{"ً":{"ٌ":23073,"ٍ":"رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار","َ":2,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار\nالمؤلف: أحمد علي طه ريان\nالناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد من المجلة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1822,"ٕ":19,"ٖ":1770155762,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["49","50 - 51","52","53","57","58"],"ٚ":[{"title":"تقديم","level":1,"page":1},{"title":"أهمية هذا البحث","level":1,"page":2},{"title":"دور السنة في هذه الرخصة","level":1,"page":5},{"title":"الفصل الأول: رخصة الفطر في السفر","level":1,"page":7},{"title":"معنى الرخصة لغة وشرعا","level":2,"page":7},{"title":"معنى السفر لغة وشرعا","level":2,"page":8},{"title":"المطلب الأول: الفطر في السفر رخصة عامة","level":2,"page":10},{"title":"المخالفون ووجهتهم","level":2,"page":11},{"title":"المطلب الثاني: في بيان مقدار المسافة المرخص فيه بالفطر","level":1,"page":15},{"title":"تعليقات هامة حول هذه النقول عن السلف ﵁","level":1,"page":18},{"title":"مواقف أهل العلم من تحديد المسافة التي تناط بها الرخصة وأدلتهم:","level":1,"page":20},{"title":"الرأي المختار","level":1,"page":30},{"title":"هل الفطر في السفر رخصة أم عزيمة","level":1,"page":34},{"title":"لبيان ماهو الحق في ذلك نقول","level":1,"page":35},{"title":"وأهم الأدلة التي استند إليها هذا الفريق مايلي","level":1,"page":37},{"title":"رأي جمهور الفقهاء","level":1,"page":46},{"title":"الرأي المختار","level":1,"page":52},{"title":"أيهما أفضل الصيام أم الفطر للمسافر القادر على الصيام دون مشقة؟","level":1,"page":54},{"title":"إنتهاء سريان الرخصة","level":1,"page":76},{"title":"هل يجب التتابع في قضاء كل من الأيام التي أفطرها في سفره","level":1,"page":79},{"title":"هل يجوز للمسافر الصوم قضاء لرمضان سابق عليه","level":1,"page":84},{"title":"هل يجب الإطعام على من فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان أخر","level":1,"page":87},{"title":"الحكم فيمن شغل عن القضاء حتى مات","level":1,"page":90},{"title":"النتائج","level":1,"page":98}],"ٛ":{"49,82":1,"49,83":3,"49,84":4,"49,85":6,"49,86":9,"49,87":11,"49,88":12,"49,89":13,"49,90":14,"50 - 51,121":15,"50 - 51,122":16,"50 - 51,123":17,"50 - 51,124":19,"50 - 51,125":20,"50 - 51,126":21,"50 - 51,127":22,"50 - 51,128":23,"50 - 51,129":24,"50 - 51,130":25,"50 - 51,131":26,"50 - 51,132":27,"50 - 51,133":28,"50 - 51,134":29,"50 - 51,135":31,"50 - 51,136":32,"50 - 51,137":33,"52,66":34,"52,67":36,"52,68":37,"52,69":38,"52,70":39,"52,71":40,"52,72":41,"52,73":42,"52,74":43,"52,75":44,"52,76":45,"53,97":46,"53,98":47,"53,99":48,"53,100":49,"53,101":50,"53,102":51,"53,103":53,"53,104":55,"53,105":56,"53,106":57,"53,107":58,"53,108":59,"53,109":60,"53,110":61,"57,75":62,"57,76":63,"57,77":64,"57,78":65,"57,79":66,"57,80":67,"57,81":68,"57,82":69,"57,83":70,"57,84":71,"57,85":72,"57,86":73,"57,87":74,"57,88":75,"58,127":76,"58,128":77,"58,129":78,"58,130":80,"58,131":81,"58,132":82,"58,133":83,"58,134":85,"58,135":86,"58,136":88,"58,137":89,"58,138":91,"58,139":92,"58,140":93,"58,141":94,"58,142":95,"58,143":96,"58,144":97,"58,145":99},"ٜ":{"49":[82,90],"50 - 51":[121,137],"52":[66,76],"53":[97,110],"57":[75,88],"58":[127,145]},"ٝ":["49,82","49,82","49,83","49,84","49,84","49,85","49,85","49,85","49,86","49,86","49,87","49,88","49,89","49,90","50 - 51,121","50 - 51,122","50 - 51,123","50 - 51,123","50 - 51,124","50 - 51,125","50 - 51,126","50 - 51,127","50 - 51,128","50 - 51,129","50 - 51,130","50 - 51,131","50 - 51,132","50 - 51,133","50 - 51,134","50 - 51,134","50 - 51,135","50 - 51,136","50 - 51,137","52,66","52,66","52,67","52,68","52,69","52,70","52,71","52,72","52,73","52,74","52,75","52,76","53,97","53,98","53,99","53,100","53,101","53,102","53,102","53,103","53,103","53,104","53,105","53,106","53,107","53,108","53,109","53,110","57,75","57,76","57,77","57,78","57,79","57,80","57,81","57,82","57,83","57,84","57,85","57,86","57,87","57,88","58,127","58,128","58,129","58,129","58,130","58,131","58,132","58,133","58,133","58,134","58,135","58,135","58,136","58,137","58,137","58,138","58,139","58,140","58,141","58,142","58,143","58,144","58,144","58,145"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"5":[3],"7":[4,5],"8":[6],"10":[7],"11":[8],"15":[9],"18":[10],"20":[11],"30":[12],"34":[13],"35":[14],"37":[15],"46":[16],"52":[17],"54":[18],"76":[19],"79":[20],"84":[21],"87":[22],"90":[23],"98":[24]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"رُخصَة الفِطر في سَفر رَمَضَانَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الآَثَارِ\nلفضيلة الدكتور أحمد طه ريان الأستاذ المساعد بكلية الحديث\nالحلقة الأولى\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم:</span>\nالحمد لله رب العالمين، وسعت رحمته كل شيء من خلقه، وتجلت رأفته لأهل طاعته ومحبته، حيث وفقهم لعبادته، ثم أحسن إليهم بقبولها، وأجزل لهم المثوبة عليها، ففازوا بالسعادتين نعمة الطاعة في الدنيا، ونعمة الرضا والتكريم في دار النعيم، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.\nوبعد: فإننا سنعرض في هذا التقديم -بإيجاز- لبيان أهمية هذا البحث ثم لدور السنة فيه، ثم بعد ذلك نعالج موضوع البحث في ثلاثة أصول، يشتمل كل منها على عدة مطالب، نتناول في الفصل الأول: رخصة الفطر في السفر، مبينًا كل جوانبها الهامة، ثم نتناول في الفصل الثاني: كيفية العمل بهذه الرخصة من بداية السفر إلى نهايته، وبعد ذلك نتناول في الفصل الثالث: بيان أهم الآثار المترتبة على الآخذ بهذه الرخصة، ثم نختم البحث بذكر أهم النتائج التي أمكن الوصول إليها من خلال هذا البحث، فتقول: وبالله التوفيق.","vol":"49","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهمية هذا البحث:</span>\nتتبين أهمية هذا البحث من خلال ارتباطه بالأمور الثلاثة الآتية:","vol":"49","page":82},{"text":"الأمر الأول:\nإنه يتناول بالتفصيل رخصة الفطر في السفر باعتبارها تطبيقًا جزئيًا لقاعدة هامة من قواعد الشريعة الإسلامية، ألا وهي قاعدة رفع الحرج، تلك القاعدة التي تعتبر من الحصون المنيعة التي أقامها رب العزة ﵎ للدفاع عن الشريعة الإسلامية ضد أعدائها الرامين لها بكثرة التكاليف وشدتها، كما أنها من جملة البراهين الساطعة الدالة على سماحة تعاليم الإسلام ويسرها، ومناسبتها لكل الظروف والأحوال، لذلك كانت هذه القاعدة وما تشتمل عليه من تطبيقات جديرة بأن يسجلها القرآن الكريم في كثير من آياته، مثل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة/٢٨٦)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج/٧٨)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة/١٨٥)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ (النساء/١٠١) وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (النساء/١٧٩) .\nالأمر الثاني:\nإن هذا البحث يتناول أهم الأحكام المتصلة بجانب حيوي من جوانب الحياة الإنسانية، وهو السفر، وهو جانب لا يمكن الاستغناء عنه، وكيف يمكن الاستغناء عنه وقد جعله الإسلام واجبًا في كثير من التشريعات العملية، فالحج فريضة على كل مسلم مستطيع، ولا يمكن تأديته لأكثر المسلمين إلا بالسفر، والوسيلة إلى تحقيق الواجب واجبة، ويقال هذا أيضا في الجهاد لمن تعين عليه.\nكما أن السفر ضرورة من ضرورات الحياة، إذ هو الوسيلة لتنمية التجارات، وتشغيل الصناعات، وطلب العلوم والمعارف، كما أنه من أهم الوسائل الموصلة إلى العلم بالله والتعرف على آياته، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..﴾ (العنكبوت/٢٠) .\nومع ضرورته ولزومه، فإنه لا يمكن فصله أو تجريده من المشقات التي تصاحبه في كل مرحلة من مراحله، من بدء التفكير فيه إلى الانتهاء منه، لذلك منَّ الله على الخلق بتهيئة السبل والوسائل التي تيسر لهم تحقيق غايتهم منه، قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل/٧) .\nفلولا ما اقتضته رحمته تعالى بخلقه ورأفته بهم، من شرعية هذه التيسيرات –المتمثلة","vol":"49","page":83},{"text":"في رخصتي الفطر والقصر وما يتعلق بهما- لقعد المسلمون عن السفر، وتعطلت كثير من الفرائض، وكسدت التجارات وجمدت العقول.\nثم يأتي الأمر الثالث:\nوالذي يمسس هذا البحث جانبًا هامًا منه وهو الصوم، تلك الشعيرة الربانية، والعبادة الصمدانية، التي أضافها الرب ﵎ إلى نفسه تعظيمًا لها، وتشريفًا لفاعلها، ووعد المتصفين بها، بأنه سيتولى مثوبتهم بنفسه، ولن يوكل أمرهم إلى أحد من ملائكته.\nفهذه العناية الإلهية بأمر الصوم والصائمين، تلزم أهل العلم -كل على قدر طاقته- أن يعطوا هذه الفريضة ما تستحقه ما اهتمام سواء بإيضاح ما تنطوي عليه من أسرار عظيمة، أو ببيان ما تشتمل عليه من أحكام جزئية، أو مسائل فرعية.\nلذلك كله وغيره كان هذا الموضوع جديرًا بما يبذل فيه من جهد أو ينفق فيه من وقت، ونسأله سبحانه أن يجعله عملًا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفقنا إلى تحقيق الغاية المرجوة منه وأن ينفع المسلمين به.","vol":"49","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>دور السنة في هذه الرخصة:</span>\nتعتبر آية البقرة: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية، هي الأصل الأصيل لهذه الرخصة، ولم يقتصر دورها على التأصيل والتأسيس، بل إننا سنرى ضوؤها يشع في كثير من الفروع والآثار التي انبثقت عنها أو ترتبت عليها.\nأما دور السنة في هذه الرخصة، فقد كان في أكثر الأحايين هو التبيين والتوضيح لما أجملته الآية السابقة من قواعد وأحكام، كبيان المراد من السفر الذي يباح فيه القصر أو الفطر، أو دور التقييد والتخصيص لما جاء مطلقًا أو عامًا من الفروع والجزئيات، كتحديد بداية العمل بالرخصة ونهايته.\nكما أننا سنجد أنها قامت بدور التأكيد لما أفادته الآية، فقد جاء في حديث حمزة ابن عمرو الأسلمي حينما سأل النبي ﷺ عن الصيام في السفر قال: \"هي رخصة من الله\" ١، وهو نفس المعنى المستفاد من الآية السابقة.\nوأخيرا فإننا سنجد أنها قامت بدور التأسيس أو الإنشاء لأحكام لم تستفد من الآية٣\n_________\n١ صحيح مسلم ج١ ص ١٤٥ دار التحرير- القاهرة.","vol":"49","page":84},{"text":"كتحديد المدة التي إذا أجمع المسافر على إقامتها في مكان ما من سفره، فإن حكم السفر يرتفع عنه.\nلذلك كان دخول هذا البحث ضمن نطاق فقه السنة أولى من دخوله في مجال فقه الكتاب العزيز، إذ هي تشمل ما جاء في الكتاب الكريم وزيادة.","vol":"49","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول: رخصة الفطر في السفر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>معنى الرخصة لغة وشرعا:</span>\nيقال رخص له في الأمر، أذن له فيه بعد النهي عنه، والاسم: الرخصة والرخصة -بتسكين الخاء وضمها- والرخصة- ترخيص الله للعبد في أشياء خففها عنه١.\nومن هنا أطلق الفقهاء لفظ الرخصة على كل معنى خاص -روعي في تشريعه التخفيف سبب ما- إذا ما كان هذا المعنى مستثنى من حكم عام، وذلك كإباحة الفطر في السفر بسبب المشقة، وهذا الأمر مستثنى من الحكم العام، وهو وجوب الصوم على كل مسلم بالغ صحيح مقيم.\nوعلى هذا فالرخصة شرعًا مستعملة في نفس المعنى اللغوي التي وضعت له.\n_________\n١ لسان العرب ج ٨ ص ٣٠٦ مصورة من طبعة بولاق. مادة رخص.","vol":"49","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>معنى السفر لغة وشرعا:</span>\nالسفر -بفتح السين والفاء- يطلق في اللغة على عدة معان، من بينها: الكشف والذهاب والسعي بالإصلاح، يقال: سفر شعره: استأصله وكشف عن رأسه، وسفرت الريح التراب والورق كنسته وذهبت به كل مذهب، وسفرت المرأة وجهها إذا كشفت النقاب عنه، وسفرت بين القوم أي سعيت بينهم بالإصلاح، ومنه قول علي لعثمان ﵄: إن الناس قد استسفروني بينك وبينهم، والجمع أسفار وسافرة وسفر وسفار، وفي الحديث: \"صلوا أربعا فإنا قوم سفر\" ٢ والرجل المسفر كثير الأسفار القوي عليها، والأنثى مسفرة، وقد اشتق لفظ السفر المستعمل في لسان الشرع، وهو الضرب في الأرض من هذا المعنى.\nوقد ربط الأزهري بين المعنى اللغوي والشرعي للسفر بقوله: لكشفه قناع الكن عن\n_________\n٢ لسان العرب ج ٦ ص ٣١ مادة سفر.","vol":"49","page":85},{"text":"وجهه، ومنازل الحضر عن مكانه، ومنازل الخفض عن نفسه: وبروزه إلى الأرض الفضاء ... ولأنه يسفر عن وجزه المسافرين وأخلاقهم فيظهر ما كان خافيًا منها١.\n_________\n(والكن: الستر والوقاية، والخفض: الدعة والراحة والاطمئنان) .","vol":"49","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الأول: الفطر في السفر رخصة عامة</span>\nيرى جمهور أهل العلم أن الفطر في السفر رخصة عامة، سواء حضر المسلم بداية الشهر مقيمًا أو مسافرًا، وقد نقل هذا القول عن مالك وأبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد، والعلماء كافة ما عدا بعض التابعين.\nوقد استند الجمهور فيما ذهبوا إليه على ما يلي:\n١- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية، وجه الدلالة: أن الله ﷾: قد أعطى الإذن في الفطر لكل مريض أو مسافر على أن يقضي الأيام التي أفطرها بعد ذلك.\n٢- ما روي عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال: \"يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله ﷺ: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه\" ٢. وجه الدلالة: قوله ﷺ هي رخصة.. إلى آخره. يفيد العموم، لأن الشأن في الرخصة العموم، كما أنه عبر \"بمن\" المفيدة للعموم في جانب المستفيدين بالرخصة.\n٣- عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ \"خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس\"٣.\nوجه الدلالة: أن الرسول ﷺ خرج إلى مكة خلال شهر رمضان، أي بعد أن استهل عليه الشهر وهو مقيم صائم بالمدينة المنورة، ومع ذلك أفطر في بعض مراحل سفره.\n_________\n٢ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤٥ دار التحرير. القاهرة.\n٣ صحيح البخاري ج ١١ ص ٤٥ مع شرحه عمدة القاري. دار الفكر ببيرو.\nوالكديد: بفتح الكاف وكسر الدال الأولى: موضع بينه، وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها وبينه وبين مكة نحو مرحلتين.","vol":"49","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المخالفون ووجهتهم:</span>\nنقل عن أبي مجلز التابعي أن من أدركه الشهر مقيمًا فعليه أن يتمه مقيمًا صائمًا، ولا يسافر في أثنائه، فإنه إن سافر لزمه الصوم وحرم عليه الفطر١.\nوما نقله عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني -بفتح العين-: من سافر في رمضان وكان قد صام أوله مقيما فليصم آخره، ألا تسمع أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة/١٨٥) .\nكما نقل هذا القول أيضا عن سويد بن غفلة٢.\nوما نقله عبد الرزاق عن معمر عن أيوب، أن أم ذر دخلت على عائشة تسلم عليها وذلك في رمضان فقالت لها عائشة: \"أتسافرين في رمضان؟ ما أحب أن أسافر في رمضان، ولو أدركني وأنا مسافرة لأقمت\"٣.\nوما نقله أيضا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال علي ﵁: \"لا أرى الصوم عليه -أي على من بدأه مقيمًا صائماُ- إلا واجبًا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٤.\nوقد نقل البيهقي الأثر السابق عن عبيدة السلماني بسنده.. إلى أبي البختري بنفس اللفظ السابق تقريبًا إلا أنه عقبه بقول أبي البختري: قال ابن عباس -وكان أفقه منا- من شاء صام ومن شاء أفطر٥.\nوقد حرصت على نقل أسماء القائلين بهذا الرأي مع ذكر وجهتهم بالسند الصحيح إليهم، لأن ما ذكر عن هذا الرأي وعن القائلين به ووجهتهم لم يكن محققًا، ولنأخذ على سبيل المثال ما ذكره صاحب الفتح نقلًا عن ابن المنذر \"روي عن علي بإسناد ضعيف، وقال به عبيدة بن عمرو وأبو مجلز وغيرهما، ونقله النووي، عن أبي مجلز وحده\"٦.\nواضح من رجال السند إلى علي ﵃ أنهم ثقات: فقد قال الحافظ ابن حجر في كل من معمر وقتادة: إنه ثقة ثبت٧ وأما عبد الرزاق صاحب المصنف فهو معروف. وقد\n_________\n١ المجموع ج ٦ ص ٢١٦- مطبعة المدني بالقاهرة.\n٢ المجموع ج ٦ ص ٢١٦.\n٣ المصنف ج ٤ ص ٢٧٠ الطبعة الأولى. المكتب الإسلامي ببيروت.\n٤ المصنف ج ٤ ص ٢٦٩.\n٥ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٤٦ -دار الفكر.\n٦ فتح الباري ج ٥ ص ٨٣ مطبعة مصطفى الحلبي.\n٧ تقريب التهذيب ج ٢ ص١٢٣، ٢٦٦ دار المعرفة ببيروت.","vol":"49","page":87},{"text":"قال فيه ابن حجر: إنه ثقة حافظ١. كما أن النووي لم يقتصر في نقله عن أبي مجلز وحده، بل نقله أيضًا عن أبي عبيدة السلماني وسويد بن غفلة كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.\nويتلخص مستند هذا الفريق في الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . ووجه الدلالة، أن من شهد الشهر حاضرًا مقيمًا وجب عليه صومه، ولفظ الشهر يطلق على الكل وعلى البعض، فيكون المعنى، فمن شهد منكم الشهر -كله أو بعضه- حاضرًا مقيمًا صائمًا فإنه يجب عليه تكملة صيامه سواء أكمله حاضرًا أم مسافرًا.\nولكن الجمهور: يرون أن المعنى أن من أدرك الشهر أي حضره كله حاضرًا غير مسافر وجب عليه صومه. وأما المسافر فله حكم آخر جاء به في الجزء التالي في الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية٢.\nولكني أرى -والله أعلم- أن المعنى: أن كل من شهد الشهر وجب عليه صومه سواء شهده مقيمًا أو مسافرًا، صحيحًا أو مريضًا، ثم استثنى الله ﷾ من هذا العموم المريض والمسافر واختصهما بحكم خاص بهما، وهو إباحة الفطر لمن شاء منهما على أن يقضيه بعد ذلك في أيام أخر.\nوهذا المعنى وإن كان يتفق مع المعنى الذي قصده الجمهور. لكنه يختلف عنه من حيث الدلالة فإن الآية على تقدير الجمهور: نزلت بحكمين مختلفين كل جزء منها نزل بحكم خاص منقطع الصلة عن الجزء الآخر، الجزء الأول نزل بحكمٍ للمقيم والصحيح، والجزء الآخر نزل بحكمٍ للمسافر والمريض. مع أن لفظ (من) في قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ بفيد العموم، و(شهد الشهر) بمعنى حضره أي أدركه، وكل حي موجود يدرك هذا الشهر لا فرق بين مقيم ومسافر وصحيح ومريض، فمن أين لهم قصر معنى (من) على بعض الأفراد وهم المقيمون دون غيرهم ممن أدرك الشهر.\nويمكن أن يعتذر لهم بأنهم لجأوا إلى هذا التقدير ليتفقوا مع ما قاله أهل اللغة في الآية، فقد جاء في لسان العرب: تعليقًا على الآية السابقة: \"معناه: من شهد منكم المصر في الشهر -لا يكون إلا ذلك٣- لأن الشهر يشهده كل حي فيه، قال الفراء: الشهر نصب بنزع الصفة ولم ينصب بوقوع الفعل عليه، المعنى: فمن شهد منك في الشهر أي كان حاضرًا غير غائب في سفرة\"٤ والتكلف هنا ظاهر.\n_________\n١ تقريب التهذيب ج ١ ص ٥٠٥.\n٢ تفسير فتح القدير للشوكاني ج١ ص١٨٢ درا المعرفة ببيروت.\n٣ الإشارة إلى المعنى الذي قدره.\n٤ لسان العرب ج٤ ص٢٢٧ مادة شهد.","vol":"49","page":88},{"text":"أما على تقدير: بأن كل من شهد الشهر وجب عليه صومه إلا المسافر والمريض فقد رخص لهما في فطره، فهو متفق مع سياق المعنى في الآية، وربما يعترض على هذا التقدير: بالصبي والمجنون ونحوهما من غير المكلفين إذ هم يشهدون الشهر، ومع ذلك لا يجب عليهم صومه، فيجاب عن ذلك: بأن أمثال هؤلاء يخرجون من الوجوب بنصوص أخرى، مثل قوله ﷺ في الحديث المشهور: \"رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ\" وغيره.\nوعلى فرض أن الآية تحتمل التأويلين، فإن الرسول ﷺ قد بين المراد منها بفعله في غزوة الفتح، إذ صام أول الشهر بالمدينة، وخرج منها صائمًا حتى بلغ الكديد ثم أفطر، قال الزهري -في رواية أخرى لحديث ابن عباس السابق-: \"فصبح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان\"١.\nوفي حديث آخر عن أبي سعيد الخدري -ولعله في غزوة بدر- قال: \"غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم\"٢.\nوفعله ﷺ في غزوة الفتح -وكانت في العام الثامن من الهجرة- يعتبر من التشريعات المحكمة لما جاء في حديث ابن عباس السابق -في رواية ثالثة له-: \"أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، قال وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره\"٣.\nفهذه الأحاديث الواردة في محل النزاع تقطع كل احتمال يتوهمه البعض من الآية وترفع كل لبسة قد يحوم حول دلالتها على عموم الرخصة، سواء لمن شهد بداية الشهر مقيمًا أو مسافرًا فقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر/٧)، وقال جل من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل/٤٤) .\nلذلك كان هذا هو الرأي المختار والله أعلم.\nأما ما نقل عن علي ﵁ من القول بوجوب إتمام الشهر صائمًا فلعله كان\n_________\n١ صحيح مسلم ج٣ ص١٤١ دار التحرير - القاهرة.\n٢ صحيح مسلم ج٣ ص١٤٢.\n٣ مسلم ج٣ ص١٤٠.","vol":"49","page":89},{"text":"اجتهادًا منه، ومعلوم أن النص الثابت عن رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا أقوى من اجتهاد الصحابي مهما كان قدره.\nومما يقوي أنه كان اجتهادًا منه، إشارته للآية بعد قوله بالوجوب مما يدل على أن ذلك كان استنباطًا منه للحكم من نص الآية. وقد قلنا: إن الآية وإن كان فيها احتمال لكن السنة قد رفعت عنها هذا الاحتمال.\nأما ما نقل عن السيدة عائشة ﵂ من كراهتها للسفر في رمضان، فلما في صومه من عظيم الثواب، وما في قيام ليله من المغفرة والرحمة فالمسافر وإن رخص له في الفطر، لكنه سيفوته ثواب الصيام في نفس الشهر، وسيفوته قيام ليله المؤدي للمغفرة والرحمة، مما ينبغي الحرص عليه.\nوهذا في حق من كان يمكنه تأجيل سفره، أما من كان لا يمكنه، وكان التأجيل سيترتب عليه ضرر كبير على المسلم في أهله أو ماله، فليس هناك ما يمنعه، وما قلناه في حق علي ﵁، يقال فيما نقل عن عبيدة السلماني وغيره من التابعين رضي الله تعالى عنهم.","vol":"49","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المطلب الثاني: في بيان مقدار المسافة المرخص فيه بالفطر</span>\n...\nرخصة الفطر في سفر رمضان وَمَما يَتَرَتب عَلَيهَا مِن الآثارِ\nالحلقة الثانية\nللدكتور أحمد طه الريان الأستاذ المساعد بكلية الحديث\n(المطلب الثاني): في بيان مقدار المسافة في السفر المرخص فيه بالفطر:\nاختلفت النقول عن السلف رضي الله تعالى عنهم، في تحديد المسافة التي يباح الفطر فيها لمن أراد قطعها أو تجاوزها، اختلافا كثيرًا، فقد نقل عن دحية بن خليفة «أنه خرج من قرية بدمشق إلى قرية عقبة من الفسطاط١ وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثم أنه أفطر وأفطر معه أناس، فكره ذلك آخرون، فلما رجع إلى قريته، قال: والله قد رأيت أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا عن هدى رسول الله ﷺ، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك ٢.\nونقل ابن حزم بسنده إلى اللجلاج قال: كنا نسافر مع عمر بن الخطاب ثلاثة أميال فيتجوز في الصلاة ويفطر ويقصر٣. كما نقل بسنده إلى وكيع عن مسعد بن كدام عن محارب بن دثار قال سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر٤ وأيضا بما رواه بسنده إلى سحيم عن ابن عمر: لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة٥.\n_________\n١ قرية عقبة: اسم للمكان دفن فيه عقبة بن عامر الجهني، الصحابي المعروف والذي كان واليا لمعاوية على مصر، والفسفاط: مكان آخر بمصر كان قد نصب عمرو بن العاص عليه خيامه حين فتحه لمصر.\n٢ السنن الكبرى للبيهقي جـ٤ص٢٤١ دار الفكر ببيروت\n٣ المحلى جـ ٦ص١١\n٤ المحلى جـ ٦ص٣٦٦\n٥ المحلى جـ ٦ص٣٦٦","vol":"50 - 51","page":121},{"text":"كما روى بسنده إلى يزيد بن أبي حبيب، أن كليب بن ذهيل الحضرمي أخبره أن عبيد بن جبر، قال كنت مع أبا بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع- وفي رواية: فدفع- ثم قرب غذاءه، قال اقترب، فقلت: ألست ترى البيوت؟ فقال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ؟ فأكل، ثم قال ابن حزم: «والروايات في هذا كثيرة» ١.\nونقل عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قصر الصلاة في سفره إلى ذي الحليفة- وهى على ستة أميال من المدينة- ونسب ذلك إلى إقتدائه بالنبي ﷺ، فقد قال جبير بن نفير «خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا، فصلى ركعتين فقلت له: فقال رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل» ٢.\nوروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر قصر الصلاة إلى خيبر ٣، كما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قصر الصلاة إلى خيبر. وقال: هذه ثلاث قواصد يعنى ثلاث ليال ٤، وروى نافع عن سالم بن عبد الله أن أباه عبد الله بن عمر: ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد ٥.\nكما روى مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسير ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد ٦، وقررت هذه المسافة في المصنف لعبد الرزاق بمقدار ثلاثين ميلا ٧، ولكن ابن عبد البر قد رجح تقدير مالك بكونها أربعة برد، يعني أنها ثمانية وأربعون ميلا ٨.\nوعن مالك بلغه: أن عبد الله بن عباس كان يقوله: تقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وجدة، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، قال مالك: وذلك أربعة برد ٩.\n_________\n١ المحلى جـ ٦ص ٣٦٧.\n٢ صحيح مسلم جـ ٢ص ١٤٥.\n٣ السنن الكبرى للبيهقي جـ ٣ص ١٣٦ والموطأ جـ ١ص ٢٩٨ من شرح الزرقاني عليه.\n٤ المصنف جـ ٢ص ٥٢٣. السنن الكبرى جـ ٣ص ١٣٦.\n٥ السنن الكبرى جـ ٣ص١٣٦ والموطأ جـ ١ص ٢٩٨. من شرح الزرقاني عليه.\n٦ السنن الكبرى جـ ٣ص ٣٣٦ والموطأ جـ ١ص ٢٩٨ من شرح الزرقاني عليه.\n٧ المصنف جـ ٢ص ٥٢٥.\n٨ شرح الزرقاني على الموطأ جـ ١ص ٢٩٨.\n٩ السنن الكبرى جـ ٢ص ١٣٧ والموطأ جـ ١ص ٢٩٩ مطبوع مع شرح الزرقاني عليه.","vol":"50 - 51","page":122},{"text":"وقد روى الشافعي عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أنه سئل: أتقصر إلى عرفة؟ فقال: لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف، وزاد في المصنف فإن قدمت على أهل لك أو على ماشية فأتم الصلاة ١.\nوروى مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة ٢، وعن عطاء بن أبي رباح أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵄ كانا يصليان ركعتين ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك ٣.","vol":"50 - 51","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>تعليقات هامة حول هذه النقول عن السلف ﵁</span>م:\n(أ) يتبين من هذه النقول لأول وهلة أن مسألة تحديد المسافة، التي هي مناط الرخصة في القصر والفطر، ليست سهلة كما يظن بعض أهل العلم من المعاصرين، بل هي مسألة قد تباينت فيها آراء السلف تباينا كبيرا، فقد ترواحت تقديراتهم من ثلاثة أميال إلى مسيرة ثلاثة أيام كما أوضحتها هذه النقول:-\n(ب) إن تحديد هذه المسافة هي مناط الرخصة في القصر والفطر، فما يصلح دليلا لقصر الصلاة يصير تلقائيا دليلا على تحقق رخصة الفطر في السفر، فقد قال عطاء: تفطر إذا قصرت وتصوم إذا أوفيت الصلاة ٤.\nكما صرح بذلك كثير من أهل العلم ٥.\n(جـ) كثرة هذه الآراء في تحديد مسافة الفطر في السفر تشير بوضوح إلى أنه لم يرد دليل صريح من السنة يحدد هذه المسافة التي تناط فيها الرخصة، وكل ما ورد في ذلك، أمران:\nأولهما: ما ورد في غزوة الفتح من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ \"خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال:\" أولئك العصاة أولئك العصاة \" ٦.\n_________\n١ المصنف جـ ٢ص ٥٢٤ والسنن الكبرى جـ ٣ص ١٣٧.\n٢ الموطأ جـ١ ص ٢٩٩ من شرح الزرقاني عليه. والمصنف جـ ٢ص ٥٢٣. السنن الكبرى جـ ٣ص ١٣٧.\n٣ السنن الكبرى جـ ٣ص ١٣٧.\n٤ المصنف جـ ٣ص ٢٧٠.\n٥ المجموع جـ ٦ص ٢١٧ ونيل الأوطار جـ ٤ص ٢٥٣ والمحلى جـ ٦ص ٣٦٥\n٦ صحيح مسلم جـ ٣ص ١٤١. والكراع بضم الكاف وفتح العين، واد أمام عسفان بثمانية أميال يضاف إليه هذا الكراع وهو جبل أسود متصل به، والكراع: كل أنف سال من جبل أو حرة. شرح عمدة القارئ جـ ١١ص ٤٦ دار الفكر.","vol":"50 - 51","page":123},{"text":"قال القاضي عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر ﷺ فيه، والكل في قضية واحدة، وكلها متقاربة، والجميع من عمل عسفان ١. يشير القاضي عياض إلى رواية ابن عباس السابقة والتي تفيد أنه أفطر بالكديد. وهذه الرواية التي تنص على أنه أفطر بكراع الغميم وغير ذلك من الروايات، إلا أن هذه الاختلافات لا تأثير لها على الحكم؛ لأن هذه المواضع كلها كما قالت القاضي عياض: من عمل عسفان، وعسفان على سبعة مراحل من المدينة المنورة، وقد ظل ﷺ صائما منذ خروجه من المدينة حتى أفطر قرب عسفان، ولا يمكن أن تعتبر هذه المسافة هي مناط الرخصة؛ لعدم وجود ما يدل على نفي الفطر فيما دونها، ولما ثبت أن الرسول ﷺ قد عمل بالرخصة في الصلاة عند وصوله إلى ذي الحليفة، خارجا من المدينة، ومقدار المسافة التي تناط بها الرخصة في الصلاة والصوم واحدة.\nالأمر الثاني: ما ورد من حديث أنس ﵁: \"كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ (شعبة الشاك) صلى ركعتين\" ٢. وقد فهم منه أكثر العلماء: على أن هذه المسافة هي ابتداء العمل بالرخصة يعني أن الرسول ﷺ كان إذا خرج من المدينة إلى سفر بعيد كان يبدأ القصر للصلاة بعد مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ من المدينة ٣، وسيأتي لهذا الحديث مزيد بيان أثناء الكلام على رأي الظاهرية في تحديد مسافة القصر. إن شاء الله.\n(د) بناء على ما سبق يمكن القول: أن الاجتهاد من الصحابة ﵃ كان له مجال في تحديد هذه المسافة التي تناط بها الرخصة، فمنهم من اعتمد على عموم لفظ السفر في الآية فأجاز الأخذ بالرخصة مطلقا، ومنهم من أخذ ببيان المراد من السفر من وقائع أخرى: مثل قوله ﷺ في حديث أبي هريرة وبن عمر ﵃: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم\" ٤، فاعتبر مسيرة اليوم والليلة، هي التي يطلق عليها اسم السفر التي تناط به الرخصة وهكذا.\n(هـ) اختلاف السلف على هذا النحو المتقدم انعكس أثره على مواقف أهل العلم من الأئمة المجتهدين فيما بعد والذي سنبينه فيما يلي:-\n_________\n١شرح عمدة القارئ جـ ١١ص ٤٦.\n٢ صحيح مسلم جـ ٢ص ١٤٥.\n٤ نيل الأوطار جـ ٣ص ٢٣٤.\n٤ صحيح مسلم جـ٤ ص١٠٣، صحيح البخاري جـ١٣ ص١٢٨ ص١٢٩ مع شرحه عمدة القارئ.","vol":"50 - 51","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>مواقف أهل العلم من تحديد المسافة التي تناط بها الرخصة وأدلتهم:</span>\nالأول: موقف ابن حزم الظاهري:\nيرى ابن حزم: أن من سافر ميلا أو تجاوزه أو قاربه، فإنه يجب عليه الفطر، وقد بطل صومه بمجرد بلوغه نهاية الميل ١.\nوقد استند إلى إطلاق لفظ السفر في الآية ... ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وعدم وجود ما يدل على تحديد للمعنى المراد من لفظ السفر الوارد في السنة المطهرة، وكل ما يستفاد من حديث ابن عباس وحديث جابر في غزوة الفتح- وقد سبقت الإشارة إليهما قريبا- وحديث أنس المتقدم: هو جواز القصر في هذه المسافات. وليس في هذه الأحاديث، ولا في غيرها ما يفيد المنع من الفطر أو القصر في أقل من هذه المسافات، وقد جاءت في التحديد روايات مختلفة عن الصحابة ﵃ ليس بعضها أولى من بعض ٢.\nويناقش مستند ابن حزم هذا، بأن لفظ السفر وإن جاء مطلقا في الكتاب الكريم، وفي السنة المطهرة، إلا أن الرسول ﷺ أوضح المراد منه، في منعه المرأة من السفر بدون زوج أو محرم ثلاثة أيام، حسب ما جاء في روايات أبي هريرة السابق، فعلم من ذلك أن أدنى المسافة التي يطلق عليها لفظ السفر، هي مسيرة هذه المدة من الزمن. وقد فهم كثير من الصحابة والتابعين ﵃ هذا المعنى، فقد روى عبد الرزاق عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى، قال: سمعت سويد بن غفلة يقول: إذا سافرتَ ثلاثا فاقصر الصلاة٣.\nكما روى عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنت مع حذيفة بالمدائن فاستأذنت أن آتى أهلي بالكوفة فأذن.. وشرط على ألا أفطر، ولا أصلى ركعتين حتى أرجع إليه٤.\nوعن مجاهد أن ابن عباس ﵄ قال: إذا سافرتَ يوما إلى العشاء فأتم الصلاة. فان زدت فأقصر ٥\n_________\n١المحلى جـ ٦ص ٣٦٤.\n٢ المحلى جـ ٦ص ٣٦٥.\n٣ المصنف جـ ٢ص ٥٢٦.\n٤ الصنف جـ ٢ص ٥٢٧.\n٥ المصنف جـ ٢ص ٥٢٥.","vol":"50 - 51","page":125},{"text":"وما يضعف قول ابن حزم ﵀: أن رسول الله ﷺ كان يخرج إلى قباء والى أحد وإلى بني سلمة وإلى غير ذلك من المواضع حول المدينة، وكل هذه الأماكن على مسافة تزيد كثيرا عن الميل، ولم يثبت عنه أنه قصر الصلاة أو أفطر في رمضان حينما كان يخرج إلى أي من هذه الأماكن.\nكما أن الصحابة ﵃ كانت لهم مزارع في الجرف والعقيق والغابة وغيرها، بل كان بعضهم يسكن الجرف والعوالي بل وذا الحليفة ولم يصل إلى علمي أن أحدا منهم قصر الصلاة أو أفطر حينما كان يأتي إلى المدينة.\nالثاني: موقف الظاهرية: يرى الظاهرية- ما عدا ابن حزم- أن المسافة التي تتحقق بها الرخصة في الفطر والقصر، مقدارها ثلاثة أميال ١.\nوقد استدل لهم بحديث أنس ﵁: \"كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين\" شعبة الشاك ٢\nومما رواه عبد الرزاق بسنده إلى أبي سعيد ﵁، قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا سار فرسخا نزل يقصر الصلاة\" ٣\nولعل حديث أبي سعيد قد بين المراد من أحد التقديرين اللذين تردد بينهما شعبة ورجح بأن المسافة التي كان يحدث فيها القصر، هي ثلاثة أميال؛ لأن الفرسخ الوارد في حديث أبي سعيد، مقداره ثلاثة أميال.\nوهذا المستند وإن كان قويا، لأنه نص صحيح صريح في الموضوع إلا أن المناقشة التي أشرنا إليها من قبل- والتي تتلخص في أن هذا المقدار كان بداية العمل بالرخصة. أي أنه ﷺ كان إذا بدأ سفرا بعيدا ابتدأ القصر بعد مسيرة ثلاثة أميال- تقلل من شأن الاستدلال به، وتجعل الاعتماد عليه في القول بهذا التقدير، محل نظر.\nوقد استبعد الحافظ ابن حجر هذا الاحتمال الوارد في المناقشة السابقة. وقوى هذا البعد بما جاء عند البيهقي، عن يحي بن يزيد الهنائي: قال سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة- يعنى من البصرة- فأصلى ركعتين حتى أرجع، فقال أنس، كان رسول الله ﷺ إذا خرج ... الحديث ٤.\n_________\n١نيل الأوطار جـ ٣ص ٢٣٤.\n٢ صحيح مسلم جـ ٢ص ١٤٥.\n٣ المصنف جـ ٢ص٥٢٩.\n٤ السنن الكبرى جـ ٣ص ١٤٦.","vol":"50 - 51","page":126},{"text":"يشير الحافظ بذكر هذا السياق: إلى أن أنس كان يقصد أن القصر كان يحدث ولو كان السفر قصيرا كثلاثة أميال.\nلكن مع ذلك: فالاحتمال ما زال واردا، إذ يحتمل أن أنسا يريد من الرجل ألا يبدأ القصر إلا بعد ثلاثة أميال من المكان الذي خرج منه. ولم يرد ببيان مقدار مسافة القصر.\nومما يقوى هذا الاحتمال -في نظري على الأقل- ما روى عن أنس بن مالك ﵁ قال: \"صليت مع رسول الله ﷺ بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذل الحليفة ركعتين وكان خرج مسافرا\"١.\nوعند البخاري بلفظ \"صلى النبي ﷺ بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل\"٢. أي أن الرسول ﷺ كان يبدأ القصر عملا بالرخصة حينما كان يصل إلى ذي الحليفة وهو في طريقه إلى مكة. ومعلوم أن ذا الحليفة على بعد فرسخين أو ثلاثة من المدينة.\nوما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني ابن المنكدر عن أنس بن مالك \"أنه صلى مع النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعا وصليت معه بذي الحليفة العصر ركعتين والنبي ﷺ يريد مكة\"٣.\nلذلك أرى- والله أعلم- أن مقدار الثلاثة أميال أو الثلاثة فراسخ الواردة في حديث أنس هي بداية القصر وليست هي مقدار المسافة التي تناط بها الرخصة، وإنما حديث أنس المشتمل على بيان هذا المقدار، وإن ورد مطلقا عند مسلم، لكنه جاء مقيدا عند البخاري وغيره، بأن ذلك كان بداية القصر أو بداية العمل بالرخصة.\nالثالث: موقف الأوزاعي ومالك: نقل عن الأوزاعي ومالك، أن حدّ المسافة التي يباح فيها الفطر وتقصر فيها الصلاة، تقدر بمسيرة يوم وليلة، وهو اختيار البخاري، حيث ذكر بعد ترجمته للباب بقوله: باب: في كم يقصر الصلاة- وسمى النبي ﷺ السفر يوما وليلة٤.\nومستند هذا الرأي هو حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها\n_________\n٣ المصنف جـ ٢ص ٥٢٩.\n١ صحيح البخاري جـ ٩ص ١٠ مع شرحه عمدة القارئ.\n٢ المصنف جـ ٧ص ١٢٤ دار الفكر.\n٣ صحيح البخاري جـ ٧ص ١٢٤ دار الفكر.","vol":"50 - 51","page":127},{"text":"حرمة\"١ حيت أطلق ﷺ السفر على مسيرة يوم وليلة وبمعنى أوضح: أن لفظ السفر وإِن جاء مجملا في الآية وبعض الأحاديث النبوية، إلا أن هذا الحديث وما ورد في معناه يعتبر مفسرا له.\nولم ينقل عن الأوزاعي تحديدًا لمسيرة اليوم والليلة بالأميال أو بالفراسخ، كما أنه لم يوضح فيه كيفية السير، هل هي بالإبل المثقلة، أو بالأقدام أو بغير ذلك.\nوقد قدر مالك مسيرة اليوم والليلة أو اليوم التام -كما يسميه-: بأربعة برد، وقد قيد بعض علماء المالكية كابن المواز وغيره هذا التقدير بأن مسيرة اليوم التام: أيضا تقدر بأربعة برد، إذا كان ذلك في وقت الصيف وكان، لسير جادا٢.\nوقد نقل عن مالك بعد ذلك، أنه ترك التحديد بمسيرة اليوم التام وتمسك بتحديد المسافة بأربعة برد، فقد سئل عن الرجل يخرج إلى ضيعته على ليلتين أيقصر صلاة؟ قال: نعم، وأبين من ذلك، البرد والفراسخ والأميال، على كم ضيعته منه من ميل أو فرسخ؟ فقال: على خمسة عشر فرسخا فذلك خمسة وأربعون ميلا، فقال: نعم أرى أن تقصر الصلاة إلى مسيرة ذلك ٣.\nوالحقيقة أن مالكًا قد أخذ هذا التقدير مما نقل عن ابن عباس وابن عمر ﵃، فقد قال البخاري في صحيحه- تعليقا بصيغة الجزم- (وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة برد وهى ستة عشر فرسخا) ٤ وقد أخرج البيهقى هذا الأثر موصولا عن عطاء بن أبي رباح أن عبد اللِّه بن عمر وعبد الله بن عباس ﵃ كانا يصليان ركعتين ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك ٥ ويناقش مستند هذا الفريق بما يلي:\nأولا: أنا الاستدلال بحديث أبي هريرة وابن عمر ﵃ في هذا الموضع لا يتم، لأن هذا الحديث وارد في حق المرأة إذا عزمت على السفر مسيرة يوم وليلة، فإنه لا يحق لها الشروع في ذلك إلا إذا صحبها زوجها أو محرم. بينما المستدل عليه هو تحديد مسافة السفر الذي شرع فيه القصر أو الفطرة وشتان بين الأمرين، فخروج المرأة منفردة في\n_________\n١ صحيح البخاري باب في كم يقصر الصلاة جـ ٧ص ١٢٩ مع شرحه عمدة القارئ.\n٢ شرح الزرقاني على الموطأ جـ ١ص ٢٩٩.\n٣ حاشية الرهوني على الزرقاني جـ ٢ص ١٢٢.\n٤ صحيح البخاري باب في كم الصلاة انظر مع شرحه عمدة القارئ جـ ٧ص ١٢٥.\n٥ السنن الكبرى جـ ٣ص ١٣٧.","vol":"50 - 51","page":128},{"text":"مثل هذه المسافة يترتب عليه مفاسد كثيرة نظرا لأنها ستمر بطرق منقطعة، كما أنها ستضطر للمبيت في بعض الطريق، وفي هذا ما فيه.\nأما المسافر فقد شرع له الفطر والقصر دفعا للمشقة الحاصلة من السفر والمشقة قد تحصل بدون ذلك.\nثانيا: أن الحديث قد ورد بيوم وليلة ويومين وثلاثة أيام، فاختيار رواية اليوم والليلة دون اليومين أو الثلاثة تحكم.\nثالثا: تقدير مسيرة اليوم التام- أو اليوم والليلة- بأربعة برد أيضا فيه تحكما لاختلاف الناس والدواب من حيث الجد في السير وعدمه والقدرة على تحمل سير المسافات الطويلة ودون ذلك، فقد تقطع هذه المسافة في أقل من يوم بالدواب السريعة النشيطة ومن باب أولى إذا كان السفر بالسيارة أو الطائرة، وقد يبطئ في السير فيقطع هذه المسافة في أكثر من هذه المدة.\nويجاب عن هذه المناقشات بما يلي:\nبالنسبة للمناقشة الأولى: بأن الاستدلال بحديث ابن عمر وأبي هريرة- الوارد في حق منع المرأة من السفر يوما وليلة إلا إذا كان معها محرم- هو استدلال تام وفي موضعه، لأن القصد من الإتيان به، ليس هو قياس السفر الذي تناط به الرخصة على سفر المرأة، حتى يقال بوجود الفارق بين الأمرين، بل المراد منه هو تفسير لفظ السفر، بأنه ما كان مسيرة يوم وليلة، أي أن لفظ السفر الوارد في الآية كان محتملا لسير المسافات البعيدة القريبة دون تحديد فجاء هذا الحديث وأطلق لفظ السفر على ما كان مسيرة يوم وليلة. أي أن المسافة إذا كانت تقطع في أقل من هذا الزمن عادة بالدابة المتوسطة، فلا يطلق على من قطعها أنه سافر سفرا تتحقق فيه رخصة الفطر أو القصر.\nوبالنسبة للمناقشة الثانية، فان اختيار رواية يوم وليلة دون بقية الروايات الأخرى الواردة في حق سفر المرأة ليس فيه تحكم؛ لأن ما ورد في هذه الهواية هو أقل ما يطلق عليه لفظ السفر الذي تناط به الرخصة؛ لأن هذا الحديث يعتبر مبينا للمعنى المراد من السفر ومحددا له. والحدود يؤخذ فيها بأقل ما قيل فيها، كما يقال إن أقل الجمع ثلاثة، وفي لسان الشرع: الجماعة اثنان فما فوقهما وهكذا.\nوبالنسبة للمناقشة الثالثة: فإن اختيار مقدار الأربعة برد لتقاس بها مسيرة اليوم والليلة، إنما روعي فيه العادة بالنسبة للدابة الوسط وقد كانت ركوبة أكثر الناس. فالقياس عليها أولى من القياس على الدابة السريعة أو البطيئة. والله أعلم.","vol":"50 - 51","page":129},{"text":"الرابع: ما نقل عن الشافعي، ومالك، وأصحابهما، وأحمد، وإسحاق، والليث، كما نقل عن الأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم، من أن الرخصة في الفطر أو القصر لا تتحقق إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين١، وحددت مسافتهما بثمانية وأربعَّين ميلًا هاشمية ٢.\nوقد حمل بعض العلماء ما نقل عن مالك هنا بأنه قول آخر له، إلا أن بعض علماء المالكية قد جمع بين قوليه، بأن مسيرة اليوم والليلة إذا كانت الدابة سريعة مع الجد في السير وكان الوقت صيفا، وأما مسيرة اليومين والليلتين، فهو إذا ما كانت ثقيلة بطيئة ولم يكن هناك جد في السير؛ ويؤيد هذا الجمع بأن مالكا لم يختلف تقديره للمسافة في القولين، إذ حددها في كليهما بثمانية وأربعين ميلا ٣.\nوقد استدل لهذا الرأي بحديث أبي سعيد: \"لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها\" ٤، وقد قدرت مسيرة هذا الزمن بثمانية وأربعين ميلا. وبذلك يلتقي هذا الرأي مع الرأي السابق في تقدير المسافة التي يباح الفطر فيها للمسافر، إذا عزم على بلوغ نهايتها أو تجاوزها، بالرغم من الاختلاف في مقدار الزمن، إلا أنه يمكن الجمع بين اختلاف المقدار في الزمن بين هذا الرأي والرأي السابق بما جمع به بعض علماء المالكية بين قولي مالك في المسألة. وقد أشرنا إلى ذلك قريبا.\nويناقش مستند هذا الفريق بعدد من المناقشات، من أهمها ما يلي:\nأولا: أنّ الاستدلال بحديث أبي سعيد هنا لا يتم، لما قلناه سابقا، من أنه وارد في منع المرأة من السفر بدون محرم لها أو زوج مدة يومين، بينما المستدل عليه هو السفر المبيح للفطر، وهناك فارق كبير بين الأمرين، فخروج المرأة منفردة في مثل هذه المسافة يترتب عليه مفاسد كثيرة ... أما المسافر فقد شرع له الفطر والقصر دفعا للمشقة الحاصلة من السفر، والمشقة قد تحصل بدون ذلك.\nثانيا: أن الأحاديث الواردة في منع المرأة من السفر وردت باليوم، واليومين. والثلاثة، فاختيار حديث اليومين دون غيره تحكم.\n_________\n١ هكذا نص عليه الشافعي. وهو النص المتفق عليه بين أصحابه. من نصوصه الأخرى في الموضوع إذ حدد بستة وأربعين. وحده بأكثر من الأربعين. وبأربعين وبيومين وليلتين وبيوم وليلة. وبعض أصحابه حاول أن يجمع بينها وقال إنها كلها ترجع إلى معنى واحد وهو ثمانية وأربعين ميلا. المجموع جـ ٤ص١٩٠.\n٢ الهاشمية: نسبة إلى بني هاشم؛ وذلك احترازا عن الأميال الأموية فإنها تقدر المسافة بأربعين ميلا لأن الأميال الأموية أكبر من الهاشمية إذ كل ستة أميال هاشمية تقدر بخمسة أميال أموية. المجموع جـ٤ ص١٩٠\n٣ الزرقاني على الموطأ جـ ١ ص ٢٩٩.٢٩٨. والمجموع جـ٤ ص ١٩٠.١٨٩. والمغني جـ٢ ص١٨٩. وحاشية الرهوني جـ٢ ص١٢٢.\n٤ صحيح مسلم جـ٣ ص١٠٢.","vol":"50 - 51","page":130},{"text":"ثالثا: تقدير مسيرة اليومين بأربعة برد يتساوى مع تقدير مسيرة اليوم والليلة، بهذا المقدار، مع أن ما يقطعه المسافر في اليومين والليلتين، ضعفه ما يقطعه في اليوم والليلة ...\nويجاب عن هذه المناقشات بما يلي:-\nبالنسبة للمناقشة الأولى:-\nفيجاب عنها بما أجيب به سابقا، وهو أننا لا نستدل بالحديث لأجل قياس السفر الذي تتعلق به الرخصة على سفر المرأة، بل إنما يستدل به من حيث إطلاق لفظ السفر على مسيرة اليومين. أي أن الاستدلال بهذا الحديث في هذا الموضع هو من قبيل التفسير والبيان لتحديد المراد من لفظ السفر الوارد في الآية..\nويجاب عن المناقشة الثانية:\nبأن اختيار حديث اليومين ليس من قبيل التحكم، لأنه أوسط الأزمان الثلاثة الواردة في الموضوع. وأعدل الأمور هو أوسطها..\nأما المناقشة الثالثة:\nفيجاب عنها بما أشرنا إليه سابقا، من أن لا يقطع من المسافة في مسيرة اليومين بالدابة البطيئة، مع عدم الجد في السفر وكون الوقت شتاء فإنه يتساوى مع ما يقطع منها في اليوم والليلة، إذا كانت خفيفة سريعة مع الجد في السير وكان الوقت صيفا.\nالخامس: موقف أبي حنيفة ومن معه: يرى أبو حنيفة والثوري والشعبي والنخعي والحسن بن صالح: أن المسافر إذا عزم على السفر وكان سفره مسيرة ثلاثة أيام بلياليها، سيرا وسطا على الدواب المحملة أو بالأقدام، فإنه يرخص له في الفطر.\nويرى أبو يوسف تقدير المدة، بيومين وأكثر اليوم الثالث.\nوالتقدير بالزمن هو الصحيح عند علماء الحنفية، ومقابله: التقدير بالفراسخ، فقيل بأحد عشر فرسخا، وقيل بثمانية عشر وقيل بخمسة عشر، وكل من قدر بقدر منها أعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام..\nوإنما صح عندهم التقدير بالزمن فقط دون التقدير بالأميال أو الفراسخ لأنه لو كان الطريق وعرا، بحيث لو قطع في ثلاثة أيام أقل من خمسة عشر فرسخا فإنه يقصر بالنص، وإذا جرى على هذه التقديرات فإنه لا يقصر، فيكون معارضا للنص، وعلى ذلك فلا يعتبر إلا التقدير بسير الثلاثة أيام.","vol":"50 - 51","page":131},{"text":"وقد ورد عليهم اعتراض، وهو ما الحكم إذا كانت الدابة سريعة كدواب البريد وقطعت المسافة -المقدر سيرها بثلاثة أيام- في يوم واحد؟ فأجاب البعض بجواز القصر والفطر لأنه يصدق عليه أنه قطع المسافة المقدرة بثلاثة أيام.\nومنع آخرون فطره وقصره، لانتفاء علة المشقة المنوط بها علة القصر والفطر في السفر١.\nولا أدري بماذا يجيب الحنفية على من يقطع هذه المسافة الآن في ساعة أو بعضها بسبب السرعة التي دخلت على ميدان المواصلات.\nوقد استدل الحنيفة على التحديد بثلاثة أيام بالتوقيت الوارد في المسح على الخفين: فقد روى عن شريح بن هانئ، قال: أتيتُ عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان على يسافر مع رسول الله ﷺ فسألناه، فقال: \"جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم\"٢.\nفتحديد الرسول ﵊ لرخصة المسح في السفر بثلاثة أيام يلزم منه، أن تكون هذه المدة هي المعيار الشرعي في السفر لكل رخصة سواء كانت للمسح أو للقصر أو للفطر أو لغير ذلك، والجامع في ذلك مشقة السفر في كل.\nالمناقشات الواردة على هذا الاستدلال؟\nأولا: يناقش هذا الاستدلال بأنه من باب القياس، والقياس لا يلجأ إليه إلا عند عدم النص، والنص موجود وهو حديث أنس السابق: \"كان رسول الله ﷺ إذا سافر ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخٍ ... الخ فإنه بالرغم من الاحتمال الوارد عليه، لكنه لا يزال هو النص الوحيد الوارد في الموضع.\nثانيا: بأن تمسك المذهب الحنفي بالتحديد الزمن دون وضع معيار ثابت بالمقادير المساحية، كالأميال وغيرها، يقلل الفائدة من العمل بهذه الرخصة وخصوصا بعد أن تطورت وسائل المواصلات في العصر الحديث تطورا يكاد يكون مذهلا، إذ ما كان يقطع في ثلاثة أيام فيما مضى صار الآن يقطع بالسيارات العادية في أقل من ساعة. فمعنى ذلك أن المسلم لا يتاح له العمل بالرخصة الآن إلا إذا سافر عدة آلاف من الأميال، كما أنه لن يستفيد من الرخصة إذا ما سافر بالطائرات.\n_________\n١ نيل الأوطار جـ٣ ص٢٣٤. المجموع جـ٤ ص١٩١.فتح القدير للكمال جـ٢ ص٣١.٣٠ مطبعة مصطفى الحلبي.\n٢ صحيح مسلم جـ١ ص١٦٠.","vol":"50 - 51","page":132},{"text":"ويجاب عن المناقشة الأولى: بأن الاستدلال بحديث أنس في تحديد المسافة التي تناط بها الرخصة كان محل نظر، وقد أوضحنا ذلك سابقا، ومعلوم أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\nأما المناقشة الثانية: فلا أدري بما يجيب الحنفية عنها. اللهم إلا إذا أخذ بما يقابل القول الصحيح وهو التقدير بالفراسخ أو الأميال.\nوقد استدل سفيان الثوري على رأيه- المتفق مع الحنفية- بأن الرخصة لا تتحقق إلا بمسيرة ثلاثة أيام- بحديث ابن عمر ﵄: \"أن النبي ﷺ، قال: \"لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم\" ١.\nفقد نقل عبد الرزاق عن الثوري قوله: (وقولنا الذي نأخذ به: مسيرة ثلاثة أيام. قلت: من أجل ما أخذت به؟ قال: قول النبي ﷺ: \"لا تسافر امرأة فوف ثلاث إلا مع ذي محرم\") ٢.\nوجه الاستدلال: أن الرسول ﵊ منع المرأة من السفر خلال هذه المدة إلا إذا كان معها زوجها أو محرم، وتعليقه ﷺ هذا الحكم بمدة الثلاثة أيام يفهم منه: أن سفر الثلاثة أيام هو الذي ينصرف إليه اسم السفر عند الإطلاق، فينبغي أن يقيد به.\nونرد على استدلال الثوري بهذا الحديث عدد من المناقشات التي وردت على بعض أصحاب الآراء السابقة، ونجملها فيما يلي:\nأ- إن الحديث وارد في تحديد المسافة التي لا يجوز للمرأة أن تسافر فيها بدون محرم بينما المستدل عليه هو حدّ السفر المبيح للفطر وشتان بين الأمرين.\nب- إن هذا الحديث قد ورد بعدة روايات، فالتمسك بإحداها دون بقيتها فيه تحكم.\nج- عدم وجود تقدير مساحي لتحديد هذه المسافة بالأميال أو الفراسخ جعل التحديد الزمن بمسيرة ثلاثة أيام قليل الفائدة.\nويمكن الرد على هذه المناقشات بما يلي:\nأ- أما المناقشة الأولى: فقد سبقت الإجابة عليها أكثر من مرة.\n_________\n١ صحيح البخاري، باب في كم يقصر الصلاة جـ٧ ص١٢٦ مع شرحه عمدة القارئ. وصحيح مسلم جـ٤ ص١٠٢\n٢ المصنف جـ٢ ص٥٢٧. وصحيح مسلم جـ٤ ص١٠٣","vol":"50 - 51","page":133},{"text":"ب- أما المناقشة الثانية: فيجاب عنها، بأن التمسك برواية الثلاث أولى من التمسك بغيرها، لأن الثلاث أكثر ما ورد، والتمسك بأكثر ما ورد، فيه أخذ بالحيطة، وهى مطلوبة في الدين.\nج- أما المناقشة الثالثة: فيجاب عنها، بأن العلة في الرخصة هي المشقة، والمشقة إنما تتحقق في سفر الثلاثة أيام.\nويمكن على هذه الإجابة السؤال التالي:\nما الحكم إذا قطعت هذه المسافة- مسيرة الثلاثة أيام- في ساعة أو بعض الساعة كما هو حاصل الآن بالسيارات السريعة فضلا عن الطائرات، فماذا تكون الإجابة؟.\nهذه هي أهم الآراء في تقدير المسافة التي تتحقق بها رخصة الفطر للمسافر، وقد أضربنا عن ذكر بقية الآراء، لعدم وجود مستند صحيح لها.","vol":"50 - 51","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الرأي المختار:</span>\nواضح من استعراضنا لآراء الفقهاء ومستنداتهم في هذه المسألة أن الرأي الثاني أقوى الآراء إذ يستدل بحديث أنس \"كان النبي ﷺ إذا سافر ثلاثة أيام أو ثلاثة فراسخ- شك شعبة- صلى ركعتين\"؛ إذ هو نص صريح صحيح في الموضوع. وإنما التحديد بالثلاثة فراسخ أولى، لأنه القدر المتيقن.\nلكن وجود الاحتمال الذي أشرنا إليه سابقًا من أن ذلك كان ابتداء القصر، وأن هذا الاحتمال ليس ببعيد -بعد أن ذكرت بعضا من الأحاديث الصحيحة التي تفيد أنه ﷺ كان يبتدئ القصر من ذي الحليفة، وبينها وبين المدينة، من فرسخين إلى ثلاثة، كما يحمل فعل عمر ﵁ على ذلك- يضعف هذا الاستدلال. لذا أرى أن الأخذ برأي الفريق الذي حدد المسافة بأربعة برد هو الأولى لما يأتي:\n١- امتياز هذا التحديد بالوضوح، فقد حددت فيه المسافة بمقياس مساحي وهو أربعة برد. وأن هذا القياس ارتكز على علامات مادية يمكن الرجوع إليها للتأكد من مقداره وضبطه؛ وهو من مكة إلى عسفان، ومن مكة إلى الطائف ومن مكة إلى جدة، ومن المدينة إلى ذات النصب ومن المدينة إلى ريم.\n٢- اتفاق ابن عمر المعروف بتشدده، وابن عباس بتيسيره على هذا القدر يومي-","vol":"50 - 51","page":134},{"text":"ولو من بعيد- إلى أنه ربما يكونا قد استلهماه من مشكاة النبوة، ومعلوم أنهما كانا من الملازمين له ﷺ في أسفاره ١.\nوأما ما ورد من قول ابن عمر ﵄، أنه يقصر في سفر ساعة ونحو ذلك مما يتعارض مع التحديد السابق، فقد قال بعض أهل العلم: إن التحديد بأربعة برد وما في معناه هو أصح الروايتين عن ابن عمر ٢.\n٣- كان هذا الرأي هو محل اختيار أغلبية رجال الحديث الذين أنفقوا حياتهم في الاشتغال بالسنة رواية ودراية، فإطباق هذه الكثرة على الأخذ بهذا التحديد يشير بوضوح إلا عدم وجود نص صريح ثابت من السنة في الموضوع.\n٤- عدم تجويز كل من ابن عمر وابن عباس للقصر في مسافات أقل من هذا المقدار. يدل على مدى تمكنهما من تحديد هذا المقدار، فقد سبقت الإشارة إلى ما رواه سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﵄: أنه سئل أتقصر الصلاة إلى عرفة، فقال: لا. ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف وما روي عن ابن عمر أنه كان يخرج إلى الغابة- وهى على بريد من المدينة- فلا يفطر ولا يقصر ٣.\nكما نقل عن أبي جمرة قوله: قلت لابن عباس: أقصر إلا الأبله ٤. قال أتجيء من يومك؟ قلت: نعم. قال: لا تقصر ٥.\nوما رواه مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة٦، وأما ما جاء في قصة دحية فقد قال الخطابي عنها: ليس الحديث بالقوى، وقال صاحب العون: إن ابن عمر وابن عباس خالفا دحية وهما أفقه من دحية وأعلم بالسنن٧ وأما أبو بصرة الغفاري فلعله كان يقصد سفرا بعيدا كان كذلك، فله أن يفطر في بداية سفره.\n٥- إن الأخذ بهذا التحديد، فيه أخذ بالأحوط، إذ لم يخرج عنه إلا من قال بتحديد مسيرة ثلاثة أيام. وقد عرفنا ما أخذ على التحديد بهذا المقدار، والله أعلم.\n_________\n١ وقد جاء في ذلك حديث ضعيف، فقد خرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان\". قال الترميذي بعد ذكره له. هذا حديث ضعيف. إسماعيل بن عياش لا يحتج به وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف جدًا. والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس. السنن الكبرى جـ٣ ص١٣٨.١٣٧\n٢ عون المعبود جـ٤ ص٦٩ طبعة المجد بالقاهرة.\n٣ السنن الكبرى جـ٣ ص١٣٧. وسنن أبي داود جـ٧ ص٥٩ مع عون المعبود.\n٤ الأبله (على وزن حبلى): موضع بأرض بني سليم بين مكة والمدينة.\n٥ السنن الكبرى جـ١ ص١٣٧.\n٦ السنن الكبرى جـ٣ ص١٣٧.\n٧ عين المعبود جـ٧ ص٥٩.","vol":"50 - 51","page":135},{"text":"بيان هذه المسافة حسب المقياس المعلوم لدى أغلب المسلمين اليوم وهو القياس- بالكيلومتر-:\nيقدر البريد بأربعة فراسخ، والفرسخ يقدر بثلاثة أميال. وعلى ذلك فتكون المسافة مقدرة بثمانية وأربعون ميلا.\nأما الميل- وهو فارسي معرب- فقد اختلف في تقديره اختلافا كبيرا وفيما يلي إشارة إلى أهم أقوال العلماء في بيانه وما شهر أو صحح منها وبيان المراد منه بالمتر المعروف الآن: القول الأول: الميل: هو منتهى مدّ البصر من الأرض؛ لأن البصر يميل عن وجه الأرض حتى يفنى إدراكه وبذلك جزم الجوهري.\nالثاني: أن ينظر إلى شخص بعيد يقف على أرض مستوية فلا يدرى أرجل هو أو امرأة.\nالثالث: ما قاله النووي: أنه ستة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، وشهر هذا القول الحافظ ابن حجر ثم قال: قد حرر بذراع الحديد المشهور في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجد ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا: يكون الميل -بذراع الحديد في القول المشهور- خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعا.\nالرابع: هو اثنا عشر ألف قدم بقدم الإنسان.\nالخامس: هو أربعة آلاف ذراع.\nالسادس: ثلاثة آلف وخمسمائة ذراع، قاله الخرشي، وصححه بعض العلماء.\nالسابع: ثلاثة آلاف ذراع.\nالثامن: ألفا ذراع.\nالتاسع: خمسمائة ذراع وصححه ابن عبد البر ١.\nوإذا ما رجعنا إلى الأقوال المشهورة أو المصححة وهى الأقوال المنسوبة إلى النووي والخرشي وابن عبد البر، فإننا نجد أن أصح هذه الأقوال -من حيث مطابقته للواقع-: هو قول الخرشي. ونبين ذلك فيما يلي:\nأ- طول المسافة على ما قاله النووي -إذا عرفنا أن الذراعين يقدران بمتر واحد، وأنّ كل ألف متر تقدر بكيلو متر واحد- هو ١٢٧ كم (سبعة وعشرون ومائة) كيلو مترا.\nب- وعلى ما قاله الخرشي فإن طول المسافة هو ٨٤ كم (أربعة وثمانون) كيلو مترا.\nجـ- وعلى ما صححه ابن عبد البر يكون طول المسافة هو (١٢) كم (اثنا عشر) كيلو مترا.\n_________\n١ انظر هذه الأقول وغيرها في نيل الأوطار جـ٣ ص٢٣٣ مطبعة مصطفى الحلبي الطبعة الأخيرة. والمجموع جـ٤ ص١٩٠ وحاشية الرهوني على الزرقاني جـ٢ ص١٢٢.","vol":"50 - 51","page":136},{"text":"وإذا ما راجعنا هذه الأطوال على العلامات المادية التي ضبطت عليها المسافة التي أنيطت بها الرخصة، وهى من مكة إلى جدة، ومن مكة إلى الطائف، ومن مكة إلى عسفان، فإننا نجد أن المسافة مقدرة الآن بين مكة وجدة بـ ٧٥ كيلو مترا (خمسة وسبعون) كيلومترا، وبين مكة وعسفان بحوالي ٨٠ كم (ثمانون) كيلومترا. وبين مكة والطائف من ٨٠ إلى ٨٥ كم (من ثمانين إلى خمسة وثمانين) كيلومترا.\nوإذا لاحظنا الاتساع العظيم لمكة وجدة، مما جعل العمران يزحف إلى الطريق الموصل بينهما فيقتطع منها حوالي ١٠ كم عشرة كيلومترات؛ أي خمسة من كل ناحية، إذا عرفنا ذلك: وجدنا أن أمثل الأقوال هنا في تحديد مقدار الميل: هو قول الخرشي.\nوبناء على هذا فإنه يمكننا القول: بأن المسافة التي تناط بها رخصة الفطر والقصر هي ٨٤ كم (أربعة وثمانون) كيلو مترا أو ما يقاربها. والله أعلم.\nمن الحكمة\nوقّرْ مَن فوقَك، ولِنْ لِمَن دونَك، وأحسِنْ مواتاة أكفائِك، وليكن آثرَ ذلك عندك مواتاةُ الإخوان، فان ذلك هو الذي يشهد لك أن إجلالك مَن فوقَك ليس بخضوع منك لهم، وأن لينَك لمِن دونك ليس لالتماس خِدمِتهم.\nابن المقفع\nفي الأدب الصغير\nثلاثة لثلاثة\nأمورهنَّ تَبَعٌ لأمور: فالمروءات كلّها تبع للعقل، والرأيُ تَبَعٌ للتجربة، والغبطةُ تبعٌ لِحُسن الثناء، والسروز تبع للأمن، والقرابة تبع للمودة، والعمل -المنصب- تبع للقَدْر، والجدَةُ تبع للإنفاق.\nابن المقفَّع","vol":"50 - 51","page":137},{"text":"رخصة الفطر في سفر رمضان وَما يترتب عليها من الآثار ٢\nالدكتور أحمد طه ريان أستاذ مساعد بجامعة الأزهر\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>هل الفطر في السفر رخصة أم عزيمة:</span>\nبعد أن عرفنا مقدار المسافة التي يشرع فيها الفطر للمسافر إذا عزم على قطعها أو تجاوزها، ننتقل الآن إلى بيان مدى هذه المشروعية. وبمعنى أوضح، هل هذه المشروعية تقف عند حدها الأدنى، وهو الإباحة، فيكون المسافر له حرية الفطر مع القضاء في أيام أخر، أو الصيام مع الإجزاء بدون أدنى حرج عليه في فعل أي منهما؟ أو أن هذه المشروعية ترتفع عن هذا الحد إلى مستوى أعلى قليلا عن الإباحة، فتصل إلى حد الندب أو الأفضلية للفطر على الصيام، فيكون من صام في سفره قد ارتكب أمرا مكروها، والمكروه وإن كان لا يعاقب على تركه، لكنه لا يثاب على فعله، كما عرفه بذلك كثير من الفقهاء، أو أن هذه المشروعية للفطر ترتفع إلى درجتها العليا، فتصل إلى درجة الوجوب، فيكون الصائم قد ارتكب أمرا قد حرمه الشارع وبالتالي، يثبت لصومه حكم البطلان، ويجب عليه قضاء هذه الأيام التي صامها في السفر لعدم احتساب الشارع لها.","vol":"52","page":66},{"text":"لبيان ما هو الحق في ذلك نقول:\nنقل عن عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء عدم مشروعية الصيام في السفر، إلا أن بعضهم قد نقل ذلك عنه بلفظ الكراهة وبعضهم قد نقل عنه بلفظ عدم الإجزاء أو بوجوب القضاء.","vol":"52","page":66},{"text":"فروى نافع عن ابن عمر ﵄ \"لأن أفطر في رمضان في السفر أحب إلي من أن أصوم\" ١.\nوقال ابن المنذر: كان ابن عمر وسعيد بن جبير يكرهان صوم المسافر وقال: روينا عن ابن عمر ﵄ أنه قال: \"إن صام قضاه\" وقال: وروي عن ابن عباس قوله: \" لا يجزئه الصيام\"٢.\nكما نقل عن عبد الرحمن بن عوف قوله: \"الصائم في السفر كالمفطر في الحضر\" ٣.\nوروى عبد الرزاق عن ابن عيينة، قال أخبرني عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن ابن عبد الله بن عامر بن ربيعة \"أن عمر بن الخطاب أمر رجلا صام رمضان في السفر أن يقضيه، قال: وأخبرنيه عمرو بن دينار عن كلثوم بن جبر عن عمر\" ٤.\nوروي عن أبي سعيد مولى المهري، قال: \" أقبلت مع صاحب لي من العمرة فوافينا الهلال هلال رمضان فنزلنا في أرض أبي هريرة في يوم شديد الحر فأصبحنا مفطرين إلا رجلا منا واحدا، فدخل علينا أبو هريرة نصف النهار فوجد صاحبنا يلتمس برد النخل. فقال: ما بال صاحبكم؟ قالوا صائم، قال: ما حمله على ألا يفطر؟ قد رخص الله له، لو مات ما صليت عليه\". قال الحافظ ابن حجر- عن هذا الأثر- \"موقوف صحيح\". ونقل محقق المطالب العالية، عن البوصيري قوله عنه: \"رجاله ثقات\" ٥.\nوقد نقل هذا القول أيضا- بالإضافة إلى سعيد بن جبير- عن عدد من التابعين، كالزهري والنخعي وغيرهما ٦.\nوقد ذهب إلى ذلك من الفقهاء بعض أصحاب داود الظهري والشيعة الإمامية كما أشرنا من قبل إلى ما قاله ابن حزم بشأن وجوب الفطر على الصائم المسافر إذا بلغ ميلا أو تجاوزه ٧.\nويتلخص رأي هذا الفريق، بأن الفطر في السفر عزيمة فمن خالفها وصام فقد اقترف إثما ولا يعتد بما صامه شرعا ويجب عليه قضاء هذه الأيام بعد انتهاء رمضان وانقضاء سفره.\n_________\n١ السنن الكبرى ج٤ ص٢٤٥.\n٢ المجموع ج٦ ص٢١٨.\n٣ النسائي: إحياء التراث ج٤ ص١٨٣.\n٤ المصنف ج٤ ص ٢٧٠.\n٥ المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية - وهذا الأثر من مسند مسدد _ج١ ص٨١.\n٦ تحفة الأحوذي ج٦ ص٣٦٤، المجموع ج٦ ص٢١٧، نيل الأوطار ج٤ ص٥١.\n٧ المحلى ج٦ ص٣٦٤، المجموع ج٦ ص٢١٧، نيل الأوطار ج٤ ص٥١.","vol":"52","page":67},{"text":"وأهم الأدلة التي استند إليها هذا الفريق ما يلي:\n١- قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: آية ١٨٥) .\nوجه الدلالة: من المعلوم أن هذه الآية محكمة بإجماع المسلمين لم يرد عليها نسخ ولا تخصيص وقد أَوجبت الصيام على من شهد الشهر صحيحا مقيما، وعلى من شهد الشهر وكان مريضا أو مسافرا، عدة من أيام أخر. ووجوب قضاء أيام السفر بعد رمضان يستلزم وجوب الفطر في رمضان أثناء السفر، وحتى لو عاند وخالف وصام، فإنه لا يعتد بذلك الصيام، بل يجب عليه قضاء هذه الأيام التي صامها ١.\nويناقش هذا الاستدلال بأن الآية قد تضمنت دلالة اقتضاء، وهو تقدير بعض الألفاظ التي لا يتضح المعنى بدونها. والمقدر هنا: عبارة (فَأفطر) فيكون المعنى الإجمالي: ومن كان مريضا أو على سفر- فأفطر- فعدة من أيام أخر- وقد أوضحت السنة هذا المعنى بجلاء تام في أكثر من حديث، فقد جاء في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال يا رسول الله: أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه\" ٢ ورفع الجناح يقتضي صحة الصوم وإجزاءه ورفع الإثم عن الصائم.\nقد يقال: إن نفي الجناح قد يكون المراد منه نفي الحرمة عن الصائم في السفر لكنه لا يقتضي الاعتداد بما صامه شرعا، أو يكون المراد: لا جناح عليه لو صام في سفره تطوعا أو قضاء لصوم سابق كان عليه.\nويجاب عن ذلك بأن نفي الجناح يقتضي الإباحة والشيء المباح إذا فعل بنية العبادة، فإنه يثاب عليه، حتى الأكل والشرب إذا فعلهما الشخص بنية التقوي على العبادة، فإنه يثاب عليهما.\nأما تأويل الحديث على أنه لا جناح عليه في صيام هذه الأيام تطوعا أو قضاء، فهو بعيد، لأن التعبير عن الفطر بكونه رخصة يقتضي جواز العمل بها، أو تركها والعمل بالعزيمة هذا هو المعروف من معنى الرخصة، وإن كان العمل بها أفضل، لأن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.\n٣- الدليل الثاني من أدلة هذا الفريق على وجوب الفطر في السفر وعدم الاعتداد\n_________\n١ أشار إلى هذه الدلالة من الآية صاحب المحلى ج٦ص٣٨١.\n٢ صحيح مسلم ج٣ ص١٤٥.","vol":"52","page":68},{"text":"بالصيام فيه: حديث جابر بن عبد الله ﵁: \" أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم١ فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة\" ٢.\nوجه الدلالة: وصف الصائمين في السفر بالعصاة، يقتضي أنهم آثمون، ويقتضي كونهم آثمين أن صومهم غير مجزئ وبالتالي: يجب عليهم القضاء.\nويناقش هذا الاستدلال، بأن وصف الصائمين بالعصيان لا يلزم منه أن يكون الوصف منصبا على الصوم، بل قد يكون منصبا على مخالفتهم أمره ﷺ بالفطر، وقد أمر الله تعالى بطاعة رسوله ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر الآية ٧) . وقال تعالى أيضا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور الآية ٦٣) .\nقد يقال: إن تركهم طاعة الرسول ﷺ في أمره لهم بالفطر، يقتضي أَنهم عاصون بالصيام أيضا إلى جانب عصيانهم بمخالفة أمر رسول الله ﷺ بالفطر.\nفيجاب عن ذلك بأن تشديد الرسول ﵊ في أمر الفطر ووصف التاركين بالعصيان إنما كان لسبب خاص وهو ملاقاة الأعداء، ومعلوم أن القتال يحتاج إلى قوة. وأن الفطر مما يساعد على إيجاد هذه القوة، ومن هنا يدخل الفطر في وسائل القوة التي أمر الله بإعدادها، بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال الآية ٦٠) .\nويقوي هذا المعنى ما جاء في حديث أبى سعيد الخدري ﵁ \"سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله ﷺ: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، وكانت عزمة فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر\" ٣.\n_________\n١ كراع الغميم: على ثلاثة أميال من عسفان، القاموس المحيط ج٣ ص٧٨.\n٢ صحيح مسلم ج٣ ص١٤٢.\n٣ صحيح مسلم ج٣ ص١٤٤.","vol":"52","page":69},{"text":"فأمره ﷺ بالفطر عند قربهم من لقاء عدوهم إنما كان يقصد بذلك تقويتهم في مواجهة عدوهم والأخذ بأسباب هذه التقوية واجب فيكون تركها معصية.\nويتضح من حديث أبي سعيد أيضا، أنهم في حالة بعدهم من عدوهم، أن الفطر ليس بلازم، فمن شاء صام ومن شاء أفطر. وقد فهم الصحابة ذلك، ففي حديث أبي سعيد هذا \"فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر\".\nومن باب أولى إذا كان السفر لغير الجهاد، فيكون الفطر فيه لمشيئة المسلم إن شاء صام وإن شاء أفطر. وقد ثبت ذلك من حديث أبي سعيد ﵁ أيضا، فقد جاء فيه: \" لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر\".\nقد يقال: إن هذه الصيغة- نصوم مع رسوله الله ﷺ- يفهم منها أنهم كانوا يصومون وهم في صحبة رسول الله ﷺ دون أن يشاركهم الرسول ﷺ في الصيام، وفعل الصحابة في حياته ﷺ ليس حجة.\nفيجاب عن ذلك، بأنه يكفي في حجية هذا الفعل، اطلاع رسول الله ﷺ عليه دون أن ينكره، فيكون سنة تقريرية وهي حجة قد يقال: يحتمل أنه لم يطلع عليهم حتى يكون ذلك سنة تقريرية.\nفيجاب عن ذلك: بأنه وإن كان فيه بعد، لكن يكفي في الحجية حدوث هذا الفعل زمن نزول الوحي، لأنه لو كان فيه مخالفة لنزل الوحي ببيانها.\n٣- الدليل الثالث: عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: \" كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى رجلا قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه، فقال: ماله، قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله ﷺ: ليس البر أن تصوموا في السفر\" ١.\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفى البر- بكسر الباء- يعني الطاعة والعبادة عن الصيام في السفر، أَي ليس من الطاعة والعبادة، أن تصوموا في السفر، وإذا انتفى كان الصيام في السفر من البر، فإن من خالف وصام، فإنه يكون آثما وبالتالي لا يجزئ عنه هذا الصيام.\nوقد أجيب عن ذلك، بأن هذا الحديث، قصد بلفظه شخص معين- وهو المذكور في\n_________\n١ البخاري ج١١ ص٤٨ مع شرحه عمدة القارئ، صحيح مسلم ج٣ ص١٤٢.","vol":"52","page":70},{"text":"الحديث- وما يكون مماثلا له. والمعنى: ليس من البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ بعد أن رخص الله ﷿ له في الفطر١.\nولكن تناقش هذه الإجابة، بما قيل في علم الأصول، بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوترد هذه المناقشة بأن الحديث واقعة عين، ووقائع الأعيان لا يستدل بها على عموم الأحكام، والدليل على عدم قصد العموم في هذا الحديث، ما ثبت من صوم الرسول ﷺ في رمضان في حديث أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ قال: \"خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة\" ٢.\nوقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على القاعدة الشرعية، في رفع مالا يطاق عن هذه الأمة، فيكون مؤداه: أن المريض المقيم، والمسافر المرهق، ومن أجهده الصوم، عليهم أن يفطروا، فإن لم يأخذوا بالرخصة واستمروا على صومهم، حتى خشي عليهم التلف، فإنهم يكونون عصاة بصومهم واستحق من يفعل مثل هذا الفعل، أن يوصف صومه، بأنه ليس من البر، والله أعلم٣.\nوقد أجاب ابن حزم على ذلك، بأن هذه الحال- المشار إليها في القاعدة السابقة-محرم البلوغ إليها باختيار المرء للصوم في الحضر والسفر، وقد خصص النبي ﷺ المنع من الصيام في السفر مطلقا بهذا الحديث، فيجب أخذ كلامه ﵊ على عمومه ٤.\nويجاب عن ادعاء العموم من الحديث، بأن فعل رسول الله ﷺ وفعل أصحابه بعد ذلك، قد بين أن هذا العموم غير مراد، فقد ثبت عنهم الصوم والفطر بعد هذه الواقعة وقد وضحت ذلك في تعليقي على حديث أبي سعيد الخدري الذي جاء فيه: \" لقد\n_________\n١ عمدة الأحكام ج١١ ص٤٩.\n٢ صحيح مسلم ج٣ ص ١٤٥.\n٣ انظر الإشارة إلى هذه القاعدة في عمدة القارئ ج١١ ص٤٩ كما أشار إليها ابن القيم في تعليقه على عون المعبود ج٦ ص٤٩.\n٤ المحلى ج٦ ص٣٨٣.","vol":"52","page":71},{"text":"رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر\" ١ والشريعة كل لا يتجزأ.\nوقد رد ابن القيم على أصحاب هذا الاتجاه وهو الاستدلال بعموم النص مع قطع النظر عن فعله ﷺ وفعل أصحابه المخصص له، فقال: \"وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أَصحابه الذي يبين مراده\" ٢.\n٤- الدليل الرابع: من أدلة هذا الفريق الموجب للفطر في السفر: ما رواه أبو سلمة قال: أخبرني عمرو بن أمية الضمري، قال: \"قدمت على رسول الله ﷺ من سفر فقال: انتظر الغداء يا أبا أمية، فقلت: إني صائم، فقال: تعال ادن مني حتى أخبرك عن المسافر أن الله ﷿ وضع عنه الصيام ونصف الصلاة\" ٣.\nويناقش هذا الاستدلال من وجهين:\nالوجه الأول:\nأنه قد اختلف في سند هذا الحديث اختلافا كثيرا، فقد اختلف فيه على الأوزاعي، حيث رواه الأوزاعي عن يحي عن أبي سلمة عن أبي أمية الضمري ثم رواه الأوزاعي عن يحي عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عن أبي أمية الضمري ثم رواه الأوزاعي عن يحي عن أبي قلابة عن أبي أمية الضمري٤.\nكما اختلف فيه أيضا على معاوية بن سلام وعلي بن المبارك: فقد رواه عثمان عن معاوية عن يحي بن أبي كثير عن أبي قلابة: أن أبا أمية الضمري.. كما رواه عثمان عن علي بن يحي عن أبي قلابة عن رجل أن أبا أمية أخبره ٥.\nولهذا الحديث شاهد من حديث أنس بن مالك الكعبي،إلا أنه أَيضا مختلف في إسناده، فقد رواه سفيان الثوري عن أيوب عن قلابة عن أنس عن النبي ﷺ، قال: \"إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة، والصوم وعن الحبلى والمرضع\" ٦.\n_________\n١ صحيح مسلم ج٣ ص١٤٤.\n٢ عون لمعبود ج٦ ص ٤٩.\n٣ النسائي ج٤ ص١٧٩ من المجتبى.\n٤ النسائي ج٤ ص ١٧٩ من المجتبى.\n٥ النسائي ج٤ ص ١٨٠ من المجتبى.\n٦ النسائي ج٤ ص ١٨١ من المجتبى.","vol":"52","page":72},{"text":"وعن ابن حبان عن عبد الله عن ابن عيينة عن أيوب شيخ من قشير عن عمه.\nوعن عبد الله عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن رجل قال: أتيت النبي ﷺ وهكذا..١.\nوقد روى أبو داود هذا الحديث عن طريق شيبان بن فروخ عن أبي هلال الراسبي عن أبي سواد القشيري عن أنس بن مالك- رجل من بني عبد الله بن كعب أخوة بني قشير- وقد رواه بلفظ \"أغارت علينا خيل لرسول الله ﷺ فانتهيت- أو قال- فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو يأكل فقال: اجلس فأصب من طعامنا هذا، فقلت: إني صائم، قال:- فقال- اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام: إن الله وضع شطر الصلاة- أو نصف الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى- والله لقد قالهما جميعا أو أحدهما- قال: فتلهفت نفسي ألا أكون أكلت من طعام رسول الله ﷺ\" ٢ وقد سكت عنه أبو داود.\nوقد رواه الترمذي بنفس اللفظ الذي أورده به أبو داود ثم قال: \"حديث حسن\" ٣.\nالوجه الثاني:\nإن لفظ (وضع) في الحديث يفسر بمعنيين، أولهما: وضع: بمعنى أسقط بلا مقابل وهذا خاص بالنسبة لشطر الصلاة في السفر. وهذا القول مستفاد من الكتاب والسنة، فقد ورد فيهما قصر الصلاة في السفر بلا مقابل.\nالمعنى الثاني: أن وضع: أي أسقط الوجوب في الحال مع القضاء في المستقبل وهو بالنسبة للصوم للمسافر والمرضع والحامل وإنما قلنا بذلك أيضا للإجماع على أن المسافر والمرضع والحامل إن أفطر كل منهم في رمضان وجب عليه القضاء بعد زوال عذره.\nفإسقاط الصوم هنا عن المسافر ليس بإطلاق، بل هو إسقاط للوجوب الفوري مع وجوب القضاء بعد ذلك، إنْ أفطر عملا بالرخصة، أي أن إسقاط الوجوب الفوري هنا رخصة فمن شاء أخذ بها وأفطر، ومن شاء عمل بالعزيمة وترك العمل بالرخصة، وهذا هو مدلول الرخصة، فللمكلف الأخذ بها وهو أفضل، أو العمل بالعزيمة ولا جناح عليه. وقد فسرها ﷺ بذلك في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ حيث قال: يا رسول الله: أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال رسول الله صلى الله\n_________\n١ النسائي ج٤ ص ٤٥ من المجتبى.\n٢ سنن أبي داود مع شرحه عون المعبود ج٦ ص٤٥ إلى٤٧.\n٣ سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ج٣ ص٤٠٢.","vol":"52","page":73},{"text":"ﷺ: \"هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه\" ١.\nالدليل الخامس: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر.. قال: \"وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره\" ٢.\nوفي رواية أخرى عن طريق الزهري أيضا- جاء فيها \" قال الزهري: وكان الفطر آخر الأمرين، وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر فالآخر\" ٣.\nوفي رواية ثالثة: قال ابن شهاب: \"فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم\"٤.\nواضح من الحديث أن الفطر في السفر كان آخر الأمرين وأنه قد نسخ حكم جواز الصيام فيه، الذي كان موجودا قبل ذلك.\nويناقش هذا الاستدلال بما يلي:\nأولا: أن عبارة: (فكان الفطر آخر الأمرين)، من قول ابن شهاب الزهري، وقد أشار إلى ذلك الإمام مسلم من خلال عرضه لسند الحديث، كما أوضحناه في ذكرنا لروايات الحديث الثلاث.\nثانيا: ينبغي أن يفهم أن مراد الزهري من الأمرين: هما عزيمة الصيام في السفر والرخصة في الفطر فيه، وعلى هذا يكون الدليل متمشيا مع رأي الجمهور.\nأما أن يحمل الأمران على عزيمة الصيام في السفر، وعزيمة الفطر فيه دائما فلا، لأنه يتناقض مع فهم راوي الحديث نفسه، وهو ابن عباس ﵄ فقد ورد عنه في الصحيحين \"سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهارا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة. قال ابن عباس- عقب ذلك مباشرة- فصام رسول الله ﷺ وأَفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر\" ٥.\n_________\n١ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤٥.\n٢ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤١.\n٣ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤١.\n٤ صحيح مسلم ج٣ ص ١٤١.\n٥ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤١ وصحيح البخاري ج١١ ص ٤٢ المطبوع مع شرح عمدة القارئ.","vol":"52","page":74},{"text":"فقول ابن عباس: \"فمن شاء صام ومن شاء أفطر\" أدل على فهم فعل رسول الله ﷺ، وأدق من فهم ابن شهاب ﵁، وأولى بالاعتبار منه. وأما الآثار التي نقلت عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ في شأن وجوب الفطر في السفر، ففي بعضها ضعف من جهة سندها أو هي معارضة بما هو أقوى منها، وبعضها الآخر، إما أن يكون قد ذكر على سبيل التغليظ والتشديد وإما ن يكون على سبيل الاجتهاد الشخصي من صاحبه في فهم النصوص، ونبين ذلك بشيء من الإيضاح فنقول:\n(أ) - ما روي عن ابن عباس ﵄، من قوله: لا يجزئه الصيام وما ورد بمعناه عنه، فإنه يتعارض مع ما هو أقوى منه، وهو رواية ابن عباس لحديث صيامه ﷺ في غزوة الفتح حتى بلغ الكديد ثم أفطر- وقد قال ابن عباس معقبًا على الحديث: لقد صام رسول الله ﷺ وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر.. وقد تقدم ذلك قريبا، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما فهو أقوى.\n(ب) - وأما ما نقل عن عبد الرحمن بن عوف من قوله: \"الصائم في السفر كالمفطر في الحضر\". فقد قال البيهقي: \"هو موقوف، في إسناده انقطاع، وقد روى مرفوعا وإسناده ضعيف\" ١وقد نقل النووي قول البيهقي هذا في المجموع واحتج به على من تمسك بهذا الأثر. لكن صاحب الجوهر النقي قد تعقب قول البيهقي السابق: فذكر أن هذا الأثر، قد رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، وقد قال ابن معين والنسائي: لم يسمع من أبيه، فهذا معنى قول البيهقي: وفي إسناده انقطاع: إلا أن ابن حزم صرح بسماعه من أبيه، وتابع حميد بن عبد الرحمن أَخاه أبا سلمة فرواه عن أبيه كذلك. كذا أخرجه النسائي في سننه بسند صحيح، وذكر ابن حزم أن سنده في غاية الصحة وعلى فرض صحة نسبة هذا القول إلى عبد الرحمن بن عوف ﵁، فإنه يحمل، إما على التشديد في قبوله الرخصة ردا على من تركها رغبة عنها، أو على أن ذلك اجتهاد منه في فهم النص القرآني. وعليه، فلا يكون حجة لأنه يتعارض مع تفسير الرسول ﷺ للرخصة والذي أشرنا إليه قريبا..\n(ج) - أما ما نقل عن عمر بن الخطاب ﵁: \"من أن رجلا صام رمضان في السفر فأمره عمر أن يقضيه\"، ففي سنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم، قال عنه ابن حجر في التقريب: \"ضعيف\".\n_________\n١ السنن الكبرى ج٤ ص ٢٤٤.","vol":"52","page":75},{"text":"(د) أما ما نقل عن أبي هريرة، عن قوله: في حق الرجل الذي صام في السفر، \"لو مات ما صليت عليه\"، فإنه قد تبين من خلال القصة، ضعف الرجل عن الصيام في السفر، ومن كان هذا حاله فإنه ينبغي أن يشدد عليه في الأخذ بالرخصة، فحاله هذه قريبة الشبه بحالة الرجل الذي قال ﷺ في حقه: \"ليس من البر الصيام في السفر\"، أي أن من ضعف عن الصيام في السفر، فلا ينبغي أن يشدد على نفسه حتى يفضي إلى هلاكها، فإن هذا الفعل ليس من البر في شيء.\nأحوال القلب\nقال أبو بكر الوراق:\nللقلب ستة أشياء:\nحياة، وموت، وصحة، وسقم، ويقظة، ونوم. فحياته الهدى.. وموته الضلالة.. وصحته الصفاء، وعلته العلاقة، ويقظته الذكر، ونومه الغفلة.\nوقال أبو حاتم: موت القلب من أربعة أشياء: فضول الكلام ومجالسة الجهال وأكل الشبهة وكثرة الضحك.","vol":"52","page":76},{"text":"رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار\nالدكتور أحمد طه ريان أستاذ مساعد بجامعة الأزهر\nوإتماما لما سبق نشره في حلقتين سابقتين في موضوع (رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليه من آثار) بسوق هذه الحلقة الثالثة فيما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>رأي جمهور الفقهاء:</span>\nيرى جمهور الفقهاء وهو عدا من ذكرنا في الرأي السابق أن الفطر في السفر خلال شهر رمضان رخصة يجوز الأخذ بها ويجوز تركها والصيام عملا بالعزيمة..\nوأهم الأدلة التي استند إليها هذا الفريق ما يلي:\nالأول: قوله تعالى: ﴿.. وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .. الآية وقد تقدم أن تقرير الآية على رأي هذا الفريق: ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر..\nكما سبقت الإشارة إلى أن الفريق الأول: يرى أن هذا التقرير من شأنه تخصيص الآية، وليس خناك دليل على التخصيص، بل يجب أن تبقى الآية عامة كما جاءت، وقد سبق الرد عليه مفصلا..\nالثاني: حديث ابن عباس المتقدم في صيام رسول الله ﷺ في غزوة الفتح حتى بلغ الكديد ثم أفطر. ثم قول ابن عباس تعليقا عليه: \"لقد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر\"..","vol":"53","page":97},{"text":"وجه الدلالة فيه من وجهين:\nالوجه الأول: أن رسول الله ابتدأ السفر صائما واستمر كذلك حتى لم يبق من انتهاء الرحلة إلا مرحلتين، فلو لم يكن الصوم في السفر جائزا لما فعله رسول الله ﷺ من أول سفره حتى بلوغه عسفان أو ما حولها..\nالوجه الثاني: أن السفر كان ديدنه ﷺ قبل هذه الرحلة وبعدها: ففي حديث أبي الدرداء المتقدم \"..وما منا من أحد صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة\"١..\nوما قيل، من أن فطره في هذه الغزوة، كان ناسخا لجواز الصيام في السفر قبل ذلك.. استنادا إلى ما قيل: من أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الفطر، فغير مسلم. وقد تقدم الرد عليه مفصلا..\nوما جاء من حديث أبي سعيد..من قوله: \"ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر\"٢ واضح في حدوث الصوم بعد هذه الواقعة منه ﷺ أو من أصحابه مع اطلاعه عليهم وهم صائمون، وهو ما يستفاد من ذكر لفظ «مع» في الحديث.\nكما هو واضح في بيان أن الفطر الذي حدث منه ﷺ في هذه الواقعة؟ إنما هو من قبيل أخذه بالرخصة، وليس من قبيل نسخ الجواز.\nالدليل الثالث: بيانه ﷺ أن الفطر في السفر رخصة، وأن الرخصة يجوز الأخذ بها ويجوز تركها والأخذ بالعزيمة، وذلك في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي المتقدم.. حيث جاء فيه \"..هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه\"٣.\nولقد جاء في رواية لهذا الحديث أخرجها الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى وأبي داود وسكت عنها عن طريق حمزة بن محمد بن حمزة حفيد السائل تبين أن السؤال كان عن صيام شهر رمضان في السفر، إذ جاء فيه \"قلت يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر، يعني شهر رمضان وأنا\n_________\n١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٥.\n٢ صحيح مسلم ج٣ص١٤٤.\n٣ صحيح مسلم ج٣ص١٤٥.","vol":"53","page":98},{"text":"أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أؤخره فيكون دينا أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر، قال: أي ذلك شئت يا حمزة\"١..\nفهذا الحديث يوضح أن السؤال كان عن صيام شهر رمضان وهو وإن كان ابن حزم وابن حبان، قد ضعفا رواية حمزة بن محمد بن حمزة٢. إلا أن له شاهدا من حديث حمزة بن عمرو المخرج في الصحيحين وغيرهما..\nوأما على رأي من يقول: إن سؤال حمزة كان عن صيام التطوع فإنه ليس في الحديث ما يشير إلى تخصيص السؤال بذلك\nوعلى فرض أن السؤال كان في صيام التطوع؟ فإن العبرة برد الرسول ﵊ الذي جاء بصيغة عامة تشمل جميع أنواع الصيام سواء كان صيام فرض أو تطوع.\nوحتى لو كانت الإجابة تخصص بنوع السؤال وهذا على افتراض أن السؤال كان عن صيام التطوع، فإن هذا الحكم يشمل صيام شهر رمضان من باب أولى، لأنه إذا تكبد الإنسان صيام التطوع في السفر وليس عليه في تركه شيء فإن تكبده الصيام الواجب من باب أولى، لأنه إن تركه سيكون دينا عليه..\nوقد نوقش هذا الحديث، بأن الرخصة المشار إليها فيه قد خرجت من باب التخيير للعبد، إلى وجوب الالتزام بها، إذ جاء في نهاية الحديث \"ليس البر أن تصوموا في السفر\" زيادة توجب قبولها، وهي قوله ﷺ: \"عليكم برخصة الله التي رخص لكم\"٣\nيجاب عن ذلك، بأنه جاء في صحيح مسلم ما يفيد أن هذه الزيادة غير محفوظة، إذ قال شعبة: \"وكان يبلغني عن يحي بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث ليس البر.. الخ وفي هذا الإسناد أنه قال: عليكم برخصة الله الذي رخص لكم. قال: فلما سألته لم يحفظه٤.\nوعلى فرض صحة هذه الزيادة، فإنه يجاب عنها بأن الأمر هنا خاص بمثل هذا الرجل الذي ترك الرخصة وفضل عليها إهلاك نفسه أو بمن ترك الرخصة رغبة عنها. «والله أعلم» .\n_________\n١ أبو داود ج ٧ص ٤٠ مطبوع مع شرحه عون المعبود والسنن الكبرى ج ٤ ص ٢٤١ والمستدرك ج١ ص ٤٣٣.\n٢ تهذيب التهذيب ج٣ص٣٢ دار صادر بيروت قال ابن حجر: ضعفه ابن حزم وقال عنه ابن حبان مجهول ولم أجد فيه كلاما لأحد المتقدمين. تهذيب التهذيب.\n٣ النسائي ج٤ص١٧٦ المحلى ج٦ص٣٨٤.\n٤ صحيح مسلم ج٣ص١٤٢.","vol":"53","page":99},{"text":"الدليل الرابع: عدم إنكاره ﷺ على من كان يصوم في سفره معه، فقد جاء في حديث أبي سعيد قوله: \"كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره\"١.\nومعلوم أن القصد: من ذكر ما يفيد المعية هنا وإيراد: يعاب بصيغة، البناء للمجهول: تأكيد اطلاع الرسول ﵊ على حالهم وأنه مع ذلك لم يعب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره..\nثم إن ذكر أبي سعيد هذا الحديث بلفظ كنا نشعر، بأن ذلك الحال كان دائما، حتى وفاته ﷺ لأنه صرح بهذا القول بعد وفاته ﵊..\nالدليل الخامس: فهم الصحابة ﵃ رخصة الفطر في السفر وأنها تعني الإباحة لا الوجوب واستمرارهم على هذا الفهم، سواء في حياة الرسول ﵊ أو بعد وفاته، فمن ذلك:\nحديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله ﵃ قالا: \"سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض.. \"٢.\nوحديث أبي خالد الأحمر عن حميد قال خرجت فصمت فقالوا لي أعد قال: قلت: \"إن أنسا أخبرني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، فلقيت ابن أبي مليكة، فأخبرني عن عائشة ﵂ بمثله\"٣.\nالدليل السادس: حديث عائشة ﵂ قالت: \"خرجت مع النبي ﷺ في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت، فقال: أحسنت يا عائشة\" رواه الدارقطني وقال هذا إسناد حسن وأخرجه النسائي ولم يذكر فيه: خرجت مع النبي ﷺ في عمرة رمضان «وجاء في نهايته» لفظ \"وما عاب علي\"٤. ونقله النووي في المجموع واحتج به٥.\n_________\n١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٣.\n٢ صحيح مسلم ج٣ص١٤٣.\n٣ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤٣.\n٤ النسائي ج٣ص١٢٢ ومنتقى الأخبار مع شرحه نيل الأوطار ج٣ص٢٣٠.\n٥ المجموع ج٦ص٢١٨.","vol":"53","page":100},{"text":"وقد ضعف العلماء هذا الحديث: لأن في إسناده العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي عنها، وقد قال ابن حبان في العلاء بن زهير: أولا أنه ثقة. ثم تناقض فيه بعد ذلك فقال: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات. وقال ابن حزم: مجهول وقال ابن معين: ثقة وقال عبد الحق: إنه ثقة مشهور والحديث الذي رواه في القصر صحيح، ورجح الذهبي توثيق ابن معين له وأما عبد الرحمن بن الأسود، فقد اختلف في سماعه منها، فقال الدارقطني: أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق. قال الحافظ ابن حجر: وهو كما قال، ففي تاريخ البخاري وغيرها ما يشهد لذلك. وقال أبو حاتم: أدخل عليها وهو صغير لم يسمع منها، وادعى ابن أبي شيبة الطحاوي ثبوت سماعه منها.\nفظهر من أقوال رجال الجرح والتعديل: أن الحديث لا بأس به من جهة السند لأن العبرة كما قال الذهبي: بتوثيق ابن معين للعلاء بن زهير.\nكما ثبت سماع عبد الرحمن بن الأسود من عائشة، إذ جاء في تاريخ البخاري أنه كان يدخل عليها وهو صغير دون استئذان فلما احتلم استأذن فعرفت صوته فقالت يا عدو نفسه؟ أفعلتها. قال: نعم يا أمتاه قالت ادخل١.\nوقال البعض: إن حديث عائشة هذا فيه نكارة من جهة المتن، إذ فيه أن عائشة خرجت مع النبي ﷺ في عمرة رمضان مع أن الثابت أنه ﷺ اعتمر أربع عمر ليس منها في رمضان شيء..\nوقد أجيب عن ذلك: بأن هذه العمرة لعلها حدثت في شوال وكان الخروج إليها في رمضان في غزوة الفتح٢ والله أعلم بالصواب.\nونكتفي بهذا القدر من الأدلة المأخوذة من السنة على رأي الجمهور في جواز الأمرين، الصوم والفطر في السفر خلال شهر رمضان.\nأما الآثار عن الصحابة ﵃ فكثيرة نكتفي بأمثلة عنها:\nأ_ ما رواه البيهقي بسنده إلى أبي الفيض، قال: كنت في غزوة الشام فخطب مسلمة ابن عبد الملك، فقال: من صام رمضان في السفر فليقضه، فسألت أبا قرصافة رجل من\n_________\n١ التاريخ الكبير للبخاري ج٥ص٦٣ دار الكتب العلمية بيروت، وتهذيب التهذيب ج٨ص١٨٠ مطبعة دار المعارف الهندية. والميزان للذهبي ج٣ص١٠١ طبعة دار المعرفة ببيروت.\n٢ نيل الأوطار ج٣ص٢٣١.","vol":"53","page":101},{"text":"أصحاب النبي ﷺ قال: \"لو صمت ثم صمت حتى عد عشرا لم أقضه\"١..\nب_ ما نقله صاحب الفتح عن الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة: سألت أنس ابن مالك عن الصوم في السفر فقال: \"لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال: قلت له فأين هذه الآية ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعا وننزل على غير شبع وأما اليوم فنرتحل شباعا وننزل على شبع\"\nقال الحافظ ابن حجر تعقيبا على ذلك: \"أشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم\" ٢\nوأقول: إن أمر أنس لغلامه بالصوم، من أوضح الأدلة على جواز الصيام في السفر في شهر رمضان، لأن أنس أكثر الصحابة التصاقا برسول الله ﷺ ومعرفة بشأنه..\nج_ ما أخرجه البيهقي بسنده إلى ابن سيرين عن عثمان بن أبي العاص قال: \"الصوم في السفر أحب إلي\" كما روي عن ابن مسعود بمعناه٣.\nأما ما روي عن التابعين:\nفقد روى النسائي عن حميد بن مسعدة عن سفيان عن العوام بن حوشب قال قلت لمجاهد: الصوم في السفر، قال: \"كان رسول الله ﷺ يصوم ويفطر\"٤.\nكما روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: \"إذا أهل الرجل رمضان في أهله وصام منه أيام ثم سافر فإن شاء صام وإن شاء أفطر\"٥..\n_________\n١ السنن الكبرى ج٤ص٢٤٤.\n٢ فتح الباري ج٥ص٨٧.\n٣ السنن الكبرى ج٤ص٢٤٥.\n٤ سنن النسائي ج٤ص١٨٤ من المجتبى.\n٥ المصنف ج٤ص٢٦٩.","vol":"53","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الرأي المختار:</span>\nبعد هذا العرض الموجز لأهم الأدلة التي استدل بها الفريقان، وما أثير حولها من المناقشات، نرى أن المختار هو رأي الفريق الثاني وأنه أقربها للسنة المحكمة وذلك لما يلي:","vol":"53","page":102},{"text":"أ_ إن العمل بالرأي الأول: يقتضي طرح العمل بكثير من النصوص الصحيحة الثابتة التي تفيد أن الفطر في سفر رمضان رخصة يترك العمل بها لاختيار المسلم، بخلاف العمل بالرأي الثاني فإنه يقتضي العمل بكل النصوص وذلك بإمكان الجمع بين أدلة الفريقين. والجمع بين الأدلة والعمل بها كلها واجب ما أمكن..\nب_ إن القول بوجوب الفطر في السفر قد يكون فيه مشقة لمن كان دائم السفر كالسائقين والمضيفين في الطائرات وكل العاملين في مجال المواصلات من سيارات وطائرات وسفن وغيرها إذ هؤلاء وأمثالهم لو ألزموا بالفطر في سفرهم خلال رمضان لصار صوم الشهر دينا ثابتا يتراكم عليهم عاما بعد عام بل ربما يموتون وعليهم صيام سنين، وقد وضح ذلك من خلال قصة حمزة بن عمرو الأسلمي..\nج_ في هذا العصر وبعد التقدم الكبير في وسائل المواصلات والذي جعل السفر الآن لدى قطاعات كبيرة من المسلمين أقرب للمتعة منه إلى المشقة التي شرع الفطر من أجلها. فإن المسلم قد يرى الصائم أيسر عنده من الفطر، أولا: لعدم إحساسه بالمشقة التي تضعفه عن تحمل الصيام..، وثانيا: لأن الفطر سيترتب عليه أن تظل هذه الأيام دينا في رقبته ويطالب بقضائها بعد انتهاء السفر.. والله أعلم..","vol":"53","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>أيهما أفضل الصيام أم الفطر للمسافر القادر على الصيام دون مشقة</span>؟\n...\nأيهما الأفضل: الصيام أم الفطر للمسافر القادر على الصيام دون مشقة؟\nبعد أن بينا بوضوح حكم الصوم والفطر للمسافر خلال شهر رمضان وهو جواز الأمرين. نبين الآن، مدى هذا الجواز بالنسبة للشخص القادر على الصيام بدون ضرر عليه، وبمعنى أوضح، هل هذا الجواز يقف عند حده الأدنى، أي أن الصوم والفطر يستويان في الفضل بدون زيادة لأحدهما على الآخر فيه، أو أن أحدهما أكثر فضلا من الآخر، فينبغي المصير إليه، ندبا أو استحبابا؟ لبيان ذلك نقول:\nمن يرى أفضلية الصوم عن الفطر:\nنقلت أفضلية الصوم عن الفطر للمسافر القادر على الصوم بدون مشقة عن عدد كبير من الصحابة والتابعين وفقهاء الإسلام، نذكر منهم على سبيل المثال:","vol":"53","page":103},{"text":"من الصحابة: حذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص، وابن مسعود، وأبو قرصافة.\nومن التابعين: عروة بن الزبير، والأسود بن يزيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث، وسعيد بن جبير، والنخعي، والفضيل بن عياض\nومن الفقهاء: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبو ثور، وآخرون١.\nمن أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:\n١_ حديث أبي الدرداء المتقدم وفيه \"خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة\"٢.\nفإدامة الرسول ﷺ الصيام في السفر مع وجود الرخصة في الفطر، والتي أخذ بها أصحابه ﵃، إرشاد إلى أفضلية الصيام لمن قدر عليه بدون ضرر.\nويناقش هذا الاستدلال، بأن السفر المشار إليه في هذا الحديث، كان قبل غزوة الفتح التي ثبت أن رسول الله ﷺ أفطر فيها واستمر على الفطر في السفر بعدها، لحديث: \"إنه كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ\" والعبرة بما كان عليه ﷺ في آخر حياته..\nوإنما قلنا إن هذا السفر كان قبل غزوة الفتح، لأن عبد الله بن رواحة، قتل في مؤتة وكان ذلك قبل غزوة الفتح، وإن كانتا في سنة واحدة كما يذكر ذلك كثير من أصحاب المغازي. ويجاب عن هذه المناقشة، بأنه يكفي في ثبوت الاستدلال: وجود الرخصة في الفطر التي أخذ بها كل الأصحاب ما عدا عبد الله بن رواحة ﵁.\nكما ثبت من خلال دراستنا للمسألة السابقة، أن فطر رسول الله ﷺ في غزوة الفتح، إنما كان عملا بالرخصة تشجيعا لأصحابه على الفطر بعد أن تردد أكثرهم فيه لما يرون من صيامه ﷺ وقد جاء ذلك واضحا في رواية لحديث جابر بن\n_________\n١ السنن الكبرى للبيهقي ج٤ص٢٤٤، ٢٤٥ وفتح القدير ج٢ص٣٥١ مصطفى الحلبي، والمجموع ج٢ص٢١٩، نيل الأوطار ج٤ص٢٥٢، شرح عبد الباقي الزرقاني على مختصر خليل ج٢ص١٩٧.\n٢ صحيح مسلم ج٣ص١٤٥.","vol":"53","page":104},{"text":"عبد الله عن طريق قتيبة بن سعيد عن الدراوردي عن جعفر \"فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر\"١.\n٢_ حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدم وقد جاء فيه: \"..لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر\"٢.\nيشير تصريح أبي سعيد باستئناف الصيام بعد غزوة الفتح، إلى أن الفطر في هذه الغزوة كان لظروف معينة، وهي شدة الحر وشعور الناس بمشقة الصيام، ثم للتقوى استعدادا لملاقاة الأعداء وأخيرا لإزالة الأحجام والتردد عن بعض النفوس التي توقفت عن الأخذ بالرخصة لعدم أخذه ﷺ بها واستمرار صيامه. أما بعد أن زالت هذه الظروف أو تغير أكثرها فإنهم رجعوا إلى الصيام في السفر، وما ذلك إلا لأفضليته على الفطر فيه..\n٣_ حديث عائشة ﵂ \"قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال لها ﷺ أحسنت يا عائشة\" وقد تقدم الحديث وما قيل فيه..\n٤_ وقد أشار بعض العلماء هنا إلى دليل عقلي، مؤداه: إذا كان ولا بد من الصيام، أداء في رمضان أو قضاء في غيره، فأداؤه في رمضان أفضل من قضائه في غيره وذلك لأفضلية الأداء على القضاء بصفة عامة ولأن رمضان أفضل الوقتين، وحتى لا تشتغل ذمته به فترة من الوقت ولا يدري ما يطرأ عليه فيها٣.\nمن يرى أفضلية الفطر على الصيام:\nمن الصحابة: ابن عباس، وابن عمر. ومن التابعين: ابن المسيب، والشعبي و. ومن الفقهاء: الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبد الملك بن الماجشون المالكي..\nمن أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:\n١_ حديث جابر المتقدم وفيه: \"..ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له: بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: \"أولئك العصاة أولئك العصاة\"..\nفإن فطره ﷺ بمرأى من الناس ثم وصفه بعد ذلك للصائمين، بالعصاة، يشعر بأفضلية الفطر عن الصوم في السفر\n_________\n١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٢.\n٢ صحيح مسلم ج٣ص١٤٤.\n٣ أشار إلى هذا الدليل باختصار شديد صاحب فتح القدير ج٢ص٣٥١ وقد قمنا بتوضيحه وشرحه.","vol":"53","page":105},{"text":"ويناقش هذا الاستدلال بأن فطره ﷺ في هذه الواقعة بالذات وبمرأى من الناس كان لظروف خاصة بها وقد أشرنا إليها قريبا أما وصف الصائمين بالعصاة فإنما كان للمخالفة في تنفيذ أمر الفطر الذي أصدره ﷺ والذي أوضحه حديث أبي سعيد ﵁ \"إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال؟ إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا وكانت عزمة فأفطرنا\"١.\n٢_ حديث جابر بن عبد الله أيضا \"ليس البر أن تصوموا في السفر\" فنفى الرسول ﵊ البر عن الصيام في السفر يريد أن الفطر أفضل منه.\nويناقش هذا الاستدلال بأن الصوم المنفي عنه البر: هو الذي يقوم به شخص لا يقدر عليه، وبالتالي يؤدي إلى إتلافه، فمثل هذا يكون الفطر في حقه أفضل. وليس المراد نفي البر عن عموم الصوم في السفر..\n٣_ حديث ابن عباس ﵁ \"أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر قال: وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره\"٢..\nفالفطر كان هو أحدث الأمرين من رسول الله ﷺ فاتباعه فيه أفضل من الصيام..\nويناقش، بأن فطره في هذه الغزوة كان لأسباب خاصة أوضحناها قريبا كما سلفت الإشارة إلى أن عبارة \"وكان صحابة رسول الله ﷺ..الخ\" مدرجة في الحديث من كلام ابن شهاب..\n٤_ حديث حمزة بن عمرو الأسلمي وقد جاء فيه قوله ﷺ: \"هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه\"..\nفتحسينه ﷺ لجانب الفطر، واكتفاؤه بنفي الجناح عن الصوم، إشارة واضحة إلى أفضلية الفطر على الصوم..\n_________\n١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٤.\n٢ صحيح مسلم ج٣ص١٤١.","vol":"53","page":106},{"text":"وقد نوقش هذا الاستدلال، بأن التحسين هو بالنسبة لمن كان لا يتيسر له الصيام بحيث يشعر معه بمشقة أو ضرر، فمثل هذا الفطر في حقه حسن. أما من كان يحتمله مع شيء من المشقة، ومع ذلك ترك الرخصة وصام فإنه لا جناح عليه..\n٥_ ما جاء في حديث جابر \"ليس البر أن تصوموا في السفر\" من زيادة عن طريق يحي بن أبي كثير بلفظ: \"عليكم برخصة الله الذي رخص لكم\".\nفهذا الأمر وإن لم يكن مقتضيا للوجوب، لكنه يعتبر إرشادا واضحا من الرسول ﵊، إلى أفضلية الأخذ بالرخصة التي تقتضي الفطر. وعليه فيكون الفطر أفضل من الصيام.\nويناقش هذا الاستدلال، بما قلنا سابقا نقلا عن الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه، من أن هذه الزيادة غير محفوظة.\nويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة، بأن هذه الزيادة قد رواها النسائي عن طريق الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير أيضا بلفظ \"وعليكم برخصة الله الذي رخص لكم فاقبلوها\"١ وقد قال ابن القطان: إسنادها حسن متصل، كما رواها ابن حزم واحتج بها٢ فالله أعلم بالصواب.\nمن يرى أن أيسر الأمرين أفضلهما:\nنسب إلى مجاهد وعمر بن عبد العزيز وقتادة القول: بأن الأفضل من الصيام أو الفطر هو الأيسر والأسهل، أي أن من وجد لديه قوة على الصيام ولم يتضرر منه، فإن الصيام في حقه أفضل.\nومن كان يشق عليه أو يترتب عليه ضرر منه، فإن الفطر في حقه أفضل. وقد اختار هذا القول ابن المنذر٣.\nومن أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:\n١_ عن أبي سعيد الخدري ﵁: \"كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على\n_________\n١ النسائي ج٤ص١٧٦ من المجتبى.\n٢ المحلى ج٦ص٣٨٤’ نيل الأوطار ج٤ص٢٥٢.\n٣ نيل الأوطار ج٤ص٢٥٢ والمجموع ج٦ص٢١٩.","vol":"53","page":107},{"text":"الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فذلك حسن\"١.\nواضح من الحديث: أن كلا الأمرين وصف بالحسن لكونه يتناسب مع حال فاعله.\n٢_ عن أبي سعيد ﵁ قال: \" أتى رسول الله ﷺ على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله ﷺ على بغلة له، فقال اشربوا أيها الناس، قال: فأبوا، قال: إني لست مثلكم إني أيسركم، إني راكب، فأبوا فثنى رسول الله ﷺ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب\" رواه أحمد في مسنده٢.\nفقد علل ﷺ امتناعه عن الفطر أولا بكون الصيام كان ميسرا له كما علل أمره لهم بالفطر بوجود المشقة لديهم.\nوإنما خالف ما يناسب حاله وأفطر مثلهم لإزالة ترددهم عن الفطر الذي كان يناسب حالتهم وذلك من قبيل رأفته ورحمته بأمته ﷺ.\n٣_ قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣.\nفقد علل الله ﷾ رخصة الفطر بالتيسير على المسلمين. وعليه: فمن كان الفطر أيسر له؟ فإن الأفضل له الفطر عملا بالرخصة، ومن كان الصوم أيسر له، فإن الأفضل له الصيام.\nمن يرى أفضلية الصوم إذا خلا من الآفات المحبطة لفضله:\nذهب بعض العلماء إلى أن الصوم أولى في السفر إذا لم تصحبه لآفة من الآفات المحبطة لفضله كالرياء والعجب والسمعة وقيام الناس على خدمته وإلا فإن خشي دخول شيء عليه من هذه الآفات فإن الفطر في حقه أولى٤.\nوقد استدل لهذا الرأي الذي لم يعرف من قال به من الفقهاء القدامى وإن كان قد حظي باختيار الشوكاني صاحب نيل الأوطار وقد استدل له بما يلي:\n_________\n١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٣.\n٢ نيل الأوطار ج٤ص٢٥٤.\n٣ سورة البقرة الآية رقم ١٨٥ وإنما أخرنا الاستدلال بهذه الآية الكريمة لأن الاستدلال بها غير مباشر بخلاف الحديثين قبلها فإنهما نص في الموضوع.\n٤ فتح الباري ج٥ص٨٦ ونيل الأوطار ج٤ص٢٥٣.","vol":"53","page":108},{"text":"أ_ عن أنس ﵁ قال: \"كنا مع النبي ﷺ في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر، قال فنزلنا منزلا في يوم حار أكثرنا ظلا صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده قال: فسقط الصوام وقال المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ ذهب المفطرون اليوم بالأجر\"١.\nب_ نقل صاحب الفتح ما رواه الطبري عن طريق مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: \" إذا سافرت فلا تصم فإنك إن تصم، قال أصحابك: اكفوا الصائم ارفعوا للصائم وقاموا بأمرك، وقالوا فلان صائم فلا تزال يذهب أجرك \"٢.\nفحديث أنس وأثر ابن عمر واضحان في دلالتهما على تأثير هذه الآفات على الصيام لكن من الممكن السلامة من ذلك: إذا خدم الإنسان نفسه وقام بما يجب عليه من المشاركة في الخدمات العامة للرفقة المسافرين معه وأخلص نيته في صيامه.\nالمختار من هذه الأقوال:\nأرى أن الرأي الذي يذهب إلى أن أيسر الأمرين هو أفضلهما: هو الأولى بالاختيار لما يلي:\nأ_ أنه يترتب على الأخذ بهذا الرأي تحقق الحكمة التي جاء الترخيص في الفطر من أجلها، وهي اليسارة والسهولة. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾\nب_ يتجلى تحقق هذه الحكمة من مطابقة هذا الرأي لطبائع الناس واختلاف قدراتهم، فمنهم من يتيسر له الصوم ولا يرى فيه كلفة أو مشقة، بل ربما كان يرى فيه راحته وصحته فطلب الفطر من مثل هذا فيه مشقة له، ومنهم من لا يتيسر له الصوم إلا إذا كان مقيما مستريحا لا يقوم بأي عمل أو يقوم بأعمال يسيرة غير مجهدة وقد نفى رسول الله ﷺ البر عن صوم مثل هذا في السفر.\nج_ المعيار في هذا الرأي، فيه مرونة حيث وكّل أمر الفطر أو الصوم إلى شعور الشخص نفسه، إذ هو المكلف وهو أمين نفسه، والتكليف أمانة، فإن وجد من نفسه القوة والقدرة على تحمل الصيام دون مشقة أو مشقة معتادة صام وإلا فلا.\nد_ وأخيرا فإن هذا الرأي يتناسب مع ظروف المواصلات في هذا العصر وتنوعها فمن\n_________\n١ صحيح مسلم ج٣ص١٤٤.\n٢ فتح الباري ج٥ص٨٦.","vol":"53","page":109},{"text":"الناس من يتيسر له سبل مواصلات مريحة تخفف عنه كثيرا من معاناة السفر، فمثل هذا يكون الصوم أيسر له.\nومنهم من لم تتيسر له سبل مواصلات أصلا أو تتيسر له مواصلات مرهقة ومجهدة فمثل هذا يكون الفطر أيسر له.\nويجاب على استدلال الجمهور القائلين بأفضلية الصوم مطلقا لمن أطاقه بأن استمرار رسول الله ﷺ على الصوم، ربما كان هو الأيسر بالنسبة له، وكان يأمر أصحابه بالأخذ بالرخصة لأنه كان يرى أن الفطر هو الأيسر بالنسبة لهم، وحديث أحمد المتقدم من أوضح الأمثلة على ذلك حيث جاء فيه قوله ﷺ مبينا الحكمة من رغبته في استمرار صومه وأمره لهم بالفطر.. \"إني لست مثلكم؟ إني أيسركم؟ إني راكب، فأبوا فثنى رسول الله ﷺ فخذه، فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب\".\nأما أدلة الفريق الذي يرى أفضلية الفطر مطلقا فقد أجيب عنها في مواضعها فلا حاجة إلى إعادتها مرة أخرى.\nأما القول الذي يرى أفضلية الصوم إذا لم تصحبه آفة تحبطه؟ فيمكن أن نضيف إلى ما قلناه سابقا، إن هذه الآفات من الرياء والسمعة ونحوهما، أمور قلبية أي أن مدارها على نية الإنسان وقصده فإذا جرد الإنسان نيته، وكان صومه خالصا لله، فلا يضره ما قيل عنه.\nوأما قيام الغير بخدمته، فلا يخلو حال الصائم من أحد أمرين: إما أن يكون قادرا على خدمة نفسه والمشاركة بجهد فعال مع بقية رفاقه في الرحلة مع صومه، فينبغي له ألا يسمح للغير بالقيام بهذه الأعمال نيابة عنه. وإما ألا يكون قادرا على ذلك مع الصوم فينبغي له الفطر أخذا بالرخصة.\nوعلى ذلك: فيمكن القول: بأن الفريق الذي كان مصاحبا لرسول الله ﷺ صائما وعجز عن القيام بالأعمال التي قام بها المفطرون، فإنه قد خالف مقتضى الرخصة، حيث ترك الأخذ بها مع أنه كان من أهلها، لذلك استحق المفطرون الأجر دونهم..\nوالله أعلم","vol":"53","page":110},{"text":"رخصة الفطر في سفر رمضانوما يترتب عليها من الآثار (٣)\nالدكتور أحمد طه ريان أستاذ مساعد بجامعة الأزهر\nكيفية العمل بالرخصة:\nبعد أن تناولنا في الحلقات السابقة: بيان المستفيدين بالرخصة والمدى الذي تتحقق به، وحكم الأخذ بها، ومدى شمولها لأنواع السفرة نتناول الآن في هذه الحلقة، كيفية العمل بهذه الرخصة من بداية السفر إلى نهايته، فنقول وبالله التوفيق:\nبداية سريان الرخصة:\nيبدأ سريان الرخصة من اللحظة التي يتحقق فيها وصف السفر على الشخص سواء من حيث الزمان أو المكان، ونوضح ذلك فيما يلي:\nبدء سريان الرخصة من حيث الزمان:\nمن عزم على السفر، لا يخلو أمره عن الأحوال الآتية:\nأ- أن يبدأ سفره من قبل طلع الفجر، وهذا لا خلاف- نعلمه- بين أهل العلم، أن الرخصة تحققت بشأنه. وله العمل بمقتضاها، من حيث إباحة الفطر له منذ بداية سفره ١.\nب- أن يبدأ السفر بعد طلوع الفجر- بحيث لم يفارق عمران البلد إلا بعده- والحال أنه كان قد بيت نية الصيام من الليل. فيرى أكثر أهل العلم هنا، أنه يجب عليه الاستمرار في الصوم ولا تتحقق الرخصة لديه. تغليبًا لجانب الإقامة على جانب السفر فإن\n_________\n١ المجموع ج٦ ص٢٠، شرح عبد الباقي على مختصر خليل ج٢ ص٢١٣، دار الفكر والأم للشافعي ج٢ ص٨٧، دار الشعب بالقاهرة.","vol":"57","page":75},{"text":"أفطر وجب عليه قضاء يوم بدل ذلك اليوم ولم يوجبوا عليه الكفارة لتأوله. ولم يخرج عن هذا الفريق في عدم وجوب الكفارة إلا المغيرة وابن كنانة، فإنهما أوجبا عليه الكفارة.\nوقد قال بهذا الرأي: مالك والشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة ومكحول والزهري ويحيى الأنصاري وإحدى الروايتين عن أحمد.\nوقال أحمد- في الرواية الثانية عنه- وإسحاق وداود وابن المنذر وابن حبيب- إن من بدأ سفره بعد الفجر. له الفطر منذ بدء السفر لإطلاق اسم المسافر عليه منذ هذه اللحظة ١.\nواختلف النقل عن المزني- من أصحاب الشافعي- فنقل الشوكاني عنه: أنه أختار رأي أحمد وإسحاق. وقال بعض الشافعية: إن المزني رجع عن رأيه هذا.\nوقال ابن حزم: إنه يبطل صومه منذ بدء سفره وعليه قضاؤه ٢.\nمستند الفريق الأول:\nلم أجد مستندًا من السنة يشهد لقول هذا الفريق بعدم جواز الفطر لمن بدأ سفره بعد طلوع الفجر.\nوقد وجدت أثرًا عن الحسن البصري، رواه عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول: إذا أصبح الرجل صائما في شهر رمضان ثم خرج مسافرًا نهارًا. فلا يفطر ذلك اليوم إلا أن يخاف العطش على نفسه فإن تخوفه أفطر والقضاء عليه، فإن شاء بعد أفطر وإن شاء صام ٣.\nواضح من سند هذا الأثر: أن هناك راويا مجهولًا بين معمر وبين الحسن. ثم فيه تعليق استمرار الصيام علىعدم الخوف من العطش.\nكما استدل بعض العلماء لهذا الرأي، بأن الصوم: عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر قياسًا على الصلاة، فلو صلى مسافر خلف مقيم وجب عليه الإتمام ٤.\n_________\n١ المجموع ج٦ ص٢١٤.\n٢ نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٥، فتح القدير ج٢ ص٣٦٥، الأم ج٢ ص٨٧، المجموع ج٦ ص٢٦٥، المغني ج٣ ص١١٧ مطبعة الفجالة، الموطأ ج٢ ص١٧١ من شرح الزرقاني على خليل ج٢ ص٢١٣، المحلى ج٦ ص٣٩٢.\n٣ المصنف ج٤ ص٢٧٠.\n٤ المغني ج٣ ص٢٧٠.","vol":"57","page":76},{"text":"وقد قيل في الرد عليه: إن الصوم يختلف عن الصلاة، فإن الصلاة يلزم إتمامها بالنية بخلاف الصوم ١.\nأما أدلة الفريق الثاني فأهمها ما يلي:\n١- ما رواه أبو داود بسنده إلى عبيد بن جبير، قال: كنت راكبًا مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان، فرفع ٢ أبو بصرة، ثم قرب غذاؤه (غداء) . قال جعفر ٣ في حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال: اقترب؟ قلت: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ. قال جعفر في حديثه: فأكل ٤.\nقال الشوكاني: سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ، في التلخيص ورجاله ثقات ٥.\nفهذا تصريح من أبي بصرة بأن الإفطار للمسافر في اليوم الذي خرج فيه من السنة وعبارة الخطابي في الاستدلال منه: (فيه حجة لمن رأى للمقيم ذي الصيام إذا سافر من يومه أن يفطر) ٦..\n٢- ما رواه البيهقي عن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد السفر، وقد رحلت له دابته ولبس ثياب السفر، وقد تقارب غروب الشمس فدعا بطعام فأكل منه، ثم ركب فقلت له سنة، قال: نعم. قال الترمذي: بعد أن ذكره: هذا حديث حسن ٧.\nقال الشوكاني عن هذا الحديث: سكت عنه الحافظ، وفي إسناده عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، وهو ضعيف، ولكن صاحب التحفة قال: لا بأس يكون عبد الله في الطريق الأولى فإنه لم يتفرد به بل تابعه محمد بن جعفر في الطريق الثانية، وهو ثقة ٨.\n_________\n١ المغني ج٣ ص١١٧.\n٢ بضم الراء وكسر الفاء بالبناء للمجهول أي رفع أبو بصرة ومن معه في السفينة.\n٣ هو جعفر بن مسافر أحد رواة الحديث.\n٤ سنن أبي داود مطبوعة مع شرحها عون المعبود ج٧ ص٥٣.\n٥ نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٦.\n٦ عون المعبود ج٧ ص٥٥.\n٧ السنن الكبرى ج٤ ص٢٤٧، وسنن الترمذي ج٣ ص٥١٢-٥١٣، مطبوع مع تحفة الأحوذي.\n٨ نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٦، وتحفة الأحوذي ج٣ ص٥١٣.","vol":"57","page":77},{"text":"٢- ما رواه البيهقي أيضا بسنده إلى إسحاق عن عمرو بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه ١.\nوالمختار: هو قول من يرى إباحة الفطر لمن سافر من بعد طلوع الفجر للأمور التالية:\nأولا: لصحة إطلاق اسم المسافر عليه حقيقة. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فقد علق سبحانه الرخصة على وجود السفر. وقد تحقق بمجرد حركته على الطريق، فينبغي أن تتعلق به أحكامه التي من بينها إباحة الفطر.\nثانيا: القول بإباحة الفطر، فيه تيسير على المسافر، والتيسير هو مناط الرخصة قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .\nثالثا: أن القول بإباحة الفطر هو أقرب القولين إلى السنة، فقد نسب كل من أبي بصرة وأنس بن مالك فطره في نفس اليوم الذي سافر فيه إلى فعل رسول الله ﷺ، وقد قال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ...﴾ الآية.\nجـ- من عزم على السفر من الليل ونوى الفطر ولم يسافر إلا بعد طلوع الفجر:\nيرى فقهاء المالكية والشافعية والحنفية، أن الشخص المقيم إذا عزم على السفر من الليل وبيت نية الفطر حتى طلع عليه الفجر ولم يبدأ سفره إلا بعد طلوع الفجر، فإنه يعتبر مخالفًا لأحكام الصيام في السفر، إذ كان يجب عليه أن يبيت الصيام مادام لن يبدأ سفره إلا بعد طلوع الفجر.\nوالأثر المترتب على ذلك: القضاء فقط مع إمساك بقية اليوم. أما المالكية فيوجبون عليه القضاء والكفارة.\nوجهة الفريق الأول:\nيرى هذا الفريق: أن فاعل ذلك وإن كان مخطئًا لكنه متأول نظرًا لوجود نية السفر لديه، فوجود هذه النية أورثه شبهة الإباحة، وهذه الشبهة تنفي عنه الكفارة.\nوجهة الفريق الثاني:\nيرى هذا الفريق أن هذا الشخص يعتبر مقيمًا صحيحًا قد عزم على ترك الصوم واستمر على الترك حتى انتهى وقت النية وهو طلوع الفجر، وعدم معرفته بالحكم لا يؤثر في وجوب\n_________\n١ السنن الكبرى ج٤ ص٢٤٧.","vol":"57","page":78},{"text":"الكفارة عليه، فيكفيه العلم بوجوب الصيام على الحاضر، وبما أنه شهد بدء الصيام وهو حاضر فيترتب عليه الجزاء الذي رتبه الشارع على من ترك هذا الواجب ١.\nالمختار: أرى أن مثل هذا الفعل خطأ من فاعله، لأن الأمر في الرخصة منوط - كما قلنا سابقًا- بالسفر، ولا يعطى الشخص صفة السفر حقيقة إلا إذا تحرك فعلًا في طريقه، وكونه عازمًا على السفر لا يصح أن يكون مبررًا للفطر لجواز أن يعدل عن السفر بعد الفجر لسبب من الأسباب، كتحقق الغرض الذي كان سيسافر من أجله، أو وجد مانع منه، كانقطاع الطريق، أو عدم وجود ما يسافر عليه، والأسباب المانعة كثيرة، لذلك كان يجب عليه أن يبيت نية الصوم فإذا ما بدأ سفره كان له حينئذ الأخذ بالرخصة.\nأما الجزاء على هذا الخطأ: فأرى- والله أعلم- أن الرأي الذي يقول بوجوب إمساك بقية اليوم- إن لم يسافر- ثم قضاء هذا اليوم بعد ذلك هو الأنسب لمثل هذا الفعل لأنه متأول فهو معذور لوجود العزم على السفر عنده.\nبدء سريان الرخصة من حيث المكان:\nنقل عن الحسن البصري وعطاء، أن من عزم على السفر فإن له أن يفطر في بيته قبل أن يخرج إلى طريقه، وقد حكي هذا عن أنس ﵁، فقد روى عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة. ثم ركب، قال الترمذي هذا حديث حسن (وقد تقدم هذا الحديث قريبًا وتقدم ما قيل فيه) .\nوقد قال ابن عبد البر- تعليقًا على هذا القول- قول الحسن قول شاذ وليس الفطر لأحد في الحضر، في نظر ولا أثر ٢.\nولكن ابن العربي صحح هذا الرأي ونسبه إلى الإمام أحمد بن حنبل ٣.\nإلا أن الثابت في المغني أن المذهب الحنبلي، يرى مع أكثر الفقهاء، ضرورة مجاوزة البيوت حتى يباح الفطر ٤.\n_________\n١ المجموع ج٦ ص٢١٧، فتح القدير ج٢ ص٣٦٥، شرح الزرقاني على خليل ج٢ ص٢١٢.\n٢ المغني ج٣ ص١١٨، وقوله \"في نظر\" أي اجتهاد أو قياس، \"ولا أثر\" يعني دليل قولي أو فعلي مروي عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه.\n٣ نيل الأوطار ج٤ ص٢٥٦.\n٤ المغني ج٣ ص١١٧.","vol":"57","page":79},{"text":"وسنعرف ما هو الحق إن شاء الله بعد عرض الرأي الثاني وأدلته فيما يلي: يرى أكثر الفقهاء: أن الفطر لمريد السفر لا يجوز إلا إذا فارق بنيان البلدة التي يقيم فيها، وذلك لما يأتي:\nأ- أن الآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: علقت رخصة الفطر على حصول السفر ولا يطلق على الشخص وصف مسافر إلا بعد خروجه من مباني البلدة التي يقيم فيها، فلا يقال لشخص متحرك داخل بلده- راجلًا أو راكبًا- مسافر. بل يطلق عليه هذا الوصف بعد خروجه من البلدة.\nويقوي هذا القول، ما كان يفعله ﷺ في قصر الصلاة- والقصر والفطر صنوان في الرخصة- فقد ثبت أنه ﷺ كان يبدأ القصر من ذي الحليفة ... فقد تقدم في حديث أنس (صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين) ١.\nوهناك رأي ثالث لإسحاق بن راهويه: وهو: أن المسافر له الفطر متى تحرك في بدء سفره، قال إسحاق: إذا وضع رجله في الرحل، فله أن يفطر وحكاه عن أنس بن مالك. وقد تقدم حديث أنس المفيد لذلك قريبا.\nويمكن أن يستدل له بحديث أبي البصرة الغفاري أيضًا حيث طلب غذاءه فأكل بعد أن تحركت به السفينة وهو لا يزال بمرأى من مباني بيوت البلدة. وقد تقدم قريبًا وتقدم بيان ما قيل فيه.\nالمختار: كل من الآراء الثلاثة له مستند قوي من السنة: فحديث بدء قصره ﷺ من ذي الحليفة يؤيد رأي الجمهور في أن الفطر يكون بعد مجاوزة البيوت، والحديث وإن لم يكن نصا في الموضوع إلا أن القصر والفطر يشتركان في أكثر الأحكام. وحديث أنس يقوي وجهة من قال بجواز الفطر قبل الخروج من البيت وهو وإن لم يصرح فيه بذلك، إلا أنه مفهوم من السياق، لأنه مادام قد أكل بعد أن رحلت له دابته، فليس من الجائز أن يكون قد أكل في الطريق وليس في هذا الحديث دليل لإسحاق، لأن أنس قد أكل قبل أن يركب، لكن ما يشهد لإسحاق هو حديث أبى بصرة، لأن فيه: أنه قد أكل بعد أن تحركت به سفينته، وهو على مرأى من البيوت وإذا قيل: بأنه قد أكل بعيد مجاوزة البيوت أي بعد أن جاوزها بقليل- فهذا القول ليس ببعيد- لأن قول الراوي له:\n_________\n١ صحيح مسلم ج٢ ص١٤٤.","vol":"57","page":80},{"text":"ألست ترى البيوت، يفهم منه، أن الأكل قد حدث قبل مجاوزة البيوت أو بعدها بقليل بحيث لم تغب البيوت عن نظرهما.\nوعلى ذلك فليس هناك ما يمنع من حدوث الفطر في البيت لمريد السفر بشرط أن يكون ذلك بعد أن ينتهي من الاستعداد له وإن كان الأحوط أن يكون ذلك بعد مجاوزة البيوت. والله أعلم.\nانقطاع الرخصة بإجماع المسافر الإقامة أثناء سفره:\nاتفق أهل العلم على أن المسافر إذا عزم على الإقامة في مكان ما أثناء سفره فإن حكم الرخصة ينتهي في حقه ويصير مقيمًا ويجب عليه الصوم إلا أنهم اختلفوا في تقدير المدة التي يصير بها المسافر مقيمًا، وفيما يلي بيان موجز بأهم الآراء ووجهة كل منها.\nا- يرى ابن حزم: أن من أجمع إقامة يوم واحد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وجب عليه أن يبيت نية الصوم.\nووجهته في ذلك: أن المسلم يلزم بالفطر إذا كان على سفر، ومتى نوى الإقامة المدة المذكورة، فيعتبر مقيمًا ويلزم بالصوم، لكن إن أفطر عامدًا، فقد أخطأ، إن كان جاهلًا متأولًا، وعصى: إن كان عالمًا، ولا قضاء عليه- أي في الحالين- لأنه مقيم صحيح، ظن أنه مسافر ١.\nولم يذكر ابن حزم مستندا لتحديده الإقامة بهذه المدة، كما لم يذكر سبب اختياره لهذا التحديد بالذات.\nويظهر أن الجمهور يحددون المدة بأربعة أيام كما هو الحال في قصر الصلاة في السفر وقد نص البعض على ذلك ٢ على حين لم يشر إليه كثير منهم، والسكوت عن كثير من أحكام رخصة الفطر اتكالًا على ورودها في القصر؟ أمر جرى عليه أكثر الفقهاء، وقد نبهنا إلى أشياء منه.\nوالعلة في تحديد الجمهور المدة بأربعة أيام، واعتبارها مدة إقامة تنهي رخصة الفطر، هي أن النبي ﷺ سمح للمهاجرين بالبقاء في مكة بعد انتهاء النسك ثلاثة أيام، وقد أخرج البيهقي من حديث العلاء بن الحضرمي أن رسول الله ﷺ قال: \"يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا\" كما أخرجه النسائي وأبي داود\n_________\n١ المحلى ج٦ ص٣٩١.\n٢ شرح الزرقاني على خليل ج٢ ص٢١٣.","vol":"57","page":81},{"text":"في سننهما. وقد أورده مسلم بعدة ألفاظ وفي بعضها زيادة من العلاء الحضرمي: يقول في هذه الرواية \"سمعت رسول الله ﷺ يقول للمهاجر إقامة ثلاثة أيام بعد الصدر بمكة. كأنه يقول: لا يزيد عليها\" ١.\nكما أنهم يحتجون بما فعله عمر ﵁ حينما حدد لليهود والنصارى والمجوس ثلاثة أيام إذا قدموا المدينة بقصد التجارة: فقد أخرج البيهقي عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ أن عمر \"ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاث ليال يتسوقون بها ويقضون حوائجهم ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث\" ٢.\nوقالوا إن تحديد النبي ﷺ البقاء للمهاجرين ثلاثة أيام بمكة ثم اقتداء عمر بن الخطاب بتحديده ثلاثة أيام لغير المسلمين، يشير إلى أن البقاء أكثر من ثلاثة أيام يزيل حكم السفر. ويصير الشخص مقيمًا وأقل ما يتحقق به هذا الوصف هو البقاء أربعة أيام. ونقل مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني: أن سعيد بن المسيب يقول: من أجمع على إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة ٣.\nقال مالك- تعليقا على قول سعيد بن المسيب-: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا ٤.\nويناقش هذا الاستدلال: بأن تحديد الرسول ﷺ للمهاجرين ثلاثة أيام للبقاء في مكة لا يتعين حمله على أن الثلاثة لا تقطع حكم السفر وأن ما زاد عليها يزيل حكمه، إذ من الجائز أن تكون الثلاثة أيام لازمة لتسوقهم وشراء ما يحتاجون إليه من زاد أو هدايا أو غير ذلك.\nلكن يجاب على ذلك، بأن هذه الأشياء لازمة للمهاجر وغيره، فتخصيص المهاجر بهذا التحديد لابد فيه من حكمة، وهذه الحكمة تتمثل في أن المهاجرين ممنوعون من الإقامة في مكة، فتحديد الرسول ﷺ لهم ثلاثة أيام للبقاء يفهم منه أن البقاء أكثر من ذلك يقطع حكم السفر ويدخلهم في نطاق المنع وهذا هو ما يظهر من حكمة التحديد أو هو أقوى الاحتمالات الواردة عليه. والله أعلم.\nوما قيل في تحديد الرسول ﷺ للمهاجرين: يقال أيضًا في تحديد عمر ﵁ لغير المسلمين بالبقاء ثلاثة أيام بالمدينة.\n_________\n١- صحيح مسلم ج٢ ص١٠٨.\n٢ السنن الكبرى ج٣ ص١٤٨.\n٣ السنن الكبرى ج٣ ص١٤٨.\n٤ السنن الكبرى ج٣ ص١٤٨، بداية المجتهد ج١ ص١٢٣، تحفة الأحوذي ج٣ ص١١٣-١١٤..","vol":"57","page":82},{"text":"وذهب أبو حنيفة والثوري إلى تحديد المدة بخمسة عشر يومًا ونقل هذا عن ابن عمر ﵄ وقد استدل هذا الفريق بقول ابن عباس \"أن رسول الله ﷺ أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين\" ١.\nوقد نقل عن الحافظ ابن حجر تصحيحه لهذا الحديث وتوثيقه لرجاله عند النسائي ٢.\nويناقش هذا الاستدلال بأن هذا التحديد الوارد في الحديث لم يكن مقصودًا وإنما كان ذلك أمرًا اتفاقيًا - فقد مكث ﷺ هذه المدة حتى يطمئن إلى استقرار الأحوال في مكة عام الفتح: وكانت المدة التي استلزمها هذا الأمر هو خمسة عشر يومًا كما في هذا الحديث أو زيادة على هذه المدة كما في أحاديث أخر.\nوذهب إسحاق بن راهويه إلى تحديد هذه المدة بتسعة عشر يومًا، لحديث ابن عباس: سافر رسول الله ﷺ سفرًا فصلى تسعة عشر يومًا ركعتين ركعتين. قال ابن عباس فنحن نصلي فيما بيننا وبين تسع عشرة ركعتين ركعتين فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعًا \"قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح\" ٣.\nوهذا التحديد بتسعة عشر يومًا في الواقع هو اختيار من ابن عباس ﵁ وإلا فما جاء عن النبي ﷺ لا يفيد هذا التحديد لأن الظروف هي التي استدعت إقامته ﷺ هذه المدة بمكة فكان يقصر الصلاة فيها، مع العلم بأن هذا الحديث هو إحدى الروايات الكثيرة الواردة في هذا الموضوع فإلى جانب رواية الخمس عشرة التي تمسك بها أبو حنيفة، ومن معه، ورواية تسع عشرة التي تمسك بها إسحاق، هناك رواية ثالثة بسبع عشرة عند أبي داود وعن ابن عباس كذلك، ورواية رابعة عن عمران ابن حصين (شهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمانية عشر ليلة لا يصلي إلا ركعتين) ٤. وبالجملة: فإن عنصر القصد غير واضح في هذا الحديث والتحديد الوارد فيه، هو أمر اتفاقي، أي أنه حادثة عين وكما قيل: فإن حوادث الأعيان لا يستدل بها على عموم الأحكام.\nوذهب مجد الدين بن تيمية صاحب منتقى الأخبار إلى تحديد المدة بعشرة أيام- أو بأحد عشر يومًا- المستفادة من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ غزا غزوة\n_________\n١ النسائي ج٣ ص١٢١، إحياء التراث.\n٢ تحفة الأحوذي ج٣ ص١١٣.\n٣ سنن الترمذي مطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي ج٣ ص١١٥.\n٤ سنن أبي داود ج٤ ص٩٦-٩٧-٩٨-٩٩.","vol":"57","page":83},{"text":"الفتح في رمضان وصام حتى إذا بلغ الكديد، الماء الذي بين قديد وعسفان، فلم يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر١.\nقال مجد الدين تعقيبا على هذا الحديث، ووجه الحجة منه: أن الفتح كان لعشر بقين من رمضان هكذا جاء في حديث متفق عليه٢.\nوقد أوضح الشوكاني كيفية الاستدلال بهذا الحديث كما يلي:\nالأصل في المقيم ألا يفطر لزوال مشقة السفر عنه إلا لدليل يدل على جوازه وقد دل الدليل على أن من كان مقيمًا ببلد وفي عزمه السفر يفطر مثل المدة التي أفطرها ﷺ بمكة وهي عشرة أيام أو أحد عشر على اختلاف الروايات فيقتصر على ذلك ولا يجوز الزيادة إلا بدليل٣.\nوما قيل في التعقيب على الاستدلال الذي قال به كل من أبي حنيفة وإسحاق يقال هنا: أي أن التحديد الوارد في هذا الحديث لم يكن مقصودًا وإنما حدث اتفاقا وذلك أن رسول الله ﷺ- حسبما جاء في هذه الرواية- أن وصل إلى مكة في اليوم التاسع عشر من رمضان وظل في مكة بقية الشهر ليرتب أمورها بعد الفتح، من تعيين حاكم لها وتسليم أصحاب وظائف الكعبة وظائفهم وغير ذلك مما يحتاج إليه في مثل هذه الحالة وقد استغرق ذلك زمنًا، منه هذه المدة الباقية من رمضان.\nوالسؤال الذي يطرح نفسه الآن، لو كان ﷺ دخل مكة قبل هذا التاريخ، أي في اليوم العاشر مثلا من رمضان؟ فهل كان سيستمر مفطرًا إلى نهاية الشهر أم كان سيقطع الرخصة ويصوم بعد انتهاء مدة العشرة أيام أو الأحد عشر؟.\nوأرى- والله أعلم- أن هذا الحديث يستدل به على أن الإنسان إذا نزل بمكان ما لأمر ما وفي نيته العزم على استمرار السفر ولا يدرى متى تنتهي مهمته من هذا المكان حتى يواصل سفره- فإن مثل هذا يستمر على فطره ولو قضى الشهر كله في هذا المكان.\nوموضع الشاهد من الحديث على هذا أن الرسول ﷺ كان في نيته فتح مكة والعودة إلى المدينة ولم يكن في نيته العزم على الإقامة مدة محددة بل كانت إقامته مرهونة باستقرار الأحوال في مكة فمتى استقرت الأحوال وعادت الأمور إلى طبيعتها غادر مكة إلى المدينة أو إلى مكان آخر.\n_________\n١ منتقى الأخبار جـ ٤ ص ٢٥٧ مع نيل الأوطار.\n٢ منتقى الأخبار المطبوع مع شرحه نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٥٧.\n٣ نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٥٧.","vol":"57","page":84},{"text":"ويقوي ذلك أننا لم نجد في هذا الحديث ولا في أي حديث آخر من الأحاديث الواردة التي اطلعنا عليها في هذا الموضوع قرينة يفهم منها أن الرسول ﷺ صرح أو ألمح إلى عزمه على الإقامة مدة محددة في مكة في هذه الغزوة، بل بالعكس كانت هناك قرائن يستفاد منها أن الرسول ﷺ كان ينوي الخروج من مكة- بعد استقرار الأحوال فيها- في أقرب فرصة.\nمن هذه القرائن، إزالة ما كان يجول في خواطر كثير من الأنصار بل وقد صرح بعضهم به من أن الرسول ﷺ سيستقر في مكة بين أهله وعشيرته بعد أن فتحها الله عليه.\nومنها: إزالة الهواجس من نفوس البقية الباقية من المكيين على شركهم والذين لا يزالون يعتقدون، أن محمدًا ﷺ إنما يريد أن يكون ملكًا عليهم، ثم من خلالهم على بقية العرب- فرحيله بسرعة عنهم بعد أن يسلم بعضهم مقاليد مدينتهم من شأنه أن يبدد هذه الهواجس ويفتح بدلًا منها نوافذ للتفكير في أمر الدعوة والداعي يصل بهم إلى الإيمان بالله تعالى وبرسوله ﷺ.\nومنها: تلك الأنباء التي كانت ترد تباعًا عن هوازن وثقيف وعزمها على حرب رسول الله ﷺ فكانت الحكمة تقضي بالخروج إليهم بسرعة قبل أن يستكملوا عددهم وعدتهم.\nوهكذا نجد القرائن تفيد أن إقامة رسول الله ﷺ بمكة مدة محددة لم تكن واردة وإنما كانت الظروف تنبئ بأنه سيغادرها في أول فرصة تسنح له. وعلى ذلك فمهما أقام فهو في سفر ولو أقام شهورًا، وقد قال الترمذي في سننه \"أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون\"١.\nوأخرج البيهقي عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة ٢.\nكما أخرج أيضا عن نافع عن ابن عمر أنه قال أرتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة، قال ابن عمر وكنا نصلي ركعتين٣.\n_________\n١-سنن الترمذي المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي جـ ٣ ص ١١٤.\n٢ السنن الكبرى جـ٣ ص ١٥٢.\n٣ السنن الكبرىجـ٣ ص ١٥٢.","vol":"57","page":85},{"text":"كما أخرج عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال خرجت مع أبي وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري عام أدرج - هكذا- فوقع الوجع بالشام فأقمنا بالسرغ خمسين ليلة ودخل علينا رمضان فصام المسور وعبد الرحمن بن الأسود وأفطر سعد بن أبي وقاص وأبى أن يصوم، فقلت لسعد يا أبا إسحاق أنت صاحب رسول الله ﷺ وشهدت بدرًا والمسور يصوم وعبد الرحمن وأنت تفطر، قال سعد: إني أنا أفقه منهم ١.\nالمختار: الواقع أن مجال الاختيار هنا صعب وخصوصًا بين رأي الجمهور الذي يحدد المدة بأربعة أيام وبين اختيار مجد الدين بن تيمية صاحب منتقى الأخبار، بتحديد المدة بعشرة أيام أو أحد عشر.\nوعنصر الصعوبة في أن رأي الجمهور يستند إلى دليل فيه عنصر القصد لكنه بعيد عن مجال موضع النزاع وإن كان فيه رابط يربط بين الأمرين وهو أن كلا الأمرين وارد في السفر. وكلا الأمرين يتعلق بالإقامة.\nأما بالنسبة لدليل ابن تيمية، فهو وارد في السفر وفي الصوم الواجب وفي الإقامة الطارئة أثناء السفر لكن ليس فيه عنصر القصد إلى التحديد وإن كان هو أقرب الأمرين إلى السنة. لذا كان هو المختار. إلا أني أرى أن الأحوط هو تبييت نية الصوم لمن أجمع إقامة أربعة أيام.\nمن نوى الصيام في السفر هل يباح له الفطر أثناء النهار؟\nوبمعنى آخر من ترك العمل برخصة الفطر وعزم على الصيام من طلوع الفجر فهل يباح له نقض هذه النية والإفطار في بعض أجزاء النهار:\nلبيان ذلك نقول:\nإذا أخذ المسلم بالعزيمة وصام من بداية سفره أو من بعض مراحل الطريق ثم بدا له في يوم ما وهو صائم أن يفطر في أثناء النهار، فقد أجاز له الشافعي وأحمد الإفطار بلا أدنى حرج عليه. وعليه أن يقضي هذا اليوم بيوم آخر بعد انتهاء السفر٢ وذلك أخذًا بحديث ابن عباس المتقدم \"سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهارًا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة\".\n_________\n١-السنن الكبرى جـ٣ ص١٥٢، السرغ بوادي تبوك.\n٢ المغني ص ١١٨، والمجموع جـ ٦ ص ٢١٤.","vol":"57","page":86},{"text":"ووجه الاستدلال من الحديث واضح، فرسول الله ﷺ ابتدأ يومه صائمًا ثم أفطر في أثناء نهار ذلك اليوم وقد جاء في بعض الأحاديث المتقدمة أن ذلك كان بعد العصر.\nوقال الحنفية: لا يجوز له الفطر ابتداء ولكن لو أفطر، فلا كفارة عليه لأن السبب المبيح- من حديث الصورة- وهو السفر قائم فأورث شبهة، وبها تندفع الكفارة.\nوقد أجابوا عن فطره ﷺ في اليوم الذي كان صائمًا فيه والذي أشرنا إليه في حديث ابن عباس السابق، بأن الجائز أن يكون ﷺ علم من نفسه بلغ الجهد الشديد من الصيام في هذا اليوم، إلى الحد الذي إذا وصل إليه الصائم المقيم أبيح له الفطر١.\nوهذا تأويل بعيد لأن بعض الروايات تفيد أنه ﷺ طلب من أصحابه الفطر على أن يستمر هو صائمًا وقال: \" إني أيسركم إني راكب، فلما أبوا نزل وشرب ما كان يريد أن يشرب\". وقد تقدم هذا الحديث بكامله، وهو واضح في رده على تأويل علماء الحنفية لمدلول حديث ابن عباس.\nأما المالكية: فقد حكى الزرقاني، وجوب الكفارة على من نوى الصيام في يوم سفره، ثم أفطر بعد ذلك في نفس اليوم.\nوحكى ابن يونس في المسألة قولان، أحدهما بوجوب الكفارة، والآخر بوجوب القضاء فقط.\nووجه من أوجب الكفارة، أن المسافر كان مخيرًا في الصوم والفطر، فلما اختار الصوم وترك الرخصة، صار من أهل الصيام، وعلى ذلك فيجب عليه ما يجب على أهل الصيام من الكفارة٢.\nوقد استدل الحنفية والمالكية، بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (سورة محمد الآية رقم ٣٣) فالمسلم الذي اختار أن يعمل عملًا من أعمال العبادة وابتدأه بالفعل، فيجب عليه أن يتمه.\nلكنه قد نقل عن ابن عبد البر قوله: من احتج في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك: النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله\n_________\n١ فتح القدير للكمال جـ٢ ص ٣٦٥، ص ٣٦٦.\n٢ شرح عبد الباقي الزرقاني جـ ٢ ص ٢١٤.","vol":"57","page":87},{"text":"وإن كان هذا القول من ابن عبد البر ﵀ ليس بلازم، إذ عموم اللفظ يتناول إبطال العمل بالرياء، كما يتناول إبطاله بنية إلغائه ونقضه، والعبرة بعموم الألفاظ في النصوص التشريعية إلا لقرينة تفيد التخصيص.\nوالمختار من هذه الآراء، هو رأي من يقول بجواز الفطر لمن كان عزم على الصيام من طلع الفجر سواء كان ذلك بعذر أم لا وذلك لأن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو وإن صلح باعتبار عموم اللفظ إلا أن حديث ابن عباس ﵄ يعتبر نصًا خاصًا واردًا في الموضع فيرفع النزاع ويكون مخصصًا للعموم المستفاد من الآية إن قلنا بشموله لمسألة البحث. والله أعلم.\nاحترز من عدوين هلك بهما أكثر الناس:\nصاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله\nومفتون بدنياه ورئاسته١\n_________\n١ نيل الأوطار ٤ ص ٢٩٠.","vol":"57","page":88},{"text":"رُخصَة الِفطر في سَفرَ رمَضَانَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الآثار\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>انتهاء سريان الرخصة:</span>\nتنتهي رخصة الفطر بانقطاع صفة السفر عن المسافر، وذلك بدخوله إلى المكان الذي يجمع الإقامة به مدة تقطع حكم السفر كما بيناها سابقا، إذ كان دخوله إلى هذا المكان قبل طلوع الفجر، فإذا تحقق هذان الشرطان - وهما: نية الإقامة والدخول قبل الفجر - وجب عليه انشاء نية الصوم لليوم الذي يشهد طلوع فجره مقيما وهذا باتفاق اهل العلم، لأنه شهد بعضًا من الشهر صحيحًا مقيمًا وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .\nفإن علم أنه سيدخل إلى محل الإقامة بعد الفجر فلا يجب عليه أن يبيت نية الصوم بل له أن يدخل إلى دار الإقامة بنية الفطر. وهذا أيضًا باتفاق أهل العلم..\nلكن الخلاف بين العلماء فيمن وصل بالفعل إلى دار الإقامة قبل الزوال وكان على نية الفطر، فالمالكية والشافعية، يجيزون له الاستمرار على الفطر بدون كراهة عند المالكية وعلى الأصح عند الشافعية.\nووجه هذا القول: أنه كان وقت إنشاء النية - وهو طلوع الفجر - مسافرًا، وقد عمل بالرخصة التي تبيح له الفطر، وما دام قد انتهى وقت إنشاء النية، فمن حقه أن يستمر على فطره، وله أن يفعل كل ما يفعله المفطر من أكل وجماع وغير ذلك، إلا أن الشافعية استحبوا له ألا يظهر الفطر عند من يجهل عذره حتى لا يهتم ويعاقب ...\nورواية مرجوحة عند أحمد؟ يمنع مثل هذا الشخص من الجماع أثناء فطره هذا..\nأما الحنيفية؟ فقد أوجبوا على من وصل إلى دار إقامته قبل الزوال: أن يمسك بقية يومه؟","vol":"58","page":127},{"text":"ووجهتهم على هذا القول؟ أن هذا الشخص قد انقطعت عنه الرخصة بوصوله إلى دار إقامته في وقت يصح فيه إنشاء نية الصوم وهو ما قبل الزوال، لذلك وجب عليه إنشاء نية الصوم ١.\nمبنى كل من الرأيين:\nاعتبار علماء الحنفية أن وقت إنشاء نية الصوم لا ينتهي بطلوع الفجر بل يستمر إلى ما قبل الزوال؟ إنما يرجع لحديث عائشة ﵂ \" دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال هل عندكم شيء فقلت: لا. قال: فإني صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلت يا رسول الله أهدى لنا حيس، فقال: \"أرينه فلقد أصبحت صائما\" فأكل \"٢.\nلكن الفرق شايع بين إنشاء النية في صوم واجب كرمضان وبين إنشائها في صوم التطوع، فإن النية في صيام رمضان يجب أن تكون من طلوع الفجر وتستمر إلى غروب الشمس قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقر: الآية ١٨٧) . فأوجب تعالى الإمساك للصوم من طلوع الفجر.\nوبما أن صيام رمضان واجب فإن الإمساك من طلوع الفجر فيه واجب..\nوهذا بخلاف صوم التطوع؟ فإنه مبني على المسامحة، فقد سئل مجاهد عن المعنى المراد من حديث عائشة ﵂ فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها رواه مسلم في صحيحه، وقد جاء هذا القول مرفوعًا متصلا بحديث عائشة المتقدم عند النسائي عن طريق مجاهد أيضًا ٣..\nأما القول بأن النية في صيام رمضان لا بد أن تكون من طلوع الفجر فهو يتمشى مع صريح القران الكريم ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ - ومع ما جاء في الحديث الشريف من رواية حفصة ﵂ \" من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له \"٤ قال صاحب التحفة: وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وقال الحاكم في الأربعين: صحيح على شرط الشيخين، وقال في المستدرك: صحيح على شرط البخاري، وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات، وصحح البخاري والنسائي وقفه على ابن عمر.٥\n_________\n١ فتح القدير ج٢ ص ٣٦٥ والمجموع ج ص ٢١٥ شرح الزرقاني على خليل ج ص ٢١٤.\n٢ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٦.\n٣ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٩ والنسائي ج ٤ ص ١٩٣ طبعة احياء التراث ببيروت.\n٤ سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ج ٣ ص ٤٢٦.\n٥ تحفة الأحوذي ج ٣ ص ٤٢٦.","vol":"58","page":128},{"text":"لكن ما قاله صاحب التحفة عن موقف النسائي من هذا الحديث؟ يحتاج إل وقفة: فقد أورد النسائي أربع روايات متصلة مرفوعة عن ابن عمر عن حفصة عن النبي ﷺ، ثم أورد له ست روايات عن ابن عمر عن حفصة، ثم رواية عن حفصة وعائشة برواية ابن شهاب عنهما ثم أورد له روايتين عن ابن عمر١ فلا أدري لماذا اختار أن يعبر عن موقف النسائي من الحديث: بأنه اختار صحة الوقف على ابن عمر مع كل هذه الروايات عن النبي ﷺ وعن حفصة؟\nوقال الترمذي تعليقًا على الحديث السابق، وإنما معنى هذا عند بعض أهل العلم لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر في رمضان، أو في صيام نذر، إذا لم ينوه من الليل لم يجزه ٢.\nلذلك كله أقول: إن المختار: هو رأي هذا الفريق الذي يرى ضرورة إجماع النية على الصيام من طلوع الفجر، فإذا ما وصل المسافر بعد طلوع الفجر إلى دار الإقامة فلا يجب عليه الإمساك بقية يومه، بل له ان يستمر مفطرا حنى انتهاء هذا اليوم الذي وصل فيه، كما أن له إن يفطر على ما شاء مما أحله الله له والله أعلم.\nبيان الآثار المترتبة على الأخذ بهذه الرخصة:\nاتفق أهل العلم على أن المسافر إذا اجتمعت لديه شروط الأخذ بالرخصة - حسب ما بيناه سابقا - وأفطر تبعا، فإنه يجب عليه قضاء الأيام التي أفطر فيها، إلا أنهم اختلفوا في عدد من المسائل المتعلقة بذلك ...\nوفيما يلي بيان بأهم المسائل المختلف فيها وآرائهم حولها ومستند كل رأي، بيان مدى قربه أو بعده من السنة المطهرة. ونعقد لذلك عددًا من المطالب نبدؤها بالمطلب الأول فنقول:\n_________\n١ سنن النسائي ج ٤ ص ١٩٦، ١٩٧، ١٨٩.\n٢ سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ج ٣ ص ٤٢٧.","vol":"58","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>هل يجب التتابع في قضاء كل من الأيام التي أفطرها في سفره</span>\n...\nهل يجب التتابع في قضاء الأيام الني أفطرها في سفره:\nاختلف أهل العلم في وجوب التتابع في قضاء الأيام التي أفطرها المسلم أثناء سفره عملا بالرخصة. على فريقين:","vol":"58","page":129},{"text":"الفريق الأول: يرى وجوب التتابع في القضاء. وقد حكى هذا الرأي، عن ابن عمر وعائشة والحسن البصري وعروة ابن الزبير والنخعي وداود الظاهري..\nوقد نقل عن داود قوله: هو - أي التتابع - واجب غير شرط، بمعنى أن تاركه يأثم لكن مع ذلك يعتد بما صامه شرعا ١..\nوأهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي:\n١- عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \" من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه\" ٢.\nوقد نوقش هذا الاستدلال، بما نقله البيهقي عن يحيى بن معين والنسائي والدارقطني من تضعيفهم لعبد الرحمن بن إبراهيم أحد رجال هذا الحديث ٣..\nوقد رد على هذه المناقشة بما نقل عن بعض أصحاب الحديث من توثيقهم لعبد الرحمن هذا، فقد وثقه البخاري في تاريخه كما وثقه ابن معين. ونقل عن أحمد بن حنبل، أنه قال: لا بأس به، وقال أبو زرعة: لا بأس به أحاديث مستقيمة، وعن الدارقطني، أنه وثقه في هذا الحديث وقال ابن عدي: لم يتبين في حديثه ورواياته حديث منكر فأذكره به، وقال ابن القطان: هو مختلف فيه والحديث من روايته حسن٤. وأخيرًا قال فيه الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ متقن ٥.\n٢- عن عائشة ﵂، قالت: نزلت ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ فسقطت متتابعات ٦..\nفهذا اللفظ (متتابعات) الذي نزل متعلقا بأيام أخر يوضح الحالة التي ينبغي أن يكون عليها قضاء هذه الأيام الأخر وهي: أن يكون القضاء متتابعا..\n_________\n١ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٩. المجموع ج ٦ ص ١٥٨.\n٢ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٩.\n٣ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٩.\n٤ الجوهر النقي ج ٤ ص ٢٥٩ على هامش السنن الكبرى.\n٥ تقريب التهذيب ج ١ ص ٤٧١ دار المعرفة - بيروت.\n٦ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨.","vol":"58","page":130},{"text":"ولكن يناقش هذا الاستدلال بأن السند الذي روى به هذا القول عن عائشة ﵂، وهو عبد الرزاق، عن ابن جريح، عن ابن شهاب، وعن عروة، روى به أيضا تأويل قولها \"سقطت \": بأنها تريد: نسخت. لا يصح له تأويل وغير ذلك.١\nويرد على هذه المناقشة، بأن النسخ قد يكون نسخا للتلاوة مع بقاء الحكم، وقد يكون النسخ للتلاوة والحكم معا، وليس في هذه الرواية ما يدل على إرادة أحد هذين الأمرين.\n٣- ما روى من قول علي ﵁: من أن \" قضاء رمضان متتابعا\"٢.\nويناقش هذا، بأنه من رواية الحارث الأعور، وهو ضعيف بل وروى عن طريقه أيضًا عن علي ﵁\" أنه كان لا يرى به متفرقا بأسا \" ٣.\n٤- مشابهة القضاء للأداء: أي بما أن الأداء لا يصح الا متتابعا، فالقضاء كذلك، إذ لا فرق بين الأداء والقضاء، كما هو في قضاء الصلاة..\nويناقش هذا الاستدلال، بالفرق بين الأمر الصادر من المشروع بالأداء وبين الأمر الصادر بالقضاء، حيث جاء الأمر بالأداء مقرونا ببيان تحديد الوقت الذي يجب فيه الصيام تحديدا واضحا. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .\nأما الأمر الصادر بالقضاء فقد جاء بصيغة النكرة الواقعة في سياق الإثبات قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . وهذه الأيام الأخر مطلقة.فيجوز القضاء في أي وقت مفرقا أو متتابعا..\nكما أنه يفارق الصلاة؟ لأن الصلاة ملاحظ فيها دائما، في الأداء والقضاء قوله ﷺ: \" صلوا كما رأيتموني أصلي \".\nكما أن الصلاة إذا تركها المرء عددا قليلا من الأوقات كخمس أوقات فأقل فكثير من الفقهاء يوجب الترتيب بينها، أما أكثر من ذلك فلا، وهذا موضع مختلف فيه بين الفقهاء.\n_________\n١ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨.\n٢ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٩.\n٣ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٦٠.","vol":"58","page":131},{"text":"الفريق الثاني:\nنقل عدم وجود التتابع عن عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء، منهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأنس وأبة هريرة والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور.١\nأهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي:\n١- قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .\nوقد أوضحنا وجه الدلالة من هذه الآية قريبا ويتخلص في: أن الله ﷾ قد أمر بقضاء أيام الفطر بسبب المرض والسفر في أيام أخر بعد انتهاء رمضان دون قيد..\nويرد على هذا الاستدلال، بما جاء من قول عائشة - ﵂ - السابق من أن هذه الاية كانت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقط لفظ متتابعات..\nويجاب، بأن السقوط، قد فسر بالنسخ، والنسخ محتمل لنسخ الحكم والتلاوة معا ولنسخ التلاوة دون الحكم، ومعلوم أن الدليل إذا تطرق غليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\nوعل ذلك فبقيت الآية محكمة، وقد فهمها الصحابة على هذا النحو:\nأ – فقد سئل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ عن قضاء رمضان، فقال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه فأحصى العدة واصنع ما شئت ٢..\nب - وسئل معاذ بن جبل ﵁ عن قضاء رمضان، فقال: أحصي العدة وصم كيف شئت. وقد نقل مثل هذا القول وبهذا اللفظ عن ابن محيريز ٣..\nج - وعن ابن عباس ﵄: قال: يقضيه متفرقا، فإن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٤.\nد - وعن أنس بن مالك، أنه كان لا يرى به بأسا ويقول: إنما قال الله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٥ ونقل مثل هذا القول عن ابن عباس ٦..\n_________\n١ المغني ج ٣ ص ١٥٨ والزرقاني علي خليل ج ٢ ص ٢١٥ وفتح القدير ج ٢ص ٣٥٤. والمجموع ج ٦ ص ٣٢٦.\n٢ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨.\n٣ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨ ج ٤ ص ٢٤٤.\n٤ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨ والمصنف ج ٤ ص ٢٤٣.\n٥ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨ والمصنف ج ٤ ص ٢٤٣.\n٦ صحيح البخاري ج ١١ ص ٥٣ مع عمدة القارىء.","vol":"58","page":132},{"text":"قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ ..\nحيث جاء أسلوب المطالبة بالأداء مغاير لأسلوب المطالبة بالقضاء، فالداء قد حدد فيه زمن الصوم تحديدا كاملا، أما في جانب القضاء، فاكتفى في المر به بذكر المماثلة في العدد بين الأيام الي أفطر فيها والأيام التي سيقضيها بدلا عنها، دون أن يحدد وقت معين لقضاء هذه الأيام..\nقد يقال: أن أمر القضاء وان جاء مطلقا في الآية وفإن حديث أبي هريرة قد قيد هذا الاطلاق..\nفيجاب بأن ما قيل في سند هذا الحديث حتى مع ترجيح جانب الصحة فيه يجعله غير صالح لتقييد مطلق الكتاب..\nالمختار: هو قول من يرى عدم وجوب التتابع، لأن الأمر في الرخص مبني على التخفيف والمسامحة، ةلأن فهم الصحابة للآية والذي اتضح من استدلالهم بها على عمومها، أقوى من الاحتمالات الواردة في حديث عائشة ﵂ الا أن الأفضل هو التتابع - كما يقول الجمهور - للجمع بين الأدلة من جهة، وللمسارعة في اسقاط الواجب وإبراء الذمة من جهة أخرى.\nوالله أعلم.","vol":"58","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>هل يجوز للمسافر الصوم قضاء لرمضان سابق عليه</span>\n...\nهل يجوز للمسافر الصوم في قضاء لرمضان سابق عليه؟\nيرى ابن حزم للمسافر في شهر رمضان جواز الصيام أثناء سفره قضاء لأيام كانت عليه من رمضان السابق ١..\nوجهة ابن حزم في الجواز:\nيقول ابن حزم: إن الله ﷾: منع المسلم المسافر من صيام رمضان أثناء سفره، ولكن لم يمنعه من أي صيام آخر غير هذا الشهر، سواء كان هذا الصيام - الآخر - نذرا أو تطوعا أو قضاء لرمضان سابق عليه وهذا فلا مانع من صيا رمضان السابق، للمسافر خلال رمضان الذي يسافر فيه ولقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وهذه الأيام الأخر لم يحدد لها وقت فيجوز آداؤها في كل وقت ٢..\n_________\n١ المجموع ج ٦ ص ٢٦٠ المحلى ج ٦ ص ٣٩١.\n٢ المحلى ج ٦ ص ٣٩١.","vol":"58","page":133},{"text":"من يرى عدم الجواز:\nيرى أكثر الفقهاء عدم جواز قضاء رمضان السابق للمسافر خلال سفره في رمضان التالي له. وقد حكى ابن المنذر هذا الرأي عن سعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق وأبي ثور، كما أنه رأى مالك والشافعي وجمهور الفقهاء ١..\nولم يذكر مستند لأصحاب هذا الرأي لكني وجدت أثرا منقولا عن عطاء، في رجل أفطر رمضان ثم أقام ولم يقضه حتى ألقاه رمضان المقبل مسافرا، أيفطر إن شاء، قال نعم، ثم يطعم ثلاثين مسكينا ثلاثين مدا ٢..\nلكن من الواضح: أن عطاء هنا، أجاز الفطر ولكنه لم عن صيامه قضاء عن رمضان السابق، كما يقول المجيز فليس فيه ما يفيد المنع..\nإلا أننا حينما نلاحظ الحكمة من رخصة الفطر للمسافر، وهي تخفيف المعاناة التي يجدها المسافر خلال سفره، ثم نلاحظ أن الأخذ بهذه الرخصة ليس محتما - كما أوضحنا ذلك سابقا - كانت النتيجة: أن من كانت لديه قدرة على تحمل مشقة السفر، أو كانت ظروف سفره تساعد على تخفيف هذه المشقة إلى قدر المحتمل عادة، كان الأولى به، هو صيام الفرض الحاضر اقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه، فقد ثبت مما تقدم أنهم كانوا يصومون خلال شهر رمضان وأن هذا الصيام كان عن رمضان الحاضر الذي يكونون فيه، وأما الادعاء بأنهم كانوا يصومون تطوعا أو نذرا أو قضاء لرمضان سابق عليهم فهي دعوى جاءت على خلاف الأصل وعلى مدعيها إقامة الدليل على إثباتها..\nومجمل القول في هذه المسالة، أن القول بجواز قضاء رمضان السابق للمسافر خلال شهر رمضان التالي له في أثناء سفره فيه، هذا القول قد يتفق مع مذهب ابن حزم الذي يمنع المسافر من الصيام خلال سفره في شهر رمضان..\nأما عند الجمهور الذين يجيزون الفطر والصوم للمسافر خلال شهر رمضان بل ويعتبرون الصيام أفضل لمن قوى عليه - لحديث أبي سعيد المتقدم وغيره مما أسلفنا - فهذا العمل فيه مخالفة عندهم لما كان عليه ﷺ وأصحابه حيث لم يثبت ذلك عن أحد منهم بالرغم من كثرة أسفارهم. كما أن ابن حزم مع كثرة استيعابه وجمعه للسنن والآثار لم يستطع ايراد سنة واحدة أو أثر واحد يدلل به على ما ذهب إليه، كل ما في المر أنه بنى على رأيه في هذه المسألة على الأصل الذي تثبت به من قبل وهو حرمة الصيام على المسافر\n_________\n١ المجموع ج ٦ ص ٣٣٧، شرح الرزقاني على مختصر خليل ج ٢ ص ٢١٥.\n٢ المصنف ج ٤ ص ٢٤١.","vol":"58","page":134},{"text":"خلال شهر رمضان. ولما وجد كثرة النصوص التي تثبت صيام النبي ﷺ وصيام أصحابه، قام بثنى عنان كل هذه النصوص،على أن الصيام الثابت فيها لم يكن عن رمضان الحاضر، بل كان عن غيره، من نذر أو تطوع أو قضائه لرمضان السابق وهكذا. غفر الله لنا وله..","vol":"58","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>هل يجب الإطعام على من فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر</span>؟\nأكثر أهل العلم على أن المسافر الذي أخذ بالرخصة فأفطر في سفره خلال شهر رمضان - كله أو بعضه - ثم استمر في سفره - أو شغل عنه بمرض ونحوه من الأعذار القاهرة - حتى أدركه رمضان الثاني، فإنه لا يجب عليه الإطعام وإنما يلزمه بعد انتهاء سفره أو الشفاء من مرضه أن يقضي رمضان السابق ثم التالي له بالترتيب.\nوقد نقل هذا الرأي عن طاوس والحسن البصري والنخعي وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي ومالك وإسحاق وأحمد وأبي حنيفة والمزني ودواد ...\nوقد اختار هذا الرأي البيهقي واستدل له بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١..\nوقد حكى عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة، أن مثل هذا الشخص: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر ويفي عن الغائب بإطعام كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه ٢.\nولم أجد مستندا لهذا القول. وعموم قوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يرد عليه: إذ عموم الآية يوجب القضاء في أيام أخر ولم يعين وقتًا لهذه الأيام الأخر فهي تشمل العمر كله ...\nأما من أقام بعد انتهاء سفره ولم يقض الأيام التي أفطرها خلال سفره حتى أدركه رمضان الآخر، فجمهور الفقهاء على أنه يجب عليه حينما يقضي هذه الأيام - من رمضان السابق - أن يطعم مع كل يوم مسكينا وقد قال بذلك: ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبي رباح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي ومالك والثوري وأحمد وإسحاق إلا أن الثوري: قال بوجوب مدين عن كل يوم. وقد نقلت بذلك نصوص كثيرة من الصحابة والتابعين في المصنف والسنن الكبرى ٣..\n_________\n١ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٣. المجموع ج ٦ ص ٣٣٦ والمصنف ج ٤ ص ٢٣٤ ص ٢٣٦. الزرقاني على مختصر خليل ج ٢ ص ٢١٦.\n٢ المجموع ج ٦ ص ٣٣٦. والمصنف ج ٤ ص ٢٣٥.\n٣ المجموع ج ٦ ص ٣٣٦. الزرقاني عن خليل ج ٢ ص ٢١٦. والمصنف ج ٤ ص ٢٣٤، ٢٣٦، ٢٣٧. والسنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٣.","vol":"58","page":135},{"text":"والحكمة من قول وجوب الإطعام؟ أن مثل هذا الشخص يعتبر مفرطا في القضاء في الأيام التي يجب عليه القضاء فيها والتي تنتهي بنهاية شهر شعبان التالي له أو هي ما بين الرمضانين، لذلك استحق أن يجازي بإطعام كل يوم مسكينا مع القضاء بالصيام ...\nويرى الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة والمزني وداود: أن عليه القضاء بالصيام فقط ولا فدية عليه ١.. وقد نقل عن داود قوله في هذا الصدد: من أوجب الفدية على كل من أخر ليس معه حجة من كتاب ولا سنة ولا إجماع ٢.\nوهو كما قال: إلا أنه يقال أيضًا: أن من نفى وجوب الفدية عليه ليس له مستند من كتاب أو سنة أو إجماع؟.\nأما العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فهو يفيد جواز القضاء في أي أيام أخر قبل رمضان التالي أو بعده ليس إلا. أما الطعام فهو أمر زائد على القضاء فلا تثنيه الآية ولا تنفيه..\nوإذا تساوى القولان من هذه الناحية؟ فإنه ينظر إلى الآثار المروية عن الصحابة ﵃، إذ هم قريبو العهد بالتنزيل وأدرى بمواقع النصوص. فقد روى البيهقي بسنده إلى ابن عباس ﵄ في رجل أدركه رمضان وعليه رمضان آخر؟ قال يصوم هذا ويطعم عن ذاك كل يوم مسكينا ويقضيه..\nكما روى أيضا بسنده إلى أبي هريرة: أنه قال: في رجل تتابع عليه رمضانان ففرط فيما بينهما، يصوم الذي حضر ويقضي الآخر ويطعم لكل يوم مسكينا ٣...\nوالواقع أن الموقف الذي اتخذه جمهور الفقهاء هنا بالتفرقة بين شخصين: أحدهما شغل عن القضاء بالسفر أو المرض حتى أدركه رمضان الآخر فجعلوه معذورا يكتفي منه بالقضاء فقط. والآخر الذي كانت لديه فسحة من الوقت ولم ينتهزها وفرط في القضاء ولم يهتم بالإسراع لأداء الواجب الذي شغلت به ذمته حتى وافاه رمضان الآخر، فأوجبه عليه الإطعام مع القضاء لرمضان الأول. هذا الموقف يتفق مع النصوص الشرعية ولا يتعارض معها، وهو وإن لم يكن فيه نص صريح في الموضوع لكن نصوص الشريعة متوافرة في التفرقة بين المحسن\n_________\n١ صحيح البخاري ج ١١ ص ٥٤ مع عمدة القارىء. المجموع ج ٦ ص ٣٣٦. فتح القدير ج ٢ ص ٣٥٤. السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٣.\n٢ الجوهر النقي مع السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٢.\n٣ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٣.","vol":"58","page":136},{"text":"والمسىء وقد قال ﷺ فيمن منع زكاة ماله: \" إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ﷿ ...\" الحديث١.\n_________\n١ سنن أبي داود مطبوعة مع شرحها عون المعبود ج ٤ ص ٤٥٣ والسنن الكبرى ج ٤ ص ١٠٤..","vol":"58","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الحكم فيمن شغل عن القضاء حتى مات</span>\nمن سافر وأخذ بالرخصة فأفطر ولم يقض ما عليه حنى مات: له حالتان:\nالحالة الأول: من اتصل عذره بالموت:\nالمسافر الذي أخذ بالرخصة فأفطر واستمر في سفره حتى مات أو عاد من سفره ولكن لم تتح له الفرصة للقضاء فاستمر مشغولا بالمرض أو غيره حتى مات، فيرى أهل العلم بما يشبه الاجماع، أنه لا شئ عليه ولا يصام عنه ولا يطعم، لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: الآية ٢٨٦) .\nكما أنه شبيه بالحج، فمن لم يستطع أداء الحج من وقت بلوغه حتى مات فلا شيء عليه١.وقد نقل عن طاوس وقتادة، أنه يطعم عن كل يوم مسكين لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهرم.\nولكن رد عليهما، بأن الشيخ الهرم عامر الذمة بخلاف الميت الذي تنتهى ذمته بالموت عند أكثر الفقهاء، كما أن الشيخ الهرم من أهل العبادات بخلاف الميت الذي تنقطع أهليته بالموت٢.\nالحالة الثانية: من فرط بترك القضاء حتى مات:\nإذا عاد المسافر من سفره صحيحا واستمر كذلك ولم يحدث له مانع يمنعه من القضاء حتى أدركه الموت، فقد قال عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء، أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدٌّ من طعام من غالب قوت البلد. وممن قال بذلك، ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبو عبيد وابن علية والخزرجى ومالك وأبو حنيفة وأحمد والثوري والليث والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه.\n_________\n١ المجموع ج ٦ ص ٣٤١، ٣٤٣، والزرقاني على مختصر خليل ج ٢ ص ٢١٦.\n٢ المجموع ج ٦ ص ٣٤٣.","vol":"58","page":137},{"text":"إلا أن الحنفية يشترطون أن يوصى بالإطعام عنه قبل موته ولم يشترط باقي الأئمة ذلك، لأن الإطعام عنه يعتبر عبادة والعبادة لا بد فيها من النية، ولذلك يخرج الإطعام عنه من ثلث ماله ١.\nأما بقية الفقهاء فيعتبرونه من الحقوق المالية المتعلقة بديون العباد فلذا جازت فيها النيابة.\nوقد حكى ابن المنذر عن ابن عباس والثوري، أنه يطعم عنه عن كل يوم مُدان ٢.\nوقد احتج لهذا الفريق الذي يرى الإطعام على من فرط حتى مات بما يلي:\n١- عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في الذي يموت وعليه رمضان ولم يقض: قال: \"يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر \"٣.\nقال البيهقي - بعد سرده لهذا الحديث - هذا خطأ من وجهين:\nأحدهما: رفعه الحديث للنبي ﷺ وإنما هو من قول ابن عمر.\nوالآخر: قوله نصف صاع وإنما قال ابن عمر: مدا من حطة ٤.\nوقد نقل النووي كلام البيهقي هذا واحتج به٥.\nلكن صاحب الجوهر النقي تعقب كلام في تضعيف هذا الحديث وقال: إن البيهقي فهم: أن محمدا، الذي روى عنه أشعث هو ابن أبي ليلى. وكذا صرح به الترمذي. وقد أخرج ابن ماجه هذا الحديث في سننه بسند صحيح عن أشعث عن محمد بن سيرين عن نافع عن ابن عمر مرفوعا. ثم قال: فإن صح هذا فقد تابع ابن سيرين ابن أبي ليلى، فلقائل: أن يمنع الدعوى بوقف هذا الحديث على ابن عمر رضي الله عنهما٦.\nورواية ابن ماجة التي أشار إليها صاحب الجوهر النقي، جاءت بلفظ: \" من مات وعليه شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين \" ٧.\n_________\n١ فتح القدير للكمال ج ٢ ص ٣٥٨.\n٢ المجموع ج ٦ ص ٣٤٣، والزرقاني على مختصر خليل ج ٢ ص ٢١٦، والسنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٤.\n٣ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٠٤. وسنن الترمذي، ولفظه عنده: من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا ج ٣ ص ٤٠٥ مع شرحه تحفة الأحوذي.\n٤ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٤.\n٥ المجموع ج ٤ ص ٢٥٤.\n٦ الجوهر النقي على السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٦٥٤.\n٧ سنن ابن ماجه ج ١ ص ٥٣٤.","vol":"58","page":138},{"text":"وقد نقل السندي تعليقا للمزي في الأطراف جاء فيه: قوله - يشير إلى ابن ماجه - عن محمد بن سيرين: وهم، فإن الترمذي: رواه ولم ينسبه ثم قال الترمذي. وهو عندي محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى ١.\nولا أدري هل المزي هو الواهم في نسبته ابن ماجه إلى الوهم، حيث اعتمد على تصريح الترمذي، بأن روايته للحديث عن طريق محمد بن عبد الرحمن ن فاعتبر أن كل طرقه تدور عليه وأن من روى خلاف ذلك، يعتبر واهما.\nوقد يكون الأمر على خلاف ذلك، بأن يكون ابن ماجه رواه عن طريق محمد بن سيرين، فيكون متابعا، وقد قال ابن ماجه قد وهم في نسبته إلى محمد بن سيرين. والله أعلم بالصواب.\n٢- عن عبادة بن نسى ﵁ قال النبي ﷺ:\" من مرض في رمضان فلم يزل مريضا حتى مات لم يطعم عنه وان صح فلم يقضه حتى مات أطعم عنه \"٢.\nهذا الحديث في سنده ابن أرطأة وهو مدلس، فلا يصلح للاحتجاج به.\n٣- عن ابن عباس ﵄ بسند صحيح قال في الرجل المريض في رمضان فلا يزال مريضا حتى يموت، قال: ليس عليه شىء فإن صح فلم يصم حتى مات أطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة٣.\n٤- روى الإطعام بسند صحيح عن عمر بن الخطاب والزهري والحسن والنخعي وعطاء٤.\nأن الشخص المفرط في القضاء حتى مات مثله مثل الشيخ الفاني الذي عجز عن الصيام في آخر عمره فإنه يجب في حقه الإطعام ويسقط عنه الصوم وإنما جازت المماثلة هنا\n_________\n١ حاشية السندي على ابن ماجة ج ١ ص ٥٣٤. وسنن الترمذي ج ٣ ص ٤٠٧ مع شرحه تحفة الأحوذي.\n٢ المصنف ج ٤ ص ٢٣٧.\n٣ المصنف ج ٤ ص ٢٣٧.\n٤ المصنف ج ٤ ص ٢٣٧، ٢٣٩","vol":"58","page":139},{"text":"لأن قضاء الصيام عن التراخي باتفاق أكثر الفقهاء ما عدا داود. الا أن بعضهم يوجب الفدية في حالة التفريط وبعضهم لا يوجبها١.\nمقدار الفدية:\nالفدية عند أبي حنيفة والثوري - ونقل أيضا عن ابن عباس -: مدان من البر أو أربعة من الشعير أو التمر ٢.\nأما الفدية عند أكثر الفقهاء، فهي مد من الطعام من غالب قوت أهل البلد، وسواء كان التأخير لعام أو لعامين، وهناك وجه عند الشافعية، أنه يجب دفع مُدَّيْنِ عن كل يوم، اذا كان قد مضى عليه رمضانان، وصححه المتاخرون منهم ٣.\nأما الفرق الثاني: فيرى: أن من فرط في قضاء الصيام، فإنه يصام عنه سواء قام بذلك وليه عنه أو استأجر من يصوم عنه أو قام أجنبي بالصيام عنه من تلقاء نفسه.\nوقد قال بذلك: طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور وداود، وهو قول الشافعي في مذهبه القديم، وهو أصح القولين عنه عند محققي الشافعية ٤.\nوقد استدل لهذا الفريق بما يلي:\n١- حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ: \" من مات وعليه صيام، صام عنه وليه \" ٥.\nوقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث بما روى عن عمارة بن عمير عن امرأة عن عائشة في امرأة ماتت وعليها الصوم، قالت: يطعم عنها وروى عنها من وجه آخر عن عائشة أنها قالت: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم٦.\nوقد أجاب البيهقي، بأن ما ذكر لا يوجب ضعفا في الحديث، فمن يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه، وفيما روى عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر٧.\n_________\n١ فتح القدير ج ٢ ص ٣٥٤.\n٢ فتح القدير ج ٢ ص ٣٥٧.\n٣ المجموع ج ٦ ص ٣٤٢.\n٤ المغني ج ٣ ص ١٥٢. المجموع ج ٦ ص ٣٤٣. السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٥. المصنف ج ٤ ص ٢٣٩.\n٥ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٥. صحيح البخاري ج ١١ ص ٥٨ مع شرحه عمدة القارىء.\n٦ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧.\n٧ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧.","vol":"58","page":140},{"text":"وقد عقب صاحب الجوهر على دعوى البيهقي في قوله: وفيما روى عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر، فقال قد صح ذلك عنها، ثم ذكر ما جاء عند أبي جعفر الطحاوي بسنده إلى عمرة بنت عبد الرحمن قالت: قلت لعائشة أن أمي توفيت وعليها صيام رمضان أيصلح أن أقضي عنها، فقالت: لا ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك، ثم قال: هذا سند صحيح١.\nوقد قال بعض أهل العلم إذا أفتى الصحابي بغير ما روى عن رسول الله ﷺ فالعبرة بروايته لا بفتواه. وعلى ذلك فإرشاد عائشة ﵂ إلى الإطعام بدلا عن الصيام أو نهيها عن الصيام وأمرها بالإطعام لا يؤثر على صحة الحديث. وعلى قوة الاحتجاج به.\n٢- عن ابن عباس ﵄ قال: \" جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها، فقال: \"لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها\". قال: نعم. قال: \"فدين الله أحق أن يقضى \" ٢.\nوفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ أيضا: \" أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فقال: \"أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه؟ \" قالت: نعم. قال: \"فدين الله أحق بالقضاء \" ٣.\nوقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث، بما رواه عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه ٤.\nوبما رواه البيهقي بسنده إلى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ابن عباس في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر نذر. وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس ورواية أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في صيام شهر رمضان أطعم عنه وفي النذر قضى عنه وليه.\n_________\n١ الجوهر النقي ج ٤ ص ٢٥٧ على السنن الكبرى. ومشكل الآثار للطحاوي ج ٣ ص ٤٢ طبعة الهند.\n٢ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٦. صحيح البخاري مع شرحه عمدة القارىء ج ١١ ص ٦١.\n٣ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٥ وأشار إليه البخاري ج ١١ ص ٦٤ مع شرحه عمدة القرىء إلاأنه قد جاء في هده الرواية عند البخاري وفي السنن الكبر بلفظ \"وعليها صوم نذر \" السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦ والبخاري ج١١ ص ٦٤ مع شرحه عمدة القارىء.\n٤ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧.","vol":"58","page":141},{"text":"ثم قال البيهقي: وفي نسبة ذلك إلى ابن عباس نظر١.\nوقد أجاب صاحب الجوهر، على تشكك البيهقي حول نسبة الإطعام إلى ابن عباس بدلا من الصيام، بما رواه النسائي في سننه.. عن عطاء عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة. ثم قال: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين خلا ابن عبد الأعلى فإنه على شرط مسلم٢.\nومن جهة أخرى، فإن الشافعي، قد اعتذر عن العمل بحديث ابن عباس الوارد في القضاء بالصيام عن الميت، وقال: إنه أشبه ألا يكون محفوظا. وذلك لأن الزهري قد حدث عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ: نذرا ولم يسمه ٣. مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس.فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس يغير ما في حديث عبيد الله، أشبه ألا يكون محفوظا، فإن قيل أتعرف الذي جاء بهذا الحديث يغلط عن ابن عباس وقيل نعم٤..\nفقد أجيب عن ذلك بأن الظاهر تعدد القصة، أي أن القصة التي سئل فيها ﷺ عن الصوم تصريحا، غير قصة سعد بن عبادة التي سأل فيها عن المنذر مطلقا.ويتأيد ذلك بحديث عائشة في الصحيحين والذي أوردنا في صدر أدلة هذا الفريق.\n٣- عن بريدة قال: بينا أنا جالس عند النبي ﷺ إذ أتته امرأة، فقالت: يا رسول الله: إني تصدقت على أبي بجارية، وأنها ماتت. فقال: \"وجب أجرك وردها عليك بالميراث\". قالت: يا رسول الله، انه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: \"صومي عنها \". قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: \"حجي عنها \" ٥.\n٤- عن ابن عباس ﵄: \" أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا فنجاها الله ﷾، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها \" ورجاله رجال الصحيح٦.\n_________\n١ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧.\n٢ الجوهر النقي ج ٤ ص ٢٥٧ على السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٧، ومشكل الآثار للطحاوي ج ٣ ص ١٤١.\n٣ يشير بذلك إلى حديث ابن عباس \" إن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر. فقال: \"اقضه عنها \". السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦.\n٤ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦. الام ج ٢ ص ٩٠ طبعة الشعب.\n٥ صحيح مسلم ج ٣ ص ١٥٦.\n٦ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦، ومشكل الآثار للطحاوي ج ٣ ص ١٤٠ طبعة الهند.","vol":"58","page":142},{"text":"أما الفريق الثالث: فيرى أن من مات وعليه صيام وقد فرط فيه، فإنه يصام عنه النذر ويطعم عن صيام رمضان.\nوقد قال بهذا الرأي: أحمد وإسحاق ونقل عن ابن عباس١.\nومن أهم الأدلة استند إليها هذا الفريق:\n١- ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من مات وعيه صيام صام عنه وليه\" وقد أشرنا من قبل إلى أنه مروى في الصحيحين. إلا أن موضع الشاهد هنا: أن أبا داود بعد أن ذكر هذا الحديث في سننه عقبه بقوله: هذا في النذر وهو قول أحمد بن حنبل٢.\nوهذا القول منه، تخصيص لعموم الحديث حتى يتفق مدلوله مع الأدلة الأخرى التي نص فيها على أن الميت إن كان عليه صيام نذر صام عنه وليه والأصل في النصوص الشرعية العامة أنها تبقى على عمومها حنى تقوم قرينة تفيد التخصيص.\n٢- عن ابن عباس ﵄ قال: \"جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها، فقال: \"لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ \" قال: نعم. قال: \"فدين الله أحق أن يقضى\" وقد أشرنا من قبل إلى أن هذه الرواية متفق عليها بين الشيخين بنفس اللفظ.\nأما رواية ابن عباس الثانية \" أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. فقال: \"أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟ \" قالت: نعم. قال: \"فدين الله أحق بالقضاء \".\nوهذه الرواية جاءت في صحيح مسلم بهذا اللفظ إلا أنها عند البخاري - تعليقا - إن أمي ماتت وعليها صوم نذر\"٣ وفي السنن الكبرى للبيهقي: عن ابن عباس: أن سعد بن\n_________\n١ المغني ج ٣ ص ١٥٢. والمجموع ج ٦ ص ٣٤٣. والسنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٥.\n٢ سنن أبي داود ج ٧ ص ٤٠، ٤١ مع شرحه عون المعبود.\n٣ صحيح البخاري ج ١١ ص ٦٤ مع شرحه عمدة القارىء.","vol":"58","page":143},{"text":"عبادة استفتى رسول الله ﷺ، فقال: أن أمي ماتت وعليها نذر، فقال النبي ﷺ: \" اقضه عنها \" ١. والشاهد هنا، أن رواية البخاري، جاءت مبينة لنوع الصوم الذي كان يسأل عنه: وقد أمر بقضائه، وهو صوم النذر أي أن هذه الرواية بينت الإجمال الموجود في الرواية الأولى عند كل من البخاري ومسلم وأيضا الرواية عند مسلم.\n٣- عن ابن عباس ﵄ قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح \"ولم يصم\" أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر (وإن نذر نذرا) (وإن كان عليه نذر) قضى عنه وليه ٢ وقد أشرنا من قبل إلى هذا القول المنسوب إلى ابن عباس وإلى أن هذا النقل صحيح عنه، وأوضح أنه موقوف عليه.\nالمختار: هو رأي الفريق الثالث: الذي يرى، أن من مات وعليه صيام من رمضان فإنه يطعم عنه. أما ان كان عليه صيام نذر فإنه يقضيه عنه وليه، وذلك لأنه رواية البخاري التي نص فيها على النذر وكذلك الرواية التي أخرجها البيهقي في قصة سعد بن عبادة وهي صريحة في السؤال عن صيام النذر، ثم ما روى ابن عباس وعائشة في هذا السبيل كل ذلك يعتبر مبينا للإجمال الموجود في حديث بريدة، كما أنه بهذا الرأي يمكن الجمع بين كل الدلة الواردة في الموضوع، والجمع بين الدلة والعمل بها كلها أولى من العمل ببعضها وإهدار بعضها الآخر. كما أنه بهذا القول، يمكن تفادي ما يترتب على القول الثاني: من دخول النيابة في صيام شهر رمضان وهو عبادة بدنية محضة واجبة من الشارع بخلاف النذر فقد أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين الذي استدانه والدين تدخله النيابة. ولهذا قال ابن القيم عن هذا الأي: وهذا أعدل القوال وعليه يدل كلام الصحابة وبهذا يزول الإشكال ٣. والله أعلم.\n_________\n١ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٦.\n٢ سنن أبي داود مع شرحها عون المعبود ج ٧ ص ٣٦.\n٣ من تعليقه على سنن أبي داود ج ٧ ص ٣٧ مع شرحها عون المعبود.","vol":"58","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>النتائج</span>\n١- لكل مسافر حق الأخذ برخصة الفطر في السفر سواء شهد بداية الشهر مقيما أو حاضرا.\n٢-مقدار المسافة التي تتحقق بها رخصة الفطر هي أربعة برد وتقدر الآن بأربعة وثمانين كيلو مترا.","vol":"58","page":144},{"text":"٣-الفطر في السفر رخصة يجوز الأخذ بها ويجوز تركها والصيام عملا بالعزيمة.\n٤-الأفضل الفطر لمن يشق عليه الصيام أما من لم يشق عليه فالأفضل في حقه الصيام.\n٥-تتحقق رخصة الفطر في كل سفر إلا سفر المعصية ما لم يتب المسافر منها فإن تاب تحققت في حقه.\n٦-يبدأ العمل بالرخصة متى تحقق وصف السفر بالشخص مريد السفر، فمن حقه الفطر قبيل تحركه من دار إقامته إذا كان قد أخذ أهبته للسفر وان كان الأحوط أن يتم ذلك بعد مغادرة البيوت.\n٧-من أجمع على إقامة عشرة أيام وجب عليه تبييت نية الصوم وإن كان الأحوط تبييت هذه النية لمن أجمع على إقامة أربعة أيام.\n٨-من أخذ بالعزيمة وصام في سفره، فله حق الفطر أخذ بالرخصة في أي وقت شاء.\n٩-تنتهي الرخصة إذا وصل المسافر إلى دار إقامته قبيل طلوع الفجر حيث يجب عليه إنشاء نية الصوم فإن وصل بعد طلوع الفجر فإنه يستمر على فطره إلى نهاية اليوم.\n١٠-من أخذ بالرخصة وافطر فإنه يجب عليه القضاء فيما بين رمضان الذي سافر فيه إلى رمضان التالي سواء كان القضاء مفرقا أو متتابعا وان كان القضاء متتابعا أفضل.\n١١-من أخذ بالرخصة وأفطر في سفره فلا يحق له الصيام بنية القضاء عن أيام سابقة عليه من رمضان الفائت.\n١٢-من شغل عن قضاء ما عليه من رمضان حتى وافاه رمضان التالي، فإنه يقضيه بعد انتهاء رمضان الحاضر ولا فدية عليه أما من لم يشغل عن القضاء وفرط فيه حتى وافاه رمضان التالي له فإنه يلزم بالفدية مع كل يوم يقضيه عن رمضان السابق.\n١٣-من شغل عن القضاء حنى مات فإن اتصل عذره بالموت فلا شئ عليه ومن فرط في القضاء فإن كان عليه صيام نذر صام عنه وليه وان كان عن رمضان أطعم عنه عن كل يوم مد من طعام.","vol":"58","page":145}]}