده\"، والثاني رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي وقال: \"من كان منكم متطوعًا من الشهر فليصم يوم الخميس فإنه طعام وشراب وذكر\"، واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره. وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم.\n* ثانيها: لئلا يضعف عن العبادة واختاره النووي، قال: \"الحكمة في النهي عنه أن يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها وغير ذلك من العبادات في يومها، فاستحب الفطر فيه، فيكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير الحاج يوم عرفة بعرفة، فإن السنة له الفطر كما سبق تقريره لهذه الحكمة\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>٣- بعد النصف من شعبان</span>\nالمروي عن الشافعي كراهية صيامه، والجمهور على جواز صيامه لحديث عمران بن حصين الذي سبق.","vol":"1","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>٤- صوم السبت</span>\nقال رسول الله - ﷺ -: \"صيام يوم السبت لا لك ولا عليك\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"لا تصوموا يوم السبت إلا في فريضة، وإن لم يجد أحدكم إلا عود كرم أو لحاء شجرة، فليفطر عليه\" (٢)، الكرم هو العنب، واللحاء هو القشر.\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٨١-٤٨٢): \"يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام قبله أو بعده لم يكره. صرّح بكراهة إفراده أصحابنا، منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم. وقال الترمذي: معنى النهي أن يختصه الرجل بالصيام لأن اليهود يعظمونه\".\nومذهب مالك: عدم كراهية صومه.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" (٤/٤٢٨): \"قال أصحابنا: يكره إفراد يوم السبت\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد عن امرأة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\"، رقم (٣٨٥٢)، و\"الإرواء\" رقم (٩٦٠) .\n(٢) صحيح: أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجه والطحاوي وابن خزيمة في \"صحيحه\" والحاكم والبيهقي وأحمد والضياء المقدسي في \"المختارة\" عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء. وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي ووافقه الألباني في \"إرواء الغليل\" رقم (٩٦٠) . وقال النسائي: حديث مضطرب، وقال الزهري: ذاك حديث حمصي وضعفه ونقلوا عن مالك أنه قال: هذا كذب، قال النووي: \"لا يقبل هذا منه\"، وقد صححه الأئمة، وقال أبو داود: هذا حديث منسوخ، وصححه ابن خزيمة وقال ابن مفلح: إسناده جيد: وقال الإمام أحمد: كان يحيى بن سعيد يتقيه وأبى أن يحدثني به. وصحح الحديث ابن السكن. وقال ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (٢/٢١٦): \"وقد أعل حديث الصماء بالاضطراب، فقيل هكذا، وقيل: عن عبد الله بن بسر وليس فيه عن أخته الصماء، وهذه رواية ابن حبان، وليست بملة قادحة، فإنه أيضًا صحابي، وقيل: عنه عن أبيه بسر. وقيل: عنه عن الصماء عن عائشة. قلت: يحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه وعن أخته، وعند أخته بواسطة، وهذه طريقة من صححه ورجح عبد الحق الرواية الأولى وتبع في ذلك الدارقطني، لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج يوهن راويه، وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك وإلا على قلة ضبطه وليس الأمر هنا كذلك بل اختلف فيه عن عبد الله بن بسر أيضًا\" ا. هـ، وقد رد الألباني على هذا بتفصيل في \"إرواء الغليل\" حديث رقم (٩٦٠) وقال: الحديث صحيح من طرق ثلاث. قال النووي: قول أبي داود أنه منسوخ غير مقبول وللأخ علي بن حسن بن عبد الحميد رسالة في ذلك باسم \"زهر الروض في حكم صيام يوم السبت في غير الفرض\".","vol":"1","page":533},{"text":"بالصوم، فإن صام معه غيره لم يكره، لحديث أبي هريرة وجويرية، وإن وافق صومًا لإنسان لم يكره. قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت يفترد (١) به فقد جاء فيه حديث الصماء، وكان يحيى بن سعيد يتقيه أي أن يحدثني به وسمعته من أبي عاصم\".\nقال ابن مفلح في \"الفروع\" (٣/١٢٤): \"قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة يعني أن النبي - ﷺ - كان يصوم يوم السبت والأحد ويقول: \"هما عيدان للمشركين فأحب أن أخالفهما\" رواه أحمد والنسائي وصححه جماعة، وإسناده جيد، واختار شيخنا (٢) أنه لا يكره، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى، فالحديث شاذ أو منسوخ، وأن هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه، كالأثرم وأبي داود، وأن أكثر أصحابنا فهم من كلام أحمد الأخذ بالحديث، ولم يذكر الآجري غير صوم يوم الجمعة، فظاهره لا يكره مع غيره\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>٥- يوم الشك</span>\n* عن صلة قال: كنا عند عمار فأتى بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم، قال: إني صائم، فقال عمار: \"من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - ﷺ - \" (٣) .\nوفي رواية ابن خزيمة وغيره: \"من صام اليوم الذي يشك فيه\".\n* قال ابن حجر (٤/١٤٤): \"قال الطيبي: إنما أتى بالموصول ولم يقل: يوم الشك مبالغة في أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب لعصيان صاحب الشرع فكيف بمن صام يومًا الشك فيه قائم ثابت، ونحوه قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) أي الذين أونس\n_________\n(١) أي يصومه منفردًا.\n(٢) أي ابن تيمية.\n(٣) صحيح: أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارمي والطحاوي وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي وابن خزيمة وصححه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الدارقطني: إسناده حسن صحيح ورواته كلهم ثقات، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وعلقه البخاري بصيغة الجزم ووصله أبو داود والترمذي والحاكم وغيره. واقتصر الحافظ على تحسينه، ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عكرمة من قوله.","vol":"1","page":534},{"text":"منهم أدنى ظلم، فكيف بالظلم المستمر عليه؟ قلت: وقد علمت أنه وقع في كثير من الطرق بلفظ: \"يوم الشك\".\nوقوله: \"أبا القاسم\" قيل: فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية: الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانًا ومكانًا وغير ذلك\".\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٥٤): \"يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا وقع في ألسنة الناس أنه رؤي ولم يقل عدل: أنه رآه، أو قاله وقلنا: لا تقبل شهادة الواحد، أو قاله عدد من النساء والصبيان أو العبيد أو الفساق.\nقالوا: فأما إذا لم يتحدث برؤيته أحد فليس بيوم شك، سواء كانت السماء مصحية أو أطبق غيم، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور\".\nوقال إمام الحرمين: \"إن كان ببلد يستقل أهله بطلب الهلال فليس بشك، وإن كانوا في سفر ولم تبعد رؤية أهل القرى فيحتمل جعله يوم شك\".\nوقال الخطيب البغدادي: \"أجمع علماء السلف على أن صوم يوم الشك ليس بواجب وهو إذا كانت السماء متغيمة في آخر اليوم التاسع والعشرين من شعبان، ولم يشهد عدل برؤية الهلال، ليوم الثلاثين يوم الشك، فكره جمهور العلماء صيامه إلا أن يكون له عادة بصوم يصومه فيصومه من عادته، أو كان يسرد الصوم فيأتي ذلك في صيامه فيصومه\".\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٥٥-٤٥٨):\n\"فرع. في مذاهب العلماء في صوم يوم الشك:\nلا يصح صومه بنية رمضان عندنا -أي الشافعية-، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وابن مسعود وعمار وحذيفة وأنس وأبي هريرة وأبي وائل وعكرمة وابن المسيب والشعبي والنخعي وابن جريج والأوزاعي. قال: وقال مالك: سمعت أهل العلم ينهون عنه. هذا كلام ابن المنذر، وممن قال به أيضًا: عثمان بن عفان وداود الظاهري، قال ابن المنذر. وبه أقول.","vol":"1","page":535},{"text":"وقالت عائشة وأختها أسماء: نصومه من رمضان، وكانت عائشة تقول: \"لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إلي من أن أفطر يومًا من رمضان\" وروي هذا عن علي أيضًا.\nقال العبدري: ولا يصح عنه، وقال الحسن وابن سيرين: إن صام الإمام صاموا، وإن أفطر أفطروا، وقال ابن عمر وأحمد بن حنبل: إن كانت السماء مصحية لم يجز صومه، وإن كانت مغيمة وجب صومه عن رمضان.\n* وعن أحمد روايتان كمذهبنا ومذهب الجمهور، وعنه رواية ثالثة كمذهب الحسن هذا بيان مذاهبهم في صوم يوم الشك عن رمضان\".\nقال ابن حجر (٦/١٤٦): \"المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال، أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شيء فلا يسمى شكًّا. واختار كثير من المحققين من أصحابه الثاني. قال ابن عبد الهادي في تنقيحه: الذي دلت عليه الأحاديث -وهو مقتضى القواعد- أنه أي شهر غم أكمل ثلاثين يومًا سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما\".\n* وقال الخطيب البغدادي: \"فممن منع صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار وحذيفة بن اليمان وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعائشة، وتابعهم من التابعين: سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وأبو وائل وعبد الله بن عكيم الجهني وعكرمة والشعبي والحسن وابن سيرين والمسيب بن رافع وعمر بن عبد العزيز ومسلم بن يسار وأبو السوار العدوي وقتادة والضحاك بن قيس وإبراهيم النخعي، وتابعهم من الخالفين والفقهاء المجتهدين ابن جريج والأوزاعي والليث ابن سعد والشافعي وإسحاق بن راهويه.\nوقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن رمضان ويجوز تطوعًا\".\n* قال الخطيب: \"أما حديث ابن عمر فاختلفت الروايات عنه اختلافًا يؤول إلى أن يكون حجة لنا، فإن بعض الرواة قال في حديثه عنه: \"فإن غمّ عليكم فعدوا ثلاثين يومًا\" ثم روى عنه: \"فأكملوا العدة ثلاثين\"، وفي رواية عنه: \"فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين\"، ثم قال: \"لقد ثبت برواية ابن عمر عن النبي - ﷺ - ما فسّر المجمل، وأوضح","vol":"1","page":536},{"text":"المشكل، وأبطل شبهة المخالف، لأن قوله - ﷺ -: \"فاقدروا له\" مجمل مفسر برواية: \"فعدوا له ثلاثين يومًا\" و\"فأكملوا العدة ثلاثين\" و\"فاقدروا له ثلاثين\" مع موافقة أبي هريرة بن عمر على روايته مثل هذه الألفاظ عن رسول الله - ﷺ -.\nوأما تعلق المخالف بما روي عن ابن عمر أنه كان يصوم إذا غم الهلال (١)، فقد روي أنه كان يفعل ويفتي بخلاف ذلك، وفتياه أصح من فعله يعني لتطرق التأويل إلى فعله، ثم روى الخطيب بإسناده عن عبد العزيز بن حكيم قال: \"سألوا ابن عمر فقالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء، فقال ابن عمر: أف أف صوموا مع الجماعة، وأفطروا مع الجماعة\" إسناده صحيح إلا عبد العزيز بن حكيم (٢)، فقال يحيى بن معين: هو ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه، وعن ابن عمر: \"لا أتقدم الإمام ولا أصله بصيام\".\nوعن عبد العزيز بن حكيم قال: \"ذكر عند ابن عمر يوم الشك فقال: لو صمت السنة كلها لأفطرته\" قال الخطيب: وهذا هو الأشبه بابن عمر لأنه لا يجوز الظن به أنه خالف النبي - ﷺ - وترك قوله الذي رواه هو وغيره من العمل بالرؤية أو إكمال العدة فيجب أن يحمل ما روي عن ابن عمر من صوم يوم الشك على أنه كان يصبح ممسكًا حتى يتبين بعد ارتفاع النهار هل تقوم بينة بالرؤية فظن الراوي أنه كان صائمًا.\nوكيف يظن بابن عمر مخالفة السنة، وهو المجتهد في اقتفاء آثار رسول الله - ﷺ - والاقتداء بأفعاله وطريقة ابن عمر في ذلك مشهورة محفوظة\".\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٥٥-٤٥٦): \"فلو صامه -أي يوم الشك- تطوعًا بلا عادة ولا وصله فمذهبنا أنه لا يجوز، وبه قال الجمهور، وحكاه العبدري عن عثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وحذيفة وعمار وابن عباس وأنس والأوزاعي ومحمد ابن سلمة المالكي وداود، وقال أبو حنيفة: لا يكره صومه تطوعًا ويحرم صومه عن رمضان\".\n_________\n(١) عند أحمد عن نافع: \"كان ابن عمر إذا كان ليلة تسع وعشرين، وكان في السماء سحاب أو قتر أصبح صائمًا\"، وإسناده صحيح على شرطهما. وعند أبي داود والدارقطني والبيهقي وأحمد عن نافع: \"كان ابن عمر إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر أصبح صائمًا\" صحيح. فمن قال: العبرة برأي الراوي لا بروايته لزم الأخذ به كالحنفية.\n(٢) وثقه أبو داود.","vol":"1","page":537},{"text":"* قال ابن رشد في \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٢/١٩٥-١٩٦): \"وأما يوم الشك فإن جمهور العلماء على النهي عن صيام يوم الشك على أنه من رمضان لظواهر الأحاديث التي يوجب مفهومها تعلق الصوم بالرؤية أو بإكمال العدد، واختلفوا في تحرّي صيامه تطوعًا فمنهم من كرهه على ظاهر حديث عمار، ومن أجازه، وكان الليث بن سعد يقول: إنه إن صامه على أنه من رمضان، ثم جاء الثبت أنه من رمضان أجزأه، وهذا دليل على أن النية تقع بعد الفجر في التحول من نية التطوع إلى نيّة الفرض\".\n* وقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٤/٣٤٢-٣٤٦): \"جملة قول مالك وأصحابه أن يوم الشك لا يُصام على الاحتياط، خوفًا أن يكون من رمضان، ويجوز صومه تطوعًا؛ ومن صامه تطوعًا أو احتياطًا ثم ثبت أنه من رمضان لم يجزه، وكان عليه قضاؤه، وإن أصبح فيه ينوي الفطر ولم يأكل أو أكل ثم صح أنه من رمضان كف عن الأكل في بقية يومه وقضاه\".\n* ذكر عبد الرزاق عن داود بن قيس قال: سألتُ القاسم بن محمد عن صيام اليوم الذي يشك فيه من رمضان، فقال: إذا كان مغيمًا يتحرّى أنه من رمضان فلا يصمه.\n* وقال الوليد بن مزيد: قلت للأوزاعي: إن صام رجل آخر يوم من شعبان تطوعًا -أو خوفًا- أن يكون من رمضان، ثم صح أنه من رمضان أيجزئه؟ قال: نعم. وقد وفق لصومه.\n* وقال ابن علية: لا ينبغي لأحد أن يتقدم رمضان بصوم، فإن فعل ثم صح أنه من رمضان أجزأ عنه. وممن قال بقول الأوزاعي عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة والثوري وابن علية وعطاء وحجتهم أن رمضان لا يحتاج إلى نية ولا يكون صومه تطوعًا أبدًا.\n* قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لو أن رجلًا أصبح صائمًا في أول يوم من شهر رمضان، ولا ينوي أنه من شهر رمضان وينوي بصيامه التطوع ثم علم أن يومه ذلك من رمضان، فإنه يجزي عنه صيامه وليس عليه قضاء ذلك اليوم.\n* وقال ربيعة بن عبد الرحمن وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى: من صام يوم الشك على أنه من رمضان لم يجزه وعليه الإعادة.","vol":"1","page":538},{"text":"قال الشافعي: لو أصبح ينوي صومه متطوعًا لم يجزه من رمضان، ولا أرى رمضان يجزئه إلا بإرادته والله أعلم. قال: ولا فرق عندي بين الصوم والصلاة، وقال أبو ثور: لو أن رجلًا نوى بصوم ذلك اليوم التطوع وهو لا يعلم أنه من رمضان لم يجزه أيضًا وكان عليه قضاؤه.\nقال ابن عبد البر: قد صح أن التطوع غير الفرض فمحال أن ينوي التطوع ويجزئه عن الفرض.\nوالقول (١) أصح وأحوط من جهة الأثر والنظر إن شاء الله، والله الموفق للصواب.\nقال ابن سيرين: لأن أفطر يومًا من رمضان لا أتعمده أحبّ إلي من أن أصوم اليوم الذي يشك فيه من شعبان. وقال: خرجت في اليوم الذي يشك فيه، فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلا وجدته يأكل، إلا رجلًا كان يحسب ويأخذ بالحساب، ولو لم يعلم ذلك كان خيرًا له.\nفإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين:\n* عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - ذكر رمضان فقال: \"لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له\" (٢) .\n* وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\" (٣) .\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ - أو قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين\" (٤) رواه البخاري.\n* وقال - ﷺ -: \"إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين يومًا\" (٥) .\n_________\n(١) أنه لا يجزئه عن صوم رمضان وعليه القضاء.\n(٢) رواه البخاري ومسلم والنسائي.\n(٣) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود. واللفظ للبخاري.\n(٤) رواه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة، والنسائي عن ابن عباس، والطبراني في \"الكبير\" عن البراء.\n(٥) رواه أحمد والبخاري ومسلم عن جابر، وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، والنسائي عن ابن عباس، وأحمد عن طلق بن علي.","vol":"1","page":539},{"text":"* وقال - ﷺ -: \"إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"إن الله قد أمده لرؤيته؛ فإن أُغمى (٢) عليكم فأكملوا العدة\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا عدة شعبان، ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا، ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان\" (٤) .\n* وقال - ﷺ -: \"الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\" (٥) .\n* وقال - ﷺ -: \"الشهر يكون تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة\" (٦) .\nقال ابن حجر (٤/١٤٤): \"ذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتبها ترتيبًا حسنًا فصدّرها بحديث عمار المصرح بعصيان من صامه، ثم بحديث ابن عمر من وجهين: أحدهما: بلفظ: \"فاقدروا له\" والآخر بلفظ: \"فأكملوا العدة ثلاثين\" وقصد بذلك بيان المراد من قوله: \"فاقدروا له\".\nقال ابن حجر (٤/١٤٥-١٤٦): \"قوله: \"فإن غم عليكم فاقدروا له\" احتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكدًا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا: المراد بقوله: \"فاقدروا له\" أي انظروا\n_________\n(١) صحيح.\n(٢) فإن غُم: أي حال بينكم وبينه غيم. وأغمى وغم وغمي بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم، الكل بمعنى، وأما غَبي بفتح الغين وتخفيف الموحدة فمأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة وهي استعارة لخفاء الهلال. ونقل ابن العربي أنه روى: \"عمى\" بالعين المهملة من العمى لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات.\n(٣) رواه أحمد ومسلم عن ابن عباس.\n(٤) صحيح: رواه أحمد والنسائي والبيهقي في \"سننه\" عن ابن عباس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٠٩) .\n(٥) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود.\n(٦) صحيح: رواه النسائي عن أبي هريرة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٧٤٤) .","vol":"1","page":540},{"text":"في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين، ويرجع هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بالمراد، وأولى ما فسر الحديث بالحديث\".\nعن عائشة ﵂: \"كان رسول الله - ﷺ - يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام\" (١) .\nوعن حذيفة مرفوعًا: \"لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة\" (٢) .\nقال ابن حجر (٤/١٤٦): \"قوله: (فأكملوا العدة) يرجع إلى الجملتين وهو قوله: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة\" أي غمّ عليكم في صومكم أو فطركم، وبقية الأحاديث تدل عليه فاللام في قوله: \"فأكملوا العدة\" للشهر أي عدة الشهر، ولم يخص - ﷺ - شهرًا دون شهر بالإكمال إذا غمّ فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك، إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبينه فلا تكون رواية من روى: \"فأكملوا عدة شعبان\" مخالفة لمن قال: \"فأكملوا العدة\" بل مبينة لها. ويؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى: \"فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا\".\n\"فاقدروا له\" قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٥٧-٤٦٠): \"قال أهل اللغة: هو من التقدير. قال الخطابي: ومنه قوله تعالى: \"فقدرنا فنعم القادرون\". قال الإمام أبو عبد الله الماوردي: حمل جمهور الفقهاء قوله - ﷺ -: \"فاقدروا له\" على أن المراد إكمال العدة ثلاثين يومًا. والوجه الثاني: أن معنى: \"اقدروا\" ضيقوا عدة شعبان كما قال الله: (ومن قدر عليه رزقه) أي ضيق. وقال النووي: يحتمل رجوعه إلى هلال شوال لأنه سبقه بقوله: \"وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم\" يعني هلال شوال. والرأي الأول أقوى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>النهي عن صوم المرأة تطوعًا إلا بإذن زوجها وهو حاضر:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا\n_________\n(١) صحيح: رواه الدارقطني وصححه ابن خزيمة في \"صحيحه\"، ورواه أبو داود في \"الفتح\" (٤/١٤٥) .\n(٢) صحيح: رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وصححه ابن خزيمة وابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٤٥) .","vol":"1","page":541},{"text":"بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره، فإن نصف أجره له\" (١) .\n* عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا يحل للمرأة أن تصوم [يومًا تطوعًا في غير رمضان] وزوجها شاهد إلا بإذنه\" (٢) .\n* وعنه مرفوعًا: \"لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه [غير رمضان] \" (٣) .\n* وعنه مرفوعًا: \"لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه سوى شهر رمضان\" (٤) .\n* وعن أبي سعيد الخدري قال: \"جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين، وقد نهيتها عنهما، قال: فقال: \"لو كانت سورة واحدة لكفت الناس\"، وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب، فلا أصبر، فقال رسول الله - ﷺ - يومئذ: \"لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها\"، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: \"فإذا استيقظت فصل\" (٥) .\n* عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تصومن امرأة إلا بإذن زوجها) (٦) .\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٤٥-٤٤٦): \"قال المصنف والبغوي وصاحب العدة وجمهور أصحابنا: لا يجوز للمرأة صوم تطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه لهذا الحديث، وقال جماعة من أصحابنا: يكره، والصحيح الأول، فلو صامت بغير إذن\n_________\n(١) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة.\n(٢) رواه البخاري والترمذي والدارمي والزيادة له، وابن ماجه وأحمد والترمذي.\n(٣) رواه البخاري ومسلم، والرواية الأخرى له، وأبو داود والزيادة له، وابن حبان وأحمد.\n(٤) رواه ابن حبان واللفظ له وأحمد والدرامي والحاكم وحسنه الألباني في \"إرواء الغليل\" رقم (٢٠٠٤) .\n(٥) أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم وأحمد وزاد بعد قوله: \"بسورتين\": \"فتعطلني\"، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وتابعه الألباني في \"إرواء الغليل\" رقم (٢٠٠٤) .\n(٦) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٣٥٩) .","vol":"1","page":542},{"text":"زوجها صحّ باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرامًا لأن تحريمه لمعنى آخر لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم، فهو كالصلاة في دار مغصوبة.\nوأما صومها التطوّع في غيبة الزوج عن بلدها فجائز بلا خلاف لمفهوم الحديث ولزوال معنى النهي.\n* والأمَةُ المستباحة لسيدها في صوم التطوع كالزوجة، وأما الأمة التي لا تحل لسيدها بأن كانت محرمًا له كأخته أو كانت مجوسية أو غيرهما والعبد، فإن تضررا بصوم التطوع بضعف أو غيره أو نقصًا، لم يجز بغير إذن السيد بلا خلاف، وإن لم يتضررا ولم ينقصا جاز والله أعلم.\nقال المناوي (٦/٤٠٧): \"فلو نكحها صائمة فلا حق له في تفطيرها كما جزم به المروزي من عظماء الشافعية وأعظم بها فائدة قلّ من تعرض لها أما وهو غائب عن البلد فلا يكره بل يسن قال أبو زرعة: وفي معنى غيبته كونه لا يمكن التمتع بها لنحو المرض\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>إفراد يوم النيروز بصوم</span>\nقال ابنُ قدامة في \"المغني\" (٤/٤٢٨-٤٢٩): \"يكره إفراد يوم النيروز ويوم المهرجان (١) بالصوم لأنهما يومان يعظمها الكفار فكره كيوم السبت، وعلى قياس هذا، كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>صيام الدهر</span>\nقال رسول الله - ﷺ -: \"من صام الأبد، فلا صام ولا أفطر\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"لا صام من صام الأبد\" (٣) .\n_________\n(١) عيد تقيمه الفرس احتفالًا بالاعتدال الخريفي.\n(٢) صحيح: رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن الشخير، وابن حبان والنسائي والطبراني في \"الكبير\" عن ابن عمر، والنسائي وابن حبان عن عمران، والنسائي عن أبي قتادة وصححه الألباني في صحيح \"الجامع\" رقم (٦٣٢٣) .\n(٣) رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عمرو.","vol":"1","page":543},{"text":"وقال - ﷺ -: \"لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله\" (١) .\n* قال ابن حجر (٤/٢٦١-٢٦٣): \"المعنى أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك\".\n* وإلى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحاق وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد. وشذّ ابن حزم فقال: يحرم.\nوروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي عمرو الشيباني قال: \"بلغ عمر أن رجلًا يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري\".\n* وإلى الكراهة مطلقًا ذهب ابنُ العربي من المالكية فقال: قوله: \"لا صام من صام الأبد\" إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي - ﷺ -، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النبي - ﷺ - أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا لم يكتب له الثواب لوجوب صدق قوله - ﷺ - لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل كما تقدم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي - ﷺ -\".\n* وذهب آخرون إلى جواز صيام الدهر وحملوا أخبار النهي على من صامه حقيقة فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين وهذا اختيار ابن المنذر وطائفة، ورُوي عن عائشة نحوه.\n* وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقًّا، وإلى ذلك ذهب الجمهور.\nقال السبكي: أطلق أصحابنا كراهة صوم الدهر لمن فوّت حقَّا، ولم يوضحوا هل المراد الحق الواجب أو المندوب، ويتجه أن يقال: إن علم أنه يفوت حقا واجبًا حرم، وإن علم أنه يفوت حقًّا مندوبًا أولى من الصيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا.\nومن حجتهم حديث حمزة بن عمرو فإن في بعض طرقه عند مسلم أنه قال: \"يا رسول الله إني أسرد الصوم\" فحملوا قوله - ﷺ - لعبد الله بن عمرو: \"لا أفضل من ذلك\" أي في حقك فيلتحق به من في معناه ممن يدخل فيه على نفسه مشقة أو يفوت حقا، ولذلك\n_________\n(١) رواه البخاري عن ابن عمرو.","vol":"1","page":544},{"text":"لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد فلو كان السرد ممتنعًا لبينه له لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز قاله النووي.\n* واختلف المجيزون لصوم الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم وإفطار يوم أفضل؟ فصرح جماعة من العلماء بأن صوم الدهر أفضل لأنه أكثر عملًا فيكون أكثر أجرًا وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا، وبذلك جزَم الغزالي أولًا وقيّده بشرط أن لا يصوم الأيام المنهي عنها، وأن لا يرغب عن السنة بأن يجعل الصوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصوم من أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادة في الفضل.\nوذهب جماعة منهم المتولى من الشافعية وابنُ دقيق العيد إلى أن صيام داود أفضل.\nوعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن يقتضي حاله الإكثار من الصوم أكثر منه، ومن يقتضي حاله الإكثار من الإفطار أكثر منه، ومن يقتضي حاله المزج فعله، حتى أن الشخص الواحد قد تختلف عليه الأحوال في ذلك، وإلى ذلك أشار الغزالي أخيرًا والله أعلم بالصواب.\n* قال ابن قدامة في \"المغني\" (٤/٤٣٠) [حنبلي]: \"عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: \"من صام الدهر ضيقت عليه جهنم\" قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فَسّر مسدَّد قول أبي موسى: \"من صام الدهر ضيقت عليه جهنم\" فلا يدخل، فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - كرِه ذلك، وما فيه من الأحاديث؟ \"\nقال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق، لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس. ورُوي نحو هذا عن مالك وهو قول الشافعي؛ لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم، منهم: أبو طلحة. قيل: إنه صام بعد موت النبي - ﷺ - أربعين سنة. ويقوى عندي أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها فقد فعل محرّمًا، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف، وشبه التبتل المنهي عنه بدليل أن النبي - ﷺ - قال لعبد الله ابن عمرو: \"إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ \" فقلت: نعم، قال: \"إنك إذا فعلت ذلك","vol":"1","page":545},{"text":"هجمت (١) له عينك، ونفهت (٢) له النفس، لا صام من صام الدهر. صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله\"، قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: \"فصم صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى\"، وفي رواية: \"وهو أفضل الصيام\". فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: \"لا أفضل من ذلك\" (٣) .\n* قال ابنُ مفلح في \"الفروع\" (٣/١١٤-١١٥): \"يكره صوم الدهر إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق، ذكره القاضي وأصحابه، والكراهة كراهة تحريم، ذكره صاحب \"المغني\" و\"المحرر\" وغيرهما وهو واضح. وإن أفطر أيام النهي جاز خلافًا للظاهرية ولم يكره والمراد إذا لم يترك به حقًّا ولا خاف منه ضررًا. نقل حنبل: إذا أفطر أيام النهي فليس ذلك صوم الدهر. ونقل صالح: إذا أفطرها رجوت أن لا بأس به، وهذا اختيار القاضي وأصحابه وصاحب \"المحرر\" والأكثر، وذكر مالك أنه سمع أهل العلم يقولونه لقول حمزة بن عمرو: \"يا رسول الله، إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ \" قال: \"إن شئت فصُم\" متفق عليه، ولأن أبا طلحة وغيره من الصحابة وغيرهم فعلوه، ولأن الصوم مطلوب للشارع إلا ما استثناه.\nواختار صاحب \"المُغني\": يُكره، وهو ظاهر رواية الأثرم.\nوللحنفية قولان، وقال شيخُنا: الصواب قول من جعله تركا للأولى أو كرهه فعلى الأول صوم يوم وفطر يوم أفضل منه، خلافًا لطائفة من الفقهاء والعباد، ذكره شيخنا، وهو ظاهر حال من سرده، ومنهم أبو بكر النجاد من أصحابنا.\nقال أحمد: \"ويعجبني أن يفطر منه أيامًا، يعني أنه أولى، للخروج من الخلاف، وجزم به جماعة، وقاله إسحاق، وليس المراد الكراهة فلا تعارض\".\n* قال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/١٩٧-١٩٨) [مالكي]: \"أما صيام الدهرِ فإنه قد ثبت النهي عن ذلك، لكن مالك لم ير بذلك بأسًا، وعسى رأي النهي في ذلك إنما هو من باب خوف الضعف والمرض\".\n_________\n(١) هجمت: غارت.\n(٢) نفهت: أعيت.\n(٣) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد.","vol":"1","page":546},{"text":"* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٤١-٤٤٥): \"قال الشافعي والأصحاب في صوم الدهر نحو قول المصنف -أي لا يكره- والمراد بصوم الدهر سرد الصوم في جميع الأيام إلا الأيام التي لا يصح صومها، وهي العيدان وأيام التشريق، وحاصل حكمه عندنا أنه إن خاف ضررًا أوْ فوّت حقا بصيام الدهر كره له، وإن لم يخف ضررًا ولم يفوت حقا لم يكره، هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به المصنف والجمهور، وأطلق البغوي وطائفة قليلة أن صوم الدهر مكروه، وأطلق الغزالي في \"الوسيط\" أنه مسنون.\nوكذا قال الدارمي: من قدر على صوم الدهر من غير مشقة ففعل فهو فضل.\nقال الشافعي في \"البويطي\": لا بأس بسرد الصوم إذا أفطر أيام النهي الخمسة.\nقال صاحب \"الشامل\" بعد أن ذكر النص: وبهذا قال عامة العلماء.\nوكذا نقله القاضي عِياضٌ وغيره عن جماهير العلماء.\nوممن نقلوا عنه ذلك عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو طلحة وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃. والجمهور من بعدهم.\n* وقال أبو يوسف وغيره من أصحاب أبي حنيفة يكره مطلقًا.\nوالنبي - ﷺ - لم ينكر على حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ سرد الصوم لا سيما وقد عرض به في السفر.\nوعن أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ - قال: \"من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا\" وعقد تسعين. رواه البيهقي هكذا مرفوعًا وموقوفًا على أبي موسى. واحتج به البيهقي على أنه لا كراهة في صوم الدهر وافتتح الباب به، فهو عنده المعتمد في المسألة، وأشار غيره إلى الاستدلال به على كراهته، والصحيح ما ذهب إليه البيهقي، ومعنى ضيقت عليه: أي عنه فلم يدخلها، أو ضيقت عليه: أي لا يكون له فيها موضع\".\n* قال ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/٣١٣-٣١٤): \"باب فضل صيام الدهر إذا أفطر الأيام التي زجر عن الصيام فيها:\nعن أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ - قال: \"من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا\" وعقد تسعين (١) .\n_________\n(١) إسناده صحيح، ورواه أيضًا البزار والطبراني في \"الكبير\".","vol":"1","page":547},{"text":"وعنه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الذي يصوم الدهر تضيق عليه جهنم تَضيّق هذه\" (١)\nوعقد تسعين.\nقال أبو بكر -ابن خزيمة-: سألت المزني عن معنى هذا الحديث، فقال: يشبه أن يكون معناه أي: ضيقت عنه جهنم، فلا يدخل جهنم ولا يشبه أن يكون معناه غير هذا، لأن من ازداد لله عملًا وطاعة ازدادَ عند الله رفعة، وعليه كرامة، وإليه قربة هذا معنى جواب المزني\".\nقال ابن حجر (٤/٢٦٢): \"ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالي فقالوا: له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيّق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيّق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرفيها بالعبادة\".\nقال ابن حجر: \"والأولى إجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوّت حقًّا واجبًا بذلك فإنه يتوجه إليه بالوعيد، ولا يخالف القاعدة التي أشار إليها المزني\".\n* وعند ابن خزيمة: عن زرعة بن ثوب قال: سألت عبد الله بن عمر عن صيام الدهر فقال: \"كنا نعد أولئك فينا من السابقين\". قال: وسألته عن صيام يوم وإفطار يوم فقال: لم يدع ذلك لصائم مصامًا، وسألته عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر قال: \"صام ذلك الدهر وأفطره\" (٢) .\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٤٣): \"عن عروة أن عائشة كانت تصوم الدهر في السفر والحضر\" رواه البيهقي بإسناد صحيح.\nوأجابوا عن حديث: \"لا صام من صام الأبد\" بأجوبة:\n(أحدها): جواب عائشة: \"من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر\" وتابعها عليه خلائق من العلماء أن المراد من صام الدهر حقيقة بأن يصوم معه العيد والتشريق وهذا منهي عنه بالإجماع.\n_________\n(١) إسناده صحيح، وروي نحوه في \"السنن الكبرى\".\n(٢) صححه ابن خزيمة، وقال الألباني: إسناد فيه ضعف. زرعة بن ثوب أورده ابن أبي حاتم (١/٢/٦٠٥) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلًا. التعليق على صحيح ابن خزيمة (٣/٣١٤) .","vol":"1","page":548},{"text":"(والثاني): أنه محمول على أن معناه أنه لا يجد من مشقته ما يجد غيره لأنه يألفه ويسهل عليه فيكون خبرًا لا دعاءً، ومعناه لا صام صومًا يلحقه فيه مشقة كبيرة ولا أفطر بل هو صائم له ثواب الصائمين.\n(والثالث): أنه محمول على من تضرر بصوم الدهر أو فوّت به حقًّا.\nفنهى النبي - ﷺ - ابن عمرو بن العاص لعلمه بأنه يضعف عن ذلك، وأقرّ حمزة بن عمرو لعلمه بقدرته على ذلك بلا ضرر\".\n* قال الألباني في \"إرواء الغليل\" (٤/١١٦): نرى أن صوم الدهر لا يشرع، ولو لم يكن فيها أيام العيد المنهي عن صيامها لقوله - ﷺ -: \"لا صام ولا أفطر\".\n* قال ابنُ عبد البر في \"الاستذكار\" (١٠/١٤٦): \"أما صيام الدهر لمن أفطر الأيام التي نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامها، فمباح عند أكثر العلماء، إلا أن الصيام عمل من أعمال البر، وفضله معلوم، وفي نهي رسول الله - ﷺ - عن صيام أيام ذكرها على إباحة ما سواها والله أعلم\".\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٤٣-٤٤٤):\n\"فرع: في تسمية بعض الأعلام من السلف والخلف ممن صام الدهر غير أيام النهي الخمسة - العيدين والتشريق فمنهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو طلحة الأنصاري، وأبو أمامة وامرأته، وعائشة ﵃.\nومنهم: سعيد بن المسيب، وأبو عمرو بن حماس -بكسر الحاء وآخره سين- وسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف التابعي، سرده أربعين سنة، والأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود، ومنهم البُويطي وشيخنا أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد المقدسي الفقيه الإمام الزاهد\".\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٤٤-٤٤٥):\n\"فرع: قال أصحابنا: لو نذر صوم الدهر صح نذره بلا خلاف، ولزمه الوفاء به بلا خلاف، وتكون الأعيادُ وأيام التشريق وشهر رمضان وقضاؤه مستثناة فإن فاتَه شيءٌ من صوم رمضان بعذر وزال العذر لزمه قضاء فائت رمضان لأنه آكد من النذر.","vol":"1","page":549},{"text":"• قال أصحابنا كلهم: وهكذا الحكم إذا نذر صوم الدهر ثم لزمته كفارة بالصوم فيجب صوم الكفارة لأنها تجب بالشرع، وإن كانت بسبب من جهته فكانت آكد من النذر الذي يوجبه هو على نفسه، فعلى هذا يكون حكم الفدية عن صوم النذر ما سبق، هكذا صرح به ابن سريج. وقطع البغوي والرافعي بوجوب الفدية إذا صام عن الكفارة.\nقال أصحابنا: ولو أفطر يومًا من الدهر لم يمكن قضاؤه، ولا تجب الفدية إن أفطر لعذر وإلا فتجب، قالوا: ولو نذرت امرأة صوم الدهر، فللزوج منعها، فإن منعها فلا قضاء ولا فدية لأنها معذورة، وإن أذن لها أو مات لزمها الصوم، فإن أفطرت بلا عذر أثمت ولزمتها الفدية\".\nفائدة - حكم الإفطار في التطوع:\nقال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/١٩٩): \"أجمعوا على أنه ليس على من دخل في صيام تطوع فقطعه لعذر قضاء. واختلفوا إذا قطعه لغير عذر عامدًا، فأوجب مالك وأبو حنيفة القضاء، وقال الشافعي وجماعة: ليس عليه قضاء\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>الوصال في الصوم</span>\n* عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تواصلوا\". قالوا: إنك تواصل.\nقال: \"لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى. أو إني أبيت أُطعم وأسقى\" (١) رواه البخاري.\n* وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال.\nقالوا: إنك تواصل. قال: \"إني لست مثلكم، إني أُطعم وأسقى\" (٢) رواه البخاري.\n* وعن أبي سعيد ﵁ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \"لا تواصلوا، فأيكم إذا أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر\"، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. قال: \"إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعِم يُطعمني وساقي يسقيني\" (٣) رواه البخاري.\n_________\n(١) رواه البخاري والترمذي.\n(٢) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.\n(٣) رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي سعيد، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":550},{"text":"* وعن عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. قال: \"إني لست كهيئتكم، إني يُطعمني ربي ويسقيني\" (١) رواه البخاري.\n* عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله. قال: \"وأيكم مثلي؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني\". فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال فقال: \"لو تأخر لزدتكم. كالتّنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا\" (٢) رواه البخاري.\n* وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ -: \"إياكم والوصال\" مرتين. قيل: إنك تُواصل. قال: \"إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من العمل ما تطيقون\" رواه البخاري.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"ما بال رجال يواصلون؟؟ إنكم لستم مثلي، أما والله لو مدّ لي الشهر لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم\" (٣) .\n* وقال - ﷺ -: \"لا وصال في الصوم\" (٤) .\n* وقال - ﷺ -: \"إياكم والوصال، إنكم لستم في ذلك مثلى، أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكفلوا من العمل ما تطيقون\" (٥) .\n* عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي - ﷺ - عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه (٦) .\n* عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: \"إياكم والوصال ثلاث مرات\" (٧) .\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.\n(٢) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.\n(٣) رواه أحمد ومسلم عن أنس.\n(٤) صحيح: رواه الطيالسي عن جابر، ورواه أحمد، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٥٦٩) .\n(٥) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.\n(٦) أخرجه أبو داود وقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/٢٣٩): إسناده صحيح.\n(٧) أخرجه ابن أبي شيبة وقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/٢٤٣): إسناده صحيح.","vol":"1","page":551},{"text":"الوصال: هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد، ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه.\nوعند الشافعية: الوصال المنهي عنه أن يصوم يومين فصاعدًا ولا يتناول في الليل شيئًا لا ماء ولا مأكولا، فإن أكل شيئًا يسيرًا أو شرب فليس بوصال. وكذا إن أخّر الأكل إلى السحر لمقصود صحيح أو غيره فليس بوصال، والجمهور قد أطلقوا في بيان حقيقة الوصال أنه صوم يومين فأكثر\" (١) .\n* قال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٤٠-٢٤٢): استدل بمجموع الأحاديث على أن الوصال من خصائصه - ﷺ -، وعلى أن غيرَه ممنوع منه إلا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر. ثم اخُتلف في المنع المذكور:\nفقيل: على سبيل التحريم، وقيل: على سبيل الكراهة، وقيل: يحرم على من شق عليه ويُباح لمن لم يشق عليه.\nوقد اختلف السلفُ في ذلك:\n* فنقل التفصيل عن عبد الله بن الزبير، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا.\nوذهب إليه من الصحابة أيضًا أخت أبي سعيد، ومن التابعين: عبد الرحمن بن أبي نعم وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم بن زيد التيمي، وأبو الجوزاء كما نقله أبو نعيم في ترجمته في \"الحلية\" وغيرهم رواه الطبري وغيره.\nومن حجَّتهم أنه - ﷺ - واصل بأصحابه بعد النهي فلو كان النهي للتحريم لما أقرّهم على فعله، فعلم أن المراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها. وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه، ونظير ذلك صيام الدهر، فمن لم يشق عليه، ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال.\n_________\n(١) \"المجموع\" للنووي (٦/٤٠٠) .","vol":"1","page":552},{"text":"* وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال، وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة. وقد نص الشافعي في \"الأم\" على أنه محظور.\n* وصرح ابن حزم بتحريمه وصحّحه ابن العربي من المالكية.\n* وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد المذكور، وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره إلا أنه في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه يؤخره، لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة فإذا أكلها السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة.\nوانفصل أكثرُ الشافعية عن ذلك بأن الإمساك إلى السحر ليس وصالًا، بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك النهار، وإنما أطلق على الإمساك إلى السحر وصالًا لمشابهته الوصال في الصورة، ويحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في إمساك جميع الليل، وقد ورد أن النبي - ﷺ - كان يواصل من سحر إلى سحر. أخرجه أحمد وعبد الرزاق من حديث علي، والطبراني من حديث جابر.\n* ويدل على أنه ليس بمحرم حديث أبي داود السابق، فإن الصحابي صرّح فيه بأن النبي - ﷺ - لم يحرم الوصال.\n* ومن أدلة الجواز إقدامُ الصحابة على الوصال بعد النهي فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم وإلا لما أقدموا عليه.\n* ويؤيد أنه ليس بمحرم أيضًا أنه - ﷺ - في حديث بشير بن الخصاصية سوّى في علة النهي بين الوصال وبين تأخير الفطر حيث قال في كل منهما: إنه فعل أهل الكتاب، ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتدُّ به من أهل الظاهر.\n* ومن حيث المعنى ما فيه من فطم النفس وشهواتها وقمعها عن ملذوذاتها فلهذا استمر على القول بجوازه مطلقًا أو مقيدًا من تقدّم ذكره والله أعلم\".\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٣٩٩-٤٠٢): حكم الوصال: مكروه بلا خلاف عندنا، وهل هي كراهة تحريم أم تنزيه؟ فيه الوجهان: (أصحهما): عند أصحابنا","vol":"1","page":553},{"text":"وهو ظاهر نص الشافعي كراهة تحريم، لأن الشافعي ﵁ قال في المختصر: فرّق الله تعالى بين رسول الله - ﷺ - وبين خلقه في أمور أباحها له، وحظرها عليهم، وذكر منها الوصال.\nوممن صرح بتصحيح تحريمه من أصحابنا صاحب \"العدة\" والرافعي وآخرون، وقطع به جماعة من أصحابنا منهم القاضي أبو الطيّب في كتابه \"المجرد\"، والخطابي في \"المعالم\"، وسليم الرازي في \"الكفاية\"، وإمام الحرمين في \"النهاية\"، والبغوي والروياني في \"الحلية\"، والشيخ نصر في كتابه \"الكافي\".\nقال النووي: اتفق أصحابنا وغيرهم على أن الوصال لا يبطل الصوم سواء حرّمناه أو كرهناه لأن النهي لا يعود إلى الصوم.\nقال النووي: \"مذهبنا أنه منهي عنه، وبه قال الجمهور. وقال العبدري: هو قول العلماء كافة إلا ابن الزبير، فإنه كان يواصل اقتداء برسول الله - ﷺ -.\nوقال ابن المنذر: كان ابن الزبير وابن أبي نعم يواصل، وذكر الماوردي في \"الحاوي\" أن عبد الله بن الزبير واصل سبعة عشر يومًا ثم أفطر على سمن ولبن وصبر. قال: وتأول في السمن أنه يلين الأمعاء، واللبن ألطف غذاء، والصبر يقوي الأعضاء.\n* قال ابن مفلح في \"الفروع\" (٣/١١٦): يُكره الوصال، وهو أن لا يفطر بين اليومين، لأن النهي رفق ورحمة، ولهذا واصل ﵇ بهم وواصلوا بعده.\nوقيل: يحرم، واختاره ابن البناء، وحكاه ابن عبد البر عن الأئمة الثلاثة.\nقال أحمد: لا يعجبني، وأومأ أحمد أيضًا إلى إباحته لمن يطيقه.\nوتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها لأن الأكل مظنة القوة، وكذا بمجرّد الشرب على ظاهر ما رواه المروذي عنه أنه كان إذا واصل شرب شربة ماء، خلافًا للشافعية.\n* ولا يكره الوصال إلى السحر، نصّ عليه، وقاله إسحاق. لكن ترك الأولى، لتعجيل الفطر.\n* وذكر القاضي عياض المالكي أن أكثر العلماء كرهه.","vol":"1","page":554},{"text":"* قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٤/٣٦٣): \"كره مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي وجماعة من أهل الفقه والآثار الوصال على كل حال لمن قوي عليه ولغيره\".\n* وعلى هذا: فصوم الوصال محرم عند الشافعي على أصح الأقوال، إلا للنبي - ﷺ - فمباح له، وهو من خصائصه.\n* وقال الجمهور: لا يحرم الوصال، لأن النهي وقع رفقًا ورحمة، لكنه يكره عند أكثر العلماء.\nأما الوصال إلى السحر فلا يكره عند أحمد وإسحاق. وقالت الشافعية: ليس بوصال.\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٠٢): \"الحكمة في النهي عن الوصال لئلّا يضعف عن الصيام والصلاة وسائر الطاعات أو يملها ويسأم منها لضعفه بالوصال، أو يتضرر بدنه، أو بعض حواسه وغير ذلك من أنواع الضرر\".\n\"إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني\" (١):\nأكثر الروايات: \"إني أبيت\" ووردت روايات بقوله. \"إني أظل عند ربي\" كما في حديث أنس عند البخاري، وحديث عائشة عند الإسماعيلي، وحديث أبي هريرة عند أحمد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة.\nواختلف في معنى قوله: \"يطعمني ويسقيني\":\n* فقيل. هو على حقيقته وأنه - ﷺ - كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه، وتعقبه ابن بطال ومن تبعه بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا، وبأن قوله: \"يظل\" يدل على وقوع ذلك بالنهار فلو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائمًا.\nوأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ: \"أبيت\" وعلى تقدير الثبوت فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى له من حمل لفظ: \"أظل\" على المجاز ويراد به مطلق الوجه كما قال تعالى: (ظل وجهه مسودا) فالمراد به مطلق الوقت.\n_________\n(١) بضم الياء وفتحها وفتحها أفصح وأشهر.","vol":"1","page":555},{"text":"وعلى التنزل على الطعام حقيقة فلا يضر شيء من ذلك لأن ما يؤتى به الرسول - ﷺ - على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجرى عليه أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره - ﷺ - في طست الذهب، مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية حرام.\n* وقال ابن المنير في الحاشية: \"الذي يفطر شرعًا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة في الجنة\".\n* وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما، والرواية الأصح: \"أبيت\" وأكله وشربه في الليل مما يؤتى به من الجنة لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك فمن أكل منهم أو شرب انقطع وصاله، وهو لا تنقطع بذلك مواصلته فطعامه وشرابه غير طعامهم وشرابهم صورة ومعنى.\nوحاصله أنه يحمل ذلك على حالة استغراقه - ﷺ - في أحواله الشريفة حتى لا يؤثر فيه حينئذٍ شيء من الأحوال البشرية.\n* وقال الجمهور: قوله: \"يطعمني ويسقيني\" مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل والشارب من غير شبع ولا ري مع الجوع والظمأ، فيفيض عليه ما يسدّ مسد الطعام والشراب ويقوى على أنواع الطاعة من غير ضعف ولا كلال.\n* ويحتمل أن يكون المراد: أنه يشغلني بالتفكر في عظمته والتملّي بمشاهدته والتغذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب.\n* يقول شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية في \"مدارج السالكين\" (٢/٤٠٨): \"اعلم أن الله ﷿ جعل للقلوب نوعين من الغذاء: نوع من الطعام والشراب الحسي، وللقلب منه خلاصته وصفوه، ولكل عضو منه بحسب استعداده وقبوله.\nوالثاني: غذاء روحاني، خارج عن الطعام والشراب: من السرور والفرح، والابتهاج واللذة والعلوم والمعارف. وبهذا الغذاء كان سماويًا علويًّا، وبالغذاء المشترك كان أرضيًا سفليًّا وقوامه بهذين الغذاءين. وله ارتباط بكل واحدة من الحواس الخمس، وغذاء يصل إليه منها\".","vol":"1","page":556},{"text":"ويقول ﵀ في \"زاد المعاد\" في كلامه عن وصال رسول الله - ﷺ -: \"ما يغذيه الله به من المعارف وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه وتنعمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل:\nلها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد\nلها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد\nإذا شكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد\nومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرّت عينه بمحبوبه وتنعم بقربه والرضا عنه وألطاف محبوبه وهداياه وتحفه تصل إليه كل وقت ومحبوبه حفي به معتز بأمره مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له، أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحسانًا إذا امتلأ قلب المحب بحبه وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكن حبه منه أعظم تمكن وهذا حاله مع حبيبه أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلًا ونهارًا، ولهذا قال: \"إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني\" ولو كان ذلك طعامًا وشرابًا للفم لما كان صائمًا فضلًا عن كونه مواصلًا، وأيضًا فلو كان ذلك في الليل لم يكن مواصلًا، ولقال لأصحابه إذ قالوا له: إنك تواصل: لست أواصل، ولم يقل: لست كهيئتكم بل أقرهم على نسبة الوصال إليه وقطع الإلحاق بينه وبينهم في ذلك بما بينه من الفارق\" (١) .\nوقال ابن القيم في \"مدارج السالكين\" (٢/٨٨): \"وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم. ولو كان كما ظنه هذا الظان لما كان صائمًا، فضلًا عن أن يكون مواصلًا، ولو كان يأكل ويشرب بفيه الكريم حسًا، لكان الجواب أن يقول: وأنا لست أواصل أيضًا، فلما أقرهم على قولهم: \"إنك تواصل\" عُلم أنه - ﷺ - كان يكتفي بذلك الطعام والشراب العالي الروحاني، الذي يغني عن الطعام والشراب المشترك الحسي\".\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (ص ١٥٥) .","vol":"1","page":557},{"text":"* ذكر الحافظ ابن رجب أن رسول الله - ﷺ - كان يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، وذكر منها:\n\"تأخيره للفطور إلى السحور: روى عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال: \"ما واصل النبي - ﷺ - وصالكم قط غير أنه قد أخر الفطور إلى السحور\" واسناده لا بأس به.\nوزعم ابن جرير أن النبي - ﷺ - لم يكن يواصل في صيامه إلا إلى السحر خاصة وأن ذلك يجوز لمن قوي عليه ويكره لغيره وأنكر أن يكون استدامة الصيام في الليل كله طاعة عند أحد من العلماء وقال: إنما كان يمسك بعضهم لمعنى آخر غير الصيام ليكون أنشط له على العبادة أو إيثارًا بطعامه على نفسه أو لخوف وقلق منعه طعامه أو نحو ذلك فمقتضى كلامه أن من واصل ولم يفطر ليكون أنشط له على العبادة من غير أن يعتقد أن إمساك الليل قربة أنه جائز وإن أمسك تعبدًا بالمواصلة، فإن كان إلى السحر وقوي عليه لم يكره وإلا كره\".\nوقال ابن رجب في قوله - ﷺ -: \"إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني\" رواه مسلم.\n\"والصحيح أنه أشار إلى ما كان الله يفتح عليه في صيامه وخلوته بربه لمناجاته وذكره من مواد أنسه ونفحات قدسه، فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذيه ويغنيه عن الطعام والشراب.\nالذكر قوت قلوب العارفين يُغنيهم عن الطعام والشراب كما قيل: أنت ربِّي إذا ظمئت إلى الماء وقوتي إذا أردتُ الطعاما.\nويتأكد تأخير الفطر في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، قال ذر بن حبيش: في ليلة سبع وعشرين. من استطاع منكم أن يؤخر فطره فليفعل\".\nلما جاع المجتهدون شبعوا من طعام المناجاة فأفٍ لمن باع لذة المناجاة بفضل لقمة:\nيا من لحشا المحبّ بالشوق حشا ... ذاك سرّ سراك في الدجا كيف فشا\nهذا المولى إلى المماليك مشا ... لا كان عيشًا أورث القلب غشا","vol":"1","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>هديه ﷺ في صيام التطوع</span>\nقال شيخ الإسلام ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١٦٣/١٦٤): \"كان - ﷺ - يصوم حتى يقال: لا يفطر ويفطر حتى يقال: لا يصوم، وما استكمل صيام شهر غير رمضان، وما كان يصوم في شهر أكثر مما يصوم في شعبان، ولم يكن يخرج عنه شهر حتى يصوم منه، ولم يصم الثلاثة الأشهر سردًا كما يفعله بعض الناس ولا صام رجبًا قط ولا استحب صيامه\" (١) .\nوكان هديه - ﷺ - أكمل هدى وأتمه وأرفقه بالأمة.\nقال - ﷺ - لعثمان بن مظعون: \"يا عثمان! أرغبت عن سنتي؟! فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان! فإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقًا، فصم وأفطر وصل ونم\" (٢) .\n* عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله - ﷺ - يصوم شهرًا كله؟ قالت: ما علمته صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله - ﷺ -. رواه مسلم.\n* وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة ﵂ عن صوم النبي - ﷺ - فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام قد صام ويفطر حتى نقول: قد أفطر قد أفطر، قالت: وما رأيته صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان. رواه مسلم.\n* وقالت ﵂: كان رسول الله - ﷺ - يصوم حتى نقول: لا يفطر ويفطر حتى نقول: لا يصوم وما رأيت رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان. رواه مسلم.\nقال النووي في \"شرح مسلم\" (٣/٢١٣): \"في هذه الأحاديث أنه يستحب ألا\n_________\n(١) قال النووي في \"شرح مسلم\" (٣/٢١٥): \"لم يثبت في صوم رجب نهي ولا ندب لعينه، ولكن أصل الصوم مندوب إليه\".\n(٢) صحيح: رواه أبو داود عن عائشة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٩٤٦) .","vol":"1","page":559},{"text":"يخلي شهرًا من صيام، ومنها أن صوم النفل غير مختص بزمان معين بل كل السنة صالحة له إلا رمضان والعيد والتشريق\".\n* وعن ابن عباس ﵄: ما صام النبي - ﷺ - شهرًا كاملًا قط غير رمضان، وكان يصوم إذا صام حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم (١) .\n* وعن أنس ﵁ قال: كان رسول - ﷺ - يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء تراه من الليل مصليًا إلا رأيته ولا نائمًا إلا رأيته. رواه البخاري.\n* وروى البخاري عن حميد قال: سألت أنسًا ﵁ عن صيام النبي - ﷺ - فقال: ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته، ولا من الليل قائمًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته، ولا مسست خزة ولا حريرة ألين من كف رسول الله - ﷺ -، ولا شَمِمتُ مِسكة ولا عبيرة أطيب رائحة من رائحة رسول الله - ﷺ -. رواه البخاري.\nبأبي هو وأمي - ﷺ - هو كل الكمال وجل الجلال وجملة الجمال عليه أفضل الصلاة والسلام.\nقال ابن حجر (٤/٢٥٤-٢٥٥): \"يعني أن حاله في التطوع بالصيام والقيام كان يختلف، فكان تارة يقوم من أول الليل، وتارة من وسطه، وتارة من آخره، كما كان يصوم تارة من أول الشهر وتارة من وسطه وتارة من آخره، فكان من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائمًا أو في وقت من أوقات الشهر صائمًا فراقبه المرة بعد المرة فلابد أن يصادفه قائمًا أو صائمًا على وفق ما أراد أن يراه، هذا معنى الخبر، وليس المراد أنه كان يسرد الصوم ولا أنه كان يستوعب الليل قيامًا. ولا يشكل على هذا قول عائشة: \"كان عمله ديمة\" لأن المراد بذلك ما اتخذه راتبًا لا مطلق النافلة، فهذا وجه الجمع بين الحديثين وإلا فظاهرهما التعارض والله أعلم\".\n_________\n(١) رواه مسلم واللفظ له والبخاري وأبو داود الطيالسي، وفي رواية لمسلم \"ما صام شهرًا متتابعًا منذ قدم المدينة\"، وفي رواية الطيالسي \"شهرًا تامًا منذ قدم المدينة غير رمضان\".","vol":"1","page":560},{"text":"* عن علقمة قال: قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله - ﷺ - يختص من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عمله ديمة (١)، وأيكم يطيق ما كان رسول الله - ﷺ - يُطيق؟!. رواه البخاري.\nقال ابن حجر: \"قال الزين بن المنير: ظاهر الحديث إدامته - ﷺ - العبادة ومواظبته على\nوظائفها، ويعارضه ما صح عن عائشة نفسها مما يقتضي نفي المداومة (٢) . فأبقى الترجمة (٣) على الاستفهام ليترجح أحد الخبرين أو يتبين الجمع بينهما، ويمكن الجمع بينهما بأن قولها: \"كان عمله ديمة\" معناه أن اختلاف حاله من الإكثار من الصوم ثم من الفطر كان مستدامًا مستمرًا، وبأنه - ﷺ - كان يوظف على نفسه العبادة فربما شغله عن بعضها شاغل فيقضيها على التوالي فيشتبه الحال على من يرى ذلك، فقول عائشة: \"كان عمله ديمة\" منزل على التوظيف، وقولها: \"كان لا تشاء أن تراه صائمًا إلا رأيته\" منزل على الحال الثاني\" (٤) .\nقال ابن حجر: \"صوم الاثنين والخميس قد وردت فيهما أحاديث وكأنها لم تصح على شرط البخاري (٥) فلهذا أبقى الترجمة على الاستفهام، فإن ثبت فيهما ما يقتضي تخصيصهما استثنى من عموم قول عائشة: لا.\nفلعل المراد بالأيام المسئُول عنها الأيام الثلاثة من كل شهر، هل كان يخصها بالبيض؟ فقالت: لا، تعني لو جعلها البيض لتعينت وداوم عليها، لأنه كان يجب أن يكون عمله دائمًا، لكن أراد التوسعة بعدم تعينها فكان لا يبالي من أي الشهر صامها.\nروى مسلم من حديث عائشة أنه - ﷺ - كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وما يبالي من أي الشهر صام\".\n_________\n(١) الديمة: مطر يدوم أيامًا، ثم أطلقت على كل شيء مستمر \"الفتح\" (٤/٢٧٨) .\n(٢) حديث عبد الله بن شقيق لها السابق ذكره.\n(٣) ترجمة البخاري: هل يخص شيئًا من الأيام؟\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/٢٧٧) .\n(٥) وإن صحت لغيره.","vol":"1","page":561},{"text":"ومن هديه ﷺ في الصوم\nما يقول عند رؤية الهلال:\n* عن طلحة ﵁ أن رسول الله - ﷺ -: كان إذا رأى الهلال قال: \"اللهم أهله علينا باليُمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله\" (١) .\n* وكان - ﷺ - يقول: \"صوموا من وضح إلى وضح (٢) \" (٣) .\n* وكان إذا كان صائما أمر رجلا فأوفى (٤) على شيء، فإذا قال. غابت الشمس أفطر (٥) .\nهديه في الإفطار:\n* كان لا يصلي المغرب حتى يفطر ولو على شربة من الماء (٦) .\n* وكان يُفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء (٧) . حسا. شرب.\n* وإذا كان الرطب لم يفطر إلا على الرطب، وإذا لم يكن الرطب لم يفطر إلا على التمر (٨) .\n_________\n(١) حسن: رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٧٢٦) .\n(٢) أي من الهلال إلى الهلال.\n(٣) رواه الطبراني في \"الكبير\" عن والد أبي المليح، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨١٢) .\n(٤) صعد.\n(٥) صحيح: رواه الحاكم عن سهل بن سعد، والطبراني في \"الكبير\" عن أبي الدرداء، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٧٧٢) .\n(٦) صحيح: رواه الحاكم والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن أنس، ورواه ابن عدي والضياء وابن أبي شيبة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٨٥٨) .\n(٧) حسن: رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أنس، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٩٩٥) .\n(٨) صحيح: رواه عبد بن حميد عن جابر، وأحمد وأبو داود والترمذي عن أنس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٧٧٠) .","vol":"1","page":562},{"text":"* وكان يبدأ إذا أفطر بالتمر (١) .\nوورثت أمته عنه هذا الهدي.\nقال - ﷺ -: \"إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإن الماء طهور\" (٢) .\nومن هديه في الدعاء عند الإفطار:\nكان إذا أفطر - ﷺ - قال: \"ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله\" (٣) .\nوإذا أفطر عند قوم:\nكان إذا أفطر - ﷺ - عند قوم قال: \"أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وتنزلت عليكم الملائكة\" (٤) .\nكان إذا أفطر - ﷺ - عند قوم، قال: \"أفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة\" (٥) .\nوقال - ﷺ -: \"أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة\" (٦) .\nومن هديه صلى الله محليه وسلم \"السحور\":\nقال - ﷺ -: \"إن السحور بركة أعطاكموها الله فلا تدعوها\" (٧) .\nقال - ﷺ -: \"من أراد أن يصوم فليتسحر بشيء\" (٨) .\n_________\n(١) صحيح: رواه النسائي عن أنس وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٨٩٢) .\n(٢) صحيح: رواه أبو داود والحاكم في \"المستدرك\" والبيهقي في \"سننه\" عن سلمان بن عامر ورواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٤٦) .\n(٣) حسن: رواه أبو داود والحاكم عن ابن عمر، وحسنه الألباني في \"الإرواء\" (٩٢٠) .\n(٤) صحيح: رواه النسائي وابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن أنس، وكذا رواه الطحاوي وأبو داود وابن السني وابن عساكر، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٦٧٧)، وقال: اعلم أن الحديث ليس خاصًا بالصائم كما تفيده كلمة: \"أفطر\" فإن في ثبوتها نظرًا.\n(٥) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن ابن الزبير وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٦٧٩) .\n(٦) صحيح: رواه ابن ماجه وابن حبان عن ابن الزبير، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١١٣٧) .\n(٧) صحيح: رواه أحمد والنسائي عن رجل، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٦٣٦) .\n(٨) صحيح: رواه أحمد والضياء عن جابر وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٠٠٥) .","vol":"1","page":563},{"text":"وقال - ﷺ -: \"تسحروا فإن في السحور بركة\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"تسحروا ولو بجرعة من ماء\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \" تسحروا ولو بالماء\" (٣) .\nوقال - ﷺ -: \"البركة في ثلاثة: في الجماعة والثريد والسحور\" (٤) .\nوقال - ﷺ -: \"السحور أكله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين\" (٥) .\nوقال - ﷺ -: \"نعم السحور التمر\" (٦) .\nومن هديه وسنته تعجيل الإفطار وتأخير السحور مخالفة لليهود والنصارى:\nقال - ﷺ -: \"عجلوا الإفطار، وأخروا السحور\" (٧) .\nوقال - ﷺ -: \"إنا -معشر الأنبياء- أُمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة\" (٨) .\nوقال - ﷺ -: \"بكروا بالإفطار وأخروا السحور\" (٩) .\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس، والنسائي عن أبي هريرة وابن مسعود وأحمد عن أبي سعيد.\n(٢) صحيح: رواه أبو يعلي عن أنس، والضياء في \"المختارة\" وأحمد عن أبي سعيد، وابن حبان عن ابن عمرو وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٩٤٥) .\n(٣) صحيح: رواه ابن عساكر عن عبد الله بن سراقة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٩٤٤) .\n(٤) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\" والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن سلمان، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٨٨٢) .\n(٥) حسن: رواه أحمد عن أبي صعيد، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٦٨٣) .\n(٦) صحيح: رواه ابن حبان والبيهقي في \"سننه\" عن أبي هريرة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٧٧٢) .\n(٧) صحيح: رواه الطبراني في \"الكبير\" عن أم حكيم، ورواه أبو يعلي وابن منده وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٩٨٩) .\n(٨) صحيح: رواه الطيالسي، والطبراني في \"الكبير\" و\"الصغير\" عن ابن عباس، وابن حبان والدارقطني في \"الإفراد\" وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٢٨٦) .\n(٩) صحيح: رواه ابن عدي عن أنس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٢٨٣٥) .","vol":"1","page":564},{"text":"كم كان بين سحوره ﷺ وصلاته؟\nعن زيد بن ثابت قال: تسحّرنا مع رسول الله - ﷺ -، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: فقلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية. متفق عليه.\nوفي رواية للبخاري عن أنس: أن النبي - ﷺ - وزيد بن ثابت تسحّرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله - ﷺ - إلى الصلاة فصلّى، قال: قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.\n***","vol":"1","page":565},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"2","page":2},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف.\nالطبعة الثالثة\n١٤١٩هـ - ١٩٩٨م","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>الباب الرابع عشر\nفقه الصوم ورمضان</span>","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>الصيام لغة:</span>\nالصيام لغة: الإمساك: يُقال: صام النهار إِذا وقف سير الشمس قال تعالى -إخبارًا عن مريم-: (إني نذرت للرحمن صومًا) أي صمتا؛ لأنه إِمساك عن الكلام، وقال النابغة الذيباني:\nخيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما\nيعني بالصائمة: الممسكة عن الصهيل.\nوقال صاحب المحكم: الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام.\nوقال الراغب: الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير: صائم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>الصيام شرعًا:</span>\n\"إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة\".\nأو \"إمساك المكلّف بالنيَّة عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستسقاء من الفجر إلى المغرب\" (١) .\nوقال ابنُ قدامة: \"هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>الصوم الواجب:</span>\nثلاثة أقسام:\nالأول: الواجب للزمان وهو صوم شهر رمضان.\nوالثاني: صوم الكفارات \"وهو الوجب لعلة\".\nوالثالث: صوم النذور \"وهو الواجب بإيجاب الإنسان ذلك على نفسه\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/١٢٣) .","vol":"2","page":7},{"text":"صوم رمضان:\nصوم رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع وهو رابع أركان الإسلام الخمسة.\nفأما الكتاب فقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) .\nوأما السنة فقوله - ﷺ -: \"بُني الإسلام على خمس\" وذكر الصوم منها، وقوله للأعرابي\nالذي سأله عن الواجب: \"وصوم شهر رمضان\" فقال: هل عليّ غيرها: قال: \"لا إلا أن تطوّع\".\nوأما الإجماع فلم ينقل إلينا عن أحد من المسلمين القول بعدم وجوبه.\nوأما من يجب عليه فهو: المسلم البالغ العاقل الصحيح الحاضر؛ لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) .\nشهر رمضان:\nقال ابنُ حجر (٤/١٢٤): \"قد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه \"حظائر القدس\" لرمضان ستين اسمًا\".\nقال ابن الجوزي في \"التبصرة\" (٢/٧١-٧٢): \"إنما سمي الشهر شهرًا لشهرته في دخوله وخروجه، قاله النحاس. وأما أسماء الشهور فذكر أبو منصور الأزهري عن المفضل قال: \"كانت العرب في الجاهلية تقول لرمضان ناتق، ولشوال وَعِل، وللمحرم مُؤتمر، ولصفر ناجِر، ولربيع الأول خُوّان، ولربيع الآخر بُصَّان، ولجمادي الأولى رُييّ، ولجماد الآخر حَنِين، ولرجب الأصمَّ، ولشعبان عاذل. قال: وكانت قبيلة عاد تسمي هذه الأشهر بهذا فلما نقلت العرب أسماء هذه الأشهر سمّوها بما وقعت فيه من الزمان.\nقال ثعلب: سمي رمضان؛ لأن الإبل تَرْمض فيه من الحر، وسمي شوّال؛ لأن الألبان كانت تَشُول فيه أي: تذهب وتقل، وسمي ذو القعدة؛ لأنهم كانوا يقعدون فيه، وذو الحجة؛ لأنهم كانوا يحجون فيه، والمحرم؛ لتحريم القتال فيه، وصفر؛ لأنهم كانوا يطلبون القَطرِ فيه، يُقال صَفِر السقاء إذا خلا، وربيع لأنهم كانوا يربعون فيهما، وجُمادى؛ لأن الماء يجمد فيهما ورجب من التعظيم يقال: رجَّبه يرجِّبه إذا عظمه. وقال","vol":"2","page":8},{"text":"شمّر: ومنه سمي رجب، وشعبان لأنهم يتفرقون ويتشعبون فيه\".\nقال ابن حجر (٤/١٣٦): \"اختلف في تسمية هذا الشهر رمضان فقيل: لأنه ترمض فيه الذنوب أي: تحرق لأن الرمضاء. شدة الحر، وقيل: وافق ابتداء الصوم فيه زمنًا حارًا والله أعلم\".\nهل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعًا؟ وقال النبي - ﷺ - \"من صام رمضان\":\nقال ابن حجر (٤/١٣٥-١٣٦): \"أشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف رواه أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا \"لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان\" أخرجه ابن عدي في الكامل وضعفه بأبي معشر. قال البيهقي: وقد احتجّ البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث.\nوقد ترجم النسائي لذلك أيضًا فقال: \"باب الرخصة في أن يقال شهر رمضان: رمضان، وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال تعالى (شهر رمضان) مع احتمال أن يكون حذف لفظ شهر من الأحاديث من تصرف الرواه، وكأن هذا هو السر في عدم حزم المصنِّف بالحكم، ونقل عن أصحاب مالك الكراهية، وعن ابن الباقلاني منهم وكثير من الشافعية: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا يُكره، والجمهور على الجواز\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>فرض الصوم على أحوال</span>\nفرض رمضان في شعبان (١) في السنة الثانية من الهجرة قبل بدر\nولكن للصوم بعد نزول (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ثلاثُ رتب:\n(الرتبة الأولى) إيجابه بوصف التخيير: (من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم) .\nفرخص الله لمطيقي الصيام والراغبين في الفطر أن يفطروا ويطعموا عن كل يوم مسكينًا.\n_________\n(١) لليلتين خلتا منه.","vol":"2","page":9},{"text":"عن ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد - ﷺ -: (نزل رمضان فشُق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسختها (وأن تصوموا خير لكم) فأُمروا بالصوم\". (١) .\n* وعن ابن عمر -﵁- قرأ (فدية طعام مسكين) قال: هي منسوخة نسختها (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) [البقرة: ١٨٥] رواه البخاري.\nوعن سلمة بن الأكوع -﵁- قال: \"لما نزلت (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر أفطر وافتدى حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها\" رواه البخاري.\n(الرتبة الثانية) تحتمه: لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة.\n* عن البراء -﵁- قال: \"كان أصحاب محمد - ﷺ - إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يُفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صِرمة الأنصاري كان صائمًا فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك. فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت هذه الآية (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) ففرحوا بها فرحا شديدًا، ونزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) الآية، رواه البخاري.\n(الرتبة الثالثة) وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة.\n• فرع:\nصام رسول الله - ﷺ - رمضان تسع سنين، لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة وتوفي النبي - ﷺ - في شهر ربيع الأول في سنة إحدى عشرة من الهجرة.\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم ووصله أبو نعيم في \"المستخرج\"، ومن طريقه البيهقي.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>على من يجب الصيام</span>؟\nيجب صوم رمضان في الحال على كل مسلم بالغ عاقل طاهر صحيح مقيم وفي ذلك مسائل:\n(١) وجوب الصوم على المسافر والحائض متحتم أيضًا لكن يؤخرانه ثم يقضيانه.\n(٢) الكافر الأصلي: الكفار مخاطبون بفروع الشرع في حال كفرهم على المذهب الصحيح بمعنى أنهم يزاد في عقوبتهم في الآخرة ومع هذا فلا يطالب الكافر الأصلي بفعل الصوم في حال كفره بلا خلاف، ولو صام في كفره لم يصحّ بلا خلاف سواء أسلم بعد ذلك أم لا، وإذا أسلم لا يجب عليه القضاء. وهو قول الشافعي وأحمد وقتادة والشعبي ومالك والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.\n(٣) المرتدّ: لا يطالب بفعل الصوم في حال ردته، ويأثم بترك الصوم في حال ردته وهو واجب عليه، وإذا أسلم لزمه قضاؤه. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه قضاء مدة الردة إذا أسلم.\n(٤) إذا أسلم الكافر في شهر رمضان صام ما يستقبله من شهره بلا خلاف، فأما اليوم الذي أسلم فيه، استحب له إمساك بقية النهار لحرمة الوقت عند الشافعي ولا يقضيه، وعند أحمد يلزمه إمساكه ويقضيه، وبه قال ابن الماجشون وإسحاق. وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر لا قضاء عليه.\n(٥) الصبيان: هل يشرع صومهم أم لا؟\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٣٦-٢٣٧): \"الجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري وبه قال الشافعي أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحدَّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحدَّه إسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين، وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن حُمِل على الصوم. والمشهور عن المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان.","vol":"2","page":11},{"text":"وقد تلطف البخاري في التعقيب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة لأن أقصى ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شدة تحرّيه ووفور الصحابة في زمانه \"أن عمر بن الخطاب أتى برجل شرب الخمر في رمضان، فلما دنا منه جعل يقول: للمنخرين، والفم، [فلما رفع إليه عثر] فقال عمر: على وجهك، ويلك، وصبياننا صيام، ثم أمر به فضرب ثمانين سوطًا ثم سيره إلى الشام\".\nوأغرب ابن الماحشون من المالكية فقال: إذا أطاق الصبيان الصوم ألزموه. فإن أفطروا لغير عذرٍ فعليهم القضاء.\nوفي حديث الربيع بنت معوذ قالت: \"أرسل النبي - ﷺ - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فليتم بقية صومه، ومن أصبح صائمًا فليصم. قالت: فكنا نصومه ونصوّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار\".\nوعند مسلم \"أعطيناهم اللعبة تُلهيهم حتى يتموا صومهم\".\nولقد أغرب القرطبي فقال: لعلّ النبي - ﷺ - لم يعلم بذلك، ويبعد أن يكون أمر بتعذيب صغير بعبادة غير متكررة في السنة.\nويرد عليه حديث رزينة أن النبي - ﷺ - \"كان يأمر مرضعاته في عاشوراء ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواهم، ويأمر أمهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل\".\n\"فهكذا تربية الرسول - ﷺ -، وكذلك ربى الصحابة الكرام أبناءهم، فخرجت أجيال مسلمة تنشر الخير في ربوع الأرض، وعاشت بالإسلام وللإسلام، أما أن نترك أبناءنا وبناتنا يقضون أوقاتهم في الطرقات وفي منابت السوء، ينشأون على الفاسد من الأخلاق والذميم من الأفعال، فيشتد عودهم على ذلك وتشحن قلوبهم بغير الإسلام ثم نريدهم بعد بلوغهم سن الرشد مسلمين يعملون بالإسلام ويدعون إليه فإنهم لا يستجيبون لنا ولا يلقون بالًا لحديثنا وهل يجنى من الشوك العنب\" (١) .\n_________\n(١) من كلام للشيخ عمر الأشقر بتصرف. كتاب \"الصوم في ضوء الكتاب والسنة\" (ص٢٣) .","vol":"2","page":12},{"text":"وينشأ ناشيء الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه\nويرحم الله من قال:\nوإنما أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض\nإن هبت الريح على أحدهم ... امتنعت عيني عن الغمض\nفأين أنت من قول الله ﷿: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) الآية، قال ابن عباس: أدبوهم وعلموهم فيؤمر الغلام والجارية بالصوم ويضربان على تركه إذا أطاقا الصيام ليتمرنا عليه. ولا يجب عليهما الصوم حتى يبلغ الصبي، وحتى تحيض الجارية وهذا قول أكثر أهل العلم.\n(٦) وإذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن يتم صومه ولا قضاء عليه. وإن بلغ الصبي وهو مفطر استحب له إمساك بقية اليوم ولا يجب عليه القضاء.\n(٧) المجنون لا يلزمه الصوم بالإجماع للحديث والإجماع، وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون سواء قل أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه. وهو قول الجمهور خلافا للثوري. ويستحب للمجنون إذا أفاق، في أثناء يوم رمضان إمساك بقية النهار لحرمة الشهر ولا يجب عليه القضاء عند الشافعي. وقال مالك وأحمد يلزمه القضاء ومن نوى الصوم ليلا ثم جن جميع النهار لم يصح صومه وإن أفاق في جزء من النهار صحّ صومه.\n(٨) المغمى عليه لا يلزمه الصوم في حال الإغماء بلا خلاف ويلزمه القضاء، ومن نوى الصوم ليلًا ثم أُغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه، وإن أفاق المغمى عليه في أول النهار أو جزء منه صح صومه.\n(٩) الحائض والنفساء:\nلا يصح صوم الحائض والنفساء ولا يجب عليهم ويحرم عليهما ويجب قضاؤه وهذا كله مجمع عليه، ولو أمسكت بنية الصوم أثمت.\nعن أبي سعيد -﵁- قال النبي - ﷺ -: \"أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم\nفذلك نقصان دينها\" رواه البخاري.","vol":"2","page":13},{"text":"وعن عائشة ﵂ قالت: \"كنا نُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصلاة\" رواه مسلم.\nقال أبو الزناد: \"إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بدًا من اتباعها. من ذلك أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة\".\n* إذا طهرت الحائض في أثناء الصيام يُستحبُّ لها إمساك بقيته ولا يلزمها، وقطع به الجمهور.\n* وجوب قضاء الصوم على الحائض والنفساء، إنما هو بأمر مجدد، وليس هو واجبًا عليها في حال الحيض والنفاس، وبه قطع الجمهور.\n* مما يفرق فيه بين الصوم والصلاة في حق الحائض أنها لو طهرت قبل الفجر ونوت صحّ صومها في قول الجمهور ولا يتوقف على الغسل بخلاف الصلاة.\n* المستحاضة في نزف الدم أشد من الحائض ويباح لها الصوم.\n(١٠) الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم ويلحقه به مشقة شديدة، والمريض الذي لا يُرجى برؤه لا صوم عليهما ونقل ابنُ المنذر الإجماع فيه (١) لقول الله ﷿: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: ٧٨]، وتلزمهما الفدية.\nروى البخاري عن ابن عباس -﵄- قال: \"الشيخ الكبير يطعم عن كل يوم مسكينًا\".\nورُوي أن أنسًا -﵁- ضعف عن الصوم عاما قبل وفاته فأفطر وأطعم.\nوالفدية: مدٌّ من طعام عن كل يوم سواء في الطعام البر والتمر والشعير وغيرها من أقوات البلد عند الشافعي. وقال أحمد: من حنطة أو مدَّان من تمر أو شعير، وقال أبو حنيفة: صاع من تمر، أو نصف صاع حنطة. وقال مكحول وربيعة ومالك وأبو ثور وابن المنذر: لا فدية.\n_________\n(١) قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن للشيخ والعجوز العاجزين الفطر.","vol":"2","page":14},{"text":"ولا يجوز تعجيل الفدية قبل دخول رمضان، ويجوز بعد طلوع فجر كل يوم، ويجوز قبل الفجر في رمضان.\n* ولو نذر الشيخ الكبير العاجز أو المريض الذي لا يُرجى برؤه فلا ينعقد على الصحيح لأنه عاجز.\n* والشيخ والمريض المأيوس من برئه إذا كان معسرًا هل تلزمه الفدية إذا أيسر؟ على الأصح أنها لا تلزمه لأنه عاجز حال التكليف بالفدية وليست في مقابلة جناية كالكفارة تبقى في ذمته إلي اليسار لأنها في مقابلة جنايته.\n* قال ابنُ مفلح في \"الفروع\" (٣/٢٨): \"قال الآجُري: من صنعته شاقة فإن خاف تلفًا أفطر وقضى، وإن لم يضره تركها أثم، وإلا فلا، قال: هذا قول الفقهاء ﵏\".\n* وإن خاف بالصوم ذهاب ماله جاز.\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٢٦٢): \"من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك لزمه الفطر، وإن كان صحيحًا مقيما لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) [النساء: ٢٩]، ويلزمه القضاء كالمريض.\n* قال ابن مفلح في \"الفروع\" (٣/٢٩): \"ومن به شبق يخاف أن تنشق مثانته جامع قضى ولا يكفر قال الأصحاب: هذا إن لم تندفع شهوته بدونه، وإلا لم يجز\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>أركان الصوم</span>\nثلاثة: (١) الزمان. (٢) الإمساك عن المفطرات. (٣) النية (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>الركن الأول: الزمان</span>\nينقسم إلي قسمين: ١- زمن الوجوب وهو شهر رمضان.\n٢- زمن الإمساك وهو أيام رمضان دون لياليه.\n_________\n(١) أصح الأقوال أنها شرط وليس بركن.","vol":"2","page":15},{"text":"وفي كلا الزمنين مسائل اختلف فيها العلماء.\nأولها: تحديد طرفيهما.\nالثاني: معرفة العلامة التي يميز بها كل شخص حد هذا الزمان الواجب صومه دون غيره.\nأما طرفاه:\nفقد اتفق العلماء على أن الشهر الشرعي يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين، قال - ﷺ -: \"الشهر يكون تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>إحصاء عدة شعبان:</span>\nينبغي على الأمة الإسلامية أن تحصي عدة شعبان استعدادًا لرمضان لأن الشهر يكون تسعة وعشرين، ويكون ثلاثين يومًا.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام\" (٢) .\nوقال - ﷺ -: \"أحصوا هلال شعبان لرمضان\" (٣)\nوقال - ﷺ -: \"أحصوا هلال شعبان لرمضان، ولا تخلطوا برمضان، إلاَّ أن يوافقَ ذلك\nصيامًا كان يصومه أحدكم، وصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة\n_________\n(١) صحيح: رواه النسائي وأحمد عن أبي هريرة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٧٤٤) .\n(٢) صحيح على شرط مسلم: رواه أبو داود وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين\nووافقه الذهبي، وفيه نظر فإن ابن صالح وابن أبي قيس لم يحتج بهما البخاري فهو على شرط مسلم قاله الألباني\nفي \"إرواء الغليل\" (٤/٨) .\n(٣) صحيح: رواه الترمذي والحاكم وصححه عن أبي هريرة. قال المناوي (١/١٩٣) \"رجاله رجال الصحيح إلا محمد بن عمرو فإنه لم يُخرجه الشيخان\" وصححه السيوطي، وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٩٨) .","vol":"2","page":16},{"text":"ثلاثين يومًا، فإنها ليست تغمى عليكم العدة\" (١) .\nقال المناوي في \"فيض القدير\": أحصوا: عدوا واضبطوا والإحصاء أبلغ من العد في الضبط لما فيه من إعمال الجهد في العد. والمراد أحصوا هلاله حتى تكملوا العدة إن غمّ عليكم أو تراؤوا هلال شعبان وأحصوه ليترتب عليه رمضان بالاستكمال أو الرؤية.\nقال ابنُ قدامة في \"المغني\" (٤/٣٢٥): \"يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وتطلبه ليحتاطوا بذلك لصيامهم، ويسلموا من الاختلاف فإذا رأوه وجب عليهم الصيام إجماعًا\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>رؤية الهلال هي المعتبرة فقط دون الحساب:</span>\nعن ابن عمر -﵄- قال - ﷺ -: \"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر\nهكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين\" رواه البخاري.\nقال الحافظ ابن حجر (٤/١٥١-١٥٢): \"قيل للعرب: أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة. قال الله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم) ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلاَّ النزر اليسير، فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا، ويوضحه قوله في الحديث: \"فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\".\nيقل فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض، ونُقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حُجَّة عليهم. وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل\".\n_________\n(١) صحيح: رواه الدارقطني، والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٩٩) .","vol":"2","page":17},{"text":"قال ابن بطال: \"في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول رؤية الأهلة وقد نهينا عن التكلف. ولا شك أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف.\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين\" (١) .\n* وعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له\" (٢) .\nوعن عدي بن حاتم ﵁ قال - ﷺ -: \"إذا جاء رمضان فصوموا ثلاثين إلاَّ أن تروا الهلال قبل ذلك\" (٣) .\nوقال - ﷺ -: \"إذا رأيتُم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُم عليكم فاقدروا له\" (٤) .\nوقال - ﷺ -: \"جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يومًا\" (٥) .\nقال ابنُ حجر (٤/١٤٦): \"للعلماء فيه تأويلان، وذهب آخرون إلى تأويل ثالث، قالوا: معناه فاقدروه بحساب المنازل. قاله أبو العباس بن سريج من الشافعية، ومطرف بن عبد الله من التابعين، وابن قتيبة من المحدثين.\nقال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة هو ممن يعرج عليه في مثل هذا.\nقال: ونقل ابن خويز منداد عن الشافعي مسألة ابن سريج والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور.\n_________\n(١) رواه الشيخان والنسائي وغيرهم عن عدة من الصحابة.\n(٢) أخرجه الشيخان ومالك وغيرهم.\n(٣) صححه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" رقم (١٣٠٨) . رواه الطبراني في الكبير وأحمد والطحاوي. وصححه الألباني أيضًا في \"صحيح الجامع\".\n(٤) رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن عمر.\n(٥) صحيح: رواه البيهقي في سننه، وأحمد، والطبراني في الكبير، والديلمي وابن عساكر عن طلق بن علي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" (٣٠٩٣) .","vol":"2","page":18},{"text":"ونقل ابنُ العربي عن ابن سريج أن قولَه \"فاقدروا له\" خطاب لمن خصّه الله بهذا العلم، وأن قوله \"فأكملوا العدة\" خطاب للعامة. قال ابن العربي: فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم. بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد، قال: وهذا بعيد عن النُّبلاء.\nوقال ابنُ الصلاح: معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، قال: فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابنُ سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه. ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوب ذلك عليه، وإنما قال بجوازه، وهو اختيار القفال وأبي الطيب، وأما أبو إسحاق في \"المهذب\" فنقل عن ابن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة فتعدّدت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل:\nأحدها: الجواز ولا يجزيء عن الفرض.\nثانيها: يجوز ويجزيء.\nثالثها: يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجم.\nرابعها: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم.\nخامسها: يجوز لهما ولغيرهما مطلقًا.\nوقال ابنُ الصباغ: أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا. قلت: ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك، فقال في الإشراف: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته، هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، فمن فرّق بينهم كان محجوجًا بالإجماع قبله\".\n* قال النووي في \"روضة الطالبين\" (٢/٣٤٧-٣٤٨): لا يجب مما يقتضيه حساب المنجم الصوم عليه، ولا على غيره.\nقال الروياني: وكذا من عرف منازل القمر، لا يلزمه الصوم به على الأصح.","vol":"2","page":19},{"text":"وأما الجواز فقال في \"التهذيب\": لا يجوز تقليد المنجم في حساب، لا في الصوم ولا في الفطر.\n* قال ابن حجر في \"تلخيص الخبير\" (٢/١٨٧-١٨٨): قال ابن دقيق العيد: \"إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون، فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين، وفي اعتبار ذلك إحداث شرع لم يأذن الله به، وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع على وجه يرى، لكن وجد مانع من رؤيته كالغيم فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي، قلت: لكن يتوقف قبول ذلك على صدق المخبر به، ولا نجزم بصدقه إلاَّ لو شاهد، والحال أنه لم يشاهد، فلا اعتبار بقوله إذًا، والله أعلم\".\n* وقال ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٠/١٥): (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) يريد والله أعلم: من علم منكم بدخول الشهر علم يقين فليصمه، والعلم اليقين: الرؤية الصحيحة الفاشية الظاهرة أو إكمال العدد.\nوقال فيه (١٠/١١٥) أيضًا: \"قد كان بعض كبار التابعين فيما ذكر محمد بن سيرين ذهب في هذا الباب إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب قال ابن سيرين: كان أفضل له لو لم يفعل\".\nوقال في \"التمهيد\" (١٤/٣٥٠-٣٥٢): \"ذهب بعض فقهاء البصريين إلى أن معنى قوله - ﷺ -: \"فاقدروا له\": ارتقاب منازل القمر وهو علم كانت العرب تعرف منه قريبا من علم العجم. ثم قال: وفيما ذكر هذا القائل من الضيق والتنازع والاضطراب ما لا يليق أن يتعلق به أولوا الألباب، وهو مذهب تركه العلماء قديمًا وحديثًا للأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - \"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته..\" ولم يتعلق أحد من فقهاء المسلمين فيما علمت باعتبار المنازل في ذلك، وإنما هو شيء روي عن مطرف بن الشخير، وليس بصحيح عنه، والله أعلم، ولو صح، ما وجب اتباعه عليه لشذوذه، ولمخالفة الحجة له، وقول ابن قتيبة قول قد ذكرنا شذوذه ومخالفة أهل العلم له، وليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في هذا الباب، وقد حكي عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه","vol":"2","page":20},{"text":"الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغمّ عليه، جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه، والصحيح عنه في كتبه وعند أصحابه، أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلاَّ برؤية أو شهادة عادلة.\nوقال ابن عمر في \"الاستذكار\" (١٠/١٩): \"الذي عندنا في كتبه أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلاَّ برؤية فاشية\".\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/١٣١-١٣٢): \"إني رأيت الناس في شهر صومهم، وفي غيره أيضًا: منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب من أن الهلال يرى أو لا يرى. ويبني على ذلك إما في باطنه وإما في ظاهره حتى بلغني أن من القضاة من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب: إنه يرى أو لا يرى فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه\".\nويقول (ص١٣٢-١٣٣): إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز. والنصوص المستفيضة عن النبي - ﷺ - بذلك كثيرة.\nوقد أجمع المسلمون عليه. ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا، ولا خلاف حديث، إلاَّ أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصا بالحاسب فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم.\nوقد يقارب من هذا قول من يقول من الإسماعيلية بالعدد دون الهلال وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولًا يعمل عليه، وهو الذي افتراه عليه عبد الله بن معاوية.\nوهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام. وقد برَّأ الله منها جعفر وغيره.\nويقول أيضًا (ص١٦٤): قوله - ﷺ -: \"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب\" فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس من دينها، والخروج عنها محرم منهي عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرمين منهيًا عنهما.","vol":"2","page":21},{"text":"ويقول أيضًا (ص١٧٤): \"ظهر بذلك أن الأمية المذكورة هنا صفهْ مدح وكمال، من وجوه: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال، ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط، ومن جهة أن فيهما تعبًا كثيرًا بلا فائدة، فإن ذلك شغل عن المصالح. فمن دخل فيه فقد خرج عن الأمة الأمية فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة، ودخل في أمر ناقص يؤديه إلى الفساد والاضطراب، وأيضا فإنه جعل هذا وصفًا للأمة وصفة الكمال التي للأمة يجب حفظها عليها.\nويقول أيضًا (ص٢٠٧): \"والمعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب، فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي بل خطؤها كثير وقد جرب وهم يختلفون كثيرًا: هل يرى؟ أم لا يرى؟ وسبب ذلك: أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب، فأخطأوا طريق الصواب\".\nوفي \"المجموع\" (٦/٢٨٩): قال الدارمي: لا يصوم بقول منجم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>الشهادة على رؤية الهلال:</span>\nعن ابن عمر قال: \"تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي - ﷺ - أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه\" (١) .\nوقال - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وأنسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا\" (٢)، وعند أحمد \"فإن شهد شاهدان مسلمان\"، وقال الدارقطني \"ذوا عدل\".\n_________\n(١) صحيح: رواه أبو دواد والدارمي وابن حبان والدارقطني والبيهقي وصححه الألباني في \"إرواء الغليل\" رقم (٩٠٨) . وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وأقره ابن حجر في \"التلخيص\".\n(٢) رواه أحمد والنسائي والدارقطني عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، والحديث صححه الألباني في \"إرواء الغليل\" رقم (٩٠٩) .","vol":"2","page":22},{"text":"* قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٤/٣٥٤-١٣٥): \"أجمع العلماء على أنه لا يقبل في شهادة شوال في الفطر إلاَّ رجلان عدلان، واختلفوا في هلال رمضان: * فقال مالك والثوري والأوزاعي والليث والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن وابن علية: لا يقبل في هلال رمضان ولا شوال إلا شاهدا عدل رجلان.\n* وقال أبو حنيفة وأصحابه في رؤية هلال رمضان: شهادة رجل واحد عدل إذا كان في السماء علة -غيمًا أو غبارًا-، وإن لم يكن في السماء علة لم يقبل إلاَّ شهادة العامة.\nولا يقبل في هلال شوال إلاَّ شهادة عدلين يقبل مثلهما في الحقوق.\nهكذا حكاه الطحاوي عن أبي حنيفة في كتابه الكبير في الخلاف في اشتراط العدالة ولم يذكر المرأة، وذكر عنه في المختصر في الشهادة على هلال رمضان شاهد واحد مسلم أو امرأة مسلمة. لم يشترط العدالة، وفي الشهادة على هلال شوال رجل وامرأتان كسائر الحقوق.\nواختلف قول الشافعي في هذه المسألة، فحكى المزني عنه أنه قال: إذا شهد على رؤية هلال رمضان رجل عدل واحد رأيت أن أقبله للأثر الذي جاء فيه والاحتياط والقياس ألا يقبل إلا شاهدان، قال: ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلا عدلين.\nوفي البويطي: ولا يصام رمضان ولا يفطر منه بأقل من شاهدين حُرّيْن مسلميِنْ عدليْن، وقال أحمد بن حنبل: من رأى هلال رمضان وحده صام، فإن كان عدلًا صام الناس بقوله، ولا يفطر إلاَّ بشهادة عدلين، ولا يفطر إذا رآه وحده\".\nقال النووي في \"روضة الطالبين\" (٢/٣٤٥): \"وكذا إن شهد عدل على الأظهر المنصوص في أكثر كتبه\".\nوقال في \"المجموع\" (٦/٢٨٣): قال في القديم والجديد يقبل من عدل واحد وهو الصحيح وبه قطع المصنف، فهل يقبل من العبد والمرأة؟ فيه وجهان: لا يقبل وهو الصحيح؛ لأن طريقها طرق الشهادة بدليل أنه لا يقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل فلم قبل من العبد والمرأة كسائر الشهادات. ونص عليه في \"الأم\"","vol":"2","page":23},{"text":"وأما الكافر والفاسق والمغفل فلا يقبل قولهم بلا خلاف.\n* وفي \"الفروع\" لابن مفلح -حنبلي- يقبل في هلال رمضان قول عدل واحد نص عليه وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء لحديث ابن عباس وابن عمر، ولأنه خبر ديني، وهو أحوط ولا تهمة فيه، لخلاف آخر الشهر.\nوتقبل المرأة والعبد ولا يختص بحاكم فيلزم الصوم من سمعه من عدل.\nوجزم في \"المستوعب\": لا يقبل صبي، وفي \"الكافي\" يقبل العبد.\n* وفي \"روضة الطالبين\" -شافعي- (٢/٣٨٠-٣٤٦): في الصبي المميز الموثوق به طريقان: والمذهب الذي قطع به الأكثرون: القطع بأنه لا تقبل.\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٤٧): \"فلا تصوموا حتى تروه. المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك، إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأى آخرين.\nووافق الحنفية على الأول إلا أنهم خصّوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم وغيره، وإلا متى كان صحو لم يقبل إلا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم.\nقال أبو عمر بن عبد البر في \"التمهيد\" (١٤/٣٥٥): لم يختلف العلماء فيمن رأى هلال رمضان وحده فلم تقبل شهادته أنه يصوم؛ لأنه متعبد بنفسه لا بغيره، وعلى هذا أكثر العلماء، لا خلاف في ذلك إلا شذوذ لا يشتغل به، ومن رأى هلال شوال وحده، أفطر عند الشافعي، والحسن بن حي.\nوروي عن مالك أنه لا يفطر للتهمة، ومثله قول الليث وأحمد: لا يفطر من رآه وحده، واستحب الشافعي أن يخفي فطره.\nوقال مالك: من رأى هلال رمضان وحده فأفطر فعليه الكفارة مع القضاء، وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه.\nوكان الشعبي والنخعي يقولان: لا يصوم أحد إلا مع جماعة الناس، وقال الحسن: يفعل ما يفعل إمامهم.","vol":"2","page":24},{"text":"* وعند ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/١١٤-١١٥): \"يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس وهذا أظهر الأقوال.\n* وفي \"الفروع\" لابن مفلح (٣/١٧): \"وإن صاموا ثمانية وعشرين، ثم رأوا هلال شوال قضوا يومًا فقط نقله ابن حنبل واحتج بقول علي -﵁- ولبُعد الغلط بيومين\".\nوإن صمنا بشاهدين ثلاثين يومًا فلم نر الهلال بعد الثلاثين نفطر على الصحيح من قول الشافعي وإن صمنا بشاهد عدل فلم نر الهلال بعد الثلاثين نفطر، نص عليه في \"الأم\".\nفي الرؤية بالحس: اتفقوا على أن من رأى شهر رمضان وجب عليه الصوم إلا ما روي عن عطاء أنه قال: لا يصح إلا بشهادة غيره.\nواختلفوا إذا رأى شوالًا وحده هل يفطر أم لا؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا يفطر، وقال الشافعي: يفطر، وبه قال أبو ثور لقوله - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته\" والجمهور إنما فرقوا بين الصوم والفطر سدًّا للذريعة لأن الصوم ثقيل على النفوس لا يتهم أحد عليه، وأما الفطر فالعادة أنه تتوق إليه النفوس الضعيفة ولو ترك لهم المجال لادّعى كل ضعيف النفس رؤيته وينتهك حرمة رمضان، وأن الصوم عبادة، والفطر فضيلة ولا يسوى بينهما (١) .\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٢٩٥): \"ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أنه لا تقبل شهادة النساء في هلال رمضان، وحكاه ابن المنذر عن الليث واختاره ابن الماجشون المالكي، ولم يحك عن أحد قبولها\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>مذاهب العلماء فيما إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيرهم:</span>\nعن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إِلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهلّ على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت\n_________\n(١) \"إرشاد المسترشد\" (ص٣١٠) لمحمد ولي بن المنذر الأنصاري.","vol":"2","page":25},{"text":"المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس -﵄- ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أو لا تكتفي رؤية معاوية وصيامه فقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ - رواه مسلم والترمذي وأبو داود.\n* بوّب النووي في شرح صحيح مسلم \"باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم\" وقال (٣/١٤١): فيه حديث كريب عن ابن عباس، وهو ظاهر الدلالة للترجمة، والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس، بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وقال بعض أصحابنا: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض، فعلى هذا نقول: إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب؛ لأنه شهادة فلا تثبت بواحد، لكن ظاهر حديثه أنه لم يردّه لهذا وإنما ردّه لأن الرؤية لم يثبت حكمها في حق البعيد.\n* قال ابن حجر: اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nأحدها: لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية.\nثانيها: مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها.\nقال النووي في \"المجموع\": عن الليث والشافعي وأحمد يلزم الجميع، قال: ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي يعني مالكًا وأبا حنيفة (٦/٢٨٢) .\nقال ابن حجر: -وهو المشهور عند المالكية-، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس.\nقال القرطبي: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم.","vol":"2","page":26},{"text":"وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم الشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الأمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع.\nوقال بعض الشافعية: أن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، وبه قال النووي.\nواختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي.\nوفي ضبط البعد أوجه: أحدهما: اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في \"الروضة\" و\"شرح المهذب\". ثانيها: مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في \"الصغير\" والنووي في \"شرح مسلم\" ا. هـ بتصرف.\nقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٤/٣٥٨): \"إلى القول الأول أذهب؛ لأن فيه أثرًا مرفوعًا وهو حديث حسن تلزم به الحجة، وهو قول صاحب كبير لا مخالف له من الصحابة، وقول جماعة من فقهاء التابعين، ومع هذا، إن النظر يدل عليه عندي؛ لأن الناس لا يكلفون علم ما غاب عنهم في غير بلدهم، ولو كلفوا ذلك لضاق عليهم. أرأيت لو رؤي بمكة أو بخراسان هلال رمضان أعوامًا بغير ما كان بالأندلس ثم ثبت ذلك وبزمان عند أهل الأندلس أو عند بعضهم، أو عند رجل واحد منهم، أكان يجب عليه قضاء ذلك وهو قد صام برؤية وأفطر برؤية أو بكمال ثلاثين يومًا كما أمر، ومن عمل بما يجب عليه مما أمر به فقد قضى الله عنه، وقول ابن عباس عندي صحيح في هذا الباب والله الموفق للصواب.\nقال ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/١٠٥، ١٠٧): \"فالصواب في هذا والله أعلم ما دلّ عليه قوله \"صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون\"، فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم. وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة فعليهم إمساك ما بقي سواء كان من إقليم أو إقليمين.\nوقال ابن تيمية (٢٥/١٠٤): الذين قالوا لا تكون رؤية لجميعها، كأكثر أصحاب","vol":"2","page":27},{"text":"الشافعي منهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع: كالحجاز مع الشام، والعراق مع خراسان، وكلاهما ضعيف، فإن مسافة النصر لا تعلق لها بالهلال.\nوأيضًا فإن هلال الحج ما زال المسلمون يتسكعون فيه برؤية الحجاج القادمين، وإن كان فوق مسافة القصر.\nوأيضًا إذا اعتبرناها كمسافة القصر، أو الأقاليم، فكان رجل في آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك وآخر بينه غلوة سهم لا يفعل شيئًا من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين.\nثم يقول \"والاعتبار ببلوغ الرؤية في وقت يفيد. الأشبه أنه إن رؤي بمكان قريب وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول فهو كما لو رؤي في بلدهم، ولم يبلغهم، وأما إذا رؤي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلا بعد مضي الأول فلا قضاء عليهم\".\nوقال (ص١٠٧) \"فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله \"صوموا لرؤيته\" فمن بلغه أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلًا، وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر في أن طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلا بعد شهر فلا فائدة فيه، بخلاف الأماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر فإنها محل الاعتبار.\nويقول ابن تيمية في (ص١٠٨): وهذا الذي ذكرته هو الذي ذكره أصحابنا، إلا وجوب القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر.\nوالحجة فيه أنا نعلم بيقين أنه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض أمصار المسلمين، بعد بعض، فإن هذا من الأمور المعتادة التي لا تبديل لها، ولابد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر، فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام، كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده، ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات، ومثل هذا لو كان لنقل، ولما لم ينقل دل على أنه لا أصل له، وحديث ابن عباس يدل على هذا فتلخص: أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدي بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك.","vol":"2","page":28},{"text":"ومن حدّد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع.\n* ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء، وهو مما لا يقضي كالعيد المفعول والنسك فهذا لا تأثير له، وعليه الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر.\n* وأما إذا بلغه في أثناء المدة: فهل يؤثر في وجوب القضاء؟ وفي بناء الفطر عليه، والقضاء يظهر لي أنه لا يجب وفي بناء الفطر عليه نظر. فهذا متوسط في المسألة.\n* والقول بشمول كل من بلغه رؤية الهلال من أي بلد أو إقليم من غير تحديد مسافة يقول فيه الألباني: \"أخذ بعموم الحديث الصحيح، وبخاصة أنه مذهب الجمهور، وقد اختاره كثير من العلماء المحققين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية في \"الفتاوى\" (المجلد ٢٥) والشوكاني في \"نيل الأوطار\" وصديق حسن خان في \"الروضة الندية\" (١/٢٢٤-٢٢٥) وغيره، فهو الحق الذي لا يصح سواه، ولا يعارضه حديث ابن عباس لأمور ذكرها الشوكاني -﵀-، ولعل الأقوى أن يقال: إن حديث ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده، ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين، أو يروا هلالهم.\nوبذلك يزول الإشكال، ويبقى حديث أبي هريرة -﵁- وغيره على عمومه؛ يشمل كل من بلغه رؤية الهلال من أي بلد أو إقليم من غير تحديد مسافة أصلًا كما قال ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٢٥/١٠٧) وهذا أمر متيسر اليوم للغاية كما هو معلوم، ولكنه يتطلب شيئًا من اهتمام الدول حتى تجعله حقيقة واقعية إن شاء الله ﵎. وإلى أن تجتمع الدول الإسلامية على ذلك، فإني أرى على شعب كل دولة أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم على نفسه، فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها، تقدمت في صيامها أو تأخرت، لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشعب الواحد، كما وقع في بعض الدول العربية منذ بضع سنين والله المستعان\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>إذا رأى القمر نهارًا</span>\nاختلفوا إذا رأى القمر نهارًا:\n_________\n(١) \"تمام المنة في التعليق على فقه السنة\" (ص٣٩٨) الطبعة الثالثة- المكتبة الإسلامية.","vol":"2","page":29},{"text":"* فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لليلة المقبلة وهو رواية عن أحمد.\n* وقال أحمد وأبو يوسف والثوري وابن حبيب المالكي: إذا رآه قبل الزوال فهو للماضية، وإذا رآه بعده فهو للمقبلة.\nوسبب الخلاف:\nأولًا: أنه ما ورد عن رسول الله - ﷺ - شيء في ذلك.\nوالثاني: أنه ورد أثران في ذلك عن عمر، أحدهما عام والآخر خاص، فأما العام فما رواه أبو وائل شقيق بن سلمة قال: \"أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس\" رواه الدارقطني والبيهقي إسناد صحيح وبه أخذ الجمهور.\nوأما الخاص فهو ما رواه الثوري عنه أنه بلغ عمر أن قومًا رأوا الهلال بعد الزوال فأفطروا فكتب إليهم يلومهم وقال: \"إذا رأيتم الهلال نهارًا قبل الزوال فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد الزوال فلا تفطروا\". وبه أخذ من فرّق بين الرؤية في أول النهار وفي آخره والله أعلم.\nقال ابن حجر في قوله - ﷺ -: \"لا تصوموا حتى تروا الهلال\" (٤/١٤٥): \"ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلًا أو نهارًا لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فرّق بين ما قبل الزوال أو بعد وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقًا، وهو ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال\".\nفرع:\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٢٩٢): \"لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان ولم ير الناس الهلال، فرأى إنسان النبي - ﷺ - في المنام فقال له: الليلة أول رمضان لم يصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام ولا لغيره، ذكره القاضي حسين في الفتاوى وآخرون من أصحابنا. ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، لأن شرط الراوي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظًا حال التحمل، وهذا مجمع عليه ومعلوم أن النوم لا تيقظ فيه، ولا ضبط،","vol":"2","page":30},{"text":"فترك العمل بهذا المنام لاختلال ضبط الراوي، لا للشك في الرؤية، فقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي\" والله تعالى أعلم\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>صيام الأسير والمطمور</span>\nقد لا يستطع الأسير المسلم الذي وقع في أيدي الكفار معرفة شهر الصيام فما حكم صيامه إذا صام؟\n* إن صام بغير تحرّ فصومه غير صحيح، لأنه مطالب بأن يبذل جهده، ويتحرّى كما هو الحال فيمن اشتبهت عليه القبلة.\n* فإن تحرى وصام فله الحالات:\nالحالة الأولى:\nأن لا يتضح للأسير الأمر، أَوافق بصيامه رمضان أو خالف؟ فهذه تجزئه لأنه بذل وسمعه، والله يقول: (فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابن: ١٦] .\nالحالة الثانية:\nأن يُوافق صومه صوم رمضان، وهذه لها ثلاثة أوجه:\nالأول: أن يصومه بنية التطوّع فإن صومه عن رمضان لا يصح عند الأئمة الثلاثة وعند أبي حنيفة يصح؛ لأنه يصحح الصوم من رمضان بمطلق النية وبنية التطوع.\nالثاني: أن يصومه بنية غير جازمة. وصحَّح العلماء صوم الأسير في مثل هذه الحال لأنه معذور، وممن نص على هذا النووي، وقال: إنه مذهب كافة العلماء، ولم يخالف في ذلك إلاَّ الحسن بن صالح، واحتج النووي على ذلك بدليلين: إجماع العلماء على صحة الصوم من الأسير في هذه الحال، والقياس على الاجتهاد في القبلة لمن وافقها، والشك إنما يضر إذا لم يعتضد باجتهاد (١) .\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣١٥) .","vol":"2","page":31},{"text":"الثالث: أن يصومه بنية جازمة، وهذا صحيح لا إشكال فيه.\nالحالة الثالثة:\nألا يُوافق صومه صوم رمضان:\nوهذه لها وجهان:\nالأول: أن يصوم قبل دخول الشهر، فهذا لا يصح بإجماع المذاهب، لأنه أدى الواجب قبل وجوبه وقبل وجوب سببه\" (١) .\nالثاني: \"أن يصوم بعد دخول الوقت: فلا خلاف بينهم في صحة هذا الصوم قضاء، إلا أنه إذا صام شهر شوال فعليه أن يقضي يومًا واحدًا، هو يوم العيد إن وافقت عدّة شوال عدة رمضان ويومين إن كان أقلّ، وإن وافق شهر ذي الحجة قضى أربعة أيام: يوم النحر وأيام التشريق\" (٢) .\n• فرع:\n\"إذا صام الأسيرُ ونحوه بالاجتهاد فصادف صومُه الليل دون النهار لزمه القضاء بلا خلاف لأنه ليس وقتًا للصوم\" (٣) .\n• فرع:\nلو شرع في الصوم بالاجتهاد فأفطر بالجماع في بعض الأيام، فإن تحقّق أنه صادف رمضان لزمته الكفارة، لأنه وطيء في نهار رمضان الثابت بنوع دلالة، فأشبه من وطيء بعد حكم القاضي بالشهر بقول عدل واحد، وإن صادف شهرًا غيره فلا كفارة؛ لأن الكفّارة لحرمة رمضان ولم يصادف رمضان وممن ذكر المسألة المتولي (٨) .\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/٨٦) .\n(٢) \"مقاصد المكلفين\" للشيخ عمر الأشقر (ص٢٣٤-٢٣٥) طبع دار النفائس - مكتبة الفلاح.\n(٣) \"المجموع\" (٦/٢٩٨) .\n(٤) \"المجموع\" (٦/٢٩٩) .","vol":"2","page":32},{"text":"• فرع:\nإذا لم يعرف الأسير ونحوه الليل ولا النهار، بل استمرت عليه الظلمة دائمًا فهذه مسألة مهّمة قلّ من ذكرها.\nوالأصح أنه يلزمه التحرى والصوم ولا قضاء عليه، هذا إذا لم يظهر له فيما بعد الخطأ، فإن تبينّ له أنه صادف الليل لزمه القضاء بلا خلاف والله أعلم\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>زمن الإمساك</span>\nأجمع المسلمون على أن آخر زمن الإمساك هو غروب الشمس وغيبوبتها لقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) [البقرة: ١٨٧] .\nقال - ﷺ -: \"إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم\" (٢) .\nولفظ مسلم: \"إذا غابت الشمس ههنا وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم\"، وعن عبد الله بن أبي أوفى قال قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم، وأشار بيده قبل المشرق\" رواه البخاري.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/٢٣٢): \"إنما ذكر الإقبال والإدبار معًا لإمكان وجود أحدهما مع عدم تحقق الغروب\".\nوقال: \"لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقاٌ، بل متى تحقق غروب الشمس حل الفطر\"، \"وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس\" (٣) . وعند سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة \"دخلنا على أبي سعيد فأفطر ونحن نرى أن الشمس لم تغرب\".\nقال ابن حجر: \"ووجه الدلالة منه أن أبا سعيد لما تحقق غروب الشمس لم يطلب\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٠٠) .\n(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عمر ﵁.\n(٣) رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم ووصله سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة.","vol":"2","page":33},{"text":"مزيدًا على ذلك ولا التفت إلى موافقة من عنده على ذلك، فلو كان يجب إمساك جزء من الليل لاشترك الجميع في معرفة ذلك والله أعلم\".\nواختلفوا في<span data-type=\"title\" id=toc-269> أول زمن الإمساك:</span>\n* فقال الجمهور: هو طلوع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق والمراد الطلوع الذي يظهر لنا لا الذي في نفس الأمر.\nولا يتعلق بالفجر الكاذب الأول شيء من الأحكام بإجماع المسلمين.\nوالصوم بطلوع الفجر الصادق \"الثاني\" وتحريم الطعام والشراب والجماع به هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. قال ابن المنذر وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار قال - ﷺ -: \"الفجر فجران، فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان (١) فلا يُحل الصلاة، ولا يحرم الطعام، وأما الفجر الذي يذهب مستطيلًا في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"كلوا واشربوا ولا يهدينكم (٣) الساطع المصُعد، فكلوا واشربوا حتى\nيعترض لكم الأحمر\" (٤) .\n* وقال - ﷺ -: \"ليس الفجر بالأبيض المستطيل في الأفق، ولكنه الأحمر المعترض\" (٥) .\n* وقال - ﷺ -: \"الفجر فجران: فجر يحرم فيه الطعام، وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه\nالصلاة ويحل فيه الطعام\" (٦) .\n* وقال - ﷺ -: \"إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم\" (٧) .\n_________\n(١) الذئب.\n(٢) صحيح: رواه الحاكم في \"المستدرك\" والبيهقي في سننه عن جابر، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٢٧٨) .\n(٣) يهدينكم: أى يغرنكم.\n(٤) حسن: رواه أبو داود والترمذي عن طلق، والطحاوي وابن خزيمة والدارقطني وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٥٠٦) .\n(٥) صحيح: رواه أحمد عن طلق بن علي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٣٧٨) .\n(٦) صحيح: رواه الحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٢٧٩) .\n(٧) رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر، ورواه البخاري والنسائي عن عائشة.","vol":"2","page":34},{"text":"* وقال - ﷺ -: \"إن بلالًا يؤذن بليل، ليوقظ نائمكم، وليرجع قائمكم\" (١) .\n* وقال - ﷺ -: \"لا يغرنكم في سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل حتى يستطير\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا، حتى يقول هكذا، يعترض في أفق السماء\" (٣) .\nعن عدي بن حاتم ﵁ قال: \"لما نزلت (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله - ﷺ - فذكرت له ذلك فقال: \"إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار\" (٤)، وفي رواية \"إن وسادك إذن لعريض طويل، إنما هو سواد الليل وبياض النهار\" (٥) .\n* وقال سهيل بن سعد: \"أنزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل (من الفجر) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد (من الفجر) فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار\" رواه البخاري.\n* وذهب حذيفة وابن مسعود إلى أنه طلوع الفجر الأحمر كالشفق الأحمر.\n* والجمهور القائلون بأنه الفجر الأبيض المستطيل في الحد المحرم للشرب والأكل والجماع اختلفوا أيضًا:\n* فقال الجمهور: هو طلوع الفجر نفسه.\n* وذهب جماعة من الصحابة إلى جواز السحور إلى أن يتضح الفجر.\nروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن حين يتبينّ الخيط الأبيض من الخيط الأسود.\n_________\n(١) رواه النسائي عن ابن مسعود، ورواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو دواد.\n(٢) رواه أحمد ومسلم وأبو دواد والترمذي والنسائي عن سمرة.\n(٣) رواه أحمد والبخارى ومسلم وأبو دواد وابن ماجة عن ابن مسعود.\n(٤) رواه البخاري.\n(٥) رواه البخاري.","vol":"2","page":35},{"text":"قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبينّ بياض النهار من سواد الليل إلى أن ينتشر البياض في الطرق والسكك والبيوت.\nقال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل.\nقال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني ولا أدري عليه قضاء ولا كفّارة.\nفمعنى قولهم هو: تبينّ طلوعه عند النظر إليه، وهو مروي عن عروة ومجاهد والحسن وإسحاق قالوا: إن أكل أو شرب يظن أن الفجر لم يطلع فبان له أنه طلع فلا قضاء عليه، وكذلك إذا ظن غياب الشمس ووجدها لم تغب فلا قضاء عليه.\nوسبب الخلاف:\nالاحتمال الموجود في قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) هل المراد به الإمساك بالتبين نفسه أو بالمتبين وهو الفجر؟\nواستدلّ الجمهور بما رواه البخاري عن فاطمة عن أسماء قالت: أفطرنا في زمن رسول الله - ﷺ - في يوم غيم ثم طلعت الشمس فقيل لهشام بن عروة راوي الحديث عن فاطمة: أمروا بالقضاء؟ قال: بد من قضاء.\n* والقائلون بعدم القضاء حملوا التبين على تبين الفجر إذا نظر إليه الناظر ولو بعد طلوعه بزمن.\nمسائل:\n(١) \"لو غمّ هلال رمضان فأصبحوا مفطرين، ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق\" قاله ابن حجر (٤/٢٣٦) .\n(٢) من أكل أو شرب شاكًا في طلوع الفجر فذهب ابن عباس وعطاء وهو مروي عن أبي بكر وابن عمر والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والمشهور عن مالك إلى أنه لا قضاء عليه.","vol":"2","page":36},{"text":"وروى عن مالك القول بوجوب القضاء عليه.\nوالراجح الأول: لظاهر الآية ولحديث أذان ابن أم مكتوم.\nروى عبد الرزاق بإسنادٍ صحيح عن ابن عباس قال: \"أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت\". قال ابن المنذر: وإلى هذا صار أكثر العلماء.\n\"ذكر ابن المنذر في \"الإشراف\" بابًا في إباحة الأكل للشاك في الفجر، فحكاه عن أبي بكر الصديق، وابن عمر وابن عباس وعطاء والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور واختاره ولم ينقل المنع إلا عن مالك\" (١) .\nفقال بتحريمه مالك وأوجب القضاء على من أكل شاكًا.\n(٣) إذا أكل أو شرب أو جامع ظانًا غروب الشمس أوعدم طلوع الفجر فبان خلافه فعليه القضاء وبه قال ابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري والثوري، هكذا حكاه ابن المنذر عنهم، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وأبو ثور والجمهور.\nوقال إسحاق بن راهوية وداود وعطاء وعروة والحسن ومجاهد: صومه صحيح ولا قضاء.\n(٤) فيمن أولج ثم نزع مع طلوع الفجر.\nقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يفطر ولا قضاء ولا كفارة.\nروى البيهقي بإسناده الصحيح عن ابن عمر - ﵄ - قال: \"كان إذا نودي بالصلاة والرجل على امرأته لم يمنعه ذلك أن يصوم إذا أراد الصيام قام واغتسل وأتم صيامه\".\nوقال مالك والمزني وزفر وداود: يبطل صومه.\nوعن أحمد رواية: أنه يفطر وعليه الكفّارة. وفي رواية يصح صومه ولا قضاء ولا كفارة.\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٣٥-٣٣٦) .","vol":"2","page":37},{"text":"(٥) إذا جامع في الليل وأصبح وهو جنب صح صومه، وكذا لو انقطع دم الحائض والنفساء في الليل فنوتا صوم الغد ولم يغتسلا، صح صومهما بلا خلاف وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وممن قال به علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبو ذر وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وعائشة ﵃، وجماهير التابعين والثوري وأحمد ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور خلافًا لقول سالم ابن عبد الله وأبي هريرة والحسن والنخعي والأوزاعي.\nوحجة الجمهور أن رسول الله - ﷺ - \"كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم\" (١) .\nوعن عائشة وأم سلمة ﵄ قالتا: \"كان رسول الله - ﷺ - يُصبح جُنبًا من غير حلم ثم يصوم\" رواه البخاري ومسلم. وفي روايات لها في الصحيح \"من جماع غير احتلام\".\nوعن عائشة ﵂ قالت: \"كان النبي - ﷺ - يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم\" رواه البخاري ومسلم.\nوعنها: أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله.. تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم\" فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: \"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي\" رواه مسلم.\nقال ابن المنذرعن حديث أبي هريرة: \"من أصبح جنبًا فلا صوم له\" رواه الشيخان: أحسن ما سمعت فيه أنه منسوخ.\n(٦) إذا طلع الفجر وفي فيه طعام فليلفظه، فإن لفظه صح صومه، فإن ابتلعه بعد علمه بالفجر بطل صومه بلا خلاف ودليله قوله - ﷺ -: \"إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم\" رواه البخاري.\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك عن عائشة وأم سلمة.","vol":"2","page":38},{"text":"أما حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ -: \"إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه\" (١)، وفي رواية \"وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر\".\nفيكون \"إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده\" خبرًا عن النداء الأول ليكون موافقًا لحديث ابن عمر وعائشة، قال البيهقي: وعلى هذا تتفق الأحاديث: وقال البيهقي: هذا محمول عند عوام أهل العلم على أنه - ﷺ - علم أنه ينادى قبل طلوع الفجر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>الركن الثاني: وهو الإمساك</span>\nأجمعت الأمة على تحريم الطعام والشراب والجماع على الصائم، وممن نقل الإجماع ابنُ المنذر.\nقال تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) .\n* واختلفوا من ذلك في مسائل:\n(أ) منها ما هو مسكوت عنه.\n(ب) ومنها ما هو منطوق به (الحجامة والقيء) .\nالمسكوت عنه:\nفهو ما يرد الجوف من غير المغذيات، وما يرده من المغذيات من غير طريق الطعام والشراب كالحقنة، وما يرد داخل الأعضاء دون الجوف كالدماغ مثلًا فإن ما يدخل من الأذنين يصل إليه ولا يصل إلى الجوف.\n* فذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد إلى إفطار كل ما وصل إلى الجوف سواءً وصله من طريق الغذاء أم لا، وكذلك كل ما وصل إلى الدماغ للتداوي للجائفة والمأمومة وما يدخل الأذنين.\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد والحاكم وأبو داود عن أبي هريرة، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦١٣) .","vol":"2","page":39},{"text":"* وذهب مالك إلى أن المفطر كل ما وصل الحلق من أي منفذ كان مغذ أو غير مغذ، وما لم يصل إليه ليس بمفطر كالتداوي للجائفة والمأمومة واختلف عنه في الحقنة فمرة رُوي عنه أنها تفطر؛ لأنها تصل إلى الجوف مباشرة ومرة قال: لا؛ لأنا لا تصل إلى الحلق. ونفصّل:\n(١) إذا ابتلع الصائم ما لا يؤكل في العادة كدرهم ودينار أو تراب أو حصاة أو حشيشًا أو نارًا أو حديدًا أو خيطًا أو غير ذلك أفطر.\nوبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف وخلاف ذلك عن أبي طلحة والحسن بن صالح وبعض أصحاب مالك.\n(٢) إذا بقي في خلل أسنانه طعام فينبغي أن يخلّله في الليل وينقي فمه، فإن أصبح صائمًا وفي خلل أسنانه شيء فابتلعه عمدًا أفطر عند الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: لا يفطر.\n(٣) إذا جرى ريقه ولم يقدرعلى دفعه ومجه لا يفطر، ويفطر إذا قدر فلم يفعل وابتلعه. وفيها تفصيل:\nابتلاع الريق لا يفطر بالإجماع إذا كان على العادة لأنه يعسر الاحتراز منه. وإنما يفطر بثلاثة شروط:\nالأول: أن يتمحض الريق فلو اختلط بغيره وتغير لونه أفطر بابتلاعه.\nالثاني: أن يبتلعه من معدته، فلو خرج من فيه ثم رده بلسانه أوغير لسانه وابتلعه أفطر.\nالثالث: أن يبتلعه. على العادة فلو جمعه قصدًا ثم ابتلعه فيها وجهان أصحهما: لا يفطر.\nولو اجتمع ريق كثير بغير قصد بأن كثر كلامه أوغير ذلك بغير قصد فابتلعه لم يفطر بلا خلاف.\n(٤) غبار الطريق وما يشق الاحتراز منه لا يفطر.\n(٥) لو ابتلع شيئًا يسيرًا كحبة السمسم أفطر عند جمهور العلماء.","vol":"2","page":40},{"text":"(٦) اتفق العلماء على أنه إذا ابتلع ريق غيره أفطر.\n(٧) الحقنة الشرجية: مفطرة عند الشافعي ونقله ابن المنذر عن عطاء والثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق. وقال الحسن بن صالح وداود وشيخ الأسلام ابن تيمية: لا.\nقال ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/٢٣٣-٢٣٤): \"وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطّر بشيء من ذلك، ومنهم من فطّر الجميع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك.\nوالأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد بها الصوم لكان هذا مما يجب على الرسول - ﷺ - بيانه، ولو ذكر لعلمه الصحابة وبلّغوه للأمة.\n(٨) السعوط: إذا وصل إلى الدماغ يفطر عند الشافعي وحكاه ابن المنذر عن الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ومالك وإسحاق وأبي ثور، وقال داود لا يفطر.\n(٩) الطعام الباقي بين أسنانه إذا ابتلعه: \"قال ابنُ المنذر: أجمع العلماء على أنه لا شىِء على الصائم فيما يبلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على رده، قال: فإن قدر على رده فابتلعه عمدًا، قال أبو حنيفة: لا يفطر، وقال سائر العلماء: يفطر وبه أقول\" (١) .\nمذاهب العلماء في الاكتحال:\nقال النووي: \"جائز عندنا ولا يكره ولا يفطر به، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا.\nوحكاه ابن المنذر عن عطاء والحسن البصري والنخعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور.\nوحكاه غيره عن ابن عمر وأنس وابن أبي أوفى الصحابيين، وبه قال داود.\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٤٧) .","vol":"2","page":41},{"text":"* وقال سليمان التيمي ومنصور بن المعتمر وابن شبرمة وابن أبي ليلى: يبطل صومه.\n* وقال قتادة: يجوز بالأثمد ويكره بالصبر.\n* وقال مالك وأحمد: يكره، وإن وصل إلى الحلق أفطر\" (١) .\nفتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية:\nسُئل عمن أفطر في رمضان؟\nفأجاب: إن أفطر في رمضان مستحلًا لذلك، وهو عالم بتحريمه استحلالًا له، وجب قتله. وإن كان فاسقًا عُوقب عن فطره في رمضان بحسب ما يراه الإمام، وأخذ منه حد الزنا، وإن كان جاهلًا عرف بذلك، وأخذ منه حد الزنا، ويرجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام والله أعلم (٢) .\nمن أكل أو شرب ناسيًا:\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"من أكل أو شرب ناسيًا فلا يفطر، فإنما هو رزقٌ رزقه الله\" (٣) .\nوقال - ﷺ -: \"من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة\" (٤) .\nقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا نسي فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه\" (٥) .\nوعند البخاري: \"من أكل ناسيًا وهو صائم فإنما أطعمه الله وسقاه\".\nمذاهبُ العلماءِ في الأكل وغيره ناسيًا:\nمذهب الشافعية: لا يُفطر بشيء ناسيًا الصوم (٦)، وبه قال الحسن البصري ومجاهد\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٨٧-٣٨٨) .\n(٢) \"مجموع فتاوى\" (٢٥/٢٦٥) .\n(٣) صحيح.\n(٤) رواه الدارقطني، وقال النووي: إسناده صحيح أو حسن.\n(٥) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخارى.\n(٦) سواء كان الصوم صوم تطوع أم فريضة وهو الأصح والراجح.","vol":"2","page":42},{"text":"وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وداود وابن المنذر وغيرهم.\n* وقال عطاء والأوزاعي والليث: يجب قضاؤه في الجماع ناسيًا دون الأكل.\n* وقال ربيعة ومالك يفسد صوم الناسي في جميع ذلك، وعليه القضاء دون الكفّارة.\n* وقال أحمد: يجب بالجماع ناسيًا القضاء والكفارة ولا شيء في الأكل (١) .\n* مسألة: إذا أكل الصائم أو شرب أو جامع جاهلًا بتحريمه: فإن كان قريب عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه كون هذا مفطرًا لم يفطر، وإن كان مخالطًا للمسلمين بحيث لا يخفى عليه تحريمه أفطر.\n* مسألة: المكره على الأكل وغيره لا يبطل صومه عند الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: يبطل.\nوعند الشافعية: إذا فعل به غيره بأن أجبر على الطعام قهره، أو ربطت المرأة وجومعت، أو جومعت نائمة فلا فطر في كل ذلك. وكذا لو استدخلت ذكره نائمًا أفطرت هي دونه\" (٢) .\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-275> ما يُفطر من غير المأكول والمشروب:</span>\n(١) فقد اتفقوا على أن من قبّل فأمنى أفطر إلا ما روي عن ابن حزم من الخلاف.\n(٢) واختلفوا إذا أمذى، فذهب مالك وأحمد إلى أنه مفطر وعليه القضاء وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه مفطر ولا قضاء عليه.\n\"سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عما إذا قبل زوجته، أو ضمها، فأمذى هل يفسد صومه؟ أم لا؟ فأجاب يفسد الصوم بذلك، عند أكثر العلماء\" (٣) .\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٥٢-٣٥٣) .\n(٢) \"المجموع\" (٦/٣٥٣-٣٥٥) .\n(٣) \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/٢٦٥) .","vol":"2","page":43},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-276>القبلة للصائم</span>\":\nاختلفوا في جواز القبلة للصائم:\n* فحرّمَها الشافعي وأبو حنيفة على من تحرك شهوته.\n* وحرمها مالك مطلقًا.\n* وعن أحمد روايتان مثل المذهبين.\n* ومن كرهها مطلقًا قال: لأنها مدعاة إلى الجماع.\n* ومن أجازها مطلقًا تمسك بما روي من حديث عائشة وأم سلمة - المتفق عليه - أن رسول الله - ﷺ -: \"كان يُقبّل وهو صائم\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>مذاهب العلماء في القبلة للصائم:</span>\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٣٩٧-٣٩٨): \"مذهبنا كراهتها - أي كراهة تحريمية - لمن حركت شهوته ولا تكره لغيره والأولى تركها، فإن قبل من تحرك شهوته ولم ينزل لم يبطل صومه.\nقال ابنُ المنذر: رخص في القبلة عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو هريرة وعائشة وعطاء والشعبي والحسن وأحمد وإسحاق، قال: وكان سعد بن أبي وقاص لا يرى بالمباشرة للصائم بأسًا.\nوكان ابنُ عمر ينهى عن ذلك.\nوقال ابن مسعود: يقضي يومًا مكانه.\nوكره مالك القبلة للشباب والشيخ في رمضان.\nوأباحتها طائفة للشيخ دون الشاب ممن قاله ابن عباس.\nهذا نقل ابنُ المنذر ومذهب أبي حنيفة كمذهبنا.\nوحكى الخطابي عن سعيد بن المسيّب أن من قبل في رمضان قضى يومًا مكانه قال:","vol":"2","page":44},{"text":"وسائر الفقهاء: القبلة لا تفطر إلا أن يكون معها إنزال، فإن أنزل معها أفطر ولزمه القضاء دون الكفارة\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>القيءُ للصائم</span>\n* قال - ﷺ -: \"لا يفطر من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم\" (٢) .\n* وقال - ﷺ -: \"من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض\" (٣) .\nوعن أبي هريرة: إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج.\nوقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج.\n* قال النووي (٦/٣٤٤-٣٤٥):\nمذاهبُ العلماءِ في القيء:\n\"مذهبنا أن من تقايأ عمدًا أفطر ولا كفارة عليه إن كان في رمضان.\nقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تقايأ عمدًا أفطر.\n* قال علي وابن عمر وزيد بن أرقم وعلقمة والزهري ومالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: لا كفارة عليه وإنما عليه القضاء.\n* قال عطاء وأبو ثور: عليه القضاء والكفارة. قال: وبالأوّل أقول. قال: وأمّا من ذرعه القيء فقال علي وابن عمر وزيد بن أرقم ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: لا ييطل صومه. قال: وهذا قول كل من يحفظ عنه العلم وبه أقول\".\n_________\n(١) \"إرشاد المسترشد\" (ص ٣١٠) لمحمد ولي بن المنذر الأنصاري.\n(٢) حسن: رواه أبو داود عن رجل وحسنه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٧٧٤٢) .\n(٣) صحيح: رواه أبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة، وصححه الألبانى في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٢٤٣)، \"الأرواء\" (٩٣٠)، \"حقيقة الصيام\" (١٣-١٤) . وقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٠٦): قال البخارى لم يصح وعبد الله بن سعيد المقبري ضعيف جدًا، وقال أبو داود سمعت أحمد يقول: ليس من ذا شيء. ورواه أصحاب السنن والحاكم وقال الترمذي غريب لا نعرفه وسألت محمدًا عنه فقال: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا يصح إسناده ولكن العمل عليه عند أهل العلم.","vol":"2","page":45},{"text":"قال ابنُ حجر (٤/٢٠٦): \"أما القيء فذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر وبين من تعمده فيفطر، ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء، لكن نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود لا يفطر مطلقًا وهي إحدى الروايتين عن مالك. وعطاء والأوزاعي وأبو ثور فقالوا يقضي ويكفّر، ونقل ابن المنذر أيضًا الإجماع على ترك القضاء على من ذرعه القيء ولم يتعمده إلا في إحدى الروايتين عن الحسن\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>الحجامة للصائم</span>\nعن ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج.\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" (١) .\n* وعن ابن عباس ﵄: \"أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم\" (٢) .\n* وعن ابن عباس ﵄ قال: \"احتجم النبي - ﷺ - وهو صائم\" (٣) .\n* سُئل أنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف\" (٤) . وزاد [على عهد النبي - ﷺ -] .\nوكان ابن عمر يحتجم وهو صائم، ثم تركه فكان يحتجم بالليل.\nوعن أم علقمة: كنا نحتجم عند عائشة فلا تنهى.\n* عن أبي سعيد الخدري قال: \"رخص رسول الله - ﷺ - في القبلة للصائم والحجامة\" (٥) .\n_________\n(١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن ثوبان وهو متواتر (رواه ١٨ صحابي) .\n(٢) رواه البخاري. وقال الحافظ ابن حجر (٤/١٥): \"والحديث صحيح لا مرية\". فلا يلتفت إلى قول ابن القيم أنه لا يصح.\n(٣) رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن أبي شيية والطحاوي والبيهقي.\n(٤) رواه البخاري.\n(٥) صحيح: أخرجه الطبراني والدارقطني وصححه ابن حزم، والألباني في \"إرواء الغليل\" رقم (٩٣١ ج ٤/٧٤)، وأخرجه أيضًا النسائي في \"الكبرى\" وابن خزيمة. وقال الدارقطني: إسناده كلهم ثقات.","vol":"2","page":46},{"text":"قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٥٥):\nوقال ابن حزم: صح حديث \"أفطر الحاجم والمحجوم\" بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد \"رخص النبي - ﷺ - في الحجامة للصائم\"، وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا.\nقال الحافظ ابنُ حجر في \"الفتح\" (٤/٢٠٦):\n\"أما الحجامة فالجمهور على عدم الفطر بها مطلقًا، وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، وقال بقول أحمد من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان. ونقل الترمذي عن الزعفراني أن الشافعي علق القول على صحة الحديث، وبذلك قال الداودي من المالكية\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>مذاهب العلماء في حجامة الصائم:</span>\nقال النوري في \"المجموع\" (٦/٣٨٩-٣٩٣): \"مذهبنا أنه لا يفطر بها لا الحاجم ولا المحجوم، وبه قال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وأم سلمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والشعبي والنخعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وداود وغيرهم\".\nقال صاحب الحاوي: وبه قال أكثر الصحابة وأكثر الفقهاء.\n* وقال جماعة من العلماء الحجامة تفطر، وهو قول علي بن أبي طالب وأبي هريرة وعائشة والحسن البصري وابن سيرين وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة والحاكم.\n* قال الخطابي: قال أحمد وإسحاق: يفطر الحاجم والمحجوم وعليهما القضاء دون الكفارة، وقال عطاء: يلزم المحتجم في رمضان القضاء والكفارة.\nواحتج هؤلاء بحديث ثوبان قال: سمعت رسول - ﷺ - يقول: \"أفطر الحاجم","vol":"2","page":47},{"text":"والمحجوم\". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة وإسناد أبي داود على شرط مسلم.\n* وعن شدّاد بن أوس: أتى رسول الله - ﷺ - على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثمان عشرة خلت من رمضان فقال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة. وعن رافع بن خديج عن النبي - ﷺ - قال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" رواه الترمذي وقال حديث حسن.\nوهذا الحديث صححه لفيف من العلماء، فحديث أبي موسى عند الحاكم قال عنه ابن المديني: صحيح، وحديث ثوبان قال عنه ابن حنبل: أصح ما روي في الباب. وعن علي بن المديني: لا أعلم فيها أصح من حديث رافع بن خديج.\nقالما الحاكم: فقد حكم أحمد لأحد الحديثين بالصحة، وعلي للآخر بالصحة، وحكم إسحاق بن راهويه لحديث شداد بن أوس بالصحة وقال: هذا إسناد تقوم به الحجة. قال إسحاق: وقد صح هذا الحديث بأسانيد وبه نقول.\nقال الحاكم: رضي الله عن إسحاق فقد حكم بالصحة لحديث صحته ظاهرة وقال به.\nوصحح الدارمي: حديث شداد وثوبان: قال: وبه أقول. قال: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: صح عندي حديث ثوبان وشداد.\nواحتج الجمهور بحديث ابن عباس \"أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم وأحتجم وهو صائم\" رواه البخاري.\n* وحديث ابن أبي ليلى قال: \"حدثني رجل من أصحاب النبى - ﷺ - أن النبي - ﷺ - نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم ينه عنهما إلا إبقاء على أصحابه\".\nرواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم. واحتج به أبو داود والبيهقي وغيرهما في أن الحجامة لا تفطر.\n* وعن أنس قال: \"أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي - ﷺ - فقال: \"أفطر هذان\" ثم رخص النبي - ﷺ - بعد في الحجامة","vol":"2","page":48},{"text":"للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم\" رواه الدارقطني وقال: رواته كلهم ثقات، قال: ولا أعلم له علة.\nقال البيهقي: وروينا في الرخصة في ذلك عن سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عباس والحسين بن علي وزيد بن أرقم وعائشة وأم سلمة - ﵃ -، واستدل الأصحاب بالقياس على الفصد والرعاف.\nوقد رد العلماء على حديث \"أفطر الحاجم والمحجوم\" بأجوبة:\n(أحدها) ما ذكره الشافعي في \"الأم\" وتابعه عليه الخطابي والبيهقي أنه منسوخ بحديث ابن عباس وغيره.\nفحديث شداد بن أوس قال الشافعي: وابن عباس إنما صحب النبي - ﷺ - محرمًا في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ولم يصحبه محرمًا قبل ذلك، وكان الفتح سنة ثمان بلا شك، فحديث ابن عباس بعد حديث شداد بسنتين وزيادة، قال: فحديث ابن عباس ناسخ.\nقال البيهقي: ويدل على النسخ أيضًا قوله في حديث أنس \"ثم رخص النبي - ﷺ - بعد في الحجامة\" قال: وحديث أبي سعيد الخدري السابق أيضًا فيه لفظ الترخيص، وغالب ما يستعمل الترخيص بعد النهي.\n(الجواب الثاني) أجاب به الشافعي أيضًا أن حديث ابن عباس أصح، ويعضده أيضًا القياس فوجب تقديمه.\n* قال ابن خزيمة: ثبتت الأحاديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" فقام بعض من خالفنا في هذه المسألة وقال: لا يفطر لحديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - \"احتجم وهو محرم صائمًا\" ولا حجة له في هذا؛ لأن النبي - ﷺ - إنما احتجم وهو محرم صائم في السفر لأنه لم يكن قط محرمًا مقيمًا ببلده، والمسافر إذا نوى الصوم له الفطر بالأكل والشرب والحجامة وغيرها، فلا يلزم من حجامته أنها لا تفطر فاحتجم وصار مفطرًا، وذلك جائز. هذا كلام ابن خزيمة حكاه الخطابي في \"معالم السنن\" ثم قال: وهذا تأويل باطل، لأنه قال: احتجم وهو صائم فأثبت له الصيام مع الحجامة، ولو بطل صومه بها لقال: أفطر بالحجامة كما يقال: أفطر الصائم بأكل الخبز، ولا يقال: أكله وهو","vol":"2","page":49},{"text":"صائم قلت: ولأن السابق إلى الفهم من قول ابن عباس \"احتجم وهو صائم\" الإخبار بأن الحجامة لا تبطل الصوم، ويؤيده باقي الأحاديث المذكورة والله أعلم\" انتهى من \"المجموع\" (٦/٣٩٢-٣٩٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>الجماع في نهار رمضان</span>\nقال تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يين الله آياته للناس لعلهم يتقون) [البقرة: ١٨٧] .\n* عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"بينما نحن جلوس عند النبي - ﷺ - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت: قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟\nقال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا. قال: فمكث النبي - ﷺ -، فبينا نحن على ذلك أُتِي النبي - ﷺ - بِعَرَق (١) فيها تمر - والعرق: المكتل - قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحَرَّتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك\" (٢) .\n* عن عائشة - ﵂ - قالت: \"إن رجلًا أتى النبى - ﷺ - فقال إنه احترق قال: مالك؟ قال: أصبت أهلي في رمضان. فأتى النبي - ﷺ - بمكتل يُدعى العرق، فقال: أين المحترق؟ قال: أنا. قال: تصدق بهذا\" (٣) .\nقال النووي (٦/٣٤٨-٣٥٠): \"أجمعت الأمة على تحريم الجماع في القبل\n_________\n(١) العرق: هو المكتل الضخم وهو الزبيل وسمي عرقا لأنه يضفر عرقه عرقة، والعرقة الضفيرة من الخوص.\n(٢) رواه البخاري واللفظ له ومسلم وأحمد ومالك والنسائي والدارقطني وابن خزيمة وأبو عوانة والطحاوى والبزار.\n(٣) رواه البخاري واللفظ له ورواه مسلم مطولًا.","vol":"2","page":50},{"text":"والدبر على الصائم، وعلى أن الجماع يبطل صومه للآيات الكريمة وللأحاديث الصحيحة، ولأنه مناف للصوم فأبطله كالأكل، وسواء أنزل أم لا، فيبطل صومه في الحالين بالإجماع لعموم الآية والأحاديث ولحصول المنافي\".\nوفيه مسائل:\n(١) من أفسد صومًا واجبًا بجماع فعليه القضاء سواءً كان في رمضان أوغيره وهذا قول أكثر الفقهاء. قال العبدري: وبإيجاب قضائه قال جميع الفقهاء سوى الأوزاعي فقال: إن كفّر بالصوم لم يجب قضاؤه، وإن كفر بالعتق أو الإطعام قضاه.\n(٢) أن الكفارة تلزم من جامع في الفرج عامدًا أنزل أو لم ينزل في قول عامة أهل العلم، وحكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: لا كفارة عليه.\n(٣) الجماع دون الفرج إذا اقترن به الإنزال: فقال أحمد في رواية عنه ومالك وعطاء والحسن وابن المبارك وإسحاق: عليه الكفارة.\nوالثانية لا كفارة عليه: وهي رواية عن أحمد وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.\n(٤) لا فرق بين كون الفرج قبلًا أو دبرًا من ذكر أو أنثى، وبه قال أحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة في أشهر الروايتين عنه: لا كفارة في الوطء في الدبر.\n(٥) الوطء في فرج البهيمة - قبلها أو دبرها - موجب للكفارة في أصح الروايتين عند أحمد والشافعي.\n(٦) ويفسد صوم المرأة بالجِماع. فهل تلزمها الكفارة؟ على قولين:\nتلزمها: وهو اختيار أبي بكر وقول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر وإحدى الروايتين عن أحمد والشافعي ورجحه في \"الفتح\" ابن حجر.\n* والقول الآخر: لا تلزمها، وهو قول للشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وهو قول الحسن.\n(٧) إن تساحقت امرأتان فلم ينزلا، فلا شيء عليهما؛ وإن أنزلتا فسد صومهما","vol":"2","page":51},{"text":"وأصح الوجهين عند الحنابلة: لا كفّارة عليهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.\n(٨) وإذا جامع في أول النهار ثم مرض أو جن، أو كانت امرأة فحاضت أو نفست في أثناء النهار، لم تسقط الكفارة. وبه قال أحمد ومالك والليث وابن الماجشون وإسحاق، وقال أصحاب الرأي: لا كفارة عليهم، وللشافعي قولان.\n(٩) ومن جامع يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه كان قد طلع، فعليه عند أحمد القضاء والكفارة، وقال أصحاب الشافعي: لا كفارة عليه.\n(١٠) إذا استمنى بيده - وهو: استخراج المني - أفطر.\n(١١) إذا نظر إلى امرأة وتلذذ فأنزل لم يفطر عند الشافعي وسفيان الثوري وأبو الشعثاء وأبو حنيفة وأبو يوسف وابن المنذر.\n* وعند الحسن: عليه القضاء والكفارة. وعن مالك روايتان:\nإحداهما: كالحسن.\nوالثانية: إن تابع النظر فعليه القضاء والكفارة وإلا فالقضاء.\n(١٢) لو قبل امرأة وتلذذ فأمذى، قال مالك وأحمد: يفطر، وعند الشافعية: لا يفطر، وبه قال الحسن البصري والشعبي والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو ثور قال ابن المنذر: وبه أقول.\n(١٣)<span data-type=\"title\" id=toc-282> مذاهب العلماء فيمن كرر جماع زوجته في يوم من رمضان:</span>\n* عليه كفارة واحدة بالجماع الأول، سواء كفر عن الأول أم لا، وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة لأنه لم يصادف صومًا منعقدًا بخلاف الجماع الأول.\n* وعن أحمد: إن كان الوطء الثاني قبل تكفيره عن الأول لزمه كفارة أخرى لأنه وطء محرم فأشبه الأول.\n(١٤)<span data-type=\"title\" id=toc-283> مذاهب العلماء فيمن وطء في يومين أو أيام من رمضان:</span>\n* عند الشافعي ومالك وأحمد في أصح الروايتين عنده: يجب لكل يوم كفارة سواءً كفر عن الأول أم لا.\n* وعند أبي حنيفة: إن وطيء في الثاني قبل تكفيره عن الأول كفته كفارة واحدة،","vol":"2","page":52},{"text":"وإن كفر عن الأول فعنه روايتان، قال: ولو جامع في رمضانيين ففي رواية عنه أنه كرمضان واحد، وفي رواية تتكرّر الكفارة.\n(١٥) فيمن رأى هلال رمضان وحده ولم يقبل القاضي شهادته:\nفلو صام وجامع في ذلك اليوم فعليه الكفارة وهو مذهب عامة العلماء.\nوقال عطاء والحسن وابن سيرين وأبو ثور وإسحاق بن راهويه: لا يلزمه الصوم.\nوقال أبو حنيفة: يلزمه الصوم، ولكن إن جامع فلا كفارة.\nومن رأى هلال شوال وحده يلزمه الفطر وقال به أكثر العلماء.\nوقال مالك والليث وأحمد: لا يجوز له الأكل فيه.\n(١٦) إن كان الزوج مجنونًا فوطئها وهي صائمة مختارة فعلى قول من يقول على كل واحد كفارة وهو قول الجمهور لزمتها الكفارة في مالها، ولا يتحملها الزوج لأنه ليس أهلًا للتحمل، كما لا تلزمه عن فعل نفسه.\n* وإن قلنا تجب كفارة عنه وعنها فلا شيء عليه ولا عليها.\n(١٧) قال النووي: \"لو كان الزوج مسافرًا صائمًا وهي حاضرة صائمة فإن أفطر بالجماع بنية الترخص فلا كفارة عليه عن نفسه بلا خلاف، وإن لم يقصد به الترخص فوجهان: أصحهما: لا كفارة عليه أيضًا، لأنه لا يلزمه الصوم فصار كقاصد الترخص.\nولو قدم المسافر مفطرًا فأخبرته أنها مفطرة وكانت صائمة فوطئها، فإن قلنا الكفارة عنه فقط فلا شيء عليه ولا عليها، وإن قلنا عنه وعنها وجبت الكفارة عليها في مالها لأنها غرته - هكذا قالوه -.\n(١٨) الوطء بزنا أو شبهة أو نكاح فاسد سواء في إفساد الصوم ووجوب القضاء والكفارة وإمساك بقية النهار.\n(١٩) إذا وطيء الصائم في نهار رمضان وقال: جهلت تحريمه، فإن كان ممن يخفى عليه لقرب إسلامه ونحوه فلا كفارة وإلّا وجبت.","vol":"2","page":53},{"text":"(٢٠)<span data-type=\"title\" id=toc-284> مذاهب العلماء في المباشرة فيما دون الفرج - القُبل والدبُر </span>-:\n* إن لم ينزل فلا شيء عليه.\n* وإن أنزل فعليه القضاء ولا كفارة عند الشافعي وأبي حنيفة وهو الراجح والأصح.\n* وقال داود: كل إنزال تجب به الكفارة حتى الاستمناء إلا إذا كرر النظر فأنزل فلا قضاء ولا كفارة.\nوقال مالك وأبو ثور والزهري والأوزاعي والثوري وإسحاق وعطاء والحسن وابن المبارك: عليه القضاء والكفارة.\n* وقال أحمد: يجب بالوطء فيما دون الفرج الكفارة.\n(٢١) قال ابن تيمية في \"حقيقة الصيام\" (ص ٢٦-٢٧): \"المجامع الناسي فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، ويذكر ثلاث روايات عنه:\nإحداها: لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين.\nوالثانية: عليه القضاء بلا كفارة، وهو قول مالك.\nوالثالثة: عليه الأمران، وهو المشور عن أحمد.\nوالأول أظهر، فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسُنة أن من فعل محظورًا مخطئًا أو ناسيًا لم يؤاخذه الله بذلك، وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم ومن لا إثم عليه لم يكن عاصيًا ولا مرتكب لما نهي عنه، وحينئذ فيكون قد فعل ما أمر به ولم يفعل ما نهي عنه، ومثل هذا لا يبطل عبادته\".\nمسائل:\n(١) لو رأى الصائم في رمضان مشرفًا على الغرق ونحوه ولم يمكنه تخليصه إلا بالفطر ليتقوى فأفطر لذلك جاز، بل هو واجب عليه ويلزمه القضاء.\n(٢) الإمساك تشبيهًا بالصائمين من خواص رمضان كالكفارة، فلا إمساك على متعدٍ بالفطر في نذر أو قضاء أو كفارة، كما لا كفارة عليه.","vol":"2","page":54},{"text":"(٣) إذا نام جميع النهار وكان قد نوى من الليل صحّ صومه.\n(٤) لو نوى من الليل ولم ينم النهار ولكن كان غافلًا عن الصوم في جميعه صح صومه بالإجماع.\n(٥) لو نوى الصوم في الليل ثم شرب دواء فزال عقله نهارًا بسببه، قال البغوي: إن قلنا لا يصح صوم المغمى عليه فهذا أولى، وإلا فوجهان: أصحهما: لا يصح، لأنه بفعله.\nقال المتولي: ولو شرب المسكر ليلًا وبقي سكره جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء في رمضان وإن صحا في بعضه.\n(٦)<span data-type=\"title\" id=toc-285> مذاهب العلماء فيمن أفطر بغير الجماع في نهار رمضان </span>عدوانًا:\n* إذا قضى يومًا كفاه عن الصوم: وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء.\n* وحكى ابن المنذر وغيره عن ربيعة بن عبد الرحمن أنه يلزمه أن يصوم اثني عشر يومًا مكان كل يوم؛ لأن السنة اثنا عشر شهرًا.\n* وقال سعيد بن المسيب: يلزمه صوم ثلاثين يومًا.\n* وقال النخعي: يلزمه صوم ثلاثة آلاف يوم - كذا حكاه ابن المنذر -.\n* وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود - ﵄ -: لا يقضيه صوم الدهر.\n* والمشهور عن مالك أنه يوجب الكفارة عن فطر لمعصية قاله النووي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>الركن الثالث: النية</span>\nوقت نيّة الصوم (*)\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>تقديم النيّة في الصوم</span>\nلم يختلف العلماء في جواز تقديم النية في الصوم كما اختلفوا في الوضوء والصلاة، والسبب في ذلك أمران:\n_________\n(*) بحث النية بأكمله اكتفينا فيه بجمع الشيخ عمر الأشقر.","vol":"2","page":55},{"text":"١- النصوص الصريحة الدالة على أنَّ محلَّ النية في الصوم هو الليل، وسيأتي بيانها.\n٢- أن اشتراط مقارنة النيّة لأول الصوم فيه مشقّة بالغة، وحرج شديد والله يقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]، ووجه المشقة والحرج أنَّ أول الصوم يأتي في وقت غفلة من الناس، ولعسر مراقبة أول الصوم وهو الفجر (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>تأخير النية في الصوم</span>\nاختلف العلماء في جواز تأخير النية في بعض أنواع الصوم، وسأحاول تحقيق مذاهب العلماء في ذلك، والراجح منها.\n١- القضاء والكفّارة:\nلا يجوز تأخير نيّة صوم الكفارة وقضاء رمضان، ولا يصحّ صومهما إلا بنيّة من الليل عند كافة العلماء.\nقال النووي: \"ولا نعلم أحدًا خاف في ذلك\" (٢) .\n٢- صوم رمضان:\nالقائلون بجواز صومه بنيّة من النَّهار:\nذهب الإمام أبو حنيفة - ﵀ - وأصحابه إلى أن صوم رمضان يتأدى بنية من بعد غروب الشمس إلى منتصف النَّهار\" (٣) .\nوخالف زفر (٤) من الأحناف في المريض والمسافر إِذا صاما رمضان، قال: لابدَّ لهما\n_________\n(١) راجع في هذا الموضوع \"الإحكام في آيات الأحكام\" لابن العربي (٢/٥٦٤، ٤/١٩٠٨)، \"الأشباه والنظائر\" للسيوطي (ص ٢٤)، \"إرشاد الساري\" (١/٥٤)، \"المحلى\" لابن حزم (٦/١٦٢)، \"الذخيرة\" (١/٢٤٣) .\n(٢) \"المجموع\" (٦/٣٣٧) .\n(٣) \"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/٤٨)، \"تحفة الفقهاء\" (١/٥٣٤)، \"المغني\" (٣/٩١)، \"الإفصاح\" (١/١٥٧)، \"حاشية ابن عابدين\" (٢/٩٢)، \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٨٥) .\n(٤) هو: زفر بن الهذيل من تميم، فقيه كبير من أصحاب أبي حنيفة، أصله من أصبهان، أقام بالبصرة، وولي قضاءها، وتوفي بها سنة ١٥٨ هـ، \"شذرات الذهب\" (١/٢٤٣)، \"العبر\" (١/٢٩٩) .","vol":"2","page":56},{"text":"من تبييت النيّة من الليل؛ لأنه في حقهما كالقضاء، لعدم تعينه عليهما، ولم يرتض الأحناف منه ذلك؛ لأن صوم رمضان متعينّ بنفسه على الكلّ، غير أنه جاز لهما تأخيره تخفيفًا للرخصة، فإذا صاما وتركا الترخيص التحقا بالمقيم الصحيح (١) .\nوقد استدل الأحناف بأدلّة كثيرة نجملها فيما يأتي:\n١- احتجوا بحديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - أن النبي - ﷺ - بعث رجلا ينادي في النّاس يوم عاشوراء: \"أن من أكل فليتم، أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل\" (٢) .\nولا يتم لهم الاستدلال بالحديث إلا على القول بأن صوم عاشوراء كان واجبا، وقد نازع في ذلك بعض مخالفيهم (٣) .\nوإذا حققنا أن صوم عاشوراء كان واجبا فهل يتم للأحناف الاستدلال بالحديث على جواز صيام رمضان بنية من النهار؟\nقال منازعوهم: لا؛ لأنَّ الحديث منسوخ، فلا يصحّ الاستدلال به. إلاَّ أن الأحناف قالوا: لا يلزم من كون الحديث منسوخا أن تنسخ كل الأحكام التي تتعلق به، فالحديث دل على شيئين: أحدهما: وجوب صوم عاشوراء، والثاني: أن الصوم الواجب في يوم بعينه يصحُّ بنية من نهار، والمنسوخ الأول: ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني (٤) .\nومع ذلك فإنّني أرى أنَّ الحديث لا تقوم به حُجة، لأن المتنازع فيه في صوم الفرض المقدور هل يجوز أن ينويه من النهار بلا عذر أم الذي دل عليه الحديث؟ فهو صحة صوم من لم يعلم وجوب الصوم عليه من الليل، كالذي لم يبلغه أن اليوم أول رمضان إلا بعد أن أصبح، وقد احتج ابن حزم بالحديث على صحة صوم من لم يعلم وجوب الصوم إلا بعد طلوع الفجر كما سيأتي.\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/٤٨) .\n(٢) رواه البخاري \"فتح الباري\" (٤/١٤٠) .\n(٣) وهو الأقوى.\n(٤) \"حاشية السندي على النسائي\" (٤/١٩٣) .","vol":"2","page":57},{"text":"وقد أجاب النووي بجواب آخر حيث يقول: \"وعلى فرض وجوبه فكان في ابتداء فرض عليهم من حين بلغهم، ولم يخاطبوا بما قبله، كأهل قباء في استقبال الكعبة، فإن استقبالها بلغهم في أثناء الصلاة، فاستداروا وهم فيها من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة، وأجزأتهم صلاتهم حيث لم يبلغهم الحكم إلا حينئذ، وإن كان الحكم باستقبال القبلة قد سبق في حق غيرهم قبل هذا\" (١) .\n٢- استدل صاحب الهداية من الأحناف بقوله - ﷺ - بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال: \"إلا من أكل فلا يأكل بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم\" (٢) .\nوقد اختلط على المؤلف حديث الأعرابي هذا بحديث سلمة بن الأكوع (٣) في صوم عاشوراء، إذ هذا اللفظ الذي ذكره صاحب الهداية لم يذكر في حديث الأعرابي، وحديث الأعرابي أخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة (٤)، وابن حبان (٥)، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم، عن ابن عباس أن أعرابيًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: \"إني رأيت الهلال، فقال: \"أتشهد أن لا إله إلا الله؟ \" قال: نعم. قال: \"أتشهد أنَّ محمدًا رسول الله؟ \" قال: نعم. قال: \"فأذّن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا\" (٦) .\nفرؤية الأعرابي وإخباره للرسول - ﷺ - كانت ليلًا، والأمر بصومه كان في الليل، كما هو واضح من قوله: \"أن يصوموا غدًا\"، وقد استغرب ابن الهمام ما ذكره صاحب الهداية (٧) .\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٣٧) .\n(٢) \"الهداية\" (٢/٤٣) .\n(٣) سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع صحابي، كان شجاعًا راميًا عداء يسبق الخيل، من الذين بايعوا تحت الشجرة، له في الصحيحين (٧٧) حديثًا، توفي بالمدينة سنة ٤٧ هـ.\nراجع: \"تهذيب التهذيب\" (٤/١٥٠)،\"خلاصة تهذيب الكمال\" (١/٤٠٤)، \"الكاشف\" (١/٣٨٥) .\n(٤) هو محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي، إمام نيسابور في عصره، ولد وتوفي بنيسابور (٢٢٣- ٣١١ هـ)، كان فقيهًا مجتهدًا عالمًا بالحديث، تزيد مؤلفاته على (١٤٠) مؤلفًا.\n(٥) هو محمد بن حبان التميمي أبو حاتم البستي، مؤرخ محدث، من مؤلفاته \"المسند الجامع الصحيح\" المعروف بصحيح ابن حبان، وفاته في سنة (٣٥٤ هـ) .\nرا جع: \"شذرات الذهب\" (٣/٦)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ٣٧٤)، \"الأعلام\" (٦/٣٠٦) .\n(٦) \"تلخيص الحبير\" (٢/١٨٧) .\n(٧) \"فتح القدير\" (٢/٤٣) .","vol":"2","page":58},{"text":"٣- واحتجوا بقرله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] .\nفقد أباح للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر: متأخرًا عنه، لأنَّ كلمة \"ثم\" للتعقيب مع التراخي، فكان هذا أمرًا بالصوم متراخيًا عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنيّة، إذ لا صحة للصوم شرعا بدون النية، فكان أمرًا بالصوم بنية متأخرة عن أوّل النهار، ومن أتى به فقد أتى بالمأمور به، فيخرج عن العهدة، وفيه دلالة على أنَّ الإمساك في أول النَّهار يقع صومًا وجدت فيه النية أو لم توجد؛ لأن إتمام الشيء يقتضي سابقية وجود بعض منه، ولأنه صام في وقت متعين شرعًا لصوم رمضان لوجود ركن الصوم مع شرائطه.\nهكذا احتجّ صاحب بدائع الصنائع بالآية الكريمة (١) .\nونحن نخالفه في عدّة أمور:\nأولًا: نخالفه في أن \"الأمر بالصوم أمر بالنيّة\"، وتعليله لذلك بأنّه \"لا صحة للصوم شرعًا بدون النية\". ذلك أن وجوب النية في الصوم غير مأخوذ من مجرد الأمر بالصوم، بل من أدلّة أخرى منفصلة، كقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: ٥] . وقوله - ﷺ -: \" إنما الأعمال بالنيّات\" (٢)، وبناء على ذلك فليس الأمر بالصوم أمرا بالنية.\nثانياَ: إذا تقرّر الأمر السابق بطل مابناه عليه من أن الشارع أمر بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، ولو كان قوله هذا حقا لكان الأفضل أن نأتي بالنيّة بعد طلوع الفجر، وهذا لم يقل به أحد، حتى ولا الأحناف الذين يجيزون النية من النهار.\nثالثا: أن الرسول - ﷺ - بينّ هذه الآية كما بين غيرها من الآيات بقوله: \"لا صوم لمن لم يبيّت الصيام من الليل\"، فوجب أن نأخذ ببيانه.\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/٨٦) .\n(٢) صحيح.","vol":"2","page":59},{"text":"رابعًا: ونخالفه في أن الإمساك في أول النهار يقع صوما وجدت فيه النية أم لم توجد؛ لقوله - ﷺ -: \"إنَّما الأعمال بالنيات\"، وهذا لم ينو فكيف يقع صوما ولم توجد منه نيّة؟ ويلزم بناء على قوله: أنَّ من أصبح ناويا الإفطار في رمضان أن يكون صائمًا إذا لم يأكل أو يشرب أو يجامع.\nوتعليله بأنه صام في وقت متعين شرعًا يلزم منه أن من صلى ركعتين في آخر وقت الصبح بحيث لم يبق من الوقت إلاَّ ما يكفي لصلاة الفرض، ولم ينو بهما فرض الوقت أن تجزيا عن صلاة الفريضة، لأن الوقت أصبح متعينًا لصلاة الصبح، ولا يصح منه غيرهما، وهم لا يقولون بذلك.\n٤- واحتجوا بالقياس: ولهم في القياس طريقان:\nالأول: قياس الفرض على النفل (١)، فالنفل صح فيه أن الرسول - ﷺ - كان ينويه من النهار. وقال منازعوهم: هذا قياس لا يصحّ، لأننا عهدنا من الشارع أنه يخفف في النوافل ما لا يخفف في الفرائض.\nففي الصلاة مثلًا سامح الشارع في ترك القيام في صلاة التطوع، وترك استقبال القبلة فيه في السفر تكثيرًا له بخلاف الفرض (٢) .\nثم نقول لهم: صحَّ الحديث في أنه - ﷺ - كان يحدث الصوم بنيّة من النَّهار في النوافل، وصحَّ أن أكثر من صحابي قال: \"لا صيام لمن لم يبيت الصوم من الليل\" أو نحو هذا، وهذا له حكم المرفوع، لأنه لا يقال بالرأي بل الذي نرجّحه صحته مرفوعًا إلى الرسول - ﷺ - من قوله، كما سيأتي بيانه. فلمّا صح هذا وهذا كان الواجب ألا نضرب حديث رسول الله - ﷺ - بعضه ببعض، بل علينا أن نوفق بين الأحاديث، وهذا ما فعلناه\nعندما حملنا حديث إحداثة النية من النهار على صوم النفل، بل هو صريح في ذلك، وحملنا حديث \"لا صوم لمن لم يييت الصيام من الليل\" على صيام الفرض.\nالثاني: قياس النيّه المتأخرة على المتقدمة من أوّل الغروب والجامع بينهما \"التيسير ودفع الحرج\" (٣) .\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/٤٨) .\n(٢) \"المغني\" لابن قدامة (٣/٩٢) .\n(٣) \"فتح القدير\" (٢/٤٨) .","vol":"2","page":60},{"text":"قالوا: \"الأصل أن النيّه لا يصح اعتبارها إلا بالمقارنة، أو مقدمة مع عدم اعتراض ما ينافي المنوي بعدها قبل الشروع فيه، فإنه يقطع اعتبارها على ما قدمنا في شروط الصلاة\" (١) .\nولم يجب فيما نحن فيه، لا المقارنة وهو ظاهر، فإنه لو نوى بعد الغروب أجزأه، ولا عدم تخلل المنافي لجوازالصوم بنية يتخلل بينها وبينه الأكل والشرب والجماع مع انتفاء حضورها بعد ذلك إلى انقضاء يوم الصوم (٢) . ثم أخذ يبين الحرج الذي سينشأ من عدم إجازة النية من النهار: \"فكثير من النّاس يقع في الحرج لو لم تجز من النهار، كالذي نسيها ليلًا، وفي حائض طهرت قبل الفجر ولم تعلم إلا بعده، وهو كثير جدًا، فإن عادتهن وضع الكرسف عشاء، ثم النوم، ثم رفعه بعد الفجر، وكثير ممن تفعلن ذلك تصبح فترى الطهر، وهو محكوم بثبوته قبل الفجر، ولذا نلزمها بصلاة العشاء، وفي صبي بلغ بعده، ومسافر أقام، وكافر أسلم\" (٣) .\nثم قال: \"فيجب القول بصحتها نهارًا، وتوهم أنَّ مقتضاه قصر الجواز على هؤلاء، أن هؤلاء لا يكثرون كثرة غيرهم بعيد عن النظر ... \" (٤) .\nفهو بذلك يثبت أن \"المعنى الذي لأجله صحت النية المتقدمة لذلك التيسير ودفع الحرج موجود في النية المتأخرة ... \" (٥) .\nوالإجابة على ذلك أن القول بهذا يلزمهم القول بإجازة الصوم بنيّة من النهار قبل الزوال وبعده، لا كما يقولون بأن النية بعد الزوال لا تصح، وذلك لأنَّ الحرج قد يوجد بعد الزوال، فقد يبلغ الصبي، ويسلم الكافر، ويفيق المجنون، ويصحو المغمى عليه، وهم لا يقولون بذلك.\nثمّ إنَّ إجازة صوم هؤلاء من النهار بلا نية على القول به كما هو مذهب ابن حزم\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) \"فتح القدير\" (٢/٤٨)، بتصرف يسير.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) المصدر السابق.","vol":"2","page":61},{"text":"خاص بهم للضرورة (١)، وقد احتج لمذهبه هذا بحديث صيام عاشوراء حيث أمر من أكل بالإمساك، ومن لم يأكل بالصيام، أما الذين كانوا قادرين على النية من الليل فلم يفعلوا فلا حرج في إيجاب النية عليهم من الليل لإباحة النية في الليل بطوله، وقد تابع ابن حزم في مذهبه الشوكاني من المتأخرين (٢) .\nإلا أن كثيرًا من الفقهاء نازع في إيجاب النية على الكافر يسلم في نهار يوم الصيام، والصبي يبلغ أثناءه، لكونهما غير مُكَلفَينِ من أوله، فهم يرون أن الصيام عليهما غير واجب، والحائض لها أن تنوي من الليل إذا علمت أنَّ عادتها الطهر قبيل الفجر.\nالفريق الموجب للنية من الليل في صوم رمضان:\nوذهب مالك وأحمد وإسحق (٣) والشافعي وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا يصح صوم رمضان إلا بنية من الليل (٤) .\nأدلتهم:\nأولًا: احتجوا بما رواه النسائي (٥) من طريق أحمد بن أزهر عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر (٦) عن حفصة (٧)، قالت:\n_________\n(١) \"المحلى\" (٦/١٦٤-١٦٦) .\n(٢) \"نيل الأوطار\" (٤/٢٠٨) .\n(٣) هو إسحق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التيمي المعروف بإسحق بن راهويه، عالم خراسان في عصره، وهو أحد كبار الحفاظ، أخذ عنه الأمام أحمد، والبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم، ولد في سنة (١٦١ هـ) وتوفي سنة (٢٣٨ هـ) .\nراجع: \"خلاصة تهذيب الكمال\" (١/٦٩)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ١٨٨)، \"تهذيب التهذيب\" (١/٢١٦) .\n(٤) \"المجموع\" للنووي (٦/٣٣٧)، وراجع \"المغني\" لابن قدامة (٣/٩١) .\n(٥) هو أحمد بن شعيب، أصله من (نسا) بخراسان، استوطن مصر، وهو صاحب كتاب السنن الصغرى، أحد الكتب الستة المعتمدة في الحديث، ولادته في سنة (٢١٥ هـ)، ووفاته في القدس أو مكة سنة (٣٠٣ هـ) .\nراجع: \"تذكرة الحفاظ\" (٤/٦٩٩)، \"خلاصة تهذيب الكمال\" (١/١٧)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ٣٠٣) .\n(٦) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، أسلم مع أبيه وهاجر، راوية مكثر من الحديث عن الرسول - ﷺ -، اشتهر بالحرص الشديد على اتباع السُنة، والاجتهاد في العبادة، ولد قبل الهجرة بعشر سنوات وتوفي سنة (٨٤ هـ) .\nراجع: \"خلاصة تهذيب الكمال\" (٢/٨١)، \"الكاشف\" (٢/١١٢)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ٩) .\n(٧) هي أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب، لها في البخاري ومسلم (٦٠) حديثًا، ولدت قبل الهجرة =","vol":"2","page":62},{"text":"قال النبي - ﷺ -: \"من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له\" (١) .\nوقد اعترض الأحناف على الحديث باعتراضات عدة:\n١- أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة (٢)، وهذا الذي ذكروه من ضعف الحديث قاله جماعة من الحفاظ، فضعفوا رفعه إلى الرسول - ﷺ -، ورجحوا أن الحديث موقوف.\nقال البخاري: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف.\nوقال الترمذي: الموقوف أصح.\nوقال النسائي: الصواب عندي أنّه موقوف ولم يصح رفعه.\nوجوابنا على ذلك من وجهين:\nأ- أن جماعة من الحفاظ حكموا بصحته مرفوعًا، منهم ابن خزيمة وابن حبان، وقال الحاكم (٣) في \"الأربعين\": صحيح على شرط الشيخين، وقال في \"المستدرك\": صحيح على شرط البخاري.\nوقال البيهقي رواته ثقات إلا أنه روي موقوفًا (٤) .\nوالسبب الذي من أجله ضعفه من ضعّفه لا يعتبر سببًا قويًا لتضعيف الحديث، فكونه روي موقوفًا، وروي مرفوعًا، ليس سببًا موجبًا لتضعيفه، خاصة وأن الذي رفعه\n_________\n= بـ (١٨) سنة، وتوفيت سنة (٤٥ هـ) .\nراجع: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/٤١٠)، \"خلاصة تهذيب الكمال\" (٣/٣٧٨)، \"الكاشف\" (٣/٤٦٨) .\n(١) \"سنن النسائي\" (٤/١٩٦) .\n(٢) \"فتح القدير\" لابن الهمام (٢/٤٦) .\n(٣) هو محمد بن عبد الله بن حمدويه الضبي النيسابوري من أكابر حفاظ الحديث، أخذ عن نحو ألفي شيخ، صنف كتبًا كثيرة منها: \"تاريخ نيسابور\"، \"المستدرك على الصحيحين\"، وتوفي سنة (٤٠٥ هـ) .\nراجع: \"تذكرة الحفاظ\" (٣/١٠٣٩)، \"شذرات الذهب\" (٣/١٧٦)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ٤٠٩) .\n(٤) انظر تحقيق ابن حجر للحديث في \"تلخيص الحبير\" (٢/١٨٨)، فمنه نقلنا، والحديث رواه غير النسائي: أبو داود والترمذى وابن ماجه، أقول: وقد وهم ابن رشد إذ عزاه في \"بداية المجتهد\" (١/٣٠١) إلى البخاري.","vol":"2","page":63},{"text":"ثقة ثبت، بل إن روايته مرفوعًا وموقوفًا تعتبر سببًا موجبًا لقوة الحديث.\nيقول ابن حزم - بعد أن ساق رواية النسائي -: \"وهذا إسناد صحيح، ولا يضر إسناد ابن جريج له، وإن وقفه معمر (١)، ومالك، وعبيد الله، ويونس، وابن عيينة (٢)، فابن جريج (٣) لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة والحفظ\". ثم قال: \"والزهري (٤) واسع الدراية، فمرة يرويه عن سالم عن أبيه، ومرة عن حمزة عن أبيه، وكلاهما ثقة.\nوابن عمر كذلك مرة رواه مسندًا، ومرة روى أن حفصة أفتت به، ومرة أفتى به هو\".\nثم يقول: \"وكل هذا قوة للخبر\" (٥) .\nوقال الخطابي: \"أسنده عبد الله بن أبي بكر (٦)، والزيادة من الثقة مقبولة\" (٧) .\nب- وعلى التسليم لهم بضعف الحديث: فإنه قد رُوي موقوفًا عن ثلاثة من الصحابة بأسانيد صحيحة، والصحابة الذين يروى موقوفًا عليهم هم: ابن عمر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وعائشة بنت أبي بكر - ﵃ - جميعًا (٨) .\n_________\n(١) هو معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي، فقيه حافظ للحديث، ولد في البصرة (٩٥ هـ)، وسكن اليمن، وتوفي بها (١٥٣ هـ) .\nراجع: \"خلاصة تهذيب الكمال\" (٣/٤٧)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ٨٢)، \"الكاشف\" (٣/١٦٤) .\n(٢) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران: ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي الأعور، أحد أئمة الإسلام، قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، توفي بمكة سنة (١٩٨ هـ) .\nراجع: \"خلاصة تهذيب الكمال\" (١/٣٩٧)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ١١٣)، \"الكاشف\" (١/٣٧٩) .\n(٣) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، فقيه الحرم المكي، وإمام أهل الحجاز في عصره، رومى الأصل، ولد وتوفي بمكة سنة (٨٠-١٥٠ هـ) .\nراجع: \"خلاصة تهذيب الكمال\" (٢/١٧٨)، \"الكاشف\" (٢/٢١٠)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ٧٤) .\n(٤) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، من بني زهرة بن كلاب من قريش، أول من دون الحديث، وأحد كبار الحفاظ الفقهاء، تابعي من أهل المدينة، عاش ما بين (٥٨-١٢٤ هـ) .\nراجع: \"خلاصة تهذيب الكمال\" (٢/٤٥٧)، \"الكاشف\" (٣/٩٦)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ٤٢) .\n(٥) \"المحلى\" (٦/١٦٢) .\n(٦) هو عبد الله بن أبي بكر الصديق صحابي من العقلاء الشجعان السابقين الى الإسلام، كان له دور هام في هجرة الرسول - ﷺ -، توفي سنة (١١هـ) .\nراجع: \"الأعلام\" (٤/٢٣٤) .\n(٧) \"تلخيص الحبير\" (٢/١٨٨) .\n(٨) راجع سنن النسائي، و\"المحلى\" (٦/١٦١)، و\"تلخيص الحبير\" (٢/١٨٨) .","vol":"2","page":64},{"text":"وهؤلاء لا يعرف لهم مخالف من الصحابة أصلًا، والأحناف يستعظمون مخالفة الصحابي الذي لم يعرف له مخالف.\nفإن قالوا: حديث عاشوراء يدل على جواز الصوم بنية من النهار، وهو أصح من هذا الحديث كما قاله أبن الهمّام (١)، فالجواب أن حديثَ عاشوراء لا يدل على مدعاهم كما سبق بيانه.\n٢- أنَّه من الآحاد، فلا يصلح ناسخًا للكتاب (٢) .\nوكون الزيادة على النص القرآني تعتبر نسخًا لا يسلم لهم، كما بحثناه من قبل.\n٣- أنهم حملوه على صوم القضاء والنذر:\nوهذا تأويل بعيد كما يقول الآمدي: وإنما كان هذا التأويل بعيدًا، لأن الصوم في الحديث نكرة، وقد دخل عليه حرف النفي، فكان ظاهره العموم في كل صوم، ثم المتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الأصلي المتخاطب به في اللغات: وهو الفرض والتطوع، دون ما وجوبه بعارض، ووقوعه نادر، وهو القضاء والنذر.\nوقد أصابَ الآمدي في رده عليهم عندما يينّ أنّ ترك ما هو قوي في العموم، وإخراج الأصل الغالب من النص، وإرادة العارض البعيد النادر إلغاز في القول. وقرّب هذا بمثال ضربه، فالسيد إذا قال لعبده: من دخل داري من أقاربي فأكرمه، ثم قال: إنّما أردت قرابة السبب دون قرابة النسب، أو ذوات الأرحام البعيدة، دون العصبات القريية، كان قوله منكرًا مستبعدًا (٣) .\n٤- وقالوا ليس معناه كما ذكرتم، بل إنَّ المراد بقوله - ﷺ -: \"لا صيام لمن لم يبيت الصيام\"، أي لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل بأن نوى الصيام من وقت النيّة (٤) .\nوهذا تأويل غريب للحديث، يبطله أدنى تأمل في نص الحديث، فقوله - ﷺ -:\n_________\n(١) \"فيض القدير\" (٢/٤٧) .\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/٨٦) .\n(٣) \"الإحكام في أصول الأحكام للآمدي\" (٣/٨٣) .\n(٤) \"الهداية\" (٢/٤٦)، و\"العنايهّ\" (٢/٤٦) .","vol":"2","page":65},{"text":"\"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل\" نصّ في أنّ مراد الرسول - ﷺ - من الليل، لقوله: \"يبيت\"، والتبييت فعل الأمر في البيات وهو الليل.\nومما يوضح هذا الأمر رواية ابن عمر الموقوفة عليه \"لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر\"، وقالت عائشة مثل ذلك.\nوقالت حفصة: \"لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر\". فنص الحديث المرفوع، والأحاديث الموقوفة صريحة في إيجاب إيقاع النيَّة في الليل، وهذا التأويل الذي ذكروه لا وجه له، بل هو تمحل من قائله لنصرة المذهب، وهذا لا يجوز لهم.\n٥- قالوا أيضًا: الحديث محمول على نفي الفضيلة أو الكمال: كقوله - ﷺ -: \"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد\" (١) .\nوجوابنا أنَّ هذا الحديث ضعيف (٢)، ولو ثبت لما صحت صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ونظيره الصحيح قوله - ﷺ -: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" (٣)، فنفي الشيء كالصلاة والصوم لعدم وجود شيء يدل على وجوبه لا استحبابه.\nثانيًا: احتجّ الموجبون للنيّه في الليل على أبي حنيفة وأصحاب بالقياس، فقاسوا صوم رمضان على القضاء والكفارة، بجامع الفرضية والوجوب في كل، وفرّق الأحناف بين صوم الكفارة والقضاء وصوم رمضان بأن الوقت في رمضان متعينّ لصومه، أما في القضاء والكفارة فالوقت غير متعين لهما شرعًا؛ لأن خارج رمضان متعين للنفل، فلا يكون لغيره إلا بتعيينه، فإذا لم ينو من الليل صومًا آخر بقي الوقت متعينًا للتطوع فلا يملك تغييره (٤) .\nفمناط التفرقة عندهم بين صوم القضاء والكفارة وصوم رمضان هو أن الوقت غير\n_________\n(١) \"بدائع الصنائع\" (٢/٨٦)، \"الهداية\" (٢/٤٦) .\n(٢) قال الحافظ السخاوي في حديث \"لا صلاة لجار المسجد\": رواه الدارقطني والحاكم والطبراني فيما أملاه، ومن طريقه الديلمي..، وابن حبان في \"الضعفاء\"، وأسانيدها ضعيفة، وليس له - كما قال شيخنا - إسناد ثابت، وقد قال ابن حزم: هذا حديث ضعيف \"المقاصد الحسنة\" (ص ٤٦٧) .\n(٣) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (رواه أحمد والبخاري في جزء القراءة، وصححه أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم)، ولفظه عندهم: (فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها) \"تلخيص الحبير\" (١/٢٣١) .\n(٤) \"بدائع الصنائع\" (٢/٨٦) .","vol":"2","page":66},{"text":"متعينّ للأولين، ولكنّه متعين لصوم رمضان. وجوابنا أن وقت الصلاة قد يتضيق على المصلّي بألا يبقى إلا ما يكفي لصلاة الفرض، فهل تصح صلاته فرضًا إذا نوى أن يصليها نفلًا.\nالأحناف هنا لا يخالفون غيرهم في أنَّ الصلاة لا تصحُّ فرضًا، على الرغم من أنَّ الوقت لا يتسع لغير الفريضة، ولا فرق بين هذه الحالة وصوم رمضان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>النية لكل يوم</span>\nمذهب مالك وإسحق ورواية عن أحمد أنه يجزيء الصائم نيّة واحدة لجميع الشهر في أوله (١) .\nواستدوا على ذلك بأدلة منها:\nأولًا: أنَّ صوم الشهر عبادة واحدة.\nثانيًا: أنَّ الرسول - ﷺ - يقول: \"ولكل امريء ما نوى\"، وهذا نوى صيام الشهر فله ما نوى.\nثالثًا: قاسوا الصوم على الحج، فالحج: طوافه، وسعيه، والوقوف بعرفة ... إلخ، يجزيء بنيّة واحدة.\nوذهب الإمام الشافعي وأبو حنيفة ورواية عن أحمد إلى القول بوجوب نيّة مستقلّة لكلّ يوم (٢) .\nوهذا هو المذهب الراجح؛ لأنَّ صوم كلّ يوم عبادة مستقلة، يدلّ على ذلك أنَّ فساد بعض أيام الشهر لا يفسد بعضها الآخر. ولأنه يتخلل صوم أيام الشهر ما ينافيها؛ إذ يباح في الليل الطعام والشراب والنكاح.\nوقد وهم من قاس أيام رمضان على أعمال الحج باعتبار التعدّد للأفعال، لأن الحج عمل واحد، ولا يتم إلا بفعل ما اعتبره الشارع من المناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه.\n_________\n(١) \"المغني\" لابن قدامة (٣/٩٧)، \"العيني على البخاري\" (١/٣٣)، \"الإفصاح\" (١/١٥٧) .\n(٢) المصادر السابقة.","vol":"2","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>حكم من ظهر له وجوب الصيام نهارًا</span>\nمالحكم فيمن ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار، كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن انكشف له من النهار أن ذلك اليوم من رمضان؟ أما على مذهب أبي حنيفة وأصحابه فالحكم واضح؛ إذ يعتبرون صوم من نوى قبل منتصف النهار صحيحًا.\nوعلى مذهب القائلين بوجوب تبييت النية من الليل لا يصحّ صومُهم، ولا خلاف في ذلك عند الشافعية (١) .\nوقد نصّ الشافعي - ﵀ - على أن من أصبح لا يرى أن يومه من رمضان، ولم يطعم، ثم استبان ذلك له، فعليه صيامه وإعادته (٢) .\nوابنُ حزم يصحّح صوم الناسي، والنائم، والجاهل، بنيّة من النهار، بل يرى أنَّ هؤلاء إن أكلوا وشربوا وحصل منهم الجماع، ثم ظهر لهم أن يومهم من رمضان وجب عليهم الإمساك وأجزأ عنهم، وقد احتجَّ على ما ذهب إليه بأن الرسول - ﷺ - أمر من أكل في نهار عاشوراء بالكف والإمساك، ولم يثبت أنه أمرهم بالقضاء (٣) .\nوابن حجر لم يرتض ذلك الاحتجاج: \"لأنَّ الأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، فيحتمل أن يكون أمرًا بالإمساك لحرمة الوقت، كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهارًا، وكما يؤمر من أفطر يوم الشك، ثم رأى الهلال. وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء\".\nوقد بينّ ابن حجر أن الرسول - ﷺ - أمر بالقضاء صريحًا في حديث أخرجه أبو داود والنسائي، وفيه أنَّ أسلم أتت النبي - ﷺ - فقال: \"صمتم يومكم هذا؟ \" قالوا: لا، قال: \"فأتموا بقية يومكم واقضوه\".\nثم بينّ أنه على تقدير عدم ثبوت هذا الحديث في الأمر بالقضاء فلا يتعينّ ترك\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٤) .\n(٢) \"مختصر المزني\" (٢/٦) .\n(٣) \"المحلى\" (٦/١٦٤) .","vol":"2","page":68},{"text":"القضاء، لأنَّ من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء، كمن بلغ أو أسلم أثناء النَّهار\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>الليل كلة وقت للنية</span>\nلا تصحّ النيةُ قبل بداية الليل، فلو نوى قبل دخول الليل بلحظة لم يصح (٢)، وفي مذهب الحنابلة (٣) إن نوى من النهار صوم الغد لم تجزئه تلك النيّة إلا أن يستصحبها إلى جزء من الليل. وقد روى سعيد بن منصور عن أحمد: من نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار، ولم ينو من الليل فلا بأس، إلا أن يكون فسخ النيّة بعد ذلك، فظاهر هذا حصول الإجزاء بنيّة من النَّهار، إلا أن القاضي قال: هذا محمول على من استصحب النيّة إلى جزء من الليل، وهذا صحيح ظاهر، لقوله - ﷺ -: \"لا صيام لمن لم يبيت من الليل\".\nوكما لا تصح النيّة قبل الغروب لا تصح بعد انقضاء الليل ولو بلحظة، خلافًا لأبي حنيفة كما سبق، وهل تصح مع الفجر؟ قال النووي: الصحيح لا تصحّ، لأن أول وقت الصوم يخفى، فوجب تقديم النيّة عليه، بخلاف سائر العبادات (٤) .\nوالليل كلّه محلّ للنيّة، وقد خطأ علماء الشافعية وغيرهم أبا الطيب بن أسامة من الشافعية فيما ذهب إليه من أن النيّة لا تصح إلا بعد منتصف الليل، قال النووي: \"واتفق أصحابُنا على تغليطه\" (٥) .\nوقد قاس أبو الطيّب الصوم على أذان الصبح والدفع من مزدلفة.\nقال النووي: وهو قياس عجيب، وأي علّة تجمعهما؟ ولو جمعتهما علّة فالفرق ظاهر، لأنَّ اختصاص الأذان والدفع بالنصف الثاني لا حرج فيه، بخلاف النيّة، فقد يستغرق كثير من الناس النصف الثاني بالنوم، فيؤدي إلى تفويت الصوم، وفي هذا حرج شديد لا أصل له (٦) .\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/١٤٢) .\n(٢) \"المجموع\" (٦/٣٣٢) .\n(٣) \"المغني\" لابن قدامة (٣/٩٣) .\n(٤) \"المجموع\" (٦/٣٣٢) .\n(٥) \"المجموع\" (٦/٣٣٢) .\n(٦) المصدر السابق.","vol":"2","page":69},{"text":"ومما يدلّ على خطئه أنَّ قوله - ﷺ -: \"لا صيام لمن لم يبيت الصوم من الليل\" ليس فيه هذا التحديد الذي حدّه، بل يفهم منه أنَّ من نوى في أي جزء من الليل صحَّ صومه.\nومما يدل على بطلان قياسه أن الأذان والدفع من مزدلفة \"يجوزان بعد الفجر بخلاف نية الصوم، ولأنَّ اختصاصهما بالنصف الأخير بمعنى تجويزهما فيه، واشتراط النيّة بمعنى الإيجاب والحتم وفوات الصوم بفواتها، وهذا فيه مشقة ومضرة بخلاف التجويز، ولأن منعهما في النصف الأول لا يفضي إلى اختصاصهما بالنصف الأخير لجوازهما بعد الفجر، والنية بخلافه\".\n٣- صوم النذر:\nيجب تبييت النية من الليل في صوم النذر عند جماهير العلماء؛ لأنَّ النذر كالواجب، وبذلك قطع جمهور فقهاء الشافعية، وقد حكى بعضهم فيه وجهين بناء على أنّه يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع، أو جائزه ومندوبه إن قلنا كواجب لم يصح بنيّة من النهار وإلا فيصح كالنفل.\nوجمهور فقهاء الشافعية لم يجروا الخلاف في هذه المسألة في الصوم المنذور كما أجروها في بقية المسائل، وذلك لأنّ الحديث هنا عام في اشتراط تبييت النية للصوم، خص منه النفل بدليل، وبقي النذر على عمومه (١) .\nومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن النذر المعينّ يجوز بنيّة من النهار، لأنه كصوم رمضان، لأنَّ الوقت متعين لصومه كما سبق.\nأمّا النذرالمطلق فلابدَّ له من نية من الليل، وذلك لأنَّ الوقت غير متعين لصيامه (٢)، وقد سبق أن بيّنا أنَّ هذا الذي اعتمدوه في التفرقة هنا، وفي غير هذا الموضع، لا يصح أن يكون مفرقًا.\n٤- صوم النفل:\nالإمام مالك - رحمه الله تعالى - لا يجيز صوم النفل إلا بنيّة من الليل كالفرض،\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٣٢) .\n(٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/٨٥)، \"تحفة الفقهاء\" (١/٥٣٤) .","vol":"2","page":70},{"text":"وقال بهذا القول غير مالك عبد الله بن عمر، وزفر من الأحناف، وداود الظاهري، وتابعه ابن حزم، وبه قال المزني (١) من الشافعية، ونقل ابن المنذر عن مالك أنه استثنى من يسرد الصوم، فصحح نيته من النهار (٢)، وحجة هؤلاء قوله - ﷺ -: \"لاصيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل\".\nوذهب جماهير العلماء إلى أنَّ صوم النفل يصحُّ بنيّة من النهار، وبذلك قال علي ابن أبي طالب (٣)، وابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وطلحة، وابن عباس، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي، وسعيد بن المسيّب (٤)، وسعيد بن جبير، والنخعي، وآخرون (٥) . وقال ابن حزم: \"قال بهذا جمهور السلف\" (٦) .\nواحتجّ هؤلاء بحديث عائشة -﵂- قالت: \"دخل النبي - ﷺ - ذات يوم، فقال: \"هل عندكم شيء؟ \" قلنا: لا. قال: \"فإني إذن صائمٌ\" (٧)، وفي رواية قال: \"إذن أصوم\" (٨) .\nوروى البيهقي والشافعي بالإسناد الصحيح عن حذيفة أنّه بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس (٩) .\n_________\n(١) هو إسماعيل بن يحيى المزني صاحب الإمام الشافعي من أهل مصر، كان زاهدًا عالما قوي الحُجة، من كتبه \"الجامع الكبير\"، و\"الجامع الصغير\"، نسبته إلى مزينة من مضر. وُلد سنة (١٧٥هـ)، وتوفي سنة (٢٦٤هـ) .\nراجع: \"وفيات الأعيان\" (١/٢١٧)، \"الأعلام\" (١/٣٢٧) .\n(٢) \"المجموع\" (٦/٣٣٩) .\n(٣) هو علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله - ﷺ -، وزوج ابنته فاطمة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء، توفي شهيدًا سنة (٤٠هـ) .\nراجع: \"خلاصة تهذيب الكمال\" (٢/٢٥٠)، \"الكاشف\" (٢/٢٨٧)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ٤) .\n(٤) هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي القرشي، من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ولد سنة (١٣هـ)، وتوفي سنة (٩٤هـ) .\nراجع: \"خلاصة تهذيب الكمال\" (١/٣٩٠)، \"طبقات الحفاظ\" (ص ١٧)، \"الكاشف\" (١/٣٧٢) .\n(٥) \"المجموع\" (٦/٣٣٩)، وانظر \"المُغني\" (٣/١٩٦)، و\"المحلى\" (٦/١٧٢) .\n(٦) \"المحلى\" (٦/١٧٢-١٧٣) .\n(٧) رواه مسلم \"مشكاة المصابيح\" (١/٦٤٣) .\n(٨) رواه البيهقي.\n(٩) \"المجموع\" (٦/٣٣٩) .","vol":"2","page":71},{"text":"قالوا: حديث تبييت النية عام، فنخصه بما ذكرناه جمعًا بين الأحاديث.\nومع أنَّ ابن حزم روى حديث عائشة السابق، وروى عن عشرة من الصحابة أنَّهم كانوا يعزمون على صوم النفل في النَّهار إلا أنه لم يقل بجواز صيام النفل بنيّة من النهار.\nقال: \"لأنّه ليس في الحديث أنَّه - ﷺ - لم يكن نوى الصيام من الليل، ولا أنَّه - ﷺ - أصبح مفطرًا، ثم نوى الصوم بعد ذلك، ولو كان هذا في ذلك الخبر لقلنا به، لكن فيه أنَّه - ﷺ - كان يصبح متطوعًا صائما ثم يفطر، وهذا مباح عندنا....، فلما لم يكن في الخبر ما ذكرنا، وكان قد صح عنه - ﷺ -: \"لا صيام لمن لم يبيته من الليل\" لم يجز أن نترك هذا اليقين لظنٍ كاذب، ولو أنَّه - ﷺ - أصبح مفطرًا ثمَّ نوى الصوم نهارا لبيّنه\" (١) .\nوتابع الصنعاني من المتأخرين ابنَ حزم فيما ذهب إليه، فبعد أن ساق حديث عائشة الذي احتجّ به الجمهور قال: \"فالجواب عنه أنه أعمّ من أن يكون بيَّت الصوم أو لا، فيحمل على التبييت، لأنّ المحتمل يردّ إلى العامّ ونحوه\" (٢) .\nثم قال: \"والأصل عموم حديث التبييت، وعدم الفرق بين الفرض والنفل والقضاء والنذر، ولم يقم ما يرفع هذين الأصلين فتعينّ البقاء عليهما\" (٣) .\nوالجواب على ما ذكراه:\nأولًا: أنّ ابن حزم تناقض هنا تناقضا بينا، فهو يرى أنَّ من نوى في حال صيامه أنّه تارك للصوم عامدًا بذلك ذاكرًا لصومه، إلاّ أنَّه لم يأكل، ولم يشرب، ولا وطيء، ولا فعل فعلا ينقض الصوم، فإنَّ صومه قد بطل وأنّه أفطر (٤) .\nووجه التناقض أنّه يرى أنَّ من نوى قطع الصوم وتركه فإنَّ صومه يبطل، والرسول - ﷺ - عندما دخل على عائشة طلب طعاما ليأكله، فلما لم يجد شيئًا قال: إنِّي صائم، فإذا كان نوى الصوم من الليل، وكان الصوم لا يجزيء بنيّة إلا من الليل، فعلى\n_________\n(١) \"المحلى\" (٦/١٧٢-١٧٣) .\n(٢) \"سبل السلام\" (٢/١٥٤) .\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) \"إحكام الأحكام\" (المجلد الثاني ٧١١) .","vol":"2","page":72},{"text":"قول ابن حزم يعتبر صيام الرسول - ﷺ - باطلا. ولما لم يكن باطلا حتما، فيلزمه أحد أمرين: الأول: القول بأنّ من عزم على قطع نيّة الصوم أو تركه لا يبطل صومه بذلك. والثاني: أن يجيز الصوم بنية من النهار.\nثانيًا: ورد في رواية البيهقي \"إذن أصوم\"، كما ورد عن الصحابة الذين روى ابن حزم أقوالهم ما يدلّ على أنهم كانوا يحدثون النيّة من النّهار، فعائشة تقول: \"إنّي لأصبح يوم طهري، وأنا أريد الصوم، فأستبين طهري فيما بيني وبين نصف النهار، فأغتسل، وأصوم\".\nوروي عن عُبيد الله بن عمر أنّ أبا هريرة كان يصبح مفطرًا، فيقول: هل من طعام؟\nفيجده أو لا يجده، فيتم ذلك اليوم.\nوسأل رجل علي بن أبي طالب، فقال: أصبحت ولا أريد الصوم؟ فقال له علي: أنت بالخيار بينك وبين نصف النهار، فليس لك أن تفطر، وكذلك قال أكثر من صحابي (١) .\nوالصحابة أعلم بالتنزيل وبمراد الرسول - ﷺ - منّا، خاصّة ورواية البيهقي تكاد تكون صريحة في أن الرسول - ﷺ - أحدث النيّة من النهار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>المدى الذي يصحّ أن يحدث فيه النيّة من النَّهار:</span>\nذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المتنفل يجوز له أن يحدث الصوم بنيّة من النهار، إلا أنهم حدّوا منتصف النهار كحدّ أقصى، فلا يجوز عندهم أن ينوي الصوم بعد منتصف النهار (٢)، قالوا: \"لأنَّ الصوم هو الإمساك عن الغداء، وتأخير العشاء إلى اللّيل، وبعد الزوال لا يجوز؛ لأنه لم يوجد الإمساك عن الغداء لله تعالى\" (٣) .\nوذهب الشافعي في القديم إلى القول بقولهم، وذهب في الجديد إلى صحة صوم من نوى بعد الزوال، وهو قول معظم أصحاب الشافعي، وقال الأصحاب بناء على ذلك:\n_________\n(١) انظر \"المحلى\" (٦/١٧٢) .\n(٢) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/٩٢)، \"بدائع الصنائع\" (٢/٨٥) .\n(٣) \"تحفة الفقهاء\" (١/٥٣٤) .","vol":"2","page":73},{"text":"\"يصحّ في أيّ لحظة، لكن يشترط ألا يتصل غروب الشمس بالنيّة، بل يبقى بينهما زمن ولو أدنى لحظة\" (١) .\nوهذا مذهب الحنابلة أيضًا أنه: \"يصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، هذا هو المذهب، نصّ عليه، وعليه أكثر الأصحاب\" (٢) .\nوهذا القول هو الراجح؛ لأنَّ النصوص الدالة على جواز الصوم بالنيّة من النّهار لم تُفرّق بين إحداث النية قبل الزوال وبعده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>شروط من أجاز صوم النفل بنيّةٍ من النهار:</span>\nيشترط الذين يقولون بصحة صيام من أحدث النية من النهار ألا يأتي بمناف قبل أن ينوي من أكل أو شرب أو جماع.\nوذهب أبو العباس بن سريج (٣)، ومحمد بن جرير الطبري إلى أن من شرب أو أكل أو جامع من النهار، ثم نوى بعد ذلك الصوم تطوعًا صحّ صومه (٤) .\nقال النووي: \"وهذا خلاف قول جماهير العلماء\" (٥) .\nويدلّ على بطلان هذا القول أن القرآن اشترط الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى الليل، فهذا الذي تناول المفطرات عمدًا في النهار لا يصحّ الصوم منه، لأنه أكل بعد الفجر، فالشارع أباح تأخير النيّة، ولم يبح ابتداء الصوم لمن تناول مفطرًا من النهار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>المقدار الذي يثاب عليه الناوي من النهار:</span>\nقال الشافعي يثاب من حين نوى (٦)، ويمكن أن يحتجّ له بقوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٣٥) .\n(٢) \"الإنصاف\" (٣/٢٩٧) .\n(٣) هو أحمد بن عمر بن سريج الشافعي، مولده ووفاته ببغداد سنة (٢٤٩-٣٠٦هـ)، ولي قضاء شيراز، له أربعمائة مصنف، كان ناصرًا للسنة خاذلا للبدعة، حاضر الجواب، له مناظرات ومساجلات.\nراجع: \"تاريخ بغداد\" (٤/٢٨٧)، \"الأعلام\" (١/١٧٨) .\n(٤) \"المجموع\" (٦/٣٢٦) .\n(٥) \"المجموع\" (٦/٣٢٦) .\n(٦) \"الهداية\" (٢/٥١) .","vol":"2","page":74},{"text":"بالنيات، وإنما لكلّ امريء ما نوى\"، فهذا لم ينو الصوم إلا بعد مضي جزء من النهار، فليس له من الثواب إلا المقدار الذي نواه.\nوهذا مذهب الحنابلة، قال صاحب الإنصاف: \"الثواب من وقت النية على الصحيح من المذهب\" (١) .\nولعل ما ذهب إليه الأحناف (٢) من أنَّه يُثاب على النَّهار كلّه أصحّ؛ لأنه يلزم على قول الشافعية والحنابلة أن يكون الصوم متجزئًا، ونحن نعلم أنّ الصوم إنَّما يكون يومًا كاملًا من الفجر إلى الليل، وهذا أمسك النَّهار كلَّه وأخّر النيّة، وفضل الله واسع فلا يحجر، فيثاب الناوي نهارا على اليوم كلّه، كما يثاب من يدرك بعض صلاة الجماعة ثواب الجماعة، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>صفة النيّة في الصوم</span>\nأما الصوم فلا يتأدى بمجرد نيّة الفعل، بل لابد من أن ينوي صوم رمضان، والسبب في هذا أنَّ الصوم منه التطوع ومنه الواجب، والواجب قد يكون عن شهر رمضان أو كفّارة أو نذر، ولا يتميز رمضان عما سواه إلا بقصده قصدًا واضحًا بحيث لا يختلط بغيره.\nوهذا مذهب الإمام مالك والشافعي، وأحمد في أظهر روايتيه، بل إنَّ هؤلاء الأئمة الأعلام قالوا بوجوب نيّة الفرضية في الصوم، وممن قال بذلك إسحاق وداود الظاهري، وإن كان الأرجح في مذهب الشافعية والحنابلة عدم اشتراطها.\nوخالف الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- وجميع أصحابه، فقالوا: يتأدى صوم شهر رمضان بنيّةٍ مطلقة من المقيم الصحيح، بل ويتأدى عندهم بنيّة النفل، ونيّة القضاء والكفارة، وحُجَّة أبي حنيفة عدم قابلية المحل؛ لأن شهر رمضان متعينّ لصوم الفرض لمن شهده صحيحًا غير مريض، واحتجّوا بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥] . والصحيح المقيم شهد الشهر وصامه، فيخرج من العهدة.\nوقد أوردنا فيما سبق اعتراض الشافعي -﵀- أن الواجب الموسع قد يتضيق\n_________\n(١) \"الإنصاف\" (٣/٣٩٨) .\n(٢) \"الهداية\" (٢/٥١) .","vol":"2","page":75},{"text":"كما لو أخر صلاة الظهر إلى آخر وقتها بحيث لم يبق من الوقت إلا ما يكفي صلاة الفرض، فيلزم الأحناف -بناءً على ذلك القول- بأن الفريضة هنا تتأدى بنية النافلة، إلا أن الأحناف يُفرّقون بين ما تضيق بحكم شرعي أصلي كرمضان، وبين ما تضيق بفعل الإنسان كما في تأخير الصلاة إلى آخر وقتها وكما في نذر يوم بعينه فالأول يتأدى ولو نوى به شيئًا آخر، والثاني لا يتأدى إلا بقصده بعينه. وأقوى ما يردّ به على هؤلاء قوله - ﷺ -: \"وإنما لكل امريء ما نوى\"، وهذا لم ينو الفرض أو رمضان؛ فلا يحصل له، وقد تناقض الأحناف هنا، فقد قالوا في الحجّ: إنّه لا يتأدى بنيّة النفل إذا كان عليه حجَّة الفريضة، وإذا نوى من عليه حجَّة الإسلام عن غيره فإنه يقع عن المحجوج عنه، واحتجوا بقوله - ﷺ -: \"وإنما لكلِّ امريء ما نوى\"، ولكنَّهم لم يسيروا على النسق نفسه في الصيام مما جعل مخالفيهم يرمونهم بالتناقض، إلا أن الأحناف رفضوا ذلك، وقالوا: شهر رمضان متعينّ للصوم لمن شهده صحيحًا، بخلاف وقت الحج فإنّه لم يتمحض للحجّ. ولكن أين الدليل على أنَّ ما تعين وقته للعبادة بحيث يصبح ظرفًا لها لا يحتاج إلى تعيينه، ويصحّ أداؤه بنيّة النفل؟! وما الذي أخرج هذه الصورة من الحديث \"إنما الأعمال بالنيات\"؟!\nأما استدلالهم بالآية فلا حُجة فيه، فالآية تأمر بالصوم الشرعي، والصوم الشرعي لابدَّ له من النية التي تحدده وتميزه، وإلا لم يكن صيامًا، وفي الحديث (١) \"لا صيام لمن لم يجمع الصيامَ من الليل\" (٢) .\nصوم رمضان\n* قال رسول الله - ﷺ -: \"من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له\" (٣) .\n_________\n(١) رواه ابن عمر بهذا اللفظ \"من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له\" رواه الخمسة. انظر \"نيل الأوطار\" (٤/٢١٩) .\n(٢) راجع في \"صفة نية الصيام\" ما يأتي:\n\"الأم\" (٢/١٨)، \"مختصر المزني\" (١/١٥)، \"المجموع\" (٦/١٨٦، ٦/٣٢٨، ٦/٣٣٨-٣٤٦، ٣/٣٤٥-٣٤٦)، \"بدائع الفوائد\" (٣/٩٣)، \"المُغني\" (٣/٩٤، ٩٥)، \"التوضيح\" (١٩، ٩٥)، \"حاشية ابن عابدين\" (١/٣٠٨)، \"بدائع الفوائد\" (٢/٨٣)، \"الإفصاح\" لابن هبيرة (١/١٥٦)، \"فتح القدير\" (٢/٤٩)، \"إرشاد الساري\" (١/٥٣)، \"العينيى على البخاري\" (١/٣٣) .\n(٣) صحيح: رواه الدارقطني في \"الأفراد\"، والبيهقي في سننه عن عائشة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٥٣٤) .","vol":"2","page":76},{"text":"وقال - ﷺ -: \"من لم يبيت الصيام من الليل، فلا صيام له\" (١) .\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له\" (٢) .\nمذهب كافة العلماء أنَّه لا يصح صوم إلا بنية، سواء أكان الصوم واجبًا أم تطوعًا (٣) .\nوحجتهم أن الصوم عبادة محضة لا تتأدى إلا بالنية، والنصوص الدالة على لزوم النية للعبادات تشمل الصوم، هذا عدا النصوص المصرحة بإيجاب النية في الصوم.\nوخالف الجمهور عطاء ومجاهد (٤) وزفر (٥)، في حالة ما إذا كان الصوم متعينًا، بأن يكون الصائم صحيحًا مقيمًا في شهر رمضان، فهذا عندهم لا يفتقر إلى نية، وحجَّتهم أنَّ رمضان مستحقُّ الصوم يمنع غيره من الوقوع فيه، فهم لاحظوا أن الصوم في هذه الحالة متعين بصورته، ولا يحتاج إلى نيّة تميّزه. عن العادات أو تميز مراتبه، يقول الكاساني مبينا ما يمكن أن يحتجّ به لزفر:\n_________\n(١) صحيح: رواه النسائي عن حفصة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٥٣٥) .\n(٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦٥٣٨) .\n(٣) \"بداية المجتهد\" (١/٣٠٠)، \"المجموع\" (٦/٣٣٦)، وقد نقل ابن هبيرة الإجماع على وجوب النية في الصوم، \"الإفصاح\" (١/١٥٧)، وليس الأمر كما قال.\n(٤) هو مجاهد بن جبير أبو الحجاج المكي، تابعي مفسر من أهل مكة، قال فيه الذهبي: شيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس، وتوفي بمكة سنة (١٠٤هـ)، وكانت ولادته سنهّ (٢١هـ) .\nراجع: (تهذيب التهذيب (١٠/٤٠٢)، (تذكرة الحفاظ ١/٩٢)، (شذرات الذهب ١/١٢٥)، (الكاشف ٣/١٢٠)، (طبقات الحفاظ ص ٣٥) .\n(٥) \"المجموع\" (٦/٣٦٦)، \"المحلى\" (٦/١٦١)، \"بداية المجتهد\" (١/٣٠٠)، وقد ينقل بعضهم أن أبا حنيفة ممن يقول بذلك، وليس هذا بصواب، فأبو حنيفة يوجب النية في الصوم، إلا أنه يجوز إنشاءها من النهار كما ذكرنا في فصل \"وقت النية\".","vol":"2","page":77},{"text":"\"النيّة إنما تشترط للتعين، والحاجة إلى التعيين إنَّما تكون عند المزاحمة، ولا مزاحمة لأنَّ الوقت لا يحتمل إلا صومًا واحدًا في حقّ المقيم، وهو صوم رمضان، فلا حاجة إلى تعيين بالنية\" (١) .\nواحتجّ له أيضًا بأنّ الآية الآمرة بالصيام (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) مطلقة عن شرط النية، والصوم هو الإمساك، وقد أتي به فيخرج عن العهد\" (٢) .\nمن هنا قصر زفر قوله في الصوم الذي لا يحتاج إلى نيّة على صوم رمضان من الحاضر المقيم، أما المسافر فلا بد أن يأتي بالنيّة إذا صام رمضان؛ لأنَّ صوم رمضان غير متعيّن في حقه، فله -عند زفر- أن يصومه نافلة أو قضاء، ولأنَّه لم يشهد الشهر.\nأمَّا صوم النَّذر والكفّارة فيشترط لهما النيّة إجماعًا (٣) .\nومن هنا نعلم أن ابن رشد (٤) . لم يصب الحقيقة عندما قرر أن سبب الاختلاف في هذا الموضوع هو الاحتمال المتطرق إلى الصوم: أهو عبادة معقولة المعنى، أو غير معقولة المعنى؟ فهو يرى أن من ذهب إلى أنها غير معقولة المعنى أوجب النية، ومن رأى أنّها معقولة المعنى قال: قد حصل المعنى إذا صام ولم ينو (٥) .\nهذا الذي ذهب إليه ليس هو السبب كما بينا؛ إذ الجميع يرون أنّ الصيام\n_________\n(١، ٢) \"بدائع الصنائع\" (٢/٨٣) .\n(٣) \"المجموع\" (٦/٣٣٦)، و\"المحلى\" (٦/١٦١)، وأنكر الكرخي أنَّ زفر يقول بصحة الصوم من الحاضر بغير نية، وادّعى أنّ مذهب زفر كمذهب جواز الصوم بنيّة واحدة من أول الشهر، وقال آخرون: إنَّ زفر رجع عن ذلك لما كبر (\"الهداية\" (٢/٩٢) .\n(٤) هو محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي الفيلسوف، عني بكلام أرسطو وترجمته إلى العربية، له \"بداية المجتهد\" في الفقه، ولد عام (٥٢٠هـ)، وتوفي سنة (٥٩٥هـ) .\nراجع: \"شذرات الذهب\" (٤/٣٢٠)، \"الأعلام\" (٦/٢١٢) .\n(٥) \"بداية المجتهد\" (١/٣٠٠) .","vol":"2","page":78},{"text":"عبادة محضة غير معقولة المعنى، والسبب الحقيقي أن زفر ومن معه يرون أن الصوم متعيّن بنفسه فلا يحتاج إلى نية.\nوالجمهور يردّون على زفر ومن معه بالنصوص الآمرة بالنية في العبادات عمومًا، وفي الصوم على وجه الخصوص، كقوله - ﷺ -: \"إنما الأعْمَالُ بِالنِّيات\" (١)، وقوله: \"لا صِيَامَ لمَنْ لَمْ يُبيِّت الصيَام مِنَ الليْل\" (٢) .\nورد الشافعي حجّتهم في أنّ الصوم لا يحتاج إلى نيّة؛ لأنه متعيّن بصورته، إذ له وقت محصور محدود، بأنّ هذا يمكن أن يقع في الصلاة.\nفوقت الصلاة قد يتضيّق حتى لا يسع إلا الفرض، ومع ذلك لا بدَّ للصلاة التي وقعت في الوقت المتضيّق من نية (٣) .\nوكذلك من نذر أن يصوم شهرًا من هذه السنة، ثم أخره حتى لم يبق إلا شهر واحد، ولا يجوز أن يصومه بغير نيّة بحجّة أن وقته أصبح محصورًا محدودًا.\nأما قول زفر: إنَّ الصوم مأمور به في الآية مطلقًا عن شرط النية فمردود عليه؛ لأنَّ اسم الصوم المطلق ينصرف حين الأمر به إلى الصوم الشرعي، وهو: الإمساك عن المفطر مع اقتران النيّة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>مباحث تتعلق بالنية في الصوم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>١- استصحاب حكم النية:</span>\nهو شرط من شروط النية، والإتيان بالنية في أول العبادة شرط لا تصح العبادة بدونه.\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والطحاوي والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان.\n(٢) سبق تخريجه.\n(٣) \"الأم\" (٢/٨٣)، ومن هنا ذهب الشوكاني في \"السيل الجرار\" (١/٢٠)، إلى أنّ النيّة واجبة في كلّ عبادة، سواء كانت مما يتلبس أم لا، لورود الأمر بها، والتقيد بهذا الضابط غير صحيح.","vol":"2","page":79},{"text":"ولكن هل يجب على العابد أن يبقى ذاكرًا لهذه النية غير غافل عنها طيلة العبادة؟\nالجواب: لا، لا يجب عليه ذلك؛ لأن إلزام العباد بهذا في غاية المشقة والكلفة، بل لو قيل بوجوبه لكان من التكليف بما لا يطاق؛ لأن العباد مأمورون بأشياء أخرى غير النية في أثناء العبادة كالصلاة مثلًا، فإنهم مأمورون بالذكر وقراءة القرآن والتفكر والتفهم لذلك كله.\nوفي الصيام يشغل العابد بأمور خارجة عن العبادة لا يتذكر معها النية فقد يكون مشغولًا بالبيع والشراء وأعمال الدنيا، بل قد ينام فيغفل عن كل شيء.\nمن هنا نصّ العلماء على أن الواجب على العابد \"استصحاب حكم النية دون حقيقتها\"، ويريدون بالاستصحاب هنا أن الشارع حكم بعدم بطلانها حال ذهول العابد عنها، وعزوبها عنه، وكل ما يلزم العابد في هذه الحال ألا يأتي بما ينافيها ويبطلها، كأن ينوي قطعها أو يرفضها.\nوسنذكر فيما يلي مسائل لها صلة بهذا الشرط (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>(٢) رفض النية:</span>\nرفض النية معناه: \"تقدير ما وجد من العبادة والنية كالمعدوم\".\nورفض العبادة إما أن يكون بعد الانتهاء منها، أو في أثنائها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>(أ) رفض النية بعد تمام العبادة:</span>\nرفض الصوم بعد تمامه لا أثر له في إبطاله.\nوالقول بهذا هو المذهب الصحيح المشهور عند الشافعية.\nومدار الفتوى عند المالكية أن رفض نية العبادة لا أثر له في إبطال الصوم والصلاة وغيرها من العبادات.\n_________\n(١) راجع في هذه المسألة: \"قواعد الأحكام\" (١/٣٠٧)، \"الذخيرة\" (١/٢٤٣)، \"المغني\" لابن قدامة (١/١١٢)، (١/٤٦٧)، \"الأم\" (١/٢٥، ٨٦)، \"الخطاب\" على خليل (١/٢٣٠) .","vol":"2","page":80},{"text":"ومن الغريب أن يحكي القرافي أن رفض الصلاة والصوم يؤثر ولو بعد الكمال ويقول: هذا هو المشهور عندهم، إلا أنه استشكل هذا بأنه يقتضي إبطال جميع الأعمال.\nولعلّ القول الفصل في هذه المسالة ما قالة ابن رشد: \"من ادَّعى أن التكليف يرجع بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>(ب) رفض نية الصوم في أثنائه:</span>\nإذا رفض العابد العبادة في أثناءها فما الحكم؟ اختلف وجهات نظر العلماء في ذلك:\nيرى داود الظاهري وابن حزم بطلان أي عبادة إذا رفضت النية في أثنائها (١)؛ لأن النية شرطّ في العبادات كلها، وإذا فقد الشرط فقد المشروط، والأعمال بالنيات وذهب جماهير ومنهم مالك والشافعي وأحمد إلى القول بذلك: أي ببطلان العبادة إذا رفضت النية في الصلاة، وخالفهم في هذا أبو حنيفة فقال بعدم البطلان (٢) .\nولكن جماهير العلماء عكسوا القضية في الحج والعمرة، فقد ذهبوا إلى أن هاتين العبادتين لا تبطلان برفض النية.\nيقول الحطاب مبينًا هذه المسألة: \"الإحرام سواء كان بحج وعمرة أو أيهما أو بإطلاق لا يرتفض، ولو رفضه في أثنائه ولم أر في هذا خلافًا، وهو مذهب الكافة، وهو مذهب مالك والأئمة، وخالف داود الظاهري، فقال: يرفض إحرامه\" (٣) .\nوقد اختلفت تعليلات العلماء للفرق الذي اقتضى تصحيح الحج والعمرة\n_________\n(١) \"المحلى\" (٦/١٧٤)، \"الخطاب\" علي خليل (١/٢٤٠)، وهو مذهب بعض المالكية وكثير من الأحناف.\n(٢) \"المجموع\" (٣/٢٥٠) .\n(٣) \"الحطاب\" (١/٢٤٠) .","vol":"2","page":81},{"text":"حال رفض نيتهما، وإبطال الصلاة في الحال نفسه:\n(١) فمنهم من يرى إلى أن الأمر يعود إلى حاجة كل من العبادتين إلى النية فأحكام النيات مغلظة في الصلاة عنها في الحج والعمرة.\n(٢) ومنهم من لاحظ طبيعة كل من العبادتين، فقد علمنا أن الشارع لا يبطل الحج بأقوى المفسدات له كالجماع، ويأمر بإتمام العبادة، فالمحظورات لا تؤثر في الخروج من العبادة بخلاف الصلاة، ورأينا الشارع يصحح عبادة الحاجّ الذي نوى مبهمًا إحرامه، أو نوى النفل، وعليه حجة الإسلام، فيقع الفرض.\n(٣) ومنهم من نظر إلى أنّ جانب التعبد في الصلاة أكثر وأعظم منه في الحج والعمرة، فهاتان العبادتان تدخلهما الأعمال المالية والبدنية، وقد عهد من الشارع عدم إيجاب النية في جنس هذه الأعمال من غير العبادات.\n(٤) ولاحظ بعضهم أن الحج والعمرة عبادتان شاقتان فناسب أن يقال بعدم تأثير الرفض دفعًا للمشقة الحاصلة (١) .\nوبقية العبادات: من العلماء من يلحق بعضًا منها بالحج والعمرة في عدم اعتبار رفض النية في العبادة، ومنهم من يلحقه بالصلاة لشيء من الاعتبارات التي ذكرها في العبادتين:\nفالصوم مثلًا فيه قولان مشهوران عند العلماء:\nفالذي يلحقه بالصلاة لاحظ أن تأثير النيه فيه قوي كالصلاة، وأن طبيعة كل من العبادتين متقاربه إذ تبطلان بفعل شيء من مبطلاتهما.\n* ففي صحة الصوم قولان مشهوران في مذهب الشافعية إذا رفضت نيته، أصحهما لا يبطل (٢) . ومذهب المالكية القول بالبطلان (٣) .\n_________\n(١) راجع هذه التعليلات في \"المجموع\" (٦/٣٣١-٣٣٢)، \"نهاية الأحكام\" (٤٥)، \"قواعد الأحكام\" (١/٢١٤-٢١٥) .\n(٢) \"المجموع\" (٦/٣٣١) .\n(٣) \"الذخيرة\" (١/٥١١) .","vol":"2","page":82},{"text":"* والذي يلحقه بالحج يرى أن الفارق بين الصوم والصلاة يتمثل في أن الصوم ليس له عقد تحرم وتحلل يؤثر فيه القصد؛ ذلك لأن الصلاة يتعلق تحريمها وتحليلها بقصد الشخص واختباره، والصوم بخلافه لأن الناوي ليلًا يصير شارعًا في الصوم بطلوع الفجر، ويفطر بغروب الشمس، وإن لم يشعر بهما، فضعف النية في الصلاة له تأثير كبير بخلاف الصوم، مما يدل على هذا جواز تقديم النية في الصوم في الفرض والنفل، وجواز تأخيرها في النفل، وهذا لا يجوز في الصلاة.\n* ومنهم من لا حظ أن الصوم أقل حاجة إلى النيّة من الصلاة؛ لأن الصوم ملحق بالمتروك، بخلاف الصلاة فهي من باب الأفعال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>(٣) قلب نية الصوم وتغييرها:</span>\nمن مبطلات النية في العبادات تغييرها وقلبها، مذهب ابن حزم هنا كمذهبه في رفض النية وقطعها، فهو يرى أن من صرف نيته من صلاة إلى صلاة مثلًا متعمدًا فصلاته باطلة.\nوغيره من العلماء يذهب إلى هذا المذهب، إلا في حالات قليلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>أقسام النية التي قلبت</span>\nالذي يُتصور في قلب النية أقسام:\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>(١) نقل فرض إلى فرض:</span>\nفي هذه الحال تبطل الأولى، ولا تصح الثانية، وممن نصّ على هذه ابن قدامة في الصلاة، والشافعي لم يصحّح أن يعد الرجل دراهم أخرجها زكاة ماله فوجده هالكًا - أن يعدّ تلك الدراهم زكاة مال آخر.\n* أما قلب النية في الصوم:\nفالعلماءُ لا يجيزون قلب شهر رمضان إلى غيره، أما قلب صوم نذر إلى صوم كفارة مثلًا، فالخلاف مبني على ما ذكرناه من قبل: هل رفض النية في الصوم مبطل له أم لا؟","vol":"2","page":83},{"text":"فعلى القول القائل بعدم بطلانه يصح صرف نيته، وعلى القول الآخر يبطل الصوم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>(٢) نقل نفل إلى فرض:</span>\nهذا لا يصح في الصلاة بالإجماع، وكذا في الزكاة، وفي الصوم صحح أبو حنيفة صوم الفرض بنية التطوع خلافًا لقول الجمهور، وفي الحج يتأدى الفرض بنية التطوع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>(٣) نقل نفل إلى نفل:</span>\nإذا كان النفل مطلقًا فغالب العلماء يرون صحة ذلك، أما إذا كان مقيدًا فالذي نصّ عليه الماوردي عدم الصحة (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>(٤) عدم التشريك في النية:</span>\nلا نريد بالتشريك هنا ما ينافي الإخلاص وإنما نريد هنا أن يقصد بالعمل الواحد قربتين، كأن ينوي بالصلاة الرباعية قضاء فائتة وفريضة الوقت الحاضر.\nوالقاعدة العامة التي يكادُ الفقهاء يجمعون عليها أن هذه النيّة غلط؛ لأن العبادة الواحدة لا يمكن أن تغني غناء عبادتين. إلا أن بعضا منهم استثنى بعض العبادات وحكم بحصول كلتا العبادتين: فمن ذلك منْ نوى بصلاته الفريضة وتحية المسجد، ومن نوى بغسله رفع الحدث الأصغر والأكبر، أو غسل الجمعة والجنابة، أو نوى بتيممه رفع الحدثين: الأكبر والأصغر. والذي يقول بحصول العبادتين بالفعل الواحد في مثل هذه الصور فلأن مراد الشارع يتحقق بحصول الفعل.\nأما ما صححّوه من تجويز عبادتين بنية واحدة فالذي يظهر لي فيه أن الشارع قد اعتبر فيه هذين الأمرين المقصودين ولو لم يقصدهما الفاعل، ومن قال: إن الصائم في يوم عرفة قضاء ينال ثواب صيام عرفة ويجزيء عنه من القضاء.\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٣٣٢) .\n(٢) \"المجموع\" (٤/١١٠) .","vol":"2","page":84},{"text":"وابنُ حزم يرى بطلان كلّ عبادة قصد بها تحقيق قربتين سواءً أكانت العبادة صلاة أو صومًا أم زكاة ولم يستثن من ذلك إلا من مزج قصد العمرة بالحج في حالة إحرامه بهما والهدي معه؛ لأن هذا هو الحكم.\nوغالبية العلماء يرون أنّ من قصد أكثر من عبادة بالفعل الواحد تحصل واحدة منهما ولا تبطل كلها.\nوقسم من الأحناف لهم رأي حسن في اعتبار المقصود الذي ينبغي أن يتحقق، فهم يرون أن العبادة الأوجب لها الأولوية، فإذا صام يومًا عن قضاء وكفارة جعل عن القضاء لأنه أوجب، فإن استويا في القوة فله أن يجعلهما إلى أيّ عبادة شاء، كمن نوى صومًا عن ظهار، وكفارة يمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>(٥) قصد الصوم دفعة واحدة:</span>\nوهذا شرط من شروط النية، وقد حقق العز بن عبد السلام القول في هذه المسألة فقال: \"تفريق النية على الطاعة يختلف باختلاف الطاعات، والطاعات أقسام:\nأولها: طاعة متحددة: وهي التي يفسد أولها بفساد آخرها كالصلاة والصيام، فلا يجوز تفريق النية على أبعاضها.\nمثاله في الصيام: أن ينوي إمساك الساعة الأولى وحدها، ثم ينوي إمساك الساعة الثانية، وكذلك يفرد كل إمساك بنية تختص به إلى آخر النهار فإن صومه لا يصح.\nوكذلك لو أفرد نية الصلاة على أركانها وأبعاضها، مثل أن يفرد التكبير بنية، والقيام بنية ثانية، والركوع بنية ثالثة. وكذلك إلى انقضاء الصلاة، فإن صلاته لا تصح.\nثانيها: طاعة متعددة كالزكاة والصدقات وقراءة القرآن، فهذا يجوز أن يفرد أبعاضه بالنية، وأن يجمعه في نية واحدة.\nفلو فرق النية على أحد جزئي الجملة في القراءة مثل أن قال: بسم الله، أو قال: فالذين آمنوا؛ فالذي أراه أنه لا يثاب على ذلك، ولا يثاب إلا","vol":"2","page":85},{"text":"إذا فرّق النيّة على الجمل المفيدة وجمل القرآن ضربان:\nأحدهما: ما لا يذكر إلا قرآنًا كقوله: (كذبت قوم نوح المرسلين) [الشعراء ١٠٥] فهذا يحرم على الجنب قراءته.\nالضرب الثاني: ما يغلب عليه كونه ذكرًا ليس بقرآن كقوله: بسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، فهذا لا يحرم على الجنب قراءته إلا أن ينوي به القراءة لغلبة الذكر عليه.\nثالثهما: ما اختلف في اتحاده كالوضوء والغسل فمن رآهما متحدين منع من تفريق النية على أجزائهما، ومن رآهما متعددين جوّز تفريق النية على أبعاضهما\" (١) .\n_________\n(١) \"قواعد الأحكام\" (١/٢١٩)، \"المجموع\" (١/٣٧٩-٣٨٠)، \"الإنصاف\" (١/١٥١) .","vol":"2","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>النيابة في النيات في الصوم</span>\nمقدمة وتمهيد هام:\nمرادنا بالنية هنا: أن ينوي شخص ما تأدية عبادة عن غيره في صلاة أو صوم أو حج. وقد اختلف العلماء في ذلك بين مانع مطلقًا، ومجيز مطلقًا، ومجيز في بعض دون بعض.\nفقد ذهب إلى المنع مطلقًا علماء المعتزلة (١)، والإمام مالك (٢) وأصحابه.\nوذهب إلى الإجازة مطلقًا ابن تيمية في أحد أقواله (٣) .\nوذهب جماهير العلماء إلى جواز النيابة في الحجّ، وممن قال بذلك: ابن عباس، وعليّ بن أبي طالب، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأهل الظاهر، وغيرهم.\nومن هؤلاء المجيزين للنيابة في الحجّ من منع النيابة في الصوم، منهم الشافعي، والثوري، وقال بذلك: ابن عمر، وعائشة، وأبو حنيفة (٤) .\nوأجاز أحمد النيابة في صوم النذر خاصة، وهو قول ابن عباس وإسحاق، وأبي عبيد،. والليث بن سعد (٥) .\n***\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/٩٩)، \"أصول الفقه\" لأبي زهرة ص ٣٢٣.\n(٢) \"الوافقات\" (٢/١٧٤) .\n(٣) نسبه إليه محمد رشيد رضا في \"التفسير\" (٨/٢٥٤) .\n(٤) \"المجموع\" للنووي (٦/٤٣١) .\n(٥) \"المجموع\" (٦/٤٣١)، \"تهذيب السنن\" (٣/٢٨١) .","vol":"2","page":87},{"text":"أدلة الذين منعوا مطلقًا\nأولًا: النصوص التي تدل بعمومها على منع النيابة:\nاستدلّوا بقوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [النجم: ٣٦ - ٣٩]\nيقول القرطبي: \"أخبر تعالى أنّه ليس للإنسان إلا سعي نفسه، فمن قال إنّ له سعي غيره، فقد خالف الآية\" (١) .\nويقول ابن كثير: \"كلّ نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنَّما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، وكذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه\" (٢) .\nويعتبر ما دلت عليه هذه الآية قاعدة من قواعد دين الله في كلّ شريعة أنزلها، فقد أخبر هنا أنَّ هذا كان مقررًا في الكتب الماضية العظيمة، وعند الرسل العظام: عند إبراهيم وموسى.\nوعندما نجيل النظر في شريعتنا الغراء نرى نصوصًا كثيرة تدلّ على مثل ما دلت عليه الآية الماضية، فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، فهذه الآية كتلك في معناها.\nوجاءت النصوص تقرر أن الهداية والضلال، والمجاهدة والقعود، والتزكية والقدسية، كلّ ذلك خاص بمن حصل منه: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الإسراء: ١٥] .\nوقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٤/١٥١) .\n(٢) \"تفسير ابن كثير\" (٦/٤٦٢) .","vol":"2","page":88},{"text":"فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) [فاطر: ١٨]، وقال تعالى: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ) [العنكبوت: ٦] .\nواحتجوا بقوله - ﷺ -: \"وإنما لكل امريء مَا نَوَى\" فإنَّ مفهوم هذه العبارة: أنّه لا يحصل على ما نوى غيره (١)، والجنَّة يدخلها النّاس بأعمالهم: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: ٤٣]، ويصلى الكفرة النار بأعمالهم: (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) [يس: ٦٤] .\nوفي يوم القيامة لا يملك أحد لغيره شيئًا: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) [الإنفطار: ١٩] . وقد قرر هذه الحقيقة رسول الله - ﷺ - ببيان عام أعلنه على الملأ وعمّ وخصّ، فقد روى أبو هريره -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قام حين أنزل الله عليه (وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: ٢١٤]، فقال: \"يا معشر قريش، -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا يا صفية عمّة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا\" (٢) .\nثانيًا: النصوص المصرحة بمنع النيابة في بعض العبادات:\nفقد استدلّوا بحديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه\" (٣) .\n***\n_________\n(١) راجع \"فتح الباري\" (١/١٤)، العيني على البخاري (١/٢٧)، \"دليل الفالحين\" (١/٥٠) .\n(٢) \"صحيح البخاري\" (ص ١١) - كتاب الوصايا.\n(٣) أخرجه النسائي في \"سننه\".","vol":"2","page":89},{"text":"ثالثًا: قالوا: جواز النيابة في العبادات تنافي الغرض من تشريعها:\nلأن المقصود من العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره؛ حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته، وما يقرب إليه على حسب طاقته، والنيابة تنافي هذا المقصود وتضاده؛ لأنَّ معنى ذلك ألا يكون العبد عبدًا، ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعًا، ولا متوجهًا، إذا ناب عنه غيره في ذلك، وإذا قام غيره في ذلك مقامه فذلك القائم هو الخاضع المتوجه، والخضوع والتوجه ونحوهما إنما هو اتصاف بصفات العبودية، والاتصاف لا يعدو المتصف به، ولا ينتقل عنه إلى غيره. والنيابة إنّما معناها أن يكون المنوب عنه بمنزلة النائب، حتى يعدّ المنوب عنه متصفًا بما اتصف به النائب، وذلك لا يصحّ في العبادات كما يصحّ في التصرفات (١) .\nيقول العز بن عبد السلام موضحًا هذه المسألة: \"لا يثاب الإنسان ولا يعاقب إلا على كسبه واكتسابه؛ لأنَّ الغرض بالتكاليف تعظيم الإله بطاعته، واجتناب معصيته، وذلك مختص بفاعليه؛ إذ لا يكون معظّم الحرمات منتهكًا لها بانتهاك غيره، ولا منتهك الحرمات معظمًا لها بتعظيم غيره، فكذلك لا تجوز الاستنابة في المعاصي والمخالفات، ولا في الطاعات البدنيات إلا ما استثني ... \" (٢) .\nرابعًا: قالوا: لو صحت النيابة في العبادات البدنية لصحت في الأعمال القلبية كالإيمان وغيره من الصبر والشكر والرضى والتوكل والخوف والرجاء وما أشبه ذلك.\nولو كانت النيابة جائزة، فإنَّ التكاليف ينبغي ألا تكون محتومة على المكلف عينًا لجواز النيابة، فكان يجوز أمره ابتداء على التخيير بين العمل والاستنابة، ولصحّ مثل ذلك في المصالح المختصة بالأعيان من العبادات كالأكل\n_________\n(١) \"الموافقات\" (٢/١٦٧-١٦٨) .\n(٢) \"قواعد الأحكام\" (١/١٣٥) .","vol":"2","page":90},{"text":"والشرب والوقاع واللباس، وما أشبه ذلك، وفي الحدود والقصاص والتعزيرات وأشباهها من أنواع الزجر، وكل ذلك باطل بلا خلاف، من جهة أنّ حكم هذه الأحكام مختصة فكذلك سائر العبادات (١) .\nخامسًا: احتجّ مالك بعمل أهل المدينة: فعملهم على عدم النيابة، قال\nالقرطبي: \"وهو أقوى ما يحتج به لمالك\" (٢) .\n***\nالمجيزون مطلقًا\nموقفهم من حجج المانعين:\nذهب بعض العلماء إلى أنَّ قوله تعالى: (وأن ليس للإِنسان إِلا ما سعى) منسوخ، وقد نسب بعض المفسرين القول بذلك إلى ابن عباس (٣)، وعندي في صحة هذه النسبة إلى ابن عباس نظر، لما سنعلمه بعد من أنّه كان يفتي بألا يصام عن الميت في صوم فرض، بل يُطْعم عنه، ولأنَّه راوي الحديث الذي سبق ذكره: \"لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد..\" الحديث.\nكما نسبت كتب التفسير إلى عكرمة مولي ابن عباس أنَّه كان يقول: \"كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، أما هذه الأمة فلها ما سعى غيرها، يدلُّ عليه حديث سعد بن عبادة: هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال: \"نعم\" (٤) .\nونسبوا إلى بعض أهل العلم أنَّ هذه الآية: (وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى)، خاصة بالكافر، أما المؤمن فله ما سعى غيره (٥) .\nوهذه الأقوال: من القول بأنَّ الآية منسوخة، أو أنَّها خاصة بالأمم من\n_________\n(١) \"الموافقات\" (٢/١٦٨) .\n(٢) \"تفسير القرطبي\" (٢/٢٨٢) .\n(٣) انظر \"البحر المحيط\" لأبي حيان عند تفسيره لهذه الآية.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) المصدر السابق.","vol":"2","page":91},{"text":"قبلنا، أو خاصة بالكافر غير صحيحة:\nأولًا: لأنّ الآية خبر لم يتضمن تكليفًا، وما كان كذلك لا يجري فيه النسخ.\nثانيًا: ولأنَّه قد دلَّ على معناها نصوص كثيرة من الكتاب والسُنة، وقد ذكرنا جملة منها.\nثالثًا: مما يدلّ على بطلان خصوصيتها بالأمم السابقة وجود النصوص الدالة على ما دلت عليه في شريعتنا، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا وجد في شرعنا ما يقره ويؤيده.\nرابعًا: القول بخصوصيتها بالكافر خلاف الظاهر، وليس عليه دليل.\nأدلة المجيزين للنيابة مطلقًا أوفي حال دون حال:\nالذين قالوا بالإجازة خصوا النصوص التي استدلّ بها المانعون بمخصصات كثيرة نذكر منها ما يأتي:\n١- ما رواه عبد الله بن عباس -﵄- قال: \"كان الفضل رديف النبي - ﷺ - فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبي - ﷺ - يصرف وجه الفضل إلى الشقِّ الآخر، فقالت: إنَّ فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: \" نعم\". وذلك في حجِّة الوداع\" (١) .\n٢- حديث أبي رزين العقيلي (٢)، أنَّه أتى النبي - ﷺ - فقال: إنَّ أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحجّ، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: \"حج عن\n_________\n(١) رواه البخاري (٢٤) - - كتاب جزاء الصيد، \"فتح الباري\" (٤/٦٧)، ومسلم (انظره: بشرح النووي) (٩/٦٩) .\n(٢) هو: لقيط بن عامر بن صبرة بن عقيل بن كعب العقيلي أبو رزين صحابي، لم يذكروا تاريخ مولده ووفاته.\nراجع: \"تهذيب التهذيب\" (٨/٤٥٦)، و\"خلاصة تهذيب الكمال\" (٢/٣٧٢)، \"الكاشف\" (٣/١٣) .","vol":"2","page":92},{"text":"أبيك، واعتمر\" (١) .\n٣- حديث عبد الله بن الزبير -﵄- قال: \"جاء رجل من خثعم إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إنَّ أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: \"أنت أكبر ولده؟ \" قال: نعم. قال: \"أرايت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه، أكان ذلك يجزيء عنه\"، قال: نعم، قال: \"فاحجج عنه\" (٢) .\n٤- عن ابن عباس -﵄-: أنَّ النبيَّ - ﷺ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي - ﷺ -: \"من شبرمة؟ \" قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: \"حجَّ عن نفسك، ثم عن شبرمة\". وفي رواية: \"هذه عنك، ثم عن شبرمة\" (٣) .\nومنها الأحاديث الدالة على صحّة صوم الولي عن ميت عليه صيام من رمضان أو نذر، فمن هذه الأحاديث:\n٥- حديث عائشة -﵂- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\" (٤) .\n٦- وحديث ابن عباس -﵄-: \"أنَّ امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها الله ﷿، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها (إمَّا أختها أو ابنتها) إلى النبيّ - ﷺ - فذكرت ذلك له، فقال: \"أرأيت لو كان عليها دين، كنت تقضينه؟ \" قالت: نعم.\nقال \"فَدَيْنُ الله أحقّ أن يقضى، فاقض عن أمك\" (٥) .\n_________\n(١) رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(٢) رواه أحمد والنسائي.\n(٣) رواه أبو داود، وابن ماجه، قال البيهقي: إسناده صحيح، وروي موقوفًا، ورجّح ابن القطان رفعه، وقال الطحاوي: الصحيح أنه موقوف، وقال ابن حجر بعد أن ذكر الحديث ومخرجيه والكلام فيه \"فيجتمع من هذا صحّة الحديث\"، انظر \"تلخيص الحبير\" لابن حجر (٢/٢٢٣-٢٢٤) .\n(٤) متفق عليه \"مشكاة المصابيح\" (١/٦٣٣) .\n(٥) رواه السبعة.","vol":"2","page":93},{"text":"٧- حديث ابن عباس أيضًا، أن سعد بن عبادة -﵁- استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: \"إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: \"اقضه عنها\" (١) .\nموقف المانعين للنيابة في العبادات من هذه النصوص الدالة على الجواز ومناقشتهم:\nأولًا: تضعيف هذه النصوص:\nقالوا يدلّ على ضعفها اضطرابها، ففي بعض الروايات أنَّ الذي سأل الرسول - ﷺ - رجل، وفي رواية امرأة، وفي رواية أن المسؤول عن الصيام عنه أب، وفي رواية أم، وفي رواية أخت، والمسؤول فيه في رواية حج، وفي أخرى صوم (٢) .\nوحسبنا في الردّ عليهم أن هذه التي قالوا: إنَّها مضطربة، اتفق على إخراجها البخاري ومسلم.\nوقد حقَّق العلماء أن هذا الاضطراب غير قادح؛ لأنه من باب اختلاف الوقائع، بل في بعض الروايات توضيح لذلك، كتلك الرواية التي أخرجها مسلم، وقد سألت المرأة الرسول - ﷺ - عن الحجّ عن أمها، والصيام عنها. ثم توجد نصوص من تلك الأحاديث لا اضطراب فيها. وضعفوها أيضًا من جهة مخالفة الرواة لها \"عائشة وابن عباس\" -﵄- بفتواهما، وهذا غير قادح؛ لأنَّ الحُجة بما روياه.\nثانيًا: جعل الشاطبي عدم أخذ العلماء بهذه الأحاديث أو ببعضها دليلًا على ضعف الأخذ بها في النظر، ومما ضعّفها في نظره أنها تدلّ على جواز النيابة في الحجّ، والحج يشتمل على ركعتي الطواف، وقد أجمع العلماء على عدم جواز النيابة في الصلاة (٣) . وهذا الذي ذكره لا يوجب ضعف هذه\n_________\n(١) متفق عليه.\n(٢، ٣) \"الموافقات\" (٢/٧٤) .","vol":"2","page":94},{"text":"الأحاديث؛ إذ ليس مما يضعّف الحديث عدم أخذ العلماء به كما هو مقرر في علم أصول الحديث، والصلاة في الحج \"ركعتا الطواف\" إنّما جازتا على وجه التبعية؛ إذ هما تابعتان ولم يقصدهما مؤديهما على أنّهما صلاة مستقلة عن الحج.\nثالثًا: قالوا هي خاصة بالمأذون لهم بالنيابة:\nفقد ذكر ابن عبد البر أن حديث الخثعمية التي أذن لها الرسول - ﷺ - بالحج عن أبيها، محمول عند مالك وأصحابه على الخصوصية (١)، واستدلّوا على ذلك بقوله - ﷺ - للسائل: \"حج عنه، وليس لأحد بعده\" (٢) .\nويجاب عن ذلك بأمور:\n١- أنَ الخصوصية لا تثبت بغير دليل، فقد دلَّ صريح لفظ الرسول - ﷺ - باختصاص أبي بُردة بن نيار (٣) بجواز التضحية بعناق دون غيره، حيث قال له: \"لا تجزيء عن أحد بعدك\" (٤) وكما خصّ خزيمة (٥) دون غيره بكون شهادته بشهادة رجلين (٦) .\n٢- وكيف تتمّ دعوى الخصوصية، وقد صحّ في بقية الأحاديث\n_________\n(١) \"تفسير القرطبي\" (٤/١٥٢) .\n(٢) ضعف ابن حجر هذه الرواية في \"فتح الباري\" (٤/٦٩) .\n(٣) اسمه: هانيء، وقيل: الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هبيرة، خال البراء بن عازب، صحابي توفي عام (٤١هـ) .\nراجع: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/١٩)، \"الكاشف\" (٣/٣١٢) .\n(٤) رواه البخاري ومسلم وأبو داود \"تلخيص الحبير\" (٤/١٣٩) .\n(٥) هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري، صحابي جليل، من أشراف الأوس في الجاهلية والإسلام، له في \"الصحيحين\" (٣٨) حديثًا، قتل بصفين سنة (٣٧هـ) .\nراجع: \"تهذيب التهذيب\" (٣/١٤٠)، \"خلاصة تذهيب الكمال\" (١/٢٨٩)، \"الكاشف\" (١/٢٧٩) .\n(٦) البخاري في \"صحيحه\" انظر: \"فتح الباري\" (٦/٢٢) .","vol":"2","page":95},{"text":"إذن الرسول - ﷺ - لغيرها في الصوم عن الأب أو الأم أو الحج عنهما؟\nكما أذن لأبي رزين العقيلي (١) .\n٣- والرواية التي أوردوها دالة على الخصوصية ضعيفة كما حقق ذلك ابن حجر (٢) .\nرابعًا: ومنهم من تأول هذه الأحاديث على وجه يوجب ترك اعتبارها مطلقًا:\nوذلك أنّه قال: سبيل الأنبياء -صلوات الله عليهم-: ألا يمنعوا أحدًا من فعل الخير. يريد أنَّهم سئلوا عن القضاء في الحجّ والصوم، فأنفذوا ما سئلوا فيه، من جهة كونه خيرًا، لا من جهة أنه جاز عن المنوب عنه، هكذا قال الشاطبي، وذكر قريبًا منه ابن العربي، والقرطبي (٣) .\nوهذا الذي قالوه كلام -بعيد فكيف يُظنّ برسول الله - ﷺ - أن- يقرَّ السائلين عن خلاف الحق، مجاراة لرغبة السائل في عمل الخير، بل كيف يقول للسائلين: حجّوا، وصوموا، ويجزيء ذلك عن من فعلوه عنه، وواقع الأمر على خلاف ذلك. هذا ما لا يكون أبدًا، ولا يظنّ برسول الله - ﷺ - ذلك، وغفر الله لهم مقالتهم هذه.\nخامسًا: حملوا بعض هذه الأحاديث محملًا بعيدًا، فقالوا: قوله - ﷺ -: \"صام عنه وليه\" محمول على ما تصحّ النيابة فيه، وهو الصدقة مجازًا؛ لأنَّ القضاء تارة يكون بمثل المقضي، وتارة بما يقوم مقامة عند تعذره، وذلك في الصيام: الإطعام، وفي الحج: النفقة عمّن يحج عنه، أو ما أشبه ذلك (٤) .\n_________\n(١) انظر الأحاديث الدالة على جواز النيابة التي سقناها.\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/٦٩) .\n(٣) \"الموافقات\" (٢/١٧٤)، \"تفسير القرطبي\" (٤/١٥٢)، \"أحكام القرآن\" لابن العربي (١/٢٨٧، ٢٨٨) .\n(٤) \"الموافقات\" (٢/١٧٥) .","vol":"2","page":96},{"text":"وهذا حمل بعيد، يدلّ على ضعفه إذنه - ﷺ - في الأحاديث الأخرى بالحجّ والصيام، وبقوله للملبي عن شبرمة: \"حجّ عن نفسك أولًا، ثم حجّ عن شبرمة\".\nالسادس: ردّوا هذه الأحاديث بدعوى أنَّها مخالفة لظاهر القرآن:\nيقول القرطبي: \"رأي مالك أنَّ ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن، فرجح ظاهر القرآن\"، وقد رجح القرطبي ظاهر القرآن لأمرين، قال: \"ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة أنَّ القول المذكور قول امرأة ظنَّت ظنًا\"، ثم أورد إشكالا على ما ذهب إليه، ولم يستطع الردَّ عليه ردا مجزئًا، فقال: \"لا يقال: قد أجابها الرسول - ﷺ - عن سؤالها، ولو كان غلطا لبينه لها، لأنَّا نقول: إنَّما أجابها عن قولها: أفاحج عنه؟ قال: \"حجي عنه\" (١) . فأين الجواب عن الإشكال الذي أورده؟ ولقد صدق ابن حجر وبرَّ حين قال معقبًا على ما ذكره القرطبي: \"وتعقّب بأنَّ في تقرير النبي - ﷺ - لها على ذلك حجَّة ظاهرة\" (٢) .\nوما ذكره القرطبي ذكره الشاطبي بأجلى من عبارة القرطبي، قال: \"هذه الأحاديث على قلتها معارضة لأصل ثابت في الشريعة قطعي، ولم تبلغ مبلغ التواتر اللفظي ولا المعنوي، فلا يعارض الظن القطع، كما تقرر أن خبر الواحد لا يعمل به إلا إذا لم يعارضه أصل قطعي، وهو أصل مالك بن أنس وأبي حنيفة\". ثمَّ بين أنَّ هذا الجواب عن الأحاديث هو الجواب القوي المرضيّ، فقال: \"وهذا الوجه هو نكتة الموضع، وهو المقصود فيه، وما سواه من الأجوبة تضعيف لمقتضى التمسك بتلك الأحاديث، وقد وضح مأخذ هذا الأصل الحسن\" (٣) .\nوفي الردّ نقول: إنَّ هذا الذي ردّوا به الأحاديث ليس بحسن، فإنَّ ما\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/٧٠) .\n(٢) \"الموافقات\" (٢/١٧٥) .\n(٣) \"الموافقات\" (٢/١٧٥) .","vol":"2","page":97},{"text":"قالوه لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق، وفي حال إمكان التوفيق بين النصوص فلا يعدل عنه، وقد أمكن هنا كما سيأتي بيانه قريبًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>موقف الذين أجازوا النيابة في بعض العبادات من حجج المجيزين مطلقًا:</span>\nعرضنا موقف المانعين من النيابة تجاه النصوص الدالة على جواز النيابة، فما موقف غيرهم من العلماء؟\nجماهير العلماء -كما ذكرنا في مقدمة هذا الفصل- احتجّوا على جواز النيابة في الحج بالأحاديث الأربعة الأولى (١) . فقد أذن الرسول - ﷺ - فيها للخثعمية، وللخثعمي، ولأبي رزين العقيلي، بالحج عن آبائهم.\nوأقر ذلك الملبي عن شبرمة بالحج عنه، وإنما اعترض عليه في أمر آخر،.\nوهو أن عليه أن يحج عن نفسه أولًا، ثم ليحج بعد ذلك عن شبرمة، ومما يستأنس به أنّه - ﷺ - أذن للولي أن ينوي عن الصغير في الحج (٢) .\nوالشافعي ومن معه أجازوا أن يحجّ المرء نيابة عن غيره، ولكنّه منع النيابة في الصوم مطلقًا، وعندما قيل له: لم فرّقت بين الصوم والحج؟ قال: \"قد فرّق الله بينهما، فإن قيل: أنَّى قلت: فرض الله الحج على من وجد إليه سبيلًا، وسن رسول الله - ﷺ - أن يقضي عمن يحج، ولم يجعل الله ورسوله من الحجّ بدلًا غير الحج\".\nوفرض تعالى الصوم، فقال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة: ١٨٤]، فقيل: يطيقونه: كانوا يطيقونه، ثم عجَزوا عنه، فعليهم في كل يوم طعام مسكين\" (٣) .\n_________\n(١) من أدلة المجيزين مطلقًا.\n(٢) رواه مسلم عن ابن عباس - ﵄ \"أن امرأة رفعت إلى رسول الله - ﷺ - صبيًا\nقائلة: ألهذا حج؟ قال: \"نعم، ولك أجر\"، انظر: \"شرح النووي على مسلم\" (٩/٩٩) .\n(٣) اختلاف الحديث، انظر: هامش كتاب \"الأم\" (٢/٨٩) .","vol":"2","page":98},{"text":"وبهذا فرق بين الصلاة، والحج فقال: \"وأمر بالصلاة، وسنَّ رسول الله - ﷺ - ألا تقضي الحائض، ولا يقضي عنها ما تركت من الصلاة، وقال عوام المفتين: ولا المغلوب على عقله، ولم يجعلوا في ترك الصلاة كفارة، ولم يذكر في ذلك كتاب ولا سُنة عن صلاة كفارة من صدقة، ولا أن يقوم به أحد عن أحد، وكان عمل كل امريء لنفسه، وكان الصوم والصلاة عمل المرء لنفسه لا يعمله غيره، وكان يعمل الحج عن الرجل اتباعًا للسنة وبخلافه الصوم والصّلاة\" (١) . ثم ذكر فرقًا آخر بين الحجّ والصوم والصلاة، وهو أنَّ الحجّ \"فيه نفقة من المال، وليس ذلك في الصوم والصّلاة\" (٢) .\nومع هذا الفرق الذي ذكره الشافعي إلا أنَّ النصوص الدالَّة على جواز النيابة في الصوم لا تزال قائمة تلزمه بأن يقول بمقتضاها، لكنَّه لا يرى صحتها، وقد بيَّن ضعفها في أكثر من موضع في كتبه، قال الشافعي: \"فإن قيل: أفروي عن رسول الله - ﷺ - أنَّه أمر أحدًا أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم.\nروى ابن عباس ﵄ وعن النبي - ﷺ -؛ فإن قيل: لِمَ لم تأخذ به؟\nقيل: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عباس - ﵄ عن ابن عباس -﵄-، عن النبيّ - ﷺ -: \"نذر نذرًا\"، ولم يسمّه مع حفظ الزهري، وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس.\nفلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس -﵄- بغير ما في حديثه أشبه ألا يكون محفوظا. فإن قيل: أتعرف الذي جاء بهذا الحديث يغلط عن\n_________\n(١) اختلاف الحديث، انظر هامش كتاب \"الأم\" (٢/٨٤٩) .\n(٢) المصدر السابق. والشافعي -﵀- يجيب هُنا عن الذين قاسوا الصوم والصلاة على الحج بحجة أن ذلك كله دين الله ثابت في الذمة فشمله قوله - ﷺ -: \"فدين الله أحقّ\nبالقضاء\"، وقد وضّح هذه المسألة الغزالي في \"شفاء الغليل\" (ص ٤٥)، فبّين أن الرسول - ﷺ - شبه الحج بدين عرف من جهة الشرع تطرق النيابة إلى أدائه، وعرف أيضًا أنَّ الحج تتطرق النية إلى أدائه، وعرف أن الصلاة والصوم لا مدخل للنيابة في تبرئة الذمة عنهما، ثم قال: \"فالأدلة المعرفة للجمع والفرق في النيابة تخصص العلة بالحج، وتقطع عنه الصوم والصلاة\".","vol":"2","page":99},{"text":"ابن عباس؟ قيل: نعم، وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس أنه قال لابن الزبير: إنَّ الزبير حل من متعة الحج، فروي هذا عن ابن عباس أنَّها متعة النساء، وهذا غلط فاحش\" (١) .\nوقد ساق البيهقي كلام الشافعي، ثمَّ قال (٢): \"يعني به -أي الحديث الذي ضعّفه- حديث الشافعي عن مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس: \"أنَّ سعد بن عبادة (٣) استفتى ... \" الحديث؛ قال البيهقي: وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم من رواية مالك وغيره عن الزهري، إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس -﵄- \"أنَّ امرأة سألت يعني عن صوم أمها، وكذلك رواية الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل (٤) عن مجاهد عن ابن عباس - ﵄\" (٥) .\nوقد تكلم البيهقي عن هذه الأحاديث الدالة على جواز صوم الولي عن الميت في \"معرفة السنن والآثار\"، وبيَّن قوة هذه الأحاديث، واختتم كلامه قائلًا: \"وقد أودعها صاحبا \"الصحيحين\" كتابيهما، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها ونظائرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى\" (٦) .\nوقال النووي بعد نقله كلام البيهقي، وبعد جزمه بصحّة الأحاديث الدالة\n_________\n(١) اختلاف الحديث، انظر: هامش كتاب \"الأم\" (٢/٨٩) .\n(٢) \"المجموع\" (٦/٤٢٦) .\n(٣) هو سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي، صحابي جليل، سيد الخزرج، شهد بيعة العقبة الثانية، وكان أحد النقباء الاثنى عشر، توفي عام (١٤هـ) .\nراجع: \"تقريب التهذيب\" (٣/٤٧٥)، \"خلاصة تهذيب الكمال\" (١/٣٦٩)، \"الكاشف\" (١/٩٣٥٢) .\n(٤) سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي تابعي ثقة، سمع زيد بن أرقم، وابن عمر توفي سنة (١٢١هـ) .\nراجع: \"تقريب التهذيب\" (١/٣١٨)، \"خلاصة تهذيب الكمال\" (١/٤٠٥)، \"الكاشف\" (١/٣٨٦) .\n(٥) \"المجموع\" (٦/٤٢٦) .\n(٦) \"المصدر السابق\".","vol":"2","page":100},{"text":"على جواز النيابة في الصوم، قال: \"ويتعين أن يكون هذا -جواز النيابة في الصوم- مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، واتركوا قولي المخالف له\".\nثم قال -معتذرًا للشافعي في تضعيفه للحديث-: \"وقد صحت في المسألة أحاديث، والشافعي إنَّما وقف على حديث ابن عباس -﵄- من بعض طرقه، ولو وقف على جميع طرقه، وعلى حديث يزيد، وحديث عائشة -﵂- عن النبيّ - ﷺ - لم يُخالف ذلك\" (١) .\nأما الإمام أحمد ومن ذهب مذهبه من الذين قالوا بجواز النيابة في صوم النذر خاصة فحجّتهم:\nأولًا: أنَّ السائلة في \"الحديث الخامس\" (٢) . حديث ابن عباس قد صرَّحت أنَّ أمَّها نذرت أن تصوم شهرًا، ثم توفيت قبل أن تفي بنذرها (٣) .\nثانيًا: حملوا حديث عائشة -﵂-: \"الحدث الرابع\": \"من مات وعليه صوم صام عنه وليه\" (٤) . على صوم النذر؛ لأنه قد ورد النهي في حديث ابن عباس -﵄- من النبيّ - ﷺ - عن أن يصلي أحد عن أحد، أو يصوم أحد عن أحد (٥)، وقالوا: وفقنا بين هذين النصّين بحمل النهي على النيابة في صوم الفرض، وحملنا الإذن في النيابة على صوم النذر.\nثالثًا: قالوا هذا الذي صرنا إليه هو الذي أفتى به رواة هذه الأحاديث، فعائشة -﵂- التي روت: \"من مات وعليه صوم صام عنه وليه\"، وابن عباس -﵄- الذي روى إفتاء الرسول - ﷺ - للمرأة بأن تصوم عن أمها، لم يفهما من هذه النصوص جواز النيابة في صوم الفرض، فقد\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/٤٢٦) .\n(٢) من أدلة المجيزين مطلقًا.\n(٣) سبق تخريجه من قبل.\n(٤) سبق تخريجه من قبل.\n(٥) سبق تخريجه من قبل.","vol":"2","page":101},{"text":"أخرج الطحاوي عن عَمْرة أن أمّها ماتت وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: -﵂- أقضيه عنها؟ قالت: \"بل تصدقي عنها مكان كلّ يوم نصف صاع على كل مسكين\" (١) .\nوابن عباس -﵄- أفتى: \"إذا مرض الرجل ثم مات ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضي عنه\" (٢) .\nقالوا: فرواة الأحاديث لم يفهموا منها جواز النيابة في صوم الفرض، وقد تقرّر عند علماء الشريعة، أن راوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيما إذا كان ما فهم هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا، خاصة إذا كان الراوي من كبار فقهاء الصحابة مثل أمّ المؤمنين عائشة -﵄-، وحبر هذه الأمة ابن عباس ﵄-.\nرابعًا: قالوا وفي هذا الذي صرنا إليه رفع للإشكال الذي سببّه حديث عائشة، فما صرنا إليه فيه إعمال للقاعدة القاضية بأن الفرائض لا تقبل النيابة، وإعمال للنصوص المجيزة للصوم عن الولي.\nخامسًا: وقد قوى ابن القيم مذهب الحنابلة، وقال: \"وهو مقتضى الدليل والقياس\" ثم أخذ يبين وجه ذلك: \"لأن النَّذر ليس واجبا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّيْن الذي استدانه، ولهذا شبَّهه النبيّ - ﷺ - بالدّيْن في حديث ابن عباس -﵄-، والمسؤول عنه فيه: أنَّه كان صوم نذر\".\nوتابع استدلاله قائلًا: \"والدَّين تدخله النيابة، وأمَّا الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام، فلا تدخله النيابة بحال، كما لا يدخل الصلاة والشهادتين، فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحق العبودية التي خلق لها، وأمر بها، وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره، كما لا يسلم\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي، وابن حزم في \"المحلى\" (٧/٤)، واللفظ له بإسناد صحيح كما قال ابن التركماني.\n(٢) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وله طريق آخر عند ابن حزم في \"المحلى\" (٧/٧) .","vol":"2","page":102},{"text":"عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره\".\nثم أخذ يبين أنَّ النذر أخف حكمًا من الفرض وبذلك يفارقه: \"وسر الفرق: أنَّ النذر التزام المكلَّف لما شغل به ذمته، لا أنَّ الشارع ألزمه به ابتداء، فهو أخف حكمًا مما جعله الشارع حقًا له عليه، شاء أم أبى، والذمة تسع المقدور عليه، المعجوز عنه، ولهذا تقبل أن يشغلها المكلَّف بما لا قدرة له عليه، بخلاف واجبات الشرع فإنَّها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز\"، إلى أن قال: \" ... فلا يلزم من دخول النيابة في واجب النذر بعد الموت، دخلوها في واجب الشرع\" (١) .\nأما الذين قالوا بأنّه لا ينوب أحد عن أحد في حج ولا صوم إلا الابن عن أبيه فقد احتجوا بأنَّ السائل في غالب الأحاديث ولد، وحملوا بقيّة الأحاديث على الولد؛ لأنَّ النصوص من أمثال قوله: (وأن ليس للإِنسان إِلا ما سعى) مانعة من النيابة، قالوا: ولا تعارض بين الآية ونيابة الابن؛ لأن الابن من سعي أبيه كما صح الحديث بذلك عن رسول الله - ﷺ - \"إنَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنَّ ولده من كسبه\" (٢) .\nويشكل على ما قرروه حديث شُبْرمة الملبي في الحج عن أخيه، وحديث عائشة -﵂- الذي فيه: \"من مات وعليه صوم صام عنه وليه\"، فإنَّه أطلقه ولم يقيده بالولد، وفي حديث السائلة عن النذر قيل: المسؤول عن الصوم عنها كانت أختها كما في إحدى الروايات. وفي حديث الصدقة تحمل الرسول - ﷺ - الزكاة عن عمه.\nولذا وصف ابن حجر القائلين بقصر النيابة على الولد بالجمود.\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>تحرير محل النزاع</span>\nبعد أن عرضنا مذاهب العلماء في النيابة وأدلتهم وما ورد عليها من\n_________\n(١) \"تهذيب السنن\" (٣/٢٨٢) .\n(٢) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وهذا اللفظ للدارمي وأبي داود، ولفظ الرواية الأخرى: \"إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم\" انظر: \"مشكاة المصابيح\" (٢/٧٥) .","vol":"2","page":103},{"text":"مناقشات يجدر بنا أن نحرر محل النزاع فنقول: ليس كلّ العبادات موضع خلاف، ولا كلّ الأشخاص تجوز نيابتهم عن غيرهم، ولذا سأبين العبادات التي اتفق العلماء على أنه لا مجال للنيابة فيها، ثم الذين لا تجوز النيابة عنهم باتفاق.\nأولًا: عبادات لا مجال للنيابة فيها:\nأ- العبادات القلبية كإيمان القلب وإسلامه، وحبه ورجائه ... فقد اتفق العلماء على أنّه لا مجال للنيابة فيها، ولم يذكروا خلافًا في ذلك، بل لا يتصور الخلاف.\nب- العبادات الشبيهة بالعاديّات كالوضوء والغسل والتيمم، وما ذكره بعض الفقهاء من وجوب النيّة في غسل الميّت فليس هو من باب النيابة؛ لأنَّ الميت هنا غير مكلف غسل نفسه، وإنما هو فعل أمُر به الأحياء للأموات، فينوي قصد الفعل الذي أمر به، وكذلك ما ذكروه من غسل الزوج زوجته المجنونة إذا طهرت من حيضها ونفاسها، وغسله للزوجة الذمية إذا طهرت في حيضها ونفاسها قهرًا إذا امتنعت فلا يدخل في هذا الباب؛ لأن المجنونة والذميَّة لو اغتسلتا بنفسيهما صحّ مع أنهما ليستا من أهل النيّة.، فالقول بوجوب غسلهما أو اغتسالهما إنّما هو لمجرد التطهر.\nوكذلك ما ذكروه من أنّ الشخص قد يوضيء غيره أو ييممه أو يغسله، والمتوضيء والمتيمم والمغتسل من أهل النية، كمن وضّأ مريضًا أو يمم أقطعًا، ليس من باب النيابة؛ لأنَّ هذا الموضيء والمغسل والميمم بمثابة الآلة، فمثله كمثل جهاز من الأجهزة الحديثة يقوم بغسل الإنسان أو توضئته، وكمثل جنب أمطرت السماء فوقف صامدًا تحت المطر ينوي الغسل من الجنابة، فالنية هنا على المتوضيء والمغتسل والمتيمم، لا على من فعل ذلك به، وهذا واضح، وغفل من قال بأن النية على الموضيء.\nجـ- نقل الطبري وغيره الإجماع على أنَّ النيابة لا تدخل الصلاة (١)،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/٦٩) .","vol":"2","page":104},{"text":"ولا يعتدُّ بمخالفة الظاهرية في تجويزهم النيابة في الصلاة المنذورة خاصة لمخالفته للإجماع، وممّن نصَّ على أن الصلاة المنذورة لا تقضي عن الميت الشافعي في اختلاف علوم الحديث (١) .\nثانيًا: الذين لا تجوز النيابة عنهم:\nأ- لا تجوز النيابة عن الأحياء القادرين على الفعل؛ فلا يجوز أن ينيب حيّ قادر غيره ليحج عنه أو يصوم عنه، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على عدم جواز النيابة عن القادر في حج واجب (٢) .\nب- ولا يجوز أن ينيب الحيُّ غير القادر أحدًا عنه إلا في الحجّ، أما الذي لا يستطيع الصوم فيطعم عن كل يوم مسكينًا، والخلاف في الحيّ غير القادر في الحجّ، إذا كان غير مستطيع بنفسه، ولكنَّه مستطيع بغيره.\nجـ- ولا تجوز النيابة عن ميّت لم يفرّط ولم يقصّر، فمذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور أنَّ من كان عليه صوم، ولم يتمكن من قضائه حتى مات بسبب سفر أو مرض -أو غيرهما من الأعذار- فهذا لا شيء عليه، ولا يصام عنه، ولا يطعم عنه، قال العبدري: وهو قول كافة العلماء إلا طاووسًا وقتادة، فقالا: يجب أن يطعم عنه لكلّ يوم مسكينًا، لأنَّه عاجز فأشبه الشيخ الهرم\" (٣) .\nد- ولا تجوز النيابة عن شخص كان متعمدًا لترك العبادة، يقول ابن القيم: \"من ترك الحجّ عمدًا حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات فإنَّ مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبريء ذمته، ولا يقبل منه، والحق أحق أن يتبع\" (٤) .\nوقال في موضع آخر: \"ولا يحج عن أحد إلا إذا كان معذورًا بالتأخير\n_________\n(١) \"اختلاف علوم الحديث\" هامش \"الأم\" (٢/٨٩) .\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/٦٦) .\n(٣) \"المجموع للنووي\" (٦/٤٣١) .\n(٤) \"تهذيب السنن\" (٣/٢٨٢) .","vol":"2","page":105},{"text":"كما يعطم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر\".\n\"فأما المفرط في غير عذر أصلا فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاءً وامتحانًا دون الولي\" (١) .\nوبهذا يتحرر محل النزاع، فالنزاع بين العلماء في النيابة في العبادات في عبادتين.\nالأولى: في الصوم عن الميت الذي عليه صوم نذر، أو صوم من رمضان، كان يمكنه قضاؤه، ثم توفّي قبل أن يقضيه.\nالثانية: في الحجّ في حالتين: في ميّت لم يحجّ ولم يكن متعمدًا للترك، ولكنَّه كان يسوف ويؤجل فوافاه الأجل. وفي حيّ غْير قادر على الحجّ بنفسه، ولكنّه قادر بغيره، بأن ينفق على من يحجّ عنه من ماله، أو يجد من يطيعه من ولد أو قريب إذا أمره بالحجّ عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>الرأي الراجح:</span>\nوما ذهب إليه الجمهور من جواز النيابة في الحجّ في الحالتين المذكورتين هو الرأي الراجح الذي تشهد له الأدلة كما بينا، ونرى أنّه تجوز النيابة فيه من الولد ومن غير الولد -خلافًا لمن قيده بذلك-.\nومذهب الإمام الشافعي في عدم جواز النيابة في صوم الفريضة مذهب قويّ، إلا أننا نرجح مذهب الحنابلة في جواز النيابة في صوم النذر؛ لصحة الأحاديث في ذلك، على أن يكون النائب وليًا: ولدًا أو أبًا، أما غير الولي فلا؛ وذلك للحديث: \"منْ مات وعليه صوم صام عنه وليه\".\nونستطيع القول بأن العبادات البدنية التي لا مدخل للمال فيها لا تجوز النيابة فيها مطلقًا، وهي الوضوء، والغسل، والتيمم، والصلاة، والصوم غير المنذور.\nوالعبادات المالية تجوز فيها النيابة مطلقًا، ولذلك أقرَّ - ﷺ - بل حبَّب قضاء الدين عن الميّت، فعن سلمة بن الأكوع: \"أن النبي - ﷺ - أتي بجنازة، فقالوا:\n_________\n(١) \"إعلام الموقعين\" (٤/٤٨٢) .","vol":"2","page":106},{"text":"صل عليه. قال: \"هل ترك شيئًا؟ \" قالوا: لا. قال: \"هل عليه دين؟ \" قالوا: ثلاثة دنانير، قال: \"صلّوا على صاحبكم\"، قال رجل من الأنصار -يقال له أبو قتادة-: صلّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه\" (١) .\nوعن أبي قتادة -﵁- نحو من حديث سلمة بن الأكوع، وفيه: \"أرأيت إن قضيت عنه، أتصلي عليه؟ قال: إن قضيت عنه بالوفاء صليت عليه، قال: فذهب أبو قتادة فقضى عنه، فقال: أوفيت ما عليه؟ قال: نعم، فدعا رسول الله - ﷺ - فصلى عليه\" (٢) .\nويدلّ على ذلك ما سيأتي من جواز الصدقة عن الميت.\nأما العبادات التي فيها مدخل للمال كالحجّ، فالراجح دخول النياية فيها لأجل ذلك. -وبناء على هذا الأصل-: جاز للولي أن يقوم بتفريق زكاة مال اليتيم، وزكاة مال المحجوز عليه لجنون أو سفه، وجاز أن يفوض الرجل غيره في التصرف في ماله بما في ذلك إخراج الزكاة عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>إهداء ثواب العبادة للأموات</span>\nهذه المسألة شديدة الارتباط بالمسألة السابقة، بل إنَّ الفقهاء يعرضون هاتين المسالتين، وكأنهما مسألة واحدة.\nوالأقوال فيهما متقاربة:\nفالإمام مالك -رحمه الله تعالى- منع من إهداء الثواب مطلقًا، وبذلك قالت المعتزلة (٣) .\nوذهب ابن تيمية إلى جواز إهداء ثواب ما يتعبد به المرء للميّت مطلقًا، أي سواء أكان صلاة، أم صيامًا، أم حجًا، أم قراءة قرآن (٤) .، وقد انتصر\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه.\n(٢) رواه أحمد والسياق له \"مشكاة المصابيح\" (٢/١١٠)، (٥/٢٩٧، ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٤، ٣١١)، وأخرجه الترمذي والنسائي والدارمي، (انظر: \"أحكام الجنائز (ص ٨٥» .\n(٣) \"نيل الأوطار\" (٤/٩٩) .\n(٤) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٦/١٦)، وقد نسب هذا القول إلى ابن تيمية محمد رشيد رضا في \"تفسير المنار\" (٨/٢٥٤، ٢٧٠)، والألباني في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٧٤) .","vol":"2","page":107},{"text":"ابن القيم لشيخه في كتاب \"الروح\"، و\"أطال الاستدلال\" و\"الاحتجاج لنصرة هذا المذهب.\nوأجاز الإمام أحمد وبعض الشافعية إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الأموات (١)، ومنع من ذلك الشافعي -رحمه الله تعالى- كما منعه مالك.\nويرى بعض العلماء أن جواز الإهداء مقصور على الابن، فيجوز له أن يهدي لأمه وأبيه، ولا يجوز من غيره (٢) .\nحجج المانعين:\nاحتج المانعون هنا بالحجج نفسها التي استدلّ بها مانعو النيابة في العبادات، وقد سبق ذكرها.\nحجج المجيزين:\nاحتجوا بالنصوص التي تدل على جواز النيابة.\nوبالنظر في هذه الأدلة والنصوص التي ساقوها نجد أنها لا تنهض للاستدلال على جواز إهداء الثواب إلى الميت في كل العبادات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>النية: ركن أم شرط في الصوم</span>؟\n* مذهب الحنابلة أن النية في العبادات شرط في صحتها.\n* ومذهب الأحناف كمذهب الحنابلة باستثناء الوضوء والغسل، فإنها سنة فيهما عندهم.\n* ومذهب المالكية كمذهب الحنابلة والأحناف كما أشار لذلك ابن العربي (٣) .\n* واختلف علماء الشافعية -كما يقول النووي- في نية الصلاة: هل هي\n_________\n(١) \"نيل الأوطار\" (٤/٩٩) .\n(٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٤/٩٩)، \"تفسير المنار\" (٨/٢٥٤) و\"أحكام الجنائز\" (ص ١٧٤) .\n(٣) \"أحكام القرآن\" (١/٢٨٦) .","vol":"2","page":108},{"text":"ركن أم شرط.؟ الأكثرون هي فرض وركن من أركان الصلاة.\nوممن عدها ركنًا إمام الحرمين -الجويني-. ومال الغزالي في \"الوسيط\" إلى عدّها شرطا في الصلاة، ونفى أن تكون من الأركان، إلا أنه جعلها في الصوم ركنًا (١) .\n* وحجة الحنابلة والأحناف والمالكية ومن وافقهم من الشافعية في أن النية شرط حديث \"إنما الأعمال بالنيات\" فالحديث يقضي بعدم المشروط عند عدم الشرط، فإذا قدرنا أن الذات الشرعية لا تكون إلا بالنية انتفت الشرعية بانتفاء النية، وهذا هو معنى الشرط.\n* وإذا قدرنا \"الصحة\" التي هي أقرب المجازين إلى الحقيقة - أفاد انتفاء الصحة بانتفاء النية.\n* وليست النية ركنًا عندهم، لأن ركن الشيء ما يتم به، وهو داخل فيه، والنية هنا ليست داخلة في العبادة، بل العبادة متوقفة عليها لا تصح إلا بها.\n* ومذهب الذين عدّوا النيّة ركنًا من الشافعية لا غبار عليه في العبادات التي يشترطون أن تكون النيّة فيها مقارنة لأول العبادة، ففي الصلاة يرى الشافعية أن النية يجب أن تقارن التكبير، ولا يجوز أن تتقدم عليه.\n* وعلى ذلك فيمكننا أن نقرر أن النية ينبغي أن تكون شرطا في العبادات إذا أجزنا تقدّم النيّة على العبادة، وركنًا إذا قلنا بوجوب مقارنتها لأول العبادة، أما القول بتقدم النيّة على العبادة كالصوم، ثم عدّها في هذه الحالة ركنًا - فهذا خطأ بيّن\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>الصوم في السفر</span>\nالمفطرون أقسام:\n* قال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/١٦٥):\n_________\n(١) \"نهاية الإحكام\" (ص ٤٣) .\n(٢) \"مقاصد المكلفين\" لعمر الأشقر (ص ٣٤٢-٣٤٤) .","vol":"2","page":109},{"text":"\"المفطرون في الشرع على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: صنف يجوز له الفطر والصوم بإجماع.\nالقسم الثاني: وصنف يجب عليه الفطر على اختلاف في ذلك بين المسلمين.\nالقسم الثالث: وصنف لا يجوز له الفطر.\nوكل واحد من هؤلاء تتعلق به أحكام.\n* أما الذين يجوز لهم الأمران:\nأ- فالمريض: باتفاق.\nب- والمسافر: باختلاف.\nجـ- والحامل والمرضع.\nد- والشيخ الكبير.\nوهذا التقسيم كله مجمع عليه.\n* أما المسافر فالنظر فيه في مواضع:\n(١) هل إن صام أجزأه صومه أم ليس يجزئه؟\n(٢) هل إن كان يجزيء المسافر صومه، الأفضل له الصوم أو الفطر أو هو مخير بينهما؟\n(٣) وهل الفطر الجائز له هو في سفر محدود أم في كل ما ينطلق عليه اسم السفر في وضع اللغة؟\n(٤) ومتى يفطر المسافر؟\n(٥) ومتى يمسك؟\n(٦) وهل إذا مرّ بعض الشهر له أن ينشيء السفر أم لا؟\n(٧) ثم إذا أفطر ما حكمه؟\n* وأما المريض فالنظر فيه أيضًا في تحديد المرض الذي يجوز له فيه الفطر وفي حكم الفطر.","vol":"2","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>المسألة الأولى [إن صام المريض أو المسافر هل يجزيه</span>؟] إن صام المريض والمسافر هل يجزيه صومه عن فرضه أم لا؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنه إن صام، وقع صيامه وأجزأه، وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يجزيه، وأن فرضه أيام أخر (١) .\nقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٢/٤٨): \"قالوا: المسافر لا يصوم في سفره؛ لأن الله أراد منه صيام أيام أُخر، وهذا قول يروى عن عبيدة وسويد بن غفلة\" ثم رد عليه -﵀-.\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٢٦٩-٢٧١): في مذاهب العلماء في جواز الصوم والفطر في السفر \"مذهبنا جوازهما وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال العبدري: هو قول العلماء.\nوقال الشيعة: لا يصح وعليه القضاء، واختلف أصحاب داود الظاهري فقال بعضهم.: يصح صومه، وقال بعضهم: لا يصح.\nوقال ابن المنذر: \"كان ابن عمر وسعيد بن جبير يكرهان صوم المسافر\" فقال: وروينا عن ابن عمر -﵄- أنه قال: \"إن صام قضاه\"، قال: وروي عن ابن عباس فقال: \"لا يجزئه الصيام\" وحكى أصحابنا بطلان صوم المسافر عن أبي هريرة وأهل الظاهر والشيعة.\n* قال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢١٦): \"اختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة: لا يجزيء الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر)، وقوله - ﷺ -: \"ليس من البر الصيام في السفر\" (٢) ومقابلة البر الإثم، وإذا كان آثما بصومه لم يجزئه وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى: (فمن كان\n_________\n(١) \"بداية المجتهد\" (٢/١٦٥) .\n(٢) رواه البخاري ومسلم عن جابر.","vol":"2","page":111},{"text":"مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) قالوا: ظاهره فعليه عدة أو فالواجب عدّة، وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدة\".\nقال ابن رشد: \"وهذا الحذف في الكلام هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب\".\n* ودليل من ذهبوا إلى أن الصوم في السفر لا يصح ما رواه مسلم في \"صحيحه\" عن رسول الله - ﷺ -: \"ليس البر أن تصوموا في السفر\".\n* وروي مسلم عن جابر أيضًا: أن رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراغ الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح ماء فرفعه.\nحتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل بعد ذلك أن بعض الناس قد صام، فقال: \"أولئك العصاة، أولئك العصاة\".\n* عن أنس -﵁- قال: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر أكثرنا ظلًا صاحب الكساء، فمنا من يقي الشمس بيده، فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ذهب المفطرون اليوم بالأجر\" رواه البخاري ومسلم.\n* وعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره تؤتى معصيته\" (١) . وفي حديث آخر: \"إن الله تعالى يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه\" (٢) .\n* واحتج الجمهور بأحاديث منها:\n* عن عائشة -﵂-: \"أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي - ﷺ -: أأصوم في السفر؟ -وكان في الصيام- فقال: \"إن شئت فصم، وإن\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد، وابن خزيمة وَابن حبان والبيهقي في \"شعب الإيمان\" وصححه ابن خزيمة وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٨٨٦) .\n(٢) صحيح: رواه أحمد والبيهقي في \"سننه\" عن ابن عمر، والطبراني في \"الكبير\" عن ابن عباس وعن ابن مسعود وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (١٨٨٥) .","vol":"2","page":112},{"text":"شئت فأفطر\" (١) .\n* وعن حمزة بن عمرو -﵁- أنه قال: \"يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه\" رواه مسلم.\n* وعن أبي الدرداء -﵁- قال: \"خرجنا مع النبي - ﷺ - في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم، إلا ما كان من النبي - ﷺ - وابن رواحة\" رواه البخاري ومسلم.\n* وعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"كنا نسافر مع النبي - ﷺ -، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم\" رواه الشيخان.\n* وعن أبي سعيد الخدري وجابر -﵄- قالا: \"سافرنا مع رسول الله - ﷺ - فيصوم الصائم ويفطر المفطر، ولا يعيب بعض على بعض\" رواه مسلم.\n* عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن\" رواه مسلم.\n* وعن ابن عباس -﵄- قال: \"سافر رسول الله - ﷺ - في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارًا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة\"؛ فكان ابن عباس -﵄- يقول: \"صام رسول الله في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر، رواه البخاري.\n* وعن ابن أبي أوفى -﵁- قال: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فقال لرجل: \"انزِلْ فاجْدَح لي\"، قال: يا رسول الله الشمس،\n_________\n(١) رواه البخاري واللفظ له، ومسلم.","vol":"2","page":113},{"text":"قال: \"انزلْ فاجدح\" (١)، قال: يا رسول الله الشمس قال: \"انزل فاجدح لي، فنزل فجدح له فشرب، ثم رمى بيده هنا ثم قال: \"إذا رأيتم الليل أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم\" فهو ظاهر في أنه - ﷺ - كان صائمًا.\n* وعن عائشة -﵂- قالت: \"خرجت مع رسول الله - ﷺ - في عمرة في رمضان فأفطر رسول الله - ﷺ - وصمت، وقصّر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت فقال: \"أحسنت يا عائشة\" (٢) .\nورد الجمهور على استدلال المانعين الصوم في السفر بحديث جابر \"خرج النبي - ﷺ - في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة فسار ومن معه من المسلمين يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا\" (٣) قال الزهري: وإنما يؤخذ بالآخرة فالآخرة من أمره - ﷺ - وهذه الزيادة التي في آخره من قول الزهري، وقعت مدرجة عند مسلم ولفظه: \"حتى بلغ الكديد فأفطر\" قال: وكان صحابة رسول الله يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره. وجزم البخاري في الجهاد أنها من قول الزهري، وفي رواية عند مسلم: \"فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس يشق عليهم الصيام، فدعا بقدح من لبن ثم أمسكه بيده حتى رآه الناس وهو على راحلته ثم شرب فأفطر\" فمن أخذ بظاهر الحديث ظن أن الصوم في السفر منسوخ وأنه - ﷺ - أفطر بعد أن صام ونسب من صام إلى العصيان، ولا حجة في شيء من ذلك لأن مسلمًا أخرج من حديث أبي سعيد أنه - ﷺ - صام بعد هذه القصة في السفر ولفظه: \"سافر مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلًا، فقال النبي - ﷺ -: \"إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا\"، فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، فنزلنا منزلًا فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنكم مصبحو عدوكم فالفطر أقوى لكم فأفطروا\"، فكانت عزيمة فأفطرنا. ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك في السفر\"\n_________\n(١) الجدح: تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له: المجدح مجنح الرأس.\n(٢) رواه الدارقطني وقال: إسناده حسن، \"المجموع\" (٦/٢٧٠) .\n(٣) رواه مسلم.","vol":"2","page":114},{"text":"وهذا الحديث نص في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته - ﷺ - الصائمين إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا وهو شاهد لمن قال: إن الفطر أفضل لمن شق عليه الصوم، ويتأكد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوي على لقاء العدو.\n* وروى الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة سألت أنس بن مالك -﵁- عن الصوم في السفر فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال فقلت له: فأين هذه الآية (فعدة من أيام أخر) فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعًا وننزل على غير شبع، وأما اليوم فنرتحل شباعًا وننزل على شبع\" فأشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم.\n* ما الجواب عن قول - ﷺ -: \"ليس من البر الصيام في السفر\" فسلك المجيزون فيه طرقًا:\n* فقال بعضهم قد خرج على سبب فيقصر عليه وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاري في ترجمته \"باب قول النبي - ﷺ - لمن ظُلِّلَ واشتد عليه الحر \"ليس من البر الصوم في السفر\".\nوساق الطبري سبب وروده الحديث ولفظه عنده من رواية كعب بن عاصم الاشعري: \"سافرنا مع رسول الله - ﷺ - ونحن في حر شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة وهو مضطجع كضجعة الوجع، فقال رسول الله - ﷺ -: ما لصاحبكم، أي وجع به؟ فقالوا: ليس به وجع، ولكنه صائم وقد اشتد عليه الحر، فقال النبي - ﷺ - حينئذ: \"ليس من البر أن تصوموا في السفر عليكم برخصة الله التي رخّص لكم\"، ثم قال الطبري بعده: فكان قوله - ﷺ - ذلك لمن كان في مثل هذه الحال.\nقال ابن دقيق العيد: أخذ من هذه القصة أن كراهة الصوم في السفر مختصة بمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب، فينزل قوله: \"ليس من البر الصوم في السفر\" على مثل هذه الحالة، ثم قال ابن دقيق العيد: والمانعون في السفر يقولون: إن اللفظ عام، والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب قال: وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام","vol":"2","page":115},{"text":"وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، فإن بين العامين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مجرى واحدًا لم يصب، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان، وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة لبيان المجملات وتعيين المحتملات.\nوقال ابن المنير: هذه القصة تشعر بأن من اتفق له مثل ما اتفق لذلك الرجل أنه يساويه في الحكم، وأما من سلم من ذلك ونحوه فهو في جواز الصوم على أصله والله أعلم.\nوحمل الشافعي نفي البر المذكور في الحديث على من أبى قبول الرخصة فقال: معنى قوله: \"ليس من البر\" أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يفطر وهو صحيح وجزم ابن خزيمة وغيره بهذا المعنى.\nوقال الطحاوي: المراد بالبر الكامل الذي هو أعلى مراتب البر، وليس المراد إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًّا لأن الإفطار قد يكون أبرّ من الصوم إذا كان للتقوى على لقاء العدو مثلًا، وهو نظير قوله - ﷺ -: \"ليس المسكين بالطواف\" ... الحديث، فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه ويستحي أن يسأل ولا يفطن له.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>المسألة الثانية [هل الصوم في السفر أفضل أم الفطر]</span>\nقال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/١٦٧-١٦٨):\n\"إذا قلنا أنه -أي المسافر- من أهل الفطر على مذهب الجمهور؛ فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب:\n* فبعضهم رأى الصوم أفضل، وممن قال بهذا القول: مالك وأبو حنيفة.","vol":"2","page":116},{"text":"* وبعضهم رأى أن الفطر أفضل، وممن قال بهذا القول: أحمد وجماعة.\n* وبعضهم رأى أن ذلك على التخيير، وأنه ليس أحدهما أفضل\".\n* ذهب أكثر العلماء إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه وأطاقه بلا ضرر. وبه قال حذيفة بن اليمان وأنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص -﵃-، وعروة بن الزبير والأسود بن يزيد وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وسعيد بن جبير والنخعي والفضيل بن عياض ومالك وأبو حنيفة والثوري وعبد الله بن المبارك وأبو ثور وآخرون. وبه قال الشافعي.\nوهو مذهب الجمهور.\n* وقال كثير منهم الفطر أفضل عملًا بالرخصة.\nوهو قول ابن عباس وابن عمر وابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبد الملك بن الماجشون المالكي.\n* وقال آخرون هو مخير مطلقًا وهما سواء.\n* وقال آخرون: أفضلهما: أيسرهما وأسهلهما عليه وهذا قول مجاهد وِعمر ابن عبد العزيز وقتادة واختاره ابن المنذر لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر) فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه حينئذ ويشق جمليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل والراجح: قول الجمهور.\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢١٦): \"الحاصل أن الصوم لمن قوى عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأنه من لم يتحقق المشقة بخير بين الصوم والفطر\"، ثم قال بعد ذلك: \"والذي يترجح قول الجمهور\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>المسألة الثالثة\n[هل الفطر الجائز للمسافر هو في سفر محدود أم غير محدود</span>؟]\nقال ابن رشد (٢/١٦٩) .","vol":"2","page":117},{"text":"\"وهل الفطر الجائز للمسافر هو في سفر محدود أو في سفر غير محدود؟\n* فإن العلماء اختلفوا فيها:\nفذهب الجمهور إلى أنه إنما يفطر في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وذلك على حسب اختلافهم في هذه المسألة. وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم سفر وهم أهل الظاهر.\n* والسبب في اختلافهم معارضة ظاهر اللفظ للمعنى، وذلك أن ظاهر اللفظ أن كل ما ينطلق عليه اسم مسافر فله أن يفطر لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر فهو المشقة، ولما كانت لا توجد في كل سفر، وجب أن يجوز الفطر في السفر الذي فيه المشقة، ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك، وجب أن يقاس ذلك على الحد في تقصير الصلاة\".\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٢٦٩): \"فرع في مذاهب العلماء في السفر المجوز للفطر: مذهبنا أنه ثمانية وأربعون ميلًا بالهاشمي، وهذه المراحل مرحلتان قاصدتان وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام كما قال في القصر، وقال قوم: يجوز في كل سفر وإن قصر\".\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>المسألة الرابعة [متى يفطر المسافر ومتى يمسك</span>؟]\n* قال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/١٧٠-١٧١): \"متى يفطر المسافر ومتى يمسك؟ فإن قومًا قالوا: يفطر يومه الذي خرج فيه مسافرًا، وبه قال الشعبي والحسن وأحمد. وقالت طائفة: لا يفطر يومه ذلك، وبه قال فقهاء الأمصار. واستحب جماعة العلماء لمن علم أنه يدخل المدينة أول يومه ذلك أن يدخل صائمًا، وبعضهم في ذلك أكثر تشديدًا من بعض، وكلهم لم يوجبوا على من دخل مفطرًا كفارة.\nواختلفوا فيمن دخل وقد ذهب بعض النهار، فذهب مالك والشافعي إلى","vol":"2","page":118},{"text":"أنه يتمادى على فطره. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكف عن الأكل، وكذلك الحائض عنده تطهر تكف عن الأكل.\n* قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٢/٤٩-٥٤): [مالكي]\n\"اتفق الفقهاء في المسافر في رمضان أنه لا يجوز له أن يبيت الفطر؛ لأن المسافر لا يكون مسافرًا بالنية، وإنما يكون مسافرًا بالعمل والنهوض في سفره، ويعمل عمل المسافر ويبرز عن الحضر فيجوز له حينئذ تقصير الصلاة وأحكام المسافر؛ ولا خلاف بينهم في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر في الحضر حتى يخرج.\n* واختلف أصحاب مالك في هذا إن أفطر قبل أن يخرج، فذكر ابن سحنون عن ابن الماجشون أنه قال: إن سافر فلا شيء عليه من الكفارة، وإن لم يسافر فعليه الكفارة. قال: وقال أشهب. لا شيء عليه من الكفارة سافر أو لم يسافر، وقال سحنون: عليه الكفارة سافر أو لم يسافر، ثم رجع إلى قول عبد الملك.\n* قال ابن حبيب: إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في الحركة فلا شيء عليه.\nوحكى ذلك عن أصبغ وعن ابن الماجشون، فإن عاقه عن السفر عائق، كان عليه الكفارة؛ وحسبه أن ينجو إن سافر.\nوروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم لأنه متأول في فطره.\nواختلف الفقهاء في الذي يصبح في الحضر صائمًا في رمضان، ثم يسافر في صبيحة يومه ذلك وينهض في سفره: هل له أن يفطر ذلك اليوم أم لا؟\nفذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أنه لا يفطر ذلك اليوم بحال. وهو قول الزهري ويحيى بن سعيد والأوزاعي وبه قال أبو ثور.\n_________\n(١) وهو مروي عن عبد الله بن عمر والشعبي.\n(٢) وهو قول أنس.","vol":"2","page":119},{"text":"* اختلفوا -إن فعل- فكلهم قال: يقضي ولا يكفر، وروي عن بعض أصحاب مالك أنه يقضي ويكفر، وهو قول ابن كنانة والمخزومي، وليس قولهما هذا بشيء؛ لأن الله قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة وإنما قولهم لا يفطر استحبابًا لتمام ما عقده، فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء، وأما الكفارة فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله.\nوروي عن ابن عمر -﵄- في هذه المسألة أنه يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرًا، وهو قول الشعبي، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق: قال أحمد: يفطر إذا برز عن البيوت (١)، وقال إسحاق، يفطر حين يضع رجله في الرحل -وهو قول داود-.\n* وقال الحسن البصري: يفطر في بيته إن شاء يوم يريد أن يخرج (٢) .\nقال أبو عمر: قول الحسن شاذ، ولا ينبغي لأحد أن يفطر، وهو حاضر لا في نظر ولا في أثر، وقد روي عن الحسن خلاف ذلك.\nذكر عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول: لا يفطر ذلك اليوم إلا أن يشتد عليه العطش، فإن خاف على نفسه أفطر. وقال إبراهيم: لا يفطر ذلك اليوم.\n* واختلفوا في الذي يختار الصوم في السفر فيصوم ثم يفطر نهارًا من غير عذر، فكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة. وقد روي عنه: أنه لا كفارة عليه وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك -فإنه قال: إن أفطر بجماع كفّر؛ لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له؟ وعلى ذلك مذاهب سائر الفقهاء بالحجاز والعراق: أنه لا كفارة عليه.\nوروى البويطي عن الشافعي قال: إن صح حديث الكديد (١) لم أر بأسا أن يفطر المسافر بعد دخوله في الصوم في سفره.\nوروى المديني عنه -كقول مالك-: أنه لا يرى الكفارة على من فعل ذلك.\n_________\n(١) وقد صح.","vol":"2","page":120},{"text":"قال أبو عمر: الحجة في سقوط الكفارة واضحة من جهة النظر؛ لأنه متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه وهو مسافر قد دخل في عموم إباحة الفطر، ومن جهة الأثر أيضًا، ثم ساق الأحاديث وقال: \"فهذه الآثار كلها تبين لك أن للصائم أن يفطر في سفره بعد دخوله في الصوم مختارًا له في رمضان.\n* واختلفوا في المسافر يكون مفطرًا في سفره ويدخل الحضر في بقية يومه ذلك: قال مالك والشافعي وأصحابهما -وهو قول ابن علية وداود في المرأة تطهر والمسافر يقدم وقد أفطروا في السفر-: أنهما يأكلان ولا يمسكان.\nقال مالك والشافعي: ولو قدم مسافر في هذه الحال فوجد امرأته قد طهرت، جاز له وطؤها؛ قال الشافعي: أحب لهما أن يستترا بالأكل والجماع خوف التهمة.\n* وروى الثوري عن جابر بن زيد أنه قدم من سفر في شهر رمضان فوجد المرأة قد اغتسلت من حيضتها فجامعها.\nوروي عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: \"من أكل أول النهار فليأكل آخره\".\nقال سفيان: هو كصنيع جابر بن زيد، ولم يذكر سفيان عن نفسه خلافًا لهما.\nوقال ابن علية: القول ما قال ابن مسعود -﵁-: من أكل أول النهار فليأكل آخره.\n* وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن في المرأة تطهر في بعض النهار، المسافر يقدم وقد أفطر في سفره: أنهما يمسكان بقية يومهما وعليهما القضاء؛ واحتج لهم الطحاوي بأن قال: لم يختلفوا أن مَنْ غم عليه هلال رمضان فأكل، ثم علم أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم.\nوفرّق ابن شبرمة بن الحائض والمسافر: فقال في الحائض: تأكل ولا تصوم إذا طهرت بقية يومها، والمسافر إذا قدم ولم يأكل شيئًا يصوم يومه","vol":"2","page":121},{"text":"ويقضي\" أ. هـ.\nقال ابن رشد - رادًّا على الطحاوي في قياس السفر على يوم الشك وأنه يشبهه-: \"من لم يشبهه به قال: لا يمسك عن الأكل؛ لأن الأول أكل لموضع الجهل، وهذا أكل لسبب مبيح أو موجب للأكل\".\nفائدة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>سُنَّة ميتة فتمسك بها:</span>\nعن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك -﵁- في رمضان وهو يريد سفرًا وقد رحلت راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت: سُنَّة؟ قال سنة ثم ركب\" (١) .\nوعند الدارمي والبيهقي والدارقطني بلفظ: \"أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر، وقد رحلت دابته ولبس ثياب السفر، وقد تقارب غروب الشمس فدعا بطعام فأكل منه، ثم ركب فقلت له سنة؟ قال: \"نعم\".\n* عن جعفر بن جبر قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري صحاب النبي - ﷺ - في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع، ثم قرب غداه، قالِ جعفر في حديثه: \"فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، قال: اقترب، قلت: ألست ترى البيوت، قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله - ﷺ -؟ قال جعفر في حديثه: فأكل\" (٢) .\n_________\n(١) رواه الترمذي واللفظ له، والضياء المقدسي في \"المختارة\" والدارمي، والبيهقي في \"سننه\"، والدارقطني، والطبراني في \"المعجم الوسيط\" وصحح الحديث: الترمذي وابن العربي والضياء المقدسي وابن القيم في \"زاد المعاد\"، وأبو المحاسن المقدسي في \"مختصر أحاديث الأحكام\" والألباني في رسالته القيمة \"تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر والرد على من ضعفه\" طبع المكتب الإسلامي.\nوقال الألباني: \"ويمكن أن يضم إليهما: الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية فإنهما أخذا بالحديث وعملا به وذلك دليل على أن الحديث ثابت عندهما.\n(٢) رواه أبو داود وصححه الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" رقم (٢١٠٩) .","vol":"2","page":122},{"text":"* عن دحية بن خليفة -﵁- أنه خرج من قريته إلى قريب من قرية عقبة في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، قال: فلما رجع إلى قريته، قال: \"والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أن أراه! إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله - ﷺ - وأصحابه! يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللَّهم اقبضني إليك\" (١) .\n* عن اللجلاج وغيره قالوا: كنا نسافر مع عمر -﵁- ثلاثة أميال فيتجوز في الصلاة ويفطر\" (٢) .\n* وعن أنس -﵁- قال: قال لي أبو موسى: ألم أنبِّأ أنّك إذا خرجت خرجت صائمًا، وإذا دخلت دخلت صائمًا؟ فإذا خرجت فاخرج مفطرًا. وإذا دخلت فادخل مفطرًا\" (٣) .\n* وعن ابن عمر -﵃- أنه خرج في رمضان فأفطر (٤) .\n* وعن ابن عباس قال: \"إن شاء صام وإن شاء أفطر\" (٥) .\n* عن مغيرة قال: خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرًا فمرّ بالفرات، وهو صائم، فأخذ منه حسوة فشربه وأفطر (٦) .\n* وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري قالا: يفطر إن شاء (٧) .\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود: قال الألباني: \"رجاله ثقات محتج بهم في \"الصحيحين\" غير منصور الكلبي، قال فيه العجلي في \"كتاب الثاقات\": مصري تابعي ثقة. ووثقه ابن حبان وقال ابن المديني: مجهول وهذا هو الراجح عندي، وقال الحافظ فيه: \"مستور\".\n(٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/١٥١/٢) بإسناد حسن أو قريب منه، كما قال الألباني في \"تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره\" (ص ٣١) .\n(٣) رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط الستة.\n(٤) قال الألباني: رواه ابن أبي شيبة بإسناد رجاله ثقات.\n(٥) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.\n(٦) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ثم روى هو والبيهقي بسند آخر عنه مختصرًا وهو صحيح أيضًا.\n(٧) رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح.","vol":"2","page":123},{"text":"* وفي كتاب \"المسائل\" لإسحاق بن منصور المروزي ما نصه: \"قلت - يعني للإمام أحمد-: إذا خرج مسافرًا متى يفطر؟ فقال: إذا برز عن البيوت، فقال إسحاق: يعني ابن راهوية-: بل حين يضع رجله فله الإفطار، كما فعل أنس بن مالك وسنّ النبي - ﷺ -، وإذا جاوز البيوت قصر\".\n* يقول الألباني -حفظه الله-: \"ولقد أنصف الإمام ابن العربي -رحمه الله تعالى-، فإنه ذهب إلى العمل بالحديث في هذه المسألة خلافًا لكثير من علماء المالكية، وتبعه على ذلك القرطبي وغيره، وسبقهم إلى الجهر بذلك الحافظ ابن عبد البر\".\nفقال ابن العربي في \"عارضة الأحوذي\" (٤/١٣-١٦) - تعليقًا على الحديث: \"وهذا صحيح، لم يقل به إلا أحمد بن حنبل!، فأما علماؤنا -يعني المالكية- فمنعوا منه، لكنهم اختلفوا إذا أكل هل عليه كفارة أم لا؟ فقال مالك في \"كتاب ابن حبيب\": لا كفارة عليه، وهو يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر\".\n* وقال القرطبي في تفسيره \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/٢٧٨-٢٧٩) بعد أن حكى الخلاف الذي ذكره ابن العربي-: \"قلت: قول أشهب في نفي الكفارة حسن؛ لأنه فعل ما يجوز له فعله، والذمهّ بريئة، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، ثم إنه مقتضى قوله تعالى: (أو على سفر وقال أبو عمر ابن عبد البر: هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة، ولو كان الأكل مع نية الفطر يوجب عليه الكفارة، لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه، فتأمل ذلك تجده ذلك، إن شاء الله تعالى\".\nوهذا هو الذي استظهره العلامة الصنعاني في \"سبل السلام\" (٢/٩٢٦)، وهو الذي نقطع به لهذا الحديث الصحيح فإنه نص في المسألة لا يقبل التأويل، مع تأيده بظاهر القرآن والآثار الصحيحة عن السلف -﵃\" (١) .\n_________\n(١) رسالة \"تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره والردّ على من ضعفه \" (للشيخ الألباني - طبع المكتب الإسلامي) .","vol":"2","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>المسألة الخامسة\n[هل يجوز للصائم أن ينشئ سفرًا ثم لا يصوم فيه]</span>\nقال ابن رشد (٢/١٧١- ١٧٢):\n\"هل يجوز للصائم في رمضان أن ينشئ سفرا، ثم لا يصوم فيه؟ فإن الجمهور على أن يجوز ذلك له. وروي عن بعضهم وهو عبيدة السلماني وسويد بن غفلة وابن مجلز: أنه إن سافر فيه صام ولم يجيزوا له الفطر.\nوالسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)\nوذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعض الشهر فالواجب عليه أن يصومه كله، ويحتمل أن يفهم منه أن من شهد أن الواجب أن يصوم ذلك البعض الذي شهده، وذلك أنه لما كان المفهوم باتفاق أن من شهده كله فهو يصومه كله، كان من شهد بعضه فهو يصوم بعضه، ويؤيد تأويل الجمهور إنشاء رسول الله - ﷺ - السفر في رمضان\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>يريد الله بكم اليسر</span>\n\"هذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف هذه العقيدة كلها، فهي ميسرة لا عسر فيها، وهي توحي للقلب الذي يتذوقها، بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها، وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد.\nسماحة تؤدي معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة الجادة وكأنما هي سيل الحياة الجاري، ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء مع الشعور الدائم برحمة الله وإرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين.\nإن علينا أن نأخذ هذا الدين -كما أراده الله- بتكاليفه كلها، طاعة وتقوى، وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه، متكاملًا متناسقا في طمأنينة","vol":"2","page":125},{"text":"إلى الله، ويقين بحكمته، وشعور بتقواه.\nوالأحاديث بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر وصورة سلوك أولئك السلف -رضوان الله عليهم- أملأ بالحيوية، وألصق بروح هذه الدين وطبيعته من البحوث الفقهية ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشئ في القلب مذاقًا حيًّا لهذه العقيدة وخصائصها\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>صيام المريض</span>\nاختلفوا في المرض الذي يجيز الفطر:\n* فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: هو المرض الذي تلحقه المشقة إن صام فيه أو يخاف زيادته.\n* وقال أحمد: هو المرض الغالب.\n* وقالت الظاهرية: إذا انطلق عليه اسم المريض أفطر.\nوسبب اختلافهم: هل المراد بالآية مطلق المرض أم المرض الذي تلحق صاحبه المشقة، أو المرض المتعارف بين الناس أنه يقال لصاحبه مريض.\nوالراجح: ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة لقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) .\nيقول الشيخ عمر الأشقر: \"يجب أن نعلم أن المرض الذي يجوز الفطر به هو المرض الذي يزيد بالصوم، أو يتأخر برؤه به، أما المرض الذي لا يؤثر فيه الصوم فلا يجوز لصاحبه الفطر\" (٢) .\n* قال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٨/٢٨): \"اختلف السلف في الحد الذي إذا وجده المكلف جاز له الفطر، والذي عليه الجمهور: أنه المرض الذي يبيح له التيمم مع وجود الماء، وهو إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصوم، أو على عضو من أعضائه أو زيادة في المرض الذي بدأ به أو تماديه. وعن ابن\n_________\n(١) \"الظلال\".\n(٢) \"الصوم في ضوء الكتاب والسنة\" (ص٢٨) .","vol":"2","page":126},{"text":"سيرين: متى حصل للإنسان حال يستحق بها اسم المرض فله الفطر، وقال عطاء: يفطر من المرض كله، وعن الحسن والنخعي: إذا لم يقدر على الصلاة قائمًا يفطر\".\nالأمراض المبيحة للفطر:\nا- أمراض القلب كالجلطة الحديثة، والذبحة الصدرية غير المستجيبة للعلاج -وقصور الشرايين التاجية، وهبوط القلب والحمى الروماتيزمية، واضطراب النبض.\n٢- أمراض الصدر: الالتهاب الرئوي الشعبي -حالات الدرن الحاد - حساسية الصدر - النزلة الشعبية الحادة.\n٣- أمراض الجهاز الهضمي: تليف الكبد - القرحة الحادة المزمنة في العدة أو الاثنى عشر، مرض الإسهال الحاد، أو المزمن.\n٤- الحمّيات: كالحمى التيفودية، الحمى المالطية - الالتهاب الكبدي - الالتهاب السحائي - الحصبة - الجدري الكاذب - حمى النفاس - التهاب الغدد اللمفاوية.\n٥- أمراض الكلى: التهاب الكلى - البولينا.\n٦- الأمراض النفسية: الصرع - الفصام.\n٧- أمراض النساء والولادة: الحمل.\n٨- أمراض العيون: (الجلوكوما) أو المياه الزرقاء - مرض الشبكية السكري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>الحامل والمرضع ماذا عليها إذا أفطرت</span>\n* روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس -﵄- يقرأ (وعلى الذين يُطوَقونه (١) فدية طعام مسكين) قال ابن عباس: ليست بمنسوخة\n_________\n(١) قال البخاري: (قراءة العامة يطيقونه وهو أكثر) -يعني: من أطاق يطيق-. وقرأ ابن عباس (يُطَوَّقونه) بفتح الطاء وتشديد الواو مبنيًا للمجهول مخفف الطاء من: طُوق. بضم أوله بوزن قطع، وهذه قراءة ابن مسعود أيضًا، وقد وقع عند النسائي عن عمرو بن دينار: يطوقونه: يكلفونه وهو تفسير حسن أي: يكلفون إطاقته.","vol":"2","page":127},{"text":"\"هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينًا\".\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٢٢): \"اتفقت الأخبار على أن قوله (وعلى الذين يطيقونه فدية) منسوخ، وخالف في ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه\" وقال أيضًا في \"الفتح\" (٨/٢٩): \"قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة: -هذا مذهب ابن عباس-، وخالفه الأكثر، وفي هذا الحديث (١) ما يدل على أنها منسوخة. وهذه القراءة تضعف تأويل من زعم أن \"لا\" محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر \"فقلت يمين الله أبرح قاعدًا\" أي: لا أبرح قاعدًا، ورد بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية، ويثبت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله تعالى: (يطيقونه) للصيام فيصير تقدير الكلام وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق إنما تجب على غيره، والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفًا تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر وقد تقدم حديث ابن أبي ليلى قال: \"حدثنا أصحاب محمد - ﷺ - لما نزل رمضان شق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك فنسختها: (وأن تصوموا خير لكم)، وأما على قراءة ابن عباس فلا نسخ لأنه يجعل الفدية على من تكلف الصوم وهو لا يقدر عليه فيفطر ويكفر، وهذا الحكم باق\".\nالحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟\nهذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب:\n_________\n(١) عن سلمة بن الأكوع قال: \"لما نزلت (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها\" رواه البخاري قال ابن حجر: هذا صريح في دعوى النسخ وأصرح منه ما تقدم من حديث ابن أبي ليلى.","vol":"2","page":128},{"text":"* أحدها: أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير.\n* والقول الثاني: أنهما يقضيان فقط ولا يطعمان، وهو مقابل الأول، به قال عطاء بن أبي رباح والحسن والضحاك والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والثوري وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: وبقول عطاء أقول.\n* والثالث: أنهما يقضيان ويطعمان: \"يفديان\"، وهو قول الشافعي وأحمد وروي عن مجاهد.\n* والقول الرابع: أن الحامل تفطر وتقضي ولا فدية، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي. وبه قال مالك ورواية عن الشافعي.\nوسبب اختلافهم تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض، فمن شبّههما بالمريض؛ قال: عليهما القضاء فقط، ومن شبّههما بالذي يجهده الصوم؛ قال: عليهما الإطعام فقط بدليل قراءة من قرأ: (يطَوَّقونه فدية طعام مسكين) الآية.\n* وأما من جمع عليهما الأمرين فيشبه أن يكون رأى فيهما من كل واحد شبها فقال: عليهما القضاء من جهة ما فيهما من شبه المريض، وعليهما الفدية من جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم الصيام، ويشبه أن يكون شبههما بالمفطر الصحيح، لكن يضعف هذا، فإن الصحيح لا يباح له الفطر.\n* ومن فرّق بين الحامل والمرضع ألحق الحامل بالمريض وأبقى حكم المرضع مجموعا من حكم المريض، وحكم الذي يجهده الصوم أو شبهها بالصحيح، ثم قال ابن رشد: \"ومن أفرد لها أحد الحكمين أولى -والله أعلم- ممن جمع، كما أنّ من أفردهما بالقضاء أولى ممن أفردهما بالإطعام فقط؛ لكون القراءة غير متواترة، فتأمل هذا فإنه بيّن\" (١) .\n_________\n(١) \"بداية المجتهد\" (٢/١٧٦-١٧٧) .","vol":"2","page":129},{"text":"* قال الشيخ عمر الأشقر: \"وممن يلحق بالمريض الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما، أو شق عليهما الصوم فلهما الفطر وعليهما قضاء عدة ما أفطرتاه، فعن أنس بن مالك الكعبي (١) قال: قال رسول - ﷺ -: \"إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى\" (٢) .\nوعن أنس بن مالك الكعبي قال: \"غارت علينا خيل رسول الله - ﷺ - فأتيت رسول - ﷺ - فوجدته يتغدى فقال: \"أدْن فكل\" فقلت: إني صائم فقال: \"ادن أحدثك عن الصوم -أو الصيام-\" إن الله ﵎ وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم -أو الصيام\" والله لقد قالهما النبي - ﷺ - كليهما أو أحدهما فيا لهف نفسي ألا أكون طعمت طعام النبي - ﷺ - \".\nوحصل الخلاف بين العلماء هل عليهما شيء آخر غير القضاء؟ فمن العلماء من أوجب أن يُطعما مسكينًا عن كل يوم أفطرتاه، ومن ذهب إلي وجوب الإطعام مع صيام عدة الأيام فليس لديه دليل يوجب الإطعام\" (٣) .\n* قال ابن قدامة في \"المغني\" (٤/٣٩٥): \"قال ابن عمر وابن عباس - ﵃- ولا مخالف لهما في الصحابة-: لا قضاء عليهما؛ لأن الآية تناولتهما، وليس فيها إلا الإطعام، ولأن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم\" ولنا أنهما يطيقان القضاء، فلزمهما كالحائض والنفساء، والآية أوجبت الطعام ولم تتعرض للقضاء فأخذناه من دليل آخر. والمراد بوضع الصوم: وضعه في مدة عذرهما ولا يشبهان الشيخ الهرمّ، لأنه عاجز عن القضاء وهما يقدران عليه.\nقال أحمد: \"أذهب إلى حديث أبي هريرة\" يعني: ولا أقول بقول ابن\n_________\n(١) هو غير أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله - ﷺ -، وإنما رجل من بني عبد الله بن كعب، انظر \"الإصابة\" (١/١١٤-١١٥) \"وتجريد أسماء الصحابة\" (١/٣١) .\n(٢) أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه والبغوي، وأحمد، وجوّد إسناده الشيخ الألباني -حفظه الله- في \"مشكاة المصابيح\" (١/٦٢٩) .\n(٣) \"الصوم في ضوء الكتاب والسنة\" (ص ٢٩-٣٠) .","vol":"2","page":130},{"text":"عباس وابن عمر في منع القضاء.\nفرع: قال النووي في \"المجموع\" (٦/٢٧٤): \"إذا أوجبنا الفدية على المرضع إذا أفطرت للخوف على ولدها، فلو استؤجرت لإرضاع ولد غيرها فالصحيح بل الصواب الذي قطع به القاضي حسين في فتاويه وصاحب التتمة وغيرهما أنه يجوز لها الإفطار وتفدى، كما في ولدها، بل قال القاضي حسين: يجب عليها الإفطار إن تضرّر الرضيع بالصوم، واستدل صاحب التتمة بالقياس على السفر، فإنه يستوي في جواز الإفطار به من سافر لغرض نفسه وغرض غيره بأجرة وغيرها، وشذ الغزالي في فتاويه فقال: \"ليس عليها أن تفطر ولا خيار لأهل الصبي\" وهذا غلط ظاهر.\nقال القاضي حسين: وعلى من تجب فدية فطرها في هذا الحال؟ فيه احتمالان أصحهما وجوبها على المرضع. قال القاضي: ولو كان هناك نسوة مراضع فأرادت واحدة أن تأخذ صبيًا ترضعه تقربًا إلى الله تعالى، جاز لها الفطر للخوف عليه، وإن لم يكن متعينًا عليها\".\nفرع: لو كانت المرضع أو الحامل مسافرة أو مريضة فأفطرت بنية الترخص بالمرض أو السفر فلا فدية عليها بلا خلاف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>بحث للألباني في \"الحامل والمرضع</span>\"\n* عن عمرو بن دينار (يطيقونه): يكلّفونه، (فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا) طعام مسكين آخر، ليست بمنسوخة (فهو خير له وأن تصوموا خير لكم) لا يرخص في هذا إلا للذي لا يطيق الصيام أو مريض لا يشفى\" (١) .\n* عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -﵄- قال: \"رخص للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة في ذلك -وهما يطيقان الصوم- أن يفرطا إن شاءا، ويطعما كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك في هذه الآية:\n_________\n(١) رواه النسائي والدارقطني، وقال الدارقطني: إسناده صحيح ثابت، وقال الألباني في \"إرواء الغليل\" (٩١٢) (٤/١٧): إسناده صحيح.","vol":"2","page":131},{"text":"فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحسبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وأطعمتا كل يوم مسكينًا\" (١) .\n* وعن ابن عباس قال: \"إذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان قال: يفطران، ويطعمان مكان كل يوم مسكينًا، ولا يقضيان صومًا\" (١) .\n* وعن ابن عباس: \"أنه رأى أم ولد له حاملًا أو مرضعًا فقال: أنت بمنزلة الذي لا يطيق، عليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليك\" (٣) .\n* وعنه \"أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء\" (٤) .\n* وعن ابن عباس وابن عمر -﵄- قالا: \"الحامل والمرضع تفطر ولا تقضى\" (٥) .\n* وعن ابن عمر: \"أن امرأته سألته وهي حبلى، فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكينًا ولا تقضي\" (٦) .\n* وعن نافع قال: \"كانت بنت لابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملًا، فأصابها عطش في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكينًا\" (٧) .\n_________\n(١) رواه ابن جرير في \"تفسيره\" (٢٧٥٢، ٢٧٥٣) وبن الجارود في \"المنتقى\" والبيهقي عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.\nقال الألباني في \"إرواء الغليل\" (٤/١٨): إسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) رواه الطبري في \"تفسيره\"، وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم. انظر: \"الإرواء\" (٤/١٩) .\n(٣) إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٤) رواه الدارقطني وقال: \"إسناده صحيح\".\n(٥) رواه الدارقطني وقال: هذا صحيح.\n(٦) قال الألباني في \"إرواء الغليل\" (٤/٢٠): وإسناده جيد.\n(٧) رواه الدارقطني وقال الألباني في \"الإرواء\" (٤/٢١): إسناده صحيح.","vol":"2","page":132},{"text":"* وعن مجاهد عن ابن عباس -﵄- قرأ: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) يقول: \"هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا: نصف صاع من حنطة\" (١) .\n* وعن عكرمة عن ابن عباس -﵄- قال: \"إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أطعم عن كل يوم مدا مدا\" (٢) .\n* وعن قتادة أن أنسًا -﵁- ضعف قبل موته فأفطر، وأمر أهله أن يطعموا مكان كل يوم مسكينًا (٣) .\n* وعن أنس بن مالك -﵁- أنه ضعف عن الصوم عامًا فصنع جفنة ثريد ودعا ثلاثين مسكينًا فأشبعهم (٤) .\nقال الشيخ الألباني في \"إرواء الغليل\" (٤/٢٢- ٢٥): \"إن قول ابن عباس في هذه الآية: (وعلى الذين يطيقونه ...) ليست منسوخة، وأن، المراد بها الشيخ الكبير المرأة الكبيرة لا يستطيعان الصيام إشكالًا كبيرًا؛ ذلك لأن معنى (يطيقونه) أي: يستطيعون بمشقة، فكيف تفسر حينئذ أن المراد بها من لا يستطيع الصيام؟ لا سيما وابن عباس -﵄- نفسه يذكر في رواية عزرة أن الآية نزلت في الشيخ الكبير والعجوز الكبير وهما يطيقان أي يستطيعان الصوم، ثم نسخت، فكيف تفسر الآية بتفسيرين متناقضين (يستطيعون) و(لا يستطيعون)؟! وأيضًا فقد جاء عن سلمة بن الأكوع -﵁- قال: \"لما نزلت (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر ويفتدي فعل حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها\" أخرجه الستة إلا ابن ماجه. وفي رواية عنه قال: \"كنا في رمضان على عهد. رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) رواه الدارقطني وصححه.\n(٢) رواه الدارقطني وصححه.\n(٣) رواه الدارقطني، وقال الألباني في \"الإرواء\" (٤/٢١): سنده صحيح.\n(٤) رواه الدارقطني، وقال الألباني في \"الإرواء\" (٤/٢٢): سنده صحيح وعلقّ البخاري بنحوه.","vol":"2","page":133},{"text":"من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى نزلت هذه الآية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أخرجه مسلم.\nفهذا يبيِّن لنا أن في حديث ابن عباس -﵄- إشكالًا آخر، وهو أنه يقول: أن الرخصة التي كانت في أول الأمر، إنما كانت للشيخ أو الشيخة وهما يطيقان الصيام، وحديث سلمة يدل على أن الرخصة كانت عامة لكل مكلف شيخًا أو غيره، وهذا هو الصواب قطعًا لأن الآية عامة، فلعل ذكر ابن عباس -﵄- للشيخ والشيخة لم يكن منه على سبيل الحصر، بل التمثيل، وحينئذ فلا اختلاف بين حديثه والحديث المذكور، ويبقى الخلاف في الإشكال الأول قائمًا لأن الحديث المشار إليه صريح في نسخ الآية، وابن عباس -﵄- يقول: ليست بمنسوخة. ويحملها على الذين لا يستطيعون الصيام كما سبق بيانه، فلعل مراد ابن عباس -﵄- أن حكم الفدية الذي كان خاصًا بمن يطيق الصوم ويستطيعه، ثم نسخ دلالة القرآن، كان هذا الحكم مقررًا أيضًا في حق من لا يطيق الصوم ولا يستطيعه، غير أن الأول ثبت بالقرآن وبه نسخ، وأما الآخر فإنما يثبت مشروعيته بالسنة لا بالقرآن ثم لم ينسخ، بل استمرت مشروعيته إلى يوم القيامة، فأراد ابن عباس -﵄- أن يخبر عن الفرق بين الحكمين: بأن الأول نسخ، والآخر لم ينسخ، ولم يرد أن هذا يثبت بالقرآن بآية (وعلى الذين يطيقونه) وبذلك يزول الإشكال إن شاء الله تعالى.\nويؤيد ما ذكرته أن ابن عباس -﵄- في رواية عزرة بعد أن ذكر نسخ الآية المذكورة قال: \"وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلي والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وأطعمتا كل يوم مسكينًا\" ففي قوله: \"ثبت\" إشعار بأن هذا الحكم في حق من لا يطيق الصوم كان مشروعًا، كما كان مشروعًا في حق من يطيق الصوم، فنسخ هذا، واستمر الآخر، وكل من شرعيته واستمراره إنما عرفه ابن عباس -﵄- من السنة وليس من القرآن.\nويزيده تأييدًا، أن ابن عباس -﵄- أثبت هذا الحكم","vol":"2","page":134},{"text":"للحبلى والمرضع إذا خافتا ومن الظاهر جدًا أنهما ليسا كالشيخ والشيخة في عدم الاستطاعة، بل إنهما مستطيعتان، ولذلك قال لأم ولد له أو مرضع: \"أنت بمنزلة الذي لا يطيق\" فمن أين أعطاهما ابن عباس -﵄- هذا الحكم مع تصريحه بأن الآية (وعلى الذين يطيقونه) منسوخة؟ ذلك من السنة بلا ريب.\nوبذلك يلتقي حديث سلمة مع حديث ابن عباس -﵄-، ويتبين أن في حديثه ما يوافق حديث سلمة، ويزيد على حديث سلمة وهو ثبوت الإطعام على العاجز عن الصيام، فاتفقت الأحاديث ولم تختلف والحمد لله على توفيقه.\nوإذا عرفت هذا فهو خير مما ذكره الحافظ في \"الفتح\": \"أن ابن عباس ذهب إلى أن الآية المذكورة محكمة، لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير\" لما عرفت أن ابن عباس -﵄- صرّح بأن الآية منسوخة، لكن حكمها منسحب إلى العاجز عن الصيام.\nبدليل السنة لا الكتاب لما سبق بيانه، وقد توهم كثيرون أن ابن عباس -﵄- يخالف الجمهور الذين ذهبوا إلى نسخ الآية وانتصر لهم الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" فقال (٨/١٣٦) تعليقًا على رواية البخاري عن ابن عمر -﵄- أنه قرأ (فدية طعام مسكين): \"هو صريح في دعوي النسخ، ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: (وأن تصوموا خير لكم) قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: (وأن تصوموا خير لكم) مع أنه لا يطيق الصيام\".\nقلت: وهذه حجة قاطعة فيما ذكر، وهو يشير بذلك إلى الرد على ابن عباس -﵄-، ومثله لا يخفى عليه مثلها، ولكن القوم نظروا إلى ظاهر الرواية المتقدمة عن ابن عباس -﵄- عند البخاري - الصريحة في نفي النسخ-، ولم يتأملوا في الرواية الأخرى الصريحة في النسخ-، ثم لم يحاولوا التوفيق بينهما، وقد فعلنا ذلك بما سبق تفصيله.\nوخلاصته: أن يحمل النفي على نفي نسخ الحكم لا الآية، والحكم","vol":"2","page":135},{"text":"مأخوذ من السنة، ويحمل النسخ عليها، بذلك يتبين أن ابن عباس -﵄- ليس مخالفًا للجمهور.\nوهذا الجمع مما لم أقف عليه في كتاب، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ من نفسي، وأستغفر الله من كل مالا يرضيه\" انتهى قول الشيخ الألباني.\n* وجاء في صفة صوم النبي - ﷺ - في رمضان لتلميذي الشيخ الألباني: سليم الهلالي وعلي حسن علي عبد الحميد: \"قد يظن أن ابن عباس مخالف لجمهور الصحابة، أو أنه متناقض، وخاصة إذا عرفت أنه صرح بالنسخ في رواية أخرى. وقد نظر القوم إلى ظاهر الرواية المتقدمة عند البخاري في كتاب التفسير من \"صحيحه\" الصريحة في نفي النسخ، فظنوا أن حبر الأمة مخالف لجمهور الصحابة، ولما صدموا بالرواية الصريحة في النسخ، زعموا أنه متناقض\".\n* والحق الذي لا ريب فيه أن الآية منسوخة لكن بمفهوم الأقدمين للنسخ، فقد كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يطلقون النسخ على رفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد، وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ في لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه (١) .\nومعلوم أن من تأمل كلامهم رأى فيه ما لا يحصى من ذلك، وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر، والذي يتضمن أن يُرفع حكم شرعي متقدم بدليل شرعي متأخر بالنسبة للمكلفين. ويؤيد هذا المعنى أن الآية عامة لكل مكلف ...\nوالحديث صريح في أن الآية منسوخة بالنسبة للذي يطيق الصيام، غير منسوخة بالنسبة للذي لا يطيق الصيام أي: إن الآية مخصوصة لذلك، فإن ابن\n_________\n(١) انظر: \"أعلام الموقعين\" (١/٣٥)، و\"الموافقات\" (٣/١١٨) .","vol":"2","page":136},{"text":"عباس -﵄- موافق للصحابة، وحديثه موافق لحديثي عبد الله بن عمر وسلمة -﵃-، وكذلك غير متناقض فقوله: \"ليست بمنسوخة أي: إن الآية مخصوصة، وبهذا يتبين أن النسخ في فهم الصحابة يقابل التخصيص والتقييد في مفهوم الأصوليين المتأخرين ولهذا الأمر أشار القرطبي -﵀- في \"تفسيره\" (١) .\nولعلك أخي المسلم تظن أن ما ثبت عن ابن عباس ومعاذ (٢) -﵄- مجود رأي واجتهاد وإخبار وهو لا يرقى إلى مصاف الحديث المرفوع الذي يخصص عام القرآن ويقيد مطلقه ويفسر مجمله، والجواب كالآتي:\n١- إن هذين الحديثين لهما حكم المرفوع باتفاق أهل العلم بحديث رسول الله - ﷺ - فلا يجوز لمؤمن يحب الله ورسوله أن يخالفهما إذا ثبتا لديه لأنهما جاءا في تفسير يتعلق لسبب نزول أي: إن هذين الصحابيين الذين شهدا الوحي والتنزيل أخبرا عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فهذا حديث مسند لا ريب (٣) .\n٢- أثبت ابن عباس -﵄- هذا الحكم للمرضع والحبلى فمن أين أعطاهما هذا الحكم؟ لاشك أنه من السنة، وخاصة أنه لم ينفرد بل وافقه عبد الله بن عمر الذي روى أن هذه الآية منسوخة.\n٣- لا مخالف لابن عباس -﵄- من الصحابة كما جاء في\n_________\n(١) \"الجامع لأحكام القرآن\" (٢/٢٢٨) .\n(٢) حديث معاذ \"أما أحوال الصيام، فإن رسول الله - ﷺ - قدم الدينة فجعل يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وصيام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ...) الآية، ثم أنزل الله الآية الأخرى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) الآية، فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذا حولان ... \" رواه أبو داود والحاكم والبيهقي وأحمد. وقال الحَاكم \"صحيح الإسناد ووافقه الذهبي\" وأعله البيهقي والدارقطني والمنذري بأن هذا مرسل فعبد الرحمن ابن أبي ليلى لم يدرك معاذ بن جبل. قال الألباني في \"الإرواء\" (٤/٢١): لكن قد جاء بعضه من طريق غير السعودي.\n(٣) انظر: \"تديب الراوي\" (١/١٩٢-١٩٣) ومقدمة ابن الصلاح (ص٢٤) .","vol":"2","page":137},{"text":"المغني\" (٣/٢١) .\n٤- هذا البيان يبين معنى وضع الصوم عن الحامل والمرضع الوارد في حديث أنس بن مالك والكعبي المتقدم -﵄-، وأنه مقيد بالخوف على نفسها أو ولدها، وأن عليها الجزاء لا<span data-type=\"title\" id=toc-329> القضاء</span>.\n٥- من زعم أنه وضع الصوم على الحامل والمرضع كوضع الصيام عن المسافر ورتب على ذلك أن القضاء يلزمهما مردود عليه؛ لأن القرآن بين معنى وضع الصيام عن المسافر (فعدة من أيام أخر) وبين كذلك معنى وضعه عمن لا يطيقونه (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) وقد ثبت لديك أن الحامل والمرضع ممن تشملهم هذه الآية بل هي خاصة لهم.\nالقضاء\nقضاء رمضان للمسافر والمريض، والحامل والمرضع علي قول الجمهور لا يجب على الفور بل يجب على التراخي وجوبًا موسعًا؛ لما ورد عن عائشة -﵂-: \"كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان\" (١) .\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/١٩١): \"وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان سواءً كان لعذر أو لغير عذر\".\nوالمبادرة إلى القضاء أولى من التأخير قال تعالى: (وسارعوا إِلى مغفرة من ربكم) الآية.\nوقال تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) [المؤمنون: ٦١] .\n* ويتعلق بقضاء رمضان مسائل:\nمنها: هل يقضيان ما عليهما متتابعًا أم لا؟\n_________\n(١) أخرجه البخاري ومسلم.","vol":"2","page":138},{"text":"ومنها: ماذا عليهما إذا أخرا القضاء بغير عذر إلى أن يدخل رمضان آخر.\nومنها: إذا ماتا ولم يقضيا هل يصوم عنهما وليهما أو لا يصوم؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>المسألة الأولى [هل يقضى الصوم متتابعًا أم لا</span>؟]\n* ذهب جمهور الفقهاء على عدم وجوب التتابع في قضاء رمضان إلا أنه مستحب عندهم ويجوز تفريقه.\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٤١٣): \"مذهبنا أنه يستحب تتابعه ويجوز تفريقه، وبه قال علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأنس وأبو هريرة والأوزاعي، والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور -﵃-\".\nقال ابن عباس -﵄-: \"لا بأس به أن يفرق\" (١) .\nوقال أبو هريرة -﵁- \"يواتره إن شاء\" (٢) .\nقال أبو داود في مسائله (ص٩٥): \"سمعت أحمد سُئل عن قضاء رمضان؟ قال: إن شاء فرّق وإن شاء تابع\". ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى.\n* ونقل ابن المنذر وغيره عن علي وعائشة وجوب التتابع وهو قول بعض أهل الظاهر. وروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر -﵁- قال \"يقضيه تباعًا\".\nوعن عائشة -﵂-: \"نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت متتابعات\" (٣) .\nوهذا إن صح يشعر بعدم وجوب التتابع فكأنه كان أولًا واجبًا ثم نسخ (٤) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري معلقًا ووصله الدارقطني وعبد الرزاق وابن أبي شيبة بسند صحيح.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة والدارقطني وإسناده صحيح.\n(٣) خرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" والدارقطني والبيهقي عن عائشة -﵄، وقال الدارقطني: صحيح وقال البيهقي: \"قولها سقطت تريد: لا يصح له تأويل غير ذلك\".\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/٢٢٣) .","vol":"2","page":139},{"text":"قال النووي: \"وعن ابن عمر وعائشة والحسن البصري وعروة بن الزبير والنخعي وداود الظاهري أنه يجب التتابع\".\nقال داود: هو واجب وليس بشرط.\nوحكى صاحب البيان عن الطحاوي أنه قال: \"التتابع والتفريق سواء، ولا فضيلة في التتابع\".\n* قال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/١٧٣-١٧٤): \"وسبب اختلافهم تعارض ظواهر اللفظ والقياس، وذلك أن القياس يقتضي أن يكون الأداء على صفة القضاء، أصل ذلك الصلاة والحج.\nأما ظاهر قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) فإنما يقتضي إيجاب العدد فقط لا إيجاب التتابع\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>متى يقضى</span>؟\nقال ابن المسيب: \"لا بأس أن يقضي رمضان في العشر\".\nورواه البخاري معلقًا: \"قال سعيد بن المسيب في صوم العشر: لا يصلح حتى يبدأ برمضان\".\nقال ابن حجر: \"روى ابن المنذر عن علي -﵁- أنه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجة وإسناده ضعيف، قال: وروي بإسناد صحيح نحوه عن الحسن والزهري وليس مع أحد منهم حجة على ذلك، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يستحب ذلك\" (١) .\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٤١٣) [شافعي] .: \"يجوز قضاء رمضان عندنا في جميع السنة غير رمضان الثاني وأيام العيد والتشريق، ولا كراهة في شيء من ذلك سواء ذو الحجة وغيره، وحكاه ابن المنذر عن سعيد ابن المسيب وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وبه قال جمهور العلماء.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/٢٢٣) .","vol":"2","page":140},{"text":"قال ابن المنذر: وروينا عن علي بن أبي طالب أنه كره قضاءه في ذي الحجة، قال: وبه قال الحسن البصري والزهري، قال ابن المنذر: وبالأول أقول لقوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>ماذا على من أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر</span>\n* عن أبي هريرة -﵁- قال: \"أي إنسان مرض في رمضان، ثم صح فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذي حدث، ثم يقض الآخر ويطعم مع كل يوم مسكينًا\".\nقال ابن جريج لعطاء: كم بلغك يُطْعَم؟ قال: مَدًا، زعموا\".\n* وعن ابن عباس -﵄- قال: \"من فرط في صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أدركه، ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينًا\".\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٤١٢-٤١٣): \"مذهب العلماء فيمن أخّر قضاء رمضان بغير عذر:\nمذهبنا أنه يلزمه صوم رمضان الحاضر، ثم يقضي الأول ويلزمه عن كل يوم فدية، وهي مد من طعام، وبهذا قال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبي رباح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي ومالك والثوري وأحمد وإسحاق، إلا أن الثوري قال: الفدية مُدّان عن كل يوم.\n* وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة والمزني وداود: يقضيه ولا فدية عليه.\nأما إذا دام سفره ومرضه ونحوهما من الأعذار حتى دخل رمضان الثاني فمذهبنا أنه يصوم رمضان الحاضر، ثم يقضي الأول ولا فدية عليه لأنه معذور.\nوحكاه ابن المنذر عن طاووس والحسن البصري والنخعي وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق، وهو مذهب أبي حنيفة والمزني","vol":"2","page":141},{"text":"وداود. قال ابن المنذر: وقال ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر، ويفدي عن الغائب ولا قضاء عليه\".\nقال العلامة ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/١٧٤): \"وسبب اختلافهم: هل تقاس الكفارات بعضها على بعض أم لا؟\nفمن لم يجز القياس في الكفارات قال: عليه القضاء فقط. ومن أجاز القياس في الكفارات قال: عليه كفارة -قياسًا على من أفطر متعمدًا-؛ لأن كليهما مستهين بحرمة الصوم. أما هذا فيترك زمان القضاء، وأما ذلك فبالأكل في يوم لا يجوز فيه الأكل، وإنما كان يكون القياس مستندًا لو ثبت أن للقضاء زمانًا محدودًا بنص من الشارع؛ لأن أزمنة الأداء هي المحدودة في الشرع؛ وقد شدّ قوم فقالوا: إذا اتصل مرض المريض حتى يدخل رمضان آخر أنه لا قضاء عليه، وهذا مخالف للنص\" ا. هـ.\n* قال البخاري: \"ولم يذكر الله تعالى الإطعام، إنما قال: (فعدة من أيام أخر) . قال ابن حجر (٤/٢٢٤) في رده على قول البخاري: \"لكن إنما يقوى ما احتج به إذا لم يصح في السنة دليل الإطعام إذ لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة، ولم يثبت فيه شيء مرفوع وإنما جاء فيه عن جماعة من الصحابة -منهم من ذكر، ومنهم عمر -عند عبد الرزاق-، ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفًا. انتهى وهو قول الجمهور.\nوخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومال الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك. وممن قال بالإطعام: ابن عمر، ولكنه بالغ في ذلك فقال: يطعم ولا يصوم.\nوروى عبد الرزاق عن عمر: \"من صام يومًا من غير رمضان وأطعم مسكينًا فإنهما يعدلان يومًا من رمضان\" ونقله ابن المنذر عن ابن عباس وعن قتادة، وانفرد به ابن وهب بقوله: من أفطر يومًا في قضاء رمضان وجب عليه لكل يوم صوم يومين\" اهـ.\nوقول الجمهور هو الراجح.","vol":"2","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>إذا مات وعليه صوم هل يصوم عنه وليه أم لا</span>؟\nسبق ذكر هذه المسألة في النيابات في النية. والراجح الذي تميل إليه النفس أنه لا يصوم الولي عن الميت إلا صوم النذر وبه قال الإمام أحمد كما جاء في \"مسائل الإمام أحمد\" رواية أبي داود (ص٩٦) قال: سمعت أحمد ابن حنبل قال: لا يُصام عن الميت إلا في النذر، قال أبو داود: قلت لأحمد: فشهر رمضان؟ قال: يطعم عنه\".\nوذهبت عائشة -﵂- وهي راوية الحديث - إلى الإطعام بدليل ما روته عمرة: أن أمها ماتت وعليها من رمضان، فقالت لعائشة -﵂-: أقضيه عنها؟ قالت: لا، بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين\" (١) .\nومن المقرر أن راوي الحديث أدرى بمعنى مَرْويِّه، وذهب إلى هذا التفصيل ابن عباس حبر الأمة -﵄-. \"إذا مات الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم، أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه\" (٢) .\n* ومن المعلوم أن ابن عباس -﵄- هو راوي الحديث الثاني-، وخاصة أنه روى حديثًا فيه نص على أن الولي يصوم عن الميت صوم النذر: \"أن سعد بن عبادة -﵁- استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: \"إن أمي مات وعليها نذر فقال: \"اقضيه عنها\" أخرجه الشيخان وغيرهما (١) .\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٢٢٨-٢٢٩): \"اختلف المجيزون في المراد بقوله - ﷺ -: \"وليه\" فقيل: كل قريب، وقيل الوارث خاصة، وقيل عصبته، والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها.\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" ابن حزم في \"المحلى\" واللفظ له بسند صحيح.\n(٢) أخرجه أبو داود بسند صحيح، وابن حزم في \"المحلى\" وصح إسناده.","vol":"2","page":143},{"text":"واختلفوا أيضًا هل يختص ذلك بالولي؟ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة فكذلك في الموت إلا ما ورد فيه الدليل فيقتصر على ما ورد فيه ويبقى الباقي على الأصل وهذا هو الراجح، وقيل يختص بالولي فلو أمرَ أجنبيًّا بأن يصوم عنه أجزأ كما في الحج، وقيل يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي لكونه الغالب وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبري وقوّاه بتشبيهه - ﷺ - ذلك بالدَّيْن، والدين لا يختص بالقريب\".\nفرع: من مات وعليه صوم نذر صام عنه رجال بعدد الأيام التي عليه جاز، قال الحسن: \"إن صام عنه ثلاثون رجلًا كل واحد يومًا جاز\" (٢) .\nأما الإطعام فإن جمع وليه مساكين بعدد الأيام التي عليه وأشبعهم جاز، وكذلك فعل أنس بن مالك -﵁-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>الكفارة</span>\nمن أفسد صوم يوم من رمضان بجماع تام أثم به، ولزمته الكفارة وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود والعلماء كافة إلا الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وقتادة فإنهم قالوا: لا كفارة عليه، كما لا كفارة عليه بإفساد الصلاة وهذا مرجوح لأن الصوم يخالف الصلاة فإنه لا مدخل للمال في جبرانها.\nوالكفارة هي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>هل هذه الكفارة مرتبة ككفارة الظهار أو على التخيير</span>.\nونعني بالترتيب: ألا يتنقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيّرة إلا بعد العجز عن الذي قبله، وبالتخيير: أن يفعل منها ما شاء ابتداءً من غير عجز عن\n_________\n(١) يراجع في هذه المسألة قول ابن القيم في \"تهذيب سنن أبي داود\" (٣/٢٧٩-٢٨٢) .\n(٢) أخرجه البخاري معلقًا ووصله الدارقطني في كتاب الذبح، وصحح إسناده الألباني في \"مختصره\" (١/٥٨) .","vol":"2","page":144},{"text":"الآخر اختلفوا في ذلك.\n* فقال الجمهور: هذه الكفارة على الترتيب: فيجب عتق رقبة فإن عجز فصوم شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينًا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد في أصح الروايتين عنه.\n* وقال مالك: هو مخير بين الخصال الثلاث وأفضله عنده الإطعام.\n* وعن الحسن البصري أنه مخير بين عتق رقبة ونحر بدنة.\n* \"وسبب اختلافهم في وجوب الترتيب: تعارض ظواهر الآثار في ذلك والأقيسة، وذلك أن ظاهر حديث الأعرابي المتقدم في باب الجماع يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي - ﷺ - عن الاستطاعة عليها مرتبًا، وظاهر ما رواه مالك من \"أن رجلًا أفطر في رمضان فأمره رسول الله - ﷺ - أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينًا\" أنها على التخيير. وأما الأقيسة المعارضة في ذلك فتشبيها تارة بكفارة الظهار وتارة بكفارة اليمين، لكنها أشبه بكفارة الظهار منها بكفارة اليمين، وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي.\nوأما استحباب مالك الابتداء بالإطعام فمخالف لظواهر الآثار، وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس؛ لأنه رأى الصيام قد وقع بدلًا منه الإطعام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول\" (١) .\nوالراجح قول الجمهور وهي: أنها على الترتيب. ومما يرجح هذا:\n* أن الذين رووا الترتيب أكثر فروايتهم أرجح لأنهم أكثر عددًا فمن روى الترتيب عن الزهري تمام ثلاثين نفسًا.\n* ولأن معهم زيادة علم، حيث اتفقوا على أن الإفطار كان بالجماع، ولم يحدث هذا في الروايات الأخرى، ومن علم حجة على من لا يعلم.\n* ومما يرجح الترتيب أنه أحوط.\n* ولأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتخيير أو لا، بخلاف العكس.\n_________\n(١) \"بداية المجتهد\" (٢/١٨٣-١٨٤) .","vol":"2","page":145},{"text":"* قال البيضاوي: ترتيب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني يدل على عدم التخيير، مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط للحكم.\n* قال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٩٧-١٩٨) في معرض الرد على مالك: \"وقع في \"المدونة\" ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام. قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدي إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت، غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال.\nوكل الوجوه التي ذكروها لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصيام ثم الصيام، سواء قلنا الكفارة على الترتيب أو التخيير، فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه. ومن المالكية من وافق على هذا الاستحباب، ومنهم من قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت الشدة يكون بالإطعام، وفي غيرها يكون بالعتق أو الصوم ونقلوه عن محققي المتأخرين ومنهم من قال: الإفطار بالجماع يكفر بالخصال الثلاثة، وبغيره لا يكفر إلا بالإطعام وهو قول أبي مصعب، وقال ابن جرير الطبري: هو مخيَّر بين العتق والصوم ولا يطعم إلا عند العجز عنهما\".\n* ولقد رجح ابن رشد قول الجمهور، ورجحه أيضًا ابن العربي شيخ المالكية فيقول: \"إن النبي - ﷺ - نقله (١) من أمر بعد عدمه لأمر آخر وليس هذا شأن التخيير\" (٢) .\n* قال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٩٧):\n\"والمراد بالإطعام لإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم، بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة وفي ذكر الإطعام ما يدل على\n_________\n(١) أي الأعرابي.\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/١٩٨) .","vol":"2","page":146},{"text":"وجود طاعمين فيخرج الطفل الذي لم يطعم كقول الحنفية، ونظر الشافعي إلى النوع فقال: يسلم لولية\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>حكمة الأنواع الضعيفة في الكفارة</span>\nقال ابن حجر: \"ذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار.\n* أما الصيام فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء فلما أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده.\nوأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين.\nثم إن هذه الخصال جامعة لاشتمالها علي حق الله وهو الصوم، وحق الأحرار بالإطعام، وحق الإرقاء بالعتق، وحق الجاني بثواب الامتثال\" (١) .\n* يشترط في صوم هذه الكفارة التتابع عند الجمهور وهو الراجح، وجوّز ابن أبي ليلى تفريقه. وحديث أبي هريرة مقيد بالتتابع فيحمل المطلق عليه.\n* يجب على المكفر مع الكفارة قضاء اليوم الذي جامع فيه وهو قول جميع الفقهاء خلافًا للأوزاعي فقال: إن كفر بالصوم لم يجب قضاؤه، وإن كفر بالعتق أو الإطعام قضاه.\n* لو جامع في صوم غير رمضان من قضاء أو نذر أو غيرهما فلا كفارة وبه قال الجمهور. وقال قتادة تجب الكفارة في إفساد قضاء رمضان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعته على الجماع</span>\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/١٩٧) .","vol":"2","page":147},{"text":"* ذهب الشافعي وأحمد وداود إلى أنه لا كفارة عليها. وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه إلى وجوب الكفارة عليها وهو قول الجمهور.\nقال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/١٨٣):\n\"وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الأثر للقياس، وذلك أنه - ﷺ - لم يأمر المرأة بكفارة في الحديث، والقياس أنها مثل الرجل إذا كان كلاهما مكلفًا\".\nقال ابن حجر: \"استدل بإفراده بذلك (١) على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة وكذا قوله في المراجعة \"هل تستطيع\" و\"هل تجد\" وغير ذلك، وهو الأصح من قولي الشافعية وبه قال الأوزاعي. وقال الجمهور وأبو ثور وابن المنذر تجب الكفارة على المرأة أيضًا على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة وهل هي عليها أو على الرجل عنها، واستدل الشافعية بسكوته ﵊ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة، وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكمًا ما لم تعترف، وبأنها قضية حال فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذر من الأعذار، ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره الغسل. والتنصيص على الحكم في في بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين، ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه في كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء.\nقال القرطبي: ليس في الحديث ما يدل على شيء لأنه ساكت عن المرأة فيؤخذ حكمها من دليل آخر مع احتمال أن يكون سبب السكوت أنها كانت غير صائمة\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>مسألة [مقدار الكفارة بالإطعام]</span>\nاختلفوا في مقدار الكفارة بالإطعام: فقال مالك والشافعي وأحمد في\n_________\n(١) وهي قوله: \"خذ هذا فتصدق به\".","vol":"2","page":148},{"text":"المشهور عنه: يطعم لكل مسكين مُدًا بمد النبي - ﷺ -.\n* وقال أبو حنيفة: لا يجزيء أقل من مدين يعني نصف صاع.\nوسبب الخلاف: معارضة القياس لمفهوم الحديث.\n* أما القياس: هو قياس هذه الكفارة بفدية الأذى التي نص عليها.\n* وأما الأثر فهو: ما روي في بعض طرق حديث أبي هريرة أن العرق الذي أتى به النبي - ﷺ - فيه خمسة عشر صاعًا.\nوالراجح ما ذهب إليه الجمهور لما رواه الدارقطني عن علي -﵁- لكل مسكين مدّ والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>مسألة [هل تسقط الكفارة بالإعسار</span>، وهل يجب عليه الإطعام إذا أيسر وكان معسرًا في وقت الوجوب؟]\n* اختلفوا هل تكون الكفارة في ذمته إذا كان معسرًا وإذا أيسر وجبت عليه أم لا؟\n* فذهب الشافعي في المشهور عنه والأوزاعي إلى أنها تسقط عليه إذا كان معسرًا وقت الوجوب، وقال الأوزاعي: لا شيء عليه إن كان معسرًا.\n* وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها لا تسقط عنه.\nوسبب الخلاف: أن من أسقطها بالإعسار قال: إن رسول الله - ﷺ - دفع العرق للأعرابي فأمره أن يطعمه أهله ولم يأمره بقضائها إذا أيسر فعلم بذلك أنها ساقطة عنه، وترك البيان وقت الحاجة لا يجوز عند أهل الأصول، ومن لم يسقطها شبهها بالديون التي تكون في الذمة. ورجّح النووي في \"شرح مسلم\" وجوبها في الذمة وهو الراجح لقول النبي - ﷺ -: \"فدين الله أحق أن يقضى\" وأن الرسول - ﷺ - يحتمل أنه أمر الإعرابي بقضائها إذا أيسر ولم يذكره الراوي.\nويحتمل أنه لما كان أهله أحوج الناس إليها كفر عنه رسول الله - ﷺ - وتصدق بها على أهله لقوله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) .\n* قال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٤/٢٠٣):","vol":"2","page":149},{"text":"\"قال ابن دقيق العيد: تباينت في هذه القصة المذاهب: فقيل إنه دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين النبي - ﷺ - استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعية وجزم به عيسى بن دينار من المالكية. وقال الأوزاعي يستغفر الله ولا يعود. ويتأيد ذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها وهو هلال الفطر، لكن الفرق بينهما أن صدقة الفطر لها أمد تنتهي إليه وكفارة الجماع لا أمد لها فتستقر في الذمة.\nوليس في الخبر ما يدل على إسقاطها بل فيه ما يدل على استمرارها على العاجز، وقال الجمهور: لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة. قيل لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له أن يصرف الكفارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث.\nقال الشيخ تقي الدين: وأقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على جهة الكفارة بل على جهة أصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث. وأما ما اعتلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه لأن العلم بالوجوب قد تقدم. ولم يرد في الحديث ما يدل على الإسقاط لأنه لما أخبره بعجزه، ثم أمره بإخراج العرق دل على أن لا سقوط عن العاجز، ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة أ. هـ.\nوتصرف النبي - ﷺ - في مال الصدقة تصرف الإمام في إخراج مال الصدقة فلا يكون فيه إسقاط ولا أكل المرء من كفارة نفسه ولا إنفاقه على من تلزمه نفقتهم من كفارة نفسه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>خلافهم في الكفارة</span>\nاختلفوا في إيجاب الكفارة بالقبلة والنظر والمباشرة والإنعاظ.\nورأى الجمهور أقوى وأرجح أن لا كفارة.\nواختلفوا في وجوب الكفارة على من أكل أو شرب متعمدًا فذهب مالك","vol":"2","page":150},{"text":"وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى وجوب القضاء والكفارة ورأى الجمهور وهو الأرجح أن لا كفارة.\nفلا كفارة إلا في الجماع في رمضان متعمدًا.\n* قال النووي في \"روضة الطالبين\" (٢/٣٧٩): \"هل تكون شدة الغلمة عذرًا في العدول عن الصيام إلى الإطعام؟ وجهان: أصحهما: أنها عذر\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>الفدية</span>\nتكلمنا عنها في الكلام عن المريض الذي يرجى شفاؤه، والحامل والمرضع.\nقال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) .\nقرأ ابن عمر فدية طعام مساكين. بالإضافة وبلفظ الجمع وهي قراءة نافع وابن زكوان.\nوقرأ الباقون بتنوين \"فديةٌ\" وتوحيد \"مسكين\" و\"طعامُ\" بالرفع على البدلية، وأما الإضافة فهي من إضافة الشيء إلى نفسه، والمقصود به البيان مثل خاتم حديد، وثوب حرير، لأن الفدية تكون طعامًا وغيره. ومن جمع مساكين فلمقابلة الجمع بالجمع، ومن أفرد فمعناه فعلى كل واحد ممن يطيق الصوم. ويستفاد من الإفراد أن الحكم لكل يوم يفطر فيه إطعام مسكين، ولا يفهم ذلك من بالجمع، والمراد بالطعام الإطعام\".\nقال النووي في \"روضة الطالبين\" (٢/٣٨٠-٣٨٥):\n\"هي مد من الطعام لكل يوم من أيام رمضان. وجنسه جنس زكاة الفطر. فيعتبر غالب قوت البلد على الأصح. ولا يجزيء الدقيق والسويق.\nومصرفها: الفقراء أو المساكين.\nوكل مد من ككفارة تامة فيجوز صرف عدد منها إلى مسكين واحد، بخلاف أمداد الكفارة فإنه يجب صرف كل مدّ إلى مسكين.\n* وتجب الفدية بثلاثة طرق:\nالأول: فوات نفس الصوم، كمن فاته صوم يوم من رمضان ومات قبل","vol":"2","page":151},{"text":"قضائه، بعد تمكنه من القضاء وترك الأداء بعذر أم بغيره.\nفلابد من تداركه بعد موته، وفي صفة التدارك قولان: الجديد أنه يُطعم من تركته عن كل يوم مدًا\" (١) .\n* الشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم، أو تلحقه به مشقة شديدة.\nلا صوم عليه. وفي وجوب الفدية عليه قولان أظهرها الوجوب ويجري القولان في المريض الذي لا يرجى برؤه.\n* وإذا أوجبنا الفدية على الشيخ، فكان معسرًا، هل تلزمه إذا قدر؟\nقولان كالكفارة.\nالطريق الثاني لوجوب الفدية: ما يجب لفضيلة الوقت (٢) .\n* كالحامل والمرضع: [تجب عليهما الفدية فقط عند ابن عباس] (٣) .\nولا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد على الأصح.\n* لو رأى مشرفًا على الهلاك بغرق أو غيره وافتقر في تخليصه إلى الفطر فيجب عليه الفطر ويلزمه القضاء، وتلزمه الفدية على الأصح أيضًا كالمرضع.\nالطريق الثالث: ما يجب لتأخير القضاء:\nفمن عليه قضاء رمضان، وأخّره حتى دخل رمضان السنة القابلة، نظر، فإن كان مسافرًا أو مريضًا، فلا شيء عليه، فإن تأخير الأداء بهذا العذر جائز فتأخير القضاء أولى، وإن لم يكن فعليه مع القضاء لكل يوم مد.\nولو أخّر حتى مضى رمضانان فصاعدًا، فهل تكرر الفدية؟ وجهان. قال في \"النهاية\": الأصح التكرر. فإن تكررت السنون زادت الأمداد.\nولو أفطر عدوانا وألزمناه الفدية فأخرّ القضاء فعليه لكل يوم فديتان واحدة للإفطار، وأخرى للتأخير، هذا هو المذهب\".\n_________\n(١) \"فتح الباري\" بتصرف (٨/٢٩- ٣٠) .\n(٢) وهو الأصح.\n(٣) ما بين [] ليس موجودًا في \"الروضة\"","vol":"2","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>صوم النذر</span>\nالنذر ضربان:\n* أحدهما: نذر تبرر.\n* والثاني: نذر لجاج وغضب.\n* النوع الأول: نذر التبرر: ونوعان:\n(١) أحدهما: نذر المجازاة: وهو أن يلتزم قربة كالصوم في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية كقوله: إن شفى الله مريضي، أو رزقني ولدًا، أو نجانا من الغرق أو من العدو الظالم، ونحو ذلك فللَّه على صوم كذا أو صلاة كذا، فإذا حصل المعلق به لزمه الوفاء بما التزم، وهذا لا خلاف فيه لعموم الحديث الصحيح: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\".\n(٢) أن يلتزمه ابتداء من غير تعليق على شيء:\nفيقول ابتداءً: لله على أن أصوم.\nوفيه وجهان أصحهما أنه يصح نذره.\n* النوع الثاني: \"نذر اللجاج والغضب\".\nوهو أن يمنع نفسه من فعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو بالترك ويقال فيه يمين اللجاج والغضب، ويقال له أيضًا: يمين الغلق ويقال أيضًا: نذر الغَلقَ.\nفإذا قال: إن كلمت فلانًا، أو إن دخلت الدار أو إن لم أخرج من البلد فللَّه على صوم شهر أو نحو ذلك.\nوهذا يخيرّ بين ما التزم وكفارة اليمين.\n* الصيغة قد تردد فتحتم نذر التبرر، وتحتمل نذر اللجاج فيرجع فيها إلى قصد الشخص وإرادته.\nفإن قال: إن صليت فللَّه على صوم يوم معناه: إن وفقني الله للصلاة صمت فإذا وفق لها لزمه الصوم.","vol":"2","page":153},{"text":"ويتصور اللجاج بأن يقول له: صل فيقول لا أصلي وإن صليت فعليّ صوم فإذا صلى ففيما يلزمه الأقوال والطريق السابق.\n* الملتزم بالنذر إن نذر واجبًا فلا يصح نذره لأنه واجب بإيجاب الشرع له، كمن نذر صوم رمضان لا يصح نذره.\n* وإن نذر مستحبًا كنوافل الصوم لزمه بلا خلاف.\nمن نذر أن يصوم أيامًا فوافق النحر أو الفطر.\n* عن حكيم بن أبي حُرة الأسلمي أنه \"سمع عبد الله بن عمر -﵄- سئل عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام فوافق يوم أضحى أو فطر فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، لم يكن يصوم الأضحى والفطر ولا يرى صيامهما\" رواه البخاري.\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (١١/٥٩٩): \"انعقد الإجماع على أنه لا يجوز له أن يصوم يوم الفطر ولا يوم النحر لا تطوعًا، ولا عن نذر سواء عينهما أو أحدهما بالنذر، أو وقعا معا، أو أحدهما اتفاقًا، لو نذر لم ينعقد نذره عند الجمهور، وعند الحنابلة روايتان في وجوب القضاء، وخالف أبو حنيفة فقال: لو أقد فصام وقع ذلك عن نذره\".\nوفي سياق الحديث إشعار برجحان المنع عند ابن عمر.\nوعن الحسن: يصوم يومًا مكانه.\nقال النووي في \"المجموع\" (٨/٤٤٢-٤٤٣): \"إذا نذر صوم يوم الفطر أو الأضحى أو التشريق وقلنا أنه لا يجوز صوم يوم التشريق لم ينعقد نذره ولم يلزمه بهذا النذر شيء.\nهذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وجماهير العلماء. وخالفهم أبو حنيفة فقال: ينعقد نذره، ولا يصوم ذلك، بل يصوم غيره. قال: فإن صامه أجزأه وسقط عنه به فرض نذره \"ورأى الجمهور هو الأصح والأرجح لقوله - ﷺ -: \"لا نذر في معصية\".","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>مسائل </span>من المجموع\n(١) إذا أطلق التزام الصوم: فقال لله علىّ صوم أو أن: أصوم لزمه صوم يوم بناءً على أن النذر ينزل على أقل ما يصح من جنسه.\n(٢) هل يجب تبييت النية في الصوم المنذور أم يكفي بنية قبل الزوال؟\nالأصح: اشتراط التبييت فالنذر واجب.\n(٣) إذا لزمه صوم يوم النذر فيستحب البادرة به، ولا تجب المبادرة، بل يخرج عن نذره بأي يوم صامه من الأيام التي تقبل الصوم غير رمضان.\n* ولو نذر صوم يوم خميس ولم يعين صام أي خميس شاء، فإذا مضى خميس ولم يصم مع التمكن استقر في ذمته حتى لو مات قبل الصوم فدى عنه.\n* ولو عين في نذره يومًا كأول خميس من الشهر أو أول خميس هذا الأسبوع تعيّن، وبه قطع الجمهور فلا يصح الصوم قبله، فإن أخرّه عنه صام قضاء، سواء أخره بعذر أم لا، لكن أن أخره بعذر أثم، وإن أخره بعذر سفر أو مرض لا يأثم.\n(٤) لوعيّن يومًا من أسبوع والتبس عليه فينبغي أن يصوم يوم الجمعة لأنه آخر الأسبوع، فإن لم يكن هو المعين في نفس الأمر أجزأه وكان قضاءً، ومما يدل على أن يوم الجمعة آخر الأسبوع ويوم السبت أوله حديث أبي هريرة ﵁- قال: \"أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فقال: \"خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيه الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبعث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل\" رواه مسلم.\n(٥) الصوم المعين بالنذر لا يثبت له خواص رمضان: سواءً عيناه بالنذر أم جوّزناه من الكفارة بالفطر بالجماع فيه، ووجوب الإمساك لو أفطر، وعدم قبول صوم آخر من قضاء أو كفارة أو غيرهما، بل لو صامه من قضاء أو كفارة صحّ بلا خلاف.","vol":"2","page":155},{"text":"(٦) إذا نذر صوم أيام بأن قال: لله علي صوم عشرة أيام: يجوز صوم هذه الأيام متفرقة ومتتابعة لحصول الوفاء بالمسمى.\n(٧) وإن عيّن النذر بالتتابع لزمه. فإن أخلّ به فحكمه حكم صوم الشهرين المتتابعين.\n(٨) إذا نذر صوم شهر: نُظر: إن عيّنه كرجب أو شعبان، أو قال: أصوم شرًا من الآن، فالصوم يقع متتابعًا لتعين أيام الشهر ولو أفطر يومًا لا يلزمه الاستئناف.\n* فلو شرط التتابع: فيه وجهان أصحهما: يلزمه، حتى لو أفسد يوم لزمه الاستئناف، وإذا فات لزمه قضاؤه متتابعًا.\n(٩) إذا نذر صوم سنة: فله حالان:\n(أحدهما) أن يعين سنة متوالية بأن يقول أصوم سنة كذا أو سنة من أول شهر كذا أو من الغد فصيامها يقع متتابعًا لضرورة الوقت ويصوم رمضان عن فرصة ويفطر العيدين وكذا التشريق ولا يجب قضاء رمضان والعيدين والتشريق لأنها داخلة في النذر. ولو أفطرت المرأة فيها بحيض أو نفاس ففي وجوب القضاء قولان أصحهما لا يجب كالعيد وبه قال الجمهور.\n* ولو أفطر بالمرض فيه الخلاف ورجح ابن حج وجوب القضاء لأنه لا يصح أن ينذر صوم أيام الحيض ويصح أن ينذر صوم أيام المرض.\nولو أفطر بالسفر فطريقان أصحهما: وجوب القضاء.\n(الحال الثاني): إذا نذر صوم سنة وأطلق، فإن لم يشترط التتابع صام ثلاثمائة وستين يومًا أو اثنى عشر شهرا بالأهلة أيهما شاء فعله وأجزأه، وكلشهر استوعبه بالصوم فناقصه كالكامل يحسب شهرًا، وإن انكسر شهر أتمه ثلاثين يومًا، وشوال وذو الحجة منكسران بسبب العيد والتشريق ولا يلزمه التتابع هنا بلا خلاف، فلو صام سنة متوالية قضى العيدين ورمضان ويجب قضاء أيام الحيض.\nوإذا أفطر بلا عذر وجب الاستئناف بلا خلاف.","vol":"2","page":156},{"text":"(١٠) لو نذر صوم ثلثمائة وستين يومًا لزمه صوم هذا العدد ولا يلزمه فيه التتابع. ولو قال متتابعة لزمه التتابع ويقضي رمضان والعيدين والتشريق على الاتصال.\n(١١) إذا نذر أن يصوم في الحرم ففيه خلاف والأصح: لا يجزئه في غيره.\n(١٢) إذا قال لله على صوم هذه السنة لزمة صوم باقي سنة التاريخ ولا يلزمه غير ذلك، لأن السنة تنصرف إلى المعهودة المشار إليها، وهي سنة التاريخ فكأنه قال: باقي هذه السنة.\n(١٣) لو نذر صوم يوم الخميس مثلًا لم يجز الصوم قبله. وبه قال مالك وأحمد وداود وهو المشهور من مذهب الشافعي. وقال أبو يوسف يجزئه.\nودليل الجمهور أنه صوم متعلق بزمان، فلا يجوز قبله كرمضان.\n(١٤) وإن نذر أن يصوم في كل اثنين لم يلزمه قضاء أثاني رمضان لأنه يعلم أن رمضان لابد فيه من الأثانين فلا يدخل في النذر فلم يجب قضاؤها وكذا أيام العيد إذا وافقت الإثنين.\n* وإن لزمه صوم الاثنين بالنذر، ثم لزمه صوم شهرين متتابعين في كفارة.\nبدأ بصوم الشهرين ثم يقضى صوم الأثانين، لأنه إذا بدأ بصوم الشهرين يمكنه بعد الفراغ من الشهرين، أن يقضي صوم الأثانين، وإذا بدأ بصوم الأثانين لم يمكنه أن يقضي صوم الشهرين فكان الجمع بينهما أولى.\n(١٥) إن نذر صوم الدهر: انعقد نذره، ويستثنى منه العيدان والتشريق وقضاء رمضان، وكذا لو كان عليه كفارة حال النذر، ويلزمه صوم ما سوى ذلك من أيام الدهر، ولو لزمه كفارة بعد النذر فالمذهب أن يصوم عنها ويفدي عن النذر.\n(١٦) إن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان يصح نذره لأنه يمكنه أن يتحرى اليوم الذي يقدم فيه، فينوي صيامه من الليل، فإذا قدم صارما صامه قبل القدوم تطوعًا وما بعده فرضًا وذلك يجوز.","vol":"2","page":157},{"text":"فإن قلنا ينعقد نذره نظر إن قدم ليلاَّ فلا صوم على الناذر لأنه لم يوجد يوم قدوم. ولو عنى باليوم الوقت لم يلزمه أيضًا لأن الليل ليس بقابل للصوم، قال الشافعية: ويستحب (الفداء أو يصوم يومًا آخر) .\n* وإن قدم بالنهار فللناذر أربعة أحوال:\n(١) أن يكون مفطرًا فيلزمه أن يصوم عن نذره يومًا آخر.\n(٢) أن يقدم فلان والناذر صائم عن واجب من قضاء أو نذر فيتم ما هو فيه ويلزمه صوم يوم آخر لهذا النذر.\n(٣) أن يقدم وهو صائم تطوعًا أو غير صائم وهو ممسك وهو قبل زوال الشمس فيبني على أنه يجب الصوم من أول النهار فيلزمه صوم يوم آخر.\n(٤) أن يقدم فلان يوم العيد أو في رمضان، فهو كما لو قدم ليلًا.\n(١٧) إذا قال: إن قدم فلان فلله على أن أصوم أمس يوم قدومه فلا يصح نذره.\n(١٨) إذا اجتمع في يوم نذران بأن قال: إن قدم زيد لله على أن أصوم اليوم الذي يلي يوم مقدمه، وإن قدم عمرو فلله على أن أصوم أول خميس بعده، فإن قدم زيد وعمرو يوم الأربعاء، لزمه صوم يوم الخميس عن أول نذره، ثم يقضي عن الآخر.\n(١٩) لو شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه فهل يلزمه إتمامه؟ فيه وجهان، الصحيح: أنه يلزمه.\nعن عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n(٢٠) \"كفارة النذر كفارة اليمين\" رواه مسلم.\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (١١/٥٩٥): \"حمله الجمهور على نذر اللجاج وبعضهم على النذر المطلق\".\nقال - ﷺ -: \"لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم\" رواه مسلم.\nواختلف فيمن وقع من النذر من ذلك هل تجب فيه كفارة؟ فقال الجمهور: لا، وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية وبعض الحنفية:","vol":"2","page":158},{"text":"نعم، ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين. واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>صوم الكفارات</span>\nسبق ذكره في \"الصوم على أربعين وجها\":\nقال تعالى: (لا يُؤَاخِذُكمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقدتُّمُ الأَيمَانَ فَكَفَّارَتُة إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِن أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكمْ أَوْ كِسْوَتُمْ أَوْ تحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّم يَجِدْ فَصِيَام ثَلاثةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفارَة أَيْمَانِكُم إِذَا حَلَفتُمْ وَاحْفَظوا أَيْمَانَكمْ كذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ) [المائدة: ٨٩] .\nوقال تعالى: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) .\nقال مجاهد: كل شيء في القرآن \"أوْ\" نحو قوله: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فهو فيه مخير، وما كان (فمن لم يجد) فهو على الولاء أي على الترتيب. رواه الطبراني بسند صحيح.\nوقال عطاء: ما كان في القرآن (أو أو) فلصاحبه أن يختار أيها شاء.\nسنده صحيح.\nوقال عكرمة: كل شيء في القرآن \"أو أو\" فليتخير أي الكفارات شيء، فإذا كان (فمن لم يجد) فالأول الأول.\nقال ابن بطال: هذا متفق عليه بين العلماء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>مسألة [اختلافهم في اشتراط تتابع الأيام </span>الثلاثة في صوم الكفارة]\nذهب مالك والشافعي إلى عدم اشتراط التتابع ويجزئه التفريق وإن كانا استحباه ودليلهم أن التتابع صفة، تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما.\n* وذهب أبو حنيفة والثوري والمزني وأحد قولي الشافعي إلى وجوب التتابع وسبب اختلافهم في ذلك شيئان: أحدها: هل يجوز العمل بالقراءة التي","vol":"2","page":159},{"text":"ليست في المصحف؟ وذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) والسبب الثاني: اختلافهم هل يحمل الأمر بمطلق الصوم على التتابع أم ليس يحمل إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع إنما هو التتابع.\nمسألة: \"قال أبو حنيفة في الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو برئ من الإسلام أو من النبي أو من القرآن إنها يمين تلزم فيها الكفارة، ولا تلزم فيها، إذا قال: واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة إن كانت على صيغة الإيمان\" (١) .\n* عن كعب بن عجرة قال: أتيته - يعني النبي - ﷺ - - فقال: ادن فدنوت، فقال: \"أيؤذيك هوامك؟ \" قلت: نعم. قال: \"فدية من صيام أو صدقة أو نسك\" رواه البخاري.\n***\n_________\n(١) القرطبي (٤/٢٢٦٨) .","vol":"2","page":160},{"text":"ما يباح للصائم فعله\nمن ﵀ بعباده ورفعًا للحرج عن أمة حبيبه - ﷺ -، أباح الشارع للصائم فعل أشياء:\n(١) الصائم يصبح جنبًا:\nمن أدركه الفجر وهو جنب من أهله، فيغتسل بعد الفجر ويصوم.\nوكذلك الحائض والنفساء إذا انقطع الدم من الليل جاز لهما تأخير الغسل إلى الصبح وأصبحتا صائمتين.\nعن عائشة وأم سلمة -﵄- \"أن النبي - ﷺ - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم\" (١) .\n(٢) السواك للصائم:\nقال - ﷺ -: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء\" (٢) .\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٨٨): \"يقتضي إباحته في كل وقت وعلى كل حال\".\nقال ابن عمر يستاك أول النهار وآخره.\nوقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب. قيل له طعم. قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به.\nقال ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (٢/٢٠٢): \"روى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن غنم. قال: سألت معاذ بن جبل أأتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم. قلت: أي النهار؟ قال: غدوة أو عشية. قلت: إن الناس يكرهونه عشية ويقولون إن رسول - ﷺ -: \"لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\" قال: \"سبحان الله لقد أمرهم بالسواك، وما كان بالذي يأمرهم أن ييبسوا بأفواهم عمدًا، ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شر\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري ومسلم ومالك.\n(٢) أخرجه البخاري.","vol":"2","page":161},{"text":"فالسواك عام قبل الزوال وبعده.\n(٣) المضمضة والاستنشاق:\nإلا أنه تكره المبالغة فيهما. عن لقيط بن صبرة أن النبي - ﷺ - قال: \" ... وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا\" (١) .\nقال ابن قدامة: \"وإن تمضمض أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلي حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه\".\nقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس إن لم يملك.\n(٤) المباشرة والقبلة للصائم:\nعن عائشة﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه\" (٢) .\n(٥) تحليل الدم وضرب الإبر والحقن التي في العضل أو الوريد:\nليست من المفطرات \"لأنها ليست منصوصًا عليها ولا بمعنى المنصوص ولكن الاحتياط أن الإنسان لا يستعمل مثل هذه الإبرة وهو صائم إلا في حال مرض يبيح له الفطر وحينئذ يفطر ويستعملها\". كما قال الشيخ ابن عثيمين.\n(٦) الحجامة:\nوهو أخذ الدم من الرأس أو من عرق من العروق، وكذا القصد. فقد كانت من جملة المفطرات ثم نسخت، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم لما ورد عن ابن عباس -﵄-: \" أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم\" (٣) .\n_________\n(١) صحيح: أخرجه أصحاب السنن والحاكم وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي والألباني وصححه الألباني في \"إرواء الغليل\": رقم (٩٠) - (٩٣٥) وفي \"حقيقة الصيام\" (ص ٢٠) .\n(٢) أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. انظر: \"إرواء الغليل\" (٤/٨٠-٨٥) .\n(٣) أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي.","vol":"2","page":162},{"text":"(٧) الكحل والقطرة ونحوهما مما يدخل العين:\nهذه الأمور لا تفطر سواء وجد طعمه في حلقه أم لم يجده لأن العين ليست بمنفذ للجوف، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في \"مجموع الفتاوى\" وفي رسالته \"حقيقة الصيام\" وتلميذه ابن القيم في \"زاد المعاد\".\nقال البخاري في \"صحيحه\": \"لم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأسًا\".\n(٨) صب الماء البارد على الرأس والاغتسال:\nبوّب البخاري في صحيحه: \"باب اغتسال الصائم، وبلّ ابن عمر -﵄- ثوبًا فألقاه عليه وهو صائم\" ودخل الشعبي الحمام وهو صائم.\nوقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم\" (١) .\nوكان - ﷺ - يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو من الحر\" (٢) .\n(٩) ذوق الطعام: وهذا مقيد بعدم دخوله الحلق.\nعن عطاء عن ابن عباس قال: \"لا بأس أن يذوق الخل والشيء يريد شراءه\" (٣) .\nوعن ابن عباس قال: \"لا بأس أن يتطاعم الصائم العسل والسمن ونحوه يمجه\" (٤) .\n_________\n(١) صححها الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٨٢- ١٨٣) .\n(٢) صحيح: أخرجه أبو داود وأحمد. وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" و\"صحيح سنن أبي داود\".\n(٣) حسن: رواه أحمد والبخاري معلقًا ووصله ابن أبي شيبه وحسن الألباني إسناده في \"إرواء الغليل\" رقم (٩٧٣) .\n(٤) رواه البيهقي وسكت عنه الحافظ في \"الفتح\"، وحسن سنده الألباني في \"إرواء الغليل\" (٤/٨٦) .","vol":"2","page":163},{"text":"(١٠) السلف للصائم الترفه والتجمل بالترجل والإدهان كما قال ابن حجر. وأيضًا التطيب.\nعن ابن مسعود -﵁-: \"إذا كان صوم أحدكم فليصبح دهينًا مترجلًا\" (١) .\n(١١) ما لا يمكن الاحتراز منه كبلع الريق وغبار الطريق وغربلة الدقيق والنخامة ونحو ذلك.\n(١٢) العلك: كل ما يمُضغ ويبقى في الفم كالمصطكي واللبان قال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/١٩٠): \"رخص في مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء فمان تحلب منه شيء فازدرده فالجمهور على- أنه يفطر.\n(١٣) قال ابن المنذر: \"أجمعوا على أنه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه مما جرى مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على إخراجه\" (٢) .\n***\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم.\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/١٩٠) .","vol":"2","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>الباب الخامس عشر\nالاعتكاف</span>","vol":"2","page":165},{"text":"الاعتكاف\n\"معنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال.\nفالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه وعكف قلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقى له همّ سوى الله وما يرضيه عنه كما كان داود الطائي يقول في ليله: \"همك عطّل عليّ الهموم وخالف بيني وبين السهاد، وشوقى إلى النظر إليك أوثق مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات\".\nمال شغل سواه مالي شغل ... ما يصرف عن قلبي هواه عذل\nما أصنع إن جفان وخاب الأمل ... مني بدل ومنه مالي بدلْ\nكان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليًا بربه فقيل له: أما تستوحش؟\nقال: كيف أستوحش وهو يقول: \"أنا جليس من ذكرني\".\nأوحشتني خلواتي ... بك من كل أنيسي\nوتفردت فعاينـ ... تك بالغيب جليسي (١)\n* الاعتكاف لغة: اللبث والحبس والملازمة.\nقال الشافعي في \"سنن حرملة\": الاعتكاف لزوم المرء شيئًا، وحبس نفسه عليه برًا كان أو إثمًا، قال الله تعالى: (ما هَذِه التَمَاثيلُ الَّتِي أَنتمْ لَهَا عَاكِفُونَ) [الأنبياء: ٥٢] .\nقال تعالى: (فَاَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ) [الأعراف: ١٣٨] .\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\".","vol":"2","page":167},{"text":"وقال تعالى: (وَأَنتُم عَاكِفونَ فِي المسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧] .\nيقال: عكف يعكفُ ويعكف -بضم الكاف وكسرها- لغتان مشهورتان عكفا وعكوفا أقام على الشيء. وعَكفته أعكِفه عكفًا.\nويسمى الاعتكاف جوارًا كما جاء في الحديث قول عائشة: \"وهو مجاور في المسجد\".\nالاعتكاف شرعًا: \"المقام في المسجد على سبيل القربة من شخص مخصوص بصفة مخصوصة\".\nأو: \"ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في مكان مخصوص\".\nأدلة مشروعيته:\n١- القرآن: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) .\n٢- السنة: كقول عائشة -﵂-: \"كان رسول الله - ﷺ - يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ﷿ ثم اعتكف أزواجه من بعده\" (١) .\n٣- الإجماع: نقله ابن المنذر في \"الإجماع\" (ص ٤٧) وأقره ابن قدامة في \"المغني\" (٣/١٨٣) .\nحكمه:\n\"الاعتكاف سنة بالإجماع ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع. ويستحب ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من شهر رمضان طلبا لليله القدر\" (٢) .\nقال الشافعي: من أراد الاقتداء بالنبي - ﷺ - في اعتكافه العشر الأواخر من رمضان فينبغي أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس ليلة الحادي والعشرين منه لكيلا يفوته شيء منه، ويخرج بعد غروب الشمس ليلة العيد، سواء تم الشهر\n_________\n(١)\nرواه البخاري ومسلم.\n(٢) \"المجموع\" (٦/٥٠١) .","vol":"2","page":168},{"text":"أو نقص. والأفضل أن يمكث ليلة العيد في المسجد حتى يخرج منه إلى المصلى لصلاة العيد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>أركان الاعتكاف أربعة:</span>\n١- اللبث في المسجد.\n٢- النية: قال ابن رشد: \"أما النية فلا أعلم فيها خلافا\".\n٣- المعتكف.\n٤- المعتكف فيه (١) .\nالمعتكف: شروط المعتكف ثلاثة:\n(١) الإسلام.\n(٢) العقل.\n(٣) النقاء عن الحدث الأكبر وهو: الجنابة والحيض والنفاس، فلا يصح اعتكاف من كافر أصلي ولا مرتد، ولا اعتكاف زائل العقل بجنون أو إغماء أو مرض أو سكر، ولا صبي غير مميز لأنه لا نية لهم ويصح اعتكاف الصبي المميز والمرأة المزوجة وغيرها، والعبد والمكاتب، لكن يحرم على المرأة والعبد الاعتكاف بغير إذن الزوج والسيد، فلو خالفا صح مع التحريم (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>[مكان الاعتكاف]</span>\n* قال القرطبي في \"تفسيره\" (٢/٣٣٣): \"أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقول الله تعالى: (في المساجد) .\n* وقال الموفق ابن قدامة في \"المغني\" (٣/١٨٧): \"لا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلًا. لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا، والأصل في ذلك قول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) فخصها بذلك، فلو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيها،\n_________\n(١) \"روضة الطالبين\" (٢/٣٩١) .\n(٢) \"المجموع\" (٦/٥٠١) .","vol":"2","page":169},{"text":"فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا\".\n* ونقل الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" عن محمد بن عمر بن لبابة المالكي جوزه في أي مكان، ولا عبرة بخلافه فإنه محجوج بالإجماع قبله؛ ولذا لم يأبه القرطبي -وهو مالكي مثله- بخلافه.\n* اختلاف أهل العلم في المسجد المعتكف فيه على أقوال ستة:\nالأول: أن الاعتكاف يصح في أي مسجد: ولو كان مهجورًا لا تقام فيه الجماعة-، هذا مذهب الإمام مالك والشافعي وداود (١) .\n* واشترط مالك كون المسجد جامعًا إذا كانت الجمعة تتخلل فترة اعتكافه.\n* واستحب الشافعي في هذه الحال أن يكون اعتكافه في مسجد جامع، ولو اعتكف في غيره لزمه الخروج إليها عنده، وهل يبطل اعتكافه؟ فيه قولان.\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٥١٣): \"وبطلان اعتكافه هو المشهور من نصوص الشافعي\" أ. هـ.\nالثاني: أنه لا يصح إلا في مسجد جامع:\nوهو قول الزهري والحكم وحمّاد، وأول قوليْ عطاء، ورواية عن مالك.\nالثالث: أنه لا يصحّ إلا في مسجد جماعة: وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول الحسن وعروة، ورواية عن الزهري.\nواحتج له بحديث حذيفة مرفوعًا: \"كل مسجد له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح\" (٢) . وهذا القول هو أعدل الأقوال وأقومها لا سيما عند\n_________\n(١) لكن يلزم عنده الخروج لكل صلاة إلى المسجد الذي تقام فيه الجماعة لقوله بوجوبها.\n(٢) ضعيف: رواه سعيد بن منصور والدارقطني، وقال الدارقطني: الضحاك لم يسمع من حذيفة. وقال ابن حزم: جويبر هالك، والضحّاك ضعيف، ولم يدرك حذيفة وقال النووي في \"المجموع\" (٦/٤٨٣): وجويبر ضعيف باتفاق أهل الحديث، فهذا الحديث مرسل ضعيف لا يحتج به.","vol":"2","page":170},{"text":"من تحقّق لديه وجوب صلاة الجماعة على الأعيان.\nقال ابن قدامة في \"المغني\" (٣/١٨٧): \"إنما اشترط. ذلك لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك كثيرًا مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف\".\n\"ويلزمه الخروج إلى الجمعة ولا يبطل اعتكافه لأنه خروج بعذر مشروع، ولا يتكرر إلا مرة في الأسبوع\" (١) .\n* قال ابن قدامة (٣/١٩٢): \"وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، ويلزمه السعي إليها فله الخروج إليها ولا يبطل اعتكافه. وبهذا قال أبو حنيفة \". وإلى عدم بطلان اعتكافه بالخروج إليها ذهب: سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وأحمد وعبد الملك من أصحاب مالك وابن المنذر وداود، نقل ذلك عنهم: النووي في \"المجموع\" (٦/٥١٤) .\nوقال الكاساني في \"بدائع الصنائع\" (٢/١١٤): \"وكذلك في الخروج في الجمعة ضرورة لأنها فرض عين، ولا يمكن إقامتها في كل مسجد فيحتاج إلى الخروج إليها كما يحتاج إلى الخروج لحاجة الإنسان فلم يكن الخروج إليها مبطلًا لاعتكافه\".\nالرابع: أنه لا يصح إلا في المسجد الحرام والمسجد النبوي: \"وهو آخر قولى عطاء، فقد روى عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤/٣٤٩) عنه أنه قال: لا جوار إلا في مسجد جامع، ثم قال: لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة.\n_________\n(١) \"المغني\" (٣/١٨٩) .","vol":"2","page":171},{"text":"الخامس: أنه لا يصح إلا في المسجد النبوي فقط:\nوهو قول سعيد بن المسيب، فأخرج عبد الرزاق (٤/٣٤٦): عن ابن المسيب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد النبي - ﷺ -.\nونسبه أيضًا ابن المنذر إليه، وعلق عليه النووي في \"المجموع\" (٦/٤٨٣) بقوله: \"ما أظن أن هذا يصح عنه\" أ. هـ.\nونسبه إليه ابن حزم في \"المحلى\" (٥/١٩٤) وقال: \"إن لم يكن قول سعيد فهو قول قتادة\".\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/٢٧٢): \"وخصه ابن المسيب بمسجد المدينة\".\nلكن روى ابن أبي شيبة عنه أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي.\nبالتنكير. فيشمل المساجد الثلاثة، وكذا نقل عنه ابن حزم في \"المحلى\" (٥/١٩٥) .\nوابن قدامة (٣/١٨٨) وولي الدين العراقي في \"طرح التثريب\" (٤/١٧١) وقال: \"وهو بمعنى الذي قبله -يعني قول حذيفة الآتي- ولهذا جعلهما ابن عبد البر قولا واحد\" أ. هـ.\nالسادس: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة:\nوهو قول حذيفة وقد تفرد به.\n\"عن أبي وائل، قال، قال حذيفة لعبد الله -يعني ابن مسعود-: عكوفٌ بين دارك ودار أبي موسى لا يَضُر!؟ وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة\"!\nفقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطات وأصابوا!! (١) .\n_________\n(١) رواه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" والذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/٨١) .\nوشيخ الطحاوي قال عنه الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٥٧٥): \"صاحب مناكير\" وأخرجه البيهقي (٤/٣١٦) والطبراني في \"الكبير\" (٩/٣٤٩)، وعبد الرزاق الصنعاني (٤/٣٤٧)، وابن أبي شيبة (٣/٩١) والإسماعيلي وصححه الالباني في \"قيام رمضان\" الطبعة الثانية (ص ٣٦) .","vol":"2","page":172},{"text":"قال الحافظ الذهبي بعد روايته للحديث \"صحيح غريب عال\".\nوقد عمل بعض السلف بهذا الحديث فقد روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣/٩١) وابن حزم (٥/١٩٤) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي.\n* وممن يذهب إلى هذا القول في عصرنا: محدث ديار الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -حفظه الله-.\nقال في رسالته \"قيام رمضان\" (ص ٣٦): \"وقد وقفت على حديث صحيح صريح يخصص (المساجد) المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى وهو قوله ﵌: \"لا اعتكاف إلا في الساجد الثلاثة\".\nوقد قال به من السلف فيما اطلعت عليه حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب وعطاء إلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى.\nوقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقا، وخالف آخرون. فقالوا: ولو في مسجد بيته.\nولا يخفى أن الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه؛ والله ﷾ أعلم.\nالسابع: لا اعتكاف إلا في مسجد مصر جامع.\nالثامن: لا اعتكاف إلا في مسجد مكة أو مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس (١) .\n_________\n(١) انظر: رسالة \"دفع الاعتساف عن محل الاعتكاف\" لجاسم الفهيد الدوسري ضمن كتاب \"زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء\" وهي رسالة قيمة نقلنا معظمها ولخصناها، وانظر: رسالة الانصاف في أحكام الاعتكاف \"لعلي حسن عبد الحميد الحلبي طبع الكتبة الإسلامية بالاردن، ورسالة إيضاح الدلالة في تخريج وتحقيق حديث لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة \"تأليف محمد بن عبد الوهاب الوصابي العبدلي الناشر مكتبة الضياء\" وانظر: \"المحلى\" لابن حزم (٥/مسألة رقم ٦٣٣) .","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>الرد على فضيلة الشيخ الألباني</span>\nمولانا وسيدنا محدث ديار الشام فضيلة الشيخ الالباني لا ينكر علمه إلاَّ جاحد أو من يريد أن يستر الشمس بكف طفل صغير.\nياناطح الجبل العالي لِتُكْلمه ... أشفق على الرأس لاتشفق على الجبل\nوهو مجدد عصرنا في الحديث النبوي كما يقول العلامة ابن باز، وهو \"من خيرة أهل الحديث وقلّ رجل يكون مثله في الحديث في هذا الزمان\".\nكما يقول الشيخ ابن عثيمين. والشيخ في هذه المسألة مجتهد معذور وله أجر على اجتهاده، ومن الأمانة بعد هذا أن ننشر رد من أجادوا الرد ووافقوا مذهب الجمهور وعامة أهل الفقه في سائر الأمصار على اختلاف العصور.\nوقد رد الشيخ جاسم الفهيد الدوسري في رسالته \"دفع الاعتساف عن محل الاعتكاف\" فيقول -حفظه الله-:\n\"الجواب عن هذا الخبر من وجوه ستة:\nالأول: أنه اختلف في رفعه ووقفه والصواب وقفه: فقد رواه ثلاثة من الحفاظ عن ابن عيينة به موقوفًا من كلام حذيفة، وهم:\nا- عبد الرزاق الصنعاني في \"مصنفه\" ومن طريق الطبراني في \"الكبير\".\n٢- سعيد بن عبد الرحمن بن حسان المخزومي.\n٣- محمد بن أبي عمر العدني.\nومما يؤيد الوقف: ما أخرجه عبد الرزاق ومن طريق الطبراني، وابن أبي شيبة من طريق الثوري ... قال: جاء حذيفة فذكره موقوفًا.\nقال الهيثمي في \"المجمع\": وإبراهيم النخعي لم يدرك حذيفة. ولكن نقل الأعمش عن إبراهيم أنه قال: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله \"تهذيب\" (١/١٧٧-١٧٨) .\nوقال الحافظ العلائي في \"التحصيل\": \"وجماعة من الائمة صححوا","vol":"2","page":174},{"text":"مراسيلة، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود\" وهذا منها، هذا من جهة الصناعة الحديثية.\n* وأما من جهة النظر فإن ابن مسعود لم يقبل رواية حذيفة. بل ردها، ولو ثبت رفع الحديث لما تجاسر على ذلك، وهو من أئمة الصحابة وفقهائهم، وقد أفتى بخلاف ذلك.\nفقد أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة والطبراني بسند صحيح عن شداد ابن الأزمع قال: \"اعتكف رجل في المسجد في خيمة له فحصبه الناس، قال: فأرسلني الرجل إلى ابن مسعود، فجاء عبد الله وطرد الناس، وحسن ذلك\" أ. هـ فعُلِم أن حذيفة إنما قال ذلك اجتهادًا منه، ولم يكن ابن مسعود ملزمًا باجتهاده.\nالثاني: مما يضعف الاستدلال بهذا الخبر قول ابن مسعود -﵁- (لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت فأصابوا):وهذا تصريح منه بخطأ حذيفة ونسيانه في رواية الحديث وصواب عمل الآخرين بخلاف، فلعل حذيفة اشتبه عليه حديث \"لا تشد الرحال ... \" فإنه قريب منه، لا سيما أن الخطابي قد ذكر في \"معالم السنن\" (٢/٢٢٢): أن بعض أهل العلم استنبط من حديث النهي عن شد الرحال أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة.\n* وقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\": \"قال عبد الله: (فعلّهم أصابوا وأخطأت)؛ فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي - ﷺ - وعلى ان عبد الله يخالفه ويجوّز الاعتكاف في كل مسجد، ولو كان ثم حديث عن النبي - ﷺ - ما خالفه\".\nالثالث: أن في متن الحديث اختلافًا وشكًا: قد رواه سعيد بن منصور في \"سننه\"، ومنتقى الأخبار للمجد عن شقيق قال: قال حذيفة لعبد الله بن\nمسعود: قد علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة\" أو قال: \"مسجد جماعة\".\nورواه الطبراني بسند صحيح عن النخعي وفيه: قال حذيفة: \"أما أنا فقد","vol":"2","page":175},{"text":"علمت أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة\"، وأعله الهيثمي في \"المجمع\" والحافظ بالانقطاع فهذا الاختلاف مما يوهن الاستدلال بالحديث لأنه جمع حكمين مختلفين في مسألة واحدة، وقد استدل به أيضًا أصحاب القول الثالث.\n* قال ابن حزم (٥/١٩٥-١٩٦): \"قلنا: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله - ﷺ - بشك، ولو أنه ﵊- قال: \"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة\" لحفظه الله تعالى.\n* وقال الشوكاني في \"النيل\" (٤/٣٦٠): \"وأيضًا الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج بأحد شقيه\" أ. هـ.\nالرابع: أنه منسوخ، قال أبو جعفر الطحاوي في \"مشكل الآثار\"\n(٤/٢٠): \"فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه إخبار حذيفة لابن مسعود أنه قد علم ما ذكره له عن النبي - ﷺ - وتَرْك ابن مسعود إنكار ذلك وجوابه إياه بما أجابه في ذلك من قوله لهم: \"حفظو\" أي قد نسخ ما قد ذكرته من ذلك، وأصابوا فيما قد فعلوا. وكان ظاهر القرآن على ذلك وهو قول الله ﷿ (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) . فعمّ المساجد كلها بذلك، وكان المسلمون عليه في مساجد بلدانهم\" أ. هـ.\nالخامس: أن الحديث -إنْ صح- ومحمول على بيان الأفضلية: ذكره الكاساني في \"البدائع\" (٢/١١٣) وقال: \"فأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم في المسجد الأقصى، ثم في المساجد العظام التي كثر أهلها\" أ. هـ.\nالسادس: أنه لو ثبت رفع الحديث لما أجمعت الأمة على ترك العمل به: فلم ينقل عن أحد من الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين: أنه أخذ بظاهر هذا الحديث سوى رواية حذيفة -﵁- فإن قيل: قد أخذ به سعيد ابن المسيب وعطاء؟\nفالجواب: أن النقل عن سعيد قد اختلف كما تقدم في القول الخامس،","vol":"2","page":176},{"text":"وأما عطاء فقد استثنى المسجد الأقصى من ذلك، ولو كان قد أخذ بالحديث لما استثناه منه لأنه مذكور فيه، فعلم أن فتواه إنما هي اجتهاد منه، فقد روى عبد الرزاق (٤/٣٤٩) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فمسجد إيلياء؟ -يعني الأقصى- قال: لا يجاور إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة- فعلم تفرد حذيفة بذلك.\n* والقول الحقيق بالقبول هو أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد جماعة، وإن كان الاعتكاف تتخلله صلاة الجمعة فالأولى: أن يكون في مسجد جامع خروجًا من خلاف الإمامين: مالك والشافعي. والله أعلم\" (١) .\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٥٠٧-٥٠٨): \"إن الاعتكاف إنما يكون في المساجد، وإذا ثبت جوازه في المساجد صحّ في كل مسجد (٢)، ولا يقبل تخصيص من خصه ببعضها إلا بدليل، ولم يصح في التخصيص شيء صريح\".\nوقال جصَّاص في \"أحكام القران\" (١/٢٤٣): \"وظاهر قوله: (وأنتم عاكفون في المساجد) يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ، ومن اقتصر به على بعضها. فعليه بإقامة الدلالة، وتخصيص بمساجد الجماعات لا دلالة عليه. كما أن تخصيص من خصه بمساجد الأنبياء لا لم يكن عليه دليل سقط باعتباره\" وقال: \"فغير جائز لنا تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على تخصيصها\".\n* وكذا قال الإمام ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (٢/٤٢٧-٤٢٨) .\nفرع: قال ابن قدامة في \"المغني\" (٣/١٨٩) .\n\"وإن كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة قليلة أو بعض يوم جاز في كل\n_________\n(١) انتهى تلخيص رسالة \"دفع الاعتساف عن محل الاعتكاف\" المنشورة ضمن كتاب \"زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء\" للشيخ جاسم الفهيد الدوسرى نشر دار البشائر الإسلامية ببيروت.\n(٢) وهو قول الجمهور كما قال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٣١٩) .","vol":"2","page":177},{"text":"مسجد لعدم المانع\". وكذا المعذور بترك الجماعة كامرأة مريض.\n(فرع): الجمهور على أن المرأة تعتكف في المسجد؛ وبه قال: الشافعي ومالك وأحمد وأبو داود. وجوز أبو حنيفة والثوري اعتكافها في مسجد بيتها.\n(فرع): قال النووي في \"روضة الطالبين\" (٢/٣٩٨-٣٩٩): \"إذا نذر الاعتكاف في مسجد بعينه، فإن عيّن المسجد الحرام تعين، وكذا مسجد الرسول - ﷺ - أو مسجد الأقصى، وإن عين غير هذه الثلاثة لم يتعين على الأصح. وإذا حكمنا بالتعيين، فإن عين المسجد الحرام لم يقم غيره مقامه، وإن عيّن مسجد المدينة، لم يقم مقامه إلا المسجد الحرام، وإن عيّن الأقصى لم يقم مقامه إلا المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وإذا حكمنا بعدم التعيين فليس له الخروج بعد الشروع لينتقل إلى مسجد آخر، لكن لو كان ينتقل في خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر على مثل تلك المسافة جاز على الأصح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>[وقت الاعتكاف]</span>\nيصح في أي وقت من أيام السنة، فقد ثبت أن النبى - ﷺ - اعتكف في العشر الأوائل من شوال، وفي رواية في العشر الأواخرْ\" (١) . لكنه يتأكد في رمضان لمواظبة النبي - ﷺ - فيه، فقد اعتكف رسول الله - ﷺ - فى العشر الوسط من رمضان.\nوفي رواية \"أنه كان يعتكف في كل رمضان\". وأفضله العشر الأواخر لان النبي - ﷺ - اعتكفها حتى توفاه الله ﷿ كما تقدم: عن عائشة﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - ِ يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه. قال: فاستأذنته عائشة أن تعتكف، فأذن لها فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - من الغداة أبصر أربع قباب. فقال: \"ما هذا؟ \" فأخُبرَ خبرهن. فقال: \"ما حملهن على هذا؟ آلبر؟ انزعوها فلا أراها\"؛ فنزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر\n_________\n(١) قطعة من حديث عائشة المتفق عليه.","vol":"2","page":178},{"text":"العشرين من شوال\" رواه البخاري.\n* \"وعن أبي هريرة -﵁- قال: \"كان النبي - ﷺ - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا\".\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٥١٦): \"مذهب العلماء فيمن نذر اعتكاف العشر الأواخر من رمضان أو غيره: متى يدخل في اعتكافه؟\nمذهبنا اْنه يلزمه أن يدخل فيه ليلة الحادي والعشرين ويخرج عن نذره بانقضاء الشهر تم أو نقص، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.\nوقال الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور: يجزئه الدخول في طلوع الفجر يوم الحادي والعشرين ولا يلزمه ليلة الحادي والعشرين، دليلنا أن العشر اسم لليالي والأيام والله أعلم.\n* وقال آخرون: \"السنة في مبتدأ الاعتكاف أن تكون بعد صلاة الفجر،\nفقد روت السيدة عائشة -﵂- أن رسول الله: \"كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه\".\nولفظ: \"كان يقتضي الدوام عند أهل العلم\".\nقال ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (١/٤٣٠): \"والسبب في اختلافهم معارضة الأ-يسة بعضها بعضًا، ومعارضة الأثر لجميعها (١)، وذلك أنه من رأى أن أول الشهر ليلة واعتبر الليالي قال: يدخل قبل مغيب الشمس، ومن لم يعتبر الليالي قال يدخل قبل الفجر\".\nالحق أن اسم اليوم في كلام العرب قد يقال على النهار مفردًا، وقد يقال على الليل والنهار معًا، لكن يشبه أن تكون دلالته الأولى إنما هي على النهار، ودلالته على الليل بطريق اللزوم.\nوأما الأثر المخالف لهذه الأقيسة كلها فهو ما خرّجه البخاري وغيره من\n_________\n(١) قطعة من حديث متفق عليه.","vol":"2","page":179},{"text":"أهل الصحيح عن عائشة قالت ... \" (١) .\n* وبوب البخاري في \"صحيحه\" \"باب من خرج من اعتكافه بعد الصبح\"، ثم أورد فيه حديث أبي سعيد الخدري وفيه: \"اعتكفنا مع رسول الله - ﷺ - في العشر الأوسط، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا ... \".\nفبهذا الحديث يترجح أن بداية الاعتكاف تكون بعد الفجر، ونهايته كذلك، حتى ينقض للمعتكف في معتكفه يوم وليلة بتمامها\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>العمل الذي يخص الاعتكاف</span>\n* اختلفوا في الأعمال التي تخص الاعتكاف.\n* فروى عن عائشة ورواية عن علي أنها: الصلاة وذكر الله وتلاوة القرآن.\nوهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والمشهور عن أحمد والأوزاعي وابن القاسم.\n* \"وروى عن علي -﵁- وعن سعيد بن جبير والحسن والنخعي ورواية عن أحمد وابن وهب: أنها جميع ما يتقرب به إلى الله تعالى وهؤلاء أجازوا عيادة المريض وحضور الجنازة. وسبب الخلاف: أنه ثبت عن عائشة: \"أن رسول الله - ﷺ - كان لا يدخل البيت إلا لحاجة\" رواه البخاري ومسلم وزاد: \"إلا لحاجة الإنسان وفسرها الزهري بالبول والغائط، فمن فهم من فعله ذلك التشريع للأمة قال: لا يعمل إلا الأعمال الخاصة بالمساجد، واستدلوا أيضًا بما روى عن عائشة -﵂- أنها قالت:\" السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه\".\n_________\n(١) حديث عائشة السابق.","vol":"2","page":180},{"text":"ولذلك اختلفوا في قراءة الحديث والفقه: فاستحبه الشافعي وأبو حنيفة، ولم يستحبه مالك وأحمد.\nومن فهم الاعتكاف على أنه: \"حبس النفس على الطاعات\" أجاز له جميع القرب ولو كانت خارجة عن المعتكف.\n* قال إسحاق: لا يعود المريض في الاعتكاف الواجب، وله أن يشترط عند ابتدائه في التطوع في عيادة المريض ومثله قال الشافعي في جواز الاشتراط.\nولأحمد قولان في جوازه وعدمه. ومنعه مالك والأوزاعي وهو اختيار ابن المنذر كما ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه: لا يخرج إلا لما لا بد منه المجمع عليه مثل قضاء الحاجة وهو الراجح عندي.\nِ* قال ابن حجر: \"لو خرج فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما -أي الأكل والشرب- القيء والفصد لمن احتاج إليه.\n* وعن علي والنخعي والحسن البصري إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضًا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه\" (١) .\n* من الحاجات الضرورية التي تدعو المعتكف لخروجه من معتكفه الطعام والشراب إذا لم يكن هناك من يأتيه به. والاغتسال إذا لم يكن للمسجد مكان يمكنه أن يغتسل فيه. وصلاته على الجنازة وتغسيله الميت إذا تعين عليه ذلك كأن لم يوجد من يصلي عليها، أو يغسله. وكان بعض أزواجه يزرنه وهو معتكف، فإذا قامت من عنده قام فودعها، ولم يكن يباشر امرأة من نسائه بقبلة ولا غيرها.\nقال ابن حزم في \"مراتب الإجماع\" (ص ٤٨): \"واتفقوا على أن من خرج من معتكفه لغير حاجة ولا ضرورة ولا بر أمر به، أو ندب إليه فإن اعتكافه قد بطل\".\n\"وقد استنبط بعض أئمة العلم مما ثبت عن السيدة عائشة -رضي الله\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/٣٢١) .","vol":"2","page":181},{"text":"عنها-: أنها كانت ترّجل رسول الله وهو معتكف يناولها رأسه وهي في حجرتها والنبي في المسجد \"أن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد إلا لغائط أو بول\".\nووجهه أنه لو جاز له الخروج لغير ذلك لما احتاج إلي إخراج رأسه من المسجد خاصة، ولكان يخرج بجملته ليفعل حاجته من تسريح رأسه في بيته، وقد أكدت ذلك بقولها في بقية الحديث: \"وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان\" وقد يقال: هذا فعل لا يدل على الوجوب.\nوجوابه: أنه بيّن به الاعتكاف المذكور في القرآن، وذلك يدل على أن هذه طريقة الاعتكاف وهيئته المعروفة. والله أعلم\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>الخروج إلى الجمعة</span>\nاختلفوا في خروجه إلى الجمعة:\n* فقال مالك في رواية وأبو حنيفة: يخرج إليها ويبني.\n* ومشهور مذهب مالك: أن من أراد اعتكاف عشرة أيام لزم اعتكافها في الجامع.\nوإن اعتكف في غيره وخرج إلى الجمعة بطل اعتكافه.\n* وقال سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وأحمد وعبد الملك من أصحاب مالك وابن المنذر وداود وأبو حنيفة في رواية عنه: لا يبطل اعتكافه.\n* وللشافعي قولان أشهرهما: أنه يبطل اعتكافه.\nواتفقوا على أنه يخرج وإنما اختلفوا في البطلان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>الصوم في الاعتكاف</span>.\nهل الصوم شرط في الاعتكاف أم لا؟\n* قال النووي في \"الجموع\" (٦/٥١١): \"مذهبنا أنه مستحب وليس\n_________\n(١) \"طرح التثريب\" (٤/١٧٧) لأبي زرعة العراقي.","vol":"2","page":182},{"text":"شرطا لصحة الاعتكاف على الصحيح عندنا، وبهذا قال الحسن البصري وأبو ثور وداود وابن المنذر، وهو أصح الروايتين عن أحمد.\nقال ابن المنذر وهو مروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود.\n* وقال ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير والزهري ومالك والاوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق في رواية عنهما: لا يصح إلا بصوم. قال القاضي عياض: وهو قول الجمهور وهو الأصح والراجح. لقول السيدة عائشة -﵂-: \"السنة فيمن اعتكف أن يصوم\".\nقال ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (٤/٣١٧): \"مذهب المحدثين أن الصحابي إذا قال: السنة كذا، فهو مرفوع.\nوالسنة: السيرة والطريقة، وذلك قدر مشترك بين الواجب والسنة المصطلح عليها. ومثله حديث \"سنّوا بهم سنة أهل الكتاب\"، ولم تكن السنة المصطلح عليها معروفة في ذلك الوقت وذكر سنة الصوم للمعتكف مع ترك المس والخروج دليل على أن المراد الوجوب لا السنة المصطلح عليها\".\n* زد على ذلك ما قاله ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢/٨٧) أنه: \"لم ينقل عن النبى - ﷺ - أنه اعتكف مفطرًا قط. ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله - ﷺ - إلا مع الصوم. فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: \"أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية\".\n* قال الإمام الجصّاص في \"أحكام القرآن\" (١/٢٤٥): \"لما كان الاعتكلاف اسمًا مجملًا لما بينا، كان مفتقرًا إلى البيان، فكل ما فعله النبي - ﷺ - في اعتكافه فهو وارد مورد البيان، فيجب أن يكون على الوجوب، لأن فعله - ﷺ - إذا ورد مورد البيان فهو على الوجوب إلا ما قام دليله، فلما ثبت عن\n_________\n(١) رواه أبو داود والبيهقي وسنده صحيح.","vol":"2","page":183},{"text":"النبي - ﷺ - وجب أن يكون الصوم من شروطه التي لا يصح إلا بها كفعله في الصلاة لأعداد الركعات والقيام والركوع والسجود لما كان هذا كله على وجه البيان كان على الوجوب\".\n* شبهة:\nإن قيل روى البخاري عن ابن عمر أن عمر -﵁- سأل النبي - ﷺ - قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: \"أوف بنذرك\".\nفلو كان الصوم شرطا لما صح اعتكافه الليل لأنه لا صيام فيه؟\nفالجواب من وجوه:\nأ- أن الروايات في الحديث اختلفت.\nففي إحداها: إنه كان عليه اعتكاف يوم في الجاهلية فأمره أن يفي به.\nوفي ثانيهّ: سأل عمر النبي - ﷺ - عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف،\nفأمره النبي - ﷺ - بوفائه.\nوفي ثالثة: اذهب فاعتكف يومًا.\nوفي رابعة: فاعتكف ليلة.\nوالروايتان الأوليان في \"الصحيحين\" والثالث في \"صحيح مسلم\" والرابعة في \"البخارى\" فلا حجة في إيراده على ما ذكر لاختلاف الروايات.\nب- قال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٣٢٢): \"فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته\" فإن: \"الليلة تغلب في لسان العرب على اليوم حكى عنهم أنم قالوا: صمنا خمسًا والخمس يطلق على الليالي، فإنه لو أطلق علي الأيام لقيل خمسة، وأطلقت الليالي وأريدت الأيام\" (١) .\n* قال ابن عبد الهادي في \"التنقيح\": \"ويمكن الجمع في حديث عمر\n_________\n(١) \"إحكام الأحكام\" (٢/٥٦) ابن دقيق العيد.","vol":"2","page":184},{"text":"بين اللفظين بأن يكون المراد اليوم مع الليلة، أو الليلة مع اليوم وحينئذ فلا يكون فيه دليل على صحة الاعتكاف بغير صوم فإن الاعتكاف لم يشرع إلا مع الصيام، وهذا القول هو القوي إن شاء الله وهو أن الصيام شرط في الاعتكاف، فإن الاعتكاف لم يشرع إلا مع الصيام، وغالب اعتكاف النبي ﵊ وأصحابه إنما كان في رمضان\" (١) .\nجـ- روى الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر: \"أن عمر نذر في الشرك أن يعتكف ويصوم فامره ﵊ بعد إسلامه أن يفي بنذره\"، وقد حسن الدارقطني إسناده.\n* شبهة أخرى:\nتقدم الحديث في اعتكافه - ﷺ - العشر الأوائل من شوال، وهذا يتناول اعتكافه يوم العيد، ويوم العيد نُهى عن صومه.\n* والجواب من وجهين:\n(١) قال ابن عبد الهادي في \"التنقيح\": \"هذا ليس بصريح في دخول يوم الفطر لجواز أن يكون أول العشر الذي اعتكف ثاني يوم الفطر بل هذا هو الظاهر. وقد جاء مصرحًا في حديث \"فلما أفطر اعتكف\" (٢) .\n(٢) أن في إحدى روايتيه عند البخاري كما تقدم أنه صام \"العشر الأواخر فلا حجة في هذه الشبهة البتة\" (٣) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>مذاهب العلماء في أقل الاعتكاف</span>\nأما زمان الاعتكاف فليس لأكثره عندهم حد واجب.\n* أما أقل زمن الاعتكاف.\n_________\n(١، ٢) نقله عند الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/٤٨٩) .\n(٣) \"الإنصاف في أحكام الاعتكاف\" (١٦-١٩) .","vol":"2","page":185},{"text":"* فعند الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء أنه لا حد له، واختلف عند مالك في ذلك، فقيل: ثلاثة أيام وقيل يوم وليلة، وقال ابن القاسم عنه: أقله عشرة أيام، وعند البغدادين من أصحابه: أن العشرة استحباب، وأن أقله يوم وليلة.\n* قال النووي في \"المجموع\" (٦/٥١٥): \"الصحيح المشهور من مذهبنا: أنه يصح كثيره وقليله ولو لحظة وهو مذهب: داود (١) والمشهور عن أحمد ورواية عن أبي حنيفة.\n* وقال مالك وأبو حنيفة في المشهور عنه: أقله يوم بكماله بناء على أصلهما في اشتراط الصوم.\n\"والسبب في اختلافهم معارضة القياس للأثر.\n* أما القياس فإنه من اعتقد أن من شرطه الصوم قال: لا يجوز اعتكافه ليلة، فذا لم يجز اعتكافه ليلة فلا أقل من يوم وليلة، إذ انعقاد صوم النهار إنما يكون بالليل، وأما الأثر المعارض فما خرجه البخاري من حديث عمر ولا معنى للنظر مع الثابت من مذهب الأثر\" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>ما يباح للمعتكف</span>\n١- يجوز له الخروج لقضاء الحاجة وجلب طعامه وشرابه إن لم يجد من يحمله إليه، كما يجوز له الخروج إلى الغسل إن لم يكن بالمسجد مكان له.\n٢- يجوز له تسريح شعره وتمشيطه.\n٣- يجوز له التوضأ ونحوه في المسجد. وقد روى رجل من الصحابة قال: \"حفظت لك أن رسول الله - ﷺ - توضأ في المسجد\" (٣) .\n٤- ويجوز له أن يتخذ خيمة صغيرة أو شبهها مثل خباء في مؤخرة\n_________\n(١) وابن علية.\n(٢) \"بداية المجتهد\" (٢/٢٠٥-٢٠٦) .\n(٣) رواه أحمد بسند صحيح.","vol":"2","page":186},{"text":"المسجد ليعتكف فيها، فقد كانت عائشة -﵂- تضرب للنبي - ﷺ - خباءً إذا اعتكف (١) وكان ذلك بأمره - ﷺ - (٢) .\n* وقد اعتكف - ﷺ - مرة في قبة تركية على سدتها حصير.\nقال ولي الدين العراقي في \"طرح التثريب\" (٤/١٧٥): \"وفيه -أي حديث عائشة- في ترجيل شعر النبي - ﷺ - المتقدم أن الاشتغال بتسريح الشعر لا ينافي الاعتكاف.\nقال الخطابي: وفي معناه حلق الرأس وتقليم الأظافر وتنظيف البدن من الشعث والدرن. ويؤخذ من ذلك جواز فعل سائر الامور المباحة كالأكل والشرب وكلام الدنيا وعمل الصنعة من خياطة وغيرها\".\n٥- ورّخص الجمهور له في البيع والشراء لما لابد منه، إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يشتغل بالتجارة ولا بالحرفة للاكتساب، لأن ذلك ينافي الاعتكاف.\n٦- قال ابنُ حجر في \"الفتح\" (٤/٣٢٩): \"جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من: تشييع زائره والقيام معه والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>الجماع في الاعتكاف</span>\n* أجمع العلماء على أن الاعتكاف يفسد بالجماع عمدًا قال الله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد قال الشوكاني في \"السيل الجرار\" (٢/١٣٦): \"ودل عليه إجماع الأمة\".\n* فإن باشر فيما دون الفرج بشهوة قال مالك: يبطل مطلقًا وهو أصح القولين عند الشافعية.\nوقال أبو حنيفة وأحمد: إن أنزل بطل اعتكافه وإلا فلا.\nوقال عطاء: لا يبطل مطلقًا واختاره ابن المنذر.\n_________\n(١) رواه البخاري.\n(٢) رواه مسلم.","vol":"2","page":187},{"text":"* المرأة المعتكفة كالرجل المعتكف في تحريم الجماع والمباشرة بشهوة وفي إفساده بهما. ويفرق بين العالمة الذاكرة المختارة والناسية والجاهلة والمكرهة.\n* إذا استمنى بيده فإن لم ينزل لم يبطل اعتكافه بلا خلاف وإن أنزل فالأصح البطلان\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>من جامع ناسيا في اعتكافه</span>\nذهب الشافعية وداود إلى: أنه لا يفسد اعتكافه.\nوقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: يفسد.\nوالجميع متفقون على: عدم جواز المباشرة والقبلة للمعتكف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>هل تجب الكفارة على من جامع</span>\n* واختلفوا في وجوب الكفارة عليه، والجمهور على: أنه يقضى اعتكافه الذي أفسده بالجمع ولا شيء عليه.\nوقال الحسن البصري والزهري: عليه مثل كفارة المجامع في رمضان هي مثلها.\nوقال مجاهد: يتصدق بدينارين.\nوسبب الخلاف: هل يجوز القياس في الكفارات أم لا؟\nفمن قاس على كفّارة الجماع في رمضان قال: هي مثلها.\n* وأما مجاهد فلعله قاسها على المجامع امرأته وهي حائض عند من أوجب الكفارة عليه. والله أعلم.\nوالراجح أنه ليس عليه إلا القضاء حتى يثبت دليل من الشارع على الوجوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>هل يجوز للمعتكف أن يتزوج</span>\nقال النووي: \"يجوز أن يتزوج وأن يُزوّج وقد نص عليه الشافعي في المختصر\" (٢) .\n_________\n(١) \"المجموع\" للنووي (٦/٥٥٦) .\n(٢) \"المجموع\" (٦/٥٥٩) .","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>الطيب للمعتكف</span>\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٥٦٤): \"مذهبنا أنه لا كراهية فيه. قال ابن المنذر: وبه قال أكثر العلماء منهم: مالك وأبو حنيفة وأبو ثور.\n* وقال عطاء لا تتطيب المعتكفة قال: فإن خالفت لم يقطع تتابعها قال: وقال معمر: يكره أن يتطيب المعتكف. قال ابن المنذر: لا معنى لكراهية ذلك قال: ولعل عطاء إنما كره طيبها لكونها في المسجد، كما يكره لغير المعتكفة الطيب إذا أرادت الخروج إلى المسجد\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>المعتكفه إذا حاضت</span>\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٥٤٩): \"مذهبنا أنه يلزمها الخروج من المسجد، وإذا خرجت سكنت في بيتها كما كانت قبل الاعتكاف حتى ينقطع حيضها، ثم تعود إلى اعتكافها، وحكاه ابن المنذر عن عمرو بن دينار والزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأبي حنيفه.\n* قال: وقال أبو قلابة: تضرب خبائها على باب المسجد قال النخعي: تضربه في دارها حتى تطهر فتعود إلى الاعتكاف\".\n* قال النووي: \"المستحاضة المعتكفة لا يجوز لها الخروج من المسجد إن كان اعتكافها نذرًا سواء المتتابع وغيره، لأنها كالطاهرة لكنها تتحرز من تلويث المساجد وقد ثبت في \"صحيح البخاري\" عن عائشة﵂- قالت: \"اعتكف مع النبي - ﷺ - امرأة من أزواجه وهي مستحاضة فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي\"، وممن ذكر المسألة صاحب \"الحاوي\" وابن المنذر وأشار إلى أنها مجمع عليها\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>البيع والشراء للمعتكف</span>\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٥٦٤): \"الأصح من مذهبنا كراهيته إلا لما لابد منه. قال ابن المنذر: \"وممن كرهه عطاء ومجاهد والزهري،","vol":"2","page":189},{"text":"البيع والشراء للمعتكف\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٥٦٤): \"الأصح من مذهبنا كراهيته إلا لما لابد منه. قال ابن المنذر: \"وممن كرهه عطاء ومجاهد والزهري،\nورخص فيه أبو حنيفة وقال سفيان الثوري وأحمد: يشتري الخبز إذا لم يكن له من يشتري.\n* وعن مالك رواية كالثوري، ورواية يشتري ويبيع اليسير.\nقال ابن المنذر: وعندي لا يبيع ولا يشتري، إلا ما لابد له منه إذا لم يكن له من يكفيه ذلك.\nقال فأما سائر التجارات فإن فعلها في المسجد كره، وإن خرج لها بطل اعتكافه، وإن خرج لقضاء حاجة الإنسان فباع واشترى في مروره لم يكره والله أعلم.\n* إذا خاط المعتكف ما تدعو الحاجة إليه جاز له ذلك.\n* قال الشافعي: لا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال.\n* إذا تعين عليه أداء شهادة جاز له الخروج لأدائها ولا يبطل اعتكافه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>مسألة</span>\nاختلفوا إذا اشترط التتابع في النذر أو كان التتابع لازمًا عند من يرى ذلك، فما الذي يقطعه؟\nوهي: يبني أو يستأنف؟\nذهب الأئمة الأربعة إلى أنه إذا قطعه المرض يبني، وذهب الثوري إلى أنه يستأنف. والراجح إن شاء الله قول الجمهور لان المرض عذر شرعي. ومثل المريض المغمى عليه والمجنون.\n* قال النووي: لو كثر خروج المعتكف للحاجة لعارض يقتضيه كإسهال ونحوه فوجهان أصحهما لا يضره.","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>مرض المعتكف</span>\nالمرض على أقسام:\nالأول: المرض اليسير الذي لا تشق معه الإقامة في المسجد كصداع وحمى خفيفة ووجع الضرس والعين فلا يجوز بسببه الخروج من المسجد إذا كان الاعتكاف نذرًا متتابعًا، فإنا خرج بطل اعتكافه.\nالثاني: مرض يشق معه الإقامة في المسجد لحاجته إلى الفرش والخدم وتردد الطبيب ونحو ذلك فيباح له الخروج، فإذا خرج ففي انقطاع التتابع طريقان أحدهما وهو ظاهر النص: لا ينقطع.\nالثالث: مرض يخاف معه تلويث المسجد فله الخروج ولا ينقطع التتابع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>إذا أخرجه السلطان</span>\nقال النووي في \"المجموع\" (٦/٥٤٥): \"قال الشافعي في \"المختصر\": فإن مرض أو أخرجه السلطان اعتكافه واجب، فإذا برئ أو خُلي بني، فإن مكث بعد برئه شيئًا من غير عذر ابتدأه هذا نصه\".\n* يجوز للمعتكف أن يصعد منارة المسجد إن كانت مبنية في المسجد أو يكون بابها في المسجد للأذان أو غيره.\nويجوز له الصعود إلى سطح المسجد للأذان وغيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>قضاء الاعتكاف</span>\nالجمهور على: وجوب قضاء الاعتكاف على المتطوع.\nإذا قطعه بلا عذر لما ثبت أن رسول الله - ﷺ - أراد أن يعتكف العشر الأواخر ولم يعتكف واعتكف عشرًا من شوال وأجمعوا على وجوب قضاء النذر والجمهور على: أن من فعل كبيرة فسد اعتكافه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>الأولى للمعتكف أن يبيت في المسجد</span>","vol":"2","page":191},{"text":"حتى يخرج للمصلى\nقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٣/٥٤): \"قال مالك في \"الموطأ\" أنه رأى أهل الفضل إذا اعتكفوا العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا العيد مع الناس\".\n* وذكر ابن أبي شيبة في \"مصنفه\": من كان يحب أن يغدو المعتكف كما هو من مسجده إلى المصلى\".\n* خرج أبو قلابة إلى المصلى.\n* وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر في مسجده حتى يكون غدوه منه.\nوعن أبي مجلز قال: \"بت ليلة الفطر في المسجد الذي اعتكفت فيه حتى يكون غدوك إلى مصلاك منه\" (١) .\n* قال زياد بن السكن: كان زبيد اليامي ومعه جماعة إذا كان يوم النيروز ويوم المهرجان اعتكفوا في مساجدهم، ثم قالوا: إن هؤلاء قد اعتكفوا على كفرهم واعتكفنا على إيماننا فاغفر لنا (٢) .\n* يقول شيخ الإسلام ابن القيم: \"لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفًا على جمعيته على الله ولم شعثه بالإقبال بالكلية على الله تعالى، وإن شعث القلب لا يلُمه إلا الإقبال على الله تعالى.\nشرع الله الاعتكاف الذي مقصوده وروحه: عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والأشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والاقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولى عليه بدلها ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه فيصير أنسه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق فيعده بذلك لأنسه\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبه\" (٢/٥٠٤) طبع دار الفكر.\n(٢) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (رقم ٣٦٨٣) إسناده لا بأس به.","vol":"2","page":192},{"text":"به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه، فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم\" (١) .\n***\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (٢/٨٦-٨٧) .","vol":"2","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>الباب السادس عشر\nوداع رمضان</span>\n\"إذا كنت تبكي وهم جيرة فكيف تكون إذا ودّعوا\"","vol":"2","page":195},{"text":"العشر الأواخر من رمضان\n* في \"الصحيحين\" عن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله\" هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم: \"أحيا الليل وأيقظ أهله وشدّ المئزر\" (١) .\n* وفي رواية لمسلم عنها قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره\".\n* كان النبي - ﷺ - يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر منها:\n(١) إحياء الليل: فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله، ويحتمل أن يريد بإحياء الليل إحياء غالبه.\n(٢) أن النبي - ﷺ - كان يوقظ أهله للصلاة: قال سفيان الثوري: أحبّ إلى إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك.\nوقد صح عن النبي - ﷺ - أنه كان يطرق فاطمة وعليًا ليلًا فيقول لهما: ألا تقومان فتصليان؟! وكان يوقظ عائشة بالليل إذا أقضى تهجده وأراد أن يوتر قال رسول الله - ﷺ -: \"رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء\" (٢) .\nوفي \"الموطا\" أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل من شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: الصلاة، الصلاة\n_________\n(١) قطعة من حديث عائشة المتفق عليه.\n(٢) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي وابن حبان والحاكم وابن خزيمة عن أبي هريرة، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٤٩٤) وفي رواية: \"فإن قاما من ليلتهما هذه كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات\".","vol":"2","page":197},{"text":"ويتلو هذه الآية: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) ... الآية.\n* كانت امرأة حبيب العجمي أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدّامنا ونحن قد بقينا.\nيا نائم الليل كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد\nوخذ من الليل وأوقاته ... وردا إذا ما هجع الرقد\nمن نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل أو يجهد\nقل لذوي الألباب أهل التقى ... قنطرة العرض لكم موعد\n(٣) أن النبي - ﷺ - كان يشد المئزر واختلفوا في تفسيره: فمنهم من قال: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة كما يقال: فلان يشد وسطه ويسعى في كذا، وهذا فيه نظر فإنها قالت: جد وشد المئزر وعطفت شد المئزر على جده، والصحيح أن المراد: اعتزاله للنساء. وبذلك فسره السلفُ والأئمة المتقدمون منهم: سفيان الثوري.\nوقد كان النبي - ﷺ - غالبًا يعتكف العشر الأواخر، والمعتكف ممنوع من قربان النساء بالنص والإجماع.\nوقد قالت طائفة من السلف في تفسير قوله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم) إنه طلب ليلة القدر، والمعنى في ذلك: أن الله تعالى لما أباح مباشرة النساء في ليالي الصيام إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر لئلا يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر بالاستمتاع المباح فيفوتهم طلب ليلة القدر. فأمر ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجد من الليل خصوصًا في الليالي المرجوّ فيها ليلة القدر.\nفمن هنا كان النبي - ﷺ - يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل نساءه ويتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.","vol":"2","page":198},{"text":"(٤) تأخيره للفطور إلى السحور: في \"الصحيحين\" عن أبي هريرة قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال في الصوم\" فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: \"وأيكم مثلي إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني\". ويتأكد تأخير الفطر في الليالي التي ترجى فيها ليلة، القدر.\n(٥) اغتساله بين العشاءين: قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة.\n* ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر فأمر ذر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع وعشرين من رمضان.\nورُوي عن أنس بن مالك -﵁-: أنه إذا كان ليلة أربعين وعشرين اغتسل وتطيب ولبس حلة إزار ورداء، فإذا أْصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قبل.\n* وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين ويلبس ثوبين جديدين ويستجمر. ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة (١) والتي تليها ليلتنا، يعني: البصريين وقال حماد بن سلمة: كان ثابت البناني وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيبان ويطيبون المسجد بالنضوح والدخنة في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. وقال ثابت: كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين، والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد وسائر الصلوات.\nولا يكمل تزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى وتطيره من الذنوب وأوضارها، فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئًا قال الله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس\n_________\n(١) أي أرجى الليالي ليلة القدر عند أهل المدينة.","vol":"2","page":199},{"text":"التقوى ذلك خير) .\nإذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى ... تقلب عريانا وإن كان كاسيًا\nويوصى الشاعر بترك زاد الدنيا بالصوم والحصول على زاد الآخرة وهو التقوى وذلك لقول الله ﷿: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) .\nزاد بزاد ويا شتّان بينهما ... تقوى الإله بصوم الشهر تشريها\nلا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلاَّ من زيّن ظاهره وباطنه وطهرهما خصوصًا لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى وهو لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.\nقالوا غدًا العيد ماذا أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق حبه جرعا\nفقر وصبر هما ثوبان تحتهما ... قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا\nأحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم التزاور بالثوب الذي خلعا\nالدهر لي مأتم إن غبتَ يا أملي ... والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا\n(٦) الاعتكاف: ففي \"الصحيحين\" \"عن عائشة -﵂- أن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله\".\nوإنما كان يعتكف - ﷺ - في هذه العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعًا لإشغاله وتفريغًا للياليه وتخليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم\" (١) .\nفالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقى من الشهر فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر.\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (٢٠٧-٢١٣) .","vol":"2","page":200},{"text":"تولى العمر في سهو ... وفي لهو وفي خسر\nفيا ضيعة ما أنفقت في الأيام من عمري\nومالي في الذي ضيعت من عمري من عذر\nفما أغفلنا عن واجـ ... ـبات الحمد والشكر\nأما قد خصنا الله ... بشهر أيما شهر\nبشهر أنزل الرحمن فيه أشرف الذكر\nوهل يشبهه شهر ... وفيه ليلة القدر\nفكم من خبر صحّ ... بما فيها من الخير\nروينا عن ثقات أنها تطلب في الوتر\nفطوبى لامرئ يطلبها في هذه العشر\nففيها تنزل الأملا ... ك بالأنوار والبر\nوقد قال \"سلام هي حتى مطلع الفجر\"\nألا فادخروها إنها من أنفس الذكر\nفكم من معتق فيها ... من النار ولا يدري (١)\nفي الليالي العشر ينال القوم مطلوبهم بخدمة محبوبهم. \"رياح الأسحار تحمل أنين المذنبين وأنفاس المحبين وقصص التائبين ثم تعود بردّ الجواب بلا كتاب\".\nأعلتمُ أن النسيم إذ أسرى ... حمل الحديث إلى الحبيب كما جرى\nجهل الحبيب بأنني في حبهم ... سهر الدجى عندي ألذ من الكرى\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" (٢٠٧-٢١٣) .","vol":"2","page":201},{"text":"فإذا ورد بريد برد السحر يحمل ملطفات الألطاف لم يفهمها غير من كتبت إليه.\nنسيم صبا نجد متى جئت حاملًا ... تحيتهم فاطو الحديث عن الركبِ\nولا تذع السر المصون فإنني ... أغار على ذكر الأحبة من صحبي\nيا يعقوب الهجر قد هبت ريح يوسف الوصل، فلو استنشقت لعدت بعد العمى بصيرًا، ولوجدت ما كنت لفقده فقيرًا.\nكان لي قلب أعيش به ... ضاع مني في تقلبه\nرب فاردده عليّ فقد ... عيل صبري في تطلبه\nواغث ما دام بي رمق ... يا غياث المستغيث به\nقال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.\nإن كنت لا أصلح للقرب ... فشأنكم عفوٌ عن الذنب\nكان مطرف يقول في دعائه: \"اللَّهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا فاعفَ عنا\".\nمن عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في العفو ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة.\nيا رب عبدك قد أتاك ... وقد أساء وقد هفا\nيكفيه منك حياؤ ... هـ من سوء ما قد أسلفا\nحمل الذنوب على ... الذنوب الموبقات وأسرفا\nوقد استجار بذيل عفوك ... من عقابك ملحفا\nرب اعف عنه ... فلانت أولى من عفا (١)\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\".","vol":"2","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>في وداع رمضان</span>\nإخوتاه:\nإذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل وبقى ما لهم من الأجر وهو المغفرة.\nمن وفّى ما عليه من العمل كاملًا وفّى له الأجر كاملًا، ومن سلم ما عليه موفرا تسلم ماله نقدًا لا مؤخرًا.\nما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ... ولا أسلمها إلا يدًا بيد\nفإن وفيتهم بما قلتم وفيت أنا ... وإن أبيتم يكون الرهن تحت يدي\nومن نقص من العمل الذي عليه، نقص من الأجر بحسب نقصه فلا يلم إلا نفسه.\nقال سلمان: الصلاة مكيال فمن وُفى وفيّ له ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين. فالصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال من وفّاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفف فيها فويل للمطففين، أما يستحيي من يستوفى مكيال شهواته ويطفف في مكيال صيامه وصلاته.\nغدًا توفى النفوس ما كسبت ... ويحصد الزارعون ما زرعوا\nإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن أساؤا فبئس ما صنعوا\nكان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكمال، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده وهؤلاء الذين (يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) .\nكانوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منهم بالعمل، وقد سمعوا قول الله ﷿: (إِنما يتقبل الله من المتقين) .\nعن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إليّ من الدنيا وما فيها لأن الله يقول: (إِنما يتقبل الله من المتقين) .","vol":"2","page":203},{"text":"* وقال مالك بن دينار، الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل.\n* وقال عبد العزيز بن أبي داود: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ أيقبل منهم أم لا؟\n* وخرج عمر بن عبد العزيز -﵀- في يوم عيد الفطر فقال في خطبته: \"أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا وقمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم\".\nكان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له: إنه يوم فرح وسرور فيقول: صدقتم، ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملًا فلا أدري أيقبله مني أم لا، ورأى وهيب بن الورد قومًا يضحكون في يوم عيد فقال: إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين!!\n* وعن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.\nلعلك غضبان وقلبي غافل ... سلام على الدارين إن كنت راضيًا\nفياليت شعري من هذا المقبول فنهنّيه، ومن هذا المحروم فنعزيه.\nماذا فات من فاته خير رمضان، وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان، كم بين من حظه فيه القبول والغفران، ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران.\nمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر؟ من يقبل من رد في ليلة القدر.\nمتى يصلح من لا يصلح في رمضان؟ متى يصلح من كان فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان؟!\nإذا الروض أمسى مجدبًا في ربيعه ... ففي أي حين يستنير ويُخصِبُ\nكل ما لا يثمر من الأشجار في أوان الثمار فإنه يقطع، ثم يوقد في النار.\n* من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسران.","vol":"2","page":204},{"text":"ترحل شهر الصبر والهفاه وانصرما ... واختص بالفوز في الجنات من خدما\nوأصبح الغافل المسكين منكسرًا ... مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما\nمن فاته الزرع في وقت البدار فما ... تراه يحصد إلا الهمّ والندما\n* يا إخوتاه شهر رمضان يفاض على المتقين في أوله خلع الرحمة والرضوان، ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان، وأما أوسط الشهر فالأغلب عليه المغفرة، وأما آخر الشهر فيعتق فيه من النار من أوبقته الأوزار واستوجب النار بالذنوب الكبار، وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيد لجميع الأمة لأنه تعتق فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار، فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار.\n* رُؤى بعض العارفين ليلة عيد يبكي على نفسه وينشد:\nبحرمة غربتي كم ذا الصدود ... ألا تعطف عليّ ألا تجودُ\nسرور العيد قد عمّ النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد\nفإن كنت اقترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أن لا أعود\nفيا أرباب الذنوب العظيمة: الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة، فما منها عوض ولا لها قيمة فمن يعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة، والمنحة الجسيمة.\nيا من أعتقه مولاه من النار: إياك أن تعود بعد أن صرت حرا إلى رق الأوزار، أيبعدك مولاك من النار وتتقرب منها، وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها.\nوإن امرءًا ينجو من النار بعدما ... تزوّد من أعمالها لسعيدُ\nإن كانت الرحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة للمتقين فالظالم غير محجوب عنها.\nإن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المذنب","vol":"2","page":205},{"text":"فيا أيها العاصي وكلنا ذلك لا تقنط من رحمة الله بسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك، فأحسن الظن بمولاك وتب إليه فإنه لا يهلك على الله هالك\nإذا أوجعتك الذنوب فداوها ... برفع يد بالليل والليل مظلمُ\nولا تقنطن من رحمة الله إنما ... قنوطك منها من ذنوبك أعظمُ\nفرحمته للمحسنين كرامة ... ورحمته للمذنببن تكرمُ\nكان بعض السلف إذا صلى استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم ارحموا مَنْ حسناتهُ كلها سيئات وطاعاته كلها غفلات.\nأستغفر الله من صيامي ... طول زماني ومن صلاتي\nيوم يرى كله خروق ... وصلاته أيّما صلاة\nمستيقظ في الدجى ولكن ... أحسن من يقظتي سباتي\nمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود\" (١) .\n\"كان حسان بن أبي سنان يصوم الدهر ويفطر على قرص ويتسحر بآخر، فنحل وسقم جسمه حتى صار كهيئة الخيال، فلما مات وأدخل مغتسلة ليغسل كشف الثوب عنه فذا هو كالخيط الأسود قال: وأصحابه يبكون حوله.\nقال حُريث: فحدثني يحيى البكاء وإبراهيم بن محمد العُرنيّ قالا: لما نظرنا إلى حسان على مغتسله وما قد أبلاه الدءوب استدمع أهل البيت وعلت أصواتهم فسمعنا قائلًا يقول من ناحية البيت:\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\".","vol":"2","page":206},{"text":"تجوع للإله لكي يراه ... نحيل الجسم من طول الصيام\nفوالله ما رأينا في البيت إلا باكيًا ونظرنا فلم نجد أحدًا.\nقال حريث بن طرفة: فكانوا يرون أن بعض الجن قد بكاه\" (١) .\n* أين من كان إذا صام صان الصيام، وإذا قام استقام في القيام، أحسنوا الإسلام ثم رحلوا بسلام، فما بقى إلا من إذا صام افتخر بصيامه وصال، وإذا قام عجب بقيامه وقال: كم بين خليّ وشجيّ، وواجد وفاقد، وكاتم ومبدي.\n\"عباد الله إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومنْ فَرط فليختمه بالحسنى والعمل بالختام، فاستغنموا منه ما بقى من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملًا صالحًا يشهد لكم به عند الملك العلاّم، وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام.\nسلام من الرحمن كل أوان ... على خير شهر قد مضى وزمانِ\nسلام على شهر الصيام فإنه ... أمان من الرحمن كل أمان\nلئن فنيت أيامك الغر بغتة ... فما الحزن من قلبي عليك بفان\" (٢)\n\"شهر رمضان، وأين هو شهر رمضان؟ ألم يكن منذ لحظات بين أيدينا، ألم يكن ملء أسماعنا وملء أبصارنا؟ ألم يكن هو حديث منابرنا، زينة منائرنا، وبضاعة أسواقنا، ومادة موائدنا، وسمر أنديتنا، وحياة مساجدنا فأين هو الآن!! \" (٣) .\n* أي شهر رمضان، أي سلطان الشهور وجامع البشر والسرور جمع\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\".\n(٢) \"التبصرة\" لابن الجوزي (١/١٩٩) .\n(٣) \"وداع رمضان\" لمحمد عبد الله دراز.","vol":"2","page":207},{"text":"البستان للزهور، أي شهر رمضان باث الأنس والحبور بث البدور للنور.\n* أي شهرنا الكريم، وموسم خيرنا الوسيم، أي شهر المكرمات والكرامات، انجابت فيك الظلمات والظلامات، وتضاعفت فيك الحسنات، وفتحت أبواب السموات، لو لم يكن لك من الفضل إلا ليلة القدر، وتردد الملائكة حتى مطلع الفجر لكان كفاية في تفضيلك ونهاية في تبجيلك.\n* أي شهر الأرواح، تهتز فيك وترتاح، وتطير بغير جناح.\n* أي شهر النعيم ووددنا أن لو كان شهرك حجة (١) ويا ليتك فينا ما تزال مقيمًا.\n* أي شهرنا الذي هيم نفوسنا، أي شهرنا المعظم قدره، المشرف ذكره.\n\"لقد ذهبت أيامه وما أطعتم، وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم، وكأنكم بالمشمرين فيه وقد وصلوا وانقطعتم، أترى ما هذا التوبيخ لكم أو ما سمعتم\".\nما ضاع من أيامنا هل يغرمُ ... هيهات والأزمان كيف تقوّمُ\nيوم بأرواح تباع وتشترى ... وأخوه ليس يسام فيه درهم\nقلوب المتقين إلى هذا الشهر تحنُّ ومن ألم فراقه تئن.\nدهاك الفراق فما تصنعُ ... أتصبر للبين أم تجزع\nإذا كنت تبكي وهم جيرة ... فكيف تكون إذا ودّعوا\n* كيف لا تجرى للمؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل بقى له في عمره إليه رجوع.\nتذكرت أيامًا مضت ولياليا ... خلتْ فجرتْ من ذرهنّ دموعُ\nألا هل لها يومًا من الدهر عودة ... وهل لي إلى يوم الوصال رجوعُ\nوهل بعد إعراض الحبيب تواصل ... وهل لبدور قد أفلن طلوعُ\n_________\n(١) سنة.","vol":"2","page":208},{"text":"* أين حرق المجتهدين في نهاره، أين قلق المتهجدين في أسحاره، كيف حال من خسر في أيامه ولياليه، ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه، وقد عظمت فيه مصيبتُ وجَل عزاؤه. كم نصح المسكين فما قبل النصح، كما دُعي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح، كم يشاهد الواصلين فيه وهو متباعد، كم مرت به زمر السائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاق به الوقت، وخاف المقت، ندم على التفريط حين لا ينفع الندم، وطلب الاستدراك في وقت العدم.\nأتترك من تحب وأنت جار ... وتطلبهم وقدْ بعد المزار\nوتبكي بعد نأيهم اشتياقا ... وتسأل في المنازل أين ساروا\nتركت سؤالهم وهم حضور ... وترجو أن تخبرك الديارُ\nفنفسك لُمْ ولا تلم المطايا ... ومتْ كمدا فليس لك اعتذارُ\n* يا شهر رمضان تَدَققْ، دموع المحيين تَدفَّق، قلوبهم من ألم الفراق تَشَقَّقْ. عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام ما تخرّق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يُعتق.\nعسى وعسى من قبل وقت التفرقِ ... إلى كلّ ما يرجو من الخير تلتقي\nفيجبر مكسور ويقبل تائب ... ويعتق خطّاء ويسعد من شقى (١)\n***\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\" لابن رجب.","vol":"2","page":209},{"text":"مواعظ\nموعظة ...\nأخي: من صام عن الطعام والشراب فصومه عادة.\nومن صام عن الربا والحرام وأفطر على الحلال من الطعام فصومه عدة وعبادة.\nومن صام عن الذنوب والعصيان وأفطر على طاعة الرحمن فإنه صائم رضي.\nومن صام عن القبائح وأفطر على التوبة لعلام الغيوب فهو صائم تقى.\nومن صام عن الغيبة والبهتان وأفطر على تلاوة القرآن فهو صائم رشيد.\nومن صام عن المنكر والأغيار وأفطر على الفكرة والاعتبار فهو صائم سعيد.\nومن صام عن الرياء والانتقاص وأفطر على التواضع والإخلاص فهو سالم.\nومن صام عن خلاف النفس والهوى وأفطر على الشكر والرضا فهو صائم غانم.\nومن صام عن قبيح أفعاله وأفطر على تقصير آماله فهو صائم مشاهد.\nومن صام عن طول أمله وأفطر على تقريب أجله فهو صائمٌ زاهد.\nقال ابن القيم: الصوم لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين وهو لرب العالمين.\n***","vol":"2","page":210},{"text":"يا قادمًا بالتقى في عينك الحبّ ... طال اشتياقي فكم يهفو لكم قلبُ\nصبرت عامًا أمني قرب عودتكم ... نفسي فهل يدنو لكم سرب\nقل هل طيفكمو فاخضر عامرنُا ... والله أكرمنا إذ جاءنا الخصبُ\nففيكموا يرتقي الأبرار منزلةً ... والخاملون كسالى زرعهم جدب (١)\nيقول الشاعر:\nللعناق الألاّق قم اطلق ... الروح ... تُلقَّاهُ بكرة وعشيا\nبانجذاب الأشواق رُح باشر ... الإقبال تَحسُو الأنوارَ.. طلقًا ظميا\nوتزود بخير زاد -هي التقوى- ... اتخذ بُرْدَها المباركَ زيًا\nعبْرَ روضاته الفسيحات فاسبح ... تقطف الهدى منه شهدًا جنيا\nعند أعتاب بابه فتمسح ... تبلغ الروح منك سقف الثريا\nواعمل الصالحات فيه فإن الأجر ... يربُو.. فاغنمه ربحا رضيا\nوانصب الوجه للعلي تعالى ... (إنه كان وعده مأتيا)\nوعلى عشرة الأواخر فانكبَّ دءوبًا ... وانهض بهن حفيا\nشمر الساعدين.. أسرج قوى الإيمان ... تطوى بها السويعات طيا (٢)\nقال - ﷺ -: \"خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم يحبون السَّمانة، يشهدون قبل أن يُستشهدوا\" (٣) .\n_________\n(١) المجلة الحربية رمضان (١٤١٤هـ) .\n(٢) المجلة الحربية رمضان (١٤١١هـ) - للشاعر فريد قرني.\n(٣) رواه مسلم عن أبي هريرة.","vol":"2","page":211},{"text":"عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: كنا نغازي ومعنا عطاء الخرساني وكان يحيي الليل صلاة فإذا كان في جوف الليل نادى من فسطاطه يا يزيد ين جابر يا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر يا هشام بن الغاز قوموا فتوضئوا فصلوا، قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أهون من مقطعات الحديد ولباس القطران الوحاء ثم الوحاء ثم الوحاء، النجاء ثم النجاء ثم يقبل على صلاته\" (١) .\nعن الهيثم بن جماذ قال: دخلت على يزيد الرقاشي وهو يبكي في يوم حار وقد عطش نفسه أربعين سنة فقال لي: أدخل تعالى نبكي على الماء البارد في اليوم الحار.\nعن مالك قال: بلغني أن حسين بن رستم الأيلي دخل على قوم وهو صائم فقالوا له: أفطر فقال: إني وعدت الله وعدا، وأنا أكره أن أُخلف الله ما وعدته.\n* قالوا: الصوم لذة الحرمان.\n* وقالوا: الصوم رجولة مستعلنة وإرادة مستعلية (٢) .\n* قالوا: رمضان شهر الحرية عما سوى الله، \"وفي الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية\" كما يقول أحمد بن خضرويه.\n* قالوا: رمضان شهر القوة فليس الشديد بالصرعة إما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.\n\"والصيام الذي فرضه الله على المسلمين فيه الجمع بين القوتين المعنوية والمادية جمعا رائعًا منسجمًا يعطي أحسن الثمار\".\nوهو من الناحية المعنوية يعطي المسلم ثلاث قوى معنوية لها أكبر الأثر في سعادة الأفراد والجماعات:\n_________\n(١) \"شعب الإيمان\".\n(٢) \"أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة\" للدكتور مصطفى السباعي المكتب الإسلامي.","vol":"2","page":212},{"text":"أولاهما- الصبر: وما أدراك ما الصبر وخاصة في ميدان المعركة.\nثاثيهما: الطاعة: امتثالًا لأمر الله وطاعة لرسوله.\n\"وهل كان خالد بن الوليد يصل إلى المثل الأعلى في القائد الذي يعزل وهو في قلب المعركة فيسلم القيادة إلى غيره، ثم ينخرط جنديًّا يقاتل بنفس الروح العالية التي كان يقاتل بها وهو قائد، ثم يقول قولتة المشهورة: \"إنما أحارب لرب عمر لا لعمر\".\nثالثها: النظام: فالمسلم في رمضان يأكل بنظام، وينام بنظام، ويستيقظ بنظام، والمجتمع الإسلامي في رمضان مجتمع يتجلّى فيه النظام بأروع مظاهره.\nهذه هي الأخلاق التي يغرسها الصيام في نفس المسلم: الصبر والطاعة والنظام.\nأترون أمة من الأمم تتحلى بهذه القوى المعنوية، ثم تجد سبيلها إلى الانهيار.\nأترون جيشًا يتحلى أفراده بهذه الأخلاق القوية، ثم يجد نفسه على عتبة الهزيمة.\nفلا تنس وأنت تصوم رمضان أن الله يريد أن يجعلك بالصيام مثال \"القوي الأمين فحذار أن ينسلخ عنك رمضان وأنت \"الضعيف الخائن\" (١) .\nوأنشد بعضهم:\nالصوم جنة أقوام من النار ... والصوم حصن لمن يخشى من النار\nوالصوم ستر لأهل الخير كلهم ... الخائفين من الأوزار والعار\nوالشهر شهر آله العرش من به ... رب رحيم لثقل الوزر ستار\nفصام فيه رجالٌ يربحون به ... ثوابهم من عظيم الشأن غفار\nفأصبحوا في جنان الخلد قد نزلوا ... من بين حور وأشجار وأنهار\n_________\n(١) بتصرف من كلام الدكتور مصطفى السباعي في كتابه \"أحكام الصيام وفلسفته\".","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>فضل الجوع:</span>\nرويُ عن يحيى بن معاذ -﵁- أنه قال في شبع من الطعام عجز عن القيام، ومن عجز عن القيام افتضح بين الخدام، وإذا امتلأت المعدة رقدت الأعضاء عن الطاعات وقعدت الجوارح عن العبادات\" وأنشدوا:\nتجوع فإن الجوع يورث أهله ... عواقب خير عمها الدهر دائم\nولا تك ذا بطن رغيب وشهوة ... فتصبح في الدنيا وقلبك هائم\n* وروي عن ذي النون المصري -رحمه الله تعالى- أنه قال: تجوع بالنهار وقم بالأسحار ترى عجبًا من الملك الجبار.\n* وروي عن يحيى بن معاذ -﵁- أنه قال: لو كان الجوع يباع في السوق لكان المريد محقوقًا إذا دخل السوق ألا يشتري شيئًا غيره.\nوالله تعالى قد فضلكم بدين الإسلام ومنَّ عليكم بشهر الصيام، والله أعلم، وأنشدوا:\nوربك لو أبصرت يومًا تتابعت ... عزائمهم حتى لقد بلغوا الجهدَا\nلأبصرت قومًا حاربوا النوم وارتدوا ... بأردية السهاد واستعملوا الكدّا\nوصاموا نهارًا دائمًا ثم أفطروا ... على بلغ الأقوات واستقربوا البعدا\nأولئك قوم حسّن الله فعلهم ... وأورثهم من حسن فعلهم الخلدا\n* حج روح بن زنباع مرة فنزل على ماء بين مكة والمدينة فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه. وبينما هو يأكل إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء فدعاه روح بن زنباع إلى الأكل من ذلك الطعام فجاء الراعي فنظر إلى طعامه وقال: إني صائم فقال له روح: في مثل هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعي؟ فقال الراعي: أفأغبن أيامي من أجل طعامك، ثم إن","vol":"2","page":214},{"text":"الراعي إرتاد لنفسه مكانًا فنزله وترك روح ابن زنباع فقال روح:\nلقد ضننت بأيامك يا راعي ... إذ جاد بها روح بن زنباع\nثم إن روحًا بكى طويلًا وأمر بتلك الأطعمة فرفعت وقال: انظروا هل تجدون لها آكلا من هذه الأعراب أو الرعاة؟\nثم سار من ذلك المكان وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه وصغرت إليه نفسه والله تعالى أعلم (١) .\nوشهر الصوم شاهده علينا ... بأعمال القبائح والذنوب\nفيا رباه عفوًا منك والطف ... بفضلك للمحير والكئيب\nوهذا الصوم لا تجعله صومًا ... يصيرنا إلى نار اللهيب\nسلام الله ما هبت عليه ... قبولٌ أو شمال أو جنوب\n* قال صالح المرى: كان عطاء السلمي قد اجتهد حتى انقطع فقلت: له يومًا إني مكرمك بكرامة فلا ترد كرامتي فبعثت إليه شربة من سويق مع ولدي وقلت له لا تبرح حتى يشربها فجاء فقال: قد شربها فبعثت له في اليوم الثاني مثلها فجاء فقال: ما شربها، فأتيت إليه فلمته وقلت: رددت عليّ كرامتي وهذا يقويك على العبادة فقال: يا أبا بشر لقد شربتها في أول يوم واجتهدت في الثاني فلم أقدر كلما هممت بشربها ذكرت قوله تعالى: (وطعامًا ذا غصة) قال: فقلت: أنا في وادٍ وأنت في واد.\nأطلتَ وعنفتني يا عزولْ ... بليت فدعني حديثي طويل\nهوايَ هوىً باطن ظاهر ... قديم حديث لطيف جليل\nألا ما لذا الليل لا ينقضي ... كذا ليل كل محب طويل\nأبيت أساهر نجم الدجى ... إلى الصبح وحدي ودمعي يسيل\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٩/٥٨-٥٩) .","vol":"2","page":215},{"text":"أمت نفسك حتى تحييها، فعاقبة الصبر حلوة كم صبر بشر عن مشتهى حتى سمع: كل يا من لم يكل ما مد سجاف \"نعم العبد\" على قبة (ووهبنا له أهله) حتى جرب في أمانة (إِنا وجدناه صابرْا) .\nإنَّ الألم ليحمد إذا كان طريقًا إلى الصحة، وإن الصحة لتذم إذا كانت سبيلًا إلى المرض، أي فائدة ساعة أوقعت غمًا طويلًا، ما فهم مواعظ الزمان من أحسن الظن بالأيام، إياك أن تسمع كلام الأمل فإنه غرور محض.\nألا خيرًا لمقترح النواح ... أطير إليه منشور الجناح\nفأسأله وألطفه عساه ... سيسلى ما بقلبي من جراح\nويجلو ما دجا من ليل جهلي ... بنور هدى كمنسلخ الصباح\nسأصرف همتي بالكل عما ... نهاني الله من أمر المزاح\nإلى شهر الخضوع مع الخشوع ... إلى شهر العفاف مع الصلاح\nيجازي الصائمون إذا استقاموا ... بدار الخلد والحور الملاح\nوبالغفران من رب عظيم ... وبالملك الكبير بلا براح\nفيا أحبابنا اجتهدوا وجدّوا ... لهذا الشهر من قبل الرواح\nعسى الرحمن أن يمحو ذنوبي ... ويغفر ذلتي قبل افتضاحي\nقال الحسن: إن لله تعالى عبادًا، كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة وأنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة صبروا أيامًا قصارًا تعقب راحة طويلة، أما الليل فصافة أقدامهم تسيل دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم ﷿ ربنا ربنا، وأما النهار فعلماء حلماء بررة أتقياء ينظر إليهم الناظر فيحسبهم عرض أو قد خولطوا وما بهم مرض ولكن خالط القوم أمرٌ عظيم\" (١) . يا قليل الصبر إنما هي مراحل فصابر لجة البلاء فالموت ساحل، تأمل تحت سجف ليل الصبر\n_________\n(١) \"التبصرة\" (١/٢٠٠) .","vol":"2","page":216},{"text":"صبح الأجر، واحبس لسانك عن الشكوى في سجن الصبر، واقطع نهار اللأواء بحديث الفكر، وأوقد في دياجي الآلام مصباح الشكر، وقلب قلبك بين ذكر الثواب وتمحيص الوزر وتعلم أن البلاء يمزق ركام الذنوب تمزيق الشباك ويرفع درجات الفضائل إلى كاهل السماك ومن تفكر من سر- (إِن الله مع الصابرين) أنس بجليسه ومن تذكر- (إِنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) فرح بامتلاء كيسه.\nإذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا\nندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>سجع على قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا)</span>\nلله أقوام امتثلوا ما أمروا وزجروا عن الزجر فانزجروا فإذا لاحت الدنيا غابوا وإذا بانت الأخرى حضروا فلو رأيتهم في القيامة إذا حشروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .\nجن عليهم الليل فسهروا، وطالعوا صحف الذنوب فانكسروا وطرقوا باب المحبوب واعتذروا وبالغوا في المطلوب، ثم حذروا فانظر بماذا وعدوا في الذكر وذكروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .\nربحوا والله وما خسروا وعاهدوا على الزهد فما عذروا واحتالوا على نفوسهم فامتلكوا وأسروا، وتفقدوا نعم المولى فاعترفوا وشكروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .\nبيوتهم في خلوها كالصوامع، وعيونهم تنظر بالتقى من طرف خاشع، والأجفان قد سحت سُحْبَ المدامع تسقى بذر الفكر الذي بذروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .\n* استوحشوا عن كل جليس شغلا بالمعنى النفيس وذموا مطايا الجد فسارت العيس وبادروا الفرصة ففاتوا إبليس لا وقفوا ولا فتروا (إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) .","vol":"2","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>الباب السابع عشر\nحيوانات تصوم</span>\nهذه حيوانات تمتنع عن الطعام أوقاتًا، أفلا تصوم أنت بعد ذلك أيامًا","vol":"2","page":219},{"text":"حيوانات تصوم كالإنسان\nإن الإمساك عن الطعام ليس بقاصر على الإنسان وحده ... فهناك حيوانات تصوم في ظروف معينة، وأغلب الطيور تمتنع عن تناول الطعام حينما تقوم بحضانة البيض.. والزواحف والثعابين تنطوي على نفسها مدة طويلة ولا تتناول طعامًا ... وذلك ما يُعرف بالبيات الشتوي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>معجزة الدب الأبيض:</span>\nومن معجزات الله في خلقه ما أرويه للقارئ عن معجزة (الدب الأبيض) كما جاء في كتاب \"غرائز الحيوانات\" للأستاذ (محمد فياض):\nوالدب الأبيض أقوي الحيوانات التي تعيش في المنطقة المتجمدة الشمالية، وأضخمها جثة وقد يبلغ طوله في بعض الحالات ثلاثة أمتار، ووزنه سبعة قناطير ... وهو يعوم بسهولة في الماء ويعدو بسرعة على الجليد ويتسلق أكوامه العالية، ومن دواعي الدهش أن مثل هذا الحيوان الكبير الجسم، الثقيل الوزن، يتحرك بخفة فوق الجليد الأملس دون أن ينزلق، ويرجع السبب في ذلك، إلى أن باطن قدمه العريضة، مزودة بخصلة من الشعر الطويل الخشن، الذي يثبتها فوق الجليد ويمنع انزالقها.\nوهو يتغذى بالأسماك وعجول البحر ... التي يصطادها بنفسه ... وبجثث الحيتان الميتة التي يقذف بها البحر إلى الشاطئ.\nوفي الصيف عندما تظهر الخضرة في البقاع الشمالية يضيف الدب إلى غذائه أثمار التوت وبعض البقول والأعشاب. وفي الشتاء حيث تنقرض الخضرة ويندر الغذاء يأكل الدب كل ما يصادفه من أعشاب بحرية وأوراق جافة وأخشاب وغير ذلك.\n(والمبيت الشتوي) مقصور على الأنثى التي تدفن نفسها تحت الجليد، وتقضي شهور الشتاء في (سبات عميق) وفي هذه الفترة تلد ... وفي العادة تضع صغيرين وتغذيهما بلبنها الذي يتدفق من ثديها بغزارة.\nوهي لا تخشى الاختناق تحت غطائها السميك من الجليد، لأنها تترك فيه","vol":"2","page":221},{"text":"منفذا يتسرب منه الهواء إليها ... ويظل هذا المنفذ مفتوحًا لا يسده الجليد، وذلك بتأثير أنفاسها الساخنة والحرارة المنبعثة من جسمها.\nوبالرغم من أنها تصوم أثناء مبيتها الشتوي فإن لبنها يدر بغير انقطاع لتغذية ولديها ... وتعتبر هذه الظاهرة من المعجزات الإلهية ... إذ كيف يتيسر لها أن تدبر هذا السيل المستمر من الغذاء بدون أن تتناول شيئا من الطعام؟\nوالسر في ذلك يرجع إلى أنها أثناء الصيف تلتهم كميات وافرة من الغذاء الذي يتحول بعضه إلى طبقة سميكة من الدهن تحت جلدها ... وفي الشتاء يؤدي هذا الدهن ثلاث وظائف ضرورية لحياتها ولذريتها. فهو يقيها البرد أثناء رقادها تحت الجليد ... ويتحول جزء منه إلى غذاء صالح لها ويتحول جزء آخر إلى لبن يعول ولديها.\nووكالات الأنباء والصحافة العالمية، تطالعنا أحيانًا بخبر عن رجل هندي يرقد في صندوق معدني، مصنوع بطول جسمه وعرضه ... ويأتي أعوانه فيغطون الصندوق، ويحكمون إغلاقه ويضعونه في قاع حمام السباحة، ويتركونه تحت الماء ساعة كاملة، ثم يرفعونه ويفتحونه فيرى النظارة الرجل الهندي حيًّا لم يصبه أذى ... وقد حاول بعض العلماء تفسير هذه الظاهرة فقال: إن (الأوكسجين) المحتوي عليه الصندوق يكفي للتنفس طول المدة التي يظل فيها تحت الماء وإن بخار الماء وثاني أوكسيد الكربون المتولدين من التنفس في هذه الفترة لا يكفيان لإحداث الاختناق.\nوربما كان هذا التعليل صحيحًا ولكن لم يجرؤ أحد على اختبار صحته بطريقة علمية ...\nومهما كان السر في هذه العملية ... فإن هذا الساحر الهندي يعجز عن محاكاة أنثى الدب الأبيض، لأنه لا يستطيع أن يدفن نفسه في الجليد طول شهور الشتاء، ويعمل على استمرار تنفسه، ويدبر أمر تغذيته مع طفلين راقدين بجانبه ...، ثم يخرج بعد ذلك حيًّا لم يمسه الضرر ... إلا أن في خلق الله أسرارًا تحار في إدراكا عقول البشر ونواميسِ أحكم الله وضعها وتنسيقها وصدق الله إذ يقول: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: ٤٩، ٥٠] .","vol":"2","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>طائر البطريق ومدرسة الحضانة:</span>\nفي الأقاليم الباردة الجنوبية يعيش نوع من الحيوان يسمى (البنجوين) أو (طائر البطريق) وأشهر مواطنه (رأس هورن) بجنوبي أمريكا وجزائر (فرلكلاند) ورأس الرجاء الصالح و(نيوزيلاندة) واستراليا.. وجزر المحيط المتجمد الجنوبي، وبالرغم من أنه يعتبر من الطيور فهو لا يستطيع الطيران، لأن جناحيه لا يقويان على حمله وهي أشبه بزعنفتين كبيرتين، وقد يستعين بهما وبقدميه العريضتين ذات الأغشية الممتدة بين الأصابع، على السباحة في الماء.\nومن دأبه أنه يقف منتصبًا على قدميه ويمشي على هذه الصورة ... وإذا حاول السير بسرعة اختل توازنه وهوى على الأرض ... وهو إذا غضب ضرب بمنقاره وبجناحيه القويين الثقيلين ... وغذاؤه مقصور على الأسماك وهو يستطيع صيدها بسهولة لأن له قدرة عجيبة على السباحة والغوص في الماء.\nوبما أنه يعيش في أشد بقاع العالم برودة فقد وهبه الله -سبحانه- وقاء يحميه من البرد القارس، فتحت كسائه الخارجي من الريش طبقة سميكة من الدهن، كما غطى ريشه بغشاء زيتي يحول دون وصول المطر إلى جلده.\nوهو يقضي أيامه ولياليه في البحر بين الثلوج والأمواج المتلاطمة، ولا يقيم على البر إلا عندما يضطر لوضع البيض وتربية الصغار وفي الغالب يكون هذا في أوائل صيف المنطقة المتجمدة الجنوبية ... وتضع الأنثى بيضتين في وكر من الحصى، وتحتضنهما بالتناوب مع زوجها ... وبعض مضي خمسة أسابيع يخرج منهما فرخان كبيران شرهان.\nيغذيهما والداهما من الأسماك والحيوانات المائية الرخوة التي يحملانها إليهما من البحر، وينمو جسدهما إلى عشرة أمثاله في أسبوعين ... ومثل هذا النمو السريع يستلزم كميات وافرة من الغذاء ... ولذا يصرف الوالدان معظم وقتهما بين البحر والوكر منهمكين في صيد كميات كبيرة من الأسماك ... وفي غيبتهما قد يتعرض الفرخان لخطر كبير، فقد تخطفهما بعض الطيور الجارحة،","vol":"2","page":223},{"text":"وقد يتحركان خارج الوكر ويضلان السبيل فلا يستطيعان العودة إليه ويموتان جوعا لندرة وجود الغذاء على الصخور والثلوج وقد تدوسهما أقدام الطيور الكبيرة.\nولدفع هذه الأخطار يلجأ طيور (البنجوين) إلى حيلة غريبة تصون بها صغارها التي بدأ النشاط يدب فيها.. فتجمعها في مكان خاص، ويتعهد فريق من كبار الوالدين بحراساتها والدفاع عنها مع السماح لها بالتحرك واللعب، داخل نطاق محدود.. بينما يتعهد فريق آخر بشئون التغذية، وقد يكون بين الفريق الأول متطوعون ليس لهم أبناء.. وقد يقوم أفراد من الفريق الثاني بتغذية صغار لا تجمعها به صلة.. مثل هذه الطريقة في الحراسة والتغذية لا تبعد كثيرًا عن النظم المتبعة في مدارس الحضانة عند الإنسان فسبحان الله (الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى) .\nوعندما يكتمل نمو الأفراخ تصوم عن الأكل وتذهب إلى شاطئ البحر ... وتبقى هناك حتى تسقط عنها آخر خصلة من الزغب، ويصبح جسمها مغطى بالريش، وعندئذ تثب في الماء والثلوج، وترحل عن البر مبتعدة عنه مئات الأميال، وتعيش على الأسماك التي تلتقطها من البحر.. وبعد مضي سنتين تدفعها الغريزة نحو البر، لوضع البيض وتنشئة الصغار.. وإذ ذاك تصوم عن الأكل شهرًا كاملًا حتى تظهر الأفراخ.. وبعد أن يهجرها أبناؤها إلى البحر يسقط عنها ريشها وينمو غيره، وأثناء هذه الفترة من التغيير الجثماني تنقطع عن الغذاء.. فهذا الطيور تصوم قبل أن تلقى عليها مسئولية الأبوة.. وتصوم قبل أن تستقل بالجهاد في حياتها.. وتصوم بعد أن يتركها أبناؤها.\nولا شك أن الصيام ضروري لها كما هو ضروري لبعض المخلوقات، ومنها الإنسان.\nالصحة والجمال والرشاقة:\nذكر المؤرخ الاجتماعي المشهور (عبد الرحمن بن خلدون) في مقدمة تاريخه المعروفة فضلًا كاملًا ذكر فيه (أثر الجوع في صلاح البشر وأخلاقهم)","vol":"2","page":224},{"text":"نقتطف منها للقارئ هذه السطور:\n\"إن كثرة الأغذية ورطوبتها، تولد في الجسم فضلات رديئة ينشأ عنها بعد أقطارها وضخامتها من غير نسبة كما ينشأ عنها كثرة الأخلاط الفاسدة، ويتبع ذلك انكشاف الألون، وقبح الأشكال من كثرة اللحم -كما قلنا- وتغطي الرطوبات على الأذهان والأفكار، بما يصعد على الدماغ من أبخرتها الرديئة فتجيء البلادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال والجمال..\nواعتبر ذلك في حيوانات القفر.. ومواطن الجدب.. (من الغزال، والزرافة والمها، والحمر الوحشية، والبقر الوحشي) مع أمثالها من حيوان التلول والأرياف، والمراعي الخصبة كيف تجد بينها بونًا بعيدًا، في صفاء أديمها، وحسن رونقها وأشكالها، وتناسب أعضائها، وحدة مداركها؟\nفالغزال أخو الماعز، والزرافة أخت البعير، والحمار والبقر.. أخو الحمار والبقر. والبون بينهما ما رأيت..\n\"وما ذاك إلا لأجل أن الخصب في التلول فعل في أبدان هذه من الفضلات الرديئة والأخلاط الفاسدة ما ظهر عليها أثره.. والجوع لحيوان القفر حسن في خلقها وأشكالها ما شاء\" (واعتبر ذلك أيضًا في الآدميين) ويؤكد ما ذكره (ابن خلدون) ما جاء في الحديث الصحيح: \"ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه. بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه.. فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه\" [رواه أحمد عن المقدم ابن معد يكرب] (١) .\n(١)<span data-type=\"title\" id=toc-384> صوم بعض الحيوانات آثناء فترة النزو الجنسي:</span>\nمثل ذلك: سمك السلمون.\nإن هذا النوع من السمك، حين يبدأ بالهجرة من البحار نحو الأنهار للتكاثر، وتكون عضلاته محملة بكميات كبيرة من الشحوم، لذلك تراه يصوم خلال فترة الهجرة والرحلة هذه، يكون جسمه قد هزل وطرأت عليه نحافة\n_________\n(١) من مقالة الصوم ضرورة صحية واجتماعية للإنسان والحيوان والطيور البرية والبحرية \"الوعي الإسلامي\" العدد ٣٣٧ رمضان ١٤١٤هـ.","vol":"2","page":225},{"text":"شديدة، هذا وإن تخلص هذا الحيوان من هذه الشحوم يكسب هذه العضلات مرونة وقوة فريدتين، الأمر الذي يساعد على اجتياز المسافات البعيدة ومعاكسة مجرى تيارات الأنهار.\n* وهناك بعض الطيور تصوم أيضًا أثناء فترة التكاثر والنزو، ومنها طائر البنغوان وذكر الأوز.\n* صوم الثديات: \"حيوان الفقمة\":\nونذكر هنا صوم ذكر حيوان الفقمة ذى الفرو، الذي يعيش في منطقة آلاسكا إن هذا الحيوان يبقى من منتصف شهر آيار وحتى آخر شهر تموز دون طعام أو شراب بل ودون نوم أيضًا، وهذه الفترة تتوافق مع فترة التكاثر عند هذا الحيوان وهو يمضي كل وقته ساهرًا يرعى زوجاته اللاتي يتراوح عددهن بين ٥-٦ زوجات. بعد هذه الفترة الطويلة من الصوم، ينام هذا الحيوان مدة ثلاثة أسابيع متواصلة إذا لم يزعجه أحد، وبعد ذلك يأخذ بتناول غذائه على الشكل المعتاد.\n* أسد البحر.\nوكذلك أسد البحر الذي يصوم أيضًا أثناء فترة النزو، وحياة هذا الحيوان تشبه تمامًا حياة حيوان الفقمة.\n(٢)<span data-type=\"title\" id=toc-385> الصوم بعد الولادة</span>.\n* بعض أنواع العنكبوت لا تأكل شيئا خلال فترة الأشهر الستة التي تعاقب الولادة.\n* كما أن الصيصان: لا تأكل ولا تشرب شيئا خلال الأيام الثلاثة التي تلي خروجها من البيضة.\n* وكذلك الحال عند كثير من الثديات، حيث لا يبدأ الثدي بإفراز الحليب إلا بعد ثلاثة أيام من ولادة الأم لصغيرها.\n(٣) صوم الخادرة:\nالخادرة هي حشرة في الطور الانتقالي بين اليرقة والحشرة الكاملة. وهذه","vol":"2","page":226},{"text":"المرحلة عند الحشرات هي المرحلة التي تلي تمامًا مرحلة اليرقة. وفي هذه المرحلة لا تتحرك الحشرة إلا قليلًا جدا، ولا تأكل شيئًا على الإطلاق، إذا تعتمد على مدخراتها الموجودة لديها قبل الدخول في هذه المرحلة.\n(٤)<span data-type=\"title\" id=toc-386> الصوم حين يكون حس الجوع غائبًا:</span>\nإن كثيرا من الحيوانات تتناول وجبات غذائية متباعدة جدا، والسبب في ذلك أنه ليس لديها شعور بالجوع، فمثلا بعض أنواع الثعابين لا تأكل وجباتها الغذائية إلا بعد فاصل زمني طويل.\n(٥)<span data-type=\"title\" id=toc-387> الصوم في حالات الغضب:</span>\nونذكر في هذا المجال، الصوم الذي تمارسه الكلاب حزنًا على صاحبها حين يموت.\n(٦) الصوم في حالة الأسر:\nبعض الحيوانات ترفض تناول الطعام أسيرة مقيدة، فهي تفضل الموت جوعًا، كما يقول العالم \"باتريك هنري\": \"أعطني الحرية أو أعطني الموت\".\n(٧، ٨) الصوم في حالة المرض، أو حين الإصابة بجرح.\nكما يفعل الحصان عند مرضه، والكلب عند إصابته بكسر.\n(٩) الصوم عند فقدان الغذاء.\n(١٠) السبات الشتوي عند الحيوان: الأفاعي - الحلزون - الذباب - الزلاقط - الدببة - التمساح:\nهذه أصناف من الحيوانات تدخر ما يلزمها لفصل الشتاء في داخل عضويتها، وهذا ما نسميه بالمدخرات الداخلية.\nوتقضي هذه الحيوانات فصل الشتاء وهي شبه نائمة ما يقلل الحاجة إلى المواد الغذائية إلى حد كبير.\n(١١)<span data-type=\"title\" id=toc-389> السبات الشتوي عند النباتات:</span>\n\"بعض النباتات تدخر في أجسامها كمية كبيرة من الغذاء كاللفت والبصل","vol":"2","page":227},{"text":"مثلا، وهذه المدخرات تكفيها لتبقى حية فترة طويلة من الزمن دون غذاء\" (١) .\nأخي: إن كانت الحيوانات تمتنع أحيانًا عن الطعام أفلا تصوم أنت، قال - ﷺ -: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي من بعدهم قوم يتسمنون ويحبون السِّمن، ويعطون الشهادة قبل أن يسألوها\" (٢) .\n***\n_________\n(١) نقل باختصار من كتاب \"التداوي بالصوم\" (١٧-٢٢) تأليف هـ. م شيلتون دار الرشيد دمشق بيروت.\n(٢) صحيح: رواه الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين وصححه الألباني \"صحيح الجامع\" رقم (٣٢٩٤) .","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>الباب التاسع عشر\nالصوم علاج رباني</span>\n(وإذا مرضت فهو يشفين)\n\"لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب\"\nحديث حسن","vol":"2","page":229},{"text":"الصموم علاج رباني\nقال رسول الله - ﷺ -: \"ما ملأ آدمى وعاء شرًا من بطنه بحسب ابن آدم أُكُلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه\" (١)\nوفي رواية \"لقيمات\" وهو جمع قلة أقل من عشرة.\nوقبل أن نتكلم عن أثر الصوم في علاج الأمراض نقول بداية إن الصوم عبادة نفعلها تعبدًا لله تعالى واستسلامًا لأمره، لا نعللها بأغراض مادية ولا نجعل من هذه غاية التشريع ومقصد المشرع فالعبادة أسمى من هذا بكثير.\nيقول الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في كتابه \"من توجيهات الإسلام\": \"من الخير للمؤمنين أن ينظروا إلى ما طلبه الله منهم نظرة غير هذه النظرة، نظرة أسمى منها وأجل ذلك أنهم عباد لله خاضعون، وأنهم مربوبون لرب العالمين، فمن شانه أن يأمر بما شاء أمرًا مطلقًا لا تقييد فيه بما يفهمه الناس أو لا يفهمونه، بل لا تقيد فيه بما يشتمل في ذاته على فائدة للناس أو لا يشتمل.\nهذا هو سبيل العبادة كما يريدها الله: إخلاص في التقبل، وإخلاص في الامتثال والتنفيذ وثقة واطمئنان ورضا بحكم الله كما أمر به الله\".\nفمن قصد بالوضوء النظافة فهجرته إلى غير الله، ومن قصد بالصوم العلاج الصحي فهجرته إلى غير الله.\nوليس معنى ما ذكرته لكم أيضًا عن العبادات أنه لا يترتب عليها شيء من الآثار النافعة المفيدة، كلا فإن لها آثارًا نشهدها ونراها وندركها بعقولنا، لا أريد أن أتكلم عنِ الآثار الصحية، فإن ذلك شأن الأطباء وهم أهل الاختصاص فيه\n(وَمَا أَرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نّوحِي إليهم فَاسْأَلُوا أهْلَ الذكرِ إِن كُنتُمْ لا تعْلمُونَ) [النحل: ٤٣] .\n_________\n(١) صحيح: رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن المقدام بن معد يكرب، ورواه أيضًا ابن المبارك وابن سعد وابن عساكر، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٥٦٧٤) .","vol":"2","page":231},{"text":"ولهذا فنحن في هذه الورقات القليلة نحاول إيجاز ما كتبه الأطباء عن الصوم وإن كان ذلك يحتاج إلى مجلدات: \"قيل للحارث بن كلدة طبيب العرب: ما أفضل الدواء؟ قال: الأزم. يريد قلة الأكل\" (١) .\n* لقد أقيمت للصوم مشاف ومصحات خاصة في معظم الدول الأوربية والأمريكية فيما يعرف \"بالصوم الطبي\" لقد كانت النتائج مذهلة حقا بينما المعالجات الكيماوية لا تخلو من أضرار جانبية، والصوم الطبي كالعمليات الجراحية ولكنه بدون مشرط فلابد فيه من الإشراف الطبي.\nوالصوم الطبي معناه \"الامتناع عن تناول كل غذاء ما عدا الماء\".\n* \"لقد كان ابن سينا وهو من عمالقة الأطباء يفرض صوم ثلاثة أسابيع في كثير من الحالات المرضية التي كانت تعرض له\".\nمع أشهر أطباء العالم:\n* يقول الطبيب العالمي الكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل في الطب والجراحة في كتابه \"الإنسان ذلك المجهول\" وهذا الكتاب حجة عند الأطباء: \"إن كثرة وجبات الطعام، وانتظامها، ووفرتا تعطل وظيفة أدت دورًا عظيمًا في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف على قلة الطعام، ولذلك كان الناس يلتزمون الصوم في بعض الحالات\".\nويقول: \"إن الأديان كافة لا تفتأ تدعو إلى وجوب الصوم والحرمان من الطعام، إذ يحدث أول الأمر الشعور بالجوع، ويحدث أحيانًا التهيج العصبي، ثم يعقب ذلك شعور بالضعف، بَيْد أنه يحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية أهم بكثير منه، فإن سكر الكبد سيتحرك، ويتحرك معه أيضًا الدهن المخزون تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد، وتضحى جميع الأعضاء بمادتها الخاصة للإبقاء على كمال الوسط الداخلي وسلامة القلب، وإن الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا\".\n* كتب الدكتور روبرت بارتولو وهو طبيب أمريكي من أنصار العلاج\n_________\n(١) \"التداوي بالصيام\" (ص٥٦) لمحمد إبراهيم سليم. مكتبة ابن سينا.","vol":"2","page":232},{"text":"الدوائي للزهري قال \"لا شك في أن الصوم من الوسائل الفعالة في التخلص من الميكروبات، وبينها مكروب الزهري، لما يتضمنه من إتلاف للخلايا، ثم إعادة بنائها من جديد، وتلك هي \"نظرية- التجويع في علاج الزهري\".\n* استخدم \"الدكتور آلان\" الصوم بنجاح في علاج السكر والنقرس.\n* واستخدمه \"الدكتور كارلسون\" في تجديد الشباب، والدكتور \"جننجز\" في حالات مرضية كانت تعرض له.\n* ويقول \"بانار مكفادن\" زعيم الثقافة البدنية في أمريكا \"الصوم يستطيع أن يُبرئ كل علة خابت في علاجها الوسائل الأخرى\".\n* ويقول الدكتور ماك فادون وهو أحد علماء الطب الكبار في أمريكا في كتابه الذي ألفه عن الصيام بعد أن ظهرت له نتائج عظيمة من أثر الصيام وتبين له مفعوله في القضاء على الأمراض المستعصية \"إن كل إنسان يحتاج إلى الصيام، وإن لم يكن مريضًا، لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض، ويثقله ويقل نشاطه، فإذا صام خفّ وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه، بعد أن كانت مجتمعة، فتذهب عنه حتى يصفو صفاء تامًا، ويستطيع أن يسترد وزنه، ويجدد جسمه في مدة لا تزيد على العشرين يومًا بعد الإفطار، ولكنه يحس بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل\".\nوالجدير بالذكر أن هذا الطبيب عالج بالصوم كثيرًا من المرضى بأمراض مختلفة، وذكر أسماءهم وأمراضهم وتواريخ معالجتهم، إلا أنه قرر أن انتفاع المرضى بالصوم بتفاوت حسب أمراضهم.\nفأكثر الأمراض تأثرًا بالصيام أمراض المعدة \"فالصوم لها مثل العصا السحرية يسارع في شفائها، ويرى المعالج به العجب العجاب، وتليها أمراض الدم، ثم أمراض العروق كالروماتيزم مثلًا\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>الصوم والأمراض الجلدية:</span>\nيقول الدكتور محمد الظواهري أستاذ الأمراض الجلدية -بطب القصر العيني- \"إن علاقة التغذية بالأمراض الجلدية متينة\" فالامتناع عن الغذاء","vol":"2","page":233},{"text":"والشراب مدة ما يقلل من الماء في الجسم والدم، وهذا بدوره يدعو إلى قلة الماء في الجلد، وحينئذ تزداد مقاومة الجلد للأمراض الجلدية المؤذية والميكروبية.\nوقلة الماء من الجلد تقلل أيضًا من حدة الأمراض الجلدية الالتهابية والحادة والمنتشرة بمساحات كبيرة في الجسم، وأفضل علاج لهذه الحالات من الوجهة الغذائية هو الامتناع عن الطعام والشراب فترة ما\".\nتتحسن حالة مرضى البشرة الدهنية، وحب الشباب وقشور الشعر ويكتمل هذا التحسن مع الامتناع عن المواد السكرية والأطعمة الدسمة.\n* أما حالات التهاب الجلد، وأكزيما الجلد، وحساسية الجلد فتتحسن مع الصيام مع تجنب الملح والدهنيات.\n* العظام:\nيقول الدكتور مصطفى إسماعيل حافظ المدرس بقسم جراحة العظام بطب الأزهر \"إن الصيام مفيد جدًا للمرضى الذين يعانون من خشونة المفاصل وآلام الركبة بالإضافة إلى أنه يساعد على تقليل الوزن الذي هو سبب أساسي لآلام المفاصل ويقول: إن تنوع الطعام وكثرته يزيد من آلام الروماتيزم ويأتي الشهر الكريم ليحد من هذه المعاناة\".\n* الحميات:\nيقول الدكتور محمد أحمد ضرغام استشاري الحميات وعضو الجمعية المصرية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة: \"إن من الفوائد التي توصل إليها العلم الحديث مؤخرًا أن الصيام يحمي المسلم من متاعب المرارة واحتمال تكون الحصوات، كما يساعد على القضاء على أمراض عسر الهضم الذي يؤدي إلى الانتفاخ ويرهق القولون، وذلك لأن المعدة تبدأ في الارتياح بعد عناء طويل.\n* وعن أمراض القلب والدورة الدموية:\nيقول الدكتور محمد ضرغام \"إن مرضى الذبحة الصدرية وتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم لا تعاودهم الأزمات في هذا الشهر الكريم. كما يؤدي العامل النفسي والهدوء الروحي إلى إقلال ارتفاع ضغط الدم المرتفع.","vol":"2","page":234},{"text":"ويقول د. ضرغام \"إن مرضى السكر منهم من يتحسن في شهر رمضان وهم غالبًا من المرضى المصابين بالسمنة، فالصيام بالنسبة لهؤلاء يعتبر نوعًا من الرجيم يقلل من تناول الطعام مما يؤدي إلى تحسن مستوى السكر بالإضافة إلى انخفاض الوزن\".\n* ويقول الدكتور سالم نجم الأستاذ بطب عين شمس: الصوم يعطي راحة للجهاز الهضمي والقولون والكبد وغدة البنكرياس من دورهم في إفراز المواد الهاضمة بكل أنواعها.\n* يقول الدكتور محمود عزت أستاذ التحاليل الطبية بطب الزقازيق \"إن الصيام يحول دون تحول كمية كبيرة من الدم إلى الجهاز الهضمي.. وبذلك يوزع الدم توزيعًا متوازنًا بين أجزاء الجسم وخاصة المخ والعضلات\".\nويضيف: \"إلى أهمية عدم الربط بين الصوم وضعف القدرة على بذل الجهد لأن الجسم يتكيف مع الوضع الجديد ويصبح أكثر قدرة على الحركة أكثر من أيام الإفطار إذ تزيد كمية الدم إلى العضلات\" (١) .\n* في بحث للطبيب عصام العريان في مصر على ١٢٠ صائمًا من الرجال والنساء في مختلف الأعمار ما يأتي:\n* إن الصيام ضبط متوسط معدل الجلوكوز في الدم طول الشهر (٨٠-١٢٠مللي في اللتر) .\n* إن الصيام يحدث انخفاضًا في معدل الكولتسرول للصائمين الذين بدءوا الصيام بكولسترول مرتفع، بينما لم يتأسر معدل الكولتسرول للذين بدءوا الصيام وهو طبيعي لديهم (١٥٠-٢٥٠ مللي جرام في اللتر) .\n* إن الصيام يحدث انخفاضا في مستوى حمض البوليك بينما لم يحدث أي تغير في مستوي البولينا بالدم أثناء الصيام\" (٢) .\n_________\n(١) \"رمضان طبيب بلا أجر\" مقال (ص٥٧) في مجلة لواء الإسلام العدد الأول للسنة الثامنة والأربعين رمضان ١٤١٤هـ فبراير ١٩٩٤م.\n(٢) \"التداوي بالصيام\" (ص١٠٢) .","vol":"2","page":235},{"text":"يقول دكتور ضرغام: \"أكدت الأبحاث العلمية التي أجريت على بعض المرضى انتظام ضغط الدم ووصوله إلى المعدل الطبيعي ما بين ١٢٠-٨٠ بحد أقصى ١٤٠-٩٠ وعودة الصفاء الذهني إلى طبيعته\".\n* يقول الدكتور أنور المفتي وهو يتحدث عن الإفطار على مادة سكرية: \"إن الأمعاء تمتص الماء المحلى بالسكر في أقل من خمس دقائق، فيرتوي الجسم، وتزول أعراض نقص السكر والماء فيه.\nفي حين أن الصائم الذي يملأ معدته مباشرة بالطعام أو الشراب يحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات حتى تمتص أمعاؤه ما يكون في إفطاره من سكر وعلى هذا تبقى عنده أعراض ذلك النقص، ويكون حتى بعد أن يشبع كمن لا يزال يواصل صومه\" ومن هنا يكشف الطب الحديث عن حكمة التوجيه النبوي الكريم في الإفطار على التمر أو الماء.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-395> الصوم ومستوى جديد من الصحة:</span>\nيقول العالم: \"آيتون سنكلير\": \"إن أكبر شيء يعطينا إياه الصوم هو مستوى جديد من الصحة، وهذا التجدد في الصحة ينعم به الكبار في السن والشباب على السواء، بالنسبة ذاتها وذلك أن البنية تتجدد بكاملها فتتحسن وظائفها العديدة وتنشط زد على ذلك أن الصوم يمنح الجسم الفرص المثلى للتخلص من السموم والفضلات المتراكمة بين ثناياه في صميم نسيجه العضوي\".\nكما أنه بالإضافة إلى ذلك يعمل على طرد جميع العوامل المؤدية إلى الهرم والشيخوخة والاستحالة العضوية، وبذلك لن تكون نتيجة الصوم إلا صحة وفيرة وبأعلى مستوى.\nهذا وإن أثر التجدد العضوي والحيوية يبدو واضحًا جليًا على بشرة الإنسان فالتجمعات الجلدية، والارتخاء، والبقع، والحبوب تختفي تمامًا بالصوم كما أن الجلد يصبح أكثر نضارة وحيوية\".\n* سئل \"ميشيل انجلو\" شيخ المعمرين مرة عن السر في صحته الجيدة وتمتعه بنشاط غير عادي بعد أن تجاوز سن الستين فقال: إنني أعزو احتفاظي","vol":"2","page":236},{"text":"بالصحة والقوة والنشاط في سنوات كهولتي إلى أني أمارس الصوم بين حين وآخر، ففي كل عام أصوم شهرًا، وفي كل شهر أصوم أسبوعًا، وفي كل أسبوع أصوم يومًا ... وفي كل يوم آكل وجبتين بدلًا من ثلاث\".\n* قال - ﷺ -: \"لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله يطعم ويسقيهم\" (١) .\nقال المناوي: (٦/٤٢٠) \"أي يحفظ قواهم ويمدهم بما يقع موقع الطعام والشراب في حفظ الروح وتقويم البدن، ذكره البيضاوي\".\nنتائج طبية هامة\nنتائج باهرة في \"التداوي بالصوم\" لشيلتون:\nفي كتاب \"التداوي بالصوم\" لصاحبه هـ. م شيلتن نتائج باهرة نوردها على سبيل الإجمال\n(١) الصوم والقلب:\nهناك ثلاث فوائد هامة للصوم بالنسبة إلى القلب:\nأ- الصوم يحذف المنبهات الدائمة للقلب.\nب- يسمح للقلب بالراحة.\nج- ينقي الدم، وبذلك يتاح للقلب أن يتغذى بدم نقي ونظيف.\n_________\n(١) حسن رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن عقبة بن عامر، وابن عدي والروياني والحاكم عن عبد الرحمن بن عوف، وصححه الحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن غريب: وأشار السيوطي إلى صحته قال المناوي في \"فيض القدير\" (٦/٤٢٠): قال في المنار: ولم يبين علته المانعة من تصحيحه وهي عندي موجبة لضعفه لأن فيه بكير بن يونس أو يونس بن بكير، قال أبو حاتم: منكر الحديث ضعيفه اهـ. قال الذهبي: ضعفوه، وقال البيهقي: تفرد به بكر وهو فيما قال البخاري منكر الحديث. وفي الميزان: عن أبي حاتم هذا حديث باطل، وأورده ابن الجوزي من عدة طرق وأعلها. وفي الأذكار: فيه بكر بن يونس وهو ضعيف، وحسنه السيوطي والألباني في صحيح الجامع رقم (٧٤٣٩) .","vol":"2","page":237},{"text":"إن القلب بضرب ٨٠ ضربة في الدقيقة الواحدة أي ما يعادل ١١٥٢٠٠ مرة في الـ ٢٤ ساعة وقد لوحظ في الأيام الأولى من الصوم تناقص عدد ضربات القلب، بحيث تصل إلى أقل من ٦٠ ضربة في الدقيقة، وبعد ذلك يعود نبض القلب ليثبت على ٦٠ ضربة بالدقيقة طيلة فترة الصوم.\nوإن هذا النقص في عدد دقات القلب يوفر ٢٨٨٠٠ دقة في الـ ٢٤ ساعة وهذا معناه أن القلب يرتاح من ربع العمل الذي كان يقوم به.\nهذا من الناحية الكمية، أما من الناحية الكيفية، فالصوم يحسن قوة دقات القلب وشدتها، ونستطيع أن نقول إن الصوم هو طور راحة وعطلة صيفية يستفيد منها كثيرًا ويستعيد أثناءها وبعدها نشاطه على الوجه الأكمل.\n(٢) الصوم وتجدد الأعضاء والأنسجة:\nيقول هـ. م شيلتون:\n\"لقد أثبت عدد من الباحثين أن الجروح الطارئة تكون أسرع التئامًا وشفاء أثناء الصوم منها خارج أوقات الصوم. وكذلك بالنسبة إلى الكسور الطارئة على العظام فإن سرعة التئامها خلال فترة الصوم أكبر مما هو عليه خارج هذه الفترة.\n(٣) الصوم راحة فيزيولوجية ويحسّن التنفس:\n* إن جميع العلياء الذين عملوا في هذا المجال أثبتوا أن الصوم هو دور راحة فيزيولوجية لا شك فيه وأن الغدد الصماء وجهاز التنفس والجملة العصبية ترتاح أثناء الصوم.\n* أما التنفس فيعتبر من أهم الوظائف العضوية التي تتحسن بالصوم، وإن تأثيرات الصوم المفيدة لوظيفة التنفس يمكن مشاهدتها بسهولة عند المرضى المصابين بالربو والتي تتحسن حالتهم كثيرًا أثناء الصوم.\n-أما الفضلات والسموم فالصوم الطبي يحذف تمامًا مصدر السموم هذا، فتتخلص القناة الهضمية تمامًا من جراثيمها، لذلك فإن أسبوعًا واحدًا من الصوم يكفي لتتخلص المعدة والأمعاء من الجراثيم.","vol":"2","page":238},{"text":"(٤) الخلل العقلي والتشاؤم والصرع وفاعلية الصوم لها:\nإن جميع حالات الخلل العقلي يمكن السيطرة عليها بواسطة الصوم، فلقد تم تحسن جميع الحالات تحسنًا كبيرًا.\nفالتشاؤم قد اختفى تمامًا أثناء الصوم (١) .\nوللصوم تأثير كبير وفائدة جليلة في علاج حالات الصرع.\n(٥) الصوم وأعضاء الحس والشعور: العين - اللمس - الذوق - الشم - الأذن:\n* قوة الإبصار تزداد خلال الصوم ازدياد ملحوظًا، وحالات من ضعف البصر الشديد قد تحسنت تحسنًا كبيرًا خلال الصوم، ومما لا شك فيه أنه خلال الصوم تصبح العين أكثر جلاء وبريقًا.\nغير أنه في حالات الصوم الطويل جدًا، يلاحظ أن حسّ الرؤية يضعف، ولكن هذه الحالات مؤقتة، إذ تختفي بعد انتهاء الصوم مباشرة.\n* حاسية اللمس تشتد وتزداد أثناء الصوم.\n* أما الذوق فكثير من الصائمين يقولون إن حس الذوق يزداد لديهم ويصبح أكثر قوة بعد انتهاء الصوم.\n* أما التحسن الذي يطرأ على حاسة السمع فيمكن ملاحظته بسهولة أكثر بكثير من التحسن الذي يطرأ على بقية الحواس.\n* مقدرة حاسة الشم تتحسن تحسنًا ملحوظًا خلال الصوم وبعده.\n(٦) الحموضة المعدية:\nفي الحقيقة لا يوجد وسيلة أخرى أكثر فائدة من الصوم لمعالجة حالات فرط الحموضة المعدية.\n(٧) عصارة الصفراء:\nآلاف التجارب التي أجريت على الصائمين دلت على أنه كلما كانت كمية\n_________\n(١) تقول الدكتورة زينب البشري الأستاذ بمركز الطب النفسي: إن الصيام يعطي شعورًا للمسلم بالارتياح والصفاء الذهني.","vol":"2","page":239},{"text":"الصفراء مزدادة وكبيرة في بدء الصوم، زادت الكمية المطروحة منها في الأمعاء، وبالتالي فإننا نشاهد أن المريض يستعيد صحته بسرعة أكبر\".\n(٨) التهابات القولون والصوم:\nفي حالات إلتهابات القولون تكون كمية المفرزات المخاطية كبيرة ولزجة، تتناقص تدريجيا خلال الصوم إلى أن تنتهي بالشفاء التام.\n(٩) الإفرازات الحامضية للمهبل:\nالمفرزات الحامضية التي يفرزها المهبل عند المرأة، والإفرازات البيضاء تجف وتختفي أثناء الصوم لتعود إلى الشكل الطبيعي والعادي في الحالات السليمة.\n(١٠) الصوم والخصوبة الجنسية عند النساء:\nيقول هـ. م شيلتون: \"إن الصوم كان كافيًا لاستعادة الخصب الجنسي عندهن، وهناك كثير من النساء توجد لديهن صعوبة في الحمل مع قلة في الإخصاب، استطعن عن طريق الصوم إنجاب أطفال، كما تحسن وضعهن العام تحسنًا كبيرًا\".\n(١١) الصوم والتجدد:\nأشارت تجارب كل من الدكتور، \"كارلسون\" والدكتور \"كوند\" في قسم الفيزيولوجيا بجامعة \"شيكاغو\" أن صومًا لمدة أسبوعين فقط كاف لأن يجدد مؤقتًا الأنسجة إلى حالة فيزيولجية تشبه ما هي عليه لدى من عمره سبعة عشر عامًا. والصوم يبعد الشيخوخة ويزيد في القوة العضلية.\nإن التجارب التي أجريت على الإنسان والكلاب في المختبر الحيوي بجامعة \"شيكاغو\" والتي نشرت نتائجها في مجلة، \"الأبحاث الاستقلالية\" قد أظهرت أن صومًا لمدة ٣٠-٤٠ يومًا يعطي زيادة في الاستقلاب مقدارها ٥-٦%، وإذا ما علمنا أن النقص في درجة الاستقلاب هو مظهر من مظاهر الشيخوخة عرفنا أن الصوم بزيادته معدل الإستقلاب في الجسم يعمل على إعادة الشباب إليه.","vol":"2","page":240},{"text":"يقول الدكتور \"تيلدن\" إنه يجب أن يمضي وقت طويل حتى نستطيع أن نفهم أن التوقف عن تناول الأطعمة والأغذية يعطي القوة كما يعطيها تناول الغذاء.\nوهذا التناقض العجيب يبدو فقط للأشخاص الذين لم يجربوا الصوم كطريقة من طرق العلاج.\nلقد أجريت تجارب عديدة بواسطة جهاز خاص يدعي جهاز قياس القوة \"الدينامومتر\" أثبتت أن القوة المعضلية تبقى ثابتة أثناء الصوم، كما أنه وجدت عند بعض المرضى زيادة في القوة العضلية لدى إجراء المقارنة بين ما هي عليه في اليوم الأول من الصوم وما تغدو عليه في اليوم الحادي والعشرين.\n* إن أحد الأبطال العالميين وهو \"فريدي ولش\" وهو بطل العالم للوزن الخفيف في المصارعة، كان يبدأ تدريبه بالصوم لمدة أسبوع، وذلك أثناء استعداده لخوض مباراة هامة.\n* في بدء الصوم وفي الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولى من الصوم يحس الإنسان بالانكسار في القوة الفعلية وبعد ذلك تتحسن حالته ويحس بقوة متزايدة وبحيوية أشد وأقوى إذا استمر في الصوم.\n(١٣) كسب الوزن وخسارته أثناء الصوم:\nاستنتج كارنتون الطبيب العالمي أن الأشخاص يفقدون ٧٥٠ جرام كل يوم في بدء صومهم، ٢٥٠ جرام في نهار الصوم.\nويستطيع الشخص الصائم أن يفقد ٤٠% من وزنه دون أن تتعرض حياته للخطر وإن تعجب فاعجب أن هناك بعض الحالات القليلة جدًا زاد وزنها عندما صامت مثلما حدث مع بطل الألعاب السويدية صام سبعة أيام وزاد وزنه ١٣٥٠ج وهذه الحالات النادرة لها تفسير علمي كما قال الدكتور \"كارنتون\" ليس هذا مجاله. ولكنها حالات نادرة.\n(١٥) الصوم مفيد في حالات الحمى التيفية.\n(١٦) حالات نقص التغذية الشديدة لا تشاهد مطلقًا أثناء الصوم الطبي مهما","vol":"2","page":241},{"text":"طالت مدته: مثل مرض البري بري والبلاجرا.\n(١٧) يرى الدكتور \"ج. هـ بحيلوج\" وهو من كبار معارضي الصوم الطبي أن الصوم:\n(١) يحذف الزائد من الشحوم في الجسم.\n(٢) وكل تراكم من الآزوت الحر والفضلات يختفي بسرعة أثناء الصوم.\n(٣) يولد الشاهية، ويزيد في قابلية التمثيل الغذائي للأنسجة.\n(٤) يجدد نشاط أنسجة الجسم ويعيد إليها شبابها.\n(٥) يورث شعورًا متزايدًا، بالنشاط والراحة.\n(١٨) يقول الدكتور \"جيو. س. ويجر\":\n\"أثناء خبرتي الشخصية المتعلقة بالصوم فإنني لم أر أي حالة من حالات التدرن تظهر في الجسم نتيجة الصوم، بل على العكس من ذلك فقد رأيت عدة مرضى كانوا مصابين بالتدرن تقدمت حالتهم الصحية تقدمًا ملموسًا وتماثلوا نحو الشفاء بعد صوم أعقبه تغذية صحيحة.\n(١٩) الصوم ومقاومة الجسم:\nالصوم يزيد في مقاومة الجسم ولا ينقصها.\nيقول العالم \"بيرزون\": إنه بعد أن صام مدة طويلة، فإن لدغ البعوض لم يكن يحدث لديه الحكة الشديدة والاحمرار الذي كان يحصل عنده قبل الصوم ولقد عالج المؤلف (هـ. م شيلتون) أحد المرضى المصابين بفقر دم شديد بصيام مدة ١٢يوم فقط، فوجد أن الكريات الحمر زادت من ٠٠٠، ٥٠٠، ١ إلى ٣.٢٠٠.٠٠٠ كما أن الخضاب قد زاد من ٥٥% إلى ٨٥% والكريات البيض قد نقصت من ١٧.٠٠٠ إلى ١٤.٠٠٠.\n* لقد أثبت العالم \"روجر جوس\" بتجربته التي أجرها على الأرانب، أن المقاومة عند هذه الحيوانات تزداد بفعل الصوم، فقد أخذ مجموعة من الأرانب، وقام بتصويمها مدة أسبوع كامل، وبعد انتهاء صومها بيومين أو ثلاثة قام","vol":"2","page":242},{"text":"بتلقيحها بالعصبات الكولونية، ثم أخذ مجموعة أخرى من الأرانب وقام بنقل الجرثوم نفسه إليها ولكن من غير أن يصومها هذه المرة، فوجد أن مجموعة الأرانب الثانية قد ماتت بسرعة متأثرة من الجرثوم، في حين أن أرانب المجموعة الأولى قد أصيبت بالمرض ولكنها استطاعت أن تتغلب عليه وتشفى منه.\n(٢٠) الأمور التي لا يحدثها الصوم على الإطلاق:\n(١) الصوم لا يؤدي إلى ضمور المعدة.\n(٢) ولا يكون سببًا في أن تهاجم العصارة الهضمية أعضاء الهضم نفسها.\n(٣) لا يسبب الصوم شللًا في الأمعاء.\n(٤) ولا يكون سببًا في فقر الدم.\n(٥) ولا يسبب الأحمضاض.\n(٦) ولا يضعف العضلة القلبية ولا يؤدي إلى استرخائها.\n(٧) ولا يسبب الأزمات التي تلاحظ في سوء التغذية.\n(٨) ولا يسبب مرض السل ولا يمهد له الطريق أبدًا.\n(٩) ولا ينقص المقاومة للأمراض.\n(١٠) ولا يتلف الأسنان.\n(١١) ولا يضعف الغدد.\n(١٢) ولا يسئ إلى الجملة العصبية.\n(١٣) ولا يسبب الشذوذ النفسي.\n(٢١) أشار العالم \"كارينتون\" إلى أن هناك حالات من الشلل وبعض الأمراض الأخرى يحصل فيها تحسن يومي طيلة فترة الصوم، ولكن اعتبارا من اللحظة التي يقطع فيها الصوم بشكل مبكر، فإن هذا التحسن يتوقف.\n(٢٢) في حالات السل المتقدم فإن الصوم غير مستطب ولا ينصح به.\n(٢٣) اضطرابات والتهابات الطرق التنفسية لا تختفي عادة في صوم قصير المدة.","vol":"2","page":243},{"text":"(٢٤) إن الصوم لفترة قصيرة قد أعطى بعض التحسن الجزئي والقليل في حالات السرطان.\n(٢٥) الداء السكري عند المرضى البدينين يتطلب صومًا طويلًا نسبيًا:\nيقول الدكتور السوري محمود برشه أخصائي الصوم الطبي معلقًا: \"أحب أن أضيف هنا أن المريض بالسكري الذي لم يمض على مرضه خمس سنوات \"وهو المسمى بالداء السكري الحديث\" هو الذي يستفيد من عملية الصوم الطبي، وعندي حوادث عديدة من هذه الحالة، أما المريض بالسكري القديم الذي مضى على مدته أكثر من خمس سنوات فلا يستفيد من صيامه ولو صام عدة مرات ولفترات طويلة، وقد أشرفت على صيام العديد من الأشخاص صاموا أكثر من أربعين يومًا ولم يستفيدوا من صومهم\" ولكل من ديوي وهازارد وكاينتون ومافون تجاربهم على مرضى الداء السكري وأثر الصوم الحسن عليه.\n\"يقول الدكتور مراد عبد الكريم المراد استشاري ورئيس قسم السكري والغدد بالمستشفى المركزي بالرياض: \"مريض سكري النضوج الذي يعالج بالحمية الغذائية فقط هذا النوع من المرضى يستطيع صوم شهر رمضان ونحثه على الصيام في رمضان وفي غير رمضان. أما مريض السكري الذي لا يستطيع الصوم فهو:\n* مريض مصاب بالسكري غير المستقر وهذه حالة نادرة.\n* مريض دون الثلاثين عامًا وهو الذي يكتشف عنده السكري في أوائل شهر رمضان لا يستطيع الصوم عادة لأن مرضه يحتاج إلى متابعة مستمرة بغية الوصول إلى توازن السكر في الدم.\n* المريض المسن المصاب بالسكري منذ أكثر من ثلاثين عامًا ويعاني من مضاعفات مرض السكري المتقدمة مثل فشل القلب، الفشل الكلوي لا يستطيع الصوم.\n* المريضة الحامل المصابة بالسكري لا تستطيع الصوم عادة.\nثم يقول بعد ذلك \"إن غالبية مرضى السكري يستطيعون الصوم\" (١) .\n_________\n(١) \"مرضى السكري وصيام\" رمضان للدكتور عبد الكريم المراد - المجلة العربية العدد ٢٠٠ رمضان ١٤١٤هـ.","vol":"2","page":244},{"text":"وللدكتور الشهير \"آلان\" تجاربه الشهيرة التي نشرت حول علاج الداء السكري بالصوم والتي أسماها \"معالجة آلان\".\n(٢٦) يقول العالم \"سنكلير\": \"إنه قبل شروعه بالصوم، كان يوجد لديه صداع شديد كان يستمر أحيانًا أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وحين شرع في الصوم ظل يشكو من هذا الصداع في اليوم الأول فقط ثم اختفى دون رجعة.\n(٢٧) يقول \"بلوتارك\": بدلًا من استعمال العقاقير والأدوية، صم ولو يومًا واحدًا\".\n(٢٨) الصوم والوقاية من المرض:\nيقول \"تيلدن\" إن جميع الأمراض الحادة يمكن الوقاية منها إذا سبقت بصوم طويل نسبيًا، يسمح بإنقاص السموم المتراكمة، الأمر الذي يدل على أن الصوم الوقائي يضمن لنا مناعة فعالة ضد أي مرض. إن هذه المقولة إذا أخذت مأخذ الجد لابد وأن نجني منها الكثير من الثمار الحسنة.\n(٢٩) يقول البروفسور \"وود\" أستاذ الكيمياء في جامعة مونتريال في كندا:\n\"إن الصوم كعلاج في حالات الروماتيزم المفصلي الحاد قد طبق على سبعة من المرضى، وقد شفى هؤلاء المرضى بسرعة كبيرة بعد ٤-٨ أيام فقط من الصوم، كذلك طبق هذا البروفسور طريقة الصوم عند ٤٠ مريضًا يشكون من المرض نفسه، واستنتج أن للصوم فائدة كبيرة في هذا المرض ذلك أنه لم تفشل هذه الطريقة من العلاج عند أي مريض من المرضى المذكورين كما أنه لم يعط هؤلاء المرضى أي دواء أثناء الصوم.\nكما ذكر هذا البرفسور أيضًا أن الصوم في حالات الروماتيزم يجنب حدوث الاختلاطات القلبية التي تحدث عادة إبان سير هذا المرض.\n(٣٠) أغلب أنواع السعال يمكن إيقافها بصوم لا يتجاوز ثلاثة أيام، وإذا ما تم تجنب الأخطاء الغذائية، فإن السعال سيختفي تمامًا ولن يعود أما المرضى","vol":"2","page":245},{"text":"المصابون بالربو القصبي المعند فإن للصوم تأثيرًا واضحًا في تحسين حالة المريض.\n(٣١) حالات الزحار \"الإسهال\" لا يكون العلاج السليم بإعطاء أدوية مسكنة بل إنما يتم بالصوم.\n(٣٢) يقول الدكتور \"شو\": إنه من النادر جدًا أن لا تختفي آلام الأسنان بعد صوم ٢٤ ساعة فقط، كما قال أيضًا: إذا كان لدينا شخص مصاب بآلام في أسنانه، فمهما كانت شدتها، فإنها ستختفي أو تخف حدتها بعد ٢٤ ساعة من امتناعه عن كل طعام وشراب ما عدا الماء، ودلك شريطة ألا يكون هناك تورم في الوجه أو ترفع حروري، وفي جميع الحالات لا توجد طريقة علاج مكللة بالنجاح التام مثل الصوم.\n(٣٣) هناك أمراض أيضًا تتحسن بالصوم كالتهاب الأنف والتهاب القصبات والربو والتهاب القولون والتهاب المثانة.\n(٣٤) أثر الصوم وفائدته الكبرى في شفاء الداء الإفرنجي غير مختلف فيه. إذ ليس هناك ما هو أشد فعالية من الصوم في الطور الأولى والثانوي للداء الأفرنجي كما أثبت فعاليته في شفاء الطور الثلاثي من هذا المرض.\n(٣٥) هناك حالات من الصمم التام والعمى شفيت بالصوم:\nيقول شيلتون \"لقد أتاني مريض وهو مصاب بالصمم في أذن واحدة، وقد لازمه ذلك الصمم مدة ٢٥ عامًا، صام هذا المريض مدة ٣٠ يومًا وبعدها كانت النتائج مرضية جدًا، فقد استعاد سمعه كالمعتاد في الأذن المصابة.\n(٣٦) الصوم أحسن علاج للمصابين بطنين الأذن، ودوار منيير والصمم الشيخي.\n(٣٧) قال كارينتون: لقد صام عدد من المرضى من أجل التخلص من أمراض رئوية مزمنة أو متكررة فاختفت هذه الأمراض.","vol":"2","page":246},{"text":"وأخص بالذكر: مريض الربو والسعال التحسسي والتهاب القصبات المزمن.\n(٣٨) تحسن الذاكرة والانتباه من آثار الصوم:\nوالصوم في حالات الصرع مفيد كما قال الدكتور رابا غلياني.\n(٣٩) الصوم والإدمان الكحولي:\nلقد كان \"ديوي\" أول من أشار إلى قيمة الصوم الكبير في مكافحة الإدمان الكحولي وقال كارينتون: إن الصوم هو أحد الطرق الأكثر سهولة من أجل معالجة الكحولية.\nوقال ماك فاون في كتابه \"الموسوعة العامة الفيزيائية\": إنه ليس هناك نقدمها كنصيحة لمريض الإدمان أفضل من أن ننصحه بالصوم التام.\n(٤٠) الصوم أفضل علاج للمعتادين على التبغ والتدخين.\n(٤١) وينصح أيضًا، المعتادين على القهوة والشاي والكاكاو التي تحوي الكافئين بالصوم.\n(٤٢) تعالج حالات إدمان الأفيون والمورفين والكاكائين بالصوم:\nكما قال ماك فاوق: إن الصوم هو العلاج ذو القيمة الكبيرة جدًا.\nيقول شليتون: وفي كل الحالات التي عالجتها بنفسي لم أذكر ولا حالة واحدة عاد فيها المدمن إلى ما كان يدمن عليه قبل أن يقوم بالصوم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>الصوم الطبي:</span>\nيقول الدكتور السوري محمود البرشة المختص بالصوم الطبي: \"لا يزال موضوع الصوم الطبي في بلادنا، موضوعًا حديثًا في تطبيقاته الوقائية والعلاجية على حد سواء، في حين أنه أقيمت للصوم مشاف ومصحات خاصة في معظم الدول الأوربية والأمريكية.. ومن حين لآخر تصدر أبحاث علمية جديدة تزيد المعرفة بهذا الموضوع وتطبيقاته العلمية وفوائده السريرية.\nوقد أشرفت بنفسي في عيادتي الخاصة على ما يزيد عن ثلاثة آلاف صائم","vol":"2","page":247},{"text":"كانت الغاية من الصوم عندهم مختلفة.. وبنتيجة هذه الإحصائية التطبيقية أستطيع أن أقول: إن النتائج كانت مذهلة حقًا. ففي هذه الحالات التي زادت على الثلاثة آلاف لم أشاهد حالة واحدة أدت إلى نتيجة سيئة وسأذكر بعض هذه الحالات التي شفيت أو تحسن أصحابها بالصوم من خلال مشاهداتي السريرية الخاصة.\n(١) في حالة البدانية \"السمنة\" استطاع الصوم الطبي أن ينقص الوزن أسبوعيًّا ما بين (٥-٧) كيلو جرام دون أن يشعر الصائم بالجوع أو الوهن.\nويعتبر الصوم الطبي من أنجح الوسائل المستعملة حديثًا في إنقاص الوزن في التحضير للعمليات الجراحية، فمن الممكن أن تنخفض نسبة الكوليسترول من ٩٠٠ ملج/ لتر لتصل إلى الرقم الطبيعي خلال صوم أسبوعين فقط.\n(٢) الروماتيزم: تزول الآلام الروماتيزمية بعد صيام أسبوع واحد، ويمكن لهجمات الروماتيزم أن تختفي بعد صوم ثلاثة أسابيع فقط.\n(٣) التهاب الوريد المزمن: عندي كثير من المشاهدات السريرية التي لم يشف أصحابها إلا على الصوم. ويعتبر الصوم الطبي أسرع علاج إذ أن الشفاء يتم بعد صيام أسبوعين فقط.\n(٤) القرحات الدوالية: كان عندي مريض مصاب بقرحة دوالية ١٠سم ووصف له في النهاية بترساقه، وقد شفيت هذه القرحة على صوم أربعين يومًا.\nوقد أشرفت على عدد من مثل هذه الحالات، وهذا من عجائب الصوم الطبي ومن نتائجه الباهرة التي لا تضاهي.\n(٥) التهاب المفاضل التنكسي: عند المسنين والسمن عند العوام بالعصبي لدى كثير من الحالات التي تحسن أصحابها بعد صوم أسبوعين فقط.\n(٦) حب الشباب المعند يزول بعد صوم ثلاثة أسابيع وكأن صاحبه قد أجري عملية تجميل رائعة.\n(٧) ارتفاع حالات الكوليسترول وتراي جليسيريد يكفيها صوم أسبوعين حتى تنخفض كل المقادير المرتفعة إلى أقل من رقمها الطبيعي.","vol":"2","page":248},{"text":"(٨) الحبسة الدماغية: وهي عدم القدرة على الكلام من منشأ دماغي قد شفى أصحابها على صوم ثلاث حالات شفوا تمامًا بعد صيام ثلاثة أسابيع وعادت لهم القدرة على الكلام تمامًا.\n(٩) عسر الهضم وسوء الامتصاص والنفخة المزمنة وحس الطعم الكريه في الفم كل ذلك قد شفى تمامًا أثناء الصوم.\n(١٠) التهاب القولون المزمن قد تحسن بعد صوم عدة مرات، وذلك من خلال العشرات من الصائمين.\n(١١) أشرفت على صوم عدة مرضى مصابين بالداء السكري الذي لم يمض عليه خمس سنوات فزال المرض تمامًا ولم نحتج إلى استعمال أي معالجة كيماوية بعد ذلك.\n(١٢) المصابين بارتفاع التوتر الشرياني، يكفيهم صيام ثلاثة أيام حتى يبدأ الرقم بالانخفاض تدريجيًا.\n(١٣) داء القلاع المزمن: من جملة الأمراض التي أشرفت عليها وتحسن أصحابها بعد صوم أسبوع واحد فقط.\n(١٤) من غريب المشاهدات التي لاحظتها أثناء إشرافي على الصائمين تجدد نمو الشعر في رؤوسهم.\n(١٥) التهاب الجيوب المزمنة واللوزات المزمنة: تتحسن بعد صوم أسبوعين فقط.\n(١٦) عالجت بالصوم الطبي المرضى المصابين بداء الصدف فكانت النتيجة التحسن بنسبة تزيد عن ٧٠% بعد صيام أربعين يومًا.\n(١٧) المصابون بأمراض تحسسية سواء منها الشرى أم الربو أم السعال التحسسي المعند على المعالجة، فقد كانت النتيجة رائعة وعجيبة بعد صيام ثلاثة أسابيع فقط وقد عالجت الكثير من هؤلاء المرضى، بعد أن يئسوا من كافة العلاجات الأخرى، فلنم يجدوا شفاءً إلا بالصوم الطبي.","vol":"2","page":249},{"text":"(١٨) أشرفت على صوم الكثير من المريضات المصابات بالتهابات نسائية مزمنة مضرة فكان الشفاء حليفهن.\n(١٩) الشقيقة (صداع منتصف الرأس) المزمنة هي إحدى الأمراض التي تستجيب بسرعة للصوم الطبي.\n(٢٠) الذين يشكون من آلام فقرية سواء كانت رقبية أم قطنية عجزية لم تصل إلى حد انفتاق النواة اللبية، فإن الصيام الطبي كفيل بضمان شفائهم بعد مدة ثلاثة أسابيع فقط. وأنا كفيل بهذه النتيجة الحتمية إن شاء الله حيث أنه لم تفشل معالجة مريض واحد من هؤلاء المرضى الذين أشرفت عليهم، وقد بلغ عددهم المئات.\n(٢١) قد يستغرب قارئ هذه الفقرات وخصوصًا الأطباء منهم، ولكن الواقع العملي التطبيقي هو الحقيقة القاطعة لذلك، وعندي من المشاهدات العملية ما تكفي لأن تكون مناظرة فاصلة قاطعة\" (١) .\n* وفي نهاية القرن السابع عشر كتب الدكتور \"هوفمان\" كتابًا شهيرًا حول العلاج بالصوم عنوانه \"وصف النتائج الخيالية والسحرية الناتجة عن الصوم في جميع الأمراض\".\n* أما الدكتور الروسي \"ثون سيلاند\" فقد كتب يقول: \"عقب جميع التجارب التي أجريتها، توصلت إلى أن الصوم ليس فقط واسطة علاجية من نوعية جيدة جدًا، بل أنه يستحق الاحترام من وجهة النظر الثقافية\".\n* كما أن الدكتور \"وولف باير\" وهو طبيب مشهور من الأطباء الألمان أشار في كتابه \"العلاج بالصوم علاج المعجزات\" إلى أنه يؤكد بأن الصوم هو الواسطة الأكثر فعالية من أجل القضاء على أي مرض من الأمراض، ثم أضاف يقول: إن الصوم والجراحة هما الأمران الكبيران والهامان اللذان نملكهما في عتادنا الطبي.\n* وكذلك الأمر فإن الدكتور \"سولد\" رئيس مصحة \"كلوزفيتز\" يقول:\n_________\n(١) من تعليق الدكتور محمود البرشة على كتاب \"التداوي بالصوم\" تأليف هـ. م شيلتون.","vol":"2","page":250},{"text":"إن الصوم هو الطريقة الوحيدة ذات التطور الطبيعي التي تستطيع بواسطة التنظيف الكامل أن تعيد العضوية إلى وضع فيزيولوجي عادي.\nويقول الدكتور \"أوزبك\" أستاذ الجراحة في أوبسالا: لقد حصلت على نتائج باهرة في أغلب الحالات المرضية التي عالجتها بالصوم. ولقد بلغ نجاحه هذا حدًا جعل الإدارة المسؤولة عن الأبحاث تخصص له جائزة مقدارها خمسة آلاف دولار بالإضافة إلى خمسمائة دولار تقدم له كل عام تشجيعًا له على أبحاثه.\nوهكذا يستعمل الصوم في الوقت الحاضر في كثير من المصحات الأوربية وفي بريطانيا، وفي جميع أنحاء المعمورة (١) .\n***\n_________\n(١) كتاب التداوي بالصوم تأليف هـ. م شيلتون. تصدير سماحة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام لسوريا - دار الرشيد دمشق.","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>الفرق بين الصيام الإسلامي والتجويع [الصوم الطبي] </span>(١)\nعرف علماء التغذية الصيام بأنه الامتناع الكلي أو الجزئي عن تناول المأكولات والمشروبات معًا، أو عن تناول المأكولات فقط لفترة من الزمن طالت أم قصرت.\nوقد دخل التجويع (Starvation) في هذا المفهوم للصيام، ويلاحظ أن هذا المفهوم يختلف اختلافًا جوهريًّا عن تعريف الصيام الإسلامي، والذي هو إمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، ولا تذكر المراجع الطبية غالبًا الصيام إلا تحت عنوان التجويع (Starvation)، وقد حصل لذلك خلط ولبس بين الصيام الإسلامي والتجويع، مما جعل الكثيرين من متلقى العلوم الحديثة وخصوصًا الأطباء لا يفرقون بينهما، ويسقطون أخطار التجويع على الصيام الإسلامي، لأن المدرسة الطبية الغربية التي تتلمذ فيها الجميع، لا تشير من قريب أو بعيد إلى الصيام الإسلامي، وتكتفي بالتعميم، هذا وقد أصبح للتجويع مدرسة طبية وأقيمت له مصحات عالمية في كثير من بلدان العالم، يعالجون به عددًا من الأمراض المزمنة، وقد سموه الصيام الكلي أو الطبي (٢) فكان لزامًا علينا في هذا البحث أن نتعرف على\n_________\n(١) هذا البحث بأكمله من كتاب \"الصيام معجزة علمية\" للدكتور عبد الجواد الصاوي - نشر المجلس الأعلى للمساجد - هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة برابطة العالم الإسلامي، وفيه أبحاث من كبار الأطباء وأساتذة كلية الطب جامعة الملك سعود بالرياض وأساتذة كلية الطب جامعة الملك عبد العزيز في ندوتين لهيئة الإعجاز العلمي بينها وبين الأساتذة والباحثين من خارج وداخل المملكة السعودية في جمادي الآخرة سنة ١٤١١هـ.\n(٢) وفي هذا النوع من الصيام كما يسمونه يمتنع فيه عن الطعام فقط دون الماء، لفترة من الزمن تطول أو تقصر، وتقوم فكرته على حقيقة مقدرة الطاقة المختزنة في الجسم على إمداد الإنسان بالحياة والحركة فترة تتراوح من شهر إلى ثلاثة شهور.","vol":"2","page":252},{"text":"كل من الصيام الإسلامي والتجويع، وأن نبين الفروق الجوهرية بينهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>وظائف الأعضاء في الصيام الإسلامي</span>\nتتراوح الفترة الزمنية التي يمتنع فيها المسلم عن تناول الطعام والشراب من ١٢-١٦ ساعة، وتقابل هذه الفترة في علم وظائف الأعضاء بمرحلتين في تمثيل الغذاء داخل الجسم:\n١- مرحلة امتصاص الغذاء وتتراوح من ٣-٥ ساعات تبعًا لكمية ومحتويات الوجبة الغذائية المتناولة في السحور.\n٢- مرحلة ما بعد الامتصاص: والتي تبدأ بعد امتصاص جميع المواد الغذائية في وجبة السحور من الأمعاء الدقيقة.\nيتكون التمثيل الغذائي من مرحلتين: مرحلة بناء، ومرحلة هدم، وأثناء مرحلة البناء تستخدم المواد الغذائية في البناء، وتقابل مرحلة امتصاص الغذاء، وأثناء مرحلة الهدم تكسر المواد الغذائية بواسطة عمليات الأكسدة لإنتاج الطاقة، في صورة حرارة أو عمل أو طاقة مختزنة، وتقابل مرحلة ما بعد الامتصاص.\n١- مرحلة امتصاص الغذاء: وهي مرحلة البناء\nبعد تناول الطعام في وجبة السحور، يرتفع مستوى الجلوكوز والدهون والأحماض الأمينية في الدم، وتبدأ مرحلة البناء والترميم كالتالي:\nأولًا: امتصاص الكربوهيدرات:\nتمتص الكربوهيدرات في صورة جلوكوز بصورة رئيسية، وتمر أولًا إلى الكبد عبر الدورة البابية.\nيزيل الكبد حوالي ٦٠-٨٠% من الكربوهيدرات، وتخزن بعضها في صورة جليكوجين، عن طريق تشجيع عملية تكون الجليكوجين الكبدي (Glycogenesis)، ويحول الباقي إلى أحماض دهنية وثلاثي الجليسرول، حيث تخزن الأحماض الدهنية تباعًا في النسيج الشحمي، ويدخل باقي الجلوكوز (من ٢٠-٤٠%) إلى الأنسجة الطرفية، حيث يختزن كجليكوجين في العضلات، أو","vol":"2","page":253},{"text":"يؤكسد ليعطي مسافة كيمائية في صرة مركب (أدينوزين ثلاثي الفوسفات) وأشباهه.\nوتحفظ الكربوهيدرات معدل جلوكوز الدم ثابتًا، ولو هبط عن معدله لتأثرت جميع الأنسجة التي تعتمد عليه كمصدر أساسي للطاقة، مثل المخ والجهاز العصبي، ويحدث لها حالة مثل التي تحدث لمرضى السكري غير المتحكم فيه.\nينبه ارتفاع الجلوكوز في الدم إفراز الأنسولين، ويقلل من إفراز هرمون الجلوكاجون، والذي يقل بوضوح شديد بعد وجبة غنية بالكربوهيدات.\nتتحول الكربوهيدرات إلى دهون، تختزن في العضلات المخططة والكبد والنسيج الشحمي، كما تتحول إلى أحماض أمينية غير أساسية، عندما لا تتوفر هذه الأحماض في الغذاء.\nثانيًا: امتصاص الدهون:\nأما الدهون من وجبة السحور، فتمتص وتصل إلى الدورة الدموية عن طريق القناة السليمفاوية الصدرية، لتختزن في خلايا الأنسجة الشحمية، على هيئة ثلاثي الجليسرول (Triacylgiycerol)، تحت الجلد، وفي العضلات، وفي الأحشاء، وهذا الخلايا تكبر ثم تنكمش، حينما تحدث تغيرات تخزينية لمستوى الدهن فيها، ويعتبر الدهن مخزنا للطاقة ومادة عازلة في الجسم.\nثالثًا: امتصاص الأحماض الأمينية (البروتينات):\nتتحول البروتينات إلى مكوناتها من الأحماض الأمينية، بفعل العصارات الهضمية في المعدة والأمعاء، ثم تمتص هذه الأحماض ولا تختزن كما هي، ولكن تستخدم في تكوين البروتين الذي يزداد نتيجة لتثبيط عملية تصنيع جلوكوز جديد (Gluconeogenesis) في الكبد فور تناول الوجبة؛ كما يؤكسد الكبد مزيدًا منها.\nتتحلل الأحماض الأمينية الزائدة إلى جزء آزوتي، يتحول إلى بولينا تخرج معه البول، وإلى جزء غير آزوتي قد يتحول إلى جليكوجين يخزن في","vol":"2","page":254},{"text":"الكبد، أو يتحول إلى دهن، يخزن في الجسم لوقت الحاجة.\nوالخلاصة أن التأثير الكلي لوجبة الغذاء - (في السحور)، بناء على ما سبق-، هو تقديم مخزون للجسم من الكربوهيدرات في الكبد، والعضلات، ومخزون من الدن (ثلاثي الجليسرول) في النسيج الشحمي، والكبد، واستخدام الأحماض الأمينية في تصنيع البروتين في كل أنسجة الجسم، وخاصة الكبد، وتقديم الأحماض الدهنية الأساسية والفيتامينات والمعادن، والتي لا يمكن للجسم أن يصنعها بداخله، وتتوقف عليها عمليات الاستقلاب الأساسية.\n٢- فترة ما بعد الامتصاص: وهي مرحلة الهدم:\nتبدأ هذه المرحلة بعد تناول وجبة السحور بحوالي ٤-٦ ساعات بعدما تمتص جميع محتويات الأمعاء الدقيقة، وتتراوح فترة ما بعد الامتصاص من (٦-١٢) ساعة من امتصاص الطعام، وقد تمتد حتى ٤٠ ساعة، وبما أن الصيام الإسلامي يبدأ من بداية مرحلة الامتصاص، وعلى اعتبار أن الصوم في المناطق المدارية حوالي ١٥ ساعة، فإن عدد ساعات الصيام الإسلامي لن تتعدى غالبًا فترة ما بعد الامتصاص.\nويمكن تلخيص أهم الأحداث في هذه المرحلة فيما يلي:\n١- تتوقف جميع المواد الغذائية التي تصل الجسم من خلال الأمعاء خلال هذه الفترة، ويعتمد الجسم البشري على المخزون من الغذاء للحصول منه على الطاقة، ويحرك هذا المخزون هبوط تركيز جلوكوز الدم، وفي بداية هذه المرحلة يكون مصدر الجلوكوز في الدم ناتج من تحلل الجليكوجين الكبدي، وتأخذ جميع أنسجة الجسم الطاقة منه.\n٢- يهبط مستوى الجلوكوز في الدم، فيؤدي إلى نقص إفراز الإنسولين (الذي كان مرتفعًا في فترة الامتصاص)، وهذا يعمل كمنبه لإفراز هرمون الجلو-كاجون، وهذه التغيرات الهرمونية تؤدي إلى ازدياد تحلل الجليكوجين الكبدي، وتثبيط تكونه، وازدياد تصنيع جلوكوز جديد في الكبد، لأن تحلل الجليكوجين بمفرده لا يكون قادرًا على إنتاج الجلوكوز الكافي، خصوصًا كلما","vol":"2","page":255},{"text":"اتجهنا لنهاية هذه المرحلة، فيصنع جلوكوز إضافي من الأحماض الأمينية في الكبد، وخصوصًا من حمض الألانين لذلك فالكبد يقدم خلال هذه المرحلة كل جولكوز الجسم، (٧٥% منه من تحلل الجليكوجين، ٢٥% من عملية تصنيع جلوكوز جديد)، وبالتالي فالأنسجة التي تعتمد اعتمادًا أساسيًا على الجلوكوز مثل المخ، وكرات الدم الحمراء، تستهلك الجلوكوز، ولا تتأثر بتاتًا بأي نقص فيه في مرحلتي الامتصاص وما بعد الامتصاص، وهما يمثلان فترة الصيام الإسلامي.\n٣- ينقص تكون الدهن (ثلاثي الجليسرول) وتخزينه، ويزداد تحلله، بسبب ارتفاع هرمون الجلوكاجون، وهبوط الإنسولين والجلوكوز في الدم، مما يؤدي إلى تنشيط إطلاق الأحماض الدهنية الحرة من النسيج الشحمي، والتي تؤكسد لتمد معظم الأنسجة باحتياجاتها من الطاقة، مثل العضلات والقلب، وتحفظ بهذا معظم الجلوكوز للأنسجة الأخرى، وفي نهاية هذه المرحلة يعتمد الجسم أساسًا على أكسدة هذه الدهون.\n٤- معدل تحلل الدهون وهبوط الإنسولين في الدورة البابية خلال هذه الفترة، لا يكون بالقدر الذي يشجع الكبد لتحويل الأحماض الدهنية الحرة إلى أجسام كيتونية، ولا يزال المخ في هذه الفترة يستخدم الجلوكوز فقط.\n٥- تبدأ الأحماض البروتينية في الانطلاق تحت تأثير هبوط الإنسولين، كنتيجة للنقص الشديد في تصنيع بروتين العضلات، وخصوصًا حمضي الجلوتامين والألانين، حيث يشاركان في عملية تصنيع الجلوكوز الجديد في الكبد، الذي يعزز الجلوكوز المنتج بواسطة تحلل الجليكوجين)، والنتيجة النهائية للتغيرات في تركيز هرموني (الإنسولين والجلوكاجون، هو توفير الجلوكوز، وإطلاق الأحماض الدهنية الحرة من النسيج الشحمي، فتستهلك العضلات الطرفية والنسيج الشحمي، جلوكوزًا أقل في نهاية هذه المرحلة، وتعتمد أكثر على الأحماض الدهنية كمصدر رئيسي للطاقة.\nهناك علاقة بين نسبة أكسدة الأحماض الدهنية واستهلاك الجلوكوز بواسطة","vol":"2","page":256},{"text":"الأنسجة في هذه المرحلة، فكلما زادت أكسدة الدهون، قل استهلاك الجلوكوز، والعكس با-لعكس، لذلك فعندما -تقل نسبة الأكسدة للأحماض الدهنية، لا يتأخر نفاد الجليكوجين عن حوالي ١٠ ساعات، وعندما تزداد أكسدة هذه الأحماض، فلربما يتأخر نفاذه إلى حوالي ٢٤ ساعة، وبما أنه في نهاية هذه الفترة تتسارع أكسدة الأحماض الدهنية، وفي بدايتها يستهلك الجلوكوز بكميات أكبر، فمعظم الأنسجة تستهلك الجلوكوز أثناء فترة الصيام الإسلامي.\nأما في نهايتها فيستهلكه المخ والجهاز العصبي وكرات الدم الحمراء فقط وهذه الأجهزة التي تعتمد أساسًا على الجلوكوز لا تحصل على الطاقة إلا منه خلال فترة الصيام الإسلامي، من ذلك ندرك بعض الحكمة في حرص النبي - ﷺ - أن يلتزم المسلمون بتناول السحور وتأخيره إلى نهاية الليل (طلوع الفجر)، ثم حرصه - ﷺ - أيضًا على تعجيل الفطر، حتى تختصر فترة ما بعد الامتصاص إلى القدر غير المرهق للعمليات الحيوية، وبما لا يمثل أدنى شدة على الجسم البشري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>وظائف الأعضاء في التجويع المطلق:</span>\nقسمت المراجع الطبية التجويع إلى ثلاث مراحل: مبكر، ومتوسط الأجل، وطويل الأجل، والمرحلة المبكرة منه هي مرحلة ما بعد امتصاص الغذاء، وقد تقدم الحديث عنها في الصيام الإسلامي، واعتبرها البعض مرحلة مستقلة، وقسم التجويع إلى مرحلتين: قصير الأجل، وطويل الأجل.\n١- التجويع قصير الأجل:\nتتراوح مدة هذه المرحلة من يومين إلى سبعة أيام، والتغيرات الاستقلابية التي تحدث خلال هذه الفترة، عبارة عن استمرار وتسريع للعمليات التي بدأت في فترة ما بعد الامتصاص.\nيحدث انخفاض تدريجي في تركيز جلوكوز الدم والإنسولين في هذه المرحلة مع ارتفاع لهرمون الجلوكاجون، فيؤدي إلى زيادة إفراز الأحماض الأمينية في العضلات، و(خصوصًا حمضي الجلوتامين والألانين) وزيادة انحلال الدهن في الأنسجة الشحمية، ويتحول بعض الجلوتامين الذي تفرزه","vol":"2","page":257},{"text":"العضلات بواسطة الخلايا الماصة في الأمعاء إلى حمض الألانين، الذي يساهم مع حمض اللاكتيك الذي تفرزه الكريات الحمراء والأنسجة الأخرى، وكذلك الجليسرول الذي يتم إفرازه من تحلل الدهن تساهم كلها في زيادة معدل تكوين الجلوكوز الجديد في الكبد، ويزيد إنتاج هذا الجلوكوز في هذه المرحلة من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف إنتاجه في فترة ما بعد الامتصاص، وهو مسئول عن كل كمية الجلوكوز التي يفرزها الكبد، وتقترن زيادة إنتاج الجلوكوز إبان فترة التجويع قصير الأجل، بارتفاع تحلل البروتين، ويحدث بذلك توازن نتروجيني سلبي هام، يتم فيه إفراز معظم النتروجين على شكل بولينا، ويأخذ الكبد في هذه المرحلة مساهمة كبيرة في إمداد الأنسجة المختلفة بالطاقة التي تحتاجها؛ وتوفر ٢٠% من الطاقة اللازمة للعضلات والدماغ.\nوهكذا فإن الاستقلاب الحاصل خلال فترة التجويع قصير الأجل، يتصف بارتفاع معدلات استقلاب البروتين، وتصنيع الجلوكوز الجديد بكميات كبيرة، وتكون الأجسام الكيتونية لتأمين حاجة الجسم من الطاقة.\n٢- التجويع لفترات طويلة:\nتتراوح مدة هذه المرحلة من أسبوعين إلى ستة أسابيع، ينخفض خلالها معدل تحلل البروتين وإفراز النتروجين، ويزداد تحلل الدهون، ويعتمد على ثلاثي الجليسرول القادم من الأنسجة الشحمية لتأمين الطاقة، وينخفض إنتاج جلوكوز الكبد من حوالي ٢٠٠ جم يوميًّا خلال فترة ما بعد الامتصاص، إلى حوالي ٥٠ جم/ في اليوم، خلال هذه المرحلة، ويعتمد حوالي ٧٥% من جلوكوز الكبد على مصادر الأحماض غير الأمينية (لاكتات، بيروفات، جليسرول)، ويعني ذلك أن عملية تصنيع الجلوكوز الجديد لا يكون وقودها الأساسي الأحماض الأمينية كما في الفترة السابقة.\nوفي الوقت ذاته تشارك الكليتان في إنتاج الجلوكوز الجديد، إذ تكون الكلية حوالي ٤٠ جم/ في اليوم (تؤخذ من الأحماض الأمينية)، مع إفراز النيتروجين الزائد على شكل أمونيا لا على شكل بولينا، وينخفض لذلك فقدان النيتروجين بصورة تدريجية خلال هذه المرحلة، ومع انخفاض الطلب على","vol":"2","page":258},{"text":"الجلوكوز في هذه الفترة ينخفض أيضًا معدل إفراز الأحماض الأمينية من العضلات إلى حوالي ثلث الكمية المفرزة في فترة ما بعد الامتصاص.\nومع ازدياد معدل انحلال الدهن تزداد الأحماض الدهنية التي تصل إلى الكبد، فيرتفع معدل إنتاج الأجسام الكيتونية، وتزداد تدريجيًّا في الدم وتصل إلى مستوى ثابت، يعتمد عنده الدماغ للحصول على الطاقة منها، لتحل محل الجلوكوز كمصدر رئيسي للطاقة، إذ توفر من (٦٠-٨٠%) من كمية الطاقة التي يحتاجها الدماغ.\nهذا وقد وجد أن ارتفاع مستوى الأجسام الكيتونية في مصل الدم لا ينتج زيادة في حموضة الدم، وذلك لأن الأمونيا الناجمة عن تكون الجلوكوز الجديد في الكلية (من الجلوتامين أساسًا) تسبب زيادة تعويضية في إفراز البروتينات.\nويبدو أيضًا أن ارتفاع مستويات الأجسام الكيتونية يساهم في انخفاض تكون الجلوكوز الجديد الملازم لهذه المرحلة، وذلك يمنع انحلال بروتينات العضلات؛ لذا فإن الأجسام الكيتونية تعمل على خفض إنتاج جلوكوز الكبد، وتعمل بمثابة طاقة بديلة للدماغ، وتحافظ على بروتينات الجسم، ومع نفاذ كمية الدهون القابلة للنقل والتحريك في نهاية هذه المرحلة، فإنه تحدث زيادة في استقلاب البروتينات في المراحل قبل النهائية، وهكذا فإن القدرة على تحمل التجويع أو الصيام الطبي لفترات طويلة، يعتمد على كمية الدهون المخزونة في الأنسجة الشحمية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>أوجه الاتفاق والاختلاف بين الصيام الإسلامي والتجويع:</span>\nهناك أوجه اتفاق واختلاف بين الصيام الإسلامي، وبين ما يعرف بالصيام الطبي (التجويع المطلق)، وتتيح أوجه الاتفاق بينهما مساحة مشتركة تجعل كل الفوائد الثابتة علميًا للصيام الطبي، تتحقق بالصيام الإسلامي المثالي، التي تقل فيه فترة الهضم والامتصاص، وذلك بالاعتدال في الطعام أثناء السحور والإفطار وتتاح فيه فرصة أكبر لعملية تحلل المدخرات الغذائية وذلك ببذل الجهد والعمل الدائب والتخلص من الكسل وكثرة النوم أثناء الصيام.","vol":"2","page":259},{"text":"وبناء على ذلك فقد استشهدنا ببعض الأبحاث التي أجريت على الصيام الطبي لعلاج بعض الأمراض، ولإثبات بعض الحقائق التي أخبرها عنها النبي - ﷺ - في الصيام، ولتكن هذه الأبحاث حافزًا للباحثين على إجرائها في الصيام الإسلامي.\nويمكن تلخيص أوجه الاتفاق والاختلاف بين الصيام الطبي والصيام الإسلامي في النقاط التالية:\n١- يتفق الإثنان في تحقيق هدف مشترك، هو إراحة الجسم من هضم الغذاء، وإتاحة الفرصة لاستهلاك المدخر منه، وطرح السموم المتراكمة فيه، وتنشيط عمليات الاستقلاب الحيوية.\n٢- كلاهما يمتنع فيه عن تناول المواد الغذائية في فترة زمنية محددة.\n٣- ويختلفان في أن للصيام الإسلامي فترة زمنية محددة بنهار اليوم، ومتتابعة لمدة شهر، ودورية كل سنة على وجه الإلزام للمسلم، ولعدة أيام متفرقة في بقية العام على وجه الاختيار (صيام التطوع)، أما في الصيام الطبي: فهو امتناع عن الغذاء فترة زمنية متصلة تحدد لكل إنسان حسب ظروفه، أو مرضه، وهي على وجه الاختيار.\n٤- الصيام الإسلامي يستطيعه كل المكلفين الأصحاء في شتى الأقطار والأزمان، وهو سهل ميسور، وليس فيه أية أخطار على الجسم، ولا يمثل أية شدة، والمسلمون يصومون طائعين، فرحين، محبين، أما الصوم الطبي فلا يستطيعه الناس جميعًا وهو قهر شديد للنفس، ويمثل مشقة وعنتًا للجسم، ولا يقبل عليه إلا من طغى عليه المرض، أو استيقن بفائدة يجنيها من ممارسته، ويصوم محاطا بالأطباء والممرضين وأجهزة الإسعاف والطوارئ.\n٥- للتجويع أْخطاء لا توجد في الصيام الإسلامي: يحرم الجسم في أثناء التجويع من إمداده بالأحماض الدهنية الأساسية، والأحماض الأمينية الأساسية (Essential Naimo and Fatty Acids)، والتي لا تتوافر إلا في الغذاء، وتتجمع كميات كبيرة من الأحماض الدهنية في الكبد، نتيجة لتحلل الدهن","vol":"2","page":260},{"text":"المختزن في أنسجة الجسم بمعدلات كبيرة، مما يؤدي إلى ترسب الدهن بكثرة (ثلاثي الجليسرول Triaclyglycerol) في خلاياه، الأمر الذي ينجم عنه حالة تشمع للكبد (Fatty Liver) فتضطرب وظائفه ويصاب الجسم بالعلل.\nوهذا بفضل الله لا يحدث في الصيام الإسلامي، حيث يمد الجسم بالأحماض الدهنية الأساسية والأحماض الأمينية الأساسية في وجبتي السحور والفطور، ويقوم الكبد بتركيب البروتين والمواد الدهنية والفوسفورية، بمعدل كاف لعملية تصنيع البروتين الشحمي (Lipoprotin) منخفض الكثافة جدًا، وهو المركب الذي يسهل نقل الدهون من الكبد، وحتى لا تتجمع بكميات كبيرة تعوق هذه العملية الحيوية، فلا يحدث التشمع الكبدي كما في حالة التجويع.\nوالحرمان من الأ-حماض الأمينية والد-هنية يؤدي إلى خلل -في الجسم فلا تتكون بعض البروتينات، والهرمونات، والأنزيمات الهامة، والتي يتوقف تكونها على توافر الأحماض الأساسية، كما أن الحرمان من الأحماض الأمينية في الغذاء يؤدي إلى تهدم مزيد من خلايا الجسم، وخصوصًا العضلات لإنتاج هذه الأحماض واستخدامها في تصنيع الجلوكوز، أو إنتاج الطاقة بعد تحويلها إلى أحماض أكسجينية، ويحدث بذلك توازن نتروجيني سلبي (Negative Nitrogen Balance) .\nكما أنه في حالة التجويع تحدث أكسدة كثيفة للأحماض الدهنية المتجمعة في الكبد، مما ينتج عنه كميات كبيرة من الأجسام الكيتونية (Acito Acetic and Sever Metavolic Acidosis) والتي تؤدي بدورها إلى حموضة شديدة بالدم، (Sever Metavolic Acidosis) .\n٦- للصيام الإسلامي مميزات لا توجد في التجويع:\nأ- يحدث توازن لدورتي البناء والهدم أثناء الصيام الإسلامي، وذلك بتناول الطعام في المساء، والامتناع عنه أثناء النهار، ويصب في مجمع الأحماض الأمينية كمية كبيرة من هذه الأحماض القادمة مع الغذاء، مما يساعد على التجديد السريع لخلايا، ومكوناتها، وتوفير القدر اللازم منها لإنتاج","vol":"2","page":261},{"text":"جلوكوز الدم أثناء النهار، وتوفير الأحماض الأمينية الحرة في بلازما الدم.\nب- وجود كمية مخزونة من البروتين في خلايا الكبد، بواسطة التضخم (Hypertrophy)، وفرط التنسج (Hyperplasia)، بعد وجبتي الفطور والسحور يجعل الجسم قادرًا على تكوين البروتينات الحيوية اللازمة كبروتينات البلازما (الألبيومين والجلوبيولين والفيبرونوجين)، وعوامل تخثر الدم، وكثير من البروتينات اللازمة لنقل المواد والمركبات الحيوية فيما بين الأعضاء والأنسجة المختلفة، وذلك كالبروتين اللازم لنقل الحديد، وفيتامين ب ١٢، والأدوية، وغير ذلك، وهذا لا يتوفر بكميات كافية أثناء التجويع لفترات طويلة، مما يسبب سيولة في الدم، وتورمًا في الجسم، وانخفاضًا في الأجسام المضادة، وظهور أعراض نقص فيتامين ب ١٢، وبعض المعادن الحيوية الأخرى.\nج- يحدث مزيدًا من إنتاج اليوريا من الأمونيا المتكونة من الأحماض الأمينية، بعد تناول الغذاء في المساء، ولا يحدث غالبًا أي خلل في التوازن النتروجيني أثناء النهار، نتيجة لتخزين الكبد الكمية من البروتين في خلاياه بعد وجبتي السحور والإفطار.\nد- يتخلص الجسم من الدهون بطريقة طبيعية آمنة في الصيام الإسلامي، فلا تؤدي إلى تشمع الكبد، حيث لا تتجمع كميات كبيرة منها كما في التجويع.\nهـ- تنشط عمليات الكبد الحيوية في الصيام الإسلامي، فيقوم بتصنيع البروتين، والمواد الدهنية الفوسفورية، لتكوين البروتين الشحمي، الحيوي\nللجسم (VDLP)، والذي يقوم بنقل الدهون من الكبد، بعكس التجويع الذي يثبط هذه العملية الحيوية.\nوتتأكسد الأحماض الدهنية ببطء، ولا تتجمع الأجسام الكيتونية في الدم، وتحدث حموضة الدم الخطيرة كما في حالة التجويع.\n***","vol":"2","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>نظريات علمية في بعض فوائد الصيام الإسلامي وآدابه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>الصيام والتخلص من السموم</span>\nيتعرض الجسم البشري لكثير من المواد الضارة، والسموم التي قد تتراكم في أنسجته، وأغلب هذه المواد تأتي للجسم عبر الغذاء الذي يتناوله بكثرة، وخصوصًا في هذا العصر، الذي عمت فيه الرفاهية مجتمعات كثيرة، وحدث وفر هائل في الأطعمة بأنواعها المختلفة، وتقدمت وسائل التقنية في تحسنها وتهيئتها وإغراء الناس بها، فانكب الناس يلتهمونها بينهم، مما كان له أكب الأثر في إحداث الخلل لكثير من العمليات الحيوية داخل خلايا الجسم، وظهر -نتيجة لذلك- ما يسمى بأمراض الحضارة: كالسمنة، وتصلب الشرايين، وارتفاع الضغط الدموي، وجلطات القلب، والمخ، والرئة، ومرض السرطان، وأمراض الحساسية والمناعة.\nوتذكر المراجع الطبية: أن جميع الأطعمة تقريبًا في هذا الزمان تحتوي على كميات قليلة من المواد السامة، وهذه المواد تضاف للطعام أثناء إعداده، أو حفظه: كالنكهات، والألوان، ومضادات الأكسدة، والمواد الحافظة، أو الإضافات الكيميائية للنبات أو الحيوان: كمنشطات النمو، والمضادات الحيوية، المخصبات، أو مشتقاتها، وتحتوي بعض النباتات في تركيبها على بعض المواد الضارة، كما أن عددًا كبيرًا من الأطعمة تحتوي على نسبة من الكائنات الدقيقة، التي تفرز سمومها فيها وتعرضها للتلوث، هذا بالإضافة إلى السموم التي نستنشقها مع الهواء، من عوادم السيارات، وغازات المصانع، وسموم الأدوية التي يتناولها الناس بغير الناس بغير ضابط، إلى غير ذلك من سموم الكائنات الدقيقة، التي تقطن في أجسامنا بأعداد تفوق الوصف والحصر، وأخيرًا مخلفات الاحتراق الداخلي للخلايا، والتي تسبح في الدم، كغاز ثاني أكسيد","vol":"2","page":263},{"text":"الكربون، واليوريا، والكرياتنين، والأمونيا، والكبريتات، وحمض اليوريك.. إلخ، ومخلفات الغذاء المهضوم، والغازات السامة التي تنتج من تخمره وتعفنه، مثل الأندول والسكاتول والفينول.\nكل هذه السموم جعل الله ﷾ للجسم منها فرجًا ومخرجًا، فيقوم الكبد وهو الجهاز الرئيسي في تنظيف الجسم من السموم، بإبطال مفعول كثير من هذه المواد السامة، بل قد يحولها إلى مواد نافعة، مثل: اليوريا، والكرياتين، وأملاح الأمونيا، غير أن للكبد جهدًا وطاقة محدودة، وقد يعتري خلاياه بعض الخلل لأسباب مرضية، أو لأسباب طبيعية كتقدم السن فيترسب جزء من هذه المواد السامة في أنسجة الجسم، وخصوصًا في المخازن الدهنية.\nوتذكر المراجع الطبية، أن الكبد يقوم بتحويل مجموعة واسعة من الجزئيات السمية، والتي غالبًا ما تقبل الذوبان في الشحوم، إلى جزئيات تذوب في الماء غير سامة، يمكن أق يفرزها الكبد عن طريق الجهاز الهضمي، أو تخرج عن طريق الكلى.\nوفي الصيام تتحول كميات هائلة من الشحوم المختزنة في الجسم إلى الكبد حتى تؤكسد، وينتفع بها، وتستخرج منها السموم الذائبة فيها، وتزال سميتها ويتخلص منها مع نفايات الجسد.\nكما أن هذه الدهون المتجمعة أثناء الصيام في الكبد، والقادمة من مخازنها المختلفة، يساعد ما فيها من الكوليستيرول على التحكم وزيادة إنتاج مركبات الصفراء في الكبد، والتي بدورها تقوم بإذابة مثل هذه المواد السامة، والتخلص منها مع البراز.\nويؤدي الصيام خدمة جليلة للخلايا الكبدية، بأكسدته للأحماض الدهنية، فيخلص هذه الخلايا من مخزونها من الدهون، وبالتالي تنشط هذه الخلايا، وتقوم بدورها خير قيام، فتعادل كثيرًا من المواد السامة، بإضافة حمض الكبريت أو حمض الجلوكونيك، حتى تصبح غير فعالة ويتخلص منها الجسم.\nكما يقوم الكبد بالتهام أية مواد دقيقة، كدقائق الكربون التي تصل إلى الدم","vol":"2","page":264},{"text":"ببلعمة جزيئاتها، بواسطة خلايا خاصة تسمى خلايا \"كوبفر\"، والتي تبطن الجيوب الكبدية، ويتم إفرازها مع الصفراء.\nوفي أثناء الصيام يكون نشاط هذه الخلايا في أعلى معدل كفائتها، للقيام بوظائفها، فتقوم بالتهام البكتريا، بعد أن تهاجمها الأجسام المضادة المتراصة.\nوبما أن عمليات الهدم (Catabolis) في الكبد أثناء الصيام تغلب عمليات البناء في التمثيل الغذائي، فإن فرصة طرح السموم المتراكمة في خلايا الجسم تزداد خلال هذه الفترة، ويزداد أيضًا نشاط الخلايا الكبدية في إزالة سمية كثير من المواد السامة، وهكذا يعتبر الصيام شهادة صحية لأجهزة الجسم بالسلامة.\nيقول الدكتور \"ماك فادون\" وهو من الأطباء العالميين، الذين اهتموا بدراسة (١) الصوم وأثره، \"إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم، وإن لم يكن مريضًا، لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم، فتجعله كالمريض وتثقله، فيقل نشاطه، فإذا صام الإنسان تخلص من أعباء هذه السموم، وشعر بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل\".\n***\n_________\n(١) الصوم الطبي الذي هو الجوع المطلق والتجويع.","vol":"2","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>هل الأفضل في الصيام الحركة أم السكون</span>؟\nذكرت المراجع، أن الحركة العضلية في فترة ما بعد امتصاص الغذاء - (أثناء الصوم) - تؤكسد مجموعة خاصة من الأحماض الأمينية (ليوسين وأيسولوسين والفالين)، وتسمى الأحماض ذات السلسلة المتفرعة (BrCAAs)، وبعد أن تحصل الخلايا العضلية على الطاقة المنبعثة من هذا التأكسد، يتكون داخل هذه ا-لخلايا حمضين أمينيين -في غاية الأهمية، وهما حمضا الألانين والجلوتامين، ويعتبر الأول وقودًا أساسيًا في تصنيع الجلوكوز الجديد في الكبد، ويدخل الثاني في تصنيع الأحماض النووية، ويتحول جزء منه إلى الحمض الأول، كما يتكون أثناء النشاط والحركة حمضًا البيروفيت واللاكتيت، من أكسدة الجلوكوز. في الخلايا العضلية واللذان يعتبران أيضًا الوقود الأولي لتصنيع جلوكوز الكبد.\nتتأكسد الأحماض الأمينينة ذات السلسلة المتفرعة أساسًا في العضلات، حيث يوجد الأنزيم الخاص بتحويل مجموعة الأمين (Amino Transteraset) بكثرة في جهازي الاحتراق (الميتوكندريا) والسيتوزول (Cytosol) في الخلايا العضلية، وتزداد هذه الأكسدة بالحركة، لذلك فعملية تصنيع جلوكوز جديد في الكبد تزداد بازدياد الحركة العضلية، وربما تصل إلى ثلاثة أضعافها في حالة عدم الحركة، ويعتبر حمض الألانين أهم الأحماض الأمينية المتكونة في العضلات أثناء الصيام، إذ يبلغ ٣٠% منها، وتزيد هذه النسبة بالحركة والنشاط، ويتكون من أكسدة بعض الأحماض الأمينية ومن البيروفيت، كما يتحول هو أيضًا إلى البيروفيت عبر دائرة تصنيع الجلوكوز في الكبد، وأكسدته في العضلات.\nويستهلك الجهاز العضلي الجلوكوز القادم من الكبد، للحصول منه على الطاقة، فإن زادت الحركة وأصبح الجلوكوز غير كاف لإمداد العضلات بالطاقة، حصلت على حاجتها من أكسدة الأحماض الدهنية الحرة القادمة من تحلل الدهن في الأنسجة الشحمية؛ فإن قلت الأحماض الدهنية حصلت العضلات على الطاقة من الأجسام الكيتونية الناتجة من أكسدة الدهون في الكبد؛ والذي يؤكد","vol":"2","page":266},{"text":"أن النشاط والحركة تنشط جميع علميات الأكسدة لكل المركبات التي تمد الجسم بالطاقة؛ وتنشط عملية تحلل الدهون، كما تنشط أيضًا عملية تصنيع الجلوكوز بالكبد، من الجليسرول الناتج من تحلل الدهون في النسيج الشحمي ومن اللاكتيب الناتج من أكسدة الجلوكوز في العضلات.\nلذلك فالحركة والنشاط أثناء الصيام الإسلامي عمل إيجابي وحيوي يزيد من كفاءة عمل الكبد والعضلات؛ ويخلص الجسم من الشحوم، ويحميه من أخطار زيادة الأجسام الكيتونية.\nكما أن الحركة العضلية تثبط تصنيع البروتين في الكبد والعضلات، وتتناسب درجة التثبيط مع قوة الحركة ومدتها، وهذا بدوره يوفر طاقة هائلة تستخدم في تكوين البروتين، حيث تحتاج كل رابطة فن الأحماض الأمينية إلى مخزون الطاقة في خمسة جزئيات للأدينوزين والجوانين ثلاثي الفوسفات (ATP &amp; GTP) وإذا كان كل جزيء من هذين المركبين يحتوي على كمية من الطاقة -تتراوح من ٥-١٠ كيلو كا-لوري، وإذا علمنا أن أبسط أ-نواع البروتين لا يحتوي ا-لجزيء منه على أقل من ١٠٠ حمض أميني، فكم تكون إذًا الطاقة المتوفرة من تثبيط تكوين مجموعة البروتينات المختلفة بأنواعها المتعددة؟\nوفي أثناء الحركة أيضًا يستخدم الجلوكوز والأحماض الدهنية والأحماض الأمينية في إنتاج الطاقة للخلايا العضلية، وهذا بدوره يؤدي إلى تنبيه مركز الأكل في الوساد تحت البصري (Hypothalamus)، وذلك لوجود علاقة عكسية (Freed Back) بين هذه المواد في الدم ودرجة الشبع وتنبيه مركز الأكل في الدماغ.\nلذلك فالحركة العضلية تنبه مركز الأكل وتفتح الشهية للطعام.\nكما أن الحركة والنشاط العضلي الزائد، يحلل الجليكوجين إلى جلوكوز في عدم وجود الأكسجين، وينتج من جراء التمثيل الغذائي للسكر الناتج حمض اللا-كتيك، الذي -يمر إلى الدم ويتحول بدوره إ-لى جلو-كوز، وجليكوجين بواسطة الكبد، ففي العضلات لا يتحلل الجليكوجين إلى جلوكوز في حالة السكون كما في الكبد، وذلك لغياب أنزيم فوسفاتاز -٦- الجلوكوز","vol":"2","page":267},{"text":"(Glusose ٦ Phosphatase)، فالحركة إذن عامل هام لتنشيط استقلاب المخزون من الجليكوجين العضلي إلى جلوكوز، وتقديمه للأنسجة التي تعتمد عليه كالمخ، والجهاز العصبي، وخلايا الدم، ونقيُ العظام، ولب الكلى.\nكما يمكن أن تكون للحركة العضلية علاقة بتجديد الخلايا المبطنة للأمعاء، فتحسن بذلك الهضم والامتصاص للمواد الغذائية، إذ تحتاج هذه الخلايا لحمض الجلوتامين لتصنيع الأحماض النووية (Nucleotide Synthesis) والذي تنتجه العضلات بكثرة أثناء الحركة.\nويتجدد شباب الخلايا المبطنة للأمعاء (Mucosal) كل يومين إلى ٦ أيام، وتفقد يوميًا ١٧ بليون خلية (١٥)، فهل يمكن أن تكون الحركة العضلية علاجًا لاضطرابات الهضم وسوء الامصاص؟\nإن فلسفة الصيام مبنية على ترك الطعام والشراب، وتشجيع آليات الهدم (العمليات الكيمائية الحيوية) أساسًا في عملية التمثيل الغذائي، والنهار هو الوقت الذي تزداد فيه عمليات التمثيل الغذائي، وخصوصًا عمليات الهدم، لأنه وقت النشاط والحركة واستهلاك الطاقات في أعمال المعاش، وقد هيأ الله ﷾ للجسم البشري ساعة بيولوجية تنظم هرمونات الغدد الصماء، وكثيرًا من آليات التمثيل الغذائي بما يتوافق ونشاط هذه الآليات أثناء النهار.\nولنضرب مثلًا بهرمون الكورتيزول والأدرينالين، فالأولى يكون في أقصى زيادة له عند التاسعة صباحًا تقريبًا -في الشخص الذي ينام ليلًا-، ويقل تدريجيًا حتى يصل إلى خمس معدل تركيزه عند منتصف الليل، وهذا الهرمون هو من هرمونات الهدم، إذ يعمل على تكسير اليروتينات إلى أحماض أمينية، والثاني هرمون الأدرينالين، إذ يصل إلى أقصى معدل له في نهاية فترتي الصباح والظهيرة (حوالي التاسعة صباحًا والثانية ظهرًا) . وهذا الهرمون يرفع معدل تركيز الجلوكوز والأحماض الدهنية، ويزيد من معدل هدمها، كما يساعد في تثبيط كون البروتين، وأكسدة الأحماض الأمينية في العضلات، ويحرك الألانين إلى الكبد، لتكوين جلوكوز جديد فيه وتقديم المزيد من الطاقة للجسم، كما ينبه الجهاز العصبي.","vol":"2","page":268},{"text":"لذلك فقد يكون هذا أحد الأسرار التي جعل الله من أجلها الصيام في النهار، وقت النشاط والحركة والسعي في مناكب الأرض، ولم يجعله بالليل وقت السكون والراحة!\nمن أجل هذا يمكننا أن نقول وبكل ثقة إن النشاط والحركة أثناء الصيام يوفر للجسم من الجلوكوز المصنع أو المخزون في الكبد، وهو الوقود المثالي، لإمداد المخ، وكرات الدم الحمراء، ونقيُ العظام، والجهاز العصبي، بالطاقة اللازمة، لتجعلها أكثر كفاءة لأداء وظائفها، كما توفر الحركة طاقة للجسم البشري، تستخدم في عملياته الحيوية، فهي تثبط تكون البروتين من الأحماض الأمينية، وتزيد من تنشيط آليات الهدم أثناء النهار، فتستهلك الطاقات المختزنة، وتنظف المخازن من السموم التي يمكن أن تكون متماسكة أو ذائبة في المركبات الدهنية، أو الأمينية، وإن الكسل والخمول والنوم أثناء نهار الصيام ليعطل كل هذه الفوائد، بل قد يصيب صاحبه بكثير من العلل ويجعله أكثر خمولًا وتبلدًا.\nكما أن النوم أثناء النهار والسهر طوال ليل رمضان، يؤدي إلى اضطراب عمل الساعة البيولوجية في الجسم، مما يكون له أثر شيء على الاستقلاب الغذائي داخل الخلايا.\nولقد أجريت دراسة أثبتت هذا الاضطراب على هرمون الكورتيزول، قام بها الدكتور محمد الحضرامي في كلية الطب جامعة الملك عبد العزيز، وقد أجرى الدراسة على ١٠ أشخاص أصحاء مقيمين خارج المستشفى، وأظهرت الدراسة أن أربعة منهم حصل عندهم اضطراب في دورة الكورتيزول اليومية، وذلك خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر رمضان، مع انقلاب النسب المعهودة في الصباح وفي منتصف الليل، فقد لوحظ أن المستوى الصباحي قد انخفض، والمستوى المسائي قد ارتفع، وهذا على عكس الوضع الاعتيادي اليومي، وقد عزا الباحث هذا الاضطراب إلى تغير العادات السلوكية عند هؤلاء الصائمين، الذين يقضون النهار في النوم، والليل في السهر، وقد عاد الوضع الطبيعي للكورتيزول بعد ٤ أسابيع من نهاية شهر الصيام، وبعد أن استقر نظام النوم ليلًا والنشاط نهارًا، عند هؤلاء الأشخاص.","vol":"2","page":269},{"text":"من أجل هذا كان الرسول - ﷺ - وصحبه والمسلمون الأولون لا يفرقون في الأعمال بين أيام الصيام وغيرها، بل قد يعقدون ألوية الحرب ويخوضونها صائمين متعبدين، فهل يتحرر المسلمون من أوهام الخوف من الحركة والعمل أثناء الصيام!! وهل يهبون قائمين لله عاملين ومنتجين ومجاهدين، مقتدين بنبيهم - ﷺ - وسلفهم الصالح رضوان الله عليهم!\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>الصيام والتخلص من الشحوم</span>\nترتبط السمنة بالإفراط في تناول الطعام وخصوصًا الأطعمة الغنية بالدهون، هذا بالإضافة إلى وسائل الحياة المريحة، والسمنة مشكلة واسعة الانتشار، وقد وجد أن السمنة تقترن بزيادة خطر الأمراض القلبية الوعائية، مثل قصور القلب، والسكتة القلبية، ومرض الشريان التاجي، ومرض انسداد الشرايين المحيطة بالقلب.\nوتحدث السمنة نتيجة لاضطراب العلاقة بين ثلاثة عناصر من الطاقة وهي: الكمية المستهلكة من الطعام، والطاقة المبذولة في النشاط والحركة، والطاقة المختزنة على هيئة دهون بصفة أساسية، فالإفراط في تناول الطعام مع قلة الطاقة المبذولة في الحركة يؤدي إلى ظهور السمنة.\nإن الإنسان العادي يستهلك حوالي ٢٠ طنًا من الطعام في فترة حياته، وحدوث نسبة ٢٥% من الخطأ في توازن الطاقة يؤدي إلى زيادة في الوزن تبلغ ٥٠ كجم، أو زيادة عند شخص بالغ يزن ٧٠ كجم فيصبح وزنه ١٢٠ كجم، وهذا من شأنه أن يبين مدى الدقة المطلوبة في تنظيم تناول الطعام للمحافظة على استقرار وزن الجسم.\nومن المعتقد أن السمنة تنجم إما عن خلل استقلابي (خلل في التمثيل الغذائي)، أو عن ضغوط بيئية، أو اجتماعية، وقد تنجم البدانة أيضًا عن خلل في الغدد الصماء، أو عن أسباب نفسية واجتماعية متضافرة، تظهر على شكل إفراط في الأكل، وكثيرًا ما يتزامن حدوث الاضطرابات الاستقلالية، واالضغوط البيئية، بحيث يكمل أحدهما الآخر فتتفاقم الحالة.","vol":"2","page":270},{"text":"وفي المقابل يرى كثير من العلماء أن الاضطراب النفسي الذي يفضي إلى الشراهة في تناول الطعام، والذي يتسبب في السمنة، قد يؤدبَ إلى ظهور اضطرابات في عملية الاستقلاب أو التمثيل الغذائي، وبالتالي فمن المتعذر تفسير الاضطرابات الرئيسية في توازن الطاقة -في حالة السمنة- بأنها عبارة عن التغير في أحد العناصر، ولكن يظل واضحًا تمامًا أن الإفراط في الأكل هو أحد العوامل الرئيسية في حدوث السمنة.\nوهناك تغيرات كيميائية حيوية تصاحب السمنة، أهمها تغير نمط استقلاب الدهون، إذ تزداد البروتينات الشحمية (نوع بيتا) في البلازما، والأحماض الدهنية الحرة؛ ويزداد تركيز الإنسولين في الدم زيادة كبيرة، مما يؤدي إلى\nتضخم البنكرياس، أو زيادة أنسجته، فيؤدي إلى زيادة إنتاج الإنسولين الذي يتسبب في تكون الأحماض الدهنية في الكبد من المواد الكربوهيدراتية، وزيادة ترسب المواد الدهنية في الأنسجة الشحمية، وهذا يؤد إلى ظهور أعراض مرض السكري، حيث تفقد مستقبلات الإنسولين الموجودة على الأنسجة الاستجابة للإنسولين.\nلقد حاول كثيرون علاج السمنة فوضعت أنظمة غذائية كثيرة، كان أغلبها مزيفًا، وغير مبني على أسر علمية، إذ لا تعمل هذه الأنظمة إلا على فقدان كمية كبيرة نسبيًا من ماء الجسم، فيعطي الانطباع بانخفاض الوزن، وبعض هذه الأنظمة أدت إلى فقدان الجسم لكمية من الدهون، لكنها أدت أيضًا إلى ظهور الأجسام الكيتونية.\nأما الصيام الإسلامي المثالي يعتبر. النموذج الفريد للوقاية والعلاج من السمنة في آن واحد، حيث يمثل الأكل المعتدل، والامتناع عنه مع النشاط والحركة، عامدين مؤثرين في تخفيف الوزن، وذلك بزيادة معدل استقلاب الغذاء بعده وجبة السحور، وتحريك الدهن المختزن لأكسدته في إنتاج الطاقة اللازمة بعد منتصف النهار.\nويرجع العلماء الزيادة في معدل استقلاب الغذاء (BMR) بعد تناول وجبة الطعام إلى ارتفاع الأدرينالين والنورادرينالين، وازدياد السيالات السمبثاوية","vol":"2","page":271},{"text":"(Sympathetic Discharge)، نتيجة لنشاط الجهاز العصبي الودي، وعمل القوة المتحركة النوعية (Specific Dynamic Action)، حيث يستهلك كل نوع من محتويات الطعام طاقة حتمية أثناء عمليات التمثيل الغذائي، فتستهلك كمية البروتين التي يمكن أن تعطي الجسم ١٠٠ كيلو كالوري، ٣٠ كيلو كالوري، وتستهلك نفس الكمية من الكربوهيدرات والدهون ٦ ك. ك، و٤ ك. ك على التوالي، يستمر نشاط عمليات الاستقلاب لمدة ٦ ساعات، أو أكثر، بعد تناول وجبة الطعام.\nويعتبر بذلك الجهد العضلي من أهم الأشياء التي تؤدي إلى زيادة معدل الاستقلاب (Metabotion)، والذي يظل مرتفعًا ليس أثناء الجهد العضلي فقط، ولكن بعد ذلك بفترة طويلة كافية.\nوبهذا يحقق الصيام الإسلامي المثالي المتمثل في الحفاظ على وجبة السحور، والاعتدال في الأكل والحركة والنشاط أثناء الصيام، نظامًا غذائيًا ناجحًا في علاج السمنة، أما نظام التجويع الطويل بالانقطاع الكلي عن الطعام فيؤدى إلى هبوط الاستقلاب، نتيجة لتثبيط الجهاز الودي (السمبشاوي)، وهبوط الأدرينالين والنورأدرينالين السابح في الجسم، وهذا يفسر لماذا يهبط وزن الشخص الذي يريد تخفيف وزنه، بواسطة التجويع بشدة في البداية، ثم يقل بالتدريج بعد ذلك، ويكون معظم الوزن المفقود في الأيام الأولى هو في الواقع من الماء الموجود داخل الجسم، المليء بالطاقة المختزنة والأملاح المرافقة لها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>الصيام وتجدد الخلايا</span>\nاقتضت حكمة الله تعالى أن يحدث التغيير والتبديل في كل شيء وفق سنة ثابتة، فقد اقتضت هذه السنة في جسم الإنسان أن تتبدل محتوى خلاياه على الأقل كل ستة أشهر، وبعض الأنسجة تتجدد خلاياها في فترات قصيرة تعد بالأيام، والأسابيع، مع الاحتفاظ بالشكل الخارجي الجيني، وتتغير خلايا جسم الإنسان وتتبدل، فتهرم خلايا ثم تموت، وتنشأ أخرى جديدة تواصل مسيرة الحياة، هكذا باضطراد، حتى يأتي أجل الإنسان، إن عدد الخلايا التي","vol":"2","page":272},{"text":"تموت في الثانية الواحدة في جسم الإنسان يصل إلى ١٢٥ مليون خلية وأكثر من هذا العدد يتجدد يوميًّا في سن النمو، ومثله في وسط العمر، ثم يقل عدد الخلايا المتجددة مع تقدم السن.\nوبما أن الأحماض الأمينية هي التي تشكل البنية الأساسية في الخلايا، ففي الصيام الإسلامي تتجمع هذه الأحماض القادمة من الغذاء مع الأحماض الناتجة من عملية الهدم، في مجمع الأحماض الأمينية في الكبد (Amino Acid)، ويحدث فيها تحول داخلي واسع النطاق، وتدخل في دورة السترات) (Citrate Cycle)، ويتم إعادة توزيعها بعد عملية التحول الداخلي (Interconversion)، ودمجها في جزئيات أخرى، كالبيورين (Purines)، والبيريميدين، أو البروفرين (Prophyrins)، ويصنع منها كل أنواع البروتينات الخلوية، وبروتين البلازما، والهرمونات، وغير ذلك من المركبات الحيوية، أما أثناء التجويع فتتحول معظم الأشخاص الأمينية القادمة من العضلات وأغلبها حمض الألانين، تتحول إلى جلوكوز الدم، وقد يستحمل جزء منها لتركيب البروتين، أو يتم أكسدته لإنتاج الطاقة بعد أن يتحول إلى أحماض أكسجينية (Oxoacids)، وهكذا نرى أنه أثناء الصيام يحدث تبدل وتحول واسع النطاق داخل الأحماض الأمينية المتجمعة من الغذاء، وعمليات الهدم للخلايا، بعد خلطها وإعادة تشكليها ثم توزيعها حسب احتياجات خلايا الجسم، وهذا يتيح لبنات جديدة للخلايا ترمم بناءها، وترفع كفاءتها الوظيفية، مما يعود على الجسم البشري بالصحة، والنماء، والعافية، وهذا لا يحدث في التجويع، حيث الهدم المستمر لمكونات الخلايا، وحيث الحرمان من الأحماض الأمينية الأساسية، فعندما تعود بعض اللبنات القديمة لإعادة الترميم تتداعي القوى، ويصير الجسم عرضة للأسقام، أو الهلاك، فنقص حمض أميني أساسي واحد، يدخل في تركيب بروتين خاص، يجعل هذا البروتين لا يتكون، والأعجب من ذلك أن بقية الأحماض الأمينية التي يتكون منها هذا البروتين تتهدم وتدمر.\nكما أن إمداد الجسم بالأحماض الدهنية الأساسية (Essential Fatty Acids) في الغداء، له دور هام في تكوين الدهون الفوسفاتية،","vol":"2","page":273},{"text":"(Phospholipids)، والتي مع الدهن العادي (Triacylgycerol) تدخل في تركيب البروتينات الشحمية، (Lipoproteins) ويقوم النوع منخفض الكثافة جدا منها (Very Low Density Lipoprotein) بنقل الدهون الفوسفاتية والكليستيرول من أماكن تصنيعها بالكبد، إلى جميع خلايا الجسم، حيث تدخل في تركيب جدر الخلايا الجديدة، وتكوين بعض مركباتها الهامة، ويعرقل هذه العملية الحيوية كل من الأكل الغني جدًا بالدهون والحرمان المطلق من الغذاء كما في حالة التجويع، حيث تتجمع كميات كبيرة من الدهون في الكبد تجعله غير قادر على تصنيع الدهون الفوسفاتية والبروتين بمعدل يكفي لتصنيع البروتين الشحمي، فلا تنتقل الدهون من الكبد إلى أنحاء الجسم، لتشارك في بناء الخلايا الجديدة، وتتراكم فيه، وقد تصيبه بحالة التشمع الكبدي، (Fatty Liver) فتضطرب وظائفه، وينعكس هذا بالقطع على تجدد خلاياه هو أولًا، ثم على خلايا الجسم كله فخلايا الكبد التي تبلغ من (٢٠٠-٣٠٠) مليار خلية تتجدد كل أربعة شهور، وتعتبر هذه الخلايا من أهم وأنشط خلايا الجسم، وتقدم أجل وأعظم الخدمات في تجديد وإصلاح خلايا الجسم كله، إذ تقوم بإنتاج بروتينات البلازما كلها تقريبًا (من ٣٠-٥٠ جم يوميًّا) وتكوين الأحماض الأمينية المختلفة، بعمليات التحول الداخلي وتحويل البروتين والدهن والكربوهيدرات كل منها للآخر، وتقديمها خلايا الجسم، حسب احتياجها، وصناعة الجلوكوز وتخزينه لحفظ تركيزه في الدم، وأكسدة الجلوكوز الأحماض الدهنية بمعدلات مرتفعة لإمداد الجسم وخلاياه بالطاقة اللازمة في البناء والتجديد؛ إذ تحتوي على كل خلية كبدية من الوحدات المولدة للطاقة (Mitochondria) حوالي ١٠٠٠ وحدة، كما تكون الخلايا الكبدية الكوليسترول، والدهون الفوسفاتية، التي تدخل في تركيب جدر الخلايا، وفي المركبات الدقيقة داخل الخلية، وفي العديد من المركبات الكيميائية الهامة، واللازمة لوظيفة الخلية، كما تقوم خلايا الكبد بصناعة إنزيمات حيوية وهامة لخلايا الجسم، كخميرة الفوسفتاز القلوية (Alikaline Phosphatase)، والتي بدونها لا تستخدم الطاقة المتولدة من الجلوكوز والأكسجين، ولا يتم عدد كثير من عمليات الخمائر والهرمونات وتبادل","vol":"2","page":274},{"text":"الشوارد، فيتأثر تجدد الخلايا وتضطرب وظائفها، كما تقدم خلايا الكبد خدمة جليلة في بناء الخلايا الجديدة، حيث تختزن في داخلها عددًا من المعادن والفيتامينات الهامة واللازمة في تجديد خلايا الجسم كالحديد والنحاس وفيتامين أ، ب٢، ب١٢، وفيتامين د، وتقدم خلايا الكبد أيضًا أعظم الخدمات في تجديد الخلايا، حيث تزيل من الجسم المواد السامة والتي تعرقل هذا التجديد، أو حتى تدمر الخلايا نفسها، كما في مادة الأمونيا والتي تسمم خلايا المخ، وتدخل مريض تليف الكبد إلى غيبوبة تامة.\nإن الصيام الإسلامي هو وحده النظام الغذائي الأمثل في تحسين الكفاءة الوظيفية للكبد، حيث يمد بالأحماض الدهنية والأمينية الأساسية، خلال وجبتي الإفطار والسحور، فتتكون لبنات البروتين، والدهون الفوسفاتية والكوليسترول وغيرها، لبناء الخلايا الجديدة، وتنظيف خلايا الكبد من الدهون التي تجمعت فيه بعد الغذاء، خلال نهار الصوم، فيستحي بذلك أن يصاب الكبد بعطب التشمع الكبدي، أو تضطرب وظائفه، بعدم تكوين المادة الناقلة للدهون منه، وهي الدهن الشحمي منخفض الكثافة جدًا (VLDL) والذي يعرقل تكونها التجويع، أو كثرة الأكل الغني بالدهون كما بينا.\nوعلى هذا يمكن أن نستنتج أن الصيام الإسلامي يمتلك دورًا فعالًا في الحفاظ على نشاط ووظائف خلايا الكبد، وبالتالي يؤثر بدرجة كبيرة في سرعة تجدد خلايا الكبد، وكل خلايا الجسد، وهو ما لا يفعله الصيام الطبي ولا الترف في الطعام الغني بالدهون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>لماذا الإفطار على التمر</span>؟\nعند نهاية مرحلة ما بعد الامتصاص -في نهاية يوم الصوم- يهبط مستوى تركيز الجلوكوز والإنسولين من دم الوريد البابي الكبدي، وهذا يقلل بدوره نفاذ الجلوكوز، وأخذه بواسطة خلايا الكبد والأنسجة الطرفية كخلايا العضلات، وخلايا الأعصاب، ويكون قد تحلل كل المخزون من الجيلكوجين الكبدي أو","vol":"2","page":275},{"text":"كاد، وتعتمد الأنسجة حينئذ في الحصول على الطاقة من أكسدة الأحماض الدهنية، وأكسدة الجلوكوز المصنع في الكبد من الأحماض الأمينية والجليسرول، لذلك فإمداد الجسم السريع بالجلوكوز في هذا الوقت له فوائد جمة، إذ يرتفع تركيزه بسرعة في دم الوريد البابي الكبدي، فور امتصاصه، ويدخل إلى خلايا الكبد أولًا ثم خلايا المخ، والدم، والجهاز العصبي، والعضلي، وجميع الأنسجة الأخرى، والتي هيأها الله تعالى لتكون السكريات غذاؤها الأمثل والأيسر للحصول منها على الطاقة، ويتوقف بذلك تأكسد الأحماض الدهنية ليقطع الطريق على تكون الأجسام الكيتونية الضارة، وتزول أعراض الهمود، والضعف العام، والاضطراب البسيط في الجهاز العصبي، إن وجدت لتأكسد كميات كبيرة من الدهون، كما يوقف تناول الجلوكوز عملية تصنيع الجلوكوز في الكبد، فيتوقف هدم الأحماض الأمينية وبالتالي حفظ بروتين الجسم.\nويعتبر التمر من أغنى الأغذية بسكر الجلوكوز وبالتالي فهو أفضل غذاء يقدم للجسم حينئذ إذ يحتوي على -نسبه عالية من السكر-يات، تتراوح ما بين (٧٥-٨٧%)، يشكل الجلوكوز ٥٥% منها، والفركتوز ٤٥%، علاوة على نسبة من البروتينات، والدهون، وبعض الفيتامينات، أهمها: أ، ب٢، ب١٢ وبعض المعادن الهامة، أهمها: الكالسيوم، والفوسفور، والبوتاسيوم، والكبريت، والصوديوم، والمغنسيوم، والكوبالت، والزنك، والفلورين، والنحاس، والمنجنيز، ونسبة من السليولوز، ويتحول الفركتوز إلى جلوكوز بسرعة فائقة ويمتص مباشرة من الجهاز الهضمي ليروى ظمأ الجسم من الطاقة، وخصوصًا تلك الأنسجة التي تعتمد عليه أساسًا، كخلايا المخ، والأعصاب، وخلايا الدم الحمراء وخلايا نقي العظام.\nوللفركتوز مع السليولوز تأثير منشط للحركة الدودية للأمعاء، كما أن الفوسفور مهم في تغذية حجرات الدماغ، ويدخل في تركيب المركبات الفوسفاتية، مثل الأدينوزين والجوانين ثلاثي الفوسفات، والتي تنقل الطاقة وترشد","vol":"2","page":276},{"text":"وترشد استخدامها في جميع خلايا الجسم، كما أن جميع الفيتامينات التي يحتوي عليها التمر لها دور فعال في عمليات التمثيل الغذائي (أ، ب١، ب٢ والبيوتين والريبوفلافين ... إلخ)، ولها أيضًا تأثير مهدئ للأعصاب، وللمعادن دور أساسي في تكوين بعض الأنزيمات الهامة في عمليات الجسم الحيوية، ودور حيوي في عمل البعض الآخر، كما أن لها دورًا هامًا في انقباض وانبساط العضلات والتعادل الحمضي القاعدي في الجسم، فيزول بذلك أي توتر عضلي، أو عصبي، ويعم النشاط والهدوء والسكينة سائر البدن.\nوعلى العكس من ذلك لو بدأ الإنسان فطره بتناول المواد البروتيتنية، أو الدهنية، فهي لا تمتص إلا بعد فترة طويلة من الهضم والتحلل، ولا تؤدي الغرض في إسعاف الجسم لحاجته السريعة من الطاقة، فضلًا على أن ارتفاع الأحماض الأمينية في الجسم نتيجة للغذاء الحالي من السكريات، أو حتى الذي يحتوي على كمية قليلة منه، يؤدي إلى هبوط سكر الدم.\nلهذا الأسباب يمكن أن ندرك الحكمة في أمر النبي - ﷺ - بالإفطار على التمر؟\nعن سلمان بن عامر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور \"رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح (١) .\nوعن أنس ﵁ قال كان رسول الله - ﷺ -: \"يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء\" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>أمر النبي - ﷺ - الصائم بالهدوء والبعد عن الشجار وتفسير ذلك طبيًا:</span>\nإذا اعترى الصائم غضب وانفعل وتوتر، ازداد إفراز الأدينالين في دمه،\n_________\n(١) أبو داود (٢/٧٦٤) رقم (٣٣٥٥)، والترمذي (٣/٤٦) حديث رقم (٦٥٨)، وأيضًا صفحة (٧٨) حديث رقم (٦٩٥) .\n(٢) أبو داود (٢/٧٦٤) حديث رقم (٢٣٥٦)، والترمذي (٣/٧٩) حديث رقم (٦٩٦) .","vol":"2","page":277},{"text":"زيادة كبيرة، وقد يصل إلى ٢٠ أو ٣٠ ضعفًا عن معدله العادي، أثناء الغضب الشديد أو العراك، فإن حدث هذا في أول الصوم أثناء فترة الهضم والامتصاص، اضطراب هضم الغذاء وامتصاصه، زيادة على الاضطراب العام في جميع أجهزة الجسم، ذلك لأن الأدرينالين يعمل على ارتخاء العضلات الملساء في الجهاز الهضمي، ويقلل من تقلصات المرارة ويعمل على تضييق الأوعية الدموية الطرفية وتوسيع الأوعية التاجية كما يرفع الضغط الدموي الشرياني، ويزيد كمية الدم الواردة إلى القلب، وعدد دقاته.\nوإن حدث الغضب والشجار في منتصف النهار، أو آخره، أثناء فترة ما بعد الامتصاص، تحلل ما تبقى من مخزون الجليكوجين في الكبد، وتحلل بروتين الجسم إلى أحماض أمينية، وتأكسد المزيد من الأحماض الدهنية، كل ذلك ليرتفع مستوى الجلوكوز في الدم، فيحترق ليمد الجسم بالطاقة اللازمة في الشجار والعراك، وبهذا تستهلك الطاقة بغير ترشيد، كما أن بعض الجلوكوز قد يفقد مع البول إن زاد عن المعدل الطبيعي، وبالتالي يفقد الجسم كمية من الطاقة الحيوية الهامة في غير فائدة تعود عليه، ويضطر إلى استهلاك الطاقة من الأحماض الدهنية التي يؤكسد المزيد منها، وقد تؤدي إلى تولد الأجسام الكيتونية الضارة في الدم.\nكما أن الازدياد الشديد للادرينالين في الدم يعمل على خروج كميات كبيرة من الماء من الجسم، بواسطة الإدرار البولي (Diuresis) .\nكما يرتفع معدل الاستقلاب الأساسي (Basal Metabolic Pate) عند الغضب والتوتر، نتيجة لارتفاع الأدرينالين والشد العضلي.\nوارتفاع الأدرينالين قد يؤدي لنوبات قلبية، أو موت الفجاءة عند بعض الأشخاص المهيئين لذلك، نتيجة لارتفاع ضغط الدم، وارتفاع حاجة عضلة القلب للأكسجين، من جراء ازدياد سرعته، وقد يتسبب الغضب أيضًا في النوبات الدماغية، لدى المصابين بارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين.\nكما أن ارتفاع الأدرينالين نتيجة للضغط النفسي في حالات الغضب والتوتر","vol":"2","page":278},{"text":"يزيد في تكون الكوليستيرول من الدهن البروتيني منخفض الكثافة، والذي قد يزداد أثناء الصيام، وثبتت علاقته بمرض تصلب الشرايين.\nلهذا، ولغيره مما عرف، ومما لم يعرف بعد، وصى النبي - ﷺ - الصائم بالسكينة، وعدم الصخب، والانفعال، أو الدخول في عراك مع الآخرين.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخبن فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني صائم\" متفق عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>من فوائد عدم شرب الماء في الصيام</span>\nيشكل ا-لماء (٦٠-٧٠%) من وزن الجسم للبا-لغين، وينقسم إ-لى قسمين رئيسيين: قسم داخل الخلايا، وقسم خارجها بين الخلايا: في الأنسجة والأوعية الدموية والعصارات الهضمية وغير ذلك، وبين القسمين توازن دقيق، والتغير في تركيزات الأملاح -وخصوصًا الصوديوم الذي يتركز وجوده في السائل خارج الخلايا- ينبه أو يثبط عمليتين حيويتين داخل الجسم، وهما آلية إفراز الهرمون المضاد لإدرار البول (ADH)، وآلية الإحساس بالعطش، واللتان تؤثر كل منهما في تهيئة الجسم للحفاظ على الماء داخله وقت الشدة، وذلك بتأثير الهرمون المضاد لإدرار البول على زيادة نفاذية الأنابيب الكلوية البعيدة، والأنابيب والقنوات الجامعة، حيث يسرع امتصاص الماء ويقلل من إخراجه، كما يتحكمان معًا في تركيزات الصوديوم خارج الخلايا، وكلما زاد تركيز الصوديوم زاد حفظ الماء داخل الجسم.\nولقد درس مصطفى وزملاؤه في السودان سنة ١٩٧٨م توازن الماء والأملاح في جسم الصائم، وقد ثبت من خلال هذا البحث أن الإخراج الكلي للصوديوم يقل، وخصوصًا أثناء النهار.\nإن تناول الماء أثناء الامتناع عن الطعام (في الصيام) يؤدي إلى تخفيف التناضح (في السائل خارج الخلايا وهذا بدوره يؤدي إلى تثبيط إفراز الهرمون المضاد لإدرار البول، فيزداد الماء الخارج من الجسم في البول، مع ما يصحبه من","vol":"2","page":279},{"text":"الصوديوم وبعض الأملاح الأخرى، وفي هذا تهديد لحياة الإنسان إن لم تعوض هذه الأملاح، حيث يعتبر الصوديوم عنصرًا حيويًا في توطيد الجهد الكهربائي عبر جدر الخلايا العصبية وغير العصبية، كما أن له دورًا حيويًا في تنبيه وانقباض العضلات وعند نقصانه يصاب الإنسان بضعف عام في جسمه.\nوقد وجدت علاقة بين العطش وبين تحلل الجليكوجين، إذ يسبب العطش إفراز جرعات. تتناسب وقوة العطش من هرموني الأنجوتنسين ٢ (Abgiotensin II) والهرمون القابض للأوعية الدموية (Vasopression) واللذان يسببان تحلل الجليكوجين في إحدى مراحل تحلل بخلايا الكبد.\nفكلما زاد العطش زاد إفراز هذين الهرمونين بكميات كبيرة مما يساعد في إمداد الجسم بالطاقة وخصوصًا في نهاية اليوم.\nكما أن زيادة الهرمون المضاد لإدرار البول (ADH) المستمر طوال فترة الصيام في شهر رمضان، قد يكون له دور هام في تحسين القدرة على التعلم وتقويه الذاكرة، وقد ثبت ذلك على حيوانات التجارب.\nلذلك فالقدرة العقلية قد تتحسن عند الصائمين بعكس ما يعتقد عامة الناس.\nكما أن الحرمان من الماء أثناء الصيام، يسبب زيادة كبيرة في آليات تركيز البول في الكلي، مع ارتفاع في القوة الأزموزية البولية قد يصل من ١٠٠٠ إلى ١٢ ألف مل أزمو/كجم ماء، وهكذا تنشط هذه الآليات الهامة لسلامة وظائف الكلى.\nكما أن عدم شرب الماء خلال نهار الصيام يقلل من حجمه داخل الأوعية الدموية، وهذا بدوره يؤدي إلى تنشيط الآلية المحلية بتنظيم الأوعية وزيادة إنتاج البروستاجلاندين (Postaglandine) والذي له تأثيرات عديدة وبجرعات قليلة إذ أن له دورًا في حيوية ونشاط خلايا الدم الحمراء، وله دور في التحكم في تنظيم قدرة هذه الخلايا لتعبر من خلال جدران الشعيرات الدموية، وبعض أنواعه له دور في تقليل حموضة المعدة، ومن ثم تثبيط تكون القرح المعدية كما ثبت في","vol":"2","page":280},{"text":"حيوانات التجارب، كما أنه له دورًا في علاج العقم حيث يسبب تحلل الجسم الأصفر، ومن ثم فمن الممكن أن يؤدي دورًا في تنظيم دورة الحمل عند المرأة، كما يؤثر على عدة هرمونات داخل الجسم فينبه إفراز هرمون الرينين، وبعض الهرمونات الأخرى مثل الهرمون الحاث للقشرة الكظرية غيره (SH ACTH)، كما يزيد من قوة استجابة الغدة النخامية (Pitutary Gland) للهرمونات المفرزة من منطقة تحت الوساد في المخ (Hypothalamus)، كما يؤثر على هرمون الجلوكاجون، والكاتيكولامين (الأدرينالين والنور أدرينالين)، وبقية الهرمونات التي تؤثر على إطلاق الأحماض الدهنية الحرة، كما يوجد البروستجلاندين في المخ، ومن ثم له تأثير في إفراز الناقلات للإشارات العصبية، كما أن له دورًا في التحكم في إنتاج أحادى فوسفات الأدينوزين الحلقي (CAMP) والتي يزداد مستواها لأسباب عديدة، وتؤدي دورًا هامًا في تحلل الدهن المختزن، لذلك فالعطش أثناء الصيام له فوائد عديدة بطريق مباشر أو غير مباشر نتيجة لزيادة مادة البروستجلاندين، حيث يمكن أن يحسن كفاءة خلايا الدم، ويحمي الجسم من قرحة المعدة، ويشارك في علاج العقم، ويسهل الولادة ويحسن الذاكرة، ويحسن آليات عمل الكلى، وغير ذلك.\nكما أن الله ﷾ جعل للجسم البشري مقدرة على صنع الماء من خلال العمليات والتحولات الكيمائية العديدة، التي تحدث في جميع خلايا الجسم، إذ يتكون أثناء عمليات استقلاب الغذاء، وتكوين الطاقة في الكبد، والكلى، والمخ، والدم، وسائر الخلايا تقريبًا جزئيات ماء، وقد قدر العلماء كمية هذا الماء في اليوم من ثلث إلى نصف لتر، ويسمى الماء الذاتي أو الداخلي (Intrinsic Water) .\nوكما خلق الله للإنسان ماء داخليًا، خلق له طعامًا داخليًا أيضًا فمن نفايات أكسدة الجلوكوز يصنع الجلوكوز مرة أخرى، حيث يتحول كل من حمض اللاكتيك والبيروفيت، وهما نتاج أكسدة الجلوكوز إلى جلوكوز مرة أخرى، حيث تتوجه هذه النفايات إلى الكبد، فيجعلها وقودًا لتصنيع جلوكوز جديد في الكبد، ويتكون يوميًا حوالي ٣٦ جرامًا من هذا الجلوكوز الجديد من","vol":"2","page":281},{"text":"هذين الحمضين، غير الذي يتكون من الجليسررول والأحماض الأمينية.\nوبهذا يمكن أن ندرك سر نهي النبي - ﷺ - الناس عن إكراه مرضاهم على الطعام والشراب، حيث كان معتقد الناس -وللأسف ما يزال- أن الجسم البشري كالآلة الصماء، لا تعمل إلا بالإمداد الدائم بالغذاء، وأن في الغذاء الخارجي فقط تكمن مقاومة ضعف المرض.\nوأخبر - ﷺ - أن الله يطعمهم ويسقيهم فقال ﵊: \"لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله ﷿ يطعمهم ويسقيهم\" رواه ابن ماجه والحاكم وصححه هو والألباني (١) .\n***\n_________\n(١) ابن ماجه (٢/١١٤٠) حديث رقم (٣٤٤٤)، والحاكم (٤/٤١٠)، وراجع الصحيحة للألباني (٢/٣٦٤) حديث رقم (٧٢٧) .","vol":"2","page":282},{"text":"أبحاث تجريبية ودراسات على الصيام في الصحة والمرض\nأجرى بعض الباحثين أبحاثًا حول تأثير الصيام الإسلامي، والصيام الطبي على الجسم البشري في الصحة والمرض، وقد شجعت هذه الأبحاث كثيرًا من الباحثين، ليهتموا بإجراء مزيد منها عن الصوم الإسلامي، وسنرى ثروة طيبة من هذه الأبحاث في القريب العاجل بإذن الله.\nسنعرض ملخصًا لبعض هذه الأبحاث كنماذج والتي تؤكد فوائد الصوم المحققة للجسم أثناء صحته ومرضه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>الصيام وجهاز المناعة</span>\nأجرى الدكتور رياض البيبي، والدكتور القاضي في الولايات المتحدة الأمريكية تجارب مخبرية على متطوعين أثناء صيام شهر رمضان، وأجريت لهم تحليلات الدم قبل بداية الصيام، وأثناء الشهر، وبعد انتهاء الصيام، وشملت الفحوص التحليلات الكيميائية للدم، بما في ذلك تحديد نسبة البروتينات الشحمية (Lipoproteins) إضافة إلى فحوص متخصصة لتقويم كفاءة جهاز المناعة في الجسم، وقد شملت الفحوصات تحديد عدد الخلايا الليمفاوية في الدم (Lymphoctes)، ونسبة أنواعها المختلفة بعضها إلى بعض، ومدى حسن أداء كل منها هذا إضافة إلى قياس نسبة الأجسام المضادة في الدم (Antibodies)، وقد أظهرت هذه التجارب أثرًا إيجابيًّا واضحًا للصيام على جهاز المناعة في الجسم، حيث تحسن المؤشر الوظيفي للخلايا اللمفاوية عشرة أضعاف، وبالرغم من أن العدد الكلي للخلايا اللمفاوية لم يتغير، إلا أن نسبه النوع المسئول عن مقاومة الأمراض (خلايات)، ازداد كثيرًا بالنسبة إلى الأنواع الأخرى، هذا بالإضافة إلى ارتفاع محدود في أحد فصائل البروتين في الدم (IGE)، وهو أحد أعضاء مجموعة البروتينات المكونة للأجسام المضادة في الدم، وكانت التغيرات","vol":"2","page":283},{"text":"التي طرأت على البروتين الدهني، على شكل زيادة في النوع منخفض الكثافة (LdL)، دون أي زيادة في النوع عالي الكثافة (HDL)، وهذا نمط له تأثير منشط على الردود المناعية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>الصيام ومكونات الدم</span>\nأجرى الدكتور محمد منيب وزملاؤه من تركيا بحثًا على مائة شخص من المسلمين، أخذت منهم عينات من الدم قبل رمضان وفي نهايته؛ لتحليل وتقويم البروتين، والدهن الكلي، والدهون الفوسفاتية، والأحماض الدهنية الحرة، والكوليستيرول، والألبيومين، والجلوبيولين، وسكر الدم، واليوريا، وثلاثي الجليسرول، وأشياء أخرى.\nوكانت النتائج كالتالي:\n١- لم يحدث أي تغير في مستويات البروتين الكلي في مصل الدم، ولا في مجموع الدهون، لا مجموع الكوليستيرول بشقيه عالي الكثافة ومنخفض الكثافة، ولا حمض اليوريك أو اليوريا.\n٢- حدثت ارتفاعات هامة في الدهون الفوسفاتية، والصوديوم، والبوتاسيوم.\n٣- حدث هبوط عام في مقادير السكر للصائم وثلاثي الجليسرول.\n٤- حدث هبوط جزئي بسيط في وزن الجسم.\n٥- ثبت في هذا البحث أن نسبة ألفا: بيتا (Ratio Of: B Phosholipids) في الدهون الفوسفاتية انخفضت بعد الصيام، حيث كانت قبل صيام رمضان ٣.١: ٦٨ وصارت بعده ٩.٨: ٤٥ والفرق بينهما له أهمية من الناحية الإحصائية.\n٦- لم يشاهد أسيتون في البول، لا في أول الشهر، ولا في آخره، وهذا يؤكد عدم تكون الأجسام الكيتونية أثناء الصيام الإسلامي.\n٧- يتجدد بفضل صوم رمضان، الجلايكوجين في جسم الإنسان","vol":"2","page":284},{"text":"باستمرار، كما تنشط حركة الدهون المختزنة، ويزداد استخدامها في الحصول على الطاقة.\nثم ذكر الباحث في نهاية بحثه، أن الجسم يُمنع بالصيام من أن يأخذ طعامًا زائدًا عن الحاجة، فيؤدي ذلك إلى مكان تقليل فضلات الاستقلاب في خلايا الجسم، وبالتالي ينال الجسم راحة نسبية لمدة شهر واحد في السنة، متمثلًا في راحة الجهاز الهضمي، والكبد، والكليتين، وأجهزة أخرى عديدة.\nكما أجرى الدكتور محمود أبو المكارم، وزملاؤه في كلية طب الأزهر، بحثًا قريبًا من البحث السابق، حول تأثير صيام رمضان على بروتينات ودهون الدم، أظهرت نتائجه أن مجموع البروتين الكلي، الألبيومين، ونوع ب من مقدم البروتين الدهني (Apoprotien)، والأحماض الدهنية، لم يحدث فيها أي تغيير هام، كما أن الكوليستيرول وثلاثي الجليسرول زادًا زيادة طفيفة، وأن الجزء من الكوليستيرول عالي الكثافة، ونوع (أ) من مقدم البروتين الدهني (Apoprotien A) زادًا زيادة واضحة، وهما عاملان وقائيان ضد مرض تصلب الشرايين، ومرض جلطة القلب.\nودرس الحازمي تأثيرات صيام رمضان على بعض المكونات الكيميائية الحيوية ومكونات الدم عند ٣٦ شخصًا سليمًا، لاحظ زيادة قليلة في مستوى الكوليستيرول، وسجل هذه الزيادة كلِّ من جمعه وشكري، غير أن الزيادة كانت في البروتين الدهني منخفض الكثافة ومنخفض الكثافة جدًا (LDL &amp; VLDL) وعزا الدكتور رياض سليماني هذا الزيادة إلى تناول الدهون والسكريات بكثرة أثناء الصيام، والتحرك السريع للدهون المختزنة في الأنسجة الدهنية، وزيادة تصنيع الكوليستيرول الداخلي في الجسم.\nونقول ربما تكون هذه الزيادة مفيدة، لأن الكوليستيرول يدخل في تركيب غشاء الخلايا التي تكون حديثًا، كما تصنع منه خلايا الغدد الصماء، الهرمونات الأستيرويدية ذات الأهمية الحيوية للجسم، وربما تفيد الزيادة في البروتين الدهني منخفض الكثافة أيضًا، في علاج مرض زيادة الكوليستيرول في الدم، بتثبيطه","vol":"2","page":285},{"text":"للخلايا المصنعة للكوليستيرول، بواسطة التحكم الاسترجاعي (Feed Back)، بعد فترة في الصيام المثالي، الذي يبذل أثناءه الجهد والنشاط المعتاد، ويلتزم فيه بالحمية من كثرة تناول الدهون الحيوانية، كما تفيد هذه الزيادة في هذا البروتين الدهني منخفض الكثافة أيضًا، في الردود المناعية داخل الجسم، فتزيد مقاومته للأمراض.\nكما درس الحازمي تأثير الصيام على مكونات الدم الأساسية، فلم يلاحظ أي تغير هام في الهيموجلوبين، وقياسات خلايا الدم الحمراء، غير أنه لاحظ نقصًا في مستوى الحديد في البلازما، والمقدرة الكلية لترابط الحديد (Totalion - Bonding - Capacity)، وهذا يثبت كما يقول الباحث، أن المخزون من الحديد لا يستهلك بالصيام، كما أثبت سكوت (Scott) أنه لا يوجد تغير في كرات الدم البيضاء، أو سرعة الترسيب أثناء الصوم.\nوعلى العموم فإن مكونات الدم الكيميائية، أو الفسيولوجية كما يقول الأستاذ الدكتور رياض سليماني، لا يوجد فيها أثناء الصيام تغيرات كبيرة، وإذا وجدت هذه التغيرات فإنها قليلة، وقابلة للعودة إلى طبيعتها بسهولة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>الصيام وهرمونات المرأة</span>\nأجرى الدكتور حسن نضرت والدكتور منصور سليمان، بجامعة الملك عبد العزيز بحثًا حول تأثير صيام رمضان على مستوى البروجستيرون والبرولاكتين في مصل الدم، لنساء صحيحات، تتراوح أعمارهن بين ٢٢-٢٥ عامًا، لتحديد ما إذا كان صيام رمضان يؤثر على فسيولوجيا الخصوبة عند المرأة، وقد أظهرت النتائج أن ثمانين بالمائة قد نقص عندهن مستوى البرولاكتين في المصل، ولم يتغير مستوى البروجستيرون، وقد نصح الباحثان المرضعات بالإفطار (١) .\nوهذا البحث يؤكد أهمية الصوم لعلاج العقم عند المرأة المتسبب من زيادة هرمون البرولاكتين، فحينما ينقص بالصيام تتهيأ المرأة لحالتها الطبيعية في الخصوبة.\n_________\n(١) لذلك ندرك سر الشارع الحكيم في إباحة الفطر للمرضع.","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>الصيام ومرضى الجهاز البولي</span>\nأجرى الدكتور فاهم عبد الرحيم وزملاؤه بكلية طب الأزهر، بحثًا عن تأثير صيام شهر رمضان على عمل وظائف الكليتين عند الأشخاص العاديين، وعند المرضى المصابين ببعض أمراض الجهاز البولي، أو بمرض تكون الحصى الكلوي (Renal Calculi)، وشملت الدراسة عشرة من مرضى الجهاز البولي، وخمسة عشر مريضًا بالحصى، بالإضافة إلى عشرة أشخاص عاديين للمقارنة، وتم خلال كل من فترتي الصيام والإفطار أخذ عينات من البول، وتحليلها لمعرفة نسبة الكالسيوم، والصوديوم، والبوتاسيوم، واليوريا، والكرياتينين، والحامض البولي.\nوكانت نتيجة تأثير الصيام على هذه العناصر على النحو التالي:\nحدث نقص هام في حجم البول، وزيادة في كثافته النوعية، لدى كل المجموعات التي شملتها الدراسة، وحدثت تغيرات طفيفة جدًا في مكونات المصل من الكالسيوم، والصوديوم، والبوتاسيوم، والحامض البولي، والكرياتينين، واليوريا لدى الجميع.\nوحدثت زيادة طفيفة في الكالسيوم في البول لدى الجميع.\nبالإضافة إلى زيادة لا تذكر في الحامض البولي واليوريا لدى الجميع، وحدوث تغير طفيف في الصوديوم والبوتاسيوم في مجموعة المقارنة، وفي الكرياتينين البولي لدى المرضى، فضلًا عن حدوث زيادة كبيرة في الصوديوم والبوتاسيوم لدى مجموعة المرضى، وفي كرياتينين البول لدى مجموعة المقارنة.\nوعليه فقد كان التغير الحاصل في عناصر المصل لدى المجموعات التي شملتها الدراسة طفيفًا، عديم الأهمية، بيد أن التغيرات التي طرأت على مكونات البول خلال الصيام، قد تمنع تكون الحصى، نظرًا لنقص الكالسيوم في البول، وزيادة الصوديوم والبوتاسيوم، التي كانت نسبتها أكبر لدى من يعانون من الحصى، ولدى المصابين بأمراض الجهاز البولي.","vol":"2","page":287},{"text":"وقد استنتج الباحثون من ذلك أن الصيام لم يؤثر سلبيًّا على مجموعة المرضى الذين شملتهم هذه الدراسة، والذين يعانون إما من تكون الحصى في الكلية، أو من أمراض الجهاز البولي، فضلًا عن التأثير المحتمل للصيام في منع تكوين حصيات الكلى، عكس ما هو شائع عند الأطباء وغيرهم، إذ أن زيادة الكثافة النوعية للبول ترجع إلى زيادة إفراز البولة، التي تكون ٨٠% من المواد المذابة في البول، والبولينا مادة غروية تنتشر فتساعد على عدم ترسب أملاح البول التي تكون حصيات المسالك البولية.\nكما أجرى قادر وزملاؤه سنة ١٩٨٨م، دراسة على المرضى الذين يعيشون على غسيل كلوي مزمن، ويصومون شهر رمضان، وأثبتوا أنه لا يوجد تغير يذكر في نسبة اليوريا، والكرياتينين، والصوديوم، والبيكربونات، والفوسفر والكالسيم، ولكن وجد ارتفاع ملحوظ على نسبة البوتاسيوم في الدم، وعزا الباحثون ذلك إلى تناول المشروبات الغنية بالبوتاسيوم بعد الإفطار.\nكما أثبتا سكوت (Scott) أنه لا يوجد تغير يذكر في اليوريا والكرياتينين أثناء الصيام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>الصيام وعمل الغدة الدرقية</span>\nأجرى الدكتور رياض سليماني، دراسة تناولت أثر صيام شهر رمضان على عمل الغدة الدرقية عند مجموعة من الرجال الأصحاء، وجرى في الدراسة تحديد مستوى كل من ثيروكسين البلازما (Plasma) والثيروكسين الحر، والثرونين\nثلاثي اليود (Triiodo - Thyronin:T٣) والهرمون المنشط للغدة الدرقية (TSH)، عند ٢٨ من الذكور الأصحاء قبل رمضان وبعده، كما تمت دراسة آثار الامتناع عن تناول الطعام على المدى القصير من بزوغ الفجر إلى غروب الشمس، ولم تسجل أية اختلافات هامة بين هذه المستويات في الصباح المساء، (بعد فترة صيام لمدة ١٤ ساعة) في اختبارات عمل الغدة الدرقية.\nولم تظهر بالإضافة إلى ذلك أية اختلافات هامة، في نتائج اختبارات عمل الغدة الدرقية، التي أجريت قبل رمضان وفي نهايته، واستنتج الباحث أن","vol":"2","page":288},{"text":"صيام شهر رمضان من قبل رجال يتمعتون بصحة جيدة، لم يغير النسب القياسية لعمل الغدة الدرقية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>الصيام وهرمونات الشدة</span>\nأجرى الدكتور صباح الباقر وزملاؤه بكلية الطب -جامعة الملك سعود- دراسة عن تأثير صيام شهر رمضان على هرمونات البرولاكتين، والإنسولين، والكورتيزول.\nوقد أخذت قياسات مستى البرولاكتين، والإنسولين، والكورتيزول، عند الساعة ٩ صباحًا، ٤ عصرًا، ٩ ليلًا، ٤ صباحًا لدى سبعة أشخاص أصحاء أثناء صيامهم شهر رمضان، كما أخذت قياسات مماثلة في الأيام العادية خارج شهر الصيام للمقارنة.\nوقد لوحظ من ذلك حدوث تغيرات هامة في هذه الهرمونات في النهار، ففي الأيام العادية، لوحظ أن مستوى البرولاكتين يرتفع عند الساعة ٤ عصرًا، ولا توجد فروق هامة بين القياسات الثلاثة الأخرى، وفي أثناء رمضان بلغت مستويات البرولاكتين ذروتها عند الساعة التاسعة مساء (١٨٨.٥ ٦٨.٣ MIU/L)،\nووصلت مستوياتها إلى أدنى حد لها عند الساعة الرابعة صباحًا (±©٩٤.٣ ٤٢.٣ MIU/ L)، ووصل الإنسولين في اليوم العادي أعلى مستوياته عند الساعة ٤ عصرًا (٢٣.٦u U/ML)، بينما سجلت أعلى المستويات خلال شهر رمضان عند الساعة التاسعة صباحًا (٣٢٠.٢ ١٢١.٤u Mol/L)، وبلغت المستويات الدنيا ذروتها عند\nالساعة التاسعة ليلًا (٧١.٧ ٣٥.٩ Uol/L)، ولم تسجل أية تقلبات ذات شأن في مستويات الكروتيزول خلال شهر رمضان.\nواستنادًا إلى الحد الأدنى من التغيرات الطفيفة في مستوى الكورتيزول وانخفاض مستوى البرولاكتين عند الساعة ٤ عصرًا (بعد ١٢ ساعة صيام)، وذلك خلال شهر رمضان ومقارنة بيوم عادي لا صيام فيه، استنتج الباحثون أن صيام رمضان لا يعتبر عملًا شاقًا.\nهذا وقد درس خاليكو (Khaleque) وزملاؤه عام ١٩٦١ م عدد كرات","vol":"2","page":289},{"text":"الدم البيضاء حمضية النوع (Fosinophil)، كمؤشر للضغط النفسي، قبل وبعد صيام رمضان، وخصوصًا في اليوم الأول من الصيام، والذي يفترض فيه أن أنسب الأيام لحدوث الشدة العصبية، إن وجدت، وقد ثبت من خلال البحث أنه لا يوجد تغيير هام في عدد هذه الخلايا البيضاء، أثناء اليوم الأول من الصيام ولا في غيره، مع أنها تزداد عند التعرض لشدة نفسية أو عصبية، مما يؤكد أن الصيام ليس صورة الضغط العصبي، الذي يفضي بصاحبه إلى اضطرابات نفسيه من أي نوع كان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>الصيام وخلايا الدم </span>الحمراء\nأجرى الدكتور محمد الحضرامي بكلية الطب جامعة الملك عبد العزيز، بحثًا عن تأثير صيام شهر رمضان على حياة خلايا الدم الحمراء خلال شهر الصيام.\nوكان الفريق الذي خضع للدراسة يتكون من ستة أشخاص بالغين عاديين، بالإضافة إلى ثلاثة أشخاص يعانون من مرض الخلايا المنجلية.\nوقام الأشخاص التسعة بصيام شهر رمضان، وكان معدل مقدار مادة الكروم المشعة والتي استخدمت في الاختبار، لتحديد عمر خلايا الدم الحمراء (٥١CrT ٥٠) عند الأشخاص العاديين، أثناء رمضان، من ٢٥-٤٠ يومًا وعند الأشخاص المرضى من ١٠-٥ و١٢ يومًا.\nكما لم يلاحظ أي تغيرات تذكر في خلايا الدم الأولية غير الناضجة (Reticulocytes)، وحجم كرات الدم الحمراء، ومعدل تركيز الهيموجلوبين بها (MCH، MCHC) .\nوهذه الأرقام تماثل تلك الأرقام المنشورة الخاصة بالأشخاص غير الصائمين، الأصحاء منهم ومرضى الخلايا المنجلية، ولم تلاحظ الدراسة وجود أية آثار ضارة للصيام، على قدرة الخلايا الحمراء على البقاء لدى هؤلاء المتطوعين يبرر نصحهم بعدم الصيام.","vol":"2","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>الصيام وتجلط الدم</span>\nأجرى الدكتور جلال ساعور أستاذ الأمراض الباطنية بمستشفى الملك فيصل التخصصي، بحثًا عن تأثير الصيام على مرضى القلب، الذين يتناولون علاجًا مضادًا لتجلط الدم، وقد كتب الدكتور ملخصًا لبحثه فقال: تقبل الغالبية العظمى من المسلمين على صيام شهر رمضان كل سنة، مما يترتب عليه حدوث تغيرات رئيسية في النشاط الجسمي وأنماط النوم، فضلًا عن تغير أوقات تناول الطعام والشراب، ونوعه، وكميته، وعليه فمن الممكن أن يؤثر الصيام تأثيرًا سلبيًا على التحكم في منع التجلط من خلال الفقدان النسبي لسوائل الجسم، وانخفاض النتاج القلبي، وزيادة الإجهاد، ولزوجة الدم، فضلًا عن التغيرات التي تطرأ على امتصاص الأدوية واستقلابها.\nوفي الفترة الواقعة بين ١٩٨١م إلى ١٩٨٥م تم فحص ما مجموعة ٢٨٩ مريضًا في عيادة منع تخثر الدم بمستشفى الملك فيصل التخصصي، تلقى ٢٤٧ مريضًا منهم العلاج المضاد لتجلط الدم، نظرًا لحالة القلب لديهم، و٤٢ نظرًا للتجلط الشديد للأوردة، مع أو بدون الانسداد الرئوي.\nوبينما كان المرضى تحت العلاج، صام ١٠٦ منهم ٣٠٩ شهرًا رمضانيًا واختار ١٨٣ منهم عدم الصيام، خلال ٥٩٤ شهرًا (١) .\nوقد لوحظ أن حدوث مضاعفات الانسداد التجلطي والنزيف متماثلة في المجموعتين، وكان متوسط الجرعة من الوارفمارين (٢) اللازمة لإحداث أفضل تأثير لمنع التجلط في المجموعتين خلال شهر رمضان متماثلًا: ٦.٥ ± ٢.١ ملجم مقابل ٦،٧ ± ٢،٢ ملجم.\nومنذ عام ١٩٨٦م أخذنا ننصح مرضانا الذين يتناولون علاجًا ضد التجلط\n_________\n(١) عدد أشهر الصيام ا-لمحسوبة هنا -هي مجموع ا-لشهور التي صامها جميع هؤلاء الصائمين خلال فترة الاختبار (٤ سنوات) فمنهم من صام ٤ أشهر ومنهم من صام ثلاثة أو اثنين وهكذا..، وبالمقابل المفطرين أيضًا، فهي مجموع الشهور التي أفطروها جميعًا خلاك فترة الاختبار.\n(٢) اسم دواء.","vol":"2","page":291},{"text":"عن طريق الفم، بأنه لا ضرر من صومهم شهر رمضان، وقام خلال هذه الفترة ٢٧٧ مريضًا يحملون صمامات بديلة، بصيام ما مجموعه ١٠٤٥ شهرًا، ولم تظهر على أي منهم في هذه الفترة مضاعفات الانسداد التجلطي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>الصيام ومرضى السكري</span>\nأجرى الدكتور رياض سليماني وزملاؤه -كلية الطب بمستشفى الملك خالد الجامعي، دراسة على تأثير صيام رمضان على التحكم في مرض السكري، عند ٤٧ من مرضى النوع الثاني (١)، وعند مجموعة من الأشخاص الذين لا يعانون من هذا المرض، وتم تحديد وزن الجسم، والبروتين السكري، وخضاب الدم السكري، قبل رمضان وفور انتهائه، عند كل من المجموعتين.\nوتم قياس البروتين السكري، (Gylycosylated Protiein) عند ٩ من مرضى السكري، وقد لوحظ أنه لم يطرأ أي تغير على الوزن عند هؤلاء المرضى إذ كان قبل رمضان (٧٥.٢ ± ١٢.٨) في مقابل، (٧٥.١ ± ١٢.٤) كلجم بعده، كما لم يطرأ تغير على خضاب الدم السكري، (Glycosylated Hemoplonin)، إذ كان قبل رمضان (١٠.٩ ± ٣.١) في مقابل (١٠.٥ ± ٢.٨) مجم/١٠٠ مل بعده، ولم يطرأ تغير على البروتين السكري (Glycosylated Protein) حيث كان (١.١٩ ± ٠.٣٥) مقابل (١.١٧ ± ٠.٣٩)، ملجم/١٠٠ مل، (بعد) انتهاء صيام رمضان.\nأما في المجموعة التي لا يعاني أفرادها من مرض السكري، فقد لوحظ انخفاض هام في الوزن خلال الصيام (٧٤.٢ ± ١٠.٤) كلجم، مقابل (٧٢.٥ ± ١٠.٢) كلجم، بيد أنه لم يسجل أي تغيير يذكر في خضاب الدم السكري (Glycosylated Hemoplonin) .\nواستنتج الباحثون من ذلك أن صيام شهر رمضان لا يسبب أي فقدان هام في وزن الجسم، وليس له أي أثر يذكر على التحكم في مرض السكري لدى مرضى النوع الثاني.\n_________\n(١) هو النوع الذي لا يعتمد المريض فيه على تناول دواء الإنسولين.","vol":"2","page":292},{"text":"كما قام الدكتور ألفونشو (Olu١fonsho) وزملاؤه بكلية الطب مستشفى الملك خالد الجامعي بالرياض، بتوزيع استبيان على ٢٠٣ من مرضى السكري، (٨٩ من الذكور و١١٤ من الإناث) وذلك لتقويم مفاهيمهم، ومواقفهم، وممارساتهم، خلال صيامهم شهر رمضان.\nوتراوحت أعمار هؤلاء المرضى بين ١٤ و١٨ عامًا.\nوقد قام أكثر هؤلاء (٨٩%) بصيام رمضان، وكان أقل نسبة للصيام (٧٢%) عند من هم دون سن الخامسة والعشرين، اعترف ١٢% فقط بأنهم يتناولون قدرًا أكبر من الطعام في رمضان، بينما ذكر عدد أكبر منهم ٢٧% أنهم يستهلكون قدرًا أكبر من الحلويات، وذكر أكثر من الثلث (٣٧%) أن نشاطهم الجسمي يقل في رمضان، كما أن ضعف هذا النشاط كان أكثر شيوعًا لدى أولئك الذين لم يصوموا رمضان (٦١%) منه لدى الذين صاموه، (٣٥%)، وأعرب عدد كبير (٥٩%) أنهم شعروا بتحسن صحتهم خلال شهر رمضان، ولم يتردد على المستشفيات في حالات طارئة، سوى (٦.٥%) منهم، في حين لم تتجاوز نسبة من دخلوا المستشفى بسبب مرض السكري (٥%) .\nأما بالنسبة للأشخاص الذين لم يصوموا، فقد كانت هذه النتائج أقل إيجابية، إذ أعرب (١٠%) منهم فقط عن تحسن الصحة، فيما ارتفعت المراجعات الطارئة للمستشفى (١٥%) وبلغت حالات دخول المستشفى (١٥%) .\nوكان هناك اعتقاد سائد لدى (٧٥% من المرضى) بأن صيام شهر رمضان يؤدي إلى تحسن الصحة، وكان هذا الشعور قويًا لدى المرضى الذين صاموا الشهر (٨٠%) مقابل المرضى الذين أفطروه (٢٦%) .\nوقد أظهرت الدراسة أن معظم مرضى السكري، يفضلون صيام شهر رمضان، وأنهم يعتقدون أن لذلك أثرًا إيجابيًا على مرضهم.\nوقد أثبت باربر (Barber SG) وزملاؤه سنة ١٩٧٩م في برمنجهام، أن هناك تغيرًا قليلًا في تحكم مرض السكري عند المسلمين الصائمين، وأن عدد المرضى المراجعين لعيادات السكر قد تناقص، ولا توجد زيادة في معدل احتجاز","vol":"2","page":293},{"text":"مرضى السكري المرتفع وغير المتحكم فيه، داخل المستشفى خلال شهر رمضان.\nوقد قام خوقير وزملاؤه سنة ١٩٨٧م بدراسة شملت ٥٢ مريضًا من مرضي السكري، ٢٠ منهم يعتمدن على الأنسولين في العلاج، و٣٢ منهم لا يعتمدون على الإنسولين، وقد وجد أن ١٥ مريضًا من الذين لا يعتمدون على الإنسولين قل وزنهم وانخفضت مستويات السكر (Glucose Levels) لديهم بعد الصيام، عنه قبل أن يصوموا.\nكما قلت جرعة الإنسولين بنسبة ١٠% عن المعتاد عند المجموعة التي تعتمد على الإنسولين في العلاج، وقل وزن سبعة منهم، بينما ارتفع معدل السكر عند باقي المجموعة، لذلك نصح الباحثون بعناية خاصة لهؤلاء المرضى، إذا أرادوا أن يصوموا كل أيام شهر رمضان، ولا حرج عليهم بعد ذلك.\nأما مرضى السكري الذين ينصحون بعدم الصيام فقد حددتهم دراسة التقييم الشامل الذي أجراه الدكتور سليماني وزملاؤه عن مرضى السكري وصيام رمضان سنة ١٩٨٨م وهم كالتالي:\n١- المرضى المعرضون لزيادة الأجسام الكيتونية في دمائهم (Prone To Ketosis) .\n٢- المرضى الذين يعانون من تأرجح كبير وسرعة تغير في مستوى الجلوكوز لديهم.\n٣- الحوامل.\n٤- الأطفال الصغار المصابون بمرض السكري.\n٥- مرضى السكري الذين يعانون من مضاعفات مرضية خطيرة مثل الفشل الكلوي أو الذبحة الصدرية.\n٦- مرضى السكري الذين يعانون من أمراض خطيرة مثل التسمم الدموي الشديد، (Sever Sepsis)، أو فشل القلب الاحتقانى (congestive Heart Failuer) .","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>تأثير الصيام على الحمل والرضاعة</span>\nأجريت دراسة (٧٤) في إحدى القرب في غرب أفريقيا لمعرفة تأثير صيام شهر رمضان على الأحداث الاستقلابية عند النساء الحوامل والمرضعات، وقد وجد الدارسون أن كل المرضعات في هذه القرية، وتسعين بالمائة من الحوامل يصومون شهر رمضان كاملًا، وقد جرى قياس كل من جلوكوز المصل، والأحماض الدهنية الحرة، وثلاثي الجليسرول، والأجسام الكيتونية، وبيتاهيدروكسي بيوتيريت (Beta Hydroxy Butyrate) والألانين، والإنسولين، والجلوكاجون، ومستوى هرمون الثروكسين (T٣)، وقد أخذت العينات عند السابعة صباحًا والسابعة مساء من ٢٢ امرأة حاملًا، وعشر نساء مرضعات وعشر أخريات غير حوامل وغير مرضعات كمجموعة مقارنة، وقورنت النتائج بالقياسات التي حددت لهذه المركبات، بعد الامتناع الطبيعي عن الطعام طول الليل خارج أيام رمضان، وكانت النتائج النهاية كالتالي:\n١- لم تختلف هذه القياسات عند المرضعات عن مجموعة المقارنة أي النساء غير المرضعات وغير الحوامل، برغم ما تتعرض له المرضع من مشقة الرضاعة، ومشقة الصيام، الذي يصل إلى ١٩ ساعة.\n٢- كانت نسبة الجلوكوز في المراحل الأخيرة من الحمل ١١± ٣.٠١ مل مول/لتر، وهي أقل من جميع المجموعات الأخرى.\n٣- مستوى الأحماض الدهنية الحرة والأجسام الكيتونية (بيتاهيدروكسي بيوتيريت) كانت عند الحوامل أعلى أثناء صيام شهر رمضان، وكان مستوى الألانين أقل في المراحل الأخيرة من الحمل، عنه في المراحل الأولى.\nواستنتج الباحثون أن عمليات الهدم تتسارع في المراحل الأخيرة من الحمل فقط أثناء شهر رمضان، فتظهر بعض آثار التجويع، وعزوا نقص سكر الدم إلى الدخل الاقتصادي المتدني، الذي يعاني منه سكان هذه المناطق.\nكما أجرى الدكتور سمير عباس وزملاؤه بكلية الطب -جامعة الملك عبد العزيز - بحثًا لمعرفة أثر صيام شهر رمضان على النساء السعوديات الحوامل،","vol":"2","page":295},{"text":"وذلك بدراسة ٤ عوامل دموية، هي نسبة اليهموجلوبين، وعدد كرات الدم الحمراء والبيضاء، ونسبة الهيماتوكرينت، وثلاثة عشر مركبًا كيميائيًا في البلازما، هي: الصوديوم، والبوتاسيوم، والكلورايد، واليوريا، والكرياتينين، إنزيمات الكبد (Scot، SGpt، Phoshatase) والبليروبين، والبروتينات، والكوليستيرول، والجلوكوز، والكورتيزول.\nوقد أجريت الدراسة على مائة امرأة حامل صائمة، وخمسين امرأة حاملًا غير صائمة، وخمسين امرأة غير حامل وغير صائمة، كمجموعة مقارنة، وتتراوح أعمارهن من ١٧-٣٧ سنة، وحالتهن الصحية طبيعية، ومتقاربات من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وجرى تحديد هذه المركبات خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، والثلاثة الثانية، والأخيرة، لمعرفة تأثير الصيام على مراحل الحمل المختلفة، وقد حدث تغيير هام ومرتفع في أربعة مركبات عند الحوامل الصائمات، وهي: إثنين من إنزيمات الكبد (©Sgot، SGpt) والبليروبين، والكلورايد، وقد هبط الإنزيم الكبدي الأول (SGpt) عن المعدل المعتاد، وازداد الهبوط في الأشهر الثلاثة الثانية، وازداد الإنزيم الكبدي الثاني (SGot) في الأشهر الثلاثة الأولى، وبنسبة أقل في الأشهر الباقية، أما البيلوربين، فقد هبط هبوطا ملحوظا في الثلاثة أشهر الأولى، ولم يكن ثابتًا أو متساويًا خلال الأشهر التالية، كما هبط أيضًا الكلورايد (CI)، وكان هذا الهبوط ثابتًا طوال أشهر الحمل.\nوقد حدث تغيير هام فقط في ثلاث مركبات أخرى هي: الكرياتينين، وإنزيم الفوسفات القلوي (Alkalin Phoshatase)، والكوليستيرول، وقد حصل هبوط في الكرياتينين، وخصوصًا في الأشهر الثلاثة الأولى، وارتفاع متدرج في إنزيم الفوسفات القلوي، والكوليستيرول في الأشهر الثلاثة الأولى وحتى نهاية الحمل.\nوقد حدث أيضًا تغيير أقل أهمية في ثلاثة مركبات، هي: كرات الدم الحمراء، والبيضاء، والكورتيزول، فحدث نقص بسيط في عدد كريات الدم الحمراء، ولم تتغير نسبة الهيموجلوبين خلال أشهر الحمل المختلفة، أما كريات","vol":"2","page":296},{"text":"الدم البيضاء، فقد نقصت قليلًا عن معدلها الطبيعي، واستمرت في زيادة طفيفة طوال أشهر الحمل، أما الكرتيزول فقد ازداد قليلًا، واستمرت هذه الزيادة مع تقدم أشهر الحمل.\nولم يحصل أي تغيير يذكر في سبعة عوامل وهي: الهيموجلوبين، وقياس حجم الكرية الحمراء، واليوريا، والصوديوم، والبوتاسيوم، والبروتين الكلي، وسكر الدم.\nثم قال الباحثون: إن التغير الذي حدث في العوامل العشرة الأولى، لم يتجاوز الحدود الطبيعية للقياسات المخبرية، وقد تكون بعض هذه التغيرات نافعة والبعض الآخر قد يكون ضارًا إذا كانت المرأة مريضة بمرض أخر.\nوعلى الجملة فهذا البحث قد أثبت أن الصيام الإسلامي لا يسبب أدنى ضرر للمرأة الحامل الصحيحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>تأثير الصيام الإسلامي على وزن الجسم</span>\nتفاوتت الأبحاث الطبية في هذا الموضوع، فبعضها أثبت تأثيرًا هامًا، والبعض الآخر لم يثبت ذلك، ففي دراسة قام بها فيدايل وزملاؤه (٧٦) (Fedail) على ٢٨ شخصًا صحيحًا صاموا شهر رمضان، أثبت أن هناك نقصًا في وزن جسم كل صائم منهم، بلغ في المتوسط ٦٦ يم ± ٨يم١ للمجموعة كلها، في -حين لم تثبت الدراسة التي قام بها شكري على -ثلاثين فردًا رجالًا ونساء (١٩ امرأة و١١ رجلًا) لم تثبت هذه الدراسة نقصًا هامًا في وزن الرجال، ما عدا بعض النساء اللاتي عزي النقص عندهن إلى حدوث الدورة الشهرية.\nوعلى العموم فإن هذه الدراسات تثبت التوازن الذي يحدثه الصيام الإسلامي في عمليتي البناء والهدم، وأن القدر الضئيل الذي قد يفقده الحسم، ربما يكون ضروريِّا ولازمًا لحفظ الصحة، ولابد من توجيه الأبحاث وإجرائها على أجسام مرضى السمنة، حتى نرى أثر الصيام المباشر على مثل هذه الأوزان الزائدة، وقد طالب بذلك الأستاذ الدكتور رياض سليماني، في بحثه \"حقائق صيام رمضان في الصحة والمرض\".","vol":"2","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-422>الصيام والإخصاب عند الرجل</span>\nأجرى الدكتور سمير عباس والدكتور عبد الله باسلامة، بكلية الطب جامعة الملك عبد العزيز دراسة على واحد وعشرين شخصًا، ثمانية منهم أصحاء وعشرة يعانون من نقص المنويات (Oligospermia)، وثلاثة ليست لديهم منويات (Azospermia)، وأخذت منهم عينات من الدم، والمني، في خلال شهر شعبان ورمضان، وشوال، لتحليل المني، والهرمونات التالية.\n- التيستوستيرون Testosterone.\n- البرولاكتين Prolactin.\n- الهرمون الملوتن L.H.\n- الهرمون المنبه للجريب FSH.\nوذلك لمعرفة تأثير صيام شهر رمضان على خصوبة الرجل، وقد أظهرت نتائج البحث، أن هناك \"تغيرات حيوية بين الأشخاص الطبيعيين، حيث يتحسن أداء هرمون الذكورة (Testosterone)، لكن لم يحصل في مستواه أي ارتفاع حيوي خلال الأشهر الثلاثة من البحث، كما أن حجم المني، والعدد الكلي للمنويات، ازداد ازديادًا ملحوظا أثناء شهر الصيام، ولاحظ الباحثان من إحصائيات المستشفى الجامعي أن عدد حالات الحمل تصل إلى معدل كبير في شهر شوال، كما وجد أن هناك تحسنًا في نسبة المنويات الحية وانخفاضًا في نسبة المنويات الميتة أثناء شهر الصيام.\nكما أن الهرمون المنبه للجريب (FSH)، يزداد ازديادًا ملحوظًا خلال شهر رمضان، مقارنة بمستواه قبل وبعد الصيام في الأشخاص الطبيعيين، ويقل عن شهر شوال في الأشخاص الذين يعانون من نقص المنويات، أو انعدامها، وهذا الهرمون له علاقة بتصنيع المركبات الاستيرويدية في نسيج الخصية، كما يمكن أن يعزى التغير في مستوى التيستوستيرون إلى التغير في مستوى هذا الهرمون، كما أن الهرمون الملوتن (L.H) ازداد زيادة ملحوظة أثناء الصيام، ونقص بعده في الأشخاص الطبيعيين، كما أنه لم تسجل له أي تغيرات هامة عند الأشخاص","vol":"2","page":298},{"text":"المرضى بنقص المنويات، وحدث نقص هام عند المرضى بانعدام المنويات، وهذا الهرمون له علاقة بتكون المنويات الحية في الخصية، ما سجلت زيادة في البرولاكتين، أثناء وبعد رمضان عند الأشخاص الطبيعيين، ونقص بعد الصيام عند المرضى بقلة المنويات، وارتفاع عالٍ عند المرضى بانعدام المنويات، بالمقارنة مع المجموعات الأخرى، وهذا الهرمون له تأثير مثبط على تكون الإندروجين الناتج من الخصية. وخلص الباحثان على أن للصيام أثرًا مفيدًا على تكون المنويات، إما عن طريق محور التأثير الهرموني (Hyplthalamo-pitutary Testicular)، أو عن طريق التأثير المباشر على الخصيتين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>تأثير الصيام المتواصل على مرضى التهاب المفاصل الشبيه بالرثية</span>\nتم فحص ثلاثة عشر مريضًا من مرضى التهاب المفاصل الشبيه بالرثية، أو الروماتيزم (Rheumatoidarthritis)، بعد صيام تام لمدة أسبوع، مع مجموعة ضابطة، لمعرفة تأثير الصيام \"المتواصل\" على وظائف الخلايا المتعادلة في الدم (Neutrophil) ومحلى سير الحالة المرضية في هؤلاء المرضى.\nوكانت نتائج البحث كالتالي:\n- نقص وزن المرضى بمقدار يتراوح من ١-٥ كجم.\n- تحسنت الالتهابات في المفاصل، ونقصت سرعة الترسيب.\n- ازدادت في فترة الصيام القدرة على قتل وسحق البكتيريا.\nوخلص البحث على أن هناك علاقة بسن الالتهابات في المفاصل\nوازدياد المقدرة للخلايا البيضاء المتعادلة على سحق البكتيريا، وتحسن الحالة الإكلينيكية لمرضى الروماتويد بالصيام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>تأثير الصيام على قرحة المعدة</span>\nأجرى الباحثون معظم وعلى، وحسين، دراسة كان الهدف منها التعرف على تأثير صيام شهر رمضان على حموضة المعدة \"زيادة الحموضة وقلتها\"،","vol":"2","page":299},{"text":"وقد وجد الباحثون أن الحموضة في المعدة اعتدلت (Isochlorhydria) عند كل المرضى الذين يعانون من قلة الحموضية (Hypochlorhydria) أو زيادتها (Hyperchlorhydria)، مما يؤكد أن صيام شهر رمضان يخفف ويمنع حدوث الحموضة الزائدة، والتي تكون سببًا رئيسيًّا في حدوث قرحة المعدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>تأثير الصيام المتواصل على الغدد الجنسية</span>\nنشرت مجلة الغدد الصماء والاستقلاب الإكلينيكية في العدد ٥٣ عام ١٩٨١م (١)، بحثًا لمجموعة من العلماء والأطباء، قاموا فيه بدراسة تأثير الصوم على الغدد الجنسية في الذكور.\nوقد أجريت الدراسة في مستشفى ماستشوست بالولايات المتحدة على ستة أشخاص أصحاء بدينين، وتتراوح أعمارهم بين ٢٦ و٤٥ عامًا.\nوقد قسمت الدراسة إلى ثلاث مراحل:\n١- المرحلة الأولى للتقويم: (Control) وتستمر ثلاثة أيام، ويأكل فيها هؤلاء الأشخاص حسب نظامهم العادي اليومي.\n٢- المرحلة الثانية \"فترة الصوم\" (٢): يصوم هؤلاء الأشخاص صيامًا كاملًا لمدة عشرة أيام، والصيام الكامل يعني عدم تناول أي طعام أو شراب لا بالليل ولا بالنهار، ما عدا الماء القراح الذي يسمح بتناوله ليلًا ونهارًا.\n٣- المرحلة الثالثة \"إعادة التغذية\": وتستمر لمدة خمسة أيام.\nوقد أجري فحص الدم لمعاينة الهرمونات الجنسية في الأيام التالية:\n١- اليوم الثاني \"أي أثناء فترة التقويم\".\n٢- اليوم الحادِي عشر \"أي أثناء فترة الصيام، والتي توافق اليوم الثامن للصوم\".\n_________\n(١) كان للدكتور محمد علي البار الفضل في الحصول على هذا البحث وترجمته.\n(٢) يقصد بالصوم هنا التجويع أو الصيام المتواصل.","vol":"2","page":300},{"text":"٣- اليوم السادس عشر \"أي اليوم الثالث من إعادة التغذية\".\nويعاد فحص الدم بعد تنبيه الغدة النخامية بواسطة هرمون (LRH)، وذلك في اليوم الثالث، واليوم الثاني عشر، واليوم السابع عشر وقد درست الهرمونات الجنسية التالية:\n١- هرمون الذكورة، التيستوستيرون (Testosterone) .\n٢- الهرمون المنبه للجريب F.S.H.\n٣- الهرمون الملوتن L.H.\nيعتبر الهرمون المنبه للجريب، والهرمون الملوتن، من الهرمونات المنمية للغدة التناسلية (Gonadotropins) .\nوقد كانت نتائج البحث كالتالي:\n١- انخفض هرمون الذكورة \"التيستوستيرون\" انخفاضًا كبيرًا أثناء الصوم، واستمر الانخفاض لمدة ثلاثة أيام بعد إعادة التغذية، وفي اليوم الرابع من إعادة التغذية، ارتفع مستوى هذا الهرمون ارتفاعًا كبيرًا، بحيث تجاوز مستواه الطبيعي قبل الصوم.\n٢- ازداد إفراز الهرمونات المنمية للغدة التناسلية في البول، لكلا الهرمونين: الهرمون المنبه للجريب (F.S.H) والهرمون الملوتن بصورة كبيرة أثناء الصيام واستمر كذلك لمدة ثلاثة أيام بعد انتهاء الصوم.\n٣- ازداد إفراز الهرمون الملوتن (L.H) في الدم أثناء فترة الصيام، وهو أمر متوقع نتيجة انخفاض إفراز هرمون الذكورة \"التيستوستيرون\".\n٤- انخفض الهرمون المنبه للجريب (F.S.H) أثناء الصوم، وكان المتوقع أن يزداد الإفراز، ولعل ذلك يوضح أن تأثير الصوم تأثير محدود في خفض القدرة الجنسية.\nمناقشة النتائج:\nاتضح أن صيام مدة محدودة \"عشرة أيام\" صيامًا متواصلًا أدى إلى خفض كبير في مستوى هرمون الذكورة \"التيستوستيرون\"، وبالتالي أدى إلى","vol":"2","page":301},{"text":"إضعاف الرغبة الجنسية، ولكن هذا التأثير مؤقت، ولا يؤثر على الأنسجة الخاصة بالخصوبة، وقد انتهى مفعوله بعد ثلاثة أيام من التغذية، وارتفع مستوى هرمون الذكورة في اليوم الرابع من إعادة التغذية إلى مستوى أعلى مما كان عليه قبل بدء الصوم.\nوهذا يوضح أن تأثير الصوم على الرغبة الجنسية يمر بمرحلتين:\nالأولى: خفض الرغبة الجنسية أثناء فترة الصيام ولأيام قليلة بعدها.\nالثانية: رفع مستوى القدرة الجنسية وتحسينها بعد انتهاء فترة الصوم، إلى مستوى أفضل مما كانت عليه قبل بدء الصوم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>صيام رمضان وأثره على بعض أمراض الأوعية الدموية الطرفية</span>\nتوجد هناك أمراض عديدة تصيب الأوعية الدموية الطرفية، والتي تبدو أن لها علاقة بنشاط الجهاز العصبي الودي \"ا-لسمبثاوي\" الزائد في نهايات الشرايين الدموية (Arterioles)، ويعتبر مرض الرينود (Raynoud's Disease) أحد هذه الأمراض، حيث تنقبض فيه عضلات جدر الشرايين الدقيقة انقباضًا ذاتيًّا شديدًا، مسببة آلامًا مبرحة، وتهجم هذه الآلام عند التعرض للبرد، أو الضغط العصبي، ولو استمر المرض لعدة سنوات فقد يؤدي إلى فقدان الأطراف، ولعلاج هذا المرض يمنع التعرض للبرد ما أمكن، ويتحاشى التدخين، ويعطى بعض الأدوية كموسعات للأوعية الدموية، كما يستأصل العصب السمبثاوي الموضعي المغذي للأطراف، ويتحاشى التعرض للضغوط العصبية والنفسية، وهناك مرض آخر (Buerger's Disease) من نفس هذا النوع، يؤثر على الشرايين والأوردة الطرفية، والتدخين ينشط هذا المرض ويزيده سوءًا، وعند منع التدخين يتحسن المريض تحسنًا ملحوظ، وقد يحتاج بعض المرضى إلى استئصال العصب الودي \"السمبثاوي\" المغذي للأطراف، وأحيانًا يحتاج هذا المريض إلى بتر أطرافه لو استمر في التدخين.\nوفد ذكر الدكتور صباح الباقر في دراسة له سنة ١٩٩١م أن الصيام","vol":"2","page":302},{"text":"الإسلامي يؤدي دورًا هامًا في علاج أمراض الأوعية الدموية الدقيقة، ولخص هذا الدور في النقطتين التاليتين:\n١- تحريم التدخين أثناء ساعات الصيام، يقدم خدمة جليلة في علاج المرض.\n٢- لا يشكل الصيام أي مشقة أو ضغط على الجسم بل على العكس، يعتبر عاملًا مهدئًا، حيث تزداد العوامل المنشطة للإيمان في الصلاة والذكر وقراءة القرآن.\nوقد ذكر خاليكو وزملاؤه عام ١٩٦١م في دراسة لهم عن الضغط أو الشدة في صيام رمضان، أن الصيام يقلل من نشاط الجهاز العصبي الودي \"السمبثاوي\"، وتمثل هذا في انخفاض عدد ضربات القلب، أثناء الراحة في صيام رمضان انخفاضا ملحوظًا، عنه في غير رمضان، وخصوصًا عند الرجال، وقل حجم الأكسجين في الأوردة (VO ٢) في كل الأشخاص الذين أجريت عليهم التجربة كما حصل نقص في الطاقة المستهلكة يتراوح من ٧-٢٣%.\nوأثبتت الدراسات على حيوانات التجارب أن هناك نقصًا ملحوظا في نشاط الجهاز العصبي الودي \"السمبثاوي\" أثناء فترات الحرمان من الغذاء لهذه الحيوانات.\nوخلص الدكتور الباقر إلى أن تثبيط الجهاز القصبي الودي \"السمبثاوي\" أثناء الصيام، يلغي العامل الثاني المسبب للمرض، وبالتالي تظهر فائدة الصيام الإسلامي في الشفاء من مثل هذه الأمراض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>تأثير الصيام على الوارد الكهربائية والتناضح في البول والدم</span>\nأجرى الدكتور صباح الباقر دراسة على عشرة أشخاص أصحاء في كلية الطب -جامعة الملك سعود بالرياض- أثناء شهر رمضان، ووجد أن هناك زيادة هامة في تركيز الصوديوم، والبوتاسيوم في البول، وهذا راجع إلى قدرة الكلى على تركيز البول وزيادة عمل الهرمون المضاد لإدرار البول","vol":"2","page":303},{"text":"(Antidiuretic Hormpne)، ولم توجد زيادة هامة في قوة التناضح أو النافذ (Osmosis) في البول.\nكما وجدت زيادة هامة أيضًا في تركيز الصوديوم، والبوتاسيوم في الدم ولم يظهر تغيير هام في قوة التناضح في الدم، وبرغم وجود بعض هذه التغيرات أثناء الصيام، فقد ذكر الباحث أنها تقع داخل المعدل الطبيعي المسموح به.\nوهكذا يتضح أن الصيام عامل هام في تنشيط أجهزة الجسم للعمل \"زيادة قدرة الكلى على تركيز أملاح البول، وزيادة عمل الهرمون المضاد لإدرار البول\"، مع المحافظة على معدلات الأملاح والتناضح في المستوى الطبيعي، وبالتالي فلا يشكل الصوم أي خطر على مكونات الدم من العناصر التي تكوّن الشوارد الكهربائية، ولا على قوة التناضح أو الأزموزية في البول أو الدم.\nكما وجد الحازمي زيادة طفيفة أيضًا في مستوى الصوديوم، والبوتاسيوم، والكلورايد، والفوسفات، وتعود هذه الزيادة إلى معدلها الطبيعي سريعًا بالفطر، وهذه الزيادة أيضًا داخل المعدل الطبيعي، ولم تسجل زيادة تذكر في الكالسيوم.\n***","vol":"2","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>وجوه الإعجاز في الصوم</span>\nالوجه الأول من الإعجاز الوقاية من العلل والأمراض\nأخبر الله ﷾ أنه فرض علينا الصيام وعلى كل أهل الملل قبلنا، لتكتسب به التقوى الإيمانية، والتي تحجزنا عن المعاصي والآثام، ولنتوقى به كثيرًا من الأمراض والعلل الجسمية والنفسية، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وقال - ﷺ -: \"الصيام جُنة\" أي: وقاية وستر.\nوقد ثبت من خلال هذا البحث بعض الفوائد الوقائية للصيام ضد كثير من الأمراض والعلل الجسمية والنفسية، منها على سبيل المثال لا الحصر:\n١- يقوي الصيام جهاز المناعة، فيقي الجسم من أمراض كثيرة، حيث يتحسن المؤشر الوظيفي للخلايا اللمفاوية عشرة أضعاف، كما تزداد نسبة الخلايا المسئولة عن المناعة النوعية زيادة كبيرة، كما ترتفع بعض أنواع الأجسام المضادة في الجسم وتنشط الردود المناعية نتيجة لزيادة البروتين الدهني منخفض الكثافة.\n٢- الوقاية من مرض السمنة وأخطارها، حيث إنه من المعتقد أن السمنة كما قد تتتج عن خلل في تمثيل الغذاء، فقد تتسبب عن ضغوط بيئية أو نفسية أو اجتماعية، وقد تتضافر هذه العوامل جميعًا في حدوثها، وقد يؤدي الاضطراب النفسي إلى خلل في التمثيل الغذائي، وكل هذه العوامل التي يمكن أن تنجم عنها السمنة، يمكن الوقاية منها بالصوم: من خلال الاستقرار النفسي والعقلي الذي يجني بالصوم نتيجة للجو الإيماني الذي يحيط. بالصائم، وكثرة العبادة في الذكر، وقراءة القرآن، والإنفاق في سبيل الله، والبعد عن الانفعال والتوتر، وضبط النوازع والرغبات، وتوجيه الطاقات النفسية الجسمية توجيهًا إيجابيًا نافعًا.\nهذا فضلًا عن تأثير الصيام المثالي في استهلاك الدهون المختزنة، ووقاية الجسم من أخطار أمراض السمنة: كالأمراض القلبية الوعائية، مثل قصور","vol":"2","page":305},{"text":"القلب، والسكتة القلبية، وانسداد الشرايين المحيطة بالقلب، وكمرض تصلب الشرايين.\n٣- يقي الصيام الجسم من تكون حصيات الكلى، إذ يرفع معدل الصوديوم في الدم، فيمنع تبلور أملاح الكالسيوم، كما أن زيادة مادة البولينا في البول، تساعد في عدم ترسب أملاح البول، التي تكون حصيات المسالك البولية.\n٤- يقي ا-لصيام الجسم من أخطار ا-لسموم المتراكمة في -خلاياه، وبين أنسجته من جراء تناول الأطعمة خصوصًا المحفوظة والمصنعة منها، تناول الأدوية واستنشاق الهواء الملوث بهذه السموم.\n٥- يخفف الصيام ويهدئ ثورة الغريزة الجنسية خصوصًا عند الشباب، وبذلك يقي الجسم من الاضطرابات النفسية والجسمية، والانحرافات السلوكية، انظر بحث تأثير الصيام المتواصل على الغدد الجنسية، حيث يمكن الاستفادة من هذا البحث في بيان وجه الإعجاز في حديث النبي - ﷺ -: \"يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\" إذا التزم الشباب الصيام وأكثر منه، وذلك لقول النبي - ﷺ - \"فعليه بالصوم\"، أي: فليكثر من الصوم، كما ذكر السلف، والإكثار من الصوم مع الاعتدال في الطعام والشراب، وبذل الجهد يقترب من الصيام الكلي، ويجني الشباب فائدته في تثبيط غرائزه المتأججة بيسر، ما لا يتعرض إلى أخطار هذا النوع من الصيام، والذي ذكرناه تحت أخطار التجويع.\nوهذا البحث يجلي بوضوح الإعجاز في قول النبي - ﷺ -: \"فإنه له وجاء\" من وجهين:\nالأول: الإشارة إلى أن الخصيتين هما مكان إنتاج عوامل الإثارة الجنسية، حيث أن معنى الوجاء أن ترض أنثيا الفحل (خصيتيه) رضًا شديدًا، يذهب شهوة الجماع، ويتنزل في قطعه منزلة الخصي.\nوقد ثبت أن في الخصيتين خلايا متخصصة في إنتاج هرمون التيستوستيرون (Testosterone)، وهو \"الهرمون المحرك والمثير للرغبة الجنسية، وأن قطع الخصيتين (الخصي) يذهب هذه الرغبة ويخمدها تمامًا.","vol":"2","page":306},{"text":"الثاني: أن الإكثار من الصوم مثبط للرغبة الجنسية وكابح لها، وقد ثبت في هذا البحث هبوط مستوى هرمون الذكورة (التيستوستيرون) هبوطا كبيرًا أثناء الصيام المتواصل، بل وبعد رعادة التغذية بثلاثة أيام، ثم ارتفع ارتفاعًا كبيرًا بعد ذلك، وهذا يؤكد أن الصيام له القدرة على كبح الرغبة الجنسية مع تحسينها بعد ذلك، وهذا يؤكد فائدة الصوم في زيادة الخصوبة عند الرجل بعد الإفطار، فهل كان يستطيع أن يتحدث بهذه العبارة الموجزة والتي تحوي كل هذه الدقة العلمية، إلا نبي يوحى إليه من خالق الإنسان العليم بدقائق تكوينه!.\n٦- يعتبر الصيام وقاية من الأمراض العقلية والنفسية، فقد ثبت تأثيره على مرض انفصام الشخصية، فقد أشار الدكتور يوري نيكولايوف، من المعهد النفسي بموسكو، إلى أن الأمراض العقلية يمكن السيطرة عليها بمفعول الصيام والحمية، وقد تبين عند مراجعة ١٠٠٠ مريض عقلي التزموا الصيام (١)، أن التحسن كان ملحوظًا لدى ٦٥% منهم، وقد وقع فحص نصف هؤلاء المرضى بعد ٦ سنوات، واتضح أنهم لا يزالون يتمتعون بصحة طيبة، كما أن الدكتور آلان كوت قد ألزم ٣٥ مريضًا ببرنامج صيام، تخلص ٢٤ منهم من مرضهم.\nالوجه الثاني من الإعجاز منافع وفوائد الصيام\nبعد أن أخبرنا الله ﷾، وأخبرنا رسول - ﷺ - أن الصيام يحقق لنا وقاية من العلل الجسمية والنفسية، ويشكل حاجزًا وسترًا لنا من عقاب الله، أخبرنا -جل في علاه- أن في الصيام خيرًا ليس للأصحاء المقيمين فقط، بل أيضًا للمرضى والمسافرين، والذين يستطيعون الصوم بمشقة، ككبار السن ومن في حكمهم، قال تعالى: (أيامًا معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) .\nذكر الفخر الرازي: أن للعلماء ثلاثة وجوه في قوله تعالى: (وأن\n_________\n(١) الصيام الطبي.","vol":"2","page":307},{"text":"تصوموا خير لكم)\nأحدها: أن يكون هذا خطابًا مع الذين يطيقونه فقط، ويكون التقدير: وأن تصوموا أيها المطيقون، وتحملتم المشقة فهو خير لكم من الفدية، وقد اختار هذا القاسمي في محاسن التأويل.\nالثاني: أن هذا خطاب مع كل من تقدم ذكرهم، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه، وهذا أولى؛ لأن اللفظ عام ولا يلزم من اتصاله بقوله (وعلى الذين يطيقونه) أن يكون مختصًا بهم؛ لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل فوجب الحكم بذلك.\nالثالث: أن يكون معطوفًا على أول الآية فالتقدير: كتب عليكم الصيام، وأن تصوموا خير لكم، والخير اسم تفضيل على غير قياس، وهو الحسن لذاته، ولما يحقق من لذة أو نفع أو سعادة، فالصيام حسن لذاته، ولما يحصل للمؤمن من المنافع واللذة الروحية والسعادة في الدنيا والآخرة.\nومعنى (إن كنتم تعلمون) أي: فضيلة الصوم وفوائده.\nومما سبق يتبين لنا أن الله ﷾ قرر أن للصوم منافع وفوائد هي متحققة حتمًا على كل من افترضه عليه، من الأصحاء المقيمين، والذين يصومون بلا مشقة زائدة، وأن هذه الفوائد والمنافع تعم أهل الرخص إن صاموا، ما لم يتحقق الضرر، ولا منافاة -فيما نعلم- بين تقرير الله هذا، وبين قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) بعد قوله: (فمن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) فاليسر هنا هو رفع الإلزام، وتشريع الرخصة، والعسر خلافه، قال القاسمي في محاسن التأويل: يريد الله بكم اليسر أي: تشريع السهولة بالترخيص للمريض والمسافر، وبقصر الصوم على شهر (ولا يريد بكم العسر) في جعله عزيمة على الكل، وزيادته على شهر.\nإن المولى ﷿ قد بين أن ترك حرية الاختيار بين الصيام والفطر، للمرضى، والمسافرين، والمطيقين، مع حثهم على الصيام لفوائده وفضائله -والتي لا يعلمونها في الغالب- أن هذا هو التشريع الذي أراده لهم، وهو تشريع سهل ميسور، وأن في إبقاء فرضية الصيام على المرضى، والمسافرين،","vol":"2","page":308},{"text":"والمطيقين عنت ومشقة وعسر، لم يشرعه الله، فليس هناك تعارض بين تقرير خيرية الصيام لهؤلاء وقوله سبحانه (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فما قال أحد بأن العسر هو الصيام بل يكون الخلاف دائمًا بين علماء المسلمين في الخيار والأفضلية بين ما هو الأيسر أو الأفضل، الصيام أم الفطر؟ فمن قائل: الفطر، ومن قائل: الصيام، ومن قائل: بأنه أيسرهما على المرء، لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)\nإذن فقد يكون الصيام هو الأيسر لبعض هؤلاء من الفطر.\nلقد ذكر علماء المسلمين أن من الأمراض ما ينقصه الصوم أو يكون علاجًا له أو مساعدًا على زواله، لذلك قرر أكثر الفقهاء أن رخصة الإفطار في المرض ليست على الإطلاق، فقالوا: إن المرض المبيح للفطر هو الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادة في العلة، وكلام ابن الجوزي كان أكثر تحديدًا، إذ قال: \"وليس المرض والسفر على الإطلاق، فإن المريض إذا لم يضر به الصوم لم يجز له الإفطار، وإنما الرحمة موقوفة على زيادة المرض بالصوم.\nإن قضية الضرر والمشقة التي يمكن أن يعاني منها المريض، أو المسافر، أو كبير السن، ومن في حكمه، نتيجة للصيام - قضية نسبية، تختلف من فرد لآخر، ومن بيئة لأخرى، وتتأثر بالحالة النفسية والمزاجية للأشخاص، والعرف الاجتماعي العام، وظنون الأطباء، والعاملين في الحقل الصحي.\nونستطيع أن نقول: إنه ليس هناك ما يثبت أن للصيام الإسلامي ضررًا محققًا على معظم الأمراض، أو على وظائف الأعضاء في الشيخوخة، أو أثناء الحمل، أو الرضاعة، أو أثناء السفر، حتى يظل الصيام خير لمعظم المرضى، والمسافرين والمطيقين للصيام، محققًا لهم من الفوائد والمنافع الشيء الكثير الذي لا يعلمونه.\nولو قرض وتحقق الضرر في بعض الحالات، أو بعض الظروف، فيكون هذا هو العسر الذي يعود فيه التشريع تلقائيًا إلى اليسر، والذي هو هنا وجوب الفطر لا الرخصة.\nولقد عرف الحرالي اليسر بأنه: عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم","vol":"2","page":309},{"text":"والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم.\nإن العسر هو ما يصيب النفس من جهد شديد لا تتحمله عادة، فيجهدها ويثبط عملها، أو كل ما يصيب الجسم بضرر محقق أو ضعف يؤدي إلى ضرر، أو يفوت مصلحة راجحة. إن هذا العسر قد أبدلنا الله عنه بتشريع اليسر، وهو كل عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم، وهو هنا الرخصة، وحرية الاختيار بين الصيام والإفطار، لمطلق من يسمى مريضًا، أو على سفر، أو شيخا كبيرًا في العادة وتظل قاعدة (وأن تصوموا خير لكم)، برغم مشقة المرض أو السفر، أو ازدياد مشقة الحرمان من الغذاء للشيخ الكبير، ومن في حكمه تحت هؤلاء على الصيام ليجنوا منه الفوائد الجسدية والنفسية، وليكون العلم بأسرار الصيام وفوائده، معينًا لهؤلاء وميسرًا لهم تحمل هذه المشقات الاختيارية والممكنة، والناس متفاوتون في هذا، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nأما إذا حصل الضرر أو ترجح وقوعه، عاد التشريع إلى تحريم الصيام ووجوب الفطر، فهذا رسول الله - ﷺ - يصوم في السفر ويفطر، ويقول لرجل سأله عن الصيام في السفر: \"إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر\".\nوها هو ذا - ﷺ - يوجب الفطر على الناس في سفر الحرب، حينما رآهم يتساقطون من شدة الحر، ويفطر أمامهم، ويأمر الناس جميعًا بالفطر، ويقول لمن صام منهم: \"أولئك العصاة\" أولئك العصاة\"، وهو هو ذا أيضًا - ﷺ - سافر مع أصحابه إلى مكة صائمين، فنزلوا منزلًا، فقال رسول - ﷺ - لهم! \"إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم\" فكانت رخصة، فمنهم من صام، ومنهم من أفطر، بعد أن كانوا جميعًا صائمين، ثم نزلوا منزلًا آخر فقال: \"إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا\"، فكانت عزمة، فأفطروا، ثم قال راوي الحديث: لقد رأيتنا نصوم مع رسول - ﷺ - بعد ذلك في السفر.\nفالصيام للمرض والمسافرين والمطيقين هو الأولى والأنفع، ما لم تضعف النفس عن لمحمل المشقة، أو يصيبها أو يصيب الجسد ضرر محقق أو متوقع، في الأولى تكون الرخصة، وفي الثنية تكون العزمة، ويستعين الإفطار، بهذا قال بعض أهل التفسير وجمهور الفقهاء كلما ذكرنا.","vol":"2","page":310},{"text":"ونخلص مما تقدم أن الله سبحانه أثبت للصيام منافع وفوائد جسمية، نفسية، علاوة على المنافع الأخروية، لمن ثبتت لهم رخصة الإفطار من المرضى، والمسافرين، وكبار السن، ومن في حكمهم، وأن هذه المنافع والفوائد للأصحاء أولى وأثبت، لعموم اللفظ في قوله تعالى (وأن تصوموا خير لكم) والذي يرجع إلى كل من سبق ذكرهم من أصحاب الأعذار.\nوقد تجلت هذه الفوائد واستقر خبرها في زماننا هذا، لمن أوجب الله عليهم الصيام، ولمن أطاقوه من أهل الرخص، الذين يستطيعون تناول وجبتي الفطور والسحور كالأصحاء.\nولا يفوتنا إثبات أنه لا يوجد بحث علمي أجري على الصائمين الأصحاء، في الظروف الطبيعية إلا وأفاد أحد أمرين:\n(أ) إما عدم تأثير الصيام على وظائف الأعضاء ومكونات الجسم بأي قدر يشكل خطورة على الجسم.\n(ب) أو أنه يظهر فائدة جلية في بعض هذه الوظائف، أو تحسين بعض مكونات الجسم.\nولا يوجد بحث علمي -فيما أعلم- في تأثير الصيام الإسلامي على المرضى، أثبت خطرًا محققًا على مريض استطاع الصيام في الظروف الاعتيادية للإنسان، وقد كثفت البحث عن هذا، واطلعت على ملخصات لعدة قوائم للأبحاث، من مراكز عالمية في هذا الموضوع، بالإضافة إلى ما توفر لنا من الأبحاث المنشورة في المجلات، والمراجع الطبية، وأعمال الندوات والمؤتمرات العلمية، وكانت كل الأبحاث التي وقعت تحت يدي إما لا تثبت ضررًا للمرضى، أو أنها تثبت فائدة لهم.\nوهذه أمثلة على بعض الأمراض الخطوة:\n١- كان وما زال الأطباء يعتقدون أن الصيام يؤثر على مرضى المسالك البولية، وخصوصًا الذين يعانون من تكون الحصيات أو الذين يعانون من فشل كلوي، فينصحون مرضاهم بالفطر، وتناول كميات كبيرة من السوائل.","vol":"2","page":311},{"text":"وقد ثبت خلاف ذلك، إذ ربما كان الصيام سببًا في عدم تكون بعض الحصيات، وإذابة بعض الأملاح، ولم يؤثر الصيام مطلقًا حتى على من يعانون من أخطر أراض الجهاز البولي، وهو مرض الفشل الكلوي مع الغسيل المتكرر.\n٢- كان يعتقد أن الفقدان النسبي لسوائل الجسم، وانخفاض عدد ضربات القلب، وزيادة الإجهاد أثناء الصوم، يؤثر تأثيرًا سلبيًّا على التحكم في منع تجلط الدم، وهو من أخطر الأمراض، وقد ثبت أن الصيام الإسلامي لا يؤثر على ذلك في المرضى الذين يتناولون الجرعات المحددة من العلاج.\n٣- ثبت أن الصيام لا يشكل خطرًا على معظم مرضي السكري، إن لم يكن يفيد الكثيرين منهم.\n٤- يعالج الصيام عددًا من الأمراض الخطيرة أهمها:\nأ- الأمراض الناتجة عن السمنة: كمرض تصلب الشرايين، وضغط الدم، وبعض أمراض القلب.\nب- يعالج بعض أمراض الدورة الدموية الطرفية مثل: مرض الرينود (Raynaud's Disease)، ومرض برجر.\nج- يعالج كثيرًا من الأمراض التي تنشأ من تراكم السموم، والفضلات الضارة في الجسم.\nد- يعالج الصيام المتواصل مرض التهاب المفاصل المزمن (الروماتويد)\nهـ- يعدل الصيام الإسلامي ارتفاع حموضة المعدة، وبالتالي يساعد في التئام قرحة المعدة مع العلاج المناسب.\nولا يسبب الصيام أي خطر على المرضعات، أو الحوامل، ولا يغير من التركيب الكيميائي، أو التبدلات الاستقلابية في الجسم عند المرضعات، خلال الشهور الأولى والمتوسطة من الحمل.\nأما الفوائد التي يجنيها الصائمون عمومًا، فهي أكثر من أن تحصى، وقد ذكرنا طرفًا منها عند الحديث عن الأثر الوقائي للصيام، في أول هذا الباب،","vol":"2","page":312},{"text":"وسنشير هنا إلى بعض الحقائق العلمية العامة، وبعض الأبحاث الخاصة، التي تؤكد فوائد الصوم ومنافعه للإنسان، والتي ثبتت من خلال هذا البحث.\n١- يمكن الصيام آليات الهضم والامتصاص في الجهاز الهضمي وملحقاته، من أداء وظائفها على أتم وأكمل وجه، وذلك بعدم إدخال الطعام والشراب على الوجبة الغذائية، أثناء هضمها وامتصاصها.\nكما يتيح الصيام راحة فسيولوجية للجهاز الهضمي وملحقاته، وذلك بمنع تناول الطعام والشراب لفترة تتراوح من ٩-١١ ساعة بعد امتصاص الغذاء، فتستريح الغدد اللعابية، والمعدة، ويستريح الكبد أيضًا من إفراز جزء كبير من عصارته الصفراوية، بما فيها من أملاح وأحماض وأصباغ صفراوية هاضمة للدهون، ويستريح الجهاز الهضمي من إفراز هرموناته وإنزيماته من المعدة والأمعاء، كما تستريح آليات الامتصاص في الأمعاء طوال هذه الفترة من الصيام.\nوتتمكن الانقباضات الخاصة (Mingrationg Motor Complex) بتنظيف الأمعاء، لعملها المستمر دون توقف.\n٢- يمكّن الصيام الغدد ذات العلاقة بعمليات الاستقلاب، في فترة ما بعد الامتصاص، من أداء وظائفها، في تنظيم وإفراز هرموناتها الحيوية على أتم حال، وذلك بتنشيط آليات التثبيط والتنبيه لها يوميًا، ولفترة دورية ثابتة، ومتغيرة طوال العام، وبالتالي يحصل توازن بين الهرمونات المتضادة في العمل، مثل هرموني: النمو والإنسولين، كهرمونات بناء من ناحية، وهرموني: الجلوكاجون والكورتيزول، كهرمونات هدم من ناحية أخرى، والذي يتوقف على توازنها الدقيق، تركيز الأحماض الأمينية في الدم، وتوازن الاستقلاب.\n٣- ينشط الصيام آليات الاستقلاب، أو التمثيل الغذائي للجلوكوز، والدهون، والبروتينات في الخلايا، لتقوم بوظائفها على أكمل وجه، فآلية احتراق الجلوكوز في دائرة حمض الستريك لإنتاج الطاقة، وآلية تخزينه إلى جليوكوجين، وآلية تحويل الجليوكوجين إلى جلوكوز مرة أخرى، وآلية تخزين","vol":"2","page":313},{"text":"الدهون، وآلية تجمع الأحماض الأمينية لتكوين بروتين الخلايا، والأنسجة، والبلازما، والهيموجلوبين، وتكوين الهرمونات والإنزيمات المختلفة، وآلية تثبيط هذه العملية الحيوية، وآلية تكوين أحماض أمينية، مثل الألانين من البيروفيت وغيره، وآلية تصنيع جلوكوز جديد في الكبد من هذه الأحماض الأمينية، والآليات الدقيقة التي تربط بين هذه الآليات في العمليات الكيميائية المعقدة، وما يصاحبها من إنزيمات، وهرمونات، وأملاح معدنية، وخلاف ذلك، والتوازن الحاصل لمكونات الخلايا والأنسجة والجسم عمومًا، كل ذلك يتم على أكمل وأتم وجه في الصيام كما سبق وأن شرحناه.\nأما إذا اقتصر الجسم على البناء فقط، وكان همه التخزين للغذاء في داخله، فإن آليات البناء تغلب آليات الهدم، فيعتري الأخيرة -لعدم استعمالها بكامل طاقتها-، وهن تدريجي، تظهر ملامحه عند تعرض الجسم لشدة مفاجئة، بانقطاع الطعام عنه في الصحة، أو المرض، فقد لا يستطيع هذا الإنسان مواصلة حياته، أو مقاومة مرضه.\n٤- يحسن الصيام خصوبة المرأة والرجل على السواء.\n٥- يستفيد الإنسان من العطش أثناء الصيام استفادة كبيرة، حيث يساعد في إمداد الجسم بالطاقة، وتحسين القدرة على التعلم، وتقوية الذاكرة.\n٦- تتهدم الخلايا المريضة والضعيفة في الجسم عندما يتغلب الهدم على البناء أثناء الصيام، وتتجدد الخلايا أثناء مرحلة البناء.\n٧- إن أداء الصيام الإسلامي طاعة لله وخشوعًا له، ورجاء فيما عنده سبحانه من الأجر والمثوبة، لعلم ذو فائدة جمة لنفس الإنسان وجسمه، حيث يبث في النفس السكينة والطمأنينة، وينعكس هذا بدوره على آليات الاستقلاب، فيجعلها تتم في أوفق وأيسر وأنفع السبل، مما يعود بالنفع والفائدة على الجسم.\nإن الصيام كاقتناع فكري وممارسة عملية، يقوي لدى الإنسان كثيرًا من جوانبه النفسية، فيقوى لديه الصبر، والجلد، وقوة الإرادة، وضبط النوازع والرغبات، ويضفي على نفسه السكينة والرضا والفرح.. وقد أخبر بذلك","vol":"2","page":314},{"text":"النبي - ﷺ - فقال: \"للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه\" (١) . متفق عليه، وما يدخله السرور على الصائم بوعد الله له بأنه يدخل الجنة من باب الريان، وأن من صام يومًا في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا، وأن من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه.. إلى آخر ما أشارت إليه أحاديث الباب، وتلك الأحاديث المبشرة المشجعة وا-لمفرحة لنفس الصائم، وهذه لذة وسعادة لا يحققها في النفس إلا الصيام.\nالوجه الثالث من الإعجاز يسر الصيام الإسلامي وسهولته\n١- تشير الدراسات العلمية المحققة في وظائف أعضاء الجسم أثناء مراحل التجويع على يسر الصيام الإسلامي وسهولته.\nلقد أخبرنا الله ﷾ عن حقيقة علمية أخرى وهي أن الصيام الذي فرضه علينا وحدد لنا مدته الزمنية طلوع الفجر إلى غروب الشمس، في قوله تعالى: (وكلُوا واشْرَبوا حتّى يتبيّن لكُم الْخيْطُ الأبْيضُ منَ الخيطِ الأسوَدِ مِنَ الفَجرِ ثمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَيلِ) [البقرة: ١١٨٧]، أخبرنا بأن هذا الصيام سهل ويسير، لا مشقة فيه ولا ضرر، قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ...) قال الفخر الرازي في تفسير الآية: \"إن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر، وما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ما أوجب هذا القليل على المريض، ولا على المسافر\".\nفالصيام الإسلامي صيام سهل ميسور للأصحاء المقيمين، لا مشقة للنفس فيه، ولا ضرر يلحق الجسم من جرائه، على وجه القطع واليقين.\nوتتمثل مظاهر يسر الصيام في النقاط التالية:\n١- الصيام المفروض أيام قليلة معدودة وهو شهر في السنة، ولم\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" ج٢ (كتاب الصيام رقم الحديث ١٦٣، ص٨٠٧) .","vol":"2","page":315},{"text":"يفرض الله صيام الدهر. كله ولا صيام أكثر، ولو شاء سبحانه لفرضه، ولكن رحمته وسعت جميع الأمم، وسهلت عليهم أمر هذا التكاليف.\n٢- الصيام الإسلامي مفروض وملزم للأصحاء المقيمين (١)، وشعور الفرد بإلزامية الصيام على الجميع: السابقين منهم والحاضرين، ميسر له ومخفف عنه توهم المشقة النفسية، الناتجة عن الحرمان المؤقت من الطعام والشراب، وتغيير الإلف والعادة، كما أن ترجّى الحصول على منافع وفوائد الصيام، يهون هذه المشقة النفسية المتوهمة ويزيلها.\n٣- تشريع رخصة الفطر للمرضى، والمسافرين، والمطيقين، برغم الفوائد والمنافع التي يجنونها من الصيام إن صاموا، تخفيفًا وتيسيرًا لهم من مشقات المرض والسفر، ومشقة الحمل والرضاعة، وقلة الصبر على الحرمان من الغذاء لكبار السن، وتحريم الصيام عليهم إن تحقق لهم ضرر، أو فاتت مصلحة حيوية عامة أو خاصة بصيامهم.\n٤- إلزام ذوي الأعذار الموقوتة، كالمرضى والمسافرين، بإعادة الصيام في وقت آخر من العام حتى لا يحرموا من فوائده ومنافعه، وإسقاط هذا الإلزام لذوي الأعذار الدائمة ككبار السن -باتفاق-، ولذوي الأعذار شبه الدائمة: كالحوامل والمرضعات، وذوي الأمراض المزمنة التي لا يرجي برؤها في الغالب، تيسيرًا ورأفة ورحمة بهم.\n٥- يتجلى يسر الصيام الإسلامي في إمداد الجسم بجميع احتياجاته الغذائية، وعدم حرمانه من كل ما هو لازم ومفيد له، فالإنسان في هذا الصيام، يمتنع عن الطعام والشراب فترة زمنية محدودة، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وله حرية المطعم والمشرب من جميع الأغذية والأشربة المباحة ليلًا، ويعتبر الصيام الإسلامي بهذا تغيير لمواعيد تناول الطعام والشراب فحسب، فلم يفرض الله سبحانه الانقطاع الكلي عن الطعام لمدد طويلة، أو حتى لمدة يوم وليلة، تيسيرًا وتخفيفًا على أمة خاتم الأنبياء، عليه الصلاة\n_________\n(١) هذا على العموم وإلا فهناك شروط أخرى كالإسلام والبلوغ، وتراجع كتب الفقه في ذلك.","vol":"2","page":316},{"text":"والسلام، وقد تجلى هذا اليسر بعد تقدم وسائل المعرفة والتقنية في هذا العصر، وبعدما عرف الإنسان دقيق تركيبه، ومكونات جمسه، وشاهد الخلايا البشرية بالمجاهر العملاقة، وعرف مكوناتها ووظائفها، وقدرًا كبيرًا من أسرارها، وتوصل بعلومه إلى معرفة مكونات جميع الأغذية والأشربة، وكيف يستفيد منها الجسم والكائن الحي، كما عرف الأخطار الناجمة من كثرة الإسراف في تناولها وغير ذلك مما أثبتناه في هذا البحث.\nوهذه هي الأدلة العلمية القاطعة والبراهين الواضحة، على يسر الصيام الإسلامي وسهولته.\nففي خلال المرحلة الأولى من الامتناع عن الطعام (مرحلة ما بعد الامتصاص): تنشط جميع آليات الاستقلاب، فتتسارع عملية تحلل الجليوكوجين إلى جلوكوز، وتنشط آلية استقلاب الدهون، فتتحلل إلى أحماض دهنية وجليسرول، ثم تتأكسد الأحماض الدهنية، في دائرة حمض الستريك لإنتاج الطاقة، ويدخل الجيسرول في دائرة تصنيع جلوكوز جديد، كما تنشط أيضًا آلية استقلاب فتستهلك الأحماض الأمينية في عملية تصنيع الجلوكوز الجديد أيضًا وينتج الكبد (٢٠٠جم) في اليوم منه، وذلك لحفظ معدل تركيز الجلوكوز في الدم، في مستوى ثابت لإمداد الأنسجة التي تعتمد على التغذية به، من الطاقة اللازمة لها، وتنشط عملية تحلل الجليوكوجين إلى جلوكوز بمعدل أكبر في الساعات الأولى من هذا الصيام، وأما عملية تحلل الدهون وأكسدتها، مع عملية تحول الأحماض الأمينية إلى جلوكوز، فتحدثان بمعدلات أكبر في نهاية هذه الفترة (١) .\nوأهم أحداث هذه المرحلة -والتي يقع فيها الصيام الإسلامي- هي:\n١- الجلوكوز هو الوقود الوحيد للمخ.\n٢- لا تتأكسد الدهون بالقدر الذي يولد أجسامًا كيتونية زائدة بالدم.\n٣- لا يستهلك البروتين في إنتاج الطاقة، بالقدر الذي يحدث خللًا في\n_________\n(١) وظائف الأعضاء في التجويع المطلق.","vol":"2","page":317},{"text":"التوازن النتروجيني في الجسم.\nوهذه الحقائق تجعل الصيام الإسلامي متفردًا في يسره وسهولته، حتى إن بعض العلماء لم يعد فترة ما بعد الامتصاص، أو الفترة المبكرة من توقف الغذاء، من مراحل التجويع.\nأما في المرحلة الثانية (التجويع المتوسط): فتنبه أكثر عملية تصنيع الجلوكوز الجديد، وتحدث عملية الأكسدة للدهون بصورة أكبر من المرحلة الأولى، وتنتج الأجسام الكيتونية لإمداد عدد من الأنسجة بالطاقة اللازمة، فمثلًا يستهلك المخ من الطاقة من -هذه الأجسام- حوالي من ١٠-٢٠% من احتياجاته، والجلوكوز المنتج في هذه المرحلة، ضعفا المنتج منه في المرحلة السابقة أو ثلاثة أضعافه، وبرغم توفر وقود من الجليسرول، واللاكتات، لعملية تصنيع الجلوكوز الجديد، إلا أنه في هذه الفترة يرتفع معدل تحلل البروتين، وينتج توازن نتروجيني سلبي، يفرز فيه النتروجين على هيئة بولينا، كما يأخذ الكبد كميات متزايدة من الأحماض الدهنية الحرة، ويتأكسد جزء كبير منها، وهذا يؤدي إلى تولد مزيد من الأجسام الكيتونية.\nوأهم ما يحدث في هذه المرحلة هو:\n١- ارتفاع معدل استقلاب البروتين وحدوث توازن نتروجيني سلبي.\n٢- تزداد عملية تصنيع جلوكوز جديد بأكسدة المزيد من الدهون.\n٣- تكوين الأجسام الكيتونية، واعتماد المخ على جزء منها للحصول على الطاقة.\nوفي المرحلة الثالثة: (التجويع طويل الأجل) يحدث الآتي:\n١- انخفاض معدل تحلل البروتين وإخراج النتروجين.\n٢- زيادة الاعتماد على ثلاثي الجليسرول (الدهون) لإنتاج الطاقة.\n٣- تنشيط عملية تصنيع جلوكوز جديد، وإنتاج حوالي ٧٥% من الجلوكوز في الكبد بهذه العملية، من أحماض غير أمينية مثل اللاكتات، والبيروفات والجليسرول، وينتج الكبد بهذه العملية ٥٠جم في اليوم، بدلا من","vol":"2","page":318},{"text":"٢٠٠جم يوميًّا في المرحلة الأولى، كما تشارك الكلى في تصنيع الجلوكوز، حيث تنتج الكلية ٤٠ كم/يوميًا.\n٤- ينخفض الطلب على الجلوكوز خلال هذه المرحلة، ويعتمد المخ على الأجسام الكيتونية، بنسبة ٧٠-٨٠% للحصول منها على الطاقة نتيجة لازدياد تحلل الدهون.\nمن خلال عرض الحقائق السابقة، ندرك أن مدة الصيام الإسلامي والتي تتراوح من ١٢-١٦ ساعة في المتوسط، يقع جزء منها في فترة الامتصاص، ويقع معظمها في فترة ما بعد الامتصاص، ويتوفر فيها تنشيط جميع آليات الامتصاص والاستقلاب بتوازن، فتنشط آلية تحلل الجليوكوجين، وأكسدة الدهون، وتحللها وتحلل البروتين، وتكوين الجلوكوز الجديد منه، ولا يحدث للجسم البشري أي خلل في أي من وظيفة وظائفه، فلا تتأكسد الدهون بالقدر الذي يولد أجسامًا كيتونية تضر الجسم، ولا يحدث توازن نتروجيني سلبي لتوازن استقلاب البروتين، ويعتمد المخ البشري، وخلايا الدم الحمراء والجهاز العصبي، على الجلوكوز وحده للحصول منه على الطاقة.\nبينما التجويع أو الصيام الطبي، القصير والطويل منه، لا يقف عند تنشيط هذه الآليات، بل يشتد حتى يحدث خللًا في بعض وظائف الجسم.\nالفرق بين الصيام الإسلامي والتجويع:\nأ- التوازن بين البناء والهدم في الصيام الإسلامي، حيث يتحسن البناء عن معدل الهدم، بخلاف التجويع، حيث يزداد معدل الهدم عن معدل البناء، والذي يكون على حساب تدمير خلايا العضلات.\nب- لا توجد أجسام كيتونية في الصيام الإسلامي، حيث تتأكسد الأحماض الدهنية باعتدال، لكنها توجد في التجويع، حيث يكون التأكسد لهذه الأحماض بكثافة عالية.\nج- يتحسن إنتاج الطاقة في دائرة حمض الستريك أثناء الصيام الإسلامي، أفضل من غير الصائمين، وأفضل بكثير منه في التجويع.","vol":"2","page":319},{"text":"د- التوازن في إنتاج جلوكوز الدم وتحول الجليوكوجين إليه، وبالعكس أثناء الصيام الإسلامي عنه في التجويع، وكل هذا يؤكد تفوق الصيام الإسلامي على الصيام الطبي، مع تحقيقه لكل فوائده، حيث يشتركا معًا في تنشيط عمليات الهدم، وتخليص الجسم من الأنسجة المريضة، والفضلات السامة.\nإن الفترة الزمنية التي وقتها الله ﷾ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هي فترة زمنية كافية، لتنشيط كافة العمليات الحيوية داخل الجسم البشري، وإن في الزيادة عليها جهد ومشقة وحرج، ولا يجني منها ثمرة حقيقية، لذلك نهى النبي - ﷺ - عن الوصال في الصوم، وهو: التجويع المطلق الذي لا يتناول فيه المرء طعامًا وشرابًا لأكثر من يوم؛ لأنه لن يحقق فائدة زائدة، بل سيحطم الأنسجة لحفظ توازن الطاقة في الجسم، وقد يتشمع الكبد، وتضطرب وظائفه، وترتفع الأجسام الكيتونية، فتحدث حموضة الدم الخطرة.\nعن ابن عمر -﵄- أنه قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى\" رواه البخاري.\nإن هذا الحديث يؤكد أهمية الطعام والشراب في الصيام، وأن في مواصلة الانقطاع عنهما ضرر وحرج، وأن ما يراه أصحاب النبي - ﷺ - من انقطاعه عنهما، إنما هو أمر خاص به، لأنه - ﷺ - يطعم ويسقى بطريق آخر، غير معتاد للبشر، كما أخبر بذلك.\n* يعتبر الصيام الإسلامي تمثيلًا غذائيًّا فريدًا؛ إذ يشتمل على مرحلتي البناء والهدم، فبعد وجبتي الإفطار والسحور، يبدأ البناء للمركبات الهامة في الخلايا، وتجديد المواد المختزنة، والتي استهلكت في إنتاج الطاقة، وبعد فترة امتصاص وجبة السحور، يبدأ الهدم، فيتحلل المخزون الغذائي من الجليوكوجين والدهون، ليمد الجسم بالطاقة اللازمة، أثناء الحركة والنشاط في نهار الصيام.\nتتراوح فترة الهدم أثناء الصيام الإسلامي من ٨-١٣ ساعة، وهذه الفترة تقع على وجه القطع في الفترة التي سماها العلماء فترة ما بعد الامتصاص،","vol":"2","page":320},{"text":"والتي تتراوح من ٦-١٢ ساعة وقد تمتد إلى ٤٠ ساعة، حسب تقسيم المدارس المختلفة لمراحل التجويع، أو الصوم المطلق (Starvation) ويعتبر العلماء هذه الفترة فترة أمان كامل، ولا يحصل منها أي ضرر على الإطلاق للجسم، بل على العكس يستفيد الجسم منها فوائد عديدة، قد ذكرنا طرفا منها.\nلذلك كان تأكيد النبي - ﷺ - وحثه على ضرورة تناول وجبة السحور، لإمداد الجسم بوجبة بناء يستمر لمدة ٤ ساعات، محسوبة من زمن الانقطاع عن الطعام، وبهذا أيضًا يمكن تقليص فترة ما بعد الامتصاص إلى أقل زمن ممكن، كما أن حث النبي - ﷺ - على تعجيل الفطر، وتأخير السحور، يقلص فترة الصيام أيضًا إلى أقل حد ممكن؛ حتى لا يتجاوز فترة ما بعد الامتصاص ما أمكن، وبالتالي فإن الصيام الإسلامي لا يسبب شدة، ولا يشكل ضغطا نفسيًا ضارًا على الجسم البشري، بحال من الأحوال.\nروى زيد بن ثابت -﵁- قال: تسحرنا مع رسول الله - ﷺ -، ثم قمنا إلى الصلاة، قيل: كم كان بينهما؟ قال خمسون آية (متفق عليه) (١) .\nوعن ابن عمر -﵄- قال: كان لرسول الله - ﷺ - مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم\" قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا\".\n(متفق عليه) (٢) .\nعن العرباض بن سارية -﵁- قال: دعاني رسول الله - ﷺ - إلى السحور في رمضان فقال: \"هلم إلى الغداء المبارك\" (٣) .\nعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"هو الغداء\n_________\n(١) راجع فتح الباري (٤/١٣٨) حديث رقم (١٩٢١م)، ومسلم (٢/٧٧١) حديث رقم (٤٧) .\n(٢) راجع فتح الباري (٢/٩٩) حديث رقم (٦١٧)، ومسلم (٢/٧٦٨) حديث رقم (٣٦-٣٨) .\n(٣) أبو داود (٢/٧٥٧)، حديث (٢٣٤٤)، والنسائي (٤/١٤٥)، وابن حبان (٥/١٩٤) حديث رقم (٥٦) .","vol":"2","page":321},{"text":"المبارك\" يعني: السحور (١) .\nعن عبد الله بن حارث عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: دخلت على النبي - ﷺ - وهو يتسحر فقال: \"إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه\" رواه النسائي بإسناد حسن (٢) .\nعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين\" رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه، وهو صحيح (٣) .\nوعن عمرو بن العاص -﵁- أن النبي - ﷺ - قال: \"فرق ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر\" رواه مسلم (٤) .\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال رسول الله - ﷺ -: \"تسحروا فإن في السحور بركة\". متفق عليه (٥) .\nروى سهل بن سعد -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر\" متفق عليه (٦) .\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون\" أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وهو صحيح (٧) .\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: \"ما رأيت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) ابن حبان (٥/١٩٣) حديث رقم (٣٤٥٥) .\n(٢) راجع النسائي (٤/١٤٥) .\n(٣) راجع ابن حبان (٥/١٩٤) حديث رقم (٣٤٥٨) .\n(٤) مسلم (٢/٧٧٠-٧٧١) حديث رقم (٤٦) .\n(٥) البخاري (٢/٣٦) حديث (١٩٢٣)، ومسلم (٢/٧٧٠) حديث رقم (٤٥) .\n(٦) مسلم (ج٢ ص٧٧١) حديث رقم (٤٨)، والبخاري مع الفتح (٤/١٨٩) .\n(٧) سنن أبي داود (٢/٣٦٣) حديث (٢٣٥٣)، وابن ماجه في الصوم، في باب تعجيل الإفطار، حديث رقم (١٦٩٨)، وابن خزيمة (٣/٢٧٥) حديث رقم (٢٠٦٠) .","vol":"2","page":322},{"text":"قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر، ولو على شربة ماء\" أبو يعلى في مسنده وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وهو حديث حسن (١) .\n* وجود مخزون من الطاقة في الجسم البشري، يكفي الإنسان حينما يمتنع عن تناول الطعام امتناعًا تامًا، لمدة شهر إلى ثلاثة شهور، لا يتناول فيها أي طعام قط، ولقد هيأ الله سبحانه هذا المخزون الهائل في جسم الإنسان ليمده بأسباب الحياة في وقت الحاجة، كما في الصيام، والمرض وفي أوقات الشدة، والحرمان من الغذاء، فالجلوكوز المختزن في صورة جليوكوجين في الكبد، والعضلات، يمد الجسم بالطاقة اللازمة له خلال الفترة الأولى من الامتناع عن الطعام، بينما تقدم الدهون المختزنة في الأنسجة الشحمية، والبروتينات المختزنة في العضلات، الطاقة اللازمة للجسم، في الفترات المتوسطة والطويلة من التوقف عن تناول الطعام (التجويع المطلق) .\nوبناء على هذه الحقيقة يمكننا أن نؤكد أن الذي يتوقف أثناء الصيام، هو عمليات الهضم والامتصاص، وليست عمليات التغذية، فخلايا الجسم تعمل بصورة طبيعية، وتحصل على جميع احتياجاتها اللازمة لها، من هذا المخزون بعد تحلله، والذي يعتبر هضمًا داخل الخلية، فيتحول الجليوكوجين إلى سكر الجلوكوز، والدم والبروتينات إلى أحماض دهنية وأحماض أمينية، بفعل شبكة معقدة من الإنزيمات، والتفاعلات الكيمائية الحيوية الدقيقة، والتي يقف الإنسان أمامها مشدوها معترفًا بجلال الله وعلمه، وعظيم قدرته وإحكام صنعه.\nويمارس الإنسان بعد ٤ أيام من انقطاعه عن الطعام في المصحات الطبية - التي تعالج بالصوم الطبي، أو الانقطاع الكلي عن الطعام- حياته العادية، من السير والقراءة والكتابة، بل ويمارس التمارين الرياضية والسباحة، ولكن تحت إشراف طبي دقيق، ولا يشعر الإنسان بالتعب والإعياء إلا في الأيام الأربعة الأولى من انقطاعه عن الطعام، ولا يحس بالجوع المعتاد إلا في خلال هذه\n_________\n(١) ابن خزيمة (٣/٢٧٦) حديث رقم (٢٠٦٣)، وابن حبان (٥/٢٠٧) حديث رقم (٣٤٩٤)، وأبو يعلى في مسنده (٤/٥٠) حديث رقم (٣٧٨٠) .","vol":"2","page":323},{"text":"الأيام، ثم يختفي بعد ذلك، وقد شرح الدكتور (بريزتنس) ذلك بقوله: \"إن الشعور بالتعب والإرهاق الذي يترافق مع الجوع هو حالة فيزيائية صرف، وبناء على تجارب عديدة أجريت في المخابر، فإن الصوم بحد ذاته لا يؤدي إلى هذه الأعراض، ولا إلى الآلام والضعف وخصوصًا في الأيام الأولى منه، وإنما ذلك يرجع إلى أسباب عديدة، ليس الصوم واحدًا منها، وإن غياب هذه الأعراض مع استمرار الصوم، يبرهن على أن الصوم ليس له علاقة بذلك، وأهم هذه الأسباب: التوقف المفاجئ عن تناول المنبهات التي اعتاد المرء تناولها، والعادات السيئة في الطعام، وعلى رأسها الإسراف فيه، وقد وجد أن الأشخاص البدينين والذين يعيشون في حالة من الرخاء، هم الذين يشكون من هذه الأعراض أكثر من غيرهم، وفرق بين هذا، وبين الجوع الحقيقي الذي هو ظاهرة فسيولوجية، ونداءات للحصول على الغذاء الضروري للجسم، والذي لا يحدث إلا بعد نفاد جزء كبير من مخزون الغذاء في الجسم.\nولكن مع كل هذه الإمكانية الهائلة التي هيأها الله سبحانه للجسم الإنساني، في مقدرته على حفظ حياته، عند انقطاعه التام عن تناول الطعام، مع كل هذا، فقد فرض علينا ﷾ صيامًا لا ننقطع فيه عن الطعام إلا فترة زمنية لا تتعدى -في الغالب- نصف يوم، فكم هي سهلة ميسورة! يمكن أن يمارس فيها الصائم أشق الأعمال وأشدها، من غير ضرر يلحق به، أو حتى شدة يتعرض لها، فالطاقة المحركة متوفرة وبكثرة، وبناء الخلايا وتجديد التالف منها لن يتأثر مطلقًا، فالمركبات الثلاثة الهامة: البروتينات، والكربوهيدرات، والدهون، يمكن أن يتحول كل منها للآخر داخل الخلايا، وتبنى منها جمع مركبات الخلية، وعليه فلن يتأثر أي عمل حيوي داخل الجسم، بل تستفيد كل أجهزة الجسم بالصيام، فينشط لمزيد من العمل والحركة، كما أن تناول الطعام في الفطور والسحور، يجدد مخزون الطاقة التي استهلكت في العمل، ويمد الجسم باحتياجاته من الأحماض الأمينية، والدهنية الأساسية، والتي لا يستطيع الجسم تصنيعها بداخله، ويمده أيضًا باحتياجاته اليومية من الفيتامينات والمعادن، والتي لابد له من الحصول عليها في الغذاء، وبذلك يستطيع الإنسان أن يصوم السنة","vol":"2","page":324},{"text":"كلها صيامًا إسلاميًا، يتناول فيه وجبتي السحور والفطور، من غير ضرر يهدد حياته، ولكن رحمة الله بالإنسان أبت إلا تخفيف ذلك عليه بإلزامه شهرًا واحدًا في السنة، وتركته حرًا مختارًا فيما بعد ذلك، في السنن والنوافل التي أمر بها النبي - ﷺ - أو حافظ عليها، كصيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو الاثنين والخميس من كل أسبوع، وكصيام ستة أيام من شوال، ويوم عاشوراء، وعرفة، ومنع الإنسان من قهر نفسه وتعذيبها بإلزامها صوم السنة كلها، وقد اعترض النبي - ﷺ - على أحد الصحابة الذي ألزم نفسه بصيام السنة كلها، حتى نحل جسمه وتغيرت ملامحه، فقال له: لم \"عذبت نفسك\"! وأمره بالاعتدال فأي تخفيف أيسر من هذا التخفيف! وصدق الله العظيم القائل: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: ٢٨]، وأي يسر أعظم من هذا اليسر! قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا وريد بكم العسر)\nوهكذا يتجلى الإعجاز العلمي في الصيام الإسلامي بظهور الحقائق العلمية في هذا الزمان والتي ما كان في مقدور بشر منذ أربعة عشر قرنًا أن يخبر عنها وأن يجزم بها، هذا وقد نشأ رسول الله - ﷺ - في بيئة لا تعرف هذا الصيام ولا تمارسه.\nوبعد أن استبانت الحقائق عن الجسم البشري والتمثيل الغذائي فيه، وأخطار كثرة الأكل، نادى العلماء بالاعتدال في الطعام، والشراب، وضرورة الصيام للإنسان وقاية وعلاجًا، وتحقيقًا لمنافع وفوائد شتى، لخصها الدكتور (آلان كوت) (١) في الفصل الأول من كتابه \"الصوم الطبي\" إجابة عن سؤال، لماذا نصوم؟ قال: لتخفيف الوزن بأسرع وأسهل طريقة، ولنعطي أجهزة الجسم فترة راحة مناسبة، ولتنظيف أجسامنا وتطهيرها بخراج الخبث والسموم منها، ولنترك لأجسامنا فرصة كي ترمم نفسها بنفسها، ولنعالج به عددًا من الأمراض الشائعة، ولنتخلص به من التوتر النفسي، ولنصقل به الحواس ونوقظ المواهب، ولنكتسب به القدرة على ضبط النفس والسمو الروحي، فتتحسن بذلك أجسامنا وعقولنا، وتتباطء عملية السير نحو الشيخوخة، ثم سرد في فصول كتابه\n_________\n(١) انظر كتاب الصوم الطبي، النظام الغذائي الأمثل.","vol":"2","page":325},{"text":"تفصيلًا لهذا، ودعى الأطباء لاعتماد الصوم في العلاج والوقاية من الأمراض.\nوهذا (هـ. م شيلتون) في كتابه (التداوي بالصوم) (١)، يؤكد أن الصوم يعطي راحة تامة للأعضاء الحيوية الهامة، ويوقف امتصاص الأغذية التي تتحلل داخل الأمعاء، ويفرغ القناة الهضمية، ويخلصها من الجراثيم والتخمرات، ويعطي لأجهزة الإفراغ الفرصة كي تستعيد نشاطها، ويصلح ويجدد الكيمياء الفيزيولوجية والإفرازات الطبيعية، ويسهل امتصاص الترسبات والتراكمات والبوارز الشاذة، ويحسن الوظائف العامة في الجسم، ويعيد الشباب للخلايا والأنسجة، ويجدد العضوية بإزالة الأنسجة الميتة والضعيفة، وإحلال أنسجة جديدة شابة وفتية بدلًا منها. ثم يفرد فصلين في كتابه يتحدث فيهما عن علاج الأمراض الحادة والمزمنة بالصوم.\nوها هي الحقائق العلمية المبثوثة في الكتب والأبحاث الطبية تؤكد منافع الصيام الإسلامي وفوائده:\n* فهو وسيلة وقائية من الأمراض والعلل، الناتجة من كثرة الأكل ودوامه بلا توقف على مدار العام.\n* وهو وسيلة علاجية لبعض الأمراض الحادة والمزمنة.\n* وهو منشط لسائر العمليات الحيوية داخل الجسم ورافع لمعدل أدائها، ومجدد لمكونات الخلايا الأساسية، ومخزون الطاقة فيها، لتكون أكثر قوة وقدرة في مواجهة الشدائد، عندما يقل الطعام أو يحرم منه تحت أي ظرف طارئ.\n* وهو كابح للرغبات الجنسية المتأججة، ومثبط لها وخصوصًا عند الشباب.\n* وهو صيام سهل ميسور يستطيعه كل الناس في أي مكان، وتحت أي ظرف\n_________\n(١) هـ. م شيلتون \"التداوي بالصوم\". الفصل (٣٤، ٣٥) ص (١٥٤-١٧٧) .","vol":"2","page":326},{"text":"ظرف مناخي على الأرض، ولا يحدث أثناءه أو بسببه أي خلل أو اضطراب، في أي من العمليات الحيوية، أو المركبات الضرورية للجسم؛ ذلك لأن الجسم البشري يمتلك من الطاقة المختزنة فيه ما تجعله على مواصلة الانقطاع التام عن الأكل لفترة زمنية تتراوح من شهر إلى ثلاثة شهور متصلة.\nفالتغذية لا تتوقف أبدًا عن خلايا الجسم، بل الذي يتوقف فقط -بعد فترة امتصاص الغذاء-، هو عمليات الهضم والامتصاص.\n* وهو صيام لا يسبب مشقة للجسم أو شدة عليه، وإنما المشقة المتوهمة هي مخالفة الإلف والعادة في تناول الطعام، والجوع الذي يشعر به الصائم، وهو أحد مظاهر هذه المشقة، إنما هو جوع وهمي أو اعتيادي، وسببه عادة تناول الطعام في أوقات معينة وتعود تناول المنبهات، ولا يعبر هذا الإحساس دائمًا عن حاجة الخلايا الملحة للغذاء.\n* وهو صيام يشتمل على عمليتي البناء والهدم في آن واحد فيوفر الجلوكوز كوقود وحيد لخلايا الدماغ، وكوقود أساسي لبقية الأنسجة الأخرى، ويحفظ الجسم من أخطار تنشيط عمليات الهدم بمفردها، من الأكسدة الشديدة والسريعة للدهون وتحلل بروتينات الخلايا وتحطم مكوناتها، وتراكم الأجسام الكيتونية في الدم، وحدوث التوازن النتروجيني السلبي في الجسم، كما يحدث في الصيام الطبي أو التجويع طويل الأجل وقصيره، كما لا يحرم الجسم من إمداده بالمواد الضرورية له في الغذاء كالأحماض الأمينية والدهنية الأساسية والمعادن، وبعض الفيتامينات، والتي لا يستطيع تصنيعها داخل خلاياه، لذلك فهو صيام آمن بكل المقاييس العلمية، ويحقق كل منافع وفوائد الصيام الطبي، بل ويتفوق عليه خصوصًا إن توفرت فيه شروط الصيام المثالي الذي أمر به الشارع الحكيم.\nفمن أخبر محمدًا - ﷺ - أن في الصيام وقاية للإنسان من أضرار نفسية وجسدية؟ ومن أخبره أن فيه منافع وفوائد يجنيها الأصحاء؟ بل ومن يستطيع الصيام من المرضى وأصحاب الأعذار!! ومن أخبره - ﷺ - بأن الصيام سهل ميسور، لا يضر بالجسم ولا يجهد النفس؟ ومن أطلعه على أن كثرة الصوم تثبط","vol":"2","page":327},{"text":"الرغبة الجنسية، وتخفف من حدتها وثورتها خصوصًا عند الشباب!! فيصير الشاب كالخصي آمنًا من الاضطرابات الغريزية والنفسية ومحصنًا ضد الانحرافات السلوكية!!\nإن الله -جل في علاه- هو الذي أخبر رسوله - ﷺ - وأطلعه على هذه الحقائق فهو سبحانه خالق الإنسان العليم بدقيق تركيبه، والخبير بما يصحه ويصلحه (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) .\nإن أسرار الصيام ستتجلى بظهور الحقائق العلمية يومًا بعد يوم، ويرى العلماء بأعينهم ويدركوا بأدواتهم صدق الوحي الذي بهذا التشريع اليسير النافع، كما أخبر الله عنهم قوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [سبأ: ٦] .\nلقد تجلت في هذا الزمان حقيقة الصيام، وأنه معجزة علمية وضرورة إنسانية، وستتجلى هذه ا-لحقيقة أكثر وأكثر، كلما ازداد الإنسان علمًا بسنن الخلق، وسيعلم المعاندون والمستكبرون أن هذا القرآن وحي الله العليم بأسرار خلقه، قال تعالى: (قلْ أنزلَه الَذي يَعْلَم السِّرَّ فِي السَّمَوَات وَالأرْضِ) [الفرقان: ٦]، وقال تعالى: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون) [النساء: ١٦٦]، وسيروا بيقين آيات الله في أنفسهم ومن حولهم، شاهدة بذلك، حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق * أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)\nفالحمد لله الذي عرّفنا بعض أسرار الصيام، معرفة يقينية تعيننا على مغالبة شهواتنا، وتزيل عنا كثير، من أوهام نفوسنا، وتدفعنا إلى المضي في طريق ربنا مستمسكين بها عاضين عليها بالنواجذ.\n***","vol":"2","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>دفاع العقاد عن الصيام ردًا على المستشرقين</span>\nدائمًا وأبدًا يمكر أعداء دين الله بالمسلمين ويلمزون أغلى شيء عندهم وهو دينهم ويسخرون من نور عباداتهم فهذا الصليبي القديم الذي ما كان يفيق من شرب الخمر.. هذا الأخطل ... يعيب شعائر الإسلام فيقول في قحة وتطاول:\nولست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي\nولست بزاجر عنسًا بكورًا ... إلى بطحاء مكة للنجاح\nولست بصائح في جنح ليل ... كمثل العير حيّ على الفلاح\nفمات على كفره وأمّه الهاوية\nواليوم يطعنون في الصيام ...\nجاء في موسوعة الحضارات الصادرة عن هيئة اليونسكو على لسان مستشرق صليبي ما يعتبر أن صيام شهر رمضان مرهق وشاق للغاية إلى غير ذلك من المفتريات وهو معذور فإنه لو ذاق لعرف، ويرحم الله الأستاذ العقاد فقد أغنانا في رده المسهب على ذلك المستشرق الفرنسي وأمثاله من خلال كتابه \"ما يقال عن الإسلام\" ومن المجدي هنا أن انقل لك فقرات من هذا الرد.\nيقول -﵀- للرد عليه: \"قد ثبت للعبادات الروحية من الفضائل ما لم يثبت لها قبل القرن العشرين بغير فضيلة الطاعة الواجبة لأوامر الدين أو بغير الأسباب التي ينفرد الدينيون بتفسيرها وإقامة الأدلة على لزومها فلا تدخل في نطاق البحوث التي يتصدى لها علماء الماديات أو علماء المحسوسات، والصيام في مقدمة هذه الأوامر المادية التي أعيد فيها النظر على أيدي أبناء القرن العشرين فظهرت لها مزاياها الكثيرة إلى جانب مزايا العبادة والإيمان بحقوق الغيب مع حقوق الشهادة والعيان فقد أصبح أبناء القرن العشرين جميعًا يزاولون نوعًا من أنواع الصيام في وقت من الأوقات لصلاح البنية أو صلاح الخلق أو","vol":"2","page":329},{"text":"صلاح الذوق والجمال، ومعنى الصيام أنه هو الكف عن شهوات الطعام وسائر الشهوات الجسدية وقتًا من الأوقات.\nوهذا هو الصيام الذي تدعو إليه الحاجة في تحقيق أغراض التربية النفسية والتربية الاجتماعية وسائر دروب التربية النافعة على حالة من الحالات:\n١- فمن الصيام \"ما يتقرر اليوم لتربية الأخلاق الفدائية في الجنود\" ومن يؤدون عملًا يستدعي من الشجاعة ورياضة النفس على تقلبات الحياة ما تستدعيه أعمال الجنود الفدائيين.\nوقد يستدعي عمل الجندي الفدائي أن يكف عن الطعام بضعة أيام، أو يستدعي أن يقبل الطعام الذي تعافه نفسه أيامًا، أو يستدعي أن يرفض الطعام الجيد المشتهى وهو حاضر بين يديه.\n٢- ومن الصيام الذي ثبت لزومه في هذا العصر \"صيام الرياضيين\" وهم يملكون بإرادتهم زمام وظائفهم الجسدية، ويتجنبون كل طعام يحول بينهم وبين رشاقة الحركة أو يحول بينهم وبين الصبر على الحركة العنيفة والحركة تتعاقب على انتظام إلى مسافة طويلة من المكان أو من الزمان ولا يستطيعها من يجهل نظام الصيام ويروض نفسه وجسده على نوع من أنواعه طوال الحياة.\n٣- ومن الصيام العصري \"صيام التجميل\" وقد يصبر عليه من لا يصبرون عادة على \"صيام الرياضة النفسية\"، أو \"صيام الرياضة البدنية\"، وقد يقضي على الصائم من الرجال والنساء أن يلتزم الحمية في تناول الغذاء المستطاب وإن يكن صالحًا للتغذية موفور الفائدة للبنية الحية، ولكنه يؤخذ بمقدار لا يزيد عليه من يحرص على الوسامة واعتدال الأعضاء.\n٤- ومن الصيام الشائع في العصر الحديث \"صيام الاحتجاج على الظلم\" والتنبيه إلى القضايا والحقوق التي يهملها الظالمون، ولا يعطونها نصيبها لواجب من الفهم والعناية.\nوهذه الأنواع من الصيام كلها صالحة لغرض من أغراض التربية العامة أو الخاصة يهتدي إليه أبناء القرن العشرين، ويعلمون منه أن الآداب الدينية تسبق","vol":"2","page":330},{"text":"التحقيق العلمي إلى خلق العادات الصالحة واشتراع الآداب الضرورية لمطالب الجسد والروح في الجانب الخاص أو الجانب العام في حياة الإنسان.\nولعل الفضيلة العصرية -فضيلة القرن العشرين- التي تحسب من الأخبار الصادقة ولا تحسب من الإشاعات المسجاة أنه يعرض مسائل الحياة للبحث والتقرير، ويجمع الأشتات والمتفرقات من معلومات الأقدمين ليجري عليها حكم العقل والعلم في نسق جديد، وعلى هذا النسق يتناول الباحثون العصريون أنواع الصيام ويقسمو-نها إلى أقسامها على حسب أغراضها ا-لعامة أو الخاصة من قديم العصور إلى العصر الحديث.\nوقد أحسنوا تقسيمها حقا حين حصروها في هذه الأقسام الخمسة التي تحيط بها ولا تستثني نوعًا منها وهي:\n١- صيام التطهير الذي يكف الصائم عن الإلمام بالخبائث والمحظورات من شهوات النفوس أو الأجسام.\n٢- وصيام العطف، ومنه صيام الحداد في أيام الحزن أو المحنة ليشعر الصائم بأنه يذكر أحبابه الذاهبين أو الغائبين ولا يبيح لنفسه ما حرموه بفقدان الحياة أو فقدان النعمة والحرية.\n٣- وصيام التكفير عن الخطايا والذنوب تطوعًا من الصائم يعاقب نفسه على الذنب الذي يندم على وقوعه، ويعتزم التوبة منه والتماس العذر فيه.\n٤- وصيام الاحتجاج والتنبيه، وهو صيام المظلومين وأصحاب القضايا العامة التي لا تلقى من الناس نصيبها الواجب من الاهتمام أو الإنصاف.\n٥- وصيام الرياضة النفسية أو البدنية التي تمكن الصائم من السيطرة بإرادته على وظائف جسمه تصحيحًا لعزيمته أو طلبًا للنشاط واعتدال الأعضاء.\nكل هذه الأنواع الصومية تستدعي الكف عن الطعام وشهوات الجسد تارة بالامتناع عن الطعام كله بعض الوقت وتارة بالامتناع عن بعضه في جميع الأوقات، وتارة بالإقلال من جميع مقاديره، والمباعدة بين وجباته أو بالقدرة على مخالفة العادات المتبعة في تقديره وتوقيته على جميع الأحوال وشريطته","vol":"2","page":331},{"text":"العامة التي تلاحظ في جميع أنواعه هي: تحكيم الإرادة في شهوات النفس والجسد أو تربية العزيمة على قيادة الإنسان لنفسه حيث يريد، والمتواتر من أقوال البا-حثين من عادات الأجناس البشرية أن ا-لصيام بجميع أنواعه -قديمًا في أمم العالمين القديم والجديد.\nمزايا الصيام الإسلامي:\nوعند المقابلة بين أنواع الصيام نتبين مزايا الصيام الإسلامي بين جميع هذه الأنواع فإنه واف بالشريطة العامة للصيام المفروض بحكم الدين أو المتبع لرياضة الأخلاق، وهو على ذلك صالح لمقاصد التطهير والعطف والتوبة والتكفير.\nولا جدال في رجحان الصيام بنظامه الإسلامي على نظام الصيام الذي يتحرى الصائم فيه اجتناب بعض الألوان من الأطعمة الفاخرة أو الأطعمة الشهية فإن اجتناب بعض الألوان لا يكفي لترويض وظائف الجسد وتغليب حكم الإرادة عليها.\nولا جرم كان الصيام في الإسلام نظاما لا يَفْضُله نظام بين شتى الأنظمة التي تقدمت بها فرائض الصيام\" (٩) .\n***\n_________\n(١) \"ما يقال عن الإسلام \". عباس محمود العقاد.","vol":"2","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>الباب التاسع\nزكاة الفطر</span>\n\"طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين\"\nحديث شريف","vol":"2","page":333},{"text":"يُودع الضيف الكريم ويجهز بالهدايا والتحف والعطايا والطرف.\nأتدرون ما تحفة ضيفكم؟ إنها زكاة فطركم طهرة صومكم، وزكاة نفوسكم وصلاح أمركم.\n* وقد فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر (طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين) (١) .\nزكاة الفطر (صدقة الفطر)\nيقال: زكاة الفطر، وصدقة الفطر. ويقال للمُخْرَج فطرة، وكأنها من الفطرة، أي: الخلقة، أي: زكاة الخلقة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>حكمها:</span>\nزكاة الفطر فرض لحديث ابن عمر -﵄-: \"فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر [من رمضان على الناس]، (٢) . ولحديث ابن عباس -﵄-: \"فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر\" (٣) .\nهي واجبة عند جمهور أهل العلم: الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، خلافًا لمن شذ، كالأصم، وابن علية، وابن اللبان، من الشافعية، وأصبغ، من المالكية، وبعض أصحاب داود، بل قال البيهقي- فيما نقله عنه النووي في المجموع (٦/٦٢) -: \"أجمع العلماء على وجوب صدقة الفطر، وكذا نقل الإجماع ابن المنذر في \"الإشراف\" وهذا يدل على ضعف الرواية عن ابن علية، والأصم، وإن كان الأصم لا يعتد به في الإجماع\".\n_________\n(١) جزء من حديث رواه أبو داود، وابن ماجه، والحكم، والبيهقي والدراقطني، عن ابن عباس -﵄- قال الدارقطني: رواته ليس فيهم مجروح. وحسنه النووي في \"المجموع\"، وابن قدامه في \"المغني\"، وقواه ابن دقيق العيد في \"الإلمام\"، انظر \"إرواء الغليل\" (٣/٣٣٢) .\n(٢) رواه الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وما بين المعكوفتين عند مسلم والنسائي.\n(٣) جزه من حديث صحيح، أخرجه ابو داود وابن ماجه، والبيهقى، والحاكم، والدارقطني.","vol":"2","page":335},{"text":"* قال ابن عبد البر في التمهيد (١٤/٣٢٢-٣٢٤): \"قال أبو جعفر الطبري: أجمع العلماء جميعًا -لا اختلاف بينهم- أن النبي - ﷺ - أمر بصدقة الفطر، ثم اختلفوا في نسخها فقال قيس بن سعد بن عبادة: \"كان النبي - ﷺ - يأمرنا بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا، ولم ينهنا عنها، ونحن نفعله\" (١) . قال: وقال جل أهل العلم: هي فرض لم ينسخها شيء.\nقال: وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور.\nقال ابن عبد البر: والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجب أيضًا؛ لأن القول بأنها غير واجبة شذوذ أو ضرب من الشذوذ.\nقال النووي رادِّا على حديث قيس بن سعد في المجموع (٦/٦٢): \"هذا الحديث مداره على أبي عمار، لا يعلم حاله في الجرح والتعديل، فإن صح فجوابه أنه ليس فيه إسقاط الفطرة لأنه سبق الأمر به، ولم يصرح بإسقاطها والأصل بقاء وجوبها\".\nقال الحافظ- ابن حجر في الفتح (٣/٣٦٨): \"إن في إسناده راويًا مجهولًا، وعلى تقدير الصحة فلا دليل على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر\".\nوقال الخطابي في معالم السنن (٢/٢١٤): \"وهذا لا يدل على زوال وجوبها، وذلك أن الزيادة في جنس العبادة لا يوجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أن محل الزكوات الأموال، ومحل زكاة الفطر الرقاب\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>فيمَنْ تجب عليه، وعمن تجب</span>؟\nتجب زكاة الفطر عَلى الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، من المسلمين لحديث عبد الله بن عمر -﵄-: \"فرض رسول الله\n_________\n(١) صحيح: أخرجه النسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي، وضعفه النووي، وابن حجر، وصححه الألباني.","vol":"2","page":336},{"text":"- ﷺ - زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين\" (١) .\n* قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/١٣٠): \"وأجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بها ذكرانًا كانوا أو إناثًا، صغارًا أو كبارًا.، عبيدًا أو أحرارًا إلا ما شذ فيه الليث فقال: ليس على أهل العمود زكاة الفطر، إنما هي على أهل القرى، ولا حجة له، وما شذ أيضًا من قول من لم يوجبها على اليتيم\".\n* ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها على العبد الكافر لحديث أبي هريرة -﵁-: \"ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر\" رواه مسلم، وأحمد، وهذا الحديث عام، وحديث ابن عمر خاص، ومعلوم أن الخاص يقضي على العام. وقال آخرون: لا تجب إلا على الصائم، لحديث ابن عباس: \" ... طهرة للصائم ... \".\n* قال الخطابي في معالم السنن (٣/٢١٤): \"وهي واجبة على كل صائم غني ذي جدة يجدها عن قوته، إذا كان وجوبها لعلة التطهير، وكل الصائمين محتاجون إليها، فإذا اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب\".\nوأجاب الحافظ -رحمه لله-: \"إن ذكر التطهير خرج على الغالب كما أنها تجب عمن لا يذنب كمتحقق الصلاح، أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة\".\n* وذهب بعضهم إلى وجوبها على الجنين، وليس لهم دليل على ذلك.\nقال ابن رشد: \"أما عمن تجب فإنهم اتفقوا على أنها تجب على المرء في نفسه إذا لم يكن لهم مال، وكذلك في عبيده إذا لم يكن لهم مال.\n* ذهب الشافعي ومالك أنها تلزم الرجل عمن ألزمه الشرع النفقة عليه، وخالفه أبو حنيفة في الزوجة وقال تؤدي عن نفسها، وخالفهم أبو ثور في العبد إذا كان له مال، فقال: إذا كان له مال زكى عن نفسه ولم يزك عنه سيده، وبه\n_________\n(١) أخرج الجماعة، والبيهقي، والدارمي، والطحاوي من طريق مالك.","vol":"2","page":337},{"text":"قال أهل الظاهر والجمهور على أنه لا تجب على المرء في أولاده الصغار إذا كان لهم مال زكاة الفطر، وبه قال الشافعي أبو حنيفة ومالك.\n* والإسلام شرط في جوب الفطرة: فلا تجب على الكافر عن نفسه اتفاقًا، وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة مثلًا؟ نقل ابن المنذر الإجماع على عدم الوجوب.\n* والعبد الكافر هل يخرجها سيده المسلم عنه؟ قال ابن حجر: \"قال الجمهور لا، خلافًا لعطاء والنخعي والثوري والحنيفة وإسحاق\".\n* وعبيد التجارة: ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن على السيد فيهم زكاة الفطر، وقال أبو حنيفة وغيره: ليس في عبيد التجارة صدقة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>اليسار شرط لوجوب الفطرة:</span>\nقال النووي في ا-لمجموع (٦/٦٧): \"مذهبنا أنه يشترط أن يملك فاضلًا عن قوته وقوت من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، حكاه العبدري عن أبي هريرة وعطاء والشعبي وابن سيرين وأبي العالية والزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وأبي ثور\".\n* قال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من يملك نصابًا من الذهب أو الفضة وقيمته نصابًا فاضلًا عن مسكنه وأثاثه الذي لا بد منه.\nقال العبدري: ولا يحفظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة، قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من لا شيء له فلا فطرة عليه.\nعن ابن عمر -﵄-: \"أمر رسول الله - ﷺ - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبيد ممن تمونون\".\nمسألة: قال النووي في المجموع (٦/١٠٧): \"تجب فطرة العبد على سيده. وبه قال جميع العلماء إلا داود، فأوجبها على العبد، قال: ويلزم السيد تمكينه من الكسب لأدائها لحديث ابن عمر \"على كل حر وعبد\" قال","vol":"2","page":338},{"text":"الجمهور: على بمن \"عن\".\n* مسألة: لا يلزمه فطرة زوجته وعبده الكافِرَيْن عند علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وابن المسيب والحسن ومالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: تجب عليه فطرة عبده الذمي، وحكاه ابن المنذر عن عطاء ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وسعيد ين جبير والنخعي والثوري إسحاق وأصحاب الرأي.\n* مسألة: العبد الآبق تجب فطرته عند الشافعي وبه قال أبو ثور وابن المنذر.\n* وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة: \"لا تجب\".\n* وقال الزهري وأحمد إسحاق: تجب إن كان في دار الإسلام.\n* وقال مالك: تجب إن لم تطل غيبته ويؤيس منه.\n* مسألة: لو كان بين الزوج وزوجته عبد أو عبيد كثيرون مشتركون مناصفة وجب عن كل صاع، يلزم كل واحد من الشريكين نصفه. وهذا مذهب مالك والشافعي وعبد الملك بن الماجشون إسحاق وأبي ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر.\n* وقال الحسن البصري وعكرمة وا-لثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف: لا شيء على واحد منهما. وعن أحمد روايتان.\n* مسألة: إذا لم يكن للطفل مال ففطرته على أبيه بالإجماع، نقله ابن المنذر وغيره. وإن كان للطفل ماله ففطرته فيه وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال محمد: تجب في مال الأب.\n* واليتيم الذي له مال فتجب فطرته فيه عند الجمهور وبه قال به مالك والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف بن المنذر، وقال محمد بن الحسن: لا تجب، وأما الجد فعليه فطرة ولد ولده الذي تلزمه نفقته، وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة: لا تلزمه.","vol":"2","page":339},{"text":"* مسألة: تجب الفطرة بغروب الشمس ليلة. عيد الفطر وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وهو الصحيح عند الشافعية.\n* وقال أبو حنيفة بطلوع فجر يوم الفطر به قال صاحباه وأبو ثور وداود.\n* وعن مالك روايتان كالمذهبين.\n* مسألة<span data-type=\"title\" id=toc-437> وقت خروجها:</span>\nقال العبدري: أجمعوا على أن الأفضل أن يخرجها يوم الفطر قبل صلاة العيد، وجوز مالك وأحمد والكرخي -الحنفي- أن يخرجها قبل الفطر بيوم أو يومين، وجوز الشافعية تقديمها في جميع رمضان لا قبله، وعن أبي حنيفة تقدم: سنة أو سنتين.\nوالأرجح أنه يجوز تقديمها بيوم أو يومين لما ورد من فعل ابن عمر، وراوي الحديث أدرى بمعنى روايته.\n* وإن تاخرت عن الصلاة كانت صدقة من الصدقات لحديث ابن عباس -﵄- \" ... من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد صلاة فهي صدقة من الصدقات\".\n* وقال الجمهور: إن أخرها عن الصلاة أثم ولزمه إخراجها وتكون قضاء وبه قال مالك وأبو حنيفة والليث وأحمد.\n* وعند الشافعي: أنه لو أخرها عن صلاة الإمام وفعلها في يومه لم يأثم وكانت أداء. وإن أخرها عن يوم الفطر أثم ولزم إخراجها قضاء.\n* وعن ابن سيرين والنخعي: أنه يجوز تأخيرها عن يوم الفطر.\n* وعن داود والحسن بن زياد: إن لم يؤدها قبل صلاة العيد سقط فلا يؤديها بعد كالأضحية.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-438> دفع الزكاة إلى كافر أو ذمي:</span>\nقال ابن المنذر: أجمعت الأمة أنه لا يجزيء دفع زكاة المال إلى ذمي، واختلفوا في زكاة الفطر.","vol":"2","page":340},{"text":"* فذهب الجمهور: مالك والليث وأحمد وأبو ثور والشافعي إلى أنه لا يجوز دفعها إلى الكافر أو الذمي.\n* وعن عمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل -ومرة الهمداني- أنهم كانوا يعطون منها الرهبان.\n* وجوّز أبو حنيفة دفع الفطرة إلى الكافر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>أصناف زكاة الفطر:</span>\nتخرج زكاة الفطر. صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب، أو سلت؛ لحديث أبي سعيد الخدري -﵁-: \"كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب\" (١)، ولحديث ابن عمر -﵄- قال: قال - ﷺ -: \"صدقة الفطر صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من سلت\" (٢) .\nوقد اختلف في تفسير لفظ الطعام الوارد في حديث أبي سعيد الخدري -﵁- فقيل: الحنطة، قيل: غير ذلك، والذي تطمئن إليه النفس أنه عام يشمل كل ما كيل من الطعام كالحنطة والأصناف المذكورة آنفا والدقيق والسويق، وكل ذلك فعل زمن رسول الله - ﷺ - لحديث ابن عباس -﵄- قال: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نؤدي زكاة رمضان صاعًا من طعام عن الصغير والكبير والحر والمملوك من أدى سلتًا قُبل منه، وأحسبه قال: من أدى دقيقًا قبل منه ومن أدى سويقًا منه\" (٣) . وعنه -﵁- أنه كان يقول: \"صدقة رمضان صاع من طعام، من جاء ببر قبل منه ومن جاء بشعير قبل منه، ومن جاء بتمر قبل منه، ومن جاء بسلت منه، ومن جاء بزبيب قبل منه، وأحسبه قال: من جاء بسويق قبل منه\" (٤) .\n_________\n(١) أخرجه الستة وأحمد.\n(٢) أخرجه ابن خزيمة (٤/٨٠)، والحاكم (١/٤٨-٤١٠) بإسناد صحيح، والسلت: نوع من الشعير لا قشر له.\n(٣) (٤) أخرجه ابن خزيمة بإسناد صحيح، ولذلك ترجم له ابن خزيمة -رحمه لله- بـ \"باب إخراج جمع الأطعمة في صدقة الفطر\".","vol":"2","page":341},{"text":"أما الاحاديث التي تنفي وجود الحنطة أو أن معاوية -﵁- رأى إخراج مدين من سمراء الشام وأنها تعدل صاعًا، فيحمل ذلك على ندرتها وكثرة الاصناف الباقية وكونها الغالبة على طعاعهم، ويؤيد هذا المعنى قول أبي سعيد: \"وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر\" (١) .\nويقطع جهيزة المخالف ما يأتي في بيان<span data-type=\"title\" id=toc-440> مقدارها </span>من الأحاديث الصحيحة الصريحة بوجود الحنطة وأن مدين منها تعدل صاعًا ليعلم المسلم الذي يقدّر أصحاب رسول الله - ﷺ - حق قدرهم أن رأى معاوية لم يكن اجتهادًا رآه بل يستند إلى حديث مرفوع إلى الصادق المصدوق - ﷺ -.\nمقدارها:\nيخرجها المسلم صاعًا من طعام من الأصناف الآنفة الذكر وقد اختلف في الحنطة فقيل: نصف صاع، وهو الأرجح والاصح لقوله - ﷺ -: \"وأدَّوا صاعًا من بر أو قمح اثنين أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير عن كل حر وعبد وصغير وكبير\" (٢) .\nوالصاع المعتبر هو صاع أهل المدينة؛ لحديث ابن عمر -﵄- قال: قال - ﷺ -: \"الوزن وزن أهل مكة، والمكيال ميكال أهل المدينة\" (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>عمن يؤديها الرجل</span>؟\nيخرجها المسلم عن نفسه وكل من يمونه من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد لحديث ابن عمر -﵄-: \"أمر رسول الله - ﷺ - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون\" (٤) .\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) صحيح أخرجه الدارقطني وأحمد، وانظر \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" لشيخنا (١١٥٧)، \"صحيح الجامع الصغير\" (٣٦٥٥) .\n(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٦٥) .\n(٤) إرواء الغليل (٨٣٥) .","vol":"2","page":342},{"text":"* قال النووي في المجمع (٦/١١٠): \"الواجب في الفطرة عن كل شخص صاع من أي جنس أخرج، سواء البر والتمر والزبيب والشعير وغيرها من الأجناس المجزئة، ولا يجزي دون صاع من شيء منها، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأكثر العلماء، وممن قال به أبو سعيد الخدري والحسن البصري وأبو العالية وأبو الشعثاء وإسحاق وغيرهم.\n* قال ابن المنذر: وقالت طائفة يجزيء من البر نصف صاع ولا يجزيء من الزبيب والتمر وسائر الأشياء إلا صاع،-قاله الثوري وأكثر أهل الكوفة إلا أبا حنيفة فقال: يجزيء نصف صاع زبيب كنصف صاع بر.\n* الصاع المجزيء في الفطرة: خمسة أرطال وثلث بالبغدادي وبه قال جمهور أهل العلم: الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف وفقهاء الحرمين وأكثر فقهاء العراقيين، وقال أبو حنيفة ومحمد: ثمانية أرطال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>جهة إخراجها:</span>\nلا تدفع إلا لمستحقيها وهم المساكين، لحديث ابن عباس -﵄- \"فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين\". وهذا ما اختاره شيخ الإسلام في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/٧١-٧٨) وتلميذه ابن القيم في كتابه القيم \"زدا المعاد\" (٢/٤٤) .\nقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وابن المنذر: يجوز صرفها إلى مسكين واحد.\nذهب بعض أهل العلم أنها تصرف للاصناف الثمانية وهذا مما لا دليل عليه وقد رده شيخ الإسلام في المصدر المذكور آنفًا فراجِعْه فإنه مهم جدًا.\nمن السُنة أن يكون لها من تجمع عنده؛ فقد وكل النبي - ﷺ - أبا هريرة ﵁ قال: \"أخبرني رسول الله - ﷺ - أن أحفظ زكاة رمضان\" (١) .\nوقد كان ابن عمر -﵁- يعطيها للذين يقبلونها وهم العمال الذين ينصبهم الإمام لجمعها وذلك قبل الفطر ييوم أو يومين. أخرج ابن خزيمة (٤/٨٣) من طريق عبد الوارث عن أيوب: \"قلت: متى كان ابن عمر يعطي\n_________\n(١) رواه البخاري.","vol":"2","page":343},{"text":"الصاع؟ قال: إذا قعد العامل، قلت: متى كان يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومن\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>هل تجزيء القيمة في الزكاة </span>(١)\nمن أجاز إخراج القيمة في الزكاة:\nقال ابن قدامة -رحمه لله- وقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز. وقد روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقد روى عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفترة اهـ (٢) . قال النووي وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه (٣) وقال ابن رشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكنه قاده إلى ذلك الدليل (٤) .\nوقد روى سعيد بن منصور في سننه عن عطاء قال: كان عمر بن الخطاب -﵁- يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم (٥) .\nوروى ابن أبي شيبة عن عون قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ إلى عدي بالبصرة \"يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم من كل إنسان نصف درهم (٦) .\nوعن الحسن قال: لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر (٧) .\nوعن أبي إسحاق قال: أدركتهم وهم يؤدو في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام (٨) .\n_________\n(١) هذا البحث بأكمله من رسالة \"هل تجزيء القيمة في الزكاة؟ \" لحبيبنا وشيخنا محمد إسماعيل -حفظه الله-.\n(٢) المغني (٣/٦٥) .\n(٣) المجموع (٥/٤٢٩) .\n(٤) فتح الباري (٣/٢١٢) .\n(٥) المغني (٣/٦٥) .\n(٦) (٧) (٨) مصنف ابن أبي شيبه (٤/٣٧-٣٨) .","vol":"2","page":344},{"text":"وعن عطاء أنه كان يعطي في صدقة الفطر ورقا (دراهم فضيه) (١) .\n* قال ا-لنووي -في المجموع (٦/١١٢): \"قال إسحاق وأ-بو ثور: لا تجزيء إلا عند الضرورة\".\nالمانعون وأدلتهم\nمن هم المانعون؟.\nقال الخرقي -رحمه لله-: ومن أعطى القيمة لم تجزئه (٢) .\nقال ابن قدامه -رحمه لله- قال أبو داد: قيل لأحمد -وأنا أسمع-: أعطي دراهم -يعني في صدقة الفطر- قال: أَخاف ألا يجزئه؛ خلاف سنة رسول الله - ﷺ -.\nوقال أبو طالب -﵄- قال لي أحمد: لا يُعطي قيمته.\nقيل له: قوم يقولون عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة قال: يدعون قول رسول الله - ﷺ - ويقولون قال فلان.\nقال ابن عمر: فرض رسول الله - ﷺ - وقال الله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقال: قوم يردون السنن يقولون. قال فلان وقال فلان وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الذكوات، وبه قال مالك والشافعي (٣) .\nأدلة المانعين وهم جمهور أهل العلم\n(١) زكاة الفطر قربة وعبادة مفروضة من جنس متعين فلا يجزيء إخراجها من غير الجنس المعين، كما لا يجزي إخراجها في غير الوقت المعين.\nقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني -رحمه لله-: \"الشائع المعتمد في الدليل لأصحابنا: أن الزكاة قربة لله تعالى، وكل ما كان كذلك فسبيله أن يتبع\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة (٤/٣٧-٣٨) .\n(٢) المغني لابن قدامه (٣/٦٥) .\n(٣) المغني لابن قدامه (٣/٦٥) .","vol":"2","page":345},{"text":"فيه أمر الله تعالى، ولو قال إنسان لوكيله: اشتر ثوبًا، وعلم الوكيل أن غرضه التجارة، وجد سلعة هي أنفع لموكله، لم يكن له مخالفته وإن رآه أنفع، فما يجب لله تعالى بأمره أولى بالاتباع.\nكما لا يجوز في الصلاة إقامة السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة والأنف والتعليل فيه بمعنى الخضوع؛ لأن ذلك مخالفة للنص وخروج على معنى التعبد، كذلك لا يجوز في الزكاة إخراج قيمة الشاة أو البعير أو الحب أو الثمر المنصوص على وجوبه؛ لأن ذلك خروج على النص وعلى معنى التعبد، والزكاة أخت الصلاة\" (١) اهـ.\nوبيان ذلك أن الله سبحانه أمر بإيتاء الزكاة في كتابه أمرًا مجملًا بمثل قوله تعالى: (وآتوا الزكاة) وجاءت السنة ففصلت ما أجمله القرآن وبينت المقادير المطلوبة بمثل قوله - ﷺ -: \"في كل أربعين شاة شاة\" وقوله: \"في كل خمسة من الإبل شاة\" إلخ، فصار كأن الله تعالى قال: وآتوا الزكاة من كل أربعين شاة شاة فتكون الزكاة حقًا للفقير بهذا النص، فلا يجوز الاشتغال بالتعليل لإبطال حقه من العين.\n(٢) إخراج القيمة خلاف ما أمر به رسول الله - ﷺ - وفرضه، وقد روى أبو داود وابن ماجة أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر\" (٢) . وهو نص يجب الوقوف عنده، فلا يجوز تجاوزه إلى أخد القيمة لأن في هذه الحال سيأخذ من الحب شيئًا غير الحب، ومن الغنم شيئًا غير الشاة ... إلخ، وهو خلاف ما\n_________\n(١) المغني (-٥/٤٣٠) .\n(٢) صححه الحاكم على شرطهما إن صح سماع عطاء عن معاذ، ولم يسمع منه لانه ولد بعد موته أو في سنة موته أو بعد موته بسنة، وقال البزار: \"لا نعلم أن عطاء سمع من معاذ\".\nانظر \"فيض القدير\" للمناوي (٣/٤٣٣)، وكذا ضعيف الجامع الصغير رقم (٢٨٣٥) .\nقال المناوي -رحمه لله-: (والمراد أن الزكاة من جنس المأخوذ منه، هذا هو الأصل، وقد يعدل عنه لموجب) اهـ من \"فيض القدير\" (٣/٤٣٣) .","vol":"2","page":346},{"text":"قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى (١) -:\"ولنا قول ابن عمر: فرض رسول - ﷺ - صدقة الفطر صاعًا من تمر، وصاعًا من شعير، فإذا عدل عن ذلك فقد ترك للفروض، وقال النبي - ﷺ -: \"في أربعين شاة شاةٌ، وفي مائتي درهم خمسة دراهم وهو وارد بيانًا لمجمل قوله تعالى: وآتوا الزكاة فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب؛ لأن النبي - ﷺ - فرض الصدقة على هذا الوجه، وأمر بها أن تؤدى، ففي كتاب أبي بكر الذي كتبه في الصدقات أنه قال: \"هذه الصدقة التي فرضها رسول الله، - ﷺ - وأمر بها أن تؤدى\" ا. هـ.\nوفي رواية: \"إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين التي أمر الله بها ورسوله - ﷺ -، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها\".. الحديث قال الحافظ: \"على وجهها\" أي: \"على الكيفية المبينة في هذا الحديث\" ا. هـ.\nأما حديث معاذ -﵁- وفيه: \"خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم\" ... الحديث. فقد قال ابن قدامة -رحمه لله- \"ولأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص فلم يجزئه كما لو أخرج الرديء مكان الجيد\" (٢) . ا. هـ.\nوقال الشوكاني -رحمه لله-: وقد استدل بهذا الحديث من قال إنها تجب الزكاة من العين، لا يعدل عنها إلى القيمة إلا عند عدمها، وعدم الجنس، وقال أيضًا: \"فالحق أن الزكاة واجبة من العين لا يعدل عنها إلى القيمة إلا لعذر\" (٣) .\nوقال الشوكاني أيضًا في السيل الجرار: \"أقول: الثابت في أيام النبوة أن الزكاة كانت تؤخذ من عين المال الذي تجب فيه، وذلك معلوم لا شك فيه، وفي أقواله - ﷺ - ما يرشد إلى ذلك، ويدل عليه كقوله - ﷺ - لمعاذ لما بعثه إلى\n_________\n(١) المغني ٣/٦٥- ٦٦.\n(٢) المغني ٣/٦٦.\n(٣) نيل الأوطار ٤/١٧١.","vol":"2","page":347},{"text":"اليمن: \"خذ الحب من الحب\" ا. هـ.\n(٣) ولأن النبي - ﷺ - عينها من أجناس مختلفة وأقيامها مختلفة غالبا، فلو كانت القيمة معتبرة لكان الواجب صاعًا من جنس وما يقابل قيمته من الأجناس الأخرى، وقال النووي -رحمه لله-: \"ذكر النبي - ﷺ - أشياء قيمها مختلفة، وأوجب في كل نوع منها صاعًا فدل على أن المعتبر صاع ولا نظر إلى قيمته\" (١) ا. هـ.\n(٤) ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي وهو \"أن التكليف والابتداء لإخراج الزكاة ليس بنقص الأموال فقط -كما فهم أبو حنيفة- فإن هذا ذهول عن التوفية لحق التكلف في تعيين الناقص، وهو يوازي التكليف في قدر ناقص، فإن المالك يريد أن يبقي ملكه بحاله، ويخرج من غيره عنه، فإذا مالت نفسه إلى ذلك وعلقت به كان التكليف قطع تلك العلاقة التي هي -بين القلب وبين ذلك الجزء من المال، فوجب إخراج ذلك الجزء بعينه\" (٢) ا. هـ.\n(٥) أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير وشكرًا لله على نعمة المال، والحاجات متنوعة فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تدفع به حاجته ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به\" (٣) .\n(٦) قال الشيخ محمد بن صالح آل عثيمين: \"ولأن إخراج القيمة مخالف لعمل الصحابة -﵃- حيث كانوا يخرجونها صاعًا من طعام وقد قال النبي - ﷺ -: \"عليكلم بستتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" ا. هـ.\nوقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"كنا نعطيها في زمان النبيﷺ - صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب\". قال الحافظ: \"كنا نعطيها\" أي: زكاة الفطر (في زمان\n_________\n(١) \"شرح النووي\" ٧/٦٠.\n(٢) \"أحكام القرآن\" ٢/٩٤٥.\n(٣) \"المغني\" ٣/٣٧٣.","vol":"2","page":348},{"text":"النبي - ﷺ -) هذا حكمه: الرفع؛ لإضافته إلى زمنه - ﷺ - ففيه إشعار باطلاعه - ﷺ - على ذلك، وتقريره له ولا سيما في هذه الصورة التي كانت توضع عنده، وتجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها وتفرقتها (١) ا. هـ.\nوقال الباجي في \"المنتقى\" عند هذا الحديث: قوله: \"كنا نخرج زكاة الفطر\" يلحق عند أكثر أهل العلم بالمسند، وهو مذهب مالك والشافعي؛ لأن الصحابي إذا أخبر بفعل من الشرع، وأضاف ذلك إلى زمن النبي - ﷺ - فالظاهر أْنه أضافه إلى زمن النبي - ﷺ - على أن هذا الحديث رواه داود بن قيس عن عياض ابن عبد الله فقال: \"وكنا نخرج إذ كان فينا رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر\"، فذكره فصرح برفعه، فإذا كان الأمر المضاف مما يظهر ويتبين ولا يخفى مثله على النبي - ﷺ -، ولم ينكره، وأقر عليه فإنه حجة؛ لأنه - ﷺ - لا يقر على المنكر، وإخراج زكاة الفطر يكثر المخرجون لها والآخذون ويتكرر ذلك حتى لا يمكن أن يخفى أمرها عن النبي - ﷺ - وهو بين أظهرهم، فثبت أن الخبر حجة، وأنه مسند\" (٢) .\nوقد حكى الحافظ رواية الطحاوي عن عياض، وقاله فيه: \"ولا يخرج غيره\" أي: غير الشعير والزبيب والأقط والتمر\" ا. هـ.\nوفي حديث أبي سعيد: \"فقال له رجل من القوم: أو مُدّين من قمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية مطوية لا أقبلها، ولا أعمل بها\".\nقال الشيخ أبو بكر الجزائري: \"الواجب أن تخرج زكاة الفطر من أنواع الطعام، ولا يعدل عنه إلى النقود إلا لضرورة إذ لم يثبت أن النبي - ﷺ - أخرج بدلها نقودًا، بل لم ينقل حتى عن الصحابة إخراجها نقودًا\" (٣) ا. هـ.\nوفي حديث أبي هريرة -﵁-: \"وكان رسول الله - ﷺ - أمرني بحفظ زكاة رمضان، فاتاني آت فجعل يحثوا من الطعام فأخذته، وقلت:\n_________\n(١) \"الفتح\" ٣/٣٧٣.\n(٢) \"المنتقى\" ٢/٨٧.\n(٣) \"منهاج المسلم\" ٢٥٩.","vol":"2","page":349},{"text":"والله لأرفعنك إلى رسول الله - ﷺ - ... \" الحديث.\nوفي رواية أبي المتوكل عن أبي هريرة -﵁-: \"أنه كان على تمر الصدقة\"، ولابن الضريس: \"فإذا التمر قد أخذ منه ملء الكف\".\n(٧) وفي حديث أنس المشهور: \"ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده ابن لبون فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا\".\nوقال ابن تيمية الجد في \"المنتقى\": \"والجُبرانات المقدرة في حديث أبي بكر تدل على أن القيمة لا تشرع وإلا كانت تلك الجبرانات عبثًا\" ا. هـ.\nوقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\": قوله \"والجبرانات\" بضم الجيم جمع جبران، وهو ما يُجبر به الشيء، وذلك نحو قوله في حديث أبي بكر السابق \"ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا\" فإن ذلك ونحوه يدل على أن الزكاة واجبة في العين، ولو كانت القيمة هي الواجبة لكان ذكر ذلك عبثًا؛ لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فتقدير الجبران بمقدار معلوم لا يناسب تعلق الوجوب بالقيمة\" ا. هـ.\nوقال الإمام ابن قدامة في \"المغني\": \"ولأن النبي - ﷺ - فرض الصدقة على هذا الوجه، وأمر بها أن تؤدى، ففي كتاب أبي بكر الذي كتبه في الصدقات أنه قال: \"هذه الصدقة التي فرضها رسول الله - ﷺ - وأمر بها أن تؤدى\"، وكان فيه: \"في خمس عشرين من الإبل بنت مخاض فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر\"، وهذا يدل على أنه أراد عينها لتسميته إياها، وقوله: فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر\"، ولو أراد المالية أو القيمة لم يجز؛ لأن خمسًا وعشرين لا تخلو عن مالية بنت مخاض وكذلك قوله \"فابن لبون ذكر\"، فإنه لو أراد المالية للزمه مالية بنت مخاض دون مالية ابن لبون\" (١) ا. هـ.\n(٨) والقول بالقيمة فيه مخالفة للأصول من جهتين:\n_________\n(١) \"المغني\" ٣/٦٦.","vol":"2","page":350},{"text":"الجهة الأولى: أن النبي - ﷺ - لما ذكر تلك الأصناف لم يذكر معها القيمة، ولو كانت جائزة لذكرها مع ما ذكر، كما ذكر العوض في زكاة الإبل وهو - ﷺ - أْشفق وأرحم بالمساكين من كل إنسان (١) .\nالجهة الثانية: وهي القاعدة العامة أنه لاينتقل إلى البدل إلا عند فقد المبدل عنه، وأن الفرع إذا كان يعود على الأصل بالبطلان هو باطل -كما رد ابن دقيق العيد على الحنابلة قولهم: إن الأشنان يجزيء عن التراب في الولوغ- أي: لأنه ليس من جنسه فيسقط العمل به.\nوكذلك لو أن كل الناس أخذوا بإخراج القيمة لتعطل العمل بالأجناس المنصوصة، فكأن الفرع الذي هو القيمة سيعود على الأصل الذي هو الطعام بالإبطال فيبطل.\nومثل ما يقوله بعض الناس اليوم في الهدي بمنى مثلًا بمثل ففي القول بالقيمة جزء الناس على ما هو أعظم، وهو القول بالقيمة في الهدي، ولم يقل به أحد من العلماء، علمًا بان الأحناف أنفسهم لا يجيزون القيمة في الهدي؛ لأن الهدي فيه جانب تعبد وهو النسك.\n(٩) ويمكن أن يقال لهم أيضًا: إن زكاة الفطر فيها جانب تعبد طهرة الصائم وطعمة للمساكين، كما أن عملية شرائها ومكيلها وتقديمها فيه إشعار بهذه العبادة، أما تقديمها نقدم فلا يكون فيه فرق عن أي صدقة. من الصدقات من حيث الإحساس بالواجب والشعور بالإطعام، فإخراج القيمة يخرج الفطرة \"زكاة\n_________\n(١) إذ السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، وإلى هذه القاعدة المقررة يشير ابن حزم في كثير من استدلاته بقوله تعالى: (وما كان ربك نسيا) وذلك لأنه إذا كان الله لا ينسى- وتنزه ربنا عن النسيان وعن كل نقص- فسكوته سبحانه أو سكوت رسول الله - ﷺ - المبلغ عنه في معرض البيان لشيء من أفعال الكلفين عن شيء آخر يشبهه أو يجانسه، لا يكون نسيانا أو ذهولًا -تعالى الله عن ذلك- ولكنه يفيد قصر الحكم عن ذلك الشئ المبين حكمه، ويكون ما عداه وهو المسكوت عنه مخالفًا له في الحكم، فإن كان المنصوص عليه بالبيان فمأذونًا فيه كان المسكوت عنه ممنوعًا، وان كان العكس فالعكس، وهو معنى قولهم: السكوت في معرض البيان يفيد الحصر، وهي قاعدة عظيمة بنى عليها العلماء كثيرًا من الأحكام.","vol":"2","page":351},{"text":"الفطر\" من كونها شعيرة ظاهرة إلى كونها صدقة خفية، فإن إخراجها صاعًا من طعام يجعلها ظاهرة بين المسلمين معلومة للصغير والكبير يشاهدون كيلها وتوزيعها ويتبادلونها بينهم بخلاف ما لو كانت دراهم يخرجها الإنسان خفية بينه وبين الآخذ.\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/٤٣٧): \"وكان الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لمُّا كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان.\nتنبيهات:\nأولًا-<span data-type=\"title\" id=toc-445> كيف يقدر الصاع</span>؟\n١- الصاع النبوي يبلغ وزنه أربعمائة وثمانين مثقالًا من البر الجيد، أي ألفي جرام \"٤٠ جرامًا و٢ كيلو\" فذا أراد أن يعرف الصاع النبوي عليه أن يزن ٢٠٤٠ جرام برًا ثم يضعها في إناء بقدرها فيعلمه ثم يكيل به.\nوقال بعض العلماء: الصاع- (سدس) كيلة مصرية أي قدح وثلث مصري وهو يساوي بالجرامات. ٢١٧٦ \"وذلك حسب وزن القمح\".\nوقال جماعة من العلماء: الصاع أربع حفنات بكفي رجل معتدل الكفين.\nومن لم يكن عنده مكيال ولا ميزان فليخرج أربعة أمداد ... ومن تطوع خيرًا فهو خير له.\n٢- وقد شرعت في شعبان من السنة الثانية من الهجرة لتكون طهرة للصائم مما عسى أن يكون وقع فيه من اللغو، والرفث، ولتكون طهرة للصائم.\n* قال شيخ الإسلام: لا ينبغي أن يعطي الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج من المؤمنين كالفقراء أو الغارمين أو كمن يعاود المؤمنين فمن لم يصلَّ من أهل الحاجات لا يعطي شيئًا حتى يتوب ويلتزم آداء الصلاة.\nويجب صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية إن كانوا موجودين وإلا صُرفت","vol":"2","page":352},{"text":"إلى الموجود منهم إلى حيث يوجدون\" ا. هـ (١) .\nقال شيخ الإسلام في \"الاختيارات الفقهية\": ويجزئه في الفطرة من قوت بلده مثل الأرز وغيره، ولو قدر على الأصناف المذكورة في الحديث -وهو رواية عن أحمد، وقول أكثر العلماء-، ولا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة، وهو من يأخذ لحاجته لا في الرقاب والمؤلفة قلوبهم وغير ذلك، ويجوز دفعها إلى الفقير وهو مذهب أحمد.\n* ولا يعتبر في زكاة الفطر ملك النصاب بل تجب على من ملك صاعًا فاضلًا عن قوته يوم العيد وليله وهو قول الجمهور.\nوإذا كان عليه دين وصاحبه لا يطالبه به أدَّى صدقة الفطر وقت وجوبها عليه كما يطعم عياله يوم العيد وهو مذهب أحمد\" ا. هـ (٢) .\n* وقال -﵀ أيضًا- ويجوز إخراج القيمة في زكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة مثل أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة فإنه قد يساوي الفقير بنفسه وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن تجب عليه في الإبل وليس عنده شاة فإخراج القيمة كاف، ولا يكلف السفر لشراء شاة، أو أن يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفعً لهم فهذا جائز\" (٣) اهـ (٤) .\n***\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى ص ٤٥٦.\n(٢) الفتاوى الكبرى ٤/٤٤٥.\n(٣) الفتاوى الكبرى ص ٤٥٦، وكتاب الاختبارات العلمية.\n(٤) راجع رسالة \"هل تجزيء القيمة في الزكاة\" لشيخنا محمد إسماعيل -حفظه الله-، فلقد أكثرنا النقل منها.","vol":"2","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>الباب العشرون\nالعيد لمن طاعاته تزيد</span>","vol":"2","page":355},{"text":"\"العيد هو موسم الفرح والسرور، وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم إذا فازوا بكمال طاعته، وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته كما قال تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) [يونس: ٥٨] .\nقال بعض العارفين: ما فرح أحد بغير الله إلا بغفلته عن الله، فالغافل يفرح بلهوه وهواه والعاقل يفرح بمولاه.\nوكان فؤادي خاليًا قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرحُ\nفلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرحُ\nرُميتُ ببُعد منك إن كنت كاذبًا ... وإنْ كنت في الدنيا بغيرك أفرحُ\nوإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبتَ عن عيني لعيني يملحُ\nفإن شئت واصلني وإن شئت لم تصل ... فلست أرى قلبي لغيرك يصلُح\nليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب، إنما العيد لمن غُفرت له الذنوب، في ليلة العيد تفرق خلع العتق والمغفرة على العبيد، فمن ناله منها شيء فله عيد، وإلا فهو مطرود بعيد\" (١) .\nللناس فطر وعيد ... إني فريد وحيد\nيا غايتي ومُنايَ ... أتمّ لي ما أريد\nويقول عابد:\nليس عيد المحب قصد المصلى ... وانتظار الأمير والسلطان\nإنما العيد أن تكون لدى الحب كريمًا ... مقربا في أمان\n_________\n(١) \"لطائف المعارف\".","vol":"2","page":357},{"text":"وأنشد:\nإذا ما كنت لي عيدًا ... فما أصنع بالعيد\nجرى حبك في قلبي ... كجري الماء في العود\nوأما أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربهم ﷿ فيزرونه ويكرمهم غاية الكرامة ويتجلى لهم وينظرون إليه، ليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه.\nإن يومًا جامعًا شملي بهم ... ذاك عيدي ليس لي عيد سواه\nكل يوم كان للمسلمين عيدًا في الدنيا فإنه عيد لهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه، ويوم الجمعة يدعى في الجنة يوم المزيد، ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة، وروي أنه يشارك النساء الرجال فيهما كما كن يشهدان العيدين مع الرجال دون الجمعة فهذا لعموم أهل الجنة فأما خواصهم فكل يوم لهم عيد يزورن ربهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا؛ الخاص كانت كلها لهم أعيادًا فصارت أيامهم في الآخرة كلها أعياد.\nقال الحسن كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد:\nعيدي مقيم وعيد الناس منصرف ... والقلب مني عن اللذات منحرف\nولي قرينان مالي منهما خلف ... طول الحنين وعين دمعها يكفُ\nوكيف لا يكون يوم الفطر عيدًا، بعد الصيام والاعتكاف والعشر الأواخر من رمضان، وغفران الذنوب، وطول التهجد والقيام.\nكل ما في الدنيا يذكر بالآخرة فمواسمها وأعيادها وأفراحها تذكر بمواسم الآخرة وأعيادها وأفراحها.\nصنع عبد الواحد بن زيد طعامًا لإخوانه يومًا، فقام عتبة الغلام على رؤوس الجماعة يخدمهم وهو صائم فجعل عبد الواحد ينظر إليه ويسارقه النظر ودموع عتبة تجري، فسأله بعد ذلك عن بكائه حينئذ، فقال: ذكرت موائد الجنة والولدان قائمون على رؤوسهم، فغشى على عبد الواحد.","vol":"2","page":358},{"text":"أبدان العارفين في الدنيا وقلوبهم في الآخرة:\nجسمي معي غير أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن\nأخي: يومنا هذا يوم العيد، قد ميز فيه الشقي والسعيد، فكم فرح بهذا اليوم مسرور وهو مطرود مهجور.\n* قال بعض أصحاب سفيان الثوري: خرجت معه يوم عيد فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا غض البصر. ورجع حسان بن أبي سنان من عيده فقالت امرأته: كم من امرأة حسناء قد رأيت؟ فقال: ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت إلى أن رجعت!\n* يا من يفرح في العيد بتحسين لباسه، ويوقن بالموت وما استعد لبأسه، ويغتر بإخوانه وأقرانه وُجلاسه، وكأنه قد أمن سرعة اختلاسه، كيف تقر بالعيد عين مطرود عن الصلاح، كيف يضحك سن مردود عن الفلاح، كيف يُسَر من يُصر على الأفعال القباح، كيف لا يبكي من قد فاته جزيل الأرباح.\n* فيا من وفى في رمضان على أحسن حال، لا تتغير بعده في شوال، يا من رأي العيد ووصل إليه، متى تشكر المنعم وتثنى عليه، فكم من صحيح هيأ طيب عيده صار ذلك الطيب في تلحيده.\nيا من يصلح في رمضان وعزمه على الزلل في شوال أفسدت رمضان، ويحك! رب الشهرين واحد.\n* أخي: ليس العيد ثوبًا يجرّ الخيلاء جره، ولا تناول مطعم بكف شره لا يؤمن شره، إنما العيد لبس توبة عاص تائب يسر بقدوم قلب غائب.\n* والله ما عيد يعقوب إلا لقاء يوسف، ولا أيام تشريق الصديق إلا أيام الغار.\nيا راكبا تطوى المهامة عيسهُ ... فتريه رضراض الحصى مُترضرضا\nبلغ رعاك الله سكان الغَضَى ... مني التحية إن عَرْصت مُعرضا\nوقل انقضى زمن الوصال وودُّنا ... باق على مر الليالي ما انقضى","vol":"2","page":359},{"text":"ليس المحب من غيره انقضاء رمضان وتوليه، فالجليل باق لا يزول، ورب الشهر لا يحول.\nقد يبلغ الشوق إلى الله بالمشتاق أن يقول:\nالناس بالعيد قد سُروا وقد فرحوا ... وما فرحتُ به والواحد الأحد\nلما تيقنت أني لا أعاينكم ... غَضَّمتُ عيني فلم أنظر إلى أحد\nرمضانهم دائم وشوالهم صائم، أعيادهم سرور القوم بالمحبوب، وأفراحهم بكمال التقوى وترك الذنوب، إذا جن عليهم الليل عادت القلوب بالمناجاة جُدُدا وإذا جاء النهار سلكوا من الصوم جددا (١) .\nيجمعون هممهم فيما أهمهم إذا بات هم الغافل بددا، جزموا على ما عزموا، أبدا أعيادهم بقرب القلوب إلى الحبيب دائمة، وأقدامهم في الدجى على باب اللجأ قائمة، وأرواحهم بالاشتياق إلى الملك الخلاق هائمة، قربهم مولاهم فالنفوس عن الفاني الأدنى صائمة.\nمغزى العيد الاجتماعي والإنساني:\n\"أما مغزاه الاجتماعي فهو ما يضيفه على القلوب من أنس، وعلى النفوس من بهجة وعلى الأجسام من راحة، وما يدعو إليه من تجديد أواصر الحب بين الأصدقاء، والتراحم بين الأقرباء.\nفي العيد تتقارب القلوب على الود، وتجتمع على الألفة، ويتناسى الناس أضغانهم، يجتمعون بعد افتراق، ويتصافون بعد كدر.\n* وفي العيد من المغزى الاجتماعي تذكير أبناء المجتمع بحق الضعفاء والعاجزين عليهم حتى تشتمل الفرحة بالعيد كل بيت، وتعم النعمة كل أسرة، وإلى هذا المغزى الاجتماعي العظيم يرمز تشريع \"صدقة الفطر\" في عيد الفطر، ونحو \"الأضاحى\" في عيد الأضحى، إن في تقديم صدقة الفطر ليلته إطلاقًا للأيدي الخيّرة، فلا تشرق الشمس العيد إلا والبسمة تعلو شفاه الناس جميعًا.\n_________\n(١) الجدد: الأرض الغليظة المستوية.","vol":"2","page":360},{"text":"* أما المعنى الإنساني في العيد، فهو أن يشرك أعدادًا لا حصر لها من أبناء الشرق والغرب بالفرح والسرور في وقت واحد، فإذا بالأمة تلتقي على الشعور المشترك بالغبطة، وإذا بأبناء الأمة الواحدة على اختلاف ديارهم يشتركون في السراء كما يشتركون في الضراء، ففي العيد تقوية لهذه الروابط الفكرية والروحية التي يعقدها الدين بين أبناء من مختلف اللغات والأقوام.\n* تلك هي بعض المعاني الاجتماعية والإنسانية في العيد، ومن ثم كانت الأعياد مظهرًا واضحًا لهذه المعاني في كل مجتمع.\nومن أراد معرفة أخلاق الأمة فليراقبها في أعيادها إذ تنطلق فيها السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف والميول على حقيقتها، والمجتمع السعيد هو الذي تسمو أخلاقه في العيد إلى أرفع ذروتها، ويمتد شعوره إلى أبعد مدى.\nيوم كانت أمتنا تتذوق طعم السعادة في مجتمعاتنا، كان الأخ يفكر في ليلة العيد بجاره قبل أن يفكر بنفسه، ويقدم حاجة أولاد صديقه على حاجة أولاده.\n* حدّث الواقدي قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضائقة شديدة، وحضر العيد فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البأس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي -رحمة لهم- لما عليهم من الثياب الرثة، فانظر كيف تعمل لكسوتهم؟.\nقال الواقدي: فكتبت إلى صديق الهاشمي أسأله التوسعة علي، فوجه إلي كيسا مختومًا فيه ألف درهم، فما استقر في يدي حتى كتب إليّ الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صديقي الهاشمي، فوجهت إليه الكيس بختمه، ثم أخبرت امرأتي بما فعلته فاستحسنته ولم تعنفني عليه، فينما أنا كذلك إذا وافاني صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: اصدقني عما فعلت بالكيس الذي وجهته إليك، فعرّفته الخبر فقال لي: إنك حين طلبت مني المال لم أكن أملك إلا ما بعثت به إليك، ثم أرسلت إلى صديقي الثالث أساله المواساة فوجه إلي الكيس الذي بعثت به إليه.","vol":"2","page":361},{"text":"قال الواقدي: فتواسينا الألف درهم فيما بيننا: كل واحد ثلاثمائة، ثم أخرجنا للمرأة مائة درهم، ونمى الخبر إلى المأمون، فدعاني وسألني فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل واحد منا آلفا دينار، وللمرأة ألف دينار\" هذا هو التعبير الصادق عند سمو الأخلاق الاجتماعية في كل أمة.\nأريد أن نظهر في أعيادنا بمظهر الأمة الواعية التي لا يحول احتفاؤها بأعيادها دون الشعور بمصائبها.\nأريد أن نقتصد في ضحكنا فتبدو على وجوهنا مسحة من الحزن الكريم الوقور ينم على مبلغ عنايتنا بقضايانا واهتمامنا بما يجري في وطننا من أحداث ونكبات (١) .\nما العيد إلا أن نعود لديننا ... حتى يعود قدسنا المفقودُ\nما العيد إلا أن نكون أمة ... فيها محمد لا سواه عميدُ\nما العيد إلا أن نعدَّ نفوسنا ... للحرب حيث بها هناك نجودُ\nما العيد إلا أن تكون قلوبنا ... نحو العدو كأنها جلمودُ\nكونوا أشداءًا على أعدائكم ... والله إن عدوكم لعنيدُ\nفالمسلمون مكلفون بواجب ... لم يلههم عنه هوى وجمودُ\nوالمسلمون كبيرهم وصغيرهم ... بين الخلائق عالم محمود (٢)\n***\n_________\n(١) \"أحكام الصيام وفلسفته\" (ص٩٠-٩٣) تأليف الدكتور مصطفى السباعي - المكتب الإسلامي.\n(٢) \"منكرات الأفراح\" (ص ٦٧) لمحمود مهدي استنابولي.","vol":"2","page":362},{"text":"عيد بأي حال جئت يا عيد:\nأقبلت يا عيد، والأحزانُ أحزانُ ... وفي ضمير القوافي ثار وبركانُ\nأقبلت يا عيد، والرمضاء تلفحني ... وقد شَكَت من غبار الدرب أجفانُ\nأقبلت يا عيد، هذي أرض حسرتنا ... تموج موجًا وأرض الأنس قيعانُ\nأقبلتَ يا عيد، والظلماء كاشفة ... عن رأسها، وفؤاد البدر حيرانُ\nأقبلت يا عيد، أجري اللحن في شفتي ... رَطبًا، فيغبطني أهل وإخوانُ\nأزف تهنئتي للناس أشعرهم ... أني سعيد وأن القلبَ جَذلانُ\nوأرسل البسمة الخضراء تذكرة ... إلى نفوسهمو تزهو وتزدانُ\nقالوا وقد وجّهوا نحوي حديثهمو ... هذا الذي وجهه للبشر عنوان\nهذا الذي تصدر الآهات عن دمه ... شعرًا رصينًا له وزن وألحانُ\nلا لن أعاتبهم، هم ينظرون إلى ... وجهي، وفي خاطري للحزن كتمانُ\nوالله لو قرأوا في النفس ما كتتبت ... يَدُ الجراح، وما صاغتْه أشجانُ\nولو رأوا كيف بات الحزن متكئًا ... على ذراعي، وفي عينيه نُكرانُ\nلأغمضوا أعينًا مبهورةً وبكوا ... حالي، وقد نالني بؤس وحرمانُ\nأقبلتَ يا عيد، والأحزان نائمة ... على فراشي، وطرف الشوق سهرانُ\nمن أين نفرح يا عيد الجِرَاح وفي ... قلوبنا من صنوف الهم ألوانُ؟\nومن أين نفرح والأحداث عاصفة ... وللدُمى مقِل ترنو وآذانُ؟\nمن أين.. والمسجد الأقصى محطمة ... آماله، وفؤاد القدس ولهانُ؟\nمن أين.. نفرح يا عيد الجراح وفي ... دروبنا جُدُر قامت وكثبان؟","vol":"2","page":363},{"text":"من أين ... والأمة الغراء نائمة ... على سرير الهوى، والليل نشوان؟\nمن أين.. والذل يبني ألف منتجع ... في أرض عزّتنا، والربح خُسْرانُ؟\nمن أين نفرح والأحباب ما اقتربوا ... منا، ولا أصبحوا فينا كما كانوا؟\nيا من تسرب منهم في الفؤاد هوى ... قامت له في زوايا النفس أركان\nأصبحت في يوم عيدي والسؤال على ... ثغري يئنّ وفي الأحشاء نيرانُ\nأين الأحبة.. لا غيم ولا مطر ... ولا رياض ولا ظل وأغصانُ؟\nأين الأحبة.. لا نجوى معطرة ... بالذكريات ولا شيح وريحانُ\nأين الأحبة.. لا بدر يلوح لنا ... ولا نجوم بها الظلماء تزدانُ؟\nأين الأحبة.. لا بحر ولا جزر ... تبدو، ولا سفن تجري وشطآنُ؟\nأين الأحبة.. وارتد السؤال إلى ... صدري سهامًا لها في الطعن إمعانُ (١)؟\n***\n_________\n(١) قصيدة \"عندما يحزن العيد\" من ديوان \"شموخ في زمن الإنكسار\" لعبد الرحمن صالح العشماوي.","vol":"2","page":364},{"text":"عندما يحزن العيد\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>سنن العيد</span>\nقال ابن عابدين \"سمي العيد بهذا الاسم لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان، أي أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل يوم، منها: الفطر بعد المنع عن الطعام، وصدقة الفطر\" (١) .\nقال رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا بكر، إن لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا\" (٢)\n\"وشبه الجملة من الجار والمجرور خبر إن المقدم على اسمها يفيد الحصر والقصر\".\nقال ابن رجب الحنبلي في \"لطائف المعارف\" (٢٨٧):\n* \"قال مخنف بن سليم وهو معدود من الصحابة \"الخروج يوم الفطر يعدل عمرة والخروج يوم الأضحى يعدل حجة\" اهـ.\nقال الصديق -﵁- \"لست تاركًا شيئًا كان رسول الله - ﷺ - يعمل به إلا عملت به إني أخشى إن تركت شيئًا أن أزيغ\".\nوهذه جملة من هديه - ﷺ -:\n(١) التجمل في العيد:\nعن ابن عمر -﵄- قال: أخذ عمر جبة من استبرق، تباع في السوق، فأخذها، فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ابتع هذه، تجمل بها للعيد والوفود، فقال له رسول اللهﷺ -: \" إنما هذه لباس من لا خلاق له\"، فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث، ثم أرسل إليه رسول الله - ﷺ - بجبة ديباج، فاقبل بها عمر، فأتى بها رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن قلت: \"إنما هذه لباس من لا خلاق له\" وأرسلت إلي بهذه الجبة، فقال له\n_________\n(١) \"حاشية ابن عابدين\" (٢/١٦٥) .\n(٢) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه.","vol":"2","page":365},{"text":"رسول الله - ﷺ -: \"تبيعها أو تصيب بها حاجتك\" (١)\nقال الإمام السندي: \"منه عُلم أن التجمل يوم العيد كان عادة متقررة بينهم، ولم ينكرها النبي - ﷺ - فعُلم بقاؤها\" (٢) .\n* وكان ابن عمر \"يلبس أحسن ثيابه في العيدين\" (٣)\n* قال الإمام مالك -﵀-: \"سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد\".\n(٢) الاغتسال يوم العيد قبل الخروج:\nعن نافع: \"أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى\" (٤) .\nقال الإمام سعيد بن المسيب \"سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والاكل قبل الخروج والاغتسال\" (٥) .\n* قال الإمام ابن قدامة في \"المغني\" (٢/٣٧٠): \"يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد، وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر، وروي ذلك عن علي -﵁-، وبه قال علقمة، وعروة، وعطاء، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر\".\n\"وأما الذي روي عن رسول الله - ﷺ - في ذلك، فهو ضعيف\" (٦) .\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد.\n(٢) حاشية السندي على النسائي (٣/١٨١) .\n(٣) رواه البيهقي وابن أبي الدنيا وصحح إسناده ابن حجر في \"فتح الباري\" (٢/٤٣٩) .\n(٤) أخرجه الإمام مالك ورواه أيضًا الشافعي وعبد الرزاق وسنده صحيح.\n(٥) رواه الفريابي بإسناد صحيح، انظر \"إرواء الغليل\" (٢/١٠٤) .\n(٦) \"كما عند ابن ماجة وفي إسناده جبارة بن المغلس وشيخه وهما ضعيفان ورواه أيضًا وفيه يوسف بن خالد السمتي، كذبه غير واحدًا\".\nانظر الرسالة القيمة \"أحكام العيدين في السنة المطهرة\" لعلي حسن عبد الحميد - المكتبة الإسلامية- الأردن.","vol":"2","page":366},{"text":"(٣)<span data-type=\"title\" id=toc-452> الخروج إلى المصلى:</span>\n* عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة\" (١) .\n* عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: \"كان - ﷺ - يغدو إلى المصلى في يوم العيد، والعترة تُحمل بين يديه، فإذا بلغ المصلى نصبت بين يديه، فيصلي إليها وذلك أن المصلى كان فضاء ليس فيه شيء يستتر به\" (٢) .\n* وعن ابن عباس -﵄- قيل له: أشهدت العيد مع النبي - ﷺ -؟، قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، حتى أتى العَلَم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة، فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال ثم أنطلق هو وبلال إلى بيته\" (٣) .\nوزاد مسلم في روايته عن ابن جريج: \"قلت لعطاء أحقًا على الإمام الآن أن يأتي النساء حين يفرغ فيذكرهن؟ قال: أي لعمري إن ذلك لحق عليهم، وما لهم لا يفعلون ذلك؟! \".\nفالسنة في صلاة العيدين أن تؤدي في المصلى وبذلك قال جمهور العلماء.\nقال البغوي في \"شرح السنة\": \"السنة أن يخرج الإمام لصلاة العيدين، إلا من عذر، فيصلي في المسجد\".\nوقال النووي \"هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى، وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظهم الأمصار\".\nوقال ابن حجر العسقلاني في \"فتح الباري\" (٢/٤٥٠): \"استدل به على استحباب الخروج إلى الصحراء لصلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم والنسائي.\n(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة واللفظ له.\n(٣) رواه البخاري والسياق له، ومسلم وابن أبي شيبة وأبو نعيم في مستخرجه.","vol":"2","page":367},{"text":"في المسجد، لمواظبة النبي - ﷺ - على ذلك مع فضل مسجده.\nوقال الشافعي في \"الأم\": \"بلغنا أن رسول الله - ﷺ - كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذا من بعده، إلا من عذر مطر ونحوه، وكذا عامة أهل البلدان إلا أهل مكة\".\n* قال ابن الحاج. في \"المدخل\" (٢٨٣): \"والسنة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى؛ لأن النبي - ﷺ - قال: \"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام\" (١) . ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة خرج - ﷺ - إلى المصلى وتركه\".\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" (٢/٢٢٩): \"السنة أن يصلي العيد في المصلى\".\nوقال العلامة العيني الحنفي: \"وفيه البروز إلى المصلى والخروج إليه، ولا يصلى في المسجد إلا عن ضرورة\".\nقال الألباني \"صلاة العيدين الآن في المساجد: بدعة حتى على قول الشافعي لأنه لا يوجد مسجد واحد في بلادنا يسع أهل البلد الذي هو فيه\".\nعن أم عطية: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرجهن في الفطر والأضحى\nالعواتق، والحيّض وذوات الخدور، فأما الحيّض فيعتزلن الصلاة - وفي لفظ المصلى -، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين\" (٢) .\nوالسنة مشروعية خروج النساء إلى المصلى لصلاة العيدين، بل ذهب كثير من أهل العلم إلى الوجوب ومنهم الصنعاني والشوكاني، وصديق حسن خان، وهو ظاهر كلام ابن حزم، ومال إليه ابن تيمية في \"اختياراته\" عن أبى بكر الصديق -﵁- قال \"حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيد\" (٣) .\n_________\n(١) يبلغ درجة التواتر.\n(٢) رواه مسلم واللفظ له، والبخاري والترمذي، والنسائي وابن ماجة وأحمد.\n(٣) رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح.","vol":"2","page":368},{"text":"* يقول محدث الشام الشيخ الألباني عن حكمة الصلاة في المصلى: \"إن هذه السنة -سنة الصلاة في الصحراء- لها حكمة عظيمة بالغة: أن يكون للمسلمين يومان في السنة، يجتمع فيها أهل كل بلدة، رجالًا ونساء وصبيانا.\nيتوجهون إلى الله بقلوبهم، تجمعهم كلمة واحدة، ويصلون خلف إمام واحد ويكبرون ويهللون، ويدعون الله مخلصين، كأنهم على قلب رجل واحد، وقد أمر رسول الله - ﷺ - بخروج النساء لصلاة العيد مع الناس ولم يستثن منهن أحد، حتى أنه لم يرخص لمن لم يكن عندها ما تلبس في خروجها، بل أمر أن تستعير ثوبًا من غيرها، وحتى أنه أمر من كان عندهن عذر يمنعهن بالصلاة، بالخروج إلى المصلى \"ليشهدن الخير ودعوة المسلمين\" (١) .\n* ومقصد آخر: قول الدهلوي: \"إن كل أمة لابد لها من عرضة ويجتمع فيها أهلها لتظهر شوكتهم وتعلم كثرتهم، ولذلك كان النبي - ﷺ - يخالف في الطريق ذهابا وإيابًا ليطلع أهل كلتا الطريقين على شوكة المسلمين\".\n(٤) من السنة إتيان المصلى ماشيا:\nقال علي -﵁- \"إن من السنة أن تأتي العيد ماشيًا\" (٢) .\nقال ابن القيم في \"الزاد\" \"وكان ابن عمر -﵁- مع شدة اتباعه للسنة- لا يخرج حتى تطلع الشمس ويكبر من بيته إلى المصلى\".\n(٥)<span data-type=\"title\" id=toc-453> التكبير في العيدين:</span>\nقال البغوي \"ومن السنة إظهار التكبير ليلتي العيدين مقيمين وسفرا في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم وبعد الغدو في الطريق، وبالمصلى إلى أن يحضر الإمام، كان ابن عمر -﵁- - يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبر حتى يأتي المصلى ثم يكبر بالمصلى حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير\" (٣) .\n_________\n(١) كل ما ذكرناه في الخروج إلى المصلى فهو من رسالة \"صلاة العيدين في المصلى هي السنة\" للشيخ المحدث الألباني - المكتب الإسلامي.\n(٢) أخرجه الترمذي وحسنه، وابن ماجه، وصححه الألباني.\n(٣) أخرجه الحاكم والبيهقي وصححه، رواه الدارقطني وابن أبي شيبة بإسناد صحيح، انظر \"إرواء الغليل\" (٦٥٠) .","vol":"2","page":369},{"text":"وكان ابن المسيب وعروة وأبو سلمة وأبو بكر يكبرون ليلة الفطر في المسجد يجهرون بالتكبير.\nوقد ثبت أن النبي - ﷺ - \"كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير\" (١) .\n* قال الشيخ المحدث الألباني: \"وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهرًا في الطريق إلى المصلى، وإن كان كثير منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السنة حتى كادت تصبح في خبر كان ... ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة، إن الجهر بالتكبير هنا لا يُشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت أو لا يشرع، فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور فلنكن على حذر من ذلك\" (٢) .\n* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن وقت التكبير في العيدين فقال ﵀: \"الحمد لله\"، أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر في فجر يوم عرفة، إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة، ويُشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة.\n(٦)<span data-type=\"title\" id=toc-454> صيغ التكبير:</span>\n* \"الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد\" (٣) .\n* \"الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد\" (٤) .\n* \"الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا\" (٥) .\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" والمحاملي في \"صلاة العيدين\" وصححه الألباني في الصحيحة رقم (١٧٠) .\n(٢) السلسلة الصحيحة (١/١٢) .\n(٣) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صححه الألباني عن ابن مسعود.\n(٤) عن ابن مسعود وابن عباس بسند صحيح.\n(٥) رواه عبد الرازق بسند صحيح عن سلمان.","vol":"2","page":370},{"text":"* \"الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر وأجلّ، الله أكبر على ما هدانا\" (١) .\nفقال أبو عبد الرحمن السلمي: كانوا في الفطر أشد منهم في الأضحى فقال وكيع: يعني في التكبير.\nعن أنس ﵁ قال: \"كان رسول الله - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات\" (٢) . قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة: أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة (٣) .\n(٧) مخالفة الطريق في الذهاب والإياب إلى المصلى:\nعن جابر -﵁- فقال: \"كان النبي - ﷺ - إذا كان يوم عيد خالف الطريق\" (٤) .\nقال الإمام النووي: \"وإذا لم يعلم السبب، استحب التأسي قطعًا، والله أعلم\" (٥) .\n(٨) لا يصلي قبل العيد شيئا:\nعن ابن عباس \"أن النبي - ﷺ - صلى يوم الفطر ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها\" (٦) .\nقال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٢/٤٧٦): \"والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها، خلافًا لمن قاسها على الجمعة\".\nوعن أبي سعيد الخدري: \"كان رسول الله - ﷺ - لا يصلي قبل العيد شيئا،\n_________\n(١) رواه البيهقي، وصحح إسناده الألباني عن ابن عباس.\n(٢) رواه البخاري والترمذي وابن ماجه وأحمد.\n(٣) فتح الباري (٢/٤٤٧) .\n(٤) رواه البخاري.\n(٥) روضة الطالبين (٢/٧٧) .\n(٦) رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.","vol":"2","page":371},{"text":"فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين\" (١) .\n*<span data-type=\"title\" id=toc-455> حكم صلاة العيدين:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان، كقول أبي حنيفة وغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وأحد القولين في مذهب أحمد، وقول من قال: لا تجب، في غاية البعد؛ فإنها من أعظم شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شرع فيها التكبير، وقول من قال: هي فرض على الكفاية لا ينضبط\" (٢) .\nقال العلامة صديق حسن خان: \"من الأدلة على وجوبها أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد\" (٣)، وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجبًا، وقد ثبت أنه لازمها جماعة منذ شرعت إلى أن مات، وانضم إلى هذه الملازمة الدائمة أمره للناس بأن يخرجوا إلى الصلاة\" (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>وقت صلاة عيد الفطر:</span>\nعن عبد الله بن بُسر صاحب النبي - ﷺ - أنه خرج مع الناس يوم فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح\" (٥) . أي وقت صلاة النافلة إذا مضى وقت الكراهة.\nقال ابن القيم: \"يؤخر صلاة عيد الفطر، ويعجل الأضحى\".\n_________\n(١) رواه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ والألباني.\n(٢) مجموع الفتاوى (٢٣/١٦١) .\n(٣) كما في حديث أبي هريرة - عندما اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد - أن رسول الله - ﷺ - قال: اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون\" رواه أبو داود وابن ماجة وسنده حسن.\nانظر المغنى (٢/٣٥٨)، ومجموع الفتاوى (٢٤/٢١٢) .\n(٤) انظر الروضة الندية (١/١٤٢)، الموعظة الحسنة (٤٢-٤٣)، نيل الأوطار (٣/٣٨٣- ٣٨٣) وتمام المنة (٢/٣٧) .\n(٥) علقه البخاري في صحيحه، ووصله أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي وسنده صحيح.","vol":"2","page":372},{"text":"وقال صديق حسن خان: وقتهما بعد ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال.\nوقال الشيخ أبو بكر الجزائري في \"منهاج المسلم\" (٢٧٨): \"وقتهما من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال، والأفضل أن تؤخر صلاة الفطر ليتمكن الناس من إخراج صدقاتهم\".\n(٩) لا أذان ولا إقامة للعيدين:\nعن جابر بن سمرة -﵁- قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة\" (١) .\nوعن ابن عباس وجابر ﵄ قال: \"لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى\" (٢) .\nقال ابن القيم في \"زدا المعاد\" (١/٤٤٢): \"وكان - ﷺ - إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان، ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة أنه لا يفعل شيء من ذلك.\nقال الصنعاني في \"سبل السلام\" (٢/٦٧): \"عدم شرعيتها في صلاة العيد فإنها بدعة\".\n(١٠) صلاة العيد ركعتان:\n* عن عمر بن الخطاب -﵁- \"صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، تمام غير قصر، على لسان محمد - ﷺ - \" (٣) .\n* الركعة الأولى تبدأ بتكبيرة الإحرام ثم يكبر فيها سبع تكبيرات، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات، سوى تكبيرة الانتقال.\nعن عائشة ﵂ \"إن رسول الله - ﷺ - كان يكبر في الفطر\n_________\n(١) رواه مسلم وأبو داود والترمذي.\n(٢) رواه البخاري.\n(٣) رواه أحمد والنسائي والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" والبيهقي وسنده صحيح.","vol":"2","page":373},{"text":"والأضحى: في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرتي الركوع\" (١) .\nقال الإمام البغوي: \"وهذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم، أنه يكبر في صلاة العيد في الأول سبعًا سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام قبل القراءة رُوي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي\".\n* والسنة في التكبير أن يكون قبل القراءة لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال \"كبر رسول الله - ﷺ - في صلاة العيد: سبعًا في الأولى، ثم قرأ، ثم كبر فركع، ثم سجد، ثم قام فكبر خمسًا، ثم قرأ، ثم كبر فركع ثم سجد\" (٢) .\n* لم يصح عن النبي - ﷺ - أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات العيد (٣)، لكن قال ابن القيم: \"وكان ابن عمر - مع تحريه للاتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة\" (٤) . قال: الإمام مالك: \"ارفع يديك مع كل تكبيرة\" وهذا قول عطاء.\n* لم يصح عن النبي - ﷺ - ذكر معين بين تكبيرات العبد، ولكن ثبت عن ابن مسعود -﵁- أنه قال عن صلاة العيد \"بين كل تكبيرتين حمد لله ﷿، وثناء على الله\" (٥) .\nوفيه أيضًا عن ابن مسعود أنه قال \"يحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي - ﷺ - \" (٦) .\n* عن أبي واقد الليثي -﵁-: \"سألني عمر بن الخطاب عما\n_________\n(١) إسناده صحيح: رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد والبيهقي.\n(٢) حسن بشواهد: رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد. انظر إرواء الغليل (٣/١٠٨- ١١٢) وزاد المعاد (١/٤٤٣-٤٤٤) .\n(٣) إرواء الغليل (٣/١١٢-١١٤) .\n(٤) زاد المعاد (١/٤٤١) .\n(٥) رواه البيهقي والمحاملي وجوده الألباني.\n(٦) صححه الألباني.","vol":"2","page":374},{"text":"قرأ به رسول الله - ﷺ - في العيد؟ فقلت: بـ (اقتربت الساعة) و(ق) أخرجه مسلم.\nقال ابن القيم \"وربما قرأ فيهما (سبح اسم ربك الأعلى)، (هل أتاك حديث الغاشية) أخرجه مسلم من حديث النعمان بن بشير. صح عنه هذا وهذا ولم يصح عنه غير ذلك.\nوباقي هيئاتها، كغيرها من الصلوات المعتادة.\n(١١) من فاتته صلاة العيد جماعة، يصلي ركعتين:\nقال البخاري -﵀- \"باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين\". وهو قول عطاء ومذهب الشافعي.\n(١٢) الخطبة بعد الصلاة: السنة في خطبة العيد أن تكون بعد الصلاة؛ خلافًا لما فعله مروان بن الحكم عن ابن عباس قال \"شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان -﵃-، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة\" (١) .\n(١٣)<span data-type=\"title\" id=toc-457> التخيير بحضور الخطبة:</span>\nوخطبة العيد كسائر الخطب، تفتتح بالحمد والثناء على الله ﷿.\nقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/٤٤٧-٤٤٨): \"وكان - ﷺ - يفتتح خطبة كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وإنما روى ابن ماجة في \"سننه\" (٢) . عن سعد القرظ مؤذن النبي - ﷺ - أنه كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين، وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به\".\nوحضور الخطبة ليس واجبًا كالصلاة: قال عبد الله بن السائب: شهدت\n_________\n(١) رواه البخاري ومسلم وأحمد.\n(٢) ورواه الحاكم والبيهقي وسنده ضعيف، عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن ضعيف، وأبوه وجده مجهولان.","vol":"2","page":375},{"text":"العيد مع النبي - ﷺ - فلما قضى الصلاة قال - ﷺ -: \"إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب\" (١) .\nقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/٤٤٨): \"ورخص - ﷺ - لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة أو أن يذهب\".\n(١٤) التهنئة بالعيد:\nقال جبير بن نفير \"كان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك\" (٢) .\n* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن التهنئة يوم العيد فأجاب: \"أما التهنئة يوم العيد، بقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنكم، وأحال الله عليك ونحو ذلك، فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأ-ئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا ابتدئ أحدًا، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورًا بها، ولا هو أيضًا مما نهى عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة، والله أعلم\" (٣) .\n(١٥) السنة أن يخرج المعتكف فقط من المسجد إلى المصلى: قال إبراهيم النخعي: \"كانوا يستحبون للمعتكف فقط أن يبيت ليلة الفطر في مسجده حتى يكون خروجه منه\" وبوب ابن أبي شيبة في مصنفه \"من كان يحب أن يغدو المعتكف كما هو من مسجده إلى المصلى\".\n_________\n(١) إسناده صحيح: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم، وصححه الحاكم والذهبي وابن خزيمة والألباني في إرواء الغليل (٣/٩٦-٩٨) .\n(٢) قال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٢/٤٤٦): أدينا في \"المحامليات بإسناد حسن عن جبير بن نفير\" وحسنه أيضًا السيوطي في \"وصل الأماني بأصول التهاني\".\n(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/٢٥٣) .","vol":"2","page":376},{"text":"(١٦) الإذن بسماع الدف من الجويريات وتركه أولى: عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله - ﷺ -، وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث (١)، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند النبي - ﷺ -؟ فاقبل عليه رسول الله - ﷺ - فقال \"دعهما\" فلما غفل غمزتهما فخرجتا.\nوفي رواية أخرى \"قال رسول الله - ﷺ -: يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا\" (٢) .\nقال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٢/٤٤٣): \"وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية<span data-type=\"title\" id=toc-458> التوسعة على العيال </span>في أيام الأعياد بأنواع ما يُحَصِّل لهم بسط النفس وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين.\n***\n_________\n(١) كان فيه حرب بين الأوس والخزرج، وبعاث: اسم لحصن الأوس.\n(٢) الروايتان للبخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه.","vol":"2","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>الباب الحادي والعشرون\nفتاوى الصيام</span>\nإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم","vol":"3","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460></span>من فتاوى الصيام\n- سئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله:\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>ما هي أركان الصيام:</span>\nفأجاب: \"الصيام له ركن وهو: التعبد لله ﷿ بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\nوالمراد بالفجر هنا: الفجر الثاني دون الأول.\n* ويتميز الفجر الثاني عن الفجر الأول بثلاثة مميزات:\nالميزة الأولى: أن الفجر الثاني يكون معترضًا في الأفق، والفجر الأول يكون مستطيلًا -أي: ممتدًا من المشرق إلى المغرب- وأما الفجر الثاني فيمتد من الشمال إلى الجنوب.\nالميزة الثانية: أن الفجر الثاني لا ظلمة بعده بل يستمر النور في الازدياد حتى طلوع الشمس، وأما الفجر الأول فيظلم بعد أن يكون له شعاع.\nالميزة الثالثة: أن الفجر الثاني متصل بياضه بالأفق، وأما الفجر الأول فبينه وبين الأفق ظلمة.\nوالفجر الأول ليس له حكم في الشرع فلا تحل به صلاة الفجر ولا يحرم به الطعام على الصائم بخلاف الفجر الثاني\" (١) .\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله (٢):\nبماذا يثبت دخول شهر رمضان وخروجه.. و<span data-type=\"title\" id=toc-462>ما حكم من رأى الهلال وحده عند دخول الشهر أو خروجه</span>؟\nفأجاب: يثبت دخول الشهر وخروجه بشاهدي عدل فأكثر.. وِيثبت دخوله فقط بشاهد واحد؛ لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"فإنْ شهِدَ شاهِدان فصُومُوا وَأَفْطِروا\"\n_________\n(١) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ١٧٢، ١٧٣) .\n(٢) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" لسماحة الشيخ ابن باز (١٦٢، ١٦٣) .","vol":"3","page":7},{"text":"وثبت عنه - ﷺ - أنه أمر الناس بالصيام بشهادة ابن عمر -﵄- وبشهادة أعرابي، ولم يطلب شاهدا آخر ﵊.\nوالحكمة في ذلك والله أعلم: الاحتياط للدين في الدخول والخروج، كما نص على ذلك أهل العلم.\nومن رأى الهلال وحده في الدخول أو الخروج ولم يعمل بشهادته، فإنه يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، ولا يعمل بشهادة نفسه -في أصح أقوال أهل العلم-؛ لقول النبي - ﷺ - \"الصوم يَوْم تَصُومُون، والفِطْرُ يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون\"، والله ولي التوفيق.\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>ما هي الطريقة التي يثبت بها أول كل شهر قمري</span>؟\nفأجابت: دلت الأحاديث الصَّحيحة عن النبي - ﷺ - على أن الهلال متى رآه ثقة بعد غروب الشمس في ليلة الثلاثين من شعبان أو ثقات ليلة الثلاثين من رمضان فإن الرؤية تكون مُعتبرة، ويعرف بها أول الشهر من غير حاجة إلى اعتبار المدة التي يمكُثها القَمَر بعد غروب الشمس، سواء كانت عشرين دقيقة أم أقل أو أكثر؛ لأنه ليس هناك في الأحاديث الصحيحة ما يدل على التحديد بدقائق معينة لغروب القمر بعد غروب الشمس. وقد وافق مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة على ما ذكرنا.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا وآله وصحبه وسلم\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\nعضو ... عضو ... نائب ... رئيس اللجنة الرئيس\nعبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز\n- سئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nما حكم من رأى الهلال وحده، ولم يصم مع الناس؟\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (٢٠٣١) .","vol":"3","page":8},{"text":"فأجاب: من رأى الهلال وَحْدَهُ، فيجب عليه أن يبلِّغ به المحكمة الشرعية ويشهد به.\nويثبت دخول شهر رمضان بشهادة واحد، إذا ارتضاه القاضي وحكم بشهادته، فإن رُدّت شهادته فقد قال بعض العلماء: إنه يلزمه أن يصوم لأنه تيقن أنه رأى الهلال، وقد قال النبي - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته\" وهذا قد رآه وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه أن يصوم؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس، وموافقته للجماعة خير من انفراده وشذوذه، وفصَّل آخرون فقالوا: يلزمه الصوم سرًّا، فيلزمه الصوم لأنه رأى الهلال، ويكون سرًّا لئلا يظهر مخالفة الجماعة (١) .\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nكيف يمكن معرفة دخول هلال أي شهر مثل شهر رمضان؟\nفأجاب: الهلال هو رؤية القمر متأخرًا عن الشمس غائبا بعدها، فإذا رؤي الهلال بعد غروب الشمس، فإنه يَتَحَقَّق من دخول الشهر الثاني، ولا يتمَكَّن من رؤيته إلا حديد البصر.\nأما في الليلة الثانية، فإنه يراه الجميع، حيث إنه يتأخر عن الشمس ساعة إلا ربعًا، وفي الليلة الثالثة يغيب وقت العشاء.\nثبت عن النعمان بن بشير -﵁- قال: \"أنا أعلم الناس بوقت صلاة العشاء كان النبي - ﷺ - يُصَلِّيها لمغيب القمر الثالثة\". -أي: إذا غاب القمر الليلة الثالثة- أي: بعد مغيب الشمس بساعة ونصف وهو وقت غروب الشفق.\nأما إذا رؤي الهلال محاذيا للشمس أو سابقا لها فهو تابع للشهر الذي قبله، كذلك عندما يكون آخر الشهر يُرى القمر في الأفق وهو متقوس ورأساه إلى أسفل فإذا هلّ صارت رأساه إلى أعلى. والله أعلم (٢) .\n_________\n(١) \"فقه العبادات\" لابن عثيمين (ص ١٧٢) .\n(٢) \"فتاوى الصيام\" لابن جبرين (ص ٢٣) .","vol":"3","page":9},{"text":"- وسئل حفظه الله:\nبماذا يثبت هلال شهر رمضان وبماذا يثبت هلال شهر شوال؟\nفأجاب: يثبُت هلال رمضان برؤية عدل واحد -ولو أنثى-. أما هلال شوال فلا يثبت إلا برؤية شاهدين عدلين وذلك من باب الاحتياط؛ لأن كثيرا من الناس -والعياذ بالله- يحرصون على رؤيته خروجًا ولا يحرصون على رؤيته دخولًا (١) .\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nإذا تيقن شخص من دخول الشهر برؤية الهلال ولم يستطع إبلاغ المحكمة فهل يجب عليه الصيام؟\nفأجاب: اختلف العلماء في هذا فمنهم من يقول: إنه يلزمه؛ وذلك بناء على أن الهلال هو ما استهل واشتهر بين الناس، أو أن الهلال هو ما رؤي بعد غروب الشمس، سواء اشتهر بين الناس أم لم يشتهر.\nوالذي يظهر لي: أن من رآه وتيقن رؤيته وهو في مكان ناء لم يشاركه أحد في الرؤية أو لم يشاركه أحد في الترائي فإنه يلزمه الصوم.\nلعموم قوله تعالى (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥] وقوله - ﷺ - \"إِذَا رَأَيْتُموه فَصُومُوا\".\nولكن إن كان في البلد وَشَهد به عند المحكمة، وردت شهادته فإنه في هذه الحال يصوم سِرًّا لئلا يُعلن مُخَالفة الناس (٢) .\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٣):\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>هل يجوز للمسلم الاعتماد في بدء الصوم ونهايته على الحساب الفلكي</span>، أو لابد من رؤية الهلال؟\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام\" لابن جبرين (ص ٢٨) .\n(٢) \"فتاوى ابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٤٩) .\n(٣) فتوى رقم (٣٨٦) .","vol":"3","page":10},{"text":"فأجابت: الشريعة الإسلامية شريعة سمحة وهي عامة شاملة أحكامها جميع الثقلين الإنس والجن، على اختلاف طبقاتهم: علماء وأميين أهل الحضر وأهل البادية، فلهذا سهَّل الله عليهم الطريق إلى معرفة أوقات العبادات، فجعل لدخول أوقاتها وخروجها أمارات يشتركون في معرفتها، جعل زوال الشمس أمارة على دخول وقت المغرب وخروج وقت العصر، وغروب الشفق الأحمر أمارة على دخول وقت العشاء مثلا، وجعل رؤية الهلال بعد استتاره آخر الشهر أمارة على ابتداء شهر قمري جديد وانتهاء الشهر السابق، ولم يكلفنا معرفة بدء الشهر القمري بما لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس، وهو علم النجوم، أو علم الحساب الفلكي.\nوبهذا جاءت نصوص الكتاب والسنة بجعل رؤية الهلال ومشاهدته أمارة على بدء صوم المسلمين شهر رمضان، والإفطار منه برؤية هلال شوال، وكذلك الحال في ثبوت عيد الأضحى ويوم عرفات قال الله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩] وقال النبي - ﷺ -: \"إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\" فجعل -﵊- الصوم لثبوت رؤية هلال شهر رمضان والإفطار منه لثبوت رؤية هلال شوال، ولم يربط ذلك بحساب النجوم وسير الكواكب، وعلى هذا جرى العمل زمن النبي - ﷺ - وزمن الخلفاء الراشدين والأئمة الأربعة والقرون الثلاثة التي شهد لها النبي - ﷺ - بالفضل والخير، فالرجوع في إثبات الشهور القمرية إلى علم النجوم في بدء العبادات والخروج منها دون الرؤية من البدع التي لا خير فيها، ولا مستند لها من الشريعة، وإن المملكة العربية السعودية متمسكة بما كان عليه النبي - ﷺ - والسلف الصالح من إثبات الصيام والإفطار والأعياد وأوقات الحج ونحوها برؤية الهلال، والخير كل الخير في اتباع من سلف في الشئون الدينية والشر كل الشر في البدع التي أحدثت في الدين.\nحفظنا الله وإياك وجميع المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\nعضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز","vol":"3","page":11},{"text":"- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (١):\nما هي الطريقة الشرعية التي يثبت بها دخول الشهر؟ وهل يجوز اعتماد حساب المراصد الفلكية في ثبوت الشهر وخروجه؟ وهل يجوز للمسلم أن يستعمل ما يسمى (بالدربيل) في رؤية الهلال؟\nفأجاب: الطَّريقة الشرعية لِثُبُوت دخول الشهر أن يتراءى الناس الهلال وينبغي أن يكون ذلك ممن يوثق به في دينه وفي قوة نظره، فإذا رأوه وجب العمل بمقتضى هذه الرؤية صومًا إن كان الهلال هلال رمضان وإفطارًا إن كان الهلال هلال شوال، ولا يجوز اعتماد حساب المراصد الفلكية إذا لم يكن رؤية فإن كان هناك رؤية -ولو عن طريق المراصد الفلكية- فإنها معتبرة لعموم قول النبي - ﷺ -: \"إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا\". أما الحساب: فإنه لا يجوز العمل به ولا الاعتماد عليه.\nوأما استعمال ما يسمى (بالدربيل) -وهو: المنظار المقرب- في رؤية الهلال فلا بأس به ولكن ليس بواجب؛ لأن الظاهر من السنة أن الاعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها. ولكن لو استعمل -فرآه من يوثق به-، فإنه يُعمل بهذه الرؤية، وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون (المنائر) في ليلة الثلاثين من رمضان فيتراءونه بواسطة هذا المنظار، على كل حال: متى ثبتت رؤيته- بأي وسيلة- فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية لعموم قوله - ﷺ -: \"إِذَا رَأَيْتُمُوه فَصُوموا وَإذا رَأَيْتُموه فَأَفْطِروا\".\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل يجوز الاعتماد على الحساب في رؤية شهر رمضان؟\nفأجاب: جاءت الشريعة بالاعتماد على الرؤية لا على الحساب.\nلقوله - ﷺ -: \"إِنا أُمة أُمية لا نَحْسِب وَلاَ نَكْتُب، صُوموا لِرُؤْيتهِ وَأَفْطِروا لِرؤيته، فإِن غُم عَلَيكُم فَأكمِلوا العِدَّة\".\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٥٠، ١٥١) .","vol":"3","page":12},{"text":"وفي رواية: \"فَأقْدِرُوا لَه\".\nفأخذ العلماء من قوله - ﷺ -: \"إنَّا أمة أمية ... \" أنه لا يجوز الاعتماد في شهر شعبان ورمضان إلا على الرؤية فقط.\nولكن قال بعضهم: إذا وُجد زمان قد زالت فيه الأمية التي ذكرها النبي - ﷺ -، فإنه يصح أن يعتمد الحساب، وهو: أنهم يجعلون شهرا تاما ثلاثين يوما، وشهرا ناقصا تسعة وعشرين يوما، وهذا في السنة البسيطة. أما في السنة الكبيسة: فيكون سبعة أشهر تامة وخمسة ناقصة.\nأما الجمهور، فيقولون: إن الحكم باقٍ ولو زالت الأمية، وصار الناس يحسبون ويكتبون؛ لأنه جعله حكمًا عامًا، وما كان للنبي - ﷺ - وصحابته فهو باقٍ لمن بعدهم (١) .\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nإذا رأيت هلال رمضان وتقدمت للإفادة بذلك، ولم يؤيدني أحد فهل أصوم أم لا؟\nفأجاب: إذا تقدم الإنسان وذكر للقَاضِي أو المسؤول أنه رأى هلال رمضان ولم يُقْبَل منه ولم يُعْمَل برؤيته.\nفهذا فيه خلاف بين العلماء:\n- فقد ذهب الأكثرون إلى أنه يصوم؛ لأنه ثبت الشهر في حقه برؤيته، فيصوم ويسبق الناس بيوم ويفطر معهم إذا أفطروا.\nوذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه لا يصوم إذا لم يعمل برؤيته؛ لقول النبي - ﷺ -: \"الصَوم يَومَ تَصومُون وَالإِفْطَار يَوْم تُفْطِرون وَالأَضْحَى يَوم تُضَحُون\" وهذا اليوم لم يصمه المسلمون فلا يصومه هو، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وجماعة من أهل العلم وهو أظهر في الدليل، لقول النبي - ﷺ -: \"الصوم يَوْم تَصُومُون\"\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام\" لابن جبرين (ص ٢١) .","vol":"3","page":13},{"text":"والمسلمون لم يَصُوموا فتصبح شهادته لاغية في حَقِّه وحق غيره فلا يصوم. هذا هو الأرجح. والله ولي التوفيق (١) .\n- و<span data-type=\"title\" id=toc-465>سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن أهل المدينة رأى بعضهم هلال ذي الحجة، ولم يَثْبُت عند حاكم المدينة؛ فهل لهم أن يَصُوموا اليوم الذي في الظَّاهر التاسع</span>. وإن كان في الباطن العاشر؟\nفأجاب: نعم. يَصُومون التَّاسع في الظاهر المعروف عند الجماعة، وإن كان في نفس الأمر يكون عاشرا، ولو قُدِّر ثبوت تلك الرؤية.\nفإن في \"السنن\" عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"صَوْمُكُم يوم تَصُومُون، وفِطركم يَوْم تُفْطِرُون، وَأَضْحَاكُم يَوم تُضحُّون\" أخرجه أبو داود، وابن ماجة، والترمذي وصححه، وعن عائشة -﵂- أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"الفِطْر يَوْم يُفْطِر النَّاس، والأَضْحَى يَوم يُضح النَّاس\" رواه الترمذي. وَعَلى هذا العمل عند أئمة المسلمين كلهم، فإنَّ الناس لو وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأ أجزاهم الوقوف بالاتفاق، وكان ذلك اليوم يوم عرفة في حقهم، ولو وقفوا الثامن خطأ ففي الإجزاء نزاع، والأظهر صحة الوقوف أيضًا، وهو أحد القولين في مذهب مالك، ومذهب أحمد وغيره.\nقالت عائشة ﵂: \"إِنما عَرَفة اليوم الّذي يَعرفُه النَّاس\". وأصل ذلك: أن الله ﷾ عَلَّق الحكم بالهلال والشهر فقال تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) [البقرة: ١٨٩] . والهلال اسم لما يستهل به: أي يعلن به، ويجهر به فإذا طلع في السماء ولم يعرفه الناس ويستهلوا لم يكن هلالا.\nوكذا الشهر مأخوذ من الشهرة، فإن لم يشتهر بين الناس لم يكن الشهر قد دخل، وإنما يغلط كثير من الناس في مثل هذه المسألة؟ لظنهم أنه إذا طَلَع في السَّماء كان تلك الليلة أَوَّل الشهر، سَواء ظهر ذلك للناس واستهلوا به أو لا. وليس كذلك: بل ظهوره للناس واستهلالهم به لابد منه ولهذا قال النبي - ﷺ -: \"صَوْمُكُم يَوْم تَصُومُون، وَفِطْرُكم يَوْم تُفْطِرُون وَأَضْحَاكُم يَوْم تُضَحون\" أي هذا اليوم الذي تعلمون أنه وقت الصوم، والفطر،\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز\" (٣/١٧٦، ١٧٧) .","vol":"3","page":14},{"text":"والأضحى، فإذا لم تعلموه لم يترتب عليه حكم.\nوصوم اليوم الذي يشك فيه: هِل هو تاسع ذي الحجة؟ أو عاشر ذي الحجة؟ جائز. -بلا نزاع بين العلماء-؛ لأن الأَصل عدَم العاشر، كما أنهم لو شكوا ليلة الثلاثين من رمضان: هل طلع الهلال؟ أم لم يطلع؟ فإِنهم يَصُومون ذلك اليوم المشكوك فيه باتفاق الأئمة. وإنما يوم الشك -الذي رويت فيه الكراهة- الشك في أول رمضان، لأن الأصل بقاء شعبان.\nوإنما الذي يشتبه في هذا الباب مسألتان:\nإحْدَاهما: لو رأى هلال شوال وحده، أو أخبره به جماعة يعلم صدقهم هل يفطر؟ أم لا؟\nوالثانية: لو رأى هلال ذي الحجة، أو أخبره جماعة يعلم صدقهم، هل يكون في حقه يوم عرفة، ويوم النحر هو التاسع، والعاشر بحسب هذه الرؤية التي لم تشتهر عند الناس؟ أو هو التاسع والعاشر الذي اشتهر عند الناس؟\nفأما المسألة الأولى: فالمنفرد برؤية هلال شوال، لا يفطر علانية، باتفاق العلماء. إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سرًا؟ ذلك على قولين للعلماء أصحهما: لا يُفطِر سرا، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور في مذهبهما.\nوفيهما قول: أنه يُفطِر سرًّا كالمشهور في مذهب أبي حنيفة، والشافعي وقد روي أن رجلين في زمن عمر بن الخطاب -﵁- رأيا هلال شوال، فأفطر أحدهما، ولم يفطر الآخر. فلما بلغ ذلك عمر قال للذي أفطر: \"لولا صَاحِبك لأَوجَعْتُك ضَربًا\".\nوالسبب في ذلك أن الفطر يوم يفطر الناس وهو يوم العيد، والذي صامه المنفرد برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذي نهى النبي - ﷺ - عن صومه، فإنه نهى عن صوم يوم الفطر، ويوم النحر، وقال: (أَما أَحَدُهما فَيَوم فِطْرِكُم من صَوْمِكمْ، وأَما الآخر فيوم تأكلون فيه من نُسُكِكُم\". فالذي نهى عن صومه هو اليوم الذي يفطره المسلمون، وينسك فيه المسلمون.\nوهذا يظهر بالمسألة الثانية، فإنه لو انفرد برؤية ذي الحجة لم يكن له أن يقف قبل الناس في اليوم الذي هو في الظاهر الثامن، وإن كان بحسب رؤيته هو التاسع، وهذا لأن","vol":"3","page":15},{"text":"في انفراد الرجل في الوقوف، والذبح، من مخالفة الجماعة ما في إظهاره للفطر.\nوأما صوم يوم التاسع في حق من رأى الهلال، أو أخبره ثقتان أنهما رأيا الهلال، وهو العاشر بحسب ذلك، ولم يثبت ذلك عند العامة، وهو العاشر بحسب الرؤية الخفية، فهذا يخرج على ما تقدم.\nفمن أمره بالصوم يوم الثلاثين الذي هو بحسب الرؤية الخفية من شوال ولم يأمره بالفطر سرًّا، سوّغ له صوم هذا اليوم، واستحبه لأن هذا هو يوم عرفة، كما أن ذلك من رمضان، وهذا هو الصحيح الذي دَلَّت عليه السنَّة والاعتبار.\nومن أمره بالفِطْر سرًّا لرؤيته، نهاه عن صوم هذا اليوم عند هذا القائل كهلال شوال الذي انفرد برؤيته.\nفإن قيل: قد يكون الإمام الذي فوض إليه إثبات الهلال مقصرا، لرده شهادة العدول، إما لتقصيره في البحث عن عدالتهم، وإما رد شهادتهم لعداوة بينه وبينهم، أو غير ذلك من الأسباب، التي ليست بشرعية، أو لاعتماده على قول المنجم الذي زعم أنه لا يرى.\nقيل: ما يثبت من الحكم لا يختلف الحال فيه بين الذي يؤتم به في رؤية الهلال، مجتهدا مُصِيبا كان أو مخطئا، أو مُفرطا، فإنه إذا لم يظهر الهلال ويشتهر بحيث يتحرى الناس فيه.\nوقد ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - قال في الأئمة: \"يُصَلون لَكُم فإن أَصَابُوا فَلَكُم وَلَهُم، وِإن أَخْطَأُوا فَلَكُم وَعَلَيهِم\".\nفخطؤه وتفريطه عليه، لا على المسلمين الذين لم يفرطوا، ولم يخطئوا. ولا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة أَنَّه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، كما ثبت عنه في \"الصحيحين\" أنَّه قال: \"إِنا أُمة أُمية لا نَكْتُب، وَلاَ نَحْسِب، صُومُوا لِرُؤْيتهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتهِ\".\nوالمعتمد على الحساب في الهلال -كما أنه ضال في الشريعة-، مبتدع في الدين، فهو مخطيء في العقل، وعِلم الحساب، فإِن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرُّؤية لا تَنْضَبط بأمر حسابي، وإنما غاية الحساب منهم إذا عدل أن يعرف كم بين الهلال والشَّمس من","vol":"3","page":16},{"text":"درجة وقت الغروب مثلًا: لكن الرؤية ليست مَضْبُوطة بدرجات محدودة، فإنها تختلف باختلاف حدة النظر وكلاله، وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال، وانخفاضه، وباختلاف صفاء الجو وكدره، وقد يراه بعض الناس لثمان درجات، وآخر لا يراه لثنتي عشر درجة.\nولهذا تنَازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعا مضطربا، وآلمتهم -كبطليموس-، لم يتكلموا في ذلك بحرف، لأن ذلك لا يقوم عليه دَليل حِسَابي، وإنما يتكلم فيه بعض متأخريهم، مثل كوشيار الدّيلمي، وأمثاله.\nلما رأوا الشريعة عَلَّقت الأحكام بالهلال، فرأوا الحساب طريقًا تنضبط فيه الرؤية، وليست طريقة مستقيمة، ولا معتدلة، بل خطؤها كثير، وقد جرب، وهم يختلفون كثيرًا: هل يرى؟ أم لا يرى؟\nوسَبَبُ ذلك: أنهم ضَبَطُوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب، فأخطأوا طريق الصواب، وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبينت أن ما جاء به الشَّرع الصَّحيح هو الذي يوافقه العقل الصَّريح، كما تكلمت على حد اليوم أيضًا، وبينت أنه لا ينضبط بالحساب؛ لأن اليوم يظهر بسبب الأبخرة المتَصَاعِدة، فمن أراد أن يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر، إنما يَصِحُّ كلامه لو كان الموجب لظهور النُّور وخفائه مجرد محاذاة الأفق التي تُعلَم بِالحساب.\nفأما إذا كان للأبخرة في ذلك تأثير، والبخار يكون في الشتاء والأرض الرطبة أكثر مما يكون في الصَّيف والأرض اليابسة، وكان ذلك لا ينضبط بالحساب، فسدت طريقة القياس الحسابي.\nولهذا تُوجد حصة الفجر في زمان الشتاء أطول منها في زمان الصيف.\nوالآخذ بمجرد القياس الحسابي يشكل عليه ذلك؛ لأن حِصة الفجر عنده تتبع النَّهار، وهذا أيضًا مَبسُوط في موضعه، والله سبحانه أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n_________\n(١) \"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٠٢-٢٠٨) .","vol":"3","page":17},{"text":"وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nما حكم الذي لا يصوم في أول رؤية هلال رمضان إذا رؤي حتى يرى بنفسه، ويستدل بالحديث القائل: \"صُومُوا لِرُؤْيَته وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَته\" وهل صحيح استدلالهم بهذا الحديث؟\nفأجابت: الواجب الصيام إذا ثبتت رؤية الهلال ولو بواحد عدل من المسلمين، كما أمر النبي - ﷺ - بالصيام عندما شهد الأعرابي برؤيته الهلال، وأما الاستدلال بحديث: \"صوموا لرؤيته\" على أن كل فرد لا يصوم إلا برؤيته بنفسه فغير صحيح؛ لأن الحديث خطاب عام بالصيام عند تَحقق الرؤية ولو من واحد عَدل من المسلمين (١) .\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\nعضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nإنه من غير الممكن رؤية الهلال بالعين المجردة قبل أن يصبح عمره ثلاثين ساعة، وبعد فإنه من غير الممكن رؤيته بسبب حالة الجو، آخذين بعين الاعتبار هذا الوضع، فهل يمكن لسكان انجلترا استعمال المعلومات الفلكية لهذه البلاد في حساب الموعد المحتمل لرؤية القمر الجديد وموعد بدء شهر رمضان، أم يجب علينا رؤية القمر الجديد قبل بدئنا بصوم شهر رمضان المبارك؟\nفأجابت: تجوز الاستعانة بآلات الرصد في رؤية الهلال ولا يجوز الاعتماد على العلوم الفلكية في إثبات بدء شهر رمضان المبارك أو الفطر؛ لأن الله لم يشرع لنا ذلك، لا في كتابه ولا في سنة نبيه - ﷺ - وإنما شرع لنا إثبات بدء شهر رمضان ونهايته برؤية هلال شهر رمضان في بدء الصوم ورؤية هلال شوال في الإفطار والاجتماع لصلاة عيد الفِطْر وجعل الأهلة مواقيت للناس وللحج.\nفلا يجوز لمسلم أن يؤقِّت بغيرها شيئًا من العبادات من صوم رمضان والأعياد وحج البيت، والصوم في كفارة القتل خطأ وكفارة الظهار ونحوها.\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" فتوى رقم (٧٧٥٣) .","vol":"3","page":18},{"text":"قال الله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩]، وقال - ﷺ -: \"صُومُوا لِرُؤْيَته وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَته فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَأكمِلوا العِدَّة ثَلاَثْين\".\nوعلى ذلك: يجب على من لم ير الهلال في مطلعهم في صحو أو غيم أن يتموا العِدة ثلاثين إن لم يره غيرهم في مطلع آخر فإن ثبت عندهم رؤية الهلال في غير مطلعهم لزمهم أن يتبعوا ما حكم به ولي الأمر العام -المسلم- في بلادهم من الصوم أو الإفطار؛ لأن حكمه في مثل هذه المسألة يرفع الخلاف بين الفقهاء في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره، فإن لم يكن ولي أمرهم الحاكم في بلادهم مسلمًا عملوا بما يحكم به مجلس المركز الإسلامي في بلادهم من الصوم تبعًا لرؤية الهلال في غير مطلعهم أو الإفطار: عملًا باعتبار اختلاف المطالع.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀-:\nعن إخبار مخبر، أن أهل بلد رأوا هلال شوال، وعيّدوا؟\nفأجاب: أما إخبار مخبر أن أهل البلد الفلانية أفطروا يوم كذا، فلابد من شهادة اثنين: وهذا فيه تفصيل: إن كان البلد فيه قاض، فأخبر رجلان أن أهل البلد أفطروا كلهم وعيدوا.\nفالذي نرى: الاعتماد على مثل هذا، وإن كان البلد ليس فيه قاض، ولا يدري سبب فطرهم، فلا أرى الاعتماد على فعلهم (٢) .\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀-:\nعن اختلاف الأهلة بالكبر.. الخ؟\nفأجاب: وأما اختلاف الأهلة بالكبر والصغر، وارتفاع المنازل وانخفاضها فلا حكم له؛ لأن ذلك يختلف اختلافًا كثيرًا (٣) .\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة، فتوى رقم (٣١٩) .\n(٢) \"الدرر السنية في الأجوبة النجدية\" (٥/٣١٠) .\n(٣) المصدر السابق (٥/٣٠٦)، ولقد بوب الإمام النووى في شرح مسلم: (باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال\nوصغره) .","vol":"3","page":19},{"text":"- وسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀-:\nعن هلال شوال، إذا شهد به شاهدان ... الخ؟\nفأجاب: أما مسألة الرؤية لهلال شوال، إذا شهد به شاهدان، ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا عنده فلم يحكم بشهادتهما، فهل لهما ولمن عرف عدالتهما الفطر، أم لا؟ أما إذا انفرد واحد بالرؤية، فنص أحمد: أنه لا يفطر. وهو قول مالك وأبي حنيفة، وهو مروي عن عائشة -﵂-، لحديث: \"صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون\" وقيل: يفطر سرًّا وهو قول الشافعي، قال المجد: ولا يجوز إظهاره بالإجماع.\nوكذلك الحكم إذ رآه عدلان، ولم يشهدا عند الحاكم، أو شهدا عنده ورُدَّت شهادتهما، لجهله بحالهما، فالمذهب: أنه لا يجوز لهما، ولا لمن عرف عدالتهما الفطر، للحديث السابق، ولما فيه من تشتيت الكلمة وجعل مرتبة الحكم لكل أحد، وهذا القول اختيار الشيخ تقي الدين، واختار الموفق: أنه يجوز له الفطر؛ لحديث \"وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا\" رواه أحمد وغيره.\nوأجاب أيضًا: ومن رأى هلال شوال وحده بيقين فالمشهور في مذهب أحمد: أنه لا يفطر، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وقيل: يفطر، وهو قول الشافعي، وقاله بعض أصحاب أحمد، واستحسنه في الإقناع، وأما إظهار الفطر والحالة هذه، فلا يجوز، حكاه بعضهم إجماعا (١) .\nوأجاب أيضًا: ولو انفرد رجل برؤية هلال شوال، لم يجز لغيره الفطر بشهادته، لا أهله ولا غيرهم، عند من لا يجوز له الفطر.\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀-:\nعن شهادة الأعراب؟\nفأجاب: وأما قبول شهادة الأعراب بالهلال، فحكمهم حكم الحضر، لا يحكم شهادة مجهول الحال.\nوالأعرابي الذي عمل النبي - ﷺ - بشهادته، يحتمل أنه يعرف حاله، والعلماء لم يفرقوا في هذه المسألة بين الحاضرة والبادية (٢) .\n_________\n(١) (٢) \"الدرر السنية في الأبوبة النجدية\" (٥/٣١٥) .","vol":"3","page":20},{"text":"- وسئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀-:\nهل يعمل بالبرقية وأصوات المدافع والبواريد في ثبوت الصوم والفطر؟\nفأجاب: لا ريب أن كل أمر مُهم عمومي، يُرَاد إعلانه وإشاعته والإخبار به على وجه السرعة والتعميم، يسلك فيه طريق يحصل به هذا المقصود.\nفتارة ينادي فيه على وجه التصريح، أو الإجمال القولي. وتارة يعبر عنه بأصوات عالية كالرمي ونحوه مما له نفوذ وسريان إلى المحال والأماكن البعيدة، وتارة بالبرقيات المتنوعة.\nولم يزل الناس على هذا يُعَبرون ويخبرون عن مثل هذه الأمور بأسرع وسيلة يتعمم ويشيع فيها الخبر، وعلى هذا المعنى مُجْتمعون، وبالعمل به في الأمور الدينية والدنيوية متفقون، وكلما تجدَّد لهم وسيلة أسرع وأنجح مما قبلها، أسرعوا إليها.\nوقد أقَرَّهم الشارع على هذا الجنس والنوع، ووردت أدلة وأصول في الشريعة تدل عليه، فكل ما دل على الحق والصدق والخبر الصحيح مما فيه نفع للناس في أمور دينهم ودنياهم، فإن الشارع يقره ويقبله، ويأمر به أحيانًا، ويجزيه أحيانًا، بحسب ما يؤدي إليه من المصلحة.\nفالشارع لا يرد خبرًا صحيحًا بأي طريق وَصَل، ولا ينفي حقًّا وصدقًا بأي وسيلة ودلالة اتصال، وخصوصًا إذا استفاض ذلك واحتفت به القرائن المتنوعة، فاستمسك بهذا الأصل الكبير، فإنه نافع في مسائل كثيرة ويمكنك إذا فهمته أن تطبق عليه كثيرًا من الأفراد والجزئيات الواقعة، والتي لا تزال تقع، ولا يقصر فهمك عنه فيفوتك خير كثير، وربما ظننت كثيرًا من الأشياء بدعًا محرمة إذا كانت حادثة ولم تجد لها تصريحًا في كلام الشارع فتخالف بذلك الشرع والعقل وما فطر عليه الناس.\nفصل\nفإذا فهمت هذا الأصل، فقد عُلِم وتَقَرر: أن الناس في كل قطر وبلد يجرون في أمورهم على الأحكام الشرعية في صومهم وفطرهم وعباداتهم وعندهم حاكم شرعي.","vol":"3","page":21},{"text":"فإنه متى ثبت عنده بالطريق الشرعي وجوب الصوم والفطر، فإنه في الغالب لا يطلع على مستند هذا الحاكم الشرعي إلا من باشره من قاض ومباشر للقصة، ومن حضرها.\nوأما من سواهم من أهل البلد، فضلًا عن أهل القطر، فضلًا عن بقية الأقطار، فإنما يصل إليهم الخبر بما يثبت به ذلك الخبر ويشاع من قالةٍ يتناقلونه أو نداء في الأمكنة المرتفعة وغيرها، أو رمي بمدافع ونحوها، أو ببرقيات ليصل الخبر إلى القريب والبعيد، فهذا عمل متصل جنسه في جميع قرون الأمة من غير نكير، وإن كان بعض أفراده لم تحدث إلا من قريب، كالبرقيات ونحوها، فعلم أن الأمة مجمعة على العمل بهذا النوع من الأدلة المعتادة.\nومما يدل على ذلك أن الاستفاضة في الأخبار من جملة الطرق الشرعية التي تفيد صدق مخبرها، حتى إن الفقهاء -﵏- جعلوا شهادة الشهود تارة تستند إلى ما يراه الشاهد ويسمعه من المشهود عليه، وتارة على ما يسمعه من أخبار الاستفاضة، فيشهد بما استفاض مستندًا على الاستفاضة، وقد ذكروا لذلك أمثلة كثيرة.\nومن المعلوم أن الاستفاضة الحاصلة من رمي المدفع ونحوه والبرقيات ونحوها، أبلغ بكثير من الاستفاضات المفيدة للعلم، خصوصًا وقد أيد ذلك شاهد الحال، واحتفت به القرائن الكثيرة التي تدل دلالة يقينية على ثبوت ذلك الخبر، وكذلك العادة المطردة، والعرف المستقر الذي جرى عليه الناس في بث هذه الأخبار مع قرينة تشوف الناس، والاشتباه في الوقت مع أن الإخبار بالرمي والبرق ونحوها من الأمور الرسمية التي لا يجرؤ عليها أحد من العامة، إلا عن طريق أمر الحكام وأولياء الأمور وإذنهم، فمتى عرفت الواقع، لم يبق عندك في ذلك الخبر شك، وعرفت أنه خبر يفيد العلم، وإذا كانت أخبار الآحاد إذا احتفت بها القرائن، أفادت العلم فكيف بمثل هذه الأخبار المستفيضة المؤيدة من الحكام الشرعيين؟!!\nومما يدل على ذلك من الأصول الشرعية: أن النبي - ﷺ -، لما قدم المدينة وتشاور المسلمون في تعيين أمر يعرفون به الوقت والحضور للصلوات الخمس في أوقاتها، فمنهم من أشار بالبوق، ومنهم من أشار بالناقوس، ومنهم من أشار بإيقاد النار، ومنهم من أشار ببعث من ينادي للصلاة والحضور إليها، فاختار الله ﷾ هذا الأذان المبارك","vol":"3","page":22},{"text":"الذي لا تعدُّ خيراته ومصالحه -ولله الحمد- والمقصود أنهم اتفقوا على أن هذه الأشياء التي ذكروها متى اتفق الناس على واحدٍ منها، أفادتهم العلم بدخول الوقت، وبعضها أصوات تسمع، وبعضها نار تشاهد، فعلم أنه قد تقرر عندهم حصول المقصود بها، ولكنهم يبحثون أيها أنسب، ومثل هذا لا يخفى على النبي - ﷺ -، فلو كانت هذه الأمور ونحوها لا يحصل بها العلم المطلوب الإعلام به، لأخبرهم بذلك، ولَما أقرهم على هذا البحث.\nونفس الأذان الذي اختاره الله للمسلمين لمعرفة دخول الوقت، هو من هذا القبيل، فإن المؤذنين ينادون في أوقات الصلاة بألفاظ الأذان وهي ثناء على الله، وشهادة له بالتوحيد، ودعاء مطلق للصلاة والفلاح، فيكون هذا كالتصريح بقولهم: دخل الوقت، ومسألة رمي المدافع، وإرسال البرقيات المعتمدة في الخبر عن ثبوت الأشهر، من هذا الجنس، وهي بسبب تحريرها والعناية التامة بها أقرب إلى الصواب؛ لأنها لا تكون إلا بعد الثبوت والتروي من الخبر الذي لا تردد فيه، وبعد أن يعتمد عليها ولاة الأمر وحكام الشرع، فالتحقيق بها أتم والغلط فيها أبعد.\nيؤيد هذا: أن من قواعد الشريعة، أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وما يحصل المأمور أو لا يتم إلا به فهو مأمور، وهذه الأمور متى ثبتت عند أولياء الأمر، تعين عليهم أن يخبروا بها الناس ويبثوها بينهم، بحسب قدرتهم بأسرع وقت يمكن ليصوموا، ويفطروا، ويصلوا ويقيموا الأمور الشرعية.\nومن المعلوم أن الرمي، وإِرسال البرقيات، أبلغ من مجرد نداء المصوتين بثبوت الشهر، ويشيع الخبر بها بأسرع وقت، فأقل الحالات فيها أنها مستحبة، والقاعدة الشرعية تقتضي وجوبها مع القدرة عليها، إذا تباعدت الأقطار ولم يحصل المقصود إِلا بها.\nهذا من جهتها في نفسها، وأما المبُلِّغُون المخبَرُون بها، فإنه يتعينَّ عليهم العمل بمضمون ما دلت عليه، من الصيام، والفطر، ودخول الأوقات وغيرها. ومما يدل على ذلك أن مقصود الإخبار بالرمي والإبراق ونحوه هو ترجمة وتعبير عما تقرر عليه الأمر عند أهل الحكم الشرعي، وهي ترجمة يفهمها كل أحد، لأنها تعبير عن أمر يتفق عليه","vol":"3","page":23},{"text":"أولو الأمر والحكام على الناس ويَعْرِفُه الناس معرفة لا يشكون فيها وفي المراد منها، وما كان هكذا فالشريعة لا ترده، بل تقبله، وتأمر به عند تيسره، والترجمة التي يحصل بها العلم، لم يزل العمل بها على أي طريقة وصفة كانت.\nويَدُلُّ على هذا أنَّ النبي - ﷺ - قد أمر بالتبليغ عنه وتبليغ شرعه وحث على ذلك بكل وسيلة وطريقة.\nوالتبليغ أنواع متعددة:\nفتارةً تبليغ ألفاظ الكتاب والسنة.\n- وتارة تبليغ معانيها.\n- وتارة تبليغ الأحكام الثابتة شرعًا: لِيَصِل علمها إلى الناس، فيتمكنون من العمل بما شَرَعَهُ الله.\nوالإخبار بالرمي والإبراق من هذا النوع، فإنه إذا ثبت بالطُّرق الشرعية وجوب الصيام والفطر على الناس، أو وجوب شريعة من الشرائع، تعين على ولاة الأمر تبليغ الناس بأسرع ما يقدرون عليه، ليقوم الناس بما أمر الله به ورسوله في الصيام، والفطر، والصلاة وغيرهما.\nوكلما كان الطريق للتبليغ به أقوى وأسرع أو أشمل، كان أولى من غيره وكان داخلا في تبليغ الأحكام الشرعية. فدخل في هذا: تبليغهم بجميع المقربات. وبذلك يعلم حكمِ إيصال أصوات المبُلِّغين عن الشارع من الخُطَباء والوعاظ وغيرهم بالآلات الموُصلة للأصوات إلى مَسَامع الخلق.\nوهذه المسألة أوضح من أن يحتج لها، لكن لما حصل الاشتباه فيها على كثير من الناس احتيج إلى بيان الأصول الشرعية التي أخذت منها.\n* ومما يؤيد ذلك، ويوضحه: أن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من أكبر واجبات الدين، ومن أعظم ما يدخل في ذلك أنه إذا ثبتت الأحكام الشرعية التي يتوقف عمل الناس بها على بلوغ الخبر، فإنه يتعين على القادرين إيصالها إلى الناس بأسرع طريق وأَحْسَن وسيلة يتمكنون بها من أداء الواجبات، وتوقي المحرمات، ولا يشك أحد أن","vol":"3","page":24},{"text":"إِشاعة الأحكام وتعميمها إِذا ثبتت بالأصوات والرمي، وما هو أبعد مدى منه وأبلغ انتشارا مما يدخل في هذا الأصل الكبير.\n* ومما يدل على ذلك: أن صُدُور هذه الأخبار بالإِبراق ونحوه، تقع محررة منقحة يندر جدا وقُوع الخَطَأ والغلط فيها، فضلا عن التعمد ومخالفة ما ثبت عند ولاة الأمر، والناس قد عرفوا واصطلحوا أنها إذا حصلت فإنها لا تصدر إلا بعد عرضها على الحكَّام الشرعيين وتنقيحها وثبوتها ثبوتا لا تردد فيه، وأنها أبلغ من شهادة الشهود التي تحتمل السَّهو والغلط أكثر من هذا، وهذه الأشياء لا يمكن التقول أو الافتئات فيها على ولاة الأمر وإذا كان الناس يعتمدونها في أمور دينهم ودنياهم، كالولايات والوكالات في النكاح، والعقود، والمواريث، وموت الأزواج، ويثبتون مقتضى ذلك من العدة، والإحداد، والميراث وغير ذلك، وكإخراج الزكاة والكفارات، وكالحوالات والتنقل من محل إلى محل، ونحو ذلك مما لا يحصى، فما المانع من قبولها في ثبوت الأشهر، والصَّيام، والفطر ونحوه، وهي في هذه الحال قد احتف بها من القرائن المحققات والضبط والتحرير ما لا يوجد في غيرها، خصوصا الصادر في مقر الحاكم الشرعي.\nوهذا واضح -ولله الحمد- فالشارع لا يرد خبرا صادقا ولا يَنْفي طريقا يحصل به الثبوت، ولا يفرق بين المتماثلات، وإنما يتوقف في خبر المجهول ومن لا يوثَق بخبره، أو من محل لا حاكم فيه، فهذا النوع يجب التَّثبت في خبره.\nوالحاصل: أن إِيصال الأخبار بالرمي والبرقيات ونحوها مما يوصل الخبر إلى الأماكن البعيدة، هو عبارة وتعبير عما اتَّفق عليه ولاة الأمر، وثبت عندهم مُقْتَضَاه، وهو من الطُّرق التي لا يرتاب الناس فيها، ولا يَحْصُل لهم أدنى شك في ثبوت خبرها، ومن توقَّف فيها في بعض اَلأمور الشرعية فلم يتوقف لشكه في أنها أفادت العلم، وإنما ذلك لظنه أن هذا الطريق المعين لم يكن من الطرق المعتادة في الزمان الأول وهذا لا يوجب التوقف، فكم من أمور حدثت لم يكن لها في الزمان الأول وُجُود، وصارت أَولى وأحق بالدخول من كثير من الأمور الموجودة قبل ذلك والله أعلم\" (١) .\n_________\n(١) \"الفتاوى السعدية\" للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص ٢١٨-٢٢٦) .","vol":"3","page":25},{"text":"- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\n١- هل يعتبر المذياع وسيلة من الوسائل الشرعية التي يتم الصوم بناءً على إعلانها بثبوت الرؤية، وهل تتحقق في المذياع الشروط الواجب توافرها في شاهد إثبات الرؤية حتى يمكن الصوم بناءً على إخباره بذلك.\n٢- هل يعتبر التليفون والبرقيات من وسائل الإعلام الشرعية التي يعتمد عليها في ذلك، على الرغم من عدم معرفة الشخص المتحدث أو المبرق؟\nوأما بالنسبة لخبر المذياع أو البرقيات بثبوت الهلال دخولا أو خروجًا فنظرًا إلى أنهما منسوبان إلى الدولة ولا يمكن أن يجرأ أحد أن يختلق خبرًا بذلك أو يغيره بزيادة أو نقص مؤثرة لا سيما وقد جرت العادة من المسئولين عنهما -منذ كان استخدامها كوسيلة إعلام- بتحري الدِّقة التامة في النَّقل فلا يظهر مانع يَحُول دُون قَبُول خبرهما، وإن لم يكن متولي النقل معروفا معرفة تزكية.\nوأما التليفون فيحتاج إلى مزيد تحقيق وتأكد عن شخص ناقل الخبر وحاله من حيث العدالة والتَّحري في نقل الأخبار؛ لأن التّليفون ليس شأنه كشأن الإذاعة أو اللاسلكي؛ لكون استخدامه عامًّا.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>للقاضي إذا تحقق من خبر الإذاعة إعلان دخول الشهر</span>\nوسئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀- (٢):\nعن حكم الصيام والفطر على خبر الإذاعة؟\nفأجاب: يجوز للقاضي أو من يقوم مقامه إذا تحقق من خبر الإذاعة السعودية إعلان دخول الشهر أو خروجه رسميا: أن يقرر ثبوت ذلك شرعًا ويأمر الناس بالعمل بمقتضاه، سواء سمعه بنفسه من الراديو أو ثبت عنده بخبر ثقة عدل ممن له فهم فيما يذاع وتمييز\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (٢٥٦) .\n(٢) \"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٦٨، ١٦٩) .","vol":"3","page":26},{"text":"للإذاعة السعودية من غيرها، ويكتفي بواحد؛ لأن ذلك من باب الخبر والرواية وليس من باب الشهادة، فإن لم يكن في البلد قاض ولا من يقوم مقامه فالأمير المنصوب يقوم بذلك بعد استشارته من يثق به من أعيان أهل البلد.\nوأما المحلات التي لا يوجد فيها قاضي ولا أمير.. -كبعض القرى الصغار ومن هم في قصر نائي أو في برية ونحو ذلك- فيجوز للإنسان إذا تيقن ما ذكر من الإذاعة أن يعمل بموجب ما تيقنه، ومن صدقه من رفقته وغيرهم ووثق بخبره جاز له أن يعمل بموجب خبره، ومن لم يصدقه فلا يلزمه أن يقبل قوله حتى يتيقن ثبوت ذلك.\nأما مع وجود القاضي فلا يجوز لأحد أن يفتات ويطلق الرمي بالرصاص إشعارًا بدخول الشهر بمجرد سماعه الخبر من الإذاعة؛ لأن ذلك مما يسبب الفوضى بين الناس، وقد يخطيء فهم الإنسان، أو تكون الإذاعة التي سمعها غير الإذاعة السعودية، أو غير ذلك، وهذا فيه عدة مفاسد، مع ما فيه من الافتيات على المسئولين، فلا لإشعاركم.\nالعمل بخبر المذياع (الراديو) في دخول رمضان\n- وسئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀- (١):\nعن العمل بخبر المذياع (الراديو) في دخول رمضان، وخروجه -إذا لم يكن في البلد ولا قريب منها برقية-، وإذا علم صدق نفسه ولم يقبل خبره في دخوله أو خروجه..؟\nفأجاب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه.\nوبعد:\nفكل بلد ليس بها برقية ولا قريبة من البلد التي بها برقية إذا لم يبلغهم هلال دخول رمضان أو هلال خروجه إلا عن طريق الراديو نقلا عن الإذاعة السعودية فإنه يسوغ لهم بل يلزمهم صيام ذلك اليوم، ويشرع في حقهم قيام تلك الليلة. وكذا حكم خروج رمضان لكن ليس ذلك على الإطلاق، بل الذي يتعين على من سمع الخبر عن الإذاعة السعودية أن يرفع ذلك إلى من إليه مرجع تلك البلد في ثبوت الأهلة من طلبة العلم والأمراء. وحينئذ على من هم المرجع في ذلك النظر في حال ذلك الخبر.\n_________\n(١) \"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٦٤-١٦٧) .","vol":"3","page":27},{"text":"فإذا كان مسلما عدلا ولو ظاهرا، وكان من أهل الثقة والتثبت فيما ينقله ويخبر به تعين على طالب العلم أو الأمير الذي هو المرجع العمل بذلك والأمر بالصيام والقيام، وكذا حكم الإفطار سواء كان ذلك الخبر الذي اجتمعت فيه الشروط المنوه عنها رجلًا واحدًا أو أكثر، وسواء كان حرا أو عبدا، أو رجلًا أو امرأة، وسواء كان بلفظ الشهادة، أو لا؛ لأن ذلك من باب الخبر لا من باب الشهادة، وإنما هو إخبار أن الهلال ثبت عند قاض من قضاة المسلمين معتبر وحكم به وعمل بحكمه ونفذ في أنحاء المملكة.\nوالدليل على أن جنس هذا من باب الخبر لا من باب الشهادة حديث ابن عباس -﵄-: أن رجلًا أعرابيًا أتى النبي - ﷺ - فأخبره أنه رأى هلال رمضان فقَال: \"أتَشْهَدُ أنْ لاَ إِلَه إلا الله وَأني رَسُولُ الله. قَالَ: نَعَم. فَأمَرَ النَّبِي - ﷺ - بلاَلًا أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِأنْ يَصُومُوا مِن الغد\" وفي رواية: \"وَأَنْ يَقُومُوا تِلْكَ الَّليلة\" رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة.\nووجه الدلالة منه: أن من سمع نداء بلال بذلك اكتفى به شرعا في ثبوت الهلال، وكذا من لم يسمع نداء بلال وأخبره شخص بذلك فإنه يثبت عنده الهلال بمجرد ذلك، وهلم جَرّا. ولا يشترط في ثبوته في حقه أن يكون شهد عنده بذلك اثنان، وهذا بين بحمد الله.\nويدل عليهَ أيضًا في مسألة خروج رمضان حديث أبي عمير بن أنس -﵄-: \"أنَّ رَكْبا جَاءُوا إلى النَّبِي - ﷺ - فَشَهِدُوا أَنَّهُم رَأَوْا هِلاَلَ الفِطْرِ بِالأمْسِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ يُفْطِرُوا، وَإذا أصبحوا أن يَغدوا إلى مُصلاهم\" رواه أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، وإسناده صحيح.\nفأفطر - ﷺ -، وأمر بالإفطار ومن المعلوم أن المسلمين بالمدينة أفطروا بذلك ومستند إفطار أكثرهم ليس هو سماع لفظ النبي - ﷺ - بالإفطار، وإنما تبلغه الناس بعضهم من بعض، واكتفوا بمجرد ذلك من غير احتياج إلى أمر آخر وراء ذلك.\nوالنبي صلوات الله وسلامه عليه مُرَادُه من أَمْرِ الناس بذلك ليس هو أن يذهب اثنان ممن سمعوا أمر النبي - ﷺ - يقفان على كل فرد - من المسلمين يخبرانه بذلك.","vol":"3","page":28},{"text":"وأما إن لم يكن المخبر الآخذ من الراديو مستكمل الشروط التي تقدمت لم يسغ العمل بخبره.\nلكن إذا علم صدق نفسه وكان ذلك هلال دخول رمضان فإنه يصوم وحده على ما صرح به الفقهاء -﵏- في كتبهم، إلا أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية -قدس الله روحه- يرى الصوم. فهي مسألة خلاف، وهو مبني على أن الهلال هل هو اسم لما ظهر في السماء أو اسم لما اشتهر بين الناس؟ واختار هو ﵀ الثاني.\nوإن كان الهلال الذي لم يقبل خبره عنه هلال الفطر، فإنه يتعين عليه الصيام مع الناس. لقوله - ﷺ -: \"فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضحُونَ\".\nوعلم مما تقدم: أنه ليس لسامع الإذاعة السعودية عن طريق الراديو أن يعمل في نفسه بذلك، بل يرد الأمر إلى مرجعه كما تقدم؛ بل هذا حكم من رأى الهلال رؤية عين أن لا يعمل بذلك، بل عليه أن يرد ذلك إلى مرجعه، فإن ثبت برؤيته هلال فذاك، وإلا ففيه التفصيل السابق.\nوإذا كان هذا في رؤية الهلال بالعين فكذلك في مسألة أخذه عن الإذاعة بطريق الراديو.\nوأما كون الطريق في التبليغ بعض هذه الآلات المودعة القوى الكهربائية مثل اللاسلكي والإذاعة والراديو فلا يضر ذلك الخبر شيئًا، ولا يفت في اعتباره، لوجود القرائن الدالة الواضحة القوية على صدور ذلك.\nوقد كان من المعلوم الاكتفاء بصوت الآلات النارية كالمدفع ونحوه وقد كان مما يستعمل سابقًا عند ملوك المسلمين إشعال نيران في مواضع خاصة منتظمة بعيد بعضها عن بعض بقدر ما يدرك من في الموضع الثاني ضوء تلك النار التي في الموضع الأول، ثم الثالث مع الثاني كذلك، وهكذا إلى آخر موضع، يعلمون بإشعال تلك النار أمورًا هامة بناءً على تعميد واعتماد من يشعل تلك النار، ومن يراها أن ذلك الأمر الهام قد حصل، وكإخبار بمسير عدو، وأمر مخوف، وغير ذلك.\nوصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه","vol":"3","page":29},{"text":"الاعتماد على الإذاعة في ثبوت الصوم والفطر\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ (١):\nهل يعتمد في الأخبار الدينية كثبوت صوم وفطر، على الإذاعة السعودية، وهل حكمه كالبرقية في الاعتماد عليه؟\nفأجاب: المسألة عندي فيها إشكال: لأني إذا نظرت إلى مجرد خبر المذيع، وأنه يخبر عن ثبوت ذلك الخبر الدِّيني، فالمُذِيع في الغالب مجهولة حالته من عدالة وغيرها وتثبت أو تسرع، وهذا مما يوقف عن الجزم بالاعتماد عليه، وإن نظرت إلى أن المذيع -من محطة جدة أو مكة- عليه مراقبة شديدة، ولا يجسر على مثل هذا الخبر إلا بعد ثبوته عند الحكومة ثُبوتًا رسميا، قربت خبره من خبر البرقية، فعلى هذا. أما القرينة والاحتياط إذا أمكن فهو اللازم، والجزم بِأَحَد الأمرين أتوقف فيه، وربما فيما يستقبل تعمل الحكومة عملا للمحال التي لا برقية فيها يتمكنون بها من الجزم بخبره.\nإذا استمرت العادة أن لا يذاع إلا ما هو محقق\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>وما حكم من سمع الخبر من الإذاعة ولم يأخذ به</span>\nوسئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ (٢):\nعن خبر الراديو في دخول رمضان وخروجه إذا كان في بلد ليس فيه لاسلكى: فهل يجب الصيام بقول إذاعة مكة؟\nوكذلك ما حكم من سمع الإذاعة فأصبح مفطرًا؟\nوكذلك ما حكم من لم يبلغه خبر الصيام بعد طلوع الشمس وهو لم يأكل ولم يشرب؟\nفأجاب: الحمد لله. لا بأس من اعتماد خبر الراديو إذا استمرت العادة أنه لا يذاع إلا ما هو محقق وثابت؛ لأن القصد فيه الثبوت والتحقيق.\n_________\n(١) \"الفتاوى السعدية\" للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص (٢١٧، ٢١٨) .\n(٢) \"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٦٩، ١٧٠) .","vol":"3","page":30},{"text":"فكل خبر يغلب على الظن صدقه لما حف به من القرائن وشواهد الأحوال فإنه يقبل.\nوكل خبر يغلب على الظن كذبه لما يحف به من القرائن وشواهد الحال فإنه يرد.\nلكن يشترط في سامع الخبر من الراديو عدالته ويقظته وتحققه عمّا سمعه وعن مصدره، وعن الإذاعة التي سمعه عنها؛ لاختلاف المحطات الصادر عنها ذلك الخبر في القبول وعدمه وذلك بسبب اختلاف المراجع، إذ منها ما يعتمد على خبره في أمور الدين ومنها ما هو بخلاف ذلك.\nأما حكم من سمع الخبر من الإذاعة ولم يلتفت إليه بل أصبح مفطرًا فهذا يعذر؛ لخفاء مثل ذلك عليه، ولعدم استقرار الفتوى في ذلك.\nأما الذي لم يبلغه الخبر إلا بعد طلوع الشمس وهو لم يأكل ولم يشرب فإنه يمسك حال وصول الخبر إليه، ويقضي هذا اليوم.\nوالله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀-:\nعن<span data-type=\"title\" id=toc-475> كتاب الحكم برؤية الهلال</span>؟\nفأجاب: الذي يظهر لي العمل به، والاعتماد عليه في ذلك، لأن الفقهاء ذكروا أنه إذا رؤي هلال رمضان بمكان، لزم جميع الناس الصوم، وإنما يثبت ذلك غالبًا في حق غير أهل موضع الرؤية، بإخبار الثقات فرعًا عن الأصل، وخطوط القضاة، بل أهل موضع الرؤية ليسوا كلهم يأتون إلى الشاهد برؤية الهلال ليسمعوا شهادته، بل يعتمدون على إخبار بعضهم بعضًا عن الشاهد، كشهادة الفرع على الأصل.\nفإذا تقرر قبول خبر الفرع أو شهادته في ذلك، فكذلك كتاب القاضي لأن الفقهاء ذكروا أنه لا تقبل الشهادة على الشهادة، إلاَّ فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وأن كتاب القاضي حكمه كالشهادة على الشهادة.\nوكلامه في الكافي صريح في قبول الشهادة على الشهادة في ذلك، لما ذكر وجهين في قبول قول المرأة في هلال رمضان، قال في تعليل الوجه الثاني: ولهذا يقبل فيه شهادة","vol":"3","page":31},{"text":"الفرع مع الإمكان، ونظَّره صاحب الفروع، بقوله: كذا قال، والذي يظهر لي: أن تنظيره إنما هو لاعتبار لقبول شهادة الفرع، مع عدم إمكان شهادة الأصل، وكما قدمنا: أن المسلمين يعتمدون على ذلك مع الإمكان وعدمه، ولعلك وقفت على قول شارح الإقناع، عند قول الماتن، في حكم كتاب القاضي: لا يقبل في حد لله تعالى: كزنا ونحوه قال الشارح: وكالعبادات، ووجه ذلك: أنه لا مدخل لحكمه في عبادة، فكذا كتابه.\nقال الشيخ تقي الدين: أمور الدين والعبادات المشتركة، لا يحكم فيها إلاَّ الله تعالى، ورسوله - ﷺ - إجماعًا، قال في الفروع عقيبه: فدل على أن إثبات سبب الحكم، كرؤية الهلال، والزوال، ليس بحكم ... الخ: فدل ذلك: أن كتاب القاضي بإثبات رؤية الهلال، ليس حكمًا في عبادة، ولا إثباتا لها وإنما هو لإثبات سببها، فلا ينافي كونه لا يقبل في عبادة، وكونه لا يحكم فيها: وقد صرحوا بأنه لا مدخل لحكمه في عبادة ووقت، وإنما هو فتوى، فدل كلامهم على أن إثباته لرؤية الهلال مثلًا فتوى، والفتوى يعمل فيها بالحظ، وإن كان كتابه: شهد عندي فلان وفلان مثلًا برؤية الهلال، ففرع على الأصل، لا فتوى (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>الصيام برؤية واحدة</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (٢):\nهل يلزم المسلمين جميعًا في كل الدول الصيام برؤية واحدة؟\nو<span data-type=\"title\" id=toc-477>كيف يصوم المسلمون في بعض بلاد الكفار التي ليس فيها رؤية شرعية</span>؟!\nفأجاب: هذه المسألة اختلف فيها أَهْلُ العلم أي إذا رُؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين وثَبتَت رؤيته شرعًا فهل يَلْزَم بقية المسلمين أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية فمن أهل العلم من قال إنه يلزمهم أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية واستدلوا بعموم قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] وبقول النبي - ﷺ -: \"إِذَا رَأَيْتُمُوه فَصومُوا\" قالوا والخطاب عام لجميع المسلمين.\n_________\n(١) \"الدرر السنية في الأجوبة النجدية\" (٥/٣١٠-٣١٢) .\n(٢) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٥٢-١٥٦) .","vol":"3","page":32},{"text":"ومن المعلوم أنه لا يراد به رؤية كل إنسان بنفسه لأن هذا متعذر وإنما المراد بذلك إذا رآه من يثبت برؤيته دخول الشهر.\nوهذا عام في كل مكان، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه إذا اختلفت المطالع فلكل مكان رؤيته. وإذا لم تختلف المطالع، فإنه يجب على من لم يروه إذا ثبتت رؤيته بمكان يوافقهم في المطالع أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية.\nواستدل هؤلاء بنفس ما استدل به الأولون فقالوا: إن الله تعالى يقول (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) .\nومن المعلوم أنه لا يراد بذلك رؤية كل إنسان بمفرده، فيعمل به في المكان الذي رؤي فيه، وفي كل مكان يوافقهم في مطالع الهلال أما من لم يوافقهم في مطلع الهلال فإنه لم يره لا حقيقة ولا حكما..\nقالوا: وكذلك نقول في قول النبي - ﷺ -: \"إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا\" فإن من كان في مكان لا يوافق مكان الرائي في مطالع الهلال لم يكن رآه لا حقيقة ولا حكما.\nقالوا: والتوقيت الشهري كالتوقيت اليومي، فكما أن البلاد تختلف في الإمساك والإفطار اليومي فكذلك يجب أن تختلف في الإمساك والإفطار الشهري، ومن المعلوم أن الاختلاف اليومي له أثره، باتفاق المسلمين.\nفمن كانوا في الشرق فإنهم يمسكون قبل من كانوا في الغرب ويفطرون قبلهم أيضًا.\nفإذا حكمنا باختلاف المطالع في التوقيت اليومي، فإن مثله تماما في التوقيت الشهري.\nولا يمكن أن يقول قائل أن قوله تعالى: (فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] .\nوقوله - ﷺ -: \"إِذَا أَقْبَلَ الَّليل مِن هَاهُنا وأَدْبَر النَّهار من هَاهُنا وَغَرَبَت الشَّمْس فَقَد أَفْطَر الصَّائم\" لا يمكن لأحد أن يقول: إن هذا عام لجميع المسلمين في كل الأقطار.","vol":"3","page":33},{"text":"وكذلك نقول في عموم قوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥] وقوله - ﷺ -: \"إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا\".\nوهذا القول كما ترى له قوته بمقتضى اللفظ والنظر الصحيح والقياس الصحيح أيضًا قياس التوقيت الشهري على التوقيت اليومي.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر معلق بولي الأمر في هذه المسألة فمتى رأى وجوب الصوم أو الفطر مستندًا بذلك إلى مستند شرعي فإنه يُعمل بمقتضاه لئلا يختلف الناس ويتفرقوا تحت ولاية واحدة.\nواستدل هؤلاء بعموم الحديث: \"الصوم يوم يَصُوم الناس والفِطْر يوم يُفْطِر الناس\".\nوهناك أقوال أخرى ذكرها أهل العلم الذين ينقلون الخلاف في هذه المسألة.\nوأما الشِّق الثاني من السؤال: وهو كيف يصوم المسلمون في بعض بلاد الكفار التي ليس بها رؤية شرعية. فإن هؤلاء يمكنهم أن يثبتوا الهلال عن طريق شرعي وذلك بأن يتراؤوا الهلال إذا أمكنهم ذلك فإن لم يمكنهم هذا فإنه متى ثبتت رؤية الهلال في بلد إسلامي فإنهم يعملون بمقتضى هذه الرؤية سواء رأوه أو لم يروه.\nوإن قُلنا بالقول الثاني وهو اعتبار كل بلد بنفسه إذا كان يخالف البلد الآخر في مطالع الهلال ولم يتمكنوا من تحقيق الرؤية في البلد التي هم فيها فإنهم يعتبرون أقرب البلاد الإسلامية إليهم؛ لأن هذا أعلى ما يمكنهم العمل به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>إذا رؤي الهلال في المملكة هل يجب الصيام على أهل البلاد الأخرى</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله- (١):\nإذا رؤي الهلال في المملكة مثلًا، هل يجب على أهل البلاد الأخرى الصيام أم أنه يعتبر لكل أهل بلدة رؤيتهم؟\nفأجاب: هذه مسألة خلافية.\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام\" لابن جبرين ص (٢٦، ٢٧) .","vol":"3","page":34},{"text":"القول الأول: أنه إذا رؤي الهلال في بلد لزم أهل البلاد الأخرى أن يصوموا.\nوالذين قالوا هذا القول اعتبروا الشهر شهرًا واحدًا، ولم يعتبروا اختلاف المطالع، فإذا أهلّ الهلال على أهل المشرق صام برؤيته أهل المغرب، وكذا بالعكس هذه البلاد.\nوقالوا: كيف نجعل شهر بلاد يتقدم على شهر البلاد الأخرى بيوم أو بيومين أو نحو ذلك مع أنهم كلهم مسلمون ويدينون بدين موحد.\nالقول الثاني: أن لكل أهل بلدة رؤيتهم.\nوقد ذهب إلى هذا القول بعض العلماء منهم الشيخ عبد الله بن حميد -﵀-، وألّف في ذلك رسالة أيدها كذلك بالأحاديث.\nومن الأحاديث التي استدل بها أصحاب هذا القول قصة كريب: حيث سافر إلى الشام ثم رجع إلى المدينة في آخر رمضان، فسأله ابن عباس -﵁- عما لقي حتى سأله عن الهلال.\nفقال: متى رأيتموه؟ قال: رأيناه ليلة الجمعة وصمناه.\nثم قال: وهل صام أمير المؤمنين؟ قال: نعم.\nفقال ابن عباس: لكنا لم نره إلا ليلة السبت فصمنا ولا نزال نصوم حتى نراه أو نكمله ثلاثين.\nقال كريب: أولا تكتفي برؤية أمير المؤمنين وصيامه؟\nقال: هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -.\nففي هذا الحديث: أن ابن عباس جعل لأهل الشام رؤيتهم ولأهل المدينة رؤيتهم وأن كلاَّ منهم يصوم إذا أهلّ عليه الهلال.\nالقول الثالث: أن رؤية أهل المشرق رؤية لأهل المغرب ولا عكس؛ والسبب أنه إذا رؤي في المشرق لزم أن يُرى في المغرب ولابد؛ وذلك لأنه لا يغيب عن أهل المشرق قبل أن يغيب عن أهل المغرب.\nوهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وغيره.","vol":"3","page":35},{"text":"والراجح: القول الثاني: وهو أن لكل أهل بلدة رؤيتهم إذا كان هناك مسافة بين البلدتين يمكن أن يُرى في البلدة الأخرى. وهذا ما عليه العمل.\nوبالله التوفيق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>رؤية الهلال في بلد هل تلزم البلاد الأخرى بالصيام</span>؟\nوسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله- (١):\nإذا رأى المسلمون الهلال في بلد فهل يجب على المسلمين في البلاد الأخرى الصيام؟\nفأجاب: لا نشك في اختلاف المطالع وتفاوت ما بين البلدين في رؤية الهلال، ولأجل هذا الاختلاف ترجّح عند كثير من العلماء أن لكل أهل بلد رؤيتهم إذا كان هناك تفاوت محسوس.\nودليلهم: قصة كريب مولى ابن عباس لما أهلّه رمضان وهو بالشام، فصام أهل الشام يوم الجمعة، ولم يُرَ الهلال في المدينة إلا ليلة السبت، فأخبر ابن عباس بأن معاوية وأهل الشام صاموا يوم الجمعة، فقال ابن عباس: لكنا صمنا يوم السبت فلا نزال نصومه حتى نرى الهلال أو نكمل ثلاثين، كذلك أمرنا رسول الله - ﷺ -.\nوقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية وجوب الصيام على أهل البلاد التي رأت الهلال، وعلى من كان أمامهم من البلاد، وحقّق أنه متى رؤي في بلدة فلا بد أن يرى في البلاد بعدها؛ لأنه يتأخر غروبه عن الشمس، وكلما تأخر ازداد بُعدا عن الشمس وتجليًّا وظهورًا، فإذا رؤي في البحرين مثلا وجب الصيام على البلاد التي بعدها كنجد والحجاز ومصر والمغرب، ولم يجب على ما قبلها كالهند والسند وما وراء النهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>أهل القرية يلزمهم رؤية العاصمة</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢):\nهل يصح الصوم في قرية بعيدة من العاصمة على رؤية العاصمة، أم يجب علىَّ أن أتقيد برؤية أهل قريتي؟\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام\" لابن جبرين ص (٢١) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (٦٤٨٦) .","vol":"3","page":36},{"text":"فأجابت: إذا ثبتت الرؤية في العاصمة فإن أهل القرية المذكورة يعتمدون على هذه الرؤية ويصومون مع المسلمين.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\nعضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>كيف يصوم الناس إذا اختلفت المطالع</span>؟\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nكيف يصوم الناس إذا اختلفت المطالع؟ وهل يلزم أهل البلاد البعيدة كأمريكا واستراليا أن يصوموا على رؤية أهل المملكة، لأنهم لا يتراءون الهلال؟\nفأجاب: الصَّواب اعتماد الرؤية وعدم اعتبار اختلاف المطالع في ذلك لأن النبي - ﷺ - أمر باعتماد الرؤية ولم يفصّل في ذلك..\nوذلك فيما صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: \"صُومُوا لِرُؤيته وَأفطِرُوا لِرُؤْيته، فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَأكمِلوا العِدَّة ثَلاَثين\" متفق علي صحته.\nوقوله - ﷺ -: \"لا تَصُوموا حَتَّى تَرَوا الهِلال أو تُكملوا العدة ولا تُفْطِروا حتى تَرَوا الهِلال أو تُكْمِلوا العِدَّة\". والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\nولم يشر - ﷺ - إلى اختلاف المطالع، وهو يعلم ذلك.\nوقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن لكل بلد رؤيته إذا اختلفت المطالع.\nواحتجوا بما ثبت عن ابن عباس -﵄- أنه لم يعمل برؤية أهل الشام.\nوكان في المدينة -﵁- وكان أهل الشَّام قد رأوا الهلال ليلة الجمعة وصاموا بذلك في عهد معاوية -﵁- أما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة السبت، فقال ابن عباس -﵄- لما أخبره كُريب برؤية أهل الشام وصيامهم: نحن رأيناه ليلة","vol":"3","page":37},{"text":"السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة. واحتج بقول النبي - ﷺ - \"صُومُوا لِرُؤْيَتهِ\nوَأَفْطِرُوا لِرُؤْيتهِ\" الحديث.\nوهذا قول له حَظُّه من القُوة..\nوقد رأى القول به أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.\nجمعًا بين الأدلة والله ولي التوفيق (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>الصوم مع الدولة التي تقيم فيها</span>\nوسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله به باز -حفظه الله-:\nإذا ثبت دخول شهر رمضان في إحدى الدول الإسلامية، كالمملكة العربية السعودية، وأعلن ذلك، ولكنه في الدولة التي أقيم بها لم يعلن عن دخول شهر رمضان، فما الحكم؟ هل نصوم بمجرد ثبوته في المملكة؟ أم نفطر معهم ونصوم معهم متى ما أعلنوا دخول شهر رمضان؟ وكذلك بالنسبة لدخول شهر شوال -أي يوم العيد- ما الحكم إذا اختلف الأمر في الدولتين وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء؟\nفأجاب: على المسلم أن يصوم مع الدولة التي هو فيها ويفطر معها، لقول النبي - ﷺ -: \"الصَّوم يَوْم تَصُومون، وَالفِطْر يوم تُفْطِرون، والأَضْحَى يَوْم تضَحُّون\" وبالله التوفيق (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>كل مسلم يصوم ويفطر مع مسلمي بلده</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله- (٣):\nإذا ثبت دخول رمضان في إحدى الدول الإسلامية: كالمملكة مثلًا، في بلاد أخرى لم يعلن دخوله: فما الحكم؟ هل نصوم مع المملكة؟ وما الأمر إذا اختلف الأمر في الدولتين؟\nفأجاب: كل مسلم يصوم ويفطر مع المسلمين الموجودين في بلده، وعلى المسلمين أن يهتموا برؤية الهلال في قطرهم الذي هم فيه، ولا يصوموا برؤية قطر آخر يبعد عن\n_________\n(١) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" لسماحة الشيخ ابن باز (١٦٣، ١٦٤) .\n(٢) \"مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز\" (٣/١٧٥) .\n(٣) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٢٤) .","vol":"3","page":38},{"text":"قطرهم؛ لأن المطالع تختلف، وإذا قُدِّر أن بعض المسلمين في دولة غير إسلامية، وليس حولهم من المسلمين من يهتم برؤية الهلال: فلا بأس أن يصوموا مع المملكة العربية السعودية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>هل يمكن لأهل أفريقيا أن يصوموا برؤية أهل مكة</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية الإفتاء (١):\nهل يمكن أن يصوم أهل أفريقيا برؤية أهل مكة؟\nفأجابت: قد صدر بهذه المسألة قرار من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية هذا مضمونه:\nأولًا: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسًّا وعقلًا ولم يختلف فيها أحد من العلماء، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في: اعتبار خلاف المطالع، وعدم اعتباره.\nثانيًا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد.\nوقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n- فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع.\n- ومنهم من لم ير اعتباره.\nواستدل كل فريق منهم بأدلة من الكتاب والسنة.\nوربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩] .\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (٣٦٨٦) .","vol":"3","page":39},{"text":"وبقوله - ﷺ -: \"صُومُوا لِرُؤْيتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيته\" الحديث.\nوذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقًا في الاستدلال به.\nونظرًا لاعتبارات رأتها الهيئة وقدرتها، ونظرًا إلى أن الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثار تخشى عواقبها، فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرنًا، لا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة، فإن أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه، وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة، إذ لكل منهما أدلته ومستنداته.\nثالثًا: نظر مجلس الهيئة في مسألة ثبوت الأهلة بالحساب، وما ورد في الكتاب والسنة، واطلعوا على كلام أهل العلم في ذلك، فقرروا بإجماع عدم اعتبار حساب النجوم في ثبوت الأهلة في المسائل الشرعية.\nلقوله - ﷺ -: \"صُومُوا لِرُؤْيتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيته\" الحديث.\nوقوله - ﷺ -: \"لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْه، وَلاَ تفْطِرُوا حَتَّى تَرُوه..\" الحديثَ وما في معنى ذلك من الأدلة.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١):\nما رأي الإسلام في اختلاف أعياد المسلمين الدينية عيد الفطر وعيد الأضحى علما بأن ذلك يؤدي إلى صوم يوم يحرم صيامه يوم عيد الفطر أو الإفطار في يوم يجب صومه؟ نرجو جوابًا شافيًا في هذه المسألة الخطيرة يكون حجة عند الله، وإذا كان ذلك الاختلاف محتمل حدوثه في يومين فإنه يحتمل في ثلاثة أيام وإذا كان الإسلام يرفض الاختلاف؛ فما الطريق الصحيح لتوحيد أعياد المسلمين؟\nفأجابت: اتفق العلماء على أن مطالع الأهلة مختلفة وأن ذلك مما علم بالضرورة حسًّا\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتاوى رقم (٣٨٨) .","vol":"3","page":40},{"text":"وعقلًا، ولكنهم اختلفوا في اعتبار ذلك في بدء صوم رمضان ونهايته، وعدم اعتباره على قولين:\n- فمن أئمة الفقهاء من رأى اعتبار اختلاف المطالع في بدء صوم رمضان ونهايته.\n- ومنهم من لم ير اعتباره في ذلك.\nواستدل كل فريق بأدلة من الكتاب والسنة والقياس.\nوربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩]، وبقول النبي - ﷺ -: \"صُومُوا لِرُؤْيَتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتهِ\" الحديث، وذلك لاختلاف الفهم في النصوص وسلوك كل من الفريقين طريقًا في الاستدلال بها.\nوبالجملة: فموضوع الاستفتاء في المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، ولهذا اختلف فيه الفقهاء قديما وحديثًا، ولا حرج على أهل أي بلد إذا لم يروا الهلال ليلة الثلاثين أن يأخذوا برؤيته في غير مطلعهم متى ثبت ذلك لديهم، فإذا اختلفوا فيما بينهم أخذوا بحكم الحاكم في دولتهم -إن كان الحاكم مسلما- فإن حكمه بأحد القولين يرفع الخلاف، ويلزم الأمة العمل به، وإن لم يكن مسلمًا أخذوا بحكم مجلس المركز الإسلامي في بلادهم محافظة على الوحدة في صومهم رمضان وصلاتهم العيد في بلادهم.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nوسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١):\nهناك خلاف كبير بين علماء المسلمين في تحديد بدء صوم رمضان وعيد الفطر المبارك، فمنهم من عمل بحديث \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته\"، ومن العلماء من يعتمد على آراء الفلكيين حيث يقولون: إن علماء الفلك قد وصلوا إلى القمة في علم الفلك بحيث يمكنهم معرفة بداية الشهور القمرية، وعلى ذلك يتبعون التقويم؟\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (٢٠٣٦) .","vol":"3","page":41},{"text":"فأجابت: أولًا: القول الصحيح الذي يجب العمل به هو ما دل عليه قوله - ﷺ -: (صُومُوا لِرُؤْيَتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيَتهِ فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَأكمِلوا العِدَّة) مع أن العبرة في بدء شهر رمضان وانتهائه برؤية الهلال فإن شريعة الإسلام التي بعث الله بها نبينا محمدًا - ﷺ - عامة خالدة مستمرة إلى يوم القيامة.\nثانيًا: أن الله تعالى علم ما كان وما سيكون من تقدم علم الفلك وغيره من العلوم، ومع ذلك قال (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥] وبينه رسوله - ﷺ - بقوله: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته\" الحديث. فعلق صوم شهر رمضان والإفطار منه برؤية الهلال ولم يعلقه بعلم الشهر بحساب النجوم مع علمه تعالى بأن علماء الفلك سيتقدمون في علمهم بحساب النجوم وتقدير سيرها.\nفوجب على المسلمين المصير إلى ما شرعه الله لهم على لسان رسوله - ﷺ - من التعويل في الصوم والإفطار على رؤية الهلال.\nوهو كالإجماع من أهل العلم، ومن خالف في ذلك وعول على حساب النجوم فقوله شاذ لا يعول عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>اختلاف مطالع الأهلة وأي الجهات أولى بالاتباع</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١):\nنحن الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا، يصادفنا في كل بداية لشهر رمضان مشكلة تسبب انقسام المسلمين إلى ثلاث فرق:\n١- فرقة تصوم بتحري الهلال في البلدة التي يسكنون فيها.\n٢- فرقة تصوم مع بداية الصيام في المملكة العربية السعودية.\n٣- فرقة تصوم عند وصول خبر من اتحاد الطلبة المسلمين في أمريكا وكندا الذي يتحرى الهلال في أماكن متعددة في أمريكا، وفور رؤيته في إحدى البلاد يعمم على المراكز المختلفة برؤيته فيصوم مسلموا أمريكا كلهم في يوم واحد على الرغم من المسافات الشاسعة التي بين المدن المختلفة.\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء\" فتوى رقم (١٦٥٧) .","vol":"3","page":42},{"text":"فأي الجهات أولى بالاتباع والصيام برؤيتها وخبرها؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله؟\nفأجابت: قد سبق أن نظر مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية هذه المسألة وأصدر فيها قرارًا مضمونه ما يلي:\nأولًا: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسًّا وعقلا ولم يختلف فيها أحد من العلماء وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره.\nثانيًا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال والاختلاف فيها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطيء أجر الاجتهاد.\nوقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nفمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، ومنهم من لم ير اعتباره.\nواستدل كل فريق منهم بأدلة من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد، كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩] وبقوله - ﷺ -: \"صُومُوا لِرُؤْيَتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيَتهِ\" الحديث، وذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقًا في الاستدلال به.\nونظرًا لاعتبارات رأتها الهيئة وقدرتها، ونظرًا إلى أن الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثار تخشى عواقبها فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرنًا، لا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة، فإن أعضاء مجلس كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة، إذ لكل منهما أدلته ومستنداته.\nثالثًا: نظر مجلس الهيئة في مسألة ثبوت الأهلة بالحساب وما ورد في ذلك من أدلة في الكتاب والسنة واطلعوا على كلام أهل العلم في ذلك فقرروا بإجماع: عدم اعتبار","vol":"3","page":43},{"text":"حساب النجوم في ثبوت الأهلة في المسائل الشرعية لقوله - ﷺ -: \"صُومُوا لِرُؤْيَتهِ وأَفْطِرُوا\nلِرُؤْيَتهِ\" الحديث، وما في معنى ذلك من الأدلة.\nوترى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن اتحاد الطلبة المسلمين في الدول التي حكوماتها غير إسلامية يقوم مقام حكومة إسلامية في مسألة إثبات الهلال بالنسبة لمن يعيش في تلك الدول من المسلمين.\nوبناء على ما جاء في الفقرة الثانية من قرار مجلس الهيئة يكون لهذا الاتحاد حق اختيار أحد القولين: إما اعتبار اختلاف المطالع، وإما عدم اعتبار ذلك، ثم يعمم ما رآه على المسلمين في الدولة التي هو فيها، وعليهم أن يلتزموا بما رآه وعممه عليهم؛ توحيدًا للكلمة، ولبدء الصيام وخروجًا من الخلاف والاضطراب، وعلى كل من يعيش في تلك الدول أن يتراءوا الهلال في البلاد التي يقومون فيها، فإذا رآه ثقة منهم أو أكثر صاموا بذلك، وبلغوا الاتحاد ليعمم ذلك. وهذا في دخول الشهر. أما في خروجه فلابد من شهادة عدلينْ برؤية هلال شوال أو إكمال رمضان ثلاثين يوما، لقول رسول الله - ﷺ -: \"صُومُوا لِرُؤْيَتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتهِ فَإِن غُم عَلَيكُم فَأكمِلوا العُدة ثَلاِثين يَومًا\".\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nالبلاد التي فيها النهار أطول من الليل والصيام\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١):\nتلقت رابطة العالم الإسلامي رسالة من الشيخ محمد دير منجى مبعوثها في كوبنهاجن -الدانمارك- يفيد فيها بأنه في بعض جهات الدول الاسكندنافية يكون النهار أطول من الليل بكثير على مدار السنة، حيث يكون الليل ثلاث ساعات فقط، في حين يكون النهار واحد وعشرين ساعة، وذكر أنه إذا صادف أن قدم شهر رمضان في الشتاء فإن المسلمين فيها يصومون مدة ثلاث ساعات فقط، وأما إذا كان شهر رمضان في فصل الصيف فإنهم يتركون الصوم لعدم قدرتهم عليه نظرًا لطول النهار. وطلب الشيخ دير منجى فتوى تحدد مواعيد الإفطار والسحور، والمدة\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (١٤٤٢) .","vol":"3","page":44},{"text":"التي يصام فيها شهر رمضان لإعلانها للمسلمين في هذه البلاد، ويرجو التكرم بإصدار بيان شرعي في هذا الموضوع حتى يتسنى له على ضوئه إجابة المذكور باللازم؟\nفأجابت: شريعة الإسلام كاملة وشاملة قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا) [المائدة: ٣] وقال تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ: ٢٨] .\nوقد خاطب الله المؤمنين بفرض الصيام فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ١٨٣] . وبين ابتداء الصيام وانتهائه، فقال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧]، ولم يخصص هذا الحكم ببلد ولا بنوع\nمن الناس، بل شرعه شرعًا عاما، وهؤلاء المسئول عنهم داخلون في هذا العموم، والله جل وعلا لطيف بعباده شرع لهم من طرق اليسر والسهولة ما يساعدهم على فعل ما وجب عليهم، فشرع للمسافر والمريض -مثلًا- الفطر في رمضان لدفع المشقة عنهما قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) الآية [البقرة: ١٨٥] فمن شهد رمضان من المكلفين وجب عليه أن يصوم سواء طال النهار أو قصر، فإن عجز عن إتمام صيام يوم وخاف على نفسه الموت أو المرض جاز له أن يفطر بما يَسُد رمقه ويدفع عنه الضرر، ثم يمسك بقية يومه وعليه قضاء ما أفطره في أيام أخر يتمكن فيها من الصيام.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>صيام من يطول نهارهم جدًا وكذا من يقصر نهارهم</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١):\n_________\n(١) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" لسماحة الشيخ ابن باز (١٦٤، ١٦٩) .","vol":"3","page":45},{"text":"كيف يصنع من يطول نهارهم إلى إحدى وعشرين ساعة هل يقدرون قدرًا للصيام وكذا ماذا يصنع من يكون نهارهم قصيرا جدًّا، وكذلك من يستمر عندهم النهار ستة أشهر والليل ستة أشهر؟\nفأجاب: من عندهم لَيل ونهار في ظرف أربعٍ وعشرين ساعة فإنهم يصومون نهاره سواء كان قصيرًا أو طويلًا ويكفيهم ذلك والحمد لله ولو كان النهار قصيرًا.\nأما من طال عندهم النهار أو الليل أكثر من ذلك كستة أشهر: فإنهم يقدرون للصيام وللصلاة قدرهما، كما أمر النبي - ﷺ - بذلك في يوم الدجال الذي كسنة، وهكذا يومه الذي كشهر أو كأسبوع، يقدر للصلاة قدرها في ذلك.\nوقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة في هذه المسألة وأصدر القرار رقم: ٦١ بتاريخ ١٢/٤/١٣٩٨هـ ونصه ما يلي:\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثانية عشرة المنعقدة بالرياض في الأيام الأولى من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٨هـ كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة رقم ٥٥٥ وتاريخ ١٦/١/١٣٩٨هـ المتضمن ما جاء في خطاب رئيس رابطة الجمعيات الإسلامية في مدينة (مالو) بالسويد الذي يفيد فيه بأن الدول الاسكندنافية يطول فيها النهار في الصيف ويقصر في الشتاء نظرًا لوضعها الجغرافي كما أن المناطق الشمالية منها لا تغيب عنها الشمس إطلاقًا في الصيف، وعكسه في الشتاء ويسأل المسلمون فيها عن كيفية الإفطار والإمساك في رمضان، وكذلك كيفية ضبط أوقات الصلوات في هذه البلدان. ويرجو معاليه إصدار فتوى في ذلك ليزودهم بها. ا. هـ.\nوعرض على المجلس أيضًا ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ونقول أخرى عن الفقهاء في الموضوع، وبعد الاطلاع والدراسة والمناقشة قرر المجلس ما يلي:\nأولًا: من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جدُّا في الصيف، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا.","vol":"3","page":46},{"text":"لعموم قوله -تعالى-: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء: ٧٨] وقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء: ١٠٣] .\nولما ثبت عن بريدة -﵁- عن النبي - ﷺ - أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: \"صَلّ مَعَنا هَذَيْن\" يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالًا فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشَمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها. ثم قال: \"أين السَّائِل عن وَقْت الصَّلاة؟ \" فقال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: \"وَقت صَلاَتكم بَيْن مَا رَأَيْتُم\" رواه البخاري ومسلم.\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: \"وَقت الظُّهر إذا زَالَت الشَّمْس، وَكَان ظِلُّ الرَّجُل كَطُوله مَا لَم يَحْضُر العَصْر، وَوَقت العَصْر ما لم تصفر الشَّمْس، وَوَقت صَلاة المغرِب مَا لم يَغِب الشَّفَق، وَوَقت صَلاة العِشَاء إلى نِصف الَّليل الأَوْسَط، وَوَقت صَلاة الصبح من طُلُوع الفَجْر مَا لم تَطْلُع الشَّمس، فإذا طلعت الشمس، فَأمْسك عن الصَّلاة، فإنها تَطْلُع بين قَرني شيطان\" أخرجه مسلم في \"صحيحه\".\nإلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولًا وفعلًا، ولم تفرق بين طول النهار وقصره وطول الليل وقصره ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله - ﷺ -. هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان.\nفعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل، وكان مجموع زمانهما أربعًا وعشرين ساعة. ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط وإن كان قصيرًا فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد.","vol":"3","page":47},{"text":"وقد قال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] .\nومن عجز عن إتمام يوم بطوله أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضًا شديدًا، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر، ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء.\nقال تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] .\nوقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] . وقال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَليْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) [الحج: ٧٨] .\nثانيًا: من كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفًا، ولا تطلع فيها الشمس شتاء أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلًا، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض.\nلما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين\nصلاة كل يوم وليلة فلم يزل النبي - ﷺ - يسأل ربه التخفيف حتى قال: \"يَا محمد إِنَّهن خَمْسُ صَلَوات كُلّ يَوم وَلَيلة لِكُلِّ صَلاة عَشْر فَذَلِك خَمْسُون صَلاَة..\" إلى آخره.\nولما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله -﵁- قال: \"جَاءَ رَجُل إلى رسول الله - ﷺ - من أَهْل نجد ثَائِر الرأس، نَسمَعُ دَوِي صَوته وَلاَ نَفْقَه مَا يَقُول، حتى دنا من رسول الله - ﷺ - فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله - ﷺ -: \"خَمْسُ صَلَواتٍ فِي اليَوْم والَّليلة\"، فقال: هَل عَلَيَّ غَيرَهُنَّ؟ قال: \"لاَ، إِلاَّ أن تَطَّوع..\" الحديثَ.\nولما ثبت من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: نُهِينَا أَن نَسأَلَ رَسُولَ الله - ﷺ - عن شيء فكان يُعْجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن","vol":"3","page":48},{"text":"نسمع فجاء رجل من أهل الباديةَ فقال: يا محمد أتانا رَسُولُك فَزَعَم أَنَّك تزعم أَنَّ الله أَرْسَلَك قال: \"صَدَق\" إلى أن قال: وَزَعَم رَسُولك أَنَّ عَلَينَا خَمْسُ صَلَوَاتٍ في يَوْمِنَا وَلَيلَتَنَا قال: \"صَدَق\"، قال: فَبَالَّذي أَرْسَلَك. آلله أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ: \"نَعَم..\" الحديث. وثبت أنَّ النبي - ﷺ - حدث أصحابه عن المسيح الدَّجال، فقالوا: ما لبثه في الأرض؟ قال: \"أَربَعُونَ يوما: يَوْم كَسَنَة، وَيَوم كَشَهر، وَيَوم كَجُمُعَة وَسَائِر أَيامِه كَأَيَّامِكُم\"، فقيل: يَا رَسولَ الله! اليَوم الذي كَسَنَة أَيَكْفِينا فِيه صَلاة يَوم؟ قال: \"لا، أَقْدِرُوا لَهُ قَدْرَه\".\nفلم يعتبر اليوم الذي كسنة يومًا واحدًا يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتبارا بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم، فيجب على المسلمين في البلاد المسئول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل من النهار وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة.\nوكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعهما أربعا وعشرين ساعة لما تقدم في حديث النبي - ﷺ - عن المسيح الدجال وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة.\nوالله ولي التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.\n\"هيئة كبار العلماء\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>حكم صوم من لا تطلع عندهم الشمس أيام الشتاء مطلقا</span>\n- وسئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ (١):\n_________\n(١) \"فتاوى وسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٦٠-١٦١) .","vol":"3","page":49},{"text":"عن رجل يدرس في ألمانيا الغربية ويقول أن الشمس لا تطلع عندهم أيام الشتاء مطلقًا، وأما الصيف فالنهار عندهم تسع ساعات فقط ويسأل متى يكون فطرهم ومتى يكون إمساكهم؟\nفأجاب: الحمد لله. أما الإمساك فقد قال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] .\nفما دام الليل باقيًا فلا حرج على من أكل أو شرب، والأصل بقاء الليل، فإذا تبين الفجر لزم الإمساك مع الاحتياط ببضع دقائق قبل تبين الفجر احتياطًا للعبادة.\nوأما الفطر فالأصل بقاء النهار، فلا يفطر حتى يغلب على الظن غروب الشمس ويعرف ذلك بغشيان الظلام واختفاء أنوار الشمس، فإذا غلب على ظن الإنسان ذلك باجتهاده أو بخبر ثقة جاز له الفطر. ا. هـ\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ \"ذكر الفقهاء حكم ما إذا اشتبهت الأشهر على أسير أو مطمور أو بمفازة ونحوها فإنه يتحرى ويجتهد في معرفة شهر رمضان وجوبًا كاستقبال القبلة. فإن وافق الشهر أو بعده أجزأ صيامه وإن وافق قبله لم يجزه. نص عليه الإمام أحمد، لأنه أدي العبادة قبل وقتها فلم يجزه كالصيام (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>العبرة في ابتداء الصيام في البلدة التي سافر منها وفي نهايته في البلدة التي قدم إليها</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢):\nما دامت عدة ثلاثين يومًا على الأكثر. فهل عليه أن يلتزم بإكمال صيامه الذي بدأه في السعودية حسب رؤية شهر شوال في المملكة فقط حتى بعد وصوله إلى الهند، أو يواصل الصوم مع المسلمين هناك وبذلك يصوم اليوم الحادي والثلاثين واليوم الثاني والثلاثين وإذا أفطر خلال الرحلة مدة الفرق هذه مع المسلمين في الهند بعد وصوله؟ أفتوني مما علمكم الله وجزاكم الله خيرًا وأمدكم بالصحة والعافية؟\n_________\n(١) المصدر السابق (٤/١٦١-١٦٢) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (٥٠٨٤) .","vol":"3","page":50},{"text":"فأجابت العبرة في ابتداء الصِّيام في البلد التي سافر منه، وفي نهايته في البلد التي قدم إليها. وإذا كان مجموع ما صامه ثمانية وعشرين يومًا وَجَبَ عليه قضاء يوم؛ لأن الشهر القمري لا يكون أقل من ٢٩ يومًا، وإن كان قد أتم صيام ثلاثين يومًا في البلد الذي سافر إليه وبقى على أهل هذا البلد صيام يوم مثلًا وَجَبَ عليه أن يصوم معهم حتى يفطر بفطرهم يوم العيد ويُصَلِّي معهم يوم العيد. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nوسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله (١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>ما الحكم في قوم يصومون رمضان ثلاثين يوما باستمرار</span>؟\nفأجاب: قد دلت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - ﷺ - وإجماع أصحاب الرسول - ﷺ - والتابعين لهم بإحسان من العلماء على أن الشهر يكون ثلاثين ويكون تسعا وعشرين فمن صامه دائما ثلاثين من غير نظر في الأهلة فقد خالف السنة والإجماع، وابتدع في الدين بدعة لم يأذن بها الله. قال الله سبحانه: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) الآية [الأعراف: ٣] . وقال سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) الآية [آل عمران: ٣١] .\nوقال: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر: ٧]، وقال ﷿: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) [النساء: ١٣، ١٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nوفى الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"صُومُوا لِرُؤْيَتهِ فَإِن غُم عَلَيكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ\" متفق عليه. وفي رواية لمسلم: \"فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلاَثين\" وفي لفظ آخر في الصحيحين: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُومُوا وَإذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِن غُم عَلَيكُم فَعُدوا ثَلاَثين\".\nوفى صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"صُومُوا\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن باز - كتاب الدعوة\" (٢/١٥٥-١٥٧) .","vol":"3","page":51},{"text":"لِرُؤْيَتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَته فَإِن غُم عَلَيكُم فَصُومُوا ثَلاَثين\" وفي لفظ آخر \"فَأكمِلوا العِدّة ثَلاَثين\" وفي لفظ آخر \"فَأكمِلوا شَعْبَان ثَلاَثين يومًا\" وعن حذيفة -﵁- أن النبي - ﷺ - قال: \"لاَ تَصُوموا حَتى تَرَوْا الهِلاَل أو تُكْمِلوا العِدة وَلا تفْطِروا حَتى تَرَوا الهِلاَل أو تكْمِلوا العِدة\" رواه أبو داود والنسائي، بإسناد صحيح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>متى قامت البينة على دخول رمضان وجب الصوم</span>\n- سئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله- (١):\nإذا قامت البينة على دخول شهر رمضان، ولم يعلم الناس بهذه البينة إلا بعد أن أصبحوا مفطرين؟\nفأجاب: إذا قامت البينة بدخول شهر رمضان، وجب الإمساك، والقضاء على كل من صار في أثناء ذلك اليوم مفطرًا وهو أهل للوجوب.\nوقد ثبت أن أعرابيا قدم المدينة، وأخبر أنه رأى الهلال فأمر النبي - ﷺ - أن يصوموا لرؤيته اعتمادًا على رؤية الأعرابي.\nفأهل تلك البلدة إذا أصبحوا مفطرين ثم جاءهم الخبر في النهار وتحقق أن ذلك اليوم من رمضان، فإنهم يمسكون بقية النهار؛ لحرمة الزمان، ثم يقضون بعد ذلك.\nولا يقول أحد ما دمت سأقضي فلا حاجة إلى الإمساك بل نقول له يمسك لحرمة الزمان، فإن شهر رمضان له حرمة، فيمسك بقية النهار ولو لم يبق إلا ساعة واحدة، ثم يجب القضاء على من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه.\nهذا هو الصحيح -إن شاء الله- وهو ما عليه الفتوى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>رأى هلال رمضان ورد القاضي شهادته مخافة الخطأ هل يصوم</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله- (٢):\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام\" لابن جبرين (ص ٢٢) .\n(٢) \"فتاوى الصيام، لابن جبرين (ص ٢٨-٢٩) .","vol":"3","page":52},{"text":"إذا رأى إنسان هلال شهر رمضان وتحقق من رؤيته، ولما ذهب إلى القاضي رده ولم يقبل شهادته مخافة أنه قد أخطأ، فهل يجب عليه الصيام أم أنه يفطر؟\nفأجاب: هذه مسألة خلافية بين أهل العلم:\nفمنهم من قال: إنه يصوم حتى ولو أصبح الناس مفطرين؛ لأنه قد تحقق من دخول الشهر.\nوالقول الثاني: أنه إذا رأى هلال رمضان فإنه يفطر إذا كان الناس مفطرين واستدلوا بقوله - ﷺ -: \"صَوْمُكم يوم تَصُومون وفِطْرُكم يوم تُفْطِرون\".\nوالراجح إن شاء الله: القول الثاني لاستدلالهم بالحديث المذكور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>لا يجوز للمسلم صيام يوم الثلاثين من شعبان إذا لم تثبت رؤية الهلال</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١):\nلو صام رجل يوم الثلاثين من شعبان من غير رؤية الهلال أو أفطره فهل يصح صومه أو لا مع الدليل؟\nفأجابت: لا يجوز للمسلم صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم تثبت رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، إلا أن يوافق صومه إياه صوما كان يصومه، مثل من عادته صوم يوم الاثنين أو الخميس فيوافق ذلك يوم الثلاثين فله صومه مع أيام صامها من شعبان قبله، لقول رسول الله - ﷺ -: \"لا تَقَدَّمُوا رَمَضَان بِصَوْم يوم ولا يومين إِلاَّ أن يَكُون رَجُل كَانَ يَصُوم صيامًا فَلُيَصُمه\" رواه البخاري ومسلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>نِيّة الصِّيام</span>\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢):\nعن إمام جماعة بمسجد مذهبه حنفي ذكر لجماعته أن عنده كتابًا فيه أن الصيام في شهر\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (٤٤٤٢) .\n(٢) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢١٤) .","vol":"3","page":53},{"text":"رمضان إذا لم ينو بالصيام قبل عشاء الآخرة، أو بعدها أو وقت السحور، وإلاَّ فما له في صيامه أجر: فهل هذا صحيح؟ أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله. على كل مسلم يعتقد أن الصوم واجب عليه، وهو يريد أن يصوم شهر رمضان النية، فإذا كان يعلم أن غدا من رمضان فلابد أن ينوي الصوم، فإن النية محلها القلب، وكل من علم ما يريد فلابد أن ينويه. والتكلم بالنية ليس واجبا بإجماع المسلمين، فعامة المسلمين إنما يصومون بالنية، وصومهم صحيح بلا نزاع بين العلماء والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>صائم رمضان هل يفتقر كل يوم إلى نية</span>؟\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- (١):\nما يقول سيدنا في صائم رمضان، هل يفتقر كل يوم إلى نية؟ أم لا؟\nفأجاب: كل من علم أن غدًا من رمضان، وهو يريد صومه، فقد نوى صومه، سواء تلفظ بالنية، أو لم يتلفظ. وهذا فعل عامة المسلمين، كلهم ينوي الصيام.\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله (٢):\nهل نية الصيام كافية عن نية صوم كل يوم على حدة؟\nفأجاب: من المعلوم أن كل شخص يقوم في آخر الليل ويتسحر، فإنه قد أراد الصوم ولا شك في هذا لأن كل عاقل يفعل الشيء باختياره لا يمكن أن يفعله إلا بإرادة، والإرادة هي النية فالإنسان لا يأكل في آخر الليل إلا من أجل الصوم ولو كان مجرد الأكل لم يكن من عادته أن يأكل في هذا الوقت. فهذه هي النية ولكن يحتاج إلى مثل هذا السؤال فيما لو قدر أن شخصا نام قبل غروب الشمس في رمضان وبقي نائمًا لم يوقظه أحد حتى طلع الفجر من اليوم التالي فإنه لم ينو من الليل لصوم اليوم التالي فهل نقول أن صومه اليوم التالي صوم صحيح بناء على النية السابقة؟\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمة\" (٢٥/٢١٥) .\n(٢) \"الفتاوى لابن عيثمين - كتاب الدعوة\" (١/١٤٤-١٤٥) .","vol":"3","page":54},{"text":"أو نقول: إن صومه غير صحيح لأنه لم ينوه من ليلته؟\nنقول: إن صومه صحيح فإن القول الراجح أن نية صيام رمضان في أوله كافية لا يحتاج إلى تجديد النية لكل يوم اللهم إل أن يوجد سبب يبيح الفطر فيفطر في أثناء الشهر فحينئذ لابد من نية جديدة لاستئناف الصوم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>تَبيِيتُ النِّيَّة في الصوم</span>\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (١):\nرجل نام وبعد نومه أُعلن عن ثبوت رؤية هلال رمضان، ولم يكن قد بيَّت نية الصوم، وأصبح مفطرًا لعدم علمه بثبوت الرؤية، فما هو الواجب عليه؟\nفأجاب: هذا الرجل نام أول ليلة من رمضان قبل أن يثبت الشهر ولم يبيت نية الصوم ثم استيقظ وعلم بعد أن طلع الفجر أن اليوم من رمضان فإنه إذا علم يجب عليه الإمساك، ويجب عليه القضاء، عند جمهور أهل العلم، ولم يخالف في ذلك -فيما أعلم- إلا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه قال: إن النية تتبع العلم، وهذا لم يعلم فهو معذور، فهو لم يترك تبييت النية بعد علمه ولكنه كان جاهلًا، والجاهل معذور، وعلى هذا فإذا أمسك من حين علمه فصومه صحيح ولا قضاء عليه. وأما جمهور العلماء فقالوا: إنه يجب عليه الإمساك، ويجب عليه القضاء وعللوا ذلك بأنه فاته جزء من اليوم بلا نية. والذي أرى أن الاحتياط في حقه أن يقضي هذا اليوم.\nالنية الجازمة للفطر بدون أكل أو شرب هل تفطر؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (٢):\nهل<span data-type=\"title\" id=toc-496> النية الجازمة للفطر دون أكل وشرب هل يفطر </span>بها الإنسان؟\nفأجاب: من المعلوم أن الصوم جامع بين النية والترك فينوي الإنسان بصومه التقرب\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/٤٧٣-٤٧٤) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ ابن عثيمين\" (١/٤٧٤-٤٧٥) .","vol":"3","page":55},{"text":"إلى الله ﷿ بترك المفطرات، فإذا عزم على أنه قطع صومه فعلا فإن الصوم ينقطع ولكنه إذا كان في رمضان يجب عليه الإمساك حتى تغيب الشمس لأن كل من أفطر في رمضان بغير عذر لزمه الإمساك والقضاء وأما إذا لم يعزم ولكن تردد فموضع خلاف بين العلماء فمنهم من قال: إن صومه يبطل لأن التردد ينافي العزم، ومنهم من قال: إنه لا يبطل لأن الأصل بقاء نية الصوم حتى يعزم على تركها وإزالتها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>لا يجوز لمن نوى صوم القضاء وشرع فيه أن يقطعه</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان -حفظه الله- (١):\nمن صام يوم القضاء: فهل يجوز قطعه، وكذلك صوم يوم النفل؟\nفأجاب: لا يجوز للإنسان إذا نوى صوم القضاء وشرع فيه أن يقطعه؛ لأنه إذا نواه وبدأه وجب عليه إكماله؛ لأن الفرض الموسع إذا دخل فيه الإنسان فإنه يجب عليه إكماله، ولا يجوز له قطعه، وإنما التوسعة قبل أن يدخل فيه، فإذا دخل فيه فلا يجوز قطعه.\nأما إذا صام النفل: فإنه يجوز له أن يقطعه، لأن صيام النفل لا يلزمه إتمامه ولكن الأفضل له إتمامه، وله أن يفطر، ولا حرج عليه في ذلك: فإن النبي - ﷺ - دخل بيته وهو صائم صيام نفل، ولما وجد فيه طعاما أهدي إليهم أكل منه - ﷺ - وقطع صومه، فدل على أن صوم النافلة لا يلزم إتمامه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>حكم تعليق النية في صيام النفل</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله- (٢):\nما حكم تعليق النية في صيام النفل؟\nفأجاب: تعليق النية في صيام النفل لا بأس به.\n_________\n(١) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٣٥) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ٣٧) .","vol":"3","page":56},{"text":"كأن يقول: سوف أصوم حتى أجهد فإذا رأيت جهدًا أو مشقة أفطرت.\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>هل يصح أن ينوي الصائم -صيام نفل- نية الصيام بعد الزوال</span>؟\nفأجاب: صوم النَّفل مُوَسع فيه فيصح أن ينويه من النهار، واختلف الفقهاء: هل يصح بعد الزوال أو لا؟\nمن الفقهاء كصاحب \"زاد المستقنع\" من صحَّح نيته بعد الزوال، ومنهم من قال: لا يصح إلا قبل الزوال.\nوالراجح: أنه لا يكون إلا قبل الزوال أما بعد الزوال فقد مضى أكثر النهار والصوم بنية إنما يكون بنية معظم النهار، فإذا لم يبق إلا أقله فلا يحسب صيامه. ولابد من شرط وهو أن لا يكون أكل أول النهار.\nفإذا أصبح المسلم ونيته الإفطار ولكن لم يتناول مفطِرًا، ولما كان في أثناء النهار عزم على إتمام ذلك النهار بإمساك: جاز ذلك.\nودليله: الحديث المشهور عن عائشة -﵂- قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فقال: \"هل عندكم شيء؟ \" قالت: لا. قال: \"إني إذًا صائم\". فنوى الصيام في أثناء النهار مع أنه طلب الطعام ولو وجده لأكله، فلما لم يجده عزم على إكمال نهاره صائمًا (١) .\nوسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>هل يثاب الصائم نفلًا على الوقت الذي سبق نيته: </span>مثلًا إذا نوى الصائم نفلًا الصوم بعد الزوال فهل الوقت الذي قبل الزوال يثاب عليه أم لا؟\nفأجاب: الصَّحيح أن الثواب من النية فما بعد، لأن أول النهار الذي تركه لعدم الطعام يعتبر كترك عادي، فهو يثاب من حين العزم على الصيام لأنه بعد هذا العزم لو جاءه لتركه، لكونه قد عزم مع أن المتطوع أمير نفسه يجوز له أن يفطر بعدما نوى الصيام.\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام\" لابن جبرين ص (٣٨) .","vol":"3","page":57},{"text":"قالت عائشة ﵂: \"دَخَلَ عَلَينا رَسُولُ الله - ﷺ - فَقُلْنا: يَا رَسولَ الله أُهدِي لنا حيس. فقال: قربيه. فلقد أَصْبَحْتُ صَائِمًا. فأكل\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>هل من نوى الإفطار يفطر</span>؟\nسئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ (٢):\nقولهم: ومن نوى الإفطار أفطر، هل هو وجيه؟\nفأجاب: نعم هو وجيه؛ وذلك أن الصِّيام مركب من حقيقتين: النية وترك جميع المفطرات، فإذا نوى الإفطار، فقد اختلت الحقيقة الأولى وهي أعظم مقومات العبادة، فالأعمال كلها لا تقوم إلا بها.\nومعنى قولهم: أفطر، معناه: أنه حكم له بعدم الصيام، لا بمنزلة الآكل والشارب، كما فسروا مرادهم.\nولذلك لو نوى الإفطار وهو في نفل، ثم بعد ذلك أراد أن ينوي الصيام قبل أن يحدث شيئًا من المفطرات، جاز له ذلك، ولكن أجره وصيامه المثاب عليه من وقت نيته فقط، وإن كان الذي نوى الإفطار في فرض، فإن ذلك اليوم لا يجزئه ولو أعاد النية قبل أن يفعل مفطرا؛ لأن الفرض شرطه أن النية تشمل جميعه من طلوع فجره إلى غروب شمسه، بخلاف النفل.\nوهنا فائدة يحسن التنبيه عليها، وهي أن قطع نية العبادة نوعان:\n* نوع لا يضره شيء: وذلك بعد كمال العبادة. فلو نوى قطع الصلاة بعد فراغها أو الصيام، أو الزكاة، أو الحج أو غيرها بعد الفراغ، لم يضر؛ لأنها وقعت وحلت محلها، ومثلها لو نوى قطع نية طهارة الحدث الأكبر أو الأصغر بعد فراغه من طهارته، لم تنتقض طهارته.\n* والنوع الثاني: قطع نية العبادة في حال تلبسه بها، كقطعه نية الصلاة وهو فيها،\n_________\n(١) المصدر السابق ص (٣٨-٣٩) .\n(٢) \"الفتاوى السعدية\" للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص (٢٢٨، ٢٢٩) .","vol":"3","page":58},{"text":"والصيام وهو فيه، أو الطهارة وهو فيها، فهذا لا تصح عبادته ومتى عرفت الفرق بين الأمرين، زال عنك الإشكال.\n- وسئل سماحة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله حفظه الله (١):\nمن المعلوم أن الرسول - ﷺ - حث على صيام الأيام البيض، وصيام من كل شهر ثلاث أيام:\nفكيف نجمع بينهما؟ هل نصوم ستة أيام أم ثلاثة؟ وجزاكم الله خيرا.\nفأجاب: نعم: قد حث النبي - ﷺ - على صيام ثلاثة أيام من كل شهر وحث على صيام أيام البيض، وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر.\nوسميت أيام البيض: لبياض لياليها بالقمر.\nوقد اختلف العلماء في الجمع بين الحديثين الواردين في فضل صيام هذه الأيام: فقيل: المراد أن الأفضل أن يجعل هذه الثلاثة في أيام البيض، وإن صامها في غيرها من الشهر فلا بأس.\nوقيل: إن المراد أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويصوم أيام البيض أيضًا، فيكون المجموع ستة أيام من الشهر.\nوالأول أرجح، والله أعلم؛ لأن من صام أيام البيض فقد صام ثلاثة أيام من كل شهر.\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nهل يجوز للشخص أن يشرك النية في عمل واحد أو لعمل واحد فمثلًا يكون عليه قضاء يوم من شهر رمضان وجاء عليه يوم وقفة عرفة فهل يجوز أن ينوي صيام القضاء والنافلة في هذا اليوم وتكون نيته أداء القضاء ونيته الأخرى للنافلة، أو أن يجمع الحج والعمرة في وقت الحج؟ أفتونا أفادكم الله وجزاكم الله خير الجزاء؟\nفأجابت: لا حرج أن يصوم يوم عرفة عن القضاء ويجزئه عن القضاء ولكن لا يحصل له مع ذلك فضل صوم عرفة؛ لعدم الدليل على ذلك.\nوأما دخول العمرة في الحج فقد نص عليه الرسول - ﷺ - بقوله - ﷺ -: \"دَخَلَت العُمْرة في\n_________\n(١) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٤٩، ١٥٠) .","vol":"3","page":59},{"text":"الحَجِّ إلى يَوْم القيامة\".\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١)\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\nنائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>وقت الإمساك، والأكل بعد طلوع الفجر</span>\nوسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية الإفتاء:\nقرأت في تفسير المنار للشيخ رشيد رضا \"الجزء الأول\" وذكر فيه أن الصائم يمسك قبل أذان الفجر بثلث ساعة، أي بمقدار عشرين دقيقة ويسمي ذلك إمساكًا احتياطيًّا، فما هو المقدار بين الإمساك وأذان الفجر في رمضان، وما حكم من يسمع المؤذن يقول الصلاة خير من النوم ويشرب ما دام لم ينته من الأذان فهل يصح؟\nما حكم من يسمع المؤذن يؤذن لصلاة الصبح ويشرب هل يصح صومه أم لا، والبعض من الناس يجلس على الكيرم والورق وشرب الدخان إلى وقت الأذان، وقام يشرب بدليل أنه يجوز وقد أخبرني بعض الشباب أنه يسمعني وأنا أؤذن للصبح ويقوم إلى الماء يشرب فما حكم من يفعل ذلك عمدًا؟\nفأجابت: الأصل في الإمساك للصائم وإفطاره، قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] .\nفالأكل والشرب مباح إلى طلوع الفجر وهو الخيط الأبيض الذي جعله الله غاية لإباحة الأكل والشرب فإذا تبين الفجر الثاني حرم الأكل والشرب وغيرها من المفطرات، ومن شرب وهو يسمع أذان الفجر فإن كان الأذان بعد طلوع الفجر الثاني فعليه القضاء وإن كان قبل الطلوع فلا قضاء عليه.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (٢) .\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة\" فتوى رقم: (١٣٠١٩) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (٦٤٦٨) .","vol":"3","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>الأكل والشرب بعد الأذان</span>\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (١):\nهل يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب بعد الأذان؟\nفأجاب إذا كان المؤذن لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا يجوز الأكل بعده لقول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧] .\nولقول النبي - ﷺ -: \"إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذن بِلَيلٍ فَكُلوا واشْرَبُوا حَتى يِؤذن ابن أُمّ مَكْتُوم فَإنه لا يُؤذن حَتَّى يَطْلع الفَجْر\".\nأما إذا كان المؤذن يؤذن بالتحري وليس يشاهد الفجر فإن الاحتياط ألا تأكل بعد سماع الأذان.\nولكن الجزم بأن هذا -الأكل بعد الأذان المبني على التحري- الجزم بأن صومه فاسد غير مستطاع لدي، لأن الفجر لم يتبين تبينًا يمتنع معه الأكل لكن لا شك أن الاحتياط أن يتوقف الإنسان إذا سمع أذان الفجر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>الكف عن السحور عند بدء أذان الفجر</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nهل يجب علينا الكف عن السحور عند بدء أذان الفجر، أم يجوز لنا الأكل والشرب حتى ينتهي المؤذن؟\nفأجاب إذا كان المؤذن معروفًا بأنه لا ينادي إلا على الصبح فإنه يجب الكف عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من حين يؤذن.\nأما إذا كان الأذان بالظن والتحري حسب التقاويم فإنه لا حرج في الشرب أو الأكل\n_________\n(١) \"فتاوى ابن عثيمين\" (١/٥٢٥-٥٢٦) .","vol":"3","page":61},{"text":"وقت الأذان. لما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إِن بِلالًا يُؤَذن بِلَيل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادي\nابن أم مَكْتُوم\".\nقال الراوي في آخر هذا الحديث \"وكَان ابْن أمّ مكْتوم رَجلا أَعْمَى، لا ينَادِي حَتّى يُقَال له: أَصْبَحْت أصْبَحْت\" متفق على صحته.\nوالأحوط للمؤمن والمؤمنة الحرص على إنهاء السحور قبل الفجر عملا بقول النبي - ﷺ -: \"دع ما يريبك إلا ما لا يريبك\".\nوقوله - ﷺ -: \"من اتَّقَى الشُبُهات فَقَد استَبرَأ لِدِينه وَعِرضِه\".\nأما إذا علم أن المؤذن ينادي بليل لتنبيه الناس على قرب الفجر، كفعل بلال فإنه لا حرج في الأكل والشرب حتى ينادي المؤذنون الذين يؤذنون على الصبح عملا بالحديث المذكور (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>لا يمسك عن الطعام حتى نهاية الأذان</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nيحدث ومن عدة سنوات أنهم لا يمسكون عن الطعام حتى نهاية الأذان، فما حكم عملهم هذا؟\nفأجاب: الأذان لصلاة الفجر إما أن يكون بعد طلوع الفجر أو قبله، فإن كان بعد طلوع الفجر فإنه يجب على الإنسان أن يمسك بمجرد سماع النداء؛ لأن النبي - ﷺ - يقول: \"إِنَّ بِلاَلا يُؤَذن بِلَيل فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسمَعُوا أَذَانْ ابن أُم مَكتُوم، فإنه لا يُؤَذنَ حَتَّى يَطْلُع الفَجْرُ\" فإذا كنت تعلم أن هذا المؤذن لا يؤذن إلا إذا طلع الفجر، فأمسك بمجرد أذانه، أما إذا كنت تعلم أن هذا المؤذن يؤذن بناء على ما يعرف من التوقيت أو بناء على ساعته، فإن الأمر في هذا أهون.\nوبناء على هذا، نقول لهذا السائل: إن ما مضى لا يلزمكم قضاؤه، لأنكم لم تتيقنوا\n_________\n(١) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" لسماحة الشيخ ابن باز (ص ١٧٠) .","vol":"3","page":62},{"text":"أنكم أكلتم بعد طلوع الفجر، لكن في المستقبل ينبغي للإنسان أن يحتاط لنفسه، فإذا سمع المؤذن فليمسك (١) .\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nنود أن نعرف حكم أكل وشرب من شك في طلوع الفجر؟\nفأجاب: يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب حتى يتبين له الفجر؛ لقول الله تعالى: (فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] .\nفما دام لم يتيقن أن الفجر قد طلع، فله الأكل، ولو كان شاكا حتى يتيقن، بخلاف من شك في غروب الشمس، فإنه لا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس أو يغلب على ظنه غروب الشمس (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>هل للصائم الفطر بمجرد الغروب</span>؟\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن غروب الشمس: هل يجوز للصائم أن يفطر بمجرد غروبها؟\nفأجاب: إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق.\nوإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النبي - ﷺ -: \"إِذَا أَقْبَل الليل مِن هَهُنا، وأَدْبَر النَهار مِن هَهُنَا وغَرَبت الشَّمْس فَقَد أَفْطَر الصَّائم\" (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>هل يتابع الصائم المؤذن في الأذان أم يستمر في فطره</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٣٣) .\n(٢) \"فقه العبادات\" لابن عثيمين (ص ١٩٠) .\n(٣) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢١٥، ٢١٦) .","vol":"3","page":63},{"text":"هل هناك دعاء مأثور عن النبي - ﷺ - عند وقت الإفطار وما هو وقته؟\nوهل يتابع الصائم المؤذن في الأذان أم يستمر في فطره؟\nفأجاب نقول إن وقت الإفطار موطن إجابة للدعاء لأنه في آخر العبادة ولأن الإنسان أشد ما يكون غالبًا من ضعف النفس عند إفطاره.\nوكلما كان الإنسان أضعف نفسًا وأرق قلبًا كان أقرب إلى الإنابة والإخبات إلى الله ﷿.\nوالدعاء المأثور: \"اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرت\".\nومنه أيضًا قول النبي - ﷺ -: \"ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلت العُرُوق وَثَبُتَ الأَجْرُ إنْ شاء الله\".\nوهذان الحديثان، وإن كان فيهما ضعف لكن بعض أهل العلم حسَّنهما.\nوعلى كل حال: فإذا دعوت بذلك، أو بغيره عند الإفطار فإنه موطن إجابة، وأما إجابة المؤذن وأنت تفطر: فنعم مشروعة؛ لأن قوله - ﷺ -: \"إذَا سَمِعْتُم المؤُذِّنَ فَقُولوا مِثْلَمَا يَقُول\" يشمل كل حال من الأحوال إلا ما دل الدليل على استثنائه، والذي دل على استثنائه إذا كان يصلي وسمع المؤذن، فإنه لا يجيب المؤذن، لأن في الصلاة شغلًا، كما جاء به الحديث.\nعلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- يقول: إن الإنسان يجيب المؤذن ولو كان في الصلاة لعموم الحديث، ولأن إجابة المؤذن ذكرٌ مشروع ولو أن الإنسان عطس وهو يصلي يقول: الحمد لله، ولو بشر بولد أو بنجاح ولد وهو يصلي يقول: الحمد لله نعم: يقول الحمد لله ولا بأس وإذا أصابك نزغ من الشيطان وفتح عليك باب الوساوس فتستعيذ بالله منه وأنت تصلي.\nلذا نأخذ من هذا قاعدة: وهو أن كل ذكر وُجِدَ سببه في الصلاة فإنه يقال؛ لأن هذه الحوادث يمكن أن نأخذ منها عند التتبع قاعدة.\nلكن مسألة إجابة المؤذن -وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول بها- أنا في نفسي منها شيء، لماذا؟","vol":"3","page":64},{"text":"لأن إجابة المؤذن طويلة توجب انشغال الإنسان في صلاته انشغالًا كثيرًا والصلاة لها ذكرٌ خاص لا ينبغي الشغل عنه.\nفنقول: إذا كنت تفطر وسمعت الأذان تجيب المؤذن.\nبل قد تقول: إنه يتأكد عليك أكثر لأنك تتمتع الآن بنعمة الله وجزاء هذه النعمة الشكر ومن الشكر إجابة المؤذن فتجيب المؤذن ولو كنت تأكل ولا حرج عليك في هذا.\nوإذا فرغت من إجابة المؤذن فصلِّ على النبي - ﷺ - وقل: \"اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامة والصّلاة القَائِمَة آتِ مُحَمدًا الوَسِيلَة وَالفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مقَامًا مَحْمُودًا الذي وَعَدته\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>بلاد يتأخر فيها الغروب كيف يفطر أهلها</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nنحن في بلاد لا تغرب الشمس فيها إلا الساعة التاسعة والنصف مساءًا أو العاشرة فمتى نفطر؟\nفأجاب: تفطرون إذا غربت الشمس فما دام لديكم ليل ونهار في ٢٤ ساعة فيجب عليكم الصوم ولو طال النهار (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>الإفطار بغروب الشمس</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nيطول النهار في بعض البلاد طولًا غير معتاد يصل إلى عشرين ساعة أحيانًا، هل يطالب المسلمون في تلك البلاد بصيام جميع النهار؟\nفأجاب: نعم يطالبونْ بصيام جميع النهار؛ لقول الله تعالى: (فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] .\n_________\n(١) \"فتاوى ابن عثيمين\" (١/٥٣١، ٥٣٢) .\n(٢) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٦٠-١٦١) .","vol":"3","page":65},{"text":"ولقول النبي - ﷺ -: \"إِذَا أَقْبَل الليل مِن هَهنَا وَأَدْبَر النَّهار مِن هَهنا وغَرَبَت الشَّمْس فَقَد أَفْطَر\nالصُّائم\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>راكب الطائرة متى يفطر</span>؟\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (*):\nالصائم إذا كان في الطائرة واطلع بواسطة الساعة وبالتليفون عن إفطار البلد القريب منه فهل له الإفطار؟ علمًا بأنه يرى الشمس بسبب ارتفاع الطائرة،أم لا؟ ثم كيف الحكم إذا أفطر بالبلد ثم أقلعت به الطائرة فرأى الشمس؟\nفأجابت: إذا كان الصائم في الطائرة واطلع بواسطة الساعة والتليفون عن إفطار البلد القريبة منه وهو يرى الشمس بسبب ارتفاع الطائرة فليس له أن يفطر: لأن الله تعالى قال: (ثُم أَتمُّوا الصيَامَ إِلَى الَّليلِ) [البقرة: ١٨٧] .\nوهذه الغاية لم تتحقق في حقه ما دام يرى الشمس. وأما إذا أفطر بالبلد بعد انتهاء النهار في حقه فأقلعت الطائرة ثم رأى الشمس فإنه يستمر مفطرًا لأن حكمه حكم البلد التي أقلع منها وقد انتهى النهار وهو فيها.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nالمسافر في الطائرة متى يفطر؟\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية الإفتاء (* *):\nشخصان من سكان الدمام أقلعت بهما الطائرة من مطار الظهران ضمن ركابها قبل غروب الشمس بعشر دقائق في شهر رمضان متجهة إلى جازان، وارتفعت الطائرة بنحو تسعة وعشرين ألف قدم عن سطح الأرض، وبعد مضي خمس وثلاثين دقيقة والطائرة تحلق في سماء الرياض.\nوبهذا التوقيت أهل الرياض يفطرون وركاب الطائرة لا يزالون يشاهدون الشمس وربما يمضي\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٦٠-١٦١) .\n(*) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (١٦٩٣) .\n(* *) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" فتوى رقم (٢٢٥٤) .","vol":"3","page":66},{"text":"أكثر من ربع ساعة وهم لا يزالون يشاهدونها. فهل يحل لركاب الطائرة الإفطار وأمثالهم؟ أفتونا أثابكم الله.\nفأجابت: الأصل أن لكل شخص في إمساكه في الصيام وإفطاره وأوقات صلاته حكم الأرض التي هو عليها أو الجو الذي يسير فيه.\nفمن غربت عليه الشمس في مطار الظهران مثلًا أفطر أو صلى المغرب وأقلعت به الطائرة متجهة إلى الغرب ورأى الشمس بعد باقية فلا يلزمه الإمساك، ولا إعادة صلاة المغرب؟ لأنه وقت الإفطار أو الصلاة له حكم الأرض التي هو عليها.\nوإن أقلعت به الطائرة قبل غروب الشمس بدقائق واستمر معه النهار فلا يجوز له أن يفطر ولا أن يصلي المغرب حتى تغرب شمس الجو الذي يسير فيه حتى ولو مر بسماء بلد أهلها قد أفطروا وصلوا المغرب وهو في سمائها يرى الشمس، كما ورد في السؤال من حال الشخصين اللذين مرا صائمين بسماء الرياض وقت الإفطار، وركاب الطائرة لا يزالون يشاهدون الشمس وهذا هو مقتضى الأدلة الشرعية.\nقال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخيطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثم أَتمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البقرة: ١٨٧] .\nوقال تعالى: (أقم الصلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّليلِ وَقرآنَ الْفَجرِ إِنَّ قرآنَ الفجرِ كَانَ مَشْهودًا) [الإسراء: ٧٨] .\nوقال - ﷺ -: \"إِذَا أَقْبَلَ الَّليل مِن هَا هُنا وَأَدْبَر النَّهَار مِنْ هَا هُنا، وَغَربَت الشَّمْس: فَقَد أَفْطَر الصَّائِم\".\nولكن لو نزلوا في مكان قد غربت فيه الشمس صار لهم حكم أهل ذلك المكان في الصوم مدة وجودهم فيه.\nوباللَّه التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والاٍفتاء\nعضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز","vol":"3","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>لا يلزمه الإفطار</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nمن ركب الطائرة وقد غربت الشمس فأفطر ثم رآها بعد إقلاع الطائرة فهل يمسك؟\nفأجاب: جوابنا على هذا: أنه لا يلزمهم الإمساك؟ لأنه حان وقت الإفطار وهم في الأرض فقد غربت الشمس وهم فى مكان غربت منه.\nوقد قال بالنبي - ﷺ -: \"إذا أقْبَل الَّليلُ مِنْ هَا هُنا وَأَدْبَر النَهار مِنْ هَا هُنا وَغرَبَتِ الشَمْس فَقَدْ أفْطَر الصائِم\".\nفإذا كانوا قد أفطروا فقد انتهى يومهم وإذا انتهى يومهم فإنه لا يلزمهم الإمساك إلا في اليوم الثاني.\nوعلى هذا: فلا يلزمهم الإمساك في هذه الحالة لأنهم أفطروا بمقتضى دليل شرعي فلا يلزمهم الإمساك إلا بدليل شرعي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>كيف يفطر من يؤذن المغرب في بلده وهو في الطائرة يرى الشمس لم تغرب</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله- (*):\nستقلع بنا الطائرة بإذن الله تعالى من الرياض في رمضان قبل أذان المغرب بساعة تقريبًا، وسيؤذن للمغرب ونحن في أجواء السعودية، فهل نفطر؟\nوإذا رأينا الشمس ونحن في الجو وهذا -هو الغالب- فهل نظل على صيامنا ونفطر في بلدنا، أم نفطر بمجرد الأذان في السعودية؟\nفأجاب: إذا أقلعت الطائرة من الرياض مثلا قبل غروب الشمس إلى جهة المغرب، فإنك لا تزال صائما حتى تغرب الشمس وأنت في الجو أو تنزل في بلد قد غابت فيها الشمس.\n_________\n(*) \"مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز\" (٣/١٩٥، ١٩٦) .","vol":"3","page":68},{"text":"لقول النبي - ﷺ -: \"إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر\nالصائم) . متفق على صحته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>من أسلم وسط نهار رمضان </span>وجب عليه الإمساك\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظهْ الله- (١):\nإذا أسلم رجل بعد مضي أيام من شهر رمضان، فهل يطالب بصيام الأيام السابقة؟!\nفأجاب: هذا لا يطالب بصيام الأيام السابقة لأنه كان كافرًا فيها، والكافر لا يطالب بقضاء ما فاته من الأعمال الصالحة لقول الله تعالى (قُل للَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]، ولأن الناس كانوا يسلمون في عهد الرسول - ﷺ - ولم يكن يأمرهم بقضاء ما فاتهم من صوم ولا صلاة ولا زكاة. ولكن لو أسلم في أثناء النهار فهل يلزمه الإمساك والقضاء؟ أو الإمساك دون القضاء؟ أو لا يلزمه إمساك ولا قضاء؟ في هذه المسألة خلاف يين أهل العلم.\nوالقول الراجح: أنه يلزمه الإمساك دون القضاء، فيلزمه الإمساك لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه القضاء لأنه قبل ذك ليس من أهل الوجوب. فهو كالصبي إذا بلغ في أثناء النهار، فإنه يلزمه الإمساك ولا يلزمه القضاء على القول الراجح في هذه المسألة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>إذا أفطر لعذر وزال العذر في نفس النهار هل يواصل أم يمسك</span>؟\n- وسئل فضيلة الضيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nإذا أفطر لعذر وزال العذر في نفس النهار فهل يواصل الفطر أم يمسك؟\nفأجاب: إنه لا يلزمه الإمساك لأن هذا الرجل استباح هذا اليوم بدليل من الشرع فحرمة هذا اليوم غير ثابتة في حق هذا الرجل ولكن عليه أن يعيده وإلزامنا إياه أن يمسك بدون فائدة له شرعًا ليس بصحيح.\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٥٨، ١٥٩) .","vol":"3","page":69},{"text":"ومثال ذلك: رجل رأى غريقا في الماء وقال إن شربت أمكنني إنقاذه وإن لم أشرب لم أتمكن من إنقاذه.\nفنقول: اشرب وأنقذه فإذا شرب وأنقذه فهل يأكل بقية يومه؟ نعم يأكل بقية يومه؛ لأن هذا الرجل استباح هذا اليوم بمقتضى الشرع فلا يلزمه الإمساك. ولهذا لو كان عندنا إنسان مريض هل نقول لهذا المريض لا تأكل إلا إذا جعت ولا تشرب إلا إذا عطشت؟ لا. لماذا؟ لأن هذا المريض أبيح له الفطر، فكل من أفطر في رمضان بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يلزمه الإمساك والعكس بالعكس.\nلو أن رجلًا أفطر بدون عذر وجاء يستفتينا: أنا أفطرت وفسد صومي هل يلزمني الإمساك أو لا يلزمني؟ قلنا يلزمك الإمساك لأنه لا يحل لك بأن تفطر فقد انتهكت حرمة اليوم بدون إذن من الشرع فنلزمك بالبقاء على الإمساك وعليك القضاء لأنك أفسدت صومًا واجبًا شرعت فيه.\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (١):\nينتشر عند كثير من الناس أن الإنسان إذا رأى صائما يأكل أن لا يذكره فما مدى صحة هذا الكلام، وكيف يصنع من يرى صائمًا يأكل؟\nفأجاب: إذا رأى صائمًا يأكل فليذكره؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى، كما لو رأى الإنسان شخصًا مصليّا إلى غير القبلة، أو رأى شخصا يريد أن يتوضأ بماء نجس، أو ما أشبه ذلك، فإنه يجب عليه تبيين الأمر له، والصائم وإن كان معذورا لنسيانه لكن أخوه الذي يعلم بالحال يجب عليه أن يذكره.\nولعل هذا يؤخذ أيضًا من قول الرسول - ﷺ -: \"إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني\"\nفإنه إذا كان يذكر الناسي في الصلاة فكذلك الناسي في الصوم يذكر.\n_________\n(١) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ١٩٥-١٩٦) .","vol":"3","page":70},{"text":"- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (*):\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>إذا رؤي صائم يأكل أو يشرب في نهار رمضان ناسيا فهل يذكر أم لا</span>؟\nفأجاب: من رأى صائمًا يأكل أو يشرب في نهار رمضان فإنه يجب عليه أن يذكره لقول النبي - ﷺ - حين سها في صلاته: \"فَإِذا نَسِيت فَذَكروني\" والإنسان الناسي معذور لنسيانه، لكن الإنسان الذاكر الذي يعلم أن هذا الفعل مبطل لصومه ولم يدل عليه يكون مقصرًا لأن هذا أخوه فيجب أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.\nوالحاصل: أن من رأى صائمًا يأكل أو يشرب في نهار رمضان ناسيًا فإنه يذكره، وعلى الصائم أن يمتنع من الأكل فورًا.\nولا يجوز له أن يتمادى في أكله أو شربه، بل لو كان في فمه ماء أو شيء من طعام فإنه يجب عليه أن يلفظه، ولا يجوز له ابتلاعه بعد أن ذَكَرَ أو ذُكِّر أنه صائم.\nوأنني بهذه المناسبة أود أن أبين أن المفطرات التي تفطر الصائم، لا تفطره في ثلاث\nحالات:\n١- إذا كان ناسيًا. ٢- وإذا كان جاهلًا. ٣- وإذا كان غير قاصد.\nفإذا نسي فأكل أو شرب فصومه تام لقول النبي - ﷺ -: \"من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه\".\nوإذا أكل أو شرب يظن أن الفجر لم يطلع أو يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أن الأمر خلاف ظنه فإن صومه صحيح لحديث أسماء بنت أبي بكر﵄- قالت: \"أفطرنا في عهد النبي - ﷺ - في يوم غيم ثم طلعت الشمس، ولم يأمرهم النبي - ﷺ - بالقضاء\".\nولو كان القضاء واجبًا لأمرهم به ولو أمرهم به لنقل إلينا لأنه إذا أمرهم به صار من شريعة الله وشريعة الله لابد أن تكون محفوظة بالغة إلى يوم القيامة.\nوكذلك إذا لم يقصد فعل ما يفطر فإنه لا يفطر، كما لو تمضمض فنزل الماء إلى جوفه فإنه لا يفطر بذلك لأنه غير قاصد.\n_________\n(*) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٦٤-١٦٦) .","vol":"3","page":71},{"text":"وكما لو احتلم وهو صائم فأنزل فإنه لا يفسد صومه لأنه نائم غير قاصد وقد قال الله ﷿: (وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأتم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: ٥] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>هل يؤمر الصبي المميز بالصيام</span>؟\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nهل يؤمر الصبي المميز بالصيام؟\nوهل يجزئ عنه لو بلغ في أثناء الصيام؟\nفأجاب: الصبيان والفتيات إذا بلغوا سبعًا فأكثر يؤمرون بالصيام ليعتادوه وعلى أولياء أمورهم أن يأمروهم بذلك كما يأمرونهم بالصلاة فإذا بلغوا الحلم وجب عليهم الصوم.\nوإذا بلغوا في أثناء النهار أجزأهم ذلك اليوم، فلو فرض أن الصبي أكمل الخامسة عشرة عند الزوال وهو صائم ذلك اليوم أجزأه ذلك، وكان أول النهار نفلًا وآخره فريضة إذا لم يكن بلغ قبل ذلك بإنبات الشعر الخشن حول الفرج وهو المسمى العانة، أو بإنزال المني عن شهوة.\nوهكذا الفتاة الحكم فيهما سواء، إلا أن الفتاة تزيد أمرًا رابعًا يحصل به البلوغ وهو الحيض (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>حكم صيام من يعقل زمنًا ويُجَن زمنًا آخر</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (*):\nما حكم صيام من يعقل زمنا ويجن زمنا آخر، أو يعقل زمنا ويخرف أو يهذري مرة أخرى؟\nفأجاب: الحكم يدور مع علته، ففي الأوقات التي يكون فيها صاحيًا عاقلًا، يجب عليه الصوم، وفي الأوقات التي يكون فيها مجنونًا مهذريًا لا صوم عليه، فلو فرض أنه يجن يومًا ويفيق يومًا، أو يهذري يومًا ويصحو يومًا، ففى اليوم الذي يصحو فيه يلزمه الصوم، وفي اليوم الذي لا يصحو فيه لا يلزمه الصوم (٢) .\n_________\n(١) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" لسماحه الشيخ ابن باز (ص ١٦٠، ١٦١) .\n(*) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٧٩، ١٨٠) .\n(٢) \"فقه العبادات\" لابن عثيمين (ص ١٨٧) .","vol":"3","page":72},{"text":"وسئل أيضا فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (*):\nلكن لو حدث له أثناء النهار مثلًا: كان عاقلًا ثم ذهب عقله؟\nفأجاب: فإذا جُنَّ في أثناء النهار بطل صومه؟ لأنه صار من غير أهل العبادة، وكذلك إذا هذر في أثناء اليوم فإنه لا يلزمه الإمساك ولكنه يلزمه القضاء، وكذلك الذي جن في أثناء النهار يلزمه القضاء، لأنه فى أول النهار كان من أهل الوجوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>فاقد الذاكرة والمعتوه والصبي والمجنون هل يجب عليهم الصوم</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (* *):\nفاقد الذاكرة هل يجب عليه الصيام والمعتوه والصبي والمجنون؟\nفأجاب إن الله ﷾ أوجب على المرء العبادات إذا كان أهلًا للوجوب بأن يكون ذا عقل يدرك به الأشياء، وأما من لا عقل له، فإنه لا تلزمه العبادات، وبهذا لا تلزم المجنون، ولا تلزم الصغير الذي لا يميز، وهذا من رحمة الله ﷾، ومثله المعتوه الذي أُصيب بعقله على وجه لم ييلغ حد الجنون.\nومثله أيضا: الكبير الذي بلغ فقدان الذاكرة كما قال هذا السائل، فإنه لا يجب عليه صوم ولا صلاة ولا طهارة؟ لأن فاقد الذاكرة هو بمنزلة الصبي الذي لم يميز، فتسقط عنه التكالف فلا يلزم بطهارة، ولا يلزم بصلاة، ولا يلزم أيضا بصيام.\nوأما الواجبات المالية، فإنها تجب في ماله وإن كان في هذه الحال فالزكاة مثلًا يجب على من يتولى أمره أن يخرجها من مال هذا الرجل الذي بلغ هذا الحد؛ لأن وجوب الزكاة يتعلق بالمال كما قال الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهرهُم وَتزَكيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣]، قال تعالى: (خذ من أموالهم) ولم يقل خذ منهم.\nوقال النبي - ﷺ - لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: \"أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم\".\n_________\n(*) \"فقه العبادات\" لابن عثيمين (ص ١٨٧) .\n(* *) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٩٠، ٤٩١) .","vol":"3","page":73},{"text":"فقال - ﷺ -: \"صدقة في أموالهم\" فبين أنها في المال وإن كانت تؤخذ من صاحب المال.\nوعلى كل حال: الواجبات المالية لا تسقط عن شخص هذه حاله، أما العبادات البدنية كالصلاة والطهارة والصوم: فإنها تسقط عن مثل هذا الرجل لأنه لا يعقل.\nوأما من زال عقله بإغماء من مرض، فإنه تجب عليه الصلاة، على قول أكثر أهل العلم، فإذا أُغمي على المريض لمدة يوم أو يومين فلا قضاء عليه لأنه ليس عليه عقل وليس كالنائم الذي قال فيه الرسول - ﷺ -: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها\"؛ لأن النائم معه إدراك بمعنى أنه يستطع أن يستيقظ إذا أوقظ وأما هذا المغْمي عليه فإنه لا يستطيع أن يفيق إذا أوقظ -هذا إذا كان الإغماء ليس بسبب منه-.\nأما إذا كان الإغماء بسبب منه كالذي أغمي عليه من البنج فإنه يقضي الصلاة التي مضت عليه وهو في حال الغيبوبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>كلما أراد أن يصوم أغمى عليه هل له الفطر</span>؟!\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- (١):\nعن رجل كلما أراد أن يصوم أُغمى عليه، ويَزبد ويخبط، فيبقى أيامًا لا يفيق، حتى يتهم أنه جُنُون. ولم يتحقق ذلك منه؟\nفأجاب: الحمد لله. إن الصوم يوجب له مثل هذا المرض، فإنه يفطر ويقضي، فإن كان هذا يصيبه في أي وقت صام، كان عاجزًا عن الصيام، فيطعم عن كل يوم مسكينًا، والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>صيام المرأة الكبيرة التي يشق عليها الصوم</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (٢):\nالمرأة الكبيرة إذا كان الصيام يضرها هل تصوم؟\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢١٧) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ صالح العثيمين\" (١/٤٨٨-٤٨٩) .","vol":"3","page":74},{"text":"فأجاب: إذا كان الصوم يضر بها كما ذكر السائل فإنه لا يجوز لها أن تصوم؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: (وَلاَ تَقْتُلُو أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: ٢٩] .\n(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى الْتَّهْلُكَة) [البقرة: ١٩٥] .\nفلا يجوز لها أن تصوم والصوم يضر بصحتها، وما دامت طاعنة في السن فإن الغالب أنها لن تقدر على الصوم في المستقبل.\nوحينئذٍ تطعم عن كل يوم مسكينًا، فإما أن تدفع إلى المساكين ذلك الطعام ومقداره ربع صاع من البُر أو نصف صاع من غيره والأرز مثل البُرّ؛ لأن انتفاع الناس به كانتفاعهم بالبر بل أبلغ إذ أنه لا يحتاج إلى كلفة ولا مشقة كما يحتاج إليها البر وإما أن تصنع طعاما ويدعى إليه مساكين بعدد أيام الشهر وبذلك تبرأ ذمتها والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>متى يسقط صيام رمضان عن الكبير</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله- (١):\nمتى يسقط صيام رمضان عن الكبير؟\nفأجاب: متى عجز الكبير عن الصيام سقط عنه وانتقل إلى الإطعام، وعليه يُحْمَل قوله تعالى: (وعَلَىَ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسكِين) [البقرة: ١٨٤]، فإن بلغ سنًا لا عقل ولا معرفة لديه سقط عنه على الصحيح إلى غير بدل لإلحاقه بمن رُفِعَ عنه القلم، فهو أولى بالسقوط عن الصغير.\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nيوجد عندنا امرأة كبيرة السن لا تطيق الصوم فماذا تفعل؟\nفأجاب: عليها أن تطعم مسكينًا عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد من تمر أو أرز أو غيرهما، مقداره بالوزن كيلو ونصف على سبيل التقريب كما أفتى بذلك جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - ومنهم ابن عباس -﵁ وعنهم-، فإن كانت فقيرة لا\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام\" لابن جبرين (ص ٨٠) .","vol":"3","page":75},{"text":"تستطيع الإطعام فلا شيء عليها، وهذه الكفارة يجوز دفعها لواحد أو أكثر في أول الشهر أو وسطه أو آخره وبالله التوفيق (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>صيام المريض الذي لا يرجى برؤه</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل يجب الصيام على المريض الذي لا يرجى برؤه؟\nفأجاب: المريض الذي لا يرجى برؤه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا.\nقال تعالى: (وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسكِين) [البقرة: ١٨٤] .\nيقول بعض العلماء: إن هذه الآية في الشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى بُرؤُه فيفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا.\nوقد نُقِل ذلك عن بعض الصحابة -﵃- كابن عباس وغيره من الصحابة، وفعل ذلك أنس في آخر حياته.\nفدل ذلك على أن عندهم فيه دليلًا: فإن أنسا لما كبر سنه، قبل موته بسنتين أو بثلاث صعب عليه الصوم، فكان إذا دخل رمضان جمع ثلاثين مسكينا، وأطعمهم حتى يشبعوا وأكتفى بذلك عن الصوم (٢) .\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nالدكتور الذي يأمر بالإفطار، هل يسمع أي دكتور كان أو يشترط فيه أن يكون مسلمًا؟\nفأجاب: إذا كان الطيب متخصصا في المهنة وصادقا فيها، وقال للمريض إن الصوم يضرك فإنه يفطر ولو كان الطيب غير مسلم -إذا لم يوجد غيره- وخصوصًا إذا كان المريض بحاجة إلى الفطر (٣) .\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز\" (٣/٢٣٥، ٢٣٦) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٨١، ٨٢) .\n(٣) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (١/٣٤) .","vol":"3","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>قبول خبر الطبيب المسلم العدل. وغير المسلم والمسلم غير العدل</span>\n- وسئل العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀-:\nعن رجل يذكر أنه مصاب بمرض السل، ويعالج منه مدة سنتين وألزمه الأطباء بترك الصيام شهري رمضان، وخوفوه بأنه إذا صام انتكس عليه المرض، وكذلك أعطوه تقريرًا بترك الصيام خمس سنوات. إلى آخر ما ذكر. ويستفتي عن حكم ترك الصيام هذه المدة؟\nفأجاب: الحمد لله. قال الله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمهَ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ منْ أَيام أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] . أي ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام أو يؤذيه أو كان في حال سفر فله أن يفطر، وعليه قضاء عدة ما أفطره من الأيام، ولهذا قال الله تعالى: (يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسرَ وَلاَ يرُيدُ بِكُمُ الْعُسرَ) [البقرة: ١٨٥] ونص العلماء على أنه إذا أخبر طبيب مسلم ثقة بأن الصيام مما يضر بهذا المريض أو يمكن منه العلة أو يبطئ البُرء ونحو ذلك فإن ترك الصيام في مثل هذه الحالة جائز شرعًا. فإن كان الطبيب غير مسلم أو مسلما لكنه غير عدل فلا يقبل قوله إلا عند الضرورة مثل ألا يتمكن من سؤال غيره فإذا وجدت الضرورة وحفت القرائن على صدق غير المسلم ونحوه بأن يحس المريض من نفسه بذلك أو يكون مشتهرا أن هذا المرض مما يتمكن بالصيام ويصعب برؤه، فحينئذ يجوز ترك الصيام حتى يعافيه الله ويقوى عليه بدون ضرر. أما ما مضى من الأشهر فعليك قضاؤها بعد البرء ولا كفارة في تأخيرها لأن تركك لها لاستمرار المرض معك. والسلام عليكم (١) .\n- وسئل أيضًا العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀-:\nمريض مصاب بدرن رئوي، ومعه شهادة من الطبيب المختص ينصحه بعدم الصيام خمس سنوات متتاليات، ويسأل عن الحكم في ذلك؟\nفأجاب: الحمد لله. قبول قول الطيب المسلم الثقة في هذه الأمور سائغ يجوز تأخير الصيام في المدة المذكورة عملا بقوله. وأما غير المسلم الثقة فلعله يسوغ قبول قوله في مثل\n_________\n(١) \"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٨٢، ١٨٣) .","vol":"3","page":77},{"text":"هذه المسألة مدة المعالجة وما بعدها بزمن غير طويل للضرورة وهي عدم وجود الطبيب المسلم الثقة، وبخلاف ما بعد المعالجة بزمن طويل، لا سيما مع إحساس الإنسان من نفسه بتمام البرء والنشاط والقوة على الصيام وغلبة ظنه أن الصيام لا يسبب زيادة المرض أو تأخير البرء (١) .\nوسئل أيضًا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله- (٢):\nأيهما أفضل: الصوم أم الفطر في السفر؟\nفأجاب: يجوز في السفر الصوم والفطر ولا يعيب من صام على من أفطر ولكن مع المشقة والتعب يفضل الفطر لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥]، ولأن النبي - ﷺ - وصحابته صاموا سنة ثمانٍ حتى قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، ثم أفطروا ليتقوّوا على قتال عدوهم، فإذا احتاج الصائم إلى خدمة غيره فالفطر أفضل ما دام مسافرا، وعليه يُحْمَل حديث: \"ذهب المفطرون اليوم بالأجر\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>سفر القصر، وسفر الطاعة والمعصية، والسافر في رمضان هل ينكر عليه</span>؟\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن المسافر في رمضان، ومن يصوم يُنْكر عليه، ويُنْسب إلى الجهل، ويقال له: الفطر أفضل؟\nوما هو مسافة القصر؟\nوهل إذا أنشأ السفر من يومه يفطر؟\nوهل يفطر السفار من المكارية والتجار والجمال والملاح وراكب البحر؟\nوما الفرق بين سفر الطاعة، وسفر المعصية؟\nفأجاب: الحمد لله. الفطر للمسافر جائز باتفاق المسلمين، سواء كان سفر حج، أو\n_________\n(١) \"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٨٣، ١٨٤) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ٧٧) .","vol":"3","page":78},{"text":"جهاد، أو تجارة أو نحو ذلك من الأسفار التي لا يكرهها الله ورسوله.\nوتنازعوا في سفر المعصية كالذي يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك، على قولين مشهورين، كما تنازعوا في قصر الصلاة.\nفأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة: فإنه يجوز فيه الفطر مع القضاء باتفاق الأئمة، ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة، سواء كان قادرًا على الصيام أو عاجزًا، وسواء شق عليه الصوم، أو لم يشق، بحيث لو كان مسافرًا في الظل والماء ومعه من يخدمه جاز له الفطر والقصر.\nومن قال: إن الفطر لا يجوز إلا لمن عجز عن الصيام فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك من أنكر على المفطر، فإنه يستتاب من ذلك.\nومن قال: إن المفطر عليه إثم، فإنه يستتاب من ذلك، فإن هذه الأحوال خلاف كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله - ﷺ -، وخلاف إجماع الأمة.\nوهكذا السنة للمسافر أنه يصلي الرباعية ركعتين، والقصر أفضل له من التربيع عند الأئمة الأربعة: كمذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي في أصح قوليه.\nولم تتنازع الأمة في جواز الفطر للمسافر؛ بل تنازعوا في جواز الصيام للمسافر: فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم فى السفر كالمفطر في الحضر، وأنه إذا صام لم يجزه بل عليه أن يقضي، ويروى هذا عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وغيرهما من السلف، وهو مذهب أهل الظاهر.\nوفي \"الصحيحين\" عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ليس من البر الصوم فى السفر\" لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز للمسافر أن يصوم، وأن يفطر، كما في الصحيحين عن أنس قال: كنا نسافر مع النبي - ﷺ - في رمضان فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم\".\nوقد قال الله تعالى: (مَن كَانَ مَرِيضا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّْة مْن َأيَّام أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسرَ) [البقرة: ١٨٥] .","vol":"3","page":79},{"text":"وفي المسند عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه. كما يكره أن تؤتى معصيته\".\nوفي الصحيح أن رجلا قال للنبي - ﷺ -: إني رجل أكثر الصوم أفأصوم في السفر؟\nفقال: \"إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس\".\nوفي حديث آخر \"خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون\".\nوأما مقدار السفر الذي يقصر فيه ويفطر:\n- فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه مسيرة يومين قاصدين بِسَير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخا، كما بين مكة وعسفان، ومكة وجدة.\n- وقال أبو حنيفة: \"مسيرة ثلاثة أيام\".\n- وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين.\nوهذا قول قوي، فإنه قد ثبت أن النبي - ﷺ - كان يصلي بعرفة، ومزدلفة ومنى، يقصر الصلاة، وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته، لم يأمر أحدا منهم بإتمام الصلاة.\nوإذا سافر في أثناء يوم، فهل يجوز له الفطر؟\nعلى قولين مشهورين للعلماء، هما روايتان عن أحمد.\nأظهرهما: أنه يجوز ذلك.\nكما ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه ويذكر أن ذلك سنة النبي - ﷺ -، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء فأفطر، والناس ينظرون إليه.\nوأما اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والأمة.\nوأما إذا قدم المسافر في أثناء يوم ففي وجوب الإمساك نزاع مشهور بين العلماء، لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك.","vol":"3","page":80},{"text":"ويفطر من عادته السفر، إذا كان له بلد يأوي إليه، كالتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام، وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين، ونحوهم، وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه.\nفأما من كان معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرا فهذا لا يقصر، ولا يفطر.\nوأهل البادية: كأعراب العرب، والأكراد، والترك، وغيرهم الذين يشتون في مكان، ويصيفون في مكان، إذا كانوا في حال ظعنهم من المشتى إلى المصيف، ومن المصيف إلى المشتى: فإنهم يقصرون.\nوأما إذا نزلوا بمشتاهم، ومصيفهم، لم يفطروا، ولم يقصروا. وإن كانوا يتتبعون المراعي، والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>السفر المبيح للفطر</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله- (٢):\nما السفر المبيح للفطر؟\nفأجاب: السفر المبيح للفطر وقصر الصلاة هو ٨٣ كم تقريبا، ومن العلماء من لم يحدد مشاقة للسفر بل كل ما هو في عرف الناس سفر فهو سفر، ورسول الله - ﷺ - كان إذا سافر ثلاثة فراسخ قصر الصلاة، والسفر المحرم ليس مبيحا للقصر ولا للفطر لأن سفر المعصية لا تناسبه الرخصة، وبعض أهل العلم لا يفرق بين سفر المعصية وسفر الطاعة لعموم الأدلة، والعلم عند الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>متى يبدأ المسافر بالفطر</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\n_________\n(١) \"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٠٩-٢١٣) .\n(٢) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٧٩-١٨٠) .","vol":"3","page":81},{"text":"متى يبدًا المسافر بالفطر؟ هل يفطر إذا شد رحله أو يفطر إذا فارق البلد؟\nفأجاب: روي عن أبي الدرداء -﵁- أنه أفطر عندما شد رحله قبل أن يفارق البلد، وقال: إن ذلك السنة، فقال له صحابة رسول الله - ﷺ -: كيف تفطر وأنت ترى الدور ولا تزال بين القصور؟ فقال: أترغبون عن سنة رسول الله - ﷺ -؟\nوآخرون قالوا: ما دام يمشي بين البيوت المسكونة فإنة لا يكون على سفر والله تعالى يقول: (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) [البقرة: ١٨٤] . ولا يكون على سفر حتى يفارق العامر، ومثله القصر في الصلاة يقول الفقهاء في تحديد بداية القصر: إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه.\nوأما قول أبي الدرداء: إن هذا من السنة. المراد به: الفطر في جنس السفر، فالاختيار أنه يفطر إذا فارق البلد.\nولعل عذر أبي الدرداء، مشقة النزول إذا خرج من البلد، ومشقة حط الرحل وإصلاح الأكل، ولعل ذلك كان في شدة الحر أو في آخر النهار وقد شق عليهم جمع الرحل ورفق على الدواب ونحو ذلك (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>الصيام في السفر بالوسائل المريحة</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله-:\nنحن الآن في زمن توفرت فيه وسائل النقل المريحة من طائرات وسيارات وقطارات، والصائم بحمد الله يسافر المسافات الطويلة دون أن يحس بتعب وخاصة إذا سافر بالطائرة. فما الأفضل له في هذه الحالة، الصيام أم الفطر؟ فأجاب: المسافر مخير بين الصوم والفطر وظاهر الأدلة الشرعية أن الفطر أفضل، ولا سيما إذا شق عليه الصوم؛ لقول النبي - ﷺ - \"ليس من البر الصوم في السفر\": وقوله - ﷺ - \"إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته\"، ومن صام، فلا حرج عليه إذا لم يشق عليه الصوم فإن شق عليه الصوم كره له ذلك والله ولي التوفيق (٢) .\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ٨٠) .\n(٢) \"الفتاوى لابن باز - كتاب الدعوة\" (٢/١٦٨-١٦٩) .","vol":"3","page":82},{"text":"- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nنعيش الآن في زمن توفرت فيه وسائل النقل المريحة، ويمكن للصائم أن يسافر لمسافات طويلة دون أن يحس بتعب، فما الأفضل للإنسان المسافر أن يصوم أو يفطر؟\nفأجاب: رُخَص السفر من قصر الصلاة والإفطار في رمضان رخص عامة في جميع حالات السفر ولو اختلفت وسائله، وتوفر الراحة أحيانًا بسبب ما استجد من وسائل السفر لا تغير هذا الحكم؛ لأن هذه الوسائل المريحة لا تدوم ولأن الراحة لا تحصل لكل المسافرين؛ فقد يعرض لهذه الوسائل من الخلل والعطل أو تغير الاتجاه ما يتعب المسافرين أكثر مما لو كانوا على الوسائل القديمة.\nوعلى كل حال: فمسألة الترخص للمسافر تتبع الأرفق به، فإن كان الأرفق به الإفطار؛ أفطر، وإن كان الأرفق به الصيام؛ صام، كلا الأمرين جائز بالنسبة إليه، والأفضل في كل حال الأخذ بالرخصة، لأن الله سبحانه يحب أن تؤتى رخصه (١) .\n- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nيقول إذا كنت مسافرًا في رمضان وكنت مفطرًا في سفري وعند وصولي إلى البلد الذي سأمكث فيه عدة أيام أمسكت بالصيام في بقية ذلك اليوم وفي الأيام التالية فهل لي رخصة في الإفطار في نهار هذه الأيام وأنا في بلد ليس في بلدي الأصلي أم لا؟\nفأجاب: نعم يجوز للمسافر إذا صام في سفره أن يفطر في أثناء النهار ولا حرج عليه كما أفطر النبي - ﷺ - في حال السفر (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>نوى الصيام ثم سافر في أثناء النهار هل له أن يفطر</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nإذا نوى حاضر صوم يوم، ثم سافر في أثنائه؛ فهل له أن يفطر فى ذلك اليوم؟\nفأجاب: إِذا نوى الإنسان الصيام وصام، ثم عرض له السفر أثناء النهار فإن له أن\n_________\n(١) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٤٨-١٤٩) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٨١) .","vol":"3","page":83},{"text":"يفطر، إذا خرج من البلد مسافرا السفر الذي ييلغ ثمانين كيلو مترا فأكثر.\nوإن أكمل اليوم الذي صام أوله فهو أحسن وأحوط، نظرا لأن بعض العلماء يرى وجوب إكمال اليوم الذي سافر فيه وعدم الإفطار فيه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>حكم من جامع زوجته في نهار رمضان وهو على سفر</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nقدم من أبْهَا إلى مكة ليلًا، وفي الصباح وسوس له الشيطان فجامع زوجته فما الحكم؟\nفأجاب: هذا الرجل قدم هو وزوجته للعمرة، واعتمرا في الليل وأصبحا صائمين، وفي ذلك اليوم الذي أصبحا فيه صائمين جامعها.\nنقول: ليس عليه شيء إلا قضاء ذلك اليوم فقط، فليس عليه إثم ولا كفارة، وإنما عليه قضاء ذلك اليوم فقط؛ لأن المسافر يجوز أن يقطع صومه سواء قطعه بأكل أو شرب أو جماع؛ لأن صوم المسافر ليس واجبا عليه. كما قال تعالى: (فَمَن كانَ مِنْكُم مريضا أَوْ عَلَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ منْ أَيَّام أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤] .\nولهذا أحب من الأخوة الذين يُستفتون في مكة مثلًا إذا جاء سائل يسأل: أنه وطيء زوجته وهو صائم، فما حكم ذلك؟\nينبغي أن نستفصل منه ونقول: هل أنت مسافرا أم لا؟\nإذا قال: إنه مسافر. فنقول: ليس عليك إلا القضاء، لكن لو جامع زوجته وهو في بلده في نهار رمضان وهما صائمان ترتب عليه أمور:\nأولًا: فساد الصوم.\nثانيا: وجوب الإمساك بقية اليوم.\nثالثا: قضاء ذلك اليوم.\nرابعا: الإثم.\n_________\n(١) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٤٨) .","vol":"3","page":84},{"text":"خامسًا: الكفارة، وهي عتق رقبة، فإذا لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>المقيم في بلد أكثر من أربعة أيام يصوم</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nإذا كنت مسافرًا في رمضان وكنت مفطرا في سفري، وعند وصولي إلى البلد الذي سوف أمكث فيه عدة أيام، أمسكت بالصيام في بقية ذلك اليوم وفي الأيام التالية، فهل لي رخصة بالإفطار في نهار هذه الأيام وأنا في بلد ليس بلدي الأصلي أم لا؟\nفأجاب: إذا مر المسافر ببلد غير بلده وهو مفطر، فليس عليه أن يمسك إذا كانت إقامته فيها أربعة أيام، فأقل.\nأما إن كان قد عزم على الإقامة فيها أكثر من أربعة أيام، فإنه يمسك ذلك اليوم الذي قدم فيه مفطرًا ويقضيه ويلزمه الصوم في بقية الأيام؛ لأنه بنيته المذكورة صار في حكم المقيمين لا في حكم المسافرين كما تقدم في جواب السؤال الأول.. والله ولي التوفيق (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>هل للفطر في السفر أيامًا معدودة</span>؟\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nنود أيضًا أن نعرف هل للفطر في السفر أيامًا معدودة؟\nفأجاب: لا ليس له أيام معدودة (٣) .\n- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nيعني لو كان الإنسان يريد أن يسافر مثلًا، أو يبقى في مدينة غير مدينته مثلا أكثر من خمسة أيام أو ستة أيام؟\nفأجاب: فله أن يفطر؛ لأن الرسول - ﷺ - لما فتح مكة دخلها في رمضان في العشرين منه ولم يصم بقية الشهر كما صح ذلك. أي: صح أنه لم يصم بقية الشهر\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٨٠-٤٨١) .\n(٢) \"الفتاوى لابن باز - كتاب الدعوة\" (٢/١٦٩) .\n(٣) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ١٩٩) .","vol":"3","page":85},{"text":"من حديث ابن عباس -﵄- فيما أخرجه البخاري عنه، وبقي بعد ذلك تسعة أيام أو عشرة، فبقي - ﷺ - في مكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة وأفطر في رمضان (١) .\nإذا سافر مسافة ٤٠٠ كم هل يحق له الأفطار؟\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nإذا سافر الصائم مسافة أربع مئة كيلو متر: هل يحق له الإفطار؟\nوكم هي المدة المقررة للصائم أو المسافر أن يفطر فيها؟\nفأجاب: نعم؛ من سافر سفرًا مباحًا مسافة تبلغ أربع مئة كيلو متر؛ فإنه يجوز له الإفطار؛ لأن هذا أكثر من المسافة المقدرة للإفطار؛ لأن المسافة هي ثمانون كيلو مترًا؛ فإذا سافر ثمانين كيلو مترًا فأكثر -سفرًا مباحًا-؛ فإنه يجوز له الترخيص للإفطار وقصر الصلاة.\nأما المدة التي يجوز للمسافر فيها أن يقصر الصلاة، فلا تحديد لها، فإنه يجوز للمسافر أن يقصر الصلاة طيلة سفره؛ إلا إذا نوى إقامة تزيد على أربعة أيام فإنه يأخذ أحكام المقيمين.\nأما إذا نوى إقامة دون ذلك، أو لم ينو إقامة محددة فإنه لا يزال يجوز له الإفطار وقصر الصلاة إلى أن يرجع إلى بلده، والله أعلم (٢) .\n-<span data-type=\"title\" id=toc-533> المسافة التي يجب عندها الإفطار</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nعلى مسافة كم من الكيلو مترات يجب الإفطار؟ وماذا لو صام ولم يفطر؟\nفأجابت: رخَص بعض العلماء في قصر الصلاة الرباعية والفطر في نهار رمضان في كل ما يسمى سفرًا وحدد جمهور العلماء المسافة بثمانين كيلو متر تقريبًا.\n_________\n(١) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ١٩٩) .\n(٢) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٤٨) .","vol":"3","page":86},{"text":"ومن صام في السفر الذي يشرع فيه الإفطار فصيامه صحيح للأدلة الدالة على ذلك، ولا حرج عليه إلا إذا أضر به الصوم فإنه يتأكد عليه الإفطار لقول النبي - ﷺ -: \"ليس من البر الصوم في السفر\".\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>مسافر وصل إلى أهله قبيل العصر مفطرًا هل يمسك بقية اليوم</span>؟\n- سئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nإذا كنت في سفر وأفطرت خلال سفري هذا، وفي أحد الأيام وصلت إلى أهلي قبيل العصر. هل يجب على الإمساك أم الإفطار؟\nفأجاب: يجب الإمساك على من انتهى السبب الذي أفطر لأجله.\nفإذا انتهى السفر في أثناء النهار، وجب إمساك بقية النهار؛ لأن الله تعالى قال: (أَوْ عَلى سَفَر) [البقرة: ١٨٤] فقد انتهى السفر، وكذا يقال في المريض إذا أفطر ثم شفي وبريء في وسط النهار، فعليه إمساك بقية يومه لزوال العذر مع وجوب قضاء ذلك اليوم كاملًا (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>إذا رجع المسافر إلى بلده مفطرًا هل يستمر في فطره أم يمسك</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nإذا رجع المسافر إلى بلده وهو مفطر هل يستمر في فطره، أم يجب عليه أن يمسك؟\nفأجاب: المسافر إذا وصل من سفره إلى بلده وهو مفطر فيجب أن يمسك بقية نهاره، ويقضي يومه كله، وإذا أفطر يعتبر آثما؛ حيث إِن الرخصة للمسافر. كما قال تعالى:\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٧٦٥٢) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ٧٦) .","vol":"3","page":87},{"text":"(أَوْ عَلَى سَفَر) [البقرة: ١٨٤]، وهو ليس بمسافر فيمسك حرمة لرمضان (١) .\n- وسئل أيضا فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nالمسافر إذا وصل مكة صائمًا، فهل يفطر ليتقوى على أداء العمرة؟\nفأجاب: النبي - ﷺ - دخل مكة عام الفتح في اليوم العشرين من رمضان وكان - ﷺ - مفطرَا وكان يصلي ركعتين في أهل مكة ويقول لهم: \"يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر\".\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير: أن النبي - ﷺ - كان مفطرا في ذلك العام أي أنه أفطر عشرة أيام في مكة في غزوة الفتح، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس -﵄- قال: \"لم يزل مفطرا حتى انسلخ الشهر\".\nكما أنه بلا شك كان يصلي ركعتين في هذه المدة، لأنه كان مسافرا فلا ينقطع سفر المعتمر بوصوله إلى مكة، فلا يلزمه الإمساك إذا قدم مفطرا بل قد نقول له: الأفضل -إذا كان ذلك أقوى على أداء العمرة- أن لا تصوم ما دمت إذا أديت العمرة تعبت.\nوقد يكون بعض الناس مستمرا على صيامه حتى في السفر نظرا لأن الصيام في السفر في الوقت الحاضر ليس بمشق على الأمة، فيستمر في سفره صائما ثم يقدم مكة ويكون متعبا، فيقول في نفسه: هل أستمر على صيام أو أؤجل أداء العمرة إلى ما بعد الفطر أي إلى الليل أو الأفضل أن أفطر لأجل أن أؤدي العمرة فور وصولي إلى مكة؟\nنقول له في هذه الحال: الأفضل أن تفطر حتى لو كنت صائما، فأفطر لأجل أن تؤدي العمرة فور وصولك إلى مكة، وأنت نشيط؛ لأن الأفضل فيمن قدم إلى مكة لأداء النسك أن يبادر فورا بأدئه؛ لأن النبي - ﷺ - كان إذا دخل مكة وهو في النسك بادر إلى المسجد حتى كان يُنيخَ راحلته - ﷺ - عند المسجد ويدخله حتى يؤدي النسك الذي كان متلبسا به - ﷺ - فكونك تفطر لتؤدي العمرة بنشاط في النهارأفضل من كونك تبقى صائما ثم إذا أفطرت في الليل قضيت عمرتك.\nوقد ثبت: أن النبي - ﷺ - كان صائما في سفره لغزوة الفتح فجاء إليه أناس فقالوا يا رسول الله: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينتظرون ماذا تفعل -وكان هذا بعد\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ٧٨) .","vol":"3","page":88},{"text":"العصر- فدعا النبي - ﷺ - بماء فشرب والناس ينظرون، فأفطر - ﷺ - في أثناء السفر بل أفطر في آخر اليوم.\nكل هذا من أجل أن لا يشق الإنسان على نفسه بالصيام وتكلف بعض الناس في الصوم في السفر مع المشقة لا شك أنه خلاف السنة، وإنه ينطق عليهم قول النبى - ﷺ - \"ليس من البر الصيام في السفر\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>المبتعث مسافر يفطر ولو امتد ابتعاثه سنوات</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nنحن مجموعة من المبتعثين في بلاد أخرى بعضنا له سنة والبعض الآخر سنتان أو ثلاث أو أربع فهل لنا حكم المسافر في الصيام؟\nفأجاب: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم.\nوالجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة يقولون: إنهم في حكم المقيم يلزمهم الصوم، ولا يجوز لهم قصر الصلاة، ولا أن يمسحوا على الخفين ثلاثة أيام بل يوم وليلة.\nوبعض أهل العلم يقول: إنهم في حكم المسافرين، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهو ظاهر النصوص فهي لم تُحدِّد مدة السفر.\nوذُكر أن ابن عمر -﵄- أقام في أذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة.\nوهذا الرأي واضح الرجحان ولكن من كان في نفسه حرج منه ورأى أن يأخذ بقول الجمهور وهو إتمام الصلاة ووجوب الصوم فلا حرج عليه في ذلك وهذا ما نراه ورآه شيخ الإسلام ابن تيمية.\nوقال أيضًا: الحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - ﷺ - وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بالإحسان وسلم تسليما كثيرا.\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٧٨-٤٧٩) .","vol":"3","page":89},{"text":"وبعد: فقد نشر لي في (المسلمون) يوم السبت ٢٨ شعبان ١٤٠٥ هـ جواب حول ترخص المبتعث برخص السفر من القصر والفطر ومسح الخفين ثلاثة أيام وكان الجواب مختصرًا وقد طلب مني بعض الإخوان أن أبسط القول في ذلك بعض البسط فأقول -وبالله التوفيق ومنه الهداية والصواب-:\nالمغتربون عن بلادهم لهم ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يَنْووا الإقامة المطلقة بالبلاد التي اغتربوا إليها كالعمال المقيمين للعمل والتجار المقيمين للتجارة ونحوهم ممن يقيمون إقامة مطلقة فهؤلاء في حكم المستوطنين في وجوب الصوم عليهم في رمضان وإتمام الصلاة والاقتصارعلى يوم وليلة في مسح الخفين، لأن إقامتهم التي اغتربوا إليها لا يخرجون منها إلا أن يخرجوا.\nالحالة الثانية: أن ينووا الإقامة المقيدة بغرض معين لا يدرون متى ينتهي، ومتى انتهى\nرجعوا إلى بلادهم، كالتجار الذي يقدمون لبيع السلع أو شرائها ثم يرجعون، وكالقادمين لمراجعة دوائر حكومية أو غيرها لا يدرون متى ينتهي غرضهم حتى يرجعوا إلى بلادهم فهؤلاء في حكم المسافرين فلهم الفطر وقصر الصلاة الرباعية ومسح الخفين ثلاثة أيام ولو بقوا سنوات. هذا قول جمهور العلماء بل حكاه ابن المنذر إجماعًا لكن لو ظن هؤلاء أن الغرض لا ينتهي إلا بعد المدة التي ينقطع بها حكم السفر فهل لهم الفطر والقصر؟ على قولين.\nالحالة الثالثة: أن ينووا الإقامة المقيدة بغرض معين يدرون متى ينتهي، ومتى انتهى رجعوا إلى بلادهم بمجرد انتهائه، فقد اختلف أهل العلم -﵏- في حكم هؤلاء فالمشهور عن مذهب الإمام أحمد أنهم إن نووا إقامة أكثر من أربعة أيام أتموا وإن نووا دونها قصروا، قال في \"المغني\" (صفحة ٢٨٨ المجلد الثاني) وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور قال: وروى هذا القول عن عثمان -﵁- وقال الثوري وأصحاب الرأي إن أقام خمسة عشر يومًا مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر -انتهى- وهناك أقوال أخرى ساقها النووي في \"شرح المُهَذب\" (صفحة ٢٢٠ المجلد الرابع) تبلغ عشرة أقوال وهي أقوال اجتهادية متقابلة ليس فيها نص يفصل بينها ولهذا","vol":"3","page":90},{"text":"ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، إلى أن هؤلاء في حكم المسافرين لهم الفطر وقصر الصلاة الرباعية والمسح على الخفين ثلاثة أيام. انظر \"مجموع الفتاوى - جمع ابن قاسم\" صفحة (١٣٧، ١٣٨، ١٨٤) مجلد (٢٤) و\"الاختيارات\" صفحة (٧٣) وانظر \"زاد المعاد لابن القيم\" صفحة (٢٩) مجلد (٣) أثناء كلامه على فقه غزوة تبوك.\nوقال في \"الفروع\" لابن مفلح -أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية- صفحة (٦٤) مجلد (٢) بعد أن ذكر الخلاف فيما إذا نوى مدة فوق أربعة أيام قال: \"واختار شيخنا وغيره القصر والفطر وأنه مسافر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن بها قامته لقضاء حاجة بلا نية إقامة\". انتهى.\nواختار هذا القول الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. انظر صفحة (٣٧٢، ٣٧٥) مجلد (٤) من \"الدرر السنية\"، واختاره أيضًا الشيخ محمد رشيد رضا صفحة (١١٨٠) المجلد الثالث من \"فتاوى المنار\"، وكذلك اختاره شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي صفحة (٤٧) من \"المختارات الجلية\".\nوهذا القول هو الصواب، لمن تأمل نصوص الكتاب والسنة.\nفعلى هذا: يفطرون ويقضون كأهل الحال الثانية، لكن الصوم أفضل إن لم يشق، ولا ينبغي أن يؤخروا القضاء إلى رمضان ثان؛ لأن ذلك يوجب تراكم الشهور عليهم فيثقل عليهم القضاء أو يعجزوا عنه.\nوالفرق بين هؤلاء وأهل الحال الأولى: أن هؤلاء أقاموا لغرض معينّ ينتظرون انتهاءه، ولم ينووا الإقامة المطلقة، بل لو طلب منهم أن يتموا بعد انتهاء غرضهم لأبوا ذلك، ولو انتهى غرضهم قبل المدة التي نووها ما بقوا في تلك البلاد.\nأما أهل الحال الأولى: فعلى العكس من هؤلاء، فهم عازمون على الإقامة المطلقة مستقرون في محل الإقامة لا ينتظرون شيئًا معينا ينهون إقامتهم بانتهائه، فلا يكادون يخرجون من مغتربهم هذا إلا بقهر النظام فالفرق ظاهر للمتأمل، والعلم عند الله تعالى.\nفمن تبين له رجحان هذا القول فعمل به فقد أصاب ومن لم يتبين له فأخذ بقول الجمهور فقد أصاب؛ لأن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي من اجتهد فيها فأصابَ","vol":"3","page":91},{"text":"فله أجران، ومن اجتهد فيها فأخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور.\nقال الله تعالى: (لاَ يُكَلفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] .\nوقال النبي - ﷺ -: \"إذا حَكَم الحاكِمُ فاجْتهد ثُمَّ أصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ\" أخرجه البخاري.\nنسأل الله تعالى أن يوفقنا الصواب عقيدة وقولًا وفعلًا، إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (١) .\nوسأل أيضًا -حفظه الله-:\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>هل السائقون خارج المدن بصفة مستمرة ينطبق عليهم حكم السفر</span>؟\nفأجاب: نعم ينطبق حكم السفر عليهم فلهم القصر والجمع والفطر.\nفإذا قال قائل: متى يصومون وعملهم متواصل؟\nقلنا: يصومون في أيام الشتاء لأنها قصيرة وباردة.\nأما السائقون داخل المدن فليس لهم حكم المسافر ويجب عليهم الصوم.\n- وسئل أيضًا -حفظه الله-:\nسائق شاحنة لسافات طويلة كيف يصوم ومتى؟\nفأجاب: جوابنا على هذا السؤال أن نقول:\nإن الله تعالى قد بين حكم هذه المسألة في قوله: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَة مِّنْ أَيَّام أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] .\nفأنت أيها الأخ المشتغل في هذه الشاحنة ما دمت مسافرا، لك أن تترخص بجميع رخص السفر من القصر والجمع والفطر في رمضان والمسح على الخفين ثلاثة أيام وغيرها من ما هو معروف في أحكام السفر.\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٨١-٤٨٥) .","vol":"3","page":92},{"text":"وعلى هذا فنقول يجوز لك أن تفطر في هذه الحال.\nفإن الله تعالى قد أطلق في الآية (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) [البقرة: ١٨٥] .\nولم يقيده بشيء، وما أطلقه الله ورسوله، فإنه يجب العمل بمطلقه.\nفإذا قلت: كيف أصنع وأنا دائمًا في هذه المهنة أسافر دائمًا شتاءً وصيفًا؟\nنقول لك: إذا كنت في أهلك في رمضان وجب عليك أن تصوم، وإذا كنت في غير أهلك، فأنت مسافر لا يجب عليك أن تصوم.\nثم إنه من الممكن بأن نقول لك فائدة عظيمة، وهي: أنك بدل أن تصوم في هذا الحر الشديد تصوم في أيام الشتاء القصيرة المدة الباردة، وذلك أسهل لك والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>لا يجوز الفطر في رمضان إلا لعذر</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nإذا كنت على سفر من أجل أعمال تجارية فوصلت إلى البلاد التى قصدتها في نهاية شهر شعبان فبقيت في هذا البلد حتى منتصف شوال هل يجوز لي الإفطار أم لا؟\nفأجاب: لا يجوز الفطر في رمضان إلا لعذر كمشقة السفر والمرض، مع أن المسافر يفضل له أن يصوم، وهو الأكثر من فعل النبي - ﷺ -، لكن مع المشقة له أن يفطر أخذًا برخصة الله.\nفأما المقيم في غير بلده: فإن كان على أهبة السفر فله القصر والفطر كما لو لم يستقر في البلد، بل بنى له خيمة في خارج البلد أو بقي في سيارته فهو يتضرر بالحر والشمس والريح، والتردد في قضاء حاجاته.\nأما إن استقر به النوى وسكن في فندق مكيف أو فى قصر منيف أو عمارة أو نحو ذلك وكملت عليه الحوائج والمرفهات وتمتع بما يتمتع به المقيمون من الفرش والسرر والأطعمة والمكيفات والخدمة التامة، فإنه في هذه الحالة مقيم ولا يصدق عليه السفر\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٨٩) .","vol":"3","page":93},{"text":"الذي هو قطعة من العذاب.\nفمثل هذا لا أرى له الفطر ولا القصر بل هو أسوة المقيمين. والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>حكم السفر في شهر رمضان تحايلًا على الإفطار</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nما حكم السفر في شهر رمضان من أجل الإفطار، ونود أن نعرف كيف يكون ذلك؟\nفأجاب: الصيام في الأصل واجب على الإنسان، بل هو فرض وركن من أركان الإسلام كما هو معروف.\nوالشيء الواجب في الشرع، لا يجوز للإنسان أن يفعل حيلة ليسقطه عن نفسه، - فمن سافر من أجل أن يفطر كان السفر حراما عليه، وكان الفطر كذلك حراما عليه.\nفيجب عليه أن يتوب إلى الله ﷿، وأن يرجع عن سفره ويصوم.\nفإن لم يرجع: وجب عليه أن يصوم وولو كان مسافرا.\nوخلاصة الجواب: أنه لا يجوز للإنسان أن يتحيَّل على الإفطار في رمضان بالسفر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه، كما أن التحيل على المحرم لا يجعله مباحا (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>حكم صيام الحائض النفساء</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم الصيام للمرأة الحائض والنفساء، ويد أخرتا القضاء إلى رمضان آخر، فماذا يلزمهما؟\nفأجاب: على الحائض والنفساء أن تفطر وقت الحيض والنفاس، ولا يجوز لهما الصوم ولا الصلاة في حال الحيض والنفاس، ولا يصحان منهما وعليهما قضاء الصوم دون الصلاة.\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ٧٥-٧٦) .\n(٢) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ٢٠٠، ٢٠١) .","vol":"3","page":94},{"text":"لما ثبت عن عائشة -﵂-: \"أنها سُئِلت: هَل تَقْضِي الحَائِض الصوم والصَّلاة؟ فَقَالت: كُنَّا نُؤْمَر بِقَضَاء الصَّومَ ولاَ نُؤْمَر بِقَضَاء الصَّلاة\" متفق على صحته.\nوقد أجمع العلماء -﵏- على ما ذكرته عائشة -﵂- من وجوب قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة في حق الحائض والنفساء، -رحمة من الله سبحانه لهما وتيسيرا عليهما-؛ لأن الصلاة تتكرر كل يوم خمس مرات، وفي قضائها مشقة عليهما. أما الصوم فإنما يجب في السنة مرة واحدة وهو صوم رمضان فلا مشقة في قضائه عليهما.\nومن أخرت القضاء إلى ما بعد رمضان آخر لغير عذر شرعي، فعليها التوبة إلى الله من ذلك مع القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم. وهكذا المريض والمسافر إذا أخرا القضاء إلى ما بعد رمضان آخر من غير عذر شرعي فإن عليهما القضاء والتوبة وإطعام مسكين عن كل يوم.\nأما إن استمر المرض أو السفر إلى رمضان آخر، فعليهما القضاء فقط دون الإطعام، بعد البرء من المرض، والقدوم من السفر (١) .\n- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nإذا كانت المرأة حائضًا في رمضان أو في آخر فترة نفاس وطهرت من ذلك بعد الفجر من أحد أيَّام رمضان، فهل عليها أن تكمل صيام ذلك اليوم أم لا؟ وماذا عليها أن تفعل لو اغتسلت وبدأت في الصيام ثم ظهر شيء من ذلك بعد انتهاء المدة المعتادة لكل من الحيض والنفاس، هل تقطع صيامها، أم لا يؤثر ذلك عليه؟\nفأجاب: أما بالنسبة للنقطة الأولى من السؤال: وهي ما إذا طهرت الحائض في أثناء النهار، أو النفساء طهرت في أثناء النهار، فإنها تغتسل وتصلي وتصوم بقية صومها، ثم تقضي هذا اليوم في فترة أخرى. هذا الذي يلزمها.\nوأما النقطة الثانية: وهي إذا انقطع دمها من الحيض ثم اغتسلت ثم رأت بعد ذلك\n_________\n(١) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" لابن باز (ص ١٧٢-١٧٣) .","vol":"3","page":95},{"text":"شيئًا: فإنها لا تلتفت إليه؛ لقول أم عطية -﵂-: \"كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا\": فلا تلتفت إلى ذلك.\nأما بالنسبة للنفساء: فإذا كانت انقطع دمها قبل الأربعين، ثم اغتسلت، ثم عاد إليها شيء فإنها تعتبر نفساء، وهذا الذي عاد يعتبر من النفاس، لا يصح معه صوم ولا صلاة ما دام موجودًا؛ لأنه عاد في فترة النفاس.\nأما إذا كانت تكاملت الأربعين، واغتسلت، ثم عاد إليها شيء بعد الأربعين: فإنها لا تلتفت إليه إلا إذا صادف أيام عادتها قبل النفاس: فإنه يكون حيضًا.\nالحاصل: أن هذا لابد فيه من تفصيل:\n- إذا أكملت عادة الحائض، واغتسلت، ثم رأت شيئًا بعد ذلك: لا تلتفت إليه.\n- وإذا كانت عادتها لم تكمل، ورأت طهرًا في أثناء العادة، واغتسلت ثم عاد إليها الدم فإنها تعتبره حيضًا؛ لأنه جاءها في أثناء العادة.\n- وكذلك النفساء إذا كان عاد إليها في فترة الأربعين: فإنه يعتبر نفاسًا وإن كان عاد إليها بعد تمام الأربعين: فإنها لا تعتبره شيئًا، إلا إذا صادف أيام حيضها قبل النفاس وقبل الحمل (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>جاءها الحيض في سن الحادية عشرة هل يلزمها الصوم</span>؟\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nفتاة أتاها الحيض في السنة الحادية عشر من عمرها فهل يلزمها الصيام مع ملاحظه أنها لا تتمتع بصحة جيدة وفى حالة عدم قدرتها على الصيام ما الذي يترتب عليها؟\nفأجابت: إذا كان الواقع كما ذكرت لزمها الصيام؛ لأن الحيض من علامات بلوغ النساء إذا جاءها وهي في التاسعة من عمرها فأكثر.\nفإذا استطاعت الصيام وجب عليها أداؤه في وقته، وإذا عجزت أو نالها منه مشقة\n_________\n(١) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٣١-١٣٢) .","vol":"3","page":96},{"text":"شديدة أفطرت ووجب عليها قضاء ما أفطرته من الأيام عند القدرة على ذلك (١) .\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما الحكم إذا طهرت الحائض في أثناء نهار رمضان؟\nفأجاب: عليها الإمساك في أصح قولي العلماء لزوال العذر الشرعي وعليها قضاء ذلك اليوم كما لو ثبت رؤية رمضان نهارًا، فإن المسلمين يمسكون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم عند جمهور أهل العلم.\nومثلها المسافر: إذا قدم في اثناء النهار في رمضان إلى بلده، فإن عليه الإمساك في أصح قولي العلماء: لزوال حكم السفر مع قضاء ذلك اليوم. والله ولي التوفيق (٢) .\n- وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل يجوز لي أن آكل حبوب منع العادة الشهرية في أواخر شهر رمضان المبارك لكي أكمل بقية الصيام؟\nفأجاب: يجوز أكل دواء لمنع الحيض إذا كان القصد هو العمل الصالح، فإذا قصدت فعل الصيام في زمنه والصلاة مع الجماعة كقيام رمضان والاستكثار من قراءة القرآن وقت الفضيلة فلا بأس بأكل الحبوب لهذا القصد، فإن كان القصد مجرد الصيام حتى لا يبقى دينًا فلا أراه حسنًا، وإن كان مجزئًا للصوم بكل حال (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>النفساء والصوم</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nأنا فتاة متزوجة ورزقني الله بولدين توأمين. انتهيت من الأربعين في اليوم السابع من رمضان ولكن الدم لا يزال مستمرا ولكن تغير لونه على ما قبل الأربعين فما حكم صلاتي وصيامي؟\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٣٣٢٥) .\n(٢) \"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/٢١٣) .\n(٣) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١٣٠/١٣١) .","vol":"3","page":97},{"text":"فأجاب: المرأة النفساء إذا بقي الدم معها فوق الأربعين وهو لم يتغير فإن صادف ما زاد عن الأربعين عادة حيضتها السابقة جلست وإن لم يصادف عادة حيضتها السابقة فقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال تغتسل وتصلي وتصوم ولو كان الدم يجري عليها؛ لأنها تكون حينئذٍ كالمستحاضة ومنهم من قال: إنها تبقى حتى تتم ستين يومًا؛ لأنه وجد من النساء من يبقى في النفاس ستين يوما، ويقال: إن بعض النساء كانت عادتها في النفاس ستين يومًا وبناءً على ذلك، فإنها تنتظر حتى تتم ستين يومًا ثم بعد ذلك ترجع للحيضة المعتادة (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>الدم الخارج بعد السقط هل يفطر</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nالدم الذي يخرج من الحامل إذا أسقطت الجنين هل يفطر؟\nفأجاب: إن الحامل لا تحيض -كما قال الأمام أحمد- إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض، والحيض كما قال أهل العلم: خلقه الله ﵎ لحكمة غذاء الجنين في بطن أمه، فإذ نشأ الحمل انقطع الحيض.\nلكن بعض النساء قد يستمر الحيض على عادته كما كان قبل الحمل فإذا كان ذلك فإن الحامل لا تصوم ولا تصلي لأن هذا حيض.\nوأما الدم الذي يخرج من الحامل إذا أسقطت الجنين:\n- فإن كان الجنين قد تبين فيه خلق إنسان، فالدم نفاس، فلا تصوم ولا تصلي وإذا اسقطت أثناء الصوم بطل صومها.\n- وإن كان الجنين أُسْقِط علقة أو مضغة لم يتبين أنها ابتداء خلق إنسان فالدم ليس نفاسًا، فتصوم وتصلي ولا حرج (٢) .\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٩٩) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٩٨-٤٩٩) .","vol":"3","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>حكم صيام من أجهضت</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nحدث في يوم من الأيام في رمضان هذا - أن سقط الجنين إثر إجهاض حصل لها وذلك نهارًا، وأتمت صيام هذا اليوم الذي حدث فيه سقوط الجنين، فما حكم صيامها هذا اليوم؟ وبعد الإفطار ذهبت للمستشفى وتم إجراء عملية تنظيف لأرحامها ولم تصم ذلك اليوم، فما حكم ذلك؟ والآن بعد خروجها من المستشفى هل تنتظر لحين طهرها أو تصوم؟ وإذا كانت تنتظر فما المدة المحددة لذلك؟ وهل تقضي فقط أو مع الإطعام؟\nفأجابت: إذا كان الجنين الذي وضعته فيه خلق إنسان كاليد والرجل ونحوهما: فإنها تجلس مدة النفاس حتى تطهر أو تكمل أربعين يوما ثم تغتسل وتصلي وتقضي اليوم الذي وضعت فيه وما بعده من ايام الصيام الواجبة عليها، ولا إطعام عليها إن قضت الصيام قبل دخول رمضان الآخر، فإن طهرت قبل تمام الأربعين: اغتسلت وصلت وصامت؛ لزوال المانع من ذلك.\nفإن لم يكن شيء من خلق الإنسان: فإن صومها صحيح، ويعتبر الدم دم فساد، تصلي وتصوم معه، وتتوضأ لكل صلاة حتى تأتيها العادة المعروفة (١) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>حكم صيام من أسقطت في الشهر الثالث</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nأسقطت امرأة في الشهر الثالث من حملها أول رمضان، وأفطرت خمسة أيام بعد الإسقاط لوجود الدم من أثر الإسقاط الظاهر استمر معها الدم في نفس الفرج وهو غير خارج منه، وقد استمرت على الصوم والصلاة خلال خمسة وعشرين يومًا فهل يصح الصوم والصلاة وهي على هذه الحالة مع العلم أنها تتوضأ وضوءًا كاملًا لكل صلاة ولاتزال على هذه الحالة حتى الان حيث تجد الدم والبلل منه في الفرج وتذكر أنها كانت تستعمل حبوب منع الحمل والحيض قبل أن تحمل؟\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (١٠٦٥٣) .","vol":"3","page":99},{"text":"فأجابت: إذا كان الواقع كما ذكرت من إسقاطها الحمل في الشهر الثالث من حملها فلا يعتبر دم نفاس؛ لأن ما نزل منها من الحمل إنما هو علقة لا يتبين فيها خلق آدمي، وعلى ذلك يصح صومها وتصح صلاتها وهي ترى الدم في الفرج ما دامت تتوضأ لكل صلاة كما ذكر في السؤال وعليها أن تقضي ما فاتها من الصوم والصلاة في الأيام الخمسة التي أفطرتها ولم تُصَلَّ فيها، مع العلم بأن هذا الدم يعتبر دم استحاضة.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\nوسئل سماحة الشيخ عبد العزنر بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nإذا طهرت النفساء خلال أسبوع ثم صامت مع المسلمين في رمضان أياما معدودة ثم عاد إليها الدم، هل تفطر في هذه الحالة وهل يلزمها قضاء الأيام التي صامتها والتي أفطرتها؟\nفأجاب: إذا طهرت النفساء في الأربعين، فصامت أياما ثم عاد إليها الدم في الأربعين، فإن صومها صحيح، وعليها أن تدع الصلاة والصيام في الأيام التي عاد فيها الدم -لأنه نفاس- حتى تطهر أو تكمل الأربعين، ومتى أكملت الأربعين وجب عليها الغسل وإن لم تر الطهر؛ لأن الأربعين، هي نهاية النفاس في أصح قولي العلماء، وعليها بعد ذلك أن تتوضأ لوقت كل صلاة حتى ينقطع عنها الدم، كما أمر النبي - ﷺ - بذلك المستحاضة، ولزوجها أن يستمتع بها بعد الأربعين وإن لم تر الطهر؛ لأن الدم -والحال ما ذكر- دم فساد لا يمنع الصلاة ولا الصوم، ولا يمنع الزوج من استمتاعه بزوجته، لكن إن وافق الدم بعد الأربعين عادتها في الحيض، فإنها تدع الصلاة والصوم وتعتبره حيضا.\nوالله ولي التوفيق (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>متى طهرت النفساء فإنها تصوم وتصلي</span>\n- وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nإذا وضعت قبل رمضان بأسبوع مثلًا وطهرتُ قبل أن أكمل الأربعين هل يجب عليّ الصيام؟\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (١٧٩٥) .\n(٢) \"مجموع فتاوي الشيخ ابن باز\" (٣/١٢٣) .","vol":"3","page":100},{"text":"فأجاب: نعم، متى طهرت النفساء وظهر منها ما تعرفه علامة على الطهر وهي القصة البيضاء أو النقاء الكامل، فإنها تصوم وتصلي ولو بعد الولادة بيوم أو اسبوع، فإنه لا حد لأقل النفاس، فمن النساء من لا ترى الدم بعد الولادة أصلًا، وليس بلوغ الأربعين شرطًا، وإذا زاد الدم على الأربعين ولم يتغير فإنه يعتبر دم نفاس تترك لأجله الصوم والصلاة. والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>صيام الحامل والمرضع</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nهل يباح الفطر للمرأة الحامل والمرضع وهل يجب عليهما القضاء أم هناك كفارة عن فطرهما؟\nفأجاب: الحامل والمرضع حكمها حكم المريض، إذا شق عليهما الصوم شرع لهما الفطر، وعليهما القضاء عند القدرة على ذلك، كالمريض، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكفيهما الإطعام، عن كل يوم: إطعام مسكين، وهو قول ضعيف مرجوح، والصواب أن عليهما القضاء كالمسافر والمريض، لقول الله ﷿: (فَمَن كَانَ مِنكُم مًرِيضا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدةٌ منْ أَيَّام أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]، وقد دل على ذلك أيضًا حديث أنس ابن مالك الكعبي: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إِنَ الله وَضَعَ عن المُسافر الصَّوم وَشَطر الصلاة، وعن الحبلى والمُرضِع الصَّوم\" رواه الخمسة (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>حكم الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما</span>\n- وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nمن المشهور فى مذهب الحنابلة أن الجاهل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا ولا تقضيان. ما قول فضيلتكم في ذلك؟\nفأجاب: أما كونها تفطر وتكفِّر فهذا هو المشهور، وأما كونها لا تقضي فهذا ليس\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١٣٠) .\n(٢) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" لابن باز (ص ١٧١) .","vol":"3","page":101},{"text":"بصحيح؛ بل الصحيح أنها تقضي وتطعم. وهذا مروي عن ابن عباس وعليه فسر الآية وهي قول الله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسكِين) [البقرة: ١٨٤] .\nفروي عن ابن عباس وغيره من السلف: أن هذه الآية باقية لم تُنْسَخ وأنها إما في حقِّ الكبير الذي يشق عليه الصيام مع كونه يطيقه فَيُطْعم ولا صيام عليه، وكذا المريض الذي لا يرجى برؤه، وإما في حق المرأة الحامل أو المرضع التي تخاف على ولدها؟ جنينها في بطنها أو رضيعها، تخاف عليه ألا يجد لبنًا أو لا يجد قوتًا وغذاء فتفطر لأجل غيرها، ففي هذه الحال إذا افطرت فإنها تكفر لكونها أفطرت من غير مرض ولكونها تطيق الصيام، بعد زوال العذر تصومه أي تقضي وتطعم.\nهذا هو المشهور، والرواية التي فيها أنها لا تطعم رواية ضعيفة؟ لأنها لا تقضي، أما الرواية التي فيها أن تطعم وتقتصر على الإطعام، فهي رواية ضعيفة، سواء كانت عن ابن عباس أو كانت عن الإمام أحمد فلا تثبت بل الثابت والمشهور أنه لابد من القضاء مع الإطعام (١) .\nحكم الحامل إذا خافت على نفسها أو خافت على ولدها\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nالحامل إذا خافت على نفسها أو خافت على ولدها فهل لكل حال حكم في الصيام؟\nفأجاب بقول: المرأة الحامل لا تخلو من حالين:\nإحداهما: أن تكون قوية نشيطة لا يلحقها في الصوم مشقة ولا تأثير على جنينها، فهذه المرأة يجب عليها أن تصوم؟ لأنه لا عذر لها في ترك الصيام.\nوالحالة الثانية: أن تكون المرأة غير مُتَحَمِّلة للصيام لثقل الحمل عليها أو لضعفها في جسمها أو لغير ذلك. وفي هذا الحال تفطر لا سيما إذا كان الضرر على جنينها، فإنه يجب عليها الفطر حينئذٍ.\nوإذا افطرت فإنها كغيرها ممن يفطر بعذر، يجب عليها قضاء الصوم متى زال ذلك العذر عنها، فإذا وضعت وجب عليها قضاء الصوم بعد أن تطهر من النفاس.\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (١٣١/١٣٢) .","vol":"3","page":102},{"text":"ولكن أحيانا يزول عذر الحمل ويخلفه عذر آخر وهو عذر الرضاع فإن المرضع قد تحتاج الأكل والشرب لا سيما في أيام الصيف الطويلة النهار الشديد الحر، فإنها قد تحتاج إلى أن تفطر لتتمكن من تغذية ولدها بلبنها وفي هذه الحالة نقول لها: أفطري وإذا زال عنك العذر فإنك تقضين ما فاتك من الصوم.\nوقد ذكر بعض أهل العلم أنه إذا كان إفطار الحامل والمرضع من أجل الخوف على الولد فقط دون الأم، فإنه يجب عليها مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم يدفعه من عليه نفقة هذا الطفل.\nوفي معنى ذلك -أي في معنى الحامل والمرضع التي تفطر خوفا على الولد- من أفطر لإنقاذ غريق أو حريق ممن يجب إنقاذه فإنه يفطر ويقضي.\nمثلًا: رأيت النار تلتهم هذا البيت وفيه أناس مسلمون ولا يمكنك أن تقوم بالواجب -واجب الإنقاذ- إلا إذا أفطرت وشربت لتتقوى على إنقاذ هؤلاء فإنه يجوز لك بل يجب عليك في بهذا الحال أن تفطر لإنقاذهم.\nومثله: هؤلاء الذين يشتغلون بالإطفاء: فإنهم إذا حصل حريق بالنهار وذهبوا لإنقاذه ولم يتمكنوا منه إلا أن يفطروا ويتناولوا ما تقوى به أبدانهم فإنهم يفطرون ويتناولون ما تقوى به أبدانهم؛ لأن هذا شبيه تماما بالحامل التي تخاف على جنينها أو المرضع التي تخاف على طفلها.\nوالله ﵎ حكيم لا يفرق بين شيئين متماثلين في المعنى بل يكون حكمهما واحدا، وهذا من كمال الشريعة الإسلامية، وهو عدم التفريق بين المتماثلين وعدم الجمع بين المختلفين والله عليم حكيم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>صيامك وأنت حامل ومعك نزيف لا يؤثر على الصيام</span>\n- وسئلت أيضًا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nفي شهر رمضان الكريم كنت حاملًا وصار معي نزيف في ٢٠ رمضان وأنا لا أكلت ولا\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٨٧-٤٨٨) .","vol":"3","page":103},{"text":"شربت صائمة، وأفطرت أربعة أيام وأنا في المستشفى وبعد رمضان صمت الذي أفطرت، هل أصوم ثانية والطفل لا زال في بطني أفيدوني أفادكم الله.\nفأجابت: صيامك وأنت حامل ومعك نزيف لا يؤثر على الصيام كالاستحاضة، والصيام صحيح، والأيام الأربعة التي أفطرتها في المستشفى ثم قضيتها بعد رمضان يكفيك ذلك ولا يلزمك صيامها مرة ثانية.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>حكم المرأة الحامل التي لا تطيق الصوم</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nامرأة حامل لا تطيق الصوم فماذا تفعل؟\nفأجاب: حكم الحامل التي يشق عليها الصوم حكم المريض، وهكذا المرضع إذا شق عليهما الصوم تفطران وتقضيان، لقول الله سبحانه (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَير فَعِدَة منْ أَيَّام أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] .\nوذكر بعض أصحاب النبي - ﷺ - إلى أن عليهما الإطعام فقط.\nوالصواب الأول، وأن حكمهما حكم المريض؛ لأن الأصل وجوب القضاء ولا دليل يعارضه. ومما يدل على ذلك: ما رواه أنس بن مالك الكعبي -﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله وَضَعَ عن المسُافر الصَّوم وشَطر الصلاة وعن الحُبلَى والمُرضِع الصَّوم\" رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد حسن، فدل على أنهما كالمسافر في حكم الصوم تفطران وتقضيان.\nأما القصر فهو حكم يختص بالمسافر لا يشاركه فيه أحد، وهو صلاة الرباعية ركعتين وبالله التوفيق (٢) .\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (١٣١٦٨) .\n(٢) \"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/٢٠٧-٣٠٨) .","vol":"3","page":104},{"text":"الحكم إذا رأت الحامل الدم في رمضان وصامت\nوسئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀-:\nإذا رأت الحامل الدم في رمضان، وصامت، فما الحكم؟\nفأجاب: هذا مبني على أن الدَّم الذي يأتي المرأة الحامل، دم فساد، كما هو المشهور في المذهب، فعليه: لا تفطر بل يجب عليها الصيام والصلاة، أو هو حيض كما هو في الرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهي الصحيحة فيكون حيضًا، تترك له الصلاة والصيام، فإن صامت قضت، وهذا هو المختار، والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>لم تصم ثلاث رمضانات بسبب الولادة والحمل</span>\n- وسئلت أيضا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nمنذ ثلاث سنوات وزوجتي تلد في بداية شهر رمضان المبارك ولم تصم ثلاثة شهور من رمضان، أفيدونا ما هي الكفارة؟\nفأجابت: يجب عليها أن تبادر إلى قضاء ما عليها من صيام رمضان للسنوات الثلاث الماضية، كما يجب عليها أن تطعم عن كل يوم مسكينا مقدار نصف صاع من بُرًّ أو أرز ونحوهما من قوت البلد: وذلك لتأخيرها القضاء حتى دخل رمضان آخر إذا كانت أخرت القضاء وهى قادرة عليه.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>حكم من رؤي مفطرًا في مكة في رمضان</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\n_________\n(١) \"الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي\" (ص ٢٢٨) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (١٠٧٢٧) .","vol":"3","page":105},{"text":"عمن رؤي مفطرًا في مكة في رمضان؟\nفأجاب: وجود شخص يُفْطر في مكة، في مثل هذا اليوم ليس بغريب؛ لأن مكة فيها الآفاقي، وفيها المواطن الذي من أهل مكة.\nوالآفاقي يجوز له إذا كان قد أتى إلى العمرة وسيرجع إلى بلده، يجوز له أن يُفْطر، فهذا النبي - ﷺ - أعلم الناس بالله وأخشاهم له فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في اليوم العشرين من رمضان، فصادف بقاؤه في مكة العشر الأواخر من رمضان ولم يصم.\nثبت ذلك عنه في صحيح البخاري من حديث ابن عباس -﵄-، وهو قد بقي في مكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، عشرة منها في رمضان وتسعة في شوال.\nفهذا الرجل الذي يفطر الآن ليس بغريب. وهذه المسألة مسألة يَجْهَلُها الناس يظن الناس أن من قدم إلى مكة لزمه الإمساك وأنه لا يجوز أن يفطر وهذا ظن غير صحيح بل للمسافر أن يفطر حتى يرجع إلى بلده (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>هل يفطر من يعمل في الأفران</span>\nوسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nفي قريتنا شخص يعمل في طابونة (فرن) للرغيف وهو رجل يصلي ويصوم رمضان والحمد لله ولكنه سألني هل يجوز له أن يفطر في رمضان؟ علمًا بأنه يواجه حر النار الشديد وهو يصنع الرغيف طوال ساعات النهار وهو صائم، لذلك فهو يواجه عطشًا شديدًا وإرهاقًا في العمل، فأرجو من سماحتكم التكرم بالإجابة الشافية على ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى.\nفأجابت: لا يجوز لذلك الرجل أن يفطر بل الواجب عليه الصيام وكونه يخبز في نهار رمضان، ليس عذرًا للفطر، وعليه أن يعمل حسب استطاعته.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (٢) .\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٩١-٤٩٢) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء\" رقم (١٣٤٨٩) .","vol":"3","page":106},{"text":"وسئلت أيضًا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nنحمد الله تعالى ونصلي ونسلم على نبيه الكريم ونسأله جل شأنه أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يحمي الدين من أعداء الله، والمركز الإسلامي -كما تعلمون- واجهة للإسلام والمسلمين في هذه البلاد وقد وصلتنا من أحد المعاهد العلمية التابعة لجامعة توينجن في ألمانيا الغربية (معهد دراسات طب العمل والطب الاجتماعي) رسالة فيها بعض الاستفسارات الفقهية بما يخص شهر رمضان والصيام فيه، ونحن لشعورنا بأهمية هذا الموضوع وبحساسية الأمر آثرنا استشارتكم وسؤالكم رغبة منا في الوصول إلى أكبر قدر من الصواب بتوفيق من الله سبحانه. والأسئلة التي وصلتنا كالتالي: ما حكم الشرع الإسلامي في حالة العمال الذين يعملون في أعمال مرهقة بدنيًّا خاصة في شهور الصيف، أعطي مثالًا لمن يعملون أمام أفران صهر المعادن صيفًا، ما حكم الشرع في الصيام في المناطق الشمالية من الكرة الأرضية حيث لا تغيب الشمس إلا غيابًا قصيرًا جدًا قد لا يتعدى دقائق أو حيث لا تغيب الشمس مطلقًا في البلاد الاسكندنافية؟ ونريد أن نلفت نظر فضيلتكم إلى أن الأمر قد يستغل من جانب السلطات هنا لاستخراج أو لاستصدار قوانين لتطبيقها على العمال الأجانب في ألمانيا والذين يتراوح عدد المسلمين منهم أكثر من مليون ونصف على أضعف التقديرات، ونحن نخشى أن إجابة هذه الأسئلة -دون الالتفات إلى هذا الأمر- قد يؤدي إلى فتنة المسلمين المقيمين في هذه البلاد وأغلبهم ممن يجهلون الأحكام الشرعية في دينهم.\nفأجابت: من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن صيام شهر رمضان فرض على كل مكلف وركن من أركان الإسلام، فعلى كل مكلف أن يحرص على صيامه تحقيقًا لما فرض الله عليه، رجاء ثوابه وخوفا من عقابه دون أن ينسى نصيبه من الدنيا، ودون أن يؤثر دنياه على أخراه، وإذا تعارض أداء ما فرضه الله عليه من العبادات مع عمله لدنياه وجب عليه أن ينسق بينهما حتى يتمكن من القيام بهما جميعا، ففي المثال المذكور في السؤال يجعل الليل وقت عمله لدنياه، فإن لم يتيَسَّر ذلك أخذ إجازة من عمله شهر رمضان ولو بدون مرتب فإن لم يتيسر ذلك بحث عن عمل آخر يمكنه فيه الجمع بين أداء الواجبين ولا يؤثر جانب دنياه على جانب آخرته، فالعمل كثير وطرق كسب المال ليست قاصرة على مثل ذلك النوع من الأعمالْ الشاقة ولن يعدم المسلم وجهًا من وجوه الكسب المباح الذي يمكنه معه القيام بما فرضه الله عليه من العبادة بإذن الله، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مخْرَجًا","vol":"3","page":107},{"text":"وَيرزُقْهُ مِنْ حَيثُ لاَ يَحْتَسِبْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللُّهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيء قَدْرًا) [الطلاق: ٢، ٣] .\nوعلى تقدير أنه لم يجد عملًا دون ما ذكر مما فيه حرج وخشي أن تأخذه قوانين جائرة وتفرض عليه ما لا يتمكن معه من إقامة شعائر دينه أو بعض فرائضه فليفر بدينه من تلك الأرض إلى أرض يتيسر له فيها القيام بواجب دينه ودنياه ويتعاون فيه مع المسلمين على البر والتقوى فأرض الله واسعة، قال الله تعالى: (وَمَن يُهَاجِر فِي سَبِيلِ الله يَجِدْ فِي الأَرْضْ مُرَاغَمًا كثيَرًا وَسَعَة) الآية [النساء: ١٠٠] وقال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيرِ حِسَاب) [الزمر: ١٠] .\nفإذا لم يتيسر له شيء من ذلك كله واضطر إلى مثل ما ذكر في السؤال من العمل الشاق صام حتى يحس بمباديء الحرج فيتناول من الطعام والشراب ما يحول دون وقوعه في الحرج ثم يمسك وعليه القضاء في أيام يسهل عليه فيها الصيام (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>صوم العاملين في مجال الحديد والصلب</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nنطلب من سماحة الشيخ النظر في الفتوى التي جاءت ضمن التوصيات بخصوص ما يرخصه الشرع للعاملين في معامل مركبات الحديد والصلب بالإفطار في رمضان؟\nفأجاب: نفيدكم أن الأصل وجوب صوم رمضان، وتبييت النية له من جميع المكلفين من المسلمين قبل أن يصبحوا صائمين، إلا من رخّص لهم الشارع بأن يصبحوا مفطرين، وهم المرضى والمسافرون ومن في معناهم.\nأما أصحاب الأعمال الشاقة فإنهم داخلون ضمن المكلفين، وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان بأن يصبحوا صائمين. ومن اضطر منهم للفطر أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يدفع اضطراره، ثم يمسك بقية يومه في\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء\" رقم (٤٣١٦) .","vol":"3","page":108},{"text":"الوقت المناسب. ومن لم تحصل له ضرورة وجب عليه الاستمرار في الصيام، هذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وما دلَّ عليه كلام المحققين من أهل العلم من جميع المذاهب وعلى ولاة أمور المسلمين الذين يوجد عندهم أصحاب أعمال شاقة كالمسألة المسؤول عنها أن ينظروا في أمرهم إذا جاء رمضان، فلا يكلفوهم من العمل -إن أمكن- ما يضطرهم إلى الفطر في نهار رمضان بأن يجعل العمل ليلًا أو تُوَزَّعَ ساعات العمل في النهار بين العمال توزيعًا عادلًا يستطيعون به الجمع يين العمل والصيام.\nأما الفتوى المشار إليها فهي في قضية فردية أفتوا فيها باجتهادهم مشكورين إلا أنه فاتهم ذكر القيود التي ذكرنا والتي قرَّرها المحققون من أهل العلم في كل مذهب. نسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>من أخذ شيء من ماله ولا يقدر عليه إلا بالفطر</span>\nوسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀-:\nعن فطر من أخذ شيء من ماله، ولا يقدر عليه إلا بالفطر؟\nفأجاب: أما إذا أخذ غنم أو غيرها لأهل بلد، ولا يقدر أهل البلد على لحوق المأخوذ إلا بالفطر، فإنه جائز فيما نرى (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>يفطر لإنقاذ غيره من مهلكة</span>\nوسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nهل يقاس على الحامل إذا خافت على ولدها -هل يقاس عليها- من أفطر مثلًا لإنقاذ غيره، يعني: بأن يقضي وعليه إطعام؟\nفأجاب: نعم؛ يفطر لإنقاذ غيره من مهلكة إذا استدعى الأمر أن يفطر ولا يتمكن من إنقاذ غيره من المهلكة إلا بالإفطار؛ فله أن يفطر ويقضي (٣) .\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/٢٣٣-٢٣٤) .\n(٢) \"الدرر السنية في الفتاوى النجدية\" (٥/٣٤٨) .\n(٣) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح فوزان\" (٣/١٤١) .","vol":"3","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>الفطر بسبب الامتحانات لا يجوز</span>\nوسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nهل الامتحان عذر يبيح الإفطار في رمضان؟ لأنه انتشرت عندنا بعض الفتاوى بإباحة الفطر في رمضان لمن خاف شرود ذهنه وعدم تركيزه، وهل يجوز طاعة الوالدين في الفطر لسماعهم هذه الفتاوى التي تجيز الفطر؟ نرجو من فضيلتكم الرد بسرعة لعموم البلوى بهذه الفتاوى وجزاكم الله خيرًا.\nفأجابت: الامتحان المدرسي ونحوه لا يعتبر عذرًا مبيحًا للإفطار في نهار رمضان، ولا يجوز طاعة الوالدين في الإفطار للامتحان؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة بالمعروف، كما جاء بذلك الحديث الصَّحيح عن النبي - ﷺ -.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n- وسئل أيضًا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nإذا كان امتحان الشهادة الثانوية في رمضان فهل يجوز للطالب أن يفطر في رمضان حتى يستطيع أن يركز في الامتحان؟\nفأجاب: لا يجوز للمكلف الإفطار في رمضان من أجل الامتحان، لأن ذلك ليس من الأعذار الشرعية بل يجب عليه الصوم وجعل المذاكرة في الليل إذا شق عليه فعلها في النهار.\nوينبغي لولاة أمر الامتحان أن يرفقوا بالطلبة وأن يجعلوا الامتحان في غير رمضان، جمعًا بين مصلحتين:\n١- مصلحة الصيام.\n٢- التفرغ للإعداد للامتحان.\nوقد صحَّ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"اَّللهم مَن وَلِي مِن أَمْر أُمتي شَيئًا فَرَفَقَ بِهِم فَارفق\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٩٦٠١) .","vol":"3","page":110},{"text":"به، وَمَن وَلِي مِن أَمْر أمتي شيئًا، فشق عليهم فاشقق عليه\" أخرجه مسلم في \"صحيحه\".\nفوصيتي للمسؤولين عن الامتحان أن يرفقوا بالطلبة والطالبات وألا يجعلوه في رمضان بل قبله أو بعده ونسأل الله للجميع التوفيق (١) .\nوسئل أيضًا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nعما وقع من رجل في حال الجهل، وهو أنه جامع زوجته في نهار رمضان وهو صائم عدة مرات، ثم سمع بعد ذلك أنه لا يجوز الجماع في حال الصوم؟\nفأجاب: لا شك أن الله سبحانه قد حرم على عباده في نهار رمضان الأكل والشرب والجماع، وكل ما يفطر الصائم، وأوجب على من جامع في نهار رمضان -وهو مكلف صحيح مقيم غير مريض ولا مسافر- الكفارة، وهو عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد.\nأما من جامع في نهار رمضان، وهو ممن يجب عليه الصيام، لكونه بالغا صحيحًا مقيما -جهلا منه- كمثل ما وقع منك.\nفقد اختلف أهل العلم في شأنه:\n- فقال بعضهم: عليه الكفارة؛ لأنه مفرط في عدم السؤال، والتفقه في الدين.\n- وقال آخرون من أهل العلم: لا كفارة عليه من أجل الجهل.\nوبذلك تعلم أن الأحوط لك هو الكفارة، من أجل تفريطك وعدم سؤالك عما يحرم عليك قبل أن تفعل ما فعلت.\nلاذا كنت لا تستطيع العتق والصيام، كفاك إطعام ستين مسكينًا عن كل يوم جامعت فيه، فإذا جامعت في يومين فكفارتان، وإن كنت جامعت في ثلاثة أيام فثلاث كفارات.\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن باز - كتاب الدعوة\" (١/١٦٢-١٦٣) .","vol":"3","page":111},{"text":"وهكذا كل جِماع في يوم عنه كفارة، أما الجِمَاعات المتعددة في يوم واحد فيكفي عنها كفارة واحدة، هذا هو الأحوط لك والأحسن، حرصًا على براءة الذمة، وخروجا من خلاف أهل العلم، وجبرًا لصيامك.\nوإذا لم تحفظ عدد الأيام التي جامعت فيها، فاعمل بالأحوط وهو الأخذ بالزائد، فإذا شككت هل هي ثلاثة أيام أو أربعة، فاجعلها أربعة وهكذا ولكن لا يتأكد عليك إلا الشيء الذي تجزم به.\nوفقنا الله وإياك لما فيه رضاه، وبراءة الذمة.\nوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>حكم من جامع زوجته في نهار رمضان وهي حائض</span>\nوسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nامرأة في الكويت تسأل قالت: جامعني زوجي في النهار في يوم من أيام شهر رمضان المبارك وأنا حائض وزوجي صائم فما الحكم؟\nفأجابت: هذا السؤال يشتمل على مسألتين:\nالأولى: أن هذا الزوج جامع زوجته في نهار شهر رمضان.\nوالجواب عن ذلك: أن عليه القضاء والكفارة، مع التوبة إلى الله سبحانه فيقضي يومًا بدلًا عن اليوم الذي جامع فيه.\nوأما الكفارة: فعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.\nأما وجوب القضاء: فمما رواه ابن ماجه بسنده أن النبي - ﷺ - قال للأعرابي الذي جامع زوجته في نهار رمضان: \"وصُم يَوْما مَكَانَه\"\nوأما وجوب الكفارة: فلما ثبت عن النبي - ﷺ - في السنن وغيرها أن النبي - ﷺ - قال\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/١٩٩-٢٠٠) .","vol":"3","page":112},{"text":"للأعرابي الذي جاء زوجته في نهار رمضان \"أعتق رقبة\".\nقال: لا أجد، قال: \"صم شَهْرَين مُتتابِعَين\"، قال: لا أستطيع، قال: \"أَطْعِم سِتِّين مِسكينًا\" الحديث.\nوليس على المرأة شيء؛ لأن وجوب أداء الصيام ساقط في حقها للحيض.\nوأما المسألة الثانية، فهي: أنه جامع زوجته وهي حائض.\nوالجواب: عليه دينار أو نصفه؛ لحديث ابن عباس: \"يَتَصَدَّق بِدِينار أو نِصْفُه\" رواه أحمد والترمذي وأبو داود، وقال: هكذا الرواية الصحيحة والمراد بدينار: مثقال من الذهب مضروبًا كان أو غيره، أو قيمته من الفضة.\nوهذه المرأة إن كانت مطاوعة، فعليها الكفارة كالرجل، وعليهما جميعًا التوبة إلى\nالله سبحانه من الجماع في الحيض.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>حكم الصائم إذا جامع وهو مسافر</span>\n- وسئل العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀-:\n\"إن الله ﷾ أباح الفطر على المسافر. إن كان أهله معه ثم جامع أهله وهو بالسفر نهارًا، فما يكون الحكم الشرعي؟\nأفيدونا جزاكم الله خيرًا، ونسترحم إفادتنا، ننتظر ذلك بفارغ الصبر؟\nفأجاب: إذا كان مسافرًا سفر قصر، وكان ذلك السفر غير سفر معصية فإن له الفطر في نهار رمضان، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، بل عند طائفة من العلماء أنه لا يجزيه لو صام عن صيام رمضان والنصوص من الكتاب والسنة الدالة على فطره بالسفر المذكور لم تفرق في تعاطيه المفطرات بين أكل وشرب وجماع، بل له تعاطي الجميع من غير فرق، وحينئذ فهذا المجامع المذكور فى السؤال لا يلزمه شيء.\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٣٠٥) .","vol":"3","page":113},{"text":"بل هنا مسألة أبلغ من ذلك: وهي أنه لو صام في السفر ثم جامع في هذا الصيام فسد صومه فقط، ولا كفارة عليه لوطئه المذكور: لأنه محكوم بفطره من حين عزم على الجماع. والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>استعمال العادة السرية في نهار رمضان مفسد للصوم</span>\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nفي رمضان السابق وأنا صائم وقعت في العادة السرية فماذا يجب علي؟\nفأجاب: عليك أن تتوب إلى الله من هذه العادة لأنها محرمة على أصح القولين لأهل العلم لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوجِهِم حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُمْ فَإِنَهم غَيرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابتغى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [المؤمنون: ٥- ٧]، ولقول النبي - ﷺ -: \"يَا مَعْشَر الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاع مِنْكُم البَاءَة فَلْيتزوج فَإِنهُ أَغَض للبَصَر وَأَحْصَن للفَرج فَمَن لَم يَستَطِع فَعَلَيه بالصُّوم فإنه لَهُ وِجاء\"\nفأرشد النبي - ﷺ - الشباب الذين لا يستطيعون الباءة إلى الصوم، والصوم فيه نوع من المشقة بلا شك، ولو كانت العادة السرية جائزة لأَرشدَ النبي - ﷺ - إليها، لأنها أهون على الشباب، ولأن فيها شيئا من المتعة، وما كان النبي - ﷺ - يعدل عن الأسهل إلى الأشق لو كان الأسهل جائزا، لأنه كان من عادته - ﷺ - أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما (٢) .\nفَعُدُول النبي - ﷺ - عن الأيسر في هذه المسألة يدل على أنه ليس بجائز.\nأما بالنسبة لعمله إياها وهو صائم في رمضان، فإنه يزداد إثما لأنه بذلك أفسد صومه، فعليه أن يتوب إلى الله توبتين، توبة من عمل العادة السرية، وتوبة لافساد صومه.\nوعليه أن يقضي هذا اليوم الذي أفسده.\n_________\n(١) \"فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٩٦-١٩٧) .\n(٢) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٧١-١٧٢) .","vol":"3","page":114},{"text":"وسئل أيضًا -حفظه الله-:\nشاب استمنى في رمضان جاهلًا بأنه يفطر وفي حالة غلبت عليه شهوته، فما الحكم؟\nفأجاب: الحكم أنه لا شيء عليه، لأننا قررنا فيما سبق أنه لا يفطر الصائم إلا بثلاثة شروط: العلم -الذكر- الإرادة.\nولكني أقول: أنه يجب على الإنسان أن يصبر على الاستمناء، لأنه حرام لقول الله تعالى: (وَالذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِم أَوْ مَا مَلَكَتْ آَيمَانُهُم فَإِنَّهُم غَير مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [المؤمنون: ٥- ٧] .\nولأن النبي - ﷺ - قال: \"يَا مَعْشَر الشَّبَاب، مَنْ اسْتَطاعَ مِنكُم الباءَة فَلْيتَزَوج، فإنه أَغَضّ للبَصَر، وَأَحْصَن للفَرْج، وَمَن لَم يَسْتَطِع فَعَلَيه بِالصَّوم\"\nولو كان الاستمناء جائزا لأرشد إليه النبي - ﷺ -، لأنه أيسر على المكلف، ولأن الإنسان يجد فيه متعة، بخلاف الصوم ففيه مشقة، فلما عدل النبي - ﷺ - إلى الصوم، دلَّ هذا على أنه ليس بجائز (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>خروج المني في نهار رمضان</span>\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله:\nرجل عنده سلس البول فأراد أن يجفف ذَكَره فخرج منه منى في نهار رمضان؟\nفأجاب: إذا كان هذا الذي خرج منه شهوة يعني إذا حاول أن يفْرِغ البول من المكان فحصلت عنده شهوة فأنزل فإن صومه يفسد، لأن إنزال المني بشهوة بفعل من الصائم من المفطرات أما إذا كان هذا بغير شهوة فإن صومه صحيح ولا قضاء عليه (٢) .\nوسئلت أيضًا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nأشكو نزول السائل المنوي في أيام رمضان أثناء الصيام بدون أي احتلام أو ممارسة العادة السرية فهل في هذا تأثير على الصوم؟ أفيدونا أفادكم الله.\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٧٢/١٧٣) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٠٧) .","vol":"3","page":115},{"text":"فأجابت: إذا كان الأمر كما ذكر فإن نزول المني منك بدون لذة في نهار رمضان لا يؤثر على صيامك وليس عليك القضاء (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>حكم من قبَّل أو لمس وهو صائم فأمنى أو أمذى</span>\nوسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀-:\nعمن قَبل أو لمس وهو صائم فأمنى أو أمذى.. إلخ؟\nفأجاب: المشهور في مذهب أحمد، أنه يفطر بذلك، وفقا لمالك، واختار الشيخ تقى الدين أنه لا يفطر بذلك، وفقا لأبي حنيفة والشافعي والله أعلم (٢) .\nحكم من قبل زوجته فأمذى هل يفسد صومه؟\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعما إذا قبل زوجته، أو ضمها، فأمذى، هل يفسد ذلك صومه أم لا؟\nفأجاب: يفسد الصوم بذلك، عند أكثر العلماء (٣) .\n- وسئل أيضا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nهل خروج المذي لأي سبب كان يفطر الصائم أم لا؟\nفأجاب: لا يفطر الصائم بخروجه منه في أصح قولي العلماء (٤) .\n- وسئل أيضًا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل خروج المذي يعد ناقضا من نواقض الصيام يوجب القضاء؟\nفأجاب: فيه خلاف، والذي يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أن من\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (١٠٦٤٥) .\n(٢) \"الدرر السنية فى الأجوبة النجدية\" (٥/٣٥٢) .\n(٣) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٦٥) .\n(٤) \"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/٢٤٥) .","vol":"3","page":116},{"text":"خرج منه المذي فإنه لا يقضي لأنه قد يكون أمرا أغلبيا يكثر فى الشباب ونحوهم بمجرد نظر أو لمس أو غير ذلك فيعظم الضرر بإلزامهم بالقضاء.\nوالصحيح أن نقول: إن كان خروجه عن تسبب وتعمد فإنه يقضي، وإن كان عن غير تسبب كنظر الفجاءة أو لمس من غير قصد فثارت منه الشهوة فإنه لا يقضي. والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>حكم من سحب منه دم وهو صائم</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم من سحب منه دم وهو صائم في رمضان وذلك بغرض التحليل من يده اليمنى ومقداره (برواز) متوسط؟\nفأجاب: مثل هذا التحليل لا يفسد الصوم بل يعفى عنه، لأنه مما تدعو الحاجة إليه وليس من جنس المفطرت المعلومة من الشرع المطهر (٢) .\n- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل سحب الدم بكثرة يؤدي إلى إفطار الصائم؟\nفأجاب: سحب الدم بكثرة إذا كان يؤدي إلى ما تؤدي إليه الحجامة من ضعف البدن واحتياجه للغذاء، حكمه كحكم الحجامة، وأما ما يخرج بغير اختيار الإنسان مثل أن تجرح الرجل فتنزف دما كثيرا فإن هذا لا يضر لأنه ليس بإرادة الإنسان (٣)\nالتبرع بالدم: هل يفطر الصائم؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله:\nإذا أخذ شيء من الدم لغرض؟\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٥٣) .\n(٢) \"الفتاوى لابن باز - كتاب الدعوة\" (٢/١٦٣) .\n(٣) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٧٥) .","vol":"3","page":117},{"text":"فأجاب: إذا أخذ الإنسان شيئًا من الدم قليلًا لا يؤثر في بدنه ضعفًا فإنه لا يفطر بذلك سواء أخذه للتحليل أو لتشخيص المرض، أو أخذه للتبرع به لشخص يحتاج إليه.\nأما إذا أُخذ من الدم كمية كبيرة يلحق البدن بها ضعف فإنه يفطر بذلك، قياسا على الحجامة التي ثبتت السنة بأنها مفطرة للصائم.\nوبناء على ذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بهذه الكمية من الدم وهو صائم صومًا واجبًا، إلا أن يكون هناك ضرورة فإنه في هذا الحال يتبرع به لدفع الضرورة ويكون مفطرًا يأكل ويشرب بقية يومه ويقضي بدل هذا اليوم.\nوذكرت هذا التفصيل وإن كان السؤال يختص بنهار رمضان..\nوبناء على ذلك فإنه إذا كان صائمًا في نهار رمضان فإنه لا يجوز أن يتبرع بدم كميته كثيرة بحيث يلحق بدنه منها ضعف إلا عند الضرورة فإنه يتبرع بذلك، ويفطر بقية يومه ثم يقضي بدله يومًا آخر (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>هل الفصاد في نهار رمضان يفسد الصوم</span>؟\nوسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن الفصاد في شهر رمضان، هل يفسد الصوم أم لا؟\nفأجاب: إن أمكنه تأخير الفصاد أخَّره، وإن احتاج إليه لمرض افتصد وعليه القضاء في أحد قولي العلماء. والله أعلم (٢) .\nوسئل أيضًا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل الحجامة من مبطلات الصيام؟\nفأجاب: هذه مسألة خلافية:\nذهب \"الإمام أحمد\" إلى أن الحاجم والمحجوم يفطران إذا ظهر من المحجوم دم؛ إذا كانا -الحاجم والمحجوم- عامدين ذاكرين لصومهما.\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٧٤-١٧٥) .\n(٢) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٦٨) .","vol":"3","page":118},{"text":"واستدل -﵀- بأحاديث مرفوعة وردت في ذلك عن جماعة من الصحابة بلفظ: \"أَفْطَر الحَاجِم والمحجُوم\". وهذا الحديث قال فيه بعضهم: إنه يبلغ حد التواتر رواه اثنا عشر من الصحابة.\nوعلَّل أصحاب هذا القول إفطار الحاجم لأنه يمتص الدم.\nوأما المحجوم فلأنه يظهر منه دم كثير فيفطر كما أن خروج دم الحائض يسبب فطرها، وقد يكون الدم الذي يخرج من الحائض في بعض النساء أقل من الذي يخرج من المحتجم، ولأن خروج الدم قد يضعف البدن، وقد يكون استفراغًا كالقيء.\nولو لم تصدق عليه هذه العلل فإن الحديث صحيح رواه جماعة من الصحابة منهم ثوبان وشداد بن أوس ورافع بن خديج.\nوهؤلاء الثلاثة روى أحاديثهم \"الإمام أحمد\" في \"مسنده\" وأهل \"السنن\" وكذلك معقل بن يسار وبلال بن رباح وعائشة وأبو هريرة -ورواه أيضًا صاحب القصة الذي ورد فيه الحديث﵃.\nوخالف فى ذلك الأئمة الثلاثة، وقد أخذ أصحابهم يتكلفون في الإجابة عن\nالأحاديث التي استدل بها الإمام أحمد -﵀- قال بعضهم: إنما قال: \"افطر الحاجم والمحجوم\" لأنهما كانا يغتابان الناس. ولما نقل هذا القول الإمام أحمد -﵀- قال: لو كانت الغيبة تفطر ما بقي منّا أحد إلا وهو مفطر.\nوأجاب آخرون بأجوبة، منها: أن الحديث منسوخ وقالوا: إنه ورد في أن النبي - ﷺ - رخَّص في الحجامة للصائم والرخصة تدل على أن حديث: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" منسوخ. ولكن الحديث الذي فيه الرخصة فيه ضعف، وعلى تقدير صحته فلعل الرخصة هي السابقة للمنع، فليس عندنا دليل على أنها متأخرة عن هذا الحديث.\nوأقوى ما تمسك به أصحاب هذا القول حديث ابن عباس الذي رواه البخاري قال: \"احْتَجَم النَّبي - ﷺ - وهو صَائِم واحْتَجَم وهو مُحْرم\".\nولكن جميع الرواة قالوا فيه: احتجم وهو صائم محرم. هذا هو اللفظ الصحيح وأكثر تلامذة ابن عباس لم يذكروا الصيام، وإنما اقتصروا على الإحرام. ولما نقل الحديث للإمام أحمد قال: ليس فيه الصيام إنما انفرد بذكره فلان وفلان ...","vol":"3","page":119},{"text":"أما تلامذة ابن عباس كسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وكريب فلم يذكروا الصيام وإنما قالوا: احتجم وهو محرم. فدلَّ على أن الصيام زيادة من بعض الرواة، ولكن ما دامت الزيادة من ثقة فهي مقبولة.\nوقد أجاب بعض العلماء عن هذه الزيادة فقال: إنه - ﷺ - لم يكن محرما إلا في سفر، والمسافر مباح له الفطر فيكون احتجم وهو مفطر، وأجاب أصحاب القول الثاني بأن قوله: \"صائم\" يدل على أنه بقي على صيامه، فإنه لو كان مفطرا لما صح أن يقال: \"وهو صائم\" فدل على أنه احتجم وهو صائم ولم يتأثر صيامة بذلك الاحتجام.\nوالصحيح: إن شاء الله: ما ذهب إليه الإمام أحمد -﵀- وهو أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم لقوله - ﷺ - \"أفطر الحاجم والمحجوم\".\nوالله أعلم (١)\nوسئل أيضًا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما هى الحالات التي يبطل فيها خروج الدم الصيام؟\nفأجاب: الصيام لا يبطل إلا بالحجامة على الصحيح، مع الخلاف القوي فيها والأكثرون يرون أنه يبطل حتى بالحجامة، لكن الأرجح بطلانه بالحجامة (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>حكم تغيير الدم لمريض الكلى وهو صائم</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم تغيير الدم لمريض الكلى وهو صائم، هل يلزمه القضاء أم لا؟\nفأجاب: يلزمه القضاء بسبب ما يزود به من الدم النقي، فإن زود مع ذلك بمادة أخرى فهي مفطر آخر (٣) .\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٥٤-٥٦) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/٢٥٤) .\n(٣) \"فتاوى الأخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الأسلام\" للشيخ ابن باز (١٨٢) .","vol":"3","page":120},{"text":"- وسئلت أيضًا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nيوجد بعض المرضى شفاهم الله تتعطل كلاهم عن العمل مما يضطرهم إلى ما يسمى بالغسيل وهو: أنه هناك كلية صناعية تقوم بتطهير الدم وتنقيته من الشوائب وذلك في الأسبوع مرتين أو ثلاث بحيث يخرج دم الإنسان كله من جسده بأنبوب آخر بعد التنقية مع أنه يضاف للدم داخل الكلية الصناعية بعض المواد المطهرة ولولا هذا العمل لتعرضت حياة الإنسان للموت بسبب تعطل الكلى فهذا الأمر ضروري.\nوالسؤال: هل يؤثر الغسيل على الصيام إذا كان الإنسان صائما؟\nعلمًا بأن هذا ضرورة له ويشق عليه أن يفطر ويقفي وجسمه لا يستفيد سوى تنقية الدم من الشوائب وقد كثر التساؤل، أرجو من سماحتكم الإفادة جزاكم الله خيرا؟\nفأجابت: غسيل الكلى عبارة عن إخراج دم المريض إلى آلة (كلية صناعية) تتولى تنقيته ثم إعادته إلى الجسم بعد ذلك، وأنه يتم إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح وغيرها إلى الدم.\nوبعد دراسة اللجنة للاستفتاء والوقوف على حقيقة الغسيل الكلوي بواسطة أهل الخبرة أفتت اللجنة بأن الغسيل المذكور للكلى يفسد الصيام (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>قلع الضرس وبلع الريق هل يفطر الصائم</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظة الله-:\nقلع الضرس للصائم هل يفطر؟ وبلع الريق وتحليل الدم؟\nفأجاب: الدَّم الخارج بقلع الضرس ونحوه لا يفطر؟ فإنه لا يؤثر تأثير الحجامة فلا يفطر به أبدًا.\nكذلك أيضًا: لا يفطر الصائم بإخراج الدم من أجل التحليل؟ فإن الطبيب قد يحتاج إلى الأخذ من دم المريض ليختبره، يختبر هذا الدم وينظر ما هو المرض الذي أصابه فهذا\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٩٩٤٤) .","vol":"3","page":121},{"text":"أيضًا لا يفطر؛ لأنه دم يسير لا يؤثر على البدن تأثير الحجامة فلا يكون مفطرا والأصل بقاء الصيام ولا يمكن أن نفسده إلا بدليل شرعي.\nوهنا لا دليل على أن الصائم يفطر بمثل هذا الدم اليسير.\nوأما أخذ الدم الكثير من الصائم من أجل حَقْنه في رجل محتاج إليه مثلًا، فإنه إذا أخذ منه الدم الكثير الذي يفعل بالبدن مثل فعل الحجامة فإنه يفطر بذلك.\nوعلى هذا: فإذا كان الصوم واجبا فإنه لا يجوز لأحدٍ أن يتبرع بهذا الدم الكثير لأحد إلا أن يكون هذا المتبرع له في حالة خطرة لا يمكن أن يصبر إلى ما بعد الغروب وقرر الأطباء أن دم هذا الصائم ينفعه ويزيل ضرورته فإنه في هذه الحال لا بأس أن يتبرع بدمه ويفطر ويأكل ويشرب حتى تعود إليه قوته ويقضي هذا اليوم الذي أفطره والله أعلم (١) .\n- وسئل أيضًا الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nلو تسبب في خروج الدم كأن يخلع ضرسه؟\nفأجاب: لا حرج عليه أيضًا، لأنه لم يخلع ضرسه ليخرج الدم، وإنما خلع ضرسه لألم فيه، فهو إنما يريد إزالة هذا الضرس، ثم إن الغالب أن الدم الذي يخرج بخلع الضرس، الغالب أنه دم يسير لا يكون له معنى الحجامة (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>حكم أخذ الحقنة الشرجية للصائم</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم أخذ الحقنة الشرجية عند الصائم للحاجة؟\nفأجاب: حكمها عدم الحرج في ذلك إذا احتاج إليها المريض في أصح قولي العلماء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وجمع كثير من أهل العلم لعدم مشابهتها للأكل والشرب (٣) .\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥١١) .\n(٢) \"فقة العبادات لابن عثيمين\" (١٩٦) .\n(٣) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" للشيخ ابن باز (١٨٢) .","vol":"3","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>استعمال الإبر في الوريد وفي العضل هل يفطر الصائم</span>؟\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم استعمال الإبر التي في الوريد والإبر التي في العضل.. وما الفرق بينهما وذلك للصائم؟\nفأجاب: الصحيح أنهما لا تفطران، وإنما التي تفطر في إبر التغذية خاصة. وهكذا أخذ الدم للتحليل لا يفطر به الصائم لأنه ليس مثل الحجامة أما الحجامة فيفطر بها الحاجم والمحجوم في أصح أقوال العلماء لقول النبي - ﷺ -: \"أفْطَر الحَاجِم والمحجُوم\" (١) .\n- وسئل أيضًا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله:\nهل يجوز استعمال الطيب، كدهن العود والكولونيا والبخور في نهار رمضان؟\nفأجاب: نعم يجوز استعماله بشرط ألا يستنشق البخور (٢) .\nاستعمال الصائم الروائح العطرية في نهار رمضان\n- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nما حكم استعمال العطر في نهار رمضان؟\nفأجاب: لا بأس باستعمال العطر للصائم في بدنه وثيابه، إلا إذا كان الطيب بخورًا أو مسحوقًا فإنه لا يتعمَّد شمهما، لأنه يدخل إلى أنفه شيء من أجزائها، ويصل إلى دماغه، فيؤثر ذلك على صيامه كما نص على ذلك أهل العلم (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>الكحل هل يبطل الصيام</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\n_________\n(١) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" للشيخ ابن باز (١٧٥) .\n(٢) \"مجموع فتاوى للشيخ ابن باز\" (٣/٣٥٢) .\n(٣) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٣٠) .","vol":"3","page":123},{"text":"قرأت في بعض كتب الفقهاء أن الكحل من مبطلات الصيام، أرجو التوضيح مع بيان القول الراجح؟\nفأجاب: اختلف العلماء في هذه المسألة:\nفعدَّه بعضهم من المفطرات وقالوا: إن في العين عروقًا تتصل بالحلق، وإن العلاج الذي يصبّ في العين له قوة سريان يحس به في الحلق. فلأجل ذلك جعلوا العين منفذًا للجوف، فمنعوا الاكتحال الذي له حرارة وقوة وألحقوا به العلاجات الحديثة مثل المَراهِم والقطرات، فإنها بمجرد ما توضع على العين تنفذ في العروق وتصل إلى الحلق، ويحس بطعمه، ولذلك قالوا إنها مفطرة؛ لأن كل شيء وصل طعمه إلى الحلق وأحس بطعمه واختلط بالريِّق، فلابد أنه يدخل في الجوف، ولو لم يكن شيئًا محسوسًا.\nواستدلوا أيضًا بأن النبي - ﷺ - أمر بالإثمد عند النوم، وقال: \"لِيتقه الصائم\" رواه أبو داود وغيره.\nالقول الثاني: وهو اختيارالشيخ تقي الدين: أن الاكتحال لا يفطر، لأن العين ليست منفدًا محسوسًا كالفم والأنف، ولو كان فيها عروق داخلة، فإذا كانت العين منفدا غير محسوس، فلا يضر الاكتحال ووصول طعم الكحل إلى الحلق، ولو كان الاكتحال منهيًا عنه لورد ذكر النهي في السنة، فإن النبي - ﷺ - لابد وأنه قد بين لأمته كل شيء يخل بعباداتهم كالصيام، ثم إن الاكتحال شيء معتادون على العلاج به ولو كان علاج العين ينافي الصيام أو يفطر لنقل لنا، فلما لم ينقل دل على أنه باقي على الأصل وهو الإباحة.\nأما الحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول فهو ضعيف، والأولى تأخير الاكتحال إلى الليل، فإن كان هناك ضرورة وعالج عينه نهارًا فلا بأس. والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>استخدام مراهم للأنف للصائم</span>\n- وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٥٢-٥٣) .","vol":"3","page":124},{"text":"هناك بعض الناس من الصُوام يجد نشوفة في أنفه أو في شفتيه فيستعمل بعض المراهم أو المرطبات لذلك: فما حكمه؟\nفأجاب: يجد بعض الصوام نشوفة في أنفه ونشوفة في شفتيه، فلا بأس أن يستعمل الإنسان ما يندي الشفتين والأنف من مرهم، أو يبله بالماء بخرقة أو شبه ذلك، ولكن يحترس من أن يصل شيء إلى جوفه من هذا الشيء الذي أزال به النشوفة (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>حكم القطرة والمرهم في العين للصائم</span>\n- وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nما حكم القطرة والمرهم في العين؟\nفأجاب: لا بأس للصائم أن يكتحل وأن يقطر في عينه كذلك في أذنيه حتى وإن وجد طعمه في حلقه، فإنه لا يفطر بهذا، لأنه ليس بأكل ولا شرب ولا بمعنى الأكل والشرب، والدليل إنما جاء في منع الأكل والشرب فلا يلحق بهما ما ليس في معناهما، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وهو الصواب (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>القطرة في الأنف والأذن والعين في نهار رمضان</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم استعمال معجون الأسنان، وقطرة الأذن، وقطرة الأنف، وقطرة العين للصائم؟\nواذا وجد الصائم طعمهما في حلقه فماذا يصنع؟ أثابكم الله.\nفأجاب: بسم الله والحمد لله.. تنظيف الأسنان بالمعجون لا يفطر به الصائم كالسواك، وعليه التحرز من ذهاب شيء منه إلى جوفه، فإن غلبه شىء من ذلك بدون قصد فلا قضاء عليه. وهكذا قطرة العين والأذن لا يفطر بهما الصائم في أصح قولي العلماء.\n_________\n(١) \"فقة العبادات لابن عثيمين\" (١٩٣) .\n(٢) \"فقة العبادات لابن عثيمين\" (١٩١-١٩٢) .","vol":"3","page":125},{"text":"فإن وجد \"طعم القطور في حلقه، فالقضاء أحوط ولا يجب؛ لأنهما ليسا منفذين للطعام والشراب، أما القطرة في الأنف فلا تجوز، لأن الأنف منفذ.\nولهذا قال النبي - ﷺ -: \"وبالغ فِي الاسْتِنْشَاق إلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا\"\nوعلى من فعل ذلك القضاء لهذا الحديث، وما جاء في معناه إن وجد طعمهما في حلقه، والله ولي التوفيق (١) .\n- وسئل أيضًا الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nقطرة العين والأنف والاكتحال والقطرة في الأذن هل تفطر الصائم؟\nفأجاب: جوابنا على هذا أن نقول: قطرة الأنف إذا وصلت إلى المعدة أو إلى الحلق فإنها تفطر؛ لأن النبي - ﷺ - قال في حديث لقيط بن صبرة: \"بَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاق، إلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا\"\nفلا يجوز للصائم أن يقطر في أنفه ما يصل إلى معدته أو إلى حلقه وأما مالا يصل إلى ذلك من قطرة الأنف فإنها لا تفطر.\nوأما قطرة العين ومثلها أيضًا الاكتحال وكذلك القطرة في الأذن: فإنها لا تفطر الصائم؛ لأنها ليست منصوصًا عليها ولا بمعنى المنصوص عليه، والعين ليست منفذا للأكل والشرب.\nوكذلك الأذن فهي كغيرها من مسام الجسد.\nوقال أهل العلم: لو لَطَّخَ الإنسان قدميه ووجد طعمه في حلقه لم يفطره ذلك؛ لأن ذلك ليس منفذًا.\nوعليه: فيكون إذا اكتحل أو قطر في عينه أو قطر في أذنه لا يفطر بذلك ولو وجد طعمه في حلقه ومثل هذا لو تَدَهن بدهن للعلاج أو لغير العلاج فإنه لا يضره وكذلك لو كان عنده ضيق تنفس فاستعمل هذا الغاز الذي يبخ في الفم لأجل تسهيل التنفس عليه فإنه لا يفطر؛ لأن ذلك لا يصل إلى المعدة، فليس أكلًا ولا شربا والله أعلم (٢) .\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/٢٤٧-٢٤٨) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٢٠) .","vol":"3","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>شرب الدخان حرام ومن المفطرات</span>\n- وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nإذا كان الدخان ليس بطعام ولا شراب ولا يصل إلى الجوف فهل هو من المفطرات؟\nفأجاب: فنقول له: إن شرب الدخان حرامٌ عليك في رمضان وفي غير رمضان وفي الليل والنهار.\nفاتق الله في نفسك وأقلع عن هذا الدخان، واحفظ صحتك وأسنانك ومالك وأولادك ونشاطك مع أهلك؛ حتى ينعم الله عليك بالصحة والعافية، وأما قوله: \"إنه ليس بشراب\" فإني أقول له: هل يقال فلان يشرب الدخان؟ يقال يشرب الدخان؛ وشرب كل شىء بحسبه، فهذا شراب بلا شك ولكنه شراب ضار محرم.\nونصيحتي له ولأمثاله: أن يتقي الله في نفسه وماله وولده وفي أهله؛ لأن كل هذه الأشياء يصحبها ضرر من تعاطي هذا الدخان، وأسأل الله ﷾ له ولإخواننا المسلمين العصمة مما يغضب الله وبهذا تبين أن شرب الدخان يفطر الصائم مع ما فيه من الإثم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>بلع البلغم هل يفطر الصائم</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل بلع البلغم يفطر؟\nفأجاب: البلغم أو النخامة، إذا لم تصل إلى الفم فإنها لا تفطر -قولًا واحدا في المذهب-، فإن وصلت إلى الفم ثم ابتلعها.\nففيه قولان لأهل العلم:\n- منهم من قال: إنها تفطر إلحاقًا لها بالأكل والشرب.\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٨٧) .","vol":"3","page":127},{"text":"- ومنهم من قال: لا تفطر إلحاقًا لها بالريق، فإن الريق لا يبطل به الصوم حتى لو جمع ريقه وبلعه فإن صومه لا يفسد.\nوهذا هو الراجح، لأنه لا يوجد دليل على إفساد صومه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>ابتلاع النخامة هل يفطر الصائم</span>؟\n- وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nما حكم ابتلاع النخامة؟ ومتى يفطر الصائم إذا ابتلعها؟\nفأجاب: يحرم على الصائم بلع النخامة وذلك لاستقذارها، والنخامة تارة تنزل من الرأس إلى الحلق، وتارة تخرج من الصدر.\nوفي كلا الحالتين: فإنه يحرم على الصائم ابتلاعها.\nفإن اخرجها من صدره مثلًا ثم وصلت إلى فمه ثم أعادها، ففي هذه الحالة تكون مفطرة: لأنه قد ابتلع شيئًا له جرم مع التمكن من إلقائها ومع كراهة ابتلاعها حتى لغير الصائم فهي مستقذرة طبعًا. أما إن نزلت إلى حلقه وابتلعها مع ريقه فلا يفطر بها مع تحريم ابتلاعها في الصيام (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>حكم من ترك القضاء حتى رمضان الذي بعده</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم من ترك قضاء صيام رمضان حتى دخل رمضان الذي بعده، ولم يكن له عذر، هل تكفيه التوبة مع القضاء، أم تلزمه كفارة؟\nفأجاب: عليه التوبة إلى الله سبحانه. وإطعام مسكين عن كل يوم مع القضاء وهو: نصف صاع- بصاع النبي - ﷺ - - من قُوت البلد من تمر أو بُر أو أرز أو غيرها.\nومقداره: كيلو ونصف على سبيل التقريب، وليس عليه كفارة سوى ذلك.\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥١٥) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٨٧) .","vol":"3","page":128},{"text":"كما أفتى بذلك جماعة من الصحابة -﵃- منهم ابن عباس -﵄-.\nأما إن كان معذورًا لمرض أو سفر، أو كانت المرأة معذورة بحمل أو رضاع يشق عليها الصوم معهما، فليس عليهم سوى القضاء (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>القضاء لمن لم يصم رمضان سنوات عديدة</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nما حكم المسلم الذي مضى عليه أشهر من رمضان -يعني سنوات عديدة- بدون صيام مع إقامة بقية الفرائض وهو بدون عائق عن الصوم أيلزمه القضاء إن تاب؟\nفأجاب: الصحيح أن القضاء لا يلزمه إن تاب؟ لأن كل عبادة مُوَقَّتة بوقت إذا تعمد الإنسان تأخيرها بدون عذر فإن الله لا يقبلها منه.\nوعلى هذا: فلا فائدة من قضائه، ولكن عليه أن يتوب إلى الله ﷿ ويكثر من العمل الصالح ومن تاب تاب الله عليه (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>قضاء رمضان لمن أفطر بغير عذر جهلًا بوجوب الصيام</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يجب القضاء على من أفطر أياما من رمضان بغير عذر جهلًا منه بوجوب صيام الشهر؟\nوما حكم من كان صيامه غير تعبدي وإنما يرى الناس يصومون فيصوم معهم؟\nفأجاب: نعم يجب القضاء على ذلك الشخص الذي أفطر أيامًا من رمضان جهلًا منه بعدم وجوب صيام الشهر؛ وذلك لأن عدم علم الإنسان بالوجوب لا يسقط الواجب وإنما يسقط الإثم، فهذا الرجل ليس عليه إثم لما أفطره ولكن عليه القضاء.\nثم إن كان الرجل يجهل أن صوم رمضان كله واجب، وهو عائش بين المسلمين بعيد\n_________\n(١) \"تحفة الأخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" للشيخ ابن باز (١٧٧) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٣٦) .","vol":"3","page":129},{"text":"جدًّا، فالظاهر أن هذه مسألة فرضية، أما من كان حديث عهد بالإسلام فهذا ربما يجهل صيام كل الشهر.\nأما جواب الفقرة الثانية: عن الرجل الذي كان يصوم: لأنه يرى أن الناس يصومون فصام معهم فالظاهر أن هذا يصح صومه؛ لأنه يمسك بنية وهي أنه يفعل كما يفعل المسلمون، والمسلمون يفعلون ذلك تعبدًا لله ﷿، لكن يجب أن يبين له أن الصوم عبادة وأن ترك الإنسان طعامه وشرابه وشهوته لابد أن يخلص فيه لله ﷿، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: \"يَدَع طَعَامه وَشَرَابه وَشَهْوَتَه مِنْ أجْلِي\" (١) .\n- وسئل أيضًا العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀-:\nعمن أكل ظانًّا أن الشمس قد غربت فتبين أنها لم تغرب؟\nفأجاب: فقد اختلف العلماء في وجوب القضاء عليه:\nفقال الجمهور بوجوبه، مستدلين بما روى مالك عن عمر: أنه أفطر ثم طلعت الشمس، فقال: \"الخطب يسير، وقد اجتهدنا\". وزاد عبد الرزاق فى روايته من هذا الوجه: \"نقضي يومًا\".\nوله من طريق حنظلة عن أبيه نحوه، ورواه سعيد بن منصور، وفيه: فقال: \"من أفطر منكم فليصم يومًا مكانه\". وبما روى هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أفطرنا على عهد النبي - ﷺ - يوم غيم ثم طلعت الشمس. قيل لهشام: أمروا بالقضاء؟ قال: \"بد من قضاء\". رواه البخاري.\nوقال آخرون: لا قضاء عليهم، واستدلوا لذلك بما روى زيد بن وهب قال: كنت جالسًا في مسجد رسول الله - ﷺ - فأتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة، فشربنا ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة، قال فجعل الناس يقولون: نقضي يومًا مكانه، فقال عمر: \"والله لا نقضيه، ما تجانفنا لأثم\".\nوممن قال بهذا القول مجاهد، والحسن، وإسحاق، وأهل الظاهر، وهو إحدى\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٣٦-٥٣٧) .","vol":"3","page":130},{"text":"الروايتين عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وحكى هذا القول عن عروة.\nوقال ابن خزيمة -على قول هشام-: \"بد من قضاء\". إنه لم يسنده، ولم يتبين لي أن عليهم قضاء. وقال ابن حجر على قول هشام: \"لا أدري أقضوا أم لا\" ظاهر هذه الرواية تعارض التي قبلها وهي قوله: \"فأمروا بالقضاء\" وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه.\nوقال في \"الفروع\": \"صح عن عمر في هذه الصورة روايتان: إحداهما القضاء والأمر، والثانية \"لا نقضي ما تجانفنا لإثم\". وقال: \"قد كنا جاهلين. فعلى هذا لا قضاء\" ا. هـ.\nوالأحوط: القضاء. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>قضاء الصوم على الترتيب ولو لسبع سنوات</span>\n- وسئل العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀-:\n- عن حكم ما يلزمه شرعًا حول أشهر الصوم من سنين سبع أمضاها تحت العلاج في المستشفيات بالخارج، وعن ما إذا كان هناك ما يوجب كفارة في ذلك؟\nفأجاب: نفيدك أنه ما زال الأمر كما ذكرت من كون المدة التي مضت عليكم، ولم تصم خلال السنوات السبع نظرًا لعدم تمكن حالتك الصحية من أداء ذلك الركن بحكم بقائك مريضًا في المستشفيات.\nفإن الواجب عليك والحالة هذه هو قضاء ما فاتك من أشهر الصوم من السنين السبع على الترتيب أولًا بأول.\nويستحب قضاء الأيام من كل شهر متتابعة، فإن لم تستطع جاز لك التفريق بين أيام كل شهر.\n_________\n(١) \"فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٩٣-١٩٤) .","vol":"3","page":131},{"text":"ولا كفارة عليك في ذلك؛ لأنك زمن تَركك للصوم خلال السنين السبع معذور كما هو الظاهر من سؤالك هذا (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>من برئت ذمته بالإطعام لم يجب عليه الصيام</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nإذا بريء شخص من مرض فسبق أن قرر الأطباء استحالة شفائه منه وكان ذلك بعد مضي أيام من رمضان فهل يطالب بقضاء الأيام السابقة؟\nفأجاب: إذا أفطر شخص رمضان -أو من رمضان- لمرض لا يرجى زواله إما بحسب العادة وإما بتقرير الأطباء الموثوق بهم، فإن الواجب عليه أن يطعم مسكينًا.\nفإذا فعل ذلك وقدر الله له الشفاء فيما بعد فإنه لا يلزمه أن يصوم عما أطعم عنه لأن ذمته برئت بما أتى به من الإطعام بدلًا عن الصوم.\nوإذا كانت ذمته قد برئت فلا واجب يلحقه بعد براءة ذمته.\nونظير هذا: ما ذكره الفقهاء ﵏ في الرجل الذي يعجز عن أداء فريضة الحج عجزًا لا يرجى زواله فيقيم من يحج عنه ثم يبرأ بعد ذلك فإنه لا تلزمه الفريضة مرة ثانية (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>إذا تعدد الجماع في اليوم أو في الشهر هل تتعدد الكفارة</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nإذا تعدد الجماع في اليوم أو في شهر رمضان فهل تتعدد هذه الكفارة؟\nفأجاب: المفهوم من مذهب الإمام أحمد أنه إذا تعدد في يوم ولم يكفر عن الجماع\n_________\n(١) \"فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٩٩) .\n(٢) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٨٠) .","vol":"3","page":132},{"text":"الأول كفاه كفارة واحدة، وإن تعدد في يومين لزمه لكل يوم كفارة؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة (١) .\nوسئل أيضًا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nإذا جامع الرجل الزوجة في نهار رمضان في اليوم الواحد أكثر من مرة. فهل تجب عليه كفارة واحدة أو أكثر؟\nفأجاب: إذا جامع الرجل زوجته في اليوم مرتين فليس عليه إلا كفارة واحدة.\nوكذلك إذا جامع في يومين ولم يكفر عن اليوم الأول فإنه يكفر عن هذين اليومين كفارة واحدة. أما إذا جامع مثلًا أول النهار ثم كفر ثم جامع بعد ذلك فعليه كفارة ثانية (٢) .\nلم أوجبوا الكفارة على الرجل مطلقًا وأسقطوها عن المرأة مع النسيان والإكراه؟\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀-:\nلم أوجبوا الكفارة على الرجل مطلقا وأسقطوها عن المرأة مع النسيان والإكراه؟\nفأجاب: في هذه المسألة خلاف كثير، والمشهور في المذهب وجوب القضاء والكفارة على الرجل مع النسيان كالعمد، وهو مذهب مالك، وعن أحمد رواية أخرى: لا كفارة عليه -اختاره ابن بطة- وعنه لا قضاء- اختاره الآجري والشيخ تقي الدين-، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، والمكره كالمختار في المشهور من المذهب، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك: وعن أحمد رواية أخرى: لا قضاء ولا كفارة عليه.\nوالمرأة المطاوعة يفسد صومها، وتُكَفِّر في إحدى الروايتين، وهو قول أبي حنيفة ومالك، والرواية الأخرى لا كفارة عليها، وهو مذهب الشافعي، وفي فساد صوم المكرهة على الوطء روايتان: إحداهما: يفسد، وهو قول أبي حنيفة ومالك. والثانية: لا يفسد، وهو أحد قولي الشافعي، وعلى القول بفساده، فنص أحمد لا كفارة عليها، وهو\n_________\n(١) \"فقة العبادات لابن عثيمين\" (١٩٨) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٧٠) .","vol":"3","page":133},{"text":"قول الأكثرين، وفي وجوب الكفارة على الناسية قولان: أحدهما: أنها كالرجل، وهو الذي ذكره القاضي والمشهور في المذهب، وهو قول الجمهور لا كفارة عليها.\nوفي عبارة الكافي التي ذكرتموها توجيه الفرق بين الرجل والمرأة في ذلك وقوله: ولأنه حق مال يتعلق بالوطء، يعني أن الكفارة حق، يجب في المال بسبب الوطء، وقوله: من دون جنسه، معناها: أن الكفارة حق يوجبه الوطء خاصة من دون جنسه، أي جنس الوطء من أنواع الاستمتاع، كالقبلة واللمس ونحوهما، فلا كفارة في ذلك، أو مراده بجنسه جنس مفسدات الصيام، من الأكل والشرب ونحوهما (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>جامع زوجته وهو لم يعلم أن ذلك اليوم من رمضان</span>\n- وسئل العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀-:\nعن رجل جامع زوجته أول يوم من رمضان، وهو لم يعلم أن ذلك اليوم من رمضان؟\nفأجاب: الحمد لله. المذهب أن عليه القضاء والكفارة. وفيه قول آخر أن ليس عليه كفارة؛ لأنه معذور، اختاره الشيخ تقي الدين وغيره، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.\nوالسلام عليكم (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>باشر زوجته معتقدًا بقاء الليل ثم تبين له طلوع الفجر</span>\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن رجل وَطِيء امرأته وقت طلوع الفجر معتقدًا بقاء الليل، ثم تبين أن الفجر قد طلع، فما يجب عليه؟\nفأجاب: الحمد لله. هذه المسألة فيها ثلالة أقوال لأهل العلم:\nأحدها: أن عليه القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد.\nوالثاني: أن عليه القضاء، وهو قول ثانٍ في مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك.\n_________\n(١) \"الدرر السنية فى الأجوبة النجدية\" (٥/٣٥٧-٣٥٨) .\n(٢) \"فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ\" (٤/١٩٥) .","vol":"3","page":134},{"text":"والثالث: لا قضاء ولا كفارة. وهذا قول طوائف من السلف: كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وإسحاق، وداود، وأصحابه والخلف. وهؤلاء يقولون: من أكل معتقدًا طلوع الفجر، ثم تبين له أنه لم يطلع. فلا قضاء عليه.\nوهذا القول أصح الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنة، وهو قياس أصول أحمد وغيره، فإن الله رفع المؤاخذة عن الناسي والمخطئ. وهذا مخطيء، وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحب تأخير السحور، ومن فعل ما ندب إليه، وأبيح له، لم يفرط فهذا أولى بالعذر من الناسي، والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>جامع زوجته وهو جاهل هل تلزمه الكفارة</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nإذا جامع الرجل زوجته وهو جاهل. فهل تلزمه الكفارة؟\nفأجاب إذا جامع زوجته وهو جاهل بالحكم لا بما يترتب عليه فإنه يعذر بجهله\nوالحالة هذه، أما إذا كان عالمًا بحرمة الجماع في نهار رمضان فإن عليه القضاء والكفارة (٢) .\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل هذا الحكم عام فيمن وطيء امرأته في دبرها - والعياذ بالله؟\nفأجاب تجب عليه الكفارة بالجماع سواء وطيء في قبل أو دبر (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>إذا لم يجد الإطعام هل تسقط عنه الكفارة</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nإذا جامع الرجل امرأته في نهار رمضان ولم يجد الإطعام فهل تسقط عنه الكفارة؟\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٦٣-٢٦٤) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٦٨) .\n(٣) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٧٠) .","vol":"3","page":135},{"text":"فأجاب: اختلف أهل العلم في هذه المسألة:\nفالمذهب أنها تَسقُط وذلك لأن النبي - ﷺ - لم يلزمه بالقضاء ولم يقل له: أطعمها أهلك وإذا أيسرت فاقض بل قال: أطعمها أهلك.\nوالقول الثاني: أنها لا تسقط وأنها تبقى في ذمته متى أيسر كفّر، فإذا قدر على العتق فيما بعد أعتق، وإذا استطاع الصوم في زمن من الأزمان كفّر به واستدل أهل هذا القول بأن الكفارة لازمة للذمة، ولوازم الذمة لا تسقط بالعسر مثل كفارة النذور وكفارة الأيمان فإنها لا تسقط أيضا بل تبقى في الذمة حتى يستطيع ويقدر على التكفير (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>هل تسقط كفارة الوطء عن هذا الرجل</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nرجل عليه كفارة وطء في نهار رمضان لكنه رجل فقير لم يجد عتق رقبة ولم يستطع صيام شهرين متتابعين ولم يجد أيضًا إطعام ستين مسكينًا، فماذا يفعل؟\nفأجاب: إذا لم يجد عتق رقبة ولم يستطع صيام شهرين متتابعين ولم يجد إطعام ستين مسكينا، فإن العلماء المحققين قالوا إنه إذا لم يجد الإطعام فإن الكفارة تسقط عنه إلى غير بدل ولكن عليه أن يقضي ذلك اليوم الذي أفسده ويتوب إلى الله ﷿ ولا يعود (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>أفطر رمضان متعمدًا ثم جامع هل يلزمه القضاء والكفارة</span>؟\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن رجل أفطر نهار رمضان متعمدًا، ثم جامع: فهل يلزمه القضاء والكفارة؟ أم القضاء بلا كفارة؟\nفأجاب: عليه القضاء.\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٦٨) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (٦٧-٦٨) .","vol":"3","page":136},{"text":"وأما الكفارة فتجب في مذهب مالك، وأحمد، وأبى حنيفة، ولا تجب عند الشافعي (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>جامع زوجته بعد أن أفطر بالأكل هل عليه الكفارة</span>؟\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن رجل أراد أن يواقع زوجته في شهر رمضان بالنهار، فأفطر بالأكل قبل أن يجامع، ثم جامع، فهل عليه كفارة أم لا؟ وما على الذي يفطر من غير عذر؟\nفأجاب: الحمد لله. هذه المسألة فيها قولان للعلماء مشهوران:\nأحدهما: تجب، وهو قول جمهورهم: كمالك، وأحمد، وأبى حنيفة وغيرهم.\nوالثاني: لا تجب، وهو مذهب الشافعي، وهذان القولان مبناهما: على أن الكفارة سببها الفطر من الصوم، أو من الصوم الصحيح، بجماع أو بجماع غيره، على اختلاف المذاهب. فإن أبا حنيفة يعتبر الفطر بأعلى جنسه ومالك يعتبر الفطر مطلقا، فالنزاع بينهما إذا أفطر بابتلاع حصاة أو نواة ونحو ذلك. وعن أحمد رواية أنه إذا أفطر بالحجامة كفّر، كغيرها من المفطرات بجنس الوطء. فأما الأكل والشرب ونحوهما فلا كفارة في ذلك.\nثم تنازعوا هل يشترط الفطر من الصوم الصحيح؟ فالشافعي وغيره يشترط ذلك، فلو أكل ثم جامع، أو أصبح غير ناو للصوم ثم جامع، أو جامع وكفّر ثم جامع: لم يكن عليه كفارة: لأنه لم يطأ في صوم صحيح.\nوأحمد في ظاهر مذهبه وغيره يقول: بل عليه كفارة في هذه الصور ونحوها؛ لأنه وجب عليه الإمساك فى شهر رمضان، فهو صوم فاسد فأشبه الإحرام الفاسد.\nوكما أن المحرِم بالحج إذا أفسد إحرامه لزمه المضي فيه بالإمساك عن محظوراته، فإذا أتى شيئًا منها كان عليه ما عليه من الإحرام الصحيح وكذلك من وجب عليه صوم شهر رمضان إذا وجب عليه الإمساك فيه وصومه فاسد، لأكل أو جِمَاع، أو عدم نيّة، فقد لزمه الإمساك عن محظورات الصيام.\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٦٣) .","vol":"3","page":137},{"text":"فإذا تناول شيئًا منها كان عليه ما عليه في الصوم الصحيح. وفي كلا الموضعين عليه القضاء؛ وذلك لأن هتك حرمة الشهر حاصلة في الموضعين بل هِي في هذا الموضع أشد؛ لأنه عاص بفطره أولًا، فصار عاصيًا مرتين فكانت الكفارة عليه أوْكد، ولأنه لو لم تجب الكفارة على مثل هذا لصار ذريعة إلى أن لا يكفر أحدا.\nفإنه لا يشاء أحد أن يجامع في رمضان إلا أمكنه أن يأكل، ثم يُجامع بل ذلك أعْون له على مقصوده، فيكون قبل الغداء عليه الكفارة، وإذا تغدَّى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة عليه، وهذا شنيع في الشريعة لا ترد بمثله.\nفإنه قد استقر في العقول والأديان أنه كلما عظم الذنب كانت العقوبة أبلغ، وكلما قوي الشبه قويت، والكفارة فيها شوب العبادة، وشوب العقوبة، وشرعت زاجرة وماحية، فبكل حال: قوة السبب يقتضي قوة المسبب.\nثم الفطر بالأكل لم يكن سببًا مستقلًا موجبًا للكفارة. كما يقوله أبو حنيفة، ومالك، فلا أقل أن يكون مُعينًا للسبب المستغل، بل يكون مانعًا من حكمه، وهذا بعيد عن أصول الشريعة.\nثم المجامع كثيرا ما يفطر قبل الإيلاج، فتسقط الكفارة عنه بذلك على هذا القول، وهذا ظاهر البطلان، والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>قدم مسافرًا وهو مفطر ووجد امرأته تغتسل من الحيض هل يجوز أن يجامعها</span>؟\n- وسئلت لجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nإذا جاء الرجل إلى بيته من السفر وهو مفطر وبعد مسك الصيام وجد زوجته تغتسل من الحيض -وبعد غسلها- هل يجوز أن يجامعها في الحال أو يصوموا يومهم؟\nفأجابت: إذا قدم المسافر إلى بلده في رمضان لزمه الإمساك ولا يجوز له أن يجامع زوجته في يوم قدومه مراعاة لحرمة زمن الصيام. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (٢) .\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٦٠-٢٦٣) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء\" رقم (١٣٤٣٢) .","vol":"3","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>حكم من مات وعليه صيام واجب</span>\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀-:\nمن مات قبل أن يصوم الواجب عليه ما حكمه؟\nفأجاب: إذا مات قبل أن يصوم الواجب الذي عليه من رمضان أو غيره فلا يخلو إما بأن يكون قد تمكن من أداء ما وجب عليه من غير عذر مرض ولا سفر ولا عجز أو لا يكون قد تمكن.\nفإن كان قد تمكن من صيامه ولم يكن عذر يمنعه من أدائه، فهذا لا يخلو إما أن يكون صيامه نذرًا موجبا له على نفسه أو كان واجبا عليه بأصل الشرع كالقضاء لرمضان والكفارة.\nفإن كان نذرًا صام عنه وليه استحبابًا وإن كان قد خلف تركة وجب أن يصام عنه، وذلك جميع الواجبات بالنذر كلها تفعل عن الميت، لأن النيابة دخلت فيها لخفتها ولكونها أقل مرتبة من الواجبة بأصل الشرع. وإن كان واجبا بأصل الشرع كمن مات وعليه قضاء رمضان وقد عوفي ولم يصمه فإنه يجب أن يطعم عنه كل يوم مسكينًا بعدد ما عليه وعند الشيخ تقي الدين: إن صِيمَ عنه أيضًا أجزأ - وهو قوي المأخذ.\nالحال الثاني: أن يموت قبل أن يتمكن من أداء ما عليه مثل أن يمرض في رمضان ويموت في أثنائه وقد أفطر لذلك المرض أو يستمر به المرض حتى يموت ولو بعد مدة طويلة فهذا لا يكفر عنه لعدم تفريطه، ولأنه لم يترك ذلك إلا لعذر، وإن كان كفارة فكذلك، وإن كان نذرًا بأن عين له وقتًا ومات قبل ذلك الوقت كأن عين مثلًا عشر ذي الحجة ومات فى ذي القعدة لم يكن عليه شيء فلا يقضي لعدم إدراك ما يتعلق به الوجوب، وإن لم يعين وقتًا أو عين وقتًا وفرط ولم يصمه وجب أن يقضي عنه وإن لم يفرط بل صادفه الوقت مريضًا ونحوه فيقضي أيضًا على المذهب لأنه أدركه وقت الوجوب.\nوالصحيح: أن حكمه حكم الواجب بأصل الشرع وهو أحد القولين في المذهب، وهو الموافق لقاعدة المذهب، فإن القاعدة أن الواجب بالنذر أنه يحذى به حذو الواجب","vol":"3","page":139},{"text":"بأصل الشرع، فنهاية الأمر يلحق به إلحاقا وأما كونه يكون أقوى منه فبعيد جدًا والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>من مات وعليه قضاء من شهر رمضان</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nما حكم من مات وعليه قضاء من شهر رمضان؟\nفأجاب: إذا مات وعليه قضاء من رمضان فإنه يصوم عنه وليه، وهو قرييه أو وارثه، لحديث عائشة -﵂- أن النبي - ﷺ - قال: \"من مات وعليه صوم صام عنه وليه\" فإن لم يصم وليه، أطعم عن كل يوم مسكينًا (٢) .\n- وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nمن مات وعليه قضاء، هل يصام عنه؟\nفأجاب: إذا كان على المريض قضاء أيام من رمضان ولم يقضها حتى مات، فإن كان تركها تهاونًا وتفريطًا فإنه يصام عنه، أما إذا لم يفرط فلا يقضى عنه (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>مات وعليه كفارة</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nلي أخ تُوفِّي وعليه كفارة القتل الخطأ وهي صيام شهرين متتابعين، فهل يجوز صيامهما عنه؟\nوهل يجوز اقتسامهما بالتتابع - مع إخوتي الأحياء لنبريء شقيقنا المتوفى؟\nفأجاب: بسم الله والحمد لله، يشرع لأحدكم أن يصوم عنه شهرين متتابعين: لقول النبي - ﷺ -: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\" متفق على صحته.\nوالولي هو القريب، ولا يجوز تقسيمها على جماعة، وإنما يصومهما شخص واحد\n_________\n(١) \"الإرشاد الى معرفة الأحكام\" (٨٥-٨٦) .\n(٢) \"فقة العبادات لابن عثيمين\" (٢٠٢-٢٠٣) .\n(٣) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١٢٤) .","vol":"3","page":140},{"text":"متتابعين كما شرع الله ذلك؛ لقوله سبحانه في حق القاتل: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) [النساء: ١٩٢] .\nأما من استطاع العِتْق فعليه العِتْق، ولا يجزئه الصيام. وفق الله الجميع (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>إذا مات الشخص وعليه صيام من رمضان</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nإذا مات الشخص وعليه صيام من رمضان أو نذر، هل يصوم عنه أهله أو يدفعون كفارة مكان كل يوم؟\nفأجابت: إن شفي وقدر على الصيام ثم مات ولم يصم شرع لوليه أن يصوم عنه؛ لقول النبي - ﷺ -: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\" متفق على صحته.\nوالولي هو القريب كالأب والابن، والأخ وابن العم وغيره، وإن اتصل مرضه حتى مات فلا قضاء عليه ولا فدية، ولا على قريبه (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>يشرع ذلك أن تصوم عن والدك من الأيام مما يغلب على ظنك أنه أفطرها</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nإن والدي تُوفِّي وعليه أيام من رمضان لعام ١٤٠٠ هـ لا أعرف عددها، وهي ليست في حالة مرض، وأظن أنها في حالة سفر وتعب، وقد حل شهر رمضان الثاني وهو لم يقضه، وقد أشعرته أن عليه ايامًا هل هو قاضيها، فقال: إنني سوف أقضيها في الشتاء، وقد تُوفي إثر حادث مروري فجأة وأنا متأكد أنه لم يقضها أطلب من فضيلتكم إرشادي ماذا أفعل، هل أصوم عنه أو أتصدق حيث أنه خلَّف مالًا كثيرًا؟ هذه كامل المشكلة.\nفأجابت: يشرع ذلك أن تصوم عن والدك من الأيام ما يغلب على ظنك أن والدك\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/٢٢٦) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٦٢٨٨) .","vol":"3","page":141},{"text":"أفطرها؛ لعموم قوله - ﷺ -: \"من مات وعليه صيام، صام عنه وليه\" متفق عليه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>حكم من مات وعليه خمسة أيام وله خمسة أبناء</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nإذا كان على الميت خمسة أيام من رمضان لم يقضها وأراد أبناؤه وعددهم خمسة أبناء أن يصوموها. فهل يجوز أن يصوم كل واحد منهم يومًا أم لابد أن يقضيها عنه أحدهم؟\nفأجاب: ورد في الحديث الصحيح: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\". والولي يدخل فيه كل الورثة، فإذا كان على الميت خمسة أيام كما هو في السؤال فإنه يجوز لأبنائه الخمسة أن يقتسموا صيامها فيصوم كل واحد عن يوم مثلًا ويجوز أن يصوموا كلهم في يوم واحد.\nويستثنى من ذلك الكفارة فإنه يشترط التتابع فيتكفَّل بها أحد الورثة (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>صم عن نفسك أولًا ثم صم عن قريبك</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nتُوفِّي جدي وعليه أيام لم يصمها لمرضه، وأحببت أن أصوم عنه، ولكن علي أيام عن مدة الحيض من سنين مضت أحاول الآن قضاءها، فهل يجوز أن أصوم عنه، وعلى هذه الأيام أم أقضي ما عليَّ أولًا ثم أصوم عنه؟\nفأجابت: من وَجَبَ عليه قضاء صيام أيام من رمضان وجب عليه المبادرة بالصيام عن نفسه ثم يصوم عن قريبه ما شرع له صيامه عنه.\nإذا اتصل موت جدك بمرضه فليمر عليه صيام، واذا شفي من مرضه ثم مات قبل أن يقضي فصومي عنه؛ لقول النبي - ﷺ -: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\" والولي: هو القريب (٣) .\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء\" رقم (٤٨٦٠) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١٢٥) .\n(٣) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء\" رقم (٧٩٤٢) .","vol":"3","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>الأوْلى أن تتولى أمها القضاء عنها</span>\nوسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nلي بنت وهي ضعيفة الجسم، وقد أقبل شهر رمضان علينا ومنعتها أمها من صيام شهر رمضان في خلال سنتين، ثم إن البنت تُوفِّيت وصيام الشهرين في ذمتها، وأسأل: هل على أمها إثم في ذلك، لأنها هي المتسببة في ذلك، وهل يجب عليها القضاء عن بنتها؟ أفيدونا عن ذلك جزاكم الله خيرًا.\nفأجابت: إذا كانت هذه البنت لا تقوى على الصيام لضعفها فهي في حكم المريضة لم تأثم أمها بمنعها من صيام شهر رمضان.\nوإذا استمر بها الضعف وعدم القدرة على الصيام حتى ماتت فلا يجب قضاء الصيام عنها.\nأما إذا كانت البنت تقوى على الصيام مع ضعفها دون مشقة فادحة، ولا حرج، فأمها آثمة بمنعها من صيام رمضان، ويشرع قضاء الصوم عنها والأوْلى أن تتولى القضاء أمها لكونها متسببة (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>من الأحق بالقضاء عن المرأة زوجها أو أولادها</span>؟\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nرجل تُوفِّيت زوجته وعليها قضاء من شهر رمضان، ما حكم القضاء عنها، ومن أحق بالقضاء: زوجها أو أولادها، وهل يجوز تجزئة القضاء على العائلة كل شخص يصوم يومًا، يعني توزع أيام القضاء على العائلة؟\nفأجابت: إذا كانت منذ أن أفطرت الأيام من شهر رمضان لم تستطع الصيام حتى توفيت فليس عليها شيء.\nأما إن كانت قد صحت من المرض، ولم تقض، فالمشروع لورثتها وأقاربها قضاء ما\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء\" رقم (٥٨٧٠) .","vol":"3","page":143},{"text":"عليها من الصيام؛ لقول النبي - ﷺ -: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\" متفق على صحته.\nولا بأس بتوزيع الأيام بينهم. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>مات على نية قضاء الصوم ولم يقض</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nما حكم من مات على نية قضاء الصوم ولم يقض؟ وهل يجوز لأبنائه القضاء عنه؟\nفأجابت: من أفطر في رمضان لعذر شرعي ولم يتمكن من القضاء من غير تقصير منه حتى مات فلا قضاء عليه ولا إطعام، أما إن كان التأخير من دون عذر حتى مات فيشرع لأحد أقربائه أن يصوم عنه؛ لما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: متفق على صحته.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (٢) .\n- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nمرضت زوجتي في رمضان الماضي بعد أن صامت اثنين وعشرين يومًا وبقي عليها ثمانية أيام، وقد اشتد عليها المرض ولم تستطع إكمالها وتُوفَيت بعد رمضان بأيام قليلة، أفيدونا ماذا نعمل في الأيام المتبقية عليها؟ ولكم جزيل الشكر.\nفأجاب: هذه المرأة التي مرضت في شهر رمضان وتركت الصيام لأجل المرض واستمر بها المرض إلى أن توفيت ليس عليها شيء فيما تركت من صيام؛ لأنها لم تفرط ولم تترك القضاء تفريطًا، وإنما المرض حال بينها ويين الصيام والقضاء فلا شيء عليها في ذلك لقوله تعالي: (لاَ يُكَلفُ الله نَفْسًا إلاُّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦] (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>لا شيء على من لم يفرط في قضاء ما عليه</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله-:\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" رقم (٣١٢٢) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" رقم (٩٨٦١) .\n(٣) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (١/٩٢٥) .","vol":"3","page":144},{"text":"لنا بنت توفيت قبل يومين وعليها أيام من شهر رمضان، أرجو إفادتنا: هل نصوم عنها تلك الأيام، أو نتصدق عنها، أو نصوم عنها ونتصدق؟ أرجو إفادتنا أثابكم الله ووفقكم لما فيه خير الإسلام والمسلمين والسلام.\nفأجاب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بعده:\nإذا كانت البنت ماتت في مرضها بعد العيد، فليس عليها شيء لا قضاء ولا إطعام، أما إن كانت بعد العيد سليمة تستطع الصوم، وإنما حدث الأجل بعارض، فيشرع لكم أن تصوموا عنها ما يقابل الأيام التي مضت عليها بعد العيد وهي سليمة (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>أصيبَتْ باختلال عقلي فلم تصلي ولم تصم ثم ماتت هل يصام عنها</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nوالدتي يرحمها الله مرضت قبل وفاتها مرضًا شديدا إثر سقوطها على رأسها سقوطًا شديدًا أدى إلى إصابتها باختلال عقلي لمدة سنة كاملة، ولذا لم تستطع أداء فريضتي الصيام والصلاة، فأرجو إفادتي: هل يجب على أن أقوم بالقضاء عنها، أو الكفارة أو أي عمل ترشدونني إليه، حفظكم الله وسدد خطاكم؟\nفأجاب: إذا كانت بالصفة التى ذكرت بأنها مختلة العقل والشعور بسبب الإصابة فهذه لا صيام عليها ولا تكليف عليها لأنها زائلة العقل، والعبادة إنما تجب على العاقل البالغ؛ فلا صيام على هذه المصابة التى ماتت بإصابتها وهي مختلة العقل وزائلة الشعور.\nأما إذا كان معها عقلها ومعها شعورها، ولكنها أتت عليها الإصابة حتى ماتت: فإن الصيام لا يسقط عنها. فإذا كان لها تركة: فإنه يخرج من تركتها كفارة إطعام مسكين عن كل يوم من الأيام التى تركتها، وأن تبرع أحد من أقاربها وأطعم عنها أو صام عنها: فإنه يرجى أن ينفعها ذلك (٢) .\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/٢٢٨-٢٢٩) .\n(٢) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٤٠-١٤١) .","vol":"3","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>هل القضاء عن الميت خاص بصوم النذر فقط</span>؟\nوسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nمن مات وعليه قضاء أيام من رمضان فهل يصام عنه مطلقًا أم يُقضى الأيام المنذورة فقط؟\nفأجاب: ذهب الإمام أحمد إلى أن القضاء خاص بالنذر أما الفرض فإنه لا يقضى عن الميت ولكن يتصدق. من تركته عن كل يوم نصف صاع.\nواستدل الإمام أحمد -﵀- بحديث: \"لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد\".\nوذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا فرق بين النذر والفرِض فكلاهما يُقضى عن الميت لحديث عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\".\nأما الحديث الذي استدل به الإمام أحمد فإنه محمول على الأحياء، فإن الحي لا يجوز له أن يوكل غيره في العبادات إلا في بعض الحالات.\nفالقول الصحيح -إن شاء الله-: أن قضاء الصيام عن الميت عام في الفرض والنذر (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>موجبات القضاء والكفارة</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nأريد أن أعرف موجبات القضاء والكفارة في رمضان، علمًا أنه سبق أن بحثت الموضوع، وانتهى بي البحث إلى رأيين: أحدهما يرى أن موجبات القضاء والكفارة هو الجماع لا غير، والدليل معروف في السنة المطهرة، أما الرأي الثاني: فيجعل كل ما يصل إلى المعدة عمدًا موجبًا للقضاء والكفارة، إضافة إلى الجماع دون أن أعثر على دليل من الكتاب والسنة.\nلذا أرجو من فضيلتكم إفادتي بالجواب الشافي المدعم بالدليل من الكتاب والسنة، وجزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير.\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١٢٤-١٢٥) .","vol":"3","page":146},{"text":"فأجابت: نص النبي - ﷺ - على الحكم بوجوب الكفارة على أعرابى لكونه جامع زوجته عمدا في نهار رمضان وهو صائم، فكان ذلك منه - ﷺ - بيانًا لمناط الحكم، ونصا على علته.\nواتفق الفقهاء على أن كونه أعرابيًا وصف طردي لا مفهوم له، ولا تأثير له في الحكم فتجب الكفارة بوطء التركي والأعجمي زوجته.\nواتفقوا أيضًا على أن وصف الزوجة في الموطوءة طردي غير معتبر فتجب الكفارة بوطء الأمة وبالزنا.\nواتفقوا أيضًا على أن مجيء الواطيء نادمًا لا أثر له في وجوب الكفارة فلا اعتبار له أيضًا في مناط الحكم.\nثم اختلفوا في الجماع هل هو وحده المعتبر في وجوب الكفارة بإفساد الصوم به فقط، أو المعتبر انتهاك حرمة رمضان بإفساد الصوم عمدًا ولو بطعام أو شراب:\n* فقال الشافعي وأحمد بالأول.\n* وقال أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما بالثاني.\nومنشأ الخلاف بين الفريقين اختلافهما في تنقيح مناط الحكم، هل هو انتهاك حرمة صوم رمضان لافساده بخصوص الجماع عمدًا، أو انتهاكه بإفساد صومه عمدًا مطلقًا ولو بطعام أو شراب.\nوالصواب الأول؛ تمشيا مع ظاهر النص، ولأن الأصل براءة الذمة من وجوب الكفارة حتى يثبت الموجب بدليل واضح (١) .\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nمن صام يوم قضاء فهل يجوز قطعه. وكذلك يوم النفل؟\nفأجاب: لا يجوز للإنسان إذا نوى صوم القضاء وشرع فيه أن يقطعه لأنه إذا نواه وبدأه وجب عليه إكماله، لأن الفرض الموسّع إذا دخل فيه الإنسان فإنه يجب عليه إكماله ولا يجوز له قطعه، وإنما التوسعة قبل أن يدخل فيه فإذا دخل فيه فلا يجوز قطعه.\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" رقم (٩٣٩٣) .","vol":"3","page":147},{"text":"أما إذا صام النَّفل فإنه يجوز له أن يقطعه لأن صيام النفل لا يلزم إتمامه ولكن الأفضل له إتمامه وله أن يفطر ولا حرج عليه في ذلك، فإن النبي - ﷺ - دخل بيته وهو صائم صيام نفل ولما وجد فيه طعاما أهدي إليهم أكل منه - ﷺ - وقطع صومه، فدل على أن صوم النافلة لا يلزم إتمامه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>لا يجزيء دفع نقود عن الإطعام</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nبعض الطلبة عليهم قضاء رمضان، وقد حال عليهم رمضان آخر وكما نعلم أن عليهم القضاء مع الإطعام عن كل يوم مسكين، لكن يريدون أن يقضوها في أي مكان آخر في \"الرياض\" في أوقات الشتاء أو \"أبها\" فهل يجوز أن يطعموا دفعة واحدة قبل الصيام أو أنهم يصومون ثم بعد ذلك إذا وصلوا إلى بلدهم يطعمون على حسب الأيام التي صاموها، حيث أنهم لا يعرفون أحدًا في المدن الأخرى، وهل تجزيء النقود في ذلك، وكم تعادل النقود في كل يوم إذا كانت تجزيء عن ذلك؟\nفأجابت: يجوز أن يطعموا كفارة تأخير القضاء دفعة واحدة أو في دفعات قبل القضاء وأثناءه وبعده، ولا يجزيء دفع النقود عن الإطعام.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>إطعام المساكين هل يكفي في مكان واحد</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل يكفي إطعام المساكين فى مكان واحد أم لابد من تمليكهم؟\nفأجاب: الفقهاء قالوا: لابد من التمليك وهو أن يُسَلِّم لهم طعاما لا يزال حبا أو دقيقَا ... إلخ. أما شيخ الإسلام وغيره فيختارون أنه يكفي أكلهم عنده حتى يشبعوا (٣) .\n_________\n(١) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (١/٩٢٥) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (١٠٧٥٠) .\n(٣) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ٨٢) .","vol":"3","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>الإطعام هل يجوز لغير السلمين</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nالإطعام هل يجوز لغير المسلمين؟ وما هي أقسام المرض في الصيام؟\nفأجاب: جوابنا على هذا أولًا: لابد أن نعرف أن المرض ينقسم إلى قسمين: مرض يرجى بُرؤُه مثل الأمراض الطارئة التيِ يرجى أن يشفى منها، هذا حكمه كما قال الله تعالى: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أوْ عَلَى سَفَر فعِدَّةٌ منْ أَيَّام أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] ليس عليه إلا أن ينتظر البرء ثم يصوم.\nفإذا قدر أنه استمر به المرض في هذه الحال ومات قبل أن يُشْفى فليس عليه شيء؛ لأن الله أوجب عليه القضاء في أيام أخر وقد مات قبل إدراكها فهو كالذي يموت في شعبان قبل أن يدخل رمضان لا يقضى عنه.\nوالقسم الثاني: أن يكون المرض ملازمًا للمرء مثل مرض السرطان -والعياذ بالله- ومرض الكلى ومرض السكر، وما أشبهها من الأمراض الملازمة التي لا يرجى انفكاك المريض منها فهذه يفطر صاحبها في رمضان ويلزمه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا كالكبير والكبيرة، اللذين لا يطيقان الصيام يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا.\nودليل هذا: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصيَامُ كَمَا كتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تتقونَ * أيَّامًا مَعْدُودَات فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ منْ أَيامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهَ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسكِين) [البقرة: ١٨٣، ١٨٤] .\nفكان هذا في أول الأمر على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ولكن الصيام خير له كما قال تعالى (وَأَن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ) [البقرة: ١٨٤] .\nفكان هذا التخيير بين الصيام والإطعام ثم وجب الصيام عينًا في قوله في الآية الثانية: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرآنُ هُدًى للنَّاسِ وَبينَاتِ منَ الْهُدَى وَالْفُرقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ منْ أَيَّام أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] .\nفجعل الله تعالى الإطعام عديلًا للصيام إما هذا أو هذا أول الأمر فإذا لم يتمكن","vol":"3","page":149},{"text":"الإنسان من الصيام لا حال رمضان ولا ما بعده رجعنا إلى العديل الذي جعله الله معادلًا للصيام وهو الإطعام.\nفيجب على المريض المستمر مرضه وعلى الكبير من ذكر وأنثى أن يطعما عن كل يوم مسكينًا سواء أطعما بالتمليك بأن دفعا إلى الفقراء طعامًا أو كان بالإطعام بالدعوة يدعو مساكين بعدد أيام الشهر فَيُعَشيهم، كما كان أنس بن مالك -﵁- يفعل حين كبر صار يجمع ثلاثين مسكينًا فيعشيهم. ويكون ذلك بدلًا عن صوم الشهر.\nوخلاصة الجواب: أن المرض على قسمين قسم مرض يرجى زواله فيقضي، ومرض ملازم فيطعم عن كل يوم مسكينًا وأما إذا كان الإنسان في بلاد غير إسلامية ووجب عليه إطعام فإن كان في هذه البلاد مسلمون من أهل الاستحقاق أطعمهم وإلا فإنه يصرفه إلى أي بلد من بلاد المسلمين التي تحتاج إلى هذا الإطعام والله أعلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>حكم قراءة آيات الصيام أول ليلة من رمضان في العشاء</span>\nوسئل العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -﵀-:\nعن قراءة آيات الصيام، أول ليلة من رمضان في العشاء؟\nفأجاب: لا أعلم لهذا أصلًا ووإنما استحب أحمد في رواية عنه: قراءة سورة القلم في العشاء الآخرة أول ليلة من رمضان وواستحبه الشيخ تقي الدين، وأما قراءة آخر سورة المائدة فلا علمنا أحد استحبه (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>حكم السهر في ليالى رمضان لتلاوة القرآن بأجرة</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nالسهر في ليالى رمضان عند بعض الناس بالأجر لإحياء ليالى شهر رمضان هل هذا يجوز أم لا يجوز أم حلال أم حرام، أم منهي عنه مع الدليل من الكتاب والسنة؟ حيث أنني أسهر عند بعض الناس كل عام، وأردت أن أمتنع هذا العام حتى أعرف الدليل أرجو إفتائي جزاكم الله خيرا؟\nفأجابت: أمر الله تعالى بعبادته وحث على تلاوة كتابه ودراسته، وهذا في ليالى\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٤٣-٥٤٤) .\n(٢) \"الدرر السنية في الأجوبة النجدية\" (٥/٣١٠) .","vol":"3","page":150},{"text":"رمضان آكد، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\".\nوكان النبي - ﷺ - إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليلها وحث أهله وأمته على ذلك، فمن فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله ورجاء ثوابه فله أجر عظيم.\nأما ما اعتاده بعضى المسلمين من السهر في ليالى رمضان في غير بيوتهم لتلاوة القرآن بأجرة فهو بدعة سواء قصدوا بذلك حصول البركة لهذه البيوت ولأهلها أو قصدوا هبة ثواب ما قرأوا لأهلها أحياء وأمواتًا، فإنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه فعله؛ فكان بدعة محدثة.\nوقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" وفي رواية: وعلى هذا فلا أجر لمن فعله، ولا لمن ساعد عليه، بل عليه وزر لابتداعه وإحداثه في الدين ما ليس منه (١) .\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nكنت في يوم من أيام رمضان ذهبت في صبح يوم من أيامه إلى جبل ويوجد بالجبل بعض الصيود، فأخذت بندقية فصدت بعض الصيد كي نأكله بعد الإفطار، فهل علي إثم في ذلك أو كفارة عما فعلته؟ وهل الصيد في شهر رمضان محرم؟ وماذا أعمل إذا كان علي شيء؟\nفأجابت: من قتل صيدًا وهو صائم فإنه لا يؤثر على صيامه، فصيامك صحيح ولا قضاء عليك، ولا حرج في الصيد في رمضان (٢) .\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\nعضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٥٠٤٩) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (١١٥٨٣) .","vol":"3","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>هل الإفطار الجماعي من محدثات الأمور</span>؟\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nهناك جماعة من الجماعات العاملين في حقل الدعوة في معظم الجماعات الجزائرية يقومون بالإعلان كل يوم أحد على أنه سيكون إفطار جماعي، وهم يصومون الاثنين ثم يجتمعون في قاعة من القاعات ويفطرون معا، فلما استفسرنا عن هذا العمل قيل لنا: إنه لصالح الدعوة، ونحن نريد أن نجمع صفوف المسلمين. والسؤال هو حكم الشرع حول ذلك: هل هو من محدثات الأمور أم لا؟\nفأجابت: إذا كان الأمر كما ذكر في السؤال فلا حرج في الاجتماع المذكور والإعلان عنه (١) .\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>الاعتكاف هل له أقسام</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل الاعتكاف له أقسام أم أنه قسم واحد؟\nفأجاب: الاعتكاف ليس إلا قسمًا واحدا، وهو كما أسلفنا: لزوم مسجد لطاعة الله ﷿، لكن قد يكون أحيانًا بصوم، وقد لا يكون بصوم.\nوقد اختلف أهل العلم: هل يصح الاعتكاف بدون صوم أو لا يصح إلا بصوم؟\nولكن الاعتكاف المشروع إنما هو ما كان في ليالى العشر -عشر رمضان- لأن رسول\nالله - ﷺ - كان يعتكف هذه العشر رجاء لليلة القدر (٢) .\nشروط الاعتكاف\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nما هي شروط الاعتكاف، وهل الصيام منها، وهل يجوز للمعتكف أن يزور مريضًا، أو\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (١١٥٩٦) .\n(٢) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ٢٠٨) .","vol":"3","page":152},{"text":"يجيب الدعوة، أو يقضي حوائج أهله، أو يتبع جنازة، أو يذهب إلى العمل؟\nفأجابت: يُشْرَع الاعتكاف في مسجد تقام فيه صلاة الجماعة، وإن كان المعتكف ممن يجب عليهم الجمعة ويتخلل مدة اعتكافه جمعة ففي مسجد تقام فيه الجمعة أفضل، ولا يلزم له الصوم، والسنة ألا يزور المعتكف مريضًا أثناء اعتكافه، ولا يجيب الدعوة، ولا يقضي حوائج أهله، ولا يشهد جنازة، ولا يذهب إلى عمله خارج المسجد؛ لما ثبت عن عائشة -﵂- أنها قالت: \"السنّة على المعتَكِف ألا يَعُود مَرِيضًا ولا يَشهَد جَنَازة، ولا يَمَسّ امرأة، ولا يباشِرها، ولا يَخْرج لِحَاجة إِلاَّ لِماَ لاَبُدَّ مِنه\".\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل الاعتكاف في شهر رمضان سُنَّة مؤكدة؟\nوما هي شروطه في غير رمضان؟\nفأجاب: الاعتكاف في رمضان سُنَّة فعله النبي - ﷺ - في حياته واعتكف أزواجه من بعده، وحكى أهل العلم إجماع العلماء على أنه مسنون ولكن الاعتكاف ينبغي أن يكون على الوجه الذي من أجله شرع وهو أن يلزم الإنسان مسجدًا لطاعة الله ﷾ بحيث يتفرغ من أعمال الدنيا إلى طاعة الله بعيدًا عن شؤون دنياه ويقوم بأنواع الطاعة من صلاة وذكرٍ وغير ذلك. وكان رسول الله - ﷺ - يعتكف ترقُّبًا لليلة القدر والمعتكف يبعد عن أعمال الدنيا فلا يبيع ولا يشتري ولا يخرج من المسجد ولا يتَّبع جنازة ولا يعود مريضًا، وأما يفعله بعض الناس من كونهم يعتكفون ثم يأتي إليهم الزوار أثناء الليل وأطراف النهار وقد يتخلل ذلك أحاديث محرمة فذلك مناف لمقصود الاعتكاف.\nولكن إذا زاره أحد من أهله وتحدث عنده فذلك لا بأس به فقد ورد عن النبي ﵊ أن زارته صفية وهو معتكف فتحدثت عنده.\nالمهم أن يجعل الإنسان اعتكافه تقربًا إلى الله ﷾ (٢) .\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٦٧١٨) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٤٧، ٥٤٨) .","vol":"3","page":153},{"text":"- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nالاعتكاف له زمان محدد، أو يقتصر على رمضان، أم يجوز في غير رمضان؟ فأجاب: المشروع أن يكون في رمضان فقط لأن النبي - ﷺ - لم يعتكف في غير رمضان، إلا ما كان منه في شوال حين ترك الاعتكاف سنة في رمضان فاعتكف في شوال.\nولكن لو اعتكف الإنسان في غير رمضان، لكان هذا جائزا؛ لأن عمر -﵁-، سأل النبي - ﷺ - فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلة أو يوما في المسجد الحرام، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أَوْفِ بنذرك\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>هل تكفي النية إذا شرط في اعتكافه شيئًا لابد منه ولم ينطق به</span>؟\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀-:\nإذا شرط في اعتكافه شيئًا مما له منه بد، فهل تكفي نيته، أم لابد من نطقه؟\nفأجاب نيته كافية عن نطقه، كما هو الأصل في كل العبادات، إلا الاشتراط في الحج، فلابد من نُطْقهِ فيه، والله أعلم (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>بعض أحكام الاعتكاف</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم الاعتكاف في المساجد، وما معناه شرعًا، وهل هو شامل للنوم مع الأكل في المساجد وإباحته أم لا؟\nفأجاب: لا ريب أن الاعتكاف في المسجد قربة من القرب، وفي رمضان أفضل من غيره؛ لقول الله تعالى: (وَلاَ تُبَاِشُروهُنَّ وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي الْمسًاجِدِ) [البقرة: ١٨٧] .\n_________\n(١) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ٢٠٨) .\n(٢) \"الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي\" (ص ٢٣٢) .","vol":"3","page":154},{"text":"ولأن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وترك ذلك مرة فاعتكف في شوال.\nوالمقصود من ذلك: هو التفرغ للعبادة والخلوة بالله لذلك، وهذه هي الخلوة الشرعية.\nوقال بعضهم في تعريف الاعتكاف: \"هو قطع العلائق عن كل الخلائق للاتصال بخدمة الخالق\".\nوالمقصود من ذلك: قطع العلائق الشاغلة عن طاعة الله وعبادته، وهو مشروع في رمضان وغيره كما تقدم، ومع الصيام أفضل، وإن اعتكف من غير صوم فلا بأس على الصحيح من قولي العلماء، لما ثبت في الصحيحين عن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، -وكان ذلك قبل أن يسلم- فقال له النبي - ﷺ -: \"أوف بِنَذْرك\".\nومعلوم أن الليل ليس مَحَلا للصوم، وإنما محله النهار، ولا بأس بالنوم والأكل فى المسجد للمعتكف وغيره؛ لأحاديث وآثار وردت في ذلك؛ ولما ثبت من حال أهل الصفةّ مع مراعاة الحرص على نظافة المسجد والحذر من أسباب توسيخه من فضول الطعام أو غيرها؛ لما جاء في الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"عُرِضَت عَلَي أُجُور أُمَّتي حَتى القَذَاة يُخْرِجها الرجل من المسجِد\" رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة. ولحديث عن -عائشة ﵂-، \"أن النبي - ﷺ - أمر ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب\" رواه الخمسة إلا النسائي وسنده جيد.\nوالدُّور: هي الحارات والقبائل القاطنة في المدن.\nوأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل به، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>متى يبدأ دخول المعتكف المسجد في العشر الأواخر ومتى ينتهي</span>؟\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/٢٦٤، ٢٦٥) .","vol":"3","page":155},{"text":"إذا أراد شخص أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان كلها في المسجد: فمتى يكون بدء دخوله المسجد، ومتى يكون انتهاء اعتكافه؟\nفأجابت: روى البخاري ومسلم -رحمهما الله- عن عائشة -﵂- قالت: \"كان النبي - ﷺ - إذا أراد أن يعتكف، صلى الفجر، ثم دخل معتكفه\". وينتهي مدة اعتكاف عشر رمضان بغروب شمس آخر يوم منه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>متى يخرج المعتكف من اعتكافه</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله:\nمتى يخرج المعتكف من اعتكافه؟ أبعد غروب الشمس ليلة العيد أم بعد فجر يوم العيد؟\nفأجاب: يخرج المعتكف من اعتكافه إذا انتهى رمضان، وينتهي رمضان بغروب الشمس ليلة العيد، كما أنه يدخل المعتَكَف بغروب شمس ليلة العشرين من رمضان، فإن العشر الأواخر تبتديء بغروب الشمس ليلة العشرين من رمضان، وتنتهي بغروب الشمس ليلة العيد (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>حكم الاعتكاف في الغرف التي داخل المسجد</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nهل تعتبر غرفة الحارس وغرفة لجنة الزكاة في المسجد صالحة للاعتكاف فيها؟ علمًا بأن أبواب هذه الغرف في داخل المسجد.\nفأجابت: الغرف التي داخل المسجد وأبوابها مشرعة على المسجد لها حكم المسجد، أما إذا كانت خارج المسجد فليست من المسجد، وإن كانت أبوابها داخل المسجد.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (٣) .\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٦٧١٨) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٥١) .\n(٣) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٦٧١٨) .","vol":"3","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>يجوز الاعتكاف في أي وقت دون العشر الأواخر</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nهل يجوز الاعتكاف في أي وقت دون العشر الأواخر من رمضان؟\nفأجابت: نعم يجوز الاعتكاف في أي وقت، وأفضله ما كان في العشر الأواخر من رمضان؛ اقتداء برسول الله - ﷺ - وأصحابه﵃-.\nوقد ثبت عنه أنه اعتكف في شوال في بعض السنوات.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>هل يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله:\nهل يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة؟ وما الدليل؟\nفأجاب نعم يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة -المسجد الحرام ومسجد النبي - ﷺ -، والمسجد الأقصى-.\nودليل ذلك: عموم قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) [البقرة: ١٨٧] .\nفإن هذه الآية خطاب لجميع المسلمين، ولو قلنا: إن المراد بها المساجد الثلاثة، لكان أكثر المسلمين لا يخاطبون بهذه الآية؛ لأن أكثر المسلمين خارج مكة والمدينة والقدس.\nوعلى هذا فنقول: إن الاعتكاف جائز في جميع المساجد، وإذا صح الحديث بأنه \"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة\" فالمراد أنه الاعتكاف الأكمل والأفضل، ولا شك ان الاعتكاف في المساجد الثلاثة افضل من غيره، كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة افضل من غيرها، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة.\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٣٨١٠) .","vol":"3","page":157},{"text":"هذا -أي الأجر- فيما يفعله الإنسان في المساجد، كصلاة الجماعة في الفريضة، وفي صلاة الكسوف، وكذلك تحية المسجد، وأما الرواتب والنوافل التي تفعلها غير مقيد بالمسجد فصلاتك في البيت أفضل.\nولهذا نقول في مكة: صلاتك الرواتب في بيتك أفضل من صلاتك إياها في المسجد الحرام.\nوكذلك الأمر بالنسبة للمدينة؛ لأن النبي - ﷺ - قال وهو بالمدينة: \"أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة\" وكان - ﷺ - يصلي النوافل في بيته.\nأما التراويح، فإنها من الصلوات التي تشرع في المساجد؛ لأنها تشرع فيها الجماعة (١) .\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يجوز لمن كان متطوعًا للإمامة في أحد المساجد أن يخرج من معتكفه فى الحرم للصلاة بالناس؟\nفأجاب: المعتكف الذي يصلي في المسجد صلاة التراويح تطوعا منه لا يخرج من معتكفه؛ لأنه غير ملزم بهذا المسجد، وأهل المسجد يدبرون لهم إماما.\nأما إذا كان الإنسان رسميًّا في هذا المسجد فإنه لا يجوز له أن يعتكف ويدع المسجد الذي تعهد به أمام الحكومة (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>الاتصال بالتليفون للمعتكف هل يجوز</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يجوز للمعتكف الاتصال بالتليفون لقضاء حوائج السلمين؟\nفأجاب: نعم يجوز للمعتكف أن يتصل بالتليفون لقضاء بعض حوائج المسلمين، إذا كان التليفون في المسجد الذي هو معتكف فيه؛ لأنه لم يخرج من المسجد.\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٤٨، ٥٤٩) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٥٠) .","vol":"3","page":158},{"text":"أما إذا كان خارج المسجد فلا يخرج لذلك، وقضاء حوائج المسلمين إذا كان هذا الرجل معنيا بها فلا يعتكف لأن قضاء حوائج المسلمين أهم من الاعتكاف لأن نفعها متعدٍّ، والنفع المتعدي أفضل من النفع القاصر، إلا إذا كان النفع القاصر من مهمات الإسلام وواجباته (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>رفض والده ولم يسمح له بالاعتكاف</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nما حكم من لم يسمح له والده بالاعتكاف لأسباب غير مقنعة؟\nفأجاب: الاعتكاف سنة، وبر الوالدين واجب، والسنة لا يسقط بها الواجب، ولا تُعارِض الواجب أصلًا لأن الواجب مقدم عليها.\nوقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: \"مَا تَقَرَّب إِلَيَ عَبدِي بِشَيء أحَبُّ إِليَ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيه\" فإذا كان أبوك يأمرك بترك الاعتكاف ويذكر أشياء تقتضي ألا تعتكف لأنه محتاج إليك فيها، فإن ميزان ذلك عنده وليس عندك، لأنه قد يكون الميزان عندك غير مستقيم وغير عدل؛ لأنك تهوى الاعتكاف، فتظن أن هذه المبررات ليست مبررا وأبوك يرى أنها مبرر.\nفالذي أنصحك به ألا تعتكف؛ نعم. لو قال أبوك: لا تعتكف، ولم يذكر مبررات لذلك فإنه لا يلزمك طاعته في هذه الحال؛ لأنه لا يلزمك أن تطيعه في أمر ليس فيه ضرر عليه فى مخالفتك إياه وفيه تفويت منفعة لك (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>هل للمعتكف في الحرم أن يخرج للأكل أو الشرب</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل للمعتكف في الحرم أن يخرج للأكل أو الشرب وهل يجوز له الصعود إلى سطح المسجد لسماع الدروس؟\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٥٠، ٥٥١) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٥١) .","vol":"3","page":159},{"text":"فأجاب: نعم.. يجوز للمعتكف في المسجد الحرام أو غيره أن يخرج للأكل والشرب، إن لم يكن في إمكانه أن يحضرهما إلى المسجد؛ لأن هذا أمر لابد منه، كما أنه سوف يخرج لقضاء الحاجة، وسوف يخرج للاغتسال من جنابة إذا كانت عليه الجنابة. وأما الصعود إلى سطح المسجد فهو أيضًا لا يضر لأن الخروج من باب المسجد الأسفل إلى السطح ما هي إلا خطوات قليلة ويقصد بها الرجوع إلى المسجد أيضًا، فليس في هذا بأس (١) .\nما الذي يباح للمعتكف؟\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nنود أن نعرف ما الذي يباح للمعتكف؟\nفأجاب: المعتكف كما أسلفنا يلتزم المسجد للتفرغ لطاعة الله ﷿ وعبادته، فينبغي أن يكون أكثر همَّه اشتغاله بالقربات من الذكر وقراءة القرآن وغير ذلك، ولكن المعتكف أفعاله تنقسم إلى أقسام: قسم مباحٌ، قسمٌ مشروع ومستحب، وقسمٌ ممنوعٌ.\nفأما المشروع: فهو أن يشتغل بطاعة الله ﷾ وعبادته والتقرب إليه؛ لأن هذه هو لُبُّ الاعتكاف والمقصود منه، ولهذا قُيد في المساجد. وقسم آخر هو الممنوع: هو ما ينافي الاعتكاف، مثل أن يخرج الإنسان من المسجد بلا عذر، أو يبيع ويشتري، أو يجامع زوجته، أو ما أشبه ذلك من الأفعال التي تبطل الاعتكاف لمنافاتها لمقصوده.\nوقسمٌ ثالث: جائز مباح، كالتحدث إلى الناس، والسؤال عن أحوالهم وغير ذلك مما أباح الله تعالى للمعتكف، ومنه: خروجه لما لابد له منه كخروجه لإحضار الأكل والشرب، إذا لم يكن له من يحضرهما وخروجه لقضاء الحاجة من بول وغائط، وكذلك خروجه لأمر مشروع واجب؛ بل هذا واجب عليه، كما لو خرج ليغتسل من الجنابة، وأما خروجه لأمر مشروع غير واجب، فإن اشترطه فلا بأس، وإن لم يشترطه فلا يخرج، وذلك كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وما أشبههما، فله ان يخرج لهذا إن اشترطه،\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/٢٠٥، ٢٠٦) .","vol":"3","page":160},{"text":"إن لم يشترطه فليس له أن يخرج، ولكن إذا مات له قريب أو صديق وخاف إن لم يخرج أن يكون هناك قطيعة أو مفسدة فإنه يخرج ولو بطل اعتكافه؛ لأن الاعتكاف مستحب لا يلزمه المضى فيه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>جواز تنقل المعتكف في جميع أنحاء المسجد</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يلتزم المعتكف مكانًا محددًا في المسجد، أم يجوز له التنقل في أنحائه؟\nفأجاب: يجوز للمعتكف أن يتنقل في أنحاء المسجد من كل جهة، لعموم قوله تعالى: (وَأَنتُم عَاكِفُونَ فِي الْمساجِدِ) [البقرة: ١٨٧]،\n(في): للظرفية، فتشمل ما لو شغل الإنسان جميع الظرف (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>ما يستحب وما يكره للاعتكاف</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nنود أن نعرف ما الذي يُستَحب للاعتكاف، وما يكره له؟\nفأجاب: الذي يستحب فى الاعتكاف أن يشتغل الإنسان بطاعة الله ﷿، من تلاوة القرآن والذكر والصلوات وغير ذلك، وأن لا يضَيع وقته فيما لا فائدة فيه، كما يفعله بعض المعتكفين، تجده يبقى في المسجد يأتيه الناس في كل وقت يتحدثون إليه، ويقطع اعتكافه بلا فائدة.\nوأما المتحدِّث أحيانًا مع بعض الناس أو بعض الأهل فلا بأس به؛ لما ثبت في الصحيحين من فعل رسول الله - ﷺ - حين كانت صفية -﵂- تأتي إليه فتتحدث عنده ساعة ثم تنقلب إلى بيتها (٣) .\n_________\n(١) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ٢١٠، ٢١١) .\n(٢) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ٢١١) .\n(٣) \"فقه العبادات لابن عثيمين\" (ص ٢٠٩، ٢١٠) .","vol":"3","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>هل يَلْزَم من نذر أن يعتكف الوفاء به</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nتقدم أن الاعتكاف طاعة لله -جل وعلا- والطاعة إذا نذرت يجب الوفاء بها ولكني سمعت أن بعض العلماء يقول: لايلزم من نذر الاعتكاف أن يعتكف الوفاء به. فهل هذا صحيح؟\nفأجاب: الاعتكاف طاعة يجب الوفاء بها، لقوله - ﷺ -: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\" أما الأحناف: فإنهم قالوا: لا يلزم الوفاء به، لأن عندهم قاعدة في النذر وهي: أن النذر لا يلزم الوفاء به إلا ما كان جنسه واجبًا بأصل الشرع والاعتكاف ليس جنسه واجبًا بأصل الشرع.\nوالصحيح: قول الجمهور لعموم حديث: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\". والاعتكاف من طاعة الله (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>نذر أن يعتكف في مسجد معين هل يجوز له أن يعتكف في غيره</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nمن نذر أن يعتكف في مسجد معين، فهل يجوز له أن يعتكف في غيره؟\nفأجاب: من نذر أن يعتكف في أي مسجد غير المساجد الثلاثة جاز له أن يوفي باعتكافه في أي مسجد آخر، لأن البقاع كلها سواء، وكذلك من نذر أن يعتكف في مسجد في البلدة الفلانية، جاز له أن يوفي باعتكافه في، أي بلد.\nوهناك قاعدة في هذا، وهي أنه إذا عينّ الأفضل تَعَينَّ، ولم يجز فيما دونه. فمن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لزمه الاعتكاف فيه، ولم يجز فيما دونه، لأن كل المساجد دونه في الفضل، وإذا عين المفضول جاز في الفاضل.\nدليل ذلك: أن رجلًا قال للنبي - ﷺ - إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١١٤) .","vol":"3","page":162},{"text":"مسجد بيت المقدس. قال: \"صل ها هنا\". قال: إني نذرت أن أصلي في ذلك المسجد. قال: \"صل ها هنا\". فلما رآه مصرًا قال: \"شأنك إذًا\". رواه أبو داود والحاكم وصححه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>صيام الثلاثة أشهر والاعتكاف فيها</span>\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعما ورد في ثواب صيام الثلاثة أشهر، وما تقول في الاعتكناف فيها، والصمت: هل هو من الأعمال الصالحات؟ أم لا؟\nفأجاب: أما تخصيص رجب وشعبان جميعًا بالصوم، أو الاعتكاف فلم يرد فيه عن النبي - ﷺ - شيء، ولا عن أصحابه، ولا أئمة المسلمين، بل قد ثبت في \"الصحيح\": أن رسول الله - ﷺ - كان يصوم إلى شعبان، ولم يكن يصوم من السنة أكثر مما يصوم شعبان، من أجل شهر رمضان.\nوأما صوم رجب بخصوصه، فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يُروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات، وأكثر ما روي في ذلك أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل رجب يقول: \"اللَهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان\".\nوقد روى ابن ماجة في سننه عن ابن عباس -﵄- عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن صوم رجب وفي إسناده نَظَر.\nلكن صح أن عمر بن الخطاب -﵁- كان يضرب أيدي الناس؛ ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب. ويقول: لا تشبهوه برمضان.\nودخل أبو بكر فرأى أهله قد اشتروا كِيزانًا للماء، واستعدوا للصوم، فقال \"ما هذا؟! \" فقالوا: رجب. فقال: \"أتريدون أن تشبهوه برمضان؟ \" وكسر تلك الكيزان. فمتى أفطر بعضًا لم يكره صوم البعض.\nوفي \"المسند\" وغيره: حديث عن النبي - ﷺ - أنه أمر بصوم الأشهر الحرم وهي رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١١٥) .","vol":"3","page":163},{"text":"فهذا في صوم الأربعة جميعا، لا من يخصص رجب.\nوأما تخصيصها بالاعتكاف فلا أعلم فيه أمرًا، بل كل من صام صومًا مشروعًا، وأراد أن يعتكف من صيامه كان ذلك جائزًا بلا ريب.\nوإن اعتكف بدون الصيام، ففيه قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنه لا اعتكاف إلا بصوم، كمذهب أبى حنيفة، ومالك.\nوالثاني: يصح الاعتكاف، بدون الصوم. كمذهب الشافعي.\nوأما الصمت عن الكلام مطلقًا في الصوم، أو الاعتكاف، أو غيرهما فبدعة مكروهة، باتفاق أهل العلم. لكن هل ذلك محرم، أو مكروه؟ فيه قولان في مذهبه، وغيره.\nوفي \"صحيح البخاري\": أن أبا بكر الصديق دخل على امرأة من أحمس فوجدها مصمتة لا تتكلم، فقال لها أبو بكر: \"إن هذا لا يحل: إن هذا من عمل الجاهلية\".\nوفي \"صحيح البخاري\" عن ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - رأى رجلا قائمًا في الشمس، فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم فى الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم ويصوم. فقال: مروه فليجلس وليستظل وليتكلم، وليتم صومه\".\nفأمره - ﷺ - مع نذره للصمت، أن يتكلم، كما أمره مع نذره للقيام أن يجلس، ومع نذره أن لا يستظل، أن يستظل.\nوإنما أمره بأن يوفي بالصوم فقط، وهذا صريح في أن هذه الأعمال ليست من القرب التي يؤمر بها الناذر.\nوقد قال - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله\nفلا يعصه\".\nكذلك لا يؤمر الناذر أن يفعلها، فمن فعلها على وجه التعبد بها والتقرب، واتخاذ ذلك دينًا وطريقًا إلى الله تعالى: فهو ضال جاهل مخالف لأمر الله ورسوله. ومعلوم أن من يفعل ذلك -من نذر اعتكافًا ونحو ذلك-، إنما يفعله تدينًا، ولا ريب أن فعله على وجه التدين حرام فإنه يعتقد ما ليس بقربه قربة، ويتقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه الله،","vol":"3","page":164},{"text":"وهذا حرام، لكن من فعل ذلك قبل بلوغ العلم إليه، فقد يكون معذورا بجهله إذا لم تقم عليه الحجة، فإذا بلغه العلم فعليه التوبة.\nوجماع الأمر في الكلام قوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو\nليصمت\".\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nمن فاته من رمضان صيام بعض الأيام وذلك لعذر. فهل يجب عليه أن يصومها متتابعة أم يجوز له أن يفرقها؟\nفأجاب: الصحيح أنه يجوز قضاؤها متفرقة؛ لأن الآية ليس لها نص على التتابع بل إن الله -جل وعلا- أطلق فيها فدل على أنه يجوز أن يقضيها متفرقة.\nولكن الأفضل أن يقضيها متوالية؛ لأن ذلك حكاية الأداء، فإن الأيام التي أفطرها كانت متوالية فيقضيها متوالية (١) .\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه الله:\nظاهرت من امرأتي ولم أجد عتق رقبة، فصمت شهر ذي القعدة ولما وصلت إلى اليوم العاشر من ذي الحجة قيل لي: لا يجوز لك صوم العيد. فهل أعيد الصيام لأن التتابع واجب؟\nفأجاب: من كان عليه صيام شهرين متتابعين -كما هي حالة السائل-، فوافق صيامه يوم عيد، نقول: أفطر يوم العيد وصم يوما بدله: فإن التتابع واجب إلا في مثل هذه الحالة (٢) .\n- وسألت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nما حكم امرأة صامت بدون إذن زوجها (أي بدون علمه) يومين علمًا أن الصوم كان قضاء لشهر رمضان المبارك، وكانت عند الصيام خجلت أن تخبر زوجها بذلك، إن كان غير جائز هل عليها كفارة؟\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١٢٥) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١٠٢) .","vol":"3","page":165},{"text":"فأجابت: يجب على المرأة قضاء ما أفطرته من أيام رمضان ولو بدون علم زوجها، ولا يشترط للصيام الواجب على المرأة إذن الزوج فصيام المرأة المذكورة صحيح. وأما الصيام غير الواجب فلا تصوم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه -غير رمضان- (١) .\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nرجل كان على الإسلام ثم ارتد، وفي ١٥ من رمضان تاب في أثناء النهار. فهل يقضي ما فاته؟\nفأجاب: المرتد إذا تاب في أثناء النهار أمرناه بإمساك بقية نهاره وبقية شهره وأسقطنا عنه ما مضى -وهذا الحكم ينطق أيضًا على الكافر الأصلي-.\nودليل ذلك: أن ثقيفا لما أسلمت كانوا في سنة تسع في رمضان وهم آخر من أسلم من أهل الحجاز فلما أسلموا لم يأمرهم النبي - ﷺ - أن يقضوا أول الشهر بل أمرهم بإمساك بقيته. والله أعلم (٢) .\n- وسئلت أيضًا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nهل ثبت أن الرسول - ﷺ - صام عشر ذي الحجة؟\nفأجابت: لم يثبت -فيما نعلم- أن الرسول - ﷺ - صام عشر ذي الحجة أي: التسعة أيام ما قبل العيد. لكنه - ﷺ - حث على العمل الصالح فيها، فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: \"ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام\" يعني: أيام العشر، قالوا: يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: \"ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء\" رواه البخاري (٣) .\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" رقم (١٢٥٨٢) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١٢٣، ١٢٤) .\n(٣) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" رقم (٧٢٣٣) .","vol":"3","page":166},{"text":"- وسئلت أيضًا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nاختلف الناس هنا في صوم يوم عرفة لهذا العام، حيث صادف يوم السبت فمنهم من قال: إن هذا يوم عرفة نصومه لأنه يوم عرفة وليس لكونه يوم السبت المنهي عن صيامه، ومنهم من لم يصمه لكونه يوم السبت المنهي عن تعظيمه مخالفة لليهود، وأنا لم أصم هذا اليوم وأنا في حيرة من أمري، وأصبحت لا أعرف الحكم الشرعي لهذا اليوم، وفتشت عنه في الكتب الشرعية والدينية فلم أصل إلى حكم واضح قطعي حول هذا اليوم، أرجو من سماحتكم أن ترشدني إلى الحكم الشرعي وأن ترسله لي خطيًا، ولكم من الله الثواب على هذا وعلى ما تقدموه للمسلمين من العلم النافع لهم في الدنيا والآخرة.\nفأجابت: يجوز صيام يوم عرفة مستقلًا سواء وافق يوم السبت أو غيره من أيام الأسبوع لأنه لا فرق بينها؛ لأن صوم يوم عرفة سنة مستقلة، وحديث النهي عن يوم السبت ضعيف؛ لاضطرابه ومخالفته للأحاديث الصحيحة.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يجوز صيام يوم عاشوراء وحده من غير أن يصام يوم قبله أو بعده، لأنني قرأت في إحدى\nالمجلات فتوى مفادها أنه يجوز ذلك لأن الكراهة قد زالت حيث اليهود لا يصومونه الآن..؟\nفأجاب: كراهة إفراد يوم عاشوراء بالصوم ليست أمرا متففا عليه بين أهل العلم فإن منهم من يرى عدم كراهة إفراده، ولكن الأفضل أن يصام يوم قبله أو يوم بعده، والتاسع أفضل من الحادي عشر، أي من الأفضل أن يصوم يوما قبله؛ لقول النبي - ﷺ -: \"لئن بقيت إلى قادم لأصومن التاسع\" -يعني مع العاشر- وقد ذكر بعض أهل العلم أن صيام عاشوراء له ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده.\nالحالة الثانية: أن يفرده بالصوم.\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" رقم (١١٧٤٧) .","vol":"3","page":167},{"text":"الحالة الثالثة: أن يصوم يومًا قبله ويومًا بعده.\nوذكروا أن الأكمل أن يصوم يومًا قبله ويوما بعده، ثم أن يفرده بالصوم.\nوالذي يظهر أن إفراده بالصوم ليس بمكروه لكن الأفضل أن يضم إليه يومًا قبله أو يوما بعده (١) .\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل يجب على من أراد صيام الست من شوال أن يصومها متتابعة أم يجوز تفرقتها في أول الشهر وأوسطه وآخره؟\nفأجاب: صيام هذه الستة سنة وليس واجبا، والأفضل صيامها بعد العيد متتابعة لقوله - ﷺ - في الحديث: \"من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر\".\nلكن يجوز صيامها متتابعة ومتفرقة، كما يجوز صومها من أول الشهر أو من أوسطه أو من آخره، فإن ذلك كله يحصل به الصيام المطلوب فإن خرج الشهر قبل صيامها لعذر من مرض أو سفر أو نفاس، فلا مانع من صيامها بعده. والله أعلم (٢) .\n- وسئل أيضًا العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀-:\nإذا صام ستة أيام من شوال في ذي القعدة، فهل يحصل له الأجر الخاص بها؟\nفأجاب: أما إن كان له عذر من مرض أو حيض أو نفاس أو نحو ذلك من الأعذار التي بسببها أخر صيام قضائه أو أخر صيام الست، فلا شك في إدراك الأجر الخاص، وقد نصوا على ذلك.\nوأما إذا لم يكن له عذر أصلًا، بل أخر صيامها إلى ذي القعدة أو غيره فظاهر النص يدل على أنه لا يدرك الفضل الخاص، وأنه سنة في وقت فات محله، كما إذا فاته صيام عشر ذي الحجة أو غيرها حتى فات وقتها، فقد زال ذلك المعنى الخاص، وبقي الصيام المطلق (٣) .\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن عثيمين - كتاب الدعوة\" (١/١٨٨، ١٨٩) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (ص ١٠٤) .\n(٣) \"الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن السعدي\" (ص ٢٣٠) .","vol":"3","page":168},{"text":"- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nشخص يصوم ستة أيام شوال، أتاه مرض أو مانع أو تكاسل عن صيامها في إحدى السنوات هل عليه إثم؟ لأننا نسمع أنه من يصومها عام يجب عليه عدم تركها.\nفأجابت: صيام ستة أيام من شوال بعد يوم العيد سنة، ولا يجب على من صامها مرة أو أكثر أن يستمر على صيامها، ولا يأثم من ترك صيامها.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nبالنسبة لأيام البيض: هل صحيح أن الرسول - ﷺ - لم يترك صيامها سفرًا ولا حضرًا؟ أم أنه\nأمر مستحب؟\nفأجاب: الرسول - ﷺ - كان يصوم تطوعا ويكثر الصيام، كان يصوم حتى يقال: إنه لا يفطر، وكان يفطر حتى يقال: إنه لا يصوم؟ فالرسول - ﷺ - كان يكثر من صيام التطوع حضرا وسفرًا.\nأما كونه يلازم أيام البيض: فهذا لا أدري ولا يحضرني الآن شيء فيه (٢) .\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nامرأة تسأل تقول: إنها نذرت أن تصوم شهر رجب من كل عام ثم كبرت بها السن وعجزت عن الصيام فماذا تفعل؟\nفأجاب أولًا: أنصح جميع إخواني المسلمين بالبعد عن النذر؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن النذر وقال: \"إنَّهُ لاَ يَأتِي بِخَير وِإنما يستخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخيل\".\nوقد أشار الله ﷿ إلى النهي عنه في القرآن، فقال تعالى: (وَأقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أيمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرتَهُمْ لَيَخْرُجُنَ قل لا تقسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) [النور: ٥٣] .\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" رقم (٧٣٠٦) .\n(٢) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٥١) .","vol":"3","page":169},{"text":"فإذا كان كذلك فلا تنذر فإن نذرت فإن كان طاعة وجب عليك الوفاء به لقول النبي - ﷺ -: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\".\nسواء كان هذ النذر مشروطًا بشرط حصول نعمة أو اندفاع نقمة أو كان نذرًا مطلقا، فنذر الطاعة قد يكون مشروطا بحصول نعمة أو اندفاع نقمة وقد يكون مطلقًا بلا شرط.\nهذه ثلاثة أحوال:\n١- إذا قال قائل: لله عليَّ نذر أن أصوم غدًا.\nهذا نذر طاعة مطلق. يعني ما له سبب.\n٢- إذا قال: إن نجحت في الامتحان فلله على نذر أن أصوم ثلاثة أيام.\nهذا مقيد بحصول مصلحة.\n٣- إذا قال: إن شفى الله مريضي فلله على نذر أن أصوم شهرا.\nهذا نذر طاعة مقيد باندفاع نقمة وهو المرض.\nوعلى هذا: فنذر الطاعة يجب الوفاء به، ولكن نذر شهر رجب: نسأل هذه الناذرة: لماذا خصت شهر رجب بالنذر؟ إن قالت: لأنني أعتقد أن تخصيص رجب بالصوم عبادة. قلنا لها: هذا نذر مكروه، ولا يجب الوفاء به، لأن تخصيص رجب بالصوم مكروه، يعني: يكره للإنسان أن يخص شهر رجب بذاته من بين سائر السنَة، أما إذا كانت نذرت شهر رجب لأنه الشهر الموالي لحصول الحادث لا لعينه فإنها تصومه فإن عجزت فإن النذر الواجب يحذى به حذو الواجب في أصل الشرع.\nوهنا سؤال: لو قال قائل لله: علي نذر أن ألبس هذا الثوب أيجب عليه أن يوفي نذره أم لا؟\nالجواب: لا يجب أن يوفي به؛ لأن نذر المباح حكمه حكم اليمين.\nفالآن: إن شاء لبس الثوب ولا عليه شيء، وإن شاء لم يلبس ووجب عليه أن يكفِّر","vol":"3","page":170},{"text":"كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة (١) .\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nإذا نذرت صيام شهرين متتابعين، وبعد مضي خمسة وأربعين يوما من الصيام أفطرت لعذر شرعي، وبعد أن أردت أن أتم بقية الشهرين بعد انقضاء العذر وقعت في خلاف بين الناس، فمنهم من قال: يجب عليك إعادة الصيام. ومنهم من قال: أتمم صومك، والآن -وقد مضى وقت طويل بين الخمسة والأربعين يومًا وبقية الشهرين- ماذا علي أن أفعل؟\nفأجاب: إذا كان الإفطار بعذر شرعي: كالحيض والنفاس وغيرهما فإنه لا يقطع التتابع. لكن: بما أنه قد مضى وقت طويل بعد انقطاع العذر حسبما ذكرت، ولم تصم خلاله: فإن التتابع قد انقطع، وعليك باستئناف صيام الشهرين المتتابعين من جديد؛ لأن التتابع مشروط فى النذر -كما ذكرت- فلابد منه، والله أعلم (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>نذر أن يصوم الاثنين والخميس ثم بدا له أن يصوم يومًا ويفطر يومًا</span>\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن رجل نذر أنه يصوم الاثنين والخميس، ثم بدا له أن يصوم يوما ويفطر يومًا، ولم يرتب ذلك إلا بأن يصوم أربعة أيام، ويفطر ثلاثة أو يفطر أربعة، ويصوم ثلاثة: فأيهما أفضل؟ أفتونا يرحمكم الله؟\nفأجاب: الحمد لله. إذا انتقل من صوم الاثنين والخميس إلى صوم يوم وفطر يوم، فقد انتقل إلى ما هو أفضل. وفيه نزاع، والأظهر أن ذلك جائز كما لو نذر الصلاة في المسجد المفضول، وصلى في الأفضل، مثل أن ينذر الصلاة في المسجد الأقصى فيصلى في مسجد أحد الحرمين، والله أعلم (٣) .\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٥٩، ٥٦٠) .\n(٢) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٥٢، ١٥٣) .\n(٣) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٨٩-٢٩٠) .","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>نذرت أن تصوم سنة -لوجه الله- لشفاء زوجها</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nبعد مرض زوجي نذرت أن أصوم سنة -لوجه الله تعالى- بعد شفائه من هذا المرض، والحمد لله فقد تحقق أملي بقدرة الله ﷿ فشفي زوجي من مرضه، وأنا الآن مريضة وقد منعني الطبيب من الصيام وحاولت أن أصوم مرات عديدة -على الرغم من قول الطبيب- وأنا الآن لا أستطيع الصيام فأرجو أن تقولوا لي: هل يلزمني دفع مبلغ من النقود وكفارة عن هذا الصوم؟ وهل استطيع أن أدفعها لأحد من أقاربي المحتاجين أو هل يمكن أن أصوم يومين في الأسبوع على قدر استطاعتي؟ أفيدوني وفقكم الله.\nفأجاب: قال - ﷺ - \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\".\nوأنت نذرت إذا شفى زوجك أن تصومي سنه، وأن الطبيب نهاك عن الصيام، فإن كانت السنه غير معينة، فالصيام يبقى فى ذمتك حتى تستطيعي فإذا استطعت وزال عنك المانع فإنك تؤدين الصيام الذى نذرته لأنه دين فى ذمتك فانتظرى حتى يزول المانع وتصومي إن شاء الله؛ لأنك لم تعينى سنه معينه بعينها بل سنه مطلقه فأي سنه تصومينها فإنها تجزئ مع الإطلاق ولا يجزئ أن تصومي يومين من كل أسبوع؛ لأنك نذرت سنه والستة اثنا عشرة شهرا متتابعه، وإن كنت نذرت سنة معينة فلم تستطيعي صيامها فإنك تقضينها إذا استطعت والله أعلم.\nوينبغي أن يُعلم أن النذر كما قال الرسوله - ﷺ -: \"لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل\".\nوقد نهى النبي - ﷺ - عن النذر، فالدخول في النذر مكروه؛ لأنه يلزم عليه الحرج وأن الإنسان يكلف نفسه شيئًا لا يستطيع الوفاء به أو يشق عليه فالإنسان قبل النذر لا ينبغي له أن ينذر، ولكن بعد ما ينذر فإنه يتعين عليه الوفاء إذا كان نذره نذر طاعة.\nوالله تعالى أثنى على الذين يوفون بالنذر فقال: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوما كَانَ شَرُهُ مُستَطِيرًا) [الإنسان: ٧] . وقال: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم من نَّذْر فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ) [البقرة: ٢٧٠]، وقال تعالى: (وَلْيوفُوا نُذُورَهُم) [الحج: ٢٩] .","vol":"3","page":172},{"text":"والنبي - ﷺ - يقول: \"مَنْ نذَر أن يُطيع الله فليطعه\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>حكمة إباحة الصوم في أيام التشريق للمتمتع والقارن مع عدم الهدي</span>\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀-:\nما الحكمة في إباحة الصوم في أيام التشريق للمتمتع والقارن مع عدم الهدي؟\nفأجاب: يُستفاد من إباحة النبي - ﷺ - لصيام أيام التشريق للمتمتع والقارن الذي لم يجد الهدي، دون قضاء رمضان، مع أنه أكمل وأعظم، فائدتان:\nإحداهما: أن الوقت إذا كان متسعا للواجب الأعلى، متعينًا للواجب الأدنى، أنه من مُرَجِّحات المفضول على الفاضل.\nوفائدة أخرى: أنه إذا تعارض واجب ومُحَرم، تعين تقديم الواجب، وبهذه الحال لا يصير حرامًا في حق المؤدي للواجب، كما يجب على المضحي أخذ شيء من شعرة، فهذا لا يدخل في المحرم. والله أعلم (٢) .\n- وسئل أيضًا فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nهل يشرع قيام النصف من شعبان وصيام الخامس عشر منه؟\nفأجاب: لم يثبت عن النبي - ﷺ - بقيام ليلهّ النصف من شعبان بخصوصها ولا بصيام اليوم الخامس عشر من شعبان بخصوصه، لم يثبت عن النبي - ﷺ - شيء يعتمد عليه.\nفليلة النصف من شعبان كغيرها من الليالي إن كان له عادة القيام في الليل، فإنه يقوم فيها كما يقوم في غيرها -دون أن يكون لها ميزهّ- لأن تخصيص وقت لعبادة من العبادات لابد له من دليل صحيح، فإذا لم يكن هناك دليل صحيح فإن ذلك يِكون بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nوكذلك لم يرد في صيام يوم الخامس عشر من شعبان، أو النصف من شعبان بخصوصه دليل عن النبي - ﷺ - يقتضي مشروعية صيام ذلك اليوم.\n_________\n(١) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" طبعة دار الوطن (١/٣٤، ٣٥) .\n(٢) \"الفتاوى السعدية\" (٢٣١) .","vol":"3","page":173},{"text":"أما ما ورد من الأحاديث في هذا الموضوع فكلها ضعيفة؛ كما نص على ذلك أهل العلم، ولكن من كان من عادته أن يصوم الأيام البيض فانه يصومها في شعبان كما يصومها في غيره، لا على أنه خاص بهذا اليوم كما كان النبي - ﷺ - يصوم ويكثر الصيام في هذا الشهر، لكنه لم يخص هذا اليوم، وإنما يدخل تبعًا (١) .\n- وسئل أيضًا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم صيام نصف شعبان وهي الأيام (١٣-١٤-١٥)؟\nفأجاب: يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، من شعبان أو غيره لما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أمر عبد الله بن عمرو بن العاص بذلك وثبت عنه - ﷺ - أيضًا أنه أوصى أبا الدرداء وأبا هريرة بذلك، وإن صام هذه الثلاثة من بعض الشهور دون بعض أوصامها تارة وتركها تارة فلا بأس لأنها نافلة لا فريضة، والأفضل أن يستمر عليها في كل شهر إذا تيسر له ذلك (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>حكم الإستكثار من صيام شعبان وحكم صوم النصف الأخير منه</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل يستحب الإكثار من صيام شهر شعبان؟ وهل يجوز صوم آخره؟ لأنني قرأت حديثًا في النهي عن صوم النصف الأخير من شعبان؟\nفأجاب: يستحب الإكثار من الصيام في شهر شعبان، وقد ورد عن عائشة -﵂- قالت: كان النبي - ﷺ - يكثر من الصيام في شهر شعبان. وكانت -﵂- تقول: \"كان - ﷺ - يصوم شعبان إلا قليلًا\" وهذا دليل على فضل الصيام في شعبان.\nأما صيام آخره: فقد ورد النهي عن صيامه في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول - ﷺ -: \"إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان\". وقد أنكر بعض العلماء هذا الحديث -وإن كان سنده صحيحًا-\n_________\n(١) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان\" (٣/١٥١-١٥٢) .\n(٢) \"الفتاوى لابن باز - كتاب الدعوة\" (١/١٢٢) .","vol":"3","page":174},{"text":"واستدلوا على نكارته بأن النبي - ﷺ - قال لرجل: \"هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا؟ \" قال: لا. قال: \"فإذا صمت فأفطر يومين\". وسرر الشهر: أواخره التي يستتر فيها القمر، فدل هذا على أنه يتأكد الصيام في أول الشهر وآخره.\nوقد ذكر العلماء أن الحكمة في الإكثار من صيام شعبان حتى يتهيأ المسلم لرمضان.\nأما النهي: فقد ورد في وصل شعبان برمضان؛ لأن المسلم مأمور أن يميز شهر رمضان عن غيره، لذلك أمر النبي - ﷺ - بالفطر قبل رمضان بيوم أو يومين بقوله - ﷺ -: \"لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون صوم أحدكم فليصمه\".\nفالصحيح -إن شاء الله- أنه يجوز صوم آخر شعبان إلا اليومين اللذين قبل رمضان (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>التهنئة بقدوم رمضان</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله -حفظه الله-:\nعندما يحل شهر رمضان نسمع كثيرًا من الناس يباركون على بعضهم بقدومه بقولهم: \"مبروك عليك شهر رمضان\": فهل لذلك أصل في الشرع؟ أفتونا مأجورين.\nفأجاب: التهنئة بدخول شهر رمضان لا بأس بها؛ لأن النبي - ﷺ - كان يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان، ويحثهم على الاجتهاد فيه بالأعمال الصالحة، وقد قال الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: ٥٨] .\nفالتهنئة بهذا الشهر والفرح بقدومه يدلان على الرغبة في الخير، وقد كان السلف يبشر بعضهم بعضًا بقدوم شهر رمضان؛ اقتداء بالنبي - ﷺ -: كما جاء ذلك في حديث سلمان الطويل الذي فيه أن النبي - ﷺ - قال: \"أيها النَّاس! قَدْ أَظَلَّكم شَهْرٌ عَظِيم مبارك\" إلى آخر الحديث (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>الموت في رمضان</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين (١٠٠) .\n(٢) \"المنتقى من فتاوى الشيخ صالح فوزان\" (٣/١٢٣) .","vol":"3","page":175},{"text":"يقول الرسول ﵊: \"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار\" هل معنى ذلك أن من يموت في رمضان يدخل الجنة بغير حساب؟\nفأجاب: ليس الأمر كذلك: بل معنى هذا أن أبواب الجنة تفتح تنشيطًا للعاملين ليتسنى لهم الدخول، وتغلق أبواب النار لأجل انكفاف أهل الإيمان عن المعاصي حتى لا يلجوا هذه الأبواب، وليس معنى ذلك أن من مات في رمضان يدخل الجنة بغير حساب إنما الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم الذين وصفهم الرسول - ﷺ - في قوله: \"هُمُ الَّذين لاَ يَستَرقُونَ وَلاَ يَكْتَوُون وَلاَ يَتَطَيرُون وَعلَى رَبِّهِم يَتَوَكلون\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>هل يضاعف الصوم في الحرم</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يضاعف الصوم في الحرم؟\nفأجاب: الصلاة في مكة أفضل من غيرها بلا ريب؛ ولهذا ذكر أن النبي - ﷺ - حينما كان مقيمًا في غزوة الحديبية كان في الحلِّ ولكن كان يصلي في الحرم -أي داخل أميال الحرم-، وهذا يدل أن الصلاة في الحرم -أي فيما دخل في الأميال- أفضل من الصلاة في الحل؛ وذلك لفضل المكان وقد أخذ العلماء من هذه قاعدة قالوا فيها: إن الحسنات تُضاعف في كل مكان وزمان فاضل، كما أن الحسنات تضاعف أيضًا باعتبار العامل.\nكما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لاَ تَسُبوا أصحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَ أحَدَكُم أنْفَقَ مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أحَدُهُم وَلاَ نَصِيفه\".\nإذًا: فالعبادات تتضاعف باعتبار العامل وباعتبار الزمان وباعتبار المكان كما تتفاضل أيضًا باعتبار نِسَبها وهيئتها، وهذا أمر معلوم ولا يتسع المُقام لبسطه وشرحه ولكننا نقول: إن الصلاة في مكة أفضل من الصلاة في غيرها، ونقول: إن الصلاة في المسجد الحرام نفسه تتضاعف فتكون بمائة ألف صلاة فيما عداه، وقد أخذ أهل العلم من ذلك أن الصيام يضاعف في مكة ويكون أفضل من الصيام في غيرها وذلك لشرف مكانه على أن الصيام\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد صالح العثيمين\" (١/٥٦١) .","vol":"3","page":176},{"text":"إمساك وليس بعمل يحتاج إلى مكان ولا زمان سوى الزمان الذي شرع فيه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وقد ورد في حديث عن ابن ماجه بإسناد ضعيف أن \"من صام رمضان في مكة وقام مما تيسر منه كُتب له أجر مائة ألف رمضان\" وهذا إسناده ضعيف ولكن يستأنس به ويدل على أن صوم رمضان في مكة أفضل من صوم في غيرها (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>الكافر لا يجاهر بالفطر في رمضان</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nصاحب شركة لديه عُمّال غير مسلمين، فهل يجوز له أن يمنعهم من الأكل والشرب أمام غيرهم من العمال المسلمين في نفس الشركة خلال نهار رمضان؟\nفأجاب أولًا نقول: إنه لا ينبغي للإنسان أن يستخدم عمالًا غير مسلمين مع تمكنه من استخدام المسلمين؛ لأن المسلمين خير من غير المسلمين؛ قال الله تعالى: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [البقرة: ٢٢١]، ولكن إذا دعت الحاجة إلى استخدام عمال غير مسلمين، فإنه لا بأس به بقدر الحاجة فقط.\nوأما أكلهمْ وشربهم في نهار رمضان أمام الصائمين من المسلمين فإن هذا لا بأس به؛ لأن الصائم المسلم يحمد الله ﷿ أن هداه للإسلام الذي به سعادة الدنيا والآخرة، ويحمد الله تعالى أن عافاه، فهو وإن حُرم عليه الأكل والشرب في هذه الدنيا شرعًا في أيام رمضان فإنه سينال الجزاء يوم القيامة حين يقال له: (كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية) [الحاقة: ٢٤] لكن يمنع غير المسلمين من إظهار الأكل والشرب في الأماكن العامة لمنافاته للمظهر الإسلامي في البلد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>التدرج في الصوم</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل حدث تدرج في صيام رمضان كالأمر في تحريم الخمر؟\nفأجاب: نعم حصل تدرج فحين نزل الصوم كان من شاء صام ومن شاء أطعم ثم بعد\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٥٧، ٥٥٨) .","vol":"3","page":177},{"text":"ذلك صار الصوم واجبًا لقوله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥] .\nالتدرج الآخر أنهم كانوا إذا ناموا بعد الإفطار أو صَلُّوا العشاء لا يحل لهم الأكل والشرب والجماع إلا عند غروب اليوم التالى ثم خفف عنهم. قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] . فكانت المحظورات على الصائم إذا نام أو صلى العشاء، ثم نسخ ذلك فكانت جائزة إلى أن يتبين الفجر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>هل يَكْفُر تارك الصوم</span>؟\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nهل يكفر تارك الصوم ما دام يصلي ولا يصوم بدون مرض، وبدون أي شيء؟\nفأجابت: من ترك الصوم جَحدًا لوجوبه فهو كافر إجماعًا ومن تركه كَسَلًا وتهاونًا فلا يكْفُر ولكنه على خطر كبير بتركه ركن من أركان الإسلام مُجمع على وجوبه.\nويستحق العقوبة والتأديب من ولي الأمر بما يردعه وأمثاله، بل ذهب بعض أهل العلم إلى تكفيره وعليه قضاء ما تركه مع التوبة إلى الله سبحانه.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>صيام بعض الأيام بلياليها هل يجزيء عن صيام الشهر</span>؟\n- وسئلت الجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nهل يمكن أن يصوم المرء ثلاثة أيام ليلًا ونهارا في رمضان وتكون بدل ثلاثين يومًا؟\nفأجابت: لا يجوز ذلك ولا قال به أحد من أهل العلم؛ لأن الليل ليس محلًا للصيام، ومن فعله يعتبر مخالفًا للشرع المطهر وآتيًا بما لم يشرعه الله ومفطرًا في رمضان بغير عذر،\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" رقم (٦٠٦٠) .","vol":"3","page":178},{"text":"ولأن الله سبحانه أوجب على المكلَّفين من المسلمين صوم رمضان كله، فلا يجزيء صوم بعضه عنه.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\nاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\nعضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الله بن قعود ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>حكم من أفطر في رمضان</span>\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعمن أفطر في رمضان؟\nفأجاب: إذا أفطر في رمضان مستحلًا لذلك، وهو عالم بتحريمه -استحلالًا له- وجب قتله، وإن كان فاسقًا عوقب عن فطره في رمضان بحسب ما يراه الإمام، وأخذ منه حد الزنا، وإن كان جاهلًا عُرِّف بذلك، وأخذ منه حد الزنا، ويرجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام، والله أعلم (٢) .\nأيهما أفضل عشر ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان؟\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان. أيهما أفضل؟\nفأجاب: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة.\nوأما ليالى عشر رمضان فهي ليالي الإحياء، التي كان رسول الله - ﷺ - يحييها كلها، وفيها ليلة خير من ألف شهر.\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\" رقم (٣٠٨٩) .\n(٢) \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٦٥) .","vol":"3","page":179},{"text":"فمن أجاب بغير هذا التفصيل، لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة (١) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>أيهما أفضل ليلة القدر أم ليلة الإسراء</span>؟\n- وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-:\nعن \"ليلة القدر\"، و\"ليلة الإسراء\" بالنبي - ﷺ - أيهما أفضل؟\nفأجاب: بأن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي - ﷺ - وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى الأمة، فحظ النبي - ﷺ - الذي اختص به ليلة المعراج منها أكمل من حظه من ليلة القدر.\nوحظ الأمة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج. وإن كان لهم فيها أعظم حظ. لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إنما حصلت فيها لمن أُسْرِي به - ﷺ - (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>هل يجوز إهداء ثواب الصيام للميت</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-: هل يجوز إهداء ثواب الصيام للميت؟\nفأجاب: النقل المطلق الصحيح: أنه يجوز صيامه وإهداء ثوابه للميت ويصل إليه الثواب. إن شاء الله (٣) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>هل أصوم وأصلي عن والدي المتُوفَّى</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nأصلي لأبي المتَوفَّى صلاة النافلة في الحرم هل يجوز ذلك والصدقة والصوم؟\nفأجاب: نعم يجوز للإنسان أن يتصدق عن والده أو والدته أو أقاربه أو غير هؤلاء من\n_________\n(١) \"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\" (٢٥/٢٨٧) .\n(٢) \"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية\"\n(٣) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (١٢٤)","vol":"3","page":180},{"text":"المسلمين ولا فرق بين الصدقات والصلوات والصيام والحج وغيرها ولكن السؤال الذي ينبغي أن نقول هل هذا من الأمور المشروعة أو من الأمور الجائزة غير المشروعة؟\nنقول: إن هذا من الأمور الجائزة غير المشروعة وأن المشروع في حق الولد أن يدعو لوالده دعاء إلا في الأمور المفروضة التي تدخلها النيابة فإنه يؤدي عن والده ما افترض الله عليه ولم يؤده كما مات والده وعليه صيام؛ فقد قال النبي - ﷺ - \"من مات وعليه صوم صام عنه وليه\".\nولا فرق في ذلك بين أن يكون الصيام صيام فرد بأصل الشرع كصيام رمضان أو إلزام الإنسان نفسه كما في صيام النذر. والله أعلم.\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nيقول - ﷺ -: \"إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني\" فهل هو إطعام وإسقاء حقيقي أم معنوي؟\nفأجاب: اختلف أهل العلم في ذلك. فقيل: هو إطعام وإسقاء حقيقى فيؤتى إليه بطعام وشراب من الجنة. وقيل: إنه إطعام وإسقاء معنوي، والمراد أن الله يفتح على نبيه - ﷺ - من المعارف والأوراد ما يقوم مقام الطعام والشراب. وهذا قول الأكثرين فإن تلك الفتوحات الإلهية والأوراد الرَبانية تنزل على قلوب أولياء الله فتقويها وتشغل نفوسهم عن مشتهياتها من الطعام والشراب كما يقول بعضهم:\nلها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد\nومما يؤيد هذا القول أنه ورد في بعض روايات الحديث الوارد في السؤال \"إِني أظَلُ عِنْد رَبي يُطْعِمني وَيُسقِيني\" وكلمة \"أظل\" معناها: أمكث نهارًا.\nومن المعلوم أن نهار الصيام لا يجوز فيه الأكل لا من طعام الجنة ولا من غيرها (٢) .\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٥٥٤) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (١٢٣) .","vol":"3","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>حكم الاعتكاف للرجل والمرأة</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم الاعتكاف للرجل والمرأة، وهل يشترط له الصيام، وبماذا يشتغل المعتكف، ومتى يدخل معتكفه، ومتى يخرج منه؟\nفأجاب: الاعتكاف سنة للرجال والنساء؛ لما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يعتكف في رمضان واستقر أخيرًا اعتكافه في العشر الأواخر، وكان يعتكف بعض نسائه معه، ثم اعتكفن من بعده - - ﷺ -.\nومحل الاعتكاف المساجد التي تقام فيها صلاة الجماعة، وإذا كان يتخلل اعتكافه جمعة، فالأفضل أن يكون اعتكافه في المسجد الجامع، إذا تيسر ذلك وليس لوقته حد محدود في أصح أقوال أهل العلم، ولا يشترط له الصوم ولكن مع الصوم أفضل.\nوالسنه له أن يدخل معتكفه حين ينوي الاعتكاف ويخرج بعد مضي المدة التي نواها وله قطع ذلك إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن الاعتكاف سُنة ولا يجب بالشروع فيه إذا لم يكن منذورًا ويستحب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان تأسيًا بالنبي - ﷺ -.\nويستحب لمن اعتكفها دخول معتكفه بعد صلاة الفجر من اليوم الحادي والعشرين اقتداء بالنبي - ﷺ - ويخرج متى انتهت العشر.\nوإن قطعه فلا حرج عليه إلا أن يكون منذورًا كما تقدم. والأفضل أن يتخذ مكانًا معينًا في المسجد يستريح فيه إذا تيسر ذلك، ويشرع للمُعْتَكِف أن يكثر من الذكر وقراءة القرآن والاستغفار والدعاء والصلاة في غير أوقات النهي.\nولا حرج أن يزوره بعض أصحابه، وأن يتحدث معه كما كان النبي - ﷺ - يزوره بعض\nنسائه، ويتّحدثن معه. وزارته مرة صفية -﵂- وهو معتكف في رمضان، فلما قامت قام معها إلى باب المسجد، فدلّ على أنه لا حرج في ذلك.","vol":"3","page":182},{"text":"وهذا العمل منه - ﷺ - يدل على كمال تواضعه، وحسن سيرته مع أزواجه عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعهم بإحسان (١) .\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يجوز للمرأة أن تعتكف في مسجدها الذي في منزلها؟\nفأجاب: لا، المرأة إذا أرادت الاعتكاف فإنما تعتكف في المسجد، إذا لم يكن في ذلك محظور شرعي، فإن كان في ذلك محظور شرعي فلا تعتكف (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>هل يجوز الاعتكاف بلا صوم</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل يجوز الاعتكاف بلا صوم؟\nفأجاب: الصحيح: أنه يجوز الاعتكاف بلا صوم ودليل ذلك أن عمر -﵁- قال لرسول الله - ﷺ -: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام.\nقال - ﷺ -: \"أوف بنذرك\".\nوالليلة ليست محلًا للصوم فدلَّ ذلك على أنه يجوز الاعتكاف بدون الصيام، ولكن يتأكد الصيام لمن اعتكف نهارًا خروجًا من الخلاف؛ لأن بعض العلماء قال: لا اعتكاف إلا بصوم، ولأن الذين قالوا بجواز الاعتكاف بلا صوم قالوا: إن الأفضل الاعتكاف مع الصيام (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>ليس له أن يخص يومًا بعينه يعتاد الاعتكاف فيه</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\n_________\n(١) \"تحفة الأخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" لسماحة الشيح ابن باز (١٨٣، ١٨٤) .\n(٢) \"فقة العبادات\" لابن عثيمين (٢٠٩) .\n(٣) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (١١٣) .","vol":"3","page":183},{"text":"هل يجوز لمن يريد الاعتكاف أن يخصص يومًا بعينه للاعتكاف؟\nفأجابت: ليس له أن يخص يومًا بعينه يعتاد الاعتكاف فيه، لكن يحرص على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ اقتداءً بالنبي - ﷺ -.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>هذا الحديث لا يصح في فضل الاعتكاف</span>\n- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nمن روى حديث: \"من اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله باعد الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق كما بين الخافقين\"، وما درجة هذا الحديث، وإذا أراد شخص أن يعتكف يومًا واحدًا متى يكون بدء اعتكافه، ومتى يكون انتهاؤه، وكذلك إذا أراد أن يعتكف يومين فمتى يكون ابتداؤهما، ومتى يكون انتهاؤهما؟\nفأجابت: الحديث ضعيف، وبدء اعتكاف يوم يكون بعد صلاة الفجر، ونهايته غروب الشمس، وهكذا اليومان.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>إخراج زكاة الفطر عن الأخت</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nأنا تايلاندي الجنسية طالب في إحدى جامعات السودان ولي أخت صغيرة في بلدي تايلاند لم تبلغ حتى الآن وخلال الشهور الماضية جاءني خبر مفجع وهو أن أبي تُوفِّى تاركًا أختي الصغيرة وسؤالي: هل يجب علي إخراج زكاة الفطر عنها علمًا أنه ليس لها أخ سواي ينفق عليها؟\nفأجاب: إذا كان والدك توفي قبل انسلاخ رمضان، ولم يؤد أًحد من أقاربك زكاة الفطر عن أختك، فإن عليك أن تؤدي زكاة الفطر عنها إذا كنت تستطيع ذلك.\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٨٧٠١) .\n(٢) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٦٧١٨) .","vol":"3","page":184},{"text":"وعليك أيضًا أن ترسل لها من النفقة ما يقوم بحالها حسب طاقتك؛ لقول الله سبحانه (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا) [الطلاق: ٧] .\nويقول النبي - ﷺ - لما قال له سائل: من أبر يا رسول الله؟\nقال: \"أمك\". قال ثم من؟\nقال: \"أمك\". قال ثم من؟\nقال: \"أمك\". قال ثم من؟\nقال: \"أباك. ثم الأقرب فالأقرب\".\nولأن الإنفاق عليها من صلة الرحم الواجبة، إذا لم يوجد من يقوم بالنفقة عليها سواك، ولم يخلف لها أبوك من التركة ما يقوم بحالها، وفقكما الله لكل خير (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>هل تلزم صدقة الفطر الرجل عن أهل بيته</span>؟\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nهل تلزم صدقة الفطر الرجل عن أهل بيته بما فيهم الزوجة والخادم؟\nفأجاب: يجب على المسلم إخراجها عن نفسه وأهل بيته: من أولاده وزوجاته، ومماليكه، إذا فضلت عن قوته وقوتهم يومه وليلته.\nأما الخادم المستأجر: فزكاته على نفسه إلا أن يتبرع بها المستأجر أو تشترط عليه.\nأما الخادم المملوك: فزكاته على سيده، كما تقدم في الحديث (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>هل يلزم إخراج الفطرة عن الولد الغائب</span>؟\n- وسئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀-:\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن باز - كتاب الدعوة\" (٢/١٧٠-١٧١) .\n(٢) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" للشيخ ابن باز (١٥٤-١٥٥) .","vol":"3","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>هل يلزم إخراج الفطرة عن الولد الغائب</span>؟\nفأجاب: أما فطرة الولد الغائب فإنها تلزم بشرط أن يكون فقيرًا، وأبوه غني، ولا تسقط غيبته الوجوب (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>هل الأنواع التي تخرج في صدقة الفطر محددة</span>؟\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nهل الأنواع التي تخرج في صدقة الفطر محددة؟ وإن كانت كذلك فما هي؟\nفأجاب: الواجب إخراجها من قوت البلد سواء كان: تمرًا، أو شعيرًا أو برًا، أو ذرة، أو غير ذلك، في أصح قولي العلماء، ولأن رسول الله - ﷺ - لم يشترط في ذلك نوعًا معينًا، ولأنها مواساة، وليس على المسلم أن يواسي من غير قوته (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>الأطعمة التي يجوز إخراج زكاة الفطر منها</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nما الأطعمة التي يجوز إخراج زكاة الفطر منها؟\nفأجاب: ورد في الحديث أنها تخرج من خمسة أشياء وهي:\n١- البُر ٢- الشعير ٣- والتمر ٤- والزييب ٥- والأقط.\nلكن ذكر بعض العلماء المحققين أن تخصيص هذه الخمسة حيث أنها المستعملة في ذلك الوقت، وأجاز إخراجها من غالب قوت البلد كالأرز مثلًا والذرة في البلاد التي تقتاتها ونحو ذلك والله أعلم.\nوصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (٣) .\n_________\n(١) \"الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى\" (٢٠٩) .\n(٢) \"تحفة الأخوان بأجوبة مهمة تتملق باركان الإسلام\" لابن باز (١٥٥) .\n(٣) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (١٨٩) .","vol":"3","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>هل يجوز إخراج زكاة الفطر لحمًا</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nبعض أهل البوادي ليس عندهم طعام يخرجونه لزكاة الفطرة فهل يجوز لهم الذبح من المواشي وتوزيعها. على الفقراء؟\nفأجاب: لا يصح ذلك؛ لأن النبي - ﷺ - فرضها صاعًا من طعام واللحم يوزن ولا يكال، قال ابن عمر -﵄-: \"فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا من تمر وصاعًا من شعير\".\nوقال أبو سعيد -﵁-: \"كنا نخرجها في زمن النبى - ﷺ - صاعًا من طعام، كان طعامنا التمر والشعير والزييب والأقط\". ولهذا كان القول الراجح من أقوال أهل العلم أن زكاة الفطر لا تجزيء من الدراهم ولا من الثياب ولا من الفرش.\nولا عبرة بقول من قال من أهل العلم: إن زكاة الفطر تجزيء من الدراهم؛ لأنه ما دام بين أيدينا نص عن النبى - ﷺ - فإنه لا قول لأحد بعده ولا استحسان للعقول في إبطال الشرع، والله ﷿ لا يسألنا عن قول فلان وفلان يوم القيامة وإنما يسألنا عن قول الرسول - ﷺ -؛ لقوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) [القصص: ٦٥] .\nفتصور نفسك واقفًا بين يدي الله يوم القيامة وقد فرض عليك على لسان رسوله - ﷺ - أن تؤدي زكاة الفطر من الطعام فهل يمكنك إذا سئلت يوم القيامة: ماذا أجبت رسول الله - ﷺ - في فرض هذه الصدقة؟ فهل يمكنك أن تدافع عن نفسك وتقول: والله هذا مذهب فلان وهذا قول فلان؟\nالجواب: لا. ولو أنك قلت ذلك لم ينفعك.\nفالصواب بلا شك أن زكاة الفطرة لا تجزيء إلا من الطعام وأن أي طعام يكون قوتًا للبلد فإنه مجزيء وإذا رأيت أقوال أهل العلم في هذه المسألة وجدت أنها طرفان ووسط:","vol":"3","page":187},{"text":"فطرف يقول: أخرجها من الطعام، وأخرجها من الدراهم، وطرف آخر يقول: لا تخرجها من الدراهم ولا تخرجها من طعام إلا من خمسة أصناف فقط وهي البر والتمر والشعير والزبيب والأقط وهذان القولان متقابلان.\nوأما القول الوسط فيقول: أخرجها من كل ما يطعمه الناس ولا تخرجها مما لا يطعمه الناس، فأخرجها من البر والتمر والأرز والذرة، إذا كنت في مكان يقتات الناس فيه الذرة وما أشبه ذلك، حتى لو فرض أننا في أرض يقتات أهلها اللحم.\nوبناء على ذلك، يتبين أن ما ذكره السائل من إخراج أهل البوادي للحم بدلًا عن زكاة الفطر فلا يجزيء عن زكاة الفطر (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>حكم من يُجْبَر على إخراج زكاة الفطر دراهم</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nما حكم من يجبر على إخراج زكاة الفطر من الدراهم؟ وهل تجزئه؟\nفأجاب: الظاهر لي إذا أجبر الإنسان على إخراج زكاة الفطر دراهم فليعطها إياهم ولا يبارز بمعصيه ولاة الأمور، لكن فيما بينه وبين الله يخرج ما أمره به النبي - ﷺ - فيخرج صاعًا من طعام كما أمر النبي؛ لأن إلزامهم إياك بأن تخرج من الدراهم إلزام بما لم يشرعه الشارع وحينئذ يجب عليك أن تقضي ما تعتقد أنه هو الواجب (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>حكم إخراج زكاة الفطر أثناء الخطبة بعد صلاة العيد</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nما حكم من لم يخرج زكاة الفطر إلا في أثناء الخطبة بعد صلاة العيد، وذلك من أجل نسيانه؟\nفأجاب: إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة واجب، ومن نسي ذلك فلا شيء عليه\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٦٥-٤٦٧) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٦٥) .","vol":"3","page":188},{"text":"سوى إخراجها بعد ذلك؛ لأنها فريضة، فعليه أن يخرجها متى ذكرها، ولا يجوز لأحد أن يتعمد تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد في أصح قولي العلماء؛ لأن الرسول - ﷺ - أمر المسلمين أن يؤدوها قبل صلاة العيد (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>هل تسقط زكاة الفطر عمن لم يخرجها قبل العيد</span>؟\n- وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nمن لم يخرج زكاة الفطر قبل العيد: فهل تسقط عنه؟\nفأجاب: من لم يخرج زكاة الفطر قبل العيد فإنه آثم ولا تسقط عنه بل عليه أن يخرجها قضاء (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>نسي إخراج زكاة الفطر قبل العيد</span>\n- وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nأعددت زكاة الفطر قبل العيد لإعطائها إلى فقير أعرفه، ولكنني نسيت إخراجها قبل صلاة العيد، وقد أخرجتها بعد الصلاة. فما الحكم؟\nفأجاب: لا ريب أن السنة إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، كما أمر بهذا النبي - ﷺ -، ولكن لا حرج عليك فيما فعلت، فإخراجها بعد الصلاة يجزيء والحمد لله.\nوإن كان جاء في الحديث أنها صدقة من الصدقات، لكن ذلك لا يمنع الإجزاء، وأنه وقع في محله، ونرجو أن يكون مقبولًا، وأن تكون زكاة كاملة، لأنك لم تؤخر ذلك عمدًا، وإنما أخرته نسيانًا.\nوقد قال الله ﷿ في كتابه العظيم: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) [البقرة: ٢٨٦] .\n_________\n(١) \"مجموع فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣ /١٠١) .\n(٢) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (١٨٧) .","vol":"3","page":189},{"text":"وثبت عن النبي - ﷺ -، أنه قال: \"يقول الله ﷿: قد فعلت\" فأجاب دعوة عباده\nالمؤمنين في عدم المؤاخذة بالنسيان (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>حكم وضعها عند الجار حتى يأتي الفقير وتأخرت عن يوم العيد</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nنود أيضًا أن نعرف حكم وضعها عند الجار حتى يأتي الفقير دون توكيل من الفقير؟\nفأجاب: نعم يجوز للإنسان أن يضعها عند جاره ويقول: هذه لفلان إذا جاء فأعطها إياه.\nلكن لابد أن تصل يد الفقير قبل صلاة العيد، لأنه وكيل عن صاحبها أما لو كان الجار قد وكله الفقير، وقال: اقبض زكاة الفطر من جارك لي، فإنه يجوز أن تبقى مع الوكيل ولو خرج الناس من صلاة العيد (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>لا يجوز إعطاؤها إلا للفقير من المسلمين</span>\n- وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يجوز إعطائها للعمال والشغالات والشغالين غير المسلمين؟\nفأجاب: لا. لا يجوز إعطاؤها إلا للفقير من المسلمين فقط (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>حكم إخراج زكاة الفطر للمجاهدين</span>\nوسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\n_________\n(١) \"مجموعة فتاوى الشيخ ابن باز\" (٣/١٠٣) .\n(٢) \"فقة العبادات لابن عثيمين\" (٢١٤، ٢١٥) .\n(٣) \"فقة العبادات لابن عثيمين\" (٢١٤) .","vol":"3","page":190},{"text":"ما حكم إخراج صدقة الفطر للمجاهدين في البوسنة والهرسك وغيرها وإن كان الحكم بالجواز، فما هو الأفضل في ذلك؟\nفاجاب: المشروع إخراجها في فقراء المسلمين في البلد التي فيها المزكي؛ لأنهم أحوج إليها غالبًا، ولأنها مواساة لهم حتى يستغنوا بها عن السؤال أيام العيد، وإن نقلت إلى غيرهم من الفقراء أجزأت في أصح قولي العلماء؛ لأنها بلغت محلها، لكن صرفها في فقراء البلد أولى وأفضل وأحوط.\nويجوز التوكيل في دفعها للفقراء في البلاد وخارجها إذا كان الوكيل ثقة كزكاة المال، ويجوز توكيله في شراء الطعام المجزيء، وتوزيعه على الفقراء.\nوالله ولي التوفيق (١) .\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يجوز للققير الذي يريد المزكي أن يعطيه زكاة الفطر أن يوكل شخصًا آخر في قبضها من المزكي وقت دفعها؟\nفأجاب: يجوز ذلك، أي يجوز أن يقول من عنده زكاة فطر للفقير: وكِّل من يقبض\nالزكاة عنك وقت دفعها (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>زكاة الفطر توزع بين فقراء البلد</span>\nوسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظه الله-:\nبالنسبة للفطرة هل توزع على فقراء بلدتنا أم على غيرهم؟ وإذا كنا نسافر قبل العيد بثلاثة أيام ماذا نفعل تجاه الفطرة؟\nفأجاب: السنة توزيع زكاة الفطر يين فقراء البلد صباح يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز توزيعها قبل ذك ييوم أو يومين ابتداء من اليوم الثامن والعشرين. وإذا سافر من عليه زكاة\n_________\n(١) \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" لابن باز (١٥٥-١١٦) .\n(٢) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٦٩) .","vol":"3","page":191},{"text":"الفطر قبل العيد ييومين أوأكثر أخرجها في البلاد الإسلامية التي يسافر إليها، وإن كانت غير إسلامية التمس بعض فقراء المسلمين وسلمها لهم. وإن كان سفره بعد جواز إخراجها فالمشروع له توزيعها بين فقراء بلده، لأن المقصود منها مواساتهم والإحسان إليهم وإغناؤهم عن سؤال الناس أيام العيد (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>هل أخرج زكاة الفطر في بلدي أم في مكان العمل الذي أقيم فيه</span>؟\nوسئل فضيلة الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-:\nأنا مقيم في هذا البلد للعمل، فهل يجوز لي إخراج زكاة الفطر هنا أم في بلدي الذي قدمت منه؟\nفأجاب: يشرع إخراج صدقة الفطر في البلد الذي ينتهي شهر رمضان وأنت فيه لأنها تابعة للبدن، فحيث وجد المسلم في بلد وحان انتهاء شهر رمضان فإنه يخرج زكاة الفطر عن نفسه في فقراء ذلك البلد، إن وكَّل من يخرجها عنه في بلده أجزأه ذلك لكنه خلاف الأولى. والله أعلم.\nوإذا كنت في بلد ليس فيه مسلمون، أو فيه مسلمون لكنهم لا يستحقون صدقة الفطر لأنهم أغنياء فإنها تخرج في أقرب بلد فيه فقراء من المسلمين (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>هل يجوز نقل زكاة الفطر من بلد لآخر</span>؟\nوسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -حفظه الله-:\nهل يجوز نقل زكاة الفطر من البلد التي أقطن بها إلى بلاد أخرى؟\nفأجاب: ذهب الأكثرون إلى أنها لا تخرج من البلاد إذا كان فيها فقراء وهذا هو القول الصحيح، فإنه إذا كان في البلاد فقراء واستطعت أن توصلها لهم وأنت تعرف أنهم\n_________\n(١) \"الفتاوى لابن باز - كتاب الدعوة\" (٢/١٧١) .\n(٢) \"الفتاوى لابن فوزان - كتاب الدعوة\" (٢/١٣، ١٤) .","vol":"3","page":192},{"text":"محتاجون فإنه لا يجوز لك نقل زكاتك إلى بلاد أخرى، أما إذا كانت بلادك ليس فيها فقراء، فإنه يجوز نقلها ولو إلى بلاد بعيدة، ولكن لابد أن يذكر أنها زكاة فطر، ولابد أيضًا أن يقدم إرسالها حتى تصل إليهم قبل خروج وقتها (١) .\nحكم نقل زكاة الفطر\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nعن حكم نقل زكاة الفطر إلى البلدان البعيدة بحجة وجود من أهلها الفقراء الكثيرين من القارات التي تخرج عن البلد؟\nفأجاب: نقل صدقة الفطر إلى بلاد غير بلاد الرجل الذي أخرجها إن كان للحاجة بأن لم يكن عنده أحد الفقراء، فلا بأس به، وإن كان لغير حاجة بأن وجد في البلد من يتقبلها، فإنه لا يجوز (٢) .\nوسئل أيضًا -حفظه الله-:\nجماعة وكَّلوا أحدهم بشراء قمح، وتوزيعه زكاة للفطر في أفغانستان، فما حكم عملهم هذا؟\nفأجاب المشهور من مذهب الحنابلة في هذه المسألة أنها لا تجوز؛ لأنه لا يجوز نقل الزكاة عن محل وجوبها إلا إذا لم يكن في المحل أهل لها، فإنها تفرق في أقرب البلاد إليه، وعلى هذا فإذا كان في بلد فيه فقراء فإنه لا يوزعها في بلد آخر سواه؛ لأن أهل بلده أحق من غيرهم.\nأما لو لم يكن عنده فقراء فإنه لا حرج أن ينقلها إلى بلاد أخرى، وكذلك على القول الراجح إذا كان في نقلها مصلحة مثل أن ينقلها إلى أشد حاجة، لكن زكاة الفطر ليست كزكاة المال؛ لأن زكاة المال وقتها أوسع، أما زكاة الفطر فهي مخصوصة قبل العيد بيومين إلى صلاة العيد (٣) .\n_________\n(١) \"فتاوى الصيام لابن جبرين\" (١٨٧) .\n(٢) \"فقة العبادات\" لابن عثيمين (٢١٤) .\n(٣) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٦٧-٤٦٨) .","vol":"3","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>زكاة الفطر تتبع الإنسان أينما كان</span>\nوسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -حفظه الله-:\nهل يجوز للإنسان أن يخرج زكاة الفطر في بلده علمًا بأنه الآن في مكة، وقد حان وقت إخراجها؟\nفأجاب: زكاة الفطر تتبع الإنسان، فإذا جاء وقت الفطر وأنت في بلد فأدِّ زكاة الفطر وأنت في ذلك البلد فإذا كنت مثلا من أهل المدينة وجاء عليك العيد وأنت في مكة فأخرج زكاة الفطر في مكة، وإذا كنت من أهل مكة وجاء العيد وأنت في المدينة فأخرج زكاة الفطر في المدينة، وكذلك لو كنت من أهل مصر مثلا أو الشام أو العراق، وجاء العيد وأنت في مكة فأخرج الزكاة في مكة، وإذا كنت من أهل مكة وجاء الفطر في مصر أو الشام أو العراق فأخرج الزكاة في تلك البلاد (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>تزيين المساجد بالأنوار في أيام الفطر</span>\nوسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nتجري عادة في بعض المساجد في أيام الفطر وفي غيرها من أيام المناسبات الدينية وهي تزيين المساجد بأنواع وألوان مختلفة من الكهرباء والزهور. هل يجيز الإسلام هذا العمل أم لا؟ وما دليل الجواز أو المنع؟\nفأجابت: المساجد بيوت الله، وهي خير بقاع الأرض، أذن الله تعالى أن ترفع وتعظم بتوحيد الله، وذكره وإقام الصلاة فيه، ويتعلم الناس بها شئون دينهم، وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة وبتطهيرها من الرجس والأوثان والأعمال الشركية والبدع والخرافات ومن الأوساخ والأقذار والنجاسات. وبصيانتها من اللهو واللعب والصخب وارتفاع الأصوات، ولو كان نشد ضالة وسؤالا عن ضائع ونحو ذلك مما يجعلها كالطرق العامة وأسواق التجارة وبالمنع من الدفن فيها ومن بنائها على القبور.\n_________\n(١) \"فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين\" (١/٤٦٨) .","vol":"3","page":194},{"text":"ومن تعليق الصور بها، أو رسمها بجدرانها إلى أمثال ذلك مما يكون ذريعة إلى الشرك ويشغل بال من يعبد الله فيها، ويتنافى مع ما بنيت من أجله.\nوقد راعى النبي - ﷺ - ذلك كما هو معروف في سيرته وعمله وبيَّنه لأمته ليسلكوا منهجه ويهتدوا بهديه في احترام المساجد وعمارتها بما فيه رفع لها من إقامة شعائر الإسلام بها مقتدين في ذلك بالرسول الأمين - ﷺ - ولم يثبت عنه - ﷺ - أنه عظم المساجد بإنارتها ووضع الزهورعليها في الأعياد والمناسبات ولم يعرف ذلك أيضًا من الخلفاء الراشدين ولا الأئمة المهتدين من القرون الأولى التي شهد لها رسول الله - ﷺ - بأنها خير القرون مع تقدم الناس وكثرة أموالهم وأخذهم من الحضارة بنصيب وافر وتوفر أنواع الزينة وألوانها في القرون الثلاثة الأولى، والخير كل الخير في اتباع هديه - ﷺ - وهدي خلفائه الراشدين ومن سلك سبيلهم من أئمة الدين بعدهم.\nثم إن في إيقاد السرج عليها أو تعليق لمبات الكهرباء فوقها أو حولها أو فوق مناراتها وتعليق الرايات والأعلام ووضع الزهور عليها في الأعياد والمناسبات -تزيينًا وإعظامًا لها- تشبهًا بالكفار فيما يصنعون ببيعهم وكنائسهم، وقد نهى النبى - ﷺ - عن التشبه بهم في أعيادهم وعباداتهم.\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) .\n***\n_________\n(١) \"فتاوى اللجنة الدائمة\" رقم (٢٠٣٦) .","vol":"3","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية</span>\n﵀\nسئل قدس الله روحه\nعن رجل رأى الهلال وحده، وتحقّق الرؤية: فهل له أن يفطر وحده؟ أو يصوم وحده؟ أو مع جمهور الناس؟\nفأجاب: الحمد لله. إذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه؟ أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس؟ على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد:\nأحدها: أن عليه أن يصوم، وأن يفطر سرًا، وهو مذهب الشافعي.\nوالثاني: يصوم ولا يفطر إلا مع الناس، وهو المشهور من مذهب أحمد، ومالك، وأبي حنيفة.\nوالثالث: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال:\nلقول النبي - ﷺ -: \"صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون\" رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وراه أبو داود، وابن ماجه، وذكر الفطر والأضحى فقط، ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون\"، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، قال: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة، وعظم الناس. ورواه أبو داود بإسناد آخر، فقال: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد من حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة، ذكر النبي - ﷺ - فيه فقال وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وكل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر، وكل جمع موقف\".","vol":"3","page":196},{"text":"ولأنه لو رأى هلال النحر لما اشتهر، والهلال اسم لما استهلّ به، فإن الله جعل الهلال مواقيت للناس والحج، وهذا إنما يكون إذا أستهل به الناس، والشهر بين، وإن لم يكن هلالا ولا شهرًا.\nوأصل هذا المسألة أن الله ﷾ علّق أحكامًا شرعية بمسمى الهلال، والشهر: كالصوم والفطر والنحر، فقال تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) . فبين سبحانه أن الأهلة مواقيت للناس والحج.\nقال تعالى: (كتب عليكم الصيام) إلى قوله (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) أنه أوجب صوم -شهر رمضان، وهذا متفق- عليه بين المسلمين، لكن الذي تنازع الناس فيه أن الهلال هل هو اسم لما يظهر في السماء؟ وإن لم يعلم به الناس؟ وبه يدخل الشهر، أو الهلال اسم لما يستهل به الناس، والشهر لما اشتهر بينهم؟ على قولين:\nفمن قال بالأول يقول: من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم، ودخل شهر رمضان في حقه، وتلك الليلة هي في نفس الأمر من رمضان، وإن لم يعلم غيره، ويقول من لم يره إذا تبيّن له أنه كان طالعًا قضى الصوم وهذا هو القياس في شهر الفطر، وفي شهر النحر، لكن شهر النحر ما علمت أن أحدًا قال من رآه يقف وحده، دون سائر الحاج، وأنه ينحر في اليوم الثاني، ويرمي جمرة العقبة، ويتحلل دون سائر الحاج، وإنما تنازعوا في الفطر، فالأكثرون الحقوه بالنحر، وقالوا: لا يفطر إلا مع المسلمين وآخرون قالوا: بل الفطر كالصوم، ولم يأمر الله العباد بصوم واحد وثلاثين يومًا، وتناقض هذه الأقوال يدل على أن الصحيح هو مثل ذلك في ذي الحجة.\nوحينئذ فشرط كونه هلالا وشهرًا شهرته بين الناس، واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة، ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد، لكون شهادتهم مردودة، أو لكونهم لم يشهدوا به، كان حكمهم حكم سائر المسلمين، فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين، - فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين، وهذا معنى قوله: \"صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم","vol":"3","page":197},{"text":"تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون\". ولهذا قال أحمد في روايته: يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم، قال أحمد: يد الله على الجماعة.\nوعلى هذا تفترق أحكام الشهر، هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم؟\nأو ليس شهرًا في حقهم كلهم؟ يبين ذلك قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر، والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس، حتى يتصور شهوده، والغيبة عنه.\nوقول النبي - ﷺ -: \"إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وصوموا من الوضح إلى الوضح\" ونحو ذلك خطاب للجماعة، لكن من كان في مكان ليس فيه غيره، إذا رآه صامه، فإنه ليس هناك غيره. وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين أنه رؤي في مكان آخر، أو ثبت نص النهار، لم يجب عليه القضاء.\nوهذا إحدى الروايتين عن أحمد. فإنه إنما صار شهرًا في حقهم من حين ظهر، واشتهر، ومن حينئذٍ وجب الإمساك كأهل عاشوراء، الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم، ولم يُؤمروا بالقضاء على الصحيح، وحديث القضاء ضعيف، والله أعلم.\nسُئل قدَّسَ الله رُوُحَهُ\nعن المسافر في رمضان، ومن يصوم، ينكر عليه، وينسب إلى الجهل.\nويقال له الفطر أفضل، وما هو مسافة القصر؟ وهل إذا أنشأ السفر من يومه يفطر؟ وهل يفطر السفار من المكارية والتجار والجمال والملاح وراكب البحر؟\nوما الفرق بين سفر الطاعة، وسفر المعصية؟\nفأجاب: الحمد لله، الفطر للمسافر جائز باتفاق المسلمين، سواء كان سفر حج، أو جهاد، أو تجارة، أو نحو ذلك من الأسفار التي لا يكرهها الله ورسوله.\nوتنازعوا في سفر المعصية كالذي يسافر ليقطع الطريق ونحو ذلك، على قولين مشهورين كما تنازعوا في قصر الصلاة.","vol":"3","page":198},{"text":"فأما السفر الذي تقصر فيه الصلاة فإنه يجوز فيه الفطر مع القضاء باتفاق الأئمة، ويجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة، سواء كان قادرًا على الصيام، أو عاجزًا وسواء شق عليه الصوم، أو لم يشق، بحيث لو كان مسافرًا في الظل والماء ومعه من يخدمه جاز له الفطر والقصر.\nومن قال: إن الفطر لا يجوز إلا لمن عجز عن الصيام فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وكذلك من أنكر على المفطر، فإنه يستتاب من ذلك.\nومن قال: إن المفطر عليه إثم، فإنه يستتاب من ذلك، فإن هذه الأحوال خلاف كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله - ﷺ -، وخلاف إجماع الأمة.\nوهكذا السنة للمسافر أنه يصلي الرباعية ركعتين، والقصر أفضل له من التربيع، عند الأئمة الأربعة: كمذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والشافعي، في أصح قوليه.\nولم تتنازع الأمة في جواز الفطر للمسافر؟ بل تنازعوا في جواز الصيام للمسافر، فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وأنه إذا صام لم يجزه بل عليه أن يقضي، ويروى هذا عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وغيرهما من السلف وهو مذهب أهل الظاهر، وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ليس من البر الصوم في السفر\" لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز للمسافر أن يصوم، وأن يفطر، كلما في الصحيحين عن أنس قال: \" كنا نسافر مع النبي - ﷺ - في رمضان فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم\" وقد قال الله تعالى: ٠فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وفي المسند عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته\"، وفي الصحيح أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إني رجل أكثر الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال: \"إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس\" وفي حديث آخر: \"خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون\".","vol":"3","page":199},{"text":"وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه، ويفطر، فمذهب مالك والشافعي، وأحمد أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخًا، كما بين مكة وعسفان، ومكة وجدة. وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام، وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين. وهذا قول قوي، فإنه قد ثبت أن النبي - ﷺ - كان يصلي بعرفة، ومزدلفة، ومنى، يقصر الصلاة، وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته، لم يأمر أحدًا منهم بإتمام الصلاة.\nوإذا سافر في أثناء يوم، فهل يجوز له الفطر؟ على قولين مشهورين العلماء، هما روايتان عن أحمد.\nأظهرهما: أنه يجوز ذلك، كما ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة النبي - ﷺ -. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء فأفطر، والناس ينظرون إليه.\nوأما اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والأمة.\nوأما إذا قدم المسافر في أثناء يوم، ففي وجوب الإمساك عليه نزاع مشهور بين العلماء؛ لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك.\nويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوى إليه. كالتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام، وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم. وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين. ونحوهم، وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه.\nفأما من كان معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا فهذا لا يقصر، ولا يفطر.\nوأهل البادية: كأعراب العرب، والأكراد، والترك، وغيرهم والذين يشتون في مكان، ويصيفون في مكان، إذا كانوا في حال ظعنهم من المشتى إلى","vol":"3","page":200},{"text":"المصيف، ومن المصيف إلى المشتى، فإنهم يقصرون، وأما إذا نزلوا بمشتاهم، ومصيفهم، لم يفطروا، ولم يقصروا، وإن كانوا يتتبعون المراعي، والله أعلم.\nوسُئل ﵀\nعمن يكون مسافرًا في رمضان، ولم يصبه جوع، ولا عطش، ولا تعب: فما الأفضل له: الصيام؟ أم الإفطار؟\nفأجاب: أما المسافر فيفطر باتفاق المسلمين، وإن لم يكن عليه مشقة، والفطر له أفضل، وإن صام جاز عند أكثر العلماء.\nومنهم من يقول: لا يجزئه.\nوسئل\nعن غروب الشمس، هل يجوز للصائم أن يفطر بمجرد غروبها؟\nفأجاب: إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق.\nوإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النبي - ﷺ -: \"إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم\".\nوسئل\nعما إذا أكل بعد أذان الصبح في رمضان، ماذا يكون؟\nفأجاب: الحمد لله. أما إذا كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر، كما كان بلال يؤذّن قبل طلوع الفجر على عهد النبي - ﷺ -، وكما يؤذن المؤذنون في دمشق وغيرها قبل طلوع الفجر، فلا بأس بالأكل والشرب بعد ذلك بزمن يسير.\nوإن شك: هل طلع الفجر؟ أو لم يطلع؟ فله أن يأكل ويشرب حتى","vol":"3","page":201},{"text":"يتبيّن الطلوع، ولو علم بعد ذلك أنه أكل بعد طلوع الفجر، ففي وجوب القضاء نزاع. والأظهر أنه لا قضاء عليه، وهو الثابت عن عمر، وقال به طائفة من السلف والخلف، والقضاء هو المشهور في مذهب الفقهاء الأربعة، والله أعلم.\nوسئل\nعن رجل كلما أراد أن يصوم أُغمي عليه، ويزبد ويخبط، فيبقى أيامًا لا يفيق، حتى يُتهم أنه مجنون، ولم يتحقّق ذلك منه؟\nفأجاب: الحمد لله. إن كان الصوم يوجب له مثل هذا المرض، فإنه يفطر ويقضي، فإن كان هذا يصيبه في أي وقت صام، كان عاجزًا عن الصيام، فيطعم عن كل يوم مسكينًا، والله أعلم.\nوسُئل ﵀\nعن امرأة حامل رأت شيئًا شبه الحيض، والدم مواظبها، وذكر القوابل أن المرأة تفطر لأجل منفعة الجنين، ولم يكن بالمرأة ألم، فهل يجوز لها الفطر؟ أم لا؟\nفأجاب: إن كانت الحامل تخاف على جنينها، فإنها تفطر، وتقضي عن كل يوم يومًا، وتطعم عن كل يوم مسكينًا، رطلًا من خبز بأدمه، والله أعلم.\n***","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>من فتاوى الشيخ ابن باز </span>حفظه الله\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>الصوم والإفطار يتبعان بلد الإقامة</span>\nس: أنا من شرق آسيا، عندنا الشهر الهجري يتأخر عن المملكة العربية السعودية بيوم، ونحن الطلاب سنسافر في شهر رمضان في هذه السنة، قال رسول الله - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته..\" إلى آخر الحديث، وقد بدأنا الصوم في المملكة العربية السعودية ثم نسافر إلى بلادنا في شهر رمضان وفي نهاية الشهر نكون قد صمنا واحدًا وثلاثين يومًا.\nوسؤالي هو: ما حكم صيامنا وكم يومًا نصوم؟\nأبو بكر. م. ج\nج: إذا صمتم في السعودية أو غيرها ثم صمتم بقية الشهر في بلادكم فأفطروا بإفطارهم، ولو راد ذلك على ثلاثين يومًا لقول النبي - ﷺ -: \"الصوم يوم تصومون والإفطار يوم تفطرون\" لكن إن لم تكملوا تسعة وعشرين يومًا فعليكم إكمال ذلك لأن الشهر لا ينقص عن تسع وعشرين. والله ولي التوفيق.\nتقلع بنا الطائرة قبل الغروب بساعة، وتمضي الساعة والشمس لم تغرب فهل نفطر أم ننتظر غروب الشمس؟\nس: ستقلع بنا الطائرة بإذن الله تعالى من الرياض في رمضان قبل أذان المغرب بساعة تقريبًا، وسيؤذن للمغرب ونحن في أجواء السعودية، فهل نفطر؟\nوإذا رأينا الشمس ونحن في الجو وهذا هو الغالب فهل نظل على صيامنا، ونفطر في بلدنا أم نفطر بمجرد الأذان في السعودية؟\nقارئ\nج: إذا أقلعت الطائرة عن الرياض مثلًا قبل غروب الشمس إلى جهة المغرب فإنك لا تزال صائمًا حتى تغرب الشمس وأنت في الجو أو تنزل في بلد","vol":"3","page":203},{"text":"قد غابت فيه الشمس لقوله النبي - ﷺ -: \"إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم\" متفق على صحته.\nالدعوة (٩٤٤)\nحكم من لم يعلم بدخول شهر رمضان إلا بعد طلوع الفجر\nس: سئل سماحة الشيخ عن حكم من لم يعلم بدخول شهر رمضان إلا\nبعد طلوع الفجر فكيف يعمل؟..\nج: من لم يعلم بدخول شهر رمضان إلا بعد طلوع الفجر فعليه أن يمسك عن المفطرات بعية يومه لكونه يومًا من رمضان لا يجوز للمقيم الصحيح أن يتناول فيه شيئا من المفطرات، وعليه القضاء؛ لكونه لم يبيت الصيام قبل الفجر، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - قال: \"من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له\" ونقله الموفق ابن قدامة -﵀- في المغني، وهو قول عامة الفقهاء.. والمراد بذلك صيام الفرض لما ذكرنا من الحديث الشريف، أما صيام النفل فيجوز أثناء النهار إذا لم يتناول شيئًا من المفطرات لأنه صح عن النبي - ﷺ - ما يدل على ذلك.\nونسأل الله أن يوفق المسلمين لما يرضيه، وأن يتقبل منهم صيامهم، وقيامهم، إنه سميع قريب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nالدعوة (٨٩٩)\nأعُالَجُ في المستشفى، وأتناول دواء يسبب لي الجوع الشديد، هل أفطر أم أصبر؟\nس: أنا في السادسة عشرة من عمري، وأعالج في مستشفى الملك فيصل","vol":"3","page":204},{"text":"التخصصي من حوالي خمس سنوات إلى الآن، وفي شهر رمضان من العام الماضي أمر الدكتور بإعطائي علاجًا كيماويًا في الوريد، وأنا صائم، وكان العلاج قويًا، ومؤثرًا على المعدة، وعلى جميع الجسم، وفي نفس اليوم الذي أخذت فيه العلاج جعت جوعًا شديدًا ولم يمض من الفجر إلا حوالي سبع ساعات، وفي حوالي العصر تألمت منه وكدت أموت، ولم أفطر حتى أذان المغرب، وفي شهر رمضان هذا العام إن شاء الله سيأمر الدكتور بإعطائي ذلك العلاج، هل أفطر في ذلك اليوم أم لا؟ وإذا لم أفطر فهل عليّ قضاء ذلك اليوم؟ وهل أَخْذ الدم من الوريد يفطر أم لا؟ وكذلك العلاج الذي ذكرت؟\nأفيدوني جزاكم الله خيرًا.\nج. ع. أ- الرياض\nج: المشروع للمريض الإفطار في شهر رمضان إذا كان الصوم يضره أو يشق عليه أو كان يحتاج إلى علاج في النهار بأنواع الحبوب والأشربة ونحوها مما يؤكل ويشرب لقول الله سبحانه: (وَمَن كانَ مرِيضا أَو عَلَى سَفرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أخَرَ) [البقرة: ١٨٥]، ولقول النبي - ﷺ -: \"إن الله يجب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته\". وفي رواية أخرى. \"كما يحب أن تؤتى عزائمه\".\nأما أخذ الدم من الوريد للتحليل أو غيره فالصحيح أنه لا يفطر الصائم، لكن إذا كثر فالأولى تأجيله إلى الليل، فإن فعله في النهار فالأحوط القضاء تشبيهًا له بالحجامة.\nأنا امرأة مريضة، وقد أفطرت بعض أيام رمضان، ولم أستطع قضاءها، ما كفارة ذلك؟\nس: أنا سيدة مريضة، وقد أفطرت بعض الأيام في رمضان الماضي، ولم","vol":"3","page":205},{"text":"أستطع قضاءها لمرضي، فما هي كفارة ذلك؟ كذلك فإنني لن أستطيع صيام رمضان هذا العام، فما هي كفارة ذلك أيضًا؟\nمريم. م - الرياض\nج: المريض الذي يشق عليه الصيام يشرع له الإفطار، ومتى شفاه الله قضى ما عليه لقول الله سبحانه: (وَمن كانَ مرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخرَ) [البقرة: ١٨٥]، وليس عليك أيتها السائلة حرج في الإفطار هذا الشهر ما دام المرض باقيًا؛ لأن الإفطار رخصة من الله للمريض والمسافر، والله سبحانه يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته، وليس عليك كفارة، ولكن متى عافاك الله فعليك القضاء شفاك الله من كل سوء، وكفر عنا وعنكم السيئات.\nإذا احتلم الصائم في نهار رمضان هل يبطل صومه أم لا؟\nس: إذا احتلم الصائم في نهار رمضان هل يبطل صومه أم لا؟ وهل تجب عليه المبادرة بالغسل؟\nعمر. م. أ - الرياض\nج: الاحتلام لا يبطل الصوم لأنه ليس باختيار الصائم، وعليه أن يغتسل غسل الجنابة، إذا رأى الماء وهو المني. ولو احتلم بعد صلاة الفجر، وأخر الغسل إلى وقت صلاة الظهر فلا بأس، وهكذا لو جامع أهله في الليل، ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر لم يكن عليه حرج في ذلك فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يصبح جنبًا من جماع ثم يغتسل ويصوم، وهكذا الحائض والنفساء لو طهرتا في الليل، ولم تغتسلا إلا بعد طلوع الفجر لم يكن عليهما بأس في ذلك وصومهما صحيح، ولكن لا يجوز لهما ولا للجنب تأخير الغسل أو الصلاة إلى طلوع الشمس بل يجب على الجميع البدار بالغسل قبل طلوع الشمس حتى يؤدوا الصلاة في وقتها.","vol":"3","page":206},{"text":"وعلى الرجل أن يبادر بالغسل من الجنابة قبل صلاة الفجر حتى يتمكن من الصلاة في الجماعة، والله ولي التوفيق.\nالدعوة ٩٤٥\nهل الاحتلام يفسد الصوم، وإذا سال الدم من جسم الإنسان هل يفطر، وهل القيء يفسد الصوم؟\nس: كنت صائمًا، ونمت في المسجد وبعد ما استيقظت وجدت أني محتلم. هل يؤثر الاحتلام في الصوم علمًا أنني لم أغتسل، وصلّيت الصلاة بدون غسل؟ ومرة أخرى أصابني حجر في رأسي وسال الدم منه، هل أفطر بسبب الدم؟ وبالنسبة للقيء هل يفسد الصوم أو لا؟ أرجو إفادتي.\nم. و. أ - الرياض\nج: الاحتلام لا يفسد الصوم؛ لأنه ليس باختيار العبد، ولكن عليه غسل الجنابة إذا خرج منه مني؛ لأن النبي - ﷺ - لما سُئل عن ذلك أجاب بأن على المحتلم الغسل إذا وجد الماء -يعني المني-، وكونك صليت بدون غسل هذا غلط منك، ومنكر عظيم، وعليك أن تعيد الصلاة مع التوبة إلى الله سبحانه، والحجر الذي أصاب رأسك حتى أسال الدم لا يبطل صومك، وهذا القيء الذي خرج منك بغير اختيارك لا يبطل صومك؛ لقول النبي: \"من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء\" رواه أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح.\nما حكم صيام النصف من شعبان\nس: ما حكم صيام نصف شعبان وهي الأيام [١٣-١٤-١٥]؟\nخالد. ي - مكة المكرمة\nج: يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر من شعبان أو غيره لما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أمر عبد الله بن عمرو بن العاص بذلك، وثبت عنه أيضًا أنه أوصى أبا الدرداء، وأبا هريرة بذلك، وإن صام هذه الثلاثة من بعض الشهور","vol":"3","page":207},{"text":"دون بعض أو صامها تارة وتركها تارة فلا بأس لأنها نافلة لا فريضة، والأفضل أن يستمر عليها في كل شهر إذا تيسر له ذلك.\nقيمة زكاة الفطر\nس: كم قيمة زكاة رمضان؟\nمريم. م - الرياض\nج: كأن السائلة تريد زكاة الفطر من رمضان، والواجب في ذلك صاع واحد من قوت البلد من أرز أو بر أو تمر، أو غيره عن الذكر والأنثى والحر والمملوك والصغير والكبير من المسلمين كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله - ﷺ -، والواجب إخراجها قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، وإن أخرجت قبل العيد بيوم أو يومين فلا بأس، ومقداره بالكيلو ثلاثة \"كيلو\" على سبيل التقريب.\nس: الأخ إحسان بن عبد القادر من سدني في استراليا يقول في سؤاله: كيف يصنع من يطول نهارهم إلى إحدى وعشرين ساعة هل يقدرون قدرًا للصيام، وكذا ماذا يصنع من يكون نهارهم قصيرًا جدًا، وكذلك من يستمر عندهم النهار ستة أشهر والليل ستة أشهر؟\nج: من عندهم ليل ونهار في ظرف أربع وعشرين ساعة فإنهم يصومون نهاره سواء كان قصيرًا أو طويلًا، ويكفيهم ذلك، والحمد لله، ولو كان النهار قصيرًا أما من طال عندهم النهار أو الليل أكثر من ذلك كستة أشهر فإنهم يقدّرون للصيام وللصلاة قدرهما كما أمر النبي - ﷺ - بذلك في يوم الدجّال الذي كسنة، وهكذا يومه الذي كشهر أو كأسبوع، يقدّر للصلاة قدرها في ذلك.\nوقد نظر مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة في هذه المسألة وأصدر القرار رقم ٦١ بتاريخ ١٢/٤/١٣٩٨هـ، ونصه ما يلي:\n\"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:\nفقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثانية عشرة المنعقدة بالرياض في الأيام الأولى من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٨هـ كتاب معالي الأمين","vol":"3","page":208},{"text":"العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة رقم ٥٥٥ وتاريخ ١٦/١/١٣٩٨هـ المتضمن ما جاء في خطاب رئيس رابطة الجمعيات الإسلامية في مدينة \"مالو\" بالسويد الذي يُفيد فيه بأن الدول الاسكندنافية يطول فيها النهار في الصيف، ويقصر في الشتاء نظرًا لوضعها الجغرافي كما أن المناطق الشمالية منها لا تغيب عنها الشمس إطلاقًا في الصيف، وعكسه في الشتاء، ويسأل المسلمون فيها عن كيفية الإفطار والإمساك في رمضان، وكذلك كيفيّة ضبط أوقات الصلوات في هذه البلدان، ويرجو معاليه إصدار فتوى في ذلك ليزودهم بها. اهـ.\nوعرض علي المجلس أيضًا ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ونُقول أخرى عن الفقهاء في الموضوع، وبعد الإطلاع والدراسة والمناقشة قرر المجلس ما يلي:\nأولًا: من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جدًا في الصيف، ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا، لعموم قوله تعالى: (أَقمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقرآنَ الْفَجْرِ إِنّ قرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشهُودًا) [الإسراء: ٧٨] . وقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوقُوتًا) [النساء: ١٠٣]، ولما ثبت عن بريدة -﵁- عن النبي - ﷺ - أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له. \"صلّ معنا هذين\" -يعني اليومين- فلما زالت الشمس أمر بلالًا فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة آخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال: \"أين السائل عن وقت الصلاة؟ \" فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: \"وقت صلاتكم بين ما رأيتم\" رواه البخاري ومسلم.","vol":"3","page":209},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: \"وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل طوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس، فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان\". أخرجه مسلم في صحيحه. إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولًا وفعلًا، ولم تفرق بين طول النهار وقصره وطول الليل وقصره، ما دامت أوقاتُ الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله - ﷺ -. هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم.\nوأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل، وكان مجموع زمانهما أربعًا وعشرين ساعة. ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط وإن كان قصيرًا، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الأَسْوَدِ مِن الفَجْرِ ثُمَ أَتِمُّوا الصّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧]، ومن عجز عن إتمام صوم يومٍ لطوله أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضًا شديدًا، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر، ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء، قال تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمن كَانَ مرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعدَّةٌ منْ أَيًامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] . وقال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إِلا وسَعها) . وقال: (وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرجٍ) [الحج: ٧٨] .\nثانيًا: من كان يُقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفا، ولا تطلع فيها الشمس شتاء أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلًا، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة،","vol":"3","page":210},{"text":"وأن يقدّروا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض، لما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلة فلم يزل النبي - ﷺ - يسأل ربه التخفيف حتى قال: \"يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشرة فذلك خمسون صلاة ... \" إلى آخره، ولما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله -﵁- قال: \"جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله - ﷺ - فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: \"خمسُ صلوات في اليوم والليلة\"، فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: \"لا، إلا أن تطوع ... \" الحديث.\nولما ثبت من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: \"نهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك فقال: \"صدق\" إلى أن قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال: \"صدق\"، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم ... \" الحديث.\nولما ثبت أن النبي - ﷺ - حدَّث أصحابه عن المسيح الدجال، فقالوا: ما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\"، فقيل: يا رسول الله، اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟! قال: \"لا، أقدروا له قدره\" فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يومًا واحدًا يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأمرهم أن يوزّعوها على أوقاتها اعتبارًا بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم، فيجب على المسلمين في البلاد المسئول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على","vol":"3","page":211},{"text":"أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل من النهار، وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة.\nوكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان، وعليهم أن يقدّروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب البلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعها أربعًا وعشرين ساعة لما تقدم في حديث النبي - ﷺ - عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه؛ إذ لا فرق في ذلك بين الصوم والصلاة. والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.\n***","vol":"3","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>من فتاوى اللجنة</span>\nس: إذا مات شخص وعليه كفارة الصوم والصلاة فهل يجوز أن يقوم به شخص آخر بتقديم كفارة من مال وحبوب وشعير وكذلك تفيدونا بالقرآن؟\nج: من مات وعليه صوم واجب قدر على صومه ولم يصمه ومات وهو في ذمته استحب أن يصومه عنه أحد أقاربه؛ لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\"، أما الصلاة فلا يشرع، كذلك التكفير عما في ذمته من صيام أو صلاة بمال أو حبوب أو شعير أو غير ذلك ولا أن يكفر عنه بقراءة القرآن لعدم ورود شيء من ذلك في الشريعة المطهرة.\nوصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.\n(الدعوة ٨٠٦ - اللجنة)\nإذا مر المسافر ببلد فهل يمسك؟\nس: إذا كنت مسافرًا في رمضان، وكنت مفطرًا في سفري، وعند وصولي إلي البلد الذي سوف أمكث فيه عدة أيام أمسكت بالصيام في بقية ذلك اليوم وفي الأيام التالية فهل لي رخصة بالإفطار في نهار هذه الأيام، وأنا في بلد ليس بلدي الأصلي أم لا؟\nج: إذا مر المسافر ببلد غير بلده وهو مفطر فليس عليه أن يمسك إذا كانت إقامته فيها أربعة أيام فأقل أما إن كان قد عزم على الإقامة فيها أكثر من أربعة أيام فإنه يتم ذلك اليوم الذي قدم فيه ويقضيه، ويلزمه الصوم في بقيه الأيام؛ لأنه بنيته المذكورة صار في حكم المقيمين لا في حكم المسافرين كما تقدم في جواب السؤال الأولى.. والله ولي التوفيق.\n(الدعوة ٩٧٧ - ابن باز)","vol":"3","page":213},{"text":"المريض الذي لا يقوى على الصيام\nس: مريض بالسل يشق عليه الصوم في رمضان، وقد أفطر رمضان الماضي فهل عليه إطعام؟ علمًا بأنه لا يرجى برؤه، ولم يعالج إلا مدة يسيرة كشهر ينزل من مسكنه بالبادية إلى البلد، ومن ثم يضيق في البلد ويخرج.\nج: إذا كان هذا المريض لا يقوى على صيام رمضان وكان لا يرجى برؤه سقط عنه الصيام ووجب عليه أن يطعم عن كل يوم أفطره مسكينًا يعطيه نصف صاع من بر أو تمر أو أرز ونحو ذلك مما اعتاد أهله أن يأكلوا من الطعام -مع القدرة على ذلك- كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذين يشق عليهما الصوم.\nالبحوث ١٢ - اللجنة\nأفطر بعذر هل عليه كفارة؟\nالحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه وبعد:\nفقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفتاء المقدم لسماحة الرئيس العام من خالد زعل رميح الظفيري، والمحال من الإمامة برقم ٤٤٥/٢ في ٢٤/٣/١٣٩٧هـ الذي جاء فيه: أنه أفطر يومين من شهر رمضان ١٣٩٥هـ ووصل شهر رمضان عام ١٣٩٦هـ وهو لم يقضهما وأفطر في رمضان عام ١٣٩٦هـ ثلاثة أيام، وقضى الخمسة متوالية في محرم ١٣٩٧هـ فهل يحتاج إلى دفع دية، وأن والده توفي، وأن والدته تصلي، وتصوم، وأخذت تصلي بعد صلاتها ركعتين كل وقت لأبيه، فقال لها بعض الناس: تصلي يوم الجمعة، فأخذت تصلي كل جمعة ركعتين بعد فرضها، ويطلب الإفادة عن ذلك.\nوقد أجابت اللجنة بما يلي:\nإذا كان إفطارك الذي ذكرته لعذر فلا شيء عليك إلا القضاء الذي قمت به لقول الله سبحانه: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، وإن","vol":"3","page":214},{"text":"كان الإفطار لغير عذر فعليك مع القضاء الذي قمت به التوبة؛ لأن الإفطار في رمضان لا يجوز إلا لعذر، ولا كفارة عليك عن الأيام الثلاثة التي أفطرتها من رمضان عام ١٣٩٦هـ، أما اليومان اللذان أفطرتهما من رمضان عام ١٣٩٥هـ فعليك مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم إن كنت أخرتها إلى رمضان عام ١٣٩٦هـ من دون عذر شرعي ومقدار الإطعام لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد هذا إن كان إفطارك بغير الجماع، أما إن كان بالجماع فعليك مع القضاء عن كل يوم أفطرته بالجماع كفارهّ، هي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، فإن عجزت فإطعام ستين مسكينًا. أما ما تقوم به أمك من صلاة ركعتين لأبيك بعد كل صلاة جمعة فلا يجوز؛ لأن الله لم يشرع ذلك بل هو بدعة، وإنما شرع لها الدعاء له والصدقة عنه، والله الموفق، وصلى الله على عبده ورسوله وآله.\nكفارة إفطار المريض\nالحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:\nفقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة الرئيس العام من المستفتية: شريفة بنت سعد بن عواض، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، ومضمون: السؤال مرضت، واشتد بي المرض، وأخذني أخي وأدخلني في المستشفى بمكة، وعند دخولي المستشفى جاء شهر رمضان مرتين، وأنا في نفس المستشفى، وبعد ذلك نقلت إلى الرياض، ودخلت المستشفى مرة ثانية، وجاء شهر رمضان، وكنت أحسن من قبل، فصمت، ولم يبق إلا الشهران الأولان، والسؤال هو: هل يلزمني الصيام عن الشهرين مع العلم بأنني أصوم في كل شهر ثلاثة أيام، أم أنه يلزمني صدقة أم ماذا أفعل، وهل يلزمني أن أطلب الصدقة من ولدي الوحيد وهو ميسور الحال حيث إنه ليس مو-ظفًا ولا عنده منزل إلا بالإيجار، وأ-نا امرأة ضعيفة الحال لا أستطيع العمل والكسب والتصدق فما هو الحل؟","vol":"3","page":215},{"text":"وبعد دراسة اللجنة للسؤال أجابت بما يلي:\nالواجب على السائلة قضاء صيام الشهرين المذكورين لعموم قوله تعالى: (ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وما ذكرته السائلة من صيام ثلاثة أيام من كل شهر فإن كانت نيتها فيه القضاء عما تركته من صيام الشهرين فهذه النية صحيحة، وعليها أن تأتي بما بقي من أيام الشهرين، وإن كانت نيتها فيه التطوع فإنه لا يسقط به الفرض، وعليها أن تصوم شهرين كاملين، وليس عليها إطعام مع الصيام؛ لأنها معذورة في التأخير بسبب المرض.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nقضاء الصوم بعد الشفاء من مرض طويل المدة\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:\nفقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم من رئيس هيئة الأمر بالمعروف ببدر إلى سماحة الرئيس العام، والذي أحيل إليها من الأمانة العامة برقم ١٩٣٨/٢ وتاريخ ٢٢/١١/٩٦هـ ومضمونه: هناك امرأة أصيبت بمرض نفساني: حرارة واضطراب أعصاب، وغير ذلك، وأنها على أثر ذلك تركت الصوم مدة أربع سنوات تقريبًا فهل في مثل هذه الحالة تقضي الصوم أولًا، وماذا يكون حكمها؟\nوقد أجابت اللجنة بما يلي:\nإذا كانت تركت الصوم لعدم قدرتها عليه وجب عليها قضاء ما أفطرته من رمضان في السنوات الأربع عند قدرتها على ذلك قال الله تعالي: (ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) وإن كان مرضها وعجزها عن الصوم لا يرجى زواله حسب تقرير الأطباء أطعمت عن كل يوم أفطرته مسكينًا نصف صاع من بر أو تمر أو أرز أو نحو ذلك مما يأكله أهلها في بيوتهم كالشيخ","vol":"3","page":216},{"text":"الكبير والعجوز الذين يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة، وليس عليها قضاء، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.\n(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)\nأفطرت رمضان لعذر منذ ٢٤ عام\nس: والدتي أنجبت طفلًا عام ١٣٨٢ هـ في شهر رمضان المبارك، ومعروف لديهم أن المرضع في شهر رمضان لا يجوز أن تصوم خوفًا على حياة طفلها، ولم يكن معروفًا لديهم قضاء شهر رمضان بعد كبر الطفل، لأنهم ساكنون في البادية لا يعرفون من الإسلام إلا قليلًا واليوم بعد انتشار العلم عرفت أن المرضع إذا أفطرت رمضان لا بد أن تقضيه، ولكنها أفطرت ذلك الشهر في عام ١٣٨٢ هـ لعذر حقيقي هو إرضاع طفلها، وكبر الطفل وصار اليوم عمره ٢٤ سنة ولم تقض ذلك الشهر، وهذا والله العظيم بسبب الجهل لا تهاونًا وقصد التعمد، أرجو إفادتنا.\nج: يجب عليها المبادرة إلى قضاء ذلك الشهر في أقرب وقت فتصومه ولو متفرقًا بقدر الأيام التي صامها المسلمون ذلك العام، وعليها مع الصيام صدقة هي: إطعام مسكين عن كل يوم كفارة عن التخير فإن من أخر القضاء حتى أدركه رمضان آخر لزمه مع القضاء كفارة فيكفي عن الشهر كله كيس من الأرز خمسة وأربعون كيلو جرامًا وكان الواجب عليها البحث والسؤال عن أمر دينها، فإن هذه المسألة مشتهرة ومعروفة بين أفراد الناس وهي أن من أفطر لعذر لزمه القضاء فورًا، ولم يجز له التأخير لغير عذر فأما فطرها بسبب الرضاع فقد يكون لعذر إذا خافت على نفسها من الضرر باجتماع الصوم والرضاع فيكفيها القضاء فورًا، وقد تكون بسبب الطفل إذا خافت عليه الجوع والمرض فأفطرت فيكون عليها مع القضاء كفارة طعام مساكين بقدر الأيام التي أفطرت، ولو قضته في ذلك العام وعلى هذا فإن كان فطرها بسبب الطفل، وأخرت القضاء فعليها كفارتان كما ذكرنا، والله أعلم.\n(اليمامة ٨٩٢ - ابن جبرين)","vol":"3","page":217},{"text":"ليس عليها كفارة\nس: تقيأت أختي وهي صائمة، وتعمدت الأكل فماذا يجب عليها؟\n(الجزوليت عبد الله. سلا - المغرب)\nج: لا يجوز للصائم تعمد إخراج القيء من جوفه بإدخال بده في فمه أو جعلها تحت بطنه أو شم شيء مما له رائحة تحرك ما في الجوف من الطعام، ونحوه حتى يخرج فمتى فعل الصائم شيئًا من ذلك فخرج منه القيء لزمه قضاء ذلك اليوم إن كان فرضًا، وهذه المرأة أخطأت أولًا في كونها استدعت القيء عمدًا، وأخطأت ثانيًا في تعمدها الأكل بعد ذلك فإن من فسد صومه بفعل بعض المفطرات عمدًا لا يجوز له الأكل ونحوه بل يمسك بقية يومه، وإن كان ملزمًا بقضائه فلعلها أحست بمرض أو ضعف في البدن وبكل حال فليس عليها كفارة إن شاء الله، وإنما يلزمها قضاء ذلك اليوم فقط، والله أعلم.\n(المسلمون ٥٤ - ابن جبرين)\nمن عجز عن الصيام\nورد إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد السؤال التالي:\n\"لي عم شقيق والدي، وقد بلغ من الكبر عتيًّا، وأصبح لا يعرف الناس ولا الجهات الأربع الأصلية، ولا يعرف من أموره شيئًا، وكأنه طفل مولود في حركاته، وتصرفاته، وحيث إنه لا يقدر على الصيام ولا الصلاة فأرجو الإفادة هل يلزم دفع شيء مقابل صيامه الذي لا يستطيعه مثل إطعام مسكين أو صدقة.. إلخ، لأنني حريص جدًا على براءة ذمتي وعمل الخير له\".\nوأجابت بما يلي:\nإذا كان الواقع كما ذكرت من أن عمك أصبح لا يعرف الناس، وأنه لا يعرف الجهات الأربع الأصلية ... إلخ، وأنك حريص على القيام بما يجب","vol":"3","page":218},{"text":"عليه فليس عليه صلاة ولا صيام ولا إطعام، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nالبحوث ٦\n(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)\nمن عجز عن الصوم لكبر أو مرض\nس: إذا كانت والدتي مريضة، وذلك قبل رمضان بأيام وأنهكها المرض، وهي كبيرة السن فصامت خمسة عشر يومًا من رمضان، ولكن لم تستطع صيام ما تبقى ولم تقدر على القضاء فهل يصح لها أن تتصدق؟ وكم يكفي في الصدقة يوميًا مع العلم بأنني أعولها فهل أدفع ما عليها في حالة ما لم يكن عندها ما تتصدق به؟\nج: من عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)، قال ابن عباس -﵄- نزلت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصيام فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. رواه البخاري.\nفأمك يجب أن تطعم عن كل يوم مسكينا، وهو مد بر، وإن كانت لا تجد ما تطعمه عن نفسها، وأردت الإطعام عنها فهذا من باب الإحسان، والله يحب المحسنين.\n(البحوث ٤ - اللجنة)\nالاحتلام لا يفسد الصوم\nس: هل يفسد صيام من احتلم ليلًا؟\n(عماد عمر سرحان - السودان)\nج: الاحتلام أمر قهري ليس باختيار الإنسان، ولا حيلة له في رده، فإذا احتلم الصائم نهارًا لا يبطل صومه، ولو تكّرر؛ لكونه يقع منه في النوم،","vol":"3","page":219},{"text":"وقد رفع عنه القلم حتى يستيقظ، فأما الاحتلام ليلًا فلا أعلم قائلًا بإبطاله للصوم، بل الجماع ليلًا في رمضان مباح لقوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إِلى نسائكم) فأما الجماع في نهار رمضان فيبطل الصيام، ويوجب الكفارة. والله أعلم.\n(ابن جبرين)\nباشر أجنبية وهو صائم\nالحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه وبعد:\nفقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الأسئلة المقدمة لسماحة الرئيس العام من: عبد رب الرسول مجذوب الحسن، المقيدة بإدارة البحوث رقم ٧٤٦ في ٢١/٤/١٤٠٢هـ وأجابت عن كل سؤال عقبه بما يناسبه.\nس: ما حكم من اختلى بأجنبية في نهار رمضان، وهو صائم، وطلب منها أن تكشف عورتها لإشباع الشهوة دون أن يجامعها أو يخرج منه مني، هل صيامه عن ذلك اليوم صحيح؟ وإن لم يكن صحيحًا هل يجب عليه القضاء والكفارة؟\nج؟ إذا كان الواقع ما ذكرت فقد أثم الشخص المذكور والمرأة المذكورة باختلائهما منفردين، وكشف عورتها له يتمتع بها، وعلى كل منهما أن يستغفر الله ويتوب إليه توبة صادقة، وليس على من لم ينزل منهما مني قضاء ذلك اليوم أما من أنزل منهما منيًا فعليه القضاء دون الكفارة؛ لأن الكفارة تجب بالجماع خاصة في نهار رمضان، وإن لم ينزل.\n(اللجنة الدائمة - الدعوة)\nس: ما حكم السواك في نهار رمضان؟\nج: يُستحبُّ السواك للصائم ولغيره على الصحيح، وكرهه بعض العلماء للصائم بعد الزوال، والصحيح أنه لا يكره له مطلقًا لعموم الأدلة على استحبابه ولحديث عامر بن ربيعة: \"رأيت رسول الله - ﷺ - ما لا أحصي يتسوك وهو","vol":"3","page":220},{"text":"صائم\". رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن، وعن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من خير خصال الصائم السواك\". رواه ابن ماجه.\nس: هل تذوق الطعام مفطر للصائم؟\nج: يجوز ذوق الطعام -للحاجة- لكن لا يبتلعه ويُكره لغير حاجة.\n(الرياض ٦١٨٧ - الفوزان)\nاستقاء وهو صائم\nس: ما حكم من استقاء وهو صائم أو تقيأ بغير فعله؟\nج: إذا استقاء الإنسانُ وهو صائم أفطر؛ لأنه استدعى القيء باختياره لقوله - ﷺ -. \"من استقاء فليقض\" رواه الترمذي وحسّنه، وقال: والعمل عليه عند أهل العلم، أما إذا غلبه القيء، وخرج بغير اختياره فصيامه صحيح لقوله - ﷺ -: \"من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض\" رواه الخمسة إلا النسائي.\n(الرياض ٦١٨٧ - الفوزان)\nيجتهد في رمضان ويتهاون في غيره\nس: ما حكم من يُحيي رمضان بالصيام والصلاة وقراءة القرآن والتقرب من الله بالعبادات الأخرى.. وفي غير رمضان يتهاون في كل هذه الأمور وكأنه أخذ ذلك من حديث الرسول - ﷺ -: \"ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما\"؟\nج: من كان يجتهد في رمضان في الأعمال الصالحة، وفي غير رمضان يتهاون في ذلك فهذا يخشى عليه من عدم القبول؛ لأن من شروط صحة التوبة العزم على أن لا يعود إلى المعاصي بعد التوبة منها -ولما سُئل بعض السلف عن مثل هؤلاء قال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان- ولا حجة لهم في قوله - ﷺ -: \"ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما\"؛ لأن تمام الحديث \"ما","vol":"3","page":221},{"text":"اجتنبت الكبائر\" فالذنوب التي تكفر في رمضان ونحوه إنما هي الصغائر والتهاون بالصلاة المفروضة من أعظم الكبائر فهو لا يكفّر إلا بالتوبة الصحيحة.\nس: من مات في شهر رمضان وكان صائمًا أوله هل يقضى عنه بقية الشهر أم يتصدق عن كل يوم بقي عليه؟\nج: من مات في أثناء شهر رمضان وقد صام أوله فليس عليه شيء عن بقيته، ولا يصام عنه؛ لأنه لم يدركه، وما لم يدركه فإنه لا يجب عليه، وإن كان قد أفطر شيئًا مما أدرك بسبب المرض ثم مات فلا شيء عليه أيضًا؛ لأنه لم يتمكن من وقت القضاء ولو تمكن منه فإن وقته موسع إلى رمضان الآخر، ومن مات في أثناء الوقت الموسع فلا شيء عليه.\n(الرياض ٦١٨٦ - الفوزان)\nمتى يجب الصيام؟\nس: أنا شاب بلغ من العمر ٢٣ سنة، وقد شجعني والدي على الصيام وأنا عمري ١٥ سنة تقريبًا والله أعلم، وكنت أصوم وأفطر أيامًا لأني لم أكن أعرف المعنى الحقيقي للصوم، ولكن بعد إن بلغت ووعيت أكثر بدأت أصوم كل شهر رمضان المبارك، ولم أفطر في أي يوم من أيامه والحمد لله. وسؤالي هو هل علي قضاء السنوات الماضية؟ علمًا بأني في السن الـ ١٨ بدأت أصوم كل شهر رمضان.\nج: متى أتم الإنسان ١٥ عامًا وجبت عليه التكاليف.، فإن هذه السن علامة البلوغ فهذا الذي تساهل بالصوم وقد حكم ببلوغه قد ترك واجبًا فعليه قضاء ما ترك أو أفطر فيه من أيام الرمضانات التي مرت، قبل توبته ولا يعذر بجهله بحكمة الصيام فعليه قضاء الأيام التي تركها أو لم يتم الصيام فيها مع الكفارة عن كل يوم طعام مسكين فإن كان جاهلًا بعددها فعليه الاحتياط حتى يتيقن أنه قضى ما وجب في ذمته، والله أعلم.\n(اليمامة ٨٨٧ - ابن جبرين)","vol":"3","page":222},{"text":"النبي ﵇ كان يدركه الفجر وهو جُنُبُ من أهله.\nس: هل يجوز صيام المرء وهو على جنابة بدون قصد لهذه الجنابة؟\nج: ثبت في الحديث أن النبي - ﷺ - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم وحيث إن الاغتسال من الجنابة شرط لصحة الصلاة فلا يجوز تأخيره لوجوب صلاة الصبح في وقتها، لكن لو غلبه النوم وهو جنب فلم يستيقظ إلا في الضحى فإنه يغتسل ويصلي صلاة الفجر ويستمر في صومه وكذا لو نام في النهار وهو صائم فاحتلم فإنه يغتسل لصلاة الظهر أو العصر ويتم صومه.\n(اليمامة ٨٨٧ - ابن جبرين)\nتأخير قضاء رمضان\nس: هل يجوز تأجيل صيام دين رمضان إلى فصل الشتاء؟\nج: يجب قضاء صيام رمضان على الفور بعد التمكّن وزوال العذر، ولا يجوز تأخيره بدون سبب مخافة العوائق من مرض أو سفر أو موت، ولكن لو أخره فصامه في الشتاء، وفي الأيام القصيرة أجزأه ذلك وأسقط عن القضاء.\n(اليمامة ١٨٣ - ابن جبرين)\nصوم الوصال\nس: ما هو صوم الوصال، وهل هو سُنَّة؟\n(أحمد محمود غريب - الفجيرة)\nج: صوم الوصال أن لا يفطر الإنسان في يومين فيواصل الصيام متتاليين، وقد نهى النبي - ﷺ - عنه وقال: \"من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر\"، والمواصل للسحر من باب الجائز، وليست من باب المشروع، والرسول - ﷺ - حث على تعجيل الفطر، وقال: \"لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر\"، لكنه أباح","vol":"3","page":223},{"text":"لهم أن يواصلوا إلى السحر فقط فلما قالوا: يا رسول الله - ﷺ - إنك تواصل.\nفقال: \"إني لست كهيئتكم\".\n(المسلمون - ابن عثيمين)\nالصوم في السفر\nس: هل يُشترط لترخص المسافر في سفره بالفطر في رمضان أن يكون سفره على الرجل أو على الدابة أو ليس هناك فرق بين الرجل وراكب الدابة وراكب السيارة أو الطائرة؟ وهل يشترط أن يكون في السفر تعب لا يستطيع تحمله؟ وهل الأحسن أن يصوم المسافر إذا استطاع أو الأحسن له الفطر؟\nج: يجوز للمسافر سفر قصر أن يفطر في سفره سواء كان ماشيًا أو راكبًا وسواء كان ركوبه بالسيارة أو الطائرة أو غيرهما، وسواء تعب في سفره تعبًا لا يتحمل معه الصوم أو لم يتعب، اعتراه جوع وعطش أو لم يصبه شيء من ذلك؛ لأن الشرع أطلق الرخصة للمسافر سفر قصر في الفطر، وقصر الصلاة ونحوهما من رخص السفر ولم يقيد ذلك بنوع من المركب، ولا بخشية التعب أو الجوع أو العطش، وقد كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسافرون معه في غزوة في شهر رمضان فمنهم من يصوم ومنهم من يفطر، ولم يعب بعضهم على بعض، لكن يتأكد على المسافر الفطر في شهر رمضان إذا شق عليه الصوم لشدة حر أو وعورة مسلك أو بعد شقة وتتابع سير مثلًا، فعن أنس: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فصام بعض وأفطر بعض فتحزم المفطرون وعملوا وضعف الصائمون عن بعض العمل، فقال: \"ذهب المفطرون اليوم بالأجر\" وقد يجب الفطر في السفر لأمر طارئ يوجب ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: سافرنا مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم\". فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفَطر، ثم نزلنا منزلًا آخر فقال: \"إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا\"، وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك في السفر.","vol":"3","page":224},{"text":"رواه مسلم. وكما في حديث جابر بن عبد الله -﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - في سفر، فرأى رجلًا قد اجتمع الناس عليه، وقد ظلل عليه فقال: \"ما له؟ \" قالوا: رجل صائم. فقال رسول الله - ﷺ -: \"ليس البر أن تصوموا في السفر\" رواه مسلم.\n(الجندي المسلم - اللجنة الدائمة)\nالقيء غير المتعمد لا يفسد الصوم\nس: قارئ يسأل هل القيء يفسد الصوم؟\nج: إن ما قد يتعرض له الصائم من جراح أو رعاف أو قيء أو ذهاب الماء أو البنزين إلى حلقه بغير اختياره فكل هذه الأمور لا تفسد الصوم لكن من تعمد القيء فسد صومه لقول النبي - ﷺ -: \"من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء\".\n(ابن باز)\nقيام الليل\nس: هل يكون قيام الليل في شهر رمضان المبارك فقط أم في جميع أيام السنة، ومن أي ساعة يبدأ وإلى أي ساعة ينتهي؟ وهل يكون القيام صلاة فقط أم صلاة وقراءة القرآن الكريم؟\nج: قيام الليل بالصلاة والتهجّد سنّة وفضيلة حافظ عليه النبي - ﷺ - وصحابته كما قال تعالى: (إِن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك) وليس خاصًا بشهر رمضان ووقته ما بين العشاء والفجر لكن الصلاة آخر الليل أفضل، وإن صلى وسطه فله أجر، والأولى أن يكون عقب النوم أو في النصف الأخير من الليل، والله أعلم.\n(عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين)\n***","vol":"3","page":225},{"text":"صيام رمضان ٣٠ يومًا باستمرار\nس: قارئ من الخُبر بعث سؤالًا يقول فيه: ما الحكم في قوم يصومون رمضان ثلاثين يومًا باستمرار؟\nج: قد دلّت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - ﷺ - وإجماع أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين لهم بإحسان من العلماء على أن الشهر يكون ثلاثين ويكون تسعًا وعشرين، فمن صامه دائمًا ثلاثين من غير نظر في الأهلة فقد خالف السنة والإجماع وابتدع في الدين بدعة لم يأذن بها الله، قال الله سبحانه: (اتبعوا ما أنزل إِليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) الآية، وقال سبحانه: (قل إِن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم) الآية، وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إِن الله شديد العقاب)، وقال ﷿: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي الصحيحين من حديث -ابن عمر ﵄- عن النبي - ﷺ - قال: \"صوموا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له\" متفق عليه، وفي رواية لمسلم: \"إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين\" وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فصوموا ثلاثين\" وفي لفظ آخر: \"فأكملوا العدة ثلاثين\"، وفي لفظ آخر: \"فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا\" وعن حُذيفة -﵁- أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة\" رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، وثبت عنه - ﷺ - في عدة أحاديث أنه قال: إن الشهر هكذا وهكذا وهكذا\" وأشار بأصابعه العشر وخنس إبهامه في الثالثة ثم قال: \"الشهر هكذا وهكذا وهكذا\" بأصابعه العشرة ولم يخنس منها شيئًا. يشير - ﷺ -","vol":"3","page":226},{"text":"إلى أنه يكون في بعض الأحيان ثلاثين ويكون في بعضها تسعًا وعشرين، وقد تلقى أهل العلم والإيمان من أصحاب النبي - ﷺ - وأتباعهم بإحسان هذه الأحاديث الصحيحة بالقبول والتسليم وعملوا بمقتضاها فكانوا يتراءون هلال شعبان ورمضان وشوال ويعملون بما تشهد به البينة من تمام الشهر أو نقصانه فالواجب على جميع المسلمين أن يسيروا على هذا النهج القويم وأن يتركوا ما خالف ذلك من آراء الناس وما أحدثوه من البدع، وبذلك ينتظمون في سلك من وعدهم الله بالجنة والرضوان في قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإِحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم) .\n(الدعوة ١٠١٠ - ابن باز)\nالأيام المنهي عن الصيام فيها\nس: الأخ محمد إبراهيم النجدي من ميت طريف -دقهلية- بمصر يسأل عن الأيام التي يكره فيها الصيام.\nج: الأيام التي ينهى عن الصيام فيها يوم الجمعة حيث لا يجوز أن يصوم يوم الجمعة مفردًا يتطوع بذلك؛ لأن رسول الله - ﷺ - نهى عن ذلك، وهكذا لا يفرد يوم السبت تطوعًا ولكن إذا صام الجمعة ومعها السبت أو معها الخميس فلا بأس كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله - ﷺ -، كذلك ينهى عن صوم يوم عيد الفطر وذلك محرم، وكذلك يوم عيد النحر وأيام التشريق كلها لا تصام؛ لأن الرسول ﵊ نهى عن ذلك إلا أن أيام التشريق قد جاء ما يدل على جواز صومها عن هدي التمتع والقران خاصة لما ثبت في البخاري عن عائشة -﵂- وابن عمر -﵄- قالا: \"لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي\"، أما كونها تصام تطوعًا أو لأسباب أخرى فلا يجوز كيوم العيد وهكذا يوم الثلاثين من شعبان إذا لم تثبت رؤية الهلال فإنه يوم شك لا يجوز صومه في أصح قولي العلماء سواء كان","vol":"3","page":227},{"text":"صحوًا أو غيمًا للأحاديث الصحيحة الدالة على النهي عن ذلك، والله ولي التوفيق.\n(المجلة العربية ٩٧ - ابن باز)\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>حكم صوم يوم عاشوراء</span>\nس: الأخ عبد القدوس محمد من الرياض يسأل عن حكم صيام يوم عاشوراء، وهل الأفضل صيام اليوم الذي قبله أم اليوم الذي بعده أم يصومها جميعًا، أم يصوم يوم عاشوراء فقط؟ نرجو توضيح ذلك جزاكم الله خيرًا.\nج: صيام يوم عاشوراء سنة، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - ﷺ - من الدلالة على ذلك، وأنه كان يومًا تصومه اليهود؛ لأن الله نجى فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه فصامه نبينا محمد - ﷺ - شكرًا لله، وأمر بصيامه، وشرع لنا أن نصوم يومًا قبله أو يومًا بعده، وصوم التاسع مع العاشر أفضل، وإن صام العاشر مع الحادي عشر كفى ذلك لمخالفة اليهود، وإن صامهما جميعًا مع العاشر فلا بأس لما جاء في بعض الروايات: \"صوموا يومًا قبله ويومًا بعده\" أما صومه وحده فيكره، والله ولي التوفيق.\n(المجلة العربية ٩٦ - ابن باز)\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>استنشاق الدواء هل يفطر</span>؟\nس: يوجد دواء مع المرضى بمرض الربو يأخذونه بطريق الاستنشاق، هل يفطر أو لا؟\nج: وقد أجابت اللجنة عن هذا السؤال بما يلي:\nدواء الربو الذي يستعمله المريض استنشاقًا يصل إلى الرئتين عن طريق القصبة الهوائية، لا إلى المعدة فليس أكلًا ولا شربًا ولا شبيهًا بهما، وإنما هو شبيه بما يقطر في الأحليل، وما تداوى به المأمومة والجائفة وبالكحل والحقنة الشرجية ونحوها من كل ما يصل إلى الدماغ أو البدن من غير الفم أو الأنف، وهذه الأمور اختلف العلماء في تفطير الصائم باستعمالها فمنهم من لم يفطر الصائم باستعمال شيء منها، ومنهم من فطره باستعمال بعض دون بعض، مع","vol":"3","page":228},{"text":"اتفاقهم جميعًا على أنه لا يسمى استعمال شيء منها أكلًا ولا شربًا، لكن من فطر باستعمالها أو بشيء منها جعله في حكمها بجامع أن كلًا من ذلك يصل إلى الجوف باختيار، ولما ثبت من قول النبي - ﷺ -: \"وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا\" فاستثنى الصائم من ذلك مخافة أن يصل الماء إلى حلقه أو معدته بالمبالغة في الاستنشاق فيفسد الصوم، فدل على أن كل ما وصل إلى الجوف اختيارًا يفطر الصائم.\nومن لم يحكم بفساد الصوم بذلك كشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ومن وافقه، لم ير قياس هذه الأمور على الأكل والشرب صحيحًا فإنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر هو كل ما كان واصلًا إلى الدماغ أو البدن أو ما كان داخلًا من منفذ أو واصلًا إلى الجوف، وحيث لم يقم دليل شرعي على جعل وصف من هذه الأوصاف مناطا للحكم بفطر الصائم يصح تعليق الحكم به شرعًا، وجعل ذلك في معنى ما يصل إلى الحلق أو المعدة من الماء بسبب المبالغة في استنشاقه غير صحيح أيضًا لوجود الفارق فإن الماء يغذي فإذا وصل إلى الحلق أو المعدة أفسد الصوم سواء كان دخوله من الفم أو الأنف إذ كل منهما طريق فقط، ولذا لم يفسد الصوم بمجرد المضمضة أو الاستنشاق دون مبالغة ولم ينه عن ذلك، فكون الفم طريقًا وصف طردي لا تأثير له، فإذا وصل الماء ونحوه من الأنف كان له حكم وصوله من الفم، ثم هو والفم سواء والذي يظهر عدم الفطر باستعمال هذا الدواء استنشاقًا لما تقدم من أنه ليس في حكم الأكل والشرب بوجه من الوجوه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.\n(الجندي المسلم - اللجنة)\nمراتب الفرض ومراتب الفضل\nس: سمعت أن الصيام مراتب، فما صحة هذا القول وهل لكل منها ثواب خاص بها؟\n(هند سليم إبراهيم - لندن)\nج: إذا قصد بالمراتب الفرض والنفل فهذا صحيح، والفرض أفضل من النفل أما مراتب الفضل والأجر عند الله باعتبار الصائمين، فهذا اختلف اختلافًا","vol":"3","page":229},{"text":"كبيرًا بحسب ما يفعله الإنسان أثناء الصوم من التزام بالأخلاق والآداب الإسلامية أو عدم التزامه بها، وبحسب ما يقوم في قلبه من الإخلاص.\n(المسلمون- ابن عثيمين)\nمن يصوم ولا يصلي\nس: لقد شاهدتا بعضًا من شباب المسلمين يصومون ولكن لا يصلون هنا هل يقبل صيام من صام ولم يصل؟ ولقد سمعت بعض الواعظين بالدين يقول لهؤلاء الشباب: أفطروا ولا تصوموا فمن لم يصل لا صوم له. أفتوني هل يصومون أو يفطرون سواء، وهل لنا الحق أن نقول لهم: أفطروا إذا لم تصلوا؟\nج: من وجبت عليه الصلاة فتركها عمدًا جاحدًا لوجوبها كفر بإجماع العلماء، ومن تركها تهاونًا وكسلًا كفر على القول الصحيح من أقوال أهل العلم ومتى حكم بكفره حبط صومه وغيره من العبادات لقوله سبحانه: (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) ولكن لا يؤمر بترك الصيام؛ لأن صيامه لا يزيده إلا خيرًا وقربًا من الدين ولخوف قلبه يرجى من ورائه أن يعود إلى فعل الصلاة والتوبة من تركها، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.\n(الجندي المسلم - اللجنة)\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>صيام رمضان ٢٨ يومًا</span>\nس: قاريء يسأل: هل يجوز صيام ٢٨ يومًا فقط من شهر رمضان؟\nج: ثبت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - ﷺ - أن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يومًا، ومتى ثبت دخول شهر شوال بالبينة الشرعية بعد صيام المسلمين ثمانية وعشرين يومًا فإنه يتعين أن يكونوا أفطروا اليوم الأول من رمضان فعليهم قضاؤه؛ لأنه لا يمكن أن يكون الشهر ثمانية وعشرين يومًا، وإنما الشهر تسعة وعشرون يومًا أو ثلاثون.\n(ابن باز)","vol":"3","page":230},{"text":"عليه ١٠ أيام من رمضان منذ ٨ أعوام\nس: إذا كان عليَّ صيام عشرة أيام من رمضان منذ ثماني سنوات، والسبب كنت مريضًا فهل أصومها أو أكفر؟\nج: حيث ذكرت أنك أفطرت بسبب المرض، ومضى عليك ثماني سنوات، وأنت لم تصمها فإن فطرك مشروع، ويجب عليك القضاء، ولا يجزئك أن تتصدق إلا إذا تقرر عجزك عنها دائمًا فتكون بمنزلة الكبير الذي لا يستطيع الصيام، ومما يحسن تنبيهك عليه إن كان قد حصل لك الشفاء قبل رمضان آخر لم يجز لك تأخير القضاء من غير عذر ومن أخر القضاء من غير عذر حتى أدركه رمضان آخر حرم عليه، وحينئذ فعليك مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم ما يجزئ في كفارة، رواه سعيد بإسناد حسن عن ابن عباس، والدارقطني بإسناد صحيح عن أبي هريرة، ومقدار الإطعام هو مد من البر عن كل يوم يعطى للمساكين، وإن كان التأخير لعذر فليس فيه إلا القضاء.\n(الجندي المسلم- اللجنة)\nتأخير غسل الجنابة إلى طلوع الفجر\nس: قارئ يسأل: هل يجوز غسل الجنابة إلى طلوع الفجر، وهل يجوز للنساء تأخير غسل الحيض أو النفاس إلى طلوع الفجر؟\nج: إذا رأت المرأة الطهر قبل الفجر فإنه يلزمها الصوم، ولا مانع من تأخيرها الغسل إلى بعد طلوع الفجر، ولكن ليس لها تأخيره إلى طلوع الشمس بل يجب عليها أن تغتسل وتصلي قبل طلوع الشمس. أما الجنب فليس له تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الشمس بل يجب عليه أن يغتسل، ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس ويجب على الرجل المبادرة بذلك حتى يدرك صلاة الفجر مع الجماعة.\n(ابن باز)","vol":"3","page":231},{"text":"من يصوم ويصلي في رمضان فقط\nس: إذا كان الإنسان حريصًا على صيام رمضان والصلاة في رمضان فقط، ولكنه يتخلى عن الصلاة بمجرد انتهاء رمضان فهل له صيام؟\nج: الصلاة ركن من أركان الإسلام وهي آكد الأركان بعد الشهادتين وهي من فروض الأعيان ومن تركها جاحدًا لوجوبها أو تركها تهاونا وكسلًا فقد كفر، أما الذين يصومون رمضان ويصلون في رمضان فقط فهذا مخادعة لله فبئس الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، فلا يصح لهم صيام مع تركهم الصلاة في غير رمضان.\n(الجندي المسلم - اللجنة)\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>هل نصوم ٣١ يومًا</span>\nس: إذا كنا قد بدأنا الصوم في المملكة العربية السعودية ثم سافرنا إلى بلادنا في شرق آسيا في شهر رمضان حيث يتأخر الشهر الهجري هناك يومًا فهل نصوم واحدًا وثلاثين يومًا؟\nج: إذا صمتم في السعودية أو غيرها ثم صمتم بقية الشهر في بلادكم أو غيرها فأفطروا إفطارهم ولو زاد ذلك على ثلاثين يومًا لقول النبي - ﷺ -: \"الصوم يوم تصومون، والإفطار يوم تفطرون\"، لكن إن لم تكملوا تسعة وعشرين يومًا فعليكم إكمال ذلك؛ لأن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يومًا.\n(الدعوة ٨٩٩ - ابن باز)\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>قطرة العين هل تفطر</span>\nس: استعمال قطرة العين في نهار رمضان هل تفطر أم لا؟\nج: الصحيح أن القطرة وإن كان فيها خلاف بين أهل العلم حيث قال","vol":"3","page":232},{"text":"بعضهم أنه إذا وصل طعمها إلى الحلق فإنها تفطر. والصحيح أنها لا تفطر لأن العين ليست منفذًا، لكن لو قضى احتياطا وخروجًا من الخلاف فلا بأس، وإلا فالصحيح أنها لا تفطر سواء كانت في العين أو في الأذن.\n(ابن باز)\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>من أكل وقت الأذان</span>\nس: القارئ ع. الفارس يسأل عن الحكم الشرعي للصيام فيمن سمع أذان الفجر واستمر في الأكل والشرب؟\nج: الواجب على المؤمن أن يمسك عن المفطرات من الأكل والشرب وغيرهما إذا تبين له طلوع الفجر، وكان الصوم فريضة كرمضان، وكصوم النذر والكفارات لقول الله ﷿: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إِلى الليل) الآية من سورة البقرة.\nفإذا سمع الأذان وعلم أنه يؤذن على الفجر وجب عليه الإمساك فإن كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر أو بعد الفجر فإن الأولى والأحوط له أن يمسك إذا سمع الأذان ولا يضره لو شرب أو أكل شيئًا حين الأذان؛ لأنه لم يعلم بطلوع الفجر.\nومعلوم أن من كان داخل المدن التي فيها الأنوار الكهربائية ولا يستطيع أن يعلم طلوع الفجر بعينه وقت طلوع الفجر ولكن عليه أن يحتاط بالعمل بالأذان والتقويمات التي تحدد طلوع الفجر بالساعة والدقيقة عملًا بقول النبي - ﷺ -: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\"، وقوله - ﷺ -: \"من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\". والله ولي التوفيق.\n(الدعوة ١٠١٤ - ابن باز)\n***","vol":"3","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>توضيح من سماحة الشيخ الفاضل عبد العزيز بن باز علم الحساب لا يعتمد عليه في إثبات الصوم والفطر والأحكام الشرعية بإجماع سلف الأمة</span>\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.\nفقد رأست الدورة السادسة لندوة توحيد التقويم الهجري المنعقدة في مكة المكرمة من يوم الثلاثاء ١٠/١/١٠٤٦هـ وفق الحساب الذي يستعمله الفلكيون، ولم أوقع على البيان والجداول خشية أن يظن من يطلع عليها أنني موافق على إثبات الصوم والفطر والأحكام الشرعية بالحساب.\nوقد أفهمت اللجنة ذلك وأوضحت لها أن إثبات الأهلة والأحكام الشرعية إنما يكون بالرؤية أو إكمال العدد كما نص على ذلك نبينا محمد - ﷺ - في أحاديث صحيحة منها قوله - ﷺ -: \"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\" متفق عليه.\nومنها قوله - ﷺ -: (لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة\" رواه النسائي وأبو داود بإسناد صحيح.\nومنها قوله - ﷺ -: \"إنا أمّة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، الشهر هكذا وهكذا وهكذا\" -يعني تمام ثلاثين- متفق عليه وهذا لفظ مسلم. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\nأما توحيد التقويم بالحساب فلا مانع أن يعتمد عليه في المسائل الإدارية ونحوها.\nوللإيضاح والنصيحة وبراءة الذمة رأيت نشر هذا البيان، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، إنه جواد كرم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.\nالرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد\nعبد العزيز بن عبد الله بن باز\n(الإصلاح ٩٥)","vol":"3","page":234},{"text":"أفطر عمدًا من أجل الامتحانات\nس: أنا فتاة أجبرتني الظروف على إفطار ستة أيام من شهر رمضان عمدًا والسبب ظروف الامتحانات؛ لأنها بدأت في شهر رمضان.. والمواد صعبة، ولولا إفطاري هذه الأيام لم أتمكن من دراسة المواد نظرًا لصعوبتها وأرجو إفادتي ماذا أفعل كي يغفر الله لي جزاكم الله خيرًا؟\nج: عليك التوبة من ذلك وقضاء الأيام التي أفطرتها والله يتوب على من تاب، وحقيقة التوبة التي يمحو الله بها الخطايا الإقلاع من الذنب وتركه تعظيمًا لله سبحانه وخوفًا من عقابه والندم على ما مضى منه والعزم الصادق أن لا يعود إليه، وإن كانت المعصية ظلمًا للعباد فتمام التوبة تحللهم من حقوقهم.. قال الله تعالى: (وتوبوا إِلى الله جميعًا أيها المؤمنونِ لعلكم تفلحون)، وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إِلى الله توبة نصوحًا) الآية.\nوقال النبي - ﷺ -: \"التوبة تجب ما قبلها\"، وقال ﵊: \"من كان عنده لأخيه مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ من حسناته بقدر مظلمته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه\". رواه البخاري في صحيحه، والله ولي التوفيق.\n(الدعوة ٩٦٨ - ابن باز)\nفاقد العقل لا يجب عليه الصوم\nفقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم من سليم بن سميحان الحربي إلى سماحة الرئيس العام والمحال إليها برقم ١٩٣٠/ في ٧/١١/١٤٠١هـ ونصه: إن ابنتي تبلغ من العمر ثلاثين عامًا ولديها أطفال مصابة باختلال عقلي منذ أربعة عشر عامًا، وكان في السابق يصيبها هذا المرض مدة وينقطع عنها مدة أخرى، وقد أصابها هذه المرة على خلاف العادة حيث لها الآن ثلاثة أشهر تقريبًا مصابة به وبذلك فهي لا تحسن صلاتها ولا وضوءها إلا","vol":"3","page":235},{"text":"بواسطة إنسان يرشدها كيف وكم صلت. والآن بعد دخول شهر رمضان المبارك صامت يومًا واحدًا فقط ولم تحسن صيامه أما الأيام الباقية فإنها لم تصمها أرشدوني -أثابكم الله- في هذا الموضوع بما يجب عليه، ويجب عليها علمًا بأنني ولي أمرها.\nوأجابت بما يلي:\nإذا كان الواقع من حالها كما ذكرت لم يجب عليها صوم ولا صلاة أداء ولا قضاء ما دامت كذلك، وليس عليك سوى رعايتها، لأنك وليها، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته..\" الحديث، وإذا قدر أنها أفاقت في بعض الأحيان وجبت عليها الصلاة الحاضرة وقت الإفاقة وكذلك إذا قدر أنها أفاقت يومًا أو أيامًا من شهر رمضان فيما بعد صامت ما أفاقت فيه فقط، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - الدعوة ٩٢٥)\nراعي الغنم لا يجوز له الإفطار\nس: رجل صام رمضان وأفطر من منتصف الشهر ١٥ يومًا، وعذره أنه يرعى غنمًا بأجرة، وقد سأل رجلًا يدعي أنه طالب علم وأفتاه قائلًا: تصدق عن كل يوم بربع دينار، وقد استدل المفتي بالآية الكريمة: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)، وأنا حاضر والسؤال عن الجواب..\nج: أولًا: لا يجوز لمن يرعى غنمًا أن يفطر إلا في حالة الاضطرار فيتناول إذا اضطر ما يدفع الاضطرار ثم يمسك بقية يومه ثم يقضي الأيام التي أفطرها.\nثانيًا: ما أجاب به المسئول من أنه يتصدق عن كل يوم بربع دينار ليس بصحيح بل الواجب عليه القضاء لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أيامًا معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إِن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه","vol":"3","page":236},{"text":"القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) قال ابن جرير -رحمه الله تعالى- بعد ذكره لطائفة من الأقوال في تفسير قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) منسوخ بقول الله تعالى ذكره: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) لأن الهاء التي في قوله: (وعلى الذين يطيقونه) من ذكر الصيام ومعناه وعلى الذين يطيقونه الصيام فدية طعام مسكين فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن من كان مطيقًا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوم شهر رمضان وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.\n(الدعوة ٨٠٥ - ابن باز)\nمن ترك صيام رمضان من غير عذر\nس: ما حكم المسلم الذي مضى عليه أشهر من رمضان يعني سنوات عديدة بدون صيام مع إقامة بقية الفرائض، وهو بدون عائق عن الصوم أيلزمه القضاء إن تاب؟\nج: صيام رمضان ركن من أركان الإسلام، وترك المكلف عمدًا للصيام من أعظم الكبائر، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى كفره وردته بذلك، وعليه التوبة النصوح والإكثار من الأعمال الصالحة من النوافل وعليه أن يحافظ على شرائع الدين من صلاة وصيام وحج وزكاة وغير ذلك، وليس عليه قضاء في أصح قولي العلماء؛ لأن جريمته أكبر من أن يجبرها القضاء.\n(الدعوة ٨٠٥ - ابن باز)\nاستعمال حبوب منع الحيض في رمضان\nس: هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو لا؟\nج: يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض إذا قرر أهل","vol":"3","page":237},{"text":"الخبرة من الأطباء ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرها، ولا يؤثر على جهاز حملها، وخير لها أن تكف عن ذلك، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر إذا جاءها الحيض في رمضان، وشرع لها قضاء الأيام التي أفطرتها، ورضي لها بذلك دينًا.\n(الدعوة ٧٥٧ - ابن باز)\nالكلام مع المرأة ومس يدها في نهار رمضان\nس: ما حكم الكلام مع امرأة أو مس يدها في نهار رمضان للصائم نظرًا إلى أن جميع المتاجر والمحلات تعمل بيد النساء؟\nج: إذا كان كلام الرجل مع المرأة من غير ريبة ولا قصد إلى التمتع بالحديث معها بأن كان للمفاوضة التجارية والسؤال عن الطريق ونحو ذلك، أو مس يدها دون قصد فذلك جائز في رمضان وفي غير رمضان. وأما إن كان كلامه معها لقصد التلذذ بالحديث معها فلا يجوز لا في رمضان، ولا في غيره، وهو في رمضان أشد منعًا.\n(الدعوة ٨٠٦ - اللجنة)\nالقطرة لا تفسد الصوم\nس: تلقت اللجنة استفتاء هذا نصه: في كتاب الضياء اللامع ورد في خطبة خاصة بشهر رمضان وما يتعلق بالصيام عبارة نصها \"ولا يفطر أيضًا إذا غلبه القيء، وإذا داوى عينيه أو أذنه أو قطر فيهما\" فما رأيكم في ذلك؟\nج: ما قاله من أن من قطر في عينيه أو أذنيه للتداوي لا يفسد صومه بذلك هو الصحيح؛ لأن ذلك لا يسمى أكلًا ولا شربًا لا - في العرف العام ولا في لسان الشرع، ولأنه يدخل من مدخل غير معتاد للطعام والشراب، ولو أخر التقطير في عينيه وأذنيه إلى الليل كان أحوط للخروج من الخلاف وكذلك من غلبه القيء لا يفسد صومه بخروجه؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والشريعة مبنية على رفع الحرج، لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من","vol":"3","page":238},{"text":"حرج هو وغير ذلك من الأدلة ولقول الرسول - ﷺ -: \"من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء..\".\n(الدعوة ٨٠٥ - اللجنة)\nلا يجوز للحائض أن تصوم\nس. هل للمرأة إذا حاضت أن تفطر في رمضان، وتصوم أيامًا مكان الأيام التي أفطرتها؟\nج: لا يصح صوم الحائض، ولا يجوز لها فعله فإذا حاضت أفطرت وصامت أيامًا مكان الأيام التي أفطرتها بعد طهرها.\n(الدعوة ٨٠٧ - اللجنة)\nلي ولد توفي وعليه يوم من رمضان فما الحكم؟\nس: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال الذي قدمه جميل أبو سليمان إلى سماحة الرئيس العام المحال إليها برقم ١٠٩٢ في ٥/٦/١٤٠٢هـ ونصه: إن ابني البالغ من العمر ١٨ عامًا قد توفي قبل خمسة أيام وكان عليه يوم واحد لم يصمه في رمضان، وهو أول يوم وكان ذلك من جراء حادث وقع له في سيارة كسر على أثرها فخذه الأيمن ويده اليسرى، وقد نقل من المستشفى إلى الدار، وكانت الدار لدينا غير مزودة بمكيف هواء، وكما يعلم بأن الجبس حار؛ لأن نصف جسمه مكسو به على شكل بنطلون، وقد صام الأيام التي تلي هذا اليوم كاملة بعد أن زودت الدار بالمكيف، فما هو الحكم في ذلك جزاكم الله خيرًا علمًا بأنه لم يقض هذا اليوم، وقد نصح له الطبيب بعدم الصوم كلية من أجل أن يلتئم العظم، ويحتاج إلى تغذية عالية. والسلام عليكم.\nوأجابت بما يلي: إذا كان الواقع كما ذكر من أن ابنك أصيب في حادث سيارة، وأنه أفطر لذلك يومًا من رمضان لعجزه عن صيامه، وأنه مات قبل أن يتمكن من قضاءه فلا شيء عليه ولا على أوليائه لا قضاء ولا فدية لقوله تعالى:","vol":"3","page":239},{"text":"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.\n(الدعوة ٨٤٥ - اللجنة)\nأفطر رمضان لمرض ومات قبل أن يقضيه\nس: رجل مات يوم عيد الفطر، وأول يوم من رمضان أو الثاني أصابه المرض ومر عليه رمضان كله وهو مفطر، فهل على ورثته الصيام عنه بعد وفاته أو عليهم إطعام أو ليس على الميت ولا على الورثة شيء من ذلك.\nج: إذا كان هذا المريض أفطر لعدم قدرته على الصيام لم يتمكن من القضاء لأنه مات يوم عيد الفطر \"فالصوم لم يجب عليه أداؤه لعدم القدرة لمرضه ولا قضاء لعدم التمكن لموته يوم عيد الفطر وليس على ورثته الصوم ولا الإطعام عنه.\n(الدعوة ٨٠٥ - اللجنة)\nمرض والدي فمات وعليه أيام أوصاني بصيامها\nس: مات والدي بعد مرض ألمَّ به منعه من الصيام نصف شهر رمضان، وقد أوصاني بصيام تلك الأيام فهل يلزمني ذلك أو إخراج كفارة؟\nج: إذا كان الأمر كما ذكرت فلا يلزمك أن تصوم عنه ولا يلزم إخراج كفارة عن الأيام التي لم يتمكن من صيامها لعموم قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها) وحيث إن والدك لم يتمكن من الصيام ولا من القضاء فلا يجب عليه شيء.\n(الدعوة ٨٠٧ - اللجنة)\nجامع امرأته في نهار رمضان\nس: ما حكم من وقع في حرام في شهر رمضان إذا كان في صيام، وإذا كان ليلًا، وما هي الكفارة؟\nج: من جامع امرأته أو أمته في شهر رمضان، فإن كان ليلًا فيما بين غروب","vol":"3","page":240},{"text":"الشمس وطلوع الفجر فلا بأس، وإن كان جماعه نهارًا فيما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وهو صائم مكلف به فهو آثم عاص لله ورسوله، وعليه القضاء والكفارة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لكل مسكين مد من بر، ونحوه مما اعتاد أهل جهته أن يطعموه في بلادهم.\n(الدعوة ٨٠٦ - اللجنة)\nالمجاهدون هل يفطرون.\nس: هل الذين يحاربون العدو يحل لهم الإفطار في رمضان ويقضون بعده؟\nج: إذا كان الذين يحاربون الكفار مسافرين سفرًا تقصر فيه الصلاة، جاز لهم أن يفطروا وعليهم القضاء بعد رمضان. وإن كانوا غير مسافرين بأن هجم عليهم الكفار في بلادهم فمن استطاع منهم الصوم مع الجهاد وجب عليه الصوم، ومن لم يستطع الجمع بين الصيام والقيام بما وجب عليه عينًا من الجهاد، جاز له أن يفطر وعليه القضاء، صوم الأيام التي أفطرها بعد انتهاء رمضان.\n(الدعوة ٨٠٦ - اللجنة)\nعمرها ١٣ سنة ولم تصم\nس: فتاة بلغ عمرها اثني عشر أو ثلاثة عشر عامًا، ومر عليها شهر رمضان المبارك، ولم تصمه فهل عليها شيء أو على أهلها، وهل تصوم وإذا ما صامت فهل عليها شيء؟\nج: المرأة تكون مكلفة بشرط الإسلام والعقل والبلوغ ويحصل البلوغ بالحيض أو الاحتلام أو نبات شعر خشن حول القبل، أو بلوغ خمسة عشر عامًا فهذه الفتاة إذا كانت قد توافرت فيها شروط التكليف فالصيام واجب عليها،","vol":"3","page":241},{"text":"ويجب عليها قضاء ما تركته من الصيام في وقت تكليفها، وإذا اختلف شرط من الشروط فليست مكلفة ولا شيء عليها.\n(الدعوة ٨٤٧ - اللجنة)\nالعامل هل يجوز له الإفطار\nس: سمعت خطيبًا من أئمة المساجد في ثاني جمعة في رمضان المبارك إجازة الإفطار للعامل الذي أجهده العمل، وليس له مورد غير عمله هذا وأن يطعم مسكينًا لكل يوم من أيام رمضان وحده نقدًا خمسة عشر درهمًا هذا مما دعاني لكتابة هذه الرسالة، وهل لهذا دليل صحيح من الكتاب والسنة؟\nج: لا يجوز للمكلف أن يفطر في نهار رمضان لمجرد كونه عاملًا لكن إن لحق به مشقة عظيمة اضطرته إلى الإفطار أثناء النهار فإنه يفطر بما يدفع المشقة ثم يمسك إلى الغروب، ويفطر مع الناس ثم يقضي ذلك اليوم الذي أفطره والفتوى التي ذكرتها ليست بصحيحة وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة في هذا الموضوع.\n(الدعوة ٨٢٢ - اللجنة)\nمن أكل أثناء الأذان أو بعده بقليل\nس: قال تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ما حكم من أكمل سحوره وشرب ماء وقت الأذان أو بعد الأذان للفجر بربع ساعة؟\nج: إن كان المذكور في السؤال يعلم أن ذلك قبل تبين الصبح فلا قضاء عليه، وإن علم أنه بعد تبين الصبح فعليه القضاء أما إن كان لا يعلم هل كان أكله وشربه بعد تبين الصبح أو قبله فلا قضاء عليه؛ لأن الأصل بقاء الليل، ولكن ينبغي للمؤمن أن يحتاط لصيامه وأن يمسك عن المفطرات إذا سمع الأذان إلا إذا علم أن هذا الأذان كان قبل الصبح.\n(الدعوة ٧٥٣ - اللجنة)","vol":"3","page":242},{"text":"قراءة القرآن أم صلاة التطوع\nس: أيهما أفضل في نهار شهر رمضان المبارك قراءة القرآن أم صلاة التطوع؟\nج: كان من هديه - ﷺ - في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، وكان\nجبريل يدارسه القرآن ليلًا، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان لما يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف. هذا هدي الرسول - ﷺ - في هذا الباب في هذا الشهر. أما المفاضلة بين قراءة القارئ وصلاة المصلي تطوعًا فتختلف باختلاف أحوال الناس وتقدير ذلك راجع إلى الله جل وعلا؛ لأنه بكل شيء محيط.\n(الدعوة ٧٥٥ - اللجنة)\nبلع الريق لا يفطر\nس: أ- في أثناء الصوم إذا بلغ التفلان والبلع ليس بقصد ري الظمأ هل يتم له الصوم أم لا؟\nب: وإن أحد الأشخاص كان نائمًا، وقام من النوم بعد أذان الفجر فورًا وتسحر بعد القيام من النوم فورًا هل يجوز الصوم أم لا والصوم كان في شهر رمضان المبارك؟\nجـ: هل يجوز شرب الماء في أثناء أذان الفجر أم لا؟\nج: أ- إذا بلعه قبل أن يخرج من فمه فلا يفسد صومه بذلك.\nب: إذا قام من نومه فأكل بعد أذان الفجر لم يجزئه صوم ذلك اليوم.\nوعليه قضاؤه إن كان من أيام رمضان وعليه أن يتحرى طلوع الفجر في المستقبل حتى لا يقع في مثل هذا مرة أخرى.\nجـ: لا يجوز أكل ولا شرب في الصيام بعد الشروع في أذان الفجر","vol":"3","page":243},{"text":"الصادق إذا ثبت له الأذان بعد الفجر. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n(الدعوة ٨٤٩ - اللجنة)\nحكم صيام من يشرب الخمر في ليالي رمضان\nس: ابتلي شخص بشرب الخمر حتى أنه ليشربها في ليالي رمضان، فما حكم صيامه نهارًا ما دام يشرب الخمر في الليل؟\nج: شرب الخمر من اكبر الكبائر، لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إِنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاءُ في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) فشربها محرم في رمضان وفي غير رمضان، وإن كان شربها في رمضان أشد تحريمًا فعلى شاربها أن يتوب إلى الله بأن يجتنب شربها، ويأسف على ما فرط من جريمة شربها، ويندم على ذلك، ويعزم على ألا يعود إليها في رمضان ولا في غيره.\nأما صيام من شربها ليلًا فهو صحيح مجزئ ما دام قد أمسك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية الصوم لله.\n(الدعوة ٧٨٦ - اللجنة)\nالحامل إذا أفطرت تقضي فقط\nوسألت الأخت س/م/ع: كنت حاملة في شهر رمضان فأفطرت وصمت بدلًا منه شهرًا كاملًا، وتصدقت ثم حملت ثانية في شهر رمضان فأفطرت، وصمت بدلًا منه شهرًا يومًا بعد يوم لمدة شهرين، ولم أتصدق فهل في هذا شيء يوجب عليَّ الصدقة ...؟\nج: إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من الصوم أفطرت وعليها","vol":"3","page":244},{"text":"القضاء فقط شأنها في ذلك شأن المريض الذي لا يقوى على الصوم أو يخشى منه على نفسه، قال الله تعالى: (ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n(الدعوة ٨٠٥ - اللجنة)\nالمريض الذي يشق عليه الصيام\nس: أنا سيدة مريضة وقد أفطرت بعض الأيام في رمضان الماضي ولم أستطع قضاءها لمرضي فما هي كفارة ذلك؟\nكذلك فإنني لن أستطيع صيام رمضان هذا العام فما هي كفارة ذلك أيضًا؟\nوجزاكم الله خيرًا..\nج: المريض الذي يشق عليه الصيام يشرع له الإفطار، ومتى شفاه الله قضى ما عليه لقول الله سبحانه: (ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وليس عليك أيتها السائلة حرج في الإفطار في هذا الشهر ما دام المرض باقيًا لأن الإفطار رخصة من الله للمريض والمسافر والله سبحانه يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته، وليس عليك كفارة، ولكن متى عافاك الله فعليك القضاء شفاك الله من كل سوء وكفر عنا وعنكم السيئات.\n(الدعوة ٩٠١ - ابن باز)\nأخّر القضاء حتى دخل رمضان التالي\nس: ما حكم من أفطر يومًا من رمضان \"عفوًا\" ولم يقضه حتى دخل عليه رمضان الذي يليه؟\nج: إن كان أخَّر قضاء اليوم الذي أفطره لعذر من مرض ونحوه فليس عليه إلا القضاء عند القدرة، وإن كان أخر القضاء لغير عذر فقد أساء وعليه القضاء وإطعام مسكين..","vol":"3","page":245},{"text":"س: ما حكم من عليه صوم يوم من رمضان عام ٩٢م ولم يقض حتى أدركه رمضان عام ٩٣ ولم يقض؟\nج: إذا أهمل الإنسان قضاء يوم أو أكثر من رمضان حتى أدركه رمضان السنة التي بعدها قضي ما فاته من اليوم أو الأيام وأطعم عن كل يوم مسكينًا مدًّا من بر أو نحوه مما اعتادوا أكله في بلادهم إن كان أخر القضاء بلا عذر أما إن كان أخر القضاء لعذر من مرض أو ضعف لا يقوى معه على قضاء ما فاته فليس عليه إطعام.\n(الدعوة ٨٠٥ - اللجنة)\nحاولت الصوم فلم أستطع لمرضي\nس: أنا امرأة أصبت بمرض ولم أستطع صيام شهر رمضان، وعندما أحسست أنني شفيت أردت أن أصوم هذا الشهر الذي عليّ ولكن لم أستطع صيامه له، وصمت منه ١٢ يومًا فقط، لقد حاولت في الباقي ولكن لم أستطع لما أحس من ألم. ماذا أفعل في الباقي؟ جزاكم خيرًا.\n(المرسلة: س. س. ش. الزلفى)\nج: عليك محاولة الصيام مهما استطعت مع الصبر على المشقة فإنه أعظم للأجر، فأما إن عجزت وشق عليك الصيام أو كان يزيد في المرض ولا يرجى برؤه فإنه يجزئ عنك الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم. فإن زال المرض وحصلت القدرة بعد ذلك فالاحتياط القضاء لما فات، والله الشافي.\n(اليمامة ٨٩٥ - ابن جبرين)\nالسفر للدراسة لا يبيح الفطر\nس: سافرت للعلاج إلى جمهورية مصر العربية بإحدى المستشفيات النفسية قبل شهر رمضان بأيام، وعندما حل شهر رمضان لم أتمكن من الصيام، ولم يساعدني الأطباء على صيامه، هل أترك الصيام للعام الماضي، وأقضيه فيما","vol":"3","page":246},{"text":"بعد عودتي؛ لأنني سأسافر إلى بريطانيا للدراسة هذه الأيام، وما هي كفارة القضاء؟\nج: عليك بالمبادرة بقضاء رمضان الذي أفطرته وتعاطي العلاج فإن أخرته إلى رمضان آخر لغير مرض ونحوه فعليك مع القضاء كفارة، وهي إطعام مسكين بعدد الأيام التي عليك، ولا يبيح السفر للدراسة الإفطار فإن الطلاب يتمكنون من الدراسة والصيام بسهولة ويسر.\n(اليمامة ٨٩٦ - ابن جبرين)\nتحري هلال محرم أمر ليس باللازم\nس: يصوم كثير من المسلمين يوم عاشوراء، ويهتمون بصيامه نظرًا لما يسمعونه من الدعاة في الحث عليه والترغيب فيه. فلماذا لا يوجه الناس لتحري هلال محرم حتى يعرف السلمون ذلك بعد إذاعته أو نشره في وسائل الإعلام؟\nج: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه، صيام يوم عاشوراء سنة يستحب صيامه، صامه النبي - ﷺ - وصامه الصحابة، وصامه موسى قبل ذلك شكرًا لله ﷿؛ ولأنه يوم نجى فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه فصامه موسى وبنو إسرائيل شكرًا لله ﷿ ثم صامه النبي - ﷺ - شكرًا لله ﷿ وتأسيًا بنبي الله موسى، وكان أهل الجاهلية يصومونه أيضًا، وأكده النبي - ﷺ - على الأمة، فلما فرض الله رمضان قال: \"من شاء صام ومن شاء ترك\"، وأخبر عليه الصلاة السلام أن صيامه يكفر الله به السنة التي قبله، والأفضل أن يصام قبله يوم أو بعده يوم خلافًا لليهود لقوله ﵊: \"صوموا قبله يوم أو بعده يوم\" -وفي لفظ- \"صوموا يومًا قبله ويومًا بعده\" فإذا صام يومًا قبله أو بعده يومًا أو صام اليوم الذي قبله واليوم الذي بعده أي صام ثلاثة أيام كله طيب، وفيه مخالفة لأعداء الله اليهود.\nأما تحري ليلة عاشوراء فهذا أمر ليس باللازم لأنه نافلة ليس بالفريضة.","vol":"3","page":247},{"text":"فلا يلزم الدعوة إلى تحري الهلال لأن المؤمن لو أخطأ فصام بعده يومًا وقبله يومًا لا يضره ذلك وهو على أجر عظيم، ولهذا لا يجب الاعتناء. بدخول الشهر من أجل ذلك لأنه نافلة فقط.\n(الأمن ٢٤ - ابن باز)\nفتوى حول صيام يوم عاشوراء\nس: من صام التاسع والعاشر فتبين له بعد ذلك أنه صام الثامن والتاسع فما الحكم؟ وهل عليه قضاء ذلك؟\nج: ليس عليه القضاء، وله الأجر إن شاء الله كاملًا على حسب نيته؛ لأنه ظن أن هذا هو التاسع والعاشر حسب التقويمات فله أجره إن شاء الله، وليس عليه قضاء وله أجر صوم اليومين.\nس: لو تبين له في اليوم التاسع أن غدًا العاشر فهل يواصل صيام ثلاثة أيام؟\nج: الأفضل له أن يواصل، حتى يصوم العاشر يقينًا هذا هو الأفضل وإن لم يصم فلا حرج، ويفوته صوم العاشر.\nس: إذا وافق العاشر يومًا سيسافر فيه المسلم فهل له أن يصوم ثم يفطر بعد سفره ومفارقة بلدته ثم يقضيه بعد أن يعود من سفره؟\nج: هو مخير إن شاء صام وإن شاء ترك، إذا بدأ في يوم سفره إن شاء صام وكمل الصيام، وإن شاء أفطر، وإن شاء صام وإذا سافر أفطر. كله مخير فيه، والحمد لله وليس فيه قضاء.\n(مجلة الأمن ٢٤ - ابن باز)\nصيام ست من شوال، وما ورد في موطأ مالك\nس: ماذا ترى في صيام ستة أيام بعد رمضان من شهر شوال، فقد ظهر في","vol":"3","page":248},{"text":"موطأ مالك: أن الإمام مالك بن أنس قال في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان أنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد مات السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان لما ليس منه هذا الكلام في الموطأ (الرقم ٢٢٨ - الجزء الأول) .\nج: ثبت عن أبي أيوب -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذاك صيام الدهر\". رواه الخمسة ومسلم وأبو داود والترمذي. فهذا حديث صحيح يدل على أن صيام ستة أيام من شوال سنة وقد عمل به الشافعي وأحمد وجماعة من الأئمة من العلماء، ولا يصح أن يقابل هذا الحديث بما يعلل به بعض العلماء لكراهة صومها خشية أن يعتقد الجاهل أنها من رمضان أو خوف أن يظن وجوبها أو بأنه لم يبلغه عن أحد ممن سبقه من أهل العلم أنه كان يصومها فإنه من الظنون وهي لا تقاوم السنة الصحيحة ومن علم حجة على من لم يعلم.\n(الدعوة ٨٥٧ - اللجنة)\nصوم النافلة لا يقضى\nس: أصوم ثلاثة أيام من كل شهر وفي أحد الأشهر أصابني مرض فلم أصمها فهل عليَّ قضاء أو كفارة؟\nج: صوم النافلة لا يقضى ولو ترك اختيارًا إلا أن الأولى بالمسلم المداومة على ما كان يعمله من عمل صالح لحديث \"أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل\" فلا قضاء عليك ولا كفارة علمًا أن ما تركه الإنسان من عمل صالح كان يعمله لمرض أو عجز أو سفر ونحو ذلك يكتب له أجره لحديث \"إذا مرض ابن آدم أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا\".\n(الدعوة ٧٤٦ - اللجنة)","vol":"3","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>من فتاوى الشيخ ابن عثيمين حفظه الله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>صيام القضاء والنافلة بنية واحدة </span>(*)\nسؤال: صيام القضاء مع صيام النافلة بنية واحدة مثل صيام يوم عرفة قضاء رمضان بنيّة واحدة؟\nالفتوى: إذا كان المقصود أن تصوم يوم عرفة مع القضاء أو عاشوراء مع القضاء فإنَّ ذلك ليس فيه حرج لا بأس أن تصوم يوم القضاء في يوم عرفة، ويحصل لك الأجر، وكذلك يوم عاشوراء بينة القضاء ويحصل له الثواب.\nتبييت النية في الصوم\nسؤال: رجل نام وبعد نومه أعلن عن ثبوت رؤية هلال رمضان، ولم يكن قد بيت نية الصوم، وأصبح مفطرًا لعدم علمه بثبوت الرؤية، فما هو الواجب عليه (١)؟\nالفتوى: هذا الرجل نام أول ليلة من رمضان قبل أن يثبت الشهر ولم يبيت نية الصوم ثم استيقظ وعلم بعد أن طلع الفجر أن اليوم من رمضان فإنه إذا علم يجب عليه الإمساك، ويجب عليه القضاء، عند جمهور أهل العلم، ولم يخالف في ذلك -فيما أعلم- إلا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، فإنه قال: إن النّيَّة تتبع العلم، وهذا لم يعلم فهو معذور، فهو لم يترك تبييت النية بعد علمه ولكنه كان جاهلًا، والجاهل معذور، وعلى هذا فإذا أمسك من حين علمه فصومه صحيح ولا قضاء عليه.\nوأما جمهور العلماء فقالوا: إنه يجب عليه الإمساك، ويجب عليه القضاء وعللوا ذلك بأنه فاته جزء من اليوم بلا نية.\n_________\n(*) الفتاوى الخاصة بالصيام مأخوذة من كتاب مسائل في الصيام، وما زاد على ذلك نبهنا عليه في الهامش. وجزى الله جامعها الأخ أشرف عبد المقصود خيرًا.\n(١) فتاوى الحرم ١٤٠٨هـ.","vol":"3","page":250},{"text":"والذي أرى أن الاحتياط في حقِّه أن يقضي هذا اليوم.\n***\nالنية الجازمة للفطر بدون أكل أو شرب هل تفطر؟\nسؤال: هل النية الجازمة للفطر دون أكل وشرب هل يفطر بها الإنسان؟\nالفتوى: من المعلوم أن الصوم جامع بين النية والترك فينوي الإنسان بصومه التقرب إلى الله ﷿ بترك المفطرات فإذا عزم على أنه قطع صومه فعلًا فإن الصوم ينقطع ولكنه إذا كان في رمضان يجب عليه الإمساك حتى تغيب الشمس؛ لأن كل من أفطر في رمضان بغير عذر لزمه الإمساك والقضاء وأما إذا لم يعزم، ولكن تردد فموضع خلاف بين العلماء منهم من قال: إن صومه يبطل؛ لأن التردد ينافي العزم ومنهم من قال: إنه لا يبطل؛ لأن الأصل بقاء نية الصوم حتى يعزم على تركها وإزالتها.\nنويت صيام كفارة ثم أجلته للشتاء\nسؤال: نويت صيام ستين يومًا كفارة، وأجلتها إلى الشتاء، ماذا لو متُّ قبل الشتاء؟\nالفتوى: إن الإنسان إذا وجب عليه صيام كفارة وجب عليه أن يبادر بذلك؛ لأن الواجبات تُؤَدَّى على الفور ولكن إذا كان يَشُقُّ عليه أن يصوم الكفارة في أيام الصيف لطول النهار وشدة الحر فلا حرج عليه أن يؤجل ذلك إلى وقت البرد، وإذا توفي قبل فليس عليه إثم؛ لأنه أخرها لعذر، ولكن يصام عنه منها ما أمكن فعله فإن لم يصم عنه أحد أطعم عنه عن كل يوم مسكين.\n***","vol":"3","page":251},{"text":"نويت صيام الاثنين والخميس بدون نذر، فهل يجب عليَّ طول العمر؟\nسؤال: نويت صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع ولم أنذر بذلك فهل يجب عليَّ الصيام كل العمر، وإذا صمت يوم الخميس \"مثلًا\" ثم أفطرت فهل يجب عليّ قضاؤه؟\nالفتوى: مجرد نية الفعل لا تلزمه بالفعل فإذا نوى الإنسان أن يصوم يوم الاثنين والخميس ولكنه لم يصم فلا شيء عليه وكذلك لو شرع في الصوم ثم قطعه فلا شيء عليه أيضًا؛ لأن صوم النفل لا يلزمه إتمامه حتى لو نوى الإنسان أن يتصدق بمال وفصل المال وجعله على حدة فإنه لا يلزمه أن يتصدق به إذ أن النية لا أثر لها في مثل هذه الأمور وعلى هذا نقول للأخ السائل: إنه لا يجب عليك أن تقضي عن يوم الخميس الذي أفطرته ولا يجب عليك أن تستمر في صيام الاثنين والخميس، ولكن إن فعلت ذ-لك فهو -خير لأن يومي الا-ثنين والخميس يُسَنُّ صيامهما.\nحكم تردد النية في الصوم أو الفطر\nسؤال: سمعنا الليلة المدفع أكثر من مرة فشككنا هل هو العيد أم رمضان؟\nوانتظرنا نسمع شيئًا من الإمام قبل الفجر فلم نسمع شيئا فما حكم تردد النية في الصوم أو الفطر؟\nالفتوى: الواجب أن الإنسان يَتَثَبَّتُ والأصل بقاء ما كان على ما كان لو كان هناك شيء لكان ظاهرًا بحيث يَتَبَيَّن للناس حتى لا يتسحروا ولا يصوموا وعلى كل حال اليوم هذا يعتبر من رمضان ولو كان خروج الشهر ثابتًا لكان الأمر بينًا وعلى هذا فالواجب على الإنسان في مثل هذا الحال أن يصوم بلا تردد؛ لأن الأصل بقاء رمضان فإذا تبين بعد ذلك أنه يوم العيد أفطر.\n***","vol":"3","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>أقسام الناس في الصيام</span>\nالإفطار للمسافر من أجل التقوي على العمرة\nسؤال: المسافر إذا وصل مكة صائمًا، فهل يفطر ليتقوى على أداء العمرة؟\nالفتوى: النبي - ﷺ - دخل مكة عام الفتح في اليوم العشرين من رمضان وكان - ﷺ - مفطرًا، وكان يصلي ركعتين في أهل مكة، ويقول لهم: \"يا أهل مكة أتمُّوا فإنا قومُ سَفَر\" وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير أن النبي - ﷺ - كان مفطرًا في ذلك العام أي أنه أفطر عشرة أيام في مكة في غزوة الفتح وفي صحيح البخاري عن ابن عباس -﵄- قال: \"لم يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر\" كما أنه بلا شك كان يصلي ركعتين في هذه المدة؛ لأنه كان مسافرًا فلا ينقطع سفر المعتمر بوصوله إلى مكة فلا يلزمه الإمساك إذا قدم مفطرًا بل قد نقول له: الأفضل إذا كان ذلك أقوى على أداء العمرة أن لا تصوم ما دمت إذا أديت العمرة تعبتَ وقد يكون بعض الناس مستمرًا على صيامه حتى في السفر نظرًا؛ لأن الصيام في السفر في الوقت الحاضر ليس بمشق على الأمة فيستمر في سفره صائمًا ثم يقدم مكة ويكون متعبًا فيقول في نفسه هل أستمر على صيام أو أؤجل أداء العمرة إلى ما بعد الفطر أي إلى الليل أو الأفضل أن أفطر؛ لأجل أن أؤدي العمرة فور وصولي إلى مكة نقول له في هذه الحال: الأفضل أن تفطر حتى لو كنت صائمًا فأفطر لأجل أن تؤدي العمرة فور وصولك إلى مكة، وأنت نشيط؛ لأن الأفضل فيمن قدم إلى مكة لأداء النسك أن يبادر فورًا لأن النبي - ﷺ - كان إذا دخل مكة وهو في النسك بادر إلى المسجد حتى كان ينيخ راحلته - ﷺ - عند المسجد ويدخله حتى يؤدي النسك الذي كان متلبسًا به - ﷺ - فكونك تفطر لتؤدي العمرة بنشاط في النهار أفضل من كونك تبقى صائمًا ثم إذا أفطرت في الليل قضيت عمرتك.\nوقد ثبت أن النبي - ﷺ - كان صائمًا في سفره لغزوة الفتح فجاء إليه أناس","vol":"3","page":253},{"text":"فقالوا: يا رسول الله، إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ماذا تفعل، وكان هذا بعد العصر فدعا النبي - ﷺ - بماء فشرب والناس ينظرون، فأفطر - ﷺ - في أثناء السفر بل أفطر في آخر اليوم كل هذا من أجل أن لا يشق الإنسان على نفسه بالصيام، وتكلف بعض الناس في الصوم في السفر مع المشقة لا شك أنه خلاف السنة، وإنه ينطبق عليهم قول النبي - ﷺ -: \"ليس من البر الصيام في السفر\".\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>السفر المبيح للفطر</span>\nسؤال: ما هو السفر المبيح للفطر (١)؟\n(سلامة رزق سلامة - مصر)\nالفتوى: السفر المبيح للفطر وقصر الصلاة هو (٨٣) كيلو ونصف تقريبًا، ومن العلماء من لم يحدد مسافة للسفر بل كل ما هو في عرف الناس سفر فهو سفر ورسول الله - ﷺ - كان إذا سافر ثلاثة فراسخ قصر الصلاة والسفر المحرم ليس مبيحًا للقصر والفطر؛ لأن سفر المعصية لا تناسبه الرخصة، وبعض أهل العلم لا يفرق بين سفر المعصية وسفر الطاعة لعموم الأدلة والعلم عند الله.\nحكم من جامع زوجته في نهار رمضان وهو على سفر\nسؤال: قدم من أبها إلى مكة ليلًا، وفي الصباح وسوس له الشيطان فجامع زوجته، فما الحكم (٢)؟\nالفتوى: هذا رجل قدم هو وزوجته للعمرة، واعتمر في الليل وأصبحا صائمين، وفي ذلك اليوم الذي أصبحا فيه صائمين جامعها، نقول: ليس عليه شيء إلا قضاء ذلك اليوم فقط، فليس عليه إثم ولا كفارة، وإنما عليه قضاء\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .\n(٢) فتاوى الحرم ١٤٠٨هـ.","vol":"3","page":254},{"text":"ذلك اليوم فقط، لأن المسافر يجوز أن يقطع صومه، سواء قطعه بأكل أو شرب أو جماع؛ لأن صوم المسافر ليس واجبًا عليه، كما قال تعالى: (فَمَن كانَ مِنكُم مرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]، ولهذا أحب من الإخوة الذين يُستفتون في مكةَ مثلًا إذا جاء سائل يسأل: أنه وطئ زوجته وهو صائم، فما حكم ذلك؟ ينبغي أن نستفصل منه، ونقول له: هل أنت مسافر أم لا؟ إذا قال: إنه مسافر، فنقول: ليس عليك إلا القضاء، لكن لو جامع زوجته وهو في بلده في نهار رمضان وهما صائمان ترتب عليه أمور: أولًا: فساد الصوم، ثانيًا: وجوب الإمساك بقية اليوم، ثالثًا: قضاء ذلك اليوم، رابعًا: الإثم، خامسًا: الكفارة، وهي عتق رقبة، فإذا لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.\nللمسافر الفطر حال السفر\nسؤال: يقول إذا كنت مسافرًا في رمضان، وكنت مفطرًا في سفري وعند وصولي إلى البلد الذي سأمكث فيه عدة أيام أمسكت بالصيام في بقية ذلك اليوم، وفي الأيام التالية فهل لي رخصة في الإفطار في نهار هذه الأيام وأنا في بلد ليس في بلدي الأصلي أم لا؟\nالفتوى: نعم يجوز للمسافر إذا صام في سفره أن يفطر في أثناء النهار ولا حرج عليه كما أفطر النبي - ﷺ - في حال السفر.\nالمبتعث مسافر يفطر ولو امتد ابتعاثه سنوات\nسؤال: نحن مجموعة من المبتعثين في بلاد أخرى بعضنا له سنة، والبعض الآَخر سنتان أو ثلاث أو أربع فهل لنا حكم المسافر في الصيام (١)؟\n(محمد طارق لطفي - محمد علي - حاتم زكي - لندن)\nالفتوى: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، والجمهور، ومنهم الأئمة\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":255},{"text":"الأربعة يقولون: إنهم في حكم المقيم يلزمهم الصوم ولا يجوز لهم قصر الصلاة ولا أن يمسحوا على الخفين ثلاثة أيام بل يوم وليلة، وبعض أهل العلم يقول: إنهم في حكم المسافرين، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو ظاهر النصوص فهي لم تُحَدِّد مُدَّة السفر.\nوذكر أن ابن عمر أقام في أذربيجان ستة أشهر يُقْصر الصلاة، وهذا الرأي واضح الرجحان، ولكن من كان في نفسه حرج منه ورأى أن يأخذ بقول الجمهور وهو إتمام الصلاة ووجوب الصوم فلا حرج عليه في ذلك وهذا ما نراه ورآه شيخ الإسلام ابن تيمية.\nتتمة للفتوى السابقة (١):\nالمغترب الذي لا ينتوي الإقامة في حكم المسافر\nالصيام واجب على الذين ينتوون الإقامة الدائمة خارج أوطانهم الحمد لله رب العالمين كثيرًا كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - ﷺ - وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بالإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.\nوبعد فقد نشر لي في \"المسلمون\" يوم السبت ٢٨ شعبان ١٤٠٥هـ جواب حول ترخص المبتعث برخص السفر من القصر والفطر ومسح الخفين ثلاثة أيام، وكان الجواب مختصرًا، وقد طلب مني بعض الإخوان أن أبسط القول في ذلك بعض البسط، فأقول وبالله التوفيق ومنه الهداية والصواب:\nالمُغتربون عن بلادهم لهم ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن ينووا الإقامة المطلقة بالبلاد التي اغتربوا إليها كالعمال المقيمين للعمل والتجار المقيمين للتجارة ونحوهم ممن يقيمون إقامة مطلقة فهؤلاء\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٨) .","vol":"3","page":256},{"text":"في حكم المستوطنين في وجوب الصوم عليهم في رمضان، وإتمام الصلاة والاقتصار على يوم وليلة في مسح الخفين؛ لأن إقامتهم مطلقة غير مقيدة بزمن ولا غرض، فهم عازمون على الإقامة في البلاد التي اغتربوا إليها لا يخرجون منها إلا أن يخرجوا.\nالحالة الثانية: أن ينووا الإقامة المقيدة بغرض معين لا يدرون متى ينتهي ومتى انتهى رجعوا إلى بلادهم كالتجار الذين يقدمون لبيع السلع أو شرائها ثم يرجعون وكالقادمين لمراجعة دوائر حكومية أو غيرها لا يدرون متى ينتهي غرضهم حتى يرجعوا إلى بلادهم فهؤلاء في حكم المسافرين فلهم الفطر وقصر الصلاة الرباعية ومسح الخفين ثلاثة أيام ولو بقوا سنوات هذا قول جمهور العلماء بل حكاه ابن المنذر إجماعًا لكن لو ظن هؤلاء أن الغرض لا ينتهي إلا بعد المدة التي ينقطع بها حكم السفر فهل لهم الفطر والقصر على قولين.\nالحالة الثالثة: أن ينووا الإقامة المقيدة بغرض مُعين يدرون متى ينتهي ومتى انتهى رجعوا إلى بلادهم بمجرد انتهائه فقد اختلف أهل العلم ﵏ في حكم هؤلاء فالمشهور عن مذهب الإمام أحمد أنهم إن نووا إقامة أكثر من أربعة أيام أتموا، وإن نووا دونها قصروا، قال في المغني (صفحة ٢٨٨ المجلد الثاني): وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، قال: وروي هذا القول عن عثمان -﵁-، وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يومًا مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر -انتهى- وهناك أقوال أخرى ساقها النووي في شرح المُهذَّب (صفحة ٢٢٠ المجلد الرابع) تبلغ عشرة أقوال وهي أقوال اجتهادية متقابلة ليس فيها نص يفصل بينها، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى أن هؤلاء في حكم المسافرين لهم الفطر وقصر الصلاة الرباعية والمسح على الخفين ثلاثة أيام انظر مجموع الفتاوى جمع ابن قاسم صفحة (١٣٧، ١٣٨، ١٨٤) مجلد (٢٤) والاختيارات صفحة (٧٣)، وانظر زاد المعاد لابن القيم صفحة (٢٩) مجلد (٣) أثناء كلامه على فقه غزوة تبوك. وقال في الفروع لابن مفلح -أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية- صفحة (٦٤) مجلد (٢) بعد أن ذكر الخلاف فيما إذا نوى مدة فوق","vol":"3","page":257},{"text":"أربعة أيام قال: واختار شيخنا وغيره القصر والفطر، وأنه مسافر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن كإقامته لقضاء حاجة بلا نية إقامة. انتهى. واختار هذا القول الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب انظر صفحة (٣٧٢، ٣٧٥) مجلد (٤) من الدرر السنية، واختاره أيضًا الشيخ محمد رشيد رضا صفحة (١١٨٠) المجلد الثالث من فتاوى المنار، وكذلك اختاره شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي صفحة (٤٧) من المختارات الجلية، وهذا القول هو الصواب لمن تأمل نصوص الكتاب والسنة فعلى هذا يفطرون، ويمّضون كأهل الحال الثانية لكن الصوم أفضل إن لم يشق ولا ينبغي أن يؤخروا القضاء إلى رمضان ثان؛ لأن ذلك يوجب تراكم الشهور عليهم فيثقل عليهم القضاء أو يعجزوا عنه. والفرق بين هؤلاء وأهل الحال الأولى أن هؤلاء أقاموا لغرض معين ينتظرون انتهاءه ولم ينووا الإقامة المطلقة بل لو طلب منهم أن يتموا بعد انتهاء غرضهم لأبوا ذلك، ولو انتهى غرضهم قبل المدة التي نووها ما بقوا في تلك البلاد. أما أهل الحال الأولى فعلى العكس من هؤلاء فهم عازمون على الإقامة المطلقة مستقرون في محل الإقامة لا ينتظرون شيئًا معينًا ينهون إقامتهم بانتهائه، فلا يكادون يخرجون من مغتربهم هذا إلا بقهر النظام فالفرق ظاهر للمتأمل، والعلم عند الله تعالى فمن تبين له رجحان هذا القول فعمل به فقد أصاب ومن لم يتبين له فأخذ بقول الجمهور فقد أصاب؛ لأن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي من اجتهد فيها فأصاب فله أجران ومن اجتهد فيهاِ فأخطأ فله أجر واحد، والخطأ فور قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها) [البقرة: ٢٨٦]، وقال النبي - ﷺ -: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر\" أخرجه البخاري.\nنسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى الصواب عقيدة وقولًا وفعلًا إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n***","vol":"3","page":258},{"text":"حكم المريض مرضًا مستمرًا هل يصوم؟\nسؤال: المريض مرضًا مستمرًا ماذا يفعل؟\nالفتوى: إذا كان المريض بمرض يُرجى بُرؤه فإنه يقضي ما فاته أثناء مرضه، وأما إذا كان مريضًا مرضًا لا يُرجى بُرؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا ربع صاع من البر أو نصف صاع من غيره أما إذا قال له الطبيب: إن صومك يَضُرُّك في أيام الصيف فنقول له: يصوم ذلك في أيام الشتاء، وهذا تختلف حاله عن الذي يضره الصوم دائمًا والله أعلم.\nالصوم والصلاة للمريض مرض لا يرجى شفاؤه\nسؤال: شخص له ولدان مرضا مرضًا لا يرجى شفاؤه، ولم يسبق لهما الصوم فما هو الواجب في حقه نحوهما؟ وما هي كيفية الصلاة بالنسبة لهما (١)؟\nالفتوى: المريض مرضًا لا يُرجى زواله لا يلزمه الصوم؟ لأنه عاجز، ولكنه يلزمه بدلًا عنه بأن يطعم عن كل يوم مسكينًا هذا إذا كان عاقلًا بالغًا وللإطعام كيفيتان الأولى أن يصنع طعامًا غداء أو عشاء ثم يدعو إ-ليه المساكين بقدر الأيام التي عليه، كما كان أنس بن مالك يفعل ذلك حين كبر. وأما الكيفية الثانية أن يوزع طعامًا ويعتني المسكين بطبخه، ومقدار هذا الطعام مد من البر أو الأرز والمد يعتبر بمد صاع النبي - ﷺ - وهو بع صاع النبي - ﷺ - وصاع النبي كيلوين وأربعين غرامًا فيكون المد نصف كيلو وعشرة غرامات، فيطعم الإنسان هذا القدر من الأرز أو البر، ويجعل معه لحمًا ويقدمه. وأما ما مضى من الصيام فإنه يطعم عنه أيضًا.\nأما بالنسبة للصلاة فيلزمهما أن يُصليا حسب الاستطاعة، قال النبي - ﷺ - لعمر إن بن حصين: \"صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب\".\n***\n_________\n(١) فتاوى الحرم ١٤٠٨هـ.","vol":"3","page":259},{"text":"حكم الحامل في الصيام\nسؤال: الحامل إذا خافت على نفسها أو خافت على ولدها فهل لكل حال حكم في الصيام؟\nالفتوى: المرأة الحامل لا تخلو من حالين: إحداهما أن تكون قوية نشيطة لا يلحقها في الصوم مشقة ولا تأثير على جنينها فهذه المرأة يجب عليها أن تصوم؛ لأنه لا عذر لها في ترك الصيام. والحالة الثانية أن تكون غير مُتَحَمِّلة للصيام لثقل الحمل عليها أو لضعفها في جسمها أو لغير ذلك وفي هذا الحال تُفْطِر لا سيما إذا كان الضرَّر على جنينها فإنه يجب عليها الفطر حينئذ، وإذا أفطرت فإنها كغيرها ممن يفطر بعذر يجب عليها قضاء الصوم متى زال ذلك العذر عنها فإذا وضعت وجب عليها قضاء الصوم بعد أن تطهر من النفاس، ولكن أحيانًا يزول عذر الحمل ويخلفه عذر آخر وهو عذر الرضاع فإن المرضع قد تحتاج الأكل والشرب لا سيما في أيام الصيف الطويلة النهار الشديد الحر فإنها قد تحتاج إلى أن تفطر لتتمكن من تغذية ولدها بلبنها وفي هذه الحالة نقول لها: أفطري وإذا زال عنك العذر فإنك تقضين ما فاتك من الصوم وقد ذكر بعض أهل العلم أنه إذا كان إفطار الحامل والمرضع من أجل الخوف على الولد فقط دون الأم فإنه يجب عليها مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم يدفعه من عليه نفقة هذا الطفل وفي معنى ذلك أي في معنى الحامل والمرضع التي تفطر خوفًا على الولد في معنى ذلك من أفطر لإنقاذ غريق أو حريق ممن يجب إنقاذه فإنه يُفطر ويقضي، مثلًا رأيت النار تلتهم هذا البيت وفيه أناس مسلمون ولا يمكنك أن تقوم بالواجب واجب الإنقاذ إلا إذا أفطرت وشربت لتتقوى على إنقاذ هؤلاء فإنه يجوز لك بل يجب عليك في هذا الحال أن تفطر لإنقاذهم ومثله هؤلاء الذين يشتغلون بالإطفاء فإنهم إذا حصل حريق بالنهار وذهبوا لإنقاذه ولم يتمكنوا منه إلا أن يفطروا ويتناولوا ما تقوى به أبدانهم فإنهم يفطرون ويتناولون ما تقوى به أبدانهم؛ لأن هذا شبيه تمامًا بالحامل التي تخاف على جنينها أو المرضع التي تخاف على طفلها والله ﵎ حكيم لا يفرق بين شيئين متماثلين في المعنى بل يكون","vol":"3","page":260},{"text":"حكمهما واحدًا وهذا عن كمال الشريعة الإسلامية وهو عدم التفريق بين المتماثلين وعدم الجمع بين المختلفين والله عليم حكيم.\nصيام المرأة الكبيرة التي يشق عليها الصوم\nسؤال: المرأة الكبير إذا كان الصيام يضرها هل تصوم؟\nالفتوى: إذا كان الصوم يضر بها كما ذكر السائل فإنه لا يجوز لها أن تصوم؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن (وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكم إنّ الله كانَ بِكم رَحيمًا) [النساء: ٢٩]، (وَلا تُلْقُوا بأَيْديكُم إِلَى التَّهْلُكَة) [البقرة: ١٩٥] فلا يجوز لها أن تصوم والصوم يضر بصحَّتها، وما دامت طاعنة في السن فإن الغالب أنها لن تقدر على الصوم في المستقبل وحينئذ تطعم عن كل يوم مسكينًا فإما أن تدفع إلى المساكين ذلك الطعام ومقداره ربع صاع من البر أو نصف صاع من غيره والأرز مثل البر لأن انتفاع الناس به -كانتفاعهم بالبر بل أبلغ إذ أنه لا يحتاج إليها البر، وإما أن تصنع طعامًا ويدعي إليه مساكين بعدد أيام الشهر وبذلك تبرأ ذمتها، والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>سائق الشاحنات كيف يصوم ومتى</span>؟!\nسؤال: سائق شاحنة لمسافات طويلة كيف يصوم ومتى؟!\nالفتوى: جوابنا هذا السؤال أن نقول: إن الله تعالى قد بين حكم هذه المسألة في قوله: (وَمَن كانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥]، فأنت أيها الأخ المشتغل في هذه الشاحنة ما دمت مسافرًا لك أن تترخص بجميع رخص السفر عن القصر والجمع والفطر في رمضان والمسح على الخفين ثلاثة أيام وغيرها مما هو معروف في أحكام السفر، وعلى هذا فنقول يجوز لك أن تفطر في هذه الحال فإن الله تعالى قد أطلق في الآية: (وَمَن كانَ مَرِيضًا أَو على سَفَرٍ) [البقرة: ١٨٥]، ولم يقيده بشيء وما أطلقه الله ورسوله فإنه يجب العمل بمطلقه فإذا قلت كيف أصنع وأنا دائمًا في هذه المهنة أسافر دائمًا شتاء وصيفًا نقول لك إذا كنت في أهلك في رمضان وجب عليك أن تصوم وإذا كنت","vol":"3","page":261},{"text":"في غير أهلك فأنت مُسافر لا يجب عليك أن تصوم، ثم إنه من الممكن بأن نقول لك فائدة عظيمة وهي أنك بدل أن تصوم في هذا الحر الشديد تصوم في أيام الشتاء القصيرة المدة الباردة وذلك أسهل لك، والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>فاقد الذاكرة والمعتوه والصبي والمجنون هل يجب عليه الصوم</span>؟\nسؤال: فاقد الذاكرة هل يجب عليه الصيام والمعتوه والصبي والمجنون؟\nالفتوى: إن الله -﷾ أوجب على المرء العبادات إذا كان أهلًا للوجوب بأن يكون ذا عقل يُدرك به الأشياء، أما من لا عقل له فإنه لا تلزمه العبادات وبهذا لا تلزم المجنون ولا تلزم الصغير الذي لا يميز وهذا من رحمة الله ﷾، ومثله المعتوه الذي أصيب بعقله على وجه لم يبلغ حد الجنون، ومثله أيضًا الكبير الذي بلغ فقدان الذاكرة كما قال هذا السائل فإنه لا يجب عليه صوم ولا صلاة ولا طهارة؛ لأن فاقد الذاكرة هو بمنزلة الصبي الذي لم يُميَّز، فتسقط عنه التكاليف فلا يلزم بطهارة، ولا يلزم بصلاة، ولا يلزم أيضًا بصيام، وأما الواجبات المالية فإنها تجب في -ماله، وإن كان في هذه الحال فالزكاة مثلًا يجب على من يتولى أمره أن يُخرجها من مال هذا الرجل الذي بلغ هذا الحد؛ لأن وجوب الزكاة يتعلق بالمال كما قال الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) [التوبة: ١٠٣]، قال (خذ من أموالهم) ولم يقل خذ منهم، وقال النبي - ﷺ - لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: \"أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم\" فقال: \"صدقة في أموالهم\" فبين أنها في المال، وإن كانت تؤخذ من صاحب المال. وعلى كل حال الواجبات المالية لا تسقط عن شخص هذا حاله، أما العبادات البدنية كالصلاة الطهارة والصوم فإنها تسقط عن مثل هذا الرجل؛ لأنه لا يعقل، وأما من زال عقله بإغماء من مرض فإنه لا تجب عليه الصلاة على قول أكثر أهل العلم فإذا أُغمي على المريض لمدة يوم أو يومين فلا قضاء عليه؛ لأنه ليس عليه","vol":"3","page":262},{"text":"عقل وليس كالنائم الذي قال فيه الرسول - ﷺ -: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليُصلِّها إذا ذكرها\"؛ لأن النائم معه إدراك بمعنى أنه يستطيع أن يستيقظ إذا أوقظ، وأما هذا المغمي عليه فإنه لا يستطيع أن يفيق إذا أوقظ هذا إذا كان الإغماء ليس بسبب منه أما إذا كان الإغماء بسبب منه كالذي أغمي عليه من البنج فإنه يقضي الصلاة التي مضت عليه وهو في حال الغيبوبة.\nشخص يفطر في نهار رمضان بمكة\nسؤال: يقول: يوجد شخص الآن يفطر؟ (هذا السؤال وقع في مكة في رمضان) (١)؟\nالفتوى: وجود شخص يفطر في مكة في مثل هذا اليوم ليس بغريب؟\nلأن مكة فيها الآفاقي وفيها المواطن الذي من أهل مكة والآفاقي يجوز له إذا كان قد أتى إلى العمرة وسيرجع إلى بلده يجوز له أن يفطر فهذا النبي - ﷺ - أعلم الناس بالله وأخشاهم له فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في اليوم العشرين من رمضان فصادف بقاؤه في مكة العشر الأواخر من رمضان ولم يصم، ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري من حديث ابن عباس -﵄- وهو قد بقي في مكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة عشرة منها في رمضان وتسعة في شوال فهذا الرجل الذي يفطر الآن ليس بغريب، وهذه المسألة يجهلها الناس، يُظُنُّ الناس أن من قدم إلى مكة لزمه الإمساك، وأنه لا يجوز أن يفطر، وهذا ظن غير صحيح بل للمسافر أن يفطر حتى يرجع إلى بلده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>الإفطار من أجل الامتحانات هل يجوز</span>؟!\nسؤال: تقول: أنا امرأة أجبرتني الظروف على الإفطار ستة أيام من شهر رمضان والسبب ظروف الامتحانات؛ لأنها بدأت في شهر رمضان والمواد صعبة،\n_________\n(١) فتاوى نسائية.","vol":"3","page":263},{"text":"ولولا وفطاري هذه الأيام لم أتمكن من دراسة هذه المواد نظرًا لصعوبتها، أرجو إفادتي ماذا أفعل كي يغفر الله لي؟\nالفتوى: أولًا: إضافة الشيء إلى الظروف خطأ، والأولى أن يقال اضطررت، وما أشبه ذلك. ثانيًا إفطارها في رمضان من أجل الاختبار أيضًا خطأ ولا يجوز؛ لأنه بإمكانها أن تراجع بالليل وليس هناك ضرورة إلى أن تُفطر فعليها أن تتوب إلى الله ﷿، وعليها القضاء، لأنها متأولة ما تركتها تهاونًا.\nصوم سائقي الحافلات\nسؤال: هل ينطبق حكم المسافر على سائقي السيارات والحافلات لعملهم المتواصل في نهار رمضان (١)؟\n(عبد الشهيد دبركي الفرماوي مفتش أتوبيسات بمصر - أشمون)\nالفتوى: نعم ينطبق حكم السفر عليهم فلهم القصر والجمع والفطر، فإذا قال قائل متى يصومون وعملهم متواصل؟ قلنا: يصومون في أيام الشتاء؛ لأنها أيام قصيرة وباردة. أما السائقون داخل المدن فليس لهم حكم المسافر، ويجب عليهم الصوم.\nصوم الأطفال في رمضان\nسؤال: طفلي الصغير يصر على صيام رمضان رغم أن الصيام يضره لصغر سنه واعتلال صحته، فهل أستخدم معه القسوة ليفطر (٢)؟\n(أم أحمد - أبو ظبي)\nالفتوى: إذا كان صغيرًا لم يبلغ فإنه لا يلزمه الصوم ولكن إذا كان يستطيعه دون مشقة، فإنه يؤمر به، وكان الصحابة -﵃- يُصَوِّمُون\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .\n(٢) المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":264},{"text":"أولادهم حتى إن الصغير منهم ليبكي فيعطونه اللعب يتلهى بها، ولكن إذا ثبت أن هذا يضره فإنه يُمنع منه، وإذا كان الله ﷾ منعنا عن إعطاء الصغار أموالهم خوفًا من الإفساد بها فإن خوف إضرار الأبدان من باب أولى أن يمنعهم منه، ولكن المنع يكون عن غير طريق القسوة فإنها لا تنبغي في معاملة الأولاد عند تربيتهم.\n***","vol":"3","page":265},{"text":"الحائض والصيام\nطهرت قبل الفجر، واغتسلت هل يصح صومها؟\nسؤال: إذا طهرت الحائض قبل الفجر واغتسلت بعد فما الحكم؟\nالفتوى: إن صومها صحيح إذا تيقنت الطهر قبل طلوع الفجر، المهم أن المرأة تتيقن أنها طَهُرت؛ لأن بعض النساء تظن أنها طهرت، وهي لم تطهر، ولهذا كان النساء يأتين بالقطن لعائشة -﵂- فَيُرينها إياه علامة على الطهر، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. فالمرأة عليها أن تتأنى حتى تتيقن أنها طهرت فإذا - طهرت فإنها تنوي الصوم، وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، ولكن عليها أيضًا أن تراعي الصلاة فتبادر بالاغتسال لتصلي صلاة الفجر في وقتها، وقد بلغنا أن بعض النساء تطهر بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الفجر، ولكنها تؤخر الاغتسال إلى ما بعد طلوع الشمس بحجة أنها تريد أن تغتسل غسلًا أكمل وأنظف وأطهر، وهذا خطأ لا في رمضان ولا في غيره؛ لأن الواجب عليها أن تبادر وتغتسل لتصلي الصلاة في وقتها ثم لها أن تقتصر على الغسل الواجب لأداء الصلاة، وإذا أحبت أن تزداد طهارة ونظافة بعد طلوع الشمس فلا حرج عليها، ومثل المرأة الحائض من كان عليها جنابة فلم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا حرج عليها، وصومها صحيح، كما أن الرجل لو كان عليه جنابة ولم يغتسل منها إلا بعد طلوع الفجر وهو صائم فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يُدرِكه الفجر وهو جنُب من أهله فيقوم ويغتسل بعد طلوع الفجر. والله أعلم.\nحاضت بعد غروب الشمس بقليل، هل يصح صومها؟\nسؤال: إذا حاضت المرأة بعد غروب الشمس بقليل فما حكم صومها؟\nالفتوى: جوابنا عليه أن صيامها صحيح حتى لو أحست بأعراض الحيض قبل الغروب من الوجع والتألم، ولكنها لم تره خارجا إلا بعد غروب الشمس","vol":"3","page":266},{"text":"فإن صومها صحيح؛ لأن الذي يُفسد الصوم إنما هو خروج دم الحيض، وليس الإحساس به.\nاستعمال حبوب منع الحيض في رمضان\nسؤال: هل يجوز استعمال حبوب منع الحيض للمرأة في رمضان أم لا؟\nالفتوى: الذي أرى أن المرأة لا تستعمل هذه الحبوب لا في رمضان ولا في غيره؛ لأنه ثبت عندي من تقرير الأطباء أنها مُضرة جدا على المرأة على الرحم والأعصاب والدم وكل شيء مُضر فإنه منهي عنه لقول النبي - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضِرار\".\nوقد علمنا عن كثير من النساء اللاتي يستعملن هذه الحبوب أن العادة عندهن تضطرب وتتغير ويتعبن، ويُتعبن العلماء في كيفية جُلُوسهن الذي أنصح به أن لا تستعمل المرأة هذه الحبوب أبدًا لا في رمضان ولا في غيره.\nالحيض يمنع الصوم والصلاة\nسؤال: ما حكم من أنزلت العادة الشهرية قبل وقتها بالعلاج فتوقف الدم وبعد الصيام بثمانية أيام جاءت في وقتها فما حكم الأيام التي لم تصلي فيها؟\nالفتوى: لا تقضي المرأة الصلاة إذا تسببت لنزول الحيض؛ لأن الحيض دم متى وجد وجد حكمه، كما أنها لو تناولت ما يمنع الحيض، ولم ينزل الحيض فإنها تُصلي وتصوم ولا تقضي الصوم؛ لأنها ليست بحائض فالحكم يدور مع علته قال الله ﷿: (وَيَسْأَلونكَ عَنِ الْمَحيضِ قُلْ هوَ أَذى) [البقرة: ٢٢٢]، فمتى وجد هذا الأذى ثبُت حكمه، ومتى لم يوجد لم يثبت حكمه.\n* * *","vol":"3","page":267},{"text":"قضاء الصوم للحائض إذا طهرت قبل الفجر\nسؤال: إذا طهرت الحائض واغتسلت بعد صلاة الفجر، وصلت وكملت صوم يومها فهل يجب عليها قضاؤه (١)؟\nالفتوى: إذا طهرت الحائض قبل طلوع الفجر ولو بدقيقة واحدة ولكن تيقنت الطهر فإنه إذا كان في رمضان فإنه يلزمها الصوم، ويكون صومها ذلك اليوم صحيحًا، ولا يلزمها قضاؤه؛ لأنها صامت وهي طاهر، وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر فلا حرج كما أن الرجل لو كان جُنبا من جماع أو احتلام وتسحر ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر كان صومه صحيحًا.\nوبهده المُناسبة أودُّ أن أنبه إلى أمر آخر عند النساء إذا أتاها الحيض وهي قد صامت ذلك اليوم فإن بعض النساء يظن أن الحيض إذا أتاها بعد فطرها قبل أن تُصلي العشاء فسد صوم ذلك اليوم وهذا لا أصل له بل إن الحيض إذا أتاها بعد الغروب ولو بلحظة فإن صومها تام وصحيح.\nتحذير الحائض من ترك قضاء الصوم\nسؤال: سائلة تقول: إنها منذ أن وجب عليها الصيام وهي تصوم رمضان ولكنها لا تقضي الأيام التي تفطرها بسبب الدورة الشهرية، ولجهلها بعدد الأيام التي أفطرتها فهي تطلب إرشادها إلى ما يجب عليها فعله الآن (٢)؟\nالفتوى: يؤسفنا أن يقع مثل هذا بين نساء المؤمنين فإن هذا الترك -أعني ترك قضاء ما يجب عليها من الصيام- إما أن يكون جهلًا، وإما أن يكون تهاونًا، وكلاهما مصيبة؛ لأن الجهل دواءه العلم والسؤال، وأما التهاون فإن دواءه تقوى الله ﷿ ومراقبته والخوف من عقابه والمبادرة إلى ما فيه رضاه فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله مما صنعت، وأن تستغفر، وأن تتحرى الأيام\n_________\n(٢،١) فتاوى نسائية.","vol":"3","page":268},{"text":"التي تركتها بقدر استطاعتها فتقضيها وبهذا تبرأ ذمَّتها، ونرجو لها أن يقبل الله توبتها.\nالدم الخارج بعد السقط، هل يفطر؟\nسؤال: الدم الذي يخرج من الحامل إذا أسقطت الجنين هل يفطر؟\nالفتوى: إن الحامل لا تحيض كما قال الإمام أحمد، إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض، كما قال أهل العلم: خلقه الله ﵎ لحكمة غذاء الجنين في بطن أمه، فإذا نشأ الحمل انقطع الحيض لكن بعض النساء قد يستمر الحيض على عادته كما كان قبل الحمل فإذا كان ذلك فإن الحامل لا تصوم ولا تصلي؛ لأن هذا حيض. وأما الدم الذي يخرج من الحامل إذا أسقطت الجنين فإن كان الجنين قد تبين فيه خلق إنسان فالدم نفاس فلا تصوم ولا تصلي، وإذا أسقطت أثناء الصوم بطل صومها. وإن كان الجنين أسقط علقة أو مضغة لم يتبين أنها ابتداء خلق أنسان فالدم ليس نفاسًا، فتصوم وتصلي ولا حرج.\nالنفساء والصوم\nسؤال: أنا فتاة متزوجة ورزقني الله بولدين توأمين، انتهيت من الأربعين في اليوم السابع من رمضان، ولكن الدم لا يزال مستمرًا، ولكن تغير لونه على ما قبل الأربعين، فما حكم صلاتي وصيامي؟\nالفتوى: المرأة النفسَاء إذا بقي الدم معها فوق الأربعين وهو لم يتغير فإن صادف ما زاد عن الأربعين عادة حيضتها السابقة جلست، وإن لم يصادف عادة حيضتها السابقة فقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال: تغتسل وتصلى وتصوم ولو كان الدم يجري عليها؛ لأنها تكلون حينئذ كالمُستحاضة. ومنهم من قال: إنها تبقى حتى تتم ستين يومًا؛ لأنه وُجد من النساء من يبقى في النفاس ستين يومًا ويقال: إن بعض النساء كانت عادتها في النفاس ستين يومًا، وبناء على ذلك فإنها تنتظر حتى تتم ستين يومًا ثم بعد ذلك ترجع للحيضة المعتادة.","vol":"3","page":269},{"text":"ما يفطر الصائم وما لا يفطره\nالقيء في نهار رمضان هل يفطر؟\nسؤال: فيمن ذرعه القيء؟\nالفتوى: نقول: إذا قاء الإنسان متعمدًا فإنه يفطر، وإن قاء بغير عمد فإنه لا يفطر، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمدًا فليقض\".\nفإن غلبك القيء فإنك لا تفطر، فلو أحس الإنسان بأن معدته تموج، وأنها سيخرج ما فيها فهل نقول يجب عليك أن تمنعه؟ لا. أو تجذبه؟ لا. لكن نقول قف موقفًا حياديًا لا تستقيء ولا تمنع لأنك إن استقيت أفطرت، وإن منعت تضررت، فدعه إذا خرج بغير فعل منك فإنه لا يضرك، ولا تُفطر بذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>استعمال بخاخ ضيق النفس للصائم لا يفطر</span>\nسؤال: استعمال بخاخ ضيق النفس للصائم هل يفطر؟\nالفتوى: الجواب على السؤال أن هذا البخاخ الذي تستعمله لكونه يتبخر ولا يصل إلى المعدة فحينئذ نقول لا بأس أن تستعمل هذا البخاخ وأنت صائم ولا تفطر بذلك؛ لأنه كما قُلنا لا يدخل منه إلى المعدة أجزاء؛ لأنه شيء يتطاير ويتبخر ويزول ولا يصل منه جرم إلى المعدة حتى نقول إن هذا مما يوجب الفطر فيجوز لك أن تستعمله وأنت صائم ولا يبطل الصوم بذلك.\nالكلام السوء ينقص أجر الصائم\nسؤال: هل تحدُّث المرء بكلام حرام في نهار رمضان يفسد صومه (١)؟\n(أحمد سعيد- صنعاء)\nالفتوى: إذا قرأنا قوله تعالى: (يا أَيّها الذِينَ آمنُوا كتبَ علَيكَمُ الصيَام كما\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":270},{"text":"كتبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَقون) [البقرة: ١٨٣] .\nعرفنا ما هي الحكمة من إيجاب الصوم وهي التقوى والتعبد لله ﷾. والتقوى وهي ترك المحارم وهي عند الإطلاق تشمل فعل المأمور به وترك المحظور وقد قال النبي - ﷺ -: \"من لم يدع قول الزّور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه\".\nوعلى هذا يتأكد على الصائم اجتناب المحرمات، من الأقوال والأفعال فلا يغتاب الناس ولا يكذب ولا ينم بينهم ولا يبيع بيعًا محرَّمًا، ويجتنب جميع المحرمات، وإذا فعل الإنسان ذلك في شهر كامل فإن نفسه سوف تستقيم بقية العام. ولكن المؤسف أن كثيرًا من الصائمين لا يُفرقون بين صومهم وفطرهم فهم على العادة التي هم عليها من الأقوال المحرمة من كذب وغش وغيره. ولا تشعر أن عليه وقار الصوم وهذه الأفعال لا تُبطل الصوم ولكن تُنقص من أجره، وربما عند المعادلة تُضيِّع أجر الصوم كله. والله المستعان.\nدهان الوجه واليدين بالمستحضرات الطبية هل يفسد الصوم؟\nسؤال: هل دهان الوجه واليدين بالمستحضرات الطبية الحديثة أثناء الصيام بالنسبة للمرأة ممنوع في الدين؟\nالفتوي: إنه ليس على المرأة إذا دهنت وجهها بما يُجمِّله أو لا يجمله، المهم أن الدُّهون هذه بجميع أنواعها سواء في الوجه أو في الظهر أو في أي مكان لا تؤثر على الصائم ولا تُفطره.\nاستعمال التحاميل في نهار رمضان\nسؤال: ما حكم استعمال التحاميل في نهار رمضان إذا كان الصائم مريضًا؟\nالفتوى: لا بأس بها، لا بأس أن يستعمل الإنسان التحاميل التى تكون من دبره إذا كان مريضًا؛ لأن هذا ليس أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل","vol":"3","page":271},{"text":"والشرب، والشارع إنما حرم علينا الأكل والشرب فما قام مقام الأكل والشرب أعطي حكم الأكل والشرب، وما ليس كذلك فإنه لا يدخل فيه لفظا ولا معنى فلا يثبت له حكم الأكل والشرب.\nاستعمال الروائح العطرة في نهار رمضان\nسؤال: ما حكم استعمال الصائم الروائح العطرية في نهار رمضان (١)؟\n(سامح مصطفى- البحرين)\nالفتوى: لا بأس أن يستعملها في نهار رمضان، وأن يستنشقها إلا البُخُور لا يستنشقه؛ لأن له جُرمًا يصل إلى المعدة وهو الدخان.\nالحناء لا تفطر الصائم\nسؤال: هل يجوز وضع الحناء للشعر أثناء الصيام والصلاة لأني سمعت بأن الحناء تفطر الصائم (٢)؟\nالفتوى: هذا أيضًا لا صحة له فإن وضع الحناء أثناء الصيام لا يفطر ولا يؤثر على الصائم شيئًا كالكحل، وكقطرة الأذن وكالقطرة في العين فإن ذلك كله لا يَضُرّ الصائم ولا يفطره.\nوأما الحناء أثناء الصلاة فلا أدري كيف يكون هذا السؤال إذ أن المرأة التي تصلي لا يمكن أن تتحنا. ولعلها تريد أن الحناء هل يمنع صحة الوضوء إذا تحنت المرأة؟ والجواب أن ذلك لا يمنع صحة الوضوء؛ لأن الحناء ليس له جرم يمنع وصول الماء، وإنما هو لون فقط، والذي يؤثر على الوضوء هو ما كان له جسم يمنع وصول الماء، فإنه لابد من إزالته حتى يصح الوضوء.\n* * *\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .\n(٢) فتاوى نور على الدرب.","vol":"3","page":272},{"text":"شرب الدخان حرام ومن المفطرات\nسؤال: إذا كان الدخان ليس بطعام ولا شراب ولا يصل إلى الجوف فهل هو من المفطرات؟\nالفتوى: فنقول له: إن شرب الدخان حرام عليك في رمضان وفي غير رمضان، وفي الليل وفي النهار، فاتق الله في نفسك، وأقلع عن هذا الدخان، واحفظ صحتك وأسنانك ومالك وأولادك ونشاطك مع أهلك حتى ينعم الله عليك بالصحة والعافية، وأما قوله إنه ليس بشراب فإني أقول له: هل يقال فلان يشرب الدخان؟ يقال: يشرب الدخان، وشرب كل شيء بحسبه، فهذا شراب بلا شك، ولكنه شراب ضار مُحرَّم، ونصيحتي له ولأمثاله أن يتقي الله في نفسه وماله وولده وفي أهله؛ لأن كل هذه الأشياء يصحبها ضرر من تعاطي هذا الدخان، وأسأل الله ﷾ له ولإخواننا المسلمين العصمة مما يُغضب الله، وبهذا تبين أن شرب الدخان يفطر الصائم مع ما فيه من الإثم.\nالقبلة والمداعبة في رمضان\nسؤال: هل يجوز للصائم أن يقبل زوجته ويداعبها في الفراش وهو في رمضان؟\nالفتوى: نعم يجوز للصائم أن يقبل زوجته ويُداعبها وهو صائم سواء في رمضان أو في غير رمضان، لكنه إن أمنى من ذلك فإنه صومه يفسد، فإن كان في نهار رمضان لزمه إمساك بقية اليوم ولزمه قضاء ذلك اليوم، وإن كان في غير رمضان فقد فسد صومه، ولا يلزمه الإمساك لكن إن كان صومه واجبًا وجب عليه قضاء ذلك اليوم، وإن كان صومه تطوعًا فلا قضاء عليه.\nلا حرج على الصائم إذا تحرى ما يخفف صومه\nسؤال: الصائم إذا سافر من بلده الحار إلى بلد بارد أو إلى بلد نهاره قصير هل يجوز له ذلك؟\nالفتوى: لا حرج عليه في ذلك، إذا كان قادرًا على هذا الشيء فإنه لا","vol":"3","page":273},{"text":"حرج أن يفعل؛ لأن هذا من فعل ما يُخفِّف العبادة عليه، وفعل ما يخفف العبادة عليه أمر مطلوب، وقد كان النبي - ﷺ - يصب على رأسه الماء من العطش أو من الحر وهو صائم، وكان ابن عمر -﵁- يبل ثوبه وهو صائم، وذكر عن أنس بن مالك -﵁- أن عنده حوضًا من الماء ينزل فيه وهو صائم، كل هذا من أجل تخفيف أعباء العبادة، وكلما خفت العبادة على المرء كان أنشط لفعلها، وفعلها وهو مطمئن مستريح، ولهذا نهى النبي -﵊- أن يُصلي الإنسان وهو حاقن أي: محصور بالبول، فقال -عليه الصلاة السلام-: \"لا يصلي بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثين\" كل ذلك من أجل أن يؤدي الإنسان العبادة وهو مستريح مطمئن مقبل على ربه وعلى هذا فلا مانع من أن يبقى الصائم حول المُكيف، وفي غُرفة باردة، وما أشبه ذلك.\nالنظر إلى النساء والمردان، هل يؤثر على الصوم؟\nسؤال: النظر إلى النساء والأولاد المُرد هل يؤثر على الصيام؟\nالفتوى: نعم، كل معصية فإنها تؤثر على الصيام؛ لأن الله تعالى إنما فرض علينا الصيام للتقوى (يا أَيُّها الَّذينَ آمنُوا كتب عَليكُم الصِّيَامُ كما كُتب عَلَى الذِينَ مِن قَبلِكم لَعَلَّكُم تَتَقُونَ) [البقرة: ١٨٣]، وقال النبي - ﷺ -: \"من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به فليسر لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه\"، وهذا الرجل الذي ابتلي بهذه البلية نسأل الله أن يُعافيه منها، هذا لا شك أنه يفعل المحرم فإن النظر سهم من سهام إبليس -والعياذ بالله- وكم من نظرة أوقعت في قلب صاحبها البلابل فصار -والعياذ بالله- أسيرًا لها كم من نظرة أثرت على قلب الإنسان حتى أصبح أسيرًا في عشق الصور، ولهذا يجب على الإنسان إذا ابتلي بهذا الأمر أن يرجع إلى الله ﷿ بالدعاء بأن يُعافيه منه، وأن يعرض عن هذا ولا يرفع بصره إلى أحد من النساء أو أحد من المُرد، وهو مع الاستعانة بالله تعالى واللجوء إليه وسؤال العافية من هذا الداء سوف يزول عنه إن شاء الله تعالى.","vol":"3","page":274},{"text":"خروج المني في نهار رمضان\nسؤال: رجل عنده سلس البول فأراد أن يجفف ذكره فخرج منه مني في نهار رمضان؟\nالفتوى: إذا كان هذا الذي خرج منه شهوة إذا حاول أن يُفرغ البول من\nالمكان فحصلت عنده شهوة فأنزل، فإن صومه يفسد؛ لأن إنزال المني بشهوة بفعل من الصائم من المفطرات أما إذا كان هذا بغير شهوة فإن صومه صحيح ولا قضاء عليه.\nتطاير الحبوب عند الطحن لا يفسد الصوم\nسؤال: فيمن يطحن الحبوب إذا تطاير إلى حلقه شيء من جرَّاء ذلك وهو صائم؟\nالفتوى: إنه لا يجرح صومهم وصومهم صحيح؛ لأن تطاير هذه الأشياء بغير اختيارهم وليس لهم قصد في وصولها أجوافهم وأحب بهذه المناسبة أن أبين أن المفطرات التي تُفطر الصائم من الجماع والأكل والشرب وغيرها لا يفطر بها الصائم إلا بثلاثة شروط:\nأولًا: أن يكون عالمًا فإن لم يكن عالما لم يفطر لقوله تعالى: (وَلَيس عليكَم جناح فيما أَخطَأتم به وَلَكن مَّا تعمدَت قُلُوبكم) [لأحزاب: ٥]، ولقوله: (ربنَا لا تؤَاخذنَا إن نَّسينَا أو أَخطَأنَا) [البقرة: ٢٨٦] . فقال الله: فقد فعلت ولقول النبي - ﷺ -: \"رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه\" والجاهل مخطئ ولو كان عالما ما فعل فإذا فعل شيئًا من المفطرات جاهلًا فلا شيء عليه وصومه تام وصحيح سواء كان جهله في الحُكم أم بالوقت مثال جهله بالحكم: أن يتناول شيئًا من المُفطرات يَظُنُّ أنه لا - يفطر كما لو احتجم يظن أن الحجامة لا تُفطر فنقول: صومك صحيح ولا شيء عليك إلى غير ذلك من الأمور التي تقع للمرء بغير اختياره فإنه لا حرج عليه، ولا يُفطر بذلك لما ذكرنا، والخلاصة أن","vol":"3","page":275},{"text":"جميع المفطرات لا يفطر بها الإنسان إلا بشروط ثلاثة: أن يكون عالما، ثانيًا: ذاكرًا، ثالثًا: مُختارًا. والله أعلم.\nاسترخاء الصائم المرهق ونومه\nسؤال: أقضي نهاري في رمضان نائمًا أو مسترخيًا حيث لا أستطيع العمل لشدة شعوري بالجوع والعطش، فهل يؤثر ذلك في صحة صيامي؟\n(علي أحمد محمد - مصر)\nالفتوى: هذا لا يؤثر على صحة الصيام، وفيه زيادة أجر لقول الرسول - ﷺ - لعائشة: \"أجرك على قدر نصبك\" فكلما زاد تعب الإنسان زاد أجره، وله أن يفعل ما يخفف العبادة عليه كالتبرد بالماء والجلوس في المكان البارد.\nلا بأس بالسباحة للصائم\nسؤال: ما حكم السباحة في البحر أو في البرك في نهار رمضان؟\nالفتوى: نقول: لا بأس للصائم أن يسبح في البحر أو في البرك سواء كانت البركة عميقة أو غير ذلك فإنه يسبح كما يريد وينغمس بالماء، ولكن يحرص أن لا يتسرب الماء في جوفه بقدر ما يستطيع وهذه السباحة تنشط الصائم وتعينه على صومه، وما كان منشطا على طاعة الله فإنه لا يُمنع؛ لأنه مما يخفف العبادة على العابد ويُيَسرها عليه، وقد قال الله ﵎ في معرض آيات الصوم: (يرِيدُ الله بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العسرَ وَلِتكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا\nالله عَلَى مَا هَدَاكم) [البقرة: ١٨٥] . والنبيﷺ - يقول: \"إن هذا الدين ليسر، ولن يُشادَّ هذا الدين أحد إلا غلبه\" فلا بأس أن يسبح في البركة كما أنه لا بأس أن يتسبح من الدش وغيره، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":276},{"text":"التمضمض من شدة الحر لا يفطر الصائم\nسؤال: التمضمض من شدة الحر هل يفسد الصوم؟\nالفتوى: جوابنا على هذا السؤال: لا يفسد صومه بذلك لأن الفم في حكم الظاهر ولو لم يكن الفم في الظاهر ما كان غسله واجبًا في الوضوء ثم إن هذا أعني المضمضة بالماء إذا يبس الفم من شدة الحر مما ييسر الصوم ويسهله فقد روي عن النبي - ﷺ - أنه كَانَ يَصُبُّ الماء عَلى رَأسِهِ مِنْ شدَّة العَطَش، مِنْ شدَة الحَر. وكان ابن عمر ﵁ يبل ثوبه في صومه ويلبسه ليبرد على جسده وكان لأنس بن مالك حوض يملأه فيسبح فيه في الصوم كل هذا مما يدل على أن فعل ما يخفف على المرء جائز لا بأس به ولكن ليحذر هذا المتمضمض، ليحذر من أن تسرب الماء في جوفه في هذه الحال بدون اختياره فإنه ليس عليه في ذلك بأس والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>سريان البنج في الجسم هل يفطر </span>الصائم\nسؤال: سريان البنج في الجسم هل يفطر وخروج الدم عند قلع الضرس؟\nالفتوى: كلاهما لا يفطر ولكن لا يبلغ الدم الخارج من الضرس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>معجون الأسنان هل يكره للصائم</span>؟\nسؤال: معجون الأسنان للصائم وهل يقاس على السواك؟\nالفتوى: جوابنا على هذا نقول السواك للصائم سنة في أول النهار وفي آخره. ولا أعلم حُجة مستقيمة لمن قال إنه يكره للصائم أن يتسوك بعد الزوال لأن الأدلة في مشروعية السواك عامة ليس فيها ما يدل على التفصيل وقد ذكر البخاري في صحيحه عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: \"رأيت النبي - ﷺ - ما لا أُحصي يتوسك وهو صائم\" لكنه ذكر معلقًا بصيغة التمريض وعلى هذا التسوك للصائم مشروع كما أنه مشروع لغيره أيضًا، وأما الفرشاة والمعجون للصائم فلا يخلو من حالتين: إحداهما أن يكون قويًا ينفذ إلى المعدة ولا يتمكن","vol":"3","page":277},{"text":"الإنسان من ضبطه فهذا محذور عليه ولا يجوز له استعماله لأنه يؤدي إلى إفساد الصوم وما أدى إلى المُحَرَّم فهو مُحَرم، وفي حديث لقيط بن صبرة أن النبي - ﷺ - قال له: \"بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا فاستثنى الرسول ﵊ من المبالغة في الاستنشاق استثنى حالة الصوم لأنه إذا بالغ في الاستنشاق وهو صائم فإن الماء قد يتسرب إلى جوفه فيفسد بذلك الصوم فنقول له إذا كانت الفرشاة والمعجون قوية بحيث تنفذ إلى معدته فإنه لا يجوز له استعمالها في هذه الحال أو على الأقل نقول إنه يكره وأما إذا كانت ليس بتلك القوة ويمكنه أن يتحرَّز منها وهي الحالة الثانية فإنه لا حرج عليه باستعمالها لأن باطن الفم في حكم الظاهر ولهذا يتمضمض الإنسان بالماء ولا يضره ولو كان داخل الفم بحكم الباطن لكان الصائم يمنع أن يتمضمض.\nالسواك والطيب للصائم\nسؤال: ما هي أقوال المذاهب الأربعة في السواك والطيب بالنسبة للصائم (١)؟\nالفتوى: أما الصواب فعندي منه عُلم وأما المذاهب الأربعة فليس عندي منها علم.\nالصواب أن التسوك للصائم سنة في أول النهار وآخره، لعموم قول النبي\n- ﷺ -: \"السَّواك مَطهَرة للِفَم مَرضاة للرب\" وقوله: \"لولا أن أشُقّ على أُمتي لأمرتهُم بالسواك مع كل وضوء\".\nوأما الطيب فكذلك جائز للصَّائم في أول النهار وفي آخره، سواء كان الطيب بخورًا أو دهنًا أو غير ذلك، إلا أنه لا يجوز أن يستنشق البخور، لأن البخور له أجزاء محسوسة مشاهدة، إذا استنشق تصاعدت إلى داخل أنفه ثم إلى معدته ولهذا قال النبي - ﷺ - للقيط بن صبرة: \"بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا\".\n_________\n(١) فتاوى الحرم ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":278},{"text":"خروج الدم من الصائم هل يفطر؟\nسؤال: خروج الدم من الصائم هل يفطر؟\nالفتوى: النَّزيف الذي يحصل في الأسنان لا يُؤثر على الصوم ما دام يحترز من ابتلاعه ما أمكن لأن خروج الدم بغير إرادة الإنسان لا يعد مفطرًا ولا يلزم من أصابه ذلك أن يقضي، وكذلك لو رَعَف أنفه واحترز ما يمكنه عن ابتلاعه فإنه ليس عليه في ذلك شيء ولا يلزمه قضاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>دواء الغرغرة هل يبطل الصوم</span>\nسؤال: هل يبطل الصوم باستعمال دواء الغرغرة؟\n(مجدي هلال- الدوحة)\nالفتوى: لا يبطل الصوم إذا لم يبتلعه لكن لا تفعله إذا إذا دعت الحاجة ولا تفطر به إذا لم يدخل جوفك شيء منه.\nقبل فتاة أجنبية في رمضان هل يفسد صومه\nسؤال: ما حكم من قبَّل فتاة أجنبية منه في رمضان، وهل يجب عليه القضاء (١)؟\nالفتوى: هذا الرجل الذي قبّل امرأة أجنبية منه لا شك أنه لم يأت بحكمة الصوم، لأن هذا الرجل فعل الزور، والرسول - ﷺ - يقول: \"من لم يدع قول الزور والعلم به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه\"، فإن فعل ذلك مكرهًا إياها على ذلك فقد اجتمع في حقه فعل الزور والجهل فصيامه في الحقيقة فاقد الحكمة ناقص الأجر بلا شك، ولكنه عند جمهور أهل العلم لا يفسد بمعنى أننا لا نلزمه بقضائه، وعلى مُقَدِّم السؤال أن ينصح الرجل الذي وقع منه\n_________\n(١) فتاوى الحرم ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":279},{"text":"هذا الأمر، وأن يأمره بالتوبة إلى الله ﷿، فإن هذا الفعل مُحرَّم ويؤدي إلى أن يتعلق القلب بالمخلوقين، وينسى ذكر الله تعالى ويحصل بذلك الفتنة العظيمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>الحقنة الشرجية للصائم هل تفطر</span>\nسؤال: ما حكم الحقنة الشرجية التي يحقن بها المريض وهو صائم (١)؟\nالفتوى: الحقنة الشرجية التي يحتقن بها المرضى ضد الإمساك اختلف فيها أهل العلم، فذهب بعضهم إلى أنها مفطرة بناءً على كل ما يصل إلى الجوف فهو مفطر، وقال بعضهم: إنها ليست مفطرة، وممن قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن هذا ليس أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل والشرب.\nوالذي أرى: أن يُنظر إلى رأى الأطباء في ذلك، فإذا قالوا إن هذا كالأكل والشرب وجب إلحاقه به وصار مفطرًا، وإذا قالوا إنه لا يُعطي الجسم ما يعطي الأكل والشرب فإنه لا يكون مفطرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>الحقن والإبر المغذية هل تفطر الصائم</span>\nسؤال: الحقنة في العضل أو الوريد هل تُفسد الصوم والإبر المغذية (٢)؟\nالفتوى: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه أجمعين جوابنا على هذا أن نقول إنه لا يفسد الصوم إذا احتقن الإنسان بالإبر في وريده أو في عضلاته فإن صومه لا يفسد بذلك لأن هذا ليس بأكل ولا شرب ولا بمعنى الأكل والشرب والله ﵎ يقول للنبي - ﷺ -: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكلِّ شيْءٍ وَهدى وَرَحْمَةً وَبشْرَى للْمُسْلِمِينَ) [النحل: ٨٩] وكل شيء يحتاج الناس إليه لا سيما في عبادتهم العظيمة كالصوم فإن الشرع لابد أن بيبنه ولم يأت عن رسول الله - ﷺ - لفظ عام يدل على أن\n_________\n(١) (٢) فتاوى الحرم ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":280},{"text":"الصائم لا يدخل إلى جوفه شيئًا من أي طريق وإنما جاء الأكل والشرب فيما يدخل إلى الجوف وعلى هذا فالإبر في العضلات أو في العرق لا تُفطر حتى لو أحس بطمعها في حلقه فإنه لا يفسد صيامه وإنما قال كثير من أهل العلم بأن الإبر المغذية التي يُستغنى بها عن الطعام والشَّراب هي التي تفطر الصائم لأنها بمعنى الأكل والشرب وهي التي إذا استعملها المرء لم يحتج معها إلى الطعام والشراب والشرع حكيم لا يفرق بين شيئين متماثلين بالمعنى وعلى هذا إذا ركب للإنسان إبر مغذية تغنيه عن الطعام والشراب فإنه يكون بذلك كالأكل والشرب ولا يصح له الصوم والغالب أن مثل هذه الإبر لا يحتاج إليها إلا إنسان مريض يباح له الفطر ولكننا نقول ذلك من أجل تبيين الحكم على أنه لقائل أن يقول: إن هذه الإبر أيضًا لا تفطر لأنه لا يحصل بها ما يحصل في الأكل والشرب من التلذذ والشهوة والتغذية الكاملة وملأ المعدة وهذا كله لا يحصل ولهذا تجد الذي يتغذي بها يكون معه شوق كبير إلى الأكل والشرب ويرى أنه لم يستغن بها عن الأكل والشرب ولا ندري فلعل الشرع عندما منع الأكل والشرب للصائم لا لأنه يتغذى به فقط -بل لأنه يتغذى به وينال به شهوته ولكن الاحتياط أن الإنسان لا يستعمل مثل هذه الإبر وهو صائم إلا في حال مرض يبيحُ له الفطر وحينئذ يفطر ويستعملها والله الموفق.\nالإبر والحقن العلاجية في نهار رمضان\nسؤال: هل الإبر والحقن العلاجية في نهار رمضان تؤثر على الصيام؟\nالفتوى: الإبر العلاجية قسمان أحدهما: ما يقصد به التغذية ويستغنى به عن الأكل والشرب لأنها يمعناه فتكون مفطرة لأن نصوص الشرع إذا وجد المعنى الذي تشتمل عليه صورة من الصور حكم على هذه الصورة بحكم ذلك النص.\nأما القسم الثاني: وهو الإبر التي لا تغذي يعني أي لا يستغنى بها عن الأكل والشرب فهذه لا تفطر لأنه لا ينالها النص لفظا ولا معنى فهي ليست أكلًا ولا شرابًا ولا بمعنى الأكل ولا الشرب، والأصل صحة الصيام حتى يثبت ما يفسده بمقتضى الدليل الشرعي.","vol":"3","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>حقنة العروق وحقنة العضل هل تفطر</span>ان؟\nسؤال: حقنة العروق وحقنة العضل هل تفطران؟\nالفتوى: جوابنا على هذا أن نقول: إن الله ﷾ بين في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - ما يكون مفطرًا وما لا يكون والله تعالى أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء وهذا الذي حدث في الأزمان المتأخرة من هذه الحقن وإن كان أصلها غير موجود فيما سبق لكن الشرع يشتمل على حكمه فما كان بمعنى المنصوص عليه فله حكم المنصوص عليه وما لم يكن بمعناه فإنه لا يثبت له حكمه والذي فيه التفطير مما ذكر هو الأكل والشرب وهما عن طريق الفم وقد دل حديث لقيط بن صبرة ﵁ الذي قال له رسول الله - ﷺ -: \"بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا\" على أن ما دخل من الأنف كالذي يدخل من الفم وما عدا ذلك فإن الأصل فيه عدم التفطير لأنه لو كان مفطرًا لبينه الله ورسوله، وعلى هذا فإنا نقول إن هذه الإبر أو الحقن كما قال السائل التي تكون في العضل أو تكون في العروق غير مفطرة لأنها ليست منصوصًا عليها ولا بمعنى المنصوص عليه والأصل في الصيام الصحة حتى يقوم دليل على الفطر ولا فرق في هذا بين أن يجد الإنسان طعم هذه الحقنة في حلقه أو لا يجده لأن ذلك ليس بمعنى المنصوص عليه وأما الحقن التي يستغني بها عن الطعام والشراب فقد سبق ذكرها في جواب السؤال العاشر.\nهل الحجامة تفطر الصائم؟\nسؤال: كيف نوفق بين حديث \"أفطر الحاجم والمحجوم\" وبين حديث \"أنه احتجم وهو صائم\"؟\nالفتوى: نعم نوفق بينهما أن احتجام النبي - ﷺ - وهو صائم لا يدري هل\nهو قبل الحديث \"أفطر الحاجم والمحجوم\" أو بعده؟ وإذا كان لا يدري هو قبله\nأو بعده فأيهما الناقل عن الأصل أفطر الحاجم والمحجم أو احتجم وهو صائم\nنقول إذا كنا لا ندري فإننا نأخذ بالنص الناقل عن الأصل لأن النص الموافق","vol":"3","page":282},{"text":"للأصل ليس فيه دلالة جديدة إذ هو مبق على الأصل والأصل أن الحجامة تفطر أو لا تفطر؟ الأصل أن الحجامة لا تفطر فاحتجم النبي - ﷺ - وهو صائم قبل أن يثبت حكم التفطير بالحجامة هذا أولًا.\nثانيًا: هل كان احتجام النبي - ﷺ - وهو صائم صيامًا واجبًا أم صيام تطوع؟\nلا ندري قد يكون صيامًا واجبًا وقد يكون صيام تطوع فإن كان صيام تطوع فلمن صام صوم تطوع أن يبطله فإذا احتجم فليس في هذا دليل على أن الحجامة لا تفطر لاحتمال أن يكون صومه تطوعًا ولا يمكن أن ندعي أن حديث ابن عباس ناسخ لأن من شرط النسخ العلم بتأخر الناسخ عن المنسوخ فإذا لم نعلم لم يجز لنا أن نقول بالنسخ لأن النسخ ليس بالأمر الهين، النسخ معناه أن تبطل نصا من الشرع بنص آخر بل لابد أن نتحقق أن هذا النص المتقدم نسخ بالنص المتأخر.\nهل صحيح هذا الحديث في الحجامة\nسؤال: قوله - ﷺ -: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" هل هو صحيح وما معناه؟ الكلام عن الدم؟\nالفتوى: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين جوابنا على هذا أن نقول: إن هذا الحديث صحيح صحّحه الإمام أحمد وغيره ومعناه أن الصائم إذا حجم غيره أفطر وإذا حجّمه غيره أفطر وذلك أن الحجامة فيها حاجم ومحجوم فالمحجوم الذي استخرج الدم منه والحاجم الذي استخرج الدم فإذا كان الصوم واجبًا فإنه لا يجوز للصائم أن يحتجم لأنه يستلزم الإفطار من صوم الواجب عليه إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك بأن هاج به الدم وشق عليه فإنه لا حرج أن يحتجم حينئذ ويعتبر نفسه مفطرًا يقضي هذا اليوم ويأكل ويشرب في بقيته لأن كل من أفطر لعذر شرعي يبيح الفطر فإنه يجوز أن يأكل في بقية يومه إذ أن هذا اليوم الذي أباح له الشارع الإفطار فيه ليس يومًا يجب عليه إمساكه في مقتضى أدلة الشرع ثم إنه بهذه المناسبة أود أن أذكر أن بعض الناس يُغالي في هذا الأمر حتى إن بعضهم يحصل به خدش يسير يخرج منه الدم اليسير فيظن أنه صومه بطل بهذا ولكن هذا الظن","vol":"3","page":283},{"text":"ليس بصحيح بل نقول إن خروج الدم إذا خرج بغير فعلك لا يؤثر عليك سواء كان كثيرًا أو قليلًا فلو فرض أن إنسانًا رعف أنفه فخرج منه دمٌ كثير فإنه لا يضرُّ أو كان به جرح فانفجر وخرج منه دمُ كثير فإنه لا يضر أو أصيب بحادث فخرج منه دم كثير فإنه لا يضره ولا يفطر به لأنه خرج بغير اختياره أما إذا أخرج الدم هو باختياره، فإن كان هذا الدم يستلزم ما تستلزمه الحجامة من ضعف البدن وانحطاط القوة فإنه يكون مفطرًا إذ أنه لا فرق بينه وبين الحجامة في المعنى وإن كان الدم يسيرًا لا يتأثر به الجسم فإنه لا يضر ولا يفطر مثل أن يخرج منه الدم من أجل اختباره أو نحوه فإنه لا يضره ولا يفطر به على كل إنسان أن يكون عارفًا بحدود ما أنزل الله على رسوله ليعبد الله على بصيرة والله الموفق\" (١) .\nحكم الاغتسال للجنابة بعد طلوع الفجر للصائم\nسؤال: الاغتسال للجنابة بعد طلوع الفجر للصائم ما حكمه؟\nالفتوى: نقول: حكمه جائز وصيامه لذلك اليوم مقبول وذلك لأنه لا حرج على المرء أن يدخل في الصيام وعليه جنابة حتى لو طلع الفجر وهي عليه ثم اغتسل بعد طلوع الفجر فإنه لا حرج عليه في ذلك فقد \"كان رسول الله - ﷺ - يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم ويستمر في صيامه\" وما فعله النبي - ﷺ - فإنه لا شك في جوازه لأن لنا فيه أسوة حسنة وأن ما فعله فالأمة فيه تبع له إلا ما قام الدليل أنه خاص به - ﷺ - فإنه يختص به والله أعلم.\nالاحتلام في نهار رمضان\nسؤال: فيمن احتلم في نهار رمضان؟\nالفتوى: على ذلك نقول: صيامه صحيح فإن الاحتلام لا يبطل الصوم لأنه بغير اختياره وقد رفع القلم عنه في حال نومه ولكن ينبغي للإنسان أن يستوعب يوم الصوم بالذكر وقراءة القرآن وطاعة الله ﷾ وأن لا يفعل كما يفعله كثير من الناس يسهرون في لياليهم في ليالي رمضان ربما يسهرون على\n_________\n(١) انظر رأي جمهور أهل العلم في الحجامة للصائم في موضعها من فقه الصوم.","vol":"3","page":284},{"text":"أمر لا ينفعهم ويضرهم وإذا كان في النهار يستغرقون النهار كله بالنوم فإن هذا لا ينبغي بل الذي ينبغي أن يجعل الإنسان صيامه محلًا للطاعات والذكر وقراءة القرآن وغير هذا مما يقرب من الله ﵎ والله أعلم.\n***\nالصائم والأذان والإمساك والسحور\nهل يلزم الصائم الإمساك من حين سماع النداء؟\nسؤال: هل يلزم الصائم أن يمسك من حين يسمع النداء أو إلى أن ينتهي المؤذن؟\nالفتوى: جوابنا على هذا السُّؤال الذي يقول فيه صاحبه أن يمسك من حين أن يسمع المؤذن مؤذن الفجر أو يجوز له أن يأكل ويشرب حتى ينتهي من الأذان جوابنا على هذا أن نقول: أيُّها السائل إن الحكم لم يجعل مرتبا على الأذّن بل هو مرتب على طلوع الفجر فمتى طلع الفجر وجب على المرء الإمساك سواء أذّن أم لم يؤذن ولو لم يطلع الفجر فإنه لا يجب الإمساك سواء أذّن أو لم يؤذن لقوله تعالى: (فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧] وفي قوله تعالى (حتى يتبين) دليل على أنه يجوز للمرء أن يأكل ويشرب مع الشك في طلوع الفجر وذلك لأن الأصل بقاء الليل وما كان هو الأصل فإنه لا ينتقل عنه إلا بيقين وإذا علم أن هذا المؤذن لا يؤذن إلا حينما يطلع الفجر فعليه أن يمسك بمجرد سماعه لقول النبي - ﷺ -: \"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر\" وعلى هذا إذا علمت أن المؤذن حريص على مراقبة الوقت وأنه لا يتسرع فإنه يجب عليك بمجرد سماعه أن تمسك أما إذا كنت تشك في هذا الأمر فإنه يجوز لك أن تأكل وتشرب.","vol":"3","page":285},{"text":"الأكل والشرب بعد الأذان\nسؤال: هل يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب بعد الأذان (١)؟\nالفتوى: إذا كان المؤذن لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا يجوز الأكل بعده لقوله الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧] ولقول النبي - ﷺ -: \"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر\".\nأما إذا كان المؤذن يؤذن بالتحري وليس يشاهد الفجر فإن الاحتياط ألا تأكل إلا بعد سماع الأذان، ولكن الجزم بأن هذا -الأكل بعد الأذان المبني على التحرى- الجزم بأن صومه فاسد غير مُستطاع لدي، لأن الفجر لم يتبين تبينًا يمتنع معه الأكل، لكن لا شك أن الاحتياط أن يتوقف الإنسان إذا سمع أذان الفجر.\nلا شيء عليه لأنه أفطر بعد الغروب\nسؤال رجل عقد الصيام في مكة، حصل له ظرف فخرج إلى الطائف، وأفطر على أذان مكة من الراديو فهل عليه شيء (١)؟\nالفتوى: إذا أفطر على أذان مكة وهو في الطائف، فقط أفطر بعد الغروب، ولا شيء عليه، لأن الطائف أسبق في الغروب من مكة.\nلا يلزمه الإفطار\nسؤال: من ركب الطائرة وقد غربت الشمس فأفطر ثم رآها بعد إقلاع الطائرة فهل يمسك؟\nالفتوى: جوابنا على هذا أنه لا يلزمهم الإمساك لأنه حان وقت الإفطار وهم في الأرض فقد غربت الشمس وهم في مكان غربت منه وقد قال النبي - ﷺ -: \"إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر\n_________\n(١) فتاوى الحرم ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":286},{"text":"الصائم\" فإذا كانوا قد أفطروا فقد انتهى يومهم وإذا انتهى يومهم فإنه لا يلزمهم الإمساك إلا في اليوم الثاني وعلى هذا فلا يلزمهم الإمساك في هذه الحالة لأنهم أفطروا بمقتضى دليل شرعي فلا يلزمهم الإمساك إلا بدليل شرعي.\nحكم من أكل أو شرب ناسيا\nسؤال: ما حكم من أكل أو شرب ناسيًا وهل يجب على من رآه يأكل ويشرب ناسيًا أن يذكره بصيامه (١)؟\n(إسلام محمد إسماعيل علي - الدمام)\nالفتوى: من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم فإن صيامه صحيح لكن إذا تذكر يجب عليه أن يقطع حتى إذا كانت اللقمة أو الشربة في فمه فإنه يجب عليه أن يلفظها ودليل تمام صومه قول النبي - ﷺ - فيما ثبت عنه من حديث أبي هريرة ﵁: \"من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه\".\nولأن النسيان لا يؤاخذ المرء عليه لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة: ٢٨٦] . فقال الله تعالى قد فعلت.\nأما من رآه فإنه يجب عليه أن يذكره لأن هذا من تغيير المنكر وقد قال - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه\".\nولا ريب أن أكل الصائم وشربه حال صيامه من المنكر ولكن يعفى عنه حال النسيان لعدم المؤاخذة أما من رآه فإنه لا عذر له في ترك الإنكار عليه.\n***\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":287},{"text":"إذا أفطر لعذر وزال العذر في نفس النهار هل يواصل أم يمسك؟\nسؤال: إذا أفطر لعذر وزال العذر في نفس النهار فهل يواصل الفطر أم يمسك؟\nالفتوى: إنه لا يلزمه الإمساك لأن هذا الرجل استباح هذا اليوم بدليل من الشرع فحرمة هذا اليوم غير ثابتة في حق هذا الرجل ولكن عليه أن يعيده وإلزامنا إياه أن يمسك بدون فائدة له شرعًا ليس بصحيح ومثال ذلك رجل رأى غريقًا في الماء وقال إن شربت أمكنني إنقاذه وإن لم أشرب لم أتمكن من إنقاذه فنقول اشرب وانقذه فإذا شرب وأنقذه فهل يأكل بقية يومه؟ نعم يأكل بقية الإمساك ولهذا لو كان عندنا إنسان مريض هل نقول لهذا المريض: لا تأكل إلا إذا جُعت ولا تشرب إلا إذا عطشت؟ لا. لماذا؟ لأن هذا المريض أبيح له الفطر فكل من أفطر في رمضان بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يلزمه الإمساك والعكس بالعكس لو أن رجلًا أفطر بدون عذر وجاء يستفتينا: أنا أفطرت وفسد صومي هل يلزمني؟ قلنا يلزمك الإمساك لأنه لا يحل لك أن تُفطر فقد انتهكت حرمة اليوم بدون إذن من الشرع فنلزمك بالبقاء على الإمساك وعليك القضاء لأنك أفسدت صومًا واجبًا شرعت فيه.\nبلاد يتأخر فيها الغروب كيف يفطر أهلها\nسؤال: نحن في بلاد لا تغرب الشمس فيها إلا الساعة التاسعة والنصف مساء أو العاشرة فمتى نفطر (١)؟\n(حاتم يوسف زكي - سوداني بلندن)\nالفتوى: تفطرون إذا غربت الشمس فما دام لديك ليل ونهار في ٢٤ ساعة فيجب عليكم الصوم ولو طال النهار.\n***\n_________\n(١) جريدة المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":288},{"text":"حكم الذين يتقدمون في الأذان في رمضان\nسؤال: ما حكم الذين يتقدمون في الأذان في رمضان؟\nالفتوى: الذين يتقدمون في الأذان في أيام الصوم يتسرعون في أذان الفجر يزعمون أنهم يحتاطون بذلك الصيام وهم في ذلك مخطئون لسببين:\nالسبب الأول: أن الاحتياط في العبادة هو لزوم ما جاء به الشرع والنبي - ﷺ - يقول: \"كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر\" ما قال حتى يقرب طلوع الفجر، إذا فالاحتياط للمؤذنين: أن لا يؤذنوا حتى يطلع الفجر.\nالسبب الثاني: قد أخطأ هؤلاء المؤذنون الذين يؤذنون للفجر قبل طلوع الفجر وزعموا أنهم يحتاطون لأمر احتياطهم فيه. غير صحيح لكنهم يفرطون في أمر يجب عليهم الاحتياط له وهو صلاة الفجر فإنهم إذا أذنوا قبل طلوع الفجر صلى الناس وخصوصًا الذين لا يصلون في المساجد من نساء أو معذورين عن الجماعة صلاة الفجر وحينئذ يكون أداؤهم لصلاة الفجر قبل وقتها وهذا خطأ عظيم لهذا أوجه النصيحة لإخواني المؤذنين أن لا يؤذنوا إلا إذا تبين الصبح وظهر لهم فإذا ظهر لهم سواء شاهدوا بأعينهم أو علموه بالحساب الدقيق فإنهم يؤذِّنون وينبغي للمرء أن يكون مستعدًا للإمساك قبل الفجر خلاف ما يفعله بعض الناس إذا قرب الفجر جدًا قدم سحوره زاعمًا أن هذا هو أمر الرسول - ﷺ - بتأخير السحور ولكن ليس هذا بصحيح فإن تأخير السحور إنما ينبغي إلى وقت يتمكن الإنسان فيه من التسحر قبل طلوع الفجر والله أعلم.\nأيهما أتبع مؤذن الحي أم إعلان المذياع؟\nسؤال: في أحد أيام رمضان أعلن المذيع في الإذاعة أن أذان المغرب بعد دقيقتين وفي اللحظة نفسها أذن مؤذن الحي فأيهما أولى بالاتباع (١)؟\nالفتوى: إذا كان المؤذن يؤذن عن مشاهدة وهو ثقة فإننا نتبع المؤذن لأنه\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":289},{"text":"يؤذن عن واقع محسوس وهو مشاهدته غروب الشمس، أما إذا كان يؤذن على ساعة ولا يرى الشمس فالغالب على الظن أن إعلان المذيع هو أقرب للصواب لأن الساعات تختلف وبعض الناس لا يهتم بمراعاة ساعته ولأن التأخر في مثل هذه الحال أولى لأنه أحوط.\nهل يتابع الصائم المؤذن في الأذان أم يستمر في فطره\nسؤال: هل هناك دعاء مأثور عن النبي - ﷺ - عند وقت الإفطار وما هو وقته؟ وهل يتابع الصائم المؤذن في الأذان أم يستمر في فطره؟\nالفتوى: نقول إن وقت الإفطار موطن إجابة للدعاء لأنه في آخر العبادة ولأن الإنسان أشد ما يكون غالبًا من ضعف النفس عند إفطاره وكلما كان الإنسان أضعف نفسًا وأرق قلبًا كان أقرب إلى الإنابة والإخبات إلى الله ﷿ والدُّعاء المأثور \"اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت\" ومنه أيضًا قول النبي - ﷺ -: \"ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله\" وهذان الحديثان وإن كان فيهما ضعف لكن بعض أهل العلم حسنهما، وعلى كل حال فإذا دعوت بذلك أو بغيره عند الإفطار فإنه موطن إجابة وأما إجابة المؤذن وأنت تفطر فنعم مشروعة لأن قوله - ﷺ -: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول\" يشمل كل حال من الأحوال إلا ما دل الدليل على استثنائه والذي دل الدليل على استثنائه إذا كان يصلي وسمع المؤذن فإنه لا يجيب المؤذن لأن في الصلاة شغلًا كما جاء به الحديث على أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- يقول: إن الإنسان يجيب المؤذن ولو كان في الصلاة لعموم الحديث ولأن إجابة المؤذن ذكر مشروع ولو أن الإنسان عطس وهو يصلي يقول: الحمد لله. ولو بشر بولد أو بنجاح ولد وهو يصلي يقول: الحمد لله. نعم يقول: الحمد لله ولا بأس وإذا أصابك نزغ من الشيطان وفتح عليك باب الوساوس فتستعيذ بالله منه وأنت تصلي، لذا نأخذ من هذا قاعدة وهو أن كل ذكر وجد سببه في الصلاة فإنه يقال: لأن هذه الحوادث يمكن أن نأخذ منها عند التتبع قاعدة لكن مسألة إجابة المؤذن -وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول بها- أنا في نفسي منها شيء. لماذا؟ لأن إجابة المؤذن","vol":"3","page":290},{"text":"طويلة توجب انشغال الإنسان في صلاته انشغالًا كثيرًا والصلاة لها ذكر خاص لا ينبغي الشغل عنه.\nفنقول إذا كنت تفطر وسمعت الأذان تجيب المؤذن بل قد نقول: إنه يتأكد عليك أكثر لأنك تتمتع الآن بنعمة الله وجزاء هذه النعمة الشكر ومن الشكر إجابة المؤذن فتجيب المؤذن -ولو كنت تأكل- ولا حرج عليك في هذا وإذا فرغت من إجابة المؤذن فصل على النبي - ﷺ - وقل: \"اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت مُحمَّدا الوسيلة والفضيلة وابعثُه مقامًا محمُودًا الذي وعدته إنك لا تُخلف الميعاد\".\nلا يمسك عن الطعام حتى نهاية الأذان\nسؤال: يحدث ومن عدة سنوات أنهم لا يمسكون عن الطعام حتى نهاية الأذان، فما حكم عملهم هذا (١)؟\nالفتوى: الأذان لصلاة الفجر إما أن يكون بعد طلوع الفجر أو قبله، فإن كان بعد طلوع الفجر فإنه يجب على الإنسان أن يمسك بمجرد سماع النداء؛ لأن النبي - ﷺ - يقول: \"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر\" فإذا كنت تعلم أن هذا المؤذن لا يؤذن إلا إذا طلع الفجر، فأمسك بمجرد أذانه، أما إذا كان المؤذن يؤذن بناء على ما يعرف من التوقيت أو بناء على ساعته، فإن الأمر في هذا أهون.\nوبناء على هذا نقول لهذا السائل: إن ما مضى لا يلزمكم قضاؤه، لأنكم لم تتيقنوا أنكم أكلتم بعد طلوع الفجر، لكن في المستقبل ينبغي للإنسان أن يحتاط لنفسه، فإذا سمع المؤذن فليمسك.\nلا يفطر حتى يفطروا\nسؤال: يقول السائل إذا بدأنا الصوم في المملكة العربية السعودية ثم سافرنا إلى بلادنا في شرق آسيا في شهر رمضان حيث يتأخر الشهر الهجري هناك يومًا فهل نصوم واحد وثلاثين يومًا وإن صاموا تسعة وعشرين يومًا فهل يفطرون أم لا؟\n_________\n(١) فتاوى الحرم ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":291},{"text":"الفتوى: إذا سافر الإنسان من بلد والتي صام فيها أول الشهر إلى بلد تأخر عندهم الفطر فإنه يبقى لا يفطر حتى يفطروا ونظير هذا لو سافر في يومه إلى بلد يتأخر فيه غروب الشمس فإنه يبقى صائمًا حتى تغرب الشمس ولو بلغ عشرين ساعة إلا إن أفطر من أجل السفر فله الفطر من أجل السفر وكذلك العكس لو سافر إلى بلد أفطروا قبل أن يتم الثلاثين فإنه يفطر معهم إن كان الشهر تامًا قضى يومًا وإن كان غير تام فلا شيء عليه. فهو يقضي إذا نقص الشهر وإذا زاد الشهر يتحمل الزيادة. والله أعلم.\nبركة السحور\nسؤال: يقول الرسول - ﷺ -: \"تسحروا فإن في السحور بركة\" فما المقصود ببركة السحور (١)؟\nالفتوى: بركة السحور المراد بها البركة الشرعية والبركة البدنية أما البركة الشرعية منها امتثال أمر الرسول والاقتداء به وأما البركة البدنية فمنها تغذية البدن وقوته على الصوم.\nشهادة الزور في رمضان\nسؤال: هل يصح صيام رجل شهد الزور في رمضان (٢)؟\nالفتوى: شهادة الزور من أكبر الكبائر وهي أن يشهد رجل بما لا يعلم أو بما يعلم بخلافه، ولا تبطل الصوم ولكنها تنقص أجره.\nالسحور بعد الفجر\nسؤال: تحريت وقت الفجر قدر استطاعتي وظننت بقاء الليل فقمت للسحور فسمعت أثناء ذلك أذان الفجر فلفظت اللقمة ونويت الصوم فهل صومي صحيح (٣)؟\nالفتوى: الصوم صحيح لأنه لم يأكل بعد أن تبين الفجر.\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .\n(٢)، (٣) جريدة المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":292},{"text":"القضاء والكفارة والإطعام\nالقضاء لمن لم يصم رمضان سنوات عديدة\nسؤال: ما حكم المسلم الذي مضى عليه أشهر من رمضان يعني سنوات عديدة بدون صيام مع إقامة بقية الفرائض وهو بدون عائق عن الصوم أيلزمه القضاء إن تاب؟\nالفتوى: الصحيح أن القضاء لا يلزمه إن تاب لأن كل عبادة موقتة بوقت إذا تعمد الإنسان تأخيرها عن وقتها بدون عذر فإن الله لا يقبلها منه وعلى هذا فلا فائدة من قضائه ولكن عليه أن يتوب إلى الله ﷿ ويكثر من العمل الصالح ومن تاب تاب الله عليه.\nقضاء رمضان لمن أفطر أيامًا بغير عذر جهلًا منه بوجوب صيام الشهر\nسؤال: هل يجب القضاء على من أفطر أيامًا من رمضان بغير عذر جهلًا منه بوجوب صيام الشهر؟ وما حكم من كان صيامه غير تعبدي، وإنما يرى الناس يصومون فيصوم معهم (١)؟\nالفتوى نعم يجب القضاء على ذلك الشخص الذي أفطر أيامًا من رمضان جهلًا منه بعدم وجوب صيام الشهر، وذلك لأن عدم علم الإنسان بالوجوب لا يسقط الواجب وإنما يسقط الإثم، فهذا الرجل ليس عليه إثم لما أفطره ولكن عليه القضاء. ثم إن كون الرجل يجهل أن صوم رمضان كله واجب. وهو عائش بين المسلمين بعيد جدًا، فالظاهر أن هذه مسالة فرضية، أما من كان حديث عهد بالإسلام فهذا ربما يجهل صيام كل الشهر.\nأما جواب الفقرة الثانية، عن الرجل الذي كان يصوم لأنه يرى أن الناس يصومون فصام معهم فالظاهر أن هذا يصح صومه، لأنه يمسك بنية وهي أنه يفعل كما يفعله المسلمون، والمسلمون يفعلون ذلك تعبدًا لله ﷿، لكن\n_________\n(١) فتاوى الحرم ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":293},{"text":"يجب أن يبين له أن الصوم عبادة وأن ترك الإنسان طعامه وشرابه وشهوته لابد أن يخلص فيه لله ﷿، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: \"يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي\".\nعمره ٢٧ عامًا ولم يصم طول هذه المدة فهل عليه قضاء\nسؤال: أنا شاب أبلغ من العمر ٢٧ عامًا وكنت ضالًا ضلالًا بعيدًا وتبت إلى الله توبة نصوحًا ولله الحمد ولم أصم طوال هذه الفترة فهل يجب عليَّ القضاء؟\nالفتوى: هذا الرجل الذي كان ضالًا كما وصف عن نفسه ثم منَّ الله عليه بالهداية نسأل الله تعالى له الثبات وأن يبقيه على ما كان عليه من هذا الانتصار على النفس وعلى الهوى والشيطان وهو من نعمة الله عليه ولا يعرف الضلال إلا من ابتلي به ثم هُدي إلى الإسلام فلا يعرف الإنسان قدر الإسلام إلا إذا كان يعرف الكفر ونقول لهذا الرجل: نُهنئُك بنعمة الله عليك بالاستقامة ونسأل الله تعالى أن يُثَبِّتَنَا وإيَّاك على الحق وما مضى من الطاعات التي تركتها من صيام وصلاة وزكاة وغيرها لا يلزمك قضاؤه الآن؛ لأن التوبة تجب ما قبلها فإذا تبت إلى الله وأنبت إليه وعملت عملًا صالحا فإن ذلك يكفيك عن إعادة هذه الأعمال وهذا أمر ينبغي أن تعرفه وهي أن القاعدة: أن العبادة المؤقَّتة بوقت إذا أخرجها الإنسان عن وقتها بلا عذر فإنها لا تصح مثل الصلاة والصيام لو تعمد الإنسان أن لا يصلي حتى خرج الوقت ثم جاء يسألنا هل يجب عليَّ القضاء قلنا له: لا يجب عليك ولو أن أحدًا ترك يومًا من رمضان لم يصمه وجاء يسألنا هل يجب على قضاء؟ نقول له: لا يجب عليك القضاء؛ لأن النبي - ﷺ - يقول: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\".\nوأنت إذا أخرت العبادة الموقتة عن وقتها ثم أتيت بها بعد الوقت فإنك أتيت عملًا ليس عليه أمر النبي - ﷺ -، فتكون باطلة، ولا تنفعك، ولكن لو قال قائل: رجل نسي الصلاة حتى خرج الوقت هل يقضيها؟ نقول: نعم تقضيها لقول النبي - ﷺ -. \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها\" ولكن لو قلت لي: هذا الحديث يُعارض كلامك حيث قلتَ: إن الإنسان إذا ترك الصلاة","vol":"3","page":294},{"text":"متعمدًا لا يقضيها ووجه المعارضة أنه إذا كان النبي - ﷺ - ألزم الناسي وهو معذور بقضائها فالمُتَعمد من باب أولى.\nولكننا نقول في الجواب: الإنسان المعذور يكون وقت الصلاة في حقه إذا زال عذره فهو لم يؤخر الصلاة عن الوقت ولهذا قال النبي -﵊-: \" فليصلِّها إذا ذكرها\" أما من تعمد ترك العبادة حتى خرج وقتها فقد أداها في غير وقتها المحدد فلا تُقبل منه.\nمن أخر القضاء حتى دخل رمضان التالي\nسؤال: ما حكم من أخر القضاء حتى دخل رمضان التالي؟\nالفتوى: تأخير قضاء رمضان إلى رمضان التالي لا يجوز على المشهور عند أهل العلم؛ لأن عائشة -﵂- قالت: كان يكون علي الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان. وهذا يدل على أن لا رخصة بعد رمضان الثاني فإن فعل بدون عذر فهو آثم وعليه أن يُبادر القضاء بعد رمضان الثاني واختلف العلماء هل يلزمه مع ذلك إطعام أو لا يلزمه والصحيح أنه لا يلزمه إطعام؛ لأن الله ﷿ يقول: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥]، فلم يُوجب الله ﷾ سوى القضاء.\nقضاء رمضان لمن أخره لرمضان الثاني\nسؤال: امرأة أفطرت أيامًا من رمضان الماضي، ثم قضتها في أواخر شعبان، وبقي عليها واحد لمجيء العادة إليها حتى دخل عليها رمضان الثاني، فماذا تفعل (١)؟\nالفتوى: يجب عليها أن تقضي ذلك اليوم الذي لم تتمكن من قضائه قبل دخول رمضان هذا العام، فإذا انتهى رمضان هذه السنة، قضت ما فاتها من\n_________\n(١) فتاوى الحرم ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":295},{"text":"رمضان العام الماضي، ولا حرج عليها إن كانت معذورة، فإن كانت غير معذورة فعليها الإثم مع القضاء، وليس عليها كفارة.\nحكم من أفطر في رمضان بعذر حتى دخل رمضان آخر\nسؤال: امرأة أفطرت في رمضان سبعة أيام وهي نفساء، ولم تقضي حتى أتاها رمضان الثاني وطافها من رمضان الثاني سبعة أيام وهي مرضع ولم تقضي بحجة مرض عندها فماذا عليها وقد أوشك دخول رمضان الثالث أفيدونا أثابكم الله (١)؟\nالفتوى: إذا كانت هذه المرأة -كما ذكرت عن- نفسها أنها في مرض ولا تستطيع القضاء فإنها متى استطاعت صامته؛ لأنها معذورة حتى ولو جاء رمضان الثاني، أما إذا كان لا عذر لها، وإنما تتعلل وتتهاون فإنه لا يجوز لها أن تؤخر قضاء رمضان إلى رمضان الثاني قالت عائشة -﵂-: \"كان يكون عليَّ الصوم فما أستطيع أن أقضيَه إلا في شعبان\" وعلى هذا فعلى المرأة هذه أن تنظر في نفسها إذا كان لا عذر لها فهي آثمة وعليها أن تتوب إلى الله، وأن تبادر بقضاء ما في ذِمَّتِها من الصيام، وإن كانت معذورة فلا حرج عليها ولو تأخرت سنة أو سنتين.\nحكم من صام ٦ أيام من شوال وعليه قضاء\nسؤال: ما رأيكم فيمن يصوم ٦ أيام من شوال وعليه قضاء؟\nالفتوى: على ذلك من قول النبي - ﷺ -، قال النبي - ﷺ -: \"من صام\nرمضان ثم أتبعه بستٍّ من شوال كان كصيام الدهر\"، إذا كان على الإنسان قضاء وصام الست هل صامها قبل رمضان أو بعد رمضان؟ نقول: هذا رجل صام رمضان أربعة وعشرين يومًا فبقي عليه ستة أيام إذا صام الستة من شوال قبل أن يصوم الستة القضاء فهل يقال إنه صام رمضان وأتبعه بست من شوال؟ لا ما\n_________\n(١) فتاوى نسائية.","vol":"3","page":296},{"text":"صام رمضان، إذ لا يقال صام رمضان إلا إذا أكمله، وعلى هذا فلا يثبت أجر صيام ستة من شوال لمن صامها وعليه قضاء من رمضان إلا إذا قضى رمضان ثم صامها.\nحكم من جامع امرأته في نهار رمضان\nسؤال: ما حكم من جامع امرأته في نهار رمضان؟\nالفتوى: إن كان ممن يُباح له الفطر ولها، كما لو كانا مسافرين فلا بأس في ذلك حتى وإن كانا صائمين أما إذا كانا مما لا يحل له الفطر فإنه حرام عليه وهو آثم وعليه مع القضاء عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا وزوجته مثله إن كانت مُطاوعة أما إن كانت مكرهة فلا شيء عليها.\nكفارة من جامع زوجته وهو صائم\nسؤال: رجل جامع زوجته وهو صائم هل يجوز له أن يطعم ستين مسكينًا لكفارته؟\nالفتوى: من جامع امرأته في نهار رمضان والصوم واجب عليه فعليه كفارة وهى عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولكن السؤال هل يجوز أن يطعم ستين مسكينًا؟ فنقول: إذا كان قادرًا على الصيام فإن عليه صيام شهرين متتابعين، فالرجل إذا عزم الشيء هان عليه أما إذا مَنَّى نفسه الكسل وتثاقل الشيء فإنه يصعب - عليه والحمد لله الذي جعل في هذه الد-نيا خصالًا نعملها تُسقط عنا عقاب الآخرة.\nفنقول للأخ: صم شهرين متتابعين إذا كنت لا تجد رقبة واستعن بالله وإذا كان الوقت الآن حارًا والنهار طويلًا فلك فرصة أن تؤخره إلى أيام الشتاء لأنها أيام قصيرة والجو بارد والزوجة كالرجل إذا كانت مُطاوعة أما إذا كانت مكرهة ولم تتمكن من الخلاص فإن صيامها تام ولا كفارة عليها. ولا تقضي اليوم الذي جامعت فيه وهي مكرهة.","vol":"3","page":297},{"text":"الإطعام هل يجوز لغير المسلمين\nسؤال: الإطعام هل يجوز لغير المسلمين وأقسام المريض في الصيام؟\nالفتوى: جوابنا على هذا أولًا: لا بد أن نعرف أن المرض ينقسم إلى قسمين: مرض يُرجى بُرؤه مثل الأمراض الطارئة التي يرجى أن يشفى منها هذا حكمه كما قال الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] ليس عليه إلا أن ينتظر البرء ثم يصوم فإذا قدر أنه استمر به المرض في هذه الحال ومات قبل أن يُشفى فليس عليه شيء؛ لأن الله أوجب عليه القضاء في أيام أخر وقد مات قبل إدراكها فهو كالذي يموت في شعبان قبل أن يدخل رمضان لا يقضي عنه.\nوالقسم الثاني: أن يكون المرض ملازمًا للمرء مثل مرض السرطان والعياذ بالله، ومرض الكلى ومرض السُّكر وما أشبهها من الأمراض الملازمة التي لا يرجى انفكاك المريض منها فهذه يفطر صاحبها في رمضان ويلزمه أن يُطعم عن كل يوم مسكينًا كالكبير والكبيرة اللذين لا يطيقان الصيام ينظران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا، ودليل هذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة: ١٨٣، ١٨٤] . فكان هذا في أول الأمر على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ولكن الصيام خير له كما قال تعالى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ١٨٤]، فكان فيه التخيير بين الصيام والإطعام ثم وجب الصيام عينًا في قوله في الآية الثانية (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥]، فجعل الله تعالى الإطعام عديلًا للصيام إما هذا أو هذا أول الأمر فإذا لم يتمكن الإنسان من الصيام لا حال رمضان ولا ما بعده رجعنا إلى العديل الذي جعله الله معادلًا للصيام وهو الإطعام فيجب على المريض","vol":"3","page":298},{"text":"المستمر مرضه وعلى الكبير من ذكر وأنثى أن يُطعما عن كل يوم مسكينًا سواء أطعما بالتمليك بأن دفعا إلى الفقراء طعامًا أو كان بالإطعام بالدعوة يدعو مساكين بعدد أيام الشهر فيعشيهم كما \"-كان أنس بن مالك -﵁- يفعل حين كَبر صار يجمع ثلاثين مسكينًا فيعشيهم\". ويكون ذلك بدلًا عن صوم الشهر وخلاصة الجواب: أن المرض على قسمين مرض يرجى زواله فيقضي، ومرض ملازم فيُطعم عن كل يوم مسكينًا، وأما إذا كان الإنسان في بلاد غير إسلامية ووجب عليه إطعام فإن كان في هذه البلاد مسلمون من أهل الاستحقاق أطعمهم وإلا فإنه يُصرفه إلى أي بلد من بلاد المسلمين التي تحتاج إلى هذا الإطعام، والله أعلم.\nتصوم ولا فدية\nسؤال: تزوجت امرأة وعليها صيام عشرة أيام من رمضان فهل أفدي لها -علمًا بأنها كانت ليست على ذمتي-، أم على والدها، وهي الآن حامل في الشهر الثامن، فهل تصوم (١)؟\nالفتوى: بسم الله الرحمن الرحيم. إذا ولدت فلتصم الأيام الثمانية التي عليها ولا فدية.\nفدية المريض\nسؤال: هل على المريض الذي لا يرجى برؤه صيام أم فدية، وإن كان فدية هل يجوز إخراجها مقدمًا؟ وهل تدفع لشخص واحد أم لعدة أشخاص؟ وإن حدث أن بريء من المرض فهل يجب عليه القضاء أم يسقط عنه القضاء (٢)؟\n(محمود زكي الهواري - سلطنة عمان)\n_________\n(١) من رسالة للشيخ بخطه عليها توقيعه بتاريخ ٢/١٠/١٤٠٦ هـ.\n(٢) المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":299},{"text":"الفتوى: إذا بريء من المرض لا يلزمه الصيام؛ لأنه أدى ما يجب عليه وبرئت ذمته، وقد سبقت الإجابة على باقي نقاط السؤال.\nمصاب بالصرع، ولم يصم شهر رمضان، فهل عليه القضاء أو الإطعام؟\nسؤال: إني مصاب بمرض الصرع، ولم أتمكن من صوم شهر رمضان المبارك، وذلك لاستمراري على العلاج ثلاث أوقات يوميًا، وقد جربت صيام يومين، ولم أتمكن علمًا بأني متقاعد، وتقاعدي يصل إلى ثلاث وثمانين دينارًا شهريًا، وصاحب زوجة وليس لي أي وارد غير تقاعدي فما حكم الشرع في حالتي إذا لم أتمكن من إطعام ثلاثين مسكينًا خلال شهر رمضان. وما هو المبلغ الذي أدفعه (١)؟\nالفتوى: إذا كان هذا المرض الذي ألمَّ بك يرجى زواله في يوم من الأيام فإن الواجب عليك أن تنتظر حتى يزول هذا المرض ثم تصوم لقول الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥] أما إذا كان هذا المرض مستمرا لا يُرجى زواله فإن الواجب عليك أن تُطعم عن كل يوم مسكينا، ويجوز أن تصنع طعامًا غداء أو عشاء وتدعو إليه مساكين بعدد أيام الشهر وتبرأ ذمتك بذلك، ولا أظن أحدًا يعجز عن هذا إن شاء الله تعالى، ولا حرج عليك إذا كنت لا تستطيع أن تُطعم هؤلاء المساكين في شهر واحد لا حرج أن تطعم بعضهم في شهر، وبعضهم في شهر حسبما تقدر عليه.\n***\n_________\n(١) فتاوى نور على الدرب.","vol":"3","page":300},{"text":"الاعتكاف\nالاعتكاف وشروطه\nسؤال: هل الاعتكاف في شهر رمضان سنّة مؤكدة؟ وما شروطه في غير رمضان؟ (١) .\n(عاطف محمد علي يوسف - الرياض)\nالفتوى: الاعتكاف في رمضان سُنة فعله النبي - ﷺ - في حياته واعتكف أزواجه من بعده وحكى أهل العلم إجماع العلماء على أنه مسنون ولكن الاعتكاف ينبغي أن يكون على الوجه الذي من أجله شرع وهو أن يلزم الإنسان مسجدًا لطاعة الله ﷾ بحيث يتفرغُ من أعمال الدنيا إلى طاعة الله بعيدًا عن شئون دنياه ويقوم بأنواع الطاعة من صلاة وذكر وغير ذلك وكان رسول الله - ﷺ - يعتكف ترقُّبا لليلة القدر والمعتكف يبعُد عن أعمال الد-نيا فلا يبيع ولا يشتري ولا يخرج من المسجد ولا يتَّبع جَنَازة ولا يعود مريضًا، وأما ما يفعله بعض النَّاس من كونهم يعتكفون ثم يأتي إليهم الزُّوار أثناء الليل وأطراف النهار وقد يتخلل ذلك أحاديث مُحَرَّمة فذلك مُنَاف لمقصود الاعتكاف.\nولكن إذا زاره أحد من أهله وتحدث عنده فذلك لا بأس به فقد ورد عن النبي - ﷺ - أن زَارته صفية وهو معتكف فتحدثت عنده. المهم أن يجعل الإنسان اعتكافه تقربًا إلى الله ﷾.\nهل للمعتكف أن يقوم بتعليم أحد أو إلقاء درس\nسؤال: هل يصح للمعتكف أن يقوم بتعليم أحد أو إلقاء درس؟ (٢) .\nالفتوى: الأفضل للمعتكف أن يشتغل بالعبادات الخاصة كالذِّكر والصلاة.\nوقراءة القرآن وما أشبه ذلك، لكن إذا دعت الحاجة إلى تعليم أحد أو التَّعلم فلا بأس، لأن هذا من ذكر الله ﷿.\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .\n(٢) فتاوي الحرم (١٤٠٨ هـ) .","vol":"3","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>اعتكف وترك الوظيفة</span>\nسؤال: رجل معتكف وهو موظف، والدوام -أي نهاية العمل- في الوظائف إنما ينتهي في الخامس والعشرين من رمضان فما حكم ذلك؟ (١) .\nالفتوى: لا شك أن هذا الذي اعتكف وترك ما يجب عليه من البقاء في الوظيفة، لا شك أنه مجتهد، ولكن الاجتهاد أيها الإخوة: إذا لم يكن مَبنيًا على قواعد شرعية، فإنه اجتهاد خاطيء، قد يُثَاب الإنسان عليه لكونه اجتهد وأراد الحق، لكن يجب أن يكون اجتهادنا مبنيًا على الكتاب والسُّنة.\nفالذي ترك واجب الوظيفة، وجاء يعتكف، كالذي يهدم مصرًا ويبني قصرًا؛ لأنه قام بشيء مستحب، ولم يقل أحد بوجوبه من المسلمين: فإن العلماء مجمعون على أن الاعتكاف لا يجب إنما هو سُنَّة.\nوأما القيام بواجب الوظيفة، فإنه داخل في قوله تعالى: (يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود) [المائدة:١] . وفي قوله: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) [الإسراء:٣٤] . فهذا الرجل ترك واجبًا لفعل مستحب، ولهذا يجب عليه أن يقطع الاعتكاف، ويذهب إلى وظيفته، إذا كان يريد السَّلامة من الإثم.\nفإن بقي في اعتكافه، فإنه يكون قد اعتكف في زمن مستحق لغيره وقواعد الفقهاء تقتضي أن اعتكافه لا يَصِحُّ في هذه الحال، لأنه في زمن مغصُوب أو يشبه المغصُوب.\nولقد أحببت أن أنَبِّه على ذلك لأجل أن يعرف الإخوة الحريصون على فعل الخير أنه لابد من مراعاة القواعد الشرعية والأدلة من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، من أجل أن يبني اجتهاده على حق، فيعبد الله على بصيرة.\n***\n_________\n(١) فتاوى الحرم (١٤٠٨ هـ) .","vol":"3","page":302},{"text":"مسائل تتعلق بالصوم\nهل أصوم وأصلي عن والدي المتوفى\nسؤال: أُصلِّي لأبي المُتَوَفَّى صلاة النافلة في الحرم هل يجوز ذلك والصدقة والصوم؟\nالفتوى: نعم يجوز للإنسان أن يتصدق عن والده أو الدته أو أقاربه أو غيره هؤلاء من المسلمين ولا فرق بين الصدقات والصلوات والصيام والحج وغيرها ولكن السؤال الذي ينبغي أن نقوله: هل هذا من الأمور المشروعة وأن المشروع في حق الولد أن يدعو لوالده دعاء، إلا في الأمور المفروضة التي تدخلها النيابة فإنه يُؤدي عن والده ما افترض الله عليه ولم يؤده كما لو مات والده وعليه صيام فقد قال النبي - ﷺ -: \"مَنْ مَاتَ وَعَلَيه صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّه\" ولا فرق في ذلك بين أن يكون الصِّيام صيام فَرْض بأصْلِ الشَّرع كصيام رَمَضان أو إلزام الإنسان نفسه كما في صيام النَّذرَ. والله أعلم.\n***\nما دخل الصوم بالصلاة\nسؤال: يعيب بعض علماء المسلمين على المسلم الذي يصوم ولا يصلي، فما دخل الصلاة في الصيام، فأنا أريد أن أصوم لأدخل مع الداخلين من باب الريان، ومعلوم أن رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، أرجو التوضيح وفقكم الله؟ (١)\nالفتوى: الذين عابوا عليك أنك تصوم ولا تُصَلِّي على صواب فيما عابوه عليك، وذلك لأن الصلاة عمود الإسلام، ولا يقوم الإسلام إلا بها، والتارك لها كافر خارج من ملة الإسلام، والكافر لا يقبل الله منه صِيامًا، ولا صدقة، ولا حجًا ولا غيرها من الأعمال الصالحة لقول الله تعالى: (وما منعهم أن تقبل\n_________\n(١) فتاوى الصيام.","vol":"3","page":303},{"text":"منهم نفقاتهم إِلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إِلا وهم كارهون) [التوبة: ٥٤] . وعلى هذا فإذا كنت تصوم ولا تصلي، فإننا نقول لك: إن صيامك باطل غير صحيح، ولا ينفعك عند الله، ولا يقربك إليه. وأما ما تَوَهَّمْتَهُ من أن رمضان إلى رمضان مكَفِّرًا لما بينهما نقول لك: إنك لم تعرف الحديث الوارد في هذا رسول الله - ﷺ - يقول: \"الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ وَالجُمُعة إلى الجُمُعَة وَرَمَضَان مُكفَرِّات لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائر\". فاشترط النبي - ﷺ - لتكفير رمضان إلى رمضان أن تجتنب الكبائر، وأنت أيها الرجل الذي لا تُصَلِّي وتَصُوم لم تجتنب الكَبَائر، فأي كبيرة أعظم من ترك الصلاة، بل إن ترك الصلاة كفر، فكيف يُمكن أن يكفر الصِّيام عنك، فَتركُ الصَّلاة كفْرٌ. ولا يُقبلُ منك الصِّيام. فعليك يا أخي أن تتوب إلى ربك. وأن تقوم بما فرض الله عليك من صلاتك ثم بعد ذلك تصوم. ولهذا لما بعث النبي - ﷺ - معاذًا إلى اليمن قال: \"وليكُنْ أوَّل مَا تَدعُوهُم إلَيه شَهَادةُ أن لا إله إلا الله، وأن مُحمدًا رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أنَ الله افترض عليهم خمس صلوات لكل يوم وليلة\" فبدأ بالصلاة ثم الزكاة، بعد ذكر الشهادتين.\n***\nالتدرج في الصوم\nسؤال: هل حدث تدرج في صيام رمضان كالأمر في تحريم الخمر؟ (١) .\n(شذى قنديل محمد - أبها)\nالفتوى نعم حصل تدرج فحين نزل الصوم كان من شاء صام ومن شاء أطعم ثم بعد ذلك صار الصوم واجبًا لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) [البقرة: ١٨٥] .\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":304},{"text":"التَدرج الآخر لهم أنهم كانوا إذا ناموا بعد الإفطار أو صلوا العشاء لا يحل لهم الأكل والشرب والجماع إلا عند غروب اليوم التالي ثم خفف عنهم قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] . فكانت المحظورات على الصائم إذا نام أو صلى العشاء ثم نسخ ذلك فكانت جائزة إلى أن يتبين الفجر.\n***\nكيف يكون الصيام درسًا للتقوى؟\nكيف يكون الصيام درسًا للتقوى ووقاية من الشرور والآثام (١)؟\nالفتوى: إن الصوم التزام بكل الأخلاق الحميدة ودرس يفيد الإنسان.\nهل يضاعف الصوم في الحرم\nسؤال: هل يضاعف الصوم في الحرم كما في الصلاة؟\nالفتوى: الصَّلاة في مكة أفضل من غيرها بلا ريب ولهذا ذُكِر أن النبي - ﷺ - حينما كان مُقيمًا في غزوة الحديبية كان في الحلَّ ولكن كان يُصَلِّي في الحرَّم أي داخل أميال الحرم وهذا يدل أن الصلاة في الحرم أي فيما دخل في الأميال أفضل من الصلاة في الحِل وذلك لِفَضل المكان وقد أخذ العلماء من هذه قاعدة قالوا فيها: إن الحسنات تُضَاعف في كل مكان وزمان فاضل، كما أن الحسنات تضاعف أيضًا باعتبار العامل كما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لاَ تَسُبُّوا أصْحَابِي فَوَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْ أن أحَدَكُم أ-نفَقَ مِثل أحدٍ ذَهبًا مَا بَلَغَ مُدِّ أحَدُهُم وَلا نَصيفه\" إذًا فالعبادات تتضاعف باعتبار العامل وباعتبار الزمان وباعتبار المكان كما تتفَاضل أيضًا باعتبار نسبها وهيئتها وهذا أمر معلوم ولا يتسع المقام لبسطه\n_________\n(١) المسلمون العدد (١٥) .","vol":"3","page":305},{"text":"وشرحه ولكننا نقول: إن الصلاة في مكة أفضل من الصلاة في غيرها ونقول إن الصلاة في المسجد الحرام نفسه تتضاعف فتكون بمائة ألف صلاة فيما عداه وقد أخذ أهل العلم من ذلك أن الصِّيام يُضاعف في مكة ويكون أفضل من الصِّيام في غيرها وذلك لشَرف مكانه على أن الصِّيام إمساك وليس بعمل يحتاج إلى مكان ولا زمان سوى الزَّمان الذي شرع فيه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وقد ورد في حديث عن ابن ماجه بإسناد ضعيف أن: \"مَنْ صَامَ رَمَضَان في مَكة وَقَامَ مِمَّا تَيَسَّر منْه كُتبَ لَهُ أجْرُ مائة ألف رَمَضان\" وهذا إسناده ضعيف ولكن يُستأنسُ به ويدل على أن صَوم رَمَضانَ في مكة أفضَل من صَومٍ في غيرها.\nصوم الوصال\nسؤال: ما هو صوم الوصال وهل هو سُنَّة؟ (١) .\n(أحمد محمود غريب - الفجيرة)\nالفتوى: صوم الوصال أن لا يفطر الإنسان في يومين فيواصل الصيام يومين متتاليين وقد نهى النبي - ﷺ - عنه وقال: \"مَنْ أرادَ أن يُوَاصِلَ فَليُوَاصِل إلى السحر\" والمواصل للسحر من باب الجائز وليست من باب المشروع والرسول - ﷺ - حث على تعجيل الفطر وقال: \"لا يَزَالُ النَّاسُ بخَيْر مَا عَجَّلُوا الفطر\" لكنه أباح لهم أن يواصلوا إلى السحر فقط فلما قالوا: يا رسول الله إنك تواصل فقال: \"إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكمْ\".\nصوم النذر\nسؤال: امرأة تسأل تقول: إنها نذرت أن تصوم شهر رجب من كل عام ثم كبرت بها السن وعجزت عن الصيام فماذا تفعل؟ (٢) .\nالفتوى: أولًا: أنصح جميع إخواني المسلمين بالبعد عن النذر لأن\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .\n(٢) فتاوى نسائية.","vol":"3","page":306},{"text":"النبي - ﷺ - نهى عن النذر وقال: \"إنهُ لا يَأتِي بخَير وَإنَّما يُستَخْرَجُ به منَ البَخيل\" وقد أشار الله ﷿ إلى النهي عنه في القرآن فقال تعالى: (وأَقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة) [النور: ٥٣] فإذا كان كذلك فلا تنذر فإن نذرت فإن كان طاعة وجب عليك الوفاء به لقول النبي - ﷺ - \"مَنْ نَذَرَ أنْ يُطيعَ الله فَليُطعْه\" سواء كان هذا النَّذر مَشُروطًا بشَرط حُصُول نِعمة أو اندِفاع نقمة أو كان نذَرًا مطلقًا، أرجو الانتباه: نذر الطاعة قد يكون مَشْرُوطا بحُصول نعمة أو اندفاع نقمة وقد يكون مُطلقا بلا شرط هذه ثلاثة أحوال، إذا قال قائل لله علي نذر أن أصوم غدًا. هذا نذر طاعة أم لا؟ نذر طاعة مطلق أو مقيد؟ مطلق -يعني ما له سبب، حسنًا إذا قال: إن نجحت في الامتحان فللَّه عليَّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام- هذا مقيد بحصول مصلحة أو باندفاع نقمة؟ بحصول مصلحة إذا قال: إن شفى الله مريضي فللَّه عليَّ نذر أن أصوم شهرًا، هذا نذر طاعة مقيد باندفاع نقمة وهو المرض، وعلي هذا فنَذرُ الطاعة يجب الوفاء به، ولكن نذر شهر رجب نسأل هذه الناذرة لماذا خصّت شهر رجب بالنذر؟ إن قالت لأنني اعتقد أن تخصيص رجب بالصوم عبادة.\nقلنا لها هذا نذر مكروه ولا يجب الوفاء به؛ لأن تخصيص رجب بالصوم مكروه -يعني يكره للإنسان أن يَخُصَّ رجب بذاته من بين سائر السنة-، أما إذا كانت نذرت شهر رجب لأنه الشهر الموالي لحُصُول الحادث لا لعينه فإنها تصومه فإن عجزت فإن النَّذر الواجب يحذى به حذو الواجب في أصل الشَّرع. وهنا سؤال مني لكم، لو قال قائل: لله عليَّ نذر أن ألبس هذا الثَّوب أيجب عليه أن يوفي نذره أم لا؟ الجواب لا يجب أن يوفي به لأن نذر المباح حكمه حكم اليمين فالآن إن شاء لبس الثوب ولا عليه شيء وإن شاء لم يلبس ووجب عليه أن يُكَفِّر كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كُسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة.\n***","vol":"3","page":307},{"text":"الإسراف في مائدة الإفطار\nسؤال: الإفراط في إعداد الأطعمة للإفطار هل يقلل من ثواب الصوم؟ (١) .\nالفتوى: لا يُقَلِّل - من ثواب الصَّوم والفعل المُحرم بعد انتهاء الصوم لا يقلل من ثوابه ولكن ذلك يدخل في قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إِنه لا يحب المسرفين) [الأعراف: ٣١] .\nفالإسراف نفسه محظور والاقتصاد نصفُ المعيشة وإذا كان لديهم فضل فليتَصَدَّقوا به فإنه أفضل من الإفراط في إعداد الأطعمة.\n***\nالموت في رمضان\nسؤال: يقول الرسول - ﷺ -: \"إذَا جَاءَ رَمَضَان فتحَتْ أبْوَابُ الجَنَّة وَغُلِّقَت أبْوَابُ النار\" هل معنى ذلك أن من يموت في رمضان يدخَل الجنة بغير حساب؟ (٢) .\nالفتوى: ليس الأمر كذلك بل معنى هذا أن أبواب الجنة تُفَتَّح تنشيطًا للعاملين ليتسَنَّى لهم الدَّخول وتُغلَق أبواب النار لأجل انكفَاف أهل الإيمان عن المعاصي حتى لا يلجوا هذه الأبواب وليس معنى ذلك أن من مات في رمضان يدخل الجنة بغير حساب إنما الَّذين يدخلون الجنة بغير حساب هم الَّذين وصفهم الرسول - ﷺ - في قوله: \"هم الذين لا يَستَرقُونَ وَلا يَكتُوونَ ولاَ يَتَطَيَّرُون وَعَلَى ربِّهم يَتَوَكَلون\".\n***\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .\n(٢) المسلمون عدد (١٥) .","vol":"3","page":308},{"text":"مراتب الفرض ومراتب الفضل\nسؤال: سمعت أن الصيام مراتب فما صحة هذا القول وهل لكل منها ثواب خاص بها؟ (١) .\nالفتوى: إذا قصد بالمَرَاتب الفرض والنَّفل فهذا صحيح والفرض أفضل من النفل أما مَراتَب الفَضل والأجر عند الله باعتبار الصَّائمين فهنا يختلف اختلافًا كبيرًا بحسب ما فعله الإنسان أثناء الصّوم من التزام بالأخلاق والأداب الإسلامية وعدم الالتزام بها وبِحَسْب ما يكون في قلبه من الإخلاص.\nفوائد الصوم الاجتماعية\nسؤال: هل للصوم فائدة اجتماعية؟\nالفتوى: نعم له فوائد اجتماعية منها شُعُور النَّاس بأنهم أمة واحدة يأكلون في وقت واحد ويصومون في وقت واحد ويشعر الغني بنعمة الله ويعطف على الفقير ويقلل مزالق الشيطان لابن آدم. وفيه تقوى الله وتقوى الله تقوّي الأواصر بين أفراد المجتمع.\nعلامات ليلة القدر\nسؤال: ما هي علامات ليلة القدر؟ (٢) .\nالفتوى: من علامات ليلة القدر أنها ليلة هادئة وأن المؤمن يَنشَرحُ صدره لها، ويطمئن قلبه، وينشط في فعل الخير، وأن الشَّمس في صباحها تطلع صافية ليس لها شعاع.\n***\n_________\n(١) المسلمون عدد (١٥) .\n(٢) فتاوى الحرم (١٤٠٨ هـ) .","vol":"3","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>من فتاوى الشيخ محمد مخلوف مفتي مصر سابقًا </span>(*)\n[١] فدية الصوم عن المريض\nسؤال: \" طوخ - قليوبية\" مرض رجل بالربو وأمره الأطباء بالإفطار في رمضان في العام السابق فأفطر بعض أيامه ولما شرع في القضاء ضايقه الربو كثيرًا فلم يتم. فهل يجوز له الفطر في رمضان الآتي أو لا؟ وهل إذا أفطر يكفي أن يخرج فدية عن كل يوم أفطره؟\n(الجواب): المريض بالربو ونحوه إذا غلب على ظنه زيادة مرضه أو إبطاء برئه بأمارة أو تجربة أو إخبار طبيب مسلم حاذق، جاز له الفطر ووجب عليه قضاء ما أفطره من أيام رمضان بعد زوال العذر الذي رخص الشارع له في الفطر من أجله، ولا فدية عليه عند الحنفية خلافًا للشافعية حيث قالوا: بوجوب الفدية لكل يوم قَدَح من الحنطة مع القضاء، فان استمر العذر حتى مات المريض فلا تجب عليه الوصية بالفدية لعدم إدراكه عدة من أيام آخر. ولو مات بعد زوال العذر ولم يقض وجبت عليه الوصية بها لإدراكه عدة من أيام أخر ووجب على وليه إخراجها من ثلث مال الموصى، فإن لم يوص بها جاز لوليه التبرع بها.\nأما المرض الذي يتحقق معه اليأس من الصحة بأن فنيت قوة المريض أو أشرف على الفناء وعجز عن الصيام كالمصاب بالفالج أو السل الشديد أو السرطان أو نحو ذلك (ومنه الربو إذا ثبت أنه لا يرجى برؤه) فإنه في حكم الشيخ الفاني فيفطر وتجب عليه الفدية وهي إطعام مسكين عن كل يوم أفطره.\nفإن لم يقدر على الفدية استغفر الله تعالى والله غفور رحيم.\nويلزم المريض المسئول عنه أن يستشير الطبيب المعالج إذا كان مسلمًا حاذقًا عن أثر صومه في رمضان المقبل في صحته. فإن أخبره بأنه يفضي إلى زيادة\n_________\n(*) من كتاب \"فتاوى شرعية وبحوث إسلامية\" طبع دار الاعتصام.","vol":"3","page":310},{"text":"مرضه أو إبطاء برئه أفطر وقضى بعد زوال. وله أن يعتمد على التجربة السابقة إذا كانت قريبة العهد بحيث لا ينتظر تغير حاله في هذه المدة، والله تعالى أعلم.\n[٢] الترخيص للمريض في الفطر\nسؤال: اعتراه مرض بسبب عملية جراحية في شهر رمضان، فأفطر اثني عشر يومًا ولم يقضها إلى الآن ويريد أن يكفر عن الصوم فكيف تكون الكفارة شرعًا، وطلب الجواب قبل حلول شهر رمضان التالي؟\n(الجواب): المريض إذا غلب على ظنه بأمارة أو تجربة أو إخبار طبيب مسلم حاذق أن صومه يفضي إلى هلاكه أو زيادة مرضه أو إبطاء شفائه أو نحو ذلك جاز له الفطر في رمضان شرعًا ووجب عليه قضاء ما أفطره من رمضان في أيام أخر ولا كفارة عليه قال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) . ولا يلزم عند الحنفية أن يكون القضاء قبل رمضان التالي ولا أن تكون أيامه متتابعة بل يجوز أن تكون بعده وفي أيام متفرقة وفي ذلك تيسير وسعة، والله أعلم.\n[٣]<span data-type=\"title\" id=toc-697> خبر الطبيب غير المسلم</span>\nسؤال: شاب مرض بالسل في سنة (١٩٤٨م) واستمر في علاجه إلى سنة (١٩٥٢)، ثم خرج من المصحة ولا يزال يتردد عليها كل شهرين أو ثلاثة للاطمئنان على حالته، وقد أفطر شهر رمضان مدة المرض كلها، والطبيب المعالج له مسيحي، وأخبره بأن الصوم يضره صحيًا. فهل يقبل قوله ويؤخر القضاء إلى أن يصرح له بالصوم؟\n(الجواب): المرض من الأعذار المبيحة للفطر شرعًا. فإذا أفطر المريض فعليه القضاء بعد زوال العذر لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) . ويعتبر العذر قائمًا إذا أخبره طبيب مسلم حاذق بأنه لا يزال","vol":"3","page":311},{"text":"بحالة يضره الصوم معها، أو علم ذلك من نفسه بطريق التجربة أو بظهور أمارة تدل عليه. واشترط الحنفية في الطبيب الإسلام والحذق، ويكفي فيه أن يكون مستور الحال، وجزم الزيلعي باشتراط العدالة فيه أيضًا، وضعفه في البحر والنهر.\nوقال الطحاوي: وإذا أخذ بقول طبيب ليس فيه هذه الشروط وأفطر، فالظاهر لزوم الكفارة كما لو أفطر بدون أمارة ولا تجربة لعدم غلبة الظن والناس عنه غافلون. واشترط الشافعية في الطبيب: الإسلام والعدالة. واشترط المالكية في أن يكون مأمونًا عارفًا كما في \"الخطاب\" و\"الشرح الكبير\" ولم ينصوا على اشتراط الإسلام، وللاحتياط عند الاشتباه في قيام المرض أو زواله يلزم أن يعرض المريض نفسه على طبيب مسلم حاذق، فإن منعه من الصوم بقيام العذر امتنع وإن لم يمنعه صام، والله أعلم.\n[٤] فتوى أخرى في فدية الصيام عن الميت\nسؤال: مرضت سيدة مرضًا شديدًا في شهر رمضان فلم تستطع أن تصوم منه سوى ستة أيام، واستمر مرضها إلى أن توفيت في شهر صفر التالي له دون أن تقضي ما فاتها من أيامه، فهل يجوز لابنها أن يخرج فدية عن صوم هذه الأيام التي فاتتها؟\n(الجواب): ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي في قوله الجديد، وأحمد والليث وأبو عبيد، إلى أن الولي يطعم عن الميت في قضاء رمضان لكل يوم مسكينًا، ولا يصوم عنه، لما أخرجه عبد الرزاق عن عائشة موقوفًا أنها قالت: \"لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم\". ولما أخرجه النسائي عن ابن عباس موقوفًا أنه قال: \"لا يصوم أحد عن أحد\". ولما روى عن ابن عمر موقوفًا: \"من مات وعليه صيام شهر يطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا\" وعن عائشة قالت: \"يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام عنه\". وسئل ابن عباس عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صيام رمضان فقال: \"أما رمضان فليطعم عنه، وأما النذر فيصام عنه\".","vol":"3","page":312},{"text":"والولي هو القريب وارثا كان أو غير وارث علي ما اختاره النووي في \"شرح مسلم\". وقيل هو الوارث خاصة وقيل هو العصبة خاصة.\nوذهب الحنفية إلى أنه هو المتصرف في المال فيشمل الوصي ولو أجنبيًا كما ذكره ابن عابدين في الصوم والى أن الفدية التي يخرجها الولي عن الميت تؤخذ من ثلث مال الميت وجوبًا إن أوصي بإخراجها، وجوازا إن لم يوص، فإن تبرع بها الولي جاز، معلقا على مشيئة الله، وكان ثوابها للميت والله أعلم.\n[٥] حكم فطر الحامل والمرضع\nسؤال: هل يجوز الإفطار للحامل أو المرضع إذا خافتا من الصيام على الجنين أو الرضيع ... وهل يلزمهما القضا والفدية أو يلزمهما أحدهما؟\n(الجواب): لاخلاف في أنه يجوز للحامل الإفطار إذا خافت على الجنين، وللمرضع إذا خافت على الرضيع، لحديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله ﷿ وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم\". (رواه الخمسة)، وليس المراد من الخوف مجرد التوهم والتخيّل، بل غلبة الظن بلحوق الضرر به بأمارة أو تجربة أو إخبار طبيب مسلم حاذق، وذهب بعض الفقهاء ومنهم الإمام ابن حزم إلى وجوب الإفطار عليهما في هذه الحالة لسقوط الصوم عنهما.\nوالقائلون بجواز الفطر لهما، منهم من أوجب عليهما القضاء والفدية، وإليه ذهب سفيان ومالك والشافعي وأحمد، ومنهم من أوجب القضاء فقط، وإليه ذهب الحنفية، وهو مذهب عليّ من الصحابة والحسن من التابعين.\nوذهب إسحاق إلى أنهما يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما.\nومثلُ الخوف منهما على الجنين والرضيع، خوفُ الحامل على نفسها من المرض الذي يستتبعه الحمل، وخوف المرضع على نفسها من المرض الذي يستتبعه الرضاع إذا كان بطريق من الطرق التي ذكرناها، فيجوز لكل منهما الفطر إذا وُجد الخوف المذكور، والله أعلم.","vol":"3","page":313},{"text":"[٦] تأثير الصيام في المرضى بالقرحة\nسؤال: هل يجوز للمريض بالقرحة في المعدة -أو الاثني عشر- الفطر في رمضان؟ وهل يضره الصيام؟\n(الجواب): قُدِّم إلينا هذا السؤال من كثيرين، فرأينا أن نستفسر عن هذا المرض، وتأثير الصيام في المرضى به من العالم الحجة الدكتور سليمان عزمي \"باشا\" الأستاذ بكلية الطب سابقًا، فتفضل سعادته بالبيان التالي:\n\"ومن المشاهدات الثابتة لدى الأطباء أن الجوع ضار بمن يشكو من القرحة في المعدة أو الاثني عشر؛ لأنه يحدث للمريض ألمّا يختلف في شدته، وقد يؤدي إلى مضاعفات تختلف في خطورتها\".\nفمن المعروف عن أعراض هذا المرض، أن حموضة المعدة تتزايد بعض الطعام، وتبلغ قمتها بعد ساعتين إلى أربع ساعات من تناوله، وفي هذه الفترة التي تبلغ فيها الحموضة زيادتها، يشعر المريض بألم شديد في معدته.\nومن أهم مسكِّنات هذا الألم، ما عرفه المرضى بالإحساس والمشاهدة، وما عرفه الطب بالخبرة والتجربة.\nفأما ما عرفه المرضى بالمشاهدة، فهو أن الألم يكون في شدته أثناء الجوع وتخف حدته بل تزول بعد تناول الطعام لتعود ثانية في دورتها الآخذة في الازدياد.\nوأما معرفة الأطباء بالخبرة فهو وصف الأدوية التي تهبط إفراز المعدة حتى لا يزيد إفرازها ولا تزيد حموضتها، وتعطي هذه عادة قبل الطعام.\nكذلك تعطي له الأدوية التي تعادل الحموضة وهي المعروفة عند الأطباء بالقلويات أو ما شابهها من الأدوية المستحدثة، التي لها نفس هذه الخاصية لأنها تتحد مع الأحماض فتقلل الحموضة فيخف الألم، وهي تعطي عادة بعد الطعام بساعة أو ساعتين.\nومن القواعد الأساسية للعلاج المسلَّم بها من أخصائي الأمراض الباطنية والتي تحتمها المشاهدات، إعطاء الغذاء لتفادي الجوع بكميات صغيرة على فترات","vol":"3","page":314},{"text":"منظمة، متقاربة بحيث تكون الفترة بين الوجبات أربع ساعات، وعلى أن تكون من الأطعمة المسموح بها لهذا المرض.\nكذلك استعمال الدواء لابد أن يكون على فترات مثل هذه الفترات، منها ما هو قبل الأكل ومنها ما هو بعده بساعة أو ساعتين.\nوعليه نرى من طبيعة العلاج في حد ذاته أن الإفطار محتم، وأن الصيام ضار، سواء أكان لراحة المريض وتخفيف آلامه أم لنظام العلاج وشفاء المرضى.\nولا أعرف دواء في تهبيط الإفراز أو تخفيف الحموضة أو تعادلها يستمر مفعولة مدة تقارب مدة الصيام.\nويفهم بالبديهة أن امتلاء المعدة بعد الجوع الشديد بالغذاء أو بالماء ضار أيما ضرر بالمعدات المريضة خصوصًا المصابة بالقرحة، ولذلك ينصح الطب دائمًا هؤلاء المرضى، بتقليل كميات الطعام وتقريب فتراته على النحو الذي بيناه، كما ينصح بتقليل كميات الطعام للأصحاء عمومًا محافظة على سلامة معداتهم وعدم إصابتها بالأمراض، ومن مبادئ الطب الحديث: \"عالج صحتك بوسائل المحافظة عليها، ولا تنتظر أن تمرض فتعالج لتستردها\".\nهذا ما قاله الطبيب الحجة الثقة في تأثير الصوم في المريض بهذه القرحة، وقد نص الحنفية كما في البدائع على أن المرض المرخص في الفطر هو الذي يخاف أن يزداد بالصوم، وعلى أن المرض يوجب الفطر إذا خيف منه الهلاك، وإلقاء النفس إلى التهلكة حرام، ومن أفطر لهذا العذر وجب عليه القضاء بعد زواله. قال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) .\nوالله أعلم.\n***\n[٧] حكم فطر صوم رمضان للمرضى بالبول السكري\nسؤال: هل مرض البول السكري يبيح الفطر للمريض في كل أحواله؟\n(الجواب): فرض الله تعالى الصوم على الصحيح المقيم، ورخص","vol":"3","page":315},{"text":"للمريض أن يفطر إذا أجهده المرض بقوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) . فليس كل مرض يبيح الفطر عند جمهور الأئمة، والمرجع في بيان ما يبيحه، وما لا يبيحه إلى رأي الطبيب المسلم الحاذق، أو إلى التجربة الصادقة، أو دلالة الحال كما نص عليه الفقهاء.\nومرض البول السكري تختلف حالاته، وقد رأيت للإجابة عن هذا السؤال أن أستطلع رأي الفاضل الثقة (الدكتور محمد ناجي المحلاوي) الطبيب الاخصائي الأستاذ للأمراض الباطنية بكلية الطب بالجامعة فأجاب بما يأتي: يظهر السكر في البول، في حالات مختلفة نجملها بما يلي:\nأولا: قد يظهر السكر في البول بدون ارتفاع نسبته في الدم بسبب خلل خلقي في الكُلى، وقد ينشأ عنه انخفاض نسبة السكر في الدم عن المعدل الطبيعي للجسم. وعند ذلك يجب الإفطار، حتى يمكن تعويض الجسم عما يفقده من السكر الذي تفرزه الكلى في البول، وإلا نتج عن الصيام نقص كبير في كمية السكر في الدم، تظهر آثاره في علامات مرضية شديدة منها الرعشة وتهييج الأعصاب والقيء والعرق الغزير، واضطراب التفكير، بل قد تشبه في بعض الأحيان، تأثير الخمر في حالات السكر البين.\nثانيًا: قد يظهر السكر في البول عند بعض السيدات أثناء الرضاعة، وهذه حالة ليست مرضية، وحكم الإفطار فيها هو نفس حكم إفطار المرضع بوجه عام.\nثالثًا: وقد يحدث مرض البول السكري نتيجة لخلل في تمثيل المواد السكرية والنشوية (أي قدرة الأنسجة على استعمالها في عمليات الاحتراق) ويعزي هذا الخلل في الأغلب إلى نقص مادة الأنسولين في الجسم. وهي المادة التي تفرزها غدة البنكرياس، وهذا هو المرض المشهور \"بالسكر\"، وهو يظهر في درجات تتفاوت تفاوتا كبيرًا في الخفة والشدة.\nفهناك حالات خفيفة لا يكاد يظهر فيها السكر في البول، إلا بكمية قليلة وفي فترات قصيرة.\nوهذه الحالات لا يضرها الصيام بل قد يفيدها وخصوصًا إذا كان المريض بدينًا (سمينًا) .","vol":"3","page":316},{"text":"أما في الحالات الشديدة حيث يبلغ ارتفاع نسبة السكر في الدم مبلغًا كبيرًا. وحيث يظهر السكر بكميات كبيرة في البول باستمرار فإن الفطر ضروري؛ لأن الجسم لا غنى له عن التغذية المستمرة المنظمة، لتوفير المواد السكرية اللازمة لعمليات الاحتراق المستمرة في الأنسجة، مع إعطاء كميات الأنسولين اللازمة.\nويضاف إلى ذلك أن المريض في هذه الحالات يفرز كميات كبيرة جدًا من البول، فيفقد بذلك كميات كبيرة من الماء، يجب تعويضها بالشرب، وإذا صام المريض فيها فإن الأنسجة تلجأ إلى المواد الدهنية المخزونة، وقد ينتج عن ذلك تراكم بقايا تمثيل هذه المواد إلى درجة كبيرة، قد تسبب تسمم الجسم بهذه المواد، وقد تصل إلى درجة الغيبوبة المعروفة (بالكوما) .\nوفيما بين الحالات الخفيفة والحالات الشديدة التي ذكرناها حالات متوسطة يختلف حكمها من حيث الإفطار، فيترك للطبيب المعالج تقديرها وإبداء الرأي فيها\".\n(دكتور محمد ناجي المحلاوي)\nفعلى المسلم الذي يريد الخروج من العهدة والتحري في أمر الدين إذا أصيب بمرض السكر أن يعرض نفسه على طبيب مسلم حاذق موثوق به في دينه لفحصه والوقوف على درجة مرضه بواسطة تحليل البول أو الدم أو هما، وبيان أثر الصوم في حالته، فقد يخبره بوجوب الفطر حتى لا يلقي بنفسه إلى التهلكة فيتبع رأيه، وقد يخبره، بوجوب الصوم، والله أعلم.\n***\n[٨] الحقنة الشرجية في رمضان مفطرة\nسؤال: هل الحقنة الشرجية مفطرة للصائم؟\n(الجواب): الحقن في الشرج هو إدخال أي مادة سائلة من فتحة الشرج إلى الأمعاء الغليظة، إما بقصد طرد الفضلات وهي التي يستعمل فيها عادة البايونج أو الماء والصابون ونحوه مما لا يمكث في الأمعاء إلا يسيرًا ثم يقذف مع الفضلات من هذه الفتحة، وإما بقصد إمداد الجسم بالغذاء أو الدواء أو السائل","vol":"3","page":317},{"text":"في الحالات المرضية التي يتعذر فيها إعطاء هذه المواد من طريق الفم أو حقنها في الوريد أو العضل أو تحت الجلد، وفي هذه الحالات تترك هذه المواد حتى تمتص، هذا ما قاله الأطباء الحاذقون.\nوكيفما كان فإدخال هذه المواد السائلة من فتحة الشرج إلى الأمعاء مفطر شرعًا باتفاق الأئمة في المذاهب الأربعة (١)، إذ الأمعاء من الجوف كالمعدة وسائر الجهاز الهضمي، وما يدخل فيه -اختيارًا- مفطر، لحديث: \"الفطر مما دخل\"، رواه أبو يعلى في \"مسنده\" مرفوعًا عن عائشة، وذكره البخاري تعليقًا فقال: وقال ابن عباس وعكرمة: الفطر مما دخل وليس مما خرج، والمراد الدخول من المنافذ المعروفة بدلالة العرف.\nوقد نص الحنفية على أن من احتقن أفطر ووجب عليه القضاء ولا كفارة عليه في الأصح، وفسروا الاحتقان بصب الدواء في الدبر بواسطة الحقنة، وبمثله قال الحنابلة كما في \"المغني\"، والشافعية كما في \"المجموع\"، والمالكية كما في \"الشرح الكبير\" (وإن خالفوا الطب بقولهم إن السائل يصل بالحقنة الشرجية إلى المعدة) .\nوفي \"المجموع\" للنووي أن هذه الحقنة مفطرة على المذهب سواء كانت قليلة أو كثيرة وسواء وصلت إلى المعدة أم لا، وبه قطع الجمهور ونقله ابن المنذر عن عطاء والثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وحكاه العبدري وسائر الأصحاب عن مالك، ونقله المتولي عن عامة العلماء (٢) والله أعلم.\n***\n_________\n(١) يراجع قول شيخ الإسلام ابن تيمة عن الحقنة الشرجية وفتوى الشيخ ابن عثمين، والأولى: الترك. خروجًا من خلاف العلماء.\n(٢) وخالف ابن حزم فقال: إن ما يدخل إلى الجوف من الدبر أو الإحليل أو الأذان أو العين أو الأنف أو من جرح في البطن أو في الرأس لا يفطر، وقال: إننا ما نهينا عن أن نوصل إلى الجوف بغير الأكل والشرب ما لم يحرم علينا إيصاله (راجع \"المحلى\" (ص ٢١٤ جـ ٦) وعليه فالحقن بجميع أنواعها لا تفطر، والمعول عليه قول الجمهور.","vol":"3","page":318},{"text":"[٩] شرب الدخان في نهار رمضان مفطر\nسؤال: هل شرب الدخان المعروف مفسد للصوم شرعًا؟\n(الجواب): نص الحنفية على أن الدخان عامة إذا دخل حلق الصائم بدون صنع منه، لا يفسد صومه لعدم إمكان التحرز عنه، فصار كالبلل يبقى في الفم بعد المضمضة لعدم القدرة على الامتناع عنه.\nوأما إذا أدخله حلقه بصنعه وإرادته أيًا كان الدخان، وبأي صورة كان إدخاله، وهو متذكر صومه، فإن صومه يفسد شرعًا لإمكان التحرز عنه.\nوقد فرع العلامة الشرنبلالي على ذلك حكم شرب الدخان المعروف كما في \"إمداد الفتاح\" وشرحه على الوهبانية فقال: بلزوم الكفارة مع القضاء في حالة فساد الصوم، وهي الحالة الثانية المذكورة بناء على الأصح في وجوب الكفارة بتناول ما يميل إليه الطبع، وتنقضي به شهوة البطن.\nوتابعه العلامة ابن عابدين في حاشية الدر، ولا شك أن الدخان المعروف من أشد ما تستدعيه الشهوة وتميل إليه نفوس شاربيه، حتى إن أكثرهم يصبر على الجوع والظمأ الشديدين، ولا يكاد يصبر على تركه، ففي شربه في نهار رمضان عمدًا القضاء والكفارة على الأصح، والله أعلم.\n***\n[١٠] قضاء الصوم\nسؤال: من (لبنان - حمانا) رجل ترك صيام رمضان ثلاث سنوات لإصابته خلال هذه المدة بمرض السل، ثم من الله عليه بالشفاء، ولكنه فوجىء بمنعه من الصوم ثلاث سنوات أخرى بعد التقرير الطبي عن حالته الصحية فمذا يفعل تجاه ما فاته من أيام رمضان وتجاه المستقبل؟\n(الجواب): لا شك أن هذا الرجل في المدة الأولى معذور في الفطر بعذر المرض، وكذلك في المدة الثانية لقول الأطباء إن الصوم يضره صحيًا فيها فهو معذور أيضًا متى كان الأطباء مسلمون حاذقين مأمونين.","vol":"3","page":319},{"text":"ومن ترك الصوم في رمضان لعذر المرض لا يجب عليه القضاء حتى يقدر عليه فيدرك عدة من أيام أخر. فإذا لم يقض بعد زوال العذر والقدرة على الصوم حتي شارف الموت، وجب عليه الوصية بالفدية بقدر ما أدرك من الأيام الأخر إذا كان له مال، ووجب على وليه الذي له حق التصرف في ماله إخراج الفدية عنه من ثلث ماله الباقي بعد التجهيز ووفاء الديون بدون توقف على إجازة الورثة، ولو زادت الفدية عن الثلث لا يجب الزائد إلا بإجازة الورثة.\nوإن لم يوص بالفدية قبل موته جاز أن يتبرع عنه وليه بالفدية، ويرجى قبولها بمشيئة الله تعالى فتسقط عنه المطالبة بالصوم في الآخرة وإن بقى عليه الإثم للتأخير بدون عذر كما لو كان عليه دين لإنسان وماطله، حتى مات فأوفاه عنه وصيُّه أو غيره.\nوأما إذا استمر العذر حتى مات بدون قضاء ما فاته فإنه لا تجب عليه الوصية بالفدية لعدم إدراكه عدة من أيام أخر.\n(والخلاصة) أن هذا الرجل لا يلزمه الصوم في المدة الثانية ما دام الأطباء الأمناء الحذاق قد قرروا أنه يضره في صحته، وينظر في أمر القضاء بعد زوال العذر على حسب ما بيناه، والله أعلم.\n***\n[١١]<span data-type=\"title\" id=toc-698> صيام رمضان في شمال أوربا</span>\nسؤال: تلقى فضيلة المفتي استفتاء من أعضاء البعثات المصرية، عن حكم الشريعة الغراء في صيام رمضان للمسلمين المقيمين في شمال أوربا، حيث تبلغ مدة صوم اليوم فيه ١٩ ساعة، وقد تزيد إلى ٢٢ ساعة أو أكثر، فأرسل فضيلته إليهم بالطائرة الفتوى الآتي نصها، ومهَّد فيها بما يحبب لهم الصلاة والصوم خوفًا عليهم من الافتتان في هذه البلاد.\n(الجواب): إن التشريع الإسلامي في العبادات قد بني على توثيق الصلات بين العبد وربه، وحسن قيام العباد بحق الله تعالى الذي أفاض عليهم نعمة الوجود، ومن عليهم بالفضل والجود والخير والإحسانه: (وإِن تعدوا نعمة","vol":"3","page":320},{"text":"الله لا تحصوها) . فهي تربية وتهذيب، ونظام وإصلاح يرقى بالفرد والمجتمع إلى مراقي السعادة والفلاح.\nورأسها وعمادها الصلاة، وهي مناجاة بالقلب واللسان بين العبد ومولاه يشهد فيها العبد افتقاره لخالقه، وإحسان الخالق إليه مع استغنائه عنه، ويعلم عن يقين أن الأمر كله لله، وأن لا معبود بحق سواه، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.\nومن أهمها الصيام وهو رياضة روحية تُعِدُّ النفوس البشرية للسمو إلى معارج الكمال، والتحليق في أجواء العلم والعرفان وتُعوِّدها الصبر والثبات والقوة والعزة، وتصفِّيها من شوائب المادية وعوائق الجسمية، وتبغِّض إليها المآثم والمنكرات، وتحبِّب إليها الفضائل والمكرمات.\nوقد بنى تشريع الصوم كما بنى التشريع الإسلامي عامة على السماحة والتيسير والطاقة والرفق بالناس، فلم يكن فيه إعنات ولا إرهاق، ولم يكن فيه حرج ولا عسر - قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) . وقال في الصوم: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) . وقال ﵊: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا به ما استطعتم\" وفي الحديث الصحيح: \"سددوا وقاربوا\".\nهذه السماحة، وهذا اليسر، قد ظهر جليا في فريضة الصوم، في الترخيص بالفطر للمسافر ولو كان صحيحًا، لما يلازم السفر غالبًا من المشقات والمتاعب، وللمريض لضعف احتماله وحاجته إلى الغذاء والدواء، حتى لا تتفاقم علته أو يبطىء برؤه، ولمن ماثلهما في الضرورة والاحتياج إلى الفطر، كالحامل التي تخاف على نفسها أو جنينها المرض أو الضعف، والمرضع التي تخشى ذلك على نفسها أو رضيعها، والطاعن في السن الذي لا يقدر على الصوم. فأباح الإسلام لهؤلاء فطر رمضان على أن يقضي كل من المسافر","vol":"3","page":321},{"text":"والمريض والحامل والمرضع ما أفطره في أيام أخر خالية من الأعذار، وعلى أن يخرج الشيخ الفاني فدية الصوم عن كل يوم أفطره حسبما بين في الفقه.\nوالصوم الشرعي يبتدئ من طلوع الفجر وينتهي بغروب الشمس كل يوم، فتختلف مدته باختلاف عروض البلاد، وكيفما كانت المدة فإن مجرد طولها لا يعدُّ عذرًا شرعيًا يبيح الفطر، وإنما يباح الفطر إذا غلب على ظن الإنسان بأمارة ظهرت أو تجربة وقعت أو بإخبار طبيب حاذق أن صومه هذه المدة يفضي إلى مرضه أو إلى إعياء شديد يضره، كما صرح به أئمة الحنفية، فيكون حكمه حكم المريض الذي يخشى التلف أو أن يزيد مرضه أو يبطئ شفاؤه إذا صام.\nهذا هو المبدأ العام في رخصة الفطر وفي التيسير على المكلفين. وكل امرئ بصير بنفسه، عليم بحقيقة أمره، يعرف مكانها من حِلِّ الفطر وحرمته.\nفإذا كان صومه المدة الطويلة يؤدي إلى إصابته بمرض أو ضعف أو إعياء يقينًا أو في غالب الظن بإحدى الوسائل العلمية التي أومأنا إليها، حل له الترخص بالفطر، وإذا كان لا يؤدي إلى ذلك حرم عليه الفطر. والناس في ذلك مختلفون ولكل حالة حكمها \"والله يعلم السر وأخفى\" والله أعلم.\n***\nسؤال: سألت طبيبًا فاضلًا فأْخبرني بأن انقطاع النزيف من الأنف لا يتوقف على الاستلقاء على الظهر، بل يمكن قطعه باستنشاق الماء البارد في الوضع العادي بدون الاستلقاء، فلا ضرورة تدعو الصائم إلى الاستلقاء وقت النزف حتى ينصب الدم في حلقه فيفطر بابتلاعه.\n(الجواب): لذلك نفتي السائل بأنه ما دام في الإمكان علاج النزف باستنشاق الماء البارد، لا يجوز الالتجاء إلى الاستلقاء الذي يفضي إلى الإفطار، فإذا تفاقم الأمر وقرر طبيب حاذق ضرورة اتخاذ وسيلة أخرى للعلاج والإنقاذ تؤدي إلى الإفطار، كان هذا الصائم من أرباب الأعذار، فيفطر وعليه القضاء والله أعلم.\n***","vol":"3","page":322},{"text":"[١٢] العجز عن الصوم وحكمه\nسؤال: شخص اضطره المرض إلى فطر أيام من رمضان فما هو الواجب عليه شرعًا؟\n(الجواب): مذهب الحنفية أن المريض الذي رخص له الشارع في الفطر، يجب عليه قضاء ما أفطره من أيام رمضان بعد زوال العذر، لقوله تعالى: (ومن كان مريضًا أو على سفر فعدَّة من أيام أخر) ولا فدية عليه، خلافًا للشافعية حيث قالوا بوجوب القضاء والفدية لكل يوم مُدٌ من حنطة.\nفإن استمر مرضه إلى أن مات لم يلزمه القضاء ولم يجب عليه الإيصاء بالفدية لأن وجوبه فرع وجوب القضاء.\nفإذا زال العذر، ولم يقض ما فاته مع القدرة حتى شارف الموت، وجب عليه الإيصاء بالفدية من ثلث ماله، فإن أوصى - وجب على وليه أن يفدي عنه بعد موته عن كل يوم مثل فطرة الصوم (عن كل يوم نصف صاع من بُرَّ أوَ صاع من تمر أو شعير أو قيمة ذلك عند الحنفية) .\nوإن لم يوص وتبرع عنه وليه بالفدية جاز وسقط عن الفرض، وإن بقى عليه إثم تأخيره كما لو كان على الميت دين، وماطل فيه حتى مات فأوفاه عنه وليه، فإنه يسقط عنه الدين، ولكن يبقى عليه إثم المماطلة والتأخير.\nصوم الولي عن الميت:\nوهل يصح صوم الوليِّ عن الميت؟ اختلف الفقهاء في ذلك.\n١- فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي في قوله الجديد، إلى أن الولي لا يصوم عن الميت بل يطعم عنه لكل يوم مسكينًا لما أخرجه النسائي عن ابن عباس موقوفًا: \"لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد\" ولما أخرجه عبد الرزاق عن عائشة موقوفًا: \"لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم\".\n(ولا يقال) قد جاء في \"الصحيحين\" عن ابن عباس أنه قال: \"جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر","vol":"3","page":323},{"text":"أفأقضيه عنها. فقال: \"لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ \" قال: نعم قال: \"فدين الله أحق أن يقضى\".\nوعن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\".\n(لأنا نقول): إن هذا منسوخ لأن فتوى الراوي بخلاف مرويه بمنزلة رواية الناسخ.\nهذا ما قالوه، وقد رده الشوكاني في \"نيل الأوطار\"، بأن الحق اعتبار ما رواه الصحابي دون ما رآه، وما ورد مرفوعًا في الباب يردّ ذلك كله.\n٢- وذهب أحمد والليث وأبو عبيد إلى أن الولي لا يصوم عن الميت في قضاء رمضان، وأما في قضاء النذر فيصوم عنه.\n٣- وذهب ابن حزم إلى أن الولي يصوم عن الميت وجوبا أي صوم كان نذرًا أو غيره.\n٤- وذهب الجمهور ومنهم الشافعي في القديم إلى أن الولي يصوم استحبابًا عن الميت.\nوقال النووي: إنه المختار من قول الشافعي، وقال به طاووس، والحسن والزهري وقتادة وأبو ثور والأوزاعي، وإليه ذهب أصحاب الحديث. وقال البيهقي: هذه سنة ثابتة لا أعلم في صحتها خلافًا بين أصحاب الحديث.\nمن هو الوليُّ:\nوقد اختلف الفقهاء في المراد بالولي؛ فاختار النووي أنه القريب واراثًا أو غير وارث، وقيل هو الوارث خاصة، وقيل هو العصبة، وذهب الحنفية إلى أنه المتصرف في المال، فيشمل الوصي ولو أجنبيًا، كما ذكره ابن عابدين في الصوم.\nجعل ثوب الصوم للميت:\nومع أن الحنفية قد ذهبوا إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد أخذًا من حديث ابن عباس، إلا أنهم قالوا: إن للوليِّ وغيره أن يجعل ثواب صومه وصلاته","vol":"3","page":324},{"text":"للميت تبرعًا بمثابة الصدقة، لما صرح به في الهداية من أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره، صلاة أو صومًا أو صدقة أو حجًا أو غيره.\nوفي \"البدائع\" إن قوله ﵊: \"لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد\" إنما هو في حق الخروج عن العهدة لا في حق الثواب.\nفإن من صام أو صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات أو الأحياء جاز، ويصل الثواب إليهم عند أهل السنة والجماعة.\nوقد بينا ذلك تفصيلًا في فتوانا المسجلة بدار إفتاء الديار المصرية بتاريخ ١٤ أغسطسى سنة (١٩٤٧م) برقم (٣٧٧)، مع تذييلها بتعليقات هامة وأسانيد شرعية وطبعت بمفردها في أغسطس سنة (١٩٤٧م) .\nالمريض الفاني:\nوينبغي أن يُعلم -تتمة لهذا البحث- أن المريض الذي تحقق اليأس من صحته، أو الذي تتناقص -صحته- في كل يوم إلى أن - يموت، وهو المسمى (بالشيخ الفاني) لنفاء قوته، أو لإشرافه على الفناء حتى عجز عن الصوم يرخَّص له فطر رمضان وتجب عليه الفدية عن كل يوم أفطره لو كان موسرًا ويخير بين دفعها في أول الشهر أو في آخره، ولا يجب عليه القضاء، ولكنه إذا قدر على الصوم بعد أن أخرج الفدية وجب عليه قضاء ما أفطره، إذ الفدية خلف عن الصوم المعجوز عنه لا غير، ومن هذا يتبين ما يجب على المريض في كل حال، والله أعلم بالصواب.\n[١٣] هل وضع مرهم البواسير يفطر\nسؤال: رجل مصاب بالبواسير ولابدَّ له حين قضاء الحاجة من إدخال أصبعه في الموضع المعروف للتنظيف والتسوك بالمرهم الموصوف فهل ذلك يفسد صومه وهل يباح له الفطر لذلك شرعًا؟\n(الجواب): قد نص الحنفية على أن إدخال الأصبع في هذا الموضع مبتلة","vol":"3","page":325},{"text":"يفسد الصوم فإذا لم يكن لهذا المريض بُدُّ من إجراء ما ذكر في وقت الصوم كان من أرباب الأعذار المبيحة للفطر وعليه القضاء بعد البراء. والله أعلم (١) .\n[١٤] صوم رمضان\nسؤال: في الأقطار التي لا تطلع فيها الشمس أشهرًا أو يطول النهار فيها كثيرًا.\nتقيم كريمتي وزوجها الآن في ألمانيا، وقد كتبت إلي تستفهم عن الواجب عليها وعلى المسلمين هناك في شهر رمضان بالنسبة إلى الصيام، حيث تقول: إن الشمس تستمر طالعة ٢٠ ساعة وتختفي أربع ساعات، فهل يلزمهم الصيام قبل طلوع الشمس بساعة ونصف وهو وقت طلوع الفجر وعلى ذلك فيصومون إحدى وعشرين ساعة ونصف، ويفطرون ساعتين ونصفا أم ماذا؟ وما حكم الصلاة أيضًا في هذه البلاد، وكذلك في البلاد التي تستمر فيها الشمس طالعة نحو ستة أشهر وتغيب نحو ستة أشهر. هذا يا صاحب الفضيلة ما نريد الاستفهام عنه فلعلنا نظفر في وقت قريب بما يزيل العقبات عن المقيمين في تلك البلاد ببيان حكم الله تعالى تيسيرًا عليهم وتبيانًا لسماحة الدين الحنيف.\n(الجواب): اطلعنا على السؤال - ونفيد: بأنه فيما يختص بالبلاد التي تغيب فيها الشمس ستة أشهر أو نحو ذلك. اختلف الفقهاء في وجوب الصلاة على المقيمين بها وعدم وجوبها، فقال بعضهم: لا تجب عليهم الصلاة لعدم وجود السبب وهو الوقت. وقال بعضهم تجب عليهم الصلاة وعليهم أن يقدروا لها أوقاتها بالقياس على أقرب البلاد التي تطلع فيها الشمس وتغرب كل يوم، والقول الأخير قول الشافعية وهو قول مصحح عند الحنفية وهو الذي اخترناه للفتوى مراعاة لحكمة تشريع الصلاة.\nوفيما يختص بصوم أهل هذه البلاد. فإنه واجبٌ عليهم، وعليهم أن\n_________\n(١) ينظر ما سبق من الفتاوى.","vol":"3","page":326},{"text":"يتحروا عن دخول شهر رمضان وعن مدة الصيام فيه بالقياس على أقرب البلاد التي شهد أهلها الشهر وعرفوا وقت الإمساك والإفطار فيه، وهو كذلك مذهب الشافعية الذي اخترناه للفتوى.\nوأما البلاد التي تطلع فيها الشمس وتغرب كل يوم إلا أن مدة طلوعها تبلغ نحو عشرين ساعة، فبالنسبة للصلاة يجب عليهم أداؤها في أوقاتها لتميزها تميزًا ظاهرًا - وبالنسبة للصوم يجب عليهم الصوم في رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هناك، إلا إذا أدى الصوم إلى الضرر بالصائم وخاف من طول مدة الصوم الهلاك أو المرض الشديد، فحينئذ يرخص له الفطر، ولا يعتبر في ذلك مجرد الوهم والخيال وإنما المعتبر غلبة الظن بواسطة الأمارات أو التجربة أو إخبار الطبيب الحاذق بأن الصوم يفضي إلى الهلاك أو المرض الشديد أو زيادة المرض أو بطء البرء، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص فلكل شخص حالة خاصة. وعلى من أفطر في كل هذه الأحوال قضاء ما أفطره بعد زوال العذر الذي رخص له من أجله الفطُر، والله تعالى أعلم (١) .\nحمل المأموم للمصحف في صلاة التراويح\nسُئل عن حمل المأموم للمصحف في صلاة التراويح؟\nوأجاب فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظة الله- بقوله:\n\"لا أعلم لهذا أصلًا والأظهر: أن يخشع ويطمئن ولا يأخذ مصحفًا بل يضع يمينه على شماله كما هي السنة: (يضع يده اليمنى على كفه اليسرى الرسغ والساعد ويضعهما على صدره) هذا هو الأرجح والأفضل وأخذ المصحف يشغله عن هذه السنن، ثم قد يشغل قلبه وبصره في مراجعة الصفحات والآيات عن سماع الإمام، فالذي أرى أن - ترك ذلك هو السنة وأن يستمع وينصت ولا\n_________\n(١) من كتاب \"فتاوى شرعية وبحوث إسلامية\" طبع دار الاعتصام.","vol":"3","page":327},{"text":"يستعمل المصحف فإن كان عنده علم فتح على إمامه وإلا فتح غيره من الناس، ثم لو قُدر أن الإمام غلط ولم يفتح عليه ما ضر ذلك في غير الفاتحة إنما يضر في الفاتحة خاصة لأن الفاتحة ركن لابد منها أما لو ترك بعض الآيات من غير الفاتحة ما ضره ذلك إذا لم يكن وراءه من ينبهه ولو كان واحد يحمل المصحف ويفتح على الإمام عند الحاحة فلعل هذا لا بأس به أما أنَّ كل واحد يأخذ مصحفا فهذا خلاف السنة\" (١) . أ. هـ.\n***\n_________\n(١) مجلة التوحيد السنة الثانية والعشرون العدد التاسع.","vol":"3","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>الباب الثاني والعشرون\nالصوم ورمضان في واحة الشعر</span>\nزاد بزاد وياشتان بينهما ... من ذاق طعم شراب القوم يشريه","vol":"3","page":329},{"text":"يقول مصطفى الصادق الرافعي - أديب الإسلام:\nفديتك زائرًا في كل عام ... تحيا بالسلامة والسلام\nوتقبل كالغمام يفيض حينا ... ويبقى بعده أثر الغمام\nوكم في الناس من كلف مشوق ... إليك وكم شجيّ مستهام\nرمزت له بألحاظ الليالي ... وقد عيّ الزمان عن الكلام\nفَظل يَعَدّ يَوَمًا بْعد يَوَمًا ... كما اعتادوا لأيام السقام\nومد له رواق الليل ظلا ... ترف عليه أجنحة الظلام\nفبات وملء عينيه منام ... لتنفض عنهما كسل المنام\nولم أر قبل حبك من حبيب ... كفى العشاق لوعات الغرام\nفلو تدري العوالم ما درينا ... لحنت للصلاة وللصيام\nبني الإسلام هذا خير ضيف ... إذ غشي الكريم ذرا الكرام (١)\nيلمكم على خير السجايا ... ويجمعكم على الهمم العظام\nفشدوا فيه أيديكم بعزم ... كما شد الكمى على الحسام\nوقوموا في لياليه الغوالي ... فما عاجت عليكم للمقام\nوكم نفر تغرهم الليالي ... وما خلقوا ولا هي للدوام\nوخلوا عادة السفهاء عنكم ... فتلك عوائد القوم اللئام\nيحلون الحرام إذا أرادوا ... وقد بان الحلال من الحرام\nوما كل الأنام ذوي عقول ... إذا عدوا البهائم في الأنام\nومن روّته مرضعة المعاصي ... فقد جاءته أيام الفطام (٢)\n_________\n(١) الذرا: بفتح الذال: المنزل والستر.\n(٢) ديوان مصطفى صادق الرافعي (٣١) .","vol":"3","page":331},{"text":"رمضان (*) (* *)\nالخيرُ باد فيك والإحسانُ ... والذّكرُ والقرآن يا رمضانُ\nوالصوم فيك عبادةٌ ورياضة ... تسموا بها الأرواحُ والأبدانُ\nوالشرُّ فيك مكبّلٌ ومغلل ... والبرُّ فيكَ مجلل هتانُ\nواللَّيل فيك نسائمٌ هفهافة ... رَقصت لطيب عبيرها الرهبانُ\nوالفجرُ فيك عبادةٌ وتلاوةٌ ... والصبُّح فيك سعاية وأمانٌ\nوالرُّوح فيكَ طليقة رفرافة ... أحلامُها الغفرانُ والرِّضوانُ\nوالجسمُ فيك حبيسةٌ أطماعه ... لا يستريحُ إذا سما الوجدانُ\nوالناس فيك تآلفٌ قد ضمَّهم ... وأظَّلهم ظلُّ الهُدى الفينانُ\nفكأنَّهم جسمٌ يئنُّ إذا اشتكَى ... عضوٌ به وكأنَّه بنيانُ\nبالصبر جئت وبالهُدى وكلاهُما ... زادُ الشهيد إذا خلا الميدانُ\nذكراكَ هذِي والزَّمان زمانٌ ... والمسلمون تآذر إخوانُ\nوالحاكمونَ منفَّذون شريعة ... وضع الإله يحثهم إذعانُ\nوالعابدون الراكعون تسابقوا ... يحدو بهم نحو الصلاة أذان\nلم يبق فيك اليوم غيرُ مظاهر ... وموائد بالمشتهى تزدانُ\nومآذنٌ تهفوا البطون لصوتها ... وتصايح تجري به الصبيانُ\nوتكاسلٌ طول النهار وسهرةٌ ... رقص بها غمزت به الألحانُ\nأيريد أهل الشرك هجرة شرعنا ... لتُمجِّد الأصنامُ والأوثانُ\n_________\n(*) \"الاعتصام\" العدد الثالث السنة السادسة والعشرون رمضان (١٣٨٣ يناير ١٩٦٤م) .\n(* *) للشاعر محمود عواد - دار الوفاء للطباعة والنشر.","vol":"3","page":332},{"text":"لا غير شرع الله يجمعُ شملنا ... مهما أشار بحقِّه المجَّانُ\nما وحد الأوطان غير محمدٍ ... ما ضمَّهما عدنانُ أو قطحانُ\nجمع الشَّتيت فكان أكرم أمةٍ ... فخرت بمجد رقِّيها الأزمانُ\nأنسيت دنيا العزِّ يوم تجمَّعت ... فيك الرَّجالُ وكلُّهم ألوانُ\nفصهيبٌ ابن الروم جنب محمد ... والفارسُّ المهتدي سلمانُ\nوبلالُ فوق البيت يهتف للورى ... في الحقِّ لا أسياد أو عبدانُ\nيومًا غَزانا الكُفر تحت صليبه ... أجنادُه الأسبانُ والطليانُ\nفالدِّين جمَّعها لأكبر نجدة ... لا الحربُ جمعها ولا الطُّغيانُ\nإن تسأل الآثارَ فهي مجيبةٌ ... أو تسأل الأخبارَ فهي لسانُ\nمناجاة (*)\nقِفي ها هُنا في رحابِ الهُدَى ... ولله يا نفسُ فاسْتَسْلِمي\nأطَل عَلى النّاسِ شَهْرُ الصَّيام ... فبُشْراكِ بالوافِدِ المُكْرم\nهَلُمّي هَلُمّي بهِ نَحْتَفي ... ونُعْلِنُ عَنْ فرحَةِ المَقْدَم\nأعيذُكِ مِنْ نَزَغاتِ الهوَى ... وفي مَوْسِم الخِصْبِ أنْ تُحرَمي\nعلى عَتَباتِ الرّضا والسّلام ... أَطيلي الوُقوفَ ولا تَسْأَمي\nفإنْ جادَ بالعَفْوِ رَبُّ السمَّاءِ ... فحسْبُكِ ذلكَ مِنْ مَغْنَم\nوحسبُكِ أَنّا عَفَرْنا الجَبينَ ... لدَيهِ وفي حِصْنِهِ نَحْتَمِي\n***\n_________\n(*) من ديوان \"نداء الحق\" للشاعر أحمد محمد الصديق.","vol":"3","page":333},{"text":"أيا نفسُ إنا نشُقُّ الطريقَ ... على شَوْكِ مِحْنَتِنا المُوْلِم\nنُريدُ لأمتنا أنْ تَسيرَ ... على المَنْهَج الواضحِ القيِّم\nنُريدُ الحَياةَ التي تَرْتَقِي ... وتَسمو بها همةُ المُسْلِم\nفنَجْهَرُ بالأمرِ بينَ الأنام ... ونصدعُ بالحق مِلءَ الفَم\nونَخْلَعُ قَيْدَ الهَوانِ الثّقِيلِ ... ونَنْهَضُ مِنْ كَهفِنا المُظلِم\nونَكتُبُ بالنُورِ \"فتحا\" جديدا ... و\"بَدْرا\" نُسَطرها بالدم\nوتِلكَ الأمانيُّ مَرْهُونة ... بأقدارها في الغَدِ المُلهَم\n***\nصِيامُكِ يا نفسُ فيهِ الخَلاصُ ... مِنَ الضعْفِ والعَجْزِ والمأثَم\nومِعْراجُكَ الفَذ تَقْوى الإِله ... فَرَكْضا إلى الله لا تُحْجِمي\nفي رحاب رمضان\nنَبّهْتَ فينا أنفُسا وَعُقُولا ... وحَلَلْتَ للخَيْرِ العَميم رَسولًا\nرَمَضانُ يا رَوْضَ القُلوبِ تَحِيّةً ... خَطَرَتْ تَجُر إلى حماكَ ذُيُولا\nقدْ جِئْتَ مَرْجُوا لأكرم نَفْحَةٍ ... تَذَرُ الفُؤادَ بسِحْرِها مَتْبولا\nرَمَضانُ حسبُكَ ما شَرُفْتَ بِهِ فقَدْ ... فُضلت مِنْ رَبِّ السَّماء تفْضيلا\nغَصَّتْ رِحابُكَ بالتُّقاة وَهَوَّمَتْ ... فيكَ المَلائِكُ صعدا ونُزُولا\nوتتبابَعَتْ رَحَماتُ ربكَ شُرعًا ... كالغَيْثِ فاضَ مُبارَكا مَقْبُولا\nأَيامُكَ الغَرّاءُ طاهِرَةُ الرُّؤى ... مِثلُ الحَمائِم تَسْتَحِتمُّ أَصِيلًا\nوَجْهُ الحَياةِ على ضِفافِكَ مُشرقٌ ... وأريجُكَ الذّاكي يَهُب عَليلا","vol":"3","page":334},{"text":"تَسْمو بهِ الأرْواحُ فَهْيَ طَلِيقَة ... رَغِبَتْ إلى كَنَفِ الخُلودِ رَحِيلًا\nحَنَّتْ لمغْناها القَديم فلمْ تجدْ ... إلا سَبيلَكَ للخُلودِ سَبيلا\nنِبْراسُكَ الوَضاءُ يُعْلِنُ للورَى ... شَرع السمَاءِ مُنَزَّلا تَنْزِيلا\nآياتُهُ الزّهْراءُ فيدكَ تَلألأتْ ... وَحْيًا يُقيمُ إلى الفلاح دليلا\nسادَتْ بِهِ حينَ استَقامَتْ أمةٌ ... واعْتَزَّ مَنْ في النيرِ كانَ ذَليلًا\nقدْ كانَ مَدْرَسَةٌ تُعد أئمّةً ... نَشأوا على النَّهْجِ القَويم عُدولا\nوكأنهمْ في اللهِ قلب واحِدٌ ... يَحْيا بنِعْمَةِ ربِّهِ مَوْصولا\n***\nرَمَضانُ هلْ لي وَقْفة أستَرْوِحُ الذ ... كْرَى وَأشُفُ طَلها العْسُولا\nإنا لنَسْبَحُ في الهَجيرِ فَهَبْ لنَا ... مِنْ ماءِ كَوْثَرِكَ العَزيزِ قَليلًا\nإنّا لَفِي زَمَن مَسيخٍ وجهُهُ ... قَدْ مَرغوهُ سُبَّةً وَوحُولا\nالصّالحونَ أولُو النهي في أهْلِهِ ... غُرَباءُ سيمُوا الخَسفَ والتنّكيلا\nأَتَخالُ عَصْرَ الجاهِلِيةِ قدْ مَضى؟! ... لا لَمْ يَزَلْ عهدُ الظلام طَولا!\nكمْ مِنْ أبي جَهْلٍ تَراهُ مكابِرًا ... وتَراهُ يُوقِعَ في المفاسِدِ جِيلًا!\nأدْهى عُصورِ الجاهِليةِ عَصْرُنا ... فاعْجَبْ لهُ بالعِلم صارَ جَهُولا!\nالعِلمُ بينَ يَدَيْهِ سَطوَةُ غاشِمٍ ... جَحَدَ الإِلهَ.. وَأَخْطأ التّأويلا\nوغَدا سِلاحُ العِلم فوقَ رِقابِنا ... شبَحًا يُخِيفُ مَصِيرَنا المجْهُولا\nلَيْل ونْ طالَتْ غَياهِبُ ظُلمِهِ ... فلَسَوفَ يَتْلوهُ الصباحُ جَميلا\n***","vol":"3","page":335},{"text":"رَمَضانُ!.. هلْ لي وَقْفَة أَسْتَرْجِعُ الـ ... ـماضِي ... وأرْتَعُ في حِماهُ جَذُولا؟\nيَستَعْذِبُ الأملُ المعَذَّبُ رِحلَةً ... تَخِذَتْ مِنَ المجْدِ التليدِ مَقيلا\nأَبطالَ \"بَدْرٍ\" يا جِباهًا شُرِّعَتْ ... للشمسِ تَحْكي وجْهَهَا المصْقُولا\nكنتُمْ على تاجِ الزَّمانِ لآلئًا ... لعَتْ ... وكنْتُمْ فَجْرَهُ المأمُولا\nحَطَّمْتُمُ الشِّرْكَ المُصَعِّرَ خَدَّهُ ... فَارْتَدَّ مَشْلولَ الخُطى مَخْذولا\nغَنَّيْتُ يومَ \"الفَتْح\" مُصْحَفَ مَجدِكُمْ ... طَرِبًا ... أُرَتِّلُ آيَهُ تَرْتِيلا\nولمَحْتُ مَكَّةَ في الخَيالِ وقدْ عَنَتْ ... لِلحَقِّ ... زائِغَةَْ العُيونِ ذُهولا\nوطَلائعُ الجُنْدِ البَواسِلِ أَتْرَعَتْ ... طُرقاتِها بَحْرا يَفِيضُ سُيُولا\nوأَكادَ أَنْظُرُ للنَّبِي مُطأطئًا ... متواضعًا ... جَمَّ الوَقِارِ.. جَليلا\nوَيَصيحُ \"جاءَ الحقُّ\" وهوَ يُبيدُآ ... لِهَةَ الضلالِ ... ويمْحَقُ التّضْليلًا\nأَينَ الطغاةُ الآثِمونَ؟ لقد عَفا ... عنهمْ ... فَكانُوا للرّسُولِ قَبِيلًا\nأَتَرى لَهُمْ سَنَدًا مِنَ الصنَم الذي ... يَهّوي كَثِيبًا في الرُّغَام مَهِيلا؟!\nلا يَسْتَوِي رَب السَّماءِ وربُّهم ... لكن عِبْءَ الحَقَّ كانَ ثقِيلا\n***\nيا إِخْوةَ الإسْلام.. إِنَّ سبيلَنا ... للنّصْرِ يَسْتَدْعي الفَتَى المسْئولا\nيُعْلي على الحَقِّ المُبينِ لِواءَنا ... حُرِّا.. ويَطْرُدُ غاصِبًا ودَخِيلا\nهِيَ ذي أفاعي الغَدْرِ تَنْفُثُ سُمَّها ... أَفَلا نُحطمُ نابَها المهزُولا؟!\nلوْ سادَ حُكُم اللهِ فينا لمْ تَهُنْ ... في القُدْسِ قبْلَةُ مُصْطَفانا الأولى\nكَلا ... ولا كانَ الجِهادُ تَظاهُرا ... وَالدِّ-ينُ في أَو-طانِنا مَغْلولا\n***","vol":"3","page":336},{"text":"رَمَضانُ هذي مِنْ فُيوضِكَ رَشْفَةٌ ... بَلَّتْ لأحْشاءِ الشَّجِيِّ غَليلا\nجِئْنا لنَنْعَمَ في لِقاكَ.. ونحتَفي ... بكَ فِتْيةً عَرَفُوا الهُدَى وكُهولا\nولَكَ الجَوانِحُ رائحًا أَو غادِيًا ... مَثْويً تَحِل به رِضًا وقَبُولا\nتأملات في رمضان (*)\nأَطِليّ عَلَيْنا مِنْ سَمائِكِ كالبَدْرِ ... فلَيْلُ السُّرَى مِنْ حَوْلِنا تائِهُ الفَجْرِ\nأَطِليّ ... فَفِي طَياتِكِ النورُ والهُدى ... هُوَ البَلسَمُ الشّافي لأدْوائِنا الكُثْرِ\nويا ذِكْرَياتِ المجْدِ سِفْرُك حافِلٌ ... تُطَالِعُنا آياتُهُ مِنْ حِمى \"بَدْرِ\"\nوتَنْفَحُنا مِنْ رَوْعةِ \"الفَتْحِ\" نفْحَةٌ ... تَموجُ لها الأحْلاَمُ ضاحِكَةَ الثغْرِ\nرَأَيْنا فُلولَ الشِّرْكِ كيفَ تَحطمَتْ ... على صخْرَةِ الإيمانِ في وَقْعَةِ الدّهْرِ\nوكيفَ تَحَدّى الفَجْرُ جَيشَ ظَلامِهمْ ... وخَطَّ سَبيلَ المؤمِنينَ إلى النّصْرِ\nوأَعْلَنَ أَنَّ الحَق لابُدَّ ظافِرٌ ... ولوْ بعْدَ حِينٍ فانَتظِرْ ساعَةَ الصفْر\nرَسُولُ الهُدى قدْ كانَ للناسِ رَحْمَةً ... تَشِعُّ بأنْوارِ الهِدايةِ والبِرّ\nأَقامَ بعَيْنِ الله دَوْلتَهُ الّتي ... هِيَ العَدْلُ في أَعْلى مَراتِبهِ الغُرِّ\nوَكنّآ بِه خيرَ الأنام.. فما لَنا ... نُخالِفُهُ نَحْوَ الضلالَةِ والخُسْرِ؟!\nبَواتِرُنا كانَتْ إذا التمعت ضحى ... يَبِيتُ لَها كسْرى وقَيْصَرُ في ذُعْرِ\nحضارتنا كانت هي العلم والتقى ... ولكنَّ هذا العَصْرَ يَفْخَرُ بالعُهْرِ\nتَدورُ بِنا الأيامُ.. والكُلُّ غافلٌ ... وها نحنُ في التيّهِ البَعيدِ.. ولا نَدْري\n_________\n(*) أحمد محمد الصديق من ديوان \"نداء الحق\".","vol":"3","page":337},{"text":"ولولا انْتِفاضُ الروح يَدْفَعُ رَكبَنا ... ويَبْعَثُ ما في مَعْدِنِ التُرْبِ مِنْ تِبْرِ\nولولا كِتابُ الله يَنْسابُ نورُهُ ... حياة.. لباتَ الكونُ أَشْبَهَ بالقَبْرِ\nوأمْسَتْ بُيُوتُ الظّاعِنينَ مَلاعِبًا ... لِريح البِلى والقَصْرُ يَنْعَى على القَصْرِ\nفيا إِخْوةَ الإسلام عُودُوا لِربكُمْ ... لَقَدْ ضَل مِنا الرّكبُ في المَهْمَهِ القَفْرِ\nوَقَدْ رانَ لَيْلُ الجاهليةِ ضارِبًا ... سُرادِقَهُ.. لا يَستَقيمُ على أَمْرِ\nرَحيمُ بِنا رَبّ السماءِ ... وإنهُ ... لَيُمْهلُ.. والإنْسانُ يُمْعِنُ في الكُفْرِ\nأَلا أيها الإنسانُ إنكَ كادِحٌ ... ولابُدَّ أنْ تَلقي غَدًا حاصِلَ العُمْرِ\nفَإِمّا نَعيما كنتَ تَرْجوهُ مُوقِنا ... وإما جَحيمًا -كنتَ تَغْدُوهُ -بالشَّر\n***\nدَعَا رَمضانُ الخَيْرِ كل مُرابِطٍ ... لَدَيْه.. فَلَبى المؤمنونَ على الإثْرِ\nوطافَتْ بهم ريحُ الجِنانِ عَليلةً ... تَهُب مِنَ الرحَمنِ.. ذائِعَةَ النشْرِ\nتَنَفسَ فيها الخُلدُ حينَ تفتحَتْ ... أزاهيرُهُ البَيْضاءُ في \"ليلةِ القَدْرِ\"\nفَطُوبى لِمَنْ يَحْظى بِشَمَ عَبيرِها ... فَيَسْجُدُ مَغْشيًا عَلَيْهِ مِنَ البِشْرِ\nويَضرعُ في حُب ويَبكي من الجَوَى ... ويَكْتُمُ أشواقًا تَأجحُ كالجَمْر\nويُصْغِي إلى صَوْتِ السماءِ كأنَهُ ... صَدى خَفَقاتِ القَلبِ يَنْبِض في الصَدرِ\nصيامُكَ مِفْتاح لِكُل فَضيلَة ... يُزودُكَ التقوى. ويُغْريكَ بالطُّهْرِ\nفقلْ مُخلِصًا: آمَنْتُ باللهِ واستَقِمْ ... وأحْسِنْ لَهُ الأعْمَالَ في السِّر والجَهْرِ\nهنا مَصْنَعُ الأبطالِ.. يَصْنَعُ أمَّةً ... وينفُخُ فيها قوةَ الرّوح والفِكْرِ..\nويَخلَعُ عنها كل قَيْد يَعوقُها ... ويُعْلي منارَ الحَق.. والصدْقِ والصبْرِ\nتَصومُ إذا صامَتْ عَنِ الفُحْشِ والخَنا ... وتُفطِرُ في مَنْأي عَنِ الرِّجْسِ والجَوْرِ","vol":"3","page":338},{"text":"لَها العِيدُ بُشْرى في الحَياةِ.. ومثلُهُ ... وأفضَلُ منْهُ يَوْمَ تُبْعَثُ في الحَشْرِ\nربيع الروح (*)\n\"رمضانُ\" \"أقبلَ قُمْ بنا يا صاح\" ... هذا أوانُ تَبَتُّلِ وصَلاح!\nالكونُ معطارٌ بطيبِ قُدُومِهِ! ... روْحٌ وريحانٌ ونفحُ أَقَاحِي!\n\"صفْوٌ أتيحَ فخذْ لنفسكَ قِسْطَهَا ... فالصفوُ ليْسَ على المَدَىَ بمتَاح\"!\nواغنم ثواب صيامِه وقيامِه ... تسعدْ بخيرٍ دائِمٍ وفَلاح!\n***\nكم مؤمنٍ لم تُلهِهِ الدُّنْيَا فَلَمْ ... يستبدل الأتْراحَ بالأفْراح (١) !\nقَوّام ليلٍ نائمٌ عنه الكَرَى ... الصَوَّامُ واع صَاحِ!\nوحلفِ شيطان غوىَ لم يزلْ ... عبدا لبنتِ الكرِمْ والأقْدَاح!\nفي لَيْلَة زُمرُ المعاصي تنْتشِي ... ونهاره في غفلة ومزاح!\n\"رمَضانُ\" لا يَثْنِيه عنْ آثَامِه! ... واهي العقيدة في إهَابِ وَقاح (٢) !\n***\nالصَّومُ يُعْلِي مَنْ وَضيع غرائز ... وطبائع سُودِ الوجُوهِ قِبَاح\nتلك الغرائز كمْ لها مِنْ صوْلة ... مسْعُورَةِ الأنيَابِ ذاتِ نُبَاح!\n_________\n(*) ديوان شعر السيد الصديق حافظ.\n(١) الباء تدخل على المتروك في هذا التعبير قال تعالى: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) .\n(٢) واهي: ضعيف. إهاب: جلد.","vol":"3","page":339},{"text":"والنَفْسُ إنْ سَقَّتْ وهِيض جَنَاحُها (١) ... فالصَّوْمُ معْراج بِغيرِ جَنَاح!\nالصّوْمُ يمنحنا مشاعرَ رَحْمَة ... وتعاونٍ، وتعفُّف، وسَمَاح!\n\"رمضانُ\" فيه ليلةٌ خير لَنَا ... مِنْ ألفِ شهْرِ في الزَّمَانِ صِباحِ!\nفيها تَنَزَّلُ بالسَّلام مَلائِك (٢) ... والرَوحُ حتى مطلع الإصْباح!\nقد أنزِل القرآن فيها جامعًا ... لمراشِدِ التهذيب والإصْلاحِ!\nومصدِّقًا للرُّسْلِ فيما بَلّغُوا ... عن مُنْزِلِ الأسْفَارِ والألوَاح!\nهذا كتاب الله زادُ مُسَافر ... وبرودُ ماءٍ في الهَجِير قَرَاح (٣) !\nأقبلْ عليه فإن من نفحاته ... تقوى القلوبِ، وبهجةَ الأرواح!\nيا ليلةَ القدْر امنَحِي أيامَنا ... فضلَ الكريم المنعْم الفَتَّاحِ!\nرباه إنّي فِي ضَلاَلٍ حائر ... عان أنوءُ بحِمْلِي الفَدَّاح!\nهَذِ خُطايَ على الطريق ضريرة ... يكْبُو غُدُوِّي باكِيًا ورَوَاحِي!\nثارتْ بِيَ الشهوَاتُ فاصرفْ شَرَّهَا ... عنِّي وكَفْكِفْ ثَوْرَتِي وجِمَاحي!\nيا نُور هذا الكونِ هَبْ لبَصِيَرتِي ... قبسا من المِشْكَاةِ والمِصْبَاحِ!\nإني لِمَا أنْزَلتَ مِنْ خير فَقير ... فاغْنِنِي واملأ بعفْوِكَ سَاحي!\nوامُدد يَديْك أبي إني هَالِك ... وامنُنْ عَلَيَّ بتوبْة وَصَلاح!\nواجعَلْ صِيَامَيَ راحةً لمتَاعِبِي ... واجعل قِيَامِي بَلسَما لجِرَاحِي (٤) !\n_________\n(١) سقت: دنت من الخطايا، المعنى: إن تدنت النفس في الخطيئة فإن الصوم يعرج بها، وينأى بها عن الرذائل.\n(٢) تنزل: أي نتنزل حذفت تاء تخفيفًا قال تعالى: (تنزل الملائكة والروح فيها) .\n(٣) إن كتاب الله زاد المؤمن في رحلة الحياة، والماء البارد الذي يدفع عنه لهب هجيرها اللافح.\n(٤) مجلة الأزهر الجزء التاسع، السنة الخامسة والستون.","vol":"3","page":340},{"text":"ذلك هو الصوم (*)\nيا عظيم البَطنِ.. حاذِرْ ... قد أتى.. شهر الصيام\nفُقْتَ في الإنفاق حدَّ الطَّوْقِ.. في صُنْع الطعام\nحَسْبك الإسرافُ والتبذير ... شهرًا.. كل عام\nوتقشفْ بعد عيد الفطر، وامْسِكْ بالزمام\nيا إلهي!.. ضاع في الشهوات.. مفهومُ التسامِي!\n***\nكيف تصفو رُوح مَرْءٍ ... نفسُهُ للطُّعْم وَلهَى\nفيقضِّي يومَ صوم ... في شُرُودٍ ... يتشهَّى\nفكرُه عن ذِكْرِ رب الصَّوْم.. ناءٍ.. يتلهَّى!\nوالذي مِنْ (فِيِهِ) يُؤذي السمع والإحساس ... أدْهَى!\n***\nما الصيِّامُ الحقُّ إلاْ ... مَرْتَع للرُّوح خِصْب\nفيه أثْمار ونهر ... ناقعُ الإرْوَاء عذْب\nلذة الأرواح فيه ... عن طعام الجسم.. تربو\nيَطعَمُ الصُّوَّامُ من جُوع ... من الزراق ... قربُ\nكيف يظمى أو يُعاني ... الجوع.. مَنْ يرعِاه رب؟\n***\n_________\n(*) ديوان للشاعر/ محمد عبد الرحمن صان الدين.","vol":"3","page":341},{"text":"أيها الراجي ثِمار الصوم ... أعْط الصومَ حقَه\nمن خشوع واصطبار ... والتذِاذ بالمشَقَّه\nوانطلاق في سبيل العيش.. في رِفَّق ورقه\nطارحا عن روحك المغلول.. بالشهوات رِبْقه\nإن في هذا لِعَبْد الجسم طول العام عِتْقه\n***\nفي صيام الشهر طبُّ ... ليس يدريه طبيبُ\nفيه أسرار يعيها ... صائم حقًا أريب\nفيه غيث من صفاء ... ترتوي منه القلوب\nفيه للأرواح سَبْحٌ ... دونه الكون الرحيب\nصائم في دِرعْ تقوى ... تنْجَلي عنه الكروب (١)\nإرهاف للإحساس (*)\nأطلِقِ الأرواح من أصْفَادها ... في بهيج من رياض الأتقياءْ (٢)\nغاديات رائحات كالسنا ... سابحات بين آفاق الضياءْ (٣)\nإنها يا شهر ظمأى فاسقها ... مشتهاها من ينابيع الصفاءْ\nشهوة الأجساد قد ألقت بها ... في قفار، ليس فيها من رَوَاءْ\nما غذاء الجسم في ألوانه ... فيه للأرواح شيء من حِبَاءْ (٤)\n_________\n(١) مجلة الأزهر الجزء التاسع - السنة السادسة والستون.\n(*) ديوان شعر محمد عبد الرحمن صان الدين.\n(٢) أصفادها: قيودها.\n(٣) السنا: الضوء.\n(٤) حباء: عطاء.","vol":"3","page":342},{"text":"إنما الأرواح تحيا بالذي ... في صيام الجسم تُزجيه السماءْ (١)\nيا ربيع الروح أقل، واعطها ... صولجان الحكم في دنيا الشقاء\nكي يعيش الناس من آلائها ... في رفاء، وازدهار، وارتقاء (٢)\nهل درى أهل الحجا أن الذي ... شيطن الإنسان في الأرض اشتهاء؟ (٣)\nزورق الشيطان في وجدانه ... طُعْمَة فيها مع الإفراط داء\nما ارتقت إلا بزهد أنفس ... في طعام عنه عاشت في غَنَاء\nواطمأنت في حياة الروح لا ... تبتغي إلا لُقَيمات، وماء\nإنما سلطانها من دونه ... كل سلطان به الإنسان باءْ (٤)\nحَسْبُهُ أن أخضع النفس التي ... تَسترِقُّ الناس حتي الأقوياء (٥)\nأي سلطان يكف النفس عن ... موبقات غير قيد كالوجاء (٦)\nإنه الصوم الذي أوحى به ... -رحمة بالناس- رب الحكماء\nفيه ترويض لطبع جامح ... فِيه رَوْح، فيه للمرضى شفاء (٧)\nفيه للإحساس إرهاف فلا ... يأخذ الدنيا بعين الأغبياء\nليت من قد أفطروا فيه وَعَوْا ... ما به قد جاء خير الأنبياء!\nفي كتاب مُنْزَل أو سنَّة ... من بيان ليس فيه من خفاء\nمن تَعَامَى عن هُدَاه عامدًا ... فَليسِرْ في غَيه أنى يشاء\n_________\n(١) تزجيه: ترسله.\n(٢) آلائها: نعمها.\n(٣) الحجا: العقل.\n(٤) باء: رجع.\n(٥) تسترق: تستعبد.\n(٦) موبقات: مهلكات، والوجاء: قطع مصدر الشهوة.\n(٧) روح: راحة وترويح.","vol":"3","page":343},{"text":"إنَّما الدنيا سرابٌ خادع ... يصرف اللاهي به عَمَّا وراء (١)\nكل لَذاتٍ بها موقوتة ... شفي ثناياها بذور الانتهاء\nفاصرف الإحساس عنها وانتظر ... دائم اللذات في دار البقاء\nإ-نه آتٍ -بلا رَيْب- فلا ... تغمِضِ الأجفان عن آتي القضاء (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>شهر الرضا والنور </span>(*)\nألا أقبِلْ هُدى ورضًا ونُورَا ... وخيرًا عامرًا يغْشَى المَزُورَا\nنُعِدُّ ليُمْن موسمك التّهاني ... نَعُدُّ ليوم مقْدمك الشّهورا\nلنملأ بالندا المُهَجَ الصَّوادِي ... ونَرْوي من سنَا التّقوى الصّدورا\nبنور تلاوةِ القرآنِ نُجْلِي ... بصائرنا.. نضيء بها القُبورا\nنصومُ.. -نقومُ في- شوق وجد ... وعند الله نحْتسبُ الأجورا\nبِكَ الأرواحُ ترشفُ وهْي ظمأى ... شرابًا.. منكَ تسكُبه طهورا\nتَلَقّاهُ.. فيُسكرها هيامًا ... وتُسْقَاهُ.. فَتغمُرها سرورا\nفُيوضاتٌ من المنّان تَتْرَى ... مواكبُها.. نُعاينُها سُطورا\nبآياتٍ من التنزيل تُحْيي ... عزائمنا.. فتأَبى أن تخُورا\nفتلك إشارَةٌ بالقُرْب تُسْدَى ... فتدفَعُ عنكَ شرًا مستطيرا\nوتلك إشارةٌ بالعفْو تُزْجَى ... فأوقن أنّ لِي ربِّا غُفورا\n_________\n(١) عما وراء: المراد به الآخرة التي تأتي بعد الدنيا والحياة.\n(٢) مجلة منبر الإسلام.\n(*) ديوان شعر لفريد قرني.","vol":"3","page":344},{"text":"وتلك تشير للعُقبى.. لتخَشى ... بها يومًا عبوسًا قمْطريرا\nويا رمضانُ يا كرمًا وجُودًا ... تخوضُ البُشْريات بها بُحورا\nبكَ الحسناتُ يا شهْر التجلّي ... يضاعفُها لنا المولى.. كثيرا\nوأرضُ المسلمين.. -لكل -برٍّ ... تعجُّ مساجدًا.. وتموجُ دُورا\nوأبوابُ الجنانَ.. مفتّحات ... حُلاها ازيَّنَتْ.. غُرفا وحُورا\nوأبواب الجحيم.. مغلقات ... وتجتنب الشياطين.. الظهورا\nوفيكَ بليلة القدْر العطايا ... وإنَّ لشانها الأمرَ الخطيرا\nهلالكَ.. حلوُ موعدِه ابتهاجٌ ... يفيضُ على الجميع.. رضًا ونُورا (١)\nأشرق.. يا رمضان (*)\nأشرق على الأكوان يا رمضان ... فلأنت فيها صبحها الريان\nأشرق وفجر في البرية فجرها ... إن الوجود إلى السنا ظمآن\nأو ما حملت إلى الحياة حياتها ... فهدى الحياة وروحها القرآن\nناديت كل العالمين لشرعة ... في ظلها تتوحد الأكوان\nلا لون بل لا جنس فيها سابقٌ ... بل بالتقى فيها الفتى يزدان\nفيها بلالٌ للشموس مزاحمٌ ... والمسلمون بِظلها إخوان\nوبنورها الإسلام عانق مجده ... ولحكمه قد دانت التيجان\nهي شرعة طلعت صباحًا زاهرًا ... فالكون من نورٍ لها مزدان\nبعثت حصا الصحراء فانتفض الحصا ... قممًا بها كم يزدهي الشجعان\n_________\n(١) مجلة منبر الإسلام.\n(*) ديوان شعر للشيخ أبو زيد إبراهيم سيد.","vol":"3","page":345},{"text":"والرمل أورق بالفوارس والقنا ... وتفجر الإيمان والفرقان\nوالليل ليل الجاهلية قد هوى ... وهوت على أقدامه الأوثان\nوالليل ليل الجاهلية قد هوى ... وهوت على أقدامه الأوثان\nوالصبح يكتسح الظلام ضياؤه ... ويرن في سمع الورى آذان\nالله أكبر أي روحٍ قد سرت ... فصحا على أنوارها الإنسان\nإنَّ الحياة الحق في ظل الهدى ... قرآن ربي إنه الفرقان\n***\nيا أيها الشهر الكريم ومن به ... تسمو النفوس ويخشع الوجدان\nفالصوم تزكية النفوس وطهرها ... ولكبح كل زرية ميزان\nوالصوم تربية الضمير فمن سما ... فيه الضمير تألق الإيمان\nكم صائم والصوم منه مبرؤ ... وبرجسه يتفاخر الشيطان\nصوم الجوارح أن تكف عن الأذى ... لا صوم في صوم به أضغان\nوالصوم صدق وانطلاق عزيمةٍ ... في الله يكبو دونها الكسلان\nوالنصر في بدرٍ وجالوتٍ أما ... أزكى عزيمة جنده رمضان\nكم صاغ دين الله أعظم قادةٍ ... بهم ازدهت وتفاخرت أوطان\nفي الليل رهبان قيامٌ سُجّدٌ ... وإذا النهار أتى هم الفرسان\nتلقاهم القرآن في أخلاقهم ... وسلوكهم هم للهدى عنوان\nسل أرض أندلس تجبك حضارة ... وعدالةٌ غنَّت بها الأسبان\nالفتح بالأخلاق قبل سيوفهم ... كان الأساس وما بهم عدوان\nيا أيها الشعر العظيم تحية ... هل منك درسٌ يأخذ الإنسان","vol":"3","page":346},{"text":"في عصرنا عصر الفضاء وذرة ... يغلي بعالم عصرنا بركان\nوالعلم ما هو للسلام وإنما ... هو في التقدم يسحق العمران\nمقياس حسن الاختراع وخيره ... كم من نفوسٍ تأكل النيران\nإن الوحوش بغابها قد روعت ... وخلا من الغاب القصي أمان\nعجبا أيا رمضان ما أنا قائل ... عيَّ البيانُ فهل لديك بيانُ\nوكأنني بالصوت ملء مسامعي ... وهديره رعدت به الآذان\nعودوا لينبوع الضياء فإنه ... فيه السعادة إنه القرآن (١)\nشهر الصيام (*)\nواحة أنت في صحاري الوجود ... ونسيم يرف بين الورود\nفي زمان الجفاف أنت ربيع ... وشعاع في حالكات العهود\nفيك حارت قرائح ملهمات ... تبعث الشعر من قرار الهمود\nكل طرف البيان هو حسير ... عن بلوغ المدى ودرك الشهود\nشق سهم الضياء ستر الدياجي ... فالضلالات هاويات البنود\nحينما شع في الفضاء بريق ... باسم الثغر من هلال السعود\nفتح الكون صدره لحبيب ... رحمة الله فيه بعض الوفود\nلبس الكون حلة الطهر منه ... حين وافى على ثنايا الوجود\nنشر النور في دروب الحيارى ... أطلق القلب من إسار القيود\nيا حبيب القلوب أنت قريب ... ما طواك الزمان خلف الحدود\n_________\n(١) مجلة منار الإسلام.\n(*) ديوان شعر لصالح أحمد البوريني.","vol":"3","page":347},{"text":"إيه شهر الصيام أقبلت تسعى ... صادق الوعود وافيًا بالعهود\nمشفق القلب مخلص الود تبغي ... وصل من كان مخلفًا للوعود\nمشرق الوجه ما رجاؤك إلاَّ ... أن تتوب الحشود إثر الحشود\nزائر الخير أنت فينا كريم ... ولطيف المقام حلو الورود\nوافد البشر أنت ضيف عزيز ... والمضيفون في شتات الجهود\nجمع الشمل أيها الشهر إنا ... في اشتياق لكسر طوق الجمود\nوحد الصف ما أرى الناس إلاَّ ... تتمنى زوال هذي الحدود\nأيها الشهر أنت سفر المعالي ... أنت شمس الزمان بين العقود\nأول الحظ ر-حمة -تتلألأ ... تزرع الحب في فؤاد الحقود\nتنزع اليأس من قلوب عصاة ... أمل العفو حظ أهل الجدود\nبشر التائبين بشرى أمان ... يا نعتاق من خزي نار الخلود\nوهنيئًا للمتقين بشهر ... يرف الجود من نداه بجود (١)\n***\n_________\n(١) مجلة منار الإسلام.","vol":"3","page":348},{"text":"اعتذار إلى الشهر المبارك (*) .\nجِئْتَ والجُرحُ غائرٌ في فُؤادي ... وحَكايا بُطولَتي كالرَّماد\nوأنا واقفٌ ألمْلِمُ أشْتاتي ... وأَرْنو إلى وجوه العِبادِ\nأتَّقِي الشمسَ باليدْينِ وأحْيَا ... في زمانٍ يَنوءُ بالأصْفادِ\nأيُّ شيء لم يقتلوهُ جِهارًا ... أو يَبيعوه جُمْلةً في المزادِ؟\nحملوا جُثَّةَ الضَمير إلى القبرِ ... وعادوا في خَشْعةِ الزُّهادِ!!\n***\nأخْمدتَنْي ضراوَةُ الغزْو حتى ... بِتُّ أغْزو منْ شِقْوَتي أولادِي\nوعلى وقْع خُطوتِي نَبَتَ الإثمْ ... وَضَجَّتْ في مِخلبي أحْقادِي\nعصرنُا يَا شقِيقتي عصُر صَيْد ... كمْ هتَفْنا لِجُرْأةِ الصيادِ\n***\nجئتَ يا شهرَنا العظيمَ فَإنّي ... خَجِلٌ منكَ من خُطاي وزادي\nجئتَ بالسيفِ والجوادِ ولكنْ ... أيْن من أدْمنوا ظُهُورَ الجيادِ\nهَا هُوَ السيفُ قد تَكَفَّنَ بالصمتِ ... تَوارَي في عتْمة الأغْمَادِ\nأكلتْهُ السُّنونُ.. بال عليه الدَّهـ ... ـر.. أضْحى أُلعَوبةً للقُرادِ\nفَقَدَ الشهوةَ الحميمةَ للضّرْبِ ... تَوَارى عنْ مسرح الأمجادِ\nوعَلَى بابنا يَمُوءُ جَوادٌ ... لمْ أجِدْ فيها (مَلمَحا) للجواد\nلمْ تُفجرْهُ عاصِفاتُ الليالي ... لا وَلا هزَّه الأسَى في بِلادي\n***\n_________\n(*) محمود مفلح من ديوان \"إنها الصحوة إنها الصحوة\".","vol":"3","page":349},{"text":"إيهِ يا شهرَنا العظيمَ فإنّي ... سَقَطتْ أصْبُعي وضاع زِنادي!\nمُنذُ قَرْن وفي فَمي أغْنِيات ... لمْ تُحرِّكْ شرارة في الرمادِ\nلَطَمَتْ وجهِيَ الأعاصيرُ هانَتْ ... في عُروقي عَرَاقَةُ الأجْدادِ\nبَيْنَ كأسٍ وقَيْنَة بِت أحيا ... مُسْتَهَامًا بِقَدِّها المَيادِ\n***\nنحن يا شهرَنا العظيمَ غَدَوْنا ... أرْنبات تَفر منْ صيادِ\nوغَدَتْ خيمةُ الأخوةِ في الريح ... بِلا أعْمُد (١) ولا أوْتادِ\nكتَبتْنا الأيام في هامِشِ السطرِ ... رَوَتْنا من غيرِ ما إسْنادِ\nكمْ بَتَرْنا يَدَ الأثِيم فصِرْنَا ... نَلثُمُ اليومَ خِنجر الجلاد\nسيدا واحدًا عَبَدْنَا وَها نَحـ ... ـنُ نُعَانِي من تُخْمةِ الأسْيادِ\n***\nعُفْوَ طُهْر الأنْفاسِ منكَ فَإني ... قدْ فَقَدتُ النجيب منْ أولادي\nملعب، للنُّجوم أنتَ وفوق النجم ... شَعَّت فيما مضى أعْيادي\nفيكَ غَنَّتْ بمسْمَع الدهرِ \"بَدر\" ... وحَدَا موكبَ الرجالِ الحَادي\nوتَلَوْنا الأوْرادَ فيكَ فرَاحَ ... النصرُ يَجْري على خُطَا الأوْرادِ\nوهدَمْنا مَنَابرَ الشركِ حتى ... فَقَدَ الشركُ ظله في بلادي\nمَنحَتْنا الآياتُ وجْها فكنا ... وانْبِلاجَ السَّنَى على مِيعادِ\n***\nإِيهِ يا شهرَنا العظيم شُموخا ... قَدْ تَنَسمْتُ منْ شَميم الوادي\nضُمنَا ... ضُمنا إليكَ فَإنا ... لمْ نَزَلْ من بَنيكَ وَالأحْفادِ\nأطلِقْ الرُّوحَ من عِقالِ التَوابيـ ... ـتِ وزينْ أيَّامَنَا بالجِهادِ\n_________\n(١) أعمُد: أعْمِدَةُ.","vol":"3","page":350},{"text":"رمضان (*)\nبالحب فيِك.. تلاقَتْ الأرواحُ ... أتُرى.. عليها -إذ تبوحُ- جناح؟\nتمضي شهورُ العام.. وهي مع الهوى ... تمضي، وفي غبنِ الهوى تنداحُ\nويلوحُ طيفُك.. بعد غيبتك التي ... سكنت بليل، لم ينرْهُ صباحُ\nفإذا بهذا الحب.. يورقُ صحوةً ... وإذا بِمَن ألِفُوا الكساحَ.. صِحَاحُ\nوأذا بأفياء الهداية برزخ ... يَلِجُ القلوبَ عطاؤُه الفوَاحُ\nوإذا بصوتِ الحق يهتفُ: يا ربا ... تيهي.. فكَمْ لكِ في الصيام فَلاحُ\n***\nرمضانُ.. منذُ وعيتُ.. أنتَ بخاطري ... فوق البيان.. وإن زهَا.. فسماحُ\nكل التصور دونَ قدرك روعة ... كُل الموارد -إنْ أردتُ- شحاحُ\n.. ماذا أقول، وفيكَ يعجزُ منطقي؟ ... أتراهُ يسبر غَوْرَكَ الملاحُ؟\nيا زورقَ الحُث اتئد برغائبي ... وأعِنْ.. فإن دمَ المُحَبِّ مباحُ\nعُدْ بيَ إلى جزرِ العقيق.. وخلني ... زمنًا.. تغازلُ رشفتي أقداحُ\nعَلي إذا امتلكَ الطريقَ. توقدي ... وهَفَا إلى نغم اليقينِ براحُ\nأشدو.. بما لِمْ تَسْتَطِعْهُ مزاهر ... صَدِئَتْ.. ولم ينهضْ بها إصلاحُ\nعَلِّي أصوغُ من البَيَانِ يتيمةً ... تزهو بها، وتفاخِرُ الألواحُ\nأنا في رحابكَ.. تستحيل حقيقتي ... ملأ.. عليه من الصفاء وشاحُ\nقد يستبدُ الجوع بي، ويهُدني ... ظمأ.. ويخفت في مداي كفاح\n_________\n(*) ديوان شعر للشاعر يس الفيل.","vol":"3","page":351},{"text":"لكنَّ تقوى الله.. تحفزُ همتي ... ويشدُ من أزري لديكَ صلاحُ\nوأراك يا رمضان.. رحلةَ مؤمن ... ألِفَ الطريقَ، وآنستهُ بِطَاحُ\nوأراك حينَ تجيءُ.. توقظُ مَا غَفَا ... عامًا، بقلب أثخنتهُ جراحُ\nفإذا بآلاء اليقين تُظِلُني ... وإذا المحبةُ.. غدوةٌ ورواحُ\nوإذا أنا روحٌ تحلِّقُ في المدى ... لسنىً يلوحُ، وللصفاء يتاحُ\n***\nحسبي رضا.. أن أستظلَ بليلةٍ ... هي للمُحَاسَبِ.. في الحسابِ.. نجاحُ\nحسبي.. وحسبُ العمر.. أن جهادَنَا ... بالعمر.. أوْرَقَ.. أمْ طَوَتْهُ رياحُ\nوالعمرُ.. في دَرَك الغِوَايَة رحلةٌ ... تجتاحُها.. أنَّي مَضَتْ.. أشْبَاحُ\nفإلامَ يا رمضان يَلفَحُنَا أسى ... وبنا تدورُ.. على القلوبِ.. رِمَاحُ؟\nجَمِّعْ قلوبَ المسلمين.. على الهُدَى ... إن الصَفَاءَ علَى يَدَيكَ مُتَاحُ\nوأنرْ لِمَنْ غُلِبُوا شِعَاب جهَادِهم ... فالمتعَبُونَ علَى المروءةِ ناحُوا\nإنا علَى الإيمانِ.. رَغمَ جِرَاحنا ... نخطو.. ونأملُ.. أنْ يُطِل صَبَاحُ\nرمضان (*)\nرمضان.. في قلبي هما هم نشوة ... من قبل رؤية وجهك الوضاء\nوعلى فمي طعم أحس بأنه ... من طعم تلك الجنة الخضراء\nلا طعم دنيانا، فليس بوسعها ... تقديم هذا الطعم للخلفاء\nما ذقت قط ولا شعرت بمثله ... أفلا أكون به من السعداء\n***\n_________\n(*) ديوان للشاعر الكبير: محمد حسن فقي.","vol":"3","page":352},{"text":"قالوا بأنك قادم، فتهللت ... بالبشر أوجهنا.. وبالخيلاء\nوتطلعت نحو السماء نواظر ... لهلال شهر نضارة ورواء\nتهفو إليه، وفي القلوب وفي النهى ... شوق لمقدمه، وحسن رجاء\nلم لا نتيه مع الهيام.. ونزدهي ... بجلال أيام.. ووحي سماء؟\nبهما نحلق في الغمام، ونرتوي ... من عذبه.. ونصول في الأجواء\nونشف أرواحًا فننهج منهجًا ... نفضي به لمرابع الجوزاء\nونصح أجسادًا، فلا نشكوا الونى ... أبدل ولا نشكوا من الأدواء\nفنعود كالأسلاف أكرم أمة ... وأعز في السراء والضراء\n***\nرمضان.. ما أدري ونورك غامر ... قلبي فصبحي مشرق، ومسائي\nأأنال بعد مثالبي ومساوئي ... بك منهما، بعد القنوط شفائي\nنفسي تحدثني بأنك شافع ... عند المهيمين لي من الأسواء\nوبأنني سأنال منك حمايتي ... ووقايتي من معضل الأرزاء\nما أنت إلا رحمة ومحبة ... للناس من ظلم قسا.. وعداء\nفلقد كرمت من السماء بما أتى ... من وحيها.. وشرفت بالإطراء\nسدت الشهور فأنت سيد عامها ... بل أنت سيد دهرها المتنائي\nمهما أقول، فلن تطول مقالتي ... شم الذرى، ولوامع الأسماء\n***\nرمضان.. من بعد الكدورة مسني ... منك الجلال بحكمة ونقاء\nقد كنت أسدر في الضلال وأرتمي ... في حضنه بتبذل وغباء","vol":"3","page":353},{"text":"حتى لقيتك فارعويت عن الخنى ... وكرهت كل ضلالة وعماء\nشتان ما بين الخلاعة والتقى ... أو بين عقل نابه وخواء\n***\nرمضان جئت وقومنا في محنة ... والدين.. جازت حدها.. نكراء\nزعماؤنا -إلا القليل- تورطوا ... فيها، فشقوتنا من الزعماء\nصبغوا الصوارم من دماء شعوبهم ... في الأرض، والأجواء والدأماء\nتلك الدماء زكية يا ليتها ... سالت لأجل كرامة وجلاء\nوتنكروا للدين، فهو خرافة ... في زعمهم جازت على الآباء\nحتى غدونا في صميم بلادنا ... شذاذ آفاق من الغرباء\nإن الزعامة حين تخضع رغبة ... في الحكم.. تصبح لعنة الشرفاء\nكلا، فلا بالدين يعصف كيدهم ... أبدًا، ولا العربية العرباء\nالدين صرح شامخ متوسد ... كنف الجبال، وهامة الصحراء\nلم تجد فيهم حكمة ووداعة ... بالهمس.. أو بصراحة الصرحاء\nفإذا استحى أو خاف منهم خائف ... من سوء دعوته.. دعا بخفاء\nسخروا بكل مسالم.. وتهكموا ... جهلًا وموجدة على الخلصاء\nالفرد يعصف بالجماعة ضاربًا ... صفحا عن التشريع والإفتاء\nفإذا نصحت له تنفج وانتضى ... سيفا يسيل دما على النصحاء\nلو لم يكن نذلا لما حسب العلا ... وقفا ولا إرثا من الآباء\nمهلا.. فرب جريمة لم تنتقم ... من ربها انتقمت من الأبناء\nولربما عجلت فراح بطعنة ... ممن أسال دماءهم.. نجلاء","vol":"3","page":354},{"text":"كم أرعن أوحت له نزغاته ... بالموبقات.. فلج في الإفناء\nريعت به الدنيا وزلزل سمعها ... وضميرها من أسوأ الأنباء\nلكنه استخذي وقد لاحت له ... نذر الصوارم أيما استخذاء\nسحقا لطاغية إذا نزلت به ... أقداره أمسى من الجبناء\nيبكي الذي سفك الدماء بريئة ... تعسًا له من سافك بكاء\nمن سامنا خسفًا ولاقى مصرعًا ... لم يلق غير شماتة وهجاء\n***\nرمضان أثقلنا عليك ولم نكن ... يومًا على أحد من الثقلاء\nعفوًا، فإن نفوسنا في نشوة ... تسري من الأعضاء للأعضاء\nمن بعد ما اصطبرت على لأوائها ... رقصت وقد وافيت من لألاء\nمحبورة بثوابها.. مغمورة ... بعطائها.. مسرورة بلقاء\nلازلت فينا قادمًا ومودعًا ... تسدي فنثني نحن خير ثناء\n***\nيا ذا الجلال.. وأنت خير مؤمل ... للخاطئين.. وأنت خير وقاء\nأوغلت في سبل الهوى فإذا الهوى ... يمسي وطائي المشتهي وغطائي\nوفناؤك الممتد أرحب ساحة ... من أن يضيق بآثم خطاء\nضاقت علي منازلي ومرابعي ... ومسالكي.. وجفا الجنوب كسائي\nودلفت في جنح الدياجر خائفا ... ونكصت حين أبى عليّ فنائي\nلم يبق لي إلاك فارحم آبقًا ... من ناره.. بالروضة الغناء\nإني أحن لزهرها وثمارها ... وتحسن برد ظلالها أحشائي","vol":"3","page":355},{"text":"سأطوف في أرجاائها متهللًا ... متوسلًا بعقيدة سمحاء\nرغم الأثام ثوت بصدري صخرة ... شماء لذت بها من الأنواء\nيا صخرتي الشماء.. إن تتوسلي ... لله أشد بصخرتي الشماء\nفأنا الفقير إليه في ملكوته ... والفقر يقصد سيد الكرماء\nما أستريب بعدله وفضله ... أو أستريب بتوبتي ودعائي (١)\n***\n_________\n(١) مجلة المنهل العدد (٥٠٣) .","vol":"3","page":356},{"text":"رمضان (*)\nرمضان يا شهر الصيام الحـ ... ـر من أسر الظلام\nأطلق بأضواء الهدى ... أسر النفوس من الحطام\nوأنر بقدسي الصفاء ... رؤى الحياة من القتام\nوانضح عواطفنا تقى ... وأكمر نوازعنا وئام\nرمضان يا أمل النفوس ... الظامئات إلى السلام\nيا شهر بل يا نهر ينهل ... من عذوبته الأنام\nطافت بك الأرواح سابحة ... كأسراب الحمام\nبيض يجللها التقى ... نورًا ويصقلها الصيام\nرفافة كشذى الزهور ... نقية كندى الغمام\nشفافة الإحساس قانتة ... مهذبة الكلام\nعزت على الأهواء ... وارتفعت على دنيا الرغام\nوسمت إلى النور الذي ... غمر الوجود به ابتسام\nنور من الفرقان يرفعها ... إلى أسمى مقام\nآياته تشفى السقام ... ولفظه يطفي الأوام\nرمضان معذرة فإنا ... لا وراء ولا أمام\nنمنا وأسرى المدلجون ... وما عسى يجد النيام؟\nطال الطريق بنا وضل ... وهذا منكبنا الزحام\n_________\n(*) شعر محمد بن علي السنوسي.","vol":"3","page":357},{"text":"ولوى الطموح عنانه ... وانقد من يدنا الزمام\nسخرت بنا الأهواء ... وانطلقت تقهقه في عرام\nوتخاذلت همم النفوس ... فلا انطلاق ولا اقتحام\nحال يغص بها الكرام ... شجى ويبتهج اللئام\nرمضان رب فم تمنع ... عن شراب أو طعام\nظن الصيام عن الغذاء ... هو الحقيقة في الصيام\nوهوى على الأعراض ... ينهشها ويقطع كالحمام\nيا ليته إذ صام صام ... عن النمائم والحرام\nواستاك إذ يستاك عن ... كذب وزور وإجرام\nوعن (القيام) لو أنه ... فيما يحاوله استقام\nرمضان نجوى مخلص ... للمسلمين وللسلام\nتسمو بها الصلوات ... والدعوات تضطرم اضطرام\nلله ﷻ ... ذي البر والمنن الجسام\nأن يلهم الله الهداة ... الرشد في كل اعتزام (١)\n***\n_________\n(١) المنهل العدد (٥٠٢) .","vol":"3","page":358},{"text":"رمضان (*)\nبشرى العوالم، أنت يا رمضان ... هتفت بك الأرجاء والأكوان\nوالشعر والأفكار، وهي عتية ... ينتابها لجلالك الإذعان\nلك في السماء كواكب وضاءة ... ولك النفوس المؤمنات مكان\n***\nالشرق، يرقب في هلالك طالعًا ... يعنو لديه، الكفر والطغيان\nوبك استهام فؤاد كل موحد ... يسمو به الإخلاص والإيمان\nسعدت بلقياك الحياة، وأشرقت ... وانهل منك، جمالها الفتان\nوتعلمت عنك الحصانة والحجى ... فانجاب عنها، الهم والخذلان\nوتذكرت فيك العروبة، مجدها ... هل مجدها، إلا الذمار يصان\n***\nيا باعث الآمال، تخفق ثرة ... بالخير، ليس يشوبها بهتان\nومحرر الأخلاق، من قيد الهوى ... إن عمها من زيغه طوفان\nبشراك، تفتر الثغور، لوقعها ... جذلا، ويخفق خاطر وجنان\nوالبشريات صدى النعيم المرتجى ... نصتْ به الآيات والأيان\nما إن تمرد عن نظامك معشر ... إلا وحق عليهم الخسران\nالعبقرية فيك، جلجل صوتها ... لما تنزل بالهدى القرآن\nالدين عنها والحياة، تفردًا ... مجدا، وفاض بنورها الوجدان\nوتهلل الحق الصراح بنفحة ... علوية، فيها هدى وبيان\n_________\n(١) ديوان الشاعر الكبير حسين عرب.","vol":"3","page":359},{"text":"يا مشعلا قبس الحقيقة، بعد أن ... أعيت عن استقصائها، الأذهان\nومبددا حلك الضلالة، حينما ... عم الدنا، من زيفها فيضان\nكانت كما زعم الغواة (حضارة) ... يختال فيها الفرس والرومان\nذلت وذل على المدى عُبّادهُا ... في الغابرين، وشاه منها الشان\nولقد طلعت بشمسها، مدنية ... قدسية، تعنو لها الأخدان\nشيدت علي الحق القويم، فشيدت ... مجدا، يسير بذكره الركبان\n***\nأشرق بنورك في الربوع، وكان لها ... أملًا، يزول بلمحه العدوان\nواذكر (فلسطين) الذبيحة، أرضها ... مجلى الردى، وسماؤها نيران\nفجر اليهود بها، وزاد فجورهم ... مستعمر، بعهوده خوان\nدارت عليها الدائرات فأصبحت ... ينساب فيها، البؤس والأحزان\nشيخ تخضب بالدماء، ومصلح ... يُنفى وحام للذمار يهان\nوفتى يعذب في السجون، وغادة ... تسبي، وطفل دمعه هتان\nتلك الحضارة تنجلي أسرارها ... عنهم، فلا كانت ولا هم كانوا\nتدمي العيون لها، ويرتاع النهى ... من هولها، وتصدع الآذان (١)\n**\n_________\n(١) مجلة المنهل العدد (٥٠٢) .","vol":"3","page":360},{"text":"رمضان.. عدت ولم تزل (*)\nرمضان بالحسنات كفك تزخر ... والكون في لألاء حسنك مبحر\nيا موكبًا أعلامه قدسية ... تتزين الدنيا له وتعطر\nأقبلت رحمى فالسماء مشاعل ... والأرض فجر من جبينك مسفر\nوبسطت بالقربات مائدة الهدى ... تلقى بها الأرواح ما تتخير\nهتفت لمقدمك النفوس وأسرعت ... من حوبها بدموعها تستغفر\nلأمت بتوبتها جراح ذنوبها ... والنفس تسمو بالصيام وتطهر\n***\nرمضان بالقرآن ليلك عاطر ... ويطيب يومك بالدعاء ويزهر\nكم للبطولة فيك من إشراقة ... بالنصر تسحب ذيلها تتبختر\nفجرت بي بدر ينابيع الفدا ... كثبانها مسك يضوع وعنبر\nأرض تربّي النبل في جنباتها ... نشأت تسبح ربها وتكبر\nأرض من الإيمان تنسج درعها ... إن دق ناقوس الوغى تتفجر\nعزفت سنابك خيلها أنشودة ... أودى بها كسرى وجن القيصر\n***\nوحملت من حطين أروع لوحة ... مازلت ذا شغف بها تستأثر\nوشهدت معركة العبور صحيفة ... في المجد تهزأ بالغزاة وتسخر\n***\n_________\n(*) ديوان شعر للشاعر أحمد سالم باعطب.","vol":"3","page":361},{"text":"رمضان عدت ولم تزل خطواتنا ... في كل منعطف بنا تتعثر\nرمضان إنا الصابرون على الأذى ... تدمي مشاعرنا ولا نتأثر\nرويت سيوف عداتنا وسيوفنا ... ببيض تكاد من الصدى تتكسر\nرمضان عدت ولم تزل كلماتنا ... يغتالها الصمت الرهيب فتقبر\nرمضان عدت ولم تزل بسماتنا ... تصلى العذاب على الشفاه فتصهر\nلا النصح أخصب حين أجدب وعينا ... أبدًا ولا عذر يقال فنعذر\nيكفي عقوقًا أننا من غفلة ... نختال في نعم الإله ونكفر\nأرواحنا كلت بها عزماتها ... جوعى تسحّر بالوعود وتفطر\nرمضان عصر الظلم أخرج قيأة ... في جعبتي صفاقة وتجبر\nوالسلم مهزلة يبيع فصولها ... زمن بقانون الحجى متحجر\nوالعدل مات قبيل سن بلوغه ... قتلته أطماع عليه تسيطر\nهذي سراييفو تئن وما رأت ... من أهلها من يستجيب وينصر\nعقمت ديار المسلمين فلم يعد ... زيد بن حارثة يصول وجعفر\n***\nرمضان إن أبصرتنا في غابة ... أسرى وروض الطهر فينا مقفر\nورأيتنا أمما ممزقة الخطا ... وشبابها بمصيرها مستهتر\nوتبدلت أخلاقها وتحورت ... فالخوف حلم والضياع تحرر\nوالغدر حزم والخيانة فطنة ... والصبر أن تحيا وحقك مهدر\nفارفع يديك إلى السماء لعلنا ... بوسيلة من ربنا نتغير (١)\n_________\n(١) مجلة المنهل العدد (٥١٣) .","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>هلال الرحمة </span>(*)\nتناظرت الأيام يومًا بخشعة ... لتبدي ما تخفي سترٌ بليلةِ\nلتكشف ما وَارَى الزمان بكنهه ... وتظهر ما يحويه منها بسبحةِ\nلتطلب حقًا في التساوي فكلها ... دقائق تمضي في الزمان بلمحةِ\nودورة ساعات النهار بسعيه ... وكبوة أجفان الليالي بظلمة\nفهذا زمان الناس يوم وليلة ... وكلّ زمان الناس عدٌ بقسمة\nوكل شهور الناس أيّامُ تنقضي ... وكلّ سنين الناس تمضي بحسبة\nفيا لقضاء الحق أحكم بأزْمُن ... لنيطق بيان العدل فينا بشرعة\nومن يا تُرى قاضي لتلك بليلنا؟! ... لنرقب ما يقضي بتلك القضية!\n***\nفطَلَّ هلال في السماء برونق ... يموج ويعلو في الفضاء كَدُرَّهِ\nيسير ويسْري في المنازل سابحًا ... ويمضي بآلاء الإِله العظيمة\nرويدكم يا أيها الصحب وقفةً ... بعين بصير بل بنور البصيرة\nفنحن جديد الناس بيضٌ كصفحة ... ونحن سويعات الدهور لجولة\nندور ونجري في الزمان وكلنا ... يعد عن الإنسان يمضي بنسخة\nونأتي بكورًا كي يسطر فعله ... فكلّ حريُّ أن يصان بهمة\nوكل حري أن يسجل بالهدى ... ويكتب بالإحسان سعيًا لجنة\nولكن أَزْمَانَ الإِله تفاضل ... بمحكم تنزيل الكتاب وسنة\n***\n_________\n(١) ديوان للشاعر/ محمد عبد الرحمن صان الدين.","vol":"3","page":363},{"text":"فذا عرفات الحج أعلي مقامُه ... وفُضِّل عن أيامنا بمزية\nوذا بشهور الناس شهر مبارك ... وذا بليال الناس فاز بسورة\nوإني هلال الصوم من ذا يفوقني ... أُهلُّ على الإنسان في خير طلعة\nففيّ جهاد النفس تغدو كليلةً ... وتسمو على دنيا المتاع الرخيصة\nويعلو هتاف العقل صوتًا مدويًا ... ليسري بقاعات الضمير برعشة\nوفيّ تَشفُّ الروحُ ترقى لتعتلي ... لتنعم فيوصل العوالي الزهية\nوتضحي قلوب المؤمنين رهيفةً ... وتشرق أغوارُ الفؤاد برحمة\n***\nأنا رمضان الخير بشرى إلى الورى ... أنا رمضان الزاد بين العشيرة\nأنا رمضان البر جودوا ببركم ... أنا رمضان الفوز جدوا لجنة\nفهل يَا تُرى شهري كمثل شهوركم؟! ... وفيّ تباريح القلوب بأنه\nوفي قيام الليل زلفى لخالقٍ ... وفيّ تراويح العباد بِذِلِةِ\nوفيّ كتابُ الله أنزل للورى ... ليحكم بالإحسان بين البريةِ\nأتانا بنور الحق يسطع بالهدى ... لتشرق أعماق القلوب بحكمة\nأتانا بهدي الله والعدلُ حكْمُهُ ... أتانا بآيات الكتاب السّنية\nبليلةِ قدر لا تبارى وفضلها ... حريّ بأن يُسعى إليها بعزمة\nففيها فيوض من كريم بفضله ... وفيها غياث للعباد برحمة\nوفيها عظيم القدرِ والقدرُ عنده ... فيارب وفقنا لتلك المثوبة\nويارب اقبلنا بشهر فضيلة ... ويارب أعتقنا بشهر المبرة\n***","vol":"3","page":364},{"text":"فهيا إلى الرحمن يا ناس أقبلوا ... بقلب سليم من دنايا الدنية\nنشمر عزم الجد شوقًا لنوره ... ونمضي على درب الصراط السوية\nوأن نُشْرعَ الأفلاكَ في بحر توبة ... لعل شراع التوب يحظى بمنة\nوعل شراع الأوب يلقى قبوله ... ليحظى برضوان الإله وروضةِ\nفأطرقت الأيامُ خجلى منيبةً ... ودانت لحُكْم الحق ذاكم بميزة\nودانت شهور الناس للصوم وانبرت ... تقبل أعناق الهلال برغبة\nوطابت نفوس القوم والجمع بهجة ... برؤية إشراق الهلال بطلة\nوقالوا أبا الخيرات عذرًا لجمعنا ... وأهلا بشهر الصوم شهر المحبة\nأنا صائم (*)\nأنا صائم.. ومضى يتمتم في خشوع وابتهال\nوعلى أسرته المضيئة.. بالقداسة.. والجلال\nفيض من الأنوار.. يومض كالصباح على التلال\nكصحيفة الأبرار.. كالقلب المعدل بالوصال\n***\nوبناظريه تسأول.. عذب تدفق في حنان\nوتطلع يطوي المدى.. وبغوص في لج الزمان\nفكأنما عيناه في.. ثبج الأشعة كوكبان\nأو كوتان.. مطلتان.. على فراديس الجنان\n***\n_________\n(*) للشاعر محمد هاشم رشيد.","vol":"3","page":365},{"text":"أنا صائم.. ومضى يتمتم.. لم يثر.. لم يعتد\nلم تنتفخ أوداجه.. حنقا.. ولم يتهدد\nلكنه عبر الطريق.. وسار نحو المسجد\nبسكينة القلب الوقور.. ونشوة المتعبد\n***\nأنا صائم.. ومضى يتمتم.. وهو يرنو للسماء\nوالطهر وشحه.. ولفعه.. بأردية الضياء\nلم يصغ للكلم المسف.. ولا تطاول لاعتداء\nبل سار في ألق القداسة.. تحت أجنحة الصفاء\n***\nومضى يفكر.. لم يعد للتمتمات على الشفاه\nإلا اختلاج صامت.. تعيا المدارك عن مداه\nأنا صائم.. وأنا هنا..\nمازلت.. انتظر الصلاة\nلكنني.. ماذا صنعت؟\nوما سأصنع.. للحياة؟\n***\nهي بضع ساعات.. وأغرق في الشراب وفي الطعام\nوأعود أشعر بالدم المنساب.. ينتشل الحطام\nلكن إخوتي الضعاف النائمين على الرغام","vol":"3","page":366},{"text":"الصائمين عن الحياة المفطرين.. على الحمام\n***\nماذا صنعت لهم؟ ولم أصنع سوى النزر اليسير\nولدى من نعم الإله وبره الفيض الغزير\nمالي سأتركه.. يعانق كل ذي قلب كسير\nويداي أجدر بالسلاح.. لرد عدوان المغير\n***\nوأتى المساء.. ولم يجيء فطفقت أنتظر الصباح\nوأنا أحاول أن أراه.. في الغدو أو الرواح\nحتى بصرت به.. يطل إليّ.. من ألفي وشاح\nيختار فيها المعدمون.. بأوجه غر صباح\nورأيته.. أبصرت صوته.. وقد حمل السلاح\nومضى مع الثوار.. يدلج في الروابي والبطاح\nوالتمتمات البيض في شفتيه.. في لون الجراح\nفعرفت أسرار الصيام وكنه \"حي على الفلاح\"\nويقول الشاعر:\nيا شهر مفترض الصوم الذي خلصت ... فيه الضمائر والإخلاص للعمل\nأرمضت يا رمضان السيئات لنا ... بشربنا للتقى علا على نهل\nوليت ظلك عنا غير منتقل ... بصالح وخشوع غير منفصل\nوليت شهرك حول غير منقطع ... صوم وبر ونسك فيه متصل","vol":"3","page":367},{"text":"ويقول محمد توفيق خانكي تحت عنوان: \"خواطر صائم\":\nيا من إذا مرض الإنسان يشفيه ... أوْ جاع يطعمه أو هام يسقيه\nفرضت فرضًا علينا كم نقدسه ... وبارتياح لدينا كم نحييه\nأهلًا بشهر صيام فيه غبطتنا ... وفيه لذتنا فيما نعانيه\nمن كان ذاق الطوى أو كان في عطش ... طول النهار وذكر الله في فيه\nأغناه عن كل ما أضحى يغذيه ... وصار أعذب من ماء يرويه\nالآمنا لرضاء الله ملجؤنا ... إليه يا حبذا ما قد تعانيه\nقد خص بالعز دومًا أهل طاعته ... وخصّ بالذل عبدًا راح يعصيه\nفكم يذوق محب من صبابته ... صنوف مسغبة غبراء ترديه\nيحيا ويفرح مذ يلقى القبول فلا ... تحجم أخا الحب عن قرض تؤديه (١)\nويقول شاعر آخر:\nشهر الشهور أتى بالخير أجمعه ... عن سابغ العفْوِ والغُفران لم يَحُلِ\nفيه الشياطين قد سُدَّتْ منافذُها ... وسُلسِلَتْ مَالَهَا في الشر من أمل!\nيا نفس للفوز هذي فرصة سَنَحتْ ... دَعِي الوساوسَ والزَّلات وامتثلي\nفَقُوتِكِ اليوَم: أذكار وأدْعية ... مِلء المحارِيب، ملِء السهْلِ والجبل\nأما الشرابُ، فكأس لا شراب بها! ... فمِلؤُها الصَّفْوُ يَشْفي شِرة الغُلل\nصفْو بِهِ الروح ترقى في معارجها ... والجسم يسمو عن الإفراط في الأكلِ\n***\n_________\n(١) \"قرة العين في رمضان والعيدين\" لعلي الجندي (٢/١٦) .","vol":"3","page":368},{"text":"محمد الأخضر الجزائري عن هلال رمضان:\nاملأ الدنيا شعاعا ... أيها النور الحبيب\nاسكب الأنوار فيها ... من بعيد وقريب\nذكر الناس عهودا ... هي من خير العهود\nيوم كان الصوم معنى ... للتسامي والصعود\nينشر الرحمة في الأر ... ض على هذا الوجود\nيفتح الأرواح للحب ... ويمضي بالصدود\nوتكاد العين أن تنظر ... من خلف الحدود\nوتكاد اليد أن تلمس ... أسباب الخلود\nهو عهد قد تقضى ... كله بر وجود\nوفي وداع رمضان:\nبالأمس أقبل مشرق الميلاد ... شهر التقاة وقبلة العباد\nفي موكب الأفراح خط رحاله ... وأقام في بشر وفي إسعاد\nحلم يمر وفرصة مرغوبة ... كالطيف لا كبقية الآماد\nواليوم شد إلى الرحيل متاعه ... قد زود الدنيا بخير الزاد\nلا أوحش الر-حمن منك- منازلا ... خير الليالي بين كل معاد\nرمضان تأتي والوجود معرس ... وتجيء أثرك بهجة الأعياد\nوإذا عزمت على الرحيل فإنما ... حزن الفراق يحز في الأكباد (١)\n_________\n(١) ديوان \"فلسفة الحياة\" (٦٠)، لعبد الغفار الدلاش.","vol":"3","page":369},{"text":"مصطفى حمام:\nأنا يا شهرنا الكريم وفيّ ... أنا باق على هوى رمضان\nإن أيامك الثلاثين تمضي ... كلذيذ الأحلام للوسنان\nأمل السماء (*)\nتتغير الدنيا.. ولا تتغير ... ومدى الزمان تجيء، لا تتأخر\nفي كل عام أنت أكرمُ زائر ... للأرض، تهدي من بها يتعثر\nلكننا.. والظلم يفترش الربى ... ونفوسنا مما تبرى تتحسر\nلم ندر كيف إلى التسامي نهتدي ... والأقوياء على الضعاف تجبروا\n***\nرمضان.. يا شهر التحرر، ليتنا ... من جاهلية فكرنا نتحرر\nرمضان تأتي واللظى يغتالنا ... والحب في جنباتنا يتكسر\nوالظلم يفتد بالأحبة، والمدى ... مما يراه، على المدى يتفجر\nوالجوع يفترس العباد، فترتمي ... كتلا مواكبُهم، هنا تتضور\nوخزائن الأموال خلف سدودها ... بِضراوة الحرمان.. لا تتأثر\n***\nحتام يا رمضان يصرخ جائع ... ويئن ظمآن.. ويسقط معسر؟\nالصوم فيك فريضة، ولحكمة ... شُرِع الصيامُ لعالم يتدبر\n_________\n(*) ديوان للشاعر يس الفيل.","vol":"3","page":370},{"text":"لكننا.. والنفس مال بها الهوى ... نعدو.. ولكن الخطى تتقهقر\nفإلى متى هذا الضلال وعالمي ... رغم الغواية بالهداية أجدر؟\n***\nرمضان يا أمل السماء لأمة ... بك لم تزل عبر المدى تستبشر\nثبت على التقوى قلوب أحبتي ... وامنح هداك لعالم يتدهور\nواهد الهداة إلى مرافيء دينهم ... واحفظ خطاهم في الطريق ليعبروا\nواحمل إلى ملأ السماء تحية ... من أمة بصيامها تتطهر\nما زلت يا رمضان أكرم زائر ... للأرض، تهدي من بها يتعثر\nولسوف تبقى فرحة أبدية ... ليست تُمل، وإن تكن تتكرر (١)\n***\nيقول الشاعر محمد الأسمر في ديوانه \"بين الأعاصير\" (٥٩٢):\nرعى الله شهر الصوم أما نهاره ... فغاب وأما ليله فهو ساهرُ\nوحيّا رجالًا حين لاح هلاله ... مشت بهم مشي النسيم البشائر\nبطان إذا ما الشمس أرخت قناعها ... خماص إذا ما أقبلت وهي سافر\nخضوعًا لمن فوق السموات عرشه ... ويعلم منهم ما تكن السرائر\nهو الله فاعبده العبادة كلها ... إذا راح يلهو بالعبادة فاجر\n* ويقول الشاعر مصطفى حمام:\nانفثوا السحر يا رجال البيان ... فأطيلوا الحديث عن رمضان\nالعزيز الحبيب اسْمَح منْ أهل ... علينا وأكرم الضيفان\n_________\n(١) مجلة منار الإسلام، العدد التاسع - السنة السادسة عشر.","vol":"3","page":371},{"text":"النصيح المعلم الواعظ الها ... دي رسول الحنان والإحسان\nحدثونا عن راحة القيد فيه ... حدثونا عن نعمة الحرمان\nهو للناس قاهر دون قهر ... وهو سلطانهم بلا سلطان\nقال: جوعوا نهاركم فأطاعوا ... خشعا يلهجون بالشكران\nقال: افنوا الدجى بنسك وذكر ... فتباروا في طاعة الرحمن\nإفسحوا لي في الذاكرين مكانا ... ومكان في مجلس القرآن\nهيئوا لي منارة احتفي بالفجر ... فيها مجلجلة بالأذان\nويقول الشاعر محمد هارون الحلو:\nالله أكبر لاح وجه المشرق ... بهلاله وجبينه المتألق\nرمضان أقبل بالبشائر والهدى ... وبسلسل من بره المتدفق\nقدس من الصلوات في نفحاته ... ما شاء كل منهمُ أن يستقي\nحفوا به وقد استحف نفوسهم ... فيض الجلال به وحسن الرونق\nشهر به غدر الليالي أشرقت ... في الدهر بالأمل السني الشيق\nمرحى هلال الصوم عدت بطلعة ... وضاء سنا جبين مشرق\nوالله أودع فيك من أسراره ... روحا بغير البر لم يتخلق\nهو ذلك الشهر الكريم تحدثت ... عن السماء بسرها المتغلق\nسطعت بنور الله فيك حقيقة ... تهدي لسعي في الزمان موفق\nويقول الشاعر محمود جبر:\nرمضان يا طهر النفوس ... هرعت استجديك وقدك\nواعف يومك عن الحديث ... لا يطابق منك قصدك","vol":"3","page":372},{"text":"وأذيب ليلك في التبتل ... أبتغي الأنوار عندك\nأنت المفضل في السماء ... وبالكتاب خصصت وحدك\nيا معبد المتهجدين ... فزعت استهديك رشدك\nيا قلب ذلك من تحب ... فَسُق له يا قلب وجدك\nواشرح له شوق الجوا ... رح وابتغ الإحسان جهدك\nضل الذي لا يستطيب ... شذا رباك وعرت وردكْ\nرمضان يا روض الخلود ... أنا اللهيف رجوتُ سعدكْ\nويقول الشيخ عبد الله بن علي في وداع رمضان:\nخليليّ شهر الصوم زمّت مطاياه ... وسارت وفود العاشقين بمسراه\nفيا شهر لا تبعدْ لك الخير كله ... وأنت ربيع الوصل يا طيب مرعاه\nمساجدنا معمورة في نهاره ... وفي ليله والليل يحمد مسراه\nعليك سلام الله شهر قيامنا ... وشهر تلاقينا بدهر أضعناه\nويقول الشاعر اليمني عبد العزيز الدريني:\nأي شهر قد تولى ... يا عباد الله عنا\nحق أن نبكي عليه ... بدماء لو عقلنا\nكيف لا نبكي لشهر ... مرّ بالغفلة عنا\nثم لا نعلم أنا ... قدد طُردنا أو قُبلنا\nكان هذا الشهر نورًا ... بيننا يزهو حسنا\nفاجعل اللَّهم عقباه ... لنا نورًا حسنًا\n***","vol":"3","page":373},{"text":"وأخيرًا مع الشاعر الذي يستمطر الدمع من رقة شعره.. مع عمر بهاء الدين الأميري، وقد كتب في رمضان هذي القصائد.\nيقول في ديوانه \"قلب ورب\" في قصيدة \"الصيام والغذاء\":\nجدد حياتك بالصيام ... فبالصيام غذاء روحكْ\nداوِ الذي تشكوا بتقوى ... الله، تبرأُ من قروحكْ\nواغنم أوَيْقات التجلي ... في الطريق إلى نزوحك\nاشحذ سُمُوك عن حياة ... اللغو، وادأب في طموحكْ\nوارقَ الذُّرا ودع الثرى ... طال المقام على سفوحِكْ\nويقول في قصيدة \"في العبء\":\nيا ربّ ... يا رب.. عبد في صَدَىً (١) وطِوَىً (٢)\nمُوله.. نائس (٣) منْ غربة لِنَوى\nتداولته كف الدهر وانطلقت\nيسعى به هائمًا في لهفة وجوى\nقلب مواجعه في خفقة ضرعتْ\nيدعو.. ويدعو.. ويرجو للعليل دَوا\n***\n_________\n(١) الصدى: العطش.\n(٢) الطِوى: الجوع\n(٣) النائس: المتحرك المتذبذب.","vol":"3","page":374},{"text":"وقال في قصيدته \"رمضان العافية\":\nقالوا: سيتعبك الصيامُ\nوأنت في السبعين مضني\nفأجبت بل سيشد من\nعزمي، ويحبو القلب أمنًا\nذكرًا.. وصبرًا.. وامتثالًا\nالذي أغنى وأقنى\nويمدني.. روحًا وجسمًا\nبالقوى معنى ومبنى\nرمضان عافية فصمة\nتُقىً، لتحيا مطمئنا\nويقول في ليلة القدر قصيدة \"نشوة القدر\":\nما نبا سيفي ولا دهري أبي\nمُذ تخذت الله فَذا مأربا\nوتوجهت إلى كرسيه\nأرمق العرش، وتقديسي ربا\nمسلفا جسمي وروحي للسنا\nوخلاياي تعيش الطرب\nغمر الأكوان بالنشوة في\nليلة القدر، سُمْوّا مجتبى","vol":"3","page":375},{"text":"وتجلى النور في قلبي رضًا\nفاض إنعامًا.. وأسدى وحَبَا\nويقول في رمضان في قصيدة \"كل وهمته\":\nتتالت دقائقه مطمئنة\nوفرّت.. ومرّت كبرق الأسنة\nله وَقْعُه.. ولَهُ لمعُهُ\nأفانين: فيضٌ.. وفرض.. وسنة\nوكل وهمته.. والتجلي\nمشاع، ولله فضل ومنّة\nفمن كان في قلبه نورُه\nسما.. ونما في ليالي المظنة\nومن كان في القلب ديجوره\nسألنا له الله كشف الدجنة\nويقول في قصيدته \"برق في منام ليلة قدر\":\nأبرقٌ؟ وكيف! وما أرعدا؟!\nأم النورُ في البون.. حرا بدا؟\nومن أي أفق؟ ثرى أم ذُرا\nومن أيّ نبع أفاض النّدى؟!\nتراءى.. ولا.. ليس من وجهة!\nفلا.. لا ثرى.. لا ذُرا.. لا مدى!","vol":"3","page":376},{"text":"وفي ليلة القدر.. غفوًا وصحوًا\nمتى؟ كم.. وكم؟ أزلا سرمدا\nوأُسمعت لا من فم نغمةً\nجِنَانيّة ما لها من صدى\nتزف لي المجد والسعد في\nتجلّ.. وتوردني الموردا\nإذا كدتُ أزلق عن أوجه\nتبدت.. ومدّت لجذبي يدا\nوقال لي القلب: إني هنا\nلديّ السنا.. والمُنى.. والجدا\nفملت إلى لا نهاياته\nوبادرني حفقة منجدا\nوأنعم بالذكر كنهي رضا\nوأدنى لمنطلقي الفرقدا\nنضا عن كياني حجاب الهوى\nوعيني غطىّ.. فلم تشهدا\nوبصرّ عقلي بسرّ الدنا\nوقد صاغها ربها معبدا\nوذراتها.. ذرّة.. ذرّة\nتُصَلي.. فتابعها واقتدى","vol":"3","page":377},{"text":"وعُدْت رويدا.. رويدا.. إلى\nجذوري.. وعايشتُها مُصْعِدا\nولكن بروحيَ.. شوقي بكى\nوذوقي ذكا.. وقصيدي شدا\nوأخيرًا يقول في وداع رمضان - في قصيدة \"رمضان\":\nذهبت راؤُهُ.. ونونُ ختامه\nفانبرى في الحديث عن أيامه\nقال شهري مضى.. ويا فوز عبد\nلم ينم عن صيامه وقيامِهْ..\nهو قد برّ نفسه فتصدى\nللتجليّ.. واشتد في إقدامهْ\nوالرحيم الرحمن برّ مناهُ..\nفتجلى له بفيض سلامه\nأنا حيّ في قلبه، وستبقى\nليلة القدر في سنا أحلامه\nوأخيرًا \"حتى ترضى\" يقول الأميري.. ونختم بها:\nلك الحمد طوعًا.. لك الحمد فَرْضا\nوثيقًا عميقًا.. سماءً وأرضًا\nلك الحمد صمتًا.. لك الحمد ذكرًا\nلك الحمد خفقًا حثيثا.. ونبضا","vol":"3","page":378},{"text":"لك الحمد ملء خلايا جَناني\nوكل كياني.. رنوا وغمضا\nإلهي وجاهي إليك اتجاهي\nوطيدًا مديدًا لترضى فأرضي\nوآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.\nسيد بن حسين العفاني\n***","vol":"3","page":379}]}