{"ً":{"ٌ":23067,"ٍ":"تنزيه الأصحاب عن تنقص أبي تراب","َ":2,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: تنزيه الأصحاب عن تنقص أبي تراب\nالمؤلف: حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري (ت ١٤١٣هـ)\nالناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد من المجلة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1077,"ٕ":1,"ٖ":1770155449,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["30","31"],"ٚ":[{"title":"تنزيه الأصحاب عن تنقص أبي تراب","level":1,"page":1},{"title":"وهذا آخر ما تيسر إيراده","level":1,"page":39}],"ٛ":{"30,68":1,"30,69":2,"30,70":3,"30,71":4,"30,72":5,"30,73":6,"30,74":7,"30,75":8,"30,76":9,"30,77":10,"30,78":11,"30,79":12,"30,80":13,"30,81":14,"30,82":15,"30,83":16,"30,84":17,"30,85":18,"30,86":19,"31,61":20,"31,62":21,"31,63":22,"31,64":23,"31,65":24,"31,66":25,"31,67":26,"31,68":27,"31,69":28,"31,70":29,"31,71":30,"31,72":31,"31,73":32,"31,74":33,"31,75":34,"31,76":35,"31,77":36,"31,78":37,"31,79":38,"31,80":39},"ٜ":{"30":[68,86],"31":[61,80]},"ٝ":["30,68","30,69","30,70","30,71","30,72","30,73","30,74","30,75","30,76","30,77","30,78","30,79","30,80","30,81","30,82","30,83","30,84","30,85","30,86","31,61","31,62","31,63","31,64","31,65","31,66","31,67","31,68","31,69","31,70","31,71","31,72","31,73","31,74","31,75","31,76","31,77","31,78","31,79","31,80"],"ٞ":{"1":[1],"39":[2]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تنزيه الأصحاب عن تنقص أبي تراب</span>\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله التويجري غفر الله له ولوالديه\nالحمد لله نحمده ونستعينه. ونستغفره ونتوب إليه. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمد عبده ورسوله وخيرته من خلقه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير الأمة وأتقاها. وأعلمها وأهداها. وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم وساروا على نهجهم القويم. وسلم تسليما كثيرا.\nأما بعد فقد رأيت مقالا لأبي تراب الظاهري تعرض فيه للغض من الصحابة عامة ومن أبي بكر وعمر ﵄ خاصة. وهذا المقال السيئ منشور في جريدة عكاظ في عدد (٣١٦٣) - السبت - ١٣محرم سنة ١٣٩٥هـ. والتعرض للصحابة ﵃ بالكلام الذي يقتضي التنقص لهم والغض منهم لا يصدر إلا من جاهل أو مبغض للصحابة.\nوقد ورد الوعيد على ذلك. فروى الترمذي في جامعه عن عبد الله بن المغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه\". وروى أبو نعيم في الحلية عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"شرار أمتي أجرؤهم على صحابتي\". وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا ذكر أصحابي فأمسكوا\". وقال محمد ابن سيرين: \"ما أظن رجلا ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي ﷺ","vol":"30","page":68},{"text":"رواه الترمذي وقال هذا الحديث غريب حسن. وروى أبو نعيم في الحلية من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء أو عن زيد بن وهب أن سويد بن غفلة دخل على علي بن أبي طالب ﵁ في إمارته فقال: \"يا أمير المؤمنين إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر ﵄ بغير الذي هما أهل له من الإسلام\" فنهض إلى المنبر وهو قابض على يدي فقال: \"والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق فحبهما قربة وبغضهما مروق. ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين فأنا بريء ممن يذكرهما وله معاقب\".\nوإذا علم ما في هذه الأحاديث تحريم عيب الصحابة عامة وأبي بكر وعمر ﵄ خاصة وتحريم أذيتهم والتعرض لما فيه تنقص لهم وغض من قدراتهم وعلم أيضًا أنه لا يتجرأ على الكلام في الصحابة إلا شرار هذه الأمة فليعلم أيضا أن الصحابة ﵃ أجل قدرا وأكثر علما وأقوى إيمانا ممن بعدهم إلى آخر الدهر فينبغي إجلالهم وتوقيرهم واحترامهم وتفضيلهم على من سواهم من سائر هذه الأمة. قال عبد الله بن عمر ﵄: \"من كان مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب النبي ﷺ كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة\" رواه أبو نعيم في الحلية.\nوروى رزين عن عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه وإذا علم هذا ففي كلام أبي تراب خمسة مواضع زل فيها عن الحق والصواب وقد رأيت أن أنبه على زلاته لئلا يغتر بها من لم يعرف قدر الصحابة وفضلهم على سائر الصحابة وفضلهم على سائر الأمة.\nالموضع الأول: زعم أبو تراب أن أمهات المؤمنين أفضل من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.\nوالجواب أن يقال: هذا خطأ مخالف للأحاديث الكثيرة عن النبي صلى اله عليه وسلم ومخالف لإجماع الصحابة ﵃ على تفضيل أبي بكر ثم عمر على سائر الأمة.\nفأما الأحاديث فالأول منها ما رواه الإمام أحمد والطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: خرج علينا رسول","vol":"30","page":69},{"text":"الله ﷺ ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: \"رأيت قبيل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين فأما المقاليد فهذه المفاتيح وأما الموازين فهذه التي يوزن بها فوضعت في كفة ووضعت أمتي فوزنت بهم فرجحت ثم جيء بأبي بكر فوزن بهم فرجح بهم ثم جيء بعمر فوزن بهم فرجح بهم ثم جيء بعثمان فوضع في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجح بهم ثم رفعت\" هذا لفظ الطبراني قال الهيثمي ورجاله ثقات.\nوروى الإمام أحمد والطبراني أيضًا عن أبي إمامة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وروى الطبراني أيضًا عن معاذ بن جبل وعرفجة وأسامة بن شريك ﵃ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضًا وفي هذه الأحاديث أوضح دليل على أن عمر ﵁ أفضل من أمهات المؤمنين ومن سائر هذه الأمة سوى أبي بكر ﵁ فإنه أفضل من عمر ﵁. وفيها أبلغ رد على أبي تراب حيث فضل أمهات المؤمنين على عمر ﵁ بغير دليل بل بمجرد الظن المخالف للأدلة الصحيحة.\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ إذ طلع أبو بكر وعمر فقال رسول الله ﷺ: \"هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين يا علي لا تخبرهما\" رواه الترمذي وابن ماجة وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند وإسناده حسن وهذا لفظ الترمذي. ولفظ عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه سلم فأقبل أبو بكر وعمر ﵄ فقال: \"يا علي هؤلاء سيدا كهول أهل الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين\" قال الترمذي: وفي الباب عن أنس وابن عباس ﵃.\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: \"هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين لا تخبرهما يا علي\" رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب.\nوعن أببي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين\" رواه ابن ماجة بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه.\nوروى البزار والطبراني عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وروى الطبراني أيضا عن ابن عمر وجابر بن","vol":"30","page":70},{"text":"عبد الله ﵃ عن النبي ﷺ نحو ذلك أيضًا.\nوفي هذه الأحاديث أوضح دليل على أن أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر ﵄. وفيها أبلغ رد على أبي تراب فيما شذ به من تفضيل أمهات المؤمنين على عمر ﵁.\nوعن عبد الله بن حنطب ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ فنظر إلى أبي بكر وعمر ﵄ فقال: \"هذان السمع والبصر\" رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل ومكائيل وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر\" رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين\" رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه مختصرا وقال الترمذي هذا الحديث حسن غريب وقال الحاكم صحيح الإسناد. وفي هذا الحديث والحديثين قبله أوضح دليل على أن أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر ﵄. وفيها أبلغ رد على أبي تراب فيما شذ به من تفضيل أمهات المؤمنين على عمر ﵁.\nوعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب\" رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم في مستدركه وقال الترمذي حديث حسن غريب وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لعمر ﵁، والأحاديث في فضل عمر ﵁ كثيرة جدا وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على أبي تراب وبيان خطئه وشذوذه حيث فضل أمهات المؤمنين على عمر ﵁.\nوأما إجماع الصحابة ﵃ على تفضيل أبي بكر ثم عمر ﵄ على سائر الأمة فرواه البخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي وعبد الله","vol":"30","page":71},{"text":"ابن الإمام أحمد في كتاب السنة عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: \"كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃\". هذا لفظ البخاري في إحدى الروايتين وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب. وفي الرواية الأخرى عند البخاري قال: \"كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم\". ورواه أبو داود بهذه الزيادة. وعند عبد الله بن الإمام أحمد: \"ثم لا نفاضل أحدا على أحد\". وفي رواية له: \"يبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره علينا\". وفي رواية له ولأبي داود عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: \"كنا نقول - ورسول الله ﷺ حي - أفضل أمة النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان\". وروى الإمام أحمد في مسنده وابنه عبد الله في كتاب السنة من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: \"كنا نعد -ورسول الله ﷺ حي وأصحابه متوافرون - أبو بكر وعمر وعثمان ثم نسكت\". وروى عبد الله أيضًا في كتاب السنة من حديث عمر بن أسيد عن ابن عمر ﵄ قال: \"كنا نقول في زمن النبي ﷺ: رسول الله خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر\". وروى عبد الله أيضا في كتاب السنة عن أبي هريرة قال: \"كنا نعد - وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون - خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر\". ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده ولفظه قال: \"كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ ونحن متوافرون نقول أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت\". وروى البخاري في صحيحه وأبو داود في سننه وعبد الله الإمام أحمد في كتاب السنة عن محمد بن الحنفية قال: \"قلت لأبي أيُّ الناس خير بعد رسول الله ﷺ قال: أبو بكر..قلت ثم من؟ قال: ثم عمر..وخشيت أن يقول عثمان قلت ثم أنت قال ما أنا إلا رجل من المسلمين\". وروى الإمام أحمد وابنه عبد الله في زوائد المسند وفي كتاب السنة من طرق الكثير وابن ماجة عن علي ﵁ أنه قال: \"خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر\" وفي بعض الروايات عند الإمام أحمد وابنه عبد الله عن أبي جحيفة وعبد خير عن علي ﵁ أنه قال: \"خير","vol":"30","page":72},{"text":"هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وخيرها بعد أبي بكر عمر ولو شئت سميت الثالث\". وروى أبو نعيم في الحلية من حديث أبي جحيفة ﵁ قال: \"خطبنا علي بن أبي طالب ﵁ على منبر الكوفة فقال: ألا إن خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ولو شئت أن أخبركم بالثالث لأخبرتكم ثم نزل من المنبر وهو يقول عثمان عثمان\".\nوروى أبو نعيم أيضًا من حديث سويد مولى آل عمر وابن حريث قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول على المنبر: \"إن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان\". وروى الإمام أحمد في مسنده وابنه عبد الله في كتاب السنة والحاكم في مستدركه عن علي ﵁ قال: \"سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر وثلث عمر ثم خبطتنا فتنة ويعفو الله عمن يشاء\". قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nقال الجوهري: \"المصلي تالي السابق\". قال أبو عبيد: \"وأصل هذا في الخيل فالسابق الأول والمصلي الثاني قيل له مصل لأنه يكون عند صلا الأول وصلاه جانبا ذنبه عن يمينه وشماله ثم يتلو الثالث\". انتهى.\nوعن عمار بن ياسر ﵄ أنه قال: \"من فضل على أبي بكر وعمر أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أزرى على المهاجرين والأنصار واثني عشر ألفا من أصحاب محمد ﷺ\" ورواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: وفيه حازم بن جبلة ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد حدثني أبو معمر حدثنا ابن أبي حازم قال: \"جاء رجل إلى علي بن الحسين فقال: \"ما كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ؟ قال: \"كمنزلتهما منه الساعة\". وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه عبد الله وابن أبي حازم لم أعرفه وشيخ عبد الله ثقة. وقال مسروق: \"حب أبي بكر وعمر ﵄ ومعرفة فضلهما من السنة\". ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب. وقال القرطبي في المفهم: \"المقطوع به بين أهل السنة أفضلية أبي بكر ثم عمر\".\nوإذا علم ما ذكرنا من إجماع الصحابة ﵃ على تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ﵃ على","vol":"30","page":73},{"text":"سائر الأمة وأنهم لم يستثنوا في إجماعهم خصلة من خصال الفضل لا العلم ولا غيره. وعلم أيضًا أن النبي ﷺ كان يبلغه قول أصحابه في تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان فلا ينكره. وعلم أيضًا ما حكاه القرطبي عن أهل السنة من تفضيل أبي بكر ثم عمر. فليعلم أيضًا أنه لم يخالف إجماع الصحابة وأهل السنة من بعدهم سوى الروافض الذين يفضلون عليا وأهل بيته على أبي بكر وعمر ﵄ وقد سلك أبو تراب طريقة تشبه طريقة الروافض في تفضيله أمهات المؤمنين على عمر ﵁ فخالف السنة والإجماع وشذ عن طريق أهل السنة والجماعة وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية.\nوممن خرق الإجماع أيضًا أبو محمد ابن حزم، قال الحافظ الذهبي في ترجمة أم المؤمنين عائشة ﵂ في كتاب تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام: \"ومن عجيب ما ورد أن أبا محمد ابن حزم مع كونه أعلم أهل زمانه ذهب إلى أن عائشة أفضل من أبيها. وهذا مما خرق به الإجماع\" انتهى.\nالموضع الثاني: زعم أبو تراب أن أبا هريرة ﵁ غلب الصحابة كلهم بعلمه وغزارة حفظه لحديث المصطفى. قال: \"وهذا معاذ بن جبل وابن مسعود وعلى بن أبى طالب كانوا أفقه من عمر وهو يشهد بذلك ولكنهم لم يكونوا أفضل منه\".\nوالجواب أن يقال لاشك أن أبا هريرة ﵁ كان من علماء الصحابة وحفاظهم وقد حفظ عن النبي ﵊ علما كثيرا. وكذلك على بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن مسعود ﵃ ولكنهم مع ذلك لم يكونوا مثل أبي بكر وعمر ﵄ في العلم فقد كانا يفوقان غيرهما من الصحابة في العلم وفي جميع الفضائل. وسيأتي ذكر ما لهما من المزايا في كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية إن شاء الله تعالى.\nوقد شهد حبر الأمة عبد الله بن مسعود ﵁ لعمر ﵁ بغزارة العلم وشهد له بذلك أيضا حذيفة بن اليمان ﵁ وسعيد ابن المسيب وعمر وبن ميمون وإبراهيم النخعي. وسيأتي ذكر أقوالهم إن شاء الله تعالى.\nوقد امتاز عمر ﵁ بخصال لم تكن لمن بعده من الصحابة فضلا عن غيرهم. وهي من أوضح","vol":"30","page":74},{"text":"الأدلة على غزارة علمه وأن عليا ومعاذ وابن مسعود وابن عمر وأبا هريرة ﵃ لا يقاسون به في العلم فضلا عن أن يكونوا أعلم منه ... منها أنه وافق ربه أو وافقه ربه في عدة مواضع مذكورة في الصحاح وغيرها وسيأتي حديث ابن عمر ﵄ وفيه قال ابن عمر ﵄: \"ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر\".\nومنها أنه استنبط الأمر الذي أشكل على أصحاب النبي صلى الله وسلم وخفي عليهم وذلك حين حلف رسول الله عليه وسلم أن لا يدخل على نسائه شهرا فقال الناس طلق رسول الله ﷺ نساءه، فاستأذن عمر ﵁ على رسول الله ﷺ وقال له أطلقت نساءك؟ فقال: \"لا\" فقام عمر ﵁ على باب المسجد ونادى بأعلى صوته لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه ونزلت الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ قال عمر ﵁: \"فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر\". والحديث بذالك في صحيح مسلم.\nوفي هذه القصة فضيلة ظاهرة لعمر ﵁ ودليل على أنه من أكبر أولي الأمر الذين نوَّه الله بهم في هذه الآية الكريمة.\nومنها أن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه وقد جاء في ذلك عدة أحاديث. الأول منها عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ﷿ جعل الحق على لسان عمر وقلبه\" قال وقال ابن عمر ﵄: \"ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر\". رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب. قال وفي الباب عن الفضل بن عباس وأبي ذر وأبي هريرة ﵃. وفي رواية لابن حبان: \"إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به\".\nالحديث الثاني عن أبي ذر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به\" رواه ابن ماجة.\nوقد رواه الحاكم في مستدركه ولفظه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله جعل الحق","vol":"30","page":75},{"text":"على لسان عمر وقلبه\" قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال الذهبي في تلخيصه على شرط مسلم.\nالحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله جعل الحق على لسان عمرو قلبه\" رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني في الأوسط قال الهيثمي ورجال البزار رجال الصحيح غير الجهم بن أبي الجهم وهو ثقة.\nالحديث الرابع عن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله وضع الحق على لسان عمر وقلبه يقول به\" رواه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي وفيه علي بن سعيد العكامري ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح.\nالحديث الخامس عن بلال ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه\" رواه الطبراني.\nالحديث السادس عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه\" رواه الطبراني. وهذا الحديث والذي قبله ضعيفان وما قبلهما من الأحاديث يشهد لهما ويقويهما. وفي هذه الأحاديث أوضح دليل على أنه لم يكن في الصحابة بعد أبي بكر أعلم من عمر لأن الله تعالى جعل الحق على لسانه وقلبه يقول به ومن كان كذلك فلا بد أن يكون أعلم ممن لم يجعل الله الحق على لسانه وقلبه. وفيها أبلغ رد على أبي تراب حيث زعم أن أبا هريرة ﵁ قد غلب الصحابة كلهم بعلمه ومنهم عمر ﵁ وأن عليا ومعاذ وابن مسعود ﵃ كانوا أفقه من عمر ﵁. ومنها ما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر\" وفي رواية: \"لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر\". وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: \"قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم\" قال","vol":"30","page":76},{"text":"الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقال مسلم قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون. وقال الترمذي أخبرني بعض أصحاب بن عيينة عن سفيان عن ابن عيينة قال محدثون يعني مفهمون. وقد رواه الطبراني في الأوسط ولفظه قال: \"ما كان من نبي إلا في أمته معلم أو معلمان وإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر بن الخطاب إن الحق على لسان عمر وقلبه\". وعن علي ﵁ قال: \"إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر ما كنا نبعد أصحاب محمد ﷺ إن السكينة تنطق على لسان عمر\". رواه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي وإسناده حسن. وقد رواه مسدد وأحمد بن منيع عن الشعبي أن عليا ﵁ قال: \"كنا أصحاب محمد ﷺ لا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر\". وروى عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة من طريق الشعبي عن وهب السوائي ﵁ قال: خطبنا علي ﵁ فقال: \"من خير هذه الأمة بعد نبيها فقلت أنت يا أمير المؤمنين قال: لا. خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر\". وعن ابن مسعود ﵁ قال: \"ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر\" رواه الطبراني قال الهيثمي وإسناده حسن. وعن طارق بن شهاب ﵁ قال: \"كنا نتحدث أن السكينة تنزل على لسان عمر\" رواه الطبراني وقال الهيثمي ورجاله ثقات.\nوفي هذه الأحاديث دليل على أنه لم يكن في الصحابة بعد الصديق ﵁ أعلم من عمر ﵁. وفيها أبلغ رد على أبي تراب حيث فضل عليا وأبا هريرة ومعاذا وابن مسعود ﵃ على عمر ﵁ بالعلم والفقه ... ومنها أن النبي ﷺ أمر بالإقتداء بأبي بكر وعمر خاصة كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وابنه عبد الله في كتاب السنة والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: \"إني لا أرى مقامي فيكم إلا قليلا فاقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه\". هذا لفظ ابن حبان ورواية الترمذي وابن ماجة مختصرة وقال الترمذي هذا حديث حسن. قال وفي الباب عن ابن مسعود. وفي رواية الإمام أحمد: \"وما","vol":"30","page":77},{"text":"حدثكم ابن مسعود فصدقوه\" ورواه الحاكم بنحوه. وقال هذا حديث من أجل ما روي في فضائل الشيخين وصحح هذا الحديث ووافقه الذهبي على تصحيحه ثم روى الحاكم حديث ابن مسعود ﵁ الذي أشار إليه الترمذي وصححه وإسناده ضعيف.\nوحديث حذيفة ﵁ من أوضح الأدلة على أنه لم يكن في الصحابة ﵃ أعلم من أبي بكر وعمر ﵄ لأن النبي ﷺ لم يكن ليأمر علماء الصحابة بالإقتداء بمن هو دونهم في العلم وإنما يأمرهم بالاقتداء بمن هو أعلم منهم. وفيه أبلغ رد على أبي تراب حيث فضَّل أبي هريرة على أبي بكر وعمر ﵄ في العلم وفضَّل عليا ومعاذا وابن مسعود وابن عمر ﵃ على عمر ﵁ في العلم والفقه.\nومنها أن النبي ﷺ أعطى عمر ﵁ فضل اللبن الذي شرب منه في منامه وأوَّل ذلك بالعلم كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن عبد الله ابن عمر ﵄ قال: كان رسول ﷺ يحدث قال: \"بينا أنا نائم رأيتني أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى أني أرى الري يخرج في أطرافي - وفي رواية: من أظفاري - ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب\". فقالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله. قال: \"العلم\" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب. وقد رواه الطبراني ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: \"رأيت في النوم أني أعطيت عسا مملوءا لبنا فشربت منه حتى تملأت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب\". فأولوها قالوا: يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب. فقال: \"أصبتم\" قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nوهذا الحديث من أوضح الأدلة على غزارة علم عمر ﵁ وأنه لم يكن في الصحابة بعد أبي بكر ﵁ أحد يماثل عمر ﵁ في العلم أو يقاربه. وفيه أبلغ رد على أبي تراب فيما شذ به على تفضيل علي وأبي هريرة ومعاذ وابن مسعود وابن عمر ﵃ على عمر ﵁ بالعلم والفقه. وقد شهد حبر الأمة عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان ﵃ لعمر","vol":"30","page":78},{"text":"﵁ بغزارة العلم وهما أعلم الصحابة بمراتب الصحابة في العلم. وشهد له بذلك أيضًا سعيد بن المسيب وهو من أعلم التابعين بمراتب الصحابة في العلم. وشهد له بذلك أيضا عمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي وكل منهما عالم بمراتب الصحابة في العلم. قال أبو وائل قال عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ -: \"لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان وعلم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم\".\nقال وكيع قال الأعمش: \"فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له فقال: وما أنكرت من ذلك فوالله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال: إني لأحسب تسع أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر\" رواه الطبراني بأسانيد قال الهيثمي ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى وهو ثقة. وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله ﵁ قال: \"لو وضع علم عمر في كفة ميزان ووضع علم الناس في كفة لرجح علم عمر\" قال الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب قال ابن مسعود ﵁: \"لو وضع علم أحياء العرب في كفة ميزان ووضع علم عمر في كفة لرجح علم عمر ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق من علم سنة\". وقال محمد بن سعد في الطبقات أخبرنا معاوية الضرير أخبرنا الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله - يعني بن مسعود ﵁ -: \"لو وضع علم أحياء العرب في كفة وعلم عمر في كفة لرجح بهم علم عمر\" قال أبو معاوية فقال الأعمش: \"فحدثت بهذا الحديث إبراهيم فقال: قال عبد الله: إن كنا لنحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم\" إسناده صحيح على شرط الشيخين. وعن زيد بن وهب قال: قال عبد الله: - يعني بن مسعود ﵁ -: \"إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله وكان إذا سلك طريقا وجدناه سهلا فإذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر\" رواه الطبراني بأسانيد قال الهيثمي ورجال أحدها رجال الصحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه مختصرا ولفظه عن زيد بن وهب عن ابن مسعود ﵁: \"كان عمر أتقانا للرب وأقرأنا لكتاب الله\" وفي رواية عن عبد الله ابن مسعود ﵁ أنه قال: \"إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر إن","vol":"30","page":79},{"text":"إسلام عمر كان نصرا وإن إماراته كانت فتحا وأيم الله إني لأحسب بين عينيه ملكا يسدده\" رواه الطبراني.\nوقال حذيفة ﵁: \"كأن علم الناس كلهم قد دس في جحر مع علم عمر\" ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وقد رواه بن سعد في الطبقات فقال أخبرنا معاوية الضرير عن الأعمش عن شمر قال: قال حذيفة ﵁: \"لكأن علم الناس كان مدسوسا في جحر مع عمر\" رجاله كلهم ثقات. وعن حذيفة أيضًا أنه قال: \"إنما يفتي الناس ثلاثة رجل إمام أو وال ورجل يعلم ناسخ القرآن من المنسوخ. قالوا: يا حذيفة ومن ذاك؟ قال: عمر بن الخطاب أو أحمق متكلف\" رواه الدارمي في سننه وعن سعيد بن المسيب أنه قال: \"ما أعلم أحدا من الناس كان أعلم بعد رسول الله ﷺ من عمر بن الخطاب\" رواه إسحاق بن راهويه وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية. وعن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: \"ذهب عمر بثلثي العلم\". فذكر لإبراهيم فقال: \"ذهب عمر بتسعة أعشار العلم\" رواه الدارمي في سننه..\nوقال محمد بن سعد في الطبقات أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي حدثني هارون البربري عن رجل من أهل المدينة قال: \"دفعت إلى عمر بن الخطاب فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه\". وروى ابن سعد أيضًا في الطبقات عن ابن عمر ﵄ أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ فقال: \"أبو بكر وعمر ما أعلم غيرهما\".\nوقد تقدم قريبًا حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"وما حدثكم بن مسعود فقبلوه\" وفي رواية: \"فصدقوه..\" وروى الترمذي عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"وما حدثكم حذيفة فصدقوه\" قال الترمذي هذا حديث حسن. فنحن نصدق بن مسعود وحذيفة ﵄ فيما حدثا به عن عمر بن الخطاب ﵁ من غزارة العلم ورجحانه على علم غيره من الناس ونكذب أبا تراب ومن سلك مسلكه الفاسد وقال بقوله الباطل في الغض من قدر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وتفضيل بعض الصحابة عليه في العلم.\nوأما قول أبي تراب: \"إن معاذ بن جبل وابن مسعود وعلي بن أبي طالب كانوا أفقه من عمر وهو نفسه يشهد بذلك\". فجوابه أن يقال: هذه دعوى مجردة لا دليل عليها. وقد ذكرت من الأدلة","vol":"30","page":80},{"text":"الكثيرة ما يشهد بكذب هذه الدعوى ويشهد برجحان علم عمر ﵁ على علم غيره من الصحابة ﵃ سوى أبي بكر ﵁. ويكفي في ردها ما تقدم عن ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي أنهم شهدوا لعمر ﵁ بغزارة العلم ورجحانه على سائر الناس سوى الصديق ﵁.\nقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في منهاج السنة: \"قد أخبر عنه النبي ﷺ - أي عن عمر ﵁ - من العلم والدين والإلهام بما لم يخبر بمثله لا في حق عثمان ولا علي ولا طلحة ولا الزبير\".\nوسئل شيخ الإسلام أبو العباس أيضا عن: رجلين اختلفا فقال: أحدهما أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ أعلم وأفقه من علي بن أبي طالب ﵁. وقال الآخر: بل علي بن أبي طالب أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر. فأي القولين أصوب؟. وإذا ادعى مدع أن إجماع المسلمين على أن عليا ﵁ أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر ﵄ يكون محقًا أو مخطئا؟.\nفأجاب رحمه الله تعالى: \"لم يقل أحد من علماء المسلمين المعتبرين أن عليا أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر بل ولا من أبي بكر وحده. ومدعي الإجماع على ذلك من أجهل الناس وأكذبهم. بل ذكر غير واحد من العلماء إجماع العلماء على أن أبا بكر الصديق أعلم من علي منهم الإمام المنصور بن عبد الجبار السمعاني المروزي أحد الأئمة الستة من أصحاب الشافعي ما ذكر في كتابه تقويم الأدلة إجماع علماء السنة على أن أبا بكر أعلم من علي. وما علمت أحدا من الأئمة المشهورين ينازع في ذلك وكيف وأبو بكر الصديق كان بحضرة النبي ﷺ يفتي ويأمر وينهى ويقضي ويخطب كما كان يفعل ذلك إذا خرج هو وأبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ولما هاجرا جميعا ويوم حنين وغير ذلك من المشاهد. والنبي ﷺ ساكت يقره على ذلك ويرضي بما يقول ولم تكن هذه المرتبة لغيره.\nوكان النبي ﷺ في مشاورته لأهل العلم والفقه والرأي من أصحابه يقدم في الشورى أبا بكر وعمر فهما اللذان يتقدمان في الكلام والعلم بحضرة الرسول ﷺ على سائر أصحابه. وقد روي في الحديث أنه قال لهما: \"إذا اتفقتما على أمر لم","vol":"30","page":81},{"text":"أخالفكما\". وفي السنن عنه أنه قال: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\" ولم يجل هذا لغيرهما. بل ثبت عنه أنه قال: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة\". فأمر باتباع سنة الخلفاء وهذا يتناول الأئمة الأربعة وخص أبا بكر وعمر بالاقتداء بهما ومرتبة المقتدى به في أفعاله وفيما سنه للمسلمين فوق مرتبة المتبع فيما سنه فقط. وفي صحيح مسلم أن أصحاب النبي ﷺ كانوا معه في سفر فقال: \"إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا\". وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه كان يفتي عن كتاب الله فإن لم يجد فبما سنه رسول الله ﷺ فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر وعمر. ولم يكن يفعل ذلك بعثمان وعلي. وابن عباس حبر الأمة وأعلم الصحابة وأفقههم في زمانه وهو يفتي بقول أبي بكر وعمر مقدما لقولهما على قول غيرهما من الصحابة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\". وأيضا فأبو بكر وعمر ﵄ كان اختصاصهما بالنبي ﷺ فوق اختصاص غيرهما. وأبو بكر ﵁ كان أكثر اختصاصا فإنه كان يسمر عنده عامة الليل يحدثه في العلم والدين ومصالح المسلمين - إلى أن قال - وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: \"وضع عمر ﵁ على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت فإذا هو علي ﵁ فترحم على عمر ﵁ وقال: ما خلفت أحد أحب إلي أن ألقى الله ﷿ بعلمه منك وأيم الله إن كنت لا أظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذلك أني كنت كثيرا ما أسمع النبي ﷺ يقول: \" جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر\" فإن كنت لأرجوا أو أظن أن يجعلك الله معهما\". وفي الصحيحين وغيرهما أنه لما كان يوم أحد قال أبو سفيان لما أصيب المسلمون: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟؟ فقال النبي ﷺ: \"لا تجيبوه\" فقال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال النبي ﷺ: \"لا تجيبوه\" فقال أفي القوم","vol":"30","page":82},{"text":"ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال النبي ﷺ: \"لا تجيبوه\" فقال لأصحابه أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله إن الذين أعددت أحياء وقد بقي لك ما يسوءك\" وذكر الحديث. فهذا أمير الكفار في تلك الحال إنما سأل عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ دون غيرهم لعلمه بأنهم رؤوس المسلمين. النبي ووزيراه. ولهذا سأل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبي ﷺ في حياته فقال: \"منزلتهما في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته\". قلت: وقد تقدم عن علي بن الحسين أنه أجاب بنحو هذا الجواب\". وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى في جواب آخر أن الرشيد قال لمالك لما أجابه بهذا الجواب: \"شفيتني يا مالك\". قال شيخ الإسلام ﵀ تعال: ى\" وكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والائتلاف والمحبة والمشاركة في العلم والدين تقتضي أنهما أحق بذلك من غيرهما وهذا ظاهر بيِّن لمن له خبرة بأحوال القوم. أما الصديق فإنه مع قيامه بأمور من العلم والفقه عجز عنها غيره حتى بيَّنها لهم لم يحفظ له قول يخالف نصا وهذا يدل على غاية البراعة.\nوأيضا فالصحابة في زمن أبي بكر ﵁ لم يكونوا يتنازعون في مسألة إلا فصلها بينهم أبو بكر وارتفع النزاع بينهم فلا يعرف بينهم في زمانه مسألة واحدة تنازعوا فيها إلا ارتفاع النزاع بينهم بسببه كتنازعهم في وفاته ﷺ ومدفنه وفي ميراثه وفي تجهيز جيش أسامة وقتال مانعي الزكاة وغير ذلك من المسائل الكبار. بل كان خليفة رسول الله ﷺ فيهم يعلمهم ويقوِّمهم ويبيِّن لهم ما تزول معه الشبهة فلم يكونوا معه يختلفون. وهذا يدل على غاية العلم. وقام مقام رسول الله ﷺ وأقام الإسلام فلم يُخِل بشيء منه بل دخل الناس من الباب الذي خرجوا منه مع كثرة المخالفين من المرتدين وغيرهم وكثرة الخاذلين فكمل به من علمهم ودينهم ما لا يقاومه فيه أحد حتى قام الدين كما كان - إلى أن قال - وأيضا فعلي بن أبي طالب تعلم من أبي بكر بعض المسائل بخلاف أبي بكر فإنه لم يتعلم من علي بن أبي طالب كما في الحديث المشهور الذي في السنن حديث صلاة التوبة عن علي ﵁","vol":"30","page":83},{"text":"قال: \"كنت إذا سمعت من النبي ﷺ حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني فإذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته وحدثني أبي بكر وصدق أبو بكر عن النبي ﷺ أنه قال: \"ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له\".\nومما يبين هذا أن أئمة علماء الكوفة الذين صحبوا عمر وعليا ﵄ كعلقمة والأسود وشريح القاضي وغيرهم كانوا يرجحون قول عمر على قول علي. وأما تابعوا أهل المدينة ومكة والبصرة فهذا عندهم أظهر وأشهر من أن يذكر وإنما الكوفة ظهر فيها فقه علي وعلمه بحسب مقامه فيها مدة خلافته، وكل شيعة علي الذين صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبي بكر وعمر ﵄ لا في فقه ولا علم ولا غيرهما بل كل شيعته الذين قاتلوا معه عدوه كانوا مع سائر المسلمين يقدمون أبا بكر وعمر ﵄ إلا من كان علي ﵁ ينكر عليه ويذمه مع قتلهم في عهد علي وخمولهم وكانوا ثلاث طوائف طائفة غلت فيه كالتي ادعت فيه الإلهية وهؤلاء حرقهم علي ﵁ بالنار. وطائفة كانت تسب أبا بكر وكان رأسهم عبد الله بن سبأ فلما بلغ عليا ذلك طلب قتله فهرب. وطائفة كانت تفضله على أبي بكر وعمر قال: \"لا يبلغني عن أحد منكم أنه فضلني على أبا بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري\". وقد روي عن علي ﵁ من نحو ثمانين وجها وأكثر أنه قال على منبر الكوفة: \"خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر\" - إلى أن قال - ورأس الفضائل العلم وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .\nوالدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير\".\nثم قرر الشيخ رحمه الله تعالى أن أبا بكر وعمر ﵄ أعلم من علي ومعاذ بن جبل ﵄ إلى أن قال: \"ولم يختص علي ﵁ بتبليغ شيء من العلم إلا وقد اختص غيره بما هو أكثر منه فالتبليغ العام الحاصل بالولاية حصل لأبي بكر وعمر وعثمان منه أكثر مما حصل لعلي. وأما الخاص فابن عباس ﵄ كان أكثر فتيا منه وأبو هريرة ﵁ أكثر رواية منه وعلي ﵁","vol":"30","page":84},{"text":"أعلم منهما كما أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ أعلم منهما أيضًا فإن الخلفاء الراشدين قاموا من تبليغ العلم العام بما كان الناس أحوج إليه مما بلغه من بلغ بعض العلم الخاص - إلى أن قال - وما يذكر أنه كان عنده - أي عند علي ﵁ - علم باطن امتاز به عن أبي بكر وعمر وغيرهما فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية ونحوهم الذين فيهم من الكفر ما ليس في اليهود والنصارى\" انتهى المقصود من كلامه ملخصا. وفيه أبلغ رد على أبي تراب فيما شذ به من تفضيل بعض الصحابة في العلم والفقه على أبي بكر وعمر ﵄ وهذه جراءة سيئة من أبي تراب حاصلها الغض من أبي بكر وعمر ﵄.\nوقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضًا في منهاج السنة: \"أهل السنة يقولون ما اتفق عليه علماؤهم إن أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وقد ذكر غير واحد الإجماع على أن أبا بكر أعلم الصحابة كلهم\" انتهى.\nوقد خرق أبو تراب الإجماع وخالف أهل السنة حيث فضَّل أبا هريرة والبخاري على أبي بكر وعمر ﵄ بالعلم. وفضَّل عليا ومعاذا وابن مسعود وابن عمر ﵃ على عمر ﵁ بالعلم والفقه. وأما قوله: \"وهو نفسه يشهد بذلك\".\nفجوابه أن يقال لم يثبت ذلك عن عمر ﵁ وعلى تقدير ثبوته فإنما ذلك من باب التواضع..ومن هذا الباب قصته مع المرأة حين قال وهو على المنبر: يا أيها الناس لا تغلوا في صداق النساء. ونهاهم أن يزيدوا على أربعمائة درهم. فقامت امرأة فقالت: إن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا من ذهب﴾ - وهي هكذا في قراءة بن مسعود ﵁ - فرجع عمر ﵁ عن قوله وقال: \"كل الناس أفقه من عمر\". فهذا من باب التواضع وليس معناه أن تلك المرأة أو غيرها أفقه من عمر ﵁ على الإطلاق كما قد يفهمه بعض الجهلة الأغبياء. وتواضع عمر ﵁ مع المرأة وغيرها يعد من المناقب لا من المعايب.\nأما قوله: \"ولكنهم لم يكونوا أفضل منه\". فجوابه أن يقال: لو كان علي ومعاذ وابن مسعود ﵃ أفقه من عمر ﵁ لكانوا أفضل منه لأن العلم رأس الفضائل وأكملها وأشرفها ولكنه ﵁ قد فاقهم كلهم في العلم والفقه وفي غير ذلك من الخصال الحميدة فلذلك كان أفضل منهم.","vol":"30","page":85},{"text":"وأما قوله: \"وليس لإنسان أن يقرن الفضل بالعلم\". فالجواب أن يقال: بل ليس لإنسان أن يفرق بين الفضل وبين العلم لأن العلم خصلة من خصال الفضائل وهو رأسها وأكملها وأشرفها ولا يكون الإنسان فاضلا إلا بالعلم وإذا لم يتصف بالعلم فإنه لا يكون فاضلا وإنما يكون ناقصا وكفى بالعلم شرفا وفضيلة وكفى بالجهل نقصا ووضيعة..\nوههنا أمر ينبغي التنبيه عليه وهو أن العلم لا يكون فضيلة في حق كل أحد وإنما يكون فضيلة في حق من يعمل بعلمه فيخشى ربه ويسارع إلى ما يرضيه من الأقوال والأعمال ويجتنب ما يسخطه منها. وأما الذي يكون معه علم وهو لا يخشى ربه ولا يلتمس رضاه ولا يجتنب نهيه فهذا جاهل في الحقيقة وعلمه لا يكون فضيلة في حقه وإنما يكون حجة عليه ووبالا يوم القيامة.\nوقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: \"كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا\" رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد. وروى عبد الله أيضًا في كتاب الزهد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: \"ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية\". وروى الطبراني عن أبي هريرة ﵁ يرفعه: \"أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه علمه\". وما أكثر هذا الضرب الرديء في زماننا لا أكثرهم الله.\nيتبع","vol":"30","page":86},{"text":"تنزيه الأصحاب عن تنقص أبي تراب\nلفضيلة الشيخ حمود عبد الله التويجري\n- ٢-\nالموضع الثالث: زعم أبو تراب أن أبا بكر وعمر ﵄ ماتا ولم يحفظا القرآن كله وقد حفظ أبو بكر من الأحاديث مائة واثنين وأربعين.. وعمر خمسمائة حديث وسبعة وثلاثين.. ولكن ابنه كان أعلم منه فقد حفظ ألفي حديث وستمائة وثلاثين. وغلب الجميع أبو هريرة فله خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة أحاديث فهل نقول أن أبا هريرة كان أفضل من أبي بكر. كلا.. فالفضل غير العلم والفقه والاجتهاد والحفظ.\nوالجواب أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام من الجرأة والتهجم على أبي بكر وعمر ﵄. وما يدري أبا تراب أن أبا بكر وعمر ﵄ ماتا ولم يحفظا القرآن كله. إنا نطالبه بإقامة الدليل على ذلك.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة\" رواه مسلم وغيره من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁..\nوثبت عنه ﷺ من عدة أوجه في الصحيحين وغيرهما أنه أمر أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه. وقد ترجم البخاري على ذلك بقوله: «باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة» . وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فتقدم أبو بكر ﵁ يصلي بالناس. الحديث. وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر على","vol":"31","page":61},{"text":"فعله ورضي بما صنع. وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: \" لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره\" رواه الترمذي فعلم من هذا أن أبا بكر ﵁ كان أعلم الصحابة بالسنة وأقرأهم لكتاب الله تعالى.\nوقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب عن عبد خير قال سمعت عليا ﵁ يقول: \"رحم الله أبا بكر كان أول من جمع ما بين اللوحين\".\nوقال ابن كثير في البداية والنهاية: \"والمقصود أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر الصديق ﵁ إماما للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: \"وتقديمه أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام\".\nقال: \"وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء أن رسول الله ﷺ قال: \"يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلاما\" قال ابن كثير: \"وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه\" انتهى.\nوقد تقدم قول ابن مسعود ﵁: \"إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله\" وفي هذا أبلغ رد على أبي تراب في قوله إن أبا بكر وعمر ماتا ولم يحفظا القرآن كله.. وأما قوله وقد حفظ أبو بكر من الأحاديث مائة واثنين وأربعين وعمر خمسمائة حديث وسبعة وثلاثين.\nفجوابه أن يقال: وما يُدري أبا تراب أن أبا بكر وعمر ﵄ لم يحفظا من الأحاديث سوى ما ذكره. لقد أخطأ أبو تراب وأبعد عن الصواب في هذا القول الذي لم يتثبت فيه. ولو كان الأمر على ما زعمه لكان أبو بكر وعمر ﵄ من أقل الصحابة علما وهذا معلوم البطلان بالضرورة.\nويقال أيضا: من المعلوم أن أبا بكر الصديق ﵁ كان ملازما للنبي ﷺ منذ بعثه الله تعالى إلى أن توفاه وكان لا يفارقه في حضر ولا سفر. وكذلك عمر رضي عنه قد كان ملازما للنبي ﷺ منذ أسلم إلى أن توفي الله نبيه ﷺ وكان لهما من الاختصاص بالنبي ﷺ ما ليس لغيرهما فيبعد كل البعد أن تكون روايتهما عن","vol":"31","page":62},{"text":"النبي ﷺ أقل من رواية من لم يصحب النبي ﷺ إلا مدة يسيرة ولم يكن لهم من الاختصاص بالنبي ﷺ ما كان لأبي بكر وعمر ﵄. فالذي لا يشك فيه أن أبا وعمر ﵄ قد حفظا عن النبي ﷺ علما كثيرا.. ولا يبعد أن يكون ما حفظاه من الحديث أكثر مما حفظه بعض المكثرين من الرواية. ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ أمر أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه وأنه ﷺ أقره على الصلاة بالناس لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم.\nوقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة\" فدل على أن أبا بكر ﵁ أعلم بالسنة من جميع الصحابة ﵃. وعلمه بالسنة إنما تكون بكثرة الرواية والحفظ عن رسول الله ﷺ والفهم لأقوال الرسول ﷺ والعلم بأفعاله وسيرته وهديه. وكان ﵁ يفتي ويأمر وينهى في حياة النبي ﷺ ولم يكن يفعل من ذلك شيئا إلا بما علمه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ. وكان الصحابة ﵃ في زمن ولاية أبي بكر ﵁ يرجعون إليه في المسائل التي يتنازعون فيها فيفصل بينهم ويرتفع النزاع بينهم بسببه ولم يكن يرجع إليهم إلا في القليل النادر. وهذا يدل على غزارة علمه وكثرة روايته عن النبي ﷺ وأنه كان أكثر الصحابة أو من أكثرهم حفظا لأقوال النبي ﷺ وأفعاله. وقد تقدم ما رواه ابن سعد في الطبقات عن ابن عمر ﵄ أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﷺ فقال أبو بكر وعمر ما أعلم غيرهما.\nوأما قلة الرواية عن أبي بكر ﵁ فلها أسباب كثيرة. منها قصر مدته بعد وفاة النبي ﷺ بحيث لم يتمكن الناس من إكثار الرواية عنه.\nومنها أن كبار الصحابة ﵃ كانوا متوافرين في زمن الصديق ﵁ فكان الناس يكتفون بسؤالهم وأخذ الحديث عنهم عن الرجوع إلى الصديق ﵁ لأنه كان مشغولا بالنظر في أمور الرعية عن الجلوس للتحديث.","vol":"31","page":63},{"text":"ومنها أن المسلمين نفروا في زمانه إلى قتال المرتدين ثم إلى قتال الفرس والروم ولم يبق من المسلمين في المدينة إلا القليل فكان المسلمون في تلك الأقطار النائية عن المدينة يكتفون بسؤال من عندهم من الصحابة ويأخذون عنهم الحديث ولا يذهبون إلى الصديق ومن كان معه من الصحابة في المدينة.\nومنها أن المكثرين من الرواية عن النبي ﷺ من صغار الصحابة إنما كان جل روايتهم بواسطة كبار الصحابة كالصديق وعمر وغيرهما من كبار الصحابة وكانوا يكتفون بنسبة الحديث إلى النبي ﷺ ولا يذكرون الواسطة بينهم وبينه إلا قليلا لثقتهم بصحة ما نقل إليهم عنه ﷺ ولهذا تجدهم يقولون في أكثر رواياتهم: قال رسول الله ﷺ ولا يذكرون السماع من رسول الله ﷺ أو الرؤية لأفعاله إلا قليلا.\nوقد ذكر الحافظ بن حجر في كتاب الإصابة في ترجمة أبي بكر الصديق ﵁ أنه روى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمرو وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر ومعقل بن يسار وأنس وأبو هريرة وأبو أمامة وأبو برزة وأبو موسى وابنتاه عائشة وأسماء وغيرهم من الصحابة ﵃.\nوروى عنه من كبار التابعين الصنابحي ومرة بن شراحبيل الطبيب وواسط البجلي وقيس بن أبي حازم وسويد بن غفلة وآخرون انتهى.\nويستفاد مما ذكره الحافظ ابن حجر من رواية هؤلاء عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قد حفظ عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة جدا رواها عنه كثير من علماء الصحابة وكبار التابعين ولكن الصحابة ﵃ كانوا يكتفون بذكر النبي ﷺ ولا يذكرون الواسطة بينهم وبينه لأنهم كلهم أهل صدق وعدالة.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «الوابل الصيب»: \"وهذا عبد الله بن عباس ﵄ حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمع من النبي ﷺ لم يبلغ نحو العشرين حديثا الذي يقول فيه سمعت ورأيت. وسمع الكثير من الصحابة وبورك له في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علما وفقها\" انتهى..\nوقد روى البزار عن ابن عباس ﵄ قال: \"لما فتحت المدائن","vol":"31","page":64},{"text":"أقبل الناس على الدنيا وأقبلت على عمر\" فكان عامة حديثه عن عمر قال الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح\". وروى الطبراني في الكبير عن حميد قال: \"كنا مع أنس بن مالك ﵁ فقال: \"والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا\". قال الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح\". وروى الإمام أحمد عن البراء ﵁ قال: \"ما كل الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ كان يحدثنا أصحابه عنه كانت تشغلنا عنه رعية الإبل\".\nقال الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح\"..\nوأما عمر ﵁ فإنه كان أعلم الأمة بعد أبي بكر الصديق ﵁ وقد تقدم ذكر ما وصفه به ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وعمرو بن وإبراهيم النخعي من غزارة العلم. وهذا العلم الغزير الذي امتاز به عمر ﵁ على سائر الصحابة إنما كان بالفهم في كتاب الله تعالى وكثرة الرواية عن رسول الله ﷺ والفهم لأقوال الرسول ﷺ والعلم بأفعاله.\nوالأسباب في قلة الرواية عن عمر ﵁ هي نفس الأسباب المذكورة في قلة الرواية عن أبي بكر ﵁. وتزيد عليها بسبب آخر وهو أن عمر ﵁ كان يحث الناس على قراءة القرآن وحفظه والتفهم لما فيه وينهاهم عن الإكثار من الرواية خوفا من التزيد في الأحاديث والكذب على رسول الله ﷺ. وقد كان الناس يهابونه أشد الهيبة فلا يخالفون أمره ولا يرتكبون نهيه ولا يتجاسرون على سؤاله عما عنده من الأحاديث كما يتجاسرون على سؤال غيره من الصحابة فلهذا كان المروي عنه من الأحاديث قليلا بالنسبة لما يروى عن المكثرين من الحديث.\nوقد قال محمد بن سعد في الطبقات: \"قال محمد بن عمر الأسلمي - يعني الواقدي - إنما قلَّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم هلكوا قبل أن يحتاج إليهم وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس. وكل أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أئمة يقتدى بهم ويحفظ عليهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون وسمعوا أحاديث فأدوها فكان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ أقل حديثا عنه من غيرهم مثل أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن","vol":"31","page":65},{"text":"بن عوف وأبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبيّ بن كعب وسعد بن عبادة وعبادة بن الصامت وأسيد بن الحضير ومعاذ بن جبل ونظرائهم فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء من الأحاديث عن أصحاب رسول الله ﷺ مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن العباس ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب ونظرائهم. وكل هؤلاء كان يعد من فقهاء الأصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم وكانوا يلازمون النبي ﷺ مع غيرهم من نظرائهم وأحدث منهم مثل عقبة بن عامر الجهني وزيد بن خالد الجهني وعمران بن الحصين والنعمان بن بشير ومعاوية بن أبي سفيان وسهل بن سعد الساعدي وعبد الله بن يزيد الخطمي ومسلمة بن مخلد الزرقي وربيعة بن كعب الأسلمي وهند وأسماء ابني جارية الأسلميين وكانا يخدمان رسول الله ﷺ ويلازمانه فكان أكثر الرواية والعلم في هؤلاء ونظرائهم من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم ومضى كثير من أصحاب رسول الله ﷺ قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه بشيء ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ..\" انتهى..\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى في «إعلام الموقعين»: \"إن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع. وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة ﵃ إلى ما رووه فلم يرو عن صديق الأمة مائة حديث وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شيء من مشاهده بل صحبه من حين بعث إلى أن توفيَ وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله وفعله وهديه وسيرته.. وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه. ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين وقد روى عنه الكثير - إلى أن قال - إنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي ﷺ مرارا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله ﷺ\". انتهى.","vol":"31","page":66},{"text":"وأما زعم أبي تراب أن ابن عمر ﵄ كان أعلم من أبيه لأنه حفظ ألفي حديث وستمائة وثلاثين وأن أبا هريرة غلب الجميع فله خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة أحاديث فجوابه أن يقال: لا شك أن ابن عمر ﵄ كان من علماء الصحابة وحفاظهم ولكنه مع ذلك لا يماثل أباه في العلم فضلا عن أن يكون أعلم منه. وكذلك أبو هريرة ﵁ فإنه وإن كان من علماء الصحابة وحفاظهم فليس أعلم من ابن عمر ﵄ فضلا عن أن يكون أعلم من عمر ﵁.\nوقد تقدم من الأحاديث الدالة على غزارة علم عمر ﵁ ما يكفي في الرد على أبي تراب. وكذلك ما تقدم عن ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي أنهم وصفوا عمر ﵁ بغزارة العلم ففيه أبلغ رد على أبي تراب.\nوقد روى الدارمي في سننه عن عبد الله بن أبي يزيد قال: \"كان ابن عباس ﵄ إذا سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر فإن لم يكن قال فيه برأيه\".\nقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في «منهاج السنة»: \"وسعيد بن المسيب كان من أعلم التابعين باتفاق المسلمين وكان عمدة فقهه قضايا عمر وكان ابن عمر يسأله عنها\" انتهى.\nفهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ كان يفتي بقول أبي بكر وعمر ﵄ فيما لم يجده في الكتاب ولا في السنة. وفي هذا أوضح دليل على أنه لم يكن في الصحابة ﵃ من يماثل أبا بكر وعمر ﵄ في العلم فضلا عن أن يكون فيهم من هو أعلم منهما. ولو كان الأمر على ما زعمه أبو تراب من أن أبا هريرة ﵁ غلب الصحابة كلهم بعلمه وأن عليا ومعاذا وابن مسعود كانوا أفقه من عمر وأن ابن عمر كان أعلم من أبيه لكان ابن عباس ﵄ يأخذ بأقوال هؤلاء ويدع قول أبي بكر وعمر ﵄.\nوفيما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عن سعيد بن المسيب الذي اتفق المسلمون على أنه من أعلم التابعين أن عمدة فقهه قضايا عمر وأن ابن عمر ﵄ كان يسأله عنها أبلغ رد على أبي تراب فيما زعمه من تفضيل ابن عمر ﵄ على أبيه في العلم.","vol":"31","page":67},{"text":"وظاهر كلام أبي تراب أن العلم ملازم للرواية والحفظ فمن كثرت روايته وحفظه للأحاديث مثل أبي هريرة ﵁ فهو أعلم ممن قلت روايته وحفظه. وهذا خطأ ظاهر فليس العلم ملازما للرواية والحفظ وإنما العلم بالفهم لنصوص الكتاب والسنة واستخراج الأحكام منها وإن كان الموصوف بذلك قليل الرواية. قال ابن وهب عن مالك: \"إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله الله في القلب\" انتهى..\nوقد كانت مرتبة أبي بكر وعمر ﵄ في فهم النصوص واستخراج الأحكام منها فوق مراتب سائر الأمة فهما أعلم الأمة على الإطلاق وقد تقدم بيان ذلك بالأدلة. وأبو هريرة ﵁ وإن كان من علماء الصحابة وأكثرهم رواية وحفظا للأحاديث فلا يقاس بعثمان وعلي ومعاذ وابن مسعود وابن عباس ﵃ في العلم فضلا عن أن يقاس بأبي بكر وعمر ﵄..\nوقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الوابل الصيب»: \"وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره. وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسا فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه. وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها\" انتهى..\nوأما قول أبي تراب إن أبا هريرة ﵁ غلب الجميع أي غلب أبا بكر وعمر وابن عمر ﵃ بالعلم مع قوله فيما تقدم إن أبا هريرة ﵁ غلب الصحابة كلهم بعلمه..\nفجوابه أن يقال: هذا خطأ ظاهر وخصوصا تفضيل أبي هريرة ﵁ بالعلم على الخلفاء الراشدين فإن هذا ليس بالأمر الهين. وكذلك تفضيل علي ومعاذ وابن مسعود وابن عمر على عمر بالعلم والفقه فكل هذا خطأ ظاهر وليس بالأمر الهين.\nوقد قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة: \"حدثني أبي حدثنا هشيم حدثنا حصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: \"خطب عمر بن الخطاب ﵁ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"ألا إن خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر فمن قال سوى هذا بعد مقامي هذا فهو مفتر،","vol":"31","page":68},{"text":"عليه ما على المفتري\" إسناده صحيح على شرط الشيخين. ثم قال عبد الله: \"حدثني أبي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن حصين عن ابن أبي ليلى قال: \"تدارؤوا في أبي بكر وعمر ﵄\" فقال رجل من عطارد: \"عمر أفضل من أبي بكر\" فقال الجارود: \"بل أبو بكر أفضل منه\" فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال: \"فجعل ضربا بالدرة حتى شغر ثم أقبل إلى الجارود فقال: \"إليك عني\" ثم قال عمر ﵁: \"أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله ﷺ في كذا وكذا\" ثم قال عمر: \"من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري\" إسناده صحيح على شرط الشيخين.\nقوله حتى شغر معناه اتسع في الضرب وأكثر منه.\nوقد اختلف في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر ﵁ فقال يحي بن معين وأبو حاتم والنسائي: \"إنه لم يسمع منه\". وقال مسلم في مقدمة صحيحه: \"إنه قد حفظ عن عمر\" قال ابن كثير: \"وهو الصواب إن شاء الله\"..\nقلت وفي مسند الإمام أحمد ما يدل على سماعه من عمر ﵁ ففيه بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: \"كنت مع عمر ﵁ فأتاه رجل فقال: \"إني رأيت الهلال..\" الحديث.. وفيه أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر ﵁ قال: \"صلاة المسافر ركعتان\" الحديث وفي آخره وقال يزيد - يعني ابن هارون - ابن أبي ليلى قال سمعت عمر. وقد روى البخاري في التاريخ الصغير عن ابن أبي ليلى قال: \"ولدت لست سنين بقين من خلافة عمر..\" وكذا ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أنه ولد لست بقين من خلافة عمر ﵁. ومثل هذا السن يعقل فيه الذكي كثيرا مما يراه ويسمعه. بل بعض الأذكياء يحفظ كثيرا من الأشياء لأقل من هذا السن. وعلى هذا فظاهر حديثي ابن أبي ليلى عن عمر ﵁ الاتصال. ولم يصنع شيئا من نفي سماعه منه من أجل صغره والله أعلم.\nوروى عبد الله بن الإمام أحمد أيضا في كتاب السنة عن علي ﵁ أنه قال: \"لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري\".\nوروى عبد الله أيضا في كتاب السنة عن علي ﵁ أنه قال على المنبر: \"ألا إنه بلغني أن قوما يفضلوني على أبي بكر وعمر ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت فيه ولكن أكره العقوبة قبل التقدم من قال شيئا من ذلك فهو مفتر، عليه ما على المفتري\".","vol":"31","page":69},{"text":"قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"روي عن علي ﵁ أنه قال: \"لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري\" فمن فضله على أبي بكر وعمر جلد بمقتضى قوله ﵁ ثمانين سوطا..\" انتهى.\nوقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضا: \"ورأس الفضائل العلم وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير..\" انتهى.\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين: \"ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل أشرفها\". انتهى.\nوإذا علم هذا فلا يخفى ما في هذا المقال السيئ من الفرى التي يستحق قائلها أن يجلد على كل واحدة منها حد الفرية ثمانين سوطا.\nالأولى: تفضيل أُمهات المؤمنين على عمر ﵁.\nالثانية: تفضيل أبي هريرة ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄ بالعلم.\nالثالثة: زعمه أن أبا بكر وعمر ﵄ ماتا ولم يحفظا القرآن كله. وهذا يقتضي تفضيل عدد كثير من الصحابة عليهما.\nالرابعة: تفضيل علي ومعاذ وابن مسعود وابن عمر ﵃ على عمر ﵁ بالعلم والفقه.\nالخامسة: تفضيل مرتبة البخاري في العلم على مرتبة أبي بكر وعمر وسائر الصحابة ﵃..\nوأما قول أبي تراب فهل نقول أن أبا هريرة كان أفضل من أبي بكر كلا.\nفجوابه أن يقال: من زعم أن أبا هريرة ﵁ غلب الصحابة كلهم بعلمه لزمه أن يقول إنه أفضل منهم كلهم لأن العلم رأس الفضائل وأكملها وأشرفها كما قرره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى في كلامهما الذي تقدم ذكره قريبا. قال شيخ الإسلام أبو العباس: \"وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة فإنه أعلم منه قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير\". انتهى.\nوإذا علم هذا فمن قال إن أبا هريرة أعلم من الصحابة كلهم وبعضهم أفضل منه فقوله متناقض كما لا يخفى.","vol":"31","page":70},{"text":"وقد ذكرت من الأدلة الكثيرة على غزارة علم أبي بكر وعمر ﵄ وتفوقهما على جميع الصحابة بالفضائل ما فيه كفاية في الرد على أبي تراب فليراجع. وليراجع أبيضا ما تقدم عن شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: \"إن ابن عباس ﵄ كان أكثر فتيا من علي ﵁ وأن أبا هريرة ﵁ كان أكثر رواية منه. وعلي ﵁ أعلم منهما كما أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ أعلم منهما أيضا\". انتهى.\nوأما قول أبي تراب إن الفضل غير العلم والفقه.. فجوابه أن يقال: إن العلم راس الفضائل وأكملها وأشرفها كما قرره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى.. قال شيخ الإسلام أبو العباس: \"وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه\". انتهى..\nوقد قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين\" وثبت عنه ﷺ أنه قال: \"الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا\" وثبت عنه ﷺ أنه قال: \"إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر\" والآيات والأحاديث في فضل العلم كثيرة جدا وليس هذا موضع ذكرها وإنما المقصود ههنا التنبيه على خطأ أبي تراب حيث فرق بين الفضل وبين العلم الذي هو رأس الفضائل وأكلها وأشرفها.\nوقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيب الكمال عن الوليد الموقري عن الزهري قال: \"قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: \"من أين قدمت يا زهري\" قال: \"قلت من مكة\" قال: \"ومن خلفت يسودها وأهلها\" قلت: \"عطاء بن أبي رباح\" قال: \"فمن العرب أم من الموالي؟ \" قلت: \"من الموالي\".. قال: \"فبم سادهم؟ \" قال: \"قلت بالديانة والرواية\".. قال: \"إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا\". قال: \"فمن يسود أهل اليمن؟ \" قلت: \"طاووس بن كيسان\".. قال: \"فمن العرب أم من الموالي؟ \" قال: \"قلت: من الموالي\".. قال: \"فبم سادهم؟ \" قلت: \"بما ساد به عطاء\".. قال: \"إنه لينبغي ذلك\".. قال: \"فمن يسود أهل مصر؟ \" قلت: \"يزيد بن أبي حبيب\" قال: \"فمن العرب أن من الموالي؟ \"","vol":"31","page":71},{"text":"قال: \"قلت: من الموالي\".. قال: \"فمن يسود أهل الشام؟ \" قلت: \"مكحول\".. قال: \"فمن العرب أم من الموالي؟ \" قال: \"قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل\".. قال: \"فمن يسود أهل الجزيرة؟ \" قلت: \"ميمون بن مهران\".. قال: \"فمن العرب أم من الموالي؟ \" قال: \"قلت: من الموالي\".. قال: \"فمن يسود أهل خراسان\" قال: \"قلت: الضحاك بن مزاحم\" قال: \"فمن العرب أم من الموالي؟ \" قال: \"قلت: من الموالي..\" قال: \"فمن يسود أهل البصرة؟ \" قال: \"قلت: الحسن البصري\" قال: \"من العرب أم من الموالي؟ \" قال::قلت من الموالي\".. قال: \"ويلك ومن يسود أهل الكوفة؟! \" قال: \"قلت: إبراهيم النخعي\" قال: \"فمن العرب أم من الموالي\".. قال: \"قلت من العرب\".. قال: \"ويلك يا زهري فرجت عني والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها\" قال: \"قلت يا أمير المؤمنين إنما هو دين من حفظه ساد ومن ضيعه سقط\".\nويستفاد من هذه القصة أن العلم رأس الفضائل وأكملها وأشرفها وإن من جمع بين العلم والديانة نال الفضل والشرف والمنزلة العالية والسيادة وإن كان لا نسب له ولا حسب كما حصل لألئك الموالي الذين ذكر الزهري أنهم سادوا أهل الأمصار بالعلم والديانة وكما حصل لغيرهم قديما وحديثا.\nالموضع الرابع: زعم أبو تراب أن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب الصحابة فيه لأنه اجتمع له حديثهم وفقههم أجمع ولكنه لا يفوقهم ولا يدانيهم البتة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة.\nوالجواب أن يقال: هذا من عجر أبي تراب وبجره ولم أر أحدا سبقه إلى هذا القول الباطل. ولا يخفى ما فيه من الجرأة على الصحابة والغض من قدرهم. وقد تقدم حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: \"شرار أمتي أجرؤهم على صحابتي\" رواه أبو نعيم في الحلية.\nويكفي في رد هذا القول السيئ ما تقدم عن ابن عمر ﵄ أنه قال: \"من كان مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة.. أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا.. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة\" رواه أبو نعيم في","vol":"31","page":72},{"text":"الحلية. وروى رزين عن عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه.\nوروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أيضا ﵁ أنه قال: \"إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ \" ورواه البزار والطبراني في الكبير قال الهيثمي ورجاله موثقون.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في «إعلام الموقعين» في الثناء على الصحابة ﵃: \"إنهم سادات الأمة وقدوة الأئمة وأعلم الناس بكتاب ربهم تعالى وسنة نبيهم ﷺ وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين - إلى أن قال - إن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به - إلى أن قال - فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا وأعمق علما وأقل تكلفا وأقرب إلى أن يوفقوا لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله به من توقد الأذهان وفصاحة اللسان وسعة العلم وسهولة الأخذ وحسن الإدراك وسرعته وقلة المعارض أو عدمه وحسن القصد وتقوى الرب تعالى. فالعربية طبيعتهم وسليقتهم والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين بل قد استغنوا عن ذلك كله فليس في حقهم إلا أمران. قال الله كذا وكذا. وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين وأحظى الأمة بهما فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما - إلى أن قال-: والمقصود أن الصحابة ﵃ اجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط. هذا إلى ما خصوا به من قوى إدراكها وكماله وكثرة المعاون وقلة الصارف وقرب العهد بنور النبوة والتلقي من تلك المشكاة النبوية. فإذا كان هذا حالهم فيما تميزوا به علينا فكيف نكون أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل. ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم - إلى أن قال - وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال","vol":"31","page":73},{"text":"وأفتى بحضرة الرسول ﷺ ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظا ومعنى قول متأخر بعده ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها. وكيف يظن أحد أن الظن المستفاد من فتاوى السابقين الأولين الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التأويل وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم وينزل على رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله ﷺ وهديه الذي هو يفصل القرآن ويفسره فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء.. هذا عين المحال\".\nوقال ابن القيم أيضا في «إعلام الموقعين»: \"والمقصود أن أحدا ممن بعدهم - أي بعد الصحابة - لا يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته - ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أمثلة من ذلك إلى أن قال - وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرا من رأينا لأنفسنا. وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورا وإيمانا وحمة وعلما ومعرفة وفهما عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم ولا وساطة بينهم وبينه وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا طريا لم يشبه إشكال ولم يشبه خلاف ولم تدنسه معارضة فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس\".\nوقال ابن القيم أيضا في «إعلام الموقعين»: \"فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين وهلم جرا. وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب - إلى أن قال - فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين\".\nوقال ابن القيم أيضا في «إعلام الموقعين»: \"وأي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأحزابهم ﵃ قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة وأخطأ في ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى نبغ من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة.. سبحانك هذا بهتان عظيم..\" انتهى.. المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.","vol":"31","page":74},{"text":"وإذا علم هذا فنقول أي إزراء بالصحابة وأي وصمة عليهم أعظم من أن يقال إن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب الصحابة فيه. سبحانك هذا بهتان عظيم.\nوقد تقدم عن عمر ﵁ أنه أنكر على من فضله على أبي بكر ﵁ وضربه ضربا شديدا وقال: \"خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر فمن قال سوى هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري\". وتقدم عن علي ﵁ أنه قال: \"لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري\".\nوإذا كان الذي يفضل عمر على أبي بكر أو يفضل عليا على أبي بكر وعمر ﵃ يعد مفتريا ويجلد حد المفتري ثمانين سوطا فكيف بمن فضل البخاري على أبي بكر وعمر عثمان وعلي وسائر الصحابة في العلم الذي هو رأس الفضائل وأكملها وأشرفها فهذا أولى أن يوصف بالافتراء وإن يعامل معاملة المفتري.\nويقال أيضا: إن الصحابة ﵃ هم الذين حفظوا القرآن والسنة وبلغوهما إلى الناس فكل الناس بعدهم أتباعهم لهم وعيال عليهم في علم الكتاب والسنة. وقد كان للصحابة ﵃ من البصيرة النافذة في علم الكتاب والسنة ما ليس لمن بعدهم.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في «مدارج السالكين» في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ قال: \"يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم وهي البصيرة التي تكون نسبة المعلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر وهذه الخصيصة التي اختص بها الصحابة على سائر الأمة وهي أعلى درجات العلماء\". انتهى.\nوإذا علم هذا فمن زعم أن مراتب غير الصحابة في العلم تفوق مراتب الصحابة فقد تنقصهم وغض من قدرهم وقابلهم بغير ما يستحقونه من الإجلال والاحترام ولا شك أن هذا من الأذية لهم وأذيتهم ليست بالأمر الهين. وقد تقدم حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الله.. الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه\" رواه الترمذي. وتقدم أيضا قول محمد بن سيرين: \"ما أظن رجلا ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي","vol":"31","page":75},{"text":"ﷺ\" رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب حسن١.\nوأما قول أبي تراب: \"إن البخاري اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع\"\nفجوابه أن يقال: هذه مجازفة يكذبها الواقع وبيان ذلك من وجوه. أحدها: أن يقال من المستحيل أن تجتمع أحاديث الصحابة وفقههم لرجل واحد ولو بلغ في العلم والفقه ما بلغ، وهذه كتب الحديث والآثار موجودة وليس فيها شيء قد جمع الأحاديث والآثار كلها. ومن أكبر كتب الحديث وأوسعها مسند الإمام أحمد ومع هذا لم تجتمع فيه أحاديث الصحابة كلها ولا الآثار المروية عنهم بل في غيره من كتب الصحاح والسنن والمسانيد ما ليس فيه. وفي كل منها ما ليس في الآخر. وفي هذا أكبر شاهد على بطلان ما زعمه أبو تراب.\nالوجه الثاني: أن كثيرا من كبار الصحابة الذين طالت صحبتهم لرسول الله ﷺ وكانوا يلزمونه حضرا وسفرا قد مات كثير منهم بعد وفاة النبي ﷺ بمدة يسيرة فلم يؤخذ عنهم الكثير مما عندهم من الفقه ولم يرو عنهم الكثير مما سمعوه من النبي ﷺ وما شاهدوه من أفعاله وهديه وسيرته. وقد تقدم ما ذكره ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي أنه قال: \"إنما قلَّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ لأنهم هلكوا قبل أن يحتاج إليهم - إلى أن قال -ومضى كثير من أصحاب رسول الله ﷺ قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه بشيء ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ\". وتقدم أيضا قول ابن القيم رحمه الله تعالى: \"إن ما انفرد به الصحابة من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع - إلى أن قال - وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه. ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة\". انتهى.\nوفي هذا أبلغ رد على مجازفة أبي تراب حيث زعم أن البخاري قد اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع.\nالوجه الثالث: أن في صحيح البخاري وغيره من كتبه أعظم رد على أبي تراب وأكبر شاهد على بطلان ما زعمه عن البخاري أنه اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. فالذي في كتب البخاري من أحاديث الصحابة وفقههم لا يبلغ عشر ما روي عنهم من الأحاديث والآثار ولا نصف العشر. وقد جاء في كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمستخرجات\n_________\n١ قول ابن سيرين هذا من الكلام المأثور وليس بحديث. ولعل عبارة (رواه الترمذي..) أقحمت بعده سهوا. (المجلة)","vol":"31","page":76},{"text":"والمعاجم من الأحاديث الصحيحة والحسنة التي لم يخرجها البخاري أكثر مما في صحيح البخاري. وجاء فيها من الآثار عن الصحابة أكثر مما جاء في كتب البخاري فكيف يقال والحالة هذه: إن البخاري اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. هذا كلام لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل.\nالوجه الرابع: أن يقال: إن في شيوخ البخاري ومن قبلهم من أكابر العلماء من هم أكثر جمعا لأحاديث الصحابة وفقههم من البخاري ولا سيما الإمام أحمد فقد جمع من الأحاديث وآثار الصحابة أكثر مما جمع البخاري بكثير ومع هذا لا يجوز أن يقال فيه ولا في غيره من علماء التابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء: إن مراتبهم في العلم تفوق مراتب الصحابة. بل الصحابة أعلى مراتب في العلم وفي سائر الفضائل من جميع الذين جاءوا من بعدهم.\nالوجه الخامس: إن البخاري رحمه الله تعالى قال: \"ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني\". وإذا كان البخاري قد استصغر نفسه عند علي بن المديني الذي لا تقاس مرتبته في العلم بأدنى مراتب علماء الصحابة فكيف يقال إن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة.. هذا كلام لا يقوله عاقل ولا يرضى به مؤمن. ولو قيل هذا القول السيئ في حياة البخاري لكان حريا أن يجاهد قائله بكل ما يقدر عليه.\nوأما قوله: ولكنه لا يفوقهم ولا يدانيهم البتة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة.\nفجوابه أن يقال: إذا كان البخاري رحمه الله تعالى لا يداني الصحابة ﵃ في هذه الأمور فبطريق الأولى أن يقال: إن مراتبهم في العلم تفوق مرتبته ومراتب غيره من التابعين وتابعيهم ومن جاء بعد ذلك من كبار العلماء. وقد تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أن العلم رأس الفضائل.. وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه. وتقدم أيضا قول ابن القيم رحمه الله تعالى أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها.\nويقال أيضا لأبي تراب: هل تقول إن العلم شرف وفضيلة ومنزلة عالية وكرامة في حق من يعمل بعلمه أم لا؟ فإن قال إنه شرف وفضيلة ومنزلة عالية وكرامة لزمه أحد أمرين إما أن يقول: إن البخاري قد فاق جميع الصحابة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة.\nوإما أن يرجع عما زعمه من رفع مرتبة","vol":"31","page":77},{"text":"البخاري في العلم على مراتب الصحابة ويعترف أن مراتب الصحابة في العلم تفوق مراتب العلماء بعدهم وأنهم لا يقاس بهم أحد ممن كان بعدهم كائنا من كان..\nوإن قال: إن العلم ليس بشرف ولا فضيلة ولا منزلة عالية ولا كرامة كما هو ظاهر كلامه ههنا وفي قوله أيضا: وليس لإنسان أن يقرن الفضل بالعلم وقوله أيضا إن الفضيلة شيء والعلم شيء آخر.\nقيل هذا كلام لا يقوله إلا من رفع عنه التكليف فلا يعول عليه ...\nالموضع الخامس: زعم أبو تراب أن الفقهاء يخالفون مذاهب الصحابة في مئات المسائل. وزعم أيضا أن الفقهاء خالفوا الصحابة في المسائل الاجتهادية التي يخالف فيها الصحابة بعضهم بعضا زعم أيضا أن أبا حنيفة قال: \"هم رجال ونحن رجال\".\nوالجواب أن يقال: ظاهر كلام أبي تراب في عبارته الأولى أن الفقهاء يخالفون مذاهب الصحابة حتى في المسائل التي أجمع عليها الصحابة ﵃ وهذا خطأ ظاهر فإن الفقهاء لم يخالفوا ما أجمع عليه الصحابة ﵃. ولو قدر أن أحدا من الفقهاء خالف إجماع الصحابة فخلافه مردود عليه لأن إجماع الصحابة حجة قاطعة.\nوكذلك قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره من الصحابة فإنه حجة يجب المصير إليه قاله الشافعي وغيره من أكابر العلماء..\nولا أعلم أحدا خالف إجماع الصحابة سوى أبي تراب فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على تفضيل أبي بكر ثم عمر ﵄ على سائر الأمة ولم يستثنوا في التفضيل أحدا من الصحابة لا أُمهات المؤمنين ولا غيرهم ولو يستثنوا في التفضيل شيئا من خصال الفضل لا العلم ولا غيره ولم يخالف هذا الإجماع أحد من التابعين ولا من بعدهم من العلماء حتى جاء أبو تراب في آخر القرن الرابع عشر من الهجرة فشذ عن أهل العلم وخالف إجماع الصحابة حيث فضل أمهات المؤمنين على عمر ﵁ وفضل كثيرا من الصحابة على أبي بكر وعمر ﵄ في حفظ القرآن وفي العلم والفقه. ولم يكتف بذلك بل فضل البخاري في العلم على سائر الصحابة وقد قال الشاعر:\nخلافا لقولي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالف لتذكرا","vol":"31","page":78},{"text":"وهذا البيت مطابق لحال أبي تراب غاية المطابقة.\nوأما المسائل الاجتهادية التي اختلفت فيها أقوال الصحابة ﵃ واختلفت فيها الفقهاء بعدهم بحسب اختلافهم فهذه لا يقال فيها إن الفقهاء قد خالفوا الصحابة كما عبر به أبو تراب لأن ظاهر عبارته يقتضي أن الفقهاء قد خالفوا الصحابة كلهم في المسائل الاجتهادية. وهذا خطأ فإن الفقهاء لم يخالفوا جميع أقوال الصحابة في المسائل الاجتهادية وإنما كانوا يأخذون بأقوال الصحابة أو ببعضها ويختلفون بحسب اختلاف الصحابة وإذا ظهر لهم الدليل من الكتاب أو السنة أخذوا به وتركوا ما سواه من الأقوال. هذا هو المعروف عن المحققين من العلماء وليس في فعلهم نقص على الصحابة ولا غض من قدرهم.\nقال الشافعي رحمه الله تعالى في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني - وهذا لفظه -: \"وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين. أدوا إلينا سنن رسول الله ﷺ وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عاما وخاصا وعزما ورشادا. وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا. وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا. ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله ﷺ فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا. وهكذا نقول ولم نخرج عن أقاويلهم. وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله\". انتهى.\nوقد نقله عنه ابن القيم رحمه الله تعالى في «إعلام الموقعين» قال: \"وقد صرح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابي حجة يجب المصير إليه فقال المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهذه البدعة الضلالة\". قال ابن القيم: \"والربيع إنما أخذ عنه بمصر وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة وهذا فوق كونه حجة\".\nوقال ابن القيم أيضا في «إعلام","vol":"31","page":79},{"text":"الموقعين»: \"وقال الشافعي في رواية الربيع عنه والبدعة ما خالف كتابا أو سنة أو أثرا عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ\". قال ابن القيم: \"فجعل ما خالف قول الصحابي بدعة\". انتهى.\nوأما قوله: \"إن أبا حنيفة قال هم رجال ونحن رجال..\" فجوابه أن يقال: لم يقل أبو حنيفة هذا القول في حق الصحابة كما توهمه أبو تراب وإنما قاله في حق التابعين. قال الحافظ الذهبي في مناقب أبي حنيفة: \"قال نعيم بن حماد: \"سمعت أبا عصمة وهو نوح الجامع قال: \"سمعت أبا حنيفة يقول: \"ما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين وما جاء عن الصحابة اخترنا وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال\".\nوذكر ابن عبد البر في الانتقاء عن إبراهيم بن هانئ النيسابوري قال: \"قيل لنعيم بن حماد ما أشد إزراءهم على أبي حنيفة فقال: إن ينقم على أبي حنيفة ما حدثنا عنه أبو عصمة قال: سمعت أبا حنيفة يقول: \"ما جاءنا عن رسول الله ﷺ قبلناه على الرأس والعينين وما جاءنا عن أصحابه اخترنا منه ولم نخرج عن قولهم وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال\".\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى في «إعلام الموقعين»: \"وقال نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول: \"إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم\". انتهى.\nومراد أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يقلد أحدا من التابعين وإنما يأخذ بما جاء عن النبي ﷺ ويختار من أقوال الصحابة ولا يخرج عنها وإذا لم يجد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه اجتهد رأيه ولم يأخذ بآراء التابعين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>وهذا آخر ما تيسر إيراده </span>والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.\nحرر في ٢٦-٣-١٣٩٥هـ.","vol":"31","page":80}]}