{"ً":{"ٌ":23071,"ٍ":"دراسات في السنة النبوية","َ":2,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: دراسات في السنة النبوية\nالمؤلف: محمد ضياء الرحمن الأعظمي\nالناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد من المجلة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1812,"ٕ":10,"ٖ":1770155759,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["14","16","21","23"],"ٚ":[{"title":"دراسات في السنة النبوية","level":1,"page":24},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":29}],"ٛ":{"14,74":1,"14,75":2,"14,76":3,"16,62":4,"16,63":5,"16,64":6,"16,65":7,"16,66":8,"16,67":9,"21,89":10,"21,90":11,"21,91":12,"21,92":13,"21,93":14,"21,94":15,"21,95":16,"21,96":17,"21,97":18,"21,98":19,"21,99":20,"21,100":21,"21,101":22,"21,102":23,"23,106":24,"23,107":25,"23,108":26,"23,109":27,"23,110":28,"23,111":30},"ٜ":{"14":[74,76],"16":[62,67],"21":[89,102],"23":[106,111]},"ٝ":["14,74","14,75","14,76","16,62","16,63","16,64","16,65","16,66","16,67","21,89","21,90","21,91","21,92","21,93","21,94","21,95","21,96","21,97","21,98","21,99","21,100","21,101","21,102","23,106","23,107","23,108","23,109","23,110","23,110","23,111"],"ٞ":{"24":[1],"29":[2]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"دراسات في السنَّة النبوِيَّة\nبقلم الشيخ محمد ضياء الرحمان الأعظمي\nالسنة في اللغة: الطريقة حسنة كانت أمْ سيئة يقال فلان من أهل السنة قال نصيب:\nمن الناس إذ أحببت بينهم وحدي ... كأني سننت الحب أوَّل عاشق\nومن معانيها: السيرة حسنة كانت أمْ سيئة قال خالد بن عتبة الهذلي:\nفأوَّل راض سنة من يسيرها ... فلا تجزعن عن سيرة أنت سرتها\nومن معانيها: الوجه أي الشيء البارز من الجسم قال ذو الرمة:\nتريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب\nوبهذا المعنى أنشد ثعلب:\nبيضاء في المرآة سنتها ... في البيت تحت مواضع اللمس\nومثله قول الأعشى:\nكريمًا شمائله من بني ... معاوية الأكرمين السنن\nومن معانيها التصوير يقال أسنُّه سنًّا إذا صورته. قد أنشد عبد الرحمن ابن حسان:\nثم خاصرتها إلى القبة الخضراء ... تمشي في مرمر مسنون\nوقال في اللسان: \"كل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده هو السنة\"١\n_________\n١ - ج ١٣ ص ٢٢٥.","vol":"14","page":74},{"text":"ويمكن أن نحمل قول نصيب الماضي على هذا.\nقال شيخ الإسلام بن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم): \"السنة هي العادة وهي الطريقة التي تبتكر لنوع من الناس مما يعدُّونه عبادة أولا يعدُّونه عبادة\".\nفهذه المعاني الكثيرة كلها تنطبق على السنة النبوية وهي متوفرة في الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ١. ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ ٢ يعني العذاب كما قال الزجاج: \"سنة الأولين أنهم عاينوا العذاب فطلب المشركون إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء\"٣.\nومنه قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ٤. ومنه قوله تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ ٥. وغيرها من الآيات البينات فإنها تدل على معنى الطريقة والعادة والأمر والعذاب وما شاكل ذلك فالآن نرجع إلى الحديث النبوي لنرى فيه معاني السنة.\nأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: \"لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم\". قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى قال: \"فمن.\" ٦. وفيه عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فعُمِل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء\".٧\nففي هذا الحديث الشريف حثٌّ على إبداع سنَّة حسنة محمودة وكذلك\n_________\n١ - الفتح ٣٢\n٢ - الكهف: ٥٥\n٣ - اللسان ج ١٣ص ٢٢٥.\n٤ - الأحزاب: ٣٨.\n٥ - غافر: ٨٥.\n٦ - مسلم كتاب العلم باب اتباع اليهود والنصارى ص ٥٧ ج ٨.\n٧ - مسلم كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة ص٦١ ج٨.","vol":"14","page":75},{"text":"حثٌّ على إتباعها وهي بمعنى الطريقة والعادة والمنهاج القويم.\nوفي اللسان: \"إن رسول الله ﷺ حض على الصدقة فقال رجل قبيح السُنَّة: أي قبيح الصورة\"١. وفي صحيح البخاري قال: \"قال رسول الله ﷺ: \"فكان خبيب هو الذي سنَّ الركعتين لكل امرئ مسلم\" ٢. وفي موطأ الإمام مالك قال: \"قال رسول الله ﷺ في أمر المجوس: \"سَنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب\" ٣ يعني خذوا منهم الجزية. وفي صحيح البخاري أيضا قال: \"قال رسول الله ﷺ: \"أبغض الناس مبتغ في الإسلام سُنَّة الجاهلية\" ٤. وأخرج الترمدي عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا: \"يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط\"، فقال ﵊: \"سبحان الله.. هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. والذي نفسي بيده لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم\" ٥. أي لتتبعن البدعات والخرافات. وفيه أيضا عن ابن جرير بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سَنَّ سُنَّة خير فاتبع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئًا ومن سن سنة شر فاتُّبِع عليها كان عليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئًا\" ٦. واللفظ للترمذي. إلى غيرها من الأحاديث الكثيرة المروية في الجوامع والسنن والمسانيد وكلها تشير إلى أن السنة قد استعملت بمعنى الطريقة والعادة والبدعة والخرافات والصورة والتقاليد وما شابه ذلك. فإن هذه المعاني كلها معانٍ لغوية لكلمة السنة في القرآن والحديث.\n_________\n١ - ج ١٣ ص ٢٢٤.\n٢ - البخاري جهاد ص ١٧٠، مغازي ١٠، ٢٧.\n٣ - الموطأ زكاة ٤٣.\n٤ - ديات ٩.\n٥ - الترمذي أبواب الفتن ١٨.\n٦ - الترمذي أبواب العلم ١٥، أحمد ٢: ٥٠٥.","vol":"14","page":76},{"text":"دراسات في السنة النبوية\nبقلم الشيخ/ محمد ضياء الرحمن الأعظمي\nالسنة اصطلاحا:\nيختلف معنى السنة اصطلاحا حسب اختلاف الأعراض والمقاصد التي لأجلها توجه العلماء في البحث عنها. فالسنة بالنسبة إلى القرآن هي ما كانت منقولة عن النبي ﷺ مما لم ينص عليها في الكتاب العزيز. وهي إما أن تكون بيانا لكتاب الله ﷿ أو تخصيصا له ولهذا السبب أطلق عليها الحديث بمقابلة القديم وهو كلام الله والعلم عند علام الغيوب.\nوعند المحدثين: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية سواء قبل البعثة أو بعدها.\nوعند الأصوليين: السنة هي ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. والأمثلة على ذلك:\nمن قول النبي ﷺ: ما أخرجه الترمذي عن عثمان بن عفان قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من بنى","vol":"16","page":62},{"text":"لله مسجدا بنى الله مثله في الجنة\" ١ قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. ومن فعله ﷺ: ما أخرجه الترمذي أيضا عن البراء بن عازب قال: \"كانت صلاة رسول الله صلى عليه وسلم إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود قريبا من السواء\" ٢.\nومن تقريره ﷺ ما أخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: \"خرج رجلان في سفر. فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يُعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: \"أصبت السنة وأجزأتك صلاتك\" وقال للذي توضأ وأعاد: \"لك أجر مرتين\" ٣.\nومن صفة النبي ﷺ: ما أخرجه الترمذي عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: \"ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله ﷺ\" قال الترمذي هذا حديث غريب٤.\nومن خلق النبي ﷺ ما أخرجه الترمذي أيضا عن علي بن أبي طالب قال: \"لم يكن النبي ﷺ بالطويل ولا بالقصير، شثن٥ القدمين والكفين. ضخم الرأس. ضخم الكراديس، طويل المشرُبَة، إذا مشى تكفّى تكفيا كأنما ينحط من صبب. لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ\" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح٦.\nوجه التفريق في معنى السنة عند الأصوليين والمحدثين هو راجع إلى الأغراض والمقاصد. فمثلا الأصولي جل همه أن يدور حول الأحكام الشرعية ليستنبطها من الأمر والنهي. فأوصاف النبي ﷺ وأخلاقه وسيرته خارجة عن دائرة بحثه.\nوالسنة بهذا المعنى المذكور مطلوبة\n_________\n١ تحفة الأحوذي ج٢ ص٢٦٢.\n٢ المصدر السابق ص١٥٣.\n٣ أبو داود ج١ ص١٤٣.\n٤ تحفة الأحوذي ج١٠ ص١٢٤.\n٥ قال في النهاية إنهما يمييلان إلى الغلط والقصر وقيل هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر يحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضتهم ويذم في النساء ج٢ ص٢٠٤.\n٦ تحفة - ج١٠ - ص١١٦.","vol":"16","page":63},{"text":"شرعا والأمة مأمورة باتباعها. فمن القرآن نذكر بعض الآيات المحرضة على اتباع السنة:\nقال ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ روى عن عبد الرزاق قال أخبرني الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال عبد الله ابن مسعود: \"لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله\" قال بلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب. فقال يا أبا عبد الله بلغني أنك لعنت كيت وكيت. فقال: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله. قالت: إني لأقرأ ما بين اللوحتين فما أجده. قال: إن كنت قارئة لقد وجدتيه. أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.\nقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٣.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٤.\nقال ابن كثير: \"أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم\"، ثم قال: \"فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ومن لا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر\"٥.\nقد يخيل إلى أحد أن الرد كما وجب إلى الله والرسول كذلك وجب إلى أولي الأمر. فهل أولو الأمر في مرتبة الله والرسول في التشريع! فأجاب العلماء على هذا السؤال بأقوال منها:\nإن لفظ الطاعة ذكر مع الله والرسول\n_________\n١ الحشر: ٧.\n٢ جامع بيان العلم وفضله ج٢ ص١٨٨_ فتح الباري ج١ ص٣١٧.\n٣ الأحزاب ٣٦.\n٤ النساء ٥٩.\n٥ ابن كثير ج١ ص٥٥١.","vol":"16","page":64},{"text":"فقط ولم يُعَد مع أولي الأمر. إذا فالطاعة المطلقة مختصة بالله والرسول، أما أولوا الأمر فهم تبع لهما وإلى هذا أشار رسول الله ﷺ بقوله: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\" ١.\nومنها: أن الرد لم يكرر مع أولي الأمر ويفيد هذا كذلك أن الرد لم يصح إلى أولي الأمر بل هو مختص بالله والرسول. ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الأعمش والإمام أحمد في مسنده عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: بعث رسول الله صلى عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار. فلما خرجوا وجد عليهم في شيء، قال فقال لهم: \"أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ \" قالوا: \"بلى\"، قال: \"فاجمعوا إليّ حطبا\" ثم دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال: \"عزمت عليكم لتدخلنها\" قال: فقال لهم شاب منهم: \"إنما فررتم إلى رسول الله من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها\" قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بذلك فقال لهم: \"لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف\" ٢.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٣ فأعلمهم بأن مبايعتهم لرسول الله هي مبايعتهم له ﷿.\nقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٤ قال الحافظ ابن كثير: \"يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى\"٥.\nأخرج الشيخان عن الأعمش عن\n_________\n١ بالمعنى تفسير ابن كثير ج١ ص٥٤٩.\n٢ نقلا من تفسير ابن كثير ج١ ص٥٤٩.\n٣ النساء ٨٠.\n٤ الفتح ١٠.\n٥ تفسير ابن كثير ج١ ص٥٦٢.","vol":"16","page":65},{"text":"أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني\" ١.\nإلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على الأخذ بالسنة النبوية الناطقة بالحق المبينة للكتاب ولهذا أجمع المسلمون جيلا بعد جيل وعصرا بعد عصر على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهي مبينة لكتاب الله ﷿ ومخصصة له، لأن الكتاب جاء مجملا ومعجزا فاقتضت حكمة الله العليا ان يرسل رسولا يفسر للناس كتابه ويوضح مراده بقوله وفعله وتقريره لقيم الحجة على عباده.\nفقد قال الإمام الشافعي: \"لا حجة في أحد خالف قولُه السنة\"٢ فلنذكر هنا بعض الأحاديث الدالة على حجية السنة.\nأخرج أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ قال: \"ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه. لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلاّ أن يستغني عنها صاحبها. ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعاقبهم (يعقبهم) بمثل قراه\" ٣.\nوأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"دعوني ما تركتكم. إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم\" ٤.\nوأخرج الدارمي عن عرباض بن سارية قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر ثم وعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع،\n_________\n١ خ كتاب الجهاد ١٠٩ م كتاب الإمارة ٣٢.\n٢ الرسالة ص٥٧٦.\n٣ دج٤ ص٢٧٩.\n٤ خ ج٩ ص٧٧.","vol":"16","page":66},{"text":"فأوصنا. فقال: \"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والمحدثات فإن كل محدثة بدعة. وقال أبو عاصم مرة وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة\" ١.\nوفي سنن النسائي قال النضر بن شيبان قال قلت لأبي سلمة بن عبد الرحمن حدثني بشيء سمعته من أبيك سمعه أبوك من رسول الله ﷺ ليس بين أبيك وبين رسول الله ﷺ أحد: نعم. حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" ٢. وفي سنده أيضا عن عبد الله المزني أن رسول الله ﷺ قال: \"صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عن الثالثة: لمن شاء\" قال الراوي: كراهية أن يتخذها الناس سنة٣ وإلي غير ذلك من السنن المذكورة في كتب الأحاديث فلو لم يكن للسنة قيمة ذاتية رفيعة في نظر الشارع لما وردت هذه الآثار إلى هذا الحد الكبير.\n_________\n١ الدارمي ج١ ص٤٤ اللفظ له، واعتصام ٥، ت كتاب العلم ١٦.\n٢ ن ج ٤ ص١٥٨.\n٣ حم ج٥ ص٥٥.","vol":"16","page":67},{"text":"دراسات في السنة النبوية\n...\nالأمور التي ألغاها الإسلام وأنكرها فهي كثيرة جدا يطول بنا القول لو ذكرناها في العقيدة والعبادة والمعاملات والأخلاق والزواج والطلاق والحرب والقتال وغيرها من العادات والتقاليد.\nوأما الأمور التي عدلها الإسلام من شريعة الجاهلية فهي كذلك باب واسع مبثوث في كتب الحديث والتفسير والفقه والعقيدة فمن شاء فليرجع إليها.\nهذا هو موقف الإسلام الصحيح من الجاهلية لا كما يزعم بعض المخدوعين والدجاجلة الكفرة من أن السنة ليست لها قيمة شرعية ولا منزلة ذاتية بل هي من العادات الجاهلية التي أبقى عليها الإسلام تطييبا لخواطرهم وتعظيما لتقاليدهم فشرع الإسلام بعقائده وعباداته وأحكامه ونواهيه تام أكمله الله من فوق سبع سماوات من غير احتياج إلى العادات والتقاليد. وقد عز الله القائل:\n﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.\nأما شبهات شاخت فهي نتيجة لعدم اطلاعه على تاريخ التشريع","vol":"21","page":89},{"text":"الإسلامي فجعل الإمام الشافعي مثلا أول قائل بحجية السنة واستشهد على ذلك ببعض النصوص التي أوردها الإمام في كتابه الأم١حيث يذكر أن الإمام مالكا وأبا حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني أخذوا بالقياس والرأي في مقابلة السنة في بعض المواضع. ولكن الأمر الذي فات شاخت هو هل هذا الترك كان لعدم وقوفهم على السنة؟ أو لعدم احتجاجهم بالسنة؟ فإذا عجز شاخت عن فهم هذه الأصول فلماذا أقدم على أمر هو بعيد عن إدراكه؟. نحن نجيب عن هذه الأسئلة إن شاء الله ولو بقليل من التفصيل: ونسلك في هذا طريقة المنطقية:\nلم يعرف أحد من أئمة أهل السنة الذي قال بعدم حجية السنة ونحن نقيم على هذا أدلة قاطعة من كتب الحديث والفقه وتاريخ المسلمين إن شاء الله تعالى.\nفهذا إمام من أئمة أهل السنة إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس الذي شدت إليه الرحال وضربت له أكباد الإبل وازدحم الناس حوله، لقد عرف رحمه الله تعالى فقيها ومحدثا وهذا الوصف المطابق لم يزل ملازما الإمام مالك حتى انتقل إلى رحمة الله ورضوانه.\nلقد توهم بعض الباحثين فقالوا إن مالكا كان يقدم القياس والرأي في مقابلة السنة، وهذا اتهام وبهتان فقد نقل عبد الوهاب الشعراني على لسان مالك قوله \" إياكم رأي الرجال إلا إن أجمعوا عليه واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وما جاء عن نبيكم وإن لم تفهموا المعنى وسلموا لعلمائكم، ولا تجادلوا، فإن الجدال في الدين من بقايا النفاق\"٢.\nوفيه أيضا نقلا عن ابن حزم قوله: \"أنه لما حضرته الوفاة قال وددت الآن أني أضرب على كل مسألة قلتها برأي سوطا ولا ألقى رسول الله ﷺ بشيء زدته، في شريعته\n_________\n١ راجع اختلاف مالك والشافعي ج/٧ ص١٧٧، كتاب جماع العلم ص٢٥٠ كتاب الرد على محمد بن الحسن ص٢٧٧، كتاب إبطال الإحسان ص٢٦٧.\n(٢) الميزان ج١ ص٦٤.","vol":"21","page":90},{"text":"وخالفت فيه ظاهرها\"١ ومن هنا أخذ بعض الناس منع رواية الحديث بالمعنى للعارف خوفا أن يزيد الراوي في الحديث أو ينقص.\nوقال الإمام مالك في رسالته الخالدة إلى الليث بن سعد٢ \"وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر وعلى كل حال\"٣ ومن منا لا يعرف قول الإمام مالك المشهور: كل يؤخذ بقوله ويرد إلا صاحب هذا القبر (مشيرا إلى قبر النبي ﷺ) فهذه بعض النصوص حجة صريحة على من يتهم الإمام مالكا. نعم لقد تحير بعض الناس لما وقفوا على موطأ مالك ووجدوا أنه كتاب فقه وحديث، كتاب رواية ودراية، كتاب رأي وفتوى وهو مشهور بين أهل العلم بكتاب السنة، فكيف يجمع هذا في كتاب واحد وفي رجل واحد.\nفنقول هذا الانتقاد صحيح في حد ذاته ولكن المدقق البصير لتاريخ التشريع الإسلامي يعثر على شيء جمعه مالك دون غيره وهو اجتماع الرواية والفقه عنده، والسبب في ذلك أن الناس ما كانوا يفرقون بين الرواية والدراية في عصره، فالمحدث هو الفقيه والفقيه هو المحدث لقرب أصحاب النبي ﷺ. فإن الأمر المعروف في أصول الفقه أن قول الصحابي ينزل منزلة الرفع إذا لم يكن موضع اجتهاد، ولهذا كان من عادة الأئمة في استنباط الأحكام الشرعية أن يرجعوا إلى كتاب الله أولا ثم إلى سنة رسوله ﷺ ثم إلى قول أصحابه المتفق عليه ثم إلى أقضية الخلفاء الراشدين، هكذا روي عن الإمام أبي حنيفة فإذا وصل إلى رأي التابعين قال هم رجال ونحن رجال.\nوقد جاء عن بعض السلف قولهم \"إن مالكا جمع بين الحديث والفقه ما لم يجمع غيره قط\". قال ابن جرير الطبري أن أحمد بن حنبل لم يكن فقيها\n_________\n(١) المصدر السابق ص٦٥.\n(٢) توفي سنة ١٧٥هـ.\n(٣) ترتيب المدارك ج١ ص٦٥.","vol":"21","page":91},{"text":"بل إنه كان محدثا ومالك وحده هو المحدث الذي يعد في الرعيل الأول بالإجماع والفقيه البصير بمواضع الفتوى ومصادرها بالإجماع. فهذا كتاب الموطأ الذي يحتوي على ألف وسبعمائة وعشرين حديثا برواية أبي بكر الأبهري قال السيوطي عنه \"إن الأحاديث الموصلة المرفوعة إلى النبي ﷺ صحاح كلها بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين\"١. وقال الإمام الشافعي \"لا أعلم كتابا في أكثر صوابا من كتاب مالك\"٢ حتى أن الإمام البخاري الذي يُعد كتابه أصح كتب الحديث وأقواها يعتبر سند مالك في بعض مروياته التي رواها أصح الأسانيد وهو مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وأصح الأسانيد عن أبي داود مالك عن نافع عن ابن عمر ولهذا استغرب الشافعي من مالك مسألة خيار المجلس، والحديث مروي عن مالك عن نافع عن ابن عمر فقال:\" لا أدري هل أتهم مالك نفسه أو نافعا\"٣. فكأنه اعتبر هذا السند من سلسلة الذهب. فهذه شهادات تدل على أنه كان عدلا ضابطا لا مجال للطعن فيه فكيف لأحد أن يعده من منكري السنة وغير المحتجين بها!.\nهذه هي منزلة السنة عند مالك من حيث الأصول، وبحثنا مقتصر على الأصول وأما في الفروع فقد تلحقه شبهة وأعذار نذكر منها البعض في باب عمل أهل المدينة إن شاء الله تعالى.\nأما من ناحية تقديم القياس على بعض السنة فنقول بعون الله تعالى:\nلقد تضافرت الأدلة القاطعة على أن القياس أصل من أصول الفقه الإسلامي ولم يعارضه أحد إلا طائفة من الظاهرية وجماعة من الشيعة وشبهاتهم مذكورة في كتبهم ولا حاجة بنا إلى إعادة ذكرها.\nالقياس على قسمين: قياس يخالف الكتاب والسنة وهو مردود ومذموم لم يأخذ به أحد، وقياس لا يخالف الكتاب والسنة، وهو إلحاق أمر غير\n_________\n١على هامش الباعث الحثيث ص٣٢.\n٢ المصدر السابق ص٣١.\n٣ المغني ج٣ ص٥٠٤.","vol":"21","page":92},{"text":"منصوص على حكمه بأمر منصوص على حكمه لعلة جامعة بينهما. وهو أمر ضروري لا بد منه لوقوع كثرة الحوادث وعدم انتهاء المساءل وإلى هذا أشار معاذ بن جبل وأقره عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم١ والعلماء والفقهاء من القرون المشهود لها بالخير إلى يومنا هذا لم يستغنوا عن استعمال المقاييس في أمور دينهم إذا لم يجدوا أمرا صريحا من الشارع لأن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، وعلى هذا الأساس فإن مالكا استعمل القياس وقال بما دل عليه قياسه متمسكا بشروطه وآدابه. وكيف لا يقول به مالك وقد قال به رسول الله صلى الله عليه سلم في مواضع كثيرة منها ما يروى عن عمر بن الخضاب قال: \"صنعت يا رسول الله أمرا عظيما قبّلت وأنا صائم فقال له رسول الله ﷺ: \"أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم\"؟ فقلت لا بأس فقال: \"فصم\" ٢ فقاس رسول الله ﷺ القبلة على المضمضة لأن كلا منهما مقدمة للإفطار فلا ذنب على مالك إن قاس الأمور الحادثة على أصولها.\nنعم وقد يظن قياسه مخالفا للسنة الثابتة فما السبب في ذلك؟ فنقول: هناك عدة أعذار عد بينها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وقال: جميع الأعذار ثلاثة أصناف. أحدها عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله، والثاني عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول، والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. ثم فرع الأسباب على تلك الأصناف فجعل السبب الأول هو أن لا يكون الحديث قد بلغه ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف إن يكون عالما بموجبه كما حصل لعمر وابنه فإنهما كانا ينهيان المحرم عن التطيب قبل الإحرام قبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة ولم يبلغهما\n_________\n١ أخرجه الترمذي وقال: حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقال البخاري في التاريخ الكبير: الحرث بن عود بن أخي المغيرة عن أصحاب معاذ عن معاذ روي عنه أبو عون ولا يصح ولا يعرف إلا بهذا. جمع الفوائد ٤٩٢٣.\n٢ أبو داود صوم ٣٣، الدارمي صوم ٢١ سند أحمد ١/ ٢١.","vol":"21","page":93},{"text":"حديث عائشة ﵂ أنها طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف، وغيره من الأمثلة الكثيرة ذكرها ابن تيمية١ رحمه الله تعالى وإلى هذا أشار الإمام الشافعي في قوله \"لو صح حديث لحوم الإبل قلت به\" ذكره الحافظ في التلخيص٢ فلماذا لا نحمل مالكا على أحد هذا الأعذار؟ فالأئمة المجتهدون والمحدثون الحاذقون والفقهاء المبصرون كلهم معذورون إذا قالوا شيئا يخالف سنة رسول الله ﷺ بل هم مأجورون على ذلك. فقد ثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر\" ٣ فتبين أن المجتهد له مع خطئه أجر وذلك لأجل اجتهاده، فإن إحاطة واحد لجميع أحاديث رسول الله ﷺ أمر لا يمكن ادعاؤه حتى أن الخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة وأفقه الفقهاء وباشروا رسول الله سفرا وحضرا لم يكونوا قد بلغوا الكمال في العلم، فهذا أبو بكر ﵁ لما سئل عن ميراث الجدة قال مالك في كتاب الله من شيء وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ من شيء، ولكن أسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة وشهد له محمد بن مسلمة بأن النبي ﷺ أعطاها السدس.\nوروي عن عمران بن حصين مثل ذلك. فإذا كان هذا من حال أبي بكر وعمر وابنه الذين شاهدوا التنزيل فأين أبو حنيفة ومالك وابن أبي ليلى وغيرهم من الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين!\nلقد تخبط بعض الباحثين من المستشرقين من أمثال جولد زهير في معنى السنة فظنوا أنها من باب العادات والتقاليد الموروثة من الجاهلية، واستشهدوا على ما ذهبوا إليه ببعض\n_________\n١رفع الملام ص١.\n٢ نقلا من تحفة الأحوذي ج١ ص٢٦٣.\n٣ خ اعتصام باب ٢١.\nم، اقضية١٥، واقضية٢، حم ج٢/١٨٧.","vol":"21","page":94},{"text":"العادات التي أبقاها الإسلام من العادات القديمة. وقالوا أن السنة ليست من مصادر التشريع في الإسلام، فإن الأوائل لم يكونوا يرجعون إليها في المسائل الدينية والفتاوى الشرعية حتى ظهر بعض المسلمين في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، ونادوا بحجية السنة، وملأوا كتبهم بالأدلة والبراهين، وممن اشتهر في هذا العصر الإمام الشافعي فإنه قام بالرد على الإمامين السابقين أبي حنيفة ومالك رحمهما الله١.\nوأخذ هؤلاء الباحثون ببعض الآثار المروية في هذا الباب، منها قول عمر ابن الخطاب \"حسبنا كتاب الله \" وحديث حدث به المهلب بن أبي صفرة ثنا ابن مناس ثنا محمد بن مسرور القيرواني ثنا يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أخبرني شمر بن نمير عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: \"سيأتي ناس يحدثون عني حديثا فمن حدثكم حديثا يضارع القرآن فأنا قلته ومن حدثكم بحديث لا يضارع القرآن فلم أقله. إنما هو حسوة من النار\" ٢.\nوهذا أثر ضعيف بل أوهن من بيت العنكبوت أخذوا به دليلا إلى ما ذهبوا إليه - وقد قال عبد الرحمن بن مهدي \"الزنادقة والخوارج وضعوا هذا الحديث\". وقال محمد بن حزم: \"الحسين بن عبد الله ساقط متهم بالزندقة\"٣ ورد الشافعي والبيهقي هذا الحديث كليا. وبمثل هذه الأحاديث المكذوبة أوردها ابن حزم ورد عليها واحدة بعد واحدة. أما قول عمر بن الخطاب وهو ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: لما حُضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى\n_________\n١ هكذا يريد المستشرق «شاخت» أن يرد حجية السنة وسيأتي التفصيل عن هذا إن شاء الله تعالى.\n٢ الإحكام لابن حزم ج٢ ص٧٦.\n٣ الإحكام لابن حزم ج٢ ص٧٦.","vol":"21","page":95},{"text":"الله عليه وسلم هلمّ أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر: إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله١ وفيه قال ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم٢ هذا القول لا يدل على الاستغناء بالسنة لأن عمر ابن الخطاب أراد أن يخفف على رسول الله ﷺ وجعه ولهذا سكت عليه النبي ﷺ وقد عاش بعده بأيام ولم يرد على عمر قوله، فلما وجد التخفيف والراحة أملى عليهم كما أخرج مسلم أن رسول الله ﷺ قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة: \"ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر\" ٣. وهذا المعنى يؤيد سلوك عمر بن الخطاب في زمن خلافته فإنه كان يحرص على الأخذ بالسنة، وهذا باب واسع لا أرى الحاجة إلى إيراده.\nبمثل هذه الأدلة أخذ منكرو السنة، فمن المستشرقين الذين اشتهروا بهذا الطعن جولد سهير قد قال في دائرة المعارف الإسلامية تحت كلمة (الحديث) وفي كتابه:\n(MUHAMMAD STUDY) ج١ ص٤١ واللفظ من الدائرة \"كان السير على سنة الآباء الأولين (السنة هي المنهج القديم المأثور الذي يعتاده المرء في المبادلة والأخذ والعطاء) حتى يعد عند الكفار من العرب فضيلة من الفضائل ولما جاء الإسلام لم تستطع السنة أن تبقى على قديمها وهو اتباع عادات الآباء الكفار وأقوالهم، وكان لا بد للمسلمين من أن ينشئوا لهم سنة جديدة. فأصبح واجبا على المؤمن أن يتخذ من خلق الرسول ﷺ وصحابته مثلا يحتذيه في\n_________\n١ خ ج ٧ ص ١٠٤.\n٢ المصدر السابق.\n٣ نقلا من فتح الباري ج١ ص١٨٦.","vol":"21","page":96},{"text":"جميع أحوال معاشه، ولهذا بذل كل جهد ممكن في سبيل جمع أخبار النبي ﷺ وصحابته١.\nفالفكرة التي يريد جولد سهير أن يعطيها لنا هي أن السنة ليس لها قيمة ذاتية نفسية بل جاءت من قبل العادات والتقاليد الجامعية. ولكن الأمر ليس كما يظن المستشرق فسوف نبين خطأ فكره في باب العادات الجاهلية بعون الله تعالى. ثم جاء بعده جوزيف شاخت فجعل السنة وليدة البيئة والمجتمع الإسلامي وعمل الخلفاء، وأنها ليست أمرا ثبتا في القرنين الأول والثاني حتى جاء الإمام الشافعي ونادى بحجية السنة وشن الغارات على منكريها٢.\nثم رأيت المرحوم الدكتور السباعي يُورد فصلا كاملا في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) بعنوان «السنة مع من ينكر حجيتها حديثا» فأحببت أن ألخص كلامه هنا في أسطر لما فيه من الفوائد لطالب السنة.\nيقول المرحوم: \"وقد نشرت مجلة المنار للمرحوم السيد رشيد رضا في العددين ٧_١٢ من السنة التاسعة مقالين للدكتور توفيق صدقي تحت عنوان (الإسلام هو القرآن وحده) وشبهته:\nأولا - قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .\n﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ .\nثانيا - قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فالله تعالى تكفل بحفظ القرآن دون السنة.\nثالثا - لو كان الحديث حجة لأمر النبي ﷺ بكتابته.\nرابعا - بعض الآثار المروية التي تدل على بعدم حجية السنة.\nتلك هي خلاصة ما أورده الدكتور صدقي من الشبهات حول حجية السنة\n_________\n١ دائرة المعارف الإسلامية ج٧ ص٣٣٠.\n٢ هذه هي الفكرة الرئيسية في تأليفه. (MUHAMMADAN JURISPRUDENU)\nوخاصة في الباب السابع SUNNA PRACTIEEND LIVING TRADITION) P٥٨.","vol":"21","page":97},{"text":"وقد قام المرحوم الدكتور السباعي بالرد على هذه الشبهات واحدة فواحدة، ولا أريد أن أطيل البحث فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتابه١ فإنه جاء بجواب مسكت مقحم فجزاه الله خيرا وتقبل سعيه.\nفالآن نعود إلى موضوعنا وهو: (مقدار العادات الجاهلية في الإسلام) .\nمعنى الجاهلية وموقف الإسلام منها:\nالجهل لغة: نقيض العلم، يقال جهل فلان جهلا وجهالة، والجهالة: أن تفعل فعلا بغير العلم ومنه المجاهل جمع مجهل.\nقال مضرس بن ربعي:\nأنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدو الأصيد٢\nقال الراغب: الجهل على ثلاثة أقسام:\n١ - خلو النفس من العلم ومثاله قول خولة بنت حكيم امرأة عثمان ﵄ قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول: \"والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله\" أي يُشغل بهم الآباء عن طلب العلم.\n٢ - اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه مثاله: \"إن من العلم جهلا. قيل هو أن يعلم ما لا يحتاج إليه من دينه\".\n٣ - فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أم فاسدا كقوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣ فجعل فعل الهزو جهلا٤.\nوقد يأتي الجهل بمعنى ضد الخبر كقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ أي الذي ليس عنده خبرة.\n_________\n١ السنة ص١٦٥.\n٢لسان العرب ج١١ ص١٢٩.\n٣ البقرة: ٦٧.\n٤ البقرة: ٢٧٣.","vol":"21","page":98},{"text":"هذه هي معاني كلمة الجاهلية فهل يستطيع جولد سهير ومن معه أن يطبق هذه المعاني على السنة النبوية. فالمنتصح الدقيق يجد الفرق بينهما بينا باعتبار التضاد والتناقض. وقد حذر الشارع من اتباع سنن الجاهلية في مواطن كثيرة.\nقال تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة﴾ ١!\nوفي صحيح البخاري عن نافع عن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أبغض الناس إلى الله ثلاث: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلّب دم امرئ بغير حق بهريق دمه\". وفي سند الإمام أحمد عن أبي بن كعب عال: قال رسول الله ﷺ: \"من تعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوا\" ٢ وفي مسلم أيضا عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركهن: الفخر بالأنساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة\" ٣، ومن هذا الباب ما أخرجه الشيخان عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع رسول الله ﷺ وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاّب فكسع أنصاريا فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فخرج النبي ﷺ وقال: \"ما بال دعوى الجاهلية ... دعوها فإنها مُنتنة\" ٤. ومنه قول النبي ﷺ \"إنك امرأ فيك جاهلية\" ٥، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قد أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها بالآباء:\n_________\n١ آل عمران: ١٥٤.\n٢ خ تفسير سورة المنافقون.\n٣ مسلم جنائز ٢٩، حم٥/٣٤٢.\n٤ خ تفسير سورة المنافقون.\n٥ خ أدب ٤٤، إيمان٢٢، م إيمان٣٨.","vol":"21","page":99},{"text":"مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونُنّ أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن\" ١، وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من خرج من الطاعة وارق الجماعة فمات ميتة جاهلية\" ٢ وغيرها من الأحاديث المروية في كتب السنة التي لا تُعد ولا تُحصى فتدل هذه الأحاديث على تقبيح أمور الجاهلية وذمها، وبالتالي تقتضي المنع من اتباعها. ولهذا قسم العلماء الزمان قسمين: قسم زمن الفترة قبل الإسلام يُسمى فترة الجاهلية، وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والتكبر والتجبر. وقسم فترة الإسلام وهو زمن بزغت فيه شمس الإسلام وأشرقت الأرض بنور ربها وخرج الناس من الجاهلية الجهلاء إلى هدى الله وشرعه.\nفهل يُعقل بعد هذه النصوص البينة أن يكون اتباع السنة النبوية من باب التقاليد الجاهلية؟ تعالى الله عمّا يقولون.\nنعم هناك أمر ضروري لا بد أن عليه ولو بعبارة موجزة وهو أن الإسلام لم يأت بشرع جديد مطلق يخالف شرائع الأنبياء والمرسلين، بل جاء بالملة الحنيفة السمحة التي حرفها أهل الزيغ والضلال. بل أعلن الله تعالى على لسان خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ٥ وغيرها من الآيات والآثار.\nإذا فما هو موقف الإسلام من أمور الجاهلية وعاداتها؟ فنقول بعون الله تعالى: إن العرب كانوا في الجاهلية\n_________\n١ أبو داود: أدب ١١١.\n٢ مسلم أمارة: ٥٣.\n٣ الأحقاف: ٩.\n٤ الأنعام: ٩٠.\n٥ المائدة: ٤٤.","vol":"21","page":100},{"text":"بدو أو شبه بدو لم يكن عندهم قانون مدون ولا قواعد معروفة يرجعون إليها إلا ما حصل عندهم من العرف والتقاليد والتجارب والمعتقدات المحرفة من اليهودية والنصرانية، فجاء الإسلام وأقر بعضا وأنكر على بعض وعدل بعضا إذا وافق اللوح المحفوظ.\nمثال ما أقره الإسلام القسامة فقد أخرج مسلم عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله أمر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين أناس من الأنصار١، وصوم يوم عاشوراء، فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون صوم عاشوراء فقال لهم رسول الله ﷺ: \"ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا لله فنحن نصومه تعظيما له. فقال رسول الله ﷺ فنحن أحق بموسى منكم. فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه\"٢. وقد أمر الإسلام بقرى الضيف وابن السبيل وحمل الكل وصلة الأرحام والإعانة في نوائب الحق، وهذه الأوصاف كانت تعتبر مزية من مزايا الجاهلية، وغيرها من أمور العبادة والطهارة من الجنابة وخصال الفطرة مثل الختان. ويروى أن أبا ذر كان يصوم ويصلي قبل أن يقدم إلى النبي ﷺ بثلاث سنين، وكذلك قس بن ساعدة الإيادي. وكان أهل الجاهلية يحجون بيت الله الحرام ويعظمون شعائره وكان فيهم من يوحد الله مثل ورقة بن نوفل الأسدي من أسد بن عبد العزى وزيد بن عمر وابن نفيل العدوي من عدي بن كعب وعثمان بن الحويرث الأسدي من أسد بن عبد العزى. هؤلاء من قريش وعبيد الله بن الجحش الأسدي من أسد بن خزيمة من حُلفاء قريش. يروى أنهم اجتمعوا مرة يوم عيد لأحد أصنامهم فقالوا: نعلن\n_________\n١ مسلم قسامة: ٧، النسائي قسامة٢، حم ٥/ ٤٣٢.\n٢ البخاري صوم: ٦٩.","vol":"21","page":101},{"text":"والله ما قومكم على شيء. لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم. هذا حجر لا يبصر ولا يضر ولا ينفع. يا قوم التمسوا لأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شيء١. ولقد سار عمرو بن لحي الخزاعي إلى بلاد الشام ورأى ما يفعله أهلها من تعظيم التماثيل والتقرب بها فمالت نفسه إلى الاقتداء بهم فأخذ بعض هذه التماثيل وأقامها على الكعبة التي كان هو سادنها ودعى العرب إلى تعظيمها فأجابوه، وقد رآه رسول الله ﷺ يجر قصبته (الأمعاء) في النار وقال: \"إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي\" ٢\nومن هنا تتضح لنا بعض الأمور التي أقرها الإسلام بدون تحريف وتبديل، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقوله ﷺ: \"بعثت بالملة السمحة الحنيفية البيضاء\".\n_________\n١ البداية والنهاية، ج٢ ص٢٣٨.\n٢ ابن هشام ج١ ص٧٩.","vol":"21","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>دراسات في السُّنَّة النبوِيَّة</span>\nبقلم الشيخ/ محمد ضياء الرحمن الأعظمي\nولد مالك بالمدينة في قرب نهاية القرن الأول١ وتلقى العلم على جماعة من التابعين وأهل الفتوى وصرف همه إليه في جد ونشاط وصبر على شدة الحر والجوع، وقد وهبه الله ذاكرة قوية يميز بها الضعفاء من الثقاة على حين كَثُر الكذابون والدجالون الذين يضعون الأحاديث على لسان رسول الله ﷺ. لقد أثر عنه أنه قال: \"إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذونه. لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو أؤتمن على بيت مال لكان أمينًا إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن٢ \".\nوفي رواية ابن وهب وحبيب وابن عبد الحكم عند مطرف عنه قال: \" أدركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم شيئا من العلم \"٣. هكذا كان مالك يتحرى في أخذ الحديث فما كان يتصدى لأخذه إلا إذا تيقن من صحته، واجتمع عليه أهل المدينة ثقة بدينه وتحرزه من الكذب على رسول الله ﷺ كما قال زيد بن ثابت: \" إذا\n_________\n١ ترتيب المدارك ج١ ص١٢٣.\n٢ المصدر نفسه.\n٣ المصدر السابق.","vol":"23","page":106},{"text":"رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنّة \"١.\nوقد جاءت الآثار الكثيرة عن النبي ﷺ في اختصاص المدينة بفضل العلم، فمنها ما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الدين ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها\" ٢ ومعنى هذا الحديث أن الإسلام يقوم بأهل المدينة كما قال القاضي عياض:\"والله ما يأرز إلا إلى أهله الذين يقومون به ويشرعون شرائعه ويعرفون تأويله ويقومون بأحكامه، وفي ذلك من مدح رسول الله ﷺ لا للأرض والدور ولكن لأهلها\"٣. وقال ابن أبي أويس سمعت مالكًا يقول في معنى هذا الحديث: \"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ\" أي يعود إلى المدينة كما بدأ منها\"٤ فمن هنا أخذ مالك قوله بعمل أهل المدينة. والباب واسع ما أردت الإحاطة ولكن ليس معنى ذلك أن السنة الثابتة إذا جاءت من ثقاة ضابطين وخالفها عمل المدينة فكان مالك يقدم العمل حاشا وكلا أن يكون هذا مراد مالك، بل معناه أن مخالفة عمل أهل المدينة للسنة الثابتة المتواترة أمر مستحيل لما كان لهم من فضل وتقدم ومشاهدة التنزيل وكيف تجتمع الأمة على ضلاله بعد خبر النبي ﷺ، فإن قلنا إن المراد بالأمة هنا الأمة الإسلامية عامة يجاب عنه بأن أهل المدينة أولى بهذا لقرب عهد الصحابة ووجودهم بالمدينة بكثرة هائلة كبيرة لم يرَ مثلها في أي بلد من البلاد، فقد عاش السائب بن يزيد بعد وفاة النبي ﷺ ٨٤ عامًا ومرثد بن عبد الله ٧٩ عامًا وسهل بن سعد ٨١ عامًا وعبد الله بن جعفر ٨٠، وسلمة بن الأكوع ٦٤، ورافع بن خديج٦٤، وسعيد بن خالد الجهني ٦٣، وأسماء بنت أبي بكر ٦٣، وعبد الله بن عمر ٦٣، وعوف بن مالك الأشجعي ٦٣، والبراء بن عازب ٦٢، وجابر بن عبد الله\n_________\n١ المصدر السابق.\n٢ ترتيب المدارك ج١ ص٦١.\n٣ حم ج١ ص١٨٤، خ مدينة ٦.\n٤ المصدر السابق ج١ ص٦١.","vol":"23","page":107},{"text":"الأنصاري ٦٨ وغيرهم من الصحابة. ثم وجود الفقهاء السبعة: عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ثم من أهل الفتوى: أبان بن عثمان وسالم ونافع وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وعلي بن الحسين وأبو بكر بن حزم ومحمد بن المنكدر ومحمد بن شهاب الزهري وغيرهم من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين فقد عاش هؤلاء في القرن الأول في المدينة المنورة، فهذا الفضل العظيم لم تجمعه أرض تحت السماء إلى يومنا هذا وإلى هذا أشار الإمام مالك في رسالته إلى الليث بن سعد فقال: \"إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ..﴾ فإنما الناس تبع لأهل المدينة إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه\"١.\nهذه بعض وجهة نظر مالك ولست الآن في صدد ذكر أدلته وإقامة الحجة لأصولهن فإن هذا بحث مستقل ولكن أردت أن أنبه شاخت وأمثاله بأن مالكًا لم يكن منكرًا لحجية السنة كيف وقد روي عن الإمام يقول:\"إنما أنا بشر أُخطئ وأصيبُ فانظروا في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه\"٢ ونكتفي بهذا القدر من الدفاع عن مالك.\nونبدأ بالرد على شاخت في الطعن على الحنفية فنقول: قد أثر عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: \"إياكم وآراء الرجال. ودخل عليه رجل والحديث يُقرأ عنده فقال الرجل دعونا من هذه الأحاديث. فزجره الإمام أشد الزجر وقال له لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن، ثم قال للرجل ما تقول في لحم القرد وأين دليله في القرآن فأفحم الرجل. وكان من عادة الإمام أن يقول:\"حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي\"٣ وقد روى أبو جعفر الشيزاماري بسنده المتصل إلى الإمام أبي حنيفة أنه كان يقول:\n_________\n١ ترتيب المدارك ج١ ص٦٤.\n٢ الميزان للشعراني ج١ ص٦٣.\n٣ المصدر السابق ج١ ص١٤٧.","vol":"23","page":108},{"text":"\"كذب والله وافترى علينا من يقول عنا إننا نقدم القياس على النص وهل يحتاج بعد النص إلى القياس وكان يقول نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة وذلك أننا ننظر أولًا في دليل تلك المسألة من الكتاب والسنة ثم أقضية الصحابة فإن لم نجد دليلًا قسنا حينئذ.. سكوتًا عنه على منطوق به بجامع اتحاد العلة بينهما\" وقال أبو مطيع:\"كنت يوما عند أبي حنيفة في جامع الكوفة فدخل عليه الثوري ومقاتل بن حيان وحماد بن سلمة وجعفر الصادق وغيرهم من الفقهاء فكلموا الإمام وقالوا قد بلغنا أنك تكثر من القياس في الدين وإنا نخاف عليك منه فإن أول من قاس إبليس. فناظرهم الإمام من بكرة نهار الجمعة إلى الزوال وعرض عليهم مذهبه وقال إني أقدم العمل بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقضية الصحابة مقدمًا ما اتفقوا عليه على ما اختلفوا فيه، وحينئذ أقيس فقاموا كلهم وقبلوا يده وركبته وقالوا له أنت سيد العلماء فاعف عنا فيما مضى منا من وقيعتنا فيك بغير علم. فقال غفر الله لنا ولكم\"١.ومثل هذا الكلام نقل عنه في رسالته التي أرسلها إلى الخليفة أبي جعفر المنصور حين لامه بتقديم القياس على الحديث.\nوهذه الخصوصية ليست لأبي حنيفة فجميع الأئمة قاسوا الأمور عند عدم وجود النص كما قال الإمام الشافعي:\"إذا لم نجد في المسألة دليلًا قسناها على غيرها\". فمن اعترض على أبي حنيفة فكأنما اعترض على جميع الأمة. نعم هناك أمر لا بد من الانتباه إليه هو أن الأقيسة قد كثرت عن أبي حنيفة بالنسبة لغيره من الأئمة. والسبب في ذلك هو عدم رحلته إلى الأمصار والمدن والقرى لجمع الأحاديث كما فعل الصحابة والمحدثون والفقهاء. والسبب الثاني هو ما ذكره السرخسي قال:\"قلّت الرواية عن أبي حنيفة حتى قال بعض الطاعنين إنه لا يعرف الحديث، وليس الأمر كما ظنوا بل كان أعلم عصره في الحديث وكلن لمراعاة شرط كمال الضبط قلّت روايته\"٢.\n_________\n١الميزان للشعراني ج١ ص٧١.\n٢ كشف الأسرار ج٢ ص٧١٨ نقلا عن حياة أبي حنيفة لأبي زمعرة.","vol":"23","page":109},{"text":"فهذا التشديد جاء لسبب انتشار الكذب على رسول الله ﷺ وخاصة في بلاد العجم ومقر الشيعة والخوارج وعدم تمييز الصحيح من غير الصحيح، ولم يتم في عصره وضع الموازين لنقد الأحاديث، ولم تدون الصحاح من غيرها، ولهذا لم يقبل العلماء خبر الآحاد في الأمور الاعتقادية، لأن العقيدة لا تؤخذ إلاّ بالأدلة القطعية كما هو معروف في أصول الشريعة.\nوقد طعن بعض الناس في أبي حنيفة بعدم أخذه بخبر الآحاد ولكن الصحيح هو أخذه به وهذا مبسوط في آثار محمد بن الحسن الشيباني وفي كتاب أصول فخر الإسلام وفي الميزان للشعراني وغيرها من كتب الفقه.\nفلماذا لا نقول بعد هذه الشبهات الواردة والأعذار الصريحة بأن الإمام أبا حنيفة لم يقصد بكثرة قياسه توهين حجية السنة بل فعل هذا معذورًا، فلو دونت الأحاديث الصحيحة وعثر عليها الإمام لأخذ بها وترك كل قياس قاسه إذا كانت السنة تخالفه. هكذا ينبغي للباحث أن يضع الأمور في موضعها ولا يفرط ولا يقصر ولا يتعصب ولا يتحزب، فكل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون.\nوهذا الذي ننتظر من إخواننا المسلمين الذين ينتسبون إلى مذهب من المذاهب إذا بان لهم الحق ليكونوا معه. نسأل الله التوفيق والسداد.","vol":"23","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مصادر ومراجع</span>\n...\nالمراجع والمصادر على حروف الهجاء\n١- الإحكام في أصول الأحكام: ابن حزم\nالطبعة الأولى سنة ١٣٤٥\n٢- أصول الحديث النبوي: للدكتور الحسيني\nالمكتبة الأزهرية\n٣- أضواء على السنة المحمدية: محمود أبو ريه\nالطبعة الأولى سنة ١٣٧٧\n٤- الباعث الحثيث: ابن كثير تحقيق أحمد شاكر\nالطبعة الثانية سنة ١٣٧٠\n٥- البداية والنهاية: ابن كثير\nالطبعة الأولى سنة ١٣٤٨","vol":"23","page":110},{"text":"٦- ترتيب المدارك: القاضي عياض\nالطبعة الأولى سنة ١٣٨٧\n٧- تحفة الأحوذي: المباركفوري\nالطبعة الثانية سنة ١٣٨٣\n٨- تفسير ابن كثير: ابن كثير\nدار إحياء الكتب\n٩- جامع بيان العلم: ابن عبد البر\nالطبعة الأولى\n١٠- جامع الترمذي\n١١- حياة أبي حنيفة: أبو زهرة\nالطبعة الثانية سنة ١٣٦٦\n١٢- دائرة المعارف الإسلامية\nلجنة الترجمة سنة ١٣٥٣\n١٣- الرسالة: الإمام الشافعي\nتحقيق أحمد شاكر سنة ١٣٥٨\n١٤- رفع الملام عن الأئمة الأعلام\nشيخ الإسلام ابن تيمية\n١٥- سنن أبي داود: مطبعة السعادة\nالطبعة الثانية سنة ١٣٦٩\n١٦- سنن الدارمي\nالطبعة الأولى سنة ١٣٤٩\n١٧- سنن النسائي: مكتبة التجارة\nالطبعة الأولى سنة ١٣٤٨\n١٨- سيرة ابن هشام\nمطبعة الحلبي سنة ١٣٥٥\n١٩- السنّة: الدكتور السباعي\nالطبعة الأولى سنة ١٣٨٠\n٢٠- صحيح البخاري: مكتبة النهضة الحديثة\nالطبعة الأولى سنة ١٣٧٦\n٢١- صحيح مسلم: دار الطباعة العامرة\nالطبعة الأولى سنة ١٣٢٩\n٢٢- فتح الباري: ابن حجر\nالطبعة الأولى سنة ١٣٠٠\n٢٣- كتاب الأم: للإمام الشافعي\nالطبعة الأميرية سنة ١٣٢١\n٢٤- لسان العرب\nالطبعة الأولى سنة ١٣٧٤\n٢٥- المستدرك: أبو عبد الله\nالطبعة الأولى\n٢٦- المغني: محمد بن قدامة\nمطبعة العاصمة\n٢٧- الميزان: عبد الوهاب الشعراني\nالطبعة الأولى سنة ١٢٧٩\n٢٨ - النهاية: ابن الأثير\nالطبعة الأولى سنة ١٣٨٣","vol":"23","page":111}]}