{"ً":{"ٌ":23078,"ٍ":"قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى","َ":2,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى\nالمؤلف: محمد عبد المقصود جاب الله\nالناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد من المجلة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1824,"ٕ":24,"ٖ":1770155762,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["49","52","53"],"ٚ":[{"title":"مدخل","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة الغزوة","level":1,"page":3},{"title":"سبب الغزوة، ووصف المعركة، وفضل الله على المسلمين فيها","level":1,"page":9},{"title":"رابعا: أسباب النصر وعوامله","level":1,"page":24},{"title":"مدخل","level":2,"page":24},{"title":"أولا: الثبات عند لقاء العدو","level":2,"page":26},{"title":"ثانيا: الإكثار من ذكر الله","level":2,"page":28},{"title":"ثالثا: طاعة الله ورسوله","level":2,"page":29},{"title":"رابعا: اتقاء النزاع","level":2,"page":30},{"title":"خامسا: الصبر عند لقاء العدو","level":2,"page":31},{"title":"سابعا: اتقاء البطر والرياء","level":2,"page":32},{"title":"سابعا: التوكل على الله","level":2,"page":33},{"title":"خامسا: الأسرى وموقف الرسول منهم","level":1,"page":34},{"title":"خامسا: الأسرى وموقف الرسول منهم","level":2,"page":34},{"title":"سادسا: الخاتمة","level":1,"page":35},{"title":"الخاتمة","level":2,"page":35}],"ٛ":{"49,201":1,"49,202":2,"49,203":3,"49,204":4,"49,205":5,"49,206":6,"49,207":7,"49,208":8,"49,209":10,"49,210":11,"52,154":12,"52,155":13,"52,156":14,"52,157":15,"52,158":16,"52,159":17,"52,160":18,"52,161":19,"52,162":20,"52,163":21,"52,164":22,"52,165":23,"53,182":24,"53,183":25,"53,184":27,"53,185":32,"53,188":35,"53,189":36},"ٜ":{"49":[201,210],"52":[154,165],"53":[182,189]},"ٝ":["49,201","49,202","49,203","49,204","49,205","49,206","49,207","49,208","49,208","49,209","49,210","52,154","52,155","52,156","52,157","52,158","52,159","52,160","52,161","52,162","52,163","52,164","52,165","53,182","53,183","53,183","53,184","53,184","53,184","53,184","53,184","53,185","53,185","53,185","53,188","53,189"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"9":[3],"24":[4,5],"26":[6],"28":[7],"29":[8],"30":[9],"31":[10],"32":[11],"33":[12],"34":[13,14],"35":[15,16]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مدخل</span>\n...\nقوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى\nد/ محمد عبد المقصود جاب الله المدرس في كلية الدعوة بالجامعة\nالحلقة الأولى\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله خير خلق الله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه، ومن اهتدى بهديه وسار على سنته وشريعته إلى يوم الدين.\nوبعد:\nفإن الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها مستنفرة الآن للدفاع عن حقوقها ضد أعدائها الذين يتربصون بها، ويتكالبون عليها تكالب الأكلة على قصاعها.\nولن يدفع هؤلاء الأعداء عنها، ويصدهم عن سبيلها، إلا إعلان الجهاد المقدس، ورفع رايته تلك الدعوة التي وجهها سمو ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير فهد بن عبد العزيز، فكان لها صدى عميق في جميع الأقطار الإسلامية، واستجابت لها بالتأييد والدعم، وباركتها قلوب الملايين من المسلمين.\nولابد من بيان المثل والقدوة في رسول الله ﷺ، وأسلافنا الأوائل في جهادهم وقتالهم لأعدائهم لنترسم طريقهم، ونمشي على منوالهم، وأمثل طريق للإقتداء هو غزوة بدر الكبرى تلك الغزوة التي انتصر فيها المسلمون بقوة عقيدتهم، وتفانيهم في الذود عن الإسلام، والدفاع عن حياضه ضد المشركين، وأعداء الدين.\nهذه الموقعة الفاصلة في تاريخ الإسلام والمسلمين، بل في تاريخ البشرية كلها إلى يوم الدين، هذه الموقعة التي قدر المسلمون أن تكون غايتها غنيمة أموال المشركين، وقدَّر ربُّ العالمين أن تكون فيصلًا بين الحق والباطل، وأن تكون مفرق الطريق في تاريخ الإسلام، ومن ثمَّ تكون مفرق الطريق في خط سير التاريخ الإنساني العام، والتي ظهرت فيها الآماد","vol":"49","page":201},{"text":"البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير، وتدبير ربِّ البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر.\nوالباطل مهما طال أمده، وقريت شوكته، لابد له -على كثرة أنصاره وقوة عوده- من يوم يخر فيه صريعًا أمام روعة الحق، وقوة الإيمان ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد آية ١٧) .\nوليست غزوة بدر الكبرى التي قام بها المسلمون في السنة الثانية من الهجرة وفي رمضان المبارك إلا تطبيقًا عمليًا لهذه السُّنَّة التي وضعها الله ﷾ في صراع الحق للباطل، وهي من السنن التي لا تتبدل ولا تتغير، وليس الحديث عنها حديثًا عن مجرد معركة قامت بين فريقين اختصما على بعير أو قطعة من الأرض، أو على قتل نفس بريئة فانتصر أحدهما على الآخر، وإنما هو حديث كيف يصرع الحقُّ بجلاله الباطل بعدته.\nوالصراع بين الحق والباطل ليس صراع وقت دون وقت، ولا مكان دون مكان، وإنما هو شأن بشريٌّ عام ما دام الإنسان، وما دام في الإنسان إيمان ورحمة، وتقى وصلاح، وفيه كفر وقسوة، وفجور وانحراف.\nوتلك طبيعة الإنسان لم يخلقه الله حين خلقه إلا كان من جنده قوى الخير تدفعه إلى الإيمان وإلى الكفاح في سبيله، وكان من جنده قوى الشر تدفعه إلى الطغيان وإلى الكفاح في سبيله قال الله ﷾: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس آية ٧-١٠) .\nوقال ﷾: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان آية ٢-٣) وسأتناول الحديث عنها في النقاط الآتية:\n١- مقدمة الغزوة.\n٢- سبب الغزوة ووصف المعركة وفضل الله على المسلمين فيها.\n٣- تسجيل لمواقف الخزي والعار بالنسبة لقريش ورجالها.\n٤- أسباب النصر وعوامله.\n٥- الأسرى وموقف الرسول ﷺ منهم.\n٦- الخاتمة.","vol":"49","page":202},{"text":"أولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-2> مقدمة الغزوة:</span>\nمكث النبي ﷺ بضع عشرة سنة ينذر بالدعوة من غير قتال صابرًا على شدة إيذاء العرب بمكة المكرمة واليهود بالمدينة المنورة، فكان يأتيه أصحابه ما بين مضروب ومجروح. يشكون إليه حالهم، ويطلبون منه السماح لرد العدوان بالمثل، فيقول لهم النبي ﷺ: \"اصبروا لأنيِّ لم أومر بالقتال\"، حتى أن بعض أصحابه قتل من جراء العذاب، منهم سمية أم عمار بن ياسر، وزوجها ياسر، عذَّبهما المغيرة على إسلامهما ليرجعا عنه وماتا تحت العذاب١.\nثم تطورت الأحداث بعد ذلك، وتفنن المشركون في إيذاء المسلمين حتى أجمعوا أمرهم على قتل النبي ﷺ فلما علم بقصدهم هاجر إلى المدينة المنورة، حيث استقبله أهلها بالترحاب وبايعوه على الإسلام.\nولم يكتف المشركون بمحاولتهم قتل النبي صلى اله عليه وسلم، بل ألبوا عليه القبائل الجاهلية لإبطال دعوته والقضاء عليها.\nومنع المستضعفون من المسلمين من الهجرة إلى المدينة فرارًا بدينهم وانضمامًا إلى إخوانهم. فكان أمام هذه المحاولات أن أذن للنبي ﷺ بالقتال من قبل الله ﷾.\nوإذا أمعنا النظر في النصوص القرآنية التي أمر الرسول فيها بالقتال رأيناها تعترف بأن الحرب وسيلة لدفع العدوان. اعترفت بها لأن طبيعة البشر كثيرًا ما تقتضي إلى التنازع والبغي، والاعتداء على الحريات.\nوإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله ﷾: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج آية ٣٩-٤٠) .\nففي هاتين الآيتين إذنٌ بالقتال، وتعليل له بما مني به المسلمون من الظلم والاعتداء، وما أكرهوا عليه من الإخراج من الديار والأوطان بغير حق، ويقول الله ﷾: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ\n_________\n١ سيرة ابن هشام القسم الأول ص ٣٢٠ الطبعة الثانية مطبعة الحلبي ١٣٧٥-١٩٥٥.","vol":"49","page":203},{"text":"يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء آية ٧٥) .\nيلفت الله ﷾ إلى أن الحرب في الإسلام ليست للتحكم في الرقاب ولإذلال العباد، بل هي في سبيل الله، وفي سبيل المستضعفين من المؤمنين الساكنين في مكة، الذين استذلوا ومنعوا من الهجرة ليفتنوهم عن دينهم.\nفالإسلام في جهادٍ دائم لا ينقطع أبدًا لتحيقيق كلمة الله في الأرض ولرفع الظلم عن الأفراد والجماعات في أقطار الأرض.\nومكة التي أكره الرسول ﷺ على الهجرة منها فرارًا بدينه، والتي ترك المسلمون فيها أموالهم وديارهم، تَعْتَمِد في معيشتها على التجارة. وعمل قريش الأول هو التجارة مع الشام، وطريق التجارة إلى الشام محفوف بالخطر، فالمسلمون في طريقه، ولقد أدرك الرسول ﷺ أهمية القضاء على قوة العدو الاقتصادية ووضعها في المقام الأول، لأن القضاء عليها قضاءً على القوة العسكرية. واهتمام الرسول ﵊ بذلك يظهر من الغزوات الأولى والسرايا التي بعث بها الرسول ﵊ قبل بدر، فقد كان هدفه الأول منها القضاء على تجارة قريش ومنع قوافلها من الخروج إلى الشام.\nونحن في عصرنا هذا نسمع عن الحرب الاقتصادية والحصار الاقتصادي وهما ذات السلاح الذي استخدمه الرسول ﷺ.\nوكانت هذه الغزوات والسرايا التي قام الرسول -ﷺ- بنفسه بقيادة بعضها، بمثابة الاستكشاف والاستطلاع لمعرفة قوة عدوه، والوقوف على ما يدبره القرشيون من المكايد له ﷺ، وللمسلمين في المدينة.... ولقد ظن الكثيرون أن الرسول ﵊ كان يهدف بتلك السرايا والغزوات إلى جر قريش إلى الحرب.\nوالواقع أن الرسول ﷺ كان يرمي إلى غرضين نبيلين هما:\n١- رغبته في أن تشعر قريش أن المسلمين في المدينة المنورة قوة، وأن في استطاعتهم قطع طريق القوافل إلى الشام وأن هذا معناه ضرورة إعادة النظر في موقف قريش من محمد ﷺ ورجاله، وأن على قريش أن تفكر جدِّيًا في أن مصلحتها تقتضي التفاهم مع المسلمين، فتكفل لهم حرية الدعوة إلى الدين في نظير سلامة تجارتهم وقوافلهم.","vol":"49","page":204},{"text":"وكان هذا بمثابة إنذار لقريش وبيان عقبى طيشها، فقد حاربت الإسلام ولا تزال تحاربه، ونكلت بالمسلمين في مكة ثم ظلت ماضية في غيِّها لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين الله، ولا تسمح لهذا الدين أن يجد قرارًا في بقعة أخرى من الأرض.\nفأحب الرسول ﷺ أن يشعر زعماء مكة بأن هذه الخطة الجائرة ستلحقُ الأضرار الفادحة بهم، وأنه قد مضى إلى غير عودة ذلك العصر الذي يعتدون فيه على المؤمنين، وهم بمأمن من القصاص، لأن المؤمنين قد تخلصوا من ضعفهم القديم. ذلك الضعف الذي مكن قريشًا من مصادرة حرياتهم، واغتصاب دورهم وأموالهم.\nومن حق المسلمين أن يُعْنَوا بهذه المظاهرات العسكرية على ضآلة شأنها، فإن المتربصين بالإسلام كثروا ولن يصدهم عن النيل منهم إلا الخوف وحده.\nوهذا تفسير قوله ﷾: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال آية ٦٠) .\nوهذا ما عرفته الجيوش الحديثة باسم المناورات العسكرية، والاستعراضات التي تقوم بها بين الحين والحين.\n٢- والغرض الثاني رغبته ﷺ في أن يعقد الصلح والمعاهدات مع القبائل التي تقطن بجوار المدينة، وسيظهر ذلك في خلال الحديث عن هذه السرايا والغزوات التي سأكتفي بذكر بعضها ...\n١- في صفر من السنة الثانية من الهجرة خرج الرسول ﷺ بنفسه بعد أن جمع جموعه من المهاجرين دون الأنصار بعد أن علم أن تجارة لقريش ستمر بطريق الشام، ومضى بجيشه حتى بلغ ودَّان١.\nإلا أن عير قريش كانت قد مرت من قبله، فلم يحدث اشتباك، وصالح بني ضمرة وحالفها، وكان بينه وبينها كتاب جاء فيه \"بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة بأنهم آمنوا على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصرة على من رامهم إلا أن يحاربوا في دين الله ما بل بحر صوفة، وأن النبي ﷺ إذا دعاهم إلى لنصره أجابوه. عليهم بذلك ذمة الله، وذمة رسوله\".\n_________\n١ ودّان: قرية جامعة من أمهات القرى من عمل الفرع، وقيل: واد على الطريق يقطعه المصعدون من حجاج المدينة.","vol":"49","page":205},{"text":"وكانت هذه الغزوة أول غزوة للرسول ﷺ غاب فيها عن المدينة خمس عشرة ليلة١.\n٢- وفي العام الثاني من الهجرة وفي شهر رجب بعث الرسول ﷺ عبد الله بن جحشً الأسدي، ومعه جماعة من المهاجرين. وقال الرسول ﷺ عند ما بعثه على رأس السرية: \"لأبعثن إليكم رجلا أصبركم على الجوع والعطش\" وأطلق عليه الرسول ﷺ لقب أمير المؤمنين، فكان أول من تسمى به في الإسلام. ودفع إليه بكتاب وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين من مسيره، فإذا نظر فيه ووعى ما كلفه الرسول به، مضى في تنفيذه غير مستكرهٍ أحدًا من أصحابه.\nفسار عبد الله ثم قرأ الكتاب بعد يومين فإذا فيه: امض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشًا وتعلم لنا أخبارهم.\nفقال عبد الله: \"سماع وطاعة\" وأطلع أصحابه على كتاب الرسول ﷺ قائلًا: إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق معي، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله ﷺ. فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد، إلاَّ أن سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان ذهبا يبحثان عن بعير كانا يعقبانه وكان قد ندَّ فأسرتهما قريش ...\nومضى عبد الله برفاقه حتى نزل أرض نخلة. فمرت عير قريش، فهاجهما عبد الله ومن معه، فقتل في هذه المعركة عمرو بن الخضرمي، وأسر اثنان من المشركين، وعاد عبد الله إلى المدينة ومعه العير والأسيران.\nوهكذا عرف الرسول ﷺ أن السَّرِّية فيها النصر والغلبةُ على الأعداء.\nوقد وقع هذا القتال في آخر شهر رجب أي في الشهر الحرام، فلما قدم عبد الله وأصحابه على رسول الله ﷺ قال: \"ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام\" ووقف التصرف في العير والأسيرين، ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله وكثر في ذلك القيل والقال حتى نزل الوحي حاسمًا هذه الأقاويل، ومؤيدًا مسلك عبد الله تجاه المشركين٢.\n_________\n١ السيرة لابن هشام القسم الأول ص ٥٩١، أبو الفداء ٣/ ٢٤٣، فتح الباري ٧/ ٢٧٩.\n٢ السيرة لابن هشام ١/ ٦٠١-٦٠٥، أبو الفداء ٣/ ٢٤٨-٢٥٢، فتح الباري ٧/٢٨٠.","vol":"49","page":206},{"text":"فقال ﷾: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة آية ٢١٧) .\nوبنزول هذه الآية سعد المسلمون وأمر الرسول ﷺ قضاء عبد الله في الغنيمة، وقبض على الأسيرين وهما عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فبعثت قريش تطلب فداءهما فقال الرسول ﷺ: \"لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا فإنا نخشاكم عليهما -يعني سعدا وعتبة- فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم\".\nوقدم سعد وعتبة، فسلم النبي ﵊ الأسيرين، وأعلن أحدهما وهو الحكم بن كيسان إسلامه وبقي بالمدينة، ومات شهيدًا في مؤتة. أما عثمان بن عبد الله فقد عاد إلى مكة ومات بها كافرًا.\nوهذه الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسلمين لا مساغ لها فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة الإسلام واضطهاد أهله فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرة وشناعة.\nألم يكن المسلمين مقيمين بالبلد الحرام حين قرر المشركون قتل نبيهم وسلب أموالهم. لكن بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقصها هدم القوانين والدساتير جميعًا.\nولقد زكَّى القرآن عمل عبد الله وصحبه ﵁ فقد نفذوا أوامر الرسول بأمانة وشجاعة، وتوغلوا في أرض العدوِّ مسافاتٍ شاسعة متعرضين للقتل في سيبل الله، متطوعين لذلك من غير إكراه أو حرج فكيف يجزون على هذا بالتقريع والتخويف.\nكيف وقد قال الله ﷾ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢١٨) .\nوالمستشرقون الأوربيون ينظرون إلى هذه السرايا كأنها ضرب من قطع الطريق، وهذه النظرية صورة للحقد الذي يعمي عن الحقائق، ويتيح للهوى أن يتكلم، ويحكم كيف شاء، وهذا الاستشراق المغرض يذكرنا بما حدث عند قمع الإنجليز لثورة الأهلين في إفريقيا الوسطى \"كينيا\" وهم يطلبون الحرية لوطنهم ويحاولون إجلاء الأجانب عنه. إذ قال جندي","vol":"49","page":207},{"text":"إنجليزي لآخر -يصف هؤلاء الإفريقيين- إنهم وحوش تصور أن أحدهم عضني وأنا أقتله١.\nإن هذه الأضحوكة صورة من تفكير المستشرقين في إنصاف أهل مكة والنَّعي على الإسلام وأهله ...\nولقد حققت هذه السرايا أهدافها ووصلت إلى غرضها -ولم يكن ذلك إلا بقوة الإيمان وثبات العقيدة.\n_________\n١ فقه السيرة ص ٢٢٥.","vol":"49","page":208},{"text":"ثانيا:<span data-type=\"title\" id=toc-3> سبب الغزوة، ووصف المعركة، وفضل الله على المسلمين فيها:</span>\nكان الرسول ﵊ يرمي إلى القضاء على اقتصاديات قريش كما بينت، وكان يرى في ذلك إضعافًا لقوتها العسكرية. وكان قد علم بخروج قافلة كبيرة لقريش قيل أنها جمعت جميع أموالها حتى أنه لم يبق بمكة قرشي ولا قريشة يملك مثقالًا فصاعدًا إلا بعث به في تلك القافلة ...\nوقدرت أموالها بخمسين ألف دينار، وحملت تجارتها على ألف بعير يقودها أبو سفيان ومعه سبعة وعشرون رجلًا وفي رواية أخرى تسعة وثلاثون منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، ورأى الرسول ﷺ أن القضاء على هذه القافلة فيه هدم لاقتصاديات قريش بالإضافة إلى إضعاف مركزها العسكري، وما ينتج عن ذلك من زيادة قوة المسلمين، ورفع روحهم المعنوية.\nوبهذا سار الرسول ﷺ إلى العشيرة. إلا أن القافلة كانت قد مرت فرأى ﵊ أن ينتظر عودتها، وبعث الرسول ﵊ طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد ينتظران عودة القافلة فنزل على كشد الجهني بالحوراء، وأقاما عنده في خباء حتى مرت العير، فأسرعا إلى الرسول ﷺ يفيضان إليه بأمرها، وما رأيا منها.\nولم ينتظر الرسول ﷺ عودة رسوليه إلى الحوراء، فقد كان يخشى أن تفوته في عودتها كما فاتته في ذهابها إلى الشام.","vol":"49","page":208},{"text":"ولهذا دعا المسلمين وقال لهم: \"هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعلَّ الله ينفلكموها\" ١.\nولم يعزم الرسول ﷺ على أحد بالخروج، ولم يستحث متخلفًا فخف بعضهم وثقل بعضهم٢.\nثم سار الرسول ﷺ بمن أمكنه الخروج، وكان الذين صحبوا الرسول هذه المرة يحسبون أن مضيهم في هذا الوجه لن يعدوَ ما ألفوا في السرايا الماضية، ولم يدر بخلد واحد منهم أنه مقبل على يوم من أخطر أيام الإسلام، ولو علموا لاتخذوا أهبتهم كاملة، ولتسابقوا في الخروج ولم يبق منهم أحد ...\nوكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، فعلم من بعض الركبان أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك.\nواستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى أهل مكة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو مسرعًا إلى مكة٣.\nوخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، وكان عددهم ٣١٣ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، ثلاثة وسبعين من المهاجرين، ومائتان وأربعون من الأنصار وكان خروجهم من المدينة في رمضان، وجعل عمرو بن أم مكتوم ليصلي بالناس، واستعمل عليها أبا لبابة الأنصاري، وارتفعت أمام المسلمين رايتان سوداوان وكانت إبلهم سبعين بعيرًا يتبادلون ركوبها، كل ثلاثة أو أربعة يتعاقبون بعيرًا، وكان حظ الرسول ﷺ كحظ سائر أصحابه فكان هو وعلي، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يتعاقبون بعيرًا، وكان رفيقا الرسول ﷺ يدعوانه ليركب ويقولان له: \"اركب حتى نمشي معك\" فكان يرفض منهما هذه الدعوة ويقول: \"ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما\" ٤ ولم يقبل أن يتميز عليهما.\n_________\n١ السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٠٧.\n٢ فتح الباري ٧/ ٢٨٥-٢٨٦، ابن هشام ١/ ٦٠٧، أبو الفداء ٣/ ٢٥٦.\n٣ المصدر السابق، أبو الفداء ٣/ ٢٥٧.\n٤ أبو الفداء ٣/ ٢٦١.","vol":"49","page":209},{"text":"وأسرع رسول الله ﷺ وصحبه خوفًا من أن يفلت أبو سفيان منهم هذه المرة.\nونزل المسلمون في وادي ذَفْران، وهناك علموا بخروج قريش بأجمعها لتحمي قافلتها في أثناء عودتها.\nوكانت قريش ترى في استيلاء محمد على القافلة هزيمة منكرة لها وتثبيتًا لمركزه وتأكيدًا لصدق دعوته؛ ولهذا قررت أن تحاربه وتناضله، لتحمي قافلتها؛ ولتقضي على قوته فلا يعود ثانية إلى الوقوف في وجه قوافلها.\n(يتبع)","vol":"49","page":210},{"text":"قوة العقيدة سبيل المصر في غزوة بدر الكبرى\n...\nقوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى -٣-\nد. محمد عبد المقصود جاب الله المدرس في كلية الدعوة بالجامعة\nوانطلق سواد مكة وهو يغلي يمتطي الصعب والذلول فكانوا تسعمائة وخمسين مقاتلًا معهم مائتا فرس يقودونها، وسبعمائة بعير ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بشعر فيه ذم للمسلمين.\nوزين الشيطان للمشركين أعمالهم، وأوحى إليهم بأحلام النصر، وماذا على الشيطان لو انهزموا سوى أن يتركهم وخزيهم. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال آية ٤٨) .\nولكن أبا سفيان استطاع أن ينجو من الخطر المحدق به بتعديل سيره عن طريق ساحل البحر تاركا بدرًا إلى يساره، ورأى أبو سفيان أنه أحرز القافلة فأرسل إلى قريش يقول: إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم وقد نجاها الله، فارجعوا.\nفقال أبو جهل: \"والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا\"١.\n_________\n١ أبو الفداء عن ابن إسحاق ٣/٢٦٦، ابن هشام ١/٦١٨-٦١٩.","vol":"52","page":154},{"text":"وهذا الذي عالن به أبو جهل هو ما كان يحاذره الرسول ﷺ فإن دعم مكانة قريش، وامتداد سطوتها في هذه البقاع بعد أن فعلت بالمسلمين ما فعلت يعتبر خطرًا على الإسلام ووقفا لنفوذه؛ لذلك لم يلتفت الرسول ﷺ لفرار القافلة التفاته لضرورة التجوال المسلح في هذه الأنحاء إعلاءً لكلمة الله وتوهينا لكلمة الشرك، وإظهارًا لعبدة الأصنام بمظهر الذي لا يملك نفعا ولا ضرًا.\nومضت قريش في سيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدر.\nوكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا بعد أن قطعوا في مسيرهم مسافة تربو على مائةٍ وستين كيلومترًا (١٦٠) وهكذا اقترب كلا الفريقين من الآخر وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.\nوهبط الليل فأرسل النبي ﷺ عليا، والزبير، وسعدًا يتحسسون الأحوال ويلتمسون الأخبار، فأصابوا غلامين لقريش كانا يَمدّانِهم بالماء. فأتوا بهما وسألوهما- ورسول الله قائم يصلي- فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم الماء، فكره القوم هذا الخبر، ورَجوْا أن يكونا لأبي سفيان- لا تزال في نفوسهم بقايا أمل للاستيلاء على القافلة- فضربوهما ضربا موجعا حتى اضطر الغلامان أن يقولا نحن لأبي سفيان فتركوهما، ولما فرغ الرسول ﵊ من صلاته قال: \"إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما١ صدقا والله إنهما لقريش\" وناقشهما الرسول ﵊ حتى استنتج عدد القوم وهو ما بين التسعمائة والألف وعرف مكانهم، وعرف أن أشراف قريش قد خرجوا جميعا.\nفأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: \"هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها\" ٢ وانكشف وجه الجد في الأمر. إن اللقاء المرتقب سوف يكون مُرً المذاق. لقد أقبلت قريش تخب في خيلائها تريد أن تعمل العمل الذي يرويه القصيد، وتذرع المطايا به البطاح، وتحسم به صراع خمسة عشر عاما مع الإسلام؛ لتنفرد بعدها الوثنية بالحكم النافذ.\n_________\n١ صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/١٢٥، مسند أحمد رقم ٩٤٨، ابن هشام ١/٦١٨،أبو الفداء ٣/٢٦٥.\n٢ ابن هشام١/٦١٨، أبو الفداء ٣/٢٦٥.","vol":"52","page":155},{"text":"ونظر الرسول ﷺ حوله، فوجد أولئك المؤمنين بين مهاجر باع في سبيل الله نفسه وماله، وأنصاري ربط مصيره، وحاضره بهذا الدين الذي افتداه وآوى أصحابه.\nفأحب أن يشعر القوم بحقيقة الموقف، حتى يبصروا على ضوئه ما يفعلون. والمسلمون الذين خرجوا لأمر يسير ما لبثوا أن ألفوا أنفسهم أمام امتحان شاق، تيقظت له مشاعرهم، فشرعوا يقلبون الأمر على عجل، تكاليفه ونتائجه، وثار منطق اليقين القديم فأهاج القوم إلى الخطة الفذة التي لا محيص عنها لمؤمن.\nاستشار رسول الله ﷺ أصحابه فقام أبو بكر ﵁ فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو ﵁ فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك. والله لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون مادامت عين تطرف- فوالذي بعثك بالحق- لو سرت بنا إلى برك الغماد (مدينة بالحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فقال له الرسول: \"خيرا ودعا له\".\nوروي أن الرسول ﷺ ضحك وأشرق وجهه عندما سمع مقالة المقداد وبايعه الناس جميعا فقال الرسول ﷺ: \"أشيروا علَّي أيها الناس؟ \" فقال عمر ﵁: \"يا رسول الله إنها قريش وعزُّها والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك فتأهبْ لذلك أهبته، وأعد لذلك عدته\".\nوأعاد الرسول ﷺ بعد أن فرغ عمر من قوله سؤاله قائلًا: \"أشيروا علي أيها الناس\"؟ ففهم الأنصار أن الرسول ﵊ يقصدهم، فهم كانوا قد بايعوه يوم العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم، ولم يبايعوه على اعتداء يقع خارج مدينتهم، فلما أحسوا أنه يريدهم قام سعد بن معاذ سيد الأوس وقال: \"لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله؟ \" فقال ﵊: \"أجل\" قال سعد ﵁: \"قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاطعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وسالم من شئت، وعادِ من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منَّا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فينا من أمر فامرنا نتّبِع","vol":"52","page":156},{"text":"أمرك. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصُبُرٌ في الحرب صدُق عند اللقاء، لعلّ الله يريك منَّا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى فنحن عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك\".\nفسُرَّ الرسول ﷺ بقول سعد ونشطه، ثم قال: \"سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم\"١.\nولكن هذا الذي قاله المقداد والذي قاله سعد﵄- لم يكن هو مقالة جميع الذين خرجوا من المدينة مع الرسولﷺ.\nفلقد كره بعضهم القتال، وعارض فيه، لأنهم لم يستعدوا لقتال، إنَّما خرجوا لمقابلة الفئة الضعيفة التي تحرس البعير، فلما علموا أن قريشا قد نفرت بخيلها ورجلها وشجعانها، وفرسانها وركبانها، كرهوا لقاءها كراهية شديدة حتى قال أحد الحاضرين: إلى مذبحة تقودنا يا محمد.\nروي عن أبي أيوب الأنصاري﵁- قال: قال رسول الله ﷺ- ونحن بالمدينة-: \"إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها؟ \" فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: \" ما ترون في قتال القوم؟ إنهم أخبروا بخروجكم\"، فقلنا: لا والله مالنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير. ثم قال: \"ما ترون في قتال القوم؟ \" فقلنا: مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: \"إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون \".\nقال: فتمنينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم.\nقال: فأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ ٢ (الأنفال آية ٥) .\nفهذا ما حاك في نفوس فريق من المؤمنين يومئذ وما كرهوا من أجله القتال حتى ليقول عنهم القرآن الكريم: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (الأنفال آية ٦) .\n_________\n١ ابن هشام ١/٦١٤ – ٦١٥،أبو الفداء ٣/ ٢٦٤،فتح الباري٧/٢٨٧.\n٢ فتح الباري ٧/٢٧٨-٢٨٨.","vol":"52","page":157},{"text":"وذلك بعد ما تبين الحق وعلموا أن الله وعدهم إحدى الطائفتين وأنه لم يبق لهم خيار، وأن عليهم أن يلقوا الطائفة التي قدر الله لهم لقاءها كائنة ما كانت. كانت العير أو كانت النفير. كانت الضعيفة التي لا شوك لها. أم كانت القوية ذات الشوكة والمنعة.\nولقد بقي المسلمون يودون أن لو كانت غير ذات الشوكة هي التي كتب الله عليهم لقاءها: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (الأنفال آية٧) ١.\nهذا ما أراده المسلمون لأنفسهم يومذاك. أما ما أراده الله لهم فكان أمرا آخر ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال آية ٧،٨) .\nأراد الله أن تكون ملحمة لا غنيمة وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. نعم أراد الله للفئة المؤمنة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها سلطان وقوة، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد، وليس بالمال والخيل والزاد، وليس بالعدة، وإنما هو بمقدار اتصالها بالقوة الكبرى التي لا تقف لها في الأرض قوة، وأن يكون هذا عن تجربة واقعية لا كلامًا واعتقادا، لتزود الفئة المؤمنة من هذه التجربة لواقعها كله.\nبعد أن استشار النبي ﷺ- أصحابه وعرف مقدار استعدادهم للقاء عدوهم. وجد أنه يجب على المسلمين- مهما كان الثمن- أن يسبقوا إلى آبار بدر فاخذوا في السير حتى وصلوا إِلى أعلى الوادي، وكان الوادي من الجدب بحيث لم يجدوا فيه قطرة ماء- ونَفِدَ ما كان مع المسلمين من الماء، فلما كان الغد بلغ بهم الظمأ حدًا أليمًا من العذاب، وانتهز الشيطان هذه الفرصة فوسوس إليهم: \"انظروا إلى ما قادكم إِليه ذلكم الذي يزعم أنه رسول الله القادر.\nهاهم أولاء الأعداء لا يحصيهم العَدُّ يحيطون بكم، ولا ينتظرون إلا أن تخور قواكم من شدة الظمأ، فليلتهموكم التهام الفريسة السهلة التي لا تجد من يحميها\"، وأخذت وسوسة الشيطان تدور برءوسهم، ومن حسن الحظ أن تعودهم على الظمأ في صيام شهر رمضان قوّى من صبرهم، وفي الوقت الذي بلغت فيه الحرارة أشُدَها، وأرسلت الشمس شعاعها كشواظ من\n_________\n١ أبو الفداء ٣/٢٦٤.","vol":"52","page":158},{"text":"نار وكاد ينفد الصبر، أرسل الله ﷾ إليهم السحب تتوج القمم والآكام، وتفجرت عن الغيث المنعش، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة فجعل الله في ذلك طهورًا وثبت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطار فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام، ولم تمنعهم من السير ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ (الأنفال آية ١١) .\nوعلى العكس كانت هذه العاصفة ضررًا على المشركين فقد أصابهم منها ما أعجزهم ١ عن التحول فقد كانوا في أرض سبخة، وكانت إبلهم تنزلق، وتخر على الأرض وأرجلها الطويلة ممدودة وراءها في صورة تبعث على الضحك، وكانت قوائم الخيل تغوص في الأرض، وتَعْجِزُ عن إخراجها، ويحاول الفارس تخليصها من الأرض فترتمي عليه الفرس. وساد الاضطراب وعمت الفوضى، وعرقل كل ذلك من سيرهم٢.\nوالمدد على هذا النحو مدد مزدوج مادي وروحي فالماء في الصحراء مادة الحياة فضلًا عن أن يكون أداة النصر، والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أن يفقد حياته، والتحرج من أداء الصلاة على غير طهور بالماء لعدم وجود الماء، ولم يكن قد رخص لهم بعد في التيمم، ويدخل الشيطان من باب الإيمان، ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب، والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها.\nوهنا يجيء المدد والنجدة ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ (الأنفال آية،١١) .\nذلك أن فوق ما أوحى الله ﷾ إلى الملائكة؛ ليثبتوا الذين أمنوا فوق وعدهم بإلقاء الرعب في قلوب الكفار.\nوكان النوم قد جافى عيون المؤمنين من شدة الخوف حينما بلغهم أنهم سيقاتلون جيشًا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدًا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة، فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد ويضربون أخماسا في أسداس، ويفكرون فيما سيلاقونه في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس،\n_________\n١ الروض الآنف ٥/٩٧، فقه السيرة ص ٢٣٦، أبو الفداء ٣/٢٦٦.\n٢ الروض الآنف ٥/٩٧، فقه السيرة ص ٢٣٦، أبو الفداء ٣/٢٦٦.","vol":"52","page":159},{"text":"غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه. ولكن محمدًا ﷺ بقي متيقظا مستغرقا في الصلاة ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ.....﴾ (الأنفال آية ١١) .\nوجاءت الساعة التي سيتقرر فيها مصير الإسلام، وكان ذلك يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وكان الحباب بن المنذر مشهورًا بجودة الرأي وإخلاص النصيحة، فخاطب الرسول ﵊ قائلًا: \"يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ \". فقال رسول الله ﷺ: \"لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة\"، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. امض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوِّر (نطمس ونردم) ما وراءه من القلب (الآبار) ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ: \"أشرت بالرأي\" ثم أخذ رسول الله ﷺ ينفذ النصيحة خطوة فخطوة، فلم يجئ نصف الليل١ حتى تحولوا كما رأى الحباب وامتلكوا مواقع الماء.....\nوتحدد بذلك مكان الموقعة، فسيضطَرُّ المشركون بلا شك إلى الحضور، لينازعوا المسلمين على الماء فليس في الوادي غيره.\nوبنى المسلمون عريشا للنبي ﷺ؛ ليجلس فيه بناءً على اقتراح سعد ابن معاذ، وكان رسول الله ﷺ يتفقد الرجال، وينظم الصفوف، ويُسْدِي النصائح، ويذكر بالله والدار الآخرة، ثم يعود إلى العريش الذي هيء له، فيستغرق في الدعاء الخاشع، ويستغيث بأمداد الرحمن.....\nووقف أبو بكر بجوار الرسول ﷺ وهو يكثر الابتهال والتضرع بعد أن شاهد قوة المشركين وكثرة عددهم، وينشد الله ما وعده به، وأخذ يردد \"اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض\".\nوما زال يدعو ربه حتى سقط رداؤه، وجاء أبو بكر يرد الرداء على منكبيه ويقول له: \"يا نبي الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك\" ٢.\n_________\n١ ابن هشام ١/٦٢٠، أبو الفداء ٣/٢٦٧ عن ابن إسحاق.\n٢ أبو الفداء ٣/٢٧٢، ٢٧٥. فتح الباري ٧/٢٧٨، الروض الأنف ٥/٩٨-١٣٠.","vol":"52","page":160},{"text":"والتقى الجمعان، وبدأ الهجوم من قبل المشركين إِذ برز الأسود المخزومي وكان معجبا بقوته، وصرخ بحيث يسمعه المسلمون والمشركون قائلًا: \"وحق اللات والعزى لأشربن من حوضهم أو لأهْدِمَنَّه، أو لأموتن دونه\". وخرج له من صفوف المسلمين حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة ضربةً أطاحت بنصف ساقه، ووقع على ظهره والدم يسيل من رجله، ثم حبا إلى الحوض في مهارة مدهشة، وأسرع نحوه يريد أن يشرب منه، ولكن حمزة أدركه فقضى عليه.\nوخرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد فدعا للمبارزة فخرج له ثلاثة إخوة من الأنصار هم: معوذ ومعاذ وعوف. فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقال لهم: مالنا بكم حاجة نريد قومنا، يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.\nوقيل: إِن الرسول ﷺ نفسه هو الذي استرجع أولئك الأنصار رغبة منه أن تكون عشيرته أول من يواجه العدو في مثل هذا الموقف. فقال: \"قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة بن عبد المطلب، وقم يا علي بن أبي طالب،قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إِذ جاءوا ببطلانهم؛ ليطفئوا نور الله..\".\nفبارز عبيدة عتبة، وحمزة شيبة وعلي الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وكذلك فعل علي مع خصمه، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الآخر فكرَّ حمزة وعلي على عتبة فأجهزا عليه، واحتملا صاحبهما فجاءوا به إِلى رسول الله ﷺ فأفرشه الرسول ﵊ قدمه، فوضع خده على قدمه الشريفة، وقال يا رسول الله: لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله:\nونسلمه حتى نصرع دونه ... ونذهل عن أًبنائنا والحلائل\nفقال له الرسول ﵊: \"أشهد أنك شهيد\" ثم أسلم الروح١.\nبعد هذه المبارزة الفردية التي أثارت العواطف الحربية بين جوانح المحاربين لا يمكن أن يطول انتظار الغزاة، وأخذ الرسول ﷺ يعدل جيشه كتفا بكتف في صفوف متلاصقة كالبنيان المرصوص. وأخذ يكبح شكيمة هؤلاء المتعجلين الذين يريدون أن يتقدموا الجميع إلى القتال فيلاقوا مصرعهم دون فائدة تعود على المسلمين، ومن هؤلاء سواد بن غزيَّة، فقد برز من صفه فضربه رسول الله ﷺ بقدح (سهم) كان في يده\n_________\n١ أبو الفداء ٣/٢٧٩،الروض الأنف ٥/١٠٣، فقه السيرة ص ٢٣٧.","vol":"52","page":161},{"text":"وقال: \"استو يا سواد\". فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فَأقِدْني، فقال رسول الله ﷺ: \"اقتصً مني\" فقال سواد كيف وقد ضربتني على بطني العريان.\n- وهنا يتجلى حرص الرسول ﷺ على إقامة العدل بين أمته، ليبين أنه لا فرق بين حاكم ومحكوم ولا بين الرسول ﷺ وواحد من قومه في ميزان العدل لنأخذ منه ﵊ الأسوة الحسنة:\nفيكشف له الرسول ﷺ عن بطنه ويقول: \"استقد يا سواد\"؟ فاعتنقه سواد فقبل بطنه. فقال ﷺ: \"ما حملك على هذا يا سواد\"؟ فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك\" فدعا له رسول الله بخير ١.\nواستشاط الكفار غضبا للبداية السيئة التي صادفتهم فأمطروا المسلمين وابلًا من سهامهم ثم حمي الوطيس، وتهاوت السيوف وتصايح المسلمون أحد أحدٌ. وأمرهم الرسول ﷺ أن يكسروا هجمات المشركين وهم يرابطون في مواقعهم وقال: \"إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنّبل ولا تحملوا عليهم حتى تؤذنوا\". فلما اتسع نطاق المعركة واقتربت من قمتها كان المسلمون قد استنفدوا جهد أعدائهم وألحقوا بهم خسائر جسيمة. والنبي ﷺ في عريشه يدعو الله ﷾، ويرقب بطولة رجاله وجلدهم قال ابن إسحاق: \"خفق النبي خفقة في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع\" ٢.\nلقد انعقد الغبار فوق رءوس المقاتلين وهم بين كرٍّ وفرٍّ، جند الحق يستبسلون لنصرة الرحمن، وجند الباطل قد ملكهم الغرور، فأغراهم أن يغالبوا القدر.\nفلا عجب إِذا نزلت ملائكة الخير تنفث في قلوب المسلمين روحَ اليقين وتحضهم على الثبات والإقدام.\n_________\n١ أيو الفداء٣/٢٧١،الروض الأنف ٥/١٠٤.\n٢ ابو الفداء ٣/٢٧٦.فقه السيرة ص٢٣٨، الروض الأنف ٥/١٠٥.","vol":"52","page":162},{"text":"ونزل قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال آية ١٣) .\nوخرج رسول اللهﷺ- من مكانه إِلى الناس فحرضهم قائلًا: \"والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا إِلا أدخله الله الجنة\". وأخذ الرسولﷺ- حفنة من حصباء فرمى بها في وجوه القوم وقال: \"شاهت الوجوه\".\nثم قال لأصحابه: \"شدُّوا\" ١، فشدُّوا فنزل قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال آية ١٧) .\nولما دنا المشركون قال الرسول ﷺ لأصحابه: \"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض\" والتأميل في الآخرة هو بضاعة الأنبياء. وهل لأصحاب العقائد، وفداء الحق من راحة إلا هناك، وعمل هذا التحريض عمله في القلوب المؤمنة.\nفقال عمير بن الحمام الأنصاري: \"لا يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض: قال: \"نعم\". قال: بخ بخ. قال رسول اللهﷺ-: ما يحملك على قول: بخ بخ، قال: لا والله يا رسول الله إلاّ رجاء أن أكون من أهلها؟. فقال الرسولﷺ-: \"فِإنك من أهلها\".\nفأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن. ثم قال: \"لئن أًنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إِنها حياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم وهو يقول ﵁:\nركضا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد\nوالصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد\nغير التقى والبر والرشاد٢ ...\nفما زال حتى قتل رحمه الله٣.\nواشتد القتال، وقتل سادات قريش، لأن المسلمين كان هَمُّهم الأكبر هو استئصال سادات قريش، فقد عذبوهم بمكة، وصدوهم عن المسجد الحرام. وقُتل من قُتل، وفرّ من\n_________\n١ أبو الفداء ٣/٢٨٤.\n٢ أبو الفداء ٣/٢٧٧، الروض الأنف ٥/١٠٥-١٠٦،فقه السيرة ص٢٣٩.\n٣ أبو الفداء٣/٢٧٧.","vol":"52","page":163},{"text":"فر، وانتصر جيش المسلمين وكانت معركة بدر في صالح محمدﷺ- ورجاله وولى أهل مكة الأدبار كاسفا بالهم، خاشعة من الذل أبصارهم لا يكاد أحدهم يلتقي بنظر صاحبه حتى يواري وجهه خجلًا من سوء ما حل بهم جميعا.\nثالثا: تسجيل لمواقف الخزي والعار بالنسبة لقريش ورجالها\nقال الله ﷾: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال آية ١٩) .\nحينما خرج المشركون من مكة إلى بدر- أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله قائلين: \"اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين وخير القبيلتين\".\nوروي أن أبا جهل قال يوم بدر \"اللهم أينا كان أقطع للرحم وآتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة\".\nوأنه قال عندما التقى الجمعان في ذلك اليوم: \"اللهم ربً ديننا القديم ودين محمد الحديث فأي الدينين كان أحب إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم\"١.\nوتحقق طلب قريش وأبي جهل، فجعل الله الدائرة عليهم تصديقًا لاستفتاحهم؛ لأنهم طلبوا من الله أن يفتح عليهم وأن يهلك الضالين، وهذه حقيقة فقد دارت الدائرة على الفريق الضال الصاد عن سبيل الله وهزموا هزيمة منكرة.\nوهذا نموذج للإجابة لا يسر ولا يشجع على إعادة الاستفتاح من جديد.\nولقد كان أبو جهل أشد المشركين عداوة للإسلام ولما وجد سيل الهزيمة النازل بقومه من المشركين- أقبل يصرخ فيهم، وغباوة الغرور لا تزال ضاربة على عينيه \"واللات والعزى لا نرجع حتى نفرِّقهم في الجبال ... خذوهم أخذًا\"٢.\nولقد كان أبو جهل تمثالًا للطيش والعناد إلى آخر رمق، وكان يقاتل في شراسة وغضب وهو يقول:\nبازل عامين حديث سني ... ما تنقم الحرب الشموس مني\nلمثل هذا ولدتني أمي\n...\n_________\n١ أبو الفداء ٣/٢٨٢-٢٨٣.\n٢ أبو الفداء ٣/٢٨٣.","vol":"52","page":164},{"text":"وكان المسلمون يعلمون أن أبا جهل هو المحرك لكل المؤامرات التي تحاك ضد رسول اللهﷺ- فاخذوا يبحثون عنه، وتمكن معاذُ بن عمرو من الوصول إِليه وضربه ضربةً أطارت قدمه بنصف ساقه، وأسرع عكرمة بن أبي جهل لإنقاذ أبيه، فضرب معاذًا على عاتقه فطوحت يده....\nثم مر بأبي جهل فتيان من الأنصار وهما ولدا عفراء وهو على فرسه فطعناه حتى هوى عن فرسه واهتم الرسولﷺ- بالبحث عن مصير أبي جهل وأمر أن يلتمس في القتلى فذهب عبد الله بن مسعود للبحث عنه فوجده بآخر رمق، فوضع رجله على عنقه كما يضع الإنسان رجله على أفعى يريد أن يقضي عليه، وتحرك أبو جهل يسأل عن الدائرة اليوم؟. قال: \"لله ورسوله\"، ثم استتلى عبد الله قائلا له: \"هل أخزاك الله يا عدو الله؟ \" قال: وبماذا أخزاني هل أعمد من رجل قتله قومه؟ وتفرس في عبد الله ثم قال له: \"لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم\"، فجعل عبد الله يهوي عليه بسيفه حتى خمد. وجزّ رأسه وجاء بها رسول اللهﷺ- وحينما رأى رسول اللهﷺ- وجه عدوه الدامي قال: \"الله الذي لا إله غيره\" ثم قال: \"هذا فرعون هذه الأمة\" ١.\nولقي مثل هذا المصير المفجع أمية بن خلف وغيره من صناديد قريش حتى بلغوا سبعين صنديدًا من رؤوس الكفر بمكة دارت عليهم الدائرة، وتجرعوا كؤوس الردى صاغرين، وسقط في الأسر سبعون كذلك، وفر بقية التسعمائة والخمسين يرددون لمن خلفهم أن الظلم مرتعه وخيم، وأن البطر يجر في أعقابه الخزي والعار، وهذا جزاؤهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ويقال لهم: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ (الأنفال آية ١٤) .\nوانتصرت القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، والقلة الضعيفة على الكثرة القوية المستعدة.\nوسيحدث ذلك في كل معركة بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، لأن الله مع المؤمنين بمعونته وولايته وتوفيقه فمن ذا الذي ينتصر على من كان الله معينه وناصره؟ من يهزم جمعا معه الله.\nالجواب على هذا لا أحد إن شاء الله ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد آية٧) .\n_________\n١ أبو الفداء٣/٢٨٧-٢٩٠ ورواه أبو داود والنسائي بإسنادهما والبخاري ومسلم عن أنس بن مالك. الروض الأنف ٥/١١٣-١١٥ ١٤٢-١٤٥.","vol":"52","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>رابعا: أسباب النصر وعوامله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>مدخل</span>\n...\nقوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى\nد. محمد عبد المقصود جاب الله المدرس في كلية الدعوة بالجامعة\nرابعا: أسباب النصر وعوامله:\nفتح المسلمون عيونهم على بشاشة الفوز تضحك لهم خلال الأرض والسماء، لأن هذا الظفر المتاح لهم ردّ عليهم الحياة والأمل والكرامة، وخلصهم من أغلال ثقال ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران آية ١٢٣) .\nوكانت عدة من استشهد منهم أربعة عشر رجلا استأثرت بهم رحمة الله فذهبوا إلى عليين ثبت عن أنس بن مالك. أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر وكان في النظّارة أصابه سهم طائش فقتله فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرين الله ما أصنع - تعني النياحة - وكانت لم تحرم بعد ... فقال لها الرسول ﵊: \"ويحك أوهبلت إنها جنان ثمان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى\"١.\nفإن كان هذا جزاء النظارة الذين اختطفتهم سهام طائشة، فكيف بمن خاض إلى المنايا الغمرات٢ الصعاب.\nولقد كان نصر الله للمؤمنين في بدر بالقوة المعنوية وحدها، فالتدبير تدبير الله، والنصر بيد الله، والكثرة العددية ليست هي التي تكفل النصر، والعدة المادية ليست هي التي تقرر مصير المعركة.\n_________\n١ أبو الفداء ٣/٣١٧،٣٢٨-٣٢٩ والبخاري.\n٢ غمرات الموت: شدائده.","vol":"53","page":182},{"text":"ولقد وضع الله للمؤمنين الموادّ في دستور هذه القوة التي لا يستغني عنها جيش يحرص على الفوز، وأرشدهم إلى طريق النصر وقانونه.\nقال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال آية ٤٥-٤٧) .\nهذه عوامل النصر الحقيقية: الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله بالذكر الكثير، والطاعة لله والرسول، واطراح النزاع والشقاق، والصبر على تكاليف المعركة، وعدم البطر والبغي والعدوان.","vol":"53","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>أولا: الثبات عند لقاء العدو:</span>\nإن الثبات هو المادة الأولى في قانون النصر، لأنه بدء الطريق إليه فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري المؤمنين أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وأنهم لو ثبتوا للحظة فسينهار عدوهم، وينخذل، وما الذي يزلزل أقدام المؤمنين، وهم واثقون من إحدى الحسنين: الشهادة أو النصر.\nوالثبات محله القلب ولا يتأتى إلا بقوة العقيدة ورساخة الإيمان، وهي لازمة للمؤمنين في ميدان القتال، وفي كل ميدان فتقابل فيه قوة إيمانية، وأية قوة أخرى من قوى الأرض، وفي كل مجال ينازل فيه خصما، وهو الثبات على العقيدة مهما فتن، وعلى الطريقة مهما لاقى، وعلى الكيد مهما يدبر الكائدون.\nوما وقفه الشعب الأفغاني المسلم أمام قوى الكفر والطغيان، وجحافل الشيوعية الباغية التي احتلت أرضه ودنست ثراه ولا تريد أن تعترف بحقه في تصريف أموره، وتقرير ما يراه مما يتناسب مع تاريخه وعراقة إيمانه. إلا ثبات في المعركة.\nلقد واجه العدوان في صلابة واستبسال، وصبر وإيمان لا يعرف الخور ولا الهوان، فنراه في القرى والمدن وفوق قمم الجبال يقابل الطائرات المغيرة بوحشية وضراوة أعزل من السلاح. ولكنه بإيمانه بحقه ويقينه بالله وقف في وجههم وكأنه يملك الصواريخ المضادة لها وسينتصر الشعب الأفغاني بثباته وبيقينه بوعد الله الذي ينصر المؤمنين الواثقين بنصره، والعاملين بكتابه.","vol":"53","page":183},{"text":"وهل ما يفعله الشعب الفلسطيني المجاهد، والشعب الإريتري المكافح والشعب الصومالي الصامد من ثبات في المعركة ووقوف صلب في وجه العدوان ومجابهة لقوى البغي والطغيان من الصهيونية والصليبية والشيوعية إلا تمسكا بهذا المبدأ الذي وضعه الله ﷾ من فوق سبع سماوات وستنتصر الشعوب المسلمة المكافحة بعون الله وسيخذل أعداؤهم ويرجعون مدحورين أذيال الخزي والعار، ويبوءون بالبوار والخسران.","vol":"53","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>ثانيا: الإكثار من ذكر الله:</span>\nوالإكثار من ذكر الله في ميدان القتال هو المادة الثانية:؛ لأنه الاتصال بالقوة الكبرى، والاستعانة بالله ﷾ ذي الجبروت، والثقة بالله الذي ينصر الحق، واستحضار حقيقة المعركة، لإعلاء كلمة الله، لا للسيطرة ولا للجاه، ولا للمغانم، ولا للشهوة أو النزوة وإنما كانت لله، وفي سبيل الله.","vol":"53","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثالثا: طاعة الله ورسوله:</span>\nوطاعة الله وطاعة رسوله هو المادة الثالثة في هذا القانون، وقد كان الرسول ﷺ هو القائد العام، فليدخل المؤمنون المعركة، وقد أدوا فرائضهم وقدموا واجبهم، وأسلموا أمرهم لله ورسوله ثقة منهم بحكمة تدبيره، وبصدق رسوله، فيتم النظام الذي لا بد منه لكل جيش، بتوحد القوى وسرعة التحرك، ودقة التنفيذ للخطط.","vol":"53","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>رابعا: اتقاء النزاع:</span>\nواتقاء النزاع هو المادة الرابعة في قانون النصر، لأنه في زمن الحرب تتنازع الهيئات أو الأحزاب أو الأفراد، فنهوا عن التنازع ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ومن ثم وجب أن ينهوا عنه ولو اقتضى الأمر وقف العمل بمبدأ الشورى.","vol":"53","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>خامسا: الصبر عند لقاء العدو:</span>\nالصبر عند لقاء العدو هو خامس المواد في قانون النصر، إذ للحرب ضروراتها التي لا تسيغها النفوس كإعلان الحكم العسكري الذي يقيد بعض الحريات، والمقاطعة الاقتصادية التي تسبب شيئا من الضيق، ونقص الأسلحة الذي قد يوقع في الحرج، وتفوق العدو الذي قد يدفع إلى القلق، وهي ضرورات لا بد لمن يريد النصر أن يصبر عليها راضيا بها.","vol":"53","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>سابعا: اتقاء البطر والرياء</span>\n...\nسادسا: اتقاء البطر والرياء:\nقد يحسن المؤمنون الاستعداد للحرب، فيشعرون بأنهم أهل، لأن ينصروا بقوتهم فيحملهم هذا على الاستعلاء والفخر، فيخرجون متبطرين طاغيين يتعاجبون بقوتهم، ويستخدمون نعمة القوة التي أعطاها الله في غير ما أرادها الله حرصا على ثناء الناس وإعجابهم فيفتوهم في هذه الحال النصر، لأن قانونه يهيب بهم في قوة ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ومن هنا اعتبر اتقاء البطر والرياء سادس المواد في قانون النصر.","vol":"53","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>سابعا: التوكل على الله:</span>\nويقتضيهم الإيمان مع الثبات وذكر الله وطاعة القائد، وتجنب أسباب النزاع والصبر والإخلاص لله مادة سابعة هي التوكل على الله، وهو روح المواد الست وقوامها إذ لا بد منه باعثا على كل منها ونتيجة لكل منها على أنه يعني الاستعداد التام قبل المعركة والاطمئنان التام للنصر من بعد، ولن يحرم النصر جيش أحسن الاستعداد للحرب وامتلأ ثقة بالله فكيف إذا جمع إلى هذه المادة سائر المواد في قانون النصر.","vol":"53","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13><span data-type=\"title\" id=toc-14>خامسا: الأسرى وموقف الرسول منهم</span></span>\nخامسا: الأسرى وموقف الرسول منهم\n...\nخامسا: الأسرى وموقف الرسول منهم:\nكان عدد الأسرى سبعين كعدد الذين قتلوا، وكانوا ينتسبون في الأغلب – إلى أكبر أسر المشركين - وبعد أن وزعهم الرسول ﷺ على أصحابه قال لهم: \"استوصوا بالأسارى خيرا\"١.\nولم يكن هناك نظام ثابت لمعاملة الأسرى حتى بعد غزوة بدر إلا أن الرسول – ﷺ - شرع نظاما معينا للأسرى ينحصر في أمور ثلاث: ١_ الافتداء ٢_والاسترقاق. ٣_والقتل.\nولم يلجأ الرسول – ﷺ - إلى القتل إلا إذا كان الأسير أحد هؤلاء الذين اشتدوا في الإيذاء له، وإيذاء أهله، وأصحابه وكان خطرا على دعوته وعلى رسالته، ومن أمثلة ذلك قصة الأسيرين: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط فقد وقعا معا في الأسر وكان الاثنان شرا مستطيرا على المسلمين أثناء وجودهم في مكة، وكانا يبحثان في أفضع الوسائل لتعذيب محمد وقومه، ولهذا ارتعد النضر عندما نظر إليه الرسول ﷺ أثناء استعراضه للأسرى، وصدر ذلك في قوله لرجل إلى جانبه: \"محمد والله قاتلي لقد نظر إليّ بعينين فيهما الموت\" فقال له الرجل الذي بجانبه: \"ما هذا والله منك إلا رعب\".\n_________\n١ أبو الفداء ٣ /٣٠٦.","vol":"53","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>سادسا:<span data-type=\"title\" id=toc-16> الخاتمة</span></span>\nالخاتمة\n...\nسابعا: الخاتمة:\nوبعد فهذه غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون، وزلزل المشركون، وأنجز الله وعده، وأعز جنده، وأسعد من حضرها من المسلمين فهو عند الله من الأبرار.\nولقد قال الرسول ﷺ: \"لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة\"١.\nوبهذه الغزوة، وبهذا الانتصار استقر أمر المسلمين في بلاد العرب جميعا، وكانت هذه الغزوة مقدمة وبداية للدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولا عجب أن سماها الله ﷾ فرقانا حيث يقول: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَان﴾ (الأنفال آية ٤١)، لأنها فرقت بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، والنور والظلام.\nورغم أن بدرا تعد أول غزوة من غزوات جيش الإسلام ورغم أنها المرة الأولى التي يقف فيها الرسول الكريم موقف المحارب فإننا نستطيع أن نستخلص منها دروسا لها قيمتها ومبادئ خطيرة لها شأنها في سير المعارك.\nوهذه الدروس لم تتغير ولم تتبدل رغم اختلاف العصر الذي نعيش فيه والعصر الذي تمت فيه غزوة بدر. ومن أهمها:\n١_ أهمية القضاء على قوة العدو الاقتصادية، ووضعها في المقام الأول، لأن في القضاء عليها قضاء على القوة العسكرية.\n٢_ الشورى وما لها من أهمية كبرى في الميدان ووقت الحرب، فالقائد الحكيم هو الذي يستشير خبراءه ليعرف منهم الخطة السليمة الصحيحة.\n٣_ أهمية القوى المعنوية للمحاربين والقوة المعنوية هي العامل الأول الذي دفع بالمسلمين إلى النصر رغم قلة عددهم وكثرة عدوهم.\n٤_ الاهتمام بالاستكشاف والاستطلاع قبل إبان المعركة، ولذلك نجد أن الرسول ﷺ خرج بنفسه لذلك أو كان يختار من يثق بهم.\n٥_ تكتيك الحرب الذي يبدو واضحا في السرية التامة في التحركات وخاصة خلال العمليات.\nفاحتلال المسلمين لمواقع المياه تنفيذا لرأي الحباب بن المنذر ثم في منتصف الليل حتى لا يشعر بهم العدو.\n_________\n١ انظر البخاري ومسلم وأبو داود، أبو الفداء ٣/٣٢٩.","vol":"53","page":188},{"text":"والرسول ﷺ كان يأمر جنده بأن يظلوا في أماكنهم لا يتحركون أو يتحدثون أو يأتون بما يثير انتباه أعدائهم، وكانون بذلك يتركون العدو يتقدم ويتقدم ويظل في تقدمه، حتى إذا أصبح في مرمى النبال ألقوها عليهم، فتصيب منه العدد الكبير فوق ما تحدثه المفاجأة في نفسه، فيرتبك ويضطرب وتكثر إصابته ويزيد عدد قتلاه.\n٦_ضرورة تغلغل العقيدة في نفوس المحاربين، فإن العقيدة المتغلغلة في نفوس المسلمين بلغت منهم منزلة تسمو على صلات الرحم والقرابة. فكان الرجل منهم يقتل أباه أو أخاه أو عمه أو قريبه من المشركين لا تأخذه فيه شفقة أو رحمة.\nفها هو ذا عبد الرحمن بن أبي بكر يقول لأبيه بعد إسلامه – وكان يقاتل في صف المشركين يوم بدر-: \"يا أبت لقد أهدفت لي يوم بدر مرارا فصدفت عنك \" فقال أبو بكر ﵁: \"لو كنت أهدفت لي أنت ما صدفت عنك\"١.\nوهذا أبو حذيفة بن عتبة ينظر إليه الرسول ﷺ يوم بدر وقد سحبت جثة أبيه عتبة لتلقى في القليب فألفاه كئيبا قد تغير لونه فقال: \"لعلك يا أبا حذيفة قد دخلك من شأن أبيك شيء\" فقال أبو حذيفة: \"لا والله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما كان عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني أمره\" فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خير٢.\n٧_ معاملة الأسرى معاملة كريمة فإن الرسول ﷺ قبل الفداء، وفوق هذا أطلق سراح الأسير الفقير الذي لا مال له ولا شيء عنده يفتدي به نفسه.\nوفي الختام فهذه غزوة بدر وتلك أسبابها ونهايتها وهي صفحة بيضاء مشرقة من صفحات تاريخنا دونها بإخلاصهم وإيمانهم آباؤنا الأولون. وليس لنا من سبيل إلى ما وصلوا إليه من عر ومجد، إلا أن نستن سنتهم، وأن نسير على طريقتهم وأن ننسج على منوالهم، وعندئذ يكون لنا بوعد الله ما كان لهم من عزة ومجد وكرامة، أرجو وآمل إن شاء الله، وما النصر إلا من عند الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.\n_________\n١ الروض الأنف للإمام السهيلي ٦/١٨١ دار الكتب الحديثة تفسير بن كثير ٤ /٣٢٩.\n٢ أبو الفداء ٣/٢٩٤ عن ابن إسحاق، السيرة لابن هشام ١/٦٤٠-٦٤١.","vol":"53","page":189}]}