{"ً":{"ٌ":23080,"ٍ":"مفهوم الأسماء والصفات","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/012_045","files":["012_045_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مفهوم الأسماء والصفات\nالمؤلف: سعد بن عبد الرحمن ندا\nالناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد من المجلة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1826,"ٕ":1,"ٖ":1770155762,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["45","46","47  -  48","49","50  -  51","52","53","55 - 56","57","58"],"ٚ":[{"title":"مدخل","level":1,"page":1},{"title":"الباب الأول: باب (التعرف على الله تعالى)","level":1,"page":5},{"title":"مدخل","level":2,"page":5},{"title":"مفهوم الأسماء والصفات","level":2,"page":6},{"title":"أسماء الله الحسنى","level":3,"page":6},{"title":"بيان الأسماء الحسنى التي وردت النصوص بها في الكتاب والسنة","level":3,"page":14},{"title":"ما ورد في القرآن الكريم (سورة الفاتحة)","level":4,"page":14},{"title":"مدخل","level":1,"page":27},{"title":"المحيط","level":1,"page":29},{"title":"القدير","level":1,"page":30},{"title":"القادر","level":1,"page":31},{"title":"المقتدر","level":1,"page":32},{"title":"العليم","level":1,"page":33},{"title":"العالم","level":1,"page":34},{"title":"العلام","level":1,"page":35},{"title":"الحكيم","level":1,"page":37},{"title":"التواب","level":1,"page":38},{"title":"البارئ","level":1,"page":39},{"title":"البصير","level":1,"page":40},{"title":"الواسع، (الموسع)","level":1,"page":41},{"title":"السميع","level":1,"page":43},{"title":"المستمع","level":1,"page":45},{"title":"العزيز","level":1,"page":46},{"title":"الرءوف","level":1,"page":47},{"title":"الشاكر و(الشكور)","level":1,"page":48},{"title":"الواحد و(الأحد)","level":1,"page":50},{"title":"الغفور","level":1,"page":52},{"title":"والغفار","level":1,"page":55},{"title":"والغافر","level":1,"page":56},{"title":"القريب","level":1,"page":57},{"title":"مدخل","level":1,"page":60},{"title":"الحي","level":1,"page":62},{"title":"القيوم","level":1,"page":66},{"title":"العلي","level":1,"page":72},{"title":"المتعالي","level":1,"page":78},{"title":"الأعلى","level":1,"page":79},{"title":"العظيم","level":1,"page":82},{"title":"الغني","level":1,"page":85},{"title":"مدخل","level":1,"page":96},{"title":"المولى","level":1,"page":97},{"title":"الولي","level":1,"page":106}],"ٛ":{"45,75":1,"45,76":2,"45,77":3,"45,78":4,"45,79":5,"45,80":7,"45,81":8,"45,82":9,"45,83":10,"45,84":11,"45,85":12,"45,86":13,"45,87":15,"45,88":16,"45,89":17,"45,90":18,"45,91":19,"45,92":20,"45,93":21,"45,94":22,"45,95":23,"45,96":24,"45,97":25,"45,98":26,"46,56":27,"46,57":28,"46,58":31,"46,59":32,"46,60":34,"46,61":36,"46,62":39,"46,63":40,"46,64":42,"46,65":43,"46,66":44,"46,69":47,"46,70":48,"46,71":49,"46,72":51,"46,73":53,"46,74":54,"46,75":57,"46,76":58,"46,77":59,"47  -  48,55":60,"47  -  48,56":61,"47  -  48,57":63,"47  -  48,58":64,"47  -  48,59":65,"47  -  48,60":67,"47  -  48,61":68,"47  -  48,62":69,"47  -  48,63":70,"47  -  48,64":71,"47  -  48,65":73,"47  -  48,66":74,"47  -  48,67":75,"47  -  48,68":76,"47  -  48,69":77,"47  -  48,70":79,"47  -  48,71":80,"47  -  48,72":81,"47  -  48,73":83,"47  -  48,74":84,"47  -  48,75":86,"47  -  48,76":87,"47  -  48,77":88,"47  -  48,78":89,"47  -  48,79":90,"47  -  48,80":91,"47  -  48,81":92,"47  -  48,82":93,"47  -  48,83":94,"47  -  48,84":95,"49,43":96,"49,44":97,"49,45":98,"49,46":99,"49,47":100,"49,48":101,"49,49":102,"49,50":103,"49,51":104,"49,52":105,"49,53":107,"49,54":108,"49,55":109,"50  -  51,104":110,"50  -  51,105":111,"50  -  51,106":112,"50  -  51,107":113,"52,53":114,"52,54":115,"52,55":116,"52,56":117,"52,57":118,"52,58":119,"53,78":120,"53,79":121,"53,80":122,"53,81":123,"53,82":124,"55 - 56,124":125,"55 - 56,125":126,"55 - 56,126":127,"55 - 56,127":128,"55 - 56,128":129,"55 - 56,129":130,"55 - 56,130":131,"57,65":132,"57,66":133,"57,67":134,"57,68":135,"57,69":136,"57,70":137,"57,71":138,"57,73":139,"57,74":140,"57,75":141,"57,76":142,"57,77":143,"57,78":144,"57,79":145,"57,80":146,"57,81":147,"57,82":148,"57,83":149,"57,84":150,"58,115":151,"58,116":152,"58,117":153,"58,118":154,"58,119":155,"58,120":156,"58,121":157,"58,122":158,"58,123":159,"58,124":160},"ٜ":{"45":[75,98],"46":[56,77],"47  -  48":[55,84],"49":[43,55],"50  -  51":[104,107],"52":[53,58],"53":[78,82],"55 - 56":[124,130],"57":[65,84],"58":[115,124]},"ٝ":["45,75","45,76","45,77","45,78","45,79","45,79","45,80","45,81","45,82","45,83","45,84","45,85","45,86","45,86","45,87","45,88","45,89","45,90","45,91","45,92","45,93","45,94","45,95","45,96","45,97","45,98","46,56","46,57","46,57","46,57","46,58","46,59","46,59","46,60","46,60","46,61","46,61","46,61","46,62","46,63","46,63","46,64","46,65","46,66","46,66","46,66","46,69","46,70","46,71","46,71","46,72","46,72","46,73","46,74","46,74","46,74","46,75","46,76","46,77","47  -  48,55","47  -  48,56","47  -  48,56","47  -  48,57","47  -  48,58","47  -  48,59","47  -  48,59","47  -  48,60","47  -  48,61","47  -  48,62","47  -  48,63","47  -  48,64","47  -  48,64","47  -  48,65","47  -  48,66","47  -  48,67","47  -  48,68","47  -  48,69","47  -  48,69","47  -  48,70","47  -  48,71","47  -  48,72","47  -  48,72","47  -  48,73","47  -  48,74","47  -  48,74","47  -  48,75","47  -  48,76","47  -  48,77","47  -  48,78","47  -  48,79","47  -  48,80","47  -  48,81","47  -  48,82","47  -  48,83","47  -  48,84","49,43","49,44","49,45","49,46","49,47","49,48","49,49","49,50","49,51","49,52","49,52","49,53","49,54","49,55","50  -  51,104","50  -  51,105","50  -  51,106","50  -  51,107","52,53","52,54","52,55","52,56","52,57","52,58","53,78","53,79","53,80","53,81","53,82","55 - 56,124","55 - 56,125","55 - 56,126","55 - 56,127","55 - 56,128","55 - 56,129","55 - 56,130","57,65","57,66","57,67","57,68","57,69","57,70","57,71","57,73","57,74","57,75","57,76","57,77","57,78","57,79","57,80","57,81","57,82","57,83","57,84","58,115","58,116","58,117","58,118","58,119","58,120","58,121","58,122","58,123","58,124"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2,3],"6":[4,5],"14":[6,7],"27":[8],"29":[9],"30":[10],"31":[11],"32":[12],"33":[13],"34":[14],"35":[15],"37":[16],"38":[17],"39":[18],"40":[19],"41":[20],"43":[21],"45":[22],"46":[23],"47":[24],"48":[25],"50":[26],"52":[27],"55":[28],"56":[29],"57":[30],"60":[31],"62":[32],"66":[33],"72":[34],"78":[35],"79":[36],"82":[37],"85":[38],"96":[39],"97":[40],"106":[41]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مدخل</span>\n...\nمفهوم الأسماء والصفات\nالحلقة الأولى\nفضيلة الشيخ/ سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية\nأسلفت القول في أنني أهتم أعظم الاهتمام بقضايا العقيدة الإسلامية. وهكذا ينبغي أن يكون شأن كل مسلم- ذلك بأن العقيدة هي الركيزة التي يقوم عليها ديننا الإسلام، فمن أفسدها، أو جحدها، أو كفر بها، بطل عمله مهما أكثر منه وحسبه صالحا، وحتى لو كان قد أقر قبل بالشهادتين، فإن إقراره يعتبر منقوضا بما ارتكب مما ينافي مقتضاهما مثله كمثل المتوضئ الذي يحدث ثم يصلي، فإن صلاته تكون - لنقضه وضوءه - بلا ريب باطلة شاء أم أبى. فكذلك مفسد العقيدة، أو الجاحد لها، أو الكافر بها- بمسلكه الشركي أو الكفري - أعماله باطلة شاء أم أبى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام آية ٨٨)، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (المائدة: آية ٥) إن العقيدة بمثابة الروح للبدن، وهل تجد نبضة من حياة في بدن فاضت منه روحه؟.\nإننا إذا جلنا جولات خاطفة متبصرة في المجتمعات الإسلامية، لألفيناها- إلا من رحم الله وحمى منها- أبدانًا وهياكل لا روح فيها، لا تقيم للعقيدة الصحيحة وزنا، ولا تتبين معاني التوحيد والشرك، والسنة والبدعة، والحق والباطل، إذ اضطربت في أذهان أفرادها معالم الشريعة، ففقدوا بذلك الفرقان الذي يميز الخبيث من الطيب، ومن ثم لم يعنوا بالتعرف على الله، والتجرد له، واستهانوا بمراقبته وتقواه، وهل يوجد الفرقان في قلب المؤمن إلا بتقوى الله؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (الأنفال آية ٢٩) . وبهذا اختلت الموازين لدى من ينتسبون إلى الإسلام، فلم يميزوا بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم، ولا بين عدوهم وبين حبيبهم، ولا بين من يقدم لهم طعامًا وبين من يجعلهم له طعامًا، وبين من يمد إليهم يده مصافحا، وبين من يمدها إليهم طاعنًا، وأخذوا يسمعون لكل ناعق،.. ويجرون وراء كل داع، فعميت عليهم الأنباء، وأصبحوا في أمر مريج،.. وانتهى مطافهم إلى أن دب الخلاف فيما بينهم، وانكبوا على الدنيا وشهواتها يتنافسون..، فهزلت شخصياتهم..، وبهتت","vol":"45","page":75},{"text":"ألوانهم، وخفتت أصوات الحق فيهم- إلا من رحم الله ووفق-، ونظر إليهم أعداؤهم- أعداء الله - فوجدوهم هكذا غثاء كغثاء السيل، رغم بلوغ عددهم ما يقارب ألفا من الملايين، فما خشوا بأسهم واستهانوا بهم، وأخذوا يخططون لضرب وحدتهم أولا، فلما فرقوهم سهل عليهم التهامهم أمة تلو أمة ثانيا، ثم أخذ أعداء الله الدنيا بقوة، وأصلحوا فيها أمرهم، فبلغوا من التقدم ما حطوا به على سطح القمر وغيره من الكواكب- وصار ميزان العالم كفتين: كفة يشغلها ملاحدة شيوعيون، تقابلها كفة أخرى يشغلها صهاينة جشعون، يعاونهم صليبيون حاقدون. وكل من القوتين الباغيتين لا تحب الإسلام ولا ترضى عن المسلمين طالما أنهم مسلمون، وقد قرر الله تعالى هذه الحقيقة في قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ (البقرة آية ١٢٠)، ثم بين سبحانه طريق الحق وحذر من اتباع أهواء هؤلاء المتخبطين فقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (البقرة آية ١٢٠) - والملاحدة الشيوعيون أولى أن لا يرضوا عن المسلمين حتى ينسلخوا من دينهم ويتبعوا إلحادهم - ولا ينبغي أن نغمض أعيننا عن واقع المسلمين، ونهيم في ملذات الحياة الدينا غافلين، إنما يجب علينا أن نرفع غشاوة أعيننا، ونشحدآذاننا، ونفتح مغاليق قلوبنا، ثم نتدبر ونفكر كيف نسير لصد هذا الموج الإجرامي العنيف. لنلق نظرةَ على إخواننا المسلمين في الفلبين، وبورما، وتايلاند، وأفغانستان، وفلسطين المحتلة، وإريتريا، والصومال- لنرى ما يمارسه العتاة المجرمون أعداء الله مع المسلمين في تلك الأمم من حرب الإبادة ابتغاء طمس معالم الإسلام فيها، ومحاولة تحويلها- لا قدر الله- إلى بلاد كفر وإلحاد.\nونشحذ آذاننا، ونفتح مغاليق قلوبنا، ثم نتدبر، ونفكر كيف نسير لصد هذا الموج الإجرامي العنيف. لنلق نظرة على إخواننا المسلمين الفلبين، وبورما، وتايلاند، وأفغانستان، وفلسطين، وأريتريا والصومال - لنرى ما يمارسه العتاة المجرمون أعداء الله مع المسلمين في تلك الأمم من حرب الإبادة ابتغاء طمس معالم الإسلام فيها، ومحاولة تحويلها - لا قدر الله - إلى بلاد كفر وغلحاد.\nألا تتقطع نياط القلوب المؤمنة حين تترامى تلك الأنباء المفجعة بمحاولات وغدر أولئك الباغين الذين قتلوا وشردوا إخوتنا في الله بغير ذنب إلا أن يقولوا ربنا الله؟.\nألا تتمزق الصدور التي شرحها الله بالإسلام حين تحمل إذاعات العالم بيان ضاري المعارك التي يستميت فيها أبناء الإسلام المستضعفين في محاولة لحماية حماه؟ إن الدول الإسلامية مهما اختلفت مواقعها واتجاهاتها الخاصة إنما هي بحكم الله أمة واحدة فلماذا ندعها تتمزق وتتقطع أواصرها؟\nأليس الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء آية ٩٢) . فأين تطبيق هذا بين المسلمين؟، وأين تطبيق قول رسول الله ﷺ: \"مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى\" (البخاري)؟ وأين تطبيق قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف آية ١١) وأين الجهاد في سبيل الله لإنقاذ المسلمين الذين أحيط بهم؟ وسامهم المجرمون الغادرون ألوان العذاب؟ لا بالنفس نرى جهادا ولا بالمال- إلا من رحم الله- نجد بذلا؟ فلماذا؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ؟ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ. إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة آية ٢٨، ٢٩) ﴿يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا؟ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ؟ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي؟﴾ (طه: آية ٨٦) . هل هذا التخاذل عن الجهاد بالنفس خشية القتل؟","vol":"45","page":76},{"text":"أليس الله تعالى يقول؟ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ؟ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة آية ٥١، ٥٢) . فنتيجة الجهاد بالنفس: إما نصر يحمل الخير ويرفع كلمة الله، وإما استشهاد لا موت معه بل حياة به عند الله - وهل هذا التخاذل من الأكثرين عن الجهاد بالمال خشية نفاذه؟ أليس الله تعالى قد ضمن الرزق لكل من خلق. وأنت ممن خلق- فطمأنك وأكد لك وقال لك: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (الذاريات آية ٢٢، ٢٣) - ثم زاد اطمئنانك فبين أن ما لديه غير قابل للنفاذ إطلاقا فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ - (ص آية ٥٤) .\nأين عدة المسلمين الموحدة التي أمرهم الله تعالى بإعدادها لدحر أعداء الإسلام بأي اسم كانوا وعلى أي أرض وجدوا؟ أين تنفيذ أمره تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُم﴾ (الأنفال آية ٦٠) .\nلم هذا التباطؤ والانكباب على هذه الحياة المترفة التي حولت أغلب لبنات الأمم الإسلامية - إلا من رحم الله - إلى لبنات هشة ناعمة لا تقوى على مجابهات أعداء الله وصد شراستهم في تحركات غادرة بغية محو كيان المجتمع الإسلامي من خارطة العالم، وإذا في مجتمعاتهم الصارخة بالإلحاد والكفر- إن كل مؤمن يملأ قلبه أمل عريض، وضراعة إلى الله صادقة، أن يجمع شتات الأمم الإسلامية ويوحد فرقتها، ويبدد الخلافات بينها، ويجعلها أمة واحدة، معبودها رب واحد، وقدوتها إمام واحد، ونهجها كتاب واحد، ووجهتها قبلة واحدة، وغايتها- بإعلاء كلمة الله- واحدة.\nإنه مما لا شك فيه أن اجتماع الأمم الإسلامية- وخاصة إذا دعمها الإيمان - يرهب أعداء الله، ويملأ قلوبهم رعبا وفزعا؛ ثم إن يد الله دائما على الجماعة المؤمنة، وهذا يستتبع نصره لها ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر آية ٥١) لما ينصرف أكثر المسلمين عن هدى الله ويصبحون إمَعات؟ إن أحسن الناس أحسنوا تقليدا غير بصير على نهجهم؟ وإن أساءوا أساءوا تقليدا غير بصير كذلك على دربهم؟\nإنني أتصور أن الذي صرف أكثر هؤلاء المسلمين عن الله إنما هو جهلهم بالله، ومن جهل الله جهل ما قال، وكما يقال: \"من جهل شيئا عاداه\". ومن ثم لما جهلوا الله عادوه، ولجئوا إلى غيره فأشركوا فحبطت أعمالهم، ولما جهلوا قول الله تعالى عادوه كَذلكَ، ولجئوا إلى قول غيره، فضلوا وتخبطوا، واستشرى فسادهم، وعم شقاؤهم. وصدق الله جل وعلا حين قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكا﴾ (طه آية ١٢٤) .\nفلابد إذن للمسلم أن يتعرف على الله تعالى حتى يعبد إلها يعرفه، فتسلم له عباداته- وقد ذكر بعض العلماء فوائد معرفة صفات الله وأسمائه، وأفعاله وتقديسه عن النقائص، ونجمل هذه الفوائد - لعظيم أهميتها- فيما يلي:\n١- أن معرفة الله تعالى هي من أشرف العلوم وأجلها على","vol":"45","page":77},{"text":"الإطلاق، إذ الاشتغال بفهمها والبحث التام عنها هو اشتغال بأعلى المطالب، وحصوله للعبد هو من أشرف المواهب.\n٢- أن معرفة الله تعالى تدعو إلى محبته، وخشيته، وخوفه، ورجائه، وإخلاص العمل له، وهذا هو عين سعادة العبد. ولا يمكن معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته وفهم معانيها؛ وقد اشتمل القرآن الكريم من تفصيلها، وبيان تعرف الله بها إلى عباده، وتعريفهم لنفسه كي يعرفوه ما لم يشتمل عليه غيره من بيان.\n٣- أن معرفة الله تعالى هي أحد أركان الإيمان، بل أفضلها وأصلها، وليس الإيمان مجرد قوله: \"آمنت بالله\" من غير معرفته بربه، بل إن حقيقة الإيمان أن يعرف الرب الذي يؤمن به، بل ويجب عليه أن يبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب معرفة العبد بربه تكون درجة إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه ازداد إيمانه، وكلما نقصت معرفته نقص إيمانه، وأقرب طريق يوصل إلى معرفة الله تعالى تدبر أسمائه وصفاته من نصوص القرآن والسنة، فإذا مر به اسم من أسماء الله تعالى أثبت له معناه، وما يتضمنه من صفات كمال مطلقة، ومع ذلك ينزهه سبحانه عما يضاد كماله.\n٤- أن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه، فيقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات آية ٣٦)، ولا يمكن أن يعبدوه دون أن يعرفوه، فلا بد من معرفتهم له سبحانه ليحققوا الغاية المطلوبة منهم والحكمة من خلقهم، والاشتغال بمعرفته سبحانه هو اشتغال العبد بما خلق له، وتركه وتضييعه إهمال لما خلق له، وقبيح بعبد لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيم متوال من كل وجه، أن يكون جاهلا بربه، معرضا عن معرفته.\n٥- أن معرفة الله تعالى هي أصل الأشياء كلها، حتى أن العارف به سبحانه حق المعرفة يستدل بما عرف من صفاته، وأفعاله على ما يفعله، وعلى ما يشرعه من الأحكام، لأنه سبحانه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة، وكذلك لا يشرع ما يشرعه من أحكام إلا حسب ما يقتضيه حمده وحكمته، وفضله وعدله. فأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه كلها عدل وحكمة١.\nمما سلف يتبين أن معرفة الله تعالى لها من الأهمية العظمى للعبد ما لا يتصور استغناؤه عنه، لأنها الركيزة التي يقوم عليها حكمة إيجاده وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له.\nلهذا بدأت في محاولة لتنبيه من غفل من المسلمين إلى أهمية العقيدة الإسلامية- أساس هذا الدين- ليجعلوا منطلق أعمالهم منها، حتى تصح لهم بالبناء عليها جميع الأعمال، وعلى الله بعد ذلك في قبولها تنعقد الآمال.\nولقد تبلْور في فهمي ما أردت بيانه في بابين:\n_________\n١ تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص ١٠،١١ بتصرف","vol":"45","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول: باب (التعرف على الله تعالى)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مدخل</span>\n...\nالباب الأول: باب (التعرف على الله تعالى):\nوهذا الباب يشمل بدوره قضيتين:\nإحداهما: (مفهوم الربوبية) وقد أسلفت بيانها تحت عنوان: (مفهوم الربوبية) في أربع حلقات مضَيْنَ.\nوثانيهما: (مفهوم الأسماء والصفات) وهي موضوع حلقاتي التي تبدأ بحلقتنا هذه، وأسأل الله أن يريني الحق حقا ويرزقني اتباعه، وحسن بيانه للناس.\nوهذا الباب يشمل بدوره قضيتين كذلك:\nإحداهما: (مفهوم الإلهية) .\nوثانيتهما: (مفهوم التشريع) وذلك انطلاقا من قوله جل وعلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف آية ٤٠) حقا إن أكثر الناس لا يعلمون أن الحكم لله وحده، وأن العبادة كذلك لله وحده سبحانه.\nوإلى هذا المقام، أجدني قد اقتربت من مدخل الموضوع الذي أريد أن أعالجه، وهو القضية الثانية من باب (التعرف على الله تعالى) وهي:- مفهوم الأسماء والصفات","vol":"45","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مفهوم الأسماء والصفات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أسماء الله الحسنى</span>\n...\n(مفهوم الأسماء والصفات)\nنقسم هذا الموضوع إلى مبحثين:\nالمبحث الأول: أسماء الله تعالى.\nالمبحث الثاني: صفات الله تعالى.\nأولا أسماء الله تعالى (الأسماء الحسنى)\nمعنى الأسماءِ: أسماء جمع اسم، والاسم: معناه لغة هو ما يعرف به الشيء ويستدل عليه.\nوعند النحاة: هو ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمن.\nوالاسم الأعظم: هو الاسم الجامع لمعاني صفات الله ﷿.\nواسم الجلالة: أو لفظ الجلالة: هو الله، وهو اسمه ﷾.\nواصطلاحاَ: إذا قيل: أسماء الله تعالى، أو أسماء الله تعالى وصفاته، أو الأسماء والصفات، كان معنى الأسماء أسماء الله تعالى الحسنى التي تسمى بها سبحانه، واستأثر بها لنفسه جل وعلا.","vol":"45","page":79},{"text":"لم سميت أسماء الله تعالى بالأسماء الحسنى؟\nوردت تسمية الأسماء الحسنى في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠) وفي قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (طه آية ٨) . وسميت الأسماء الحسنى، لأنها حسن في الأسماع والقلوب، وتدل على توحيده، وكرمه وجوده، ورحمته، وأفضاله ١ كما أنها تدل على أحسن مسمى، وأشرف مدلول.\nوكل اسم يدل على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت أسماء الله تعالى جميعا حسنى، فهي ليست أعلامًا محضة، إذ لو كانت كذلك ولم تتضمن صفات الكمال لم تكن حسنى، وكذلك لو دلت على صافات ليست بصفات كمال: كصفات نقص، أو صفات منقسمة إلى المدح.. والقدح لم تكن حسنى ٢.\nفكل اسم من أسمائه تعالى دال على جميع الصفة التي اشتق منها لجميع معناها، وذلك نحو اسم الدال (العليم) الدال على أن له علما محيطًا عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.\nواسم (الرحيم) الدال عَلى أن له رحمة عظمية واسعة لكل شيء.\nواسم (القدير) الدال على أن له قدرة عامة لا يعجزها شيء - ونحو ذلك.\nومن تمام كونها حسنى أنه لا يدعى إلا بها، ولذلك قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠) ٣..\nما سبب نزول آية ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾؟\nقال مقاتل وغيره من المفسرين: \"نزلت هذه الآية في رجل من المسلمين كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم، فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين فأنزل الله تعالى الآية\"٤.\nهل حصرت الأسماء الحسنى بعدد معين؟\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال وسول الله ﷺ: \" إن لله تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر\" أخرجاه في الصحيحين، والبخاري، وأخرجه الترمذي عن شعيب فذكره بسنده مثله، وزاد بعد قوله: \"يحب الوتر\": \"هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف،\n_________\n١ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جزء ٧ ص ٣٢٥\n٢ الاسم الذي يدل على صفة تنقسم إلى مدح وقدح (أي ذم) مثل الماكر والخادع والكايد لهذا لم يسم الله تعالى نفسه بمثل هذه الأسماء ولم يجعلها وأمثالها من أسمائه الحسنى ﷾.\n٣ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي جزء ٣ ص ٥٩،٦٠.\n٤ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جزء ٧ ص ٣٢٥.","vol":"45","page":80},{"text":"الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور\" ثم قال الترمذي: \"هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه أبي هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث\"، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق صفوان به١.\nومعنى إحصاء الأسماء الحسنى المشار إليه في الحديث عند قوله صلى الله عليه سلم: \"من أحصاها دخل الجنة\"؛ هو: عدها، وحفظها، وفهم معانيها، ودعاء الله بها دعاء عبادة ودعاء مسألة.\nوالأسماء الحسنى ليست محصورة بعدد معين، ودليل ذلك: ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتكَ، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلْقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعلَ القران العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمًه، وأبدل مكانه فرجا\" فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ فقال: \"بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها\". فقوله ﷺ: \"أو استأثرت به في علم الغيب عندك\" دليل على أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء لم ينزلها في كتابه، ولم يعلمها أحدا من خلقه، وإنما استأثر بها في علم الغيب عنده سبحانه، ومن ثم كان هذا دليلا على أن أسماء الله جل وعلا لم تحصر بعدد معين.\nهل يجب الاقتصار على أسماء الله تعالى الواردة؟\nلا شك أن أسماء الله تعالى توقيفية، بمعنى أنه ينبغي علينا أن نقف في تسمية الله تعالى\nعلى ما ورد في الكتاب والسنة، لأننا لا نستطيع البتة أن نعرف الأسماء التي سمى الله بها نفسه بآرائنا، وباجتهاد من عند أنفسنا، لأن أسماءه ﵎ من الغيب الذي لا مجال لنا في بلوغه إلا أن يصلنا عن طريق الوحي الذي نزل على رسول الله ﷺ.\nبأي الأسماء ندعو الله تعالى؟\nذكرت آنفا أن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠) ويقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (طه آية ٨) .\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ١٥١، ١٥٢.\n(وأقول في استطرادة مفيد إن شاء الله، بهذه المناسبة ألفت أخوتي المسلمين إلى قول الرسول ﷺ الرؤوف الرحيم بأمته حين سئل عن تعلم هذه التضرعات في دعاء إذهاب الحزن والهم: \"بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها \" فما أكثر ما يصيب الإنسان في حياته بين حين وآخر من الهم والحزن ما يملك عليه نفسه ويتمنى عجلا أن يزال ويبدل فرجا. فما أحوجنا جميعا إلى تعلم هذا الدعاء العظيم ودعاء الله تعالى به في ضراعة وإخلاص ليفرج الله عنا ما يلم بنا من أحزان وهموم) ..","vol":"45","page":81},{"text":"فلما تسمى الله جل شأنه بأسماء كلها حسنى، أمرنا جل وعلا أن ندعوه بها لأنه هو وحده سبحانه الذي يعلم ما يستحق أن يسمى به من الأسماء التي تليق بجلاله وعظمته، وبما ينبغي أن يدعى به سبحانه.\nولدقة هذا الأمر ذكر كثير من أهل العلم أن الداعي ينبغي عليه أن يدعو الله بالاسم الذي يناسب مسألته: فيقول مثلا: يا رحمن ارحمني، يا غفار اغفر لي، يا تواب تب علي، يا رزاق ارزقني، يا حفيظ احفظني، يا كريم أكرمني- وهكذا - ولا يصح أن يدعو باسم لا يناسب مسألته كأن يقول يا غفار ارزقني، أو يا رزاق اغفر لي، أو يا حفيظ تب علي، وهكذا.\nبل ذكر البعض أنه لا ينبغي أن ندعو الله سبحانه بالأسماء التي تبدو في ظاهرها أنها تحمل معنى الإضرار فقط بالعبد مثل: المانع، والضار، والمذل، والقابض، والخافض، والمميت. وذلك حتى لا يتصور متصور- بإفراد هذه الأسماء - أن أسماء الله تعالى من شأنها: أنها تحمل الضرر فحسب. ومن ثم ينبغي إذا ذكرت هذه الأسماء أن تذكر مع الأسماء المقابلة لها، مثل أن يقال: المعطى المانع، النافع الضار، المعز المذل، الباسط القابض، الرافع الخافض، المحيي المميت- وهكذا. ويسمي العلماء هذه الأسماء (بالأسماء المزدوجة) . لأنه يذكر مع كل أسم منها ما يقابله في معناه مما يجعلهما زوجا.\nالأسماء الحسنى تتضمن صفات الكمال العليا لله تعالى:\nإن كل اسم من أسماء الله تعالى يتضمن صفة تناسبه بما يليق بجلال الله سبحانه وعظيم\nشأنه. مثال ذلك: اسم (الرحمن) يتضمن ثبوت صفة الرحمة الذاتية لله سبحانه، واسم (الرحيم) يتضمن ثبوت صفة الرحمة الفعلية لله سبحانه، واسم (السميع) يتضمن ثبوت صفة السمع لله سبحانه، واسم (البصير) يتضمن ثبوت صفة البصر لله سبحانه، واسم (الرزاق) يتضمن ثبوت صفة الرزق لله سبحانه. وهكذا نجد أن كل الأسماء الحسنى تتضمن صفات الكمال العليا لله جل وعلا.\nليست كل صفة من صفات الله تعالى تشتق منها أسماء له سبحانه:\nمن الأمور الخطيرة التي يجب أن ننتبه إليها أنه: ليست كل صفة لله تعالى يمكن أن نشتق منها اسما له سبحانه، ذلك لأن أسماء الله تعالى - كما سبق أن أسلفت - توقيفية يجب أن نقف عند ما ورد بها النص في الكتاب والسنة، ولا نزيد عليها باجتهاداتنا، لأن ذلك أمرَ من الغيب الذي لا مدخل لنا إليه.\nوبيان ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ (النساء آية ١٤٢) ويقول: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران آية ٥٤) .\nويقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال أية ٢٠) .\nويقول: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرا﴾ (يونس آية ٢١) .\nويقول: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل آية.٣) .\nويقول: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُف﴾ (يوسف آية ٧٦) ويقول: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ (الطارق آية ك ١٥، ١٦) .","vol":"45","page":82},{"text":"ويقول: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة آية ١٤، ١٥) .\nويقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد آية ٢٢، ٢٤) .\nويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة آية ١٥٩) . ويقول: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلاَّ قَلِيلًا﴾ (النساء آية ٤٦)، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (النساء آية ٤٧)، ويقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (النساء آية ٥٢) .\nويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (المجادلة آية ١٤) .\nويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ (الممتحنة آية ١٣) .\nويقول: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ (النساء آية ٣٠) .\nويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ (النساء آية ٥٦) .\nويقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاء﴾ (الأنعام آية ١٣٣) .\nويقول: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (هود آية ٥٧) .\nويقول: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾ (الأعراف آية ٦٤) . ويقول: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ (الشعراء آية ٦٦ والصافات آية ٨٢) .\nويقول: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة آية ٧٩) .\nويقول: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (المائدة آية ٨٠) .\nويقول: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ (الأعراف آية ٥١) .\nويقول: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة آية ٦٧) .\nويقول: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُم﴾ (السجدة آية ١٤) .\nويقول: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (الجاثية آية ٣٤) .\nويقول: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف آية ١٣٧) .\nويقول: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء آية ١٦) .\nويقول: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ﴾ (الشعراء آية١٧٢)، ويقول: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النمل آية ٥١)، ويقول: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (محمد آية ١٠) .\nويقول رسول الله ﷺ: \"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ \" (متفق عليه) .\nويقول: \" لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل بأرض فلاة دوية مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنزل عنها فنام- وراحلته عند رأسه، فاستيقظ وقد ذهبت، فذهب في طلبها فلم يقدر عليها حتى أدركه الموت من العطش، فقال: والله لأرجعن فلأموتن حيث كان","vol":"45","page":83},{"text":"رحلي، فرجع فنام، فاستيقظ. فإذا راحلته عند رأسه فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح\" (رواه البخاري) .\nويقول: \"يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة\" (متفق عليه) . في الآيات والأحاديث التي أوردتها، نجد أفعالا لربنا ﷾ وهي: على حسب ترتيب الأحاديث كما يلي:\nأفعال: الخداع، المكر، الكيد، الاستهزاء، الإصمام، والإعماء، اللعن، الغضب، الإصلاء، الاستخلاف، الإغراق، السخرية، السخط، النسيان، التدمير، النزول، الفرح، الضحك. فهل يمكن أن نشتق من هذه الأفعال- وأمثالها- أسماء لله تعالى فنسميه جل وعلا بالأسماء الآتية؟: الخادع أو المخادع، الماكر، الكايد، المستهزئ، المصم، المعمي، اللاعن، الغاضب، المُصْلي، المستخلف، المُغرق، الساخر، الساخط، الناسي، المدمر، النازل الفرح، الضاحك؟ لا ينبغي أن نسمي الله بهذه الأسماء، ونقرنها بالأسماء الحسنى كالرحمن، والرحيم، والغفور، والودود، واللطيف، والعلي، والكبير، والسميع، والبصير، ونحو ذلك مما سمى الله تعالى به نفسه من أسمى وأجل وأعظم الأسماء.\nوالسبب في أنه لا ينبغي ولا يشرع لنا أن نسمي الله سبحانه بمثل تلك الأسماء كالخادع وما ماثل ذلك أمران:\nالأمر الأول: أنه لم يرد بها النص في الكتاب أو السنة.\nالأمر الثاني: أن من هذه الأسماء (كالخادع أو المخادع، والماكر، والكايد، والمستهزئ، والغاضب، والناسي، والمدمر وما ماثلها) ليست ممدوحة على إطلاقها، بل تمدح في مواضع، وتذم في مواضع أخرى١، ومن ثم لا يجوز أن تطلق أفعالها على الله مطلقا، فلا ينبغي أن يقال بإطلاق: إن الله تعالى يخادع أو يستهزئ، أو يغضب؛ أو ينسى، أو يدبر، كما لا ينبغي أن يشتق منها أسماء يسمى بها سبحانه، وذلك لأن الله جل وعلا لم يصف نفسه بالخداع، والمكر، والكيد، والاستهزاء، والغضب، النسيان، والتدمير، وما ماثل ذلك، إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، أو استحق أن يجازى به بحق على فعله- والجزاء إنما يكون من جنس العمل، فمن خدع يستحق أن يخدع، ومن مكر يستحق أن يمكر به، ومن نسي الله يستحق أن ينساه الله، ومن فسق استحق أن يدمر، وهكذا لا يجازى الله جل وعلا إلا من يستحق المجازاة بالحق والعدل.\nإن المخادع حين يخادع بباطل وظلم، أو الماكر حين يمكر بباطل وظلم، أو الكايد حين يكيد بباطل وظلم، أو المستهزئ حين يستهزئ بباطل وظلم، والناسي حين ينسى بباطل وظلم، والفاسق حين يرتكب فسقه بباطل وظلم، يكون أكمل الحكمة من الله تعالى حين يخادعه، أو يمكر به، أو يكيده، أو يستهزئ به، أو ينساه، أو يدمره بالحق والعدل. ومن ثم فلا يشرع أن يوصف الله تعالى بتلك الأفعال المذكورة ولا أن يسمى بأسماء تشتق منها على وجه الإطلاق، لأن الله\n_________\n١ مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة للإمام ابن القيم الجزء الثاني ص ٣٢ وما بعدها","vol":"45","page":84},{"text":"تعالى لم يصف بمثل أفعال الخداع، والمكر، والكيد، والاستهزاء، والنسيان، والتدمير، وما ماثل ذلك مطلقًا، ولا أدخل ذلك في أسمائه الحسنى. \"ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه الماكر، المخادع، المستهزئ، الكائد، فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه. وغر هذا الجاهل أنه ﷾ أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه كلها حسنى، فأدخلها في الأسماء الحسنى، وأدخلها وقرنها بالرحيم، الودود، الحكيم، الكريم - وهذا جهل عظيم- فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا، بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقا، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع يستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد، ولا المتكلم، ولا الفاعل، ولا الصانع، لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كالحليم، والحكيم، والعزيز، والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر، المخادع، المستهزئ؟ ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى: الداعي، وآلاتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرائد، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف أضعاف ذلك من الأسماء التي أطلقت على نفسه أفعالها في القرآن - وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل. والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد، والمكر، والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه؟ \" ١ وإني لأستحسن أن أسوق هنا المثل الذي ذكره الإمام ابن القيم في بيان كيف كاد الله تعالى ليوسف ﵇ مجازاة لإخوته على ما فعلوه، وذلك في عباراته الآتية:- \"إن جزاء المسيء بمثل إساءته جائز في جميع الملل، مستحسن في جميع العقول، لهذا كاد سبحانه ليوسف (﵇) حين أظهر لإخوته ما أبطن خلافه جزاء لهم على كيدهم له مع أبيه، حيث أظهروا له أمرا وأبطنوا خلافه، فكان هذا من أعدل الكيد الذي قال فيه تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (يوسف آية ٧٦) فإن إخوته فعلوا به مثل ذلك حتى فرقوا بينه وببن أبيه وادعوا أن الذئب أكله، ففرق بينهم وبين أخيهم بإظهار أنه سرق الصواع، ولم يكن ظالما لهم بذلك الكيد حيث كان مقابلة ومجازاة، ولم يكن أيضا ظالما لأخيه الذي لم يكده ... بل كان إحسانا إليه وإكراما له في الباطن، وإن كان طريقة ذلك مستهجنة، لكن لما ظهر بالآخرة براءته ونزاهته مما قذفه به، وكان ذلك سببا إلى اتصاله بيوسف واختصاصه به، لم يكن في ذلك ضرر عليه، يبقى أن يقال: وقد تضمن هذا الكيد إيذاء أبيه وتعريضه لألم الحزن على حزنه السابق، فأي مصلحة كانت ليعقوب (﵇) في ذلك؟ فيقال: هذا من امتحان الله تعالى له، ويوسف إنما فعل ذلك بالوحي، والله تعالى لما أراد كرامته، كمل له مرتبة المحنة والبلوى ليصبر فينال الدرجة التي لا يصل إليها إلا على حسب الابتلاء، ولو لم يكن في ذلك إلا تكميل فرحه وسروره باجتماع شمله بحبيبه بعد الفراق، وهذا من كمال إحسان الرب تعالى، أن يذيق عبده مرارة الكسر قبل حلاوة\n_________\n١ مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة الجزء الثاني ص ٣٤","vol":"45","page":85},{"text":"الجبر، ويعرفه قدر نعمته عليه بأن يبتليه بضدها\"١ ثم قال: \"فعلم أنه لا يجوز ذم هذه الأفعال على الإطلاق، كما لا تمدح على الإطلاق، والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم، ولا من جهة القدرة، فإن العلم والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم من جهة سوء القصد، وفساد الإرادة، وهو أن الماكر المخادع يجور، ويظلم بفعل ما ليس له فعله، أو ترك ما يجب عليه فعله\"٢.\nوقال في موضع آخر: \"والصواب أن معانيها- (أي معاني هذه الألفاظ) تنقسم إلى محمود، ومذموم، فالمذموم، منها: يرجع إلى الظلم والكذب، فما يذم منها إنما يذم لكونه متضمنا للكذب، أو الظلم، أوْ لَهماَ جميعًا. وهذا هو الذي ذمه الله تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾ (البقرة آية ٩)، فإنه ذكر هذا عقيب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة آية ٨) . فكان هذا القول منهم كذبا وظلما في حق التوحيد والإيمان بالرسول واتباعه، وكذلك قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْض﴾ (النمل آية ٤٥)، وقوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر آية ٤٣)، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ (النمل آية ٥٠، ٥١) .\nثم قال على هذه الألفاظ: \"أنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود\"٣.\n_________\n١ المرجع السابق ص ٣٢،٣٣\n٢ المرجع السابق ص ٣٣\n٣ المرجع السابق ص ٣٢،٣١\n٤ تفسير أسماء الله الحسنى لأبي إسحاق الزجاج ص ١٠ وما بعدها بتصرف\n٥ التيسير السابق ذكره المجلد الأول ص ١٢","vol":"45","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>بيان الأسماء الحسنى التي وردت النصوص بها في الكتاب والسنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ما ورد في القرآن الكريم (سورة الفاتحة)</span>\n...\nبيان الأسماء الحسنى التي وردت النصوص بها في الكتاب والسنة:\nأولا: ما ورد في القرآن الكريم بحسب ترتيب السور٤:\nسورة الفاتحة:\nوردت فيها الأسماء الآتية: الله- الرب- الرحمن- الرحيم- المالك.\nالله:\nهو اسم الجلالة. وهو علم على الرب أي اسم للرب ﵎- ويقال إنه الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَّسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر آية ٢٢، ٢٣، ٢٤) ٥.\n_________\n٥ التيسير السابق ذكره المجلد الأول ص ١٢","vol":"45","page":86},{"text":"وقد ورد ذكر اسم (الله) في القران الكريم في مواضع متفرقة ثمانين وتسعمائة مرة ١.\nوهذا التكرار العديد لهذا الاسم يدل على مدى عظمته وأهميته.\nواختلف في: هل هو مشتق؟ أو غير مشتق؟ (أي جامد)؟: فقال البعض: إنه جامد لم يشتق من غيره، ذلك لأن اسمه تعالى أزلي، والأزلي في سبقه لم يؤخذ من غيره، ومن ثم فهو اسم علم محْض كسائر الأعلام المحْضة التي لا تتضمن صفات تقوم بمسمياتها.\nوقال البعض: إنه مشتق: واختلفوا في اشتقاقه: فقال فريق: إنه مشتق من أله الذي مضارعها: يأله، ومصدرها: الآلهة، وألوهةَ، وألوهيةَ ومعنى أَله: عبد. وهذا الرأي هو الراجح. وقال فريق آخر: إنه مشتق من أَله الذي مضارعها: يأله، ومصدرها: أَلَهًا. ومعنى أله: تحير. وهذا الرأي مرجوح.\nوقال القرطبي في تفسيره الجزء الأول ص ١٠٢: \"روى سيبويه عن الخليل أن أصله (ألاَه) مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله: أناس. وقيل أصل الكلمة (لاه) وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه\".\nوقال الشوكاني في تفسيره الجزء الأول ص ١٨: \"أصل اسم (الله) إله: حذفت الهمزة وعوضت عنها أداة التعريف فلزمت\".\nومعنى اسم الجلالة (الله):\nأنه المعبود وحده، الذي لا يستحق العبادة بجميع أنواعها سواه، ولهذا كانت الحكمة في خلقه للثقلين أن يحققوا هذه العبادة مجردة له وحده سبحانه، وهذا ما أشار إليه في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات آية ٥٦) .\nهل يشرع ذكر الله باسم الجلالة (الله) مفردا؟\nوأجد من المناسب وأنا أتكلم عن اسم الجلالة، أن أشير إلى ما يلجأ إليه بعض الجاهلين من المسلمين من ذكر الله باسم الجلالة مفردا- ذلك أننا نرى البعض منهم يجعل له وردا يردد فيه اسم الجلالة (الله) مرات عديدة كألف مرة، أو ألفين أو أكثر أو أقل؛ بل وقد تجتمع مجموعة من الناس يرددون اسم الجلالة (الله) رافعين أصواتهم، ويبدءون بقولهم: الله، الله الله، وهم جالسون مغمضي أعينهم، أو هم واقفون يتمايلون ذات اليمين وذات اليسار، ويقفزون بين الحين والآخر إلى أعلى، يتوسطهم قائد، يصفق بيديه، وبجواره أحيانا امرأة تتمايل كذلك تنشدهم أناشيد كفرية ماجنة، تدق على طبل بيدها، يلاصقها خليع يتمايل وهو يؤدى نغمات مزمار هي صفير يتسق مع الطبل والتصفيق، حتى يصير جو هذا الجمع كأنه ماخور حفته الشياطين من كل جانب، يتصاعد منه لهيب الإثم كأنما فتح على أبواب جهنم والعياذ بالله، ثم يدعى أولئك المخبولون أنهم بهذا الراقص الداعر، وهذه الوقاحة المتَردّية التي لا يليق صدورها من عاقل، وهذه الأصوات المنكرة التي لا تميز منها سوى (أه، أه، أه) - (حع، حع، حع) أو (هو، هو، هو) أنهم يذكرون الله.\n_________\n١ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"45","page":87},{"text":"فمن قال إن الله قد شرع أن يذكر باسمه مفردا؟\nومن قال إن من أسماء الله: أه..؟ أو حع..؟ أو هو..؟\nومن قال إن الاختلاط بين الرجال والنساء الأجنبيات- فضلا عن التصاقهم بهن في تمايلهم الفاجر- قد شرعه الله؟\nومن قال إن الذكر جماعة له سند من الشرع الحنيف؟\nومن قال إن الذكر بهذه الأصوات المنكرة المزعجة قد جاءت به النصوص؟\nومن ثم فإنني أوجز بيان الحق في هذا الموضع كما جاءت به الأدلة الصحيحة فيما يلي:\nأولا: أنه لم يشرع أن يذكر الله باسمه مفردا: فما ذكر الرسول ﷺ قط ربه باسمه مفردا، إذ لم يرد نص واحد يدل على أنه ذكر باسم (الله) أو (حي) أو (هو) أو (لطيف) أو (قدوس)، بل إن كل ذكره ﷺ كان جملا تفيد معاني كاملة، ومما ثبت عنه قوله: \"خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير\" بل ويعلمنا ﷺ الذكر المشروع في مثل ما يأتي:\n١- قوله: \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمس، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه \" أخرجه البخاري ومسلم.\n٢- وقوله: \"من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر\" أخرجه البخاري ومسلم.\n٣- وقوله: \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\" أخرجه الصحيحان.\n٤- وقوله: \"لأن أقول سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس\" أخرجه مسلم.\n٥- وقوله \"أحب الكلام إلى الله تعالى أربع، لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر\" أخرجه مسلم.\n٦- وقوله: \"من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه\" أخرجه مسلم.\n٧- وقوله: \" سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بكَ من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها حين يمسي فمات من ليلته، دخل الجنة، ومن قالها حين يصبح فمات من يومه، دخل الجنة\" أخرجه البخاري.\n٨- وقوله: \"ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث، لم يضره شيء\" قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n٩- وقوله: \"إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فإن متَ من ليلتك مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول\" متفق عليه.","vol":"45","page":88},{"text":"١٠- وقوله: \" دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له\" أخرجه الترمذي.\nهذه أمثلة الذكر المشروع الذي أمرنا به رسول الله ﷺ، وكله جمل مفيدة، وليس هناك حديث واحد صحيح يفيد الذكر بالاسم المفرد. وإن لم يقبل الضائعون هدي رسول الله ﷺ، فليأتوني بأثارة من علم تؤيد زعمهم إن كانوا صادقين.\nثانيا: أما أن يكون هناك أسماء لله تعالى هي (أه) أو (حع) أو (هو)، فذلك ما لا يعقل، فضلا عن أنه لم يرد بمثل هذا أي نص، ولا يقر إنسان في رأسه ذرة من عقل أن هذه أسماء لله تعالى، ذلك بأن أسماءه كلها حسنى، ليس منها اسم قبيح أو ناب في لفظه أو في معناه. والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف آية ١٨٠)\nثالثا: وأما الاختلاط بين الرجال والنساء الأجنبيات، فذلك ما لم يشرعه ديننا الإسلام، فالرسول ﷺ يقول: \"ما خلا رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما\" فضلا عن أن ما ينتج من الاختلاط المحرم من التصاق وتمايل وخلاعة ومجون، وطبل وزمر ورقص باسم ذكر الله، كلها من المنكرات الفاحشة التي حرمها الإسلام، واعتبرها وسائل مؤدية إلى الزنا، وهو قد سد كل ذريعة توصل إلى محرم، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ فعبر القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ولم يقل: \"ولا تزنوا\". وذلك لأن التعبير الأول يحرم الاقتراب من كل ذريعة تؤدي إلى الزنا من: نظر، واختلاط، والتصاق، ومجالسة، وكل ما يفضي إلى الزنا، وجعل كل ذريعة تفضي إلى المحرم محرمة.\nرابعا: وأما الذكر جماعة، فلم يرد نص إطلاقا على مشروعيته، ولذلك فإن الذكر بصورة جماعية إنما هو بدعة غير مشروعة، لم يفعلها رسول الله ﷺ، ولا صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وما لم يشرعه رسول الله ﷺ فلا يكون بعده مشروعا، لذلك وضع لنا الأساس في ذلك في قوله: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" وفي قوله: \" من أحدث في أمرنا ما هذا ما ليس منه فهو رد\".\nخامسا: وأما رفع الصوت بالذكر فلم ترد بها النصوص، بل إنها وردت بخلافه، فقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف آية ٥٥)، وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي","vol":"45","page":89},{"text":"نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف آية ٢٠٥) .\nولما رفع بعض الصحابة أصواتهم بالذكر- ولا شك أنهم ما عرفوا سوى الذكر المشروع- وسمعهم الرسول ﷺ قال لهم: \"أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\" - متفق عليه- ومن ثم فإن ما تعارف عليه أولئك الجاهلون من الذكر المفرد والجماعي والجهري، إنما هو وحي الشيطان الذي أوقعهم به في شركه، بل وألقى هذا الرجيم في روع أوليائه أن الذكر بالألفاظ الأعجمية مثل: آهيا، شراهيا، أصباؤت آل شداى، آج أهوج، جلجلوت، إنما هو ذكر شرعي كذلك بزعم أن هذه الألفاظ هي أسماء الله تعالى باللغة العبرانية أو السوريانية١.\nأليس في القران الكريم والسنة المشرفة وما ضماه من أسماء الله الحسنى وبيان الذكر المشروع بها غنية عما سواهما لأولئك الدجالين فيما يأفكون؟\nألا قتل الخراصون، الذين هم في غمرة ساهون، والذين يلحدون في أسماء الله تعالى، إنهم سيجزون ما كانوا يعملون.\nاحتجاج الجاهلين بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ على الذكر المفرد:\nوقد يحتج بعض الجاهلين بقول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ في الآية رقم ٩١ من سورة الأنعام على مشروعية الذكر المفرد.\nوردا على هذا الاحتجاج أحيل أولئك الجاهلين على هذه الآية ليقرأوها كاملة، حتى يعلموا أن المراد بهذا الأمر من الله لرسوله ﷺ ليس أمرا بالذكر (بالاسم المفرد) كما يزعمون، وإنما هو جواب لمن أنكر أن الله لم ينزل وحيا على بشر. ولا أتركهم يبحثون عن الآية المذكورة، فلعلهم لا يهتدون إلى مكانها في المصحف فأضعها أمام ناظرهم ومن كان منهم يحمل في رأسه عقلا، فإنه سوف يدرك الحق فيها إن كان منصفا. أما الآية فهي قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ؟ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام آية ٩١) .\nويبين لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن الآية يوجز معناها فيما يلي:\nأن اليهود والمشركين نفوا الرسالة، وزعموا أن الله ما أنزل على بشر من شيء، أي من الرسالة، فمن قال هذا فما قدر الله حق قدره، ولا عظمه حق عظمته، إذ هذا قدح في حكمته، وزعم أنه يترك عباده هملا لا يأمرهم ولا ينهاهم، ونفي لأعظم منة امْتن الله بها على عباده وهي الرسالة التي لا طريق للعباد إلى نيل السعادة والكرامة والفلاح إلا بها، ولما بين الله حال هؤلاء المنكرين، أمر رسول الله ﷺ أن يقول لهم كلمتين: الأولى سؤال: وهي: ﴿قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ\n_________\n١ صيحة الحق للشيخ أبي الوفاء محمد درويش الطبعة السادسة ص ٢٨٧،٢٨٦ بتصرف","vol":"45","page":90},{"text":"الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ؟﴾ والثانية: جواب: وهي ﴿قُل اللَّهُ﴾ أي أن الله جلت حكمته هو الذي أنزل الكتاب على موسى ﵇: ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يترك أولئك المكذبين يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ١.\nفأين إذن هذا الذكر بالاسم المفرد؟ الذكر يزعمه أولئك الذين أغرقهم أئمة الضلال، وباعدوا بينهم وبين الحق كما تباعد المشرق عن المغرب، حتى صار هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟\nالرب:\nهو اسم من أسماء الله تعالى، التي تضمنتها نصوص القرآن الكريم. ولا يقال في غيره إلا بالإضافة. وقد قالوه في الجاهلية للملك. وقال في الكشاف: \"الرب المالك. ومنه قول صفوان لأبى سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن\".\nوقال القرطبي في تفسيره: والرب السيد ومنه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك﴾ وفي الحديث \"أن تلد الأمة ربتها..\" والرب: المصلح، والمدبر، والجابر، والقائم. قال: والرب المعبود- ومنه قول الشاعر:\nأربَ يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب٢\nوقد ذكر ابن كثير: أن الرب: هو المالك المتصرف. ولا يقال (الرب) معرفا بالألف واللام إلا لله تعالى، ولا يجوز استعمال كلمة الرب لغير الله إلا بالإضافة فنقول: رب الدار، ورب السيف. وأما الرب. فلا يقال إلا لله عز وجل٣.\nومعنى كلمة الرب لغة: هو السيد المربي واصطلاحا: هو المالك، الخالق، البارئ، المصور، المعطي المانع، النافع الضار، الرافع الخافض، الباسط القابض، المحيي المميت، المدبر لأمر هذا الكون. (وهذا على ما فصلت القول فيه في حلقات (مفهوم الربوبية) بهذه المجلة في سنتها الحادية عشرة) ٤ فليرجع إليها من شاء.\nوالرب هو المربي لجميع العالمين، وهم من سوى الله: بخلقه لهم، وتسخير ما يصلح لحياتهم، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة فمنه تعالى. وتربيته سبحانه لخلقه نوعان: عامة وخاصة.\nفالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.\nوالخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم\n_________\n١ تيسير الكريم الرحمن الجزء الثاني ص ٢٠١ تصرف.\n٢ فتح القدير للشوكاني الجزء الأول ص ٢١.\n٣ تيسير العلي القدير المذكور المجلد الأول ص ١٢.\n٤ مجلة الجامعة الإسلامية السنة الحادية عشرة العدد الأول (حلقات مفهوم الربوبية لكاتبها: سعد ندا) .","vol":"45","page":91},{"text":"الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه: وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة من كل شر، ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب١، فإن مطالبهم كلها تحت ربوبيتة الخاصة٢.\nوقد ورد ذكر هذا الاسم بصيغ مختلفة في القرآن الكريم تسعمائة مرة على النحو التالي:\nرب: ذكرت أربعا وثمانين مرة. ربا: ذكرت مرة واحدة. ربك: ذكرت أربعين ومائتي مرة. ربكم: ذكرت ثماني عشرة ومائة مرة. ربكما: ذكرت ثلاثا وثلاثين مرة. ربنا: ذكرت إحدى عشرة ومائة مرة. ربه: ذكرت ستا وسبعين مرة. ربها: ذكرت تسع مرات. ربهم: ذكرت خمسا وعشرين ومائة مرة. ربهما: ذكرت ثلاث مرات. ربي: ذكرت مائة مرة٣.\nوتكرار هذا الاسم على هذا النحو المتعدد بصيغ مختلفة يدل على مدى عظمة وأهميته.\nالرحمن:\nهو اسم الله تعالى مشتق من الرحمة على وجه المبالغة، وهو على وزن فعلان، (وفعلان تفيد الامتلاء) . والرحمن أشد مبالغة من الرحيم. والرحمن مشتق بخلاف من قال وزعم أنه غير مشتق: ودليل ذلك ما أخرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"قال تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم، شققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته\". قال: \"هذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق\"٤.\nوهذا الاسم (الرحمن) يختص بالله ﷾، ولا يجوز إطلاقه على غيره. وقال بعض أهل التفسير: \"الرحمن الذي رحم كافة خلقه، بأن خلقهم وأوسع عليهم في رزقهم\"٥.\nواسم الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، فهو دال على أن الرحمة صفة ذات له سبحانه٦.\n_________\n١ مجلة الجامعة المذكورة العدد الثاني.\n٢ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي الجزء الأول ص ١٥،١٤\n٣ المعجم المفهرس السابق ذكره.\n٤ تيسير العلي القدير المذكور المجلد الأول ص ١٣.\n٥ مرجع الزجاج السابق ذكره ص ٢٨،\n٦ بدائع الفوائد لابن القيم الجزء الأول ص ٢٤.","vol":"45","page":92},{"text":"وروى ابن جرير بسنده عن العزرمي يقول: \" (الرحمن الرحيم) قال (الرحمن) لجميع الخلق، و(الرحيم) قال بالمؤمنين. قالوا: ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَن﴾ (الفرقان آية ٥٩)، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه آية ٥)، فذكر الاستواء باسمه (الرحمن) ليعم جميع خلقه برحمته. وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (الأحزاب آية ٤٣) فخصهم باسمه (الرحيم) . قالوا: فدل على أن (الرحمن) أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين\"١.\nوقد ذكر البعض: أن (الرحمن) يرحم أهل الدنيا والآخرة، و(الرحيم) خاص بالمؤمنين يوم القيامة، إذ أن الله يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا على السواء وذلك من نواحي أمورهم المعيشية، وأسباب حياتهم، وما يكفل لهم حياتهم الدنيا، فرحمته هنا (أي رحمة الرحمن) عامة، وإذا لم تكن الرحمة هذه عامة، لا تتكامل أسباب التكليف من الإنعام عليهم بنعمة العقل الذي بواسطته يعرفون الحق من الباطل، ونعمة تسخير ما في الكون ليستفيد منها أهل الأرض من الإنس والجن ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعا﴾ . فتكامل أسباب التكليف في الدنيا سيكون عليه في الآخرة مدار الحساب.\nوأما ما جاء في الدعاء المأثور \"يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها\" فقوله: \"رحيمها\" محمول على معنى أنه يرحم المؤمنين في الدنيا فيما أطاعوه من الإيمان به، وتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه، وتسهيل سبل ذلك لهم؛ ويرحمهم في الآخرة بإدخالهم الجنة جزاء ما أسلفوا من إيمان وطاعة، فطاعتهم له في الدنيا رحمة منه تعالى، وجزاؤهم بالجنة رحمة منه تعالى، وهذا معنى قوله ورحيمها والله أعلم٢.\nواسم (الرحمن) يختص به الله ﷻ وحده، ولا ينبغي أن يتسمى به واحد من خلقه، شأن كل أسمائه الحسنى جميعا كما سبق أن أسلفنا، ولكن شخصا كان قد تسمى بالرحمن هو: مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب أبو ثمامة، من أهل اليمامة، لذا عرف برحمن اليمامة، وكان قد قوي أمره في اليمامة وظهر جدا بعد وفاة الرسول ﷺ، وقارعه خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر الصديق وانتصر عليه.\nوقد زعم لقومه أنه أشرك في الأمر مع رسول الله ﷺ، وجعل يسجع لهم الأساجيع، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: (لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا) وأحل لهم الخمر، والزنى ووضع عنهم الصلاة. واجتمعت معه حنيفة على ذلك.\nوقد كتب إلى رسول الله كتابا يقول فيه: \"من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون؛ وحمل رسولان هذا الكتاب إلى رسول الله ﷺ، فقال لهما: \"فما تقولان أنتما\" قالا: \"نقول كما قال\" فقال: \"أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما\" ثم كتب إلى مسيلمة \"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة\n_________\n١ تيسير العلي القدير السابق ذكره المجلد الأول ص ١٣.\n٢ المرجع السابق المجلد الأول هامش ص ١٣.","vol":"45","page":93},{"text":"الكذاب، السلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين\". وكان ذلك في آخر سنة عشر من الهجرة ١.\nوقد بين الله جهل العرب لاسم الرحمن في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا؟ وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (الفرقان آية ٦٠) وقال المفسرون: \"إنهم قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة؛ يعنون مسيلمة\" ٢.\nوقد ذكر مقاتل وغيره من المفسرين أن رجلا من المسلمين كان يقول في صلاته: \"يا رحمن يا رحيم\" فقال له رجل من المشركين: \"أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ \" فأنزل الله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠) .\nحكى ذلك القرطبي٣ وقد ذكر اسم (الرحمن) في القرآن الكريم في مواضع مختلفة سبعا وخمسين مرة٤.\nالرحيم:\nهو اسم لله مشتق من الرحمة كذلك، وهو على وزن فعيل وهو من صيغ المبالغة. وقد سبق أن ذكرنا أن اسم (الرحمن) لما يتضمنه من صفة الرحمة التي تعم كافة خلقه بأن خلقهم وأوسع عليهم في أرزاقهم، فإنه أشد مبالغة من اسم (الرحيم) الذي يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (الأحزاب آية ٤٣) .\nوقد قال الإمام ابن القيم: وأما الجمع بين الرحمن والرحيم، ففيه معنى بديع، وهو أن (الرحمن) دال على الصفة القائمة به سبحانه، و(الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفة (أي: صفة ذات له سبحانه، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته (أي: صفة فعل له سبحانه) وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (الأحزاب آية ٤٣)، ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة آية ١١٧)، ولم يجيء قط رحمة بهم، فعلم أن (رحمن) هو الموصوف بالرحمة، و(رحيم) هو الراحم برحمته٥.\n_________\n١ تهذيب سيرة ابن هشام طبعة ثالثة ص ٦٧، ٣٧١،٣٥١،ومرجع الزجاج ص ٢٩.\n٢ فتح القدير الجزء الرابع ص ٨٤.\n٣ المرجع السابق الجزء الثاني ص ٢٦٨.\n٤ المعجم المفهرس السابق ذكره.\n٥ مرجع الزجاج ص ٢٨ وبدائع الفوائد لابن القيم الجزء الأول ص ٢٤.","vol":"45","page":94},{"text":"وقد نسب القرطبي إلى عبد الله بن عباس ﵄ قوله: \"الرحمن الرحيم اسمان رقيقان وأحدهما أرق من الآخر\". وقد استشكل الخطابي هذا القول، ونقله عنه القرطبي في الجزء الأول ص ١٠٦، إذ قال الخطابي في استشكاله المذكور: \"وهذا مشكل، لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله سبحانه\".\nوقال الحسين بن الفضل البجلي: \"هذا وهم من الراوي لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء، وإنما: هما اسمان رفيقات أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله ﷿. قال النبي ﷺ: \"إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف\" ١.\nوالحقيقة أنني أعجبت كثيرا بهذا الاستشكال، ولذلك ألفت إخواني المؤمنين إليه.\nوأما قرن الرحمن بالرحيم مع أن كلا منهما مشتق من الرحمة، فإنه يجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد، كما يقال: جاد ومجد٢.\nوقال القرطبي: \"وصف نفسه تعالى بعد: رب العالمين بأنه: الرحمن الرحيم، لأنه لما كان في اتصافه: برب العالمين ترهيب، قرنه بالرحمن الرحيم لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين: الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ (الحجر آية ٤٩، ٥٠)، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ (غافر آية ٢) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد\" ٣.\nأسماء الله تعالى وصفاته منطلق لتوحيد ألهيته:\nوبمناسبة كلامي على اقتران (الرحمن الرحيم) يهمني أن ألفت إخواني المؤمنين إلى أن الله تعالى جعل أسماءه الحسنى وصفته العليا دليلًا على توحيد إلاهيته، بمعنى أنه يجعل أسماءه وصفاته منطلقا إلى توحيد إلاهيته، وذلك على نحو ما ذكرنا في توحيد الربوبية الذي يجعله سبيلا إلى توحيد إلالهية٤.\nمثال ذلك:\nقوله جل وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة آية ١٦٣) فجعل\n_________\n١ مرجع الزجاج ص ٢٨\n٢ نفس المرجع السابق ص ٢٨\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ١٤ وفتح القدير الجزء الأول ٢١.\n٤ راجع حلقات (مفهوم الربوبية) في أعداد هذه المجلة لسنتها الحادية عشرة لكاتبها سعد ندا.","vol":"45","page":95},{"text":"اسميه الرحمن والرحيم اللذين يتضمنان صفة الرحمة العامة والخاصة دليلا على أنه الإله الواحد الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فالعبادة لا ينبغي أن تجرد إلا لمن كان كاملا على الإطلاق في أسمائه وصفاته، ومنزها عن كل نقص أو عيب.\nومثال ذلك أيضا: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ (آل عمران آية ٢) .\nفالاسمان: الحي، والقيوم، تضمنا صفتين لله تعالى: الأولى صفة الحياة، وهي تشمل جميع صفات كماله الذاتية، والثانية صفة القيومية وهي تشمل جميع صفات كماله الفعلية، حتى ورد أن الحي القيوم هما اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب هذان الاسمان جعلهما الله بما شملاه من هاتين الصفتين دليلا على توحيد الإلهيته، فقال قبلهما ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ .\nوالذي يستقرئ القرآن الكريم، يجد من الآيات التي يستدل فيها بتوحيد الأسماء والصفات على توحيد الإلهية.\nوكذلك السنة المشرفة لا تخلوا من النصوص التي توضح ذلك. ولنا إن شاء الله تعالى في هذا المبحث فضل بيان في المكان الذي يناسبه.\nالمالك (والملك والمليك):\nوكلها أسماء الله جل وعلا. واسم (الملك) يدل على أن الله وحده يملك هذا الكون، إذ هو سبحانه الخالق له وحده. وإذا كان الناس يملكون في هذه الحياة شيئا من أعراضها، ثم هم ينسبون ملكيته إلى أنفسهم فيقول قائلهم: هذه داري، وهذا بستاني، وهؤلاء أولادي، وهذه أموالي، فما كل أولئك إلا ودائع استخلفهم الله تعالى مالكها الأصيل عليها فترة من الزمن لتعمر الأرض بذلك، ثم هم لا بد ملاقوا ربهم، وتاركوا كل ودائعهم التي استخلفهم الله تعالى عليها لمالكها الأصلي رب العالمين.\nلذا يقول ﵎: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران آية ١٨٠)، ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ (الحجر آية ٢٣)، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (مريم آية ٤٠) ويقول جل شأنه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص آية ٥٨)، ويقول ﷿: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الحديد آية ١٠) .\nفلا بد من أن ترد الودائع وأهلها حتما لخالقها وخالق كل شيء سبحانه، وفي هذا يصدق قول من قال:\nوما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع\nوالمالك: هو من اتصف بصفة الملك من آثارها أن يأمر، وينهى، ويثيب، ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأصناف الملك١.\nوقد ورد اسم المالك سبحانه في سورة الفاتحة في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (سورة الفاتحة آية ٣)\n_________\n١ تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص ١٥.","vol":"45","page":96},{"text":"وقد قرىء مالك، وقرىء ملك، وكلا القراءتين صحيح متواتر في السبع، وليس تخصيص الملْك بيوم الدين الإخبار بأنه تعالى رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف اسم (مالك) إلى يوم الدين لأنه لا يدعى هناك أحد غيره، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (النبأ آية ٣٨) - قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول لا يملك من أحد في ذلك اليوم كملكهم في الدنيا بأن يقول أحد - تجوّزَا - هذا ملكي، هذا مالي، أما يوم القيامة فليس لأحد ملك ولا مال\"١.\nوقد اختلف العلماء في أي الاسمين أبلغ: مالك أو ملك؟ فقال أبو عبيد والمبرد ورجح قولهما الزمخشرى: \"إن (ملك) أعم وأبلغ من (مالك) إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا\" ولأن أمر الملك نافذ في ملكه، فلا يستطيع أن يتصرف إلا بتدبير الملك.\nوقال آخرون: إن (مالك) أبلغ من ملك، لأن (المالك) يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم.\nوقال أبو حاتم: \"إن (المالك) أبلغ في مدح الخالق من ملك، و(الملك) أبلغ في مدح المخلوقين من (المالك)، لأن (المالك) من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكًا كان ملكًا\". وقد اختار هذا القول أبو بكر بن العربي.\nوقال الإمام الشوكاني: \"والحق: أن كل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، (فالمالك) يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع، والهبة، والعتق، ونحوها؛ و(الملك) يقدر على ما لا يقدر عليه (المالك) من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته، ورعاية مصالح الرعية، (فالمالك) أقوى من (الملك) في بعض الأمور، و(الملك) أقوى من (المالك) في بعض الأمور.\nوالفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه: أن (الملك) صفة لذاته، و(المالك) صفة لفعله..\"٢ وقد ورد اسم (المالك) في القرآن الكريم مرتين: في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة آية ٤)، وفي قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (آل عمران آية ٢٦) .\nوقد ورد اسم (الملك) في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ﴾ (الحشر آية ٢٣) وقد جاء في معنى (الملك): أنه المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة٣. وقيل: إنه المالك لجميع الممالك، فالعالم العلوي والسفلي وأهله الجميع مماليك لله فقراء مدبرون٤.\nوقيل: إنه الله ملك الملوك، وهو مالك يوم الدين٥.\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ١٤ بتصرف\n٢ فتح القدير الجزء الأول ص ٢٢ بتصرف قلت:\" و(الملك) ليس صفة وإنما هو اسم الله تعالى يدل على صفة الملكية التي هي صفة لذاته سبحانه و(المالك) ليس صفة كذلك، وإنما هو اسم الله تعالى يدل على صفة الملكية التي هي صفة لفعله سبحانه\".\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص ٢١٥.\n٤ تيسير الكريم الرحمن الجزء الثامن ص ١٠٧\n٥ مرجع الزجاج ص ٣٠.","vol":"45","page":97},{"text":"وقد ورد اسم (ملك) في القرآن الكريم خمس مرات: في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه آية ١١٤) .\nوفي قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون آيه١١٦) وفي قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (الحشر آية ٢٣) وفي قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجمعة آية١) وفي قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ، النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ﴾ ١ (الناس آية ١، ٢) .\nكما ورد اسم (المليك) في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٢ (القمر آية٥٤، ٥٥) وقد قيل في معنى (المليك) أنه الملك العظيم الخالق٣.\nهذه الأسماء الخمسة السالف ذكرها - سوى الملك والمليك - هي أسماء الله تعالى التي وردت في سورة الفاتحة.\n_________\n١ المعجم المفهرس المذكور.\n٢ المرجع السابق\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص ١٤٩","vol":"45","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>مدخل</span>\n...\nمفهوم الأسماء والصفات\nفضيلة الشيخ / سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية\n(الحلقة الثانية)\nأسلفت في الحلقة الأولى ما يتضمن أن معرفة الله جل وعلا هي المنطلق الذي تصح منه العبادة، إذ لو أنها قد انبعثت من غيره، لما انبسطت لها قاعدة ترتكز عليها، فلا يلبث صاحبها حتى يجدها تهوي به في مكان سحيق، وتستحيل هباءًَ منثورا، وكيف يعرض الإنسان عن معرفة خالقه وهو سبحانه يوالي عليه نعمه كل لحظة منذ ولادته حتى مماته؟ وكيف ينصرف عن التعرف على الحي القيوم الذي بيده مقاليد كل شيء، والذي لا يستغني عنه طرفة عين، ويسعى إلى التعرف على أفراد من البشر أمثاله، وهم لا يملكون له -فضلا عن أنفسهم- ضرًّا، ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا، ولا حياةً ولا نشورًا؟\nإن أول ما يجب على العبد أن يتعرف على ربه سبحانه، ليستطيع أن يحقق الغاية التي من أجلها خلق، وهي التي ذكر الله ﷿ في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات آية ٥٦)، إذ لا سبيل إلى تحقيق العبادة إلا عن طريق البدء بمعرفة الله تعالى، ولا يمكن للعبد أن يعبد من يجهله، وإلا كان تخبطا وضربا في تيه بيداء مهلكة.\nومن ثم بدأت أساهم - بقدر ما ييسر الله تعالى لي- في الكتابة في باب التعرف على الله تعالى باعتباره نقطة البدء في حياة المسلم، بادئا ببيان مفهوم الربوبية في أربع حلقات سابقة، ثم ثنيت ببيان مفهوم أسماء الله تعالى وصفاته في حلقة أولى مضت، وانتهيت فيها من بيان أسماء الله تعالى التي تضمنتها سورة الفاتحة.\nوفي هذه الحلقة أعرض -بحول الله وقوته- بيان أسماء الله تعالى التي تضمنتها سور القرآن الكريم، مشيرا إلى ما تكرر من الأسماء في مختلف سور القرآن الكريم، بالصيغة ذاتها، أو بصيغ مختلفة.","vol":"46","page":56},{"text":"وسوف أحاول إن شاء الله تعالى -حسبما ييسر لي سبحانه- إلقاء بعض الضوء على هذه الأسماء الكريمة التي تضمنتها سور القرآن الكريم، ابتداء من سورة البقرة حتى سورة الناس، وذلك على الوجه التالي:","vol":"46","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المحيط:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى، ورد في القرآن الكريم ثماني مرات منها ست مرات١ بلفظ (محيطٌ) بالرفع فيما يأتي:\nفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (البقرة آية ١٩)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران آية ١٢٠)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال آية ٤٧)، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (هود آية ٩٢)، وقوله: ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (فصلت آية ٥٤)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (البروج آية ٢٠) .\nومنها مرتان٢ بلفظ (محيطًا) بالنصب، فيما يأتي:\nفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (النساء آية ١٠٨)، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ (النساء آية ١٢٦) .\nوإحاطة الله تعالى بالشيء معناها: حصره إياه من جميع جوانبه، مع العلم المطلق بكل دقائقه، بحيث لا يتصور أن تفلت منه ذرة، أو ما فوقها، أو ما دونها، علما أو إيجادا، أو إعداما.\nففي مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (البروج آية ٢٠)، تمثيل لعدم نجاة المكذبين الكافرين بعدم فوت المحاط به على المحيط٣، ذلك بأنه سبحانه هو الذي خلق كل شيء وملَكَه، واستأثر بالتصرف فيه عن قدرة تامة، وعلم مطلق، لذا يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق آية ١٢) .\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ فتح القدير الجزء الخامس ص٤١٤، بتصرف.","vol":"46","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>القدير: </span>(القادر، المقتدر)\nالقدير:\nهو اسم من أسماء الله تعالى، ورد في القرآن الكريم خمسا وأربعين مرة٤،منها تسع وثلاثون مرة ورد فيها بلفظ (قديرٌ) بالرفع في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ فتح القدير الجزء الخامس ص٤١٤، بتصرف.\n٤ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>القادر:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى؛ ورد في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة٢ ج منها أربع مرات (٣) (قادرٌ): بالرفع، في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ (الأنعام آية ٣٧)، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ (الأنعام آية ٦٥)، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (الإسراء آية ٩٩)، وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ (الطارق آية ٨) .\nومنها ثلاث مرات بالجر بلفظ (قادرٍ) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (يس آية ٨١)، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (الأحقاف آية ٣٣)، وقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (القيامة آية ٤٠) .\nومنها أربع مرات بصيغة الجمع بلفظ (قادرون) بالرفع في قوله تعالى:\n﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (المؤمنون آية ١٨)، وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ (المؤمنون آية ٩٥)، وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ (المعارج آية ٤٠)، وقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (المرسلات آية ٢٣) .\nومنها مرة واحدة بصيغة الجمع بلفظ (قادرين) بالنصب في قوله تعالى:\n﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾\n_________\n٢ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المقتدر:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى، ورد١ في القرآن الكريم أربع مرات، منها مرتان بلفظ (مقتدرٍ) بالجر، في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر آية ٤٢)، وقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر آية ٥٥) .\nومنها مرة واحدة بلفظ (مقتدرًا) بالنصب في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (الكهف آية ٤٥) .\nومنها مرة واحدة بصيغة الجمع بلفظ (مقتدرون) بالرفع، في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ (الزخرف آية ٤٢) .\nواسم (قادر) على وزن (فاعل)، واسم (قدير) على وزن (فعيل) وهي صيغة مبالغة، واسم (مقتدر) على وزن (مفتعل)، وفي اللغة العربية زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.\nوهذه الأسماء الثلاثة تتضمن جميعها أن الله سبحانه يستطيع أن يفعل كل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأمره -عندما يريد شيئا- إنما هي كلمة كن: فيكون ما يريد في الحال. وفي هذا يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النحل آية ٤٠)، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (مريم آية ٣٥)، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس آية ٨٢)، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (غافر آية ٦٨)، وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (القمر آية ٥٠) .\nوليس أدل على كمال القدرة المطلقة للقادر، القدير، المقتدر، من أن يوجد سبحانه ما يريده بكلمة كن فيكون ما يريد كلمح البصر.\n_________\n١ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>العليم: </span>(العالم- العلام):\nهو اسم من أسماء الله تعالى بصيغة المبالغة على وزن فعيل، ورد في القرآن الكريم اثنتين وخمسين ومائة مرة٢، منها أربعون ومائة مرة بلفظ (عليمٌ) ٣ بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٩)، وقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة آية ٩٥)، وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ١١٥) .\nومنها اثنتان وعشرون مرة٤ بلفظ (عليمًا) بالنصب، في مثل قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء آية ١١)، وقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ (النساء آية ٧٠)، وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ (النساء آية ١٢٧) .\n_________\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ المعجم المفهرس.\n٤ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>العالم:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى.. على وزن (فاعل)، وقد ورد في القرآن خمس عشرة مرة١ منها سبع مرات بلفظ (عالمُ) بالرفع٢، في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (الأنعام آية ٧٣)، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد آية ٩)، وقوله: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (السجدة آية ٦) .\nومنها مرة واحدة بلفظ (عالمَ) بالنصب٣، في مثل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (الزمر آية ٤٦) .\nومنها خمس مرات بلفظ (عالمِ) بالجر٤، في مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة آية ٩٤، الجمعة آية ٨)، وقوله: ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة آية ١٠٥) .\nومنها مرتان بصيغة الجمع بلفظ (عالمين) بالنصب٥، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء آية ٥١)، وقوله: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء آية ٨١) .\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ المعجم المفهرس.\n٤ المعجم المفهرس.\n٥ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>العَلاَّم:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعّال)، وهو صيغة مبالغة، يدل على سعة العلم وعظمته، وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات، في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة آية ١٠٩)، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة آية ١١٦)، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (التوبة آية ٧٨)، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (سبأ آية ٤٨) .\nوعلم الله تعالى أزلي، وهو صفة من صفاته الذاتية سبحانه، يقتضي علمه بالظواهر والسرائر، وإحاطته بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعْزُب مثقال ذرة في السموات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر٦، فيعلم ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه٧.\n_________\n٦ تيسير الكريم الرحمن الجزء ١ ص٣٣.\n٧ المرجع السابق الجزء ٣ ص٣٢.","vol":"46","page":60},{"text":"والله العليم سبحانه قد كمل في علمه، يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ويعلم ما في السموات والأرض، وهو تعالى بكل شيء عليم.\nوأن العبد إذا استشعر عظمة علم الله، وسعته، وشموله لكل ما خلق الله جل وعلا، فإنه يعيش دائما يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، ويطلب منه دائما أن يزيده من بالعلم الذي ينفعه في دينه ودنياه تنفيذا لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه آية ١١٤) .","vol":"46","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الحكيم:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فعيل)، ورد في القرآن الكريم سبعا وتسعين مرة١، منها إحدى وثمانون مرة بلفظ (حكيم) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة آية ٣٢)، وفي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة آية ١٢٩)، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران آية ٦)، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام آية ١٨)\nومنها ست عشرة مرة٢، بلفظ (حكيما) بالنصب في مثل قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء آية ١١)، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الفتح آية ٤)، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الإنسان آية ٣٠) .\nوالحكمة هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء.\nوحكيم بمعنى مُحْكِم، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النحل آية ٨٨) ٣.\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>التوّاب:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فعَّال)، ورد في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة٤، منها ثماني مرات بلفظ (توّابٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة آية ٣٧)، وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة آية ١١٨)، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات آية ١٢) .\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ المعجم المفهرس.\n٤ مرجع الزجاج ص٥٢.","vol":"46","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>البارئ:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل)، ورد في القرآن الكريم ثلاث مرات٢، في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة آية ٥٤)، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة آية ٥٤)، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الحشر آية ٢٤) .\nوالبارئ: هو المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها، وقيل: المميز لبعضها عن بعض٣، والبارئ من البَرء.\nوالبَرْء: هو تنفيذ وإبراز ما قدره وقرره الله تعالى إلى عالم الوجود ٤.\nوالبرء: كذلك هو خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، لأن البرء من تبرئة الشيء من الشيء، من قولهم: برأت من المرض، وبرئت من الدين أبرأ منه، فبعض الخلق إذا فُصل من بعض سمي فاعله بارئا، وفي الأيمان: \"لا والذي خلق الحبّة، وبرأ النسمة\" ٥.\nوقال أبو علي: هو المعنى الذي به انفصلت الصور بعضها عن بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو، وصورة حمار مفارقة لصورة فرس، فتبارك الله خالقا بارئا ٦.\nومعرفة اسم الباري تجعل العبد يؤمن بأنه سبحانه هو الموجد لكل الأشياء من العدم فلا ييأس على ما فاته ولا يفرح بما آتاه، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد آية ٢٢-٢٣) .\n_________\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ فتح القدير الجزء الخامس ص٢٠٨.\n٤ تيسير العلي القدير - المجلد الرابع ص٥٩.\n٥ من حديث البخاري ٦/١١٦، باب فكاك الأسير.\n٦ مرجع الزجاج ص٣٧.","vol":"46","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>البصير:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى بصيغة مبالغة على وزن (فعيل)، ورد في القرآن الكريم اثنتين وأربعين مرة١، منها إحدى وثلاثون مرة٢ بلفظ (بصيرٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة آية ٩٦)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة آية ١١٠)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران آية ١٥)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة آية ١)، وقوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ (الملك آية ١٩) .\nومنها تسع مرات٣ بلفظ (بصيرا) بالنصب، في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء آية ٥٨)، وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء آية ١٧)، وقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ (طه آية ٣٥)، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (الفتح آية ٢٤) .\nوالبصير بمعنى مبصر، فهو سبحانه يرى كل شيء من خلقه دقَّ أو جلَّ، ظهر أو خفي، لا تحجب رؤيته الحواجب التي تحجب عن خلقه الرؤية، إذ يبصر سبحانه النملة السوداء تدب على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.\nوإذا استشعر العبد أن ربه البصير يراه ولا يحجب عنه أي شيء من خلقه، فإنه يراقب ربه، ولا يكون دائما إلا في الموضع الذي يجب أن يراه فيه.\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الواسع، (الموسع):</span>\n(الواسع): اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل)، ورد في القرآن الكريم تسع مرات٤ منها ثماني مرات٥ بلفظ (واسعٌ) بالرفع في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ١١٥)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٦١)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٦٨)، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران آية ٧٣)، وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة آية ٥٤)، وقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور آية ٣٢)، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (النجم آية ٣٢) .\nومنها مرة واحدة بلفظ (واسعًا) بالنصب في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًاّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ (النساء آية ١٣٠) .\n_________\n٤ المعجم المفهرس.\n٥ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":63},{"text":"ويلاحظ أن اسم (الواسع) اقترن في سبع آيات -من التسع- التي ورد فيها باسم (العليم) ولعل هذا يشير إلى أن الله سبحانه يعطي من فضله الواسع من يشاء عن كمال العلم بمن يستحق هذا العطاء، سواء أكان هذا العطاء رحمة، أو مغفرة، أو ملكا، أو مالا، أو علما، أو أي نوع من أنواع العطاء، وعطاؤه سبحانه -فضلا عن كونه عن كمال العلم- فهو مع كمال الحكمة، وسعة المغفرة، وفي هذا نجد أن اسمه (الواسع) سبحانه جاء مضافا إلى المغفرة مرة واحدة ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وجاء مقترنا باسمه (الحكيم) مرة واحدة كذلك ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ .\nومعنى (الواسع) الذي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم.\nوقيل: بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ١ (طه آية ٩٨) .\nوقال الفراء الواسع: الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء٢.\nوقيل: الواسع: واسع الفضل يوسع على من يشاء من عباده ٣.\nوقيل: الواسع: الذي يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال.\nوقيل الواسع: واسع الفضل والصفات وعظيمهما، ومن سعته وعلمه وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور٤.\nو(الموسع): اسم من أسماء الله تعالى على وزن (مُفْعِل) ورد في القرآن الكريم مرة واحدة بصيغة الجمع، بالرفع، في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات آية ٤٧) .\nومعنى (الموسع): ذو الوسع والسعة، وقيل الموسعون القادرون، فالموسع أي القادر ٥.\nوقيل الموسع: أي لأرجاء السماء وأنحائها، وأيضا الموسع على عباده بالرزق الذي ما ترك دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليه من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها، فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات٦.\nوقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، من قولهم: \"وسع كل شيء علما\" أي أحاط به٧.\n_________\n١ فتح القدير الجزء الأول ص١٣١- ١٣٢.\n٢ المرجع السابق ص٢٦٥.\n٣ تيسير العلي القدير الجزء الأول ص٩٦.\n٤ تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص٦٢.\n٥ فتح القدير الجزء الخامس ص٩١.\n٦ تيسير الكريم المنان الجزء الثامن ص٢٨.\n٧ مرجع الزجاج ص٥١.","vol":"46","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>السميع </span>(والمستمع):\nهو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل) أي سامع١.\nوقد ورد في القرآن الكريم خمسا وأربعين مرة٢. منها اثنتان وأربعون٣ بصيغة (سميعُ) بالرفع في مثل قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة آية ١٢٧) .\nوقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة آية ١٣٧) . وقوله: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام آية ١١٥)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (لقمان آية ٢٨)، وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (سبأ آية ٥٠) .\nومنها ثلاث مرات٤ بصيغة (سميعًا) بالضم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء آية ٥٨) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء آية ١٣٤)، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء آية ١٤٨) .\nويلاحظ أن اسم (السميع) سبحانه ورد مقترنا باسم (الحليم) اثنتين وثلاثين مرة٥ وتسع مرات٦ مقترنا باسم (البصير) . ومرة واحدة٧ باسم (القريب) . وورد مرتين٨ مضاف إلى (الدعاء) في قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران آية ٣٨) .\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (إبراهيم آية ٣٩) .\nويجلِّي لنا تمام سمعه -سبحانه- بكل شيء، ما رواه الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: \"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية. والمجادلة هي: خولة بنت ثعلبة، وكان زوجها أوس بن الصامت، وكان امرءا به لمم، وكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته\".\nوكذلك في رواية أخرى لابن أبي حاتم عن عائشة أنها قالت: \"تبارك الله الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهى تقول يا رسول الله: أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني. اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ٩\".\nأما اقتران اسم (السميع) سبحانه باسم (العليم) واسم (البصير) فإن سمعه مع علمه محيط بهم\n_________\n١ مرجع الزجاج ص٤٢.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ المعجم المفهرس.\n٤ المعجم المفهرس.\n٥ المعجم المفهرس.\n٦ المعجم المفهرس.\n٧ المعجم المفهرس.\n٨ المعجم المفهرس.\n٩ تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص١٩١.","vol":"46","page":65},{"text":"وبصره نافذ فيهم. فهو ﷾ مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء١.\nوأما اقتران اسم (السميع) سبحانه باسم (القريب)، وإضافته إلى الدعاء، فإنه سبحانه وهو فوق عرشه يسمع كل حركة وسكنة ولفظة من خلقه. وكل دعاء من عباده، فيجيب من يدعوه لشدة قربه منهم، فهو عليٌّ في قربه قريب في علوه. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة آية ١٨٦)، وكما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق آية ١٦)، وكما يقول رسول الله ﷺ: \"إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته \".\n_________\n١ المرجع السابق ص١٩٥.","vol":"46","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المستمع:</span>\nوهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (مفتعل) . وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة٢ بصيغة الجمع بلفظ (مستمعون) بالرفع، في قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (الشعراء آية ١٥) .\nومعنى (مستمع) أي سامع لموسى وهارون ﵉وسامع لكل خلقه بلا ريب- وذلك كقوله لهما: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه آية ٤٦) أي أنه يسمعهما -وهو فوق عرشه- ماذا يقولان لفرعون ويراهما وهما تحت حفظه وتأييده٣.\nوقد قيل إن (سمع) تأتي بمعنى أجاب، وذلك في مثل ما يقول المصلي عند رفعه من الركوع: \"سمع الله لمن حمده\" أي استجاب٤.\n_________\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٢٠٢.\n٤ مرجع الزجاج ص٤٢.","vol":"46","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>العزيز:</span>\nهو اسم من اسماء الله تعالى على وزن (فعيل)، وقد ورد في القرآن الكريم تسعا وثمانين مرة٥ منها اثنتان وثمانون٦ بلفظ (العزيز) أو (عزيز) بالرفع، في مثل قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة آية ١٢٩)، وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلا َّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران آية ١٨) . وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة آية ٣٨)، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (هود آية ٦٦) . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (إبراهيم آية ٤٧) . وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء آية ٩)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر آية ٢٨) .\nومنها ست مرات٧ بلفظ (عزيزا) بالنصب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء آية ٥٦) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء آية ١٥٨) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (الأحزاب آية ٢٥) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (الفتح آية ١٩) .\n_________\n٦ المعجم المفهرس.\n٧ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الرءوف:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول)، وهو صيغة مبالغة يدل على عظيم رأفته سبحانه بخلقه. وقد ورد في القرآن الكريم عشر مرات٥ في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٤٣)، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة آية ٢٠٧) . وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة آية ١١٧)، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد آية ٩) .\nومعنى الرءوف كثير الرأفة، وهى أشد من الرحمة. قال أبو عمرو بن العلاء: \"الرأفة أكبر من الرحمة والمعنى متقارب\"٦ فالرأفة هي المنزلة الثانية، فإذا اشتدت الرحمة كانت رأفة ٧.\nوقد اقترن اسم (الرءوف) باسم (الرحيم) سبحانه في تسع آيات من العشر المشار إليها، وعدي بالباء إلى العباد في آيتين في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة آية ٢٠٧، وآل عمران آية ٣٠) .\nورأفة الله تعالى ورحمته بعباده لا يعدلها رأفة أو رحمة. في الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ: \"أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه\" قالوا: \"لا يا رسول الله\". قال: \"الله أرحم بعباده من هذه بولدها\" ٨.\n_________\n٥ المعجم المفهرس.\n٦ فتح القدير الجزء الأول ص١٥١.\n٧ مرجع الزجاج ص٦٢.\n٨ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص١١٩.","vol":"46","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الشاكر، و(الشكور):</span>\n(الشاكر) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل)، وقد ورد في القرآن الكريم مرتين١؛ مرة بلفظ (شاكرٌ) بالرفع، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٥٨)، ومرة بلفظ (شاكرًا) بالنصب، في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (النساء آية ١٤٧) .\n(والشكور) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) بصيغة المبالغة، وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات٢، في قوله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٠)، وفي قوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٤)، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (الشورى آية ٢٣)، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن آية ١٧) .\nومعنى (الشاكر والشكور): الذي يشكر القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل. ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب. ويشكر الشاكرين، ويذكر من ذكره، ومن تقرب إليه بشيء من الأعمال الصالحة تقرب الله منه أكثر٣.\nوقيل (الشكور) من أسماء الله ﷿ - وكذلك الشاكر- معناه: أنه يزكو عنده القليل من الأعمال، فيضاعف لهم به الجزاء وكأن الشكر من الله تعالى هو إثابته الشاكر على شكره، فجعل ثوابه للشكر وقبوله للطاعة شكرا على طريقة المقابلة كما قال عز اسمه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٤ (البقرة آية ١٩٤) .\nونلاحظ أن اسم (الشاكر) قد اقترن باسم (العليم) سبحانه واقترانه به يفيد أنه تعالى شاكر أي يثيب على القليل بالكثير، مع علمه التام المحيط بقدر الجزاء، فلا يبخس أحدا ثوابه ٥.\nكما نلاحظ أن اسم (الشكور) قد اقترن ثلاث مرات باسم (الغفور) واقترانه به يفيد أنه غفور لمن عصاه، وشكور لمن أطاعه٦ وقيل: إنه غفور لذنوبهم. شكور للقليل من أعمالهم وقال قتادة: كان مطرف ﵀ إذا قرأ هذه الآية (أي آية فاطر) يقول: \"هذه آية القراء\"٧ أقول: وحُقَّ لمطرف ﵀ أن يقول هذه القولة. إذ ختم بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٢٩-٣٠) .\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ تيسير الكريم الرحمن الجزء الخامس ص٣٠٤.\n٤ مرجع الزجاج ص ٤٧.\n٥ تيسر العلي القدير المجلد الأول ص١٢٧.\n٦ فتح القدير الجزء الرابع ص٣٥١.\n٧ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٤٢٨.","vol":"46","page":70},{"text":"وقال ابن عباس ﵄: في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات١.\nوقيل (غفور شكور): أي يغفر الكثير من السيئات، ويكثر القليل من الحسنات. فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر٢.\nواقترن اسم (الشكور) باسم (الحليم) مرة واحدة٣ في قوله تعالى ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن آية ١٧) واقترانه به يفيد أنه (شكور) يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة، (حليم) لا يعاجل من عصاه بالعقوبة ٤، بل يمهله ولا يهمله٥.\nوقيل (شكور) أي يجزي على القليل بالكثير، (حليم) أي يصفح ويتجاوز عن الذنوب والسيئات٦.\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٤٣٠.\n٢ المرجع السابق المجلد الثالث ص٥٧٢.\n٣ المعجم المفهرس.\n٤ فتح القدير الجزء الخامس ص٢٣٩.\n٥ تيسير الكريم الرحمن الجزء الثامن ص١٣٧.\n٦ تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص٢٥٢.","vol":"46","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الواحد و(الأَحد):</span>\n(الواحد): هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل)، وقد ورد في القرآن الكريم ست مرات ٧ في قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (يوسف آية ٣٩)، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد آية ١٦) . وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم آية ٤٨)، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (ص آية ٦٥)، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الزمر آية ٤)، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر آية ١٦) .\nوقد ورد موصوفا به الإله ثلاث عشرة مرة٨، في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة آية ١٦٣)، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (المائدة آية ٧٣)، وقوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الأنبياء آية ١٠٨) .\nو(الأحد) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فَعَل) . وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة ٩، في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص آية ١) .\nوقيل: إن الفرق بين الواحد وأحد: أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد: يفيده بالذات والمعاني١٠.\n_________\n٧ المعجم المفهرس.\n٨ المعجم المفهرس.\n٩ المعجم المفهرس.\n١٠ مرجع الزجاج ص٥٨.","vol":"46","page":71},{"text":"قيل: وهمزة أحد بدل من الواو وأصله وحد، وقال أبو البقاء: همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر أن (أحد) يفيد العموم دون (واحد) .\nومما يفيد الفرق بين (أحد) و(واحد) ما قاله الأزهري: أنه لا يوصف بالأحدية غير الله. تعالى، فلا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد، بل يقال: رجل واحد، ودرهم واحد١.\nوقيل: الأحد الذي لا نظير له، ولا وزير له، ولا نديد له، ولا شبيه، ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ إلا على الله ﷿، لأنه الكامل في جميع صفاته. وأفعاله٢.\nوقيل (أحد): أي انحصرت فيه تعالى الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال الذي به الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا. الذي لا نظير له، ولا مثيل.\nوقيل الواحد الأحد: هو الذي توحد بجميع الكمالات بحيث لا يشاركه فيها مشارك، ويجب على العبيد توحيده عقدا، وقولا، وعملا بأن يعترفوا بكماله المطلق. ويفردوه بالوحدانية. ويفردوه بأنواع العبادة.\n_________\n١ فتح القدير الجزء الخامس ص٥١٥.\n٢ تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص٤٤٢.","vol":"46","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الغفور </span>و(الغفَّار والغافر)\nالغفور:\nهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) بصيغة المبالغة، بما يدل على، كثرة الغفر لذنوب عباده التائبين- وقد ورد في القرآن الكريم إحدى وتسعين مرة٣ منها إحدى وسبعون مرة٤ بصيغة (غفورٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٧٣)، وقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران آية ١٢٩)، وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (المائدة آية ١٠١) وقوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (سبأ آية ١٥)، وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٠) .\nومنها عشرون مرة٥ بصيغة (غفورًا) بالنصب في مثل قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء آية ٩٦) . وقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (الإسراء آية ٢٥)، وقوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب آية ٧٣) . وقوله: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر آية ٤١)، ومعنى الغفور: العظيم الغفر لعباده الذين يرجعون إليه ويتوبون من ذنوبهم، ونلاحظ أن اسم (الغفور) سبحانه قد اقترن بأسماء أخرى له ﷿:\nفقد اقترن باسم (الرحيم) أربعا وسبعين مرة٦، واقترانه به يفيد أنه سبحانه يغفر\n_________\n٣ المعجم المفهرس.\n٤ المعجم المفهرس.\n٥ المعجم المفهرس.\n٦ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":72},{"text":"للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف آية ٢٣) وقوله: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (هود آية ٤٧) .\nومن ثم لما سأل الصديق أبو بكر ﵁ رسول الله ﷺ أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته دله على صيغة تتضمن طلب المغفرة والرحمة من الله الغفور الرحيم ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵁ أن أبا بكر ﵁ قال: \"يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي\". فقال: \"قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\".\nوروى البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: \"سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة\".\nواقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (الحليم) ست مرات١، واقترانه به يفيد أن الله سبحانه لا يعاجل بالعقوبة عبده الذي يعصيه، بل يمهله، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر. وقد جاء في الصحيحين: أن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود آية ١٠٢) . وأما إذا أقلع العبد عما هو فيه من كفر وعصيان، ورجع إلى الله وتاب، فإن الله تعالى يتوب عليه، لذا يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء آية ١١٠) .\nواقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (الشكور) ثلاث مرات٢ واقترانه به يفيد - كما أسلفت في بيان اسم (الشكور) سبحانه أنه جل وعلا يغفر لعباده الكثير من السيئات، ويشكر لهم اليسير من الحسنات، وهذا من أعظم الفضل وأوسع الرحمة لعباده، إنه - ﷿- بهم رءووف رحيم.\nواقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (العفوّ) أربع مرات٣ واقترانه به يفيد أنه سبحانه يعفو كثيرا عما قصر فيه عباده من أوامره وما ارتكبوه من المعاصي إذا رجعوا إليه - سبحانه وأنابوا، وتابوا مما وقعوا فيه، ويغفر لهم ذنوبهم حسبما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر آية ٥٣) .\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":73},{"text":"واقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (العزيز) مرة واحدة١ هي قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك آية ٢) .\nواقترانه به يفيد أنه سبحانه العزيز الذي بعزته يستطيع أن ينتقم من العاصي آن عصيانه، فهو العزيز المنيع الجناب ﷿، ومع ذلك هو- سبحانه- غفور لمن تاب إليه وأناب بعد أن عصاه وخالف أمره.\nواقترن اسم (الغفور) كذلك باسم (الودود) مرة واحدة٢ هي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (البروج آية ١٤) . واقترانه به يفيد أنه جل وعلا عظيم الغفر لمن تاب إليه وأناب. فيستر ذنوبهم ولا يفضحهم بها، كما أنه سبحانه ودود أي يحب عباده المؤمنين أبلغ المحبة، لإنابتهم إليه دائما. ورد كل أمورهم إليه في كل حال، وكذلك هو سبحانه ودود بمعنى أنه محبوب يحبه عباده المؤمنون لدوام تفضله ﷿ وإنعامه عليهم في كل آن.\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>والغفار:</span>\nاسم من أسماء، الله تعالى على وزن (فعَّال) بصيغة المبالغة، بما يدل على كثرة غفره لعباده التائبين، وقد ورد في القرآن الكريم خمس مرات٣، منها أربع مرات بالرفع٤، في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (طه آية ٨٢)، وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (ص آية ٦٦) . وقوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (الزمر آية ٥)، وقوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ (غافر آية ٤٢) . وورد مرة واحدة ٥ بالنصب في قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (نوح آية ١٠) .\nوقد اقترن اسم (الغفار) سبحانه باسم (العزيز) ثلاث مرات٦، ويفيد اقترانه به أنه تعالى الغالب الذي يقوى بلا ممانع على معاقبة مخالف أمره، لكنه تعالى يمهله، فإذا تاب ستر ذنوبه وغفر سيئاته، وإن لم يتب واستمر في عصيانه أخذه أخذ عزيز مقتدر.\n_________\n٣ المعجم المفهرس.\n٤ المعجم المفهرس.\n٥ المعجم المفهرس.\n٦ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>والغافر:</span>\nاسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل)، وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة ٧. مضافا إلى التوب، ومعطوفا عليها (قابل التوب) في قوله سبحانه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (غافر آية ٣) ومعنى هذا أنه يغفر ما سلف من الذنب. ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع له. ثم يأتي بعد قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قوله سبحانه: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي لمن تمرد وطغى. كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الحجر آية٤٩،٥٠) وكثيرا ما يقرن سبحانه هذين الوصفين في مواضع عديدة من القرآن الكريم وسبب ذلك أن يبقى العبد دائما بين الرجاء والخوف.\n_________\n٧ المعجم المفهرس.","vol":"46","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>القريب:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى ورد في القرآن ثلاث مرات٢، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة آية ١٨٦)، وقوله: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (هود آية ٦١) . وقوله: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (سبأ آية.٥) .\nومعنى القريب أنه سبحانه ليس قريبا من عبده قرب ذات وإنما قرب صفات، فهو قريب جدا من عبده قرب سمع وبصر وعلم وإحاطة وقهر ونصر وغير ذلك من صفات كماله تعالى، ويشير إلى هذا القرب قوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق آية ١٦) . وحبل الوريد هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية الحلق إلى العاتق، وهما وريدان عن يمين وشمال، وقال الحسن: الوريد الوتين، وهو عرق معلق بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان: أي نحن أقرب إليه من حبل وريده، والإضافة بيانية: أي حبل هو الوريد- وقيل الحبل هو نفس الوريد٣ كما يشير تعالى إلى قربه من عبده بقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (الواقعة آية ٨٥) أي أقرب سبحانه من خلقه إلى عبده بعلمه وقدرته ورؤيته، ولكن عباده لا يدركون ذلك لجهلهم فإن الله تعالى أقرب إلى عبده من حبل الوريد٤.\n_________\n٢ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص٥٢٢.\n٣ فتح القدير الجزء الخامس ص٧٥.\n٤ المرجع السابق ص١٦١.","vol":"46","page":75},{"text":"وقد اقترن اسمه (القريب) سبحانه باسمه \"المجيب\" مرة١، كما اقترن باسمه (السميع) مرة واحدة٢، واقترانه بالمجيب مرة ثم بالسميع مرة أخرى يفيد أنه ﷾ يسمع وهو فوق عرشه كل شيء من خلقه سواء أعلن أم أخفى، جهر به أم أسر، لأنه قريب جدا منهم قرب سمع ورؤية وعلم وإحاطة وقدرة وقهر ونصر، قريب بصفاته تعالى من خلقه، وهو سبحانه قريب الإجابة لمن دعاه.\nوقد قال ابن أبي حاتم بسنده عن معاوية بن حيدة القشيري أن أعرابيا قال: \"يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه\"، فسكت النبي ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية (البقرة آية ١٨٦)، إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجيب، وروى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري قال: \"كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فجعلنا لا نصعد شرفا، ولا نعلو شرفا، ولا نهبط واديا إلا رفعنا صوتنا بالتكبير\"، قال: \"فدنا منا\"، فقال: \"يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله\" أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة.\nوروى مالك عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي\" أخرجاه في الصحيحين. من حديث مالك به.\nوعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل\" قالوا: \"وكيف يستعجل؟ \" قال: \"يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي\" رواه الإمام أحمد.\nوروى ابن مردويه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس حدثني جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم أمرت بالدعاء، وتوكلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لا شريك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، أشهد أنك فرد، أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور\" ٣.\nوقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: \"ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها\".\nوثبت في الصحيح أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \" يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي\".\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص١٤٥-١٤٦.","vol":"46","page":76},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، \"قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ \" قال: \"يقول: قد دعوت فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء\" رواه مسلم، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة بيان بعض الأشخاص الذين تستجاب دعوتهم، من ذلك ما يأتي:\n١- دعوة المظلوم: فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرار\" حديث صحيح أخرجه الحاكم، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب\" حديث حسن رواه أحمد.\n٢- دعوة المسافر: إذا كان سفر طاعة وخير كالسفر في سبيل الله للدعوة أو للعبادة أو لطلب العلم الذي يتقرب به إلى الله، ولعل سرَّ استجابة دعوة المسافر كونه غريبا، وبعيدا عن أهله وأحبائه، فيشمله الله تعالى برحمته ورعايته، وتكون استجابة دعوته من آثار رحمة الله ﷿ به، وفضله عليه.\nفعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده\" حديث صحيح رواه الترمذي.\n٢- دعوه الوالد على ولده: وهذا يظهر من الحديث الآنف الذكر، فالوالد إذا دعا بالخير لولده أو بالشر على ولده، استجاب الله له.\n٤، ٥، ٦- دعوة الحاج والغازي والمعتمر: وسبب استجابة دعوة هؤلاء الثلاثة أنهم لبوا نداء الله تعالى، واستجابوا لدعوته، فكافأهم تعالى استجابة دعوتهم، فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر، وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم\" حديث صحيح رواه ابن ماجة.\n٧- دعاء الأخ المسلم لأخيه بظهر الغيب: فعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل \" رواه مسلم.\nوعن صفوان بن عبد الله قال: \"قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء\" فقالت: \"أتريد الحج العام؟ \" فقلت: \"نعم\"، قالت: \"فادع الله لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: \" دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل\" رواه مسلم. ولا شك أن المجتمع الذي تكون صفته أن كل أخ يدعو لأخيه بظهر الغيب، يكون مجتمعا يشيع فيه الخير، وتعم فيه الأخوة الصادقة التي ترقى بأفراده وتسمو بهم في مدارج الإيمان.\n(يتبع)","vol":"46","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>مدخل</span>\n...\nمفهوم الأسماء والصفات (الحلقة الثالثة)\nسعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية\nأسلفت في حلقتين سابقتين ذكر اثنين وثلاثين اسما من أسماء الله الحسنى، وألقيت الضوء على بعض معانيها، وأشرت إلى عدد المرات التي تكررت فيها هذه الأسماء، وقد بلغت في مجموعها خمس عشرة وسبعمائة وألفي مرة (٢٧١٥) في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، فضلا عن السنة المطهرة، عدا ما سيأتي من الأسماء الحسنى في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى.\nوكان أكثر هذه الأسماء تكرارا هو لفظ الجلالة (الله) ﷻ؛ إذ قد تكرر في القرآن الكريم ثمانين وتسعمائة (٩٨٠) مرة.\nوالذي أودّ أن أبرزه أن إيرادي لتلك الأعداد التي تكررت فيها أسماء الله الحسنى ليس من باب التسلية، أو السرد غير الهادف، أو الإحصاء العشوائي، وإنما هدفت من ورائه إلى أن أؤكد حقيقة غاية في الأهمية، تلك الحقيقة هي أن الله تعالى لم يضمن القرآن الكريم هذا الحشد الضخم من أسمائه المباركة إلا لأنه أراد سبحانه أن يلفتنا إلى مدى ضرورة معرفة أسمائه الحسنى التي ذكرها لنا ووردت بها النصوص، ودعانا إلى تعلمها وإحصائها ودعائه بها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠)، وفيما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن لله تسعة وتعين اسما إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر\"، (متفق عليه) .\nأعود فأكد أن تكرار أسماء الله الحسنى بهذا العدد الوفير في القرآن الكريم والسنة المشرفة لهو أقطع دليل على بالغ أهمية تعرف العباد عليها؛ ليدعو الله تعالى بها، وليقفوا على ما تتضمنه من صفات الله ﷿ وليتعبدوا الله تعالى بها أحق ما تكون العبادة.\nولو أن العبد علم الأسماء الحسنى - جل وعلا - وعرف معنى كل اسم من هذه الأسماء وما يتضمنه من المعاني السامية، وملأ بها قلبه؛ لاستغنى بهذه الأسماء الكريمة عن التوجه إلى غير الله تعالى يستجديه ويلتمس عنده قضاء ما لا يقوى عليه إلا الله ﷿، ولصار","vol":"47  -  48","page":55},{"text":"الناس جميعا – أمام ناظريه – سواء كأسنان المشط، لا لفضل لعربي منهم على عجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى؛ إذ هم مثله جميعا عبيد لله رب العالمين.\nومن ثم رأيت أن أتم ما بدأت ذكره مما ورد به النص من أسماء الله الحسنى، ملقيا بعض الأضواء على شيء من معانيها بقدر ما ييسر الله تعالى لي، وذلك فيما يلي:","vol":"47  -  48","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الحيّ:</span>\nهو اسم من أسماء الله جل وعلا، يتضمن تفرده بصفة الحياة الأبدية التي لا تنتهي، والتي تشمل جميع صفات كمالاته الذاتية؛ بمعنى أن اسم (الحي) يفيد دوام الحياة لله سبحانه، وأنه تعالى الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا١، وقيل: الحي معناه: الباقي، وقيل: الذي لا يزول ولا يحول، وقيل: المصرف للأمور والمقدر للأشياء، وقال الطبري عن قوم أنه يقال: حي كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه٢، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله (الحي) أي حي لا يموت٣.\nوقد ذكر شيخ الإسلام فخر الدين الرازي: واعلم أنه تعالى إنما تمدح بكونه حيا، لأن مراده منه كونه حيًا لا يموت، ألا ترى أن الحي الذي يجوز عليه الموت حكم عليه بأنه ميت؟ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر آية ٣٠) ٤.\nأقول: وتسمية نفسه سبحانه باسم (الحي) يفهم منه - وهو جل وعلا دائم الحياة وآثار حيلته منبثة في كل ما خلق - أنه تعالى مصدر حياة كل كائن حي، فهو سبحانه يبدؤها له من حين يشاء، وينهيها منه حين يشاء.\nوما دام أنه تعالى مصدر حياتنا، فقد لفتنا أن نربط به وحده هذه الحياة، ولا نكل أي أمر من أمورها إلا إليه وحده؛ لأنه هو وحده دائم الحياة، فيدوم تدبيره لأمورنا، فقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ (الفرقان لآية ٥٨)، ولم يقل (وتوكل على الحي)\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٨.\n٢ فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧١.\n٣ المرجع السابق ص ٢٧٣.\n٤ شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص ٣٠٣.","vol":"47  -  48","page":56},{"text":"فقط، لأن المخلوقين أحياء ولكنهم سيموتون، فإذا توكل بعضهم على بعض، تبددت مصالح المتوكلين بموت المتوكل عليهم، لذا علمنا ﷿ أن يكون توكلنا على ﴿الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ وهو الله وحده ﷾.\nوقد ذكر الإمام الشوكاني - ﵀ - أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يتوكل عليه في دفع المضار وجلب المنافع فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾، وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه، دون الأحياء المنقطعة حياتهم، فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم. والتوكل هو اعتماد القلب على الله في كل الأمور١.\nوقد ورد اسم (الحي) في القرآن خمس مرات وذلك على ما يلي:\n١- في قوله تعال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ (البقرة آية ٢٥٥) .\n٢- وفي قوله تعالى: ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (آل عمران آية ١، ٢) .\nأقول: وقد ورد اسم (الحي) في الآيتين المذكورتين مقترنا باسم (القيوم) بعد إقرار وتجريد توحيد الألوهية لله تعالى سبحانه.\n٣- وفي قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه آية ١١١) .\nأقول: وقد ورد اسم (الحي) في الآية المذكورة مقترنا باسم (القيوم) كذلك، مع بيان أن وجوه الخلائق ذلت وخضعت لجبارها (الحي) الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، ولا قوام لشيء إلا به٢، وكذلك مع بيان أنه من يلقى ربه (الحي القيوم) على شيء من الظلم - وهو الشرك - فإنه يكون خائبا خاسرا ٢.\n٤- وفي قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ (الفرقان آية ٥٨) .\nأقول: وقد أسلفت - قبل قليل - بيان لِمَ لَفَتَنا الله جل وعلا إلى أن يكون توكلنا عليه وحده لأنه ﴿الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ فلا أرى داعيا لتكراره.\n_________\n١ فتح القدير الجزء الرابع ص ٨٣، ٨٤.\n٢ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٢٦.\n٢ فتح القدير الجزء الثالث ص ٣٨٧ – بتصرف.","vol":"47  -  48","page":57},{"text":"٥- وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (غافر آية ٥٦) .\nأقول: وقد ورد اسم (الحي) في هذه الآية مع إقرار تجريد توحيد الألوهية لله تعالى سبحانه، مع أمرنا أن ندعوه وحده مخلصين له قلوبنا في كل دعائنا.\nوقد ذكر الإمام ابن كثير - ﵀ - في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: هو الأول والآخر والظاهر والباطن، الذي لا معبود إلا هو سبحانه.\nوذكر في قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: موحدين له مقرين بألوهيته وربوبيته، كما ذكر أنه روي عن ابن عباس قوله: من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.\nوذكر الإمام الشوكاني في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي الباقي الذي لا يفنى، المنفرد بالألوهية، وفي قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي الطاعة والعبادة.\nوذكر أنه أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: من قال: لا إله إلا الله فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .١\nوقد ذكر الإمام الشوكاني معنى ﴿ادْعُونِي﴾ في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر آية ٦٠): قال أكثر المفسرين: (والمعنى: وحدوني واعبدوني، أتقبّل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: المراد بالدعاء السؤال بجلب النفع ودفع الضر، قيل: الأول أولى، لأن الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة. قلت: بل الثاني أولى، لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعا هو الطلب، فإن استعمل في غير ذلك فهو مجاز، على أن الدعاء في نفسه باعتبار معناه الحقيقي هو العبادة، بل مخ العبادة، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فالله سبحانه قد أمر عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق، وما يبدل القول لديه، ولا يخلف الميعاد، ثم صرح سبحانه بأن الدعاء - باعتبار معناه الحقيقي وهو الطلب - هو من عبادته فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي ذليلين\n_________\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٥٣٩.\n١ فتح القدير الجزء الرابع ص ٤٩٩.","vol":"47  -  48","page":58},{"text":"صاغرين، وهذا وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله، وفيه لطف بعباده عظيم، وإحسان إليهم جليل حيث توعد من ترك طلب الخير منه واستدفاع الشر به بهذا الوعيد البالغ، وعاقبه بهذه العقوبة العظيمة، فيا عباد الله وجهوا رغباتكم، وعولوا في كل طلباتكم على من أمركم بتوجيهها إليه، وأرشدكم إلى التعويل عليه، وكفل لكم الإجابة به بإعطاء الطلبة، فهو الكريم المطلق الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم وملكه الواسع ما يحتاجه من أمور الدنيا والدين٢.\nأقول: ومن ثم فإن اسم (الحي) - وهو من أسماء الله تعالى الحسنى - يتضمن معنى تفرد الله - ﷿ - بالبقاء الدائم الذي لا فناء معه على الإطلاق، فمن علم أنه هكذا، وأنه يتضمن جميع صفات الكمال الذاتية، وآمن أن الله تعالى وحده هو مصدر كل حياة؛ فإنه لابد أن يجعل اللجأ إليه وحده سبحانه، ضارعا إليه أن يرزقه الحياة الطيبة التي يحس فيها بسعادة العيش، حياة الجسم المعافى من كل داء، وحياة القلب المعافى من كل سوء.","vol":"47  -  48","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>القيوم:</span>\nهو من أسماء الله تعالى، ورد بصيغة المبالغة على وزن (فيعول) من قام، يقوم بمعنى يدوم، والقيوم: الدائم، وكان من قراءة عمر بن الخطاب ﵁: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٣.\nيقول الرازي: إن القيوم مبالغة من القيام، وكمال المبالغة إنما عند الاستغناء به عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه؛ فثبت بهذا البرهان أنه سبحانه هو (القيوم) الحق بالنسبة إلى كل الموجودات١.\nويقول: إن تأثيره - سبحانه - في غيره بالإيجاد، والموجد بالقصد والاختيار لابد وأن يكون متصورا ماهية ذلك الشيء الذي يقصد إلى إيجاده، فثبت أن المؤثر في العالم فعال درّاك، ولا معنى للحي إلا ذاك، فثبت أنه سبحانه حي، فلهذا قال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، دل بقوله: ﴿الْحَيُّ﴾ على كونه عالما، وبقوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ على كونه قائما بذاته، مقوما لغيره، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد٢.\n_________\n٢ فتح القدير الجزء الرابع ص ٤٩٨.\n٣ مرجع الزجاج ص ٥٦ – وقال أبو إسحاق الزجاج في هامش هذه الصفحة: قال أبو حيان في البحر المحيط ٢/٢٧٧: قرأ الجمهور (القيوم) على وزن (فيعول)، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وعلقمة والنخعي والأعمش (القيام)، وفي زاد المسير ١/٣٠٢: وبه قرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن أبي عبلة والأعمش.\n١ شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص ٣٠٥\n٢ المرجع السابق ص ٣٠٥.","vol":"47  -  48","page":59},{"text":"ويقول: واعلم أنه لما ثبت كونه سبحانه قيوما، فهذه القيومية لها لوازم، ويجملها في خمس، أوجزها فيما يلي:\nاللازمة الأولى: أن واجب الوجود واحد، وهو الله تعالى، بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء، إذ لو كانت كذلك لافتقرت إلى كل جزء منها، وكل جزء غيره سبحانه، والمركب متقوم بغيره، فلا يكون إذا متقوما بذاته، ولا مقوما لسواه، ومن ثم لا يكون على الإطلاق قيوما.\nاللازمة الثانية: أن لا يكون سبحانه في محل، فيكون حالا، والحال مفتقر إلى المحل، وإذا كان مفتقرا فلا يكون على الإطلاق قيوما.\nاللازمة الثالثة: ما دام أنه سبحانه قيوم، فهو قائم بنفسه، عالم بذاته، وذاته مؤثرة في غيره، وهذا يقتضي علمه بكل الموجودات، فكان قيوما عليها.\nاللازمة الرابعة: ما دام أنه سبحانه قيوم على كل ما سواه، فكل ما سواه متقوم به، أي موجود بإيجاده.\nاللازمة الخامسة: وما دام أنه سبحانه قيوم بالنسبة إلى كل الممكنات، استند كل الممكنات إليه.\nوإذا عرفت هذا، فالقيوم من حيث إنه يدل على تقومه بذاته يدل على وجوده الخاص به، ويدل على استغنائه عن غيره٣.\nأقول: يخلص من كلام الرازي أن اسم (القيوم) يعني تفرد الله جل وعلا بذاته وقيوميته على كل ما سواه، بحيث تكون جميعها متقومة به، ومفتقرة افتقارا كاملا دائما إليه سبحانه، فضلا عن أنه متقوما بذاته، وغني غنى كاملا عمن سواه.\nوقد ورد اسم (القيوم) في القرآن الكريم ثلاث مرات٤، على النحو التالي:\n١- في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ (البقرة آية ٢٥٥) .\n_________\n٣ المرجع السابق ص ٣٠٥- ٣٠٧ بتصرف.\n٤ المعجم المفهرس ص ٥٨٠.","vol":"47  -  48","page":60},{"text":"وقد ذكر الإمام ابن كثير في هذه الآية أن معنى (القيوم): القيم لغيره، ولا قوم للموجودات بدون أمره١.\nوذكر الإمام الشوكاني في الآية المذكورة أن (القيوم): القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل: القائم بذاته المقيم لغيره. وقيل: القائم بتدبير الخلق وحفظه. وقيل: هو الذي لا ينام. وقيل: الذي لا بديل له٢.\n١- وفي قوله تعالى: ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (آل عمران آية ١، ٢) .\nوقد ذكر الإمام الشوكاني في هذه الآية أن ابن جرير وابن أبي حاتم أخرجا في معنى (القيوم): القائم الذي لا بديل له، كما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد في قوله (القيوم): القائم على كل شيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القيوم الذي لا زوال له٣.\n٢- وفي قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه آية ١١١) .\nوقد ذكر الإمام ابن كثير في هذه الآية أن (القيوم) هو الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، ولا قوام لشيء إلا به٤.\nأقول: وقد اقترن اسم (القيوم) في هذه الآيات الثلاث باسم (الحي) واقترانهما له دلالة عظيمة، ذلك أن اسم (الحي) يشمل جميع صفات الكمال الذاتية لله ﷿، واسم (القيوم) يشمل جميع صفات الكمال الفعلية له سبحانه، وجمع النوعين من صفات الكمال الذاتية والفعلية، جمع لكل صفات الكمال المطلقة بصورها المتعددة؛ لهذا كان من دعاء الله جل وعلا بهذين الاسمين (الحي القيوم) له من الأهمية البالغة ما لو علمه العبد لما انقطع من الدعاء بها البتة؛ فقد ذكر الإمام ابن كثير عن أبي أمامة مرفوعا: (اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: البقرة، وآل عمران، وطه) ٥.\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٨.\n٢ فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧١.\n٣ المرجع السابق ص ٢٧٣.\n٤ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٢٦.\n٥ المرجع السابق ص ٢١٨.","vol":"47  -  48","page":61},{"text":"وذكر الإمام الرازي أنه روي عن ابن عباس أنه كان يقول: (أعظم أسماء الله: الحي القيوم) ٦.\nوأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآتين - ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، و﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ - إن فيهما اسم الله الأعظم) ١.\nكما ذكر الإمام الرازي أن قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ كالينبوع لجميع مباحث العلم الإلهي، فلا جرم بلغت الآيات المشتملة على هذين اللفظين في الشرف إلى المقصد الأقصى٢.\nوقد ورد الاسمان الكريمان (الحي القيوم) أول ما وردا في كتاب الله العزيز في أعظم آية منه، فقد روى الإمام أحمد بن حنبل عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ سأله: \"أي آية في كتاب الله أعظم\"؟ قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارا، ثم قال: \"آية الكرسي\"، قال: \"ليهنك العلم أبا المنذر؛ والذي نفسي بيده، إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش\"، وقد رواه الإمام مسلم، وليس عنده زيادة \"والذي نفسي بيده..\"٣.\nوروى الإمام أحمد عن أبي ذر جندب بن جنادة – في بعض حديث له: (... قلت: يا رسول الله، أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: \"آية الكرسي\": ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾)، ورواه النسائي٤.\nوأخرج الإمام البخاري في تاريخه، والطبراني، وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكر (أن النبي ﷺ جاءهم في صفة المهاجرين ... فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي ﷺ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾، حتى انفضت الآية) .\nوأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: \"أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ \".\n_________\n٦ شرح أسماء الله الحسنى ص ٣٠٧.\n١ فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٤.\n٢ المرجع السابق ص ٣٠٧.\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٧ – وفتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٣.\n٤ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٧.","vol":"47  -  48","page":62},{"text":"وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه؛ آية الكرسي\"، قال الحاكم: صحيح الإسناد٥.\nوأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى اله عليه وسلم: \"يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ \" قال: قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالا؛ فرحمته وخليت سبيله، قال: \"أما إنه قد كذبك وسيعود\"، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى اله عليه وسلم إنه سيعود؛ فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى اله عليه وسلم: \"يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ \" قلت: يا رسول الله! شكا حاجة وعيالا؛ فرحمته وخليت سبيله، قال: \"أما إنه قد كذبك وسيعود\"، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود؛ فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها! قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ .. حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح؛ فخليت سبيله، فأصبحت؛ فقال لي رسول الله ﷺ: \"ما فعل أسيرك البارحة؟ \" قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها؛ فخليت سبيله، قال: \"وما هي؟ \"، قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص الناس على الخير؛ فقال النبي ﷺ: \"أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ \" قلت: لا، قال: \"ذاك شيطان\"١.\nأقول: يخلص مما سبق أن الاسمين الكريمين - (الحي) و(القيوم) - قد وردا في القرآن الكريم مقترنين في مواضع ثلاث من سور البقرة، وآل عمران، وطه؛ ليفيدا\n_________\n٥ فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٤.\n١ صحيح البخاري.","vol":"47  -  48","page":63},{"text":"اتصاف الله جل وعلا - وهما كلمتان فحسب - بصفتي الحياة والقيومية؛ فالأولى تثبت له تعالى جميع صفات الكمال الفعلية المطلقة، ومن ثم وصفها الرسول ﷺ بأنهما يعبران عن اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، فنسألك اللهم (يا حي يا قيوم) أن ترينا الحق حقا وترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلا وترزقنا اجتنابه، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وأن تثبت قلوبنا على دينك، وأن تصرفها على طاعتك، وأن تختم لنا بخاتمة الإيمان.","vol":"47  -  48","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>العلي:</span>\nهم اسم من أسماء الله تعالى، وهو على وزن (فعيل) بمعنى فاعل، أي العالي، هو الذي ليس فوقه شيء٢.\nأقول: وصفة العلو لله تعالى التي تؤخذ من اسمه (العلي) سبحانه، ثابتة بالكتاب والسنة، ومفهومها - على ما سأبين إن شاء الله تعالى عند بيان صفات الله سبحانه - أنه جل وعلا عال فوق عرشه، فهو مستو سبحانه بذاته استواء يليق به، بائن عن جميع خلقه، والعرش واحد من خلقه، وهو رغم ذلك مع خلقه، وأقرب ما يكون إليهم بعلمه، وإحاطته، وقدرته، وقهره، وسمعه، وبصره، وباقي صفاته المطلقة في الكمال، فهو سبحانه قريب في علوه، عال في دنوه، فضلا عن ذلك فالله - جل وعلا - علي في ذاته، وعلي في أسمائه، وعلي في صفاته، وعلي في أفعاله.\nوقد ورد اسم (العلي) في القرآن الكريم ثماني مرات١ على النحو التالي:\nورد مرتين٢ مقترنا باسم (العظيم)، وذلك في قوله تعالى:\n١- ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة آية ٢٥٥) .\n٢- وفي قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (الشورى آية ٤) .\nأقول: وفي هاتين الآيتين نجد أن اسم (العلي) بما يتضمنه من صفة العلو في\n_________\n٢ مرجع الزجاج ص ٤٨- بتصرف.\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المرجع المذكور.","vol":"47  -  48","page":64},{"text":"الذات، والأسماء، والصفات، والأفعال، الأمر الذي يدل على انفراده سبحانه بالكمال المطلق، وقد اقترن باسم (العظيم) بما يتضمنه من صفة العظمة في الذات والأسماء، والصفات، والأفعال، الأمر الذي يدل عل انفراده - سبحانه - بالقدرة المطلقة، اقتران بلغت العقول والقلوب إلى أن الله - ﷿ - في علاه فوق عرشه بما لا يطلع عليه أحد من خلقه في هذه الحياة الدنيا البتة، عظيم عظمة تتضمن القدرة على كل شيء، وتذل أمامها الخلائق فتنصاع صاغرة لعظمة الله (العلي العظيم)؛ إذ إنه خالق ومالك ما في السموات وما في الأرض.\nوقد ورد اسم (العلي) في القرآن الكريم مقترنا باسم (الكبير) خمس مرات ٣، على النحو التالي:\n١- في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (الحج آية ٦٢) .\nأقول: في هذه الآية سبق الاسمان الكريمان (العلي الكبير) بإقرار قضية التوحيد لعظيم أهميتها، فقررت أن الله تعالى هو الإله الحق الذي لا ينبغي أن تصرف أي عبادة إلا له وحده، إذ إن صرف أي شيء منها، ودعاء غيره سبحانه هو الباطل الذي يجب أن ينأى عنه المسلم، ثم تقرر الآية أن الإله الحق الواجب تجريد العبادة له هو الله العلي الكبير.\nويقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: إن الله هو الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأن كل ما عبد من دونه فهو باطل، لأنه لا يملك ضرا ولا نفعا، وأن الله هو العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا٤.\nويقول الإمام الشوكاني في تفسيرها: أي هو سبحانه ذو الحق؛ فدينه حق، وعبادته حق، ونصره لأوليائه على أعدائه حق، ووعده حق، فهو ﷿ في نفسه وأفعاله وصفاته حق، وأن الذين يدعونه إلها من الأصنام١ هو الباطل الذي لا ثبوت له، ولا لكونه إلها،\n_________\n٣ المعجم المفهرس.\n٤ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٩٧.\n١ أقول: أو غيرها من الطواغيت، سواء أكانت جبابرة أحياء، أو موتى، أو حيوانات، أو جمادات ينزل عندها الجاهلون الضالون، ويخشونها كخشية الله أو أشد خشية.","vol":"47  -  48","page":65},{"text":"وأن الله هو العالي على كل شيء بقدرته، المتقدس على الأشباه والأنداد، المتنزه عما يقول الظالمون من الصفات، وأنه سبحانه ذو الكبرياء، وهو عبارة عن كمال ذاته، وتفرده بالإلهية٢.\n١- وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (لقمان آية ٣٠) .\nأقول: وما أقوله عن هذه الآية الكريمة من اقتران اسم (العلي) باسم (الكبير)، ومن تصدر الآية بإقرار توحيد الله وتجريد العبادة له سبحانه، هو ما أقوله في هذه الآية، لتماثلها مع الآية السابقة.\n٢- وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سبا آية ٢٣) .\nوهنا ترى الاسمين الكريمين (العلي الكبير) سُبقا بما بين الله جل وعلا من أن الملائكة حين يزول فَزَع قلوبهم من سماعهم كلام الله تعالى بالوحي يتساءلون عن قول الله ﷿، فيقول بعضهم لبعض الحق الذي قال، وأقروا بأن الله هو العلي الكبير، فلا قول بعد قوله سبحانه.\nوقد ذكر ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: أنه إذا خلي عن قلوبهم، وزال الفزع عنها، سأل بعضهم: ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم للذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٣.\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إذا قضى الأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان يَنْفُذُهم ذلك، حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فيسمعها مسترق السمع - ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض؛ وَصَفَه سفيان بكفه: فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء\" ١.\n_________\n٢ فتح القدير الجزء الثالث ص ٤٦٥.\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٤٠٧.\n١ أخرجه الإمام البخاري.","vol":"47  -  48","page":66},{"text":"وروى ابن أبي حاتم - بسنده - عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي أخَذَت السموات منه رجفة - أو قال رعدة - شديدة؛ خوفا من الله ﷿، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ﷿ من السماء والأرض\".\n١- وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (غافر آية ١٢) .\nأقول: في هذه الآية الكريمة، نجد أنه قد ورد قبل الاسمين الكريمين (العلي الكبير) تقرير وتأكيد لأهمية توحيد الله ﷿، وتوبيخ لأصحاب النار الذين يطلبون من ربهم أن يعيدهم إلى الدنيا ليعملوا صالحا غير الذي كانوا يعملون، لأنهم لم يقبلوا توحيد الله ﷿ في الدنيا، بل كانوا إذا دعوا إلى توحيده يكفرون، وإن يشرك به تعالى يؤمنون، فكان الحكم القاطع بعدم إجابتهم من الله العلي الذي ليس أعلى منه أحد، الكبير الذي ليس أكبر منه أحد، ومن ثم فلا حكم بعد حكمه سبحانه.\nوقد ذكر الإمام الشوكاني في هذه الآية أن الله سبحانه بين لهم السبب الباعث على عد إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدعاء، ثم ذكر في قوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ أي أنه وحده دون غيره، وهو الذي حكم عليهم بالخلود في النار وعدم الخروج منها، وفي قوله: (العلي) أنه المتعالي عن أن يكون له مماثل في ذاته ولا صفاته، وفي قوله: (الكبير) الذي كبر عن أن يكون له مثل، أو صاحبة، أو ولد، أو شريك٢.\nأقول: ومن هنا يبين لنا أن الآية تدور حول بيان مدى أهمية قضية توحيد الله ﷿، وجزاء من رفض توحيده سبحانه وأن الله (العلي الكبير) إذا حكم فلا معقب لحكمه.\n_________\n٢ فتح القدير الجزء ٤ ص ٤٨٤.","vol":"47  -  48","page":67},{"text":"١- وفي قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء آية ٣٤) .\nأقول: في هذه الآية الكريمة نجد أن الاسمين الكريمين في قوله تعالى: ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ قد سبقا بقضية من القضايا الاجتماعية الخطيرة، وهي قضية قوامة الرجل على المرأة وحقه في تأديبها عند خوف نشوزها؛ فقررت الآية للرجل القوامة الكاملة على المرأة، لأنه هو الذي يتولى الذب عنها، والإنفاق عليها، وذلك بسبب تفضيله بما فضله الله تعالى بأن جعل منه الخليفة، والسلطان، والحاكم، والأمير، والغازي، والقاضي، وغير ذلك من الأمور التي خص الله ﷿ بها الرجل، ثم ذكرت الآية أن الزوجات الصالحات قانتات أي مطيعات لله بتأدية حقوقه وحقوق أزواجهن، وأنهن حافظات لأنفسهن ومال أزواجهن في غيبتهم بحفظ الله.\nثم عالجت الآية قضية خوف نشوز المرأة، فحددت للرجل خطوات علاج لابد له أن يتبعها مع زوجته، وذلك أولا: بأن يعظها، ثانيا: بأن يهجرها في المضجع إن لم يثمر وعظها، وثالثا: بأن يضربها ضربا - غير مبرح كما بينت السنة المشرفة - إن لم يثمر هجرها، فإن أطاعت، فليس له أن يتعرض لها بسوء من قول أو فعل، فإن تعرض لها رغم طاعتها، فإن الله (العلي الكبير) يجازيه بعمله.\nوقد ذكر الإمام الشوكاني في قوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ أن هذا إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب - أي في حالة طاعتهن - أي: وإن كانوا يقدرون عليهن، فليذكروا قدرة الله عليهم، فإنها فوق كل قدرة، والله بالمرصاد لهم١.\nوفضلا عما ذكرت، فقد ورد اسم (العلي) سبحانه مقترنا باسم (الحكيم) في القرآن الكريم مرة واحدة٢ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى آية ٥١) .\n_________\n١ فتح القدير – الجزء الأول ص ٤٦١ بتصرف - وأقول في إيجاز: والخطوة الرابعة في علاج الزوجة إن لم تثمر الثالثة هي بعث حكم من أهله وحكم من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، والخطوة الخامسة الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ويكون الطلاق رجعيا في طهر لم يمسها فيه، فإن طلقها بعد المرتين فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره.\n٢ المعجم المفهرس.","vol":"47  -  48","page":68},{"text":"أقول: في هذه الآية الكريمة نجد أن الاسمين الكريمين (العلي الحكيم) قد سُبقا ببيان الطريق الذي ينزل به وحي الله على من يختارهم من عباده، وذلك بإحدى طرق ثلاث: أولا: إما بالنفث في القلب، ثانيا: أو بالكلام من وراء حجاب دون أن يرى سبحانه، ثالثا: أو بإرسال ملك بالوحي الذي يريد سبحانه. وذلك لأنه (علي حكيم) بمعنى أنه متعال عن صفات النقص، وحكيم في كل أحكامه٣.","vol":"47  -  48","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المتعالي:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى، على وزن (متفاعل)، وهو من العلو، والله تعالى عال، ومتعال، وعلي١.\nوقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم مرة واحدة ٢ في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد آية ٩) .\nأقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الكبير المتعال) في هذه الآية بإفراد الله - ﷿ - بعلم ما غُيِّب عن العباد وما لم يُغَيَّب عنهم، مما يدل على استئثاره سبحانه بهذا العلم.\nوقد ذكر الإمام ابن كثير عن هذين الاسمين (الكبير المتعال) في الآية المذكورة أن (الكبير) هو الذي أكبر من كل شيء، وأن (المتعال) هو المتعالي على كل شيء٣.\nوقال الإمام الشوكاني في تفسيرها إن معنى (الكبير) العظيم الذي كل شيء دونه، ومعنى (المتعال) المتعالي عما يقوله المشركون، أو المستعلي على كل شيء بقدرته وعظمته وقهره٤.\n_________\n٣ فتح القدير الجزء الرابع ص ٥٤٤/ ٥٤٥ بتصرف.\n١ مرجع الزجاج ص ٦١.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٢٠٥.\n٤ فتح القدير الجزء الثالث ص ٦٨.","vol":"47  -  48","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الأعلى:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى، على وزن (أفعل) وهي بصيغة المبالغة، واسم (الأعلى) بالتعريف يفهم منه أنه تعالى هو وحده الأعلى في ذاته، وفي أسمائه، وفي أفعاله، ولا يوجد من هو أعلى منه في أي شيء على الإطلاق.\nوقد ورد اسم (الأعلى) في القرآن الكريم مرتين٥:\n١- في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (الأعلى آية ١) .\nأقول: وقد سبق اسم (الأعلى) في هذه الآية الكريمة أمر من الله ﷿ أن نسبح اسمه، وهنا يثور التساؤل: هل التسبيح - وهو التنزيه عن كل ما لا يليق - للرب أو لاسمه تعالى؟\nذهب العلماء إلى رأيين:\nالأول: أن التسبيح إنما هو للرب جل وعلا، ومن ثم يكون (اسم) مقحما، وفي هذا يقول الإمام الشوكاني: المعنى: سبح ربك الأعلى.\nالثاني: أن التسبيح لاسم الرب جل وعلا، ومن ثم فلا يكون (اسم) مقحما، وفي هذا يقول الإمام ابن جرير: المعنى: نزه اسم ربك أن يسمى به أحد سواه. وقيل: المعنى: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم.\nوقال الحسن: معنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ صلِّ له. وقيل: المعنى: صلِّ بأسماء الله لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية. وقيل: المعنى: ارفع صوتك بذكر ربك.\nثم هناك تساؤل آخر: هل الأعلى صفة للرب أو صفة الاسم؟\nذكر الإمام الشوكاني أنه قيل: إنه صفة للرب، ويرى أن هذا الرأي هو أولى. وقيل: إنه صفة للاسم١.\nوقد كان الرسول ﷺ يحب سورة الأعلى؛ فقد روى الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾)، تفرد به أحمد.\nكما كان الرسول ﷺ يقرأ بها في أكثر من مناسبة؛ فقد روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى\n٥ المعجم المفهرس.\n_________\n١ فتح القدير الجزء الخامس ص ٤٢٣.","vol":"47  -  48","page":70},{"text":"الله عليه وسلم قرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا)، ولفظ الإمام مسلم وأهل السنن: (كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما) .\nوروى الإمام أحمد عن كعب وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أبزى وعائشة أم المؤمنين (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وزادت عائشة: والمعوذتين) .\nبل ثبت أن رسول الله ﷺ حث على الصلاة بسورة الأعلى؛ فقد جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: \"هلا صلَّيت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾) .\nأقول: مما أسلفت يتبين أن اسم (الأعلى) - وقد سبق بالأمر بتنزيه ربنا تعالى أو اسمه، بمعنى الإقرار بجميع صفات كماله، وإبعاده عن جميع صفات النقص - يدل على أهمية قضية توحيد الله ﷿ في مناسبات عديدة في مواضع مختلفة من القرآن الكريم.\n١- وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ (الليل آية ١٩، ٢٠) .\nأقول: وقد سبق اسم (الأعلى) في هذه الآية بيان أن أبا بكر الصديق ﵁ ما كان يبذل ماله ليكافئ من أسدى إليه معروفا، فيكون إعطاؤه إياه مقابل معروفه، وإنما كان بذله ابتغاء وجه ربه الأعلى، طاعة له ليزكي نفسه وماله؛ بمعنى أنه - ﵁ - إنما كان يتصدق مبتغيا بصدقته وجه الله تعالى خالصا، لا ليجازي بصدقته صاحب نعمة عليه.\nومن هذا يتبين لنا أن اسم (الأعلى) قد سبق بإقرار قضية التوحيد بإخلاص العمل لله تعالى وحده، دون أن يكون لأي من البشر فيه نصيب.\nوقد ذكر الإمام الشوكاني في معنى الآية المذكورة: أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن يجازي عليها حتى يقصد بإيتاء ما يؤتي من ماله مجازاتها، وإنما لا يؤتي إلا لابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة١.\n_________\n١ فتح القدير الجزء الخامس ص ٤٥٤.","vol":"47  -  48","page":71},{"text":"وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ (الليل آية ١٧- ١٨) . ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الصفات، وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقا، تقيا، كريما، جوادا، بذالا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله ﷺ، ﵁ وأرضاه٢.","vol":"47  -  48","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>العظيم:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعيل) بصيغة المبالغة، بما يدل على منتهى العظمة لله تعالى، بحيث لا تعلوها عظمة مخلوق.\nوبهذا الاسم الكريم أثبت الله ﷻ لنفسه العظمة المطلقة في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.\nوقد ورد اسم (العظيم) في القرآن الكريم ست مرات٣ على النحو التالي:\n١- في قوله تعالى: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة آية ٢٥٥) .\nأقول: وقد سبق أن أشرت إلى اقتران الاسمين الكريمين (العلي العظيم) عند الكلام على اسم (العلي) .\nوأضيف هنا أن اسم (العظيم) وقبله (العلي) قد سبقا في هذه الآية الكريمة ببيان القدرة المطلقة لله تعالى، التي من مظاهرها حفظ السموات والأرض، ولا يثقله - سبحانه – هذا الحفظ أدنى ثقالة، وإثبات كمال القدرة لله تعالى، وهي من باب إثبات أسمائه - جل وعلا - وصفاته، وهو قسم من أقسام توحيد الله ﷿.\n٢- وفي قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (الشورى آية ٤) .\n_________\n٢ تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص ٣٩٩\n٣ المعجم المفهرس.","vol":"47  -  48","page":72},{"text":"أقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (العلي العظيم) في هذه الآية الكريمة ببيان تجريد الربوبية لله سبحانه - التي من مظاهرها بأنه هو وحده الملك للسموات والأرض وما فيهن، وتجريد الربوبية له تعالى قسم من أقسام توحيد الله ﷿.\n١- وفي قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (الواقعة آية ٧٤) .\nأقول: وقد سبق الاسم الكريم (العظيم) في هذه الآية بالأمر بالتسبيح باسم ربنا تعالى، ومعنى هذا الأمر: أن ننزهه عما لا يليق بشأنه كما يذكر الإمام الشوكاني١.\nوتنزيهه سبحانه على هذا الوجه معناه إثبات كل صفات الكمال له تعالى، وهذا الأمر من مباحث توحيد الله ﷿.\n٢- وفي قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (الواقعة آية ٩٦) .\nأقول: وما ذكرته في الآية السابقة هو ما أقرره في هذه الآية؛ لأن الأمر فيهما واحد.\n٣- وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ (الحاقة آية ٣٣) .\nأقول: وقد سبق الاسم الكريم (العظيم) في هذه الآية بذكر حال الذي يؤتى كتابه بشماله - يوم تعرض الخلائق على الله - فيدخل في سلسلة طولها سبعون ذراعا ثم يرمى في الجحيم، وبيان أنه ما كان يؤمن بالله (العظيم) فلم يطعه، ولم يؤيد ما أوجبه تعالى عليه من حقوق سبحانه، فضلا عن حقوق العباد، والإيمان بالله يترتب عليه الائتمار بما أمر، والانتهاء عما نهى، وهذا الإيمان إنما يعني توحيد الله ﷿.\n٤- وفي قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (الحاقة آية ٥٢) .\nأقول: وقد سبق الاسم الكريم (العظيم) في هذه الآية بالأمر بتنزيه الله تعالى عما لا يليق، إذ إنه لا يأتي منه إلا بكل خير، والقرآن الكريم جاء من عنده تعالى، لذلك كان حق اليقين؛ فجاءت الآية السابقة (وإنه لحق اليقين) أي: أن القرآن لأنه من عند الله؛ فهو حق لا يحول حوله ريب، ولا يتطرق إليه شك، والقرآن هو كلام الله تعالى، وكلامه سبحانه صفة من صفاته، والصفات من مباحث توحيد الله ﷿.\n_________\n١ فتح القدير الجزء الخامس ص ١٦٢.","vol":"47  -  48","page":73},{"text":"ومن ثم يبدو أن أسماء الله ﵎ غالبا ما تأتي بعد قضية توحيد الله جل وعلا، وتجريد العبادات له سبحانه.","vol":"47  -  48","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الغني:</span>\nهم اسم من أسماء الله تعالى، يتضمن أن الله جل وعلا غني غنى مطلقا عن جميع خلقه، فليس محتاجا إلى أي منهم، لأنه سبحانه هو خالق الخلق، ومالكه، ومدبر أمره، وخزائن كل شيء عنده وحده، يمد منها خلقه بقدر معلوم حسب مشيئته هو سبحانه كما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (لحجر آية ٢١) ومن كانت صفاته بهذه المثابة، فلا يمكن أن يحتاج البتة إلى واحد من خلقه، إذ إن الذي يحتاج إلى غيره لا يصلح أن يكون إلها، ومن ثم إلهنا العظيم هو (الغني) على الإطلاق.\nوقد ورد هذا الاسم الكريم (الغني) في القرآن الكريم ثماني عشرة مرة١، على النحو التالي:\nورد عشر مرات ٢ مقترنا باسم (الحميد) سبحانه، وذلك على مثل ما يلي:\n١- في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة آية ٢٦٧) .\nأقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) في هذه الآية الكريمة بأمر الله تعالى لنا بأن نعلم أن الله تعالى (غني حميد)، فهو المتصف بالغنى المطلق، والمستحق للحمد المطلق، وذلك بعد أن أمر المؤمنين - في الآية ذاتها - أن ينفقوا من طيبات ما كسبوا ومما أخرج الله تعالى لهم من الأرض، وأن لا ينفقوا من الخبيث، إذ إنهم لا يقبلون أخذه إلا تساهلا وتجاوزا عن بعض حقوقهم، ومع أمر الله لهم إلا بالإنفاق من الطيبات، فالله غني - على الإطلاق - عن إنفاقهم، ومستحق للحمد على كل ما أمر وفعل.\nوقد ذكر الإمام ابن كثير في معنى قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أن الله تعالى وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذلك إلا ليساوي الغني الفقير، كقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾، وهو غني عن جميع خلقه،\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ المعجم المفهرس.","vol":"47  -  48","page":74},{"text":"وجميع الخلق فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفذ ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، وسيجزيه بها، ويضاعفها له أضعافا كثيرة، فالذي يقرضه غير عديم ولا ظلوم. وهو سبحانه الحميد أي المحمود في جميع أفعاله، وأقواله، وشرعه، وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه٣.\nأقول: ولو أن العبد علم أن من أسماء الله تعالى (الغني)، وأن خزائنه ملأى لا تنقص ولا تنفذ، لجرد كل اعتماده عليه سبحانه، ولما طلب مددا من غيره جل شأنه، ولما لجأ إلى ما يزين له الشيطان من الاستمداد من الأحياء، والموتى، بل ومن الجمادات، لأن الله - وحده - هو الذي يملك أن يمد بكل أنواع الإمدادات، وقد أشار سبحانه إلى هذا في قوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (نوح آية ١٠- ١٢)\n٢-وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهيم آية ٨) .\nأقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) ببيان قول رسول الله موسى ﵇ - وهو من أولي العزم من الرسل - أنه لو كفر قومه وهم بنو إسرائيل، وكفر الناس جميعا؛ فإن كفرهم لن يضر الله شيئا، فهو سبحانه الغني غنى مطلقا عن خلقه جميعا، المحمود على كل أوامره وأفعاله.\nوقد قال الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ..﴾ الآية، فسبحانه وتعالى الغني الحميد١.\nوقد قال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: أي إن تكفروا نعمته تعالى أنتم وجميع الخلق ولم تشكروها، فإن الله سبحانه ﴿الْغَنِيُّ﴾ عن شكركم لا يحتاج إليه، ولا يلحقه بذلك نقص ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه، وإن لم تشكروه، أو يحمده غيركم من الملائكة٢.\n_________\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢٣٠- ٢٣١.\n١ تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٤٢٦.\n٢ فتح القدير الجزء الثالث ص ٩٦.","vol":"47  -  48","page":75},{"text":"١- وفي قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الحج آية ٦٤) .\nأقول: وقد سُبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) في هذه الآية الكريمة ببيان ملك الله ﷿ لكل ما في السموات وما في الأرض، فهو خالق كل شيء وحده، ومالك كل شيء وحده، ومدبر أمر كل شيء وحده، وهذا يدل على كمال ربوبيته وكمال غناه عن خلقه سبحانه.\nوقد قال الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: إن كل شيء في السموات والأرض ملكه وحده لا شريك له سبحانه، وهو (الغني الحميد) أي المستغني عما سواه، المستوجب الحمد من عباده في كل حال٣.\nوقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: إن الله تعالى ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ خلقا وملكا وتصرفا، وكلهم محتاجون إلى رزقه، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ فلا يحتاج إلى شيء، ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستوجب للحمد في كل حال٤.\n٤- وفي قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (لقمان آية ٢٦)\nأقول: وما ذكرته في الآية الثالثة يصدق على هذه الآية؛ لتضمنها تقريبا المعنى نفسه.\n١- وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (لقمان آية ١٢) .\nأقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) في هذه الآية الكريمة ببيان أن الله تعالى أعطاه الحكمة وأمره أن يشكر وحده على ما أنعم به عليه، إذ إن الشكر ينفع الشاكر وحده، والذي يجحد النعم ولا يشكرها فلن يضر الله بكفره؛ لأنه سبحانه ليس في حاجة إلى شكر شاكر، فهو الغني المستحق لكافة أنواع الحمد.\nويفهم من هذا أن المنعم وحده هو الله تعالى، وهذا من كمال ربوبيته، وبهذا يستحق الشكر وحده، فهو المستغني عن كل خلقه، الواجب الحمد منهم على كل حال.\n_________\n٣ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٩٨.\n٤ فتح القدير الجزء الثالث ص ٤٦٦.","vol":"47  -  48","page":76},{"text":"وقد قال الإمام ابن كثير في معنى هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى آتى لقمان١ الفهم، والعلم والتعبير، والفقه في الإسلام، ولم يكن نبيا ولم يوح إليه، وأمره بشكره على ما آتاه من الفضل الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، وأن الشكر يعود نفعه على الشاكرين، أما الله تعالى فليس بحاجة إلى العباد، ولا يتضرر ولو كفر أهل الأرض جميعا، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه٢.\nمما سبق يتبين أن اسم (الغني) جاء في أغلب الآيات بعد إقرار قضية توحيد الله ﷿.\nوقد ورد اسم (الغني) مقترنا باسم (الحليم) سبحانه مرة واحدة ٣:\nفي قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٦٣) .\nأقول: واقتران الغني بالحليم أفهم منه أنه سبحانه مع غناه المطلق الذي لا يحتاج به إلى أحد من خلقه؛ فإنه حليم عليهم حين يعصونه، والمعهود في عرف الناس أن الغني منهم - وغناه محدود - لا يحلم على عبده لو عصاه، لكن الله جل وعلا - وله المثل الأعلى - مع غناه المطلق حليم بعباده العاملين.\nوقد سبق هذان الاسمان الكريمان ببيان أن المنفق إذا أتبع صدقته بالقول الطيب والغفران - لأنه ينفق ابتغاء وجه الله الذي لا توجه العبادة إلا له وحده سبحانه - فإن ذلك يكون خيرا له من اتباعه إنفاقه بما يؤذي من أعطاه، ولا يتأتى القول الطيب والمغفرة إلا من المنفق المؤمن الموحد الذي يؤمن بأن الذي أعطاه ما ينفق منه إنما هو ربه (الغني) الذي لا ينفد عطاؤه، ومن ثم خرج كلامه طيبا، من قلب طيب، عل لسان طيب. ورغم ذلك فإن صدر منه خطأ - وكل بني آدم خطاء – وجد أن الله (الغني) هو سبحانه (الحليم) الذي يتجاوز عن مثل خطئه لدوام رجوعه إلى ربه وتوبته.\nوقد ذكر الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ - في هذه الآية - أن الله غني عن خلقه يحلم ويغفر ويصفح٤.\nوقد ورد اسم (الغني) مقترنا باسم (الكريم) سبحانه مرة واحدة ٥:\nفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل آية ٤٠) .\n_________\n١ اختلف السلف في لقمان: هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين: فالأكثرون على الثاني، وعن ابن عباس أنه كان عبدا حبشيا نجارا، وعن جابر بن عبد الله قال: كان قصير أفطس الأنف من النوبة، وعن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، أعطاه الحكمة ومنعه النبوة. (تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٣٢٥) .\n٢ المرجع السابق ص ٣٢٦.\n٣ المعجم المفهرس.\n٤ تيسير الكريم الرحمن المجلد الأول ص ٢٢٨.\n٥ المعجم المفهرس.","vol":"47  -  48","page":77},{"text":"أقول: واقتران (الغني بالكريم) أفهم منه أنه سبحانه مع غناه المطلق عن خلقه، فهو الكريم كرما مطلقا لا يسلب عباده الذين يعصونه نعمه التي تفضل بها عليهم إلا بعد أن يذكروا ويوعظوا ويبين لهم، فإذا نسوا ما ذكروا به بعد توالي نعمه سلبهم ما أعطاهم بأخذه بغتة كما يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (النعام آية ٤٤) .\nوالمعهود في عرف الناس أن الغني منهم إذا عصاه عبده سلب منه ما أعطاه عاجلا؛ إذ يضيق صدره بعصيان عبده إياه، فيرى في لحظة عصيانه أنه لا يستحق خيره وعطاءه، فيسارع إلى استعادة ما أعطاه، لكن الله جل وعلا - وله المثل الأعلى - في غناه المطلق، واسع الكرم لا يسلب عباده العاصين بمجرد عصيانهم نعمه، بل يمهلهم - دون إهمال - بل قد يزيد في الإنعام عليهم، فإذا ما ظلوا في غيهم سادرين أخذهم أخذ عزيز مقتدر.\nوقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي هو غني عن العباد وعبادتهم، كريم في نفسه وإن لم يعبدوه، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى ﵇: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ١.\nوذكر الإمام الشوكاني أن الشكر لا ينفع إلا الشاكر، ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ بترك الشكر ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره، ﴿كَرِيمٌ﴾ في ترك المعاجلة بالعقوبة بنزع نعمه عنه وسلبه ما أعطاه منها٢.\nأقول: وبهذه المناسبة أود أن أذكر أن الله (الغني) سبحانه، يحتاج إليه كل خلقه صغر أم كبر، إنسيا أم جنيا، طيرا أم زاحفا، وحشا أم مستأنسا، فالكل فقير في أمس الحاجة إلى فضل ربهم (الغني) ﷾.\nوقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: (خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تستقينا، وإما أن تهلكنا؛ فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم) .\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٢٣٩.\n٢ فتح القدير الجزء الرابع ص ١٣٩.","vol":"47  -  48","page":78},{"text":"فهذه نملة هداها الله إلى أن تدعوه وتقول: ليس بنا غنى عن رزقك. فاستجاب الله تعالى لدعائها، وسقى قوم سليمان بدعاء النملة كما ذكر سليمان لهم: (ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم) .\nأقول: فلو أن الإنسان - الذي كرمه الله تعالى وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا - علم أن خالقه سبحانه هو الغني الذي بيده وحده كل الخير، وواسع الفضل، وآمن بأنه لا يدعى ولا تطلب النعم إلا منه جل وعلا، لاطمأن قلبه من فزع الجوع وخوف الفقر، ولسلب أموره التي فوضها للعباد، وأدعيته التي وضعها بين أيديهم، ليضعها في يد خالقه الغني رب العالمين، الذي يقدر وحده أن يمده بما شاء من فضله، إذ إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\nوقد ورد اسم (الغني) مقترنا بما وصف به نفسه تعالى بقوله ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ مرة واحدة ١ في القرآن الكريم:\nفي قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (الأنعام آية ١٣٣) .\nأقول: واقتران اسم (الغني) في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أفهم منه أنه تعالى مع غناه المطلق الذي لا يحتاج به إلى واحد من خلقه، والذي به ينعم بما يشاء من النعم على خلقه، فهو تعالى رحيم بمن عصاه من خلقه، لا يعاجلهم بعقوبته فور عصيانهم، كما نرى المعهود بين الناس - ولله المثل الأعلى - فالغني منهم إذا عصاه عبده سرعان ما يوقع به عقوبته، محاولا أن يجعلها تناسب جرمه، لكن الله جل وعلا واسع الرحمة يمهل عباده العاصين لعلهم يرجعون إليه ويتوبون، وفي هذا يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ (النحل آية ٦١) .\nوقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ إلى قوله ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أنه الغني عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، وهو مع ذلك رحيم بهم، فإن شاء أذهبهم إذا خالفوا أمره، ويستخلف من بعدهم ما يشاء من قوم آخرين يطيعونه، كما أذهب\n_________\n١ المعجم المفهرس.","vol":"47  -  48","page":79},{"text":"القرون الأولى وأتى بمن بعدها، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ ٢.\nوقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: وربك الغني عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم، ومع كونه غنيا عنهم؛ فهو ذو رحمة بهم لا يكون غناه مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم، هي غاية التفضل والتطوّل، إذ لو شاء لاستأصل العصاة بالعذاب المفضي إلى الهلاك، ويستخلف من بعد إهلاكهم ما يشاء من خلقه ممن هو أطوع له وأسرع إلى امتثال أحكامه منهم؛ مثل ما استخلف غيرهم الذين أنشأهم من ذرية قوم آخرين أهلكهم - قيل: هم أهل سفينة نوح - ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فلم يهلكهم، ولا استخلف غيرهم رحمة لهم، ولطفا بهم٣.\nوقد ورد اسم (الغني) سبحانه في القرآن الكريم دون أن يقترن بغيره من أسماء الله تعالى الحسنى خمس مرات ١: على ما يلي:\n١- في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران آية ٩٧) .\nأقول: وقد سبق اسم (الغني) سبحانه في هذه الآية الكريمة ببيان وجوب أداء حج بيت الله الحرام لكل من يستطيع السبيل لبلوغه، وإبراز أن الحج إنما هو لله وحده، واعتبر المستطيع الذي يتقاعس عن أداء هذا الركن من أركان الإسلام كافرا، وكفره عليه، فلن يضر الله به شيئا، إذ إن الله غني عنه وعن عبادته وعن العالمين جميعا، وتجريد العبادة لله وحده هو من توحيده سبحانه.\nوقد قال الإمام ابن كثير في بيان قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: إن من جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه. وروى سعيد بن منصور عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله ﷿: فأخصمهم فحجهم، يعني فقال لهم النبي ﷺ: \"إن الله فرض على المسلمين حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا\"، فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.\n_________\n٢ تيسير العلي القدير المجلد لثاني ص ٥٨- بتصرف قليل.\n٣ فتح القدير الجزء الثاني ص ١٦٤- بتصرف قليل.\n١ المعجم المفهرس.\n٢ تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢٩٥- ٢٩٦.","vol":"47  -  48","page":80},{"text":"وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: قيل إنه عبر بلفظ الكفر عن ترك الحج تأكيدا لوجوبه وتشديدا على تاركه، وقيل المعنى: ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجبا، وقيل: إن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر، وما شرع الله تعالى لعباده هذه الشرائع إلا لنفعهم ومصلحتهم، وهو - تعالى شأنه وتقدس سلطانه - غني لا تعود إليه طاعات عباده بأسرها بنفع٣.\n١- وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت آية ٦) .\nأقول: وقد سبق اسم (الغني) سبحانه في هذه الآية ببيان أن جهاد الإنسان - وهو عبادة عدت ذروة سنام الإسلام – لا ينفع سواه، وهكذا شأن كل أعماله، ولا ينفع الله شيئا، فهو سبحانه غني عن كل العالمين، ويتبين أن ذكر العبادة التي تجرد لله تعالى - وهذا من توحيده - سبق ذكرها اسمه (الغني) ﷾.\nوقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: أن من جاهد فإنما يعود جهاده على نفسه، فإن الله غني عن أفعال العباد، ولو كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيء٤.\nوقال الإمام الشوكاني في بيان الآية نفسها: أن من جاهد الكفار وجاهد نفسه بالصبر على الطاعات فإنما يجاهد لنفسه، أي ثواب ذلك له لا لغيره، ولا يرجع إلى الله سبحانه من نفع ذلك شيء، فلا يحتاج إلى طاعة العالمين كما لا تضره معاصيهم١.\n٢- وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر آية ٧) .\nأقول: إن اسمه الكريم (غني) ذكر معه بيان أن عدم توجيه العبادات لله تعالى لعدم الإيمان به لا يضر الله شيئا، بل ضرره على صاحبه لعدم توحيده، ورغم هذا فالله تعالى لا يرضى لعباده أن يكفروا، ولكنه يرضى لهم أن يشكروا.\nويتبين من هذا ومما سبق من الآيات أن الأسماء الحسنى تذكر غالبا مقترنة مع بيان توحيد الله ﷿، مما يؤكد أهمية توحيد صاحب هذه الأسماء الكريمة.\n_________\n٣ فتح القدير الجزء الأول ص ٣٦٣- بتصرف قليل.\n٤ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٢٨٤.\n١ فتح القدير الجزء الرابع ص ١٩٣.","vol":"47  -  48","page":81},{"text":"وقد قال الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى يخبر عن نفسه ﵎ أنه الغني عما سواه كما قال موسى ﵇: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، وكما جاء في صحيح مسلم: \"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا\"، ومع ذلك فالله لا يحب الكفر لعباده ولا يأمر به، ولكن يحب لهم أن يشكروا ويزيدهم من فضله٢.\nوقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: إنه تعالى غير محتاج إليكم، ولا إلى إيمانكم، ولا إلى عبادتكم له، فإنه الغني المطلق، ومع كون كفر الكافر لا يضره كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن فهو سبحانه لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ولا يحبه، ولا يأمر به.\nوقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ هل هي عامة أم خاصة؟\nفذهب فريق إلى أنها عامة لعباد الله جميعا؛ فالكفر غير مرضي لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر؛ فقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته.\nوذهب فريق - منهم ابن عباس ﵄، على ما أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات في قوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ - أنهم عباده المخلصون الذين قال عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾؛ فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم، وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن المعنى: لا يرضى لعباده المسلمين الكفر٣.\n١- وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (يونس آية ٦٨) .\nأقول: إن من لديه أدنى ذرة من عقل يعلم يقينا أن الله سبحانه لا يمكن أن يتخذ ولدا، لأن اتخاذ الولد مظهر من مظاهر الحاجة، إذ إن المعهود في الإنسان أنه يتخذ الولد لحاجته إليه ليحمل اسمه ويبقى ذكره بعد موته، وليعينه في حياته إذا عجز أو كبر،\n_________\n٢ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٤٩٧.\n٣ فتح القدير الجزء الرابع ص ٤٥٣- ٤٥٤.","vol":"47  -  48","page":82},{"text":"وليمده بما يقتات به إذا افتقر، والله تعالى - وله المثل الأعلى - لا يتصور عاقل أن يتخذ له ولدا، لأن اتخاذ الولد دليل على حاجة متخذه إليه، والمحتاج إلى غيره لا يصلح أن يكون إلها، فسبحان الله العلي الكبير أن يحتاج لغيره، فهو (الغني) عن خلقه جميعا، وآية ذلك أنه خالق السموات والأرض وما فيها وما بينهما، ومالك الخلق جميعا ومدبر أمره وحده ﷾.\nوتجريد الربوبية لله تعالى على هذه الصورة لينبني عليه توحيد الألوهية ثم توحيد الأسماء والصفات أكمل تجريد لتوحيد الله ﷿؛ ومن ثم نرى أن أسماء الله تعالى تذكر غالبا بإقرار قضية توحيد الله ﵎ لعظيم أهميته في صحة الأعمال.\nوقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة أن الله تعالى ينكر على من ادعى أن له ولدا، ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي تنزه عن أن يكون له ولد، بل هو الغني عن كل ما سواه، إذ كيفي كون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك وعبد له؟ ١.\nوذكر الإمام الشوكاني في بيان الآية نفسها: أن هذا نوع آخر من أباطيل المشركين التي كانوا يتكلمون بها، وهو زعمهم بأن الله سبحانه اتخذ ولدا، فرد ذلك عليهم بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾؛ فتنزه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين، وبين أنه غني عن ذلك، وأن الولد إنما يطلب للحاجة، والغني المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها، وإذا انتفت الحاجة انتفى لولد، وأيضا إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض ليقوم الولد مقامه، والأزلي القديم لا يفتقر إلى ذلك، ثم بالغ في الرد عليهم بما هو كالبرهان فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ وإذا كان الكل له وفي ملكه فلا يصح أن يكون شيء مما فيها ولدا؛ للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة٢.\n١- وفي قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد آية ٣٨) .\nأقول: وقد سُبق اسم (الغني) سبحانه في هذه الآية الكريمة ببيان نوع من أنواع العبادة وهو الإنفاق، وأنه لا يكون مقبولا إلا إذا جرد لله تعالى وحده، وأن الذي لا يكون موحدا بالله ومؤمنا بأسمائه الحسنى وصفات كماله العليا - ومنها أنه الغني وغناه مطلق لأنها نهاية له - فيبخل بالإنفاق خالصا لوجهه تعالى، فإنما يقع ضرر ذلك عليه وحده، ولا يضر الله شيئا، لأنه سبحانه هو الغني وخلقه هو الفقراء إليه، وإن استمروا على عدم توحيدهم مدبرين\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٣٠٩.\n٢ فتح القدير لجزء الثاني ص ٤٦٠.","vol":"47  -  48","page":83},{"text":"فإن الله قادر على أن يذهبهم ويأت بأقوام غيرهم آخرين يعرفون الله تعالى ويخلصون له توحيده وأعمالهم.\nوهذا يستفاد منه أن توحيد الله ﷿ في غاية الأهمية، وفاقده على خطر عظيم.\nوقد قال الإمام ابن كثير في بيان الآية الكريمة: إن من يبخل أضاع على نفسه الأجر وعود الوبال عليه، والله الغني عما سواه، وفقير إليه ما عداه، ولذا قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ أي بالذات إليه فوصفه بالغنى، ووصف الخلق بالفقر لازم لهم لا ينفكون عنه، كما ذكر تعالى أنهم إن تولوا عن طاعته واتباع شرعه استبدل قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم، ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره١.\nوقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: إنكم أيها المؤمنون تدعون لتنفقوا في الجهاد وفي طريق الخير فمنكم من يبخل بما يطلب منه ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال، ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس بمنعها الأجر والثواب ببخله، فإن الله هو الغني المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالهم، وأنتم الفقراء إلى الله وإلى ما عنده من الخير والرحمة، وأنكم إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى يستبدل قوما آخرين يكونون مكانكم أطوع لله منكم ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي عن الإيمان والتقوى٢.\nأقول: وهذا يستفاد منه أن الإيمان بالله تعالى وحده وتجريد الأعمال جميعا له في غاية الأهمية، وفاقد ذلك على خطر عظيم.\nنسألك اللهم أن تثبت قلوبنا على دينك، وأن ترسخ في قلوبنا عقيدة التوحيد، وأن ترزقنا العمل بما تقتضيه، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص ٦٧.\n٢ فتح القدير ص ٤٢.","vol":"47  -  48","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>مدخل</span>\n...\nمفهوم الأسماء والصفات\nفضيلة الشيخ/ سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية\nالحلقة الرابعة\nفي حلقات ثلاثٍ مَضَيْن، ذكرت تسعا وثلاثين اسما من أسماء الله الحسنى، وألقيتُ أضواء على بعض معانيها بحسب ما يسَّر الله ﷿ لي من فهم، وأشرتُ إلى أن تلك الأسماء وردت في القرآن الكريم مرات بلغ مجموعها (٢٧٥٨) ثماني وخمسين وسبعمائة وألفي مرة في مواضع مختلفة.\nوالذي يهمني أن أؤكده في كل حلقة من هذه الحلقات: أن تكرار أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم -فضلا عن السنة المشرفة- بهذه الأعداد الضخمة، لم يأت عبثًا، ولم يكن أمرًا عشوائيًا، وإنما هو لَفْتٌ إلى عِظَمِ أهمية هذه الأسماء، وضرورة تعرف المسلم عليها، لأن كل اسم منها يتضمن صفة كمال لله ﵎، وصفات كماله -جلَّ وعلا- يتحتم على كل مسلم أن يعرفها، إذ لا يمكن أن يعبد إلهًا يجهله، وسبيل معرفته –سبحانه- لا تكون إلا بمعرفة أسمائه الحسنى، وصفات كماله العُلى. ومن ثمَّ تتضح الضرورة الملحَّة للمسلم التي تلزمه بمعرفة أسماء الله تعالى وصفاته، إذ هي سبيله إلى توحيده سبحانه، وتوحيده هو الوسيلة الوحيدة لتصحيح عمله وقبوله.\nوإتمامًا لما بدأت في الحلقات الثلاثة السابقة، أعرض -بحول الله وقوته- بعضًا آخر من الأسماء الحسنى، محاولًا إلقاء بعض الأضواء -حسبما ييسِّر الله تعالى لي- على شيء من معانيها فيما يلي:-","vol":"49","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المولى</span>- الوليّ:\nالمولى:\nهو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى. ويطلق لفظ المولى في اللغة على: المعتِق، وعلى المعتَق، وعلى الناصر، وعلى الجار، وعلى ابن العم، وعلى الحليف، وعلى القيِّم بالأمر. والقدر المشترك في هذه الاطلاقات هو القرب.\nوحين يطلق (المولى) على الله ﷿، فإن معناه: القريب من عباده١.\n* وقد ورد اسم (المولى) سبحانه في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة٢ ثلاث مرات٣ بلفظ (المولى): في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الأنفال آية ٤٠) (وإن تولوا) أي أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا. (فاعلموا أن الله مولاكم) أي ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته.\n(نعم المولى) فلا يضيع من تولاه، (ونعم النصير) فلا يغلب من نصره٤.\nومعنى المولى هنا: سيدكم وناصركم على أعدائكم فمن والاه فاز، ومن نصره غلب٥.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج آية ٧٨) أي وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة، فاعبدوه وانفقوا مما آتاكم بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، وثقوا به، ولا تطلبوا النصرة ولا الولاية إلا منه، فهو خير مولى وناصر٦.\nومعنى المولى هنا: أي حافظكم وناصركم على أعدائكم والمتولي أموركم دقيقها وجليلها، وهو سبحانه لا مماثل له في الولاية لأموركم والنصرة على أعدائكم٧.\n_________\n١ شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص ٢٩٨.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ المرجع السابق.\n٤ محاسن التأويل للقاسمي الجزء الثامن ص ٢٢٩٧.\n٥ تيسير العلى القدير المجلد الثاني ص ١٨٦، وفتح القدير الجزء الثاني ص ٣٠٨.\n٦ المرجع السابق الجزء الثاني عشر ص ٤٢٨٢.\n٧ تيسر العلى القدير المجلد الثالث ص ١٠٣، وفتح القدير الجزء الثالث ص ٤٧١.","vol":"49","page":44},{"text":"أقول: لهذا أمر سبحانه تعالى المؤمنين أن يعتصموا به جل وعلا فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أي تمسكوا بدين الله وثقوا به تعالى، فلا رجاء ناجح إلا أن يكون رجاءه وحده سبحانه. وقد جاءت هذه الآية الكريمة عقب قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال آية ٣٩) .\nوالمعنى: أي يا معشر المؤمنين قاتلوا أعدائكم المشركين حتى لا يكون شرك ولا يبعد إلا الله وحده.\nقال ابن عباس: الفتنة: الشرك، أي حتى لا يبقى مشرك على وجه الأرض. وقال ابن جريج: حتى لا بفتن مؤمن عن دينه١ ومعنى ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُهُ لِلَّهِ﴾ أي تضمحل الأديان الباطلة ولا يبقى إلا دين الإسلام. واضمحلالها: يكون إما بهلاك أهلها جميعا، أو برجوعهم عنها خشية القتل٢.\nأقول: ولهذا يقول رسول الله ﷺ \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله\" ٣.\nومعنى قوله تعالى ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي فإن انتهوا عن الكفر وأسلموا فإن الله مطلع على قلوبهم، يثيبهم على توبتهم وإسلامهم، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أي وإن لم ينتهوا عن كفرهم وأعرضوا عن الإيمان فاعلموا يا معشر المؤمنين أن الله ناصركم ومعينكم عليهم، فثقوا بنصرته وولايته ولا تبالوا بمعاداتهم لكم. ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أي نعم الله أن يكون مولاكم، فإنه لا يضيع من تولاه، ونعم النصير لكم، فإنه لا يغلب من نصره الله٤.\nوفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (محمد آية ١١) .\nومعنى المولى هنا: أي ناصر المؤمنين٥.\n_________\n١ الطبري جزء ١٣ ص ٥٣٨.\n٢ روح المعاني للألوسي جزء ٩ ص ٢٠٧.\n٣ صحيح مسلم الجزء الأول ص.\n٤ صفوة التفاسير الجزء الأول ص ٥٠٤.\n٥ المرجع السابق –الجزء الخامس ص ٣٢.","vol":"49","page":45},{"text":"أقول: فبينت هذه الآية الكريمة أن المؤمنين مولاهم الله ﵎ يدافع عنهم وينصرهم على أعدائهم، وأما الكافرون فليس لهم من يدافع عنهم ولا من ينصرهم لأنهم على باطل، وأهل الباطل لا يستأهلون نصرا، ولا يظهرهم الله ﷿ على أهل الحق.\n* ومنها أربع مرات بلفظ (مولاكم): وذلك في قوله تعالى ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ (آل عمران آية ١٥٠) . وذلك بعد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (آل عمران آية ١٤٩) .\nوالمعنى: أن الله تعالى يحذر عباده المؤمنين طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، وأمرهم سبحانه بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه لأنه هو معينهم ناصرهم ومتولي أمورهم، ومن ثم فهو خير من يحقق لهم النصر المبين١.\nوكذلك في مثل قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (التحريم آية ٢) . ومعنى مولاكم هنا: أي وليكم وناصركم، والمتولي لأموركم٢.\nوقد ذكر القاسمي في تفسيره أن المقصود بقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ أي فأطيعوه ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ أي فينصركم خيرا ممن نصروكم لو نصروكم، وكيف لا يكون خير الناصرين، وهو ينصركم بغير قتال كما وعد بقوله ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ أي الذي يمنعهم من الهجوم عليكم والإقدام على حربكم ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أي بكونه إلها متصفا بصفاته ومستحقا للعبادة ﴿سُلْطَانًا﴾ أي حجة قاطعة تنبني عليها الاعتقادات ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ هي المثوى والمقر، والمأوى والمقام٣ -والعياذ بالله-.\nوقد أفادت الآية أن ذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدر الشرك يكون الرعب. وقد قال القاشانيّ: جعل إلقاء الرعب في قلوب الكفار مسببا عن شركهم، لأن الشجاعة وسائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس لتنورها بنور التوحيد، فلا تكون تامة إلا للموحد الموقن في توحيده، وأما المشرك فلأنه محجوب عن منبع القدرة بما أشرك بالله من الوجود المشوب بالعدم الذي لم يكن له بحسب نفسه قوة، ولم ينزل الله بوجوده حجة، فليس إلا العجز والجبن، وجميع الرذائل.\n_________\n١ تيسير العلى القدير المجلد الأول ص ٣١٨.\n٢ فتح القدير الجزء الخامس ص ٢٥٠.\n٣ محاسن التأويل الجزء الرابع ص ٩٩٣.","vol":"49","page":46},{"text":"وقال القفال: كأنه قيل: أنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أُحُد، إلا أن الله تعالى سيلقى الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان، وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرًا لجميع الأديان والملل.. وفي حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \"أعطيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجُعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه خاصةً وبُعثتُ إلى الناس كافةً، وأعطيتُ الشفاعة\" ١.\nثم أخبر أنه صدقهم وعده في النصر على عدوه، وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة، ولزموا أمر الرسول ﷺ، لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقوا مركزهم، ففارقهم النصر على عدوهم عقوبةً وابتلاءً، وتعريفًا لهم بسوء عواقب المعصية، وحسن عاقبة الطاعة، بقوله ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ٢.\nوفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (محمد آية ١١) .\nومعنى مولاهم: أن هو سبحانه الذي يتولاهم فيدافع عنهم وينصرهم على أعدائهم.\nوقد جاءت الآية المذكورة بعد قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (محمد آية ١٠) .\nوالآيتان مرتبطتان، ومعناهما: أفلم يَسِرْ المشركون بالله المكذبون لرسوله فينظروا كيف عاقب الله الذين من قبلهم بتكذيبهم وكفرهم ونجى المؤمنين من بين أظهرهم، ولذلك أمر رسول الله ﷺ المسلمين يوم فرغوا من وقفة أحد أن يجيبوا أبا سفيان لما قال لهم: لنا العزى ولا عزى لكم فيقولون: \"الله مولانا ولا مولى لكم\"٣. وقال الإمام الشوكاني في معنى الآيتين: أي ألم يسيروا في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا، فينظروا كيف كان آخر أمر الكافرين قبلهم، فإن آثار العذاب في ديارهم باقية، إذ أهلكهم الله واستأصلهم، ثم توعد سبحانه مشركي مكة بأن لهؤلاء الكافرين أمثال عاقبة من قبلهم من الأمم الكافرين، وذلك سببه أنه تعالى ناصر المؤمنين، وأن الكافرين لا ناصر يدفع عنهم.\n_________\n١ صحيح البخاري الجزء الثامن كتاب الصلاة ص ٥٦.\n٢ المرجع السابق ص ٩٩٤.\n٣ تيسير العلى القدير المجلد الأول ص ٥٨، ٥٩.","vol":"49","page":47},{"text":"ثم بين ﷾ مظهر ولايته للمؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار﴾ (محمد آية/١٢) وبين في مقابلة ذلك عدم ولايته للكافرين ومظهر ذلك في الدنيا والآخرة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ (محمد آية ١٢) أي أن الكفار ليس لهم همٌ في دنياهم إلا الانكباب على الأكل والتمتع في الدنيا، لا هم لهم إلا ذلك، ولهذا ثبت في الصحيح قول الرسول ﷺ: \"المؤمن يأكل في معًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء\" أي كأن له سبعة أمعاء كناية على كثرة أكله. ويوم القيامة النار تكون جزاء لهم١.\nوذكر الإمام الشوكاني في معنى الجزء الأول من الآية الخاصة بالمؤمنين أنه مسوق لبيان ولاية الله تعالى لهم: وذلك بإدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وفي بيان معنى الجزء الخاص بالكافرين أنهم يتمتعون بمتاع الدنيا وينتفعون به كأنهم أنعام ليس لهم همٌ إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة، لاهون بما هم فيه، والنار مقام لهم يقيمون به، ومنزل ينزلونه ويستقرون فيه٢.\nأقول: أن لا شك أن ولاية الله تعالى لعباده المؤمنين تسعدهم بالحياة الطيبة في الدنيا، وبدار الكرامة جنات عدن في الآخرة. فهنيئًا لمن بلغ هذه الدرجة الرفيعة فكان الله مولاه.\n* ومنها مرتان بلفظ (مولانا): وذلك في قوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة آية ٢٨٦) . أي أنت وليُّنا وناصرنا، وعليك توكلنا وأنت المستعان وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك، فانصرنا على القوم الكافرين الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة. قال الله: \"نعم\". وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس: قال الله: \"قد فعلت\"٣. وقال الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى: (أنت مولانا): أي ولينا وناصرنا، وخرج هذا مخرج التعليم كيف يدعون. وقيل معناه: أنت سيدنا ونحن عبيدك. وذكر في معنى قوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي من حق المولى أن ينصر عبيده، وأن المراد عامة الكفرة، وأن في هذا إشارة إلى إعلاء كلمة الله في الجهاد في سبيله٤.\n_________\n١ تيسير العلى القدير المجلد الأول ص ٥٩.\n٢ فتح القدير الجزء الخامس ص ٣٢.\n٣ تيسير العلى القدير المجلد الأول ص ٢٤٩.\n٤ فتح القدير الجزء الأول ص ٣٠٨.","vol":"49","page":48},{"text":"أقول: وبمناسبة ذكر آخر آية من سورة البقرة، أود أن أذكر بأن هناك عددا من الأحاديث نصت على الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، منها ما أخرجه الإمامان مسلم. والنسائي واللفظ له عن ابن عباس قال: \"بينا رسول الله ﵌ وعنده جبريل، إذ سمع نقيضا، فرفع جبريل بصره فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ فقال: \"أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته\".\nوأخرج الحاكم وصححه البيهقي في الشعب عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه تحت العرش. فتعلموهما، وعلموهما نسائكم وأبنائكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء\". وروى الشيخان وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود عن النبي ﵌ قال: \"من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\" ١.\nوكذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة آية ٥١) . وذلك بعد قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ (التوبة ٥٠) .\nومعنى الآيتين: أن الله تعالى يُعْلِمُ رسوله محمدا صلى الله عليم وآله وسلم بعداوة هؤلاء له لأن أيَّ حسنة تصيبه هو وأصحابه تسوؤهم، وأن أيَّ مصيبة تصيبه يقولون لقد احترزنا من متابعته من قبل هذا، ويتولون وهم فرحون بما أصابه. فأرشد الله تعالى رسوله ﷺ إلى جوابهم بأن يقول لهم: إننا تحت مشيئة الله تعالى وقدره، فما يصبنا كله مقدر علينا، فهو سبحانه مولانا أي سيدنا وملجؤنا، ونحن متوكلون عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل٢.\n* ومنها مرة بلفظ (مولاه) وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (التحريم آية ٤) والخطاب في هذه الآية الكريمة موجه إلى أميّ المؤمنين عائشة وحفصة ﵄، أي إن تتوبا إلى الله تعالى مما تظاهرتما به على رسول الله ﷺ، فقد مالت قلوبكما إلى الحق. وقد روى الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: \"لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه دخلتُ المسجدَ فإذا الناس\n_________\n١ فتح القدير الجزء الأول ص ٣٠٩، ٣١٠.\n٢ تيسير العلى القدير المجلد الثاني ص ٢٣٧، ٢٣٨.","vol":"49","page":49},{"text":"ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يأمر بالحجاب، فقلت: لأعلمنَّ ذلك اليوم، فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما إلى أن قال: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ على أسكفة المشربة، فناديت، فقلت: يا رباح استأذن على رسول الله ﷺ، إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكال، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك. وقلما تكلمت –وأحمدُ الله- بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يُصدقُ قولي، فنزلت هذه الآية: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنّ﴾ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ فقلت: أطلقتهن؟ قال: \"لا\"، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم﴾ النساء/١٤١. فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.\nوقال الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ...﴾ الآية: أي إن تتوبا إلى الله فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، ومعنى \"صَغَتْ\" عدلت ومالت عن الحق أو زاغت وأثمت، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله ﷺ وهو إفشاء الحديث، وقيل المعنى: إن تتوبا إلى الله فقد مالت قلوبكما إلى التوبة، ومعنى ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ وإن تظاهرا بمعنى تتعاضدا وتتعاونا، والمعنى: وإن تتعاضدا وتعاونا في الغيرة عليه منكما وإفشاء سره، فإن الله يتولى نصره، وكذلك جبريل، ومن صلح من عباده المؤمنين والمقصود أبو بكر وعمر، فلن يعدم ناصرا ينصره، إذ بعد نصر الله له، وجبريل، وصالح المؤمنين، فإن الملائكة أعوان يظاهرونه٢.\n* ومنها مرتان بلفظ (مولاهم): ذلك في قوله تعالى ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (الأنعام آية ٦٢) .\nوقد جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام آية ٦١) .\nومعنى الآيتين الكريمتين: أن الله تعالى فوق عرشه الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء يرسل ملائكته يحفظون عباده، حتى إذا حان أجل\n_________\n١ تيسير العلى القدير المجلد الرابع ص ٢٦٥، ٢٦٦.\n٢ فح القدير الجزء الخامس ص ٢٥٠، ٢٥١، ٢٥٣.","vol":"49","page":50},{"text":"أحدهم توفته الملائكة الموكلون بذلك، ولا يجاوزون الحد فيما أمروا به من الإكرام والإهانة، فإن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين. ثم بعد الحشر ترد الخلائق إلى الله مولاهم الحق أي مالكهم الذي يلي أمورهم فيحكم فيهم بعدله، وهو أسرع الحاسبين لكونه لا يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الفكر الروية والتدبر١.\nوفي قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (يونس آية ٣٠) .\nومعنى هذه الآية الكريمة أنه في موقف الحساب يوم القيامة تخبر كل نفس وتعلم ما سلف من عملها خيرا كان أو شرا، ورجعوا في جميع أمورهم إلى الله مولاهم الحكم العدل ففصلها، وأدخل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، وتخلى عن المشركين ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه، سبحانه عما يشركون٢.\nوقال الإمام الشوكاني في معنى هذه الآية الكريمة: أنه في ذلك المكان وفي ذلك الموقف تبلو أي تذوق وتختبر كل نفس جزاء ما أسلفت من العمل، وعلى قراءة (نبلو) بالنون، أن الله تعالى يبتلي كل نفس ويختبرها، بمعنى أنه يعاملها معاملة من يختبرها ويتفقد أحوالها، ورد المشركين بعد ذلك إلى الله مولاهم الحق أي إلى ربهم الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة، وضاع وبطل ما كانوا يفترون، من أن الآلهة التي لهم حقيقة بالعبادة لتشفع لهم إلى الله وتقربهم إليه.\nثم قال الإمام الشوكاني: وأخرج أبو الشيخ عن السدّي في قوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ قال: نسخها قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ محمد/ ١١٣.\nأقول: وقد اعتز رسول الله ﷺ بمولاه ﷾ في أعصب المواقف، وعلم ذلك أصحابه ﵃، ليكون لنا في ذلك أعظم قدوة. وبيانا لذلك أسوق من الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه: بسنده. عن البراء ﵁ قوله في شأن غزوة أحد: \"فأصيب سبعون قتيلا، وأشرف أبو سفيان، فقال أفي القوم محمد؟ فقال: \"لا تجيبوه\" فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: \"لا تجيبوه\"، فقال: أفي القوم\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٢٠، ٢١، وفتح القدير الجزء الثاني ص ١٢٤، ١٢٥.\n٢ تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٢٩٧، ٢٩٨.\n٣ فتح القدير الجزء الثاني ص ٤٤٠.","vol":"49","page":51},{"text":"ابن الخطاب: فقال إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: أعْلُ هُبَلْ، فقال النبي ﷺ: \"أجيبوه\" قالوا: ما نقول؟ قال: \"قولوا: الله أعلى وأجل\"، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي ﷺ: \"أجيبوه\" قالوا: ما نقول؟ قال: \"قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم\". وهذه إجابة تحمل عظيم الاعتزاز بالله تعالى مولى المؤمنين الذي يتولى أمرهم، ويدبر شؤونهم، ويظهرهم بالنصر على أعدائهم، في مقابلة أن أولئك الأعداء لا مولى لهم يدبر أمرهم، وينصرهم إلا ما يعبدون من العزى الساقطة التي لا تملك لهم -فضلا عن نفسها- نفعا ولا ضرا.","vol":"49","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الولي:</span>\nهو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى.\nومعنى الولي الناصر، وهو على وزن فعيل على صيغة المبالغة بمعنى فاعل، أي إنه عظيم النصر لعباده المؤمنين.\n* وقد ورد هذا الاسم الكريم في القرآن الكريم أربع عشرة مرة١.\n* منها خمس مرات بلفظ \"وليِّ\" بالرفع، وذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة آية ٢٥٧) .\nوالوليّ هنا هو الناصر لمن وليهم وهم المؤمنون ومعنى الآية الكريمة أنه سبحانه يهدي المؤمنين الذين اتبعوا رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي السهل، وأما الكافرون فوليهم الشيطان يزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجهم ويحيد بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك، فكانوا من أصحاب النار هم فيها خالدون. ولهذا وحَّدَ الله تعالى لفظ \"النور\" لأن الحق واحد، وجمع \"الظلمات\" لأن الكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة٢.\nوقال الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أن الوليّ فعيل بمعنى الفاعل وهو الناصر، وأن قوله ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ تفسير للولاية.\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ تيسر العلي القدير المجلد الأول ص ٢٢٢.","vol":"49","page":52},{"text":"أقول: أي أنه سبحانه لما ولي أمر المؤمنين كان من مظاهر ولايته لهم أنه يتولى إخراجهم من الظلمات إلى النور.\nويقول الإمام الشوكاني: أن المراد بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي أرادوا الإيمان، لأن من وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور، إلا أن يراد بإخراج المؤمنين من الظلمات إخراجهم من الشُبه التي تعرض لهم، فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة.\nثم قال الشوكاني أن المراد بالنور في قوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ما جاء به أنبياء الله من الدعوة إلى الدين، فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم عنه إلى ظلمة الكفر: أي قررهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الله من الأنبياء، ثم قال: وقيل: المراد بالذين كفروا هنا: الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين ورؤوس الظلال من النور الذي هو فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج١.\nومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران آية ٦٨) .\nومعنى أن الله ولي المؤمنين، أي أنه يتولى أمر المؤمنين جميعا بما فيهم أنبياؤه ورسله٢.\nأقول: ومن ثم فكل مؤمن لا ولي له إلا الله ﷻ، يفوض له كل أمره، ليصرفه سبحانه بما يصلح لعبده المؤمن.\nومعنى هذه الآية الكريمة: أن أحق الناس بإبراهيم ﵇ أولئك الذين اتبعوه على دينه في حينه. وكذلك النبي محمد ﷺ، وصحابته الذين تبعوهم بإحسان. وقد روى سعيد بن منصور -بسنده- عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"لكل نبي ولاة من النبيين، وإن ولي منهم أبي وخليل ربي ﷿ إبراهيم ﵇\". ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ...﴾ ٣.\nومثل قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الشورى آية ٩) .\nوالوليّ هنا معناه: أنه متولي شؤون خلقه، فهو وحده القادر على إحياء الموتى: وهو\n_________\n١ فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٦.\n٢ تيسر العلي القدير المجلد الأول ص ٢٨١.\n٣ المرجع السابق المجلد الثالث ص ٥٧٣.","vol":"49","page":53},{"text":"كذلك القادر على كل شيء، فإذا أراد شيئا كان قوله له: كن، فيكون، ولا يملك ذلك إلا هو ﷾.\nومعنى هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى ينكر على المشركين اتخاذهم آلهة من دون الله، ويخبر أنه هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فإنه القادر على إحياء الموتى، وهو على كل شيء قدير١.\nويقول الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام يعبدونها؟ وذلك تقدير لانتفاء كون للظالمين وليًا ونصيرًا. وفي قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي هو الحقيق بأن يتخذوه وليًا، فإنه الخالق، الرّازق، الضار، النافع. وقال: وقبل: الفاء جواب شرط محذوف: أي إن أرادوا أن يتخذوا وليا في الحقيقة فالله هو الوليّ، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي ومن شأنه تعالى أنه يحي الموتى، ويقدر على كل مقدور، فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية، وإفراده بالعبادة٢.\nويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في معنى الآية ذاتها: أن الظالمين لأنهم لا يصلحون لصالح، فقد حرموا من الرحمة، فما لهم من دون الله من ولي يتولاهم فيحصل لهم المحبوب، ولا نصير يدفع عنهم المكروه. وأن الذين اتخذوا من دونه أولياء يتولونهم بعبادتهم إياهم فقد غلطوا أقبح غلط، فالله هو الولي الذي يتولاه عبده بعبادته وطاعته والتقرب إليه بما أمكن من أنواع التقربات، ويتولى عباده عموما بتدبيره ونفوذ القدر فيهم، ويتولى عباده المؤمنين خصوصًا بإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتربيتهم بلطفه، وإعانتهم في جميع أمورهم٣.\nومثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى آية ٢٨) . ومعنى الولي الحميد هنا: المتصرف وحده بخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدر ويفعله.\n_________\n١ تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٥٦٥.\n٢ فتح القدير -الجزء الرابع ص ٥٢٧.\n٣ تيسير الكريم الرحمن الجزء السابع ص ٩٤.","vol":"49","page":54},{"text":"ومعنى هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى ينزل المطر من بعد يأس الناس من نزوله، وينزل عليهم وقت حاجتهم كقول ﷿: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (الروم/ ٤٩) وإنزاله سبحانه المطر رحمة يعم بها من ينزل عليهم، ذلك بأنه جل وعلا هو وحده المتصرف بخلقه بكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم وهو المستحق الحمد في كل أقداره وأفعاله١.\n(يتبع)\n_________\n١ المرجع السابق المجلد الثالث ص ٥٧٣.","vol":"49","page":55},{"text":"مفهوم الأسماء والصفات (الحلقة الخامسة)\nسعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية\nمن الأسماء الحسنى التي ذكرتها في الحلقة الرابعة- إضافة لما ذكرت من أسماء- أسم (المولى- والولي) ﷾، وبينت بعضا من معاني اسم (المولى) . وأسلفت أنه ورد في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة.\nثم بدأت في بيان بعض معاني اسم (الولي) سبحانه. وذكرت أنه ورد في القرآن الكريم ست عشرة مرة.\nومن ثم يكون عدد أسماء الله الحسنى التي سقتها في الحلقات الأربع الماضية إحدى وأربعين اسما، تكرر ذكرها في مواضع مختلفة من القرآن الكريم. فضلا عن السنة المشرفة مرات بلغت (٣٧٨٦) ستا وثمانين وسبع مائة وألفي مرة، وأعود فأؤكد ما سبق إلى تأكيده في الحلقات السابقة أن تكرار أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم بهذا الحشد الوفير له مفهومه ومغزاه، وهو أن هذه الأسماء لها من خطورة الأمر، وأهمية الذكر، ما يحتم على كل مسلم ضرورة معرفتها؛ ليعرف منها صفات الله جلى وعلا، ومن ثم يستطيع أن يعبد إلها يعرفه بأسمائه الحسنى وصفات كماله العلياء؛ فيستطيع توحيده، وتجريد العبادات له جميعا؛ لتتحقق لها شروط القبول لدى الله ﷿.\nوبالنظر إلى أن اسم (المولى) سبحانه لم يفرغ ما يسر الله إلى من بحث فيما يدور حول معانيه. فإنني أستعين بالله تعالى- بحوله وقوته- وأشرع في إتمام ذلك البحث فيما يلي:-","vol":"50  -  51","page":104},{"text":"وورد اسم المولى كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (الجاثية آية ١٩) .\nوقد جاءت هذه الآية عقب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية آية ١٨) .\nومعنى الآيتين فيما يقوله الإمام ابن كثير: اتبع ما أنزل إليك من ربك يا محمد، وأعرض عن المشركين، فإنهم لا يغنون عنك بل ولا عن بعضهم شيئًا ولا يزيدون أنفسهم إلا خسارًا ودمارًا وهلكًا، والله ولى المتقين، أما الكفار فلا مولى لهم إلا الطواغيت الذين يخرجونهم من النور إلى الظلمات.\nويقول الإمام الشوكاني: الشريعة في اللغة: المذهب، والملة، والمنهاج، ويقال: لمشرعة الماء وهي: مورد شاربيه شريعة، ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد. فالمراد بالشريعة هنا: هو ما شرعه الله لعباده من الدين، والجمع شرائع- أي جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق، فاعمل بأحكامها في أمتك، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون توحيد الله وشرائعه لعباده، وهم كفار قريش ومن وافقهم. فهم لا يدفعون عنك شيئا مما أراده الله إن اتبعت أهواءهم، إذ أن الظالمين أنصار ينصر بعضهم بعضا، والله ناصر المتقين وهو وليهم، لأنهم الذين اتقوا الشرك والمعاصي١.\nويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: المعنى: شرعنا لك شريعة كاملة تدعو إلى كل خير وتنهى عن كل شر من أمرنا الشرعي. فاتبعها فإن في اتباعها السعادة الأبدية والصلاح والفلاح. ولا تتبع أهواء الذين تكون أهويتهم غير تابعة للعلم ولا ماشية خلفه، وكل من خالف هواه وإرادته شريعة الرسول ﷺ، فإنه من أهواء الذين لا يعلمون. فهؤلاء لا ينفعونك عند الله فيحصلوا لك الخير ويدفعوا عنك الشر، إن اتبعتهم على أهوائهم، ولا يصلح أن توافقهم وتواليهم فإنك وإياهم متباينون، ولذلك كان الظالمون بعضهم أولياء بعض. والله ولي المتقين يخرجهم من الظلمات إلى النور بسبب تقواهم وعملهم بطاعته٢.\nويقول صاحب صفوة التفاسير: في معنى الآيتين: المعنى جعلنك يا محمد على طريقة٣ واضحة. ومنهاج سديد رشيد من أمر الدين، فاتبع ما أوحى إليك ربك من الدين القيم ولا تتَّبع ضلالات المشركين؛ أي: آراء الجهال التابعة للشهوات وهم رؤساء قريش حيث\n_________\n١فتح القدير الجزء الخامس ص ٨.بقليل تصرف.\n٢تيسير الكريم الرحمن الجزء السابع ص١٤٤","vol":"50  -  51","page":105},{"text":"قالوا: ارجع إلى دين آبائك. فهم لن يدفعوا عنك شيئا من العذاب إن سايرتهم على ضلالهم. وإن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا ولا ولي لهم في الآخرة، والله ولى المتقين أي ناصر ومعينٌ المؤمنين المتقين في الدنيا والآخرة ١.\nوأقول: إن أعظم شريعة، وأوسع شريعة، وأكمل شريعة عالجت كلّ جوانب الحياة في الدنيا والآخرة، والتي تولى الله ﷾ تشريعها تفضلًا، ورحمةً، وهدايةً لأقوم طريق، وأنجى سبيل، خاتمةً للشرائع التي أنزلها الله تعالى إنما هي شريعة رسولنا الكريم محمد ﷺ. ومن ثم كان أمره تعالى إليه بقوله: ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾ بمعنى أن يلتزمها ويأخذ بها نفسه. ثم يدعو إليها الناس جميعا، ليلتزموها ويأخذوا بها أنفسهم كذلك منهجا لكل نواحي حياتهم لينالوا فوز الدارين.\nومن ثم يبين لنا أنه لا نجاة للبشرية من حمأة الضلال، ودركات الفسق ووهدة الإلحاد، إلا باطّراح ما شرع البشر من قوانين صماء عمياء لا تبصر ما يصلح للإنسان، وما يهيئ له الحياة الطيبة، والانطلاق سريعا إلى اتباع الله تعالى الذي يعلم من خلق وما يُصلِحُ حياته، وهو اللطيف الخبير. ذلك بأن الله جل وعلا يتولى أمر المتقين الذين يجعلون بينهم وبين غضب الله وقاية تقيهم عذابه فهو سبحانه وليهم، وناصرهم بالحق على الباطل وأعوانه، وأما الظالمون فقد وكلهم سبحانه إلى أنفسهم يتولى بعضهم أمر بعض، فضاعوا وخسروا في الدنيا والآخرة.\nوإنني حين تدبرت قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بما تحمله من إثبات ونفي: الإثبات بالأمر باتباع ما أوحاه الله سبحانه من شرع، والنفي بالنهى عن اتباع أهواء الجهال المارقين عن أمر الله، حين تدبرت ذلك جال بخاطري قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وما ماثلها من الآيات بما تحمله كذلك من نفى وإثبات: النفي بأن يُكفَر بالطواغيت أيا كان نوعها من البشر، وما يشرعون من مناهج هابطة، ومن الجبابرة منهم والطغاة، ومن الموتى وما يتوهم المتوهمون من تأثيرهم في حياة الخلق وتصريفها وتدبير أمرها. والإثبات بأن يُخلَص الإيمان بالله إلها واحدا، تُجَرَّد له الأعمال وحده جميعا.\nفالنفي والإثبات في معنى (لا إله إلا الله) هو أساس الإيمان: نفى العبودية لغير الله سبحانه عبادة وتشريعا واثبات العبودية له سبحانه عبادة وتشريعا. وذلك على أساس\n_________\nصفوة التفاسير المجلد الثالث ص ١٨٥","vol":"50  -  51","page":106},{"text":"الاعتقاد الجازم بأن الله هو وحده يتولى شأن كلّ من وحَّده، ويُصَرِّف أمره على أحسن وجه، ولهذا أمره تعالى بتوحيده ونهاه عن الإشراك به؛ لأنه سبيل إحباط كل عمل، كما أمره بإتباع شرعه وحده، ونهاه عن إتباع أي شرع يصدر عن غير الله الكبير المتعال؛ لأنه لا حياة طيبة للإنسان، ولا سعادة له، ولا فوز في الدارين إلا بإتباع منهج الله الذي ضمَّنهُ شرعه.\nقالَ اللهُ تعَالى:\n﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .\n(البقرة: من الآية٢٥٦ - ٢٥٧)","vol":"50  -  51","page":107},{"text":"مفهوم الأسماء والصفات\nسعد ندر المدرس بالجامعة الإسلامية\nفي الحلقات الخمس الماضية يسر الله لي معالجة شيء من المعاني المتعلقة ببعض أسماء الله الحسنى في محاولة لفهم جوانب من مضامينها؛ وكان آخر ما شملته هذه المحاولة هو اسمي (المولى-والوليّ) . ولما بدا لي ا، أستكمل بحثي في هذه الحلقة، ذكرت دعاء الرسول ﷺ الجامع لهذين الاسمين في آن معا حين يضرع إلى ربه قائلا: \"اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها\".\nوهذا الدعاء الرائع يشمل خيري الدنيا والآخرة، إذ أنه لو جمع الإنسان أن يبعد عن نفسه فجورها، وأن تحقق لها بقواها، لكان كل ما يأتيه مراقبًا فيه لله تعالى طامعًا في ثوابه، حاذرًا من عقابه، وكذلك لو جمع للإنسان أن تجنب نفسه تدسيتها، وتُحصلَّ لها تزكيتها، لكان كل ما يصدر عنه نقيًا طاهرًا.\nوما دام أن عمل الإنسان قد خلص لله جل وعلا، ونقي من كل شائبة، فإنه يكون سببًا في خيره وفلاحه في دنياه وآخرته.\nومن ذا الذي يخلص النفس من فجورها وتدسيتها؟ ومن ذا الذي يحقق لها تقواها وزكاتها؟ إنه الله القدير سبحانه، قلوبنا بين إصبعين من إصبعه يقلبها كيف يشاء، ذلك بأنه-جل وعلا- يتولى أمر عبده المؤمن، ويوليه رعايته وتوفيقه، فيعيش في كنفه، ويحظى بالأمن في رحابه.","vol":"52","page":53},{"text":"ومن أسعد ممن يرعاه حبيبه، ويتولاه مولاه؟ ويأخذ بناصيته إلى برّ النجاة؟\nوبالتأمل في كتاب الله العزيز، نجد تلك المعاني في مثل قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس آية ٦-١٠) .\nومعنى قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾: أي خلقها سويةً مستقيمة على الفطر القويمة كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ١.\nأو بمعنى: سوَّاها: خلقها وأنشأها وسوى أعصابه٢.\nومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: أي بيّن لها الخير والشر، أو ألهمهما الخير والشر، أو جعل فيها فجورها وتقواها ٣.\nأو بمعنى: عرَّفها وأفهمها حالهما (أي حال التقوى والفجور) وما فيهما من الحسن والقبح. أو عرفها طريق الفجور والتقوى، والمعصية والطاعة. أو: عرفها طريق الخير وطريق الشر كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ . وقد حكى الإمام بن كثير قول محمد بن كعب: \"إذا أراد الله بعبده خيرًا ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشر فعمل به\". كما حكى قول ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان. وقال الواحدي: وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، فإن التبيين والتعليم والتعريف دون الإلهام، والإلهام أن يوقع في قلبه ويجعل فيه، وإذا أوقع الله في قلب عبد شيئا ألزمه ذلك الشيء وهذا صريح في أن الله خلق في المؤمن تقواه، وفى الكافر فجوره٤.\nوجاء في معنى قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أن الرسول ﷺ كان عندما يقرأ هذه الآية يقول: \" اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها\" رواه الإمام أحمد- بسنده- عن زيد بن أرقم الذي قال عن هذه الدعوات:\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم لابن كثير الجزء ٤ص٥١٥.\n٢ فتح القدير للشوكاني الجزء ٥ ص ٤٤٩.\n٣ تفسير القرآن العظيم الجزء ٤ ص ٥١٦.\n٤ فتح القدير للشوكاني الجزء٥ص٤٤٩.","vol":"52","page":54},{"text":"\"كان رسول الله ﷺ يُعلمْناهنّ ونحن نعلمكُموهنّ\". ورواه الإمام مسلم – بسنده- كذلك عن زيد بن أرقم ١.\nوقيل في معنى ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أنه عرفها الفجور والتقوى، وما تميز به رشدها وضلالها- قال ابن عباس: \"بين لها الخير والشر والطاعة والمعصية، وعرفها ما تأتي وما تتقي\" ٢.\nأقول: وقد تظهر شبهة عند بعض الذين لا يعلمون، فيرى أن هناك تعارضًا بين الآية المذكورة وهي قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وبين آيات أخرى تضاد معناها من مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة آية ١٦)، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصلت آية ١٧)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف آية ٣٩)، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (إبراهيم آية ٣٣)، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ (الفرقان آية ٣٧، ٣٨)، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (الأحزاب آية ٦٧) . وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (الحشر آية ١٦) . إلى غير ذلك من كثير الآيات التي يفهم منها أن فجور العبد وضلاله إنما هو بكامل اختياره ومشيئته دون تدخل لأي إرادة أو مشيئة أخرى سواه. في حين أن قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ يفهم منه أن الله هو الذي يضع الفجور أو التقوى بالإلهام في قلب عبده.\nوخلص هؤلاء إلى أن هناك تعارضا بين نوعي الآيات، وأخذوا يؤولون ويخبطون، ونشأت اتجاهات شاذة حملتها الفرق الضالة كالقَدرية الذين نفوا قدرة الله القدير سبحانه\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم الجزء ٤ ص ٥١٥، ٥١٦.\n٢ صفوة التفاسير الجزء ٣ ص ٥٦٦.","vol":"52","page":55},{"text":"فزعموا أن العبد هو الذي يخلق عمله استقلالا، ولهذا سّموا (مجوس هذه الأمة)، وذلك لمشابهتهم المجوس في قولهم بالأصلين: النور والظلمة؛ ويعنون بذلك أن هناك إلهين: إله النور ويصدر عنه كل خير، وإله الظلمة ويصدر عنه كل شر. كذلك القدرية يقولون إن الله خالق العباد، وأن العباد خالقين لأفعالهم. وبهذا كان عند القدرية- كما يعتقد المجوس- خالقان.\nومن ثم عطلوا صفة (القدرة) التي يتصف بها الله جل وعلا، وكذبوه فيما سمى به نفسه سبحانه من اسم (القادر، والقدير) كما عطلوا صفة المشيئة أو الإرادة التي وصف بها نفسه ﵎، في مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الكهف آية ٣٣، ٣٤) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (الحج آية ١٤) .\nومن الفرق الضالة كذلك الجَبْرِيًة الذين زعموا أن فاعل جميع الأفعال هو الله تعالى، ونفوا أن العبد يفعل شيئا، ونتج عن اتجاههم هذا: القولُ بأن العبد مجبور على فعله لأنه بإتيانه ما يفعل ليس إلا كريشة في مهب الرياح تتقاذفها تارة يمنةً وتارة يسرةً، ومن ثم فلا مشيئة له ولا إرادة، وهو في أفعاله مسير تسييرا كاملا لا اختيار له في أي عمل.\nوهؤلاء كذبوا الله تعالى فيما أثبته للعبد من مشيئة في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف آية ٢٩)، وافتروا عليه الكذب سبحانه في أنه يجبر العبد على مالا يريد فعله ومالا يقدم عليه بمحض اختياره. وبهذا الاتجاه الضال انتشرت بين الناس مقالة أن العبد مُسَيرٌ لا مخير. وهذا زعم كاذب، وخبْط في التيه، بلا برهان من الله.\nومثل هاتين الفرقتين القدرية والجبرية قد فرطت أولاهما فنفت ما أثبته الله لنفسه سبحانه من صفات وأفرطت الثانية فأثبتت للعبد ما لم يثبته له الله، وكلا الفرقتين مكذب لله تعالى فيما أخبر من إثبات مشيئة له سبحانه وإثبات مشيئة للعبد في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الإنسان الآية ٣٠) وفيما أخبر من خلقه للعبد ولعمله في مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات الآية ٩٦) .\nومن ثم فالعبد له مشيئة، وهو مخير تمام التخيير في جميع التكليفات، وتتميز بأنها تتم بعمله واختياره، كالصلاة والصيام والزكاة وسائر التكاليف، وهو مُسَير تسييرا كاملا فيما وراء التكاليف كالرزق، والأجل، وإنجاب الأولاد أو العقم وما ماثل ذلك، وتتميز هذه الأمور بأنه لا يد له فيها البتة. وهذا ما توسط به أهل السنة والجماعة.","vol":"52","page":56},{"text":"وتحقيق هذه المسألة يرجع إليها في مظانها لأن المقام يضيق هنا عن تفصيلها، فأحيل القارئ الكريم على تلك المظان من كتب العقيدة.\nومعنى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل. أو أن المعنى: قد أفلح من زكى الله نفسه١\nوقد ذكر الإمام الشوكاني في معنى هذه الآية: أنه قد فاز من زكى نفسه وأنماها وأعلاها بالتقوى بكل مطلوب، وظفر بكل محبوب ٢.\nوذُكر في تيسير الكريم الرحمن أن معنى هذه الآية: أنه طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من العيوب، ورقّاها بطاعة الله وعلاّها بالعلم النافع، والعمل الصالح ٣.\nوجاء في صفوة التفاسير أن معنى هذه الآية: أنه فاز وأفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من دنس المعاصي والآثام ٤.\nومعنى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أنه خاب من دسَّسَ نفسه أي أخملها ووضع منها، وذلك بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله ﷿. أو أن المعنى: قد خاب من دسّ الله نفسه ٥.\nوذكر الإمام الشوكاني في معنى ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾: أي خسر من أضلها وأغواها، أو أخفاها وأخملها ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح، أو أنه دسَّ نفسه في جملة الصالحين وليس منهم٦.\nوجاء في تيسير الكريم الرحمن في معنى هذه الآية أنه أخفى نفسه الكريمة التي ليست حقيقةً بقمعها وإخفائها بالتدنس بالرذائل والدنو من العيوب والذنوب، وترك ما يكملها وينميها، واستعمال ما يشينها ويدسيها ٧.\nوجاء في صفوة التفاسير أن معنى هذه الآية أنه قد خسر وخاب من حقَّر نفسه بالكفر والمعاصي، وأوردها موارد الهلكة. فإن من طاوع هواه، وعصى أمر مولاه، فقد نقص من عداد العقلاء، والتحق بالجهلة الأغبياء ٨.\n_________\n١ تفسير القرآن العظيم الجزء ٤ص ٥١٦.\n٢ فتح القدير ص ٤٤٩.\n٣ تيسير الكريم الرحمن ٨ ص ٢٤٦.\n٤ صفوة التفاسير الجزء ٣ ص٥٦٦.\n٥ تفسير القرآن العظيم الجزء ٤ص ٥١٦.\n٦ فتح القدير للشوكاني الجزء ٥ص ٤٤٩.\n٧ تيسير الكريم الرحمن الجزء ٨ص ٢٤٦.\n٨ صفوة التفاسير الجزء ٣ ص ٥٦٦.","vol":"52","page":57},{"text":"أقول: وإذا كان إلهام النفس وإتيانها تقواها، هو تعريفها دروب الخير وإلهامها سلوكها وتوفيقها إلى التزامها، وإذا كانت زكاة النفس هو تطهيرها من كل دنس، والسمو بها –بطاعة الله ﷿- إلى مراقي الفوز والفلاح، إذا كانت تقوى النفس وتزكيتها بهذه المثابة، فقد حُقّ لرسول الله ﷺ أن يلجأ في ضراعة لمولاه الذي يتولاه ويتولى المؤمنين، فيقول: \"اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها\".\nوحين يستجاب هذا الدعاء العظيم، يتحقق للنفس من خيري الدنيا والآخرة، ما تسعد به سعادة لم تشهد قبل لها مثيلا.\nومن ثم كان مقتضى معرفة معنى اسم (المولى- والوليّ)،أن ينزع المؤمن من قلبه كل ولاية لغير الله تعالى، فيستبعد كل ولاية زائفة، ويحطم كل ولاية لعديد الجبابرة من طواغيت الأحياء أيا كانت سطواتهم ومهما بلغ سلطانهم، ولحشود المقبورين من طواغيت الأموات أيا كانت شخصياتهم ومهما سمت مرتباتهم، وأن يجرد الولاية لله الحق في الحياة الدنيا والآخرة، لينعم بإكرام الله تعالى له بالنصر والفوز في الدارين.\nأسألك اللهم ربي ومولاي، أن تثبت قلبي- مع اخوتي على درب الإيمان-على دينك، وأن تصرفه على طاعتك، وأن تجعل ولايته خالصة لك،\" أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين\".\nقال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ (سورة الروم آية ٤٣) .","vol":"52","page":58},{"text":"مفهوم الأسماء والصفات\nسعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية\nفي الحلقات الست الماضية يسر الله تعالى لي الكتابة في بعض ما وفقني إليه من معاني مجموعة من الأسماء الحسنى بلغت إحدى وأربعين اسما. وفي هذه الحلقة أبدا في بيان ما أرجو الله سبحانه أن يلهمني فيه رشدي من توضيح مفهوم اسم (الحميد) جل ذكره.\nالحميد:\nهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعيل) وهو صيغة مبالغة تدل على المبالغة في الحمد والكثرة فيه.\nو(الحميد) بمعنى (المحمود) . فهو سبحانه المستحق للحمد بكل أنواعه، لا مستحق له سواه.\nوالحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على وجه التعظيم والتبجيل، وهو يقترن بتعظيم المنعم لإنعامه على الحامد وعلى غيره والألف واللام للاستغراق، ومعناه أن جميع أنواع المحامد لله تعالى. ومن أسمائه تعالى (الحميد) أي المحمود.\nومن قول الإمام ابن القيم في نونيته:","vol":"53","page":78},{"text":"وهو الحميد فكل حمد واقع ... أو كان مفروضا مدى الأزمان\nملأ الوجود جميعه ونظيره ... من غير ما عد ولا حسبان\nهو أهله سبحانه وبحمده ... كل المحامد وصف ذي الإحسان\nوإثبات الحمد الكامل له يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله، ونعوت\nجلاله، إذ من عُدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق.\nوغايته أنه محمود من كل وجه، ولا يكون محمودًا من كل وجه وبكل اعتبار بجميع أنواع الحمد إلا من استولى على صفات الكمال جميعها، فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبه.\nوالحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده، وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله. وهو لا يكون إلا ما هو في نفسه مستحق للحمد، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال. وهي أمور وجودية، فإن الأمور العدمية المحضة لا مدح فيها ولا خير ولا كمال. ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ما له من صفات الكمال، فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد. فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحق من كل محمود.\nوأهل التوحيد الذين يعبدون الله مخلصين له الدين، ما في قلوبهم من محبة الله لا يماثل فيها غيرها، ولهذا فإن الرب محمود أولا حمدا مطلقا على كل أفعاله، وحمده تعالى على أفعاله أشير إليه في مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ (الأنعام آية ١)، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (فاطر آية ١)، وهو سبحانه محمود ثانيا على إحسانه إلى الحامد، وهذا حمد الشكر، وقد أشير إليه في مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (الأعراف آية ٤٣)، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (المؤمنون آية ٢٨) .\nوالحمد ضد الذم، والحمد خبر بمحاسن المحمود مقرون بمحبته، ولا يكون حمد المحمود إلا مع محبته، ولا ذم المذموم إلا مع بغضه. والله سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة. ولا تكون عبادة إلا إذا اقترنت بحب المعبود، ولا يكون حمد إلا إذا اقترن بحب المحمود. والله جل وعلا هو المعبود، وهو المحمود ولهذا كانت الخطب في الجمع والأعياد","vol":"53","page":79},{"text":"وغير ذلك مشتملة على هذين الأصلين: تحميده، وتوحيده، وكان أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله١.\nوقد ورد اسم (الحميد) سبحانه في القرآن الكريم سبع عشر مرة:\nمنها عشر مرات اقترن باسم (الغنيّ) سبحانه٢.\nوذلك في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة آية٢٦٧) .\nومعنى الآية على ما ذكره الحافظ ابن كثير عن ابن عباس: أن الله أمر المؤمنين بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ونهاهم أن يقصدوا الإنفاق من الخبيث الذي لو أعطوه ما أخذوه إلا أن يتغاضوا فيه، فالله غني عن إنفاقهم، وغني عن جميع خلقه، واسع العطاء، وهو الحميد أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو ولا رب سواه٣.\nوالمعنى على ما ذكره الإمام الشوكاني: أن الله أمر المؤمنين أن ينفقوا من جيد كسبهم ومختاره، وهو الحلال، وكذلك من طيبات ما أخرج سبحانه لهم من الأرض من نباتات ومعادن وركاز، ولا يقصدوا المال الرديء الخبيث لينفقوا منه، فهم أنفسهم يرفضون قبوله في تعاملهم، إلا تساهلا ورضى ببعض الحق٤، فالله غني عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين وعن طاعات الطائعين، وإنما أمرهم بها وحثهم عليها لنفعهم ومحض فضله وكرمه عليهم، ومع كمال غناه وسعة عطاياه، فهو (الحميد) فيما يشرعه لعباده من الأحكام الموصلة لهم إلى دار السلام، والحميد في أفعاله التي لا تخرج عن الفضل والعدل والحكمة، والحميد في صفاته لأن صفاته كلها محاسن وكمالات لا يبلغ العباد كنهها ولا يدركون وصفها٥. والمعنى على قول صاحب صفوة التفاسير أن الله سبحانه غني عن نفقاتهم حميد يجازي المحسن أفضل الجزاء٦.\n_________\n١ الكواشف الجلية: ص١١، ١٢ ببعض تصرف.\n٢ المعجم المفهرس.\n٣ تفسير القرآن الكريم الجزء الأول ص٣٢٠، ٣٢١\n٤ فتح القدير الجزء الأول ص٢٨٩\n٥ تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص١٥٩\n٦ صفوة التفاسير الجزء الأول ص ١٧٠","vol":"53","page":80},{"text":"واقترن اسم (الحميد) باسم الغني (الغني) سبحانه كذلك في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (النساء آية١٣١) .\nومعنى هذه الآية: على ما ذكره الحافظ ابن كثير أن الله تعالى مالك السماوات والأرض، وأنه الحاكم فيهما، وأنه وصى المؤمنين، بما وصى به الذين أوتوا الكتاب من قبلهم من تقوى الله تعالى بعبادته وحده لا شريك له، وأنهم لم كفروا فإنه سبحانه غني عن عباده، حميد أي محمود في جميع ما يقدره ويشرعه١.\nوالمعنى عند الإمام الشوكاني تقرير كمال سعته سبحانه وشمول قدرته، وقد أمر الذين أوتوا الكتاب والمؤمنين فيما أنزل عليهم من الكتب بأن يتقوا الله، فإنهم إن يكفروا فإن الله غني عنهم إن يشأ يذهبهم ويأت بقوم آخرين لا يكونون أمثالهم، والله سبحانه غني عن خلقه، حميد أي مستحمد إليهم٢.\nوقد ساق الشيخ السعدي (﵀) للآية معاني نفيسة، فذكر أن الله تعالى يخبر عن عموم ملكه العظيم الواسع المستلزم تدبيره بجميع أنواع التدبير، وتصرفه بأنواع التصريف قدرا وشرعا. فتصرفه الشرعي أن وصى الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب.\nولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ بأن تتركوا تقوى الله وتشركوا بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فإنكم لا تضرون بذلك إلا أنفسكم، ولا تضرون الله شيئا، ولا تنقصون ملكه، وله عبيد خير منكم وأعظم وأكثر، مطيعون له، خاضعون لأمره، ولهذا رتب على ذلك قوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ له الجود الكامل، والإحسان الشامل، الصادر من خزائن رحمته التي لا ينقصها الإنفاق، ولا يغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار، لو اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض أولهم وآخرهم فسأل كل واحد منهم ما بلغت أمانيه، ما نقص من ملكه شيئا، ذلك بأنه جواد واجد ماجد،\n_________\n١ تفسير القرآن الكريم الجزء الأول ص٥٦٤\n٢ فتح القدير الجزء الأول ص٥٢٣.","vol":"53","page":81},{"text":"عطاؤه كلام، وعذابه كلام، إنما أمره لشيء إذا أراد أن يقول له كن فيكون. ومن تمام غناه أنه كامل الأوصاف، إذ لم كان فيه نقص بوجه من الوجوه لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها، ومن تمام غناه أنه لم يتخذ صاحبة، ولا ولدا، ولا شريكا في ملكه، ولا ظهيرا، ولا معاونا له على شيء من تدابير ملكه. ومن كمال غناه افتقار العالم العلوي والسفلي في جميع أحوالهم وشئونهم إليه، وسؤالهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة، وأغناهم، ومنّ عليهم بلطفه وهداهم.\nوأما (الحميد) فهو من أسماء الله تعالى الجليلة، الدال على أنه المستحق لكل حمد، ومحبة، وثناء، وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال.\nوما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين (الغني الحميد)، فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وله كمال من حمده، وله كمال من اقتران أحدهما بالآخر١.\nوذكر صاحب صفوة التفاسير أن المعنى هو أن ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ أي ملكا وخلقا وعبيدا، وأنه سبحانه وصى الأولين والآخرين وأمرهم أجمعين بامتثال الأمر والطاعة، ووصاهم جميعا بتقوى الله وطاعته، وإن يكفروا فلا يضره تعالى كفرهم، لأنه مستغن عن العباد، وهو المالك لما في السماوات والأرض، فهو غني عن خلقه، محمود في ذاته، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين ٢.\nفالحمد لله أولا وآخر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\n_________\n١ تيسير الكريم الرحمن –الجزء الثاني ص٨٩\n٢ صفوة التفاسير المجلد الأول ص٣٠٩","vol":"53","page":82},{"text":"مفهوم الأسماء والصفات (الحلقة الثامنة)\n...\nمفهوم الأسماء والصفات\nسعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية\nأحمد الله ﵎، وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، وأسأل الله ربي أن يديم علينا نعمة عقيدة التوحيد، وأن يثبت قلوبنا عليها، وأن يختم لنا بها ختام الإيمان.\nوإتماما للحلقات السمع الماضية، أواصل -بحول الله وقوته- بحثي في محاولة لبيان ما يوفقني الله تعالى إلى فهمه من معاني أسمائه الحسنى.\n* وقد كان البحث في الحلقات السابقة في اسم (الحميد) سبحانه، وأنه قد اقترن باسم (الغني) سبحانه عشر مرات، ذكرتُ منها بعضا، أضيفُ إليه قولهُ تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهيم:٨) . والمعنى أنه سبحانه غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإنْ كفره من كفره، كقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، وفى صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: \"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلاِ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أَولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أَفجر قلب رجل واحدٍ منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أَن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر\" فسبحانه وتعالى الغني الحميد١.\nوقد جاء في جامع البيان أن معنى الآية أَن الله غني عن خلقه وشكرهم، وهو سبحانه مستحق للحمد في ذاته، وإن لم يحمده الحامدون٢.\n_________\n١ تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٢٥.\n٢ جامع البيان في تفسير القرآن للإبجي جـ ١ ص ٣٥٧.","vol":"55 - 56","page":124},{"text":"وذكر الإمام الشوكاني أن معنى الآية أَن الله تعالى غني عن شكركم، لا يحتاج إليه ولا يلحقه بذلك نقص، وهو سبحانه مستوجبٌ للحمد لذاته، لكثرة إنعامه وإن لم تشكروه أو يحمده غيركم من الملائكة١.\nوجاء في تيسير الكريم الرحمن أن المعنى أن الطاعات لا تزيد في ملكه والمعاصي لا تنقص، وهو كامل الغنى، حميد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ليست له من الصفات إلا كل صفة حمد وكمال، ولا من الأسماء إلا كل اسم حسن، ولا من الأفعال إلا كل فعل جميل٢.\nوجاء في صفوة التفاسير أن معنى الآية أنه سبحانه غني عن شكر عباده، مستحق للحمد في ذاته، وهو المحمود وإن كفره من كفره٣.\nأقول:\nواقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (الغني) جل وعلا، أفهم منه أنه ﵎ هو الغني غنىً مطلقا، وجميع خزائن أنواع الخير لديه، بَيْدَ أنه لا يُنزل منها على عباده إلا بمقادير معينة بحكمة تامة، كما يقول تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجرات آية ٢١)، ومن ثم فهو سبحانه لا يحتاج إلى واحد من خلقه مهما علا قدره وامتد سلطانه، إذ الحاجة مظهر من مظاهر الضعف، والضعيف المحتاج إلى غيره لا يصلح أَن يكون إلهًا، ولما كان الله ﷿ من صفاته الغنى المطلق عن كل ما خلق، فإنه الجدير حقًا بأن يكون ربًا وإلهًا لجميع ما خلق، وأنَّ كل خلقه محتاجون إليه أعظم احتياج، ومدينون له بكافة أنواع الحمد، لأنه مصدر كافة أنواع النعم، وفي هذا يقول ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر آية ١٥) .\nوقد اقترن اسم (الحميد) سبحانه باسمه (العزيز) ثلاث مرات٤ وذلك في قوله تعالى: ﴿الر، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم آية ١) .\nوتقتضي الفائدة- ولو أن موضعها في هذا المقام استطرد أرجو أن يكون نافعًا إن شاء\n_________\n١ فتح القدير جـ ٣ ص ٩٦.\n٢ تيسير الكريم الرحمن جـ ٤ ص ٦٢.\n٣ صفوة التفاسير المجلد ٢ ص ٩١.\n٤ المعجم المفهرس.","vol":"55 - 56","page":125},{"text":"الله- أن أوجز ما قيل في الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن الكريم بمناسبة ذكر آية مفتتح سورة إبراهيم (﵇)، وذلك على الوجه التالي:\nتبلغ الحروف في أوائل السور- بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا، وهي (أ-ل-م-ص-ر-ك-هـ- ع- ي- ط- س-ح-ق- ن) يجمعها قولك (نَص حَكِيمٌ قَاطِعٌ له سر) وهي نصف حروف الهجاء عددًا- وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة قال عنها الزمخشري إنها على أصناف أجناس الحروف يعني: من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة. ومن حروف القلقلة، ثم قال: وقد جاء منها على حرف واحد مثل (ص-ن-ق)، وعلى حرفين مثل (حم)، وعلى ثلاثة أحرف مثل (الم)، وعلى أربعة مثل (المر- المص)، وعلى خمسة أحرف مثل (كهعيص- حم عسق) لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة. وعلى أربعة، وعلى خمسة لا أكثر.\nوقد اتجه المفسرون في الحروف المقطعة إتجاهين: الإتجاه الأول: أنها مما استأثر الله بعلمه، فردوا علمها إلى الله ولم يفسروها.\nوالإتجاه الثاني: فسروها واختلفوا في معناها، فقيل: إنها أسماء للسور، وذلك لما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ \"أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم السجدة، وهل أتى على الإنسان\". وقيل: إنها اسم من أسماء الله تعالى- فقد روى ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال (سألت السدي عن حم وطس وألم فقال: قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم) .\nوأما عن الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور فقد ذكرت أقوال لعل أصحها أنها وردت بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وقد حكى هذا القول الرازي عن المبرد وجمع من المحققينْ، والقرطبي عن الفراء وقطرب، وحكاه الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر، وذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وحكاه عنه الحافظ أبو الحجاج المزي.\nوقد ذهب إلى هذا الرأي الحافظ ابن كثير وقال: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة آية ١. ٢)، ﴿الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ","vol":"55 - 56","page":126},{"text":"بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه﴾ (آل عمران آية ١. ٢. ٣)، ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ (الأعراف آية ١. ٢)، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ (إبراهيم آية ١)، ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (السجدة آية ١، ٢)، ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الشورى آية ١، ٢، ٣)، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم١. هذا ما يتعلق بالحروف المقطعة.\nأما آية مفتتح سورة إبراهيم فمعناها- بعد الحروف المقطعة- أن هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد وهو القرآن العظيم الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء على أشرف رسول بعثه الله في الأرض إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم، لتخرج به الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، بإذن ربهم لأنه هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره، يهديهم إلى صراط العزيز الذي لا يمانَع ولا يغالَب، بل هو القاهر لكل ما سواه، الحميد أي المحمود في جميع أفعاله، وأقواله، وشرعه، وأمره، ونهيه، الصادق في خبره٢.\nوقال الإمام الشوكاني إن معنى الآية المذكورة أننا أنزلنا الكتاب إليك يا محمد، لتخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور الإيمان والعلم والهداية، جعل الكفر بمنزلة الظلمات، والإيمان بمنزلة النور، واللام في: لتخرج للغرض والغاية، والتعريف في الناس للجنس. والمعنى: أنه ﷺ يخرج الناس بالكتاب المشتمل على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه من الظلمات إلى ما صاروا إليه من النور، وذلك بإذن ربهم إلى صراط العزيز القادر الغالب، الحميد الكامل في استحقاق الحمد٣.\nومعنى الآية في جامع البيان: أنه كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس بدعوتك إياهم إلى ما فيه من أنواع الضلال إلى الهدى بأمر الله وتوفيقه إلى صراط العزيز الغالب، الحميد المستحق للحمد٤.\nومعنى الآية في تفسير الكريم الرحمن: أنه تعالى نزل كتابه على رسوله محمد ﷺ لنفع الخلق، ليخرج الناس من ظلمات الجهل، والكفر، والأخلاق السيئة،\n_________\n١ تفسير الحافظ ابن كثير الجزء الأول ص ٣٦-٣٩.\n٢ تفسير ابن كثير الجزء ٣ ص ٥٢٣ بقليل تصرف.\n٣ فتح القدير الجزء ٣ ص ٩٣ بقليل تصرف.\n٤ جامع البيان في تفسير القرآن ص ٣٥٦.","vol":"55 - 56","page":127},{"text":"وأنوع المعاصي إلى نور العلم والإيمان، والأخلاق الحسنة، ولا يحصل منهم المراد المحبوب لله إلا بإرادة من الله ومعونة، ففيه حث للعباد على الإستعانة بربهم. ثم فسر النور الذي يهديهم إليه هذا الكتاب فقال: إلى صراط العزيز الحميد، أي الموصل إليه، وإلى دار كرامته، المشتمل على العلم بالحق والعمل به.\nوفى ذكر العزيز الحميد بعد ذكر الصراط المتصل إليه إشارة إلى أن من سلكه فهو عزيز بعزة الله، قوي ولو لم يكن له أنصار إلا الله، محمود في أموره، حسن العاقبة، وليدل ذلك على أن صراط الله من أكبر الأدلة على ما لله من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وأن الذي نصبه لعباده عزيز السلطان، حميد في أقواله، وأفعاله، وأحكامه، وأنه مألوه معبود بالعبادات التي هي منازل الصراط المستقيم١.\nومعنى الآية في صفوة التفاسير: أن هذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف المقطعة، فأتوا بمثله إن استطعتم، وقد أنزلناه عليك يا محمد لم تنشئه أنت، وإنما أوحيناه إليك، لتخرج البشرية من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والإيمان، بأمر الله وتوفيقه، إلى طريق الله العزيز الذي لا يغالب، المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان٢.\nأقول:\nواقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (العزيز) جل وعلا، أفهم منه أنه ﵎ هو العزيز بعظمته وجلاله وقدرته وقهره وغلبته وسلطانه على كل ما خلق، وأن العزة صفة من صفات كماله، فمن أرادها فليهرع إلى مالكها لينقذه من ذلته، ويعزه سبحانه بعزته، كما أمرنا تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (فاطر آية ١٠)، ومع ذلك فلو نال العبد العزة من خالقه سبحانه، فإن عزته محدودةٌ بحدود تناسب بشريته وما جبلها الله عليه من طاقات وقُدرْات، لكن عزة الله ذي الجلال مطْلقَةٌ لاَ نِهَايَةَ لها تًناسب عظمته وجلاله. ورغم أنه جل وعلا العزيز القوي، الغالب، القاهر، فهو كذلك المحبوب، (الحميد) سبحانه، بمعنى المحمود المستحق أن يحمد بجميع أنوع المحامد، حتى ولو لم يحمده بعض العُمي المتخبطين ممن جحدوا نعمه وفضله وكماله وجلاله، إذ هو الجدير بكافة ألوان الحمد، والأهل لها، على وجه الثبات والاستمرار، ذلك بأن صفات كماله سبحانه – ومنها صفة العزة وصفة الحمد- ملازمة له لا تنفك عنه لحظةً ما، فمن أراد كذلك أن يحَمد على قوله، وعلى فعله، فليلتزمْ نهجَ (الحميد) سبحانه، ولنا في رسولنا الكريم محمد صلى\n_________\n١ تيسير الكريم الرحمن الجزء ٤ ص ٦٠.\n٢ صفوة التفاسير المجلد ٢ ص ٩٠.","vol":"55 - 56","page":128},{"text":"الله عليه وسلم أسوة حسنة، إذ أنه حين التزم نهج الله (الحميد) كان مما وعده تعالى به يوم القيامة أن يبعثه مقامًا يحمد فيه وذلك في قوله ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء آية ٧٩) .\nوعاب الله على أولئك الذين ساءت أفعالهم، ورغم ذلك يحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال، ثم توعدهم سبحانه بالعذاب الأليم، فقال جل وعلا: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران آية ١٨٨) .\nوالذي ألفه الناس فيما يتعاملون به بينهم، أن الشخص إذا كان قويًا متسلطًا على غيره، غالبًا قاهرًا لمن دونه، أن يكون مثل هذا الشخص مكروها غير محبوب ولا ممدوح، لكن الله ﷿ولله المثل الأعلى- رغم سلطانه وقوته، وقهره وغلبته، وهيمنته وعزته، فإنه تعالى هو المحبوب غاية الحب لكمال نعمه على خلقه، وهو الحميد المحمود غاية الحمد لكمال صفاته التي تغاير تمامًا صفات خلقه، وإن اشتركت أحيانًا ألفاظ هذه الصفات، ذلك بأنه سبحانه لا يمَاثِلُهُ واحدٌ من خلقه، ولا يماثِلُ واحدًا من خلقه، فهو تعالى كما وصف نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى آية ١١) . أي ليس له تعالى مثيل ولا نظير، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد.\nوقال القرطبي: والذي يعتَقَدُ في هذا الباب أن الله -جلّ أسمه- لا يشبه شيئًا من مخلوقاته. ولا يشبَّه به أحد، وما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات الخالق -﷿- بخلاف صفات المخلوقات، وإذْ صفاتهم لا تنفكُّ عن الأعراض والأغراض، وهو تعالى منزهُ عن ذلك، وقد قال بعض المحققين: التوحيد إثبات ذاتٍ غير مشبهةٍ للذوات، ولا معطَلةٍ من الصفات، إذ ليس كذاته -سبحانه- ذات، ولا كأسمائه أسماء، ولا كأفعاله أفعال -وهذا هو مذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة١.\nوالموضع الثاني الذي اقترن به اسم (الحميد) سبحانه باسم (العزيز) هو قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ آية ٦) . ومعنى هذه الآية أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذ عين اليقين، وأن هذا الحق هو وحده الذي يهدي إلى صراط العزيز المنيع\n_________\n١ تفسير القرطبي الجزء ١٦ ص ٨ بقليل تصرف.","vol":"55 - 56","page":129},{"text":"الجناب، الذي لا يًغَالبَ ولا يًمَانَع، بل قهر كل شيء وغلبه، وهو الحميد في جميع أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره، وهو المحمود في ذلك كله جل وعلا١.\nومعنى الآية في جامع البيان أن الذين أوتوا العلم كمؤمني أهل الكتاب أو كالصحابة ومن تبعهم يرون -عند مجيء الساعة- أن القرآن هو الحق عيانًا كما علموه الآن برهانًا وهو يهدي إلى صراط العزيز الحميد وهو دين الإسلام.\nوذكر الشوكاني معنى قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، أنه يهدي إلى طريق العزيز في ملكه، الحميد عند خلقه، والمراد أنه يهدي إلى دين الله وهو التوحيد٢.\nومعنى الآية في صفوة التفاسير أن القرآن يرشد من تمسك به إلى طريق الله العزيز أي الغالب الذي لا يقهر، الحميد أي المحمود في ذاته وصفاته وأفعاله٣.\nوالموضع الثالث الذي اقترن به اسم (الحميد) سبحانه باسم (العزيز) قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ . ومعنى هذه الآية أنه ما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله (العزيز) الذي لا يضام من لاذ بجنابه المنيع. (الحميد) في جميع أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به، فهو العزيز الحميد وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس٤.\n_________\n١ تفسير ابن كثير الجزء ٣ ص ٥٢٦ بقليل تصرف.\n٢ فتح القدير الجزء ٤ ص ٣١٣.\n٣ صفوة التفاسير المجلد ٢ ص ٥٤٦\n٤ تفسير ابن كثير الجزء ٤ ص ٤٩٣.","vol":"55 - 56","page":130},{"text":"مفهوم الأسماء والصفات سعد نداالمدرس بالجامعة الإسلامية\nأحمد الله ربي حمدًا كثرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب - سبحانه- ويرضى على توفيقي إلى الدخول في شيء من بيان بعض معاني أسماء الله الحسنى، وأسأله- جل وعلا- أن يديم عليّ توفيقه حتى أكمل ما بدأت من بيان- هو جهد المقلّ- الذي أضرع إلى الله﷿- أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.\nوقد بدأتُ في الحلقة الثامنة ببيان بعض معاني الاسم الثاني والأربعين، وهو اسم (الحميد) سبحانه، وانتهيتُ فيها ببيان اقترانه باسم (العزيز) ﷿.\nوإتماما للفائدة أَضيف في هذه الحلقة أن اسم (الحميد) قد اقترن كذلك باسم (المجيد) في القرآن الكريم مرة واحدة ١ في قوله تعالى ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (هود الآية ٧٣) .\nومعنى هذه الآية: أن امرأة إبراهيم ﵇ لما بشرتها الملائكة بإسحاق ومن ورائه يعقوب عجبتْ لقيام مانعيْن من وجود الولد وهما: أنها عجوزٌ لا تلد، وأن زوجها شيخ لا تحمل من مثله النساء، فقالت لها الملائكة إنكارًا لتعجبها، لا تعجبي من أمر الله فإنه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كُنْ فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزًا عقيمًا وبعلك شيخًا كبيرًا، فإن الله على ما يشاء قدير، وهو سبحانه الحميد في جميع أفعاله وأقواله، المحمود الممَجد في صفاته وذاته، ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: \" قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" ٢.\n_________\nالمعجم المفهرس.\n٢ تفسير الإمام ابن كثير الجزء الثاني ص٤٥٣ - بقليل تصرف ـ.","vol":"57","page":65},{"text":"ومعنى الآية المذكورة عند الإمام الشوكاني: أن الملائكة قالت لامرأة إبراهيم ﵇ إنكارا لتعجبها: كيف تعجبين من قضاء الله وقدره، وهو لا يستحيل عليه شيء؟ وقد كان إنكارهم عليها - مع كون ما تعجبت منه من خوارق العادة- لأنها من بيت النبوة، ولا يخفى على مثلها أن هذا من مقدوراته سبحانه، ولهذا قالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أَي الرحمة التي وسعت كل شيء، أو النبوة والبركات وهي النمو والزيادة، أو الأسباط من بنى إسرائيل لما فيهم من الأنبياء. ومعنى ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ أي بفعل موجبات حمده من عباده على سبيل الكثرة، ومعنى ﴿مَجِيدٌ﴾ أي كثير الإحسان إلى عباده بما يفيضه عليهم من الخيرات ١.\nوالمعنى في تيسير الكريم الرحمن: أن الملائكة قالت لامرأة إبراهيم ﵇ لا تعجبي من أمر الله، فإن أمره لا عجب فيه لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصًا فيما يدبّره ويمضيه لأهل هذا البيت المبارك، ولا تزال رحمته وإحسانه وبركاته عليكم أهل البيت، (إنه حميدٌ) أى حميد الصفات لأن صفاته صفات كمال، حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجودٌ، وبرّ، وحكمة، وعدلٌ، وقسط، وهو سبحانه (مجيد) أَي عظيم الصفات واسعها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأَعمها ٢.\n* أقول: والذي يبين لي من اقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (المجيد) جل وعلا، أَنه ﷿ قد عظمت ذاته وتمجدت على وجه مطلق، وتمجدت كذلك أَسماؤه الحسنى التي اختارها سبحانه لنفسه، والتي تضمنت جميع صفاته الكمال المطلق، ومن ثم فإن أفعال هذا الإله العظيم (المجيد) إنما هي جميعها أفعال عظيمة مجيدة في اختيارها، وتقديرها، وإنفاذها، ويستحق سبحانه على كل فعل منها كمال الحمد الذي لا يستحقه أحد غيره، سواءٌ حَمِدَهُ بالفعل عبادهُ، أم أعرضوا عن حمده، فهو جل وعلا- وحده- المستحقُ لكافة أنواع الحمد رغم أنوف كل الجاحدين المعرضين.\n. وقد اقترن اسم (الحميد) كذلك باسم (الحكيم) في القران الكريم مرة واحدة ٣ في قوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت آية ٤٢) .\n_________\n١- فتح القدير الجزء الثاني ص٥١١ - بقليل تصرف ـ.\n٢ تيسير الكريم المنان الجزء الثالث ص٢٠٨ - بقليل تصرف ـ.\n٣ المعجم المفهرس.","vol":"57","page":66},{"text":"وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿وَإنهُ لكِتَابٌ عزيز﴾ (فصلت آية ٤١) والمعنى أن القرآن الكريم كتاب منيع الجناب لا يُرَام أن يأتي أحدٌ بمثله، وليس للبطلان إليه سبيل لأنه منزلٌ من رب العالمين، الحكيم في أقواله وأفعاله، الحميد بمعنى المحمود في جميع ما يأمر به عبادَه وينهاهم عنه، المحمودة عواقبه وغاياته ١.\nوالمعنى في جامع البيان في تفسير القرآن أن القرآن الكريم أعزه الله، ليس للبطلان إليه سبيل، أو لا يبطله الكتب المتقدمة، ولا يأتيه كتاب بعده يبطله، فهو تنزيلٌ من حكيم حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون ٢.\nوالمعنى في تيسير الكريم الرحمن أنه كتاب جامع لأوصاف الكمال، (عزيز) أي منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء، ولهذا قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي لا يقربه شيطانٌ من شياطين الإنس والجن لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا بنقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل مَنْ أنزله بحفظه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وهو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، يضع كل شيء في موضعه وينزله منازله، (حميد) على ما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والأفضال، لهذا كان كتابًا مشتملًا على تمام الحكمة وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار التي يحمد عليها (المحمود) ﷿ ٣.\n* أقول: ويظهر لي من اقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (الحكيم) أن الله جل وعلا- ومن صفاته الحكمة على وجه مطلق - قد وضع كل شيء في وضعه المناسب، فأنزل الكتاب الحق المهيمن على الكتب السابقة على خير خلقه وخاتم أنبيائه ورسله وأفضلهم، وصاحب الدين الحق المهيمن على سائر الأديان السابقة. وقد حفظ الله ﷿ هذا الكتاب بهيمنته على مدى الزمن، لأنه لا كتاب بعده، وضمَّنه الحق والهدف الذي إن تمسك به الناس فلن يضلوا أبدًا، فضلًا عن أنه سبحانه خلق كل شيء على الوجه المناسب له، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى- وهذه كلها أفعال تتم بحكمة الحكيم سبحانه، وكلها تستأهل أن يحمد ﷿ عليها الحمد كله.\n. كذلك اقترن اسم (الحميد) سبحانه باسم (الولي) في القرآن الكريم مرة\n_________\n١ تفسير الإمام ابن كثير الجزء الرابع ص١٠٣ - بقليل تصرف ـ.\n٢ جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي الجزء الثاني ص٢٥٠.\n٣ تيسير الكريم الرحمن الجزء السابع ص٨٨ - بقليل تصرف ـ.","vol":"57","page":67},{"text":"واحدة ١. في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى آية ٢٨) .\nومعنى الآية أنه بعد إياس الناس من نزول المطر ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، كقوله ﷿ ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ وقوله ﷻ ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية - قال قتادة: ذكر لنا أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط الناس، فقال عمر ﵁: مُطِرْتُمْ، ثم قرأ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله ٢.\nومعنى الآية عند الإمام الشوكاني: أن الله تعالى ينزل المطر الذي هو أنفع أنواع الرزق، وأعمها فائدةً، وأكثرها مصلحةً من بعد ما أيِسَ الناسُ عن ذلك، فيعرفون بهذا الإنزال للمطر بعد القنوط مقدار رحمة الله تعالى لهم، ويشكرون له ما يجب الشكر عليه، وهو سبحانه (الوليُّ) للصالحين من عباده بالإحسان إليهم، وجلب المنافع لهم، ودفع الشرور عنهم، (الحميد) أي المستحق للحمد منهم على إنعامه خصوصا وعموما ٣.\nوالمعنى في تيسير الكريم الرحمن: أن الله تعالى ينزل المطر الغزير الذي به يغيث البلاد والعباد من بعد ما انقطع عنهم مدةً ظنوا أنه لا يأتيهم، وأيسُوا وعملوا لذلك الجدب أعمالًا، فينزل الله الغيثَ، وينشر به رحمتَه من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعًا عظيمًا، ويستبشرون بذلك ويفرحون، (وهو الوليُّ) الذي يتولى عبادَه بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم، وهو (الحميد) أي المحمود في ولايته وتدبيره، والمحمود على ما له من الكمال، وما أوصله إلى خلقه من أنواع الأفضال ٤.\n- أقول: ومن اقتران اسم (الحميد) سبحانه باسم (الولي) جل وعلا قبله، يبدو لي أنه ﵎ يتولى أمر عباده بصفة عامة بخلقهم، وإبرائهم، وتصويرهم، ورَزْقِهِم، وتدبير أمورهم وتصريفها جميعًا، ويتولى كذلك أمرَ عباده المؤمنين بصفة خاصة بتوفيقهم دائما للخير والهدى، وتوجيه قلوبهم إلى التزام الحق والوقوف عند حدود الله، والبعد عن محارمه، وكل هذه الولاية من الله ﷿- وهي أمر لا يقوى عليه سواه، ولو لم توفر\n_________\n١ المعجم المفهرس.\n٢ تفسير ابن كثير الجزء الرابع ص١١٦\n٣ فتح القدير الجزء الرابع ص٥٣٥ - بقليل تصرف ـ.\n٤ تيسير الكريم الرحمن الجزء السابع ص١٠٦.","vol":"57","page":68},{"text":"للخلق لضاعوا وهلكوا- تؤكد لنا أن الله تعالى هو (الحميد) أي المحمود حقَّا في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله جميعًا. فسبحانه من إله عظيم تفرَّدَ بكل صفات الكمال على وجه الإطلاق.\n. وقد ورد اسم (الحميد) في القرآن الكريم غير مقترن بأي اسم من أسماء الله تعالى، مرة واحدة ١ في قوله تعالى: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراطِ الحميدِ﴾ (الحج آية ٣٤) - ويعود الضمير في قوله (وهدوا) على المؤمنين في الآية السابقة، وهى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (الحج آية ٣٣) .\nومعنى الآيتين: أن المؤمنين الذين عملوا الصالحات يدخلون جناتٍ تتخرق الأنهار في أكنافها، وأرجائها، وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاءوا وأين أرادوا، يحلَّوْنَ فيها من الحِلية في أيديهم أساورَ من ذهبٍ ولؤلؤًا، كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: \"تبلغ الحليةُ من المؤمن حيث يبلغُ الوضوء \"، ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ استبرقه وسندسه، كما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ . (ولباسهْمْ فيها حريرٌ) وفي الصحيح: \"لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\". ومعنى (وهدوا إلى الطيب من القول) أي هدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلامَ الطيبَ، كقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾، وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا، إِلا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ .\n﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: أي وهدوا إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم، كما جاء في الحديث الصحيح: \"إنهم يلهمون التسبيح، والتحميد، كما يلهمون النفس\". وقيل: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْل﴾: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة.\n_________\n١ المعجم المفهرس.","vol":"57","page":69},{"text":"﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي الطريق المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافى ما ذكر قبله ١.\nويقول الإمام الشوكاني في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْل﴾ أي أرشدوا إليه، قيل: هو لا إله إلا الله وقيل: الحمد لله، وقيل: القرآن، وقيل: هو ما يأتيهم من الله سبحانه من البشارات. وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله سبحانه: الحمد لله الذي صدقنا وعده- الحمد لله الذي هدانا لهذا- الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.\nوقال في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أنهم أرشِدوا إلى الصراط المحمود وهو طريق الجنة، أو صراط الله الذي هو دينه القويم، وهو الإسلام ٢.\nومعنى ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْل﴾ في تيسير الكريم الرحمن: أنهم هدوا إلى الطيب من القول الذي أفضله كلمة الإخلاص ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله أو إحسان إلى عباد الله. ومعنى ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي الصراط المحمود، وذلك لأن جميع الشرع كله محتوٍ على الحكمة وحسن المأمور به وقبح المنهي عنه، وهو الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح- أو وهدوا إلى صراطِ الله الحميدِ، لأن الله كثيرا ما يضيف الصراط إليه لأنه يوصل صاحبه إلى الله. وفي ذكر (الحميد) هنا بيان أنهم نالوا الهداية بحمد ربهم، ومنَّته عليهم، ولهذا يقولون في الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ٣.\n* أقول: وإفراد اسم (الحميد) سبحانه في هذه الآية دون أن يقرن باسم آخر من أسماء الله الحسنى كما ذكرت في الآيات التي سبق أن أوردتها، أفهم منه أن اسم (الحميد) استقلَّ بنفسه، كما استقلَّ اسم (الرحمن) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (الفرقان آية ٦٠) .\nويبدو لي أن اسم (الرحمن) سبحانه كما يتضمن صفة الرحمة التي بها يرْحَم جميع من خلق الله تعالى، بمعنى أنها صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿ لا تنفك عنه البتة، وتظهر آثارها باستمرار على الخلق في كل لحظة، فإن اسم (الحميد) سبحانه يتضمن كذلك صفة\n_________\n١ تفسير ابن كثير الجزء الثالث ص٢١٤ - بقليل تصرف ـ.\n٢ فتح القدير الجزء ص٤٤٥.\n٣ تيسير الكريم الرحمن الجزء الخامس ص١٤١.","vol":"57","page":70},{"text":"الحمد بكل أنواعه، فهي صفة ذاتية لله ﷿ لا تنفك عنه، وتظهر آثارها باستمرار في كل لحظة. ومعناها أنه سبحانه مستحق لكل أنواع الحمد لأنه المحمود في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وليس ذلك لأحد سواه سبحانه.\nكما يبدو لي أن العبد لابد أن يسلك في حياته سلوكًا يحمد عليه، لأن أعماله جميعًا يجب أن تُجرّد (للحميد) سبحانه، و(الحميد) لا يقبل إلا العملَ الحميدَ، كما أن (الطيبَ) لا يقبل إلا العملَ (الطيبَ) . ولو أن كل فرد تحرى أن يكون عمله حميدًا، لصلح أمر الناس في الدنيا والآخرة، ولاختفت المنازعات والخصومات فيما بينهم، ولعاشوا جميعا إخوةً في الله متحابين.\n﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ سورة النحل.","vol":"57","page":71},{"text":"مَفهُومُ الأسمَاء والصِّفات\nسَعد نَدَا المدرس بالجامعة الإسلامية\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن تبع هديه ووالاه، وبعد:\nفإذا توهم بعض الناس أن الكتابة في أسماء الله ﷿ أمر لا أهمية له وزعموا أنهم جميعًا يعرفون الله تعالى، ولا حاجة لهم إلى مثل هذه الموضوعات.\nفأقول: وهل يعرف ربه من يجهل ربه بأسمائه الحسنى وصفات كماله العليا التي اختارها هو سبحانه لنفسه وجعلها لنا سبيلًا إلى التعرف عليه جل وعلا؟\nوهل يستطيع أن يعبد ربه ويجرد له عبادته من لم يتعرف على ربه ولم يعلم له اسما ولا صفة؟\nوإلا فليدلني أولئك الزاعمون: ممن يطلب الواحد منهم الرزق مثلًا إن لم يكن يعرف أن من أسماء ربه سبحانه: الرزاق، ومن صفاته صفة الرزق؟ وممن يطلب المغفرة إن لم يكن يعرف أن من أسماء ربه سبحانه: الغافر والغفار، ومن صفاته صفة المغفرة؟ وهكذا.\nإن معرفة العبد أسماء ربه الحسنى وصفات كماله العليا له شأن عظيم، ومن روائع ما ذكره الإمام ابن القيم﵀- في أهمية التعرف على الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله قوله: \"لا حياة للقلوب، ولا سرور، ولا لذة، ولا نعيم، ولا أمان، إلا بأن تعرف ربها، ومعبودها، وفاطرها، بأسمائه وصفاته، وأفعاله، ويكون ذلك أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه. ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بإدراك ذلك على التفصيل، فاقتضت حكمةُ العزيز العليم بأن بعث الرسل به مُعَرِّفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاحَ دعوتهم وزبدةَ","vol":"57","page":73},{"text":"رسالتهم معرفةَ المعبود سبحانه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله. وعلى هذه المعرفة تنبني مطالبُ الرسالة جميعها، فإن الخوفَ والرجاء، والمحبة والطاعةَ والعبوديةَ تابعةٌ لمعرفة المرجُوّ، المخّوف، المحبوب، المُطاع، المعبُود.\nولما كان مفتاحُ الدعوة معرفةَ الربِّ تعالى، قال أفضلُ الداعين إليه رسولُ الله ﷺ لمعاذ بن جبل، وقد أرسله إلى اليمن: \"إنك تأتى قومًا من أهل الكتاب، فليكنْ أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ... الحديث\".\nوهو في الصحيحين- واللفظ لمسلم١ ٠\nثم قال الإمام ابن القيم﵀-: \" والمقصود أن الله تعالى أكمل للرسول ولأمته به دينهم، وأتم عليهم به نعمته. ومحال مع هذا أن يَدَعَ ما خُلِقَ له الخلقُ، وأُرسلت به الرسلُ، وأُنزِلت به الكتبُ، ونُصِبَتْ عليه القِبْلةُ، وأسِّسَتْ عليه المِلَّةُ، وهو باب الإيمان بالله، ومعرفته ومعرفة أسمائه، وصفاته، وأفعاله ملتبسًا مشتبِهًا حقُّهُ بباطله، لم يتكلم فيه بما هو الحق بل تكلم بما هو الباطل، وأن الحق في إخراجه عن ظاهره. فكيف يكون أفضل الرسلِ وأجلُّ الكتب غيرَ وافٍ بتعريف ذلك على أتم الوجوه؟ مبين له بأكمل البيان؟ موضح له غاية الإيضاح؟ مع شِدَّة حاجة النفوس إلى معرفته، وهو أفضل ما اكتسبته النفوس، وأجلُّ ما حصلته القلوب؟ ٢ \".\nبعد هذا التقديم، أعود إلى إتمام ما بدأته من الكلام على أسماء الله الحسنى، سائلا الله ﷿ أن يلهمني الرشاد. فأقول:\nالمؤمن:\nهو اسم من أسماء الله ﷿. وهو من (آمن) عباده من أن يظلمهم. وأصل (آمَنَ): (أأمَنَ) بهمزتين لُيِّنت الثانية٣.\n_________\n١مختصر الصواعق المرسلة جـ اص ٤، ٥.\n٢المرجع السابق ص ٧.\n٣مختار الصحاح في مادة (أون) ..","vol":"57","page":74},{"text":"وقيل: المؤمن: هو الذي يَصْدُق عبادَه وعْدَه: فهو من الإيمان: التصديق، أو يؤمنهم في القيامة من عذابه، فهو من الأمان، والأمْن ضد الخوف١ ٠\n. وقد ورد اسم (المؤمن) جل وعلا في القرآن الكريم مرة واحدة فقط٢. في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ ...﴾ [الحشر آية ٢٣]\n- وقد قيل في معنى (المؤمن) في هذه الآية: أنه سبحانه الذي يؤمن خلقه من ظلمه. المصدِّق الموقن: بمعنى أن الناس آمنوا بربهم فسماهم مؤمنين، وآمن الربّ الكريمُ لهم بإيمانهم. صدقهم٣.\n- وقيل المؤمن: هو واهب الأمن٤.\n- وقيل: المؤمن: فيه ستة أقوال:\nا- أنه- سبحانه- الذي أمن الناسُ ظلمَه، وأَمِنَ مَنْ آمَنَ به عذابَه. قاله ابن عباس ومقاتل.\n٢- أنه المجير- قاله القرظي.\n٣- أنه الذي يُصَدِّق المؤمنين إذا وحدوه- قاله ابن زيد.\n٤- أنه الذي يصدِّق عباده وعدَه- قاله ابن قتيبة.\n٥- أنه الذي وحَّد نفسه لقوله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران آية ١١٨]- قاله الزجاج.\n٦- أنه الذي يُصدِّق ظُنون عباده المؤمنين ولا يُخيب آمالهم، كقول النبي ﷺ \"أنا عند حسن ظن عبدي بي\" - حكاه الخطابي- وهذا الحديث جزء من حديث قدسي رواه كل من البخاري ومسلم في صحيحهما بتمامه ولفظه عند البخاري بتمامه عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"يقول الله تعالى: أنا عند حسن ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإنْ ذكرني في ملإ ذكرته في ملأ خير منهم،\n_________\n١النهاية لابن الأثير- الجزء الأول ص ٦٩.\n٢المعجم المفهرس ص ٩٠.\n٣جامع البيان عن تأويل آي القرآن- للطبري- جزء٢٨ ص ٥٤.\n٤الكشاف- للزمخشري- جزء٤ ص ٨٧. وجامع البيان للِإيجي- جزء٢ ص ٣٥٠.","vol":"57","page":75},{"text":"وإن تقرب إلىَّ شبرًا تقربتُ إليه ذراعًا، وإنْ تقرب إلىَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولة\".\nوالحديث يرشد إلى تحسين الظن بالله ﷿، وهذا لا يكوِن إلا لمن تاب، وندم، وأقلع، وأَتبع السيئة الحسنةَ، واستقبل بقية عمره بوسائل النجاة فمَن فعل ذلك ثم أحسن الظن، فقد أحسن وحلَّ محلَّه، وأما مَنْ أساء وأصر على الكبائر، فوَحْشَةُ المعاصي لا يجامِعها إِحسان الظنِّ بالله تعالى١.\n- وقيل: المؤمن: هو المُصَدِّقُ لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدِّق الكافرين ما أوعدهم من العقاب٢.\nأو هو الذي يؤمِّن أولياء من عذابه، ويؤمِّن عبادَه من ظلمه، فيقال: آمنه من الأمان الذي هو ضد الخوف، كما قال تعالى ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش آية ٤]، فهو سبحانه المؤمن٣.\n- وقيل: المؤمن: أمن خلقه من أن يظلمهم- قال الضحاك عن ابن عباس.\nأو: أنه صدَّق عباده المؤمنين في إيمانهم به- قاله ابن زيد٤.\n- وقيل: المؤمن هو المصدق لنفسه ولرسله ﵈ فيما بلغوه عنه سبحانه، أو بخلق المعجزة.\nأو: هو واهب عباده الأمن من الفزع الأكبر.\nأو: هو مؤمنهم منه إِما بخلق الطمأنينة في قلوبهم، أو بإخبارهم بأنهم لا خوفٌ عليهم.\nأو: أنه المصدق للمؤمنين أنهم آمنوا- قاله ثعلب.\nأو: أنه المصدق للمؤمنين في شهادتهم على الناس يوم القيامة٥.\n_________\n١زاد المسير في علم التفسير لأبى الفرج ابن الجوزى- ص ٢٢٥- بقليل تصرف-.\n٢الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي- جزء١٨ ص ٤٦- بقليل تصرف- وفتح القدير- جزء٥ ص ٢٠٧-.\n٣الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي- جزء١٨- ص ٤٦- بقليل تصرف-..\n٤تفسير ابن كثير- جزء٤ ص ٣٤٤.\n٥روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى- للألوسى جزء٢٨- ص ٦٣-.","vol":"57","page":76},{"text":"وقيل: المؤمن هو الطاهر الذي لا تعلق به شائبة. ومنه سمي المؤمن مؤمنًا١.\nوقيل: المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال، وبكمال الجلال والجمال، الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آيةٍ وبرهانٍ يدل على صدقهم وصحة ما جاءوا به٢.\nأقول:\n\"وإذا كان علماء التفسير- على مدى العصور- قد ذكروا تلك المعاني السامية الرائعة لاسم (المؤمن) سبحانه، فإنه يبدوا لي أن هذا الاسم الكريم يعنى- بإِجمال هذه المعاني- أنه- جل وعلا- الطاهر الذي لا تعلق به شائبة ولا نقيصة، لأنه الكامل في كل صفاته كمالا مطلقا، وهو الذي يهب الأمن لعباده، فيؤمنهم جميعًا من الظلم لأنه سبحانه يتنزه عنه، ويؤمن قلوب المرسلين والمؤمنين بهم بما أنزل من الحق، ثم يؤمنهم من عذابه، لأنهم أولياؤه الذين آمنوا به ووحدوه وجردوا له العبادة، ويؤمنهم في الدنيا من كل خوف وحزن، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾] يونس آية ٦٢ [، ويؤمنهم في الآخرة من الفزع الأكبر كما قال سبحانه: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾] الأنبياء آية ١٠٣ [بل سيجعلهم شهداء على الناس ويجعل الرسول ﷺ شهيدًا عليهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾] الحج آية ١٧٨ [٠\"\nفاسم (المؤمن) - سبحانه- يشمل كل حسن وجمال وخير، يشيع أثره في هذا الكون:\nأنظر إلى الأمن الذي يغشى الناس في أسرابها، والطيور في أوكارها، والأسماك والحيتان في بحارها، والزواحف في جحورها، وأسراب النمل في شقوقها، وجماعات النحل في بيوتها: حين تأكل، وحين تشرب، وحين تنام، وحين تتزاوج، وحين تتوالد. أنظر إلى الأمن السائد في كل المخلوقات، والطمأنينة المبسوطة على كل الكائنات، لتجد أن ذلك كله من آثار اسم (المؤمن) ﷻ، الذي يهب الحياة لخلقه، ويهب الأمن للأحياء.\n_________\n١التفسير القرآني للقرآن- جزء٢٨ ص ٨٨٣.\n٢تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان- للسعدي- جزء٥- ٣٠١-.","vol":"57","page":77},{"text":"ومن ثم ينبغي عليك- أيها الإنسان- أن تكون مؤمنًا (بالمؤمن) سبحانه، وأن تجرد له أعمالك جميعًاَ، ليطمئن به قلبك وتأمن به نفسك، وينتشر الأمن في كل كائن من حولك، وحينئذ ستشعر بلذة الحياة الآمنة الوادعة الطيبة التي تختفي فيها المعاصي ومشكلاتها، وتبرز فيها الطاعات وثمراتها، ويكون الله ورسوله فيها أحب إليك مما سواهما، والحب سبيل الطاعة، والطاعة سبيل الفوز العظيم في الدنيا والآخرة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾] الأحزاب آية ٧١ [.\nالمُهَيْمِنُ:\nهو اسم من أسماء الله ﷿. وهو الرقيب. وقيل: الشاهد. وقيل: المُؤتَمَن. وقيل: القائم بأمور الخلق.\n- وقيل أصله: مؤتَمِن، فأبدلت الهاء من الهمزة، وهو مُفَيعِلٌ من الأمانة١.\n. وقد ورد اسم (المهيمن) جل وعلا في القرآن الكريم مرة واحدة فقط٢، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ ...﴾] الحشر آية ٢٣ [.\n- وقد قيل في معنى (المُهَيمنُ) في هذه الآية: الشهيد أو الأمين. قاله ابن عباس ﵄. أو المصدِّق لكل ما حدث، قاله ابن زيد ثم قرأ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٣ وقال:\" فالقرآن مصدِّق على ما قبله من الكتب، والله مصدِّق في كل ما حدث عما مضى في الدنيا، وما بقي، وما يحدث في الآخرة\"٤.\n- وقيل: (المُهيمن) الرقيب على كل شيء الحافظ له. مُفَيْعِل من الأمن إلا أَن همزته قلبت هاء.٥\n- وقيل (المُهَيْمنُ): فيه أربعة أقوال:\nا- أنه الشهيد: قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والكسائى. قال الخطابي: ومنه\n_________\n١النهاية لابن الأثير- الجزء الخامس- ص ٢٧٥-.\n٢المعجم المفهرس- ص ٧٣٩-.\n٣يقصد قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾] المائدة آية ٤٨ [٠\n٤جامع البيان للطبري- جزء٢٨- ص ٥٤.\n٥الكشاف للزمخشرى- جزء٤- ص ٨٧-.","vol":"57","page":78},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه﴾] المائدة ٤٨ [- فالله تعالى: الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل.\n٢- أنه الأمين: قاله الضحاك.\nوقال الخطابي: وأصله: مُؤَيْمنٌ، فقُلبت الهمزة هاء، لأن الهاء أخف عليهم من الهمزة- ولم يأت: مُفَيعِل في غير التصغير إلا في ثلاثة أحرف: (مُسَيْطِر- ومُبَيْطِر- ومهَيمِن) وقد ذكر في سورة الطور آية ٣٧ عن أبى عبيدة أنها خمسة أحرف: في قوله تعالى ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ إنه لم يأت في كلام العرب اسم على مُفَيْعِل إلا خمسة أسماء: مهَيْمِن- ومجيمر- ومُسَيْطِر- ومُبَيْطِر- ومُبَيْقِر.\nفالمهيمن: الله الناظر، المحصى، الذي لا يفوته شيء- ومجيمر: جبل- ومسيطر: مسلَّط- ومبيطر: بَيْطار- ومبيقر: الذي يخرج من أرض إلى أرض يقال: بَيْقَر إذا خرج من بلد إلى بلد.\n٣- أنه المُصدِّق فيما أخبر- قاله ابن زيد.\n٤- أنه الرقيب على الشيء، والحافظ له،- قاله الخليل والخطابي.\nوقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له ثم قال:\nألا إن خير الناس بعد نبيه\nمُهَيْمِنُهُ التاليه في العرف والنكر\nيريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم١ ٠\nوقيل: (المُهَيْمنُ): الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم كقوله:\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقوله ﴿ْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ وقوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ - قاله ابن عباس ﵄ وغيره-٢ ٠\n- وقيل: (المُهَيْمِن): الرقيب المطلع على السرائر٣ ٠\n- وقيل: (المُهَيْمنُ): الشهيد على عباده بأعمالهم، الرقيب عليهم- قاله مجاهد وقتادة ومقاتل.\n_________\n١زاد المسير- جزء٨- ص٢٢٥-.\n٢تفسير ابن كثير- حزء٤ ص ٣٤٤-.\n٣جامع البيان- للإيجي- جزء٢ ص ٣٥٠-.","vol":"57","page":79},{"text":"يقال: هَيْمَن يُهَيْمن فهو مُهَيْمن: إذا كان رقيبًا على الشيء.\nوقال الواحدي:\" وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصله مؤَيمن من آمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن- والأول أولى\"١.\n- وقيل: (المهيمن): الرقيب الحافظ لكل شيء. مُفَيْعِل من الأمن بقلب همزته هاءً٢ ٠\n- وقيل: (المُهَيْمِن): الرقيب الحافظ لكل شيء. مُفَيْعِل بقلب همزته هاء ً، وإليه ذهب غير واحد- وتحقيقه كما في الكشف: أن أَيْمَنَ على فَيْعَل مبالغة أمن العدو للزيادة في البناء- وإذا قلت: أمن الراعي الذئب على الغنم مثلًا، دل ذلك على كمال حفظه ورقبته. فالله تعالى أمن كل شيء سواه سبحانه على خلقه وملكه، لإحاطة علمه، وكمال قدرته ﷿، ثم استعمل مجرد الدلالة بمعنى الرقيب والحفيظ على الشيء في غير ذكر المفعول بلا واسطة للمبالغة في كمال الحفظ. كما قال تعالى ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ وجعله من ذلك أولى من جعله من الأمانة، نظرًا إلى أن الأمين على الشيء حافظ له، إذ لا ينبىء عن المبالغة ولا عن شمول العلم والقدرة. وجعله في الصحاح اسم فاعل من: آمنه الخوف على الأصل، فأبدلت الهمزة الأصلية باء كراهة اجتماع الهمزتين، وقلبت الأولى هاءًَ كما في هراق الماء.\nوظاهر كلام الكشف: أنه ليس من التصغير في شيء.\nوقال المبرد:\" إنه مُصَغَّر- وقد أخطأ في ذلك، فإنه لا يجوز تصغير أسماء الله عز وجل٣ ٠\n- وقيل: (المهيمن): القائم على الوجود، المسيطر على كل ذرة فيه٤\n. أقول:\" في اسم: (المهيمن) سبحانه، ذكر المفسرون المعاني التي عرضت جانبا منها، وأجملها في أن المراد بمعنى (المُهَيْمِن) جل وعلا: القائم بأمور الخلق- الرقيب الحافظ لكل شيء، الشهيد على عباده، المطلع على أعمالهم وأسرارهم، الأمين، المصدق فيما أخبر ولكل ما حدث.\n_________\n١فتح القدير- جزء٥- ص ٢٠٨-.\n٢تفسير أبى السعود- جزء٧- ص ٢٣٤-.\n٣روح المعاني- جزء٢٨- ص ٦٣-.\n٤التفسير القرآني للقرآن- جزء٢٨- ص ٨٨٣-.","vol":"57","page":80},{"text":"والذي يبدو لي أن اسم (المُهَيْمِن) ﷻ، يتضمن معناه شمول الهيمنة بمعنى السيطرِة المطلقة لله ﷿ على كل كائن في هذا الكون، إيجادًا وإعدامًا، وتحريكًا، وتسكينًاَ، بعلمٍ محيطٍ، وعدلٍ مطلقٍ، وقدرةٍ شاملةٍ، ومشيئةٍ نافذةٍ، وقدرٍ سابقٍ، فلا راد لمشيئته، ولا معقب لقدره، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد. وما أراد وقوعه في كونه سبحانه- وما دونه في اللوح المحفوظ غيبَه عن خلقه، واستأثر بعلمه وحده، وهذا الاستئثار أثر من آثار هيمنته سبحانه.\nومن أمثلته قوله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾] الأنعام آية ٥٩ [.\nثم أنه سبحانه مع هذه الهيمنة التي من مقتضاها قهر عباده سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾] الأنعام آية ١٨ [، لم يهمل عباده بل يراقبهم، ويشهد كل أقوالهم وأعمالهم، بل ويطلع على أسرارهم وما تُكِن صدورهم، ويوالى إمدادهم بكل ما يحتاجون لعمارة هذه الأرض، وما يصلح لهم في دنياهم وأخراهم، ويرسل إليهم ملائكة حفظة لهم بإذن الله طول حياتهم حتى تنتهي آجالهم، كما قال سبحانه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾] الرعد آية ١١ [، وكما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾] الأنعام آية ٦١ [.\nومن آثار هيمنته سبحانه أنه يملك أن يتصرف في خلقه كيف يشاء، لأنهم في ملكه، والمالك من حقه أن يتصرف في ملكه بكافة أنواع التصرفات. ومن نماذج هذه التصرفات ما ذكره الله تعالى تنبيهًا لنا وتذكيرًا باستمرار وشمول هيمنته على خلقه سبحانه قوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ. قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾] الأنعام آية ٦٣- ٦٥ [.","vol":"57","page":81},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ. قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾] الأنعام آية ٤٦، ٤٧ [.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾] الأنعام آية ٩٥- ٩٩ [٠\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾] الرعد آية ١٢، ١٣ [.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ. إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ. وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ. وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ. وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾] الحجر آية ١٦-٢٥ [.\nوقِوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾] النحل آية ٥-٨ [.","vol":"57","page":82},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا. ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾] الفرقان آية ٤٥-٤٩ [.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾] الفرقان آية ٥٣-٥٤ [٠\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾] القصص آية ٧١- ٧٣ [٠\nوقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. ِ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ. أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ. نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾] الواقعة آية ٥٧- ٧٤ [٠\nسبحانك ربَّنا العظيم، ما أعظم سلطانك، وما أكمل هيمنتك المطلقة على كل شيء في هذا الوجود، لا يفتك منها أي مخلوق صغر أم كبر، دقَّ أم عظم.\nننزهك ربَّنَا العظيم عن كل ما لا يليق بجلالك وسلطانِك، ونُقِر لَكَ وحدَكَ بسموِّ أسمائِكَ وكمالِ صِفاتِكَ، ونعترفُ لكَ بجليل فضلِكَ وإِحسانِكَ وكرمِكَ، بقلوبِنا وألسنتنا وجوارِحنَا، ونشهدُ بأنَّكَ وحدَك المستحق ِلأن تُشْكَرَ فلا تُكْفَر، وتُذْكر فلا تنسى، وتُطاع فَلا تُعْصَى.","vol":"57","page":83},{"text":"ونَكِلُ أمورنا إليكَ وحدَكَ، فَأنتَ ملاذُنا وحدَكَ في الدنيا، ومَرِجعُنَا إليك وحدَكَ في الأخرى، أنت مولانا المهيمنُ علينا حَقَّا، ونحنُ عَبيدكَ الخاضعُون لَكَ صِدْقًا، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم آية ٩٣- ٩٥] .\nأسأل الله جل وعلا أن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يصرفها على طاعته، وأن يختم لنا بعقيدة التوحيد ختام الإيمان.\nوصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الكريم محمدٍ وعلى آله وصحبه.\nحلاوة الإيمان\nعن أنس بن مالك ﵁ (في الصحيحين) قال: \" قال رسول الله ﷺ:\n\" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه:\n(١) من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.\n(٢) ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله.\n(٣) ومن كان يكره أن يرجع في الكفر، بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار \".\nوعن العباس بن عبد المطلب ﵁ (في صحيح مسلم) قال: \"قال ﷺ:\n\" ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا\".","vol":"57","page":84},{"text":"مفهوم الأسماء والصفات\nيقول الله ﷿: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَأن اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .\nتشمل الآيات الكريمات على ستة عشر اسما من أسماء الله الحسنى، هي:\nالله - العالم - الرحمن - الرحيم - الملك - القدوس - السلام - المؤمن - المهيمن - العزيز - الجبار - المتكبر - الخالق - البارئ - المصور - الحكيم.\nوقد أسلفت الكتابة في حلقات سابقة بما يسر الله لي ون بعض أسمائه:\nالله - العالم - الرحمن - الرحيم - الملك - العزيز - البارئ - الحكيم..\nوأحاول بحول الله وقوته - أن اكتب في هذه الحلقة شيئًا مما ييسر الله تعالى لي فهمه من معأني باقي الأسماء في الآيات الشريفات المذكورات.\nوقبل أن ادخل في هذا البحث أود أن أشير إلى أول كلمة في هذه الآيات وهي قوله تعالى: (هو) ذلك أن بعض الذين شرحوا أسماء الله الحسنى، ذكروا أن هذه الكلمة أنما هي اسم من أسماء الله الحسنى، وهذا مسلك عجبت له كثيرا، لهذا أردت أن أبين خطأ هذا الفهم لقيامه على غير دليل.","vol":"58","page":115},{"text":"(هو) ليس اسمًا من أسماء الله الحسنى:\nمن الذين قالوا أن (هو) اسم من أسماء الله الحسنى أبو القاسم عبد الكريم القشيري ١في كتابه\n(شرح أسماء الله الحسنى) ٢. وكأن نص ما قاله ما يأتي:\nأعلم أن (هو) اسم موضوع للإشارة، وهو عند الصوفية إخبار عند نهاية التحقيق، وهو يحتاج عند أهل الظاهر٣ إلى صلة تعينه ليكون الكلام مفيدًا، لأنك إذا قلت: هو ثم سكتَّ، فلا يكون الكلام مفيدًا حتى تقول: هو قائم أو قاعد، أو هو حي أو هو ميت وما أشبه ذلك.\nفأما عند القوم٤فإذا قلت هو، فلا يسبق إلى قلوبهم غي ذكر الحق فيكتفون عن كل بيأن يتلونه لاستهلاكهم في حقائق القرب باستيلاء ذكر الله على أسرارهم وأنمحائهم عن شواهدهم فضلًا عن إحساسهم بمن سواه٥، وكأن الإمام أبو بكر بن فروك ﵁ يقول: هو حرفأن هاء وواو فالهاء تخرج من آخر الحلق وهو آخر المخارج والواو تخرج من الشفة وهو اول المخارج، فكأنه يشير إلى ابتداء كل حادث منه وأنتهاء كل حادث إليه وليس له ابتداء ولا أنتهاء، وهو معنى قوله سبحأنه (هو الأول والآخر)،فقوله: (هو الأول): إخبار عن قدمه، وقوله (الآخر) إخبار عن استحالة عدمه\".٦\n_________\n١ هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الملقب بجمال الدين. إمام التصوف في عصره المولود عام ٣٧٦هـ والمتوفى عام ٤٦٥هـ.\n٢ حققه وشرحه الأستاذ عبد المنعم عبد السلام الحلواني.\n٣ أقول يشير القشيري بقوله: أهل الظاهر: إلى عقيدة أهل التصوف الذين يقولون إن الإسلام له وجهان: وجه ظاهر، ووجه باطن: فالوجه الظاهر هو النصوص ويسمونه الشريعة، ويسمون الذين يتمسكون بالنصوص أهل الظاهر وأهل الشريعة، والوجه الباطن هو المعاني البعيدة الخفية للنصوص التي لا يعلمها أهل الظاهر، ويسمون هذا الباطن الحقيقة، ويسمون الذين يعرفونها أهل الحقيقة وهم في نظرهم الصوفية وهذا كلام باطل لأن الإسلام ليس له ظاهر وباطن، بل إن ظاهره كباطنه، يشير إلى هذا قول الرسول الله ﷺ: \"تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك\".\n٤ أقول: يقصد بالقوم: الصوفية.\n٥ أقول: يقصد أنهم يغيبون عن عالم الشهادة، وهذه هي عقيدة الفناء في الله، وهي من عقائد الصوفية الخبيثة الباطلة.\n٦ أقول: هذا كلام خبط لا سند له، فكم من الكلمات أولها يخرج من أقصى الحلق وآخرها يخرج من الشفتين ولا يشير إلى ابتداء ولا انتهاء مثل (هُبْ)، و(هُفْ) وما شكل ذلك، فليس لمخارج الكلمات مُعَوَّل في المعنى، إضافة إلى ذلك فإن كلمة (هو) إنما هي ضمير يدل على الغائب، وليس اسمًا، فضلًا عن أن يكون اسمًا لله تعالى - ويجب أن يعلم أن أسماء الله تعالى توقيفية يوقف فيها عندما ورد النص به ولا مجال للاجتهاد فيها - ولم يرد نص في الكتاب والسنة على أن (هو) اسم من أسماء الله تعالى، وإنما ذلك من تلبيسات إبليس الني أوحى بها إلى أعوانه فيما سول لهم وأملى لهم.","vol":"58","page":116},{"text":"ثم قال القشيري: \"وقد حكى عن بعضهم أنه قال: رأيت بعض الوالهين، فقلت ما اسمك؟ فقال: هو، قلت من أنت؟ فقال: هو، قلت: من أين جئت؟ فقال: هو، قلت: من تعني بقولك: هو؟ فقال: هو، فما سألته عن شيء إلا قال: هو. فقلت: لعلك تريد الله، قال: فصاح وخرجت روحه١\"ثم قال القشيري: \"وقال أهل الإشارة٢: أن الله تعالى كاشف الأسرار بقوله: هو، وكاشف القلوب بما عداه من الأسماء، وقيل كاشف المحبين بقوله: هو، وكاشف المُتَيَّمينَ بقوله: الله، وكاشف العلماء بقوله: أحد، وكاشف العقلاء بقوله: الصمد، وكاشف العوام بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقيل: كاشف الخواص بإلهيته، وكاشف خاصة الخاصة بهويته ... الخ \"٣.\nهذا ما قاله القشيري في معنى (هو) ٤.\nوأعجب مما كتبه القشيري، ما كتبه محقق وشارح كتابه في هامشه، إذ قال:\n\"هو: اسم من أسماء الله، له هيبة وجلال عند أرباب الطريق والمكاشفات وأهل المشاهدة ٥. ومخرجه من باطن القلب، وله حرارة تزكي الجسد والروح،\n_________\n١ أقول: وهذه الحكاية فضلًا عن نسبتها إلى مجهولين بدون إسناد، فإنها نوع من خيال المبتدعة المبطلين الذين يعيشون مع الأوهام التي تنسجها لهم الشياطين.\n٢ أقول: يقصد بأهل الإشارة: الصوفية.\n٣ أقول: قوله كاشف بقوله (هو) ليس دليلا على أن اسمه سبحانه (هو) . بل إن (هو) ضمير يدل عليه سبحانه كما يقول تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ . فهل قال أحد بأن كلمة (أنا) اسم من أسماء الله تعالى؟ ما قال بذلك أحد، بل قال الجميع: إن هذه الكلمة ضمير يدل على المتكلم - فما الفرق إذن بين الضمير المتكلم (أنا) والضمير الغائب (هو)؟ لا إله إلا الله إله إلا الله إله إلا الله فرق بينهما في كون كل منهما ضميرًا، وليس واحد منهما اسمًا من أسماء الله تعالى على الإطلاق. ودليلنا في هذا عدم ورود النص في الكتاب والسنة بشيء من ذلك. والله سبحانه أعلم.\n٤ شرح أسماء الله الحسنى للقشيري ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣.\n٥ أقول: يقصد المحقق الشارح بأرباب الطريق والمكاشفات وأهل المشاهد: أهل الطرق الصوفية.\nذلك بأن عقيدة هؤلء الضالة الباطلة أن غاية التصوف: إنما هو الكشف والمشاهدة، بمعنى أن يكشف لأحدهم اللوح المحفظ فيقرأ فيه ما كان وما سيكون، وأن يشاهد الله تعالى فيراه رأي العين. ويقرر الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين جزء ٢ ص١٦٦ أن المشاهدة تتم أثناء الخلوة إذ يقول: \"الخلوة لا تكون إلا في بيت مظلم، فإن لم يكن له مكان مظلم، فيلف رأسه بجيبه أو يدثر بكساء أو ازار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق، ويشاهد جلال الحضرة الربوبية\" - وعقيدة المشاهدة باطلة. والحق فيها ما اعتقده أهل السنة والجماعة من أن الله تعالى ادخر رؤيته سبحانه للمؤمنين في الجنة. فتكون هذه الرؤية لهم في وضوحها كما يرون القمر ليلة البدر. وتكون أعظم ما ينالون. بل أعظم من الجنة. وذلك في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس٢٦) .والحسنى هي الجنة. والزيادة هي النظر إلى وجه الله ﷿. ومن ثم فرؤية الله في الدنيا لم يمكن عباده منها بل ادخرها للمؤمنين في الجنة. ومن هذا يتضح بطلان عقيدة الصوفية في المشاهدة في الدنيا.","vol":"58","page":117},{"text":"ومعناه حاضر لا يغيب، لا يشتمل عليه زمأن، ولا يحويه مكأن، منزه عن مشابهة الحوادث، قريب من عبده في أي زمأن ومكأن، الإله هو ولا إله إلا هو، إلى أن قال: هو مصدر الجلال والجمال لأهل النور الذاتي والمعنوي١ - ثم قال: هو هو، ولا مشهود غيره ٢. ثم قال: وهو الضمير الدال على اسم الله، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام\"٣.\nوهكذا يبين لنا مما كتب أولئك الصوفية، أنهم يزعمون أن ضمير الغائب (هو) هو اسم من أسماء الله الحسنى، ولذلك ينادونه سبحأنه بقولهم:\n(يا هو) كقول قائلهم:\n(فيا هو قل أنتَ أنا ... ويا أنا قل أنت هو)\nكما تجد أولئك القوم يذكرون الله تعالى في أذكارهم وحضراتهم بهذا الضمير على أنه أحد أسمائه الحسنى سبحأنه، فنسمعهم يقولون: (هُو -هُو -هُو -هُو) ويرددون هذه الكلمة مئات المرات زاعمين أنهم يذكرون الله باسم من أسمائه الحسنى.\nوقد كذبوا على الله تعالى، وسمَّوه بما لم يسمِّ به نفسه، وشرعوا له ما لم يشرعه سبحأنه، وقالوا عليه بغير علم، والله تعالى حرم ذلك فقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف آية ٣٣) .\n_________\n١ أقول: يقصد الشارع عقيدة المشاهدة الباطلة.\n٢ أقول: يشير الشارح إلى عقيدة أخرى من عقائد الصوفية الزائغة وهي عقيدة وحدة الوجود. ويعنون بها أن الله حل في كل شيء. فأصبحت الموجودات كلها لا حقيقة لوجودها غير الله فكل شيء هو الله. وذلك يظهر من قول قائل الصوفية:\nفيا هو قل أنت أنا ... ويا أنا قل أنت هو\nما في الوجود غيرنا ... أنا وهو وهو وهو\nوقوله:\nوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه عينه\nوقول الزنديق محيى الدين بن عربي:\nالربٌ عبدٌ والعبد ربٌ ... يا ليت شعري من المكلف؟\nإن قلت عبدٌ فذاك ربٌ ... أو قلت ربٌ أنَّي يكلف؟\nوقوله كذلك:\nوما الكلب والخنزير إلا إلهنا ... وما الله إلا راهب في كنيسة\nوهذا الهراء معناه أن الله جَلَّ في العبد، وفي الكلب، وفي الخنزير، وفي كل شيء، وصار كل شيء في الوجود هو الله ... تعالى الله عما يقول أولئك المجرمون عُلُوّا كبيرًا.\n٣ الرجع السابق ص ١٢١، ١٢٢، ١٢٣.","vol":"58","page":118},{"text":"وأهل السنة يؤمنون بأسماء الله الحسنى التي وردت بها نصوص الكتاب والسنة، فهي توقيفية يُوقَفُ عند ما نص عليه، وقد خلصت له الأسماء السنية، فكأنت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفة كأن منها خليا، ولا اسمًا كأن منه بريًّا، تبارك وتعالى١.\nومن ثم فليس لأحد - كائنًا من كأن - أن يسمى الله تعالى بما لم يسمَّ به نفسه، أو يشرع غير ما شرع الله.\nبعد أن أنتهت من هذا المبحث، أدخل الأن في إتمام عرض ما ييسر الله تعال لي من معأني باقي الأسماء في الآية التي صدرت بها هذه الحلقة، وذلك فيما يلي:\nالقُدُّس:\nهو اسم من أسماء الله ﷿. وهو بضم القاف (قُدُّس) على وزن (فُعُّل) وهو صيغة مبالغة من (القُدْس) وهو الطهارة. ولكن سيبويه كأن يرى أنه بالفتح (قَدُّس) على وزن (فَعُّل) لأنه ليس عنده في الكلام (فُعُّل) أصلًا. وقال ثعلب: كل اسم على (فُعُّل) فهو مفتوح الأول مثل سَفُّد وكَلُّب وسمُّ وشَبُّط وتَنُّور إلا السُّبُّح والقُدُّوس فغن الضم فيهما أكثر، وقد يُفتحأن٢.\nواسم (القُدُّس) سبحأنه متضمن لكمال طهارته من جميع صفات النقص والعيب.\n* وقد ورد اسم (القُدُّس) جل وعلا في القرأن الكريم مرتين فقط٣: مرة في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (الحشر آية٢٣)،ومرة في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجمعة آية ١) .\nوقد ذكر الإمام ابن كثير في معنى (القُدُّس) قوله: قال وهب بن منبه: الطاهر، وقال مجاهد وقتادة: المبارك، وقال ابن جريج: تُقَدِّسه الملائكة الكرام.٤\n_________\n١ الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٤٢.\n٢ مختار الصحاح في مادة (ق د س) .\n٣ المعجم المفهرس ص ٥٣٨.\n٤ تفسير ابن كثير الجزء ٤ ص ٣٤٤.","vol":"58","page":119},{"text":"وقال صاحب جامع البيان في معنى (القُدُّوس): الطاهر البليغ في النزاهة عن كل نقصأن١.\nوقال الإمام الشوكأني في معنى (القُدُّوس): الطاهر من كل عيب المنزه عن كل نقص.\nوالقُدُّوس بالتحريك في لغة أهل الحجاز السطل لأنه يتطهر به، ومنه القادوس لواحد الأوأني التي يُستخرج بها الماء، وقرأ الجمهور (القُدُّوس) بضم القاف، وقرأ، وقرأ أبو ذر وأبو السماك بفتحها، وكأن سيبويه يقول (سَبُّح قَدُّوس) بفتح أولهما.٢\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في معنى (القُدُّوس): المقدس من كل عيب ونقص المعظم الممجد، لأن (القُدُّوس) يدل على التنزيه من كل نقص والتعظيم لله في أوصافه وجلاله ٣.\n* أقول: واسم (القُدُّوس) أفهم منه أنه من أسماء الله الحسنى الذي يدل على ابلغ الطهارة المطلقة من كافة صفات النقص لله ﷿، إذ قد تنزه سبحأنه عن جميع النقائص ونفاها عن نفسه، فوجب على المؤمن أن ينزه خالقه جل وعلا عن كل عيب ونقص، ولا سبيل له إلى ذلك إلا بأن يثبت لله تعالى ما أثبته له رسول الله ﷺ من الأسماء الحسنى وصفات الكمال العليا، دون تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تشبيه، وأن ينفي عن الله جل وعلا عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص، كما أثبت السلف الصالح رضوأن الله عليهم ونفوا إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، أنطلاقًا من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى آية ١١)\nالسُّبُوح:\nوهو اسم من أسماء الله ﷿ على صيغة (فُعُّول) وهو صيغة مبالغة - ولم يرد ذكر هذا الاسم في القرأن الكريم، وأنما ورد في السنة المشرفة: فقد روى الإمام مسلم في صحيحه - بسنده - عن مُطرِّف بن عبد الله بن الشِخِّير أن عائشة (﵂) نبأته أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده \"سُّبُوح قُدُّوس ربُّ الملائكةِ والرُّوح\".\n_________\n١ جامع البيان الجزء ٢ ص ٣٥٠.\n٢ فتح القدير الجزء ٥ ص ٢٠٧.\n٣ تيسير الكلام الرحمن الجزء ٨ ص ١٠٧.","vol":"58","page":120},{"text":"وقد ذكر الإمام النووي أن قوله (سُّبُوح قُدُّوسٌ) بضم السين والقاف وبفتحهما والضم أفصح وأكثر، وأن المراد بالسُّبُوح القُدُّوس: المُسبُّح القُدُّس فكأنه قال: مُسَبَّح مُقَدَّسٌ رب الملائكة والروح، ومعنى سُّبُوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق، قُدُّوس: المُطهر من كل ما لا يليق بالخالق.\nوقال القاضي عياض أنه قيل فيه: \"سُّبُوحًا قُدُّوسًا على تقدير أُسِبِّح سُبُّحًا، أو أذكر، أو أعظم، أو أعبد. وأن قوله: ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ قيل: الروح ملك عظيم، وقيل: يحتمل أن يكون جبريل ﵇ وقيل: خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة والله سبحأن وتعالى أعلم\"١.\n* أقول واسم (السبوح) أفهم منه أن الله ﷿ هو المستحق وحده أن ينزه عن جميع النقائص والعيوب، إذ أنه ﵎ وحده صاحب صفات الكمال، ونعوت الجلال المطلقة التي لا حدود لها. وعلى المؤمن أن يؤمن بذلك إيمأنًا كاملًا\nولو أن المؤمن آمن بأن الله سبحانه هو (السُّبُوح القُدُّوسٌ) واستقر ذلك الإيمان خالصًا في قلبه، وبدا أثره على لسانه وجوارحه، لما فتر عن تسبيح خالقه وتنزيهه تنزيهًا كاملًا عن النقائص جميعًا، ولحرص على تطهير قلبه من الأرجاس والشركيات والدنايا، والتزم توحيد الله ﷿، ولما صدر عن قلبه إلا العمل الخالص الطاهر، لن الأناء لا ينضح إلا بما فيه، ومن ثم يقبل الله عمله، ويدخله في رحمته ورضوانه.\nالسَّلاَم:\nهو اسم من أسماء الله تعالى، وهو وصدر كالسلامة من سَلمَ أي بريء من العيوب ٠\n* وقد ورد اسم (السَّلاَم) في القرأن الكريم مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (الحشر آية ٢٣) .\nوقد ذكر أبو إسحاق الزجاج في معنى (السَّلاَم): أنه هو الذي سلم من عذابه من لا يستحقه٢.\nوذكر الإمام ابن كثير في معنى (السَّلاَم): أي من جميع العيوب والنقائص لكمالها في ذاته وصفاته وأفعاله ٣.\n_________\n١ صحيح مسلم بشرح النووي - الجزء ٤ ص ٢٠٣ - ٢٠٥.\n٢ المعجم الفهرس ص ٣٥٦.\n٣ تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص٣١.","vol":"58","page":121},{"text":"وذكر صاحب جامع البيأن في معنى (السَّلاَم): أي ذو السلامة من كل نقص ١.\nوذكر الإمام الشوكأني في معنى (السَّلاَم): أي الذي سلم من كل نقص وعيب، وقيل المسِّلم على عباده في الجنة كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه، وبه قال: المسلم لعباده. وهو مصدر وصف به للمبالغة ٢.\nأقول واسم (السَّلاَم) سبحأنه أفهم منه أنه جل وعلا سالم من جميع صفات النقص، ومتصف بجميع صفات الكمال - وقد سلَّم (السلام) ﷿ أولياءه من المرسلين وغيرهم من العيوب، فسلَّ المرسلين منها في قوله (وسلام على المرسلين) أي أنه سبحأنه سلَّم رسله في أقوالهم: فلا يقولون على الله إلا الحق، ولا يُبَلِّغون أممهم إلا بالحق، وسلَّمهم كذلك في أعمالهم: فلا يشكرون بالله شيئًا. وكذلك يسلِّم (السَّلاَم) أولياءه غير المرسلين، فقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ﴾ . (النمل آية ٥٩)، فتسلم أقوالهم وأعمالهم من كل عيب وشرك، ولهذا وصف الرسول الله ﷺ المسلم بما يعني ذلك: فقد أخرج الإمام مسلم بسنده - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ: أي المسلمين خير؟ قال: \"مَنْ سلم المسلمون من لسأنه ويده\" ٣، وسلامة اللسأن واليد آية على طهارة القلب، إذ أن القلب هو المحرم، وبصلاحه يصلح الجسد كله - كما أن (السَّلاَم) سبحأنه يهدي عباده المؤمنين سبل السلام، فقال تعالى: ﴿جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ (المائدة آية ١٦)، ويجعل تحيتهم يوم لقائه، فقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ (الأحزاب آية ٤٤) . ويدخلهم الجنة التي سماها دار السلام، فقال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (الأنعام آية ١٢٧)، ويجعل دخولهم فيها بسَلاَم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ (الحجر آية ٤٦)، ويجعل تحيتهم فيها السَّلاَم، فقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ (يونس آية ١٠)، وطَيَّب لهم الإقامة فيها فلا يسمعون فيها إلا السَّلام، فقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ (الواقعة آية ٢٦) .\n_________\n١ تفسير ابن كثير - الجزء ٤ ص ٣٤٤.\n٢ جامع البيان - الجزء ٢ ص ٣٥٠.\n٣ صحيح مسلم.","vol":"58","page":122},{"text":"ولا يبلغ أحد الجنة إلا إذا أسلم وجهه لله وحده، وأسلم قلبه لله دون غيره، واستمر على ذلك حتىيلقاه سبحأنه، ونجد معنى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (لقمأن أية ٢٢)، وقوله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء آية ٨٩)، وقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (الحج آية ٣٤) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمرأن آية ١٠٢) .\nوتحقيقًا لهذه السلامة - فوق ما تضمنته هذه الآيات الكريمات وغيرها - فقد جعلها الرسول الله ﷺ من ذكره - المتضمن لطلبها من ربه سبحأنه - دبر كل صلاة - فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه - بسنده - عن ثوبان قال: كأن رسول الله ﷺ إذا أنصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: \"اللهمَّ أنت السَّلاَم ومنك السَّلاَم تباركتَ ذا الجلال والإكرام\" وفي رواية: (ياذا الجلال والإكرام) .\nاسأل الله جل وعلا أن يخلص أعمالنا لوجهه، وأن يسلم قلوبنا إليه، وأن يُثَبِّتها على دينه، وأن يختم لنا بعقيدة التوحيد ختام الإيمان.\n(يتبع)","vol":"58","page":123},{"text":"خرافة يجب تكذيبها\nلسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز\nاطلعت على ما نشرته جريدة عكاظ في عددها (رقم: ٥٩٧٧) الصادر في يوم الاثنين الموافق ٢٤/١٢/١٤٠٢ هـ- ص (٢٠) نقلا من صحيفة السياسة الكويتية عن الرجل المدعو محمد المصري الذي يزعم أنه أغمي عليه يوم الأربعاء وظن أنه ميت ودفن يوم الأربعاء وأخرج من قبره يوم الجمعة وما أرى من العجائب والغرائب.. الخ.. ونظرا إلى كون هذه الحكاية قد تروج على بعض الناس صحتها رأيت التنبيه على بطلانها وأنها خرافة لا تروج على عاقل بل هي كذب بحت زورها من سمى نفسه محمد المصري أو غيره لأغراض خسيسة حملته على ذلك ومن المعلوم أن من يسمع كلام أهله وكلام الطبيب وكلام المشيعين لجنازته لا تخفى حياته لا على الطبيب ولا على غيره ممن ينظر إليه ويقلبه ثم كيف يكون مغمى عليه وهو يعي ويحفظ كل ما دار حوله ومن المعلوم أيضا أن سنة الله في عباده أن من جعل في محل مكتوم ضيق لا يعيش مثل هذه المدة من المعلوم شرعا أن ملكي القبر لا يأتيان إلى الحي إذا وضع في القبر وإنما يأتيان إلى الميت والله سبحانه يعلم الأحياء والأموات وهو الذي يرسل الملكين إلى الميت لسؤاله ثم هذا الرجل الكذاب وصف الملكين بما يدل على أنهما رجلان لا ملكان ثم الملكان لا يخبران الميت لا بحسناته ولا بسيئاته وإنما يسألانه عن ربه ودينه ونبيه فإن أجاب جوابًا صحيحًا فاز بالنعيم وإن أجاب بالشك عذب ثم ما ذكره بعد ذلك من المناظر الغريبة إنما قصد بذلك ترويج باطله وايهام الناس أنه من الناجين حتى يعطفوا عليه ويساعدوه بما طلب منهم أو يعطفوا عليه بدون طلب وقد يكون من قصده الشهرة بين الناس حتى يطلب في كل مكان ليسأل عما رأى ويحصل له بعض ما يريد ومن جهله قوله (وتشاء الصدف أن كان أهلي قد جاؤا لزيارة قبري) ومثل هذا الكلام لا يجوز والصواب أن يقال (ويشاء الله) لأن الصدف لا مشيئة لها. والخلاصة أن هذه الحكاية موضوعة مكذوبة لا أساس لها من الصحة كما يتضح ذلك من سياقها وواقعها ولا ينبغي لصحفنا ولا للصحف التي تحترم نفسها أن تنشر مثل هذه الخرافات ونسأل الله أن يطهر صحفنا وصحف المسلمين من كل باطل وأن يكبت الخداعين والماكرين ويفضحهم ويكفي المسلمين شرهم وأن يوفق جميع المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه إنه سبحانه خير مسؤول. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه..","vol":"58","page":124}]}