{"ً":{"ٌ":23088,"ٍ":"شرح العقيدة الطحاوية - البراك - ط التدمرية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["23088/90072.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شرح العقيدة الطحاوية\nالمؤلف: عبد الرحمن بن ناصر البراك\nإعداد: عبد الرحمن بن صالح السديس\nالناشر: دار التدمرية، الرياض - السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\nعدد الصفحات: ٤٢٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":175,"ٕ":1,"ٖ":1770154076,"ٗ":12},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المعتني","level":1,"page":1},{"title":"وسار العمل في الإخراج على ما يلي","level":2,"page":2},{"title":"[ترجمة الإمام الطحاوي]","level":2,"page":4},{"title":"اسمه ونسبه","level":3,"page":4},{"title":"كنيته","level":3,"page":4},{"title":"مولده","level":3,"page":4},{"title":"شيوخه","level":3,"page":4},{"title":"رحلته","level":3,"page":4},{"title":"مذهبه الفقهي","level":3,"page":4},{"title":"مؤلفاته","level":3,"page":5},{"title":"ثناء العلماء عليه","level":3,"page":5},{"title":"وفاته","level":3,"page":6},{"title":"مصادر الترجمة","level":3,"page":6},{"title":"[ترجمة الشيخ عبد الرحمن البراك]","level":2,"page":7},{"title":"اسمه ونسبه","level":3,"page":7},{"title":"ميلاده ونشأته","level":3,"page":7},{"title":"طلبه للعلم ومشايخه","level":3,"page":7},{"title":"وتتلمذ في المعهد والكلية على مشايخ كثيرين من أبرزهم","level":3,"page":9},{"title":"الأعمال التي تولاها","level":3,"page":9},{"title":"جهوده في نشر للعلم","level":3,"page":10},{"title":"طلابه","level":3,"page":10},{"title":"احتسابه","level":3,"page":11},{"title":"اهتمامه بأمور المسلمين","level":3,"page":11},{"title":"إنتاجه العلمي","level":3,"page":11},{"title":"[المقدمة]","level":1,"page":12},{"title":"[قول أهل السنة في التوحيد]","level":1,"page":15},{"title":"[أقسام التوحيد]","level":1,"page":20},{"title":"[نفي المثل عن الله تعالى]","level":1,"page":24},{"title":"[نفي العجر عن الله تعالى]","level":1,"page":27},{"title":"[كلمة التوحيد وما تتضمنه]","level":1,"page":30},{"title":"[دوام الرب تعالى أزلا وأبدا]","level":1,"page":33},{"title":"[إثبات الإرادة لله تعالى]","level":1,"page":35},{"title":"[تنزيه الله تعالى عن الإحاطة به]","level":1,"page":39},{"title":"[تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه]","level":1,"page":41},{"title":"[إثبات الحياة والقيومية لله تعالى]","level":1,"page":43},{"title":"[تنزيه الله تعالى عن الحاجة والخوف والمشقة]","level":1,"page":45},{"title":"[إثبات الكمال المطلق لله تعالى أزلا وأبدا]","level":1,"page":48},{"title":"[صفات الله نوعان: ذاتية وفعلية]","level":1,"page":50},{"title":"[وصف الله تعالى بالخالق والبارئ قبل خلقه للخلق]","level":1,"page":55},{"title":"[إثبات كمال قدرته وغناه تعالى، وفقر خلقه إليه]","level":1,"page":57},{"title":"[إثبات صفاته تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات]","level":1,"page":60},{"title":"[إثبات علم الله تعالى، وتقديره الأقدار، وضربه الآجال]","level":1,"page":62},{"title":"[وجوب الإيمان بالشرع والقدر]","level":1,"page":69},{"title":"[إثبات عموم مشيئة الله تعالى]","level":1,"page":71},{"title":"[إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله]","level":1,"page":74},{"title":"[تنزيه الله تعالى أن يكون ضد أو ند]","level":1,"page":76},{"title":"[نفاذ قضائه وحكمه تعالى]","level":1,"page":77},{"title":"[وجوب اعتقاد أن محمدا عبد الله ورسوله، وذكر ما تثبت به النبوة]","level":1,"page":78},{"title":"[من خصائصه ﷺ أنه خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين]","level":1,"page":85},{"title":"[إثبات الخلة له ﷺ كإبراهيم ﵇]","level":1,"page":89},{"title":"[حكم دعوى النبوة بعد محمد ﷺ]","level":1,"page":91},{"title":"[عموم بعثته ﷺ للجن والأنس]","level":1,"page":92},{"title":"[فضل رسالته، وكمال شريعته ﷺ]","level":1,"page":95},{"title":"[عقيدة أهل السنة في القرآن، والرد على المخالفين]","level":1,"page":98},{"title":"[إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة]","level":1,"page":106},{"title":"[وجوب التصديق بخبر الرسول ﷺ وحمله على مراده]","level":1,"page":113},{"title":"[وجوب التسليم لحكم الله تعالى ورسوله ﷺ، وتقديمه على الآراء]","level":1,"page":119},{"title":"[سوء عاقبة من لم يسلم لخبر الله تعالى ورسوله ﷺ]","level":1,"page":127},{"title":"[مذهب أهل السنة في إثبات الصفات وسط بين المعطلة والمشبهة]","level":1,"page":132},{"title":"[الواجب في الألفاظ المحدثة في صفاته تعالى]","level":1,"page":135},{"title":"[مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج]","level":1,"page":140},{"title":"[إثبات حوض نبينا محمد ﷺ]","level":1,"page":146},{"title":"[إثبات شفاعته ﷺ لأمته، وذكر الشفاعة الخاصة به]","level":1,"page":149},{"title":"[إثبات الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم]","level":1,"page":152},{"title":"[وجوب الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع]","level":1,"page":156},{"title":"[عجز الخلق عن معرفة حكم وأسرار القدر]","level":1,"page":163},{"title":"[البحث في أسرار القدر سبب للضلال]","level":1,"page":165},{"title":"[وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وترك الخوض فيما طوي عنا علمه]","level":1,"page":169},{"title":"[الإيمان باللوح والقلم]","level":1,"page":173},{"title":"[إثبات العرش والكرسي، وغناه تعالى عن كل شيء]","level":1,"page":182},{"title":"[إثبات صفة الإحاطة والفوقية لله تعالى]","level":1,"page":186},{"title":"[عجز الخلق عن الإحاطة بالله تعالى]","level":1,"page":190},{"title":"[إثبات صفة الخلة والتكليم لله تعالى]","level":1,"page":191},{"title":"[وجوب الإيمان بالملائكة والأنبياء والكتب]","level":1,"page":195},{"title":"[تسمية أهل القبلة بالمسلمين]","level":1,"page":201},{"title":"[أهل السنة لا يتكلمون في الله ودينه وكتابه بغير علم]","level":1,"page":203},{"title":"[أهل السنة لا يكفرون بكل ذنب]","level":1,"page":208},{"title":"[تأثير الذنوب على الإيمان]","level":1,"page":210},{"title":"[الرجاء للمحسنين، والخوف على المسيئين]","level":1,"page":212},{"title":"[مذهب أهل السنة وسط بين الوعيدية والمرجئة]","level":1,"page":216},{"title":"[ما يخرج به المسلم من الإيمان]","level":1,"page":219},{"title":"[مذاهب الفرق في مسمى الإيمان]","level":1,"page":221},{"title":"[وجوب الإيمان والعمل بكل ما صح عن النبي ﷺ]","level":1,"page":225},{"title":"[زيادة الإيمان ونقصانه]","level":1,"page":228},{"title":"[ولاية الله وبم تكون؟]","level":1,"page":231},{"title":"[الإيمان بالأصول الخمسة، وتفصيل الإيمان باليوم الآخر]","level":1,"page":233},{"title":"[الإيمان بالقدر خيره وشره]","level":1,"page":239},{"title":"[حكم أهل الكبائر في الآخرة]","level":1,"page":246},{"title":"[مذهب أهل السنة في الصلاة خلف المسلمين، وعلى موتاهم]","level":1,"page":255},{"title":"[لا يشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا بحجة]","level":1,"page":258},{"title":"[عصمة دماء المسلمين]","level":1,"page":260},{"title":"[وجوب السمع والطاعة بالمعروف لولاة الأمر، وتحريم الخروج عليهم]","level":1,"page":262},{"title":"[وجوب إتباع الكتاب والسنة وتجنب الشذوذ والفرقة]","level":1,"page":267},{"title":"[حب أهل العدل وبغض أهل الجور]","level":1,"page":269},{"title":"[تفويض العلم فيما خفي على العبد إلى الله]","level":1,"page":271},{"title":"[من مذهب أهل السنة المسح على الخفين]","level":1,"page":273},{"title":"[الحج والجهاد مع الأئمة برهم وفاجرهم]","level":1,"page":276},{"title":"[الإيمان بالكرام الكاتبين]","level":1,"page":278},{"title":"[الإيمان بملك الموت وأعوانه]","level":1,"page":280},{"title":"[الكلام على الروح وبعض متعلقاتها]","level":1,"page":284},{"title":"[وجوب الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه]","level":1,"page":288},{"title":"[الإيمان بالبعث والجزاء]","level":1,"page":295},{"title":"[الإيمان بالعرض والحساب، والصراط والميزان]","level":1,"page":300},{"title":"[خلق الجنة والنار وبقاؤهما]","level":1,"page":307},{"title":"[الرعد: ٣٥]، وقال تعالى: «إن هذا لرزقنا ما له من نفاد» [ص: ٥٤]، وقال تعالى: «عطاء غير مجذوذ» [هود: ١٠٨]، وقال تعالى: «يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم» [التوبة: ٢١ - ٢٢]","level":1,"page":310},{"title":"[سبق القدر فيمن يصير إلى الجنة، ومن يصير إلى النار]","level":1,"page":313},{"title":"[كل شيء بقدر]","level":1,"page":318},{"title":"[أنواع الاستطاعة]","level":1,"page":320},{"title":"[خلق الله لأفعل العباد]","level":1,"page":323},{"title":"[كل ما يجري في الكون بمشيئة الله]","level":1,"page":327},{"title":"[انتفاع الأموات بعمل الأحياء]","level":1,"page":333},{"title":"[إجابة الله لدعاء عباده]","level":1,"page":340},{"title":"[إثبات الغضب والرضا لله تعالى]","level":1,"page":346},{"title":"[منهج أهل السنة في الصحابة]","level":1,"page":350},{"title":"[الأحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ]","level":1,"page":358},{"title":"[العشرة المبشرون بالجنة]","level":1,"page":365},{"title":"[منهج أهل السنة في أزواج النبي ﷺ وأهل بيته]","level":1,"page":368},{"title":"[احترام علماء الأمة من السلف ومن اقتفى أثرهم]","level":1,"page":376},{"title":"[مرتبة الولاية دون النبوة]","level":1,"page":384},{"title":"[منهج أهل السنة في كرامات الأولياء]","level":1,"page":388},{"title":"[أشراط الساعة الكبرى]","level":1,"page":393},{"title":"[وجوب الحذر من تصديق الكهان والعرافين ونحوهم من المخالفين]","level":1,"page":398},{"title":"[من منهج أهل السنة لزوم الجماعة والحذر من الفرقة]","level":1,"page":402},{"title":"[وسطية دين الإسلام]","level":1,"page":405},{"title":"[براءة أهل السنة من المذاهب المبتدعة]","level":1,"page":412}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,146":140,"1,147":141,"1,148":142,"1,149":143,"1,150":144,"1,151":145,"1,152":146,"1,153":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416},"ٜ":{"1":[5,422]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3,4,5,6,7,8,9],"5":[10,11],"6":[12,13],"7":[14,15,16,17],"9":[18,19],"10":[20,21],"11":[22,23,24],"12":[25],"15":[26],"20":[27],"24":[28],"27":[29],"30":[30],"33":[31],"35":[32],"39":[33],"41":[34],"43":[35],"45":[36],"48":[37],"50":[38],"55":[39],"57":[40],"60":[41],"62":[42],"69":[43],"71":[44],"74":[45],"76":[46],"77":[47],"78":[48],"85":[49],"89":[50],"91":[51],"92":[52],"95":[53],"98":[54],"106":[55],"113":[56],"119":[57],"127":[58],"132":[59],"135":[60],"140":[61],"146":[62],"149":[63],"152":[64],"156":[65],"163":[66],"165":[67],"169":[68],"173":[69],"182":[70],"186":[71],"190":[72],"191":[73],"195":[74],"201":[75],"203":[76],"208":[77],"210":[78],"212":[79],"216":[80],"219":[81],"221":[82],"225":[83],"228":[84],"231":[85],"233":[86],"239":[87],"246":[88],"255":[89],"258":[90],"260":[91],"262":[92],"267":[93],"269":[94],"271":[95],"273":[96],"276":[97],"278":[98],"280":[99],"284":[100],"288":[101],"295":[102],"300":[103],"307":[104],"310":[105],"313":[106],"318":[107],"320":[108],"323":[109],"327":[110],"333":[111],"340":[112],"346":[113],"350":[114],"358":[115],"365":[116],"368":[117],"376":[118],"384":[119],"388":[120],"393":[121],"398":[122],"402":[123],"405":[124],"412":[125]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11]},"pages":[{"text":"﷽\nالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وصلى الله وسلم على محمد عبدِ الله ورسولِه، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. … أما بعد:\nفإن أعظمَ نعمة على العبد بعد الإسلامِ، لزومُ السنة والجماعة، والسلامة من البدع والأهواء؛ فقد وقع في هذه الأمة ما أخبر به النبي ﷺ من التفرق، والابتداع في الدين، - كما وقع في من قبلها - فانحرفت هذه الفرق عن الصراط المستقيم، ولم يستقيموا على سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى؛ بل اتبعوا أهواءهم، وقدموا عقولهم القاصرة، وجعلوها حكما على الشريعة في مسائل أصول الدين، وهم في هذا الانحراف متفاوتون؛ فمنهم الغالي، ومنهم دون ذلك، ومنهم المعاند المتعصب لبدعته، ومنهم المجتهد المخطئ، فتصدى أئمة السنة للرد على المبتدعين، وكشف شبهاتهم، مع العدل في أحكامهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٥٢] فكتبوا في ذلك، وفي بيان مذهب أهل السنة كتبا كثيرة، مطولة وقصيرة، وكان من هؤلاء الأعلامِ الإمامُ أبو جعفر الطحاوي ﵀، فقد كتب رسالة في عقيدة أهل السنة والجماعة، صغيرة الحجم كثيرة المعاني، ذكر فيها جملا من أصول مذهب أهل السنة من غير تفصيل ولا تدليل.\nوقد تصدى لشرحها جمع من العلماء منهم: العلامة أبو الحسن علي بن علي بن محمد المشهور بابن أبي العز الحنفي المتوفى سنة","vol":"1","page":5},{"text":"٧٩٢ هـ ﵀ (^١)، وقد اعتمد في أكثر شرحه على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم - رحمهما الله ـ، فجاء شرحا عظيما، حافلا بالتقريرات النفيسة، والبحوث المتينة، والردود الشافية على أهل البدع.\nوكان ممن تولى شرحها للطلاب في هذا العصر: فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - حفظه الله - فشرحها في مجالس علمية متعددة، ومن ذلك شرحه لها في جامع الإمام علي بن المديني ﵀ في مدينة الرياض ضمن الدورات العلمية المكثفة في الصيف في أربعة أعوام من عام ١٤٢٢ إلى عام ١٤٢٥ هـ.\nفعرضتُ على الشيخ - حفظه الله - فكرة العناية بهذا الشرح، وتهيئته للطباعة؛ لما يرجى من نفع ذلك، فوافق على طلبي، أجزل الله مثوبته.\n\nفاستعنت بالله على ذلك،<span data-type='title' id=toc-2> وسار العمل في الإخراج على ما يلي:</span>\n١ - كتابة ما في الأشرطة من الشرح، ولم أدخل الأسئلة.\n٢ - صححت المكتوب وهيئته ونسقته ليناسب الطباعة.\n٣ - أثبت نصوص الأحاديث والآثار والنقول على ما جاءت في مصادرها.\n٤ - عزوت الآيات إلى مواضعها من كتاب الله، وخرجت الأحاديث، والآثار،\nوالطريقة في التخريج ما يلي:\n(أ) إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما اقتصرت في العزو عليه.\n(ب) إذا كان الحديث في غير الصحيحين خرجته من أشهر وأهم المصادر من غير استيعاب، ونقلت ما تيسر من كلام أهل العلم عليه تصحيحا، أو تضعيفا باختصار، إذ ليس هذا موضع استقصاء، وقد أحيل\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: إنباء الغمر ٣/ ٥٠، ووجيز الكلام ١/ ٢٩٥، وشذرات الذهب ٨/ ٥٥٧.","vol":"1","page":6},{"text":"للكتب المتخصصة في التخريج لمن أراد التوسع والزيادة في المواضع التي تحتاج لذلك.\n٥ - وثقت النقول، وأحلت في مواضع كثيرة من الشرح إلى كتب الأئمة خصوصا شيخ الإسلام ابن تيمية زيادة في التوثيق، والفائدة لمن أرد التوسع.\n٦ - اعتمدت في متن العقيدة الطحاوية على طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام ١٤٠٤ هـ مع مراجعة المتن الذي مع شرح ابن أبي العز، وبعض المخطوطات عند الحاجة، والفرق الذي لا يترتب عليه اختلاف في المعنى لن أنبه عليه حفظا لوقت القارئ، وقد ميزت المتن بتعريض الخط ووضعه بين أقواس صغيرة كهذه «».\n٧ - وضعت عناوين في بداية المقاطع المشروحة من المتن في إطار للتوضيح.\n٨ - قرأت الشرح كاملا على الشيخ - حفظه الله - فأضاف، وحذف، وعدَّل، وغيَّر ما رآه مناسبا.\n٩ - وضعت بين يدي الكتاب ترجمة مختصرة للإمام الطحاوي وأخرى للشيخ البراك.\n١٠ - وضعت فهرسا للأحاديث، وقائمة بالمراجع التي عزوت لها، وفهرسا شاملا لمسائل الكتاب، وفهرسا إجماليا لموضوعات الكتاب.\nهذا وأسأل الله أن يجزي الشيخ عبد الرحمن البراك خير الجزاء، وأن يمد في عمره على طاعته، وأن ينفع به المسلمين، إنه تعالى جواد كريم.\n\nكتبه\nعبد الرحمن بن صالح بن عبد الله السديس\nالرياض\nassdais@gmail.com","vol":"1","page":7},{"text":" <span data-type='title' id=toc-3>[ترجمة الإمام الطحاوي]</span>\n<span data-type='title' id=toc-4>اسمه ونسبه:</span>\nأحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي المصري الطحاوي، نسبة لقرية «طحا» في صعيد مصر.\n\n<span data-type='title' id=toc-5>كنيته:</span>\nأبو جعفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>مولده:</span>\nاختلف في سنة ولادته فقيل: ٢٣٩ هـ وقيل: ٢٣٨ هـ والأكثر على الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>شيوخه:</span>\nيونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان المرادي، وخاله إسماعيل المزني، وبكار بن قتيبة، ويزيد بن سنان، وأحمد بن أبي عمران، ويحيى بن محمد بن عمروس، وهو الذي أدَّبه وعلمه القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>رحلته:</span>\nرحل إلى الشام سنة ٢٦٨ هـ، ولقي القاضي أبا خازم عبد الحميد بن عبد العزيز، وتفقه عليه، وتنقل بين مدن الشام وسمع من جماعة من المحدثين.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>مذهبه الفقهي:</span>\nكان الطحاوي في أول أمره شافعيا، ثم تحول إلى مذهب أبي حنيفة، وسببه:","vol":"1","page":9},{"text":"أنه كان يقرأ على خاله المزني الفقيه الشافعي، فمرت مسألة دقيقة فلم يفهمها أبو جعفر، فبالغ المزني في تقريبها، فلم يتفق ذلك، فغضب المزني، فقال: والله لا جاء منك شيء، فغضب أبو جعفر من ذلك، وانتقل إلى مجلس القاضي الحنفي ابن أبي عمران.\nوقال الخليلي: سمعت عبد الله بن محمد الحافظ يقول: سمعت أحمد بن محمد الشروطي يقول: قلت للطحاوي: لم خالفت خالك واخترت مذهب أبي حنيفة؟ قال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه.\nوقال أبو سليمان بن زَبْر: قال لي الطحاوي: أول من كتبت عنه الحديث: المزني، وأخذت بقول الشافعي، فلما كان بعد سنين، قدم أحمد بن أبي عمران قاضيا على مصر، فصحبته، وأخذت بقوله.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>مؤلفاته:</span>\nله مؤلفات كثيرة منها: «شرح مشكل الآثار»، و«معاني الآثار» و«اختلاف العلماء» و«الشروط»، و«المختصر» و«أحكام القرآن» و«الوصايا» و«شرح الجامع الكبير» «شرح الجامع الصغير» و«الفرائض» وغيرها.\nتلاميذه:\nيوسف بن القاسم الميانجي، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر بن المقرئ، وأحمد بن عبد الوارث الزجاج، وعبد العزيز بن محمد الجوهري قاضي الصعيد، ومحمد بن المظفر الحافظ، وخلق سواهم من الرحالين في الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>ثناء العلماء عليه:</span>\nقال ابن يونس: كان ثقة ثبتا فقيها عاقلا، لم يخلف مثله.\nقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة جليل القدر، فقيه البدن، عالما","vol":"1","page":10},{"text":"باختلاف العلماء، بصيرا بالتصنيف، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة، وكان شديد العصبية فيه.\nقال الخليلي في الإرشاد: للطحاوي كتب مصنفات في الحديث، وكان عالما بالحديث.\nوقال ابن عبد البر: كان من أعلم الناس بسير القوم - أي: أبي حنفيو أصحابه - وأخبارهم؛ لأنه كان كوفي المذهب، وكان عالما بجميع مذاهب الفقهاء.\nوقال السمعاني: وكان ثقة ثبتا فقيها عالما لم يخلف مثله.\nوقال الذهبي: الإمام العلامة الحافظ الكبير، محدث الديار المصرية وفقيهها، وقال: من نظر في تواليف هذا الإمام علم محله من العلم، وسعة معارفه.\nوقال ابن كثير: الفقيه الحنفي صاحب المصنفات المفيدة والفوائد، وهو أحد الثقات الأثبات، والحفاظ الجهابذة.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>وفاته:</span>\nتوفي بمصر ليلة الخميس مستهل ذي القعدة سنة ٣٢١ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>مصادر الترجمة:</span>\nالإرشاد في معرفة علماء الحديث ص ١١٠، وجامع بيان العلم ٢/ ٧٨، والأنساب ٤/ ٧٣ و٩/ ٥٣،، وتاريخ دمشق ٥/ ٣٦٩، ووفيات الأعيان ١/ ٧١، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٧، والبداية والنهاية ١٥/ ٧٢، والجواهر المضية ١/ ٢٧١، ولسان الميزان ١/ ٤١٥.","vol":"1","page":11},{"text":" <span data-type='title' id=toc-14>[ترجمة الشيخ عبد الرحمن البراك]</span>\n<span data-type='title' id=toc-15>اسمه ونسبه:</span>\nعبد الرحمن بن ناصر بن براك بن إبراهيم البراك، ينحدر نسبه من بطن العرينات من قبيلة سبيع.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>ميلاده ونشأته:</span>\nولد الشيخ في بلدة البكيرية من منطقة القصيم في شهر ذي القعدة سنة ١٣٥٢ هـ.\nوتوفي والده وعمره سنة، فنشأ في طفولته في بيت أخواله مع أمه، فتربى خير تربية.\nولما بلغ الخامسة من عمره سافر مع أمه إلى مكة، وكان في كفالة زوج أمه محمد بن حمود البراك.\nوفي مكة التحلق الشيخ بالمدرسة الرحمانية، وهو في السنة الثانية الابتدائية قدر الله أن يصاب بمرض في عينيه تسبب في ذهاب بصره، وهو في العاشرة من عمره.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>طلبه للعلم ومشايخه:</span>\nعاد من مكة إلى البكيرية مع أسرته، فحفظ القرآن وعمره عشر سنين تقريبا على عمه عبد الله بن منصور البراك، ثم قرأ على مقرئ البلد عبد الرحمن بن سالم الكريديس ﵏.\nوفي حدود عام ١٣٦٤ و١٣٦٥ هـ بدأ الشيخ حضور الدروس والقراءة على العلماء، فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن عبد الله السبيل","vol":"1","page":12},{"text":"جملة من كتاب «التوحيد»، و«الآجرومية»، وقرأ على الشيخ محمد بن مقبل «الثلاثة الأصول».\nثم سافر إلى مكة مرة أخرى في عام ١٣٦٦ هـ تقريبا، ومكث بها ثلاث سنين، فقرأ في مكة على الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي إمام المسجد الحرام في «الآجرومية»، وهناك التقى بعالم فاضل من كبار تلاميذ العلامة محمد بن إبراهيم، وهو: الشيخ صالح بن حسين العلي العراقي ﵀، وكان من أصدقاء الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ فجالسه واستفاد منه، ولما عُيِّن الشيخ صالح بن حسين العلي العراقي مديرا للمدرسة العزيزة في بلدة الدلم أحب الشيخ صالح أن يرافقه الشيخ عبد الرحمن حفاوة به، فصحبه لطلب العلم على الشيخ ابن باز حين كان قاضيا في بلدة الدلم، فرحل معه في ربيع الأول من عام ١٣٦٩ هـ، والتحق بالمدرسة العزيزة بالصف الرابع، وكان من أهم ما استفاده في تلك السنة الإلمام بقواعد التجويد الأساسية.\nوفي نفس السنة سافر مع جمع من الطلاب مع الشيخ ابن باز إلى الحج، وبعد عودته ترك الدراسة في المدرسة العزيزة، وآثر حفظ المتون مع طلاب الشيخ عبد العزيز بن باز، ولازم دروس الشيخ ابن باز المتنوعة، فقد كان يُقرأ عليه في: كتاب «التوحيد»، و«الأصول الثلاثة»، و«عمدة الأحكام»، و«بلوغ المرام»، و«مسند أحمد»، و«تفسير ابن كثير»، و«الرحبية»، و«الآجرومية».\nومكث في الدلم في رعاية الشيخ صالح العراقي، فقد كان مقيما في بيته، ودرس عليه علم العروض.\nوحَفِظ في بلدة الدلم كتاب «التوحيد»، و«الأصول الثلاثة»، و«الآجرومية»، و«قطر الندى»، و«نظم الرحبية»، وقدرا من «ألفية ابن مالك»، ومن «ألفية العراقي» في علوم الحديث.\nوبقي في الدلم إلى أواخر سنة ١٣٧٠، وكانت إقامته في الدلم لها أثر كبير في حياته العلمية.","vol":"1","page":13},{"text":"ثم لما فتح المعهد العلمي في الرياض في عام ١٣٧٠ هـ انتقل إليه كثير من طلاب المشايخ، ومنهم طلاب الشيخ عبد العزيز ابن باز، فاضطر الشيخ للتسجيل فيه، وبدأت دراسة أول دفعة فيه في محرم ١٣٧١ هـ، وكانت الدراسة في المعهد تتكون من مرحلتين: تمهيدي للمبتدئين الصغار، وثانوي لمن بعدهم، والتحق به كثير من طلاب العلم في وقتها، وكانت الدراسة الثانوية أربع سنوات فتخرج عام ١٣٧٤ هـ، والتحق بكلية الشريعة، وتخرج فيها سنة ١٣٧٨ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>وتتلمذ في المعهد والكلية على مشايخ كثيرين من أبرزهم:</span>\nالعلامة عبد العزيز ابن باز، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀، ودرَّسهم في المعهد في التفسير، وأصول الفقه، والعلامة عبد الرزاق عفيفي ﵀ ودرَّسهم في التوحيد، والنحو، وأصول الفقه، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، والشيخ عبد الرحمن الأفريقي، والشيخ عبد اللطيف سرحان درس عليه النحو، وآخرين ﵏ جميعا.\nوكان في تلك المدة يحضر بعض دروس العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في المسجد.\nوأكبر مشايخه عنده، وأعظمهم أثرًا في نفسه الإمام العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ فقد أفاد منه أكثر من خمسين عاما بدءا من عام ١٣٦٩ هـ إلى وفاته في عام ١٤٢٠ هـ، ثم شيخه العراقي الذي استفاد منه حب الدليل، ونبذ التقليد، والتدقيق في علوم اللغة، كالنحو، والصرف، والعروض.\n\n<span data-type='title' id=toc-19>الأعمال التي تولاها:</span>\nعيِّن الشيخ مدرسا في «المعهد العلمي» في مدينة الرياض عام ١٣٧٩ هـ وبقي فيه ثلاثة أعوام، ثم نُقل إلى «كلية الشريعة» بالرياض، وتولى تدريس العلوم الشرعية، ولما افتتحت كلية أصول الدين عام","vol":"1","page":14},{"text":"١٣٩٦ هـ صُنِّف الشيخ في أعضاء هيئة التدريس في قسم «العقيدة والمذاهب المعاصرة»، ونقل إليها، وتولى التدريس في الكُليتين إلى أن تقاعد في عام ١٤٢٠ هـ، وأشرف خلالها على عشرات الرسائل العلمية.\nوبعد التقاعد رغبت الكلية التعاقد معه؛ فعمل مدة ثم تركه، كما طلب منه سماحة الشيخ ابن باز ﵀ أن يتولى العمل في الإفتاء مرارا فتمنَّع، فرضي منه الشيخ ابن باز أن ينيبه على الإفتاء في دار الإفتاء في الرياض في فصل الصيف حين ينتقل المفتون إلى مدينة الطائف، فأجاب الشيخ حياءً، إذ تولى العمل في فترتين ثم تركه.\nوبعد وفاة الشيخ ابن باز ﵀ طلب منه سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عضوا في الإفتاء، وأَلَحَّ عليه في ذلك فامتنع، وآثر الانقطاع للتدريس في المساجد.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>جهوده في نشر للعلم:</span>\nجلس الشيخ للتعليم في مسجده الذي يتولى إمامته - مسجد الخليفي بحي الفاروق ـ، ومعظم دروسه فيه، وقرئ عليه عشرات الكتب في شتى الفنون؛ كالفقه وأصوله، والتفسير وأصوله، والحديث، والعقيدة، والنحو، وغيرها، كما أنه له دروسا في بيته مع بعض خاصة طلابه، وله دروس منتظمة في مساجد أخرى في مدينة الرياض، وله مشاركات متكررة في الدورات العلمية المكثفة التي تقام في الصيف، إضافة لإلقائه كثيرا من المحاضرات والكلمات الدعوية، وإجابته على الأسئلة المعروضة عليه من عدد من أشهر المواقع الإسلامية في الشبكة العالمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>طلابه:</span>\nتصدى الشيخ لنشر قبل نصف قرن تقريبا، وتتلمذ عليه أمم من طلاب العلم يتعذر على العاد حصرهم، وكثير من أساتذة جامعاتنا الشرعية، والدعاة المعروفين، قد تتلمذوا عليه.","vol":"1","page":15},{"text":"وبعد أن يسر الله جملة من الوسائل الحديثة، كالشبكة العالمية تمكن كثير من طلاب العلم في خارج البلاد من متابعة دروس الشيخ على الهواء مباشرة، عن طريق موقع البث الإسلامي:\nwww.liveislam.net\n\n<span data-type='title' id=toc-22>احتسابه:</span>\nللشيخ جهود كبيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومناصحة المسؤلين، والكتابة لهم، والإصلاح بين الناس، والتحذير من البدع، وسائر الانحرافات والمخالفات، وله في ذلك فتاوى كثيرة، وله مشاركة مع بعض المشايخ في عدد من البيانات والنصائح الموجهة لعموم المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>اهتمامه بأمور المسلمين:</span>\nللشيخ - حفظه الله - اهتمام بالغ بأمور المسلمين في جميع أنحاء العالم، فيتابع لأخبارهم، ويحزن ويتألم لما يحدث لهم من نكبات، وفي أوقات الأزمات يبادر بالدعاء لهم، والدعاء على أعدائهم، ويبذل النصح والتوجيه لهم، وللمسلمين فيما يجب نحوهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>إنتاجه العلمي:</span>\nالشيخ انصرف عن التأليف مع توفر آلته، وبذل معظم وقته في تعليم العلم، والإجابة على الأسئلة، وقد قُرئت عليه عشرات الكتب في مختلف الفنون، وقد سجل بعضها، وما لم يسجل أكثر، ولا زالت دروسه عامرة كما كانت.\nوقد صدر للشيخ من المطبوعات: «شرح الرسالة التدمرية»، و«جواب في الإيمان ونواقضه»، و«موقف المسلم من الخلاف»، و«التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري»، و«توضيح مقاصد الواسطية».\nوفي حياة الشيخ جوانب كثيرة مشرقة أعلم أنه يكره ذكرها، أسأل الله أن يبارك في عمره، ويمد فيه على الطاعة، وينفع المسلمين بعلمه، إنه سميع قريب.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>[المقدمة]</span>\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:\nفالعقيدة المعروفة بـ «الطحاوية» - نسبة إلى مؤلفها الإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀ من المؤلفات المختصرة في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأهل العلم درجوا على التأليف في أصناف علوم الشريعة على مناهج متنوعة؛ فمنهم من ينهج نهج البسط والتفصيل والتدليل، ومنهم من ينهج طريق الاختصار، ولكل منهما خصائصه ومزاياه.\nوالمختصرات تتميز بأنها ميسورة الحفظ، ويمكن الإلمام بها بوقت قصير، فَيُلِّمُ الطالب بِجُلِّ المسائل على سبيل الاختصار في وقت وجيز، فنسأل الله ﷾ أن يمدنا وإياك بالتوفيق والفتح منه ﷾، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يهدينا سواء السبيل.\n(قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي - بمصرـ ﵀:\nهذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين ويَدينون به رب العالمين).\nهذه مقدمة مختصرة تناسب المضمون والمؤلَف المختصر.\nقوله: «هذا ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة» أي: ذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة، وأكثر ما يعبر أهل العلم بالاعتقاد،","vol":"1","page":17},{"text":"والمراد بالعقيدة والاعتقاد: نفس عقد القلب، وجزمه ويقينه.\nوتارة يطلق الاعتقاد على نفس الشيءِ المعتقَد المعلوم، فتقول في الأول: إن فلانا اعتقاده قوي، واعتقاده سليم، واعتقاده جازم.\nويقال في الثاني: - مثلا - اعتقاد أهل السنة والجماعة: هو الإيمان بالله وملائكته … كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة ـ: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله …» (^١). ففسر الاعتقاد بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله … إلخ.\nوكذلك العقيدة فعيلة بمعنى مفعولة أي: الشيء المعتقَد، فتقول هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، يقول الإمام الطحاوي: «على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني» لو قال: على مذهب فقهاء الملة منهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن كان أولى؛ لأن هؤلاء الأئمة لاشك أنهم من فقهاء الأمة، لكن ليست الإمامة والفقه محصورة فيهم، ولكنه نظَر إلى كونه ينتمي إلى أبي حنيفة، وقد ذُكر في ترجمته (^٢) أنه كان شافعيا، ثم تمذهب على مذهب أبي حنيفة وتفقه على فقه أبي حنيفة، وهو فقيه محدث، كما يدل على ذلك كتاباه: «معاني الآثار»، و«شرح مشكل الآثار»، فرحمه الله، ورحم أئمة الدين، وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.\nيقول: «وما يعتقدون في أصول الدين، ويدينون به رب العالمين» هذا هو المقصود: بيان ما يعتقدونه في أصول الدين، ويدينون به لرب\n_________\n(^١) الواسطية ص ٢١.\n(^٢) انظر ترجمته في ص ٩.","vol":"1","page":18},{"text":"العالمين، وغلب على تعبير كثير من أهل العلم إطلاق أصول الدين على مسائل الاعتقاد، والواقع أن أصول الدين لا تختص بأمور الاعتقاد، بل أصول الدين منها: اعتقادية كأصول الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر هذه من أصول الدين الاعتقادية العلمية.\nومنها: عملية كأصول الإسلام الخمسة، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، وهذه أصول الدين العملية؛ لأن مسائل الدين نوعان: مسائل علمية، ومسائل عملية، فكل من القسمين له أصول وله فروع، إذًا؛ لا يختص اسم أصول الدين في مسائل الاعتقاد، ولا يختص اسم الفروع بالمسائل العملية، كما حرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وأنكر على من يجعل جميع مسائل الاعتقاد من أصول الدين، بل الدين له أصول وله فروع علمية وعملية، اعتقادية وعبادات عملية.\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٨٧، ومجموع الفتاوى ٦/ ٥٦ و١٩/ ٢٠٧.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>[قول أهل السنة في التوحيد]</span>\nيقول ﵀: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يُعجزه، ولا إله غيره).\nيقول ﵀: «نقول» هذا شروع في بيان ما قصد إليه «نقول» نحن أهل السنة، هو يعبر عن نفسه، وعمن ذكر من الأئمة وغيرهم من أئمة الدين «نقول» بألسنتنا «معتقدين» بقلوبنا، فجمع بين الإقرار باللسان، والاعتقاد بالجنان «نقول في توحيد الله» يعني نقول في موضوع التوحيد، والأصل في معنى التوحيد جعل الشيء واحدا، واعتقاده واحدا، والمراد بتوحيد الله يعني في شأن وحدانيته تعالى واعتقاد تفرده فهو تعالى واحد، والتوحيد: هو الإيمان بأنه واحد في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وتخصيصه وإفراده بالعبادة، هذا هو توحيد الله.\nفالتوحيد صفة العبد وفعله.\nأما الوحدانية فصفة الرب تعالى كما يدل على ذلك اسمه الواحد والأحد فهو واحد في كل شؤونه ﷾.\nوالله تعالى يوحد نفسه بمعنى أنه يثني على نفسه بذلك، ويُعلِّم عباده بأنه واحد، كما قال تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ) [آل عمران: ١٨] فهذه شهادة منه تعالى لنفسه بالوحدانية تتضمن علمه بأنه واحد، وذكره لنفسه بتفرده بالإلهية، وأمره عباده بذلك، وقد ذكر ابن أبي العز ﵀ في الشرح كلاما مستفيضا على هذه الآية، وهو منقول من مدارج السالكين لابن القيم؛ فليرجع إليه (^١)\n_________\n(^١) شرح الطحاوية ص ٤٤، ومدارج السالكين ٣/ ٤١٨.","vol":"1","page":21},{"text":"يقول: «نقول في توحيد الله معتقدين» هذا فيه تنبيه على أنه لا بد من الجمع بين اعتقاد القلب وإقرار اللسان، فلا يكفي أحدهما دون الآخر، لا بد في التوحيد من اعتقاد القلب وهو: العلم والتصديق الجازم بأنه تعالى واحد، وإقرار اللسان بذلك.\nثم يقول: «بتوفيق الله» هذه لها دلالة عظيمة، وهي: أن إيماننا وقولنا واعتقادنا إنما يتحقق لنا بتوفيقه ﷾ وهدايته، فنحن نقول ونعتقد ما نعتقده بتوفيقه سبحانه، وهذا يتضمن الإيمان بالشرع والقدر جميعا.\n(إن الله واحد لا شريك له) هذا هو ما نقوله وما نعتقده في وحدانيته الله تعالى: (إن الله واحد لا شريك له) واحد اسم من أسمائه جاء في القرآن في مواضع مقرونا باسمه القهار (وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [الرعد: ١٦]، «أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» [يوسف: ٣٩]، فهو الواحد قال تعالى: «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ» [البقرة: ١٦٣] «وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ» [المائدة: ٧٣].\n(إن الله واحد) هو واحد، والوحدة تنافي الشريك، ولهذا أكدها بقوله: (لا شريك له)، فهو متفرد عن الشركاء، فهو الربُ ولا ربَ غيره، فهو ربُ كلِ شيء، فهو واحد في ربوبيته في أفعاله، فلا خالق ولا رازق ولا مدبر لهذا الوجود سواه، وهو واحد في إلهيته فلا إله غيره، ولا شريك له، ولا معبود بحق سواه، وهو واحد في أسمائه وصفاته، فلا شبيه له في شيء من صفاته وأفعاله.\n(إن الله واحد لا شريك له) إذًا؛ هذه الجملة ضمنها المؤلف أصل الدين، وهو التوحيد، فالتوحيد بكل معانيه هو أصل دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، خصوصا توحيد العبادة.\nوقد أخبر ﷾ عن الرسل إجمالا وتفصيلا بذلك قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ» [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» [النحل: ٣٦]، وأخبر عن أنبيائه: نوح وهود وصالح","vol":"1","page":22},{"text":"وشعيب أنهم قالوا لأقوامهم: «اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ» [المؤمنون: ٢٣ والأعراف: ٦٥ و٧٣ و٨٥]\nفالتوحيد هو أصل دين الرسل، وهو أول واجب على المكلفين، كما قال ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) (^١) مع شهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن الشهادتين متلازمتان لا تصح إحداهما إلا بالأخرى، فلابد منهما جميعا، ولهذا قال النبي ﷺ: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) (^٢) فَعَدَّ هذه الشهادة واحدا من المباني الخمسة.\nفالكافر الأصلي أو النصراني أو اليهودي أو المشرك إنما يدخل في الإسلام بإقراره بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، مع التزامه بالشرائع الأخرى كما قال تعالى: «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» [التوبة: ٥]، «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ» [التوبة: ١١] وقال بعض أهل الكلام (^٣): إن أول واجب هو النظر، ويريدون بالنظر التفكر في الأدلة الكونية مثلا، فقالوا: إن أول واجب هو النظر، وبعضهم تنطع وقال: بل أول واجب القصد إلى النظر، وأقبح من هذا وذاك من قال منهم: إن أول واجب هو الشك! يعني أول واجب أن يشك الإنسان في الحقائق، فيشك في وجود الله وفي إلهيته، ثم بعد ذلك ينظر في الأدلة!\nبئس ما قالوا أنْ جعلوا الكفر هو أول واجب؛ لأن الشك بالله كفر.\nوهذه الأقوال ظاهرة الفساد والبطلان.\nوالنظر مشروع لكن لا يقال: إنه أول واجب، والنظر قد ندب الله إليه العباد، فمن كان عنده توقف أو شك مثل حال الكفار فعليه أن ينظر\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٣) درء تعارض العقل ٧/ ٣٥٢ و٤٠٥ و٨/ ٣، ومدارج السالكين ٣/ ٤١٢.","vol":"1","page":23},{"text":"ويتأمل في الأدلة، وينظر في الآيات ويتفكر «أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ» [الأعراف: ١٨٥]، «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» [الروم: ٨].\nوالنظر من الأسباب التي يَقوى بها إيمان المؤمن، ولهذا أثنى الله على أولياءه أولي الألباب أثنى عليهم بالتفكر بالمخلوقات «وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» [آل عمران: ١٩١] وكان النبي ﷺ إذا قام من الليل يرفع بصره إلى السماء، ويقرأ هذه الآيات ويتفكر (^١)، فالتفكر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات الشرعية القرآنية هما من روافد الإيمان، ومما يسقي شجرة الإيمان، فالإيمان يزيد بالتفكر في مخلوقات الله.\nالمقصود: أن النظر مشروع، لكن لا يقال: إنه أول واجب، بل أول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله.\nيقول المؤلف: (إن الله واحد لا شريك له) فالله تعالى نزه نفسه عن الشركاء في مواضع «سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْركُونَ» [الطور: ٤٣]، وفي الآية الأخرى «أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ» [الأعراف: ١٩١]، وقال ﷾: «وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ» [الإسراء: ١١١]، أي لا شريك له في ملكه ولا شريك له في تدبيره، ولا شريك له في إلهيته، «قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ» [سبأ: ٢٢ - ٢٣] هذه الآية قد قيل فيها: «إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب» (^٢)، فليس لشرك المشركين أي شبهة يمكنهم التعويل عليها فكلها باطلة، فشركاؤهم لا يملكون مثقال ذرة، وليس لهم شرك في ذرة من\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٥٦٩)، ومسلم (٧٦٣) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٢) كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب ص ٣٣.","vol":"1","page":24},{"text":"السماوات والأرض، وليس أحد منهم معينا لله، ولا أحد منهم يملك أن يشفع عند الله إلا بإذنه.\nالملائكة لا أحد منهم يشفع عند الله إلا بإذنه كما قال ﷾: «وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى» [النجم: ٢٦].","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>[أقسام التوحيد]</span>\nفي هذا المقام يحسن ذكر أقسام التوحيد، فأهل السنة والجماعة يقسمون التوحيد ثلاثة أقسام (^١)، ومنهم من يجعل التوحيد قسمين وهما طريقتان متفقتان لا منافاة بينهما، فمنهم من يقول: إن التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، توحيد العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات.\nما معنى توحيد الربوبية؟\nمعناه: توحيد الله في شؤون الربوبية؛ كالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة، ولهذا يعبر عنه بتوحيد الرب بأفعاله، وذلك بالإقرار بأنه لا شريك له في أفعاله.\nوتوحيد الإلهية: هو إفراد الله بالعبادة، هو الإقرار بأنه لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وتحقيق ذلك بالفعل وهو: تخصيصه تعالى بالعبادة.\nوتوحيد الأسماء والصفات هو الإقرار بتفرده ﷾ بما له من الأسماء والصفات، بأنه متفرد لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\nأما من يجعل التوحيد قسمين - والعبارات تختلف لكن المؤدى واحد (^٢) - يقول: توحيد في المعرفة والإثبات، وبعبارة أخرى: توحيد\n_________\n(^١) انظر: كتاب المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد.\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ٤١٧، واجتماع الجيوش الإسلامية ص ٩٣.","vol":"1","page":26},{"text":"في العلم والقول، أو: التوحيد العلمي الخبري، هذه كلها عبارات عن شيء واحد، هو التوحيد الاعتقادي، توحيد علمي اعتقادي معرفي، وهذا القسم يشمل: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فاندرج قسمان من الثلاثة في هذا القسم، في التوحيد العلمي الخبري، أو في توحيد المعرفة والإثبات؛ لأن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات كل منهما توحيد يتعلق بالعلم، فهو اعتقادي علمي فقط، والنصوص الدالة عليهما كلها نصوص خبرية، يعني من نوع الخبر؛ لأن الكلام قسمان: خبر وإنشاء.\nالقسم الثاني على الطريقة الثانية: توحيد الإلهية، أو توحيد العبادة، أو توحيد الإرادة والقصد والعمل، أو التوحيد الطلبي؛ لأن نصوصه طلبيه، انظر سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص: ١ - ٤] جمل خبرية، كل نصوص الأسماء والصفات تجدها خبرية، لكن توحيد العبادة الآيات الواردة فيها إنشاء «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» [النساء: ٣٦] «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» [الإسراء: ٢٣] «فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» [البقرة: ٢٢] «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ» [البقرة: ٢١] فلا منافاة بين الطريقتين، فمن يجعل التوحيد قسمين يدرج توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات في التوحيد في المعرفة والإثبات الذي هو التوحيد العلمي الخبري، فلاحظ هذا ولا يشكل عليك تنوع التقسيم.\nوهذا التقسيم مستمد من استقراء النصوص، وبعض أهل البدع يشنع على أهل السنة ويقول: إن هذا التقسيم مبتدع، وهذا تشنيع باطل (^١)، نعم العبارات والتقسيمات هي اصطلاح جديد كما قسم الفقهاء - مثلاـ أفعال الصلاة إلى: أركان وواجبات وسنن، أخذا من الأدلة؛\n_________\n(^١) انظر: كتاب المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد.","vol":"1","page":27},{"text":"لأن أفعال الصلاة ليست على مرتبة واحدة، وكذلك أفعال الحج: أركان وواجبات وسنن، أخذا من الأدلة، كذلك في مسائل الاعتقاد هذه التقسيمات مستمدة من النصوص.\nوقد دلت النصوص على وجوب توحيد الله في ربوبية، وذلك باعتقاد أنه رب كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا حق.\nودلت النصوص على وجوب اعتقاد أنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه كما قال تعالى في خطابه لموسى ﵇: «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي» [طه: ١٤]، وقال تعالى: «وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ» [المائدة: ٧٣]، وقال تعالى: «وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ» [البقرة: ١٦٣].\nوفي باب الأسماء والصفات قال ﷾: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [الإخلاص: ١]، وقال تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» [الشورى: ١١]، وقال تعالى: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» [الإخلاص: ٤].\nإذًا؛ هذا تقسيم مستمد من الكتاب والسنة، دال على أنه تعالى واحد في هذا كله، وهل التقسيم له ثمرة؟\nنعم؛ بهذا عرفنا أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده لا يكفي، فإن المشركين كانوا مقرين بهذا التوحيد قال تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» [لقمان: ٢٥] لكنهم جعلوا مع الله آلهة أخرى، وعبدوا مع الله آلهة سواه، إذًا؛ الانحراف الذي عندهم هو في توحيد العبادة، ولهذا قال أهل العلم: «إن توحيد العبادة هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم» (^١)، كما قال المشركون - لما قال لهم\n_________\n(^١) كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب ص ٦.","vol":"1","page":28},{"text":"الرسول ﷺ: «قولوا: لا إله إلا الله» ـ: «أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ» [ص: ٥] (^١).\nوهؤلاء المبتدعة الطاعنون على أهل السنة في هذا التقسيم يقسمون التوحيد تقسيما مبتدعا مشتملا على الباطل، كما ذكر شيخ الإسلام عن كثير من أهل الكلام أنهم يقولون: «إن التوحيد اسم لثلاثة: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، فيقولون: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له» (^٢)، والكلام على هذا يطول، ولكن خلاصة القول: إن هذا التقسيم على طريقتهم قد أدخلوا في التوحيد ما ليس فيه، فأدخلوا في مسمى التوحيد نفي الصفات، وهذا إلحاد، وأخرجوا عن مسمى التوحيد توحيد العبادة فلا ذكر له عندهم، وأحسن ما يذكرون هو توحيد الربوبية، وهو توحيد الرب بأفعاله، فيقولون: هو واحد في أفعاله لا شريك له، وهو أن خالق العالم واحد، وهذا حق (^٣).\n_________\n(^١) رواه أحمد ١/ ٢٢٧، وصححه الترمذي (٣٢٣٢)، وابن حبان (٦٦٨٦)، والحاكم ٢/ ٤٣٢ من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٢٥، والرسالة التدمرية ص ٤٤٠.\n(^٣) انظر: تقسيم الطوائف للتوحيد في: التدمرية ص ٤٤٠، ومجموع الفتاوى ٤/ ١٥٠، ومدارج السالكين ٣/ ٤١٥.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>[نفي المثل عن الله تعالى]</span>\nوقوله: (ولا شيء مثله) نلاحظ أن الجمل التالية كأنها تفصيل للجملة الأولى، فالجملة الأولى فيها نوع من الشمول، لكن الجمل التي تلتها هي تفصيل لها، من ذلك قوله: (ولا شيء مثله) هذه الجملة قد دلت على نفي المثل عن الله، وأنه لا مثيل له من خلقه، لا شيء يماثله، ودليل ذلك قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [الشورى: ١١] وهذا نص في نفي مشابهة المخلوق للخالق، فلا شيء يماثله سبحانه، وقوله تعالى: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» [الإخلاص: ٤] أي ليس أحد كُفُوا له، وقال تعالى: «فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا» [البقرة: ٢٢]؛ لأنه تعالى لا ند له ولا مثل له، والند والكفو والمثل والسمي ألفاظ متقاربة كلها تفسر بالنظير والشبيه ونحو ذلك.\n(لا شيء مثله) هذا من اعتقاد أنه ﷾ واحد لا شريك له، فمضمون هذه الجملة في الحقيقة يندرج في الجملة الأولى.\nيجب الإيمان بأنه تعالى موصوف بصفات الكمال، وأن إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ليست من التشبيه في شيء خلافا للمعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم؛ فإنهم يزعمون أن إثبات الصفات (^١)، فينفونها بهذه الشبهة، وبشبهٍ أخرى لكن هذه من أشهر شبههم، فينفون عن الله ما وصف به نفسه زاعمين أن إثبات هذه الصفات\n_________\n(^١) تشبيه [منهاج السنة ٢/ ١٠٥، ومجموع الفتاوى ٤/ ١٥٠، و٥/ ١١٠ و٦/ ٣٣.","vol":"1","page":30},{"text":"يستلزم التشبيه، والله تعالى منزه عن التشبيه، حقا إنه منزه عن التشبيه، ولكن ليس إثبات الصفات من التشبيه في شيء، وتسميةُ إثبات الصفات تشبيها هذا من التلبيس والتمويه، وأصل هذه الشبهة قولهم: المخلوق يوصف بأنه عليم وأنه سميع وأنه بصير وأنه حي وأنه يرضى ويغضب ويحب، فلو أثبتنا هذه الصفات لله كان مماثلا للمخلوق.\nوقد رد عليهم أهل السنة (^١) واحتجوا عليهم بما يفحمهم، ومن ذلك أن يقال: يلزمكم أن تقولوا: إن وصفه تعالى بالوجود تشبيه، فالمخلوق موجود، وهذا ظاهر الفساد والبطلان، فالله تعالى موجود والمخلوق موجود، ولكل منهما وجود يخصه، وليس الموجود كالموجود.\nوإن كان بين الوجودين قدر مشترك، وهو مطلق الوجود الذي هو ضد العدم، ونقول مثل ذلك في سائر ما سمى ووصف به نفسه سبحانه، فالله تعالى الحي، والمخلوق الحي، قال تعالى: «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» [الفرقان: ٥٨]، وقال تعالى ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩] ولكن ليس الحي كالحي، فالله تعالى الحي بحياة تخصه وهي الحياة التامة، وهي الحياة الواجبة وهي الحياة التي لا يعتريها نقص ولا نوم ولا سنة «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» [الفرقان: ٥٨] وقال ﷾: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ» [البقرة: ٢٥٥] والمخلوق يوصف بالحياة التي تناسبه وهي الحياة المحدثة بعد موت والمتبوعة بالموت، «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» [البقرة: ٢٨] وهي حياة ناقصة، وهي حياة موهوبة للمخلوق، فالله هو الذي يحيي ويميت، وأما حياة الرب فليست كحياة المخلوق، بل حياة لازمة لذاته، وهي أكمل حياة.\nوإن اتفق الاسمان عند الإطلاق بمعنى أن كلا من الاسمين يدل\n_________\n(^١) الرسالة التدمرية ص ٩٦، ومنهاج السنة ٢/ ١١١.","vol":"1","page":31},{"text":"على الحياة التي تقابل الموت، فليس الحي كالحي، وقُلْ مثل هذا في بقية الأسماء والصفات.\nإذًا؛ إثبات الأسماء والصفات لله لا يقتضي تشبيها، والقدر المشترك بين اسم الخالق واسم المخلوق أو بين صفة الخالق وصفة المخلوق ليست من التشبيه في شيء، فإن القدر المشترك لا يمكن نفيه عن الموجودات، فكل الموجدات تشترك في مطلق الوجود، وكل الأحياء تشترك في مطلق الحياة، وكل المحسوسات تشترك في مطلق الحس، كما بين ذلك أهل العلم وبسطوه.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>[نفي العجر عن الله تعالى]</span>\n(ولا شيء يعجزه) لا شيء يعجز الرب، هذا فيه نفي العجز المنافي لكمال القدرة عن الله،، وقد صرح الله ﷾ في قوله: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا» [فاطر: ٤٤]، وقال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ» [ق: ٣٨]، وقال تعالى: «وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا» [البقرة: ٢٥٥]، يعني لا يتعبه ولا يشق عليه ولا يلحقه كلل ولا تعب ولا إعياء، وذلك لكمال القدرة.\nفالله تعالى يوصف بنفي النقائص؛ كالسِنة والنوم واللغوب والعجز والظلم والغفلة والنسيان، لكن كل ما يوصف الله به من النفي فإنه متضمن لإثبات كمال، هذه قاعدة، فالله تعالى لا يوصف بنفي محض لا يدل على ثبوت؛ فإن النفي المحض ليس فيه مدح، وإنما المدح في النفي المتضمن للكمال (^١).\nفكل ما جاء في صفات الكمال من النفي فإنه متضمن لإثبات كمال الضد، قال تعالى: «اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ» [البقرة: ٢٥٥] فنفي السِنة والنوم متضمنة لكمال حياته وقيوميته، وقوله\n_________\n(^١) التدمرية ص ١٨٤، ومجموع الفتاوى ١٠/ ٢٥٠، وجواب أهل العلم والإيمان ١٧/ ١٠٩ و١٤٢، ومنهاج السنة ٢/ ٣١٩، ودرء تعارض العقل والنقل ٦/ ١٦٧.","vol":"1","page":33},{"text":"تعالى: «وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ» [ق: ٣٨] متضمن لإثبات كمال قدرته ونهاية قوته، وقوله تعالى: «لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ» [سبأ: ٣] يتضمن كمال العلم، ونفيُ الظلم يتضمن كمال العدل، «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» [الفرقان: ٥٨] نفي الموت عن الله يتضمن كمال الحياة، ونفي العجز يتضمن كمال القدرة.\nأما المعطلة فإنهم يصفونه بالنفي المحض؛ لأنهم قد يقولون: إن الله لا يجهل، وقد يقولون: إن الله لا يعجز، فيصفونه بالنفي، لكنهم لا يثبتون الأضداد، فيصفونه بالنفي المحض.\nولهذا جاء في المناظرة التي جرت بين عبد العزيز الكناني (^١) ﵀ وبين بشر المَرِيْسِي أنه لما طالبه بوصف الله بالعلم قال: أقول الله لا يجهل! (^٢) لأن عنده أن نفي الجهل لا يستلزم إثبات علم، فيقول: الله لا يجهل.\nفهذه قاعدة لابد من ملاحظتها، وهي: أن الله موصوف بالإثبات والنفي، إثبات الكمال ونفي النقائص والعيوب والآفات ومماثلة المخلوقات، فإثبات الكمالات يتضمن نفي أضدادها، فوصفه بالعلم يتضمن نفي الجهل عنه ونفي النسيان ونفي الغفلة، ووصفه بالسمع والبصر يتضمن نفي الصمم والعمى عن الله، قال النبي ﷺ: «إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا» (^٣)، فالنصوص\n_________\n(^١) عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم الكناني المكي: سمع من سفيان بن عيينة والشافعي، وقدم بغداد في أيام المأمون، وجرى بينه وبين بشر المريسي مناظرة في القرآن، وكان من أهل الفضل والعلم، وله مصنفات عدة، وكان ممن تفقه بالشافعي واشتهر بصحبته، توفي بعد الثلاثين ومائتين. تاريخ بغداد ١٠/ ٤٤٩، وتقريب التهذيب ص ٦١٧.\n(^٢) الحيدة ص ٣١.\n(^٣) رواه البخاري (٦٦١٠) - واللفظ له ـ، ومسلم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"1","page":34},{"text":"اشتملت على وصف الله بالكمالات، وعلى تنزيهه عن النقائص، فالله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وتنزيهه تعالى عن النقائص بنفي ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>[كلمة التوحيد وما تتضمنه]</span>\nقال المؤلف: (ولا إله غيره) هذه كلمة التوحيد، ولما سبق ذكر الاسم الشريف الذي هو لفظ الجلالة «الله» رد المؤلف الضمائر إلى ذلك الاسم الظاهر، وهذه الكلمة يأتي فيها ذكر الله بالاسم الظاهر، وبضمير المتكلم والخاطب والغائب، قال تعالى لموسى: «لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني» [طه: ١٤]، وقال يونس ﵇: «لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» [الأنبياء: ٨٧] وقال تعالى ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] فإذا خاطب الإنسان ربه قال: لا إله إلا أنت، وإذا كان يخبر يقول: لا إله إلا الله، أو يقول: لا إله إلا هو، أو يقول: لا إله غيره.\nأما إذا أراد أن يذكر ربه فيقول: لا إله إلا الله، سبحان الله، والحمد لله فيأتي بالاسم الظاهر «إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ» [الصافات: ٣٥].\nوأما الذكر باللفظ المفرد أو بالضمير فهو ذكر مبتدع كما يفعل الصوفية (^١) يذكرون الله بالاسم المفرد (الله) ويكررونها، أو (هو) ويكررونها، ويعتبرون هذا ذكرا!\nوهذا ذكر مبتدع باطل لغة وعقلا وشرعا، فقول: (هو هو) أو (الله الله) ليس فيه ذكر، ولا إيمان، ولا كفر، فكلمة (الله) وحدها لا تفيد حكما بالنسبة للعبد، فمن سمعناه يقول (الله) لا نقول: إنه يذكر ربه، ولا نقول: إنه يسبح.\n_________\n(^١) العبودية ١٠/ ٢٢٦، وطريق الهجرتين ص ٣٣٩.","vol":"1","page":36},{"text":"فكلمة (الله) يقولها الموحد إذا جعلها في كلام مركب فيقول (سبحان الله) أو (لا إله إلا الله) أو (الله أكبر)، ويقولها الكافر إذا قال: الله لا وجود له، فيكون بهذا كافرا ملحدا.\nإذًا؛ يجب أن يكون الذكر بالجملة التامة: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.\n(لا إله غيره) إله على وزن فِعال بمعنى مَفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب، فإله بمعنى مألوه، من أَله يَأله بمعنى عَبَد، فمعنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبودَ إلا الله، أو لا معبودَ غيرُ الله، لكن يرد على هذا بأن في الكون معبودات كثيرة مثل آلهة المشركين، قال تعالى: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ» [الكافرون: ١ - ٢]، وقال تعالى: «أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا» [ص: ٥] فلهم معبودات، إذًا؛ هذا التقدير لا يستقيم، والصواب أن يُقدَّر: لا إله حق، أو: لا معبود بحق، أما المعبودات بباطل؛ فهي منتشرة في الأرض، كل طائفة لهم معبود، ويقول الله تعالى لهم يوم القيامة: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد» (^١).، فمنهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد البقر، ومنهم من يعبد الأصنام المختلفة، ومنهم من يعبد الصليب، لكن لا معبود بحق إلا الله ﷾.\nإذًا؛ هذه الجملة مركبة من النفي والإثبات، نفي الإلهية بحق عن كل أحد إلا الله، فالله تعالى هو الإله الحق، وكل معبود سواه باطل، قال تعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» [الحج: ٦٢] فالنفي هو الكفر بالطاغوت، والإثبات هو الإيمان بالله قال تعالى: «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى» [البقرة: ٢٥٦].\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد ﵁.","vol":"1","page":37},{"text":"(لا إله إلا الله) بما تتضمنه من إيمان وكفر، تتضمن الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، وتتضمن التولي لله ومحبته وإجلاله، والبراءة من كل معبود سواه كما قال الخليل لأبيه وقومه: «إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ» [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] وفي آية أخرى يقول: «أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ» [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]، وقال تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» [النحل: ٣٦] فما بعث الله به رسله متضمن لمضمون هذه الكلمات، فقوله تعالى: «اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» [النحل: ٣٦] هو معنى (لا إله إلا الله) فـ (اعبدوا الله) مقتضى الإثبات، و(اجتنبوا الطاغوت) مقتضى النفي، فتضمنت هذه الآية (أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) آمنوا بالله وخصوه بالعبادة، واجتنبوا عبادة ما سواه واكفروا به.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>[دوام الرب تعالى أزلا وأبدا]</span>\nقوله: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام)\nلما ذكر الإمام الطحاوي بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه من: الشريك والشبيه والعَجْر، ذكر أنَّ مما يجب إثباته لله القِدم والدوام - أي - دوام الوجود أزلا وأبدا، فهو تعالى دائم أزلا وأبدا، فلا ابتداء ولا نهاية لوجوده.\nوالقديم في اللغة ضد الحديث، كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، وقال عن إبراهيم ﷺ: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٥ و٧٦]، وأصل القديم المتقدم على غيره فيشمل التقدم المطلق، والتقدم النسبي؛ فالتقدم النسبي للمخلوقات فبعضها متقدم على بعض، وأما التقدم المطلق فهو لله تعالى، فهو سابق في وجوده لكل شيء، ولا بداية لوجوده، ولهذا احتاج المؤلف أن يقول: (بلا ابتداء). ويقال: أزلي، فالأزل: هو الماضي الذي لا حد له، فالأزل والأبد متقابلان هذا في الماضي، وهذا في المستقبل.\nوهذان الوصفان حق؛ فالله تعالى دائم البقاء أزلا وأبدا، لكن ليس هذان الاسمان من أسمائه الحسنى التي يثنى عليه بها، ويدعى بها، فلا يقال: يا قديم، أو سبحان القديم، كما لا يقال: يا موجود، أو سبحان الموجود؛ فإن هذا لا يحصل به التخصيص والتعيين؛ بل يقال: سبحان الله، سبحان ذي الملك والملكوت، والعزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت.","vol":"1","page":39},{"text":"فإن القديم والدائم لم يردا في الكتاب والسنة، وإنما الوارد: الأول والآخر، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وفي السنة - في دعاء النبي ﷺ ـ: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء»، (^١) وهذا الحديث يفسر الآية.\nفهذان اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى الله بها نفسه، وسماه بها رسوله ﷺ أعلم الخلق به.\nوغلب على أهل الكلام إطلاق لفظ (القديم) على الله تعالى فيقولون: هذا يجوز على القديم، وهذا لا يجوز على القديم؛ فجعلوه اسما لله تعالى، وهذا من أغلاطهم، والواجب أن يقولوا: هذا يجوز على الله؛ فالله هو اسم رب العالمين.\nلكن القديم والدائم يصح الأخبار بهما عن الله مثل أن تقول: الله موجود، والله شيء، والله له ذات، والله قديم، والله دائم، لكن لا تقل: من أسمائه (قديم) بل من أسمائه (الأول) قال تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ففي الدعاء إنما يدعى الله بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله ﷺ (^٢).\n\nقوله: (لا يفنى ولا يبيد) هذه تأكيد لقوله (بلا انتهاء) ومن أجل تحصيل السجع مع ما بعده، والفناء والبيد معناهما واحد قال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ» [الرحمن: ٢٦]، وقال الكافر صاحب الجنة: «مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا» [الكهف: ٣٥]، (لا يفنى ولا يبيد) سبحانه، وإنما الذي يفنى الخلق.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧١٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٢.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>[إثبات الإرادة لله تعالى]</span>\nقوله: (ولا يكون إلا ما يريد) فإنه تعالى ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [سورة البروج: ١٦]، وهو ﷾ يفعل ما يشاء، وهو رب كل شيء، وهو الخالق لكل شيء، فما شاء الله كونه لا بد أن يكون «إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [النحل: ٤٠]، وما لم يشأ لا يكون أبدًا.\nإذًا؛ كل ما يجري في الوجود من: حركات الأفلاك، وجريان النجوم، والشمس والقمر، وتقلب الليل والنهار، وأمواج البحار بمشيئة الله، وكل ما يقع من العباد، فما تلفظ ولا تحرك شفتيك إلا بمشيئة الله، ولا تفتح عينك إلا بمشيئة الله ولو شاء الله ما فتحت عينك.\n(ولا يكون إلا ما يريد).\nوالإرادة هنا هي الإرادة الكونية الشاملة للوجود، ونقول: الإرادة الكونية؛ لأن الإرادة المضافة لله نوعان: إرادة كونية، وإرادة شرعية. (^١)\nفمن شواهد الإرادة الكونية: قوله تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ»، وقوله: «وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ» وقوله: «فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» وقوله: «وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ»، وفي معناه المشيئة «إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ» «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٨٨، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١١/ ٢٦٦، وشفاء العليل ص ٢٨٠.","vol":"1","page":41},{"text":"مَنْ يَشَاءُ» فالإرادة الكونية بمعنى المشيئة تمامًا.\nوالإرادة الشرعية من شواهدها: قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» وقوله تعالى: «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» «وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ». فهذه إرادة شرعية.\nوالفرق بين الإرادتين منوجهين:\nالأول: أن الإرادة الكونية: عامة لكل ما يكون لا يخرج عنها شيء، فتشمل ما يحبه الله وما يبغضه الله.\nفإيمان المؤمنين وطاعة المطيعين، وكفر الكافرين ومعصية العاصين، كل ذلك بإرادته الكونية.\nوأما الإرادة الشرعية: فإنها تختص بما يحبه الله ﷾.\nإذًا؛ الإرادة الكونية عامة، وهذه خاصة.\nالإرادة الكونية لا تستلزم المحبة، وأما الإرادة الشرعية فإنها تستلزم المحبة.\nوالفرق الثاني: أن الإرادة الكونية لا يتخلف مرادها أبدا، وأما الإرادة الشرعية: فإنه لا يلزم منها وقوع المراد.\nوتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمن، فهو مرادٌ لله كونا، ومرادٌ شرعا، فهو مرادٌ بالإرادتين.\nوتنفرد الإرادة الكونية في كفر الكافر ومعصية العاصي، فهو مرادٌ بالإرادة الكونية لا الشرعية، إذ ليس ذلك بمحبوب بل مسخوط ومبغوض لله سبحانه.\nوتنفرد الإرادة الشرعية في إيمان الكافر الذي لم يقع؛ لأنا نقول: إنه مرادٌ من أبي جهل أن يؤمن بالإرادة الشرعية، لكنه لم يقع.\nلكن الإرادة الشرعية لا تفسر بالمشيئة، فلا نقول: إن الله شاء الإيمان من أبي جهل، لكن نقول: إن الله أراد منه الإيمان، يعني: الإرادة الشرعية، وأمره بالإيمان الأمر الشرعي،","vol":"1","page":42},{"text":"وبهذه المناسبة الصحيح أن المشيئة لا تنقسم، فلا يقال: إن المشيئة نوعان شرعية وكونية.\nبل المشيئة كونية فقط، وليس لمن قال: (إن المشيئة نوعان) ما يدل على قوله؛ بل المشيئة كونية فقط، وهي عامة (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن).\nوتقسيم الإرادة إلى كونية، وشرعية يجري مثله في معاني متعددة في القرآن، فمما يضاف إلى الله الإذن، وهو: شرعي وقدري - والقدري هو الكوني - والقضاء، والتحريم، والبعث، والإرسال، وغيرها كلها يجري فيها هذا التقسيم (^١).\nمثلا: الإذن منه كوني وشرعي، قال الله تعالى في شأن السحرة «وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» [البقرة: ١٠٢] فالسحرة لا يضرون أحدا بسحرهم إلا بإذنه الكوني.\nوأما الإذن الشرعي فقوله تعالى «مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ» [الحشر: ٥]\nوالقضاء: قال تعالى: «وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ» [الإسراء: ٤] هذا قضاء كوني، وقال تعالى «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» [الإسراء: ٢٣] هذا القضاء الشرعي.\nوالتحريم: قال تعالى «وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ» هذا تحريم كوني، لكن قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» و«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ» هذا تحريم شرعي.\nالمقصود: أن قول الطحاوي: (ولا يكون إلا ما يريد) فيه تقرير واثبات للإرادة الكونية، وفي هذا رد على المعتزلة؛ فإنهم ينفون الإرادة الكونية، ومن أصولهم الباطلة ما يسمونه بالعدل، ويدرجون فيه نفي القدر، ومن نفيهم للقدر، نفيهم عموم المشيئة، فعندهم أن مشيئة الله\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١١/ ٢٦٥، وشفاء العليل ص ٢٨٠.","vol":"1","page":43},{"text":"ليست عامة، فكل أفعال العباد عندهم ليست بمشيئة الله، (^١) فالإنسان يقوم ويقعد، ويذهب ويجيء، ويقاتل كل ذلك ليس بمشيئة الله! تبًا لهم تبًا لهم، ما أضلهم، فقد أخرجوا عن ملك الله كثيرا مما في الوجود، ونسبوا ربَ العالمين إلى العجز، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nبل أفعال العباد لا خروج لها عن حكم سائر الموجودات، وكل الموجودات محكومة بمشيئة الله وقدرته ﷾.\n_________\n(^١) التدمرية ص ٤٨٨.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>[تنزيه الله تعالى عن الإحاطة به]</span>\nقوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام).\nهذا فيه تنزيه أيضًا، وتقدم بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه لكن المؤلف يُثَنَّي، فيذكر بعض ما يجب تنزيه الله تعالى عنه، وما يجب إثباته له ﷾.\n(لا تبلغه الأوهام) يعني الظنون والخيال، فلا تبلغه ظنون الظانين، ولا خيال المتخيلين، فلا يمكن للعباد أن يدركوا حقيقة ذات الرب أو شيءٍ من صفاته بوهم وتخيل أبدا.\n(ولا تدركه الأفهام) فالعباد يعرفون ربهم بما هداهم ﷾ به من الوحي، ومن الآيات الكونية، لكنهم لا يحيطون به علما؛ لذلك قال: (لا تدركه) الإدراك فيه الإحاطة، ولم يقل لا تعرفه الأفهام ولا يعرفه العباد! لا، العبادُ يعرفون ربهم على حسب مراتبهم في معرفة ربهم لكنهم لا يحيطون به علما، قال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ» وقال تعالى: «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا» والله ﷾: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» وهذا يتضمن أن تخيل الإنسان وظنونه إنما هو مرتبطٌ بما يعرفه، والله تعالى ليس كمثله شيء.\nويقول بعض المتكلمين: (كل ما خطر ببالك فإن الله تعالى بخلاف ذلك) (^١)\n_________\n(^١) الرد على الجهمية والزنادقة ص ٩٩، والاستقامة ١١٨.","vol":"1","page":45},{"text":"وهذا كلامٌ ولفظٌ مبتدع لم يأت في نص من كتاب ولا سنة، فيجب أن يحكم عليه بحكم الألفاظ المبتدعة المجملة.\n(كل ما خطر ببالك) إن أراد من الكيفيات فصحيح، والله بخلاف ذلك؛ لأن كل ما يخطر ببالك من الكيفيات فإنه راجعٌ إلى شيء من المخلوقات، والله تعالى بخلاف ذلك «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ».\nفكيفية ذات الرب وكيفية صفاته لا سبيل للعباد إلى معرفتها.\nأما ما خطر ببالك من أنه فوق السماوات فهذا علم وحق، وليس بخاطر، ويجب الإيمان بأنه فوق السماوات، وما يخطر ببالك أنه ﷾ ينزل كما أخبر الرسول ﷺ (^١) فهذا حق، فكل ما يخطر ببالك من المعاني الثابتة فهو حق.\nإذًا؛ هذا التعبير لا يصح على الإطلاق، فهو لفظ مبتدع مجمل، فلا بد فيه من التفصيل، فالخواطر إما أن تكون مما يعلم بطلانه، أو مما يعلم صحته، أو مما لا يعلم صحته ولا بطلانه، فيمسك عنه، ولا يقال: إن الله بخلاف ذلك.\n_________\n(^١) بقوله: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر …» رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>[تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه]</span>\nقوله: (ولا يشبه الأنام)\nأي لا يشبه الناس، ولا يشبه شيئا من المخلوقات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الرسالة التدمرية» (^١): - في تقرير نفي المثل عن الله - «فيُعلم قطعًا أنه سبحانه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة ولا السموات ولا الكواكب، ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض، ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك، بل يُعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر»؛ لأنه تعالى ليس كمله شيء.\n(لا يشبه الأنام) في حاشية الشرح (^٢) أن في بعض النسخ (ولا يشبهه الأنام) وكأن الشارح ابن أبي العز رجح هذه النسخة، وعندي أن الصواب بدون الضمير (ولا يشبه الأنام) لأنك إذا قلت: (ولا يشبهه الأنام) لا يكون في العبارة معنىً جديدٌ يختلف عن قوله: (لا شيء مثله) فـ (لا شيء مثله) نفيٌ لتمثيل المخلوق بالخالق.\nوالتمثيل الذي يجب نفيه عن الله نوعان:\nتمثيل الخالق بالمخلوق، وتمثيل المخلوق بالخالق، وضابط ذلك: وصف الخالق بخصائص المخلوق هذا تشبيهٌ للخالق بالمخلوق،\n_________\n(^١) ص ٣٩٢.\n(^٢) ص ٨٨.","vol":"1","page":47},{"text":"ووصف المخلوق بخصائص الخالق تشبيهٌ للمخلوقين بالخالق.\nإذًا؛ فكل المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى قد شبهوا المخلوق بالخالق؛ لأنهم شبهوا ما يعبدونه برب السماوات والأرض فجعلوا لذلك المخلوق ما هو من خصائص الرب وهو الإلهية، ومن وصف الله بالفقر أو العجز والبخل - كما قالت اليهود - فقد شبه الخالق بالمخلوق؛ لأن العجز والبخل كل هذه من خصائص المخلوق.\nإذًا؛ فقول المؤلف (ولا شيء مثله) هذا نفيٌ لتمثيل المخلوق بالخالق، وقوله (ولا يشبه الأنام) نفيٌ لمماثلة الخالق للمخلوق، فاختلف مدلول الجملتين، وأفادت الجملتان نفي التشبيه أو نفي التمثيل بنوعيه، وهذا هو المطلوب.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>[إثبات الحياة والقيومية لله تعالى]</span>\nقال ﵀: (حيٌ لا يموت، قيوم لا ينام).\nيقول ﵀ في ذكر بعض أسماء الرب وصفاته وتنزيهه عن ما يضادها - (حيٌ) أي: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله (حيٌ لا يموت، قيومٌ لا ينام) الحي القيوم اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى بها نفسه.\nفأما (الحي) فقد ورد في مواضع كثيرة في القرآن، وأما (القيوم) فقد ورد في ثلاثة مواضع مقرونا بالحي: في آية الكرسي، وأول سورة آل عمران، وفي سورة طه «وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ» حتى قيل: إنهما (الاسم الأعظم). (^١) وأما الحي فقد ورد غير مقرون بهذا الاسم «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فمن أسمائه الحسنى أنه الحي القيوم، واسمه الحي يدل على إثبات الحياة له، فهو الحي والحياة صفته، فله الحياة التامة التي لا تشبه حياة المخلوق، الحياة المتضمنة لكل ما هو كمال للحياة، وهو القيوم، وقيل في معناه (^٢): أنه القائم بنفسه،\n_________\n(^١) عن أبي أمامة ﵁: عن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم لفي ثلاث سور من القرآن في سورة البقرة، وآل عمران، وطه» رواه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ١/ ١٦٢، والطبراني في الكبير (٧٧٥٨)، والحاكم ١/ ٥٠٥ و٥٠٦.\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٢٩، والكافية الشافية ص ١٨٢.","vol":"1","page":49},{"text":"فليس مفتقرًا إلى غيره في وجوده، ولا في شيء من صفاته وأفعاله ﷾، وقيل: بأنه القائم بالمخلوقات (^١) فكل المخلوقات لا قيام لها، ولا وجود لها، ولا بقاء لها، ولا صلاح لها أبدًا إلا به سبحانه، فهو المبدع الخالق لها، وهو الممد لها بما تحتاج، وهو المبقي لما شاء بقاءه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت.\nقال ابن القيم ﵀: إن هذين الاسمين يتضمنان جميع الصفات، فاسمه الحي يتضمن جميع الصفات الذاتية من: العلم، والسمع، والبصر، والقدرة والعزة، والحكمة، والرحمة.\nواسمه القيوم يتضمن جميع الصفات الفعلية من: الخلق، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والإعزاز والإذلال، والعطاء والمنع، والخفض والرفع. معنى كلامه. (^٢)\nوالله تعالى لما ذكر هذين الاسمين أكد مضمونهما بقول: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ».\nفنفي السنة والنوم عن الله يتضمن ويؤكد كمال الحياة والقيومية؛ لأن النوم أخو الموت، والسِنة التي هي مبادئ النوم نقص، وأكد ذلك في آية أخرى «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» فأثبت لنفسه الحياة، ونفى عنه كل ما يضاد الحياة.\nيقول المؤلف: (حيٌ لا يموت، قيوم لا ينام) وهذا تفريق منه حين ربط نفي الموت بإثبات الحياة، ونفي النوم بإثبات القيومية، وإلا فالله تعالى ربط نفي النوم بالاسمين جميعا فقال: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ»؛ لأن النوم ينافي كمال الاسمين، والصواب أن نقول: إنه تعالى حيٌ لا يموت، ولا ينام، ولا تأخذه سنةٌ ولا نوم، فالموت والسنة والنوم كلها تنافي هذين الاسمين.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٤/ ٥٢٩، والكافية الشافية ص ١٨٢.\n(^٢) بدائع الفوائد ٢/ ٦٧٨، والكافية الشافية ص ٤٤ - ٤٥.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>[تنزيه الله تعالى عن الحاجة والخوف والمشقة]</span>\nقوله: (خالقٌ بلا حاجة، رازقٌ بلا مؤونة) خالقٌ للخلق بدون حاجةٍ إليهم، اللهُ لم يخلق الخلق ليتكثّر بهم من قلة، أو يتعزز بهم من ذلة، أو ليستغني بهم من فقر، قال تعالى «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» فهو الذي يُطعم ولا يطعم، وهو الرزاق ذو القوة المتين «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وما ذلك على الله بعزيز».\nفالخلق كلهم فقراء إليه في وجودهم، وفي جميع أحوالهم، وشؤونهم، والله تعالى غنيٌ الغنى التام عن كل ما سواه.\n(رازقٌ بلا مؤونة) فالله هو الخالق الرازق «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ» رازق بلا مؤنه، أي: بلا كلفة ولا مشقة يرزق كل العباد «وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ» «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ»، «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا» والله تعالى خير الرازقين، وفي الصحيحين «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار» (^١).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤١٩)، ومسلم (٩٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":51},{"text":"قوله: (مميتٌ بلا مخافة، باعثٌ بلا مشقة) الله تعالى منزهٌ عن الخوف، فلا يخاف من أحد وهو فعالٌ لما يريد، يميت من يشاء، فلو شاء أن يميت العالم كله؛ فإنه لا يخاف، فليس فوقه أحد؛ بل هو تعالى المالك لكل شيء.\nولعل مما يستشهد به في هذا المعنى قوله تعالى: «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا» [الشمس: ١٤ - ١٥].\n(باعث بلا مشقة) سيبعث الأموات في اليوم الموعود «أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ» [المطففين: ٤ - ٦] «قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] يبعث الأموات من أولهم إلى آخرهم من غير أن تلحقه مشقة، ولهذا يقول ﷾: «أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» «مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ» «وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» [الروم: ٢٧] وهذا في الاحتجاج على المكذبين بالبعث بأن الذي بدأ الخلق هو على الإعادة أقدر إنما أريد به أنه أقدر في معقول الناس (أن الإعادة أهون من البدء) ولكن بالنسبة إلى الله ليس في الأشياء هينٍ وأهون، ولا يقال: إن الله على كذا أقدر منه على كذا، بل قدرته على كل شيء واحدة، فقدرته تعالى على خلق السماوات والأرض، أو خلقه لذرة من المخلوقات واحدة، بمعنى أنه لا يعجزه شيء، فليس شيءٌ أهون عليه من شيء.\nأما قوله تعالى: «وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» فقد قيل: إن (أهون) بمعنى هين، وهو هين عليه، فيكون من أفعل التفضيل الذي على غير بابه. كما يقول النحاة (^١).\nأو إن هذا من خطاب العباد بما يعقلونه وما يدركونه، فالناس\n_________\n(^١) شرح ابن عقيل ١/ ٤٠٦، وشرح الرضي على الكافية ٣/ ٤٦٠.","vol":"1","page":52},{"text":"مفطورون على إن الإعادة أهون من الابتداء فخوطبوا على حسب معقولهم، ومفهومهم (^١).\nولهذا الله تعالى يحتج عليهم في إنكارهم للبعث بالنشأة الأولى «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» [يّس: ٧٩] والآيات في هذا كثيرة.\n_________\n(^١) زاد المسير ٦/ ١٥٥، والجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٤١٨.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>[إثبات الكمال المطلق لله تعالى أزلا وأبدا]</span>\nقوله: (مازال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان في صفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا).\nما زال ولا يزال فعلان يدلان على الاستمرار والدوام، ما زال يدل على الدوام في الماضي، ولا يزال في المستقبل، فالله تعالى مازال ولا يزال موصوفا بصفات الكمال في الأزل والقدم الذي لا نهاية له، ولا يزال كذلك موصوفا بصفاته ﷾.\n(قبل خلقه) قبل وجود الخلق (لم يزدد بكونهم) يعني لم يزدد بوجودهم.\nالله تعالى لم يزدد بوجودهم شيئًا من كماله لم يكن قبل خلقهم ووجودهم؛ بل مازال موصوفا بصفات الكمال، ولا يتوقف في شيءٍ من صفات الكمال على وجود شيء من المخلوقات.\n(وكما كان في صفاته أزليا) أزلي نسبة للأزل، والأزل: يقابل الأبد، والأبد في المستقبل الدائم الذي لانهاية له، هذا هو الأصل في معنى الأبد، ويقابله الأزل، ويقال للموصوف: هذا أزلي، أبدي.\n(وكما كان في صفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا)\nأفاد في هذه الجملة أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال أزلا وأبدا، لا يتجدد له شيء من الكمال لم يكن، ولا يعدم ﷾ شيء من كماله، فهو الموصوف بصفات الكمال على الدوام أزلا وأبدا.\nقال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا»، «إن الله كان","vol":"1","page":54},{"text":"عزيزًا حكيمًا»، «إن الله كان عليمًا حكيمًا»، «إن الله كان غفورًا رحيمًا» كان هذه في مثل هذا تفيد الاستمرار، كان ولا يزال؛ لأن حدوث الكمال يستلزم سبق النقص، والله تعالى منزهٌ عن النقص، فحياته لم تسبق بموت تعالى الله، وعلمه لم يسبق بجهل، فلا يقال: إنه تعالى علم بعد أن لم يكن عالما، وكان سميعا بعد أن لم يكن، أو بصيرا بعد أن لم يكن تعالى الله، فهذا شأن المخلوق، فهو الذي كان بعد أن لم يكن، وتكلم بعد أن لم يكن متكلما، أما الخالق ﷾ فلم يزل عالما، ولم يزل سميعا بصيرا، عزيزا حكيما، غفورا رحيما، حيا قيوما، لم يزل فعالا لما يريد لم يزل على كل شيء قدير، لم يزل متكلما إذا شاء بما شاء ولا يزل كذلك.\nوهذه كلمة عامة من المصنف في كل الصفات (مازال بصفاته)، لم يخص شيئا من الصفات.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>[صفات الله نوعان: ذاتية وفعلية]</span>\nوصفات الله نوعان: صفات ذاتية، وهي: اللازمة لذات الرب - التي لا تنفك عن الذات - كالعلم، والسمع، والبصر، والحياة، والقدرة، والعزة، والرحمة، والقيّوميّة، فهي صفاتٌ ذاتية.\nوصفاتٌ فعلية مثل: الاستواء على العرش، والنزول، والمجيء، والغضب.\nفكل ما تستطيع أن تقول فيه (مازال كذا) فهي ذاتية.\nوضابط الذاتية والفعلية (أن الذاتية لا تتعلق بها المشيئة، وأما الفعلية فتتعلق بها المشيئة).\nفتقول: إن الله تعالى ينزل إذا شاء، واستوى على العرش حين شاء، ويجيء يوم القيامة إذا شاء، فهذه فعلية.\nولكن لا يصح أن تقول: إنه يعلم إذا شاء، ويسمع إذا شاء، وهو حيٌ إذا شاء؛ لأن هذه من لوازم ذاته ﷾.\nوهناك صفات ذاتية فعلية (^١)، مثل: الكلام، والخلق، والرَزق.\nفيصح أن تقول: إنه مازال متكلما إذا شاء؛ لأن الكلام من جهة القدرة عليه معنى ذاتي، فيقال للمتكلم مازال متكلما، وهو يتكلم بمشيئةٍ، خلافا لمن قال: إن كلام الله قديم مطلقا.\nوالمعطلة المبتدعة أنواع (^٢):\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٣٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٥١.","vol":"1","page":56},{"text":"الجهمية نفوا كل الصفات - الذاتية والفعلية ـ، ولم يثبتوا إلا ذاتا مجردة، وتبعهم المعتزلة في ذلك.\nوهناك طوائف لفّقوا واضطربوا أخذوا من هذا في جانب، ومن هذا في جانب مثل: الكُلَّابية ينفون الصفات الفعلية، وهي المتعلقة بالمشيئة، وكذلك الأشاعرة ينفون كثيرا من الصفات - الذاتية والفعلية - فيقولون: إنه تعالى لا تقوم به الأفعال الاختيارية.\nالأفعال الاختيارية: هي المتعلقة بالمشيئة، مثل: النزول (فعل اختياري) يفعله الرب بمشيئته، والاستواء (فعل اختياري) يفعله الرب بمشيئته، والغضب والرضا والحب، فيغضب إذا شاء، ويرضى إذا شاء، ويحب مَن شاء إذا شاء.\nونُفاة الأفعال الاختيارية بنوه على شبهة باطلة لا أصل لها.\nقالوا: إنه تعالى منزه عن حلول الحوادث، فيقال: هذا لفظٌ محدث فليس في القرآن ولا في السنة أن الله تعالى منزه عن حلول الحوادث.\nوهو أيضا: لفظٌ مجمل يحتمل حقا وباطلا؛ فمن قال: الله منزه عن حلول الحوادث، نقول: ما معنى قولك: (منزه عن حلول الحوادث)؟\nفإن قال: الله منزه أن يحل فيه شيءٌ من المخلوقات.\nنقول: نعم هذا حق، اللهُ لا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته.\nوإن قال: إنه منزهٌ - أيضاـ عن أن تقوم به الأفعال الحادثة التي تكون بالمشيئة.\nنقول: هذا باطل، الله تعالى يفعل ما يشاء، إذا شاء، كيف شاء، فهو تعالى فعّال لما يريد.\nوأهل البدع منهم من نفى الأفعال الاختيارية مطلقا حذرا مما أصّلوه وهو نفي حلول الحوادث.","vol":"1","page":57},{"text":"ومنهم من يثبت الأفعال لكن يقول: إنها لا تتعلق بها المشيئة، وهم الكلابية، فيقولون: إنه يتكلم ويغضب ويرضى لا بمشيئة؛ بل هذه الصفات قديمة، فهو لم يزل متكلما، وغاضبا عن من هو أهل للغضب، وراضيا عن من هو أهل للرضا.\nوالأشاعرة ينفون، ولا يثبتون إلا الصفات السبع على ما في إثباتهم من تذبذبٍ واضطراب.\nوالجهمية، والمعتزلة يقولون: إنه صار متكلما بعد أن لم يكن - ليس متكلما بمعنى أنه يقوم به الكلام - بل يريدون أنه خلق كلاما؛ لأن الكلام عندهم مخلوق، والقرآن مخلوق، وصار فاعلا بعد أن لم يكن، وليس معنى ذلك أنه يقوم به الفعل، وأنه يفعل فعلًا يقوم بذاته، ولهذا يقول ابن القيم في الشافية الكافية (^١) عن الجهم:\nوَقَضَى بِأنَّ الله لَيسَ بفاعِلٍ * … فِعلًا يَقومُ بِه بِلَا بُرهَانِ\nفقضى بأن الله ليس بفاعل فعلا يقوم به؛ بل الفعل عند جهم، والمعتزلة، والأشاعرة هو نفس المفعول.\nوالحق المعقول أن الأمور ثلاثة: (فعل، وفاعل، ومفعول) فالمفعول يقتضي فاعلا، وفعلا يقوم به، هذا هو الشيء البدهي المعقول، ولا يعمى عن هذا إلا من لُبِّس عليه، وغُرست في قلبه الشبهات، وعاش على التقليد، والتبعية.\nوهؤلاء الجهمية، والمعتزلة، ومن تبعهم في نفي قيام الأفعال الاختيارية به ﷾ قالوا: إنه يجب أن تكون لجنس المخلوقات بداية، وقبل هذه البداية يمتنع دوام الحوادث، أو تسلسل المخلوقات، أو دوام المخلوقات، أو حوادث لا أول لها، قالوا: هذا مستحيل، ممتنع لذاته، وإذا كان دوام الحوادث ممتنعا فالرب تعالى غير قادرٍ على أن يخلق في الأزل!\n_________\n(^١) ص ٢٦.","vol":"1","page":58},{"text":"وكفى بهذا تنقصا لرب العالمين!\nلأن الممتنع لا تتعلق به القدرة.\nومن يقول: إن دوام الحوادث ممتنع، والرب لم يزل قادرا عليها؛ فقد جمع بين النقيضين؛ لأن كونه قادرا يقتضي أن يكون دوام الحوادث ممكنا، فكأنه يقول: إن دوام الحوادث ممكن ممتنع، وهذا جمعٌ بين النقيضين.\nوجمهور المتكلمين على امتناع دوام الحوادث في الماضي.\nلكن ينبغي فهم معنى دوام الحوادث، أو تسلسل الحوادث - أي: المخلوقات - أو حوادث لا أول لها فمعناه: هل يمكن أن يكون ما من مخلوق إلا قبله مخلوق، وقبل المخلوق مخلوق، وقبل المخلوق مخلوق إلى ما لا نهاية له، هل هذا ممتنع؟ هذا هو معنى الكلام.\nوفي تسلسل المخلوقات ثلاثة مذاهب: (^١)\nقال جهم: بامتناع دوام الحوادث في الماضي والمستقبل فجنس الحوادث عنده لها بداية، ويمتنع دوامها في المستقبل، ولهذا قال بفناء الجنة والنار.\nوجمهور المتكلمين قالوا بامتناع دوام الحوادث في الماضي، وجوازه في المستقبل.\nوإقرارهم بدوام الحوادث في المستقبل حُجّةٌ عليهم، والصواب هو: جواز دوام الحوادث في الماضي والمستقبل؛ لأنه جائز - أي: ممكن لا مانع منه - فإذا كان الرب لم يزل على كل شيءٍ قدير، فلم يزل الفعل ممكنا، ومن يقول: إنه لم يخلق في الأزل فعليه الدليل.\nوالأمر الذي نقطع ببطلانه قول من يقول: بامتناع دوام الحوادث في الماضي.\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة ١/ ١٤٦، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٥١، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ٩٩٦، وقِدم العالم وتسلسل الحوداث.","vol":"1","page":59},{"text":"أما إذا قيل: إنه ممكن، والله فعالٌ لما يريد فهذا هو الحق، وأهم شيء أن تعلم أن هذا لا يستلزم محذورا كما ضنه الضانون والجاهلون؛ لأنه على هذا التقدير - دوام الحوادث - معناه: أن كل مخلوق فإنه مسبوق بعدم نفسه. - أي محدث بعد أن لم يكن - والله تعالى متقدم على كل شيء، مهما يُفرض من مخلوقات متسلسلة فالله تعالى سابق لها، فكل مخلوق فالله تعالى خالقه، والمخلوق محدثٌ والله تعالى لم يزل.\nوهذه في الحقيقة تُشكِل على كثير من الناس؛ لكن يجب أن تؤمن أيها المسلم بأن الله لم يزل على كل شيء قدير، ولم يزل فعالا لما يريد، وإذا آمنت بأن الله لم تحدث له قدرة - أي - لم يصر قادرا بعد أن لم يكن قادرا، ولم يصر فعالا بعد أن لم يكن فعالا، فإذا آمنت بهذا حصل المطلوب سواء فهمت المسألة أو ما فهمت.\nلكن نقول لك: إذا استقر في نفسك هذا فهمت أن هذا يقتضي جواز وإمكان دوام الحوادث في الماضي، مادام أن ربك لم يزل على كل شيء قدير، ولم يزل فعالا لما يريد.\nوأهم شيء هو الأصل: الإيمان بكمال ودوام قدرة وفاعلية الرب، وأنه تعالى لم يزل فعالا لما يريد، ولم يزل على كل شيء قدير، هذا هو الذي يجب أن تستمسك به.\nوالمسلمون هذه فطرتهم، وهذه عقيدتهم، ولا يتكلمون في مسألة التسلسل، لكن ألجأ إلى الكلام في ذلك أهل البدع المعطلة - الجهمية، والمعتزلة، والذين تأثروا بهم - حين تكلموا وقالوا: يمتنع دوام الحوادث!\nفلزم بيان الحق، وهو أن الله تعالى لم يزل على كل شيء قدير، ولم يزل فعالا لما يريد، ولم يزل خالقا، ولم يزل قادرا، وهكذا (مازال بصفاته قديما قبل خلقه)\nبعد هذه الجملة العامة المجملة، ذكر بعد ذلك جملا تفصيلية فيقول:","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>[وصف الله تعالى بالخالق والبارئ قبل خلقه للخلق]</span>\n(ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم «الخالق»، ولا بإحداث البرية استفاد اسم «البارئ» له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق).\nهو الخالق والخلّاق ولو لم يخلق، والخالق البارئ اسمان من أسمائه الحسنى التي سمى بها نفسه ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾\nو(الخَلق): يأتي بمعنى التقدير، وبمعنى الإيجاد.\nو(البارئ): هو الذي يحدث الشيء من العدم إلى الوجود.\nيقول: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) وهذه الجملة من جنس التي قبلها، فهو سبحانه موصوف بالربوبية، والخالقيّة، ولو لم يكن هناك مخلوق ولا مربوب، فليس مفتقرا في أسمائه وصفاته إلى خلقه.\nقوله: (وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيٍ قدير) كما أنه استحق الاسم (محيي الموتى) قبل إحياء الموتى، كذلك استحق اسم (الخالق) قبل إنشائهم.\nوفي هذه العبارة: تدليل وتعليل وتفصيل لما تقدم من أنّ أسماءَه، وصفاته لا تتوقف على ما يخلقه أو ما يفعله، فهو تعالى مستحقٌ لوصفه بإحياء الموتى، وأنه يحيي ويميت قبل إحياء الموتى.","vol":"1","page":61},{"text":"وقوله: (ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق)\nيحتمل أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي؛ لأنه حين يقول: (ليس بعد خلق الخلق)، (وله معنى الربوبية ولا مربوب) كأنه يفهم منه أن لجنس المخلوقات بداية.\nلكن هل يقول: إن دوام الحوادث ممتنع؟ أو يقول: إنه ممكن لكنه غير واقع؟\nفيه احتمال.\nوالمنكر هو القول بامتناع تسلسل الحوادث في الماضي، لكن هل هو واقع - أي: أن المخلوقات لم تزل فعلًا - أو يمكن دوامها وتسلسلها في الماضي لكنه لم يقع؟\nالأمر في هذا واسع.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>[إثبات كمال قدرته وغناه تعالى، وفقر خلقه إليه]</span>\nثم قال: (ذلك بأنه على كل شيء ٍقدير، وكل شيءٍ إليه فقير، وكل أمرٍ عليه يسير لا يحتاج إلى شيء).\nهذا تعليل لما سبق من أنه ﷾ لم يزل هو الخالق، البارئ، المصور، المحيي، المميت ذلك بأنه لم يزل على كل شيءٍ قدير، وهذا وصف قد أثنى الله به على نفسه في مواضع كثيرة من القرآن كما قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ» «وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا» «قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ» الآية.\nوذِكر هذا الاسم في القرآن كثير جدا فهو القادر، وهو القدير، وهو المقتدر ﷾. والأدلة على كمال قدرته بدلالاتٍ أخرى متنوعة قال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» فإخباره تعالى بخلق السماوات والأرض، وخلق كل شيء يستلزم إثبات كمال قدرته «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ» [قّ: ٣٨] قال سبحانه: «مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ» «وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عليه».\n(ذلك بأنه على كل شيء قدير) فلا خروج لشيء عن قدرته؛ فكل الموجودات إنما وجدت بمشيئته وقدرته ﷾، ولا خروج لشيء عن قدرته، وفي هذا ردٌ على القدرية؛ كالمعتزلة، الذين","vol":"1","page":63},{"text":"يخرجون أفعال العباد عن قدرة الله وعن مشيئته، (^١) فأفعال العباد عندهم لا تتعلق بها بمشيئة الله وقدرته وخلقه! فالعباد هم الخالقون لأفعالهم يتصرفون بدون مشيئة الله، والله لا يقدر أن يجعل القائم قاعدًا، والقاعد قائمًا، ولا المؤمن كافرا، ولا الكافر مؤمنا، فكل ما يجري في الوجود من أفعال العباد، بل وأفعال الحيوان، خارج عن مشيئة الله، والله تعالى لا يقدر على أن يمنع شيئا من هذه الأمور! فالقتال الذي يجري بين الناس لمختلف الأسباب والدوافع ليس بمشيئة الله بزعمهم، والله تعالى يقول «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ» [البقرة: ٢٥٣] «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ» [الأنعام: ١٣٧]\nهذا مضمون هذا المذهب القبيح المنكر.\nوقوله: (وكل شيءٍ إليه فقير) قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ» كل شيء إليه فقير وهو الغني بذاته عن كل من سواه.\nفالغنى المطلق من لوازم ذات الرب تعالى، والفقر من لوازم المخلوق، فالفقر صفة ذاتية للمخلوق، والغنى صفة ذاتية للخالق.\nفالمخلوق فقير إلى الله من جميع الوجوه، والله غني عن خلقه من جميع الوجوه «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» [فاطر: ١٥].\nفكل شيءٍ مفتقر إلى الله في وجوده، وفي بقائه، وفي مصالحه، وفي كل شؤونه.\nوقوله: (وكل شيءٍ عليه يسير)\nكل شيءٍ عليه هين، وهذا يؤكد أنه على كل شيءٍ قدير، فليس\n_________\n(^١) الرسالة التدمرية ص ٤٨٨.","vol":"1","page":64},{"text":"هناك ما يصعب عليه، ويعجزه «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ» «أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» [العنكبوت: ١٩].\nوقوله: (لا يحتاج إلى شيء)\nهذا يؤكد كمال غناه، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه.\nلو قال المؤلف: (ذلك بأنه على كل شيءٍ قدير، وكل شيءٍ عليه يسير، وكل شيءٍ إليه فقير لا يحتاج إلى شيء) لكان أكثر تناسبا؛ لأن الجملة الثالثة مناسبة للجملة الأولى، والجملة الرابعة مناسبة للجملة الثانية، لكن كأنه فعل ذلك لمراعاة السجع.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>[إثبات صفاته تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات]</span>\nوقوله: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) هذه بعض آية من القرآن (^١) تتضمن الدلالة على المذهب الحق في باب أسماء الله وصفاته، ورد الباطل؛ فهي تدل على أنه تعالى موصوف بصفات الكمال، منزهٌ عن مماثلة المخلوقات.\nومذهب أهل السنة والجماعة يقوم على إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.\nفقوله: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» ردٌ على أهل التشبيه، والتكييف.\nوقوله: «وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» ردٌ على أهل التعطيل.\nفدلت على الحق ورد الباطل، وفيها ركائز المذهب الحق، وهو: (إثبات صفات الكمال لله تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات، ونفي العلم بالكيفية)؛ فإنه إذا كان تعالى لا مثل له؛ فلا يعلم كيف هو إلا هو.\nولأهل التفسير واللغة (^٢) كلام حول (ليس كمثله شيء) فقيل: إن الكاف صلة - زائدة - للتوكيد، والمعنى: ليس شيءٌ مثلَه، هذا أنسب وأقرب وأسهل ما يقال في معنى هذا التركيب\n_________\n(^١) الشورى: ١١.\n(^٢) تفسير الطبري ٢٠/ ٤٧٧، والتبيان في إعراب القرآن ص ٣٣٩، والبحر المحيط ٧/ ٥١٠، ومغني اللبيب ص ٢٠٣.","vol":"1","page":66},{"text":"وإعرابه «ليس كمثله شيء» فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ».\nوهو (السميع البصير) اسمان من أسمائه الحسنى دالّان على صفتين من صفاته العلى، فهو السميع وهو ذو السمع، وهو البصير وذو بصر، فتدل الآية على إثبات الاسمين، وما تضمناه من صفة السمع، والبصر.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>[إثبات علم الله تعالى، وتقديره الأقدار، وضربه الآجال]</span>\nوقوله: (خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، ولم يخف عليه شيءٍ قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم)\nخلق الخلق عالما بهم، والخلق يستلزم العلم: «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» [الملك: ١٤] فالله علم أحوال الخلق وأعمالهم بعلمه القديم، والإيمان بذلك هو أحد مراتب الإيمان بالقدر.\nوفيه إثبات العلم لله، والأدلة على إثبات العلم لله كثيرة في الكتاب والسنة، وهو من الصفات الثابتة بالعقل والسمع، فالله تعالى اسمه العليم، وأخبر بأنه بكل شيءٍ عليم، يعلم ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، يعلم الدقيق والجليل، والله تعالى قد فصّل ذلك في كتابه «وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ»، «إن الله عليمٌ بذات الصدور»، «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ» [الأنعام: ٥٩] «لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا» [الطلاق: ١٢].\nعلمه تعالى محيطٌ بالأشياء، أحاط علمه بأعمال العباد، وأقوالهم، وأحوالهم، يعلم الخواطر التي ترد على النفوس، ويعلم ما في قلوب العباد: الملائكة، والأنبياء، وكل الناس يعلم ما في قلوبهم من أفكار،","vol":"1","page":68},{"text":"وخواطر، «يعلم خائنة الأعين» اللحظة التي يرسلها الإنسان خُفية ما يدري عنها أحد، الله يعلمها «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور».\nيعلم دقائق الأشياء: «إنها إن تك مثقال حبةٍ من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأتي بها الله»، «وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتابٍ مبين».\nوالله تعالى من أسمائه العليم، وعلام الغيوب، وعالم الغيب والشهادة.\nوالعلم من صفاته تعالى، ومن أهل البدع من ينكر هذا!\nفالجهمية ينفون عن الله أسماءَه وصفاتِه ويقولون: هذه الأسماء إضافتها إلى الله مجاز، وإلا فهي أسماء لبعض المخلوقات.\nوالمعتزلة ينفون الصفات، ويقولون: اسمه عليم لكنه بلا علم، فليس العلم صفةً قائمة به، وقدير بلا قدرة، وسميع بصير بلا سمع ولا بصر! كذا حكى أهل العلم عنهم (^١).\nوأما الحق الذي دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، ودل عليه العقل، وأجمع عليه سلف الأمة، والذين اتّبعوهم بإحسان فهو أنه عليم بعلم، وأن العلم صفته ﷾، وجاء ذكر العلم في القرآن، قال تعالى: «أنزله بعلمه» «ولا يحيطون بشيءٍ من علمه»، وفي السُنّة، قال النبي ﷺ: «اللهم إني أستخيرك بعلمك» (^٢)\nوهذا تصريح بلفظ العلم، ولو لم ترد هذه النصوص لكان ذكر الإسم كافيا في الدلالة على إثبات الصفة.\nوعلمه تعالى أزلي لا يتجدد - بمعنى - أنه يصير عالمًا بعد أن لم يكن، ويعلم الشيء بعد أن لم يكن عالما به! فهذا نقص، والله منزه\n_________\n(^١) التمهيد ٧/ ١٤٥، والتدمرية ص ٩٢، ومجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥، والنبوات ١/ ٥٧٧.\n(^٢) رواه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر ﵁.","vol":"1","page":69},{"text":"عنه، كما تقدم (^١) في التنبيه على دوام كماله (ما زال في صفاته قديما قبل خلقه).\nفنقول: ما زال بكل شيءٍ عليما، وعلمه تعالى مطابق للواقع؛ لأن ما لم يطابق الواقع جهل.\nوأما ما جاء في القرآن مما قد يفهم منه تجدد العلم، كقوله تعالى «وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ» [البقرة: ١٤٣] وقوله تعالى: «أفحسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله»، وقوله تعالى: «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا»، فالمراد به علمه تعالى بالشيء موجودًا.\nولهذا بعضهم يعبّر عنه بـ (علم الظهور، أوعلم الوجود).\nفالله تعالى قبل أن يخلق الخلق يعلم أحوالهم، وصفاتهم، ومن يطيعه، ومن يعصيه، لكن هل يعلمهم موجودين؟ لا؛ بل يعلم أن ذلك الشيء سيكون، فإذا وجد علمه موجودًا.\nفهو تعالى يعلم من يجاهد، ومن لا يجاهد، ومن يصبر، ومن لا يصبر، ويعلم من يقبل تشريعه في أمر القبلة، ومن لا يقبل، ومن يتبع الرسول، ومن لا يتبع الرسول … إلخ\nيعلم أنه سيكون وهم غير موجودين، فإذا وجدوا علمهم موجودين، والثواب والعقاب مرتبٌ على ما يوجد بالفعل، هذا مقتضى عدله وحكمته.\nفالله لا يجزي العباد بموجب علمه قبل خلقهم؛ بل يجزيهم على ما وقع منهم بالفعل.\nوالله تعالى يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون، وشاهد هذا في\n_________\n(^١) ص ٥٤.","vol":"1","page":70},{"text":"القرآن قوله تعالى: «ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه» [الأنعام: ٢٨]، وقد حكم الله بأنهم لا يُردّون «وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ» [الأنبياء: ٩٥]\nوكما دل السمع على إثبات صفة العلم؛ دل العقل عليها، وبيان ذلك: أن إيجاد المخلوقات وإحكام هذا الخلق العظيم الواسع لابد أن يكون عن علم يقوم بالرب تعالى، ولا يتصور أن يكون بلا علم تعالى الله عمَّا يقول الجاهلون علوا كبيرا.\nومن الطرق العقلية - أيضا - أن العلم يوصف به المخلوق على يليق به، وهو صفة كمال، فلو لم يتصف الخالق سبحانه بالعلم لزم أن يكون المخلوق أكمل من الخالق؛ وهذا ممتنع بداهةً.\nوقوله: (وقدّر لهم أقدارا) قال تعالى: «وخلق كل شيءٍ فقدره تقديرًا» «إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر».\nوجاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) (^١).\nمقادير تكون من جهة الزمان، والمكان، والذات، فكل إنسان قدر الله له زمنا «وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» [الحج: ٥] يعني مقدار لُبْث الجنين في الرحم مقدّر، هذا ستة أشهر، وذا تسعة، وذا عشرة، وذا أكثر.\nوعملهم مقدّر، ورزقهم مقدّر، وقدّر جميع الأشياء.\nوقوله ﷺ (قدّر الله المقادير) كلمة قصيرة لكن مفهومها واسع جدا، لا نحيط به ولا نتصوره لكن نفهمه إجمالا.\nوقوله: (وضرب لهم آجالا)\n_________\n(^١) رواه أحمد ٢/ ١٦٩ - والفظ له ـ، ومسلم (٢٦٥٣)، والترمذي (٢١٥٦)، وابن حبان (٦١٣٨) وصححاه، وعند مسلم: «كتب».","vol":"1","page":71},{"text":"وعطف هذه الجملة على التي قبلها من عطف الخاص على العام، (ضرب لهم آجالا) حدد للخلق أجالا، والأجل: يطلق على نهاية المدة المقدرة، أو على نفس المدة المقدرة كلها، فالدنيا لها أجل، ينتهي بيوم القيامة «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» [الأنعام: ٢].\nوالأمم لها آجال «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» [يونس: ٤٩] كل أمة لها أجل ثم تنتهي كيف شاء الله، وفي تاريخ المسلمين، الدولة الأموية لها تاريخ وانتهت، ثم الدولة العباسية وانتهت، وهكذا غيرها.\nوكذلك آجال مختصة بكل فرد مثل ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ: (فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله) (^١)، قال تعالى: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا» [آل عمران: ١٤٥].\nإذًا؛ بأي شيء يموت الإنسان؟\nهو ميت بأجله، وفي الوقت المحدود «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا» [آل عمران: ١٤٥] فالمقتول ميت بأجله هذا عند أهل السُنّة، خلافًا للمعتزلة، فإنهم يقولون: إن المقتول قد قطع القاتل عليه أجله، فيمكن أنه سيعيش مائة سنة لكن اعتدى عليه القاتل فقتله وهو ابن عشرين سنة فضيّع عليه القاتل ثمانين سنة! (^٢)\nنعوذ بالله من الجهالة، والضلالة؛ بل المقتول ميت بأجله، والآجال جعل الله لانقضائها أسبابا؛ فمن الناس من يموت بأسباب سماوية لا دخل لأحدٍ من الناس فيها، ومنها ماله تسببٌ من الناس؛ مثل المقتول، وكلٌ في كتابٍ مبين، معلوم لرب العالمين، «وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ» [فاطر: ١١].\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٨/ ٥١٦.","vol":"1","page":72},{"text":"فالآجال، والأعمار كلها مقدرة، ودلت النصوص على أن لطول العمر وقصره أسبابا كونية، وشرعية، فمن الأسباب الشرعية: صلة الرحم، وبر الوالدين، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) (^١) وفي الحديث الآخر قال النبي ﷺ: (ولا يزيد في العمر إلا البر) (^٢) والتحقيق أنه لا ينافي القدر، فليس معناه أن هذا سبق في علم الله وكتابه أن عمره ستون سنة، ثم يحدث أنه يبر بوالديه فيزاد في عمره، لا؛ بل هذا الذي وصَل رحمه، ومَد الله في عمره جزاءً له؛ قد سبق في علم الله وفي كتابه أنه يطول عمره بهذا السبب، وكل الأمور جارية على الأسباب والمسببات، ومندرجة في قدر الله التام.\nويقال مثل هذا في الدعاء، وبعضُ أهل البدع يقول: الدعاء لا فائدة منه؛ فإن كان الله قدَّر هذا المطلوب فلا حاجة للدعاء، فهو حاصل دعوت أو لم تدع، وإن كان غير مقدر فلا فائدة في الدعاء؛ لأنه لن يحدث!\nوهذا فهم باطل مبني على عدم تأثير الأسباب في مسبَبَاتها، ويلزمهم أن يقولوا مثل هذا في كل الأسباب.\nوما قدر الله حصوله في هذا الدعاء قد يُقدِّر سببه، وقد لا يقدر، فما لم يقدر سببه لا يحصل بالدعاء، وما قدر سببه يحصل السبب، والمسبَبَ.\nفتارة يقدر الله السبب، ولم يقدر المسبَب.\nوتارة يقدر هذا الأمر بدون هذا السبب.\n_________\n(^١) البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧) من حديث أنس ﵁.\n(^٢) أحمد ٥/ ٢٧٧، وابن ماجه (٩٠)، وصححه ابن حبان (٨٧٢) والحاكم ١/ ٤٩٣، وحسنه العراقي فيما نقله البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٣) من حديث ثوبان ﵁.","vol":"1","page":73},{"text":"وتارة يكون المقدّر السبب، والمسبَب، وهذا موضوع معناه واسع جدا، فالرزق للإنسان يحصل بسبب الطلب والكدح، وأحيانا يحصل بدون سعي ولا جهد (^١).\nوهذا كله يرجع إلى الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، والمؤلف لما قال: (خلق الخلق بعلمه، وقدّر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا) يريد تقرير الأصل السادس، وإن كان سيُثنّي ويردد الكلام في القدر.\nثم أكد المصنف قوله: (خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا) بقوله: (لم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم) أكده بالنفي، فالأول إثبات، والثاني سلب.\nثم قال: (وعلم ما هم عاملون) وهذا أيضا تأكيد، لكن الجملة الأولى عامّة.\n(علم ما هم عاملون) سبق علمه بأعمالهم: المؤمن، والكافر، والمطيع، والعاصي قبل أن يخلقهم، وكتب ذلك وقضاه وقدّره في أم الكتاب.\nوفي التقدير الثاني: قال النبي ﷺ: (فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله) (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٩٢ و١٤/ ١٤٣.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٧٢.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>[وجوب الإيمان بالشرع والقدر]</span>\nوقوله: (وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) في هذا التنبيه على وجوب الإيمان بالشرع مع الإيمان بالقدر؛\nالإيمان بأن الله علم ما العباد عاملون بعلمه القديم، وكتب ذلك، وأن كل شيء يجري بمشيئة الله،\nوالإيمان بأن الله أمر عباده بطاعته، ونهاهم عن معصيته «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ» [البقرة: ٢١] «فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا» [البقرة: ٢٢] «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» [النساء: ٣٦] «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا» [الإسراء: ٢٣].\nلا بد للاستقامة على الصراط المستقيم في هذا المقام من الإيمان بالشرع، والقدر جميعا.\nأما الإيمان بالقدر فهو الأصل السادس، وأما الإيمان بالشرع فهو موجب الإيمان بكتب الله ورسله.\nفأهل الهدى والفلاح يؤمنون بهذا وهذا، ويؤمنون بحكمة الرب في شرعه وقدره.\nوأما فرق الضلال فالمشركون، وأتباعهم من الجبريّة فإنهم يثبتون القدر، ولكنهم ينكرون الشرع أو يعرضون عن الشرع كما قال الله عن المشركين: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]\nقولهم: (لو شاء الله ما أشركنا) هذا يتضمن أنهم يُقرّون بالقدر، وبمشيئة الله، ولكنها كلمة حق أريد بها باطل، فهم يقولون ذلك معارضةً لما جاءت به الرسل من الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيهم عن الشرك به.","vol":"1","page":75},{"text":"والجبرية - المنتسبين للمسلمين - يقال لهم: مشركيّة؛ لأنهم بمنهجهم ذلك شابهوا المشركين الذين قالوا: «لو شاء الله ما أشركنا».\nويقابلهم المجوسية وهم: (القدرية) كالمعتزلة فإنهم ينفون تعلق مشيئة الله بأفعال العباد، ويخرجون أفعال العباد عن مشيئته وقدرته، وملكه، مع أنهم يقرون بالشرع.\nوأسلافهم الأولون الذين ظهروا في عهد الصحابة ينفون القدر كله بمراتبه الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.\nوطائفة قالت: إن الشرع والقدر فيهما تناقض، وإن أثبتتهما، فطعنت في حكمة الرب سبحانه، وتسمى: الإبليسية؛ فزعيمهم في هذا إبليس، فهو الذي أعترض على الرب، وطعن في حكمته، مع إقراره بخلق الله وأمره، فكان هو إمام هذه الطائفة المخذولة.\nهذه فرق الضلال من الخائضين في القدر كما يُعبّر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. (^١)\n_________\n(^١) الرسالة التدمرية ص ٤٨٨.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>[إثبات عموم مشيئة الله تعالى]</span>\nقال رحمه الله تعالى: (وكل شيء يجري بتقديره ومشيئتِه، ومشيئتُه تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا).\nيقرر المؤلف في هذه الجملة عموم مشيئة الله، وأنها شاملة لكل شيء، فكل شيءٍ يجري بتقديره ومشيئته؛ كحركات الأفلاك، وتصريف الرياح، وحركات الناس كلها تجري بعلمه وبمشيئته قد سبق بها العلم، والكتاب.\n(لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم) فالعباد لهم مشيئة، وأفعالهم نوعان:\nاختيارية؛ فالإنسان يذهب ويجيء، ويأكل ويشرب، ويتكلم، ويضرب، هذه حركات اختيارية.\nوأفعال لا اختيارية كحركة النائم، والمرتعش، فهذه يقال لها: لا إرادية.\nومشيئة العباد مقيدة بمشيئة الله، قال تعالى: «لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» بإثبات المشيئة للعباد «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» [التكوير: ٢٩] ففي هذه الآية رد على طائفتين: الجبرية، والقدرية؛ فقوله: «لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» رد على الجبرية، وقوله: «إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» رد على القدرية نفاةِ القدر.","vol":"1","page":77},{"text":"(لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم) وهذا الذي نعبّر عنه بقولنا: ما شاء الله كان، أما مشيئة الإنسان فقد تتحقق، وقد لا تتحقق، فيشاء العبد ما لا يكون، كالعاجز يريد شيئا ولا يكون، وقد يكون ما لا يريد، كالمكره يجري عليه من الأمور ما لا يريده.\nأما الرب القدير على كل شيء فما شاء كان، وما لم يشأ لا يكون، ﷾.\nوقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا)\nأدلة هذا في القرآن كثيرة، قال الله تعالى: «فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» [البروج: ١٦] هذا دليل عام.\nوقال تعالى: «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» [النحل: ٩٣] «مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [الأنعام: ٣٩]\nوقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا) يوفق من يشاء لسبل الخيرات، والأعمال الصالحات، ويعصم من الوقوع في الزلّات والسيئات، ويعافي من يشاء، وكل ذلك بفضله تعالى: «وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [الحجرات: ٧ - ٨] فضلٌ من الله «وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ» [إبراهيم: ١١]\nفهو يهدي من يشاء بفضله وحكمته فيضع ولايته في موضعها فضلا منه وحكمة، ولهذا قال سبحانه: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [النساء: ٢٦]، «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [الأنعام: ١٢٤]، «ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا» [النساء: ٧٠].\nوقوله: (ويضل من يشاء) هذا قد نص الله عليه في كتابه في مواضع (^١) كما قال تعالى: «فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» [إبراهيم: ٤].\n_________\n(^١) الرعد: ٢٧، والنحل: ٩٣، وفاطر: ٨.","vol":"1","page":78},{"text":"وقوله: (ويخذل ويبتلي عدلا) الخذلان: عدم التوفيق، ويبتلي: يصيب من يشاء بالبلاء، عدلا: أي: بعدله وحكمته.\nوالهداية المضافة إلى الله المتعلقة بالمكلف نوعان:\nهداية عامة - للمؤمن، والكافر - وهي: هداية الدلالة، والبيان، والإرشاد لسبيل الخير والشر، قال تعالى: «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» [البلد: ١٠]، «وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ» [فصلت: ١٧] أي: دلَّهُم، وبيَّن لهم بإرسال رسوله «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ» [النمل: ٤٥].\nوالنوع الثاني: هداية التوفيق لقبول الحق، وإلهام الرشد، وشرح الصدر، قال تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ» [الأنعام: ١٢٥] «أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» [الزمر: ٢٢] فهاتان هدايتان:\nالأولى تسمى: (الهداية العامة)، والثانية: (الهداية الخاصة).\nأما الهداية الخاصة فلا يملكها إلا الله تعالى.\nوأما الهداية العامة فالله قد جعلها للرسل - أيضا - قال تعالى: «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» [القصص: ٥٦] نفى عنه أن يهدي من يحب، وأثبتها لنفسه ﷾، فبين الآيتين تعارض في الظاهر، والجمع بينهما بمراعاة التقسيم.\nوأنكرت المعتزلة هداية التوفيق؛ لأنهم أخرجوا أفعال العباد عن مشيئة الرب وقدرته تعالى وتقدّس، فعندهم أن الله لا يقدر أن يهدي أحدا، وإنما أثبتوا الهداية العامة: هداية الدلالة والإرشاد.\nوقالوا: (يضل) و(يهدي) أي: من اهتدى حَكَم له بالهداية، ومن ضل سماه ضالا، أما أنه يجعل هذا مهتديا أو هذا ضالا فلا! تعالى عن قول الظالمين والمفترين علوا كبيرا.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>[إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله]</span>\nوقوله: (وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله).\nمن تتمةِ قولِه (يهدي من يشاء ويعصم، ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا) قولُه (فكل الخلق يتقلبون بين فضله وعدله) هذه النتيجة، والله تعالى حكيم يضع فضله حيث شاء، وعدله حيث شاء له الحكمة البالغة، فالله يهدي من يشاء بفضله وحكمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.\nفالحكمة معتبرة وجارية وواقعة في الكل له الحكمة البالغة في هدايته لمن شاء من عباده، وخذلانه لمن شاء، وكان من المناسب أن ينبه المؤلف إلى هذا.\nوالأدلة على حكمة الرب كثيرة فاسمه الحكيم يدل على الحكمة، وكذلك قوله: «ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا» [النساء: ٧٠] «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [الأنعام: ١٢٤].\nوأفعال الرب معللة (^١) لكن من العلل والحكم ما نعلمه بالنص عليه في الكتاب أو السنة، ومنها ما يُهتدى إليه بالتدبُّر، ومنها ما لا يعلم؛ فالعباد لا يحيطون بحكمة الرب كما لا يحيطون بسائر الصفات.\nفكل الخلق يتقلبون بين فضله وعدله، حتى في الساعة الواحدة يكون للإنسان حظ من فضل الرب ﷾ بالتوفيق، أو يكون في حالة ابتلاء\n_________\n(^١) منهاج السنة ١/ ١٤١، وشفاء العليل ص ١٩٠، وانظر: ص عند قوله: تعالى عن الحدود والغايات.","vol":"1","page":80},{"text":"وخذلان، واقرأ ما كتبه ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين (^١) في مشاهد الخلق في المعصية في مشهد التوفيق والخذلان.\n_________\n(^١) ١/ ٤١٤ «فالعبيد متقلبون بين توفيقه وخذلانه؛ بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا. فيطيعه ويرضيه ويذكره ويشكره بتوفيقه له، ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له، فهو دائر بين توفيقه وخذلانه؛ فإن وفقه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته، وهو المحمود على هذا وهذا له أتم حمد وأكمله، ولم يمنع العبد شيئا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله».","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>[تنزيه الله تعالى أن يكون ضد أو ند]</span>\nوقوله: (وهو ﷾ متعالٍ عن الأضداد والأنداد).\nوصف الرب بالتعالي كثيرٌ في القرآن «سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» [يونس: ١٨] «سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ» [الأنعام: ١٠٠] «فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» [الأعراف: ١٩٠] تعالى: تقدّس وتنزّه وترفّع، فهذا اللفظ يدل على التنزيه، فنقول: تعالى الله عن الصاحبة والولد، وتعالى الله عن السنة والنوم والموت، وتعالى الله عن الشركاء، والأضداد والأنداد، فلا ضد له ولا ند له.\nفالمضاد: المقاوم المدافع، والند: المثل.\nفلا ضد يضاد أمره وحكمه ﷾.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>[نفاذ قضائه وحكمه تعالى]</span>\nوقوله: (لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره).\nهذا تفصيل لما قبله؛ فلا ضد له يرد قضاءه ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١].\nوقوله: (ولا معقب لحكمه) أي: مؤخر لحكمه فحكم الله ماض قال تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ» [الرعد: ٤١].\nوقوله: (ولا غالب لأمره) هذه الجمل الثلاث معناها متقارب كلها تفيد أن أمر الله وحكمه وقضاءه نافذ، وأنه غالبٌ لا يُغلب.\nوقوله: (آمنّا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده).\nهذه الإشارة ترجع إلى كل ما ذكره من قوله: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله … الخ)\n(وأيقنا) اليقين: الإيمان الذي لا يخالجه شك، (أن كلا من عنده) أي: كل ما يجري في الوجود فهو بتدبيره وتقديره ﷾: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨] ويحتمل أن المؤلف أراد (آمنا بذلك كله) أي: ما قرره من أمر الهداية والضلال، ونفاذ المشيئة، والتقدير، ويحتمل أنه يريد عموم ما تقدم.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>[وجوب اعتقاد أن محمدا عبد الله ورسوله، وذكر ما تثبت به النبوة]</span>\nوقوله: (وإن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى).\nقرر المؤلف في الكلام المتقدم التوحيد بأنواعه الثلاثة، ثم ذكر بعض الأسماء، ثم ذكر أشياء مما هو من توحيده ﷾، ثم ذكر ما يتعلق بالقدر، فما تقدم كله يتضمن تقرير توحيده بأنواعه الثلاثة، وأنواع التوحيد الثلاثة كلها تندرج في شهادة أن لا إله إلا الله.\nفكأن مجمل قوله: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله إن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه لا إله غيره، وأنه ﷾ الموصوف بصفات الكمال المنزّه عن كل نقصٍ وعيب، وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وبهذا تتضح المناسبة في قوله: وإن محمدًا عبده المصطفى، - يعني - نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحدٌ لا شريك له، ونقول في شأن محمد ﷺ معتقدين بتوفيق الله: إن محمدا عبده المصطفى بكسر همزة (إنَّ)؛ لأنها مقولُ القول.\nوهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nومحمد هو أشهر أسمائه ﷺ، وإلا فله أسماء فإنه قال: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر","vol":"1","page":84},{"text":"الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب» والعاقب الذي ليس بعده نبي. (^١)\nوأسماؤه ﷺ أعلام وصفات، فاسمه محمد علم وصفة يدل على كثرة محامده، وكثرة حامديه؛ لأنه اسم مفعول من حُمِّد، وهو أبلغ من حُمِد. (^٢)\n\nوقوله: (وإن محمدا عبده المصطفى)\nمما تجب الشهادة به للنبي ﷺ أنه عبد الله «وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا» [الجن: ١٩] «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ» [الإسراء: ١] «وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا» [البقرة: ٢٣] «تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ» [الفرقان: ١] في هذه الآيات وصفٌ له، وثناء عليه بالعبودية، وهي العبودية الخاصة، وفيها إضافته ﷺ إلى ربه فالله أضافه في هذه المواضع إلى نفسه إضافة تشريف، فهو أكمل الناس وأقومهم بالعبودية لله، فلا بد في الشهادة من شهادة أنه عبد الله ورسوله خلافا لمن يغلوا فيه ويجعل له بعض خصائص الإلهية.\nوقوله: (المصطفى) المختار، والاصطفاء، والاختيار: طلب خير الشيئين.\nوقوله: (ونبيه المجتبى) هو ﷺ عبدٌ نبيٌ منبأٌ بالوحي الذي أنزله الله إليه، قال تعالى: «إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ» [النساء: ١٦٣].\nوالاجتباء: قريب من معنى الاصطفاء.\nوقوله: (ورسوله المرتضى) فهو نبي رسول ﷺ، والمرتضى: الذي ارتضاه الله، قال ﷾: «إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا» [الجن: ٢٧].\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤) - واللفظ له - من حديث جبير بن مطعم ﵁.\n(^٢) انظر: جلاء الأفهام ص ١٨٣.","vol":"1","page":85},{"text":"ونلاحظ هنا إن المصنف قد أحسن في تناسب هذه الكلمات حيث ربط الاصطفاء بالعبودية، فقال (عبده المصطفى)، والاجتباء بالنبوة (ونبيه المجتبى)، والارتضاء بالرسالة (ورسوله المرتضى)؛ فإن هذا موافق لما جاء في القرآن، فقد قال ﷾: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى» [النمل: ٥٩] وفي سورة الأنعام لما ذكر الله إبراهيم، ومن هدى الله من ذريته: «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ» [الأنعام: ٨٤] قال بعد ذلك: «وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ» [الأنعام: ٨٧] فوصف هؤلاء الصفوة من الأنبياء بالاجتباء.\nوأما الارتضاء ففي قوله تعالى: «إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ» [الجن: ٢٧]، فكأنه استوحى هذا من الآيات.\nوالنبي محمدٌ ﷺ نبيٌ ورسول، والله خاطبه بـ (يا أيها النبي) في آيات (^١)، وبـ (يا أيها الرسول) في آيتين (^٢) فخاطبه بالصفتين: النبوة، والرسالة.\nنبي؛ لأنه منبأ، فقد أنزل الله عليه النبأ العظيم - القرآن ـ.\nوهو رسول مرسلٌ إلى الناس كافة: «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا» [الأعراف: ١٥٨] «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ» [سبأ: ٢٨] «وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا» [النساء: ٧٩].\nوأكثر ما يُذكر ﷺ بصفة الرسالة؛ لأنها هي المتعلقة بالمكلفين، والمقتضية للبلاغ.\nلكن ما الفرق بين النبي والرسول؟\nفإن الله ﷾ قال: «ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وأتينا داود زبورًا» وقال ﷾: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» فنجد آيات فيها ذكر الأنبياء وآيات فيها ذكر الرسل.\n_________\n(^١) وعددها (١٣) آية، منها: «الأنفال: ٦٤ و٦٥ و٧٠».\n(^٢) المائدة: ٤١ و٦٧.","vol":"1","page":86},{"text":"والفرق المشهور بين النبي والرسول: أن النبي من أوحي إليه بشرعٍ ولم يؤمر بتبليغه.\nوالرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.\nفلفظة نبي لا تشعر بالتبليغ، وكأن هذا التعريف مستمد من لفظة (نبي)، ولفظة (رسول) ليس إلا، وهذا تعريف غير مستقيم؛ لأن قولهم: إن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه.\nفيه ملاحظتان:\nالأولى: أنه أوحي إليه بشرع يدل على أنه يكون على شريعة يستقل بها.\nوثانيا: أنه لا يؤمر بالتبليغ؛ بل إنما هو مكلف بنفسه؛ فكأن الشريعة التي أوحي بها إليه مختصةٌ به فيتدين بدين يخصّه، هذا ما يفيده هذا التعريف، ومعناه أنه لا يؤمر، ولا يدعو، ولا ينهى! وهذا خلاف ما وصف الله به الأنبياء؛ كأنبياء بني إسرائيل، قال ﷾: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ [(٤٤) سورة المائدة] فكان أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة، وكانوا يسوسون الناس كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي). (^١)\nوالصواب: أن كل نبي رسولٌ مأمور بالتبليغ، لكن الإرسال على نوعين:\nالإرسال إلى قوم مؤمنين بتعليمِهِم، وفتواهُم، والحكمِ بينهم.\nوالإرسال إلى قوم كفار مكذبين لدعوتهم إلى الله.\nوبهذا يحصل الفرق بين النبي، والرسول.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢).","vol":"1","page":87},{"text":"وهذا هو التعريف الذي اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «النبوات» (^١).\nإذًا؛ فالإرسال الشرعي فيه هذا التفصيل قال الله تعالى: «وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي» فأثبت الإرسال للنبي أيضا، فإذا ورد ذكر الأنبياء بإطلاق فإنه يشمل الرسل، وإذا ذكر الرسل بإجمال فإنه يشملهم كلهم.\nفإذا جاء ذكر نبي ورسول فلا بد من هذا التفصيل، كما قال الله تعالى: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» وهذا يشمل نوحا ومن بعده، وكذلك قول الله تعالى: «ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض» يشمل نوحا ومن بعده.\nولذا سمّى الله تعالى أنبياء بني إسرائيل رسلا: «ولقد أتينا موسى بالكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جائكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم»\nفإذا أردنا أن نصنف في ضوء التعريف المختار؛ فنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، وعيسى؛ هؤلاء رسل قص الله علينا أخبارهم مع أممهم.\nوزكريا، ويحيى، وداود، سليمان وأيوب أنبياء.\nوذهبت المعتزلة أن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزات، مثل: عصى موسى، ويده، وغيرهما من الآيات، ومثل: انشقاق القمر لمحمد ﷺ.\nوهذا باطل؛ فإن من الأنبياء من لم يذكر الله لهم آيات، لكن قال النبي ﷺ: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثلُه آمن عليه البشر) (^٢) فالنبوة تثبت بغير المعجزات، بأدلة من حال المُدّعي للنبوة، ومن حال ما جاء به، وما يدعوا إليه.\n_________\n(^١) ٢/ ٧١٤.\n(^٢) رواه البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":88},{"text":"ففي الصحيحين أن خديجة ﵂ لما جاءها النبي ﷺ يرجف ويقول: «إني خشيت على نفسي» قالت له: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». (^١)\nفاستدلّت على صدقه، وحفظ الله له، ووقايته من شر الشيطان بما هو عليه من الفضائل العظيمة.\nوكذلك مما احتُجّ به على النبوة في القرآن أنه ﷺ عاش بين أهله ولم يُجرب عليه كذب، قال تعالى: «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقائنا إئت بقرآن غير هذا أو بدِّله قل ما يكون لي أن أبدِّلهُ من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يومٍ عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون»\nفإنه نُبِّأ على رأسٍ أربعين سنة من عمره ﷺ. (^٢)\nوفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن هرقل استدل على نبوته ﷺ بما تضمنه جواب المسائل العشر التي سأل عنها أبا سفيان بن حرب. (^٣)\nوعقلاء الناس يفرقون بين النبي الصادق، والمتنبي الكاذب، وإن كان المتنبي يمكن أن يأتي بخوارقَ وشعوذاتٍ، لكن من له عقل حسن لا يلتبس عليه المتنبي الكذّاب بالنبي الصّادق؛ بل يعرف ذلك من ملامحه، (^٤) ومن سيرته، ومن أقواله، ومن أفعاله، قال تعالى:\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٩٥٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة ﵂.\n(^٢) رواه البخاري (٣٥٤٧)، ومسلم (٢٣٤٧) من حديث أنس ﵁.\n(^٣) البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).\n(^٤) قال عبد الله بن رواحة ﵁ يمدح النبي ﷺ:\nلَو لَم تَكُن فيهِ آياتٌ مُبَيَّنَةٌ … كانَت بَديهَتُهُ تُنبيكَ بِالخَبَرِ. الإصابة ٤/ ٧٥.","vol":"1","page":89},{"text":"«هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفّاكٍ أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون».\nفالصواب: أن النبوة تثبت بأدلةٍ كثيرة، ولا يتوقف إثبات النبوة على مجرد المعجزات.\nوتأمل قولَه ﷾: «وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون» فمن أدلة صدقه ﷺ إنه جاء بهذا الكتاب العظيم، وهو ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب؛ بل يكتبُ ويقرأ له أصحابُه ﵃.\nفكونه بهذه المثابة من الصدق، والأمانة، والطهر، والشرف، والفضائل، ولا يقرأ، ولا يكتب، ولا اتصل بأحد يمكن أن يتلقى عنه، ثم يأتي بهذا القرآن العظيم المحكم؛ هذا أعظم دليل على صدقه، قال تعالى: «وقالوا لولا أنزل عليه آياتٌ من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذيرٌ مبين * أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقومٍ يؤمنون».","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>[من خصائصه ﷺ أنه خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين]</span>\nقوله: (وإنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين)\nأي الذي ختم به الأنبياء فلا نبي بعده، وقد دل على ذلك قوله سبحانه: «ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النّبيّين»، وقال تعالى: «وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل» فجميع الرسل، والأنبياء قد مضوا قبله، فلا نبي، ولا رسول بعده ﷺ.\nوقد دلت نصوصٌ كثيرة من السنة على أنه ﷺ لا نبي بعده، فمن أسمائه ﷺ العاقب وهو الذي جاء بعد الأنبياء، فلا نبي بعده. (^١)\nوفي حديث ثوبان ﵁: (إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) (^٢)\nوهذه قضيةٌ معلومةٌ من دين الإسلام بالضرورة ليس في ذلك اختلاف، ولا خفاء بل هو أمرٌ ظاهر مثل الشمس، ومن شك في أنه ﷺ خاتم النبيين فهو كافر، فضلا عن من يدّعي النبوة، أو يُصّدق مدعيها.\nإذًا؛ فلا بد في شهادة أن محمدًا رسول الله من الإيمان بأنه خاتم الأنبياء.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٨٤.\n(^٢) رواه أحمد ٥/ ٢٧٨، وأبو داود (٤٢٥٢) والترمذي (٢٢١٩) وصححه، ونحوه في البخاري (٣٦٠٩)، ومسلم في الفتن (١٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":91},{"text":"ولا بد من الشهادة أنه ﷺ رسول إلى جميع الناس، وهذه - أيضا - من ضرورات الدين، قال تعالى: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا» «وما أرسلناك إلَّا كافَّةً للنَّاس» «تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا» «وما أرسلناك إلى رحمةً للعالمين».\nفمن اعتقد أن أحدًا يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ فهو كافر، فضلا عن من ادعى ذلك لنفسه.\nومن اعتقد أن اليهود والنصارى لا يلزمهم اتباع محمدٍ ﷺ فهو كافر، قال النبي ﷺ: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) (^١)، وقال ﷺ: (لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي) (^٢)\nوعيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة محمد ﷺ (^٣).\nفشريعة محمد، ودعوة محمد ﷺ لازمة لجميع البشرية، ولا يسع أحدًا الخروجُ عن شريعته ﷺ.\n\nقوله: (وإمام الأتقياء)\nالأتقياء: جمع تقي، وإمامهم - أي - مُقدّمَهُم، فجميع المتقين من النبيين فمن دونهم إمامهم مطلقا محمد ﷺ، لكن يمكن للإنسان أن يكون إماما لجنس من المتقين، ولهذا كان من دعاء عباد الرحمن: «واجعلنا للمتقين إمامًا» [الفرقان: ٧٤] فيمكن أن تقول: اللهم اجعلني إماما للمتقين - أي - قدوة في الخير، ويقتدي به المتقون.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٥٩، وأحمد ٣/ ٣٣٨ من حديث جابر ﵁، وانظر: إرواء الغليل ٦/ ٣٤.\n(^٣) رواه مسلم (١٥٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":92},{"text":"قوله: (وسيد المرسلين)\nأي: أفضلهم، ودليل ذلك قوله ﷺ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) (^١).\nأي: هو أفضل ذرية آدم من أولهم إلى آخرهم بما فيهم من الأنبياء والمرسلين، ومن الأدلة - أيضا - أنه يوم القيامة عندما يطلب الناس الشفاعة من آدم، وأولي العزم فيترادّونها حتى ينتهي الأمر إلى النبي ﷺ، فيقول: (أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع). (^٢)\nوهذا هو المقام المحمود الذي خصّهُ الله به وفضّلهُ به قال تعالى: «عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا» [الإسراء: ٧٩] (^٣)\nولا شك أن الأنبياء، والرسل متفاضلون بنص القرآن، فأفضلهم على الإطلاق محمد ﷺ، ويليه إبراهيم، ويليه بقية أولوا العزم، وهم في المشهور عند أهل العلم أنهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] إذًا؛ فأفضل الأنبياء والرسل هم أولوا العزم، وأفضلهم الخليلان، فالله تعالى قد أخبر أنه اتخذ إبراهيم خليلا ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وأخبر النبي ﷺ أن الله اتخذه خليلا كما اتخذا إبراهيم خليلا (^٤)\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٧٥١٠) ومسلم (١٩٢) من حديث أنس ﵁.\n(^٣) تفسير الطبري ١٥/ ٤٣.\n(^٤) سيذكره بلفظه في ص (بعد صفحة).","vol":"1","page":93},{"text":"أما ما جاء من النهي عن التفضيل في قوله ﷺ قال: (لا تفضلوا بين أنبياء الله) فهذا محمول عند أهل العلم بالتفضيل على وجه التعّصب الذي يتضمن تنقُّص الآخر، كما يبينه سبب الحديث الصحيح: أن يهوديا عرض سلعة له فأعطي بها شيئا كرهه فقال: لا والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه، قال: تقول والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدا، وقال: فلان لطم وجهي، فقال رسول الله ﷺ: «لم لطمت وجهه»؟ قال: قال يا رسول الله: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، وأنت بين أظهرنا، قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه، ثم قال: «لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، قال: ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي» (^١).\nفالنهي عن التفضيل على سبيل التعّصب، أو الذي يتضمن تنقّص الأنبياء، أما التفضيل لبيان الواقع ولاعتقاد الحق، وإنزال كل منزلته فهذا لا بد منه، فالرسول ﷺ نوه بفضله؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته أو من القرآن، والله تعالى نص على التفاضل بين الأنبياء ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>[إثبات الخلة له ﷺ كإبراهيم ﵇]</span>\nوقوله: (وحبيب رب العالمين)\n(حبيب) بمعنى محبوب له ﷾، والله تعالى يحب الرسل والأنبياء، والصالحين، وكل مؤمن له حظٌ من محبة الله تعالى؛ فإن الله تعالى يحب المتقين، والتوابين، والمتطهرين، والمقسطين، والصابرين، والمجاهدين «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ» [الصف: ٤] إذًا؛ وصفه ﷺ بأنه حبيب رب العالمين لا تظهر فيه خصوصية؛ فكل نبي، وكل مؤمن فهو حبيب لرب العالمين، فمثلا: علي ﵁ حبيب رب العالمين قال النبي ﷺ: (يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) (^١)، ولهذا كان اللائق بالمؤلف أن يقول: وخليل رب العالمين؛ لأن المحبة مشتركة بين جميع المؤمنين، وعباد الله الصالحين.\nأما الخلة فمن خصائصه ﷺ مع إبراهيم ﵇، والخلة أعلى مراتب المحبة؛ فالخليل هو أحب العباد إلى الله، والله أخبر في كتابه أن الله اتخذ إبراهيم خليلا ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وثبت في السنة الصحيحة أن الله اتخذ محمدا ﷺ خليلا، ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ألا إني أبرأ إلى كل خِل من خِله، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا إن صاحبكم خليل الله) (^٢)، وفي الحديث\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (٢٣٨٣) من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"1","page":95},{"text":"الآخر: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) (^١) فإبراهيم ومحمد خليلا رب العالمين، ففيه إثبات صفة المحبة لله، وأنه يحب إبراهيم ومحمدا محبة تامة، وذلك؛ لأنهما أكمل الأنبياء توحيدا، ومباعدة من الشرك والمشركين، فكان المناسب أن يقول المؤلف: وخليل رب العالمين.\nوكثيرٌ من الصوفية يعبر عن الرسول ﷺ بأنه (حبيب الله) ويرددون مثل هذا، ولا يعلمون أن هذه ليس فيها خصوصية، ومزيّة بيّنة (^٢).\nوقد روي أن النبي ﷺ قال: (إن إبراهيم خليل الله … وأنا حبيب الله ولا فخر) (^٣) فجعل الخلة لإبراهيم، والمحبة له، وهو حديث ضعيف معارض للأحاديث الصحيحة، ولا يصح سندا ولا متنا.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٥٣٢) من حديث جندب ﵁.\n(^٢) العبودية ١٠/ ٢٠٤، وروضة المحبين ص ٤٧، وانظر: ص ١٩٨.\n(^٣) رواه الدارمي (٤٧)، والترمذي (٣٦١٦) - وقال: حديث غريب - من طريق: زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، وزمعة ضعيف، وسلمة ضُعِّف، وخصوصا إن روى عنه زمعة. تهذيب التهذيب ١/ ٦٣٥، و٢/ ٧٩.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>[حكم دعوى النبوة بعد محمد ﷺ </span>-]\nقوله: (وكل دعوى النبوة بعده فغيٌ وهوى) هذا نفيٌ وإبطال لدعوى النبوة بعد النبي ﷺ، وهذا هو مقتضى أنه خاتم الأنبياء، فإذا علم بالضرورة أنه خاتم الأنبياء، فيعلم بالضرورة أن كل دعوى للنبوة بعده فهي دعوى باطلة، وهي من الغي ضد الرشد، ومن الهوى ضد الهدى.\nفكل دعوى النبوة بعد مبعثه ﷺ سواء كانت في حياته أو بعد مماته فهي دعوى باطلة، ومن يدعي النبوة بعد رسالته ﷺ فهو من أكذب وأظلم الخلق قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ» [الأنعام: ٩٣].\nوقد ادعى النبوة في حياته ﷺ مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي (^١)، وادعاها غيرهما بعده ﷺ، وأخبر ﷺ عن ذلك في حديث ثوبان: (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يدعون أنهم نبي، وأنه لا نبي بعدي) (^٢) فكل من يدعي النبوة فهو كذاب، ولا نحتاج إلى أن ننظر في ما عنده إلا لبيان كذبه لمن قد يلتبس عليه أمره.\n_________\n(^١) البخاري (٣٦٢٠ و٣٦٢١) ومسلم (٢٢٧٣ و٢٢٧٤).\n(^٢) تقدم ص ٩١.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>[عموم بعثته ﷺ للجن والأنس]</span>\nقوله: (وهو المبعوث إلى عامة الجن، وكافة الورى) وهو المبعوث ﷺ إلى عامة الجن، وكافة الورى - أي - الناس، وهذا كله مراعاة للسجع لينسجم هذا الكلام مع ما تقدم من العبارات.\nفهو ﷺ مرسل إلى الثقلين - الجن والإنس - وهذا تقريرٌ لعموم رسالته ﷺ، وهذا معلومٌ من الدين بالضرورة (^١)، ولا يكون الإنسان شاهدا بأن محمدا رسول الله حتى يشهد بأنه رسول الله إلى الناس كافة قال تعالى: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا»، «وما أرسلناك إلا كافة للناس» إلى غير ذلك من الآيات.\nومن الأدلة على إرساله للجن سورة الجن، والآيات من سورة الأحقاف، وخطاب الثقلين في سورة الرحمن. قال تعالى: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا» [الجن: ١ - ٢] إلى آخر السورة.\nوفي سورة الأحقاف «وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ» [الأحقاف: ٢٩] الآيات.\nوفي سورة الرحمن ذكر الله خلق الثقلين، وخاطبهما وذكر جزاءهما قال تعالى: «يا معشر الجن والإنس»، «يرسل عليكما شواظٌ من\n_________\n(^١) انظر: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين لشيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"1","page":98},{"text":"نار»، «فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جان»، وفي الثواب «ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان» إلا آخر السورة.\nويظهر من آيات الأحقاف أن موسى ﷺ كذلك مرسلٌ إلى الجن قال تعالى: «وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ» [الأحقاف: ٢٩ - ٣٠].\nواختلف الناس هل من الجن رسل، أم الرسل كلهم من الإنس؟\nجمهور أهل العلم على أن الرسل من البشر، وأما الجن فمنهم دُعاة، ونُذُر، (^١) قال تعالى: «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم من أهل القرى» وإذا صح وعلم بالوحي أن الرسول ﷺ مرسلٌ إلى الجن، وموسى كذلك؛ علم أن إرسال الإنس إلى الجن يحصل به قيام الحجة عليهم.\nواستدل أهل القول الثاني بقول الله تعالى: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا» [الأنعام: ١٣٠] فخوطب الجميع: الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم.\nوالجمهور قالوا: إن هذه الآية محتملة، وليست صريحة، والمراد من المجموع؛ لأن الخطاب للجميع.\nوالأمر في هذا سهل، والمقصود إن الجن والإنس كلهم مكلفون، وقد خلقهم الله لعبادته، وأقام الحجة عليهم، وكلهم منهم المؤمن والكافر، والصالح، والطالح.\nوالجن عالَمُ غيب وإن ظهروا للناس وتمثلوا بأشكال مختلفة، وهم\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٩/ ٥٦١، ومجموع الفتاوى ٤/ ٢٣٤، وطريق الهجرتين ص ٤١٦.","vol":"1","page":99},{"text":"كثير، ويعيشون على الأرض مع الناس، ولهم صفاتهم، ويأكلون ويشربون، ومنهم الذكور والإناث، ويتوالدون، قال تعالى: «وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا» [الجن: ٦] وفي القرآن وفي السنة من الإخبار عنهم شيءٌ كبير، ومن ينكر وجود الجن؛ فهو كافر.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>[فضل رسالته، وكمال شريعته ﷺ </span>-]\nوقوله: (بالحق والهدى، وبالنور والضياء)\nأي فمحمد ﷺ مرسل بالحق والهدى، والنور والضياء، والمؤلف ينوع في التعبير، فهو ﷺ مرسلٌ إليهم بالحق، وهو ضد الباطل، والهدى، وهو ضد الضلال، وبالنور والضياء، يدل على ذلك قوله تعالى: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق» وقال ﷾: «إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا» بالحق في الأمور الاعتقادية، والعملية، وهذا الحق الذي جاء به ﷺ نور وهدى للناس «فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا» «فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون» نورٌ يبصر به المهتدون طريق السعادة، ومن حرم هذا النور؛ تخبط في ظلمات: الجهل، والغفلة، والكفر، وأكثر البشرية تتخبط في الظلمات فلا طريق لمعرفة الحقائق، والحق من الباطل، والحلال والحرام إلا من طريق الوحي.\nفهذا الذي ذكره المؤلف جملة من خصائص الرسول ﷺ، وله خصائص كثيرة فُضِّل بها على سائر الأنبياء، منها ما يختص به، ومنها ما يتعلق بأمته، مثل قوله ﷺ: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه","vol":"1","page":101},{"text":"خاصة، وبعثت إلى الناس عامة) (^١) وفي حديث آخر: (فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) (^٢) وخصائص الرسول ﷺ كثيرة عُني أهل العلم بجمعها (^٣)\nفأما حقه على أمته فهو الإيمان به، وبما جاء به، ومحبته فوق محبة الأهل والولد، والمال، والنفس، قال النبي ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما …) الحديثَ. (^٤) وقال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) (^٥)\nوتحقيق متابعته ﷺ بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وتصديقه بكل ما أخبر به، والتقيد في عبادة الله بشريعته وما جاء به ﷺ، ومن ذلك تحكيمه ﷺ والتحاكم إلى شريعته، قال تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا»\nوالناس في شأن الرسول ﷺ ثلاثة أقسام:\nمنهم: من يغلو فيه ﷺ ويجعل له بعض خصائص الإلهية.\nومنهم: الجافون المقصرون، وشرهم المكذبون له، وكذلك\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٣٥) - واللفظ له ـ، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) كـ «بداية السول في تفضيل الرسول» للعز بن عبد السلام، و«الخصائص الكبرى» للسيوطي، و«خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء» للدكتور الصادق بن محمد.\n(^٤) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس ﵁.\n(^٥) رواه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤) من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":102},{"text":"المعرضون عن سنته، والمقصرون في تحقيق متابعته، وطاعته، وتحكيمه ﷺ.\nوالوسط من آمن به، وصدقه، واتبع أمره، وترك نهيه، وعبَد الله بشرعه.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>[عقيدة أهل السنة في القرآن، والرد على المخالفين]</span>\nوقوله: (وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده سقر حيث قال تعالى: «سأصليه سقر» فلما أوعد الله بسقر لمن قال: «إن هذا إلا قول البشر» علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر)\nقوله: (وإن) هذا عطف على ما سبق، مثل ما قلنا في قوله: (وإن محمدا) (^١) يعني: ونقول في القرآن معتقدين بتوفيق الله: (إن القرآن كلام الله) أي: نُقِرُّ ونعتقد أن الكتاب المنزل على محمد ﷺ، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس هو كلام الله، تكلم به تعالى، وأنزله على رسوله ﷺ، كما قال ﷾: «وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله» وقوله: «أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون» وقال ﷾: «يريدون أن يبدلوا كلام الله»، فالقرآن كله «كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلامُ الله\n_________\n(^١) ص ٨٤.","vol":"1","page":104},{"text":"الحروفَ دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف» (^١) «الم» كلام الله «ذلك الكتاب لا ريب فيه» كلام الله تكلم به تعالى بما فيه من أوامر، ونواهي، وأخبار.\nوقوله: (منه بدا) أي: ظهر. أو بدأ: ابتدأ ظهوره ونزوله من الله، ودليل ذلك قوله تعالى: «تنزيلُ الكتاب من الله العزيز الحكيم» «نزيلٌ من الرحمن الرحيم» «قل نزله روح القدس من ربك» فـ (مِن) في هذه الآيات لابتداء الغاية، فنزول القرآن مبتدأ من الله نزل به الروح الأمين جبريل ﵇.\nوقوله: (بلا كيفية) يعني: كيفية معقولة لنا، لا بد من هذا التقييد، فلا نقول: إن الله تكلم على هيئة كذا وكذا، أو بصفة كذا وكذا.\nوقوله: (قولًا) مصدرٌ مؤكِد لقوله: (منه بدا بلا كيفية)، أي: بدا من الله كلاما مسموعا، سمعه جبريلُ، وبلغه محمدًا ﷺ، وأهل السنة يقولون: «إن القرآن كلام الله منزلٌ غير مخلوق، منه بدا، وإليه يعود» (^٢)، ومعنى إليه يعود، ما ورد في الآثار أن القرآن يُسرى عليه في آخر الزمان، ويرفع من الصدور والمصاحف، فلا يبقى له وجودٌ في الأرض، … (^٣) وهذا عندما يعطل، وينتهي الأجل المعدود، والمحدود بتكليف العباد، وأمرهم ونهيهم بهذا القرآن.\nوقوله: (وأنزله على رسوله وحيًا) بدأ من الله قولا، وأنزله وحْيًا على رسوله محمدٍ ﷺ بواسطة الرسول جبريل ﵇، قال تعالى: «نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسانٍ عربيٍ مبين»\n_________\n(^١) الواسطية ص ١٩٧.\n(^٢) الواسطية ص ١٩٧.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق ٣/ ٣٦٢، ومصنف ابن أبي شيبة ١٥/ ٥٢٨، وسنن الدارمي ٢/ ٨٩٥، وانظر: الدر المنثور ٥/ ٣٣٤ - ٣٣٦. وذكر شيخ الإسلام في مناظرة الواسطية ٣/ ١٧٤: أن الحافظ أبا الفضل بن ناصر، والحافظ أبا عبد الله المقدسي جَمَعَا ما في ذلك من الآثار عن النبي ﷺ، والصحابة، والتابعين.","vol":"1","page":105},{"text":"وقال ﷾: «فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قومًا لُدًّا».\nوقوله: (وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا) صدق المؤمنون الرسول ﷺ فيما جاء به تصديقا، والنبي ﷺ لما أرسله الله ودعا الناس رموه وسفّهوه، ووصفوه بالشعر، والكهانة، والجنون، والسحر، وصدّقه من صدقه، وأول من صدقه خديجة بنت خويلد ﵂ أم المؤمنين السيدة العظيمة، وفازت بهذا الفضل العظيم، ثم آمن به بعض الناس على قلة من الأحرار والعبيد: واحد، واثنين، وثلاثة، حتى تتابع الناس على الإيمان، حتى دخلوا في دين الله أفواجا، وهؤلاء المؤمنون صدّقوا بأن القرآن كلام الله، وأن محمدا ﷺ رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله.\nوقوله (حقا) مصدر مؤكِد لقوله (صدقوه)؛ كأنه قال: صدقوه تصديقا، والمصدر المؤكِد يشترط أن يكون من لفظ الفعل، كما إذا قلت: قمت قياما، أو من معناه كما إذا قلت: قمت وقوفا.\nوقوله: (وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية) أي: وأيقن المؤمنون الذين صدّقوا: أنه كلام الله على الحقيقة لا المجاز؛ فإن المعطلة من الجهميّة، والمعتزلة يقولون: إنه كلام الله، لكنه مخلوق، فإضافته إلى الله إضافة مخلوقٍ إلى خالقه، فليس هو كلام الله على الحقيقة؛ لأنهم يعتقدون أن الله لا يتكلم!\nإذًا؛ فالقرآن عندهم ليس كلاما تكلم الله به، ولا يخصون القرآن بهذا؛ فكل كلام الله عندهم مخلوق حتى الخطاب الذي نودي به موسى ﵇ في الوادي المقدس زعموا أن الله خلق كلاما في الشجرة سمعه موسى!\nوردَّ عليهم أهل السنة بأن هذا يقتضي أن الشجرة هي التي قالت: «إني أنا الله لا إله إلا أنا»؛ لأن الله إذا خلق كلاما في بعض مخلوقاته؛ فالكلام لا يوصف به إلا من قام به الكلام.\nوهذه المسألة هي التي نشأت عنها فتنة القول بخلق القرآن، حتى","vol":"1","page":106},{"text":"حُمل الناس على هذه البدعة بالقوة، وامتُحِن العلماءُ، وعلى رأسهم إمامُ أهل السنة الإمامُ أحمد ﵀. (^١)\nوالقول بخلق القرآن قول مبتدع باطل مبني على باطل، فهو مبني على أن الله لا يقوم به كلام، وهذا قولُ الجهميةِ والمعتزلةِ.\nوالأشاعرةُ مذهبهم في القرآن ملفق، فيثبتون الكلام لله، ويقولون: إنه تعالى متكلم، والكلام يقوم به. (^٢)\nلكن ما هو الكلام الذي يثبتونه؟ يقولون: إن كلام الله معنى نفسي قديم واحد.\nهذا ضابط كلام الله عندهم، فهو عندهم: معنىً واحدٌ قديم قائم به سبحانه لازمٌ لذاته لا تتعلق به المشيئة، ليس بحروف وأصوات، ولا يسمع من الله، هذا تحرير مذهبهم.\nوعلى هذا؛ فالقرآن المسموع، المتلو، المحفوظ، المكتوب؛ عبارة عن ذلك المعنى النفسي!\nإذًا؛ فحقيقة قولهم: إن هذا القرآن مخلوقٌ للدلالة على ذلك المعنى النفسي.\nفالجهمية والمعتزلة، والأشاعرة، كلهم يقولون: القرآن كلام الله، لكن كلٌ على أصله.\nفالجهمية، والمعتزلة: يريدون أنه مخلوقٌ لله، وإضافته إلى الله من إضافة المخلوق إلى الخالق. والأشاعرة يقولون: إنه كلام الله، فهذا الكلام المكتوب في المصاحف دليلٌ على المعنى النفسي، وفي هذه\n_________\n(^١) انظر: \"ذكر محنة الإمام أحمد\" لحنبل بن إسحاق، و\"مناقب الإمام أحمد\" لابن الجوزي ص ٤٣٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ١١/ ٢٣٢.\n(^٢) انظر مذاهب الناس في كلام الله، وتقرير مذهب أهل السنة في: منهاج السنة ٢/ ٣٥٨، ومجموع الفتاوى ١٢/ ١٦٢، والكافية الشافية ص ٤٧، ومختصر الصواعق ٤/ ١٣٠٢.","vol":"1","page":107},{"text":"يقتربون جدا من الجهمية، والمعتزلة، فليس بينهم كبير فرقٍ؛ لأن النزاع في هذا القرآن الذي يحفظه المسلمون، ويسمعونه، ويتلونه، ويكتبونه.\nوأهل السنة والجماعة عندهم: أن القرآن كلام الله على الحقيقة كيف ما تصرف: مكتوبا، ومحفوظا، ومسموعا، ومتلوّا.\nفالكلام المكتوب في المصاحف هو كلام الله، وما في صدورِ حَفَظَةِ القرآن هو كلام الله، وما يتلوه التالون هو كلام الله، لكن الصوت صوت القارئ، والكلام المتلو كلام البارئ، وكل عاقل يفرق بين الكلام الذي يبتدؤه المتحدث، وبين كلام غيره حين يقرأه، فالكلام إنما يضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا.\nفإذا سمعت إنسانا يقرأ حديث «إنما الأعمال بالنيات» (^١) تقول: هذا قول الرسول ﷺ، ولا تقول هذا كلام الذي قرأ الحديث؛ لأن القارئ يقرأ كلام النبي ﷺ.\nوإذا سمعته ينشد قصيدة للشاعر امرئ القيس فإنك لا تقول: هذا كلام فلان الذي ينشد القصيدة بل تقول: هذا كلام امرئ القيس (^٢).\nفالقرآن هو (كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق)، كما تقول: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة (ككلام البرية) فالبشر وكلامهم، وأفعالهم، وصفاتهم مخلوقة.\n\nوقوله: (فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه، وأوعده بسقر حيث قال تعالى: ﴿سأصليه سقر﴾).\nمن سمع القرآن فزعم أنه كلام البشر، أنشأه محمد فهو كافر، مكذب للرسول ﷺ، مفتر على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ.\nويشير المؤلف إلى الآيات من سورة المدثر النازلة في الوليد بن\n_________\n(^١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر ﵁.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٢٥٩، ومناظرة الواسطية ٣/ ١٧٦.","vol":"1","page":108},{"text":"المغيرة، فإنه جاء إلى النبي ﷺ فسمع القرآن فرق له، فجاء إلى قريش فأثنى على القرآن، فعابوه، فلما عيروه بذلك أراد أن يحتفظ بمكانته - نسأل الله العافية - فقال ما أخبر الله به عنه: «ذرني ومن خلقت وحيدًا * وجعلت له مالًا ممدودًا * وبنين شهودًا * ومهدت له تمهيدًا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدًا * سأرهقه صعودًا * إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحرٌ يؤثر * إن هذا إلا قول البشر * سأصليه سقر * وما أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر * لواحةٌ للبشر * عليها تسعة عشر». (^١)\nوقوله: (فلما أوعد الله بسقر لمن قال: «إن هذا إلا قول البشر» علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر)\nلما علمنا أن الله ذمّ وتوعّد من قال: إنه قول البشر؛ علمنا أنه قول رب العالمين، لا قول البشر، ولا يشبه قول البشر، ولهذا كان القرآن معجزا تحدى الله الثقلين أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أوبسورةٍ من مثله قال تعالى: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا»، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾\n_________\n(^١) رواه الطبري في تفسيره ٢٣/ ٤٢٩، والحاكم ٢/ ٥٠٦ - وصححه من حديث ابن عباس - وعنه البيهقي في دلائل النبوة ٢/ ١٩٨، وقال: هكذا حدثناه موصولا، وفي حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: جاء الوليد بن المغيرة … وهذا فيما رواه يوسف بن يعقوب القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد، هكذا مرسلا. وكذلك رواه معمر عن عباد بن منصور، عن عكرمة مرسلا. ورواه أيضا: معتمر بن سليمان، عن أبيه، فذكره أتم من ذلك مرسلا. وكل ذلك يؤكد بعضه بعضا.","vol":"1","page":109},{"text":"وقال تعالى: «وإن كنتم في ريبٍ مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله»\nوقوله: (ولا يشبه قول البشر) لا في بيانه وفصاحته، ولا في معناه؛ لاشتماله على المعاني العظيمة في أخباره، فقد بلغ الغاية في الصدق في أخباره، والعدل في أحكامه «تنزيلٌ من حكيمٌ حميد» «تنزيلٌ من الرحمن الرحيم» «تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم»، لا يشبه قولَ البشر، مع أنه كلام، وقول البشر كلام، ولذا قال بعض أهل العلم (^١): إن افتتاح السور بالحروف المقطعة فيه تنبيه على الإعجاز، وأن القرآن كلام مؤلفٌ من هذه الحروف التي يتألف منها سائر الكلام: (ال م رص ط هـ ك ع ق) فهو حروف وكلمات، وسور وآيات.\nوقوله: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر)\nيعني من شبه الله بخلقه فقد كفر؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، «ولم يكن له كفوًا أحد».\nفالله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، قال الإمام نعيم بن حماد (^٢): (من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر، وليس في ما وصف الله به نفسه\n_________\n(^١) الكشاف ١/ ٦٩، والجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٣٨، وتفسير ابن كثير ١/ ١٦٠.\n(^٢) نعيم بن حماد الخزاعي الإمام العلامة صاحب التصانيف كان صلبا في السنة شديدا على الجهمية، روى عن ابن المبارك والفضيل وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن معين، والبخاري وأبو داود وغيرهم. قال الخطيب: إن أول من جمع المسند وصنفه نعيم. توفي عام ٢٢٩ هـ. سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٩٥.","vol":"1","page":110},{"text":"ولا رسوله تشبيه). (^١)\nوقوله: (فمن أبصر هذا اعتبر)\nمن أبصر هذا بعقله وبصيرته اعتبر وحذر من حال المكذبين، وانزجر عن المقالات الباطلة، كقول الوليد بن المغيرة، وقول الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة.\nفالقرآن كلام الله، والله تعالى يتكلم بما شاء إذا شاء، وكلام الله يسمعه من شاء الله بلا واسطة.\nوالأدلة على إثبات كلام الله كثيرة ومتنوعة ففي القرآن قال تعالى: ﴿قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ «وكلم الله موسى تكليمًا» «ولما جاء موسى بميقاتنا وكلمه ربه» ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فقد جاء ذكر الكلام بلفظ القول، والكلام، والكلمات، والنداء، والمناجاة.\nوالله كلم موسى، وناداه، وناجاه ناداه بصوت مرتفع، وناجاه بصوت خفي، قال تعالى: «وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيّا» فموسى كليم الله، ونجي الله؛ لأن الله ناجاه، وهو تعالى يوصف بالمناداة، والمناجاة، والتكليم.\nوالمخلوق يوصف بالمناداة، والمناجاة، والتكليم، ولكن نقول: ليس التكليم كالتكليم، ولا المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة، كما نقول: إن حياته ﷾ ليست كحياة المخلوقين، ولا علمه كعلمهم، ولا قدرته كقدرتهم، فالقول في الصفات واحد ولا فرق، وهذا أصل معقول صحيح.\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص ٥٨٧، وتاريخ دمشق ٦٢/ ١٦٣، والعلو ٢/ ١٠٩٣.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>[إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة]</span>\nقال رحمه الله تعالى: (والرؤية حقٌّ لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربِّنا: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [القيامة ٢٢ - ٢٣]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى، وعلمه)\nأي رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم ثابتة وواقعة، فيجب الإيمان بأن المؤمنين يرون ربَّهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم.\nوقوله: (بغير إحاطة) أي: يرونه ولا يُحيطون به، فلا يرونه رؤية يدركونه بها من كل وجه، فهو تعالى أعظم من أن يُحيطَ به العباد، فإنهم: «لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا» [طه: ١١٠]، وكذلك لا يُحيطونَ به رؤية، قال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» [الأنعام: ١٠٣] يعني: لا تُحيطُ به الأبصار.\nوقوله: (ولا كيفية) هذا يصح إن أريد به نفي العلم بالكيفية، وإلا فرؤية المؤمن لربه لها كيفية، وله تعالى كيفية، لكن لا نعلمها، فالنفي للكيفية مُتعلِّقٌ بالعلم، فيكون المعنى: بغير إحاطة ولا كيفية معلومة لنا.\nومسألة الرؤية، مسألة عظيمة افترقت فيها الأمة، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانا بأبصارهم، يرونه في عرصات القيامة - يعني: في مواقف القيامة ـ، ويرونه في الجنة، كما يشاء ﷾، يرونه ويسعدون، وينعمون بالنظر إلى ربهم، «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وفي الآية الأخرى: «عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» [المطففين: ٢٣ - ٢٤].","vol":"1","page":112},{"text":"وقد دلَّ على مسألة رؤية المؤمنين لربهم القرآن، والسنة المتواترة عن النبي ﷺ (^١)، وأجمع على ذلك أهل السنة والجماعة؛ فأما القرآن فأصرح دليل في ذلك آية سورة القيامة التي ذكرها المصنف: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ» أي: بهيَّةٌ مشرِقَةٌ حسنةٌ «إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» يعني: تنظر إلى ربها، وهذا الفعل: «نَظَرَ» يأتي على وجوه في اللغة العربية (^٢):\nيأتي متعدِّيا «بنفسه» فيكون بمعنى الانتظار، قال تعالى: «هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ» [الأعراف: ٥٣] أي: هل ينتظرون إلا تأويله.\nويأتي متعدِّيا بـ «في» فيكون معناه: التفكر، قال تعالى: «أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأرض» [الأعراف: ١٨٥] وقال تعالى: «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ» [الروم: ٨].\nويأتي مُعدَّا بـ «إلى» فيُرادُ به نظر العين، قال تعالى: «أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ» [ق: ٦] وقال تعالى: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ» [الغاشية: ١٧].\nومما أُستُدلَّ بها على إثبات الرؤية من القرآن قولُه تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ» [يونس: ٢٦]، وقد بيَّن النبي ﷺ أن الزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم (^٣)، وفي معناها: قوله تعالى: «لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ» [ق: ٣٥] (^٤) كما استدل أهل السنة بقوله تعالى في الكفار: «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» [المطففين: ١٥]، فلو كان المؤمنون لا يرونه؛ لاستووا هم والكفار.\nومما استُدلَّ به من القرآن قوله تعالى: «عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ\n_________\n(^١) انظر: رؤية الله للدارقطني، شرح أصول اعتقاد أهل السنةص ٥٢٠، وحادي الأرواح ٢/ ٦٢٥، ونظم المتناثر من الحديث المتواتر ص ٢٥٠.\n(^٢) حادي الأرواح ٢/ ٦٢٣.\n(^٣) رواه مسلم (١٨١) عن صهيب ﵁، وانظر: حادي الأرواح ٢/ ٦٠٩.\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنةص ٥١٩، وحادي الأرواح ٢/ ٦١٧، وتفسير ابن كثير ٧/ ٤٠٧.","vol":"1","page":113},{"text":"فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» قيل: ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل: ينظرون إلى الكفار وهُم يُعذَّبون، فيغتبطون بنعمة الله عليهم أن نجَّاهم وعافاهم، وقيل: ينظرون إلى ما أعطاهم الله من النعيم، وقيل: ينظرون إلى ربهم، أقاويل في تفسيرها للسلف (^١) كما هي عادتهم يذكرون بعض ما تدلّ عليه الآية، قال ابن القيم ﵀: ولقد هضم معنى الآية من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى: ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون. (^٢)\nوأما السنة فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ في إثبات الرؤية، ومن ذلك قوله ﷺ: حين سألوه: هل نرى ربنا؟ قال: (هل تضارُّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك) (^٣)، وقال ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تُضامُون في رؤيته) (^٤)\nإذًا؛ رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وهي من مطالب المؤمنين، ومما يرجون الفوز به، ولهذا جاء في دعاء النبي ﷺ: (أسألك لذة النظر إلى وجهك) (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ٢٢/ ١٥٠.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٤١.\n(^٣) رواه البخاري (٧٤٣٧ و٧٤٣٨)، ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄.\n(^٤) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.\n(^٥) رواه أحمد ٣٠/ ٢٦٥، والنسائي ٣/ ٦٢، وصححه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٢، وابن حبان (١٩٧١) والحاكم ١/ ٥٢٤ من حديث عمار بن ياسر ﵄، ورواه أحمد ٣٥/ ٥٢٠، وصححه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٤، والحاكم ١/ ٥١٦ من حديث زيد بن ثابت ﵁.","vol":"1","page":114},{"text":"ومع هذه الأدلة قد عَميَ عنها من لبَّسَ عليهم الشيطان، فأضلَّهم عن سواء السبيل من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم فقالوا: إنه تعالى لا يُرى، وهذا ليس غريبا منهم، فالذين ينفون عن الله كل الصفات حقيق بأن يقولوا: إنه تعالى لا يُرى، بل لعل قولهم: إنه لا يُرى هو من لوازم نفيهم لجميع الصفات؛ لأن نفي جميع الصفات يستلزم نفي الذات، والمعدوم لا يُرى، فقولهم بنفي الرؤية مناسبٌ لمذهبهم في التعطيل.\nومن شبهاتهم في ذلك استدلالهم بقوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» [الأنعام: ١٠٣] فقالوا: معناه لا تراه الأبصار.\nوأُجيب (^١) عن هذا بأن قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» نفي للإحاطة، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، وعلى هذا فالآية دالة على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنها دالة على إثبات الرؤية من غير إحاطة.\nوقد قيل في تفسير هذه الآية: لا تُدركه الأبصار في الدنيا، أو لا تُدركه أبصار الكفار (^٢)، وهذان تفسيران مرجوحان:\nأولا: لأن الإدراك أخصُّ من مطلق الرؤية، وليس المنفي الرؤية.\nثانيا: إنه على هذا التفسير لابد من التقييد أو التخصيص، أما على التفسير الأول لا تدركه، فالآية على إطلاقها.\nومن صفات ربنا أنه لا تُدركه الأبصار، وهذه صفة سلبية، وتقدم (^٣) أن النفي الذي من صفات الله تعالى لابد أن يتضمن ثبوتا،\n_________\n(^١) منهاج السنة ٢/ ٣١٧، وبيان تلبيس الجهمية ٤/ ٤٢٠، وعنه في حادي الأرواح ٢/ ٦١٨.\n(^٢) تفسير الطبري ٩/ ٤٦٤ - ٤٦٥.\n(^٣) ص ٣٣ عند قول الطحاوي: ولا يعجزه شيء.","vol":"1","page":115},{"text":"فأما النفي الذي لا يتضمَّنُ ثبوتا؛ لا يدخل في صفاته تعالى، بل كلُّ نفيٍ في صفاته فإنه مُتضمِّنٌ لإثبات، فنفي إدراك الأبصار له يتضمَّنُ إثباتَ كمال عظمته سبحانه، فلِكمالِ عظمته لا تُدركه الأبصار.\nإذًا؛ فهذا نفي مُتضمِّن لإثبات مدح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومعلوم أن كونه الشيء لا يُرى ليس صفة مدح؛ لأن النفي المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمن أمرا ثبوتيا؛ ولأن المعدوم لا يُرى، والمعدوم لا يُمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه» (^١).\nأما الآيات؛ التي فيها إثبات الرؤية فإنهم يُحرِّفونها، فأظهر آية في الدلالة على إثبات الرؤية: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [القيامة: ٢٣] قالوا: ناظرة إلى ثواب ربها، أو يُفسِّرون النظر بالانتظار!\nوتقدم (^٢) إن هذا لا يتفق مع قاعدة اللغة.\nوقد جاء في الحديث: تشبيه رؤية المؤمنين لربهم برؤية الشمس والقمر، فالمشبَّه والمشبَّه به هو الرؤية، فشبَّهَ الرؤية بالرؤية، ولم يُشبِّه المرئي بالمرئي، فلا يُقال: إن الله تعالى كالشمس والقمر، فقوله ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون) يعني: ترون ربكم رؤية كرؤيتكم للشمس والقمر، ووجه الشبه بين الرؤيتين:\nأولا: إنها رؤية بصرية لا علمية، ونفاة الرؤية يفسرون هذه الرؤية بالرؤية العلمية، - أي - يزداد علمهم بالله يوم القيامة، لا أنهم يرونه بأبصارهم.\nثانيا: إنهم يرونه في العلو كما يُرى القمران في العلو.\nثالثا: إنها رؤية من غير إحاطة، فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة من غير إحاطة، كما أن الناس في الدنيا يرون الشمس والقمر من غير إحاطة.\n_________\n(^١) منهاج السنة ٢/ ٣١٩.\n(^٢) ص ١١٣.","vol":"1","page":116},{"text":"فماذا يصنعون بهذا الحديث وغيره؟!\nيزعمون أنها أخبار آحاد، ومن أصولهم الباطلة: أن أخبار الآحاد لا يُحتجُّ بها في مسائل الاعتقاد!\nأو يردونها، طاعنين في بعض رواتها، مع أنهم ليسوا أهلا أن يتكلَّموا في ذلك.\nفقول الجهمية والمعتزلة قولٌ باطل مردود بالكتاب والسنة والإجماع، وإنكار الرؤية كفر؛ لأنه إنكار لأمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، إذ إنه جحد لما دلَّت عليه هذه النصوص المستفيضة من القرآن، ومن الحديث، ولما اتفق عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.\nوأما الأشاعرة: فيقولون: إنه يُرى لا في جهة! فلا يُرى من فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف!\nفأضحكوا عليهم العقلاء، وفتحوا بابًا للمعتزلة فاحتجوا عليهم، وكأنهم ما أثبتوا الرؤية. فقول الأشاعرة فيه تلفيق، وهذه عادتهم، فهم في باب الصفات يثبتون بعضا من الصفات، وينفون كثيرًا منها، وفي الكلام - كما تقدم - (^١) يثبتون الكلام، لكن ليس على الوجه المعقول الذي دلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة.\nوهكذا الرؤية إثباتهم ليس على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، بل ولا على الوجه المعقول.\nوهذا يرجع إلى أن من أصولهم الباطلة نفي علو الله على خلقه، ويقولون: إن الرؤية تحتاج إلى مقابلة.\nنعم فليكن، الله تعالى في العلو والعباد ينظرون إلى ربهم كيف شاء ﷾.\n\nوقال ﵀: (وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعَلِمَه).\n_________\n(^١) ص ١٠٧.","vol":"1","page":117},{"text":"هذه العبارة مضمونها التفويض، يعني: ونحن لا نعلم معاني تلك النصوص، لكن لا يصح أن يُريده المؤلف؛ لأنه أثبت الرؤية، فقال: (بغير إحاطة ولا كيفية) فأثبت رؤية حقيقية، فلا يصح أن يقال: يُريد المؤلف بهذا إنا لا نعلم تفسير ما ورد في هذه النصوص من ذكر الرؤية؛ بل تفسيرها على ما أراد الله!\nفإنَّ مراد الله من ذلك أنهم ينظرون إلى ربهم، كما دلت على ذلك السنة الصحيحة الصريحة، فما أراد الله من معانيها معلوم لنا، وما أراد الله من حقائق ذلك وكيفياته هو الذي لا نعلمه، فنحن نعلم مراد الله بقوله: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» [النساء: ٥٨] أنه ذو سمع وبصر، هذا مرادٌ معلوم لنا، والله أراد منا أن نعلمه، فعلَّمنا إياه وعرَّفنا به، وهكذا نقول في الرؤية.\nوكذلك قول الرسول ﷺ: (إنكم سترون ربكم) (^١) مراده أن نعلم أننا نرى ربنا يوم القيامة.\nوالذي يظهر لي من مراد المؤلف بالتفسير: معرفة الحقيقة والكيفية؛ فذلك الذي لا نعلمه، كما سيأتي (^٢) في الكلام على التأويل، فكأنه قال: وكيفية ذلك على ما أراد الله وعَلِمَه.\n_________\n(^١) ص ١١٤.\n(^٢) ص ١٣٦.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>[وجوب التصديق بخبر الرسول ﷺ وحمله على مراده]</span>\nوقوله ﵀: (وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ، فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك مُتأوِّلين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا؛ فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه)\nيعني: ما جاء عن الله تعالى في كتابه هو على ما أراده وعَلِمَه، وما جاء عن النبي ﷺ وصحَّ من سنته؛ فهو كما قال، فقد قال ﷺ: (إنكم سترون ربكم) فسنرى ربنا كما قال، وهذا معناه التصديق، فما جاء عن النبي ﷺ من الحديث الصحيح فهو حقٌّ كما أخبر، هذا معنى (كما قال) فنحن نؤمن به مصدقين لخبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ، وهذا بيان لوجوب الإيمان بما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله ﷺ في هذه المسألة وغيرها.\nوقوله: (ومعناه على ما أراد) الكلام في هذا كالكلام فيما قبله، فقوله ﷺ: (إنكم سترون ربكم) ماذا أراد ﷺ؟ أراد الرؤية البصرية، ونعلم أنه أراد ذلك يقينا، وليس المقصودُ التفويضَ، فنقول: الله أعلم بمراده ومراد رسوله؛ بل نقول: نعم هو كما قال، ومعناه على ما أراد، ونحن نعلم المعنى الذي أراده من قوله ﷺ: (إنكم سترون ربكم)؛ لأنه يُخاطبنا بكلام واضح مبين مفسَّر لا إجمال فيه ولا إبهام، فلا يجوز أن يكون المراد ستعلمون ربكم؛ لأن العباد يعلمون ربهم وهم في الدنيا قبل أن يموتوا: «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا» [طه: ١١٠] يعرفون ربهم أنه خالقهم، وخالق كل شيء، وأنه الله الذي لا إله غيره، فلا يجوز أن يُراد","vol":"1","page":119},{"text":"بقوله ﷺ: (سترون ربكم) يعني: تعلمون، وتكون الرؤية علمية؛ فإنه ﷺ قال: (كما ترون الشمس .. كما ترون القمر ..) هذا كلام واضح قاطع مبطل لكل التحريفات.\nوهذه الكلمات توهم التفويض، لكن لا يصح أن نقول: إن المصنف يُفوِّض في هذه النصوص؛ لأن التفويض لا يجري إلا على مذهب من ينفي حقيقة الرؤية، والمصنف بريء من هذا، فإنه يثبت الرؤية.\nوقوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا)\nالتأول بمعنى التأويل، فلا ندخل في ذلك متأولين لتلك النصوص برأينا المحض فنؤولها على خلاف ظاهرها.\nقال الإمام ابن تيمية: «إن التأويل صار مستعملا في ثلاثة معان:\nالأول: التأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمال مرجوح لدليل يقترن به.\nالثاني: التأويل بمعنى: التفسير وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين.\nالثالث: التأويل بمعنى: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام». (^١)\nوالمأثور من هذه المعاني هو الثاني والثالث، وأما الأول فهو اصطلاح حادث، وهو نوعٌ من التفسير، لكن الأصل إن الكلام يُحمل على ظاهره، ولا يجوز صرفه عن ظاهره إلا بدليل يجب المصير إليه، فهذه النصوص لا يجوز صرفها عن ظاهرها، بل يجب إجراؤها على ظاهرها، كالقول في سائر نصوص الصفات، وظاهرها هو إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة عيانا بأبصارهم، ولا يجوز صرفها عن هذا الظاهر؛ لأنه ليس هناك حجةٌ صحيحة توجب صرف هذه النصوص عن ظاهرها.\n_________\n(^١) التدمرية ص ٢٦٢ باختصار.","vol":"1","page":120},{"text":"وإذا قال الأصوليون: هذا مُأوَّل، أو مُتأوَّل؛ معناه: أنه مصروف عن ظاهره إلى غيره، لكن تارة يكون بحجة صحيحة، فيكون هذا التأويل صحيحا، وتارة يكون ذلك التأويل بغير حجةٍ صحيحة، كتأويل المبتدعة للنصوص المخالفة لأصولهم، فكل تأويلات المبتدعة للنصوص المخالفة لأصولهم من نوع التأويل الباطل، والاسم المطابق لتأويلهم، هو التحريف؛ فإن صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمالٍ مرجوح، أو صرفه عن ظاهره إلى غيره بغير دليل يوجب ذلك، هو من تحريف الكلم عن مواضعه.\n\nقوله: (ولا متوهمين بأهوائنا)\nولا نتوهم فيها خلاف ظاهرها بدافع الهوى؛ فإن من التأويل ما لا دليل عليه غير وهم باعثه الهوى؛ فإن الإنسان إذا كان له هوى في شيء يكون في عقله تصورات واعتقادات تنبعث من هواه، وهذا هو الذي يرمي إليه المؤلف بقوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا) فنحرف النصوص ونصرفها عن ظاهرها بموجب آراء وشبهات، بل يجب أن نُجري النصوص على ظاهرها، ونفهمها على موجب ما دل عليه اللسان العربي، وعلى موجب فهم السلف الصالح؛ فإن أي فهم لآية أو حديث يتناقض مع فهم الصحابة، أو فهم السلف الصالح؛ فهو باطل.\n\nوقوله: (فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، ورد عِلْمَ ما اشتبه عليه إلى عالمه)\nهذا تعليل لقوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا)، بل نؤمن به على مراد الله، ومراد رسوله ﷺ، فإن الواجب علينا الإيمان بهذه النصوص، والتسليم لما أخبر الله به، فما علمنا منه آمنا به على ما فهمنا منه، وما لم نعلمه نكل علمه إلى عالمه، هذا هو الواجب على المؤمن إذا ورد عليه آية من كتاب الله، أو حديث صحيح عن رسوله ﷺ يجب عليه أن يؤمن به فورا ولا يتوقف، فهم معناه أو لم يفهمه، يجب أن يقابل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ بالإيمان والإذعان.","vol":"1","page":121},{"text":"فإنه ما سلم عبدٌ في دينه؛ إلا إذا انقاد لله بالتصديق وإخلاص العبادة، وانقاد للرسول ﷺ بالتصديق والمتابعة، ومن عارض النصوص بعقله فليس عابدا لله تعالى، ولا متبعا لرسوله ﷺ، بل متبع لهواه، قال الله تعالى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ» [النجم: ٢٣] وكل أهل الباطل ينطلقون من هذين الأصلين: الظن، أو الهوى.\nفمذاهبهم مبنية على الظنون، والخَرص، وليست مبنية على حجج وبينات، بل على شبهات واهيات، وعلى الهوى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ»، «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» [الأنعام: ١١٦]، «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ» [القصص: ٥٠] فإنهم قد يكونون على علم بالحق، لكن يمنعهم من اتباعه الهوى، وقد يضلون عن الحق بسبب ظنونهم، وآرائهم، وشبهاتهم، وفي كثير من الأحيان يجتمع الأمران: فيكون الباعثُ على ذلك الباطلِ الشبهةُ والهوى؛ فالذين يُحكِّمون عقولهم - مثلا - في باب الصفات؛ كالجهمية والمعتزلة أصلهم هو تحكيم العقل الفاسد؛ لأن العقل الصحيح لا يُناقض النقل الصحيح أبدًا، لكنهم حكَّموا عقولهم الفاسدة، ولو حكَّموا العقل الصريح لكان موافقا لما جاءت به الرسل، «فإن الرسل لا يأتون بما تُحيلُهُ العقول أبدًا، لكن قد يُخبرون بما لا تدركه العقول، أو بما تحار فيه العقول، ولا يأتون بما تقطع العقول السليمة ببطلانه» (^١).\nفما تأتي به الرسل إما أن يكون العقل شاهدا ومصدقا على صدقه وحسنه، أو يكون العقل واقفا جاهلا، والجاهل عليه أن ينقاد ويُسلِّم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٣١٢ و١٧/ ٤٤٤، والفرقان ١١/ ٢٤٣، ودرء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٩٧ و٧/ ٣٢٧، والصواعق المرسلة ٣/ ٨٢٩.","vol":"1","page":122},{"text":"فأخبار الرسل دائرة بين الأمرين، أما شيء يُحيله العقل فلا والله لا تأتي به الرسل؛ لأن العقل الصريح والقضايا العقلية القطعية لا تتناقض، والحق لا يتناقض، وهذه القضية الكبيرة أعني: الوفاق بين العقل والنقل، ألَّف فيها الإمام العلم شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم: (العقل والنقل) أو (درء تعارض العقل والنقل) الذي قال فيه ابن القيم:\nوَاقرَأ كِتَابَ العَقلِ وَالنَّقلِ الذِي … مَا فِي الوُجُودِ لَهُ نَظِيرٌ ثَانِ (^١)\nيعني في بابه.\n_________\n(^١) الكافية الشافية ص ١٩٧.","vol":"1","page":123},{"text":"وقوله: (فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ ورد عِلم ما اشتبه عليه إلى عالمه).\nهذا فيه تقرير وجوب التسليم لله، والانقياد لحكمه، وحكم الله نوعان:\nحكم كوني.\nوحكم شرعي.\nويجب على العبد الرضا عن الله في تدبيره وحكمه الكوني وحكمه الشرعي، فلا يعارض حكم الله برأي ولا ذوق ولا استحسان، هذا بالنسبة للحكم والقضاء الكوني.\nوأما الأمور المكونة والمقضية فهذه يجب أن يعمل فيها من حيث الاستسلام والدفع والطلب بموجب الشرع، فيحكم شرع الله، فما أمره الله بفعله فعله، وما أمره بتركه تركه، فيحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويأتي ما أمره الله به، ويذر ما نهاه الله تعالى عنه، ويصبر على ما أوجب الله عليه فيه الصبر، ويدفع ما أوجب الله عليه دفعه من المكروهات.\nوهذه الأعمال من طلب أو دفع للمقدرات تجري فيها الأحكام التكليفية: الواجب والمحرم والمكروه والمستحب والمباح.\nفلا بد من التسليم لحكم الله؛ بالرضا بحكمه وتدبيره، وأنه حكيم عليم، وذلك بعدم الاعتراض عليه في قضائه الكوني وقضائه الشرعي.","vol":"1","page":124},{"text":"وجهلة الصوفية وغلاتهم يرون أن من التسليم للقدر الاستسلام لكل ما يجري على الإنسان، بحيث لا يطلب خلاف ما يجري عليه، ولا يدفع شيئا من المكروه، حتى يقول قائلهم: إن العارف لا حظ له! أو إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل!\nقال الإمام ابن تيمية: «فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه». (^١) وهذا كلام باطل، ولا يمكن تحقيقه في الواقع أبدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-57>[وجوب التسليم لحكم الله تعالى ورسوله ﷺ، وتقديمه على الآراء]</span>\nوقوله: (ما سلِم في دينه إلا من سلَّم لله ﷿ ولرسوله ﷺ) كأنه يظهر من سياق الكلام أنه يريد التسليم لشرع الله في المسائل العلمية الاعتقادية، وفي المسائل العملية؛ فإن الدين يتضمن قسمين:\nاعتقادات، وأعمال، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ» [التوبة: ٣٣] الهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًَا» [الأنعام: ١١٤]، «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» [الأنعام: ٥٧]، قال تعالى: «وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًَا» [الكهف: ٢٦]، قال تعالى في تحكيم الرسول: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًَا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًَا» [النساء: ٦٥] لا بد من التسليم لحكم رسول الله ﷺ، وقبوله بانشراح صدر، وطيب نفس، لا يتحقق الإيمان كاملا إلا بهذه الشروط: «حَتَّى يُحَكِّمُوكَ» وذلك بالإيمان به، وأن ما جاء به حق من عند الله، وأن ما حكم به في كل مسائل الدين هو الحق والعدل والصواب، فإنه ﷺ إنما يحكم بشرع الله وحكمه، «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ» [النساء: ٨٠]، «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» [الحشر: ٧]، «ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًَا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًَا» [النساء: ٦٥].\n_________\n(^١) التدمرية ص ٥١٨.","vol":"1","page":125},{"text":"وقد خرج عن هذا السبيل المبتدعة على اختلاف بدعهم، فلم يقنعوا بما جاء به الرسول ﷺ، فالمعطلة يرون أن كل ما في القرآن والسنة من صفات الرب ﷾؛ ليس المراد منها ظاهرها، وأهل التفويض يرون أنها لا معنى لها، وهذا خروج عن تحكيم الرسول ﷺ، وعن الرضا بحكمه، والتسليم له، فعندهم أن الحق في معرفة الله، وفيما يجوز عليه وما لا يجوز عليه؛ هو ما عرفوه بعقولهم، ومضمون هذا الكلام أن الرسول ﷺ لم يبين للناس ما يجب أن يعتقدوه في ربهم، فترك هذا العلم العظيم الذي هو أهم العلوم وأجل المطالب بلا بيان.\nوقد فند شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة العقيدة الحموية (^١) هذا التصور الساقط الباطل، وذكر وجوها من دلالات العقل على بطلان هذا القول، فكيف يبين الرسول ﷺ كل صغير وكبير للناس حتى آداب قضاء الحاجة، ثم لا يبين ما يجب على العباد أن يعتقدوه في ربهم؟! هذا من أبطل الباطل.\nومن الوجوه التي ذكر: «إن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في أصل الدين» (^٢)؛ لأنهم يقولون: إن نصوص الأسماء والصفات ظاهرها التشبيه، ثم يلجئون للتخلص من ذلك إما بالتفويض فيقولون: هذه نصوص الله أعلم بمراده منها، فنحن لا نفهمها وليس علينا أن نتدبرها، بل علينا أن نتلوها ألفاظا، والأكثرون منهم يسلكون طريق التأويل، وهو\n_________\n(^١) ص ١٩٥.\n(^٢) ص ٢٣٥.","vol":"1","page":126},{"text":"تفسير النصوص بمعان بعيدة مخالفة لظاهرها، ولما دلت عليه سائر النصوص الأخرى الموضحة لها، فكل الآيات والأحاديث الواردة - مثلا - في اليدين مؤولة عندهم بخلاف ظاهرها، فيجعلون ذلك كله من قبيل المجاز والتخييل، وهذا كله ضد التسليم للرسول ﷺ، فحكموا عقولهم، ولم يحكموا النبي ﷺ، فضلوا ضلالا بعيدا، وهذا ما يتضمنه قول المؤلف: (فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، ورد ما اشتبه عليه علمه إلى عالمه) وهذا هو الواجب، فما خفي على الإنسان فهمه وأشكل عليه؛ فعليه أن يقول: الله أعلم، والله تعالى يعلم نبيه ﷺ ويعلمنا بقوله: «قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ» [الكهف: ٢٢]، «قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا» [الكهف: ٢٦]، «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» [الإسراء: ٣٦] فالواجب على المكلف فيما لم يعلم أن يفوض علم ذلك إلى الله.\nوقوله: (ورد ما اشتبه عليه علمه إلى عالمه) فهناك أمور استأثر الله بعلمها، كحقائق ما أخبر الله سبحانه عن نفسه من أسمائه وصفاته، وحقائق اليوم الآخر، فهذا كله مما يخفى على العباد ولا يمكنهم معرفته؛ فالواجب في هذا هو التفويض، ورد علم ذلك إلى الله.\nأما معاني النصوص؛ فالأصل أنها كلها يمكن فهمها، فما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عن اليوم الآخر هذه لا بد أن تكون معلومة لنا من جهة معانيها، لكن قد يخفى بعضها على بعض الناس في بعض الأحوال، فهنا قبل أن يعرف المراد، يرد ما اشتبه عليه؛ فيقول: الله أعلم به، ثم هذا لا يمنع التدبر والبحث لمعرفة المراد، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في القاعدة الخامسة من الرسالة التدمرية (^١) «إنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه»\nوقوله: (ورد ما اشتبه عليه علمه إلى عالمه) هذا أدب رفيع، وهو مقتضى علم العبد بربه وعلمه بنفسه، فلا يتجاوز حده فيدعي علم ما\n_________\n(^١) ص ٢٥١.","vol":"1","page":127},{"text":"لا علم له به، ولا يتكلف في البحث عما لا سبيل إلى معرفته، فما علمه قال به واعتقده وآمن به، وما خفي عليه رد علمه إلى عالمه.\n\nوقوله ﵀: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة وصحيح الإيمان)\nهذا تعبير فيه شيء من التشبيه والاستعارة على طريقة أهل البيان، فقوله: (لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم) فيصور المؤلفُ الإسلامَ كأن له قدم يقوم عليها، والتسليمَ بأنه مركب ثابت إذا اعتمد الإنسان عليه استقر وأمن من السقوط والاضطراب.\nفلا يستقر إسلام العبد، وتحصل له الطمأنينة إلا إذا ثبتت تلك القدم على ظهر التسليم.\nوالاستسلام، والتسليم معناهما متقارب، قال تعالى: «وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ» [لقمان: ٢٢]\nالإسلام: الاستسلام والانقياد، وهذا يقتضي عدم المنازعة؛ لأن من ينازع لم يسلم، وهذا الكلام يؤكد قولَه السابق: (فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ).\nوالتسليم أصل مهم، فإذا أصَّلت أصل الدين: الإيمان بالله ورسوله وكتابه، والإيمان بالله يتضمن أنه تعالى هو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، وأنه تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه ﷾ موصوف بالكمال منزه عن النقص، فلا ظلم ولا عبث في خلقه وشرعه وقدره؛ بل هو تعالى حكيم في ذلك كله، إذا حققت هذا؛ فكل ما يرد عليك عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ فلا بد أن يقوم على التسليم؛ لأن المعارضة والمنازعة ما تجيء إلا من ضعف الإيمان بعدل الرب، ومن ضعف الإيمان بحكمة الرب.\nوكل ما يعارض الحق فهو باطل؛ لكن تارة تكون المعارضة وقحة صريحة، كما يفعل الكفرة أو الذين قد تزلزل إيمانهم، أو كاد أن يزول،","vol":"1","page":128},{"text":"فهؤلاء يتكلمون بالمعارضات في شرع الله وقدره، وأحيانًا لا يتكلم بها لكن تكون في النفس.\nوالمسلم يجب عليه أن يدفع كل المعارضات التي تخطر بباله، أو يسمعها على ألسن الشياطين، أو ألسن الجاهلين، يدفع ذلك بالإيمان بأن الله تعالى حكم عدل، حكيم عليم.\nوهذا لا يقتضي أن الشرع مخالف للعقل؛ بل العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح؛ لكن العقل مع النقل له طاقة وله حدود، فلا يمكن لعقل الإنسان أن يدرك ويحيط بكل شيء؛ بل له حدود يقف عندها؛ لأن الإنسان ناقص، فلا يمكن أن كل سؤال تجيب عليه، أو يجاب عليه، فلا بد من أن تقول: الله أعلم، الله حكيم عليم.\nفإذا سلم الإنسان استراح كثيرا وأراح، وما يرد عليك من المعارضات:\nإما أن تدفعه بالبينات والحجج الكاشفة لزيف تلك الشبهات الواردة.\nوإن لم يتهيأ ذلك لقلة العلم فادفعه بهذا الأصل وقل: آمنت بالله ورسوله، فإن الشيطان يلقي الوساوس في النفوس.\nوالرسول ﷺ ما ترك شيئا يقرب أمته إلى الجنة، ويبعدهم من النار إلا دلهم عليه، ولا ترك أمرا يحتاجون إليه في دينهم إلا بينه، وقد قال ﷺ: (يأتي الشيطانُ أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته). (^١)\nوفي لفظ آخر: (فليقل: آمنت بالله ورسله) (^٢)\nفهل بعد هذا الوسواس وسواس؟!\nفإن ورد عليك ادفعه بسرعة بالعلاج النبوي:\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) عند مسلم في الموضع السابق.","vol":"1","page":129},{"text":"فقاطع الوسواس، ولا تسترسل معه، واترك التفكير، وقل: أعوذ بالله من الشيطان، آمنت بالله ورسله؛ فأنك إذا تفكرت فيه زاد وطمع الشيطان فيك؛ لأنه وجد عندك قابلية للوسواس.\nوانظر إلى إيمان الصحابي الذي وجد مثل هذا، فجاء مذعورا يتذمر، ويقول: (يا رسول الله، إني أحدث نفسي بالشيء ما لو أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به. فقال النبي ﷺ: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة﴾ (^١)\nوقال في لفظ آخر: ﴿ذاك صريح الإيمان﴾ (^٢)\nوالمراد كراهة هذا الوسواس، وبغضه والخوف منه، وهذا نابع من الإيمان، فبقدر إيمان العبد وقوته يكون موقفه من تلك الأفكار والوساوس.\nوهذا كله يرجع إلى التسليم فأي شبهة، أو فكر، أو خاطر، أو قول يعارض الحق فهو باطل، وهذا المبدأ عصمة للمسلم من كثير من الشرور والشبهات والضلالات.\nفالتسليم لله ولرسوله ﷺ، معتصم للمسلم أمام كل باطل وكل مجادل، فلا يعط لعقله الحرية التي تسمى حرية العقل، وليست حرية للعقل؛ بل عبودية للشيطان، وخروج عن عبودية الله، فليكن هذا الأصل على بالك، فكل ما يخالف الحق الذي جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ؛ فهو باطل من الوهلة الأولى، وليس بلازم أن يكون الإنسان عنده القدرة على تزييف تلك الشبهة، المهم أن الحق عنده ثابت، فما يُدعى أن هذا يعارضه فهو مردود مدفوع، فاعتصم بالحق واثبت عليه واطرح كل ما خالفه.\n_________\n(^١) رواه أحمد ١/ ٢٣٥ - واللفظ له ـ، وأبو داود (٥١١٢)، وصححه ابن حبان (١٤٧) من حديث ابن عباس ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (١٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":130},{"text":"وأحببت أن أؤكد على هذا فإنه ينفع المسلم ويريح باله عند ورود الشبهات على قلبه، (^١) فقد انفتح على الناس أبواب شر في هذا العصر ممثلة في وسائل الإعلام، وفي الشبكة العنكبوتية، فهي وسائل عظيمة الأثر في الخير والشر؛ ولكن أكثر ما تستعمل في الشر؛ لأن أكثر الناس على غير هدى، فكن على حذر مما يطرح في هذه الوسائل، فقد أصبح الناس في فتنة مدلهمة، فكل يستطيع أن يتكلم بما يريد، الملحد والمبتدع والذي ينتسب للسنة فإن من المنتسبين للسنة من تسربت إليه أفكار وتوجهات فيحملها ويحمل لواءها، فيصير - والعياذ بالله - داعي فتنة، سواء مما يتعلق بالاعتقادات أو بالسلوكيات.\nوقوله ﵀: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان).\nهذا بيان لأثر عدم التسليم، (من رام) يعني: طلب (ما حظر عنه علمه) يعني: حجب عنه ومنع من علمه، (ولم يقنع بالتسليم) فهو كثير الاعتراض والسؤال، فيقول: - مثلا - لم خلق الله الحشرات؟ لم خلق الله هذه المؤذيات؟ لم خلق الله الناس هذا دميم، وهذا قصير؟ لم أضل من أضل من الخلق؟ لم أغنى هذا وأفقر هذا؟ في تساؤلات عن حِكِم الله في تقديراته، ففي نفسه اعتراضات!\nومن الأشياء التي تجري على بعض الألسن - وهي نابعة من عدم التسليم ـ: (فلان والله ما يستحق أنه يبتلى بهذه الأمراض والأوجاع والمصائب أو يبتلى بالفقر) هذا اعتراض على تدبير أحكم الحاكمين.\nوقوله: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم) فيريد أن يفهم كل شيء، وهذا لا يمكن؛ لأن عقل الإنسان له حد، فلا يمكن أن يعرف أسرار الوجود، وتفاصيل حِكِم الله في أقداره، وإن لم يسلم لله؛\n_________\n(^١) الإيمان الكبير ٧/ ٢٨٢، ومفتاح دار السعادة ١/ ١٤٠.","vol":"1","page":131},{"text":"(حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان) هذه هي النتيجة، (حجبه مرامه) أي: منعه طلبه وتكلفه، معرفة ما هو محجوب عنه، عن خالص التوحيد وصحيح الإيمان، فالتكلف وطلب ما لا سبيل إلى معرفته ينافي تحقيق التوحيد، فتحقيق التوحيد يقتضي التسليم؛ لأن التسليم والاستسلام لله هو موجب التوحيد والإيمان الصحيح والمعرفة الحقة، قال تعالى: «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًَا» [الإسراء: ٣٦]، «وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ» [البقرة: ١٦٩] ومما يأمر به الشيطانُ أن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>[سوء عاقبة من لم يسلم لخبر الله تعالى ورسوله ﷺ </span>-]\nوقوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسا تائها، شاكا زائغا).\nمن (لم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه …) فيبقى متذبذبا مترددا كحال المنافق «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ» [النساء: ١٤٣] بين المؤمنين والكفار «لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ» [النساء: ١٤٣] فبسبب عدم التسليم والانقياد لما جاء به الرسول ﷺ يبقى مترددا.\nوقوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان) إما أنه يقع في الكفر الأعظم فِعلا فيصير مرتدا ثم يرجع، وهذا يحصل تارة ظاهرا، كما قال الله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًَا» [النساء: ١٣٧].\nويحصل تارة داخل القلب فقط، فلا يتبين أمره، وقد يرجع إلى الإيمان، وقد لا يرجع - والعياذ بالله ـ، وقد يتردد ويكون عنده حالة من الحرج والضيق فيما جاء وحكم به الرسول ﷺ، ولهذا قال سبحانه: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًَا مِمَّا قَضَيْتَ» [النساء: ٦٥].\n\nوقوله: (والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار) هذه الكلمات متقاربة، فالكفر يكون بالتكذيب والإنكار، والإيمان يكون بالتصديق والإقرار، فهذا تنويع في التعبير، وإن كانت الألفاظ مختلفة المعاني لكنها متلازمة.","vol":"1","page":133},{"text":"وقوله: (موسوسا تائها)\nفيبقى متذبذبا بين هذه الأضداد (موسوسا تائها) فالوساوس التي يلقيها الوسواس الخناس تجعله في حيرة، فما يخطر بالبال من شبهات وأفكار تعارض الحق كلها من إلقاء الشيطان، فهو مسلط على الإنسان، والإنسان مبتلى بالشيطان، هو عدو خفي، والله ﷾ أقدره على أن يوسوس للإنسان، والقلب بين حالتين:\nبين لَمَّةِ الملك، ولَمَّةِ الشيطان؛ فلمة الملك لقلب المؤمن المسلم، أما الكافر فقد أحاط الشيطان به، وليس للملك فيه لمة، «فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق»، (^١) فالشيطان يوسوس، فيبقى هذا المتكلف الذي لم يوفق للتسليم متذبذبا موسوسا، فقلبه في هذه الوساوس فتجعله في تردد، كما قال سبحانه في المنافقين: «فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ» [التوبة: ٤٥] فهو يتقلب، فتارة يكون مؤمنا، وتارة كافرا، وتارة حائرا.\nوقوله: (شاكا زائغا) أي: مترددا تائها، زائغا منحرفا، قال تعالى: «فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ» [الصف: ٥] «وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» [التوبة: ١٢٧] فهذه آثار عدم التسليم، وعكس ذلك من كان مُسَلِّما لله ﷿، ولرسوله ﷺ قد قام دينه على التسليم، فأصبح ثابت القلب ليس عنده تردد ولا تذبذب ولا حيرة ولا قلق، بل هو يسير على صراط واضح مستقيم، يمشي بنور من الله، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٩٨٨)، والبزار (٢٠٢٧)، والنسائي في الكبرى (١١٠٥١)، وابن حبان (٩٩٧) من حديث ابن مسعود ﵁، ورجح الأئمة وقفه، انظر: علل الترمذي الكبير (٦٥٤)، والعلل لابن أبي حاتم (٢٢٢٤)، ومصادر التخريج.","vol":"1","page":134},{"text":"آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًَا تَمْشُونَ بِهِ» [الحديد: ٢٨] فالمؤمن الصحيح التوحيد يمشي في هذه الحياة بنور الحق، فيعرف مواقع أقدامه، والطريق الذي يسير عليه «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًَا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» [الأنعام: ١٥٣] لكن هذا المتذبذب لا يدري أين طريق النجاة، فهو متذبذب متردد بين التصديق والتكذيب والإقرار والإنكار فهو في حيرة دائمة؛ لأن الشك والحيرة عذاب، أما المؤمن فقلبه في نعيم، وكلامنا هذا في إنسان ينتمي للإسلام، أما الكافر فهو غارق في بحر الضلال والكفر، فليس عنده تفكير، وتردد بين حق وباطل وإقرار وإنكار وإيمان وكفر؛ بل عنده كفر خالص وإنكار دائم تام؛ لكن هذا الذي ينتمي للدين، ويدعي الإيمان، ولكنه لم يكن مستقيما مسلما مستسلما، فهذا الذي يحصل له ما يحصل من الاضطراب والقلق، فإما أن يعصمه الله ويثبته ويوفقه؛ فيثبت على الإيمان وينجو من هذه الوساوس والشكوك، وإما أن يقوى في قلبه سلطان الباطل؛ فيصير إلى الكفر دائما ولا يكون عنده تردد.\nوقوله: (لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا، ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية - وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية - بترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين).\nهذا كأنه كلام معترض من قوله: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فإنه ما سلم في دينه …) واسترسل في هذه الكلمات في التأكيد والحث على التسليم والاستسلام والتحذير من ضد ذلك، وبيان الآثار المترتبة على عدم التسليم والاستسلام، فكل هذا الكلام معترض في ثنايا كلامه في تقرير رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وبَيَّن أن من أثبت الرؤية على خلاف ظاهر النصوص، أو تخيل كيفيتها بوهم، أو تأولها بفهم، كما صنع المعطلة نفاة الرؤية، فلا يصح إيمانه برؤية المؤمنين لربهم.","vol":"1","page":135},{"text":"وقوله: (إذ كان تأويل الرؤية - وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية - بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين).\nفالصراط المستقيم والمنهج القويم: بترك التأويل الذي معناه: صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره، أو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى احتمال مرجوح.\nفتأويل الرؤية يعني: تفسيرها، وتفسير كل معنى يضاف إلى الرب من صفاته ﷾ بترك التفسير، ومثل هذه العبارة توهم - أيضا - التفويض، كقول السلف: «أمروها كما جاءت بلا كيف»، فتفسيرها بترك تفسيرها، وهذا لا يقصده السلف، فإنه قد علم أن أهل السنة يثبتون حقيقة الرؤية، وأنها رؤية بصرية، ويصرحون بذلك، ويثبتون لله الصفات بالمعاني المعقولة المفهومة من النصوص، فإذا جاءت مثل هذه العبارات فلا بد أن نفهمها على وجهها الصحيح، أمروها كما جاءت: أجروها على ظاهرها، مثبتين لما دلت على ثبوته، بلا بحث عن الكيفية، ولا تحديد لِكُنْهِ تلك الصفات، وليس المقصود: أمروها ألفاظا من غير فهم للمعنى! هذا باطل؛ لأن معناه أننا ما أثبتنا شيئا.\nفتفسيرها أن نجريها على ظاهرها بترك صرفها عن ظاهرها، بترك التأويل في اصطلاح المتأخرين، ونجد في كلام بعض الأئمة مثل نحو هذه الكلمة: الواجب في هذه النصوص عدم تأويلها، أو إجراؤها على ظاهرها بترك التأويل.\nوتركُ التأويل ليس تركَ التفسير مطلقا، فيكون كلاما لا يفهم معناه؛ لأن الكلام الذي لا يفهم معناه لا فائدة منه، تعالى الله عما يقول الجاهلون والظالمون علوا كبيرا.\nالمقصود: أن عبارة الطحاوي من جنس عبارات بعض السلف التي توهم أنه يقرر التفويض وليس كذلك، إذ كيف يقول: (الرؤية حق لأهل الجنة) إذا كانت الرؤية لا تفسر ولا تفهم، فلا معنى لقوله: (حق).\nفمن يقول: إن الله خاطب عباده بما لا يفهم منه شيء لا يجوز أن","vol":"1","page":136},{"text":"يتكلم في النصوص بأنها تدل على كذا، أو لا تدل على كذا، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر القاعدة الخامسة من الرسالة التدمرية، يقول: (وهؤلاء) يعني: أهل التفويض (قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء، وهذا مع أنه باطل فهو متناقض) إلى آخره. (^١)\n_________\n(^١) التدمرية ص ٣٢٩.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>[مذهب أهل السنة في إثبات الصفات وسط بين المعطلة والمشبهة]</span>\nوقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) الناس في باب الأسماء والصفات ثلاث طوائف:\nالطائفة الأولى: المعطلة نفاة الأسماء والصفات: الجهمية ورأسهم الجهم بن صفوان ومن تبعه، والمعتزلة ومن وافقهم.\nوالطائفة الثانية: المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه.\nفهما طائفتان متقابلتان على طرفي نقيض، المعطلة يزعمون أنهم بنفيهم للصفات يقصدون تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فأظهروا الباطل بصورة من الحق، فأفرطوا في التنزيه، وتجاوزوا الحدود حتى وقعوا في الإلحاد والضلال البعيد.\nوالمشبهة أثبتوا لله الصفات لكنهم شبهوه بخلقه، يقول قائلهم: له سمع كسمعنا وبصر كبصرنا، فأفرطوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه.\nوكلتا الطائفتين زائغتان عن الصراط المستقيم.\nوالطائفة الثالثة: أهل الصراط المستقيم - أهل السنة والجماعة - الذين آمنوا بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله ﷺ، فهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فمذهبهم بريء من التحريف والتعطيل، والتكييف والتمثيل، ولهذا قال نعيم بن حماد ﵀ ذلك الأثر الجليل: (من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر،","vol":"1","page":138},{"text":"وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه) (^١) ليس إثبات الصفات من التشبيه في شيء؛ بل إثبات الصفات هو التوحيد.\nوقوله: (ومن لم يتوق) يجتنب ويحذر (من النفي) نفي الأسماء والصفات، وهو التعطيل، (والتشبيه) من لم يجتنب ويحذر هذين المذهبين الباطلين (زل) زلت قدمه عن الصراط المستقيم (ولم يصب التنزيه) يعني: المعطلة زعموا أنهم ينزهون الله، وما نزهوا الله؛ بل تنقصوه تعالى أعظم تنقص، والمشبهة الذين قالوا: إن الله له سمع كسمعنا، هؤلاء وإن كان مذهبهم باطلا؛ فإنهم خير من المعطلة النفاة، ولهذا قال بعض أهل العلم: (إن المعطل يعبد عدما، والمشبه يعبد صنما) (^٢)؛ لأن نفي الأسماء والصفات يستلزم نفي الذات، فكلهم مبطلون؛ لكن الذي يعبد موجودا أعقل من الذي يعبد معدوما.\n\nوقوله: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية).\nالمصنف ﵀ يتحرى السجع؛ لأنه يروق للسامع، فهو من جنس الشعر (فإن ربنا موصوف بصفات الوحدانية) هذه الكلمات فيها تنويع في التعبير، وتحسينات لفظية مترادفة تقريبا، والوحدانية نسبة للواحد بزيادة (نون).\nوقوله: (منعوت بنعوت الفردانية) نسبة للفرد، (ليس في معناه أحد من البرية) ليس له مِثلٌ من خلقه، فالجمل الثلاث مدلولها واحد، وتتضمن أمرين:\nإثبات أنه الواحد.\n_________\n(^١) تقدم في ص ١١٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٦١.","vol":"1","page":139},{"text":"ونفي الشريك والمثيل عنه ﷾؛ فهو الواحد الذي لا نظير له «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًَا أَحَدٌ» [الإخلاص: ٤].\nواسم (الواحد) ثابت في القرآن ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥] وهو الأحد «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [الإخلاص: ١].","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>[الواجب في الألفاظ المحدثة في صفاته تعالى]</span>\nوقوله: (وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات).\nكلمة (تعالى) تفيد التنزيه، وجاءت في القرآن في مواضع: «﷾» [الأنعام: ١٠٠]، «تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]، وهي من جنس «سُبْحَانَهُ» و«تَبَارَكَ» [الأعراف: ٥٤] فكلها ألفاظ تفيد التنزيه.\n(تعالى) تنزه وتقدس، وهذه الألفاظ التي استعملها الإمام الطحاوي - عفا الله عنا وعنه - لم ترد في كتاب ولا سنة، فليس في شيء من النصوص هذا النوع من النفي، فليته لم يأت بهذه العبارات التي هي من جنس عبارات أهل البدع؛ فإنهم يأتون بألفاظ محدثة ومجملة، والقاعدة في الألفاظ المحدثة المجملة: التوقف عن الحكم على قائلها أو عليها إلا بعد الاستفصال؛ فإن أراد منها حقًا قبلنا ما أراد، وإن أراد باطلا؛ رددنا الباطل، وإن أراد حقا وباطلا؛ وقفنا اللفظ، وقبلنا الحق، ورددنا الباطل. (^١)\nوهذا الموقف هو موقف العدل والإنصاف، فإن الموافقة على مثل ذلك يؤدي إلى الوقوع في الباطل وموافقة المبطل، والمبادرة بالرد يؤدي\n_________\n(^١) التدمرية ص ٢٠٤، ومجموع الفتاوى ٣/ ٣٤٧، و٥/ ٣٠٥، و١٢/ ١١٤، ومنهاج السنة ٢/ ٢١٧ و٥٥٤، ودرء تعارض العقل ١/ ٧٦ و٢٣٨.","vol":"1","page":141},{"text":"إلى رد الحق؛ لأن المتكلم بذلك قد يريد حقا، فكان التوقف والاستفصال فيه مخرج من التورط برد الحق، أو الموافقة على الباطل، هذه قاعدة مقررة معروفة، وهي منهج من مناهج الجدل والمناظرة.\nونأتي لهذه الكلمات: (تعالى عن الحدود) هذا لفظ مجمل، والحد يطلق ويراد به تحديد الماهية، مثل الحد عند المناطقة، أي: التعريف الذي يتضمن تحديد كنه الشيء وماهيته؛ فإن أريد هذا فهو ممتنع، إذ لا سبيل إلى تحديد الرب تعالى وذكر حقيقته، فتعالى عن أن يحده الحادون، وأن يصلوا إلى معرفة كنهه وحقيقته، قال شيخ الإسلام: «أهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها» (^١)، فهذا المعنى حق، تعالى الله عن أن يدرك أحد حقيقة ذاته أو حقيقة صفاته.\nويأتي لفظ (الحد) ويراد به أنه ﷾ ليس ساريا في العالم حالا في المخلوقات؛ بل هو فوق سماواته، وهذا المعنى جاء عن الإمام ابن المبارك، لما قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. قيل: بحد؟ قال: بحد» (^٢)\nوقوله: (والغايات) الغاية تطلق ويراد بها النهاية، وتطلق ويراد بها المقصود من الفعل، أي: الحكمة منه، فإذا أريد أن الله تعالى منزه عن أن تكون له غايات في أفعاله؛ فهذا باطل؛ لأن الله له الحكمة البالغة في خلقه وفي شرعه، يقول شيخ الإسلام ﵀ في التدمرية (^٣): «والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته - وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة - تدل على حكمته البالغة».\n_________\n(^١) التدمرية ص ١٧٩.\n(^٢) نقض عثمان بن سعيد ص ٥٧ والرد على الجهمية ص ٤٨، والسنة لعبد الله بن أحمد ١/ ١٧٤، والإبانة ٣/ ١٥٨، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ٣/ ٤٢.\n(^٣) ص ١٢٣.","vol":"1","page":142},{"text":"ومن العلل والحكم ما علمناه بالنص عليه في الكتاب أو السنة، ومنها ما يُهتدى إليه بالتدبُّر والتفكر، ومنها ما طوى الله علمه عن عباده؛ فالعباد لا يحيطون بحكمته تعالى. (^١)\nوكذلك إذا أريد بنفي الغايات: نفي أن يكون الله في السماء فوق العرش؛ وأنه في كل مكان، كقول الجهمية الحلولية.\nفنفي الغايات من النفي المحدث لمعان أو ألفاظ مجملة.\nوقوله: (والأركان والأعضاء والأدوات) لا حول ولا قوة إلا بالله! عفا الله عن المؤلف وغفر الله لنا وله! ماذا يريد بالأركان والأعضاء والأدوات؟! لقد كان في غنى عن هذا الكلام، أين الآية أو الحديث الذي فيه هذا الألفاظ؟\nالأركان: الجوانب، والأعضاء التي في الإنسان والحيوان هي أجزاؤه التي يمكن أن تتبعض والمخلوق يتبعض، فالإنسان يتجزأ، وأجزاؤه يقال لها: أعضاء؛ لأنه يمكن انفصالها.\nفنفي الأعضاء بمعنى تعالى أنه منزه عن التجزؤ، حق فالله منزه عن التجزؤ، فهو تعالى أحد صمد؛ لكن هذا التعبير المحدَث يمكن أن يفهم منه المبطل نفي بعض الصفات؛ لأن قوله: (والأعضاء) يحتمل نفي بعض الصفات الذاتية كالوجه والعينين واليدين، فيقول المبطل: هذه أعضاء، فننفي الأعضاء، وهذا باطل، ونرجو أن المؤلف لم يرد هذا، وإنما أراد نفي ما يحصل ما به مماثلة المخلوق للخالق، لاسيما أنه قال: (موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية) فهو في مقام تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات.\n_________\n(^١) وانظر: ص ٨٠ عند قوله: وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله.","vol":"1","page":143},{"text":"وقوله: (لا تحويه الجهات الست).\nالجهات الست: فوق وتحت، وأمام وخلف، ويمين وشمال. والمبدعات: المخلوقات.\nوهذه - أيضا - من الألفاظ المجملة؛ فنفي الجهة عن الله لفظ مجمل مبتدع، ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة ﷺ؛ أن الله ليس في جهة؛ بل النصوص مصرحة بأنه تعالى فوق: «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ» [الأنعام: ١٨] «أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [الملك: ١٦] فهو سبحانه في العلو، «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» [طه: ٥] والعرش فوق المخلوقات، والله فوق العرش.\nقال شيخ الإسلام ﵀: «لفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السماوات. وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم». (^١)\nفإذا أُريد بالجهة ما وراء العالم فالنافي للجهة مبطل، إذ ليس وراء العالم شيء مخلوق؛ بل وليس وراء العالم شيء موجود إلا الله تعالى.\nوإذا أريد بالجهة شيء مخلوق، مثل أن يراد بالجهة نفس السماء أو العرش، وأن الرب سبحانه حال في ذلك؛ فالنافي لهذا محق والمثبت له مبطل.\nفإذا أريد بكلمة (الجهات) أشياء موجودة مخلوقة؛ فالله منزه من أن يحيط به شيء من المخلوقات؛ بل هو تعالى أعظم وأكبر من أن يحيط به شيء من المخلوقات؛ لأنه تعالى العظيم الذي لا أعظم منه فهو الذي «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ» [البقرة: ٢٥٥]، وهو الذي «يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا» [فاطر: ٤١] ﴿والْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\n_________\n(^١) التدمرية ص ٢٠٥، وانظر: منهاج السنة ٢/ ٣٢١ و٥٥٨ و٦٤٨، وبيان تلبيس الجهمية ٣/ ٣٠٥، ودرء تعارض العقل ٥/ ٥٨ و٧/ ١٥.","vol":"1","page":144},{"text":"وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] لا يحيط به شيء من الجهات؛ لكنه في العلو فوق جميع المخلوقات، بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في المخلوقات شيء من ذاته.\nوقد وقف الشارح ابن أبي العز ﵀ في هذا الموضع (^١)، وتكلم على هذه الألفاظ، فجزاه الله خيرا على ما فعل، وقد أحسن كثيرا بهذا الشرح، الذي لزم فيه منهج أهل السنة.\n_________\n(^١) ص ٢٦٠.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>[مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج]</span>\nوقوله: (والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ، وعُرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى، (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) [النجم: ١١]، فـ ﷺ في الآخرة والأولى).\nالإمام الطحاوي ﵀ في هذا المؤلَف المختصر في مسائل الاعتقاد لم يلتزم بالتنسيق بين المسائل، وضم كل نوع إلى ما يناسبه؛ بل نوَّع؛ فتارة يذكر المسائل المتعلقة بالتوحيد وبأسماء الله وصفاته، والمسائل التي تخص الرسول ﷺ، ومسائل أخرى كثيرة تتصل بالقدر، والملائكة …، فتجده يتنقل؛ فمثلا: قال هنا: (والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ) فالإسراء والمعراج مما يتصل بخصائص نبينا ﷺ، فَصَلَه المؤلف عما تقدم من كلامه (^١) في رسالة نبينا محمد ﷺ، وما ذكره من بعض خصائصه.\nوأصل كلمة (مِعْرَاج) في اللغة: آلة العروج (^٢)، والعروج: الصعود، فتقول: عرج إلى السطح وإلى الجبل وإلى السماء، أي: صعد، قال تعالى: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ» [المعارج: ٤] وفي الحديث: (ثم يعرج الذين باتوا فيكم) (^٣) وليس المراد هو إثبات الآلة أو الوسيلة التي\n_________\n(^١) ص ٨٤.\n(^٢) في القاموس ص ٢٥٣: المِعْراجُ: السُلَّم والمَصْعَد.\n(^٣) رواه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":146},{"text":"عرج بها النبي ﷺ؛ بل إثبات عروج النبي ﷺ إلى السماوات، وإلى حيث شاء الله من العلا، فكأن المصنف يقول: وعروج نبينا ﷺ إلى ما شاء الله حق؛ لكن صار لفظ (الِمعراج) عَلَم على هذا الأمر.\nوقد أشار الله إلى العروج بالنبي ﷺ في القرآن في سورة النجم: «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى» [النجم ١١ - ١٤] وقد ثبت في الصحيح: (أنه ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلِق عليها له ستمائة جناح، مرتين) (^١)\nوالمراد بالإسراء هو: الذهاب بالنبي ﷺ ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، قال الله تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًَا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ» [الإسراء: ١]\nوقد جاء ذِكرُ صفات المِعْراج في أحاديث؛ لكن الغالب أنها ليست من الأحاديث المعتمدة، لكن الإسراء بالنبي ﷺ، والعروج به إلى السماوات هذا أمر معلوم، ومجمع عليه بين أهل السنة، ودلت عليه الأحاديث الصحاح المتواترة (^٢).\nوقد اختلف الناس في حقيقة الإسراء والمعراج - مع الاتفاق على ثبوتهما - على أي وجه وقع؟\nوالحق أنه قد أسري بالنبي ﷺ بروحه وبدنه، وعرج به إلى حيث شاء الله من العلا يقظة لا مناما، ولهذا نص المؤلف على ذلك بقوله: (وقد أسري بالنبي ﷺ، وعُرج بشخصه في اليقظة) وهذا هو الذي يدل عليه ظاهر الأدلة، قال تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ» [الإسراء: ١] والعبد اسم للروح والبدن.\n_________\n(^١) البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧).\n(^٢) نظم المتناثر ص ٢١٩، وانظر: تفسير ابن كثير ٥/ ٦ فقد ساق روايات كثيرة جدا.","vol":"1","page":147},{"text":"وتصدير هذه الآية بالتسبيح دال على عظم الأمر، والإسراء كان بروحه وبدنه يقظة لا مناما؛ فإن الذهاب والانتقال في النوم أمر ليس بمستغرب ولا مستنكر، فهو يحدث لسائر الناس.\nومما يؤكد هذه الحقيقة ما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ لما أخبر قريشا استعظموا ذلك وكذبوه، وسألوه عن أشياء من بيت المقدس، قال النبي ﷺ: «فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطّ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ» (^١) فهذا كله يؤكد أن الإسراء كان بروحه وبدنه يقظة لا مناما.\nوكذلك العروج به إلى ما شاء الله من العلا كان بشخصه ﷺ يقظة لا مناما، فهذا هو الأمر الخارق العظيم أن يقطع هذه المسافات ويعود في ليلة.\nوفي حديث الإسراء والمعراج أمور كثيرة، فيها أن جبريل ﵇ صعد به واستفتح له السماء، ثم فتح له، فلقي الأنبياء: آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وعند كل سماء يستفتح، فكل سماء لها أبواب وحراس من ملائكة الله، وكل ذلك من الغيب، لا نتصوره ولا ندرك حقائقه، فيستفتح جبريل ﵇، فيقول له الملك الموكل بباب السماء: من؟ فيقول: جبريل. فيقول: ومن معك؟ فيقول: محمد ﷺ. فيقول: وهل أرسل إليه؟ فيقول: نعم، فيقول: مرحبا ولنِعم المجيء جاء، عند كل سماء يتجاوزها حتى بلغ سدرة المنتهى، وفرض الله عليه الصلوات الخمس. (^٢)\nوقال بعضهم: إنه كان مناما! واحتجوا برواية شريك بن عبد الله ابن أبي نمر: «واستيقظ وهو في المسجد الحرام» (^٣) ورد ذلك\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٧٢).\n(^٢) حديث الإسراء روي في الصحيحين في مواضع من رواية عدد من الصحابة منها: البخاري (٣٢٠٧) ومسلم (١٦٤) من حديث مالك بن صعصعة ﵁.\n(^٣) البخاري (٧٥١٧) من روايته عن أنس ﵁.","vol":"1","page":148},{"text":"المحققون وقالوا: إن هذا وهم من شريك، وقد وهم في هذا الحديث في مواضع عدة. (^١)\nوهذا قول باطل ليس بشيء، فلو قال الرسول ﷺ لقريش: إني رأيت في المنام، لم يكذبوه؛ لأنه أمر عادي يحصل لآحاد الناس.\nونُسب إلى عائشة ومعاوية ﵄ (^٢) أن الإسراء والمعراج كان بروحه ﷺ دون جسده. وهو رأي عندي غير مقبول، ويَرِدُ عليه ما يرد على القول بأنه كان مناما، فإذا كان جسده باقيا عندهم فلا يكون بينه وبين رؤيا المنام كبير فرق، وما معنى أن جبريل يأتيه بالبراق، ويحمله عليه ويسير به، ويصلي بالأنبياء؟\nفهذا القول فيه نظر، وهو خلاف ظاهر الأدلة.\nومن اختار هذه الأقوال من العلماء أراد أن يوفق بين الروايات فيقول: إن الإسراء كان مرة يقظة ومرة مناما، ومرة في مكة ومرة في المدينة!\nوهذا وهنه العلامة ابن القيم، وقال: «هذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع! والصواب الذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة، ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، ثم يقول: «أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها عشرا عشرا». (^٣)\n_________\n(^١) انظر: صحيح مسلم (١٦٢)، وزاد المعاد ٣/ ٤٢، وتفسير ابن كثير ٥/ ٧، وفتح الباري ١٣/ ٤٨٥.\n(^٢) ذكره الطبري في تفسيره ١٤/ ٤٤٥ ونقضه، وانظر: زاد المعاد ٣/ ٤٠.\n(^٣) زاد المعاد ٣/ ٤٢.","vol":"1","page":149},{"text":"فالصواب: أن الإسراء والمعراج حدث مرة واحدة والنبي ﷺ في مكة قبل الهجرة، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وقد اتفق أهل العلم: أن الصلوات الخمس قد فرضت عليه وهو في مكة قبل الهجرة، والمشهور أن ذلك قبل الهجرة بثلاث سنوات، وقيل: بأقل، وقيل: بأكثر. (^١)\nوفي قصة الإسراء والمعراج الدلالة على عظم شأن الصلاة حيث فرضت على النبي ﷺ بلا واسطة وفرضت عليه وهو في أعلى المقامات فوق السماوات.\nوفي قصة الإسراء والمعراج دلالة على علو الله تعالى على خلقه، فإنه عرج به إلى ربه، كما قال تعالى: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ» [المعارج: ٤] الملائكة والأرواح تعرج إلى الله؛ لأنه في العلو.\nوفيها إثبات صفة الكلام والتكليم لله تعالى، وتكليمه لنبينا محمد ﷺ بلا واسطة.\nوفي ذلك فضيلة لنبينا ﷺ حيث أكرمه الله ورفعه على سائر النبيين والمرسلين، حتى تجاوز كل الأنبياء، حتى إبراهيم ﵇ لقيه في السماء السابعة وتجاوز إلى مكان فوق ذلك يسمع فيه صريف الأقلام. (^٢)\nسبحان الله مع هذه الأبعاد العظيمة يتم هذا في ليلة، هذا أمر خارق، ولا تقل: كيف؟\nالآن أتَى الله للناس بشيء ما كان يخطر ببالهم، هذا الصوت الآن في أقصى الدنيا، يقول لك: السلام عليكم، فتقول: وعليكم السلام، فتسمعه وترد عليه، والذين يصعدون في المراكب الفضائية أيضًا مع البعد العظيم الذي تنتهي إليه تلك المراكب، يتكلمون مع من يكلمهم\n_________\n(^١) التمهيد ٨/ ٤٨.\n(^٢) رواه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣) من حديث ابن عباس وأبي حَبَّة الأنصاري ﵄.","vol":"1","page":150},{"text":"في الأرض، ويصل الصوت في نفس الوقت، فهذا مثال أصغر للحدث العظيم حدث الإسراء والمعراج، سبحان الله! هذه أمثلة وآيات لعلها تدخل في عموم: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» [فصلت: ٥٣].\nوأي أمر تستعظمه مما أخبرت به الرسل فرده إلى كمال القدرة يسهل عليك جدًا، «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [البقرة: ٢٠] ومتى استبعد الإنسانُ شيئًا من ذلك، فذلك لنقص إيمانه بكمال قدرة الرب تعالى وتقدس، «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًَا قَدِيرًَا» [فاطر: ٤٤]","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>[إثبات حوض نبينا محمد ﷺ </span>-]\nوقوله: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به - غياثًا لأمته - حق) تواترت السنة عن النبي ﷺ في الخبر عن حوضه (^١)، وقال النبي ﷺ للأنصار: (إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) (^٢) وأخبر عن ورود أمته عليه وهو على حوضه، وقال ﷺ: (إني فَرَطُكم على الحوض - أي: سابقكم - وإنه سَيَرِدُ عليَّ أقوام من أمتي فيذادون عن حوضي فأقول: (إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن غَيَّر بعدي) (^٣) فيجب الإيمان بما دلت عليه الأخبار من حوضه ﷺ، وأن طوله شهر وعرضه شهر (^٤)، وآنيته عدد نجوم السماء، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل. (^٥)\nوالحوض في عرصات القيامة، قبل دخول الجنة، يرد عليه\n_________\n(^١) قطف الأزهار المتناثرة ص ٢٩٧، ونظم المتناثر ص ٢٤٨، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٩/ ٤٢٣ - ٤٦٦ فقد أطال في سرد أحاديث الحوض.\n(^٢) رواه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) من حديث أنس ﵁.\n(^٣) رواه البخاري (٦٥٨٣ و٦٥٨٤)، ومسلم (٢٢٩٠ و٢٢٩١) من حديث سهل بن سعد وأبي سعيد الخدري ﵃.\n(^٤) رواه البخاري (٦٥٧٩) مسلم (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(^٥) رواه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ومسلم (٢٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁ و(٢٣٠٠) من حديث أبي ذر ﵁، و(٢٣٠١) من حديث ثوبان ﵁.","vol":"1","page":152},{"text":"المستمسكون بسنته ﷺ، فمن شرب منه لم يظمأ بعدها أبدا (^١)؛ لأنه يصير إلى الجنة، وعنده أنهارها: «وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى» [طه: ١١٩] فليس فيها ظمأ ولا جوع؛ لأن كل مطالب النفوس موجودة، «يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ» [الزخرف: ٧١]، ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥] «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ» [الأعراف: ٤٣] في آيات كثيرة.\nومما جاء في أحاديث الحوض أنه: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» (^٢) ميزابان يصبان فيه - الله أعلم بقدرهما وصفتهما - من نهر الكوثر الذي أعطاه الله وأكرمه به «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ» [الكوثر: ١] والمعتمد في تفسيره: أنه نهر في الجنة أكرمه الله به، ففي حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم». (^٣)\nفيجب الإيمان بما دلت عليه هذه الأخبار، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، ولهذا قال الطحاوي: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به - غياثًا لأمته - حق).\nوورد في حديث رواه الترمذي أن النبي ﷺ قال: (إن لكل نبي حوضا) (^٤)؛ ولكن أعظمها حوض نبينا ﷺ؛ لأن المؤمنين من أمته ﷺ\n_________\n(^١) نفس تخريج حديث سهل وأبي سعيد السابق.\n(^٢) رواه مسلم (٢٣٠٠) عن أبي ذر ﵁، و(٢٣٠١) عن ثوبان ﵁.\n(^٣) رواه مسلم (٤٠٠) من حديث أنس ﵁.\n(^٤) الترمذي (٢٤٤٣)، وقال: حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلا، ولم يذكر فيه عن سمرة، وهو أصح، وانظر: فتح الباري ١١/ ٤٦٧، والسلسلة الصحيحة (١٥٨٩).","vol":"1","page":153},{"text":"هم أضعاف أضعاف المؤمنين من سائر الأمم، فكثرة أتباعه ﷺ والمؤمنين به يقتضي أن يكون حوضه أعظم الموارد.\nوتكلم بعض العلماء في شأن ترتيب الحوض مع بعض أمور القيامة، هل يكون قبل الميزان أو بعده؟ وهل هو قبل الصراط أو بعده؟\nوالشارح ابن أبي العز (^١) نقل عن القرطبي (^٢): أنه قبل الميزان، وعلل هذا بأن الناس يبعثون من قبورهم عطاشا، فيقدم قبل الميزان والصراط.\nوهذا لا يكفي دليلا، وما الدليل على أن المؤمنين الذين هم أهل الورود يبعثون عطاشا؟!\nفهذه المسألة يجب الإمساك عن الكلام فيها، فلا نقول: قبل ولا بعد، فالله أعلم، هذه أمور غيبية، ولا يجزم بشيء منها إلا بحجة وبرهان.\nوأما كونه قبل الصراط أو بعد الصراط فهذا فيه تأمل، واستدل من قال: إنه قبل الصراط: بأنه ثبت أنه يَرِد عليه من يذاد عنه ممن استوجب العذاب، وهؤلاء لا يجاوزون الصراط.\nواختار ابن القيم: بعد أن حكى القولين أنه لا يمتنع أن يكون قبل الصراط وبعده، فإن طوله شهر وعرضه شهر، فإذا كان بهذا الطول والسعة، فما الذي يحيل امتداده إلى ما وراء الصراط، فيردونه قبل وبعد. (^٣)\nوالأمر محتَمل. والله أعلم.\n_________\n(^١) ص ٢٨٢.\n(^٢) التذكرة ٢/ ٧٠٢.\n(^٣) زاد المعاد ٣/ ٦٨٣.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>[إثبات شفاعته ﷺ لأمته، وذكر الشفاعة الخاصة به]</span>\nوقوله: (والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار).\nأي: الشفاعة التي ادخرها النبي ﷺ لأمته يوم القيامة، كما صح بذلك الحديث فقد قال ﷺ: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا) (^١) فهذه الشفاعة في أهل الكبائر، وهي إحدى شفاعات نبينا ﷺ؛ فإن له ﷺ عدة شفاعات:\nأولها وأعظمها: شفاعته في أهل الموقف أن يقضى بينهم، وهي المقام المحمود الذي خصه الله به في قوله: «عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًَا مَحْمُودًَا» [الإسراء: ٧٩]، وجاء في الحديث في الدعاء بعد الأذان: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه، حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة﴾. (^٢)\nوقد تواترت الأحاديث (^٣) في ذكر استشفاع الناس بآدم وأولي العزم من الرسل أن يشفعوا لهم عند الله أن يريحهم مما هم فيه من الكرب والشدة وأهوال الموقف.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٣٠٤)، مسلم (١٩٩) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٦١٤) من حديث جابر ﵁.\n(^٣) قطف الأزهار المتناثرة ص ٣٠٣، ونظم المتناثر ص ٢٤٥.","vol":"1","page":155},{"text":"وهذه الشفاعة لا ينكرها أحد من أهل البدع؛ لأنها لا تناقض شيئا من أصولهم.\nوالثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فبعدما يجوزون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فإذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أذن لهم بدخول الجنة (^١)، ثم إنهم لا يدخلون إلا بشفاعته ﷺ (^٢).\nوهاتان الشفاعتان خاصتان به ﷺ.\nوالثالثة: شفاعته ﷺ فيمن دخل النار من عصاة الموحدين أن يخرج منها، وهذا جاء صريحا في الأحاديث، وأنه ﷺ يشفع أربع مرات وفي كل مرة: (يسجد ﷺ لربه ويدعو ويستشفع فيقال له: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، ثم أشفع: فيَحُدُّ لي حدًا فأخرجهم من النار﴾. (^٣)\nوتواترت الأحاديث (^٤) بأنه يخرج من النار بهذه الشفاعات من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال خردلة، أو شعيرة، أو بُرَّة أو ذرة من إيمان، وأنهم يخرجون من النار وقد صاروا حُمَمًا - أي: مثل الفحم - فَيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فَيَنْبُتُون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل. (^٥)\nوهذه الشفاعة في أهل التوحيد لا تختص بالرسول ﷺ لكن له من ذلك النصيب الأكبر والأعظم، فمن يخرج بشفاعته ﷺ أكثر ممن يخرج بشفاعة غيره، وإلا فإنه تشفع الملائكة، ويشفع النبيون، ويشفع المؤمنون\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٤٤٠) من حديث أبي سعيد ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (١٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁، ومعناه (١٩٦) من حديث أنس ﵁.\n(^٣) رواه البخاري (٦٥٦٥)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس ﵁.\n(^٤) الموضع السابق في المتواتر.\n(^٥) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"1","page":156},{"text":"كل يشفع حسب ما يحد له، فإنه لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه ﷾. (^١)\nوهذه الشفاعة تنكرها الخوارج والمعتزلة (^٢)؛ لأنها تناقض مذهبهم في تخليد أهل الكبائر في النار، فهم يقولون: إن أهل الكبائر مخلدون في النار، ويستحيل أن يخرجوا منها، واستدلوا بمثل قوله تعالى: «فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ» [المدثر: ٤٨]، «مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ» [غافر: ١٨].\nوالشفاعة في إخراج عصاة الموحدين هي التي أشار إليها المؤلف؛ لأنها هي محل النزاع بين أهل السنة والخوارج والمعتزلة.\nوالرابعة: شفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، فقد سأله عمه العباس ﵁ فقال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: (نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) (^٣)\nفأبو طالب بشفاعته ﷺ صار من أهون أهل النار عذابا.\nوبهذه يُعلم أن الشفاعة التي تذكر لها الشروط هي الشفاعة في خروج أهل التوحيد من النار، وهي متوقفة على شرطين:\nإِذْنُ الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، وذلك بأن يكون من أهل التوحيد، قال تعالى: «وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًَا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى» [النجم: ٢٦]، «مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ» [البقرة: ٢٥٥]، «وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ» [الأنبياء: ٢٨]، فلا يرد على ذلك شفاعة النبي ﷺ في أبي طالب؛ فإنها ليست شفاعة في خروجه من النار بل هي شفاعة في تخفيف العذاب عنه.\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ١١٦ واقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٣٥٩.\n(^٣) رواه البخاري (٦٢٠٨)، ومسلم (٢٠٩).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>[إثبات الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم]</span>\nوقوله: (والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق).\nالميثاق عهد مؤكد، قال الله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» [آل عمران: ١٨٧]، «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ» [آل عمران: ٨١]، «وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ» [المائدة: ١٢].\nالميثاق: العهد الذي أخذه الله على آدم وذريته يوم استخرجهم من ظهره مثل الذر، ثم استنطقهم فقال: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى» [الأعراف: ١٧٢]، وهذا الميثاق استُدِل له بقوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ» [الأعراف: ١٧٢] الآيات، واستُدِل له بأحاديث عديدة جاءت في المسند والسنن (^١) وفيها: أن الله تعالى مسح ظهر آدم واستخرج ذريته أمثال الذر، وفي بعضها: أن الله استنطقهم «وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ» فقال: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى».\nوالأحاديث التي فيها استخراج ذرية آدم من ظهره كثيرة (^٢)، وبعضها\n_________\n(^١) أحمد ١/ ٤٤، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٩٠) وابن حبان (٦١٦٦) والحاكم ١/ ٢٧ من حديث عمر ﵁، ورواه أحمد ١/ ٢٧٢، والنسائي في الكبرى (١١١٩١) والحاكم ١/ ٢٧ من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٢) انظرها وبعض الكلام عليها في: الروح ص ٢٤٥ وتفسير ابن كثير ٣/ ٥٠١، والدر المنثور ٣/ ٥٩٨، وانظر: السلسلة الصحيحة (١٦٢٣).","vol":"1","page":158},{"text":"يشهد لبعض؛ لكن الرواية التي فيها أنه استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم فيها مقال لأهل الحديث؛ فمنهم من لا يثبت هذه الرواية كما ذكر الشارح ابن أبي العز (^١)، وأصح ما ورد في شأن الميثاق الحديث الذي في الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ: (إن الله يقول لأهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك). (^٢)\nالشاهد: (قد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك)، هذا أصح ما استدل به على الميثاق الأول.\nومن الناس من لا يثبت هذا الميثاق ويقول: هذا الميثاق لا يذكره أحد من الناس، وليس فيه حجة على أحد.\nوالجواب عن هذا: نعم ليس حجة وحده، ولا يستوجب من خالفه بمجرده العذاب، إنما يستوجب العذاب من جاءته الرسل، وبلَغَتْه دعوة الحق.\nوأما الآية ففيها نزاع، هل هي في الميثاق الأول الذي أخذه الله على آدم وذريته يوم استخرجهم من ظهره؟\nفي ذلك رأيان:\nأكثر المفسرين على أنها في هذا الشأن.\nومنهم من يرى أنها في معنى آخر، وأن المراد منها ميثاق الفطرة التي فطر الله عليها عباده.\nورجح ذلك ابن القيم بوجوه (^٣)، منها:\n_________\n(^١) ص ٣١٠.\n(^٢) البخاري (٣٣٣٤)، ومسلم (٢٨٠٥).\n(^٣) الروح ص ٢٦٠.","vol":"1","page":159},{"text":"أن الله تعالى قال: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ» ولم يقل: من آدم.\nوقال تعالى: «مِنْ ظُهُورِهِمْ» ولم يقل: من ظهره.\nوقال تعالى: «ذُرِّيَّتَهُمْ» ولم يقل: ذريته.\nوالمراد استخراجهم جيلا بعد جيل، من ظهور آبائهم «وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ» بما نصبه من الأدلة على ربوبيته سبحانه وإلهيته، وفطر عباده على وحدانيته، وقال النبي ﷺ: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) (^١).\nفالآية في ميثاق الفطرة، ومع ذلك هذا الميثاق لم يجعله الله بمجرده هو الحجة على العباد، نعم هو من جملة الحجج؛ لكن الحجة الكبرى هي: إرسال الرسل، قال تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًَا» [الإسراء: ١٥] وقال سبحانه: «رُسُلًَا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» [النساء: ١٦٥]، فبالرسل قطع الله المعذرة، وقال النبي ﷺ: (لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين) (^٢)، فالحجةُ القاطعةُ لحجةِ العباد على ربهم هي: إرسال الرسل، وما هذه المواثيق، وهذه الآيات إلا من حجج الرسل عليهم، ولهذا يحتج الرسل على أممهم فيما أنكروه بما أقروا به، فيحتجون عليهم بإقرارهم بربوبيته تعالى، وأنه خالقهم وخالق السماوات والأرض يحتجون عليهم بهذا الإقرار على وجوب عبادته تعالى وحده دون ما سواه «اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ» [الأعراف: ٥٩].\nومما تقدم يتبين أن ما ذكر الله هو موجب الدليل، كما في حديث أنس ﵁ في الصحيحين (^٣)، وكما دلت عليه الشواهد من الأحاديث\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ١٥٩.","vol":"1","page":160},{"text":"الأخرى، فالميثاق الأول حق، ولكن ليس هو الحجة القاطعة للمعذرة على المكلفين، وإنما هو مما يَحْتَجُ به الرسل على أممهم، وذلك بتذكيرهم إياه وإخبارهم به.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>[وجوب الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع]</span>\nوقوله: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يُزاد في ذلك العدد، ولا يُنقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله).\nالأصل السادس من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر يشمل أربعة أصول، وهي التي تسمى مراتب الإيمان بالقدر:\nالإيمان بعلم الله السابق: وهو الإيمان بأن الله علم بعلمه القديم كل ما يكون، فعَلِمَ العباد وأعمالهم وأحوالهم وطاعاتهم ومعاصيهم بعلمه القديم الأزلي الذي لم يحدث بعد أن لم يكن؛ فإنه تعالى لم يزل عالما بما سيكون.\nالمرتبة الثانية: الإيمان بكتابة المقادير: وهو الإيمان بأن الله قدر مقادير الخلق، وكتب ذلك على وفق ما علم قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عند مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض) (^١)، والآيات الدالة على هاتين المرتبتين كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] وقوله:\n_________\n(^١) تقدم في ص ٧١.","vol":"1","page":162},{"text":"﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]\nالمرتبة الثالثة: الإيمان بعموم مشيئة الله: وهو أنه لا خروج لشيء عن مشيئة الله، فكل ما يجري في الوجود فهو بمشيئة الله، فكل حركة وسكون، وكل تغير بوجود أو عدم أو زيادة أو نقص على أي وجه كل ذلك بمشيئة الله، قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] وقوله: ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].\nوالمرتبة الرابعة: الإيمان بعموم خلقه، ومعناه: أن الله خالق كل شيء، فكل موجود فهو مخلوق لله، قال تعالى: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» [الزمر: ٦٢]، «ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» [الأنعام: ١٠٢].\nهذه أربع مراتب لا بد أن تكون مستقرة في ذهن المسلم، والمؤلف ذكر عبارات كثيرة تتعلق بتقرير الإيمان بالقدر في حدود هذه المراتب المذكورة؛ لكنه نوَّع العبارات وذكر جزئيات وتفصيلات، وفرق الكلام في القدر، فقد تقدم (^١) قوله: (خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا، ولم يَخْفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم) وذكر المشيئة (^٢) وأن (كل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم)، وهنا ذكر أيضا بعض التفصيلات في إطار مراتب القدر المتقدمة، فقال: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه)؛ لأنه إذا زاد أو نقص لزم منه تغير علم الله، وأن الله لم يعلم ما سيكون، لا، بل قد فُرغ من الأمر، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار). (^٣)\n_________\n(^١) ص ٦٨.\n(^٢) ص ٧٧.\n(^٣) رواه البخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧) من حديث علي ﵁.","vol":"1","page":163},{"text":"وهذا المعنى الذي ذكره مستمد من النصوص، قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [الأنفال: ٧٥]، وقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [التوبة: ٢٨]، فوَصْفه تعالى بالعلم التام يقتضي أنه سبحانه يعلم ما سيكون تماما من كل الوجوه، يعلم من يدخل الجنة وعددهم ومنازلهم ومراتبهم بعلم مفصل، وليس علما إجماليا.\nوقوله: (فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه).\nبل العدة قد انقضت، فعدة البشر قد سبق علم الله وكتابه بها من آدم إلى آخر من يخلقه الله من هذا الجنس البشري.\nوقوله: (وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه).\nوكذلك علم أفعالهم: طاعاتهم ومعاصيهم وما ليس بطاعة ولا معصية، قد أحصاه «وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًَا» [الجن: ٢٨].\nوقوله: (وكل ميسر لما خلق له).\nلما أخبر الرسول ﷺ بأنه (ما من نفس إلا وقد علم مكانها من الجنة ومكانها من النار، قال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة) (^١) وسئل النبي ﷺ: (أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا؛ بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) (^٢) ومعنى ذلك أن الله تعالى يجري الأمور على ما وفق ما سبق به علمه وكتابه، فيُيسير للعبد طريقه ويجعله مهيئا سالكا وهو يسلكه باختياره ومشيئتِه، ولكن مشيئتُه واختياره محكومان بمشيئة الرب\n_________\n(^١) تقدم في ص ١٦٣.\n(^٢) رواه مسلم (٢٦٥٠) من حديث عمران بن حصين ﵁.","vol":"1","page":164},{"text":"كما قال تعالى: «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» [التكوير: ٢٩]، فإذا أطاع العبد ربه فبتوفيقٍ وتيسيرٍ منه تعالى لعبده، وإذا فعل العبد المعصية فبعدم ذلك التوفيق، وعدمُ هذا التوفيق هو تيسيرٌ لذلك العمل.\nوهناك سؤال يجري على ألسن بعض الناس يقولون: الإنسان مسير أم مخير؟\nوهذا من الألفاظ التي لم ترد في النصوص فلا بد فيها من التفصيل، فمن أراد أنه (مخير) بمعنى أنه له مشيئة واختيار؛ فنعم، وإن أراد أنه مخير أنه يتصرف بمحض مشيئته خارجا عن مشيئة الله وقدرته فهذا باطل، فلا خروج لأحد عن قدرة الله ومشيئته، وكذلك (مسير)؛ فإن أراد بميسر أنه في جميع أموره يتحرك بتدبير الله وتقديره ومشيئته فنعم، وإن أراد أنه مسير لا اختيار له ولا مشيئة؛ بل هو مجبور؛ فهذا باطل.\nوقوله: (والأعمال بالخواتيم).\nأي: أن المعتبر في مصير العبد هو ما يختم له به، فقد يعيش الإنسان عمرا طويلا وهو في أعمال الكفر والضلال والعصيان، ثم يدركه ما سبق به الكتاب، فيؤمن ويموت، فيختم له بالإيمان والعمل الصالح كحادثة سحرة فرعون أمضوا حياتهم كلها في عبادة فرعون، وعمل السحر، ولما رأوا الآيات أشرق الإيمان في قلوبهم «فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ» [الشعراء: ٤٦ - ٤٨] وقوله تعالى: حكاية عن قول فرعون لهم: «وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًَا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ» [طه: ٧١ - ٧٢] تحولوا من الكفر الذي هو من أغلظ الكفر إلى هذه المرتبة من الإيمان، فصاروا إلى كرامة الله فختم لهم بذلك العمل، وشواهد هذا كثيرة.","vol":"1","page":165},{"text":"وكم من كافر يسلم ثم ينضم إلى صف المسلمين فيقاتِل ويُقتَل ولم يعمل قبلها شيئا؛ لكنه آمن بالله ورسوله إيمانا صادقا، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد) (^١) وفي حديث ابن مسعود ﵁ في الصحيحين: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. قال: فوالله الذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) (^٢) فالعبرة بالخواتيم، ماذا ينفع من كان دأبه الإحسان إذا تحول وتغير وانقلب من الإحسان إلى العدوان فبعد أن كان محسنا مصلحا صار ظالما مفسدا، فمن كان مؤمنا مدة طويلة، ثم صار كافرا، فكفره يحبط ما قبله.\nولهذا من أهم ما يجب أن يهتم به المسلم أمر الخاتمة، فيسأل ربه الثبات أولا؛ لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، ومن دعائه النبي ﷺ: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (^٣) وهذا يتضمن سؤال حسن الخاتمة، والله تعالى يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) في ص ٧٢.\n(^٣) رواه أحمد ٣/ ١١٢، والبخاري في الأدب المفرد (٦٨٤)، والترمذي (٢١٤٠) - وقال: حسن - وصححه الحاكم ١/ ٥٢٦ والضياء في المختارة ٦/ ٢١١ من حديث أنس ﵁ وروي من حديث غيره من الصحابة.","vol":"1","page":166},{"text":"إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» [آل عمران: ١٠٢] أي: استقيموا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» [الحجر: ٩٩] ومن دعاء الصالحين: سؤال الوفاة على الإسلام كما قال السحرة: «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًَا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ» [الأعراف: ١٢٦]، ويوسف ﵇ يقول: «تَوَفَّنِي مُسْلِمًَا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: ١٠١] وهذا كله من سؤال الله حسن الخاتمة.\n\nوقوله: (والسعيد من سَعِد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله).\nالسعيد هو الذي يفوز بمطلوبه ومحبوبه، وينجو من مرهوبه ومكروهه، وهو من يظفر بالكرامة ويفوز بالنعيم المقيم، والشقي ضده، وهو الذي يفوته المطلوب والمحبوب، ويبوء بالمكروه والمرهوب، هو الذي يصير إلى عذاب الله الأليم المهين قال تعالى: «فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ» [هود: ١٠٥ - ١٠٨].\nفالسعادة والشقاوة مقضيان ومُقَدَّران، وفي الحديث الذي تقدم ذكره (^١): (أن الملك يؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد) وهذا لا يعني أن الإنسان يصير شقيًا بدون أسباب الشقاوة، ويصير سعيدًا بدون أسباب السعادة، لا؛ بل للشقاوة أسباب، وللسعادة أسباب، فالسعادة سببها توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسله، هذه أسس السعادة؛ إيمان وتقوى، وعمل صالح، ولا تكون السعادة بدون ذلك أبدًا، كما قال النبي ﷺ: (إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) (^٢) فالسعادة موقوفة على أسبابها والشقاوة موقوفة\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٧٢.\n(^٢) رواه أحمد ١/ ٧٩، والترمذي (٣٠٩٢) - وقال: حسن صحيح ـ، والحاكم ٤/ ١٧٨ وصححه.","vol":"1","page":167},{"text":"على أسبابها، فالشقاوة سببها الكفر والعصيان والشرك والظلم والفسق والعدوان، فلا يدخل النار أحد إلا بالأسباب الموجبة لدخولها، ولا يدخل الجنة أحد إلا بالأسباب المقتضية لدخولها، والكل قد سبق به علم الله وقضاؤه وكتابه، فلا بد من استحضار هذه الحقائق، فالشقاوة لا تكون بلا سبب، فمن سبق قضاء الله في شقاوته فلا بد أن تقوم به أسباب الشقوة، ومن سبق قضاء الله بسعادته؛ فلا بد أن تقوم به أسباب السعادة.\nومقام الكلام في القدر من المقامات العظيمة التي تموج فيها الأفكار والأقوال موجا؛ ولكن المعتصَم الذي به النجاة من الزلل في هذه المسالك، وهذه المتاهات التي ضل فيها أكثر الخلق هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإذا أشكل عليك أمر ولم تدركه بعقلك الناقص القاصر؛ فاعتصم بالله وبكتابه، وحسبك.\nوهذا الأصل العظيم مع ما يذكر فيه من تفاصيل بعض المسائل يقوم على المراتب الأربعة المتقدمة، ولا بد مع الإيمان بالقدر من الإيمان بالشرع والإيمان بحكمة الرب، فهذه ثلاثة أصول لا بد من التحقق بها، الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع، والإيمان بشرع الله كما تقدم أن المؤلف ذكر الأصلين: الإيمان بالشرع والقدر بعدما ذكر بعض الجوانب في القدر قال: (ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته) (^١).\n_________\n(^١) ص ٧٤.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>[عجز الخلق عن معرفة حِكَمِ وأسرار القدر]</span>\nوقوله: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل).\nقدر الله وقضاؤه الشامل النافذ له حِكَمٌ وأسرار لا سبيل للخلق إلى معرفتها، فإن الخلق لا يحيطون به تعالى علما، لا بذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا بحكمته في خلقه وأمره، وما دام أن الله تعالى قد استأثر بذلك؛ فلا تطلب ما لا سبيل إلى معرفته، فالله قد استأثر بعلم كيفية صفاته فلا تطلب معرفة ذلك، ولا تسأل: كيف استوى؟ وكيف يغضب؟ وكيف ينزل؟ كل ذلك غير معقول لنا، ولا يمكن لعقولنا أن تصل إليه، كذلك أمر القدر، الله تعالى سبحانه قد استأثر بعلم أسرار القدر، وحِكَمه في أقداره على التفصيل.\nفالأشياء التي نبهت عليها النصوص قد تدرك بالتدبر؛ لكن تأمل في خلق الله، هذا يجعله غنيا وهذا فقيرا وهذا بين ذلك، وهذا مؤمنا مهتديا، وهذا ضالا، وهذا عاصيا، وفي الخلق طويل وقصير، وجميل ودميم، وكل التفاوتات التي تلاحظها، أغنى الله هذا دون ذاك، وأفقر هذا دون ذاك، وجعل هذا طويلا، وهذا قصيرا، وجعل هذا عاقلا وهذا غير عاقل وفي الناس: معتوه، وبليد وذكي، ويولد للإنسان العدد من الأولاد أبوهم واحد وأمهم واحدة وتتفاوت خلقتهم وأخلاقهم وعقولهم وحظوظهم، ابحث عن أسرار هذه التخصيصات لا تجدُ إلى ذلك سبيلا.\nوقوله: (لم يَطَّلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل) فكيف بمن دونهم؟ إذا كان الرسل الذين هم صفوة الخلق،","vol":"1","page":169},{"text":"والمقربون من الملائكة لم يطلعوا على سر القدر، فهذا يؤكد أن ذلك مما استأثر الله به واختص بعلمه، فسر القدر من الغيب المطلق؛ لأن الغيب نوعان:\nغيب مطلق، وغيب نسبي.\nفالغيب النسبي: الذي يعلمه بعض الخلق دون بعض، فهو غيب بالنسبة لمن لم يعلمه، وفي الدعاء المعروف: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) (^١)، فالسر القدري من الغيب المطلق الذي اختص الله به، لم يُطْلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا؛ لأنهم لا علم لهم إلا ما علمهم الله: «قَالُواْ سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا» [البقرة: ٣٢]، وقال تعالى: «وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًَا» [الإسراء: ٨٥].\n_________\n(^١) رواه أحمد ١/ ٣٩١، وابن حبان (٩٧٢) والحاكم ١/ ٥٠٩ من حديث ابن مسعود ﵁، وقال الدارقطني في العلل ٥/ ٢٠٠: إسناد ليس بالقوي.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>[البحث في أسرار القدر سبب للضلال]</span>\nوقوله: (والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان).\nالتعمق: التكلف في البحث. والنظر: التفكر.\nفالتعمق والنظر في أسرار القدر والبحث عن ذلك، يقول المؤلف إنه: (ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان) هذه كلمات متقاربة مقصودها: أن التعمق والنظر سبب الشقاء الهلاك، والمصنف من منهجه في هذه الرسالة أنه يتحرى السجع، وتنويع العبارات.\nوالخذلان: عدم التوفيق، «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ» [آل عمران: ١٦٠] فالتعمق والنظر في أسرار القدر سبب لخذلانه وعدم توفيقه وحرمانه من الاستقامة، وسبب للطغيان فالذي يبحث ويخوض ويتعمق قد طغى وتعدى حده، قف فأنت ضعيف وعبد ومحدود الإدراك، ولا تطلب ما ليس لك، ولا ترم ما لا سبيل لك إليه ولا قدرة لك عليه.\nفالتعمق والنظر سبب لكل شر وشقاء وهلاك، فإنه يضرب في متاهة لا ينتهي فيها إلى حدود.\nوقوله: (فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» [الأنبياء: ٢٣]).\nيؤكد المؤلف ما سبق، بعدما بين خطورة الخوض في أسرار القدر بالكلمات السابقة قال: فالحذر كل الحذر من التعمق والبحث في أسرار","vol":"1","page":171},{"text":"القدر (نظرا وفكرا ووسوسة) والنظر والفكر بمعنى: التفكير.\nوالوسوسة دون ذلك، فقد تكون بداية التفكر والنظر، (فالحذرَ) منصوب على الإغراء، أي: الزم الحذر والخوف أيها المسلم العاقل الناصح لنفسك.\nوالوسوسة هي: إلقاء المعاني في القلب، فالشيطان يوسوس فيلقي معاني الشبهات، ومعاني الشهوات في القلب مثل البذر، فوساوس الشيطان هي البذرة الأولى للشرور كلها؛ لكن هذه الوساوس قد تموت في مكانها إذا وفق الإنسان لدفعها، وتعوذ بالله منه فإنها تنتهي، وقد يثمر تفكيرا وتفكرا، ثم قد يثمر كلاما وعملا، فكل الشرور التي تشاهد بالعيون وتسمع بالآذان كلها نابتة من ذلك الوسواس، والله تعالى قد أنزل سورة ليتحصن بها المسلم من ذلك الوسواس الخناس: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * من الجنة والنَّاسِ» [الناس: ١ - ٦]، وسبقت الإشارة (^١) إلى الحديث الذي ورد في شأن الوسواس: (يأتي الشيطانُ أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) فالشيطان يلقي في القلوب أخبث الوساوس؛ لكن المؤمن الموفق يدفعها باعتصامه بربه وبلجوئه إلى مولاه، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان، فإن الله هو الذي خلق الشيطان وهو قادر على أن يصرفه عنك.\nوقوله: (فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه) عن خليقته (ونهاهم عن مرامه) هذا تأكيد لما سبق من قوله: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل) فالمؤلف ﵀ أراد أن يؤكد هذا الأمر العظيم بهذه المؤكدات: (فإن الله طوى علم القدر عن أنامه) طوى علمه: اختص به، ولم يطلعهم\n_________\n(^١) في ص ١٢٩.","vol":"1","page":172},{"text":"عليه، (ونهاهم عن مرامه) أي: طلبه، فعلم أسرار القدر من العلم الذي لا يجوز أن يطلب.\nلكن هل يجوز البحث في القدر؟\nنعم، فنحن الآن نبحث ونتكلم في القدر، وهذا الذي نتكلم فيه ليس هو الذي نُهينا عنه، نحن الآن نتكلم في معرفة ما يجوز وما لا يجوز من الكلام في القدر، فالإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، والإيمان بالقدر لا يعارض الإيمان بالشرع، بل لا بد من الجمع بينهما، كما أن الإيمان بالقدر لا يعارض إثبات الأسباب، فالأسباب والمسببات كلها جارية بقدر الله، فلا بد أن تنتبه لهذا.\nإذًا؛ الشيء الذي لا يجوز البحث فيه هو البحث في أسرار القدر، لِمَ؟! لِمَ؟! فقد قال تعالى: «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ» [الأنبياء: ٢٣] لا يُسأل تعالى عن ما يفعل لكمال حكمته، والعباد يُسألون «وَهُمْ يُسْأَلُونَ» [الأنبياء: ٢٣] وهذا من النفي غير المحض، وكلُ نفي في صفات الله تعالى فإنه يتضمن ثبوتا.\nوقوله: (فمن سأل: لِمَ فعل؟).\nفمن سأل: لِمَ هدى هذا؟ وأضل هذا؟ وأفقر هذا؟ لِمَ خلق الشرور؟ لِمَ خلق الشياطين؟ يسأل على وجه الاعتراض.\nفإن السؤال يكون على وجهين:\nسؤال اعتراض ومعارضة بالعقل.\nوسؤال طلب للمعرفة.\nفالمنكر العظيم: السؤال على وجه الاعتراض، أو السؤال عن أمر لا سبيل إلى معرفته.\nفالأول: ظاهر الفساد،؛ لأنه اعتراض على أحكم الحاكمين.\nوالثاني: تكلف وبحث عما استأثر الله بعلمه وطوى علمه عن العباد.","vol":"1","page":173},{"text":"وقوله: (فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) حكم الكتاب هو حكم الله، ومن رد حكم الله كان كافرا به ﷾، «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» [يوسف: ٤٠]، «فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ» [التين: ٧ - ٨].","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>[وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وترك الخوض فيما طوي عنا علمه]</span>\nوقوله: (فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوَّر قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود).\nقد يكون مراده من هذه الإشارة من أول ما يتعلق بالتوحيد والرسالة والقرآن وما بعد ذلك، أو يريد القريب وهو ما يتعلق بالأصل السادس وهو الإيمان بالقدر، وكأن الأرجح رجوع الضمير إلى كل ما تقدم، (فهذا جملة ما يحتاج إليه) أي: ما لا بد منه (لمن هو منوَّر القلب) ولا يكون منوَّر القلب إلا بذلك، فنستطيع أن نقول: فهذا جملة اعتقاد من قلبه نَيِّر، والإيمان في القلب نور؛ لأن النور نوعان:\nنور حسي: يرى بالأبصار.\nونور معنوي: قال الله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [النور: ٣٥]، الشاهد: «مَثَلُ نُورِهِ» [النور: ٣٥] أي: مثل نور الله في قلب عبده المؤمن.\nفالإيمان نور في القلب، والله تعالى سمى الوحي المنزل نورًا: «فَآمِنُوا","vol":"1","page":175},{"text":"بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا» [التغابن: ٨] والإيمان والعلم في القلوب نور: «أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًَا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًَا» [الأنعام: ١٢٢] أي: في قلبه.\nوهذه معان عظيمة تُنَبِّه إليها هذه النصوص؛ ولكن ما حظك من هذا الأمر العظيم؟ وفي دعاء النبي ﷺ: (اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا واجعل لي نورا) (^١) المؤمن الكامل الإيمان في قلبه نور، وفي سمعه، وفي بصره، والنور محيط به؛ والنور المعنوي هو: نور العلم والإيمان قال تعالى: «أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًَا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًَا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ» [الأنعام: ١٢٢] وقال تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» [البقرة: ٢٥٧] يخرجهم من ظلمات الكفر والغفلة والمعصية والجهل، إلى نور الإيمان والعلم والبصيرة.\nوالقلوب لها أحوال كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادّا كالكوز مُجَخِّيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه) (^٢)\nوقد دلت النصوص على أن القلوب ثلاثة أقسام (^٣):\nقلب حي سليم، وهو قلب المؤمن.\nوقلب ميت، وهو قلب الكافر.\nوقلب مريض، فيه مادة حياة، ومادة موت، أي: فيه صحة ومرض، وهو لما غلب عليه منهما.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٢) رواه مسلم (١٤٤) من حديث حديفة ﵁.\n(^٣) إغاثة اللهفان ١/ ٧.","vol":"1","page":176},{"text":"واقرأ ما ذكر ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» في مثل النور في قلب المؤمن (^١) واقرؤوا كلامه على قوله تعالى: «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ» [النور: ٣٥] في «الوابل الصيب» (^٢) فقد أجاد في الكلام عليها وأحسن.\n\nوقوله: (من هو منوَّر القلب من أولياء الله) فكل ولي لله فهو منوَّر القلب، وكل منوَّر للقلب فهو ولي لله، وولاية الله تقوم على الإيمان والتقوى، والإيمان والتقوى لا يكونان إلا بالعلم.\nإذًا؛ فولي الله هو الذي نور الله قلبه بالعلم والإيمان، وظهر أثر ذلك على جوارحه بالتقوى وبالأعمال الصالحة، ولذا قال المؤلف: (وهي درجة الراسخين في العلم) الراسخون في العلم ذكرهم الله في قوله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا» [آل عمران: ٧]، فالراسخون في العلم هم المتمكنون في العلم، ليسوا على حَرف في العلم أو في الإيمان أو في العبادة، لا؛ بل هم ثابتون راسخون، وهم يؤمنون بكل ما جاء عن الله، ولا يعارضون ما أخبر الله به، وما أخبرت به رسله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ» [آل عمران: ٧] بخلاف الذين في قلوبهم زيغ فإنهم يتبعون المتشابه «ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ» [آل عمران: ٧] وابتغاء إضلال الناس، ولبس الحق بالباطل.\nوقوله: (لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود)\nالعلم الموجود: مسائل الاعتقاد والشرائع، فهذا العلم الذي بعث الله به رسوله ﷺ، وهو موجود في القرآن والسنة ففيهما من الأخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة ما يعلمه من تدبرهما.\n(وعلم في الخلق مفقود) وهو علم الغيب الذي طواه الله، مثلما تقدم في القدر: (أن الله\n_________\n(^١) ص ٣٩.\n(^٢) ص ١١٩.","vol":"1","page":177},{"text":"تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه) (^١) فسر القدر هو من العلم المفقود، وكيفية صفات الرب من العلم المفقود، وحقائق الآخرة من العلم المفقود، ولا سبيل إلى معرفة ما استأثر الله بعلمه.\nوالمؤلف رتب على هذا قوله: (فإنكار العلم الموجود كفر) جحد شيء مما علم بالضرورة من أخبار الرسول ﷺ، أو الشرائع التي جاء بها كفرٌ.\n(وادعاء العلم المفقود كفر)؛ لأنه ادعاء لعلم الغيب، فتكييف صفات الرب كفر؛ لأنه قول على الله بلا علم؛ لكن الذي يسأل عن الكيف، كمن يقول: كيف استوى؟ فهذا مبتدع يجب الإنكار عليه، كما أنكر الأئمة عليه كمالك ﵀ حين رد بتلك الجمل التي صارت قاعدة: (الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك إلا رجل سوء، فأمر به فأخرج). (^٢)\nوقوله: (ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود).\nلا يثبت الإيمان ولا يستقر ولا يسلم (إلا بقبول العلم الموجود) وهو الإيمان بما بعث الله به رسوله (وترك طلب العلم المفقود)، قال تعالى: «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًَا» [الإسراء: ٣٦]، والله تعالى علم نبيه ﷺ فقال: «قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ» [الأنعام: ٥٠] وفي الآية الأخرى: «وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ» [الأعراف: ١٨٨].\n_________\n(^١) ص ١٧١.\n(^٢) صح هذا الأثر عن الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والإمام مالك رحمهما الله. انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص ٤٤٠ - ٤٤٢، وعقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٣٧، وذم التأويل ص ٢٥، والأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في صفة الاستواء ص ٨٤ و١٢٣.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>[الإيمان باللوح والقلم]</span>\nوقوله: (ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رُقِم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمُه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عَقْد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيْرًَا» [الفرقان: ٢] وقال تعالى: «وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًَا مَقْدُوْرًَا» [الأحزاب: ٣٨]، فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما)\nكل هذا دائر على موضوع القدر، والمصنف أطنب في الكلام على موضوع القدر وذلك لأهميته، وفرق الكلام فيه كما تقدم؛ لأن قوله هناك (^١): (ولا يكون إلا ما يريد)، وقوله أيضا (^٢): (خلق الخلق بعلمه)، كل هذا مما يتصل بالقدر، والموضوع لا شك أنه جدير بزيادة التقرير\n_________\n(^١) ص ٤١.\n(^٢) ص ٦٨.","vol":"1","page":179},{"text":"والتأكيد، وبيان ما يقتضيه الإيمان بالقدر، وتقدم … (^١) أنَّ جِماعَ الأمرِ الإيمانُ بالقدر بمراتبه الأربع، والإيمانُ يتضمن التسليم لحكم الله ولقدره، وترك المعارضة، والإمساك عن الخوض فيما طوى الله علمه عن العباد.\nويقول هنا: (ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رُقِم) من توابع الإيمان بالقدر الإيمان باللوح، واللوح المحفوظ ذكره الله تعالى بهذا اللفظ في سورة البروج، قال تعالى: «فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ» [البروج: ٢٢] واللوح المحفوظ هو: أم الكتاب «يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» [الرعد: ٣٩]، وهو الكتاب المبين المذكور في قوله تعالى: «وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ» [الأنعام: ٥٩] وهو الكتاب المكنون: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ» [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] فقد ذكر بأسماء متعددة في القرآن: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» [الحج: ٧٠].\nفيجب الإيمان باللوح المحفوظ تصديقا لخبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ، وهو الذي كتب الله فيه مقادير كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، (وبالقلم) أي: قلم المقادير الذي ورد فيه حديث عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ قال: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة) (^٢) فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا القلم هو قلم المقادير الأول، والمقادير أو التقديرات أنواع، وكل قَدر له قلم يناسبه؛ لأن الكتابة تكون بالقلم.\nفالقدر الأول هو القدر العام لجميع المخلوقات.\n_________\n(^١) ص ١٦٢ وما بعدها.\n(^٢) رواه أحمد ٥/ ٣١٧، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥) - وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه ـ، وابن جرير في تاريخه ١/ ٢٨، وصححه، والضياء في المختارة في مواضع منها: ٨/ ٣٥١ - ٣٥٣.","vol":"1","page":180},{"text":"والتقدير الثاني الذي قدر الله فيه أمور آدم وذريه، وهو الذي أُشير إليه في حديث احتجاج آدم وموسى، وأن آدم ﵇ قال لموسى ﵇: هل وجدت في التوراة: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ: فحج آدم موسى\" (^١).\nوالتقدير الثالث: وهو التقدير المختص بكل إنسان، كما في الحديث المتفق على صحته عن النبي ﷺ: \" أنه قال - في الجنين عندما يبلغ أربعة أشهرـ: فيأتيه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد … (^٢).\nوالتقدير الرابع، وهو التقدير الحولي: وهو ما يكون في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤]، وسميت ليلة القدر؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.\nوهذه التقديرات لا تخالف ولا تناقض التقدير الأول العام.\nفنؤمن باللوح والقلم ولا نتكلم في كيفية اللوح، وكيفية القلم، وكيفية تلك الكتابة، فالله أعلم كيف كانت تلك الكتابة، كل ذلك غيب يجب أن نمسك عنه، ولا نخوض فيه، ولا نفكر فيه.\nوقوله: (وبجميع) أي: ونؤمن بجميع (ما فيه قد رُقم) أي: كُتِب، فنؤمن إيمانا مجملا بأن الله كتب فيه مقادير الخلق، لكن هل نعلم ما رُقِم فيه وما كُتِب فيه؟ لا نعلم؛ إلا ما أخبر الله تعالى به ورسوله ﷺ؛ لكن نعلم أن كل ما يقع في الوجود فهو\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) تقدم في ص ٧٢.","vol":"1","page":181},{"text":"مكتوب؛ لكن قبل الوقوع لا ندري إلا أن يأتي فيه خبرٌ من معصوم.\nوقوله: (لو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه] يعني: لو اجتمع الخلق على أن يغيروا ما سبق به علم الله وكتابه لم يقدروا، وهذا معلوم بالضرورة أن الخلق لا يقدرون على تغيير قدر الله، ومن أدلة ذلك ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) (^١) فالأمر قد فرغ منه، وهذا يوجب للعبد أن يعلق رجاءه وخوفه بربه لا بالأسباب ولا بالعباد؛ لأن العباد إن نفعوك فالله هو الذي أجرى تلك المنفعةَ على أيديهم، وأقدرهم عليها، وجعلهم يريدونها، وهيأ لهم أسبابها، وإن حصلت لك مضرة على يد أحد؛ فاعلم أن هذا بتقدير الله، فلا تغفلْ عن الله وتعلقْ قلبك بهم فتخافهم «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ» [العنكبوت: ١٠].\nوقوله: (جف القلم بما هو كائن) جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (جف القلم بما أنت لاقٍ) (^٢) جف القلم: هذه كناية عن الفراغ من الأمر الذي سبق به القدر، فكل ما يجري في الوجود فقد سبق به علم الله وكتابه، لكن نؤكد على أن الله قضى بحكمته وعلمه وكتابه، إن هذه الأقدار متربط بعضها ببعض، ومن\n_________\n(^١) رواه أحمد ١/ ٢٩٣، والترمذي (٢٥١٦) - وقال: حسن صحيح ـ، والضياء في المختارة ١٠/ ٢٢ - ٢٥، وحسنه الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص ٣٤٥.\n(^٢) رواه البخاري تعليقا (٥٠٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":182},{"text":"قدر الله ترتيب المسبَبَات على الأسباب، ما يجيء لك ولد إلا إذا تزوجت، ولا يعقل أن تقول: إنْ كتب الله لي ولدا فسيأتي ولو لم أتزوج! أو تترك طلب الرزق وتقول: إنْ كتب الله لي رزقا سيأتيني وأنا نائم! نعم قد يكون؛ لكن ليس هذا موجب العقل والفطرة والشرع؛ بل موجب العقل والفطرة والشرع: أن تسعى في طلب الرزق، ولو توكلت على الله، فلا بد لك من الأخذ بالأسباب، وأعظم من ذلك أمر السعادة، فلا تكون السعادة إلا بأسبابها وهي الإيمان والعمل الصالح، ولا يمكن أن يكون الإنسان سعيدًا إلا بالأسباب، فمن تحققت له أسباب السعادة فنعلم بذلك أنه قد سبق علم الله وكتابه بسعادته.\n\nوقوله: (وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبَه وما أصابه لم يكن ليخطئه).\nهذا تأكيد، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) (^١) فما حصل لك من خير أو شر فقد سبق في علم الله وكتابه أنه يصيبك ويحصل لك، وما أخطأك وما فاتك وما سلمت منه فقد سبق علم الله وكتابه بذلك، ولم يكن في علم الله وكتابه أنه يصيبك ثم يخطئك.\nوقوله: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمُه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه).\nهذه الجملة تؤكد ما سبق، وهي أعم من قوله: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة،\n_________\n(^١) رواه أحمد ٥/ ١٨٢، وأبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)، وابن حبان (٧٢٧) من حديث ابن الديلمي عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وحذيفة موقوفا، ورفعه زيد بن ثابت ﵃، وقال الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبير ٨/ ٤٢١٣: إسناده صالح، وصححه ابن القيم في شفاء العليل ص ١١٣. وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٤٣٩).","vol":"1","page":183},{"text":"فلا يُزاد في ذلك العدد، ولا يُنقص منه) (^١) فهذه الجملة بخصوص عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، وقد علم الله ذلك كله؛ لكن هنا المؤلف يؤكد ما يتعلق بالمرتبة الأولى من مراتب القدر، فلا بد أن يعلم العبد أنه قد سبق علم الله بكل ما هو كائن، وسبق قضاؤه وحكمه قضاء مبرما محكما، فلا مُغَيِّر ولا ناقض، ولا زائد ولا ناقص لعلمه وتقديره تعالى، وهذه الجملة شاملة يدخل فيها - مثلا - الملائكة، فقد سبق علم الله وكتابه وتقديره للملائكة بأعدادهم وصفاتهم ومنازلهم وفضائلهم وأعمالهم وأقوالهم، وقد سبق علمه ﷾ وكتابه بعدد الأشجار وأنواعها وأجناسها وثمارها وأوراقها، قال تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ» [الأنعام: ٥٩]\nتأمل ماذا يتساقط من أوراق وحبوب الزروع والأشجار المأكولة وغير المأكولة في القفار وفي الديار؟!\nوتأمل قوله (وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ) فإنها تشمل كل شيء من هذه الكائنات.\nوقس سائر المخلوقات على هذين المثالين المذكورين.\nولسيد قطب ﵀ في تفسيره كلام وتصوير بديع لدلالة هذه الآية، وما فيها من الشمولية العظيمة، والدلالة على الإعجاز. (^٢)\nوقوله: (وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة).\nالعلم بأن الله قد سبق علمه في كل كائن، وقدر ذلك تقديرا محكما هذا من عقد الإيمان، وباختصار نقول: الإيمان بالقدر بكل مراتبه؛ ولكن المؤلف ركَّز هنا على المرتبة الأولى والثانية: مرتبة الإيمان بالعلم السابق الأزلي، ومرتبة الكتاب فركَّز عليها وأكَّد عليها، بقوله: (وذلك\n_________\n(^١) ص ١٦٢.\n(^٢) في ظلال القرآن ٢/ ١١١١.","vol":"1","page":184},{"text":"كله من عقد الإيمان) الذي يجب عقد القلب عليه، والإيمان اعتقاد يعقد الإنسان قلبه عليه.\nوقوله: (والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته).\nلاحظ أن الإيمان بالقدر هو من توحيد الربوبية؛ لأننا نقول في توحيد الربوبية هو: الإيمان بأنه تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء، هكذا نفسر توحيد الربوبية، وهذا يتضمن الإيمان بالقدر، وهو أن كل شيء جارٍ بقدر الله وبمشيئة الله على وفق علمه وتقديره السابق، ولهذا روي عن ابن عباس ﵄: (الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر فقد تم توحيده، ومن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيده) (^١) فالمكذب بالقدر لم يحقق توحيدَ الربوبية؛ فإن كان من الغلاة جحد علم الله وتقديره السابق، ونفى عموم المشيئة وعموم الخلق، وإن كان من مقتصدي النفاة القدرية فهو يُخرج أفعال العباد عن مشيئة الله وعن قدرته وخلقه وملكه.\nإذًا؛ الإيمان بالقدر من توحيد الربوبية، فمن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه، وهذا يوضح قول المؤلف: (وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة).\nوقوله: (كما قال تعالى في كتابه: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيْرًَا» [الفرقان: ٢]، وقال تعالى: «وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًَا مَقْدُوْرًَا» [الأحزاب]).\nهذان دليلان من الأدلة الدالة على الإيمان بالقدر، وأنه تعالى خلق كل شيء على وفق ما سبق به قدره.\n\nوقوله: (فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ٢/ ٤٢٢، والفريابي في القدر ص ١٤٣، والآجري في الشريعة ص ١٨٣ و١٨٤، وابن بطة في الإبانة ٢/ ١٥٩ و١٦٠، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ص ٧٤٢، بمعناه.","vol":"1","page":185},{"text":"فيه قلبا سقيما، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سِرًا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما).\nبعدما ذكر أن هذا هو ما عليه الراسخون في العلم أولياء الله الذين نوَّر الله قلوبهم، وذكر أن هذا كله من عقد الإيمان وأصول المعرفة والتوحيد، أشار إلى من خالف ذلك ولم يعترف به، أو آمن بالقدر إيمانا ليس على الوجه المشروع، فقال: (فويل لمن صار) ويل: كلمة للوعيد والتهديد، قال تعالى: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» [المطففين: ١]، «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» [الهمزة: ١]، «فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» [الطور: ١١] وهذا الوعيد يشمل كل الطوائف: الجبرية المشركية، والمجوسية نفاة القدر، والإبليسية، كلهم يصدق عليهم هذا؛ ولكن دخول الجبرية والإبليسية أظهر؛ لأن الجبرية يحتجون بالقدر في معارضة الشرع كما قال المشركون: «لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا» [الأنعام: ١٤٨] فهم يعارضون شرعه بقدره، ويحتجون على الشرع بالقدر.\nوالإبليسية الأمر فيهم أظهر وخصومتهم لله تعالى وطعنهم في حكمته أشهر، كما قال الله عن سلفهم إبليس لما أمره الله بالسجود لآدم فأبى وقال: «أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» [الأعراف: ١٢].\nوقوله: (وأحضر للنظر) في القدر (قلبا سقيما) فنظر في القدر بقلب سقيم عليل مريض، لم ينظر بقلب حي سليم، والقلوب كما تقدم (^١) ثلاثة على سبيل الإجمال:\nالقلب السليم: وهو الذي سلم من أمراض الشبهات والشهوات، وقلب ميت، وقلب مريض.\nفالذي ينظر في القدر وهو عليل القلب لا يستقيم فهمه، وتضطرب الحقائق في نظره.\n_________\n(^١) ص ١٧٦.","vol":"1","page":186},{"text":"وقوله: (لقد التمس) هذا الذي نظر في القدر بقلب سقيم يطلب ما لا سبيل إلى معرفته؛ لأنه طلب ما استأثر الله بعلمه كما تقدم أن: (القدر سر الله تعالى في خلقه … والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان … فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه) (^١) وهذا الكلام يؤكد ما سبق.\nفالذي نظر في القدر على غير هدىً، وعلى غير بصيرة لم يعتصم بالوحي، فالمعتصم في كل المضائق هو دين الله أرسل به الرسل، وأنزل به الكتب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، من اتبع الرسل اهتدى، ومن أعرض عما جاءوا به ضل وتخبط في الظلمات.\nوقوله: (بِوَهْمِه في فحص القدر سرا كتيما، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما) سر كتيم أي: مكتوم، سرٌ استأثر الله بعلمه، ما دام أنه نظر فيه بقلب سقيم، ونظر فيه بوهمه وتكلف فسيعود بأقوالٍ في القدر هي إفك وكذب، فالجبرية، والقدرية النفاة، والإبليسية كلهم يشملهم هذا الكلام، عادوا بالكذب والإثم المبين، فالجبرية أعرضوا عن الشرع أو كذبوا به، والقدرية كذبوا بالقدر، والإبليسية طعنوا في حكمة الرب وضربوا أحكام الله بعضها ببعض.\nوهنا انتهى ما يتعلق بالقدر مما ذكره المؤلف وقد أطنب فيه ﵀، وقد أحسن في هذه الكلمات الطيبة في التأكيد على وجوب الإيمان بالقدر، وأكد على أصل التسليم وهو أصل عظيم، وحذر من الخوض فيما لا سبيل إلى معرفته من أسرار القدر، وأشار إلى أحوال القلوب، وغير ذلك، فجزاه الله خيرا ورحمه، وسائر أهل العلم والإيمان.\n_________\n(^١) ص ١٦٩، ١٧١.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>[إثبات العرش والكرسي، وغناه تعالى عن كل شيء]</span>\nوقوله: (والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه).\nمما يجب الإيمان به عرش رب العالمين الذي تمدح الرب ﷾ بربوبيته له، واستوائه عليه، فقال تعالى: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال تعالى: «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» [التوبة: ١٢٩]، «ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ» [البروج: ١٥]، وأضافه تعالى إلى نفسه، فقال: «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» [الحاقة: ١٧].\nوقد جاء ذكر العرش في القرآن في مواضع كثيرة.\nوأخبر الله عن صفة العرش بأنه عرش عظيمٌ: «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» [التوبة: ١٢٩]، وكريمٌ «رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» [المؤمنون: ١١٦] ومجيدٌ على قراءة الجر «ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ» [البروج: ١٥]. (^١)\nوأخبر تعالى أن له حملة: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ» [غافر: ٧]، «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» [الحاقة: ١٧].\nوأخبر ﷾ عن استوائه على العرش في سبعة مواضع من القرآن (^٢)،\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف العاشر. التيسير ص ٢٢١، والنشر ٢/ ٣٣٩.\n(^٢) في سورة الأعراف آية ٥٤، وسورة يونس آية ٣، وسورة الرعد آية ٢، وسورة طه آية ٥، وسورة الفرقان آية ٥٩، وسورة السجدة آية ٤، وسورة الحديد آية ٤.","vol":"1","page":188},{"text":"وجاء في السنة وصف العرش بأنه فوق السماوات (^١)، وكل هذا يجب الإيمان به من غير تحديد لكيفيته، فنحن لا نتصور كيفية العرش؛ لأنه غيب.\nوأهل السنة والجماعة يثبتون العرش لله، ويثبتون استواء الله تعالى على العرش، ويثبتون كل ما ورد في صفة العرش، على أساس الإيمان بالله وبكتابه ورسوله ﷺ، وأما المعطلة نفاة الصفات كالجهمية والمعتزلة؛ فإنهم لا يثبتون حقيقة العرش التي دلت عليها النصوص، فيفسرون العرش بالملك، ويقولون: «اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ» [الأعراف: ٥٤] استولى على الملك، فالعرش عبارة عن كل المخلوقات.\nوُرد عليهم بأن هذا التفسير لا يستقيم مع ما ورد في وصف العرش بأن له حملة، قال تعالى: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ» [غافر: ٧] أيكون معناه يحملون الملك؟! هذا لا يستقيم؛ لأن حملة العرش من جملة ملك الله، وفي الحديث عن النبي ﷺ: (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش) (^٢) فتفسير العرش بالملك من تحريفات أهل البدع.\nوأما الكرسي فلم يرد في القرآن إلا في آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله، كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ (^٣)، وسميت بهذا لذكر الكرسي فيها: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ» [البقرة: ٢٥٥] فأضاف الله الكرسي\n_________\n(^١) رواه أحمد ١/ ٢٠٦، وأبو داود (٤٧٢٣) والترمذي (٣٣٢٠) - وقال: حسن غريب ـ، وابن ماجه (١٩٣) وابن خزيمة في التوحيد ص ١٠١، والحاكم ٢/ ٤١٢ و٥٠٠ - وصححه، وتعقبه الذهبي - من حديث العباس ﵁، وصححه الجوزجاني في الأباطيل ١/ ٧٩، وقواه ابن تيمية في الحموية ص ٢٢٢، ومناظرة الواسطية ٣/ ١٩٢، وابن القيم في تهذيب السنن ٧/ ٩٢، وجاء هذا المعنى في أحاديث أخر]، وأن له قوائم [روى البخاري (٢٤١٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش». الحديث.\n(^٢) رواه البخاري (٢٤١٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٣) رواه مسلم (٨١٠).","vol":"1","page":189},{"text":"إليه، وإضافة العرش والكرسي إليه تعالى من إضافة المخلوق إلى خالقه، وفي هذا تشريف للعرش والكرسي، وورد في السنة ذكر الكرسي، وأن العرش أعظم منه، كما في الحديث عن النبي ﷺ: (ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة) (^١)، فالكرسي عظيم وواسع، ومع سعته فالعرش أعظم منه.\nوقد اختلف المفسرون (^٢) في الكرسي المذكور في الآية فقيل: علم الله تعالى، وعلى هذا القول فلا يكون في الآية دلالة على إثبات الكرسي الذي هو شيء قائم بنفسه موصوف بسعته للسماوات والأرض.\nوقيل: إن الكرسي هو العرش، وعلى هذا فليس هناك شيئان، فما هو إلا العرش.\nوقيل: وهو الصحيح عن ابن عباس (^٣)، والمشهور من مذهب أهل السنة أن الكرسي مخلوق عظيم، وهو موضع قدمي الرب ﷾. (^٤) وهذا أرجح الأقوال في تفسير الكرسي.\nوبهذا يتبين أن العرش أعظم من الكرسي بكثير، كما يظهر ذلك من ورود النصوص بذكر العرش وتنوعها، والله ﷾ هو العلي العظيم، هو\n_________\n(^١) رواه بن حبان (٣٦١) وانظر: السلسلة الصحيحة (١٠٩).\n(^٢) تفسير الطبري ٤/ ٥٣٧ و٥٣٩.\n(^٣) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ٣٠١، وصححه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٠٧، والحاكم ٢/ ٢٨٢، والضياء في المختارة ١٠/ ٣١١، وقال العلامة الأزهري في تهذيب اللغة ١٠/ ٣٣: الصحيح عن ابن عباس في الكرسي: ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «الكرسي موضع القدمين، وأما العرش فلا يُقدر قدره». وهذه الرواية اتفق أهل العلم على صحتها، والذي عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار. وانظر: فتح الباري ٨/ ١٩٩.\n(^٤) انظر: أصول السنة ص ٩٦، والفتوى الحموية ص ٣٥١.","vol":"1","page":190},{"text":"العلي بكل معاني العلو، فله العلو ذاتا وقدرا وقهرا، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، فالمخلوقات كلها صغيرة في جنب عظمته، قال تعالى: «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًَا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» [الزمر: ٦٧].\n\nوقوله: (وهو مستغن عن العرش وما دونه).\nخلق الله السماوات والأرض ثم استوى على العرشِ، واستواؤه تعالى على العرش لا يلزم منه حاجته إلى العرش؛ بل هو تعالى مستوٍ على العرش مع غناه عن العرش، وما دون العرش، هو تعالى الممسك للعرش، والسماوات والأرض، «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا» [فاطر: ٤١]، «وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» [الحج: ٦٥] وليس استواؤه سبحانه على العرش كاستواء المخلوق على ظهر الفلك والأنعام ونحوها من المراكب، فالمخلوق مفتقر إلى ما هو مستو عليه مستقر عليه بحيث لو عثرت الدابة أو غرقت السفينة لسقط أو غرق المستوي عليها، فهو مفتقر إلى ما هو مستوٍ عليه، محتاج ومعتمد عليه، والله بخلاف ذلك، فاستواؤه على العرش لا يستلزم افتقاره ولا حاجته إلى العرش، بل هو مستغنٍ عن العرش وعن كل شيء، هو الغني ﷾ عن كل ما سواه، والذين نفوا حقيقة الاستواء زعموا وتوهموا أنه إذا كان تعالى مستوٍ على العرش لزم أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق على ظهر الفلك والأنعام، وهذا فهم باطل وقياس للخالق على المخلوق، ولا يظن ذلك إلا جاهل ضال، فاستواؤه على العرش صفة فعلية من جملة أفعاله، وليس هو كاستواء المخلوق، كما يقال مثل ذلك في سائر الصفات، فكما أن علمه تعالى ليس كعلمنا، ولا قدرته كقدرتنا، ولا سمعه وبصره ورؤيته مثلنا، كذلك استواؤه على العرش ليس كاستوائنا، بل صفاته مختصة به مناسبة له لا تماثل صفات المخلوقين.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>[إثبات صفة الإحاطة والفوقية لله تعالى]</span>\nوقوله: (محيط بكل شيء وفوقه)\nمحيط بكل شيء، وفوق كل شيء، الله تعالى وصف نفسه بالإحاطة في آيات كثيرة كقوله تعالى: «وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ» [البروج: ٢٠]، وفي الآية الأخرى: «وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» [الأنفال: ٤٧]، وقال ﷾: «لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًَا» [الطلاق: ١٢]، هذا الذي جاء في القرآن الإحاطة العلمية، ومعناها: أنه لا يخرج عن علمه تعالى شيء، والشيء المحيط بغيره هو الذي يكون محيط به من جميع الجوانب، فعلم الله محيط بكل شيء، فهو تعالى محيط بكل شيء علما وقدرة «إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [فصلت: ٣٩]، «وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [البقرة: ٢٩].\nأما الإحاطة الذاتية بمعنى أنها كإحاطة الفلك بما فيه فلا، فالله تعالى فوق كل شيء، وليس في ذاته شيء من مخلوقاته؛ بل هو بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته.\nوقوله: (وفوقه) ذكر الشارح ابن أبي العز (^١) أن في بعض النسخ (محيط بكل شيء فوقه) بدون واو، وحينئذٍ يكون المعنى: محيط بكل شيء فوق العرش.\nوأما النسخة التي اعتمدها الشارح بإثبات الواو؛ (^٢) فتكون مفيدة\n_________\n(^١) ص ٣٧٣.\n(^٢) وهي الصواب: وقد نقلها بإثبات الواو: الذهبي في العلو ٢/ ١٢٣٧، وابن القيم في اجتماع الجيوش ص ٢٢٣.","vol":"1","page":192},{"text":"لمعنىً آخر، وهو: أنه تعالى محيط بكل شيء، وفوق كل شيء، فتفيد الجملة أمرين: إثبات الإحاطة وإثبات الفوقية.\nوالفوقية قد جاء ذكرها في القرآن في مواضع مثل قوله تعالى: «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ» [الأنعام: ١٨]، وقال تعالى: «يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» [النحل: ٥٠]، وفي الحديث عن النبي ﷺ: (والله فوق العرش). (^١)\nوالقول في الفوقية كالقول في العلو، فهي ثلاثة أنواع كالعلو:\nعلو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر لكل شيء.\nكذلك الفوقية يقال:\nفوقية الذات، وفوقية القدر، وفوقية القهر.\nففوقية القدر هي: فوقية الصفات، والنزاع الذي بين أهل السنة والمبتدعة إنما هو في علو وفوقية الذات؛ فإن نفاة العلو والفوقية يفسرون علو الذات بعلو القدر، فيقولون: قوله تعالى: «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ» [الأنعام: ١٨] كقولك: الذهب فوق الفضة، من حيث القدر والقيمة.\nوآيات الفوقية هي من جملة الأدلة على علو الله تعالى بذاته، فالله فوق عباده «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ» [الأنعام: ١٨]، وقال تعالى: «يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» [النحل: ٥٠]، وأدلة علو الله في ذاته على المخلوقات كثيرة جدا، وذكر ابن القيم (^٢) أنها أنواع، وكل نوع تحته أفراد، فمنها:\n١ - التصريح بوصفه تعالى بالعلو، كقوله تعالى: «وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» [البقرة: ٢٥٥] في آيات كثيرة.\n٢ - التصريح بالفوقية «يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» [النحل: ٥٠].\n٣ - التصريح بأنه في السماء: «أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [الملك: ١٦] وقال النبي ﷺ: (ألا تأمونني وأنا أمين من في السماء) (^٣).\n_________\n(^١) تقدم قبل صفحة: رواه أحمد ١/ ٢٠٦، وأبو داود (٤٧٢٣) والترمذي (٣٣٢٠) - وقال: حسن غريب ـ، وابن ماجه (١٩٣) وابن خزيمة في التوحيد ص ١٠١، والحاكم ٢/ ٤١٢ و٥٠٠ - وصححه، وتعقبه الذهبي - من حديث العباس ﵁، وصححه الجوزجاني في الأباطيل ١/ ٧٩، وقواه ابن تيمية في الحموية ص ٢٢٢، ومناظرة الواسطية ٣/ ١٩٢، وابن القيم في تهذيب السنن ٧/ ٩٢.\n(^٢) الكافية الشافية ص ١٠٣، وإعلام الموقعين ٢/ ٢٨١.\n(^٣) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"1","page":193},{"text":"٤ - الإخبار برفع بعض المخلوقات إليه: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» [النساء: ١٥٨].\n٥ - الإخبار بعروج بعض المخلوقات إليه: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ» [المعارج: ٤].\n٦ - الإخبار بصعود بعض الأمور إليه: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» [فاطر: ١٠].\n٧ - الإخبار عن بعض المخلوقات بأنها عنده: «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ» [الأعراف: ٢٠٦]، «وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ» [الأنبياء: ١٩] ويستدل أهل السنة بهذا على العلو؛ لأن المبتدعة الذين ينفون علو الله يقولون: إنه في كل مكان، وإذا كان في كل مكان - تعالى الله عن ذلك - فلا تكون بعض المخلوقات عنده دون بعض؛ بل تصبح كل المخلوقات عنده؛ لأنه في كل مكان، فلا يختص الملائكة بقرب ولا يوجد قريب وبعيد!\nإذًا؛ الله تعالى ليس في كل مكان، وإذا لم يكن في كل مكان - وهو كذلك - فلا بد أن يكون في أكمل الأمور والأحوال وهو العلو لا في السفل.\nكما يستدلون بالسؤال عنه بـ (أين)؛ لأن من أدلة أهل السنة على إثبات علو الله على خلقه صحة السؤال عنه بـ (أين) كما قال النبي ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء) (^١)، ونفاة العلو لا يجوز عندهم السؤال عن الله بـ (أين) إنما يُسأل بـ (أين) عمن هو في مكان، والله عندهم ليس في مكان، ويقولون المقولة التي فيها التضليل والتزوير: (كان الله ولا عرش، وهو على ما عليه كان) ويتوصلون بهذا التعبير إلى نفي الاستواء على العرش. (^٢)\n_________\n(^١) رواه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم ﵁.\n(^٢) الاستقامة ص ١٣٧، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٧٤، واجتماع الجيوش ص ٢٧٥.","vol":"1","page":194},{"text":"وإذا قلنا: إنه تعالى ليس في كل مكان؛ بل هو في العلو فليس معناه: أنه في مكان موجود محيط به؛ بل هو فوق العالم، وليس فوق العالم كله موجود إلا الله تعالى، فالله تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقات؛ بل هو تعالى فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، فتضمن قول الطحاوي: (محيط بكل شيء وفوقه) إثبات صفة الإحاطة وإثبات العلو لله تعالى، وبين إثبات العرش وإثبات العلو تناسب؛ لأنه تعالى مستوٍ على العرش، بل نصوص إثبات الاستواء هي من جملة ما يستدل به على علو الله تعالى بذاته.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>[عجز الخلق عن الإحاطة بالله تعالى]</span>\nوقوله: (وقد أعجز عن الإحاطة خلقه).\nأعجز الخلق عن أن يحيطوا به، فلا يحيطون به علما كما قال تعالى: «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًَا» [طه: ١١٠]، فالعباد يعرفون ربهم بما جعله في فطرهم، وبما أوحاه إلى رسله، ومع ذلك هم لا يحيطون به علما، يقول أعلم الخلق به ﷺ: (لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (^١)] لا يحيط العباد بما له من الأسماء، وبما له من الصفات، ولا يعلمون كيفية ذاته وكيفية صفاته، وكذلك إنْ رأوه لا يحيطون به رؤية: «لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ» [الأنعام: ١٠٣] فلا تحيط به الأبصار.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>[إثبات صفة الخلة والتكليم لله تعالى]</span>\nوقوله: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما).\nنقول نحن أهل السنة: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، كما أخبر سبحانه في كتابه: «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًَا» [النساء: ١٢٥] وأخبر سبحانه أنه كلم موسى تكليما، قال سبحانه: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًَا» [النساء: ١٦٤]، وفي هذا فضيلة لإبراهيم وفضيلة لموسى، فإبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) (^١) وقال ﷺ: (إن صاحبكم خليل الله) (^٢).\nوأهل السنة يثبتون المحبة ويثبتون الكلام لله، ويقولون: إن الله يُحِب ويُحَب، قال تعالى: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» [المائدة: ٥٤]، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» [التوبة: ٤]، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» [البقرة: ٢٢٢]، ويُكَلِّم ويَتَكَلَم، فيثبتون صفة المحبة وصفة الكلام.\nوالخُلَّة هي أكمل المحبة، فإبراهيم ﷺ خليل الله، فله من محبة الله ما تبوأ به منزلة الخُلَّة التي هي: أعلى درجات المحبة، ونبينا ﷺ خليل الله أيضا، فإبراهيم ومحمد هما خليلان لله تعالى، وأما ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن إبراهيم خليل الله … وأنا حبيب الله\n_________\n(^١) تقدم ص ٩٦.\n(^٢) تقدم ص ٩٥.","vol":"1","page":197},{"text":"ولا فخر) فهو حديث ضعيف (^١)، وقد تعلق به بعض الجهلة وأهل الغلو، فيسمون الرسول ﷺ: حبيب الله (^٢)، وكأن المحبة عندهم أعلى من الخُلَّة، وهذا خلاف اللغة، وخلاف دلالات النصوص، فالمحبة ثابتة للأنبياء والمؤمنين والملائكة، كل على منزلته من محبة الله ﷾، «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» [آل عمران: ٣١]، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» [التوبة: ٤]، «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» [البقرة: ١٩٥]، فالمحبة مشتركة بين سائر المؤمنين، كل له حظه من محبة الله بحسب إيمانه وتقواه، فوصف الرسول ﷺ بأنه: حبيب الله فقط ليس فيه خصوصية ولا تميز، فكل مؤمن هو حبيب الله - أي ـ: محبوب لله.\nوتقدم ذكر (^٣) الأدلة على إثبات صفة المحبة، وصفة الكلام لله تعالى.\nوالمعطلة من الجهمية والمعتزلة (^٤) ومن تبعهم ينفون هذه الصفات، فالجهمية يقولون: إنه لا يُحِب ولا يُحَب؛ لأن المحبة ميل الشيء إلى ما يناسبه، ولا تناسب بين الخالق والمخلوق، وهذا - إن صح أن يكون تفسيرا للمحبة - يختص بمحبة المخلوق، فالمحبة معنىً معقولٌ هو ضد البغض، والله تعالى أخبر بأنه يحب أولياءه ويحب المؤمنين والمقسطين والتوابين، وأخبر بأنه يمقت الكافرين: «لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» [غافر: ١٠].\nونفاة المحبة منهم من يفسر المحبة من الله بإرادة الإنعام، أو يفسرها بنفس النعم المخلوقة، ويفسر البغض بإرادة الانتقام، أو بنفس العقوبة، المهم عندهم نفي حقيقة المحبة عن الله، وينفون محبة المخلوق\n_________\n(^١) تقدم في ص ٩٦.\n(^٢) انظر: ص ٩٦.\n(^٣) ص ٩٥، ص ١١١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٦.","vol":"1","page":198},{"text":"للخالق سبحانه ويقولون: إن المحبة هي محبة ثوابه، أو محبة طاعته، والمحبة عندهم لا تتعلق إلا بالمخلوق.\nومن المبتدعة من أثبت المحبة من جهة المخلوق، كالصوفية؛ فإنهم يبالغون في إثبات محبة المخلوق للخالق حتى يعبرون عن محبتهم لله بالعشق، وكذلك الفلاسفة يطلقون العشق على الله تعالى. (^١)\nوالحق: ما دل عليه كتاب الله، ودلت عليه الفطر والعقول بأنه ﷾ يُحِب ويُحَب؛ يحب ملائكته وأنبياءه والصالحين من عباده، كما أخبر تعالى بذلك عن نفسه، ويحبه أولياؤه كما في الآية التي جمعت بين الأمرين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» [المائدة: ٥٤] وقوله تعالى: «قل إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» [آل عمران: ٣١].\nوكل صفة تثبت لله تعالى فليست مثل صفة المخلوق، فليس حبه تعالى كحبنا، وليس كلامه وتكليمه ككلامنا، والقول في بعض الصفات كالقول في بعض، فـ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [الشورى: ١١] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فكما أنه تعالى له علم لا كعلمنا، وسمع لا كسمعنا، فله محبة لا كمحبتنا، ورِضًا لا كرِضَانا.\nوأما ما ذكره الشارح ابن أبي العز (^٢) من الكلام في الخُلَّة، وقول الشاعر (^٣):\nقد تخللت مسلك الروح مني … ولذا سمي الخليل خليلا\nفهذا تفسير للخُلَّة التي هي صفة المخلوق، وكذلك قوله: (^٤) إن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٣١، والرد على المنطقيين ص ٢٥٨ و٣٥٩، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ١٠٠ و٢٣١ والرسالة الصفدية ص ١٢٥ و٢٩٧.\n(^٢) ص ٣٩٦.\n(^٣) البيت لبشار بن برد في ديوانه ٢/ ٤٧٥.\n(^٤) ص ٣٩٧.","vol":"1","page":199},{"text":"الخُلَّة لا تقبل الشركة، فهذا فيه نظر؛ لأن الله اتخذ إبراهيم ﷺ خليلا واتخذ محمدا ﷺ خليلا، نعم من كان الله خليله فلا يكون أحد من الخلق خليله، كما في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ (لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله) (^١) فدل على أن المانع له من أن يتخذ أبا بكر خليلا أن الله اتخذه خليلا، وهذا يقتضي أن يكون الله خليله، وإن لم يرد - فيما أعلم - وصف الله بأنه خليل إبراهيم، أو خليل محمد، لكن هذا الحديث يشعر بهذا، وأن الله حين اتخذ محمدا خليلا لم يكن للرسول ﷺ خليل من الخلق، وأن ذلك يقتضي أن الله خليله، وهذا من الأدلة على أن أبا بكر ﵁ هو أفضل هذه الأمة على الإطلاق، فهو صديق الأمة وخيرها بعد نبيها؛ لأنه ﷺ قال: (لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا).\n_________\n(^١) تقدم في ص ٩٥.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>[وجوب الإيمان بالملائكة والأنبياء والكتب]</span>\nوقوله: (ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين).\nأهل السنة يؤمنون بهذه الأصول، بالملائكة وبالأنبياء وبالكتب، وهذه ثلاثة أصول من أصول الإيمان التي ذكرها الرسول ﷺ في جوابه لجبريل حيث قال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره). (^١)\nوالإيمان بأصول الإيمان يكون على وجهين:\nمجمل، ومفصل.\nفأما الإيمان بهذه الأصول إجمالا فرض عين على كل مكلف، فعلى كل مكلف أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بالقدر، والإمام الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة لم يراعِ ترتيب مسائل الإيمان، فيذكر مسائل تتعلق - مثلا - بالإيمان بالله، ومسائل تتعلق بالإيمان بالرسل، ثم يعود ويذكر مسائل تتعلق بالإيمان بالكتب أو بالملائكة أو باليوم الآخر، من غير مراعاة للترتيب، ولهذا قال الشارح ابن أبي العز: (الشيخ ﵀ لم يجمع الكلام في الصفات في المختصر في مكان واحد، وكذلك الكلام في القدر ونحو ذلك، ولم يعتن فيه بترتيب. وأحسن ما يرتب عليه كتاب أصول الدين ترتيب جواب النبي ﷺ لجبريل ﵇ حين سأله عن الإيمان). (^٢)\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨) من حديث عمر ﵁.\n(^٢) ص ٦٨٩.","vol":"1","page":201},{"text":"ولكن في الحقيقة هذا التفريق عندي له فائدة وهي: أن الصلة بهذه الأصول مستمرة لا تنقطع؛ فيتجدد الكلام ويتكرر؛ فيحصل بسبب ذلك التذكير والضبط، فعلى سبيل المثال: مسائل القدر جاءت متفرقة؛ لكن صار من فائدته: تجدد الكلام في القدر، وحصل فيه التأكيد ومزيد الإيمان والإيضاح؛ لكن إذا جُمع الكلام في موضع واحد فإنه مع طول الوقت يُغفل عنه.\nفهنا قال: (ونؤمن بالملائكة والنبيين) هذا إيمان مجمل، نؤمن بالملائكة كما ذكر، والإيمان بالملائكة كما جاء في السنة جاء في القرآن مقرونا بالإيمان بالله في ثلاثة مواضع في قوله تعالى: «وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ» [البقرة: ١٧٧]، وقال ﷾: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًَا بَعِيدًَا» [النساء: ١٣٦]، وقال سبحانه: «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» [البقرة: ٢٨٥] فنؤمن بالملائكة الذين وصفهم الله بصفات كريمة، فقال تعالى عنهم: «وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًَا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ» [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨].\nوقد أخبر الله تعالى أن الملائكة أصناف منهم: ملك الموت، قال تعالى: «قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ» [السجدة: ١١].\nومنهم الملائكة الذين هم من أعوان ملك: ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقد أضاف الله إليهم التوفي كما أضافه إلى ملك الموت، قال تعالى: «وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ» [الأنعام: ٩٣]، وقال تعالى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [النحل: ٣٢].\nومنهم الملائكة الموكلون بحفظ وكتابة أعمال العباد «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ» [الانفطار: ١٠].","vol":"1","page":202},{"text":"ومنهم الملائكة الموكلون بالوحي «يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ» [النحل: ٢].\nوقد سمى الله من الملائكة في القرآن جبريلَ وميكائيل ومالك خازن النار، قال تعالى: «مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ» [البقرة: ٩٨] وقال تعالى: «وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ» [الزخرف: ٧٧].\nوجاء في السنة تسمية إسرافيل ومنكر ونكير، ففي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يستفتح في قيام الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل) (^١) وروى الترمذي عن النبي ﷺ تسمية الملكين الَّذَيْنِ يسألان المقبور: بـ «المنكر والنكير» (^٢).\nوالملائكة خلق من خلق الله فيجب الإيمان بأنهم عباد مخلوقون مربوبون مدبرون ليسوا بآلهة كما ظن المشركون، وليسوا بنات الله كما افترى المفترون «فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًَا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» [الصافات: ١٤٩ - ١٥٢] فمن الناس من ينكر وجودهم، ومنهم المتأول الذي يقول: الملائكة هي القوى الَخيِّرة في الإنسان، والشياطين هي القوى الشريرة في الإنسان، فليسوا خلقا قائمين بأنفسهم، وهذا خلاف ما أخبر الله به في كتابه من أمر الملائكة، فهم عباد عابدون لله مطيعون في غاية من العبودية والطاعة لله رب العالمين: «يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ» [الأنبياء: ٢٠]، «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ» [الأعراف: ٢٠٦]، وذكر الله ما دار بينه وبين الملائكة في أمر خلق آدم: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ\n_________\n(^١) رواه مسلم (٧٧٠).\n(^٢) (١٠٧١) - وقال: حسن غريب ـ، وابن حبان (٣١١٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":203},{"text":"خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ» [البقرة: ٣٠] إلى آخر القصة.\nوأما الأنبياء فكذلك يجب الإيمان بهم إجمالا، ويجب الإيمان بمن سمى الله منهم تفصيلا، وقد ذكر الله الإيمان بالرسل في الآيات الثلاث التي تقدمت (^١)، وذكروا في آيات أخرى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًَا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًَا وَذُرِّيَّةً» [الرعد: ٣٨]، «وَرُسُلًَا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًَا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ» [النساء: ١٦٤]، فرسل الله وأنبياؤه كثيرون؛ لكن منهم من قص الله علينا من أخبارهم، ومنهم من لم يقصهم علينا، ومنهم من ذَكر اسمه ولم يذكر تفصيلَ خبره، مثل: ذي الكفل وإدريس واليسع، وقص الله علينا أخبار أنبياء كثيرين؛ كنوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى، فيجب الإيمان بما أخبر الله به عن الأنبياء والمرسلين إجمالا وتفصيلا؛ فأما الأيمان بهم مجملا؛ فهو فرض عين، وأما معرفة أخبارهم تفصيلا فهو فرض كفاية، ويجب على من علم شيئا من تفصيل أخبارهم أن يؤمن به.\nوبمناسبة ذكرِ المؤلف ﵀ (ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين) ترد مسألة الفرق بين النبي والرسول، وقد سبق الكلام عليها عند قول المؤلف: (وإن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى) (^٢).\nوالأصل الثالث من أصول الإيمان في عبارة المؤلف ﵀ هو الإيمان بالكتب، فإنه قال: (ونؤمن بالملائكة والنبيين وبالكتب المنزلة على المرسلين) وقدَّم ذكر الأنبياء على الكتب، مع أن الذي في الآيات والأحاديث تقديم ذكر الكتب على الرسل، قال تعالى: «وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ» [البقرة: ١٧٧]، «كُلٌّ آمَنَ\n_________\n(^١) في ص ٢٠٢.\n(^٢) ص ٨٦.","vol":"1","page":204},{"text":"بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ» [البقرة: ٢٨٥]؛ لكن الظاهر أن المؤلف قدم وأخر، مراعاة لتناسب الجمل.\nفيجب الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على من شاء من رسله، والله أخبر في آيات كثيرة أنه أنزل الكتب وسمى لنا التوراة والإنجيل، قال تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ» [آل عمران: ٣]، والزبور «وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا» [الإسراء: ٥٥]، وصحف إبراهيم وموسى «صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى» [الأعلى: ١٩]، فيجب الإيمان بكتب الله إجمالا، وهذا فرض عين، وبما سمى الله منها تفصيلا وتعيينا فنؤمن بالتوراة المنزلة على موسى، وبالإنجيل المنزل على عيسى، وبالزبور المنزل على داود، وبصحف موسى وإبراهيم، ونؤمن بأنها كلام الله، فالكتب المنزلة كلها كلام الله.\nوالإيمان بالكتب يندرج في الإيمان بالرسل؛ لأنهم هم الذين جاءوا بها قال الله تعالى: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» [البقرة: ١٣٦] لا نفرق بين الرسل ولا نفرق بين الكتب «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًَا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًَّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًَا مُهِينًَا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ» [النساء: ١٥٠ - ١٥٢].\nوأنكر الله على اليهود إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض.\nوهذه الأصول يتعلق بها كثير من مسائل الاعتقاد، نص المصنف ﵀ على بعضها، فيما تقدم، وكما سيأتي بعضها.\n\nوقوله: (ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين).\nونشهد أن الأنبياء والمرسلين رسل من عند الله، جاءوا بالحق من عنده، وكلهم صادقون مَصْدوقون، «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ» [البقرة: ١٣٦]،","vol":"1","page":205},{"text":"وأنهم خير خلق الله، وأن بعضهم أفضل من بعض، كما قال سبحانه: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ» [البقرة: ٢٥٣] وقال ﷾: «وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ» [الإسراء: ٥٥] وأفضلهم أولو العزم، وأفضل أولو العزم الخليلان إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأفضلهما نبينا محمد خاتم النبيين ﷺ.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>[تسمية أهل القبلة بالمسلمين]</span>\nوقوله: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين).\nأهل القبلة: هم الذين يستقبلون الكعبة في صلاتهم، فنسمي كل من يستقبل الكعبة: (مسلمين)، فجميع الفرق الإسلامية يسمون أهل القبلة؛ لأن القبلة تجمع المسلمين، وليس فيها خلاف بينهم.\nوأما قوله: (مؤمنين) هذا جارٍ على عدم الفرق بين الإسلام والإيمان، وأنَّ كلَ مسلمٍ مؤمنٌ وكلَ مؤمنٍ مسلمٌ، وأنهما اسمان لمسمىً واحد، وهي مسألة معروفة وكبيرة:\nفمن أهل العلم من يقول: إنهما اسمان لمسمىً واحد.\nومنهم من يقول: بل هما متغايران ومختلفان.\nوالقول الوسط هو: أن الإسلام والإيمان إذا أفردا اتحد معناهما، وإذا اقترنا وذكرا جميعًا اختلف معناهما، كقوله تعالى: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [الأحزاب: ٣٥]، فإذا ذكر الإيمان والإسلام كان المراد بالإسلام الأعمال الظاهرة، وبالإيمان اعتقاد القلب، ولهذا فرق ﷺ بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل، فلما قال: (أخبرني عن الإسلام) أخبره بأصول الأعمال الظاهرة، وهي أركان الإسلام، وعندما قال: (أخبرني عن الإيمان؟) (^١)، فسره له بأصول الاعتقاد وهي الأصول الستة.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٠١.","vol":"1","page":207},{"text":"فعلى القول بالفرق لا نسمي كلَ أحدٍ مسلما مؤمنا؛ بل الفاسق لا نعطيه الاسم المطلق بل نقول: هو مسلم، وإذا وصفناه بالإيمان نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بما معه من الإيمان.\nوقوله: (ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين) ما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، واستقاموا واستمروا على الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وقوله: (وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين) تأكيد للجملة الأولى؛ لأنها داخلة فيها.\nوالرسول ﷺ جاء بأمرين:\nبعلم، وعمل، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ» [الفتح: ٢٨] فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق هو: العمل الصالح، والدين دائر على هذين الأصلين: العلم والعمل؛ فالإيمان بما جاء به الرسول ﷺ يشمل: الإيمان بما جاء به من مسائل الاعتقاد، ونسميها: المسائل العلمية.\nوبما جاء به من الشرائع والأحكام، ونسميها: المسائل العملية.\nفنسمي أهل القبلة مسلمين ما لم يكن منهم ما يوجب الردة، ومن عُلمت ردته من المنتسبين للإسلام فليس من أهل القبلة؛ بل هو مرتد، مثل: القائل بوحدة الوجود، أو من يقول بنبوة أحد غير الرسول ﷺ؛ كالقاديانية الذين يقولون بنبوة مرزا غلام أحمد الهندي (^١)، فهؤلاء ليسوا من أهل القبلة، وليسوا بمسلمين ولا مؤمنين، وإن انتسبوا للإسلام، فهم كفار وليسوا بمسلمين ولا مؤمنين.\n_________\n(^١) الموسوعة الميسرة ١/ ٤١٩، وفتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٣١٢.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>[أهل السنة لا يتكلمون في الله ودينه وكتابه بغير علم]</span>\nوقوله: (ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله).\nمن منهج أهل العلم والتقوى أنهم لا يتكلمون في ذات الله وصفاته وأفعاله بغير علم أو بالكلام الباطل؛ بل يتكلمون في شأن الله بما علموا مما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة، فعلينا أن نصف الله بما وصف به نفسه ونسميه بما سمى به نفسه، ونخبر عنه بما أخبر به عن نفسه، وما أخبر به عنه رسوله ﷺ، وليس هذا من الخوض، هذا من بيان الحق ومن الثناء على الله، ومن تعظيم الله والإيمان به سبحانه، وما كان غير ذلك فهو من الخوض الباطل كالكلام في كيفية ذاته أو صفاته بغير علم.\nوقوله: (ولا نماري في دين الله) المراء: الجدال، وأكثر ما يطلق المراء على الجدال بالباطل، إما من جهة القصد، أو من جهة ما يجادل به ويحتج به من الحجج الباطلة الداحضة، فالاحتجاج بالحجج الباطلة كالاحتجاج والاستدلال بالشبه العقلية وبالروايات المكذوبة، أو الجدال على وجه التعصب لا لقصد إظهار وبيان الحق والوصول إليه، كل هذا من الجدال بالباطل، ومن المراء في الدين، ومن ذلك الجدال أو المراء على وجه المعارضة لما جاءت به النصوص، فكل هذا من المراء في الدين.\nوالجدال بالباطل هو سبيل أعداء الرسل، قال تعالى: «مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ» [غافر: ٤]، ويقول","vol":"1","page":209},{"text":"تعالى عن أعداء الرسل: «وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ» [غافر: ٥]، أما الجدال الذي يراد منه الوصول إلى الحق وإظهاره ودفع الباطل؛ فهذا مشروع، وهو من طرق الدعوة، كما قال ﷾: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: «وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» [العنكبوت: ٤٦]، فالجدال بالبينات، وبالحجج الظاهرات، والأدلة العقلية والسمعية، كل هذا من طرق الدعوة إلى الله ومن الجدال بالتي هي أحسن، وما خالف ذلك فهو من المراء المذموم.\nوقوله: (ولا نجادل في القرآن) يظهر أن هذا يدخل في قوله: (لا نماري في دين الله) لكن عطفها على ما قبلها من عطف الخاص على العام، فلا نماري في دين الله، ولا نماري في القرآن، أي: لا نجادل فيه تكذيبا، ولا نجادل في معانيه تحريفا، لكن نحتج به ونستدل به؛ وهناك فرق بين الأسلوبين، فنجادل بالقرآن، أي: يكون القرآن هو السلاح الذي نجادل به، ونرد به على أهل الباطل؛ لكن لا نجادل فيه معارضةً لأخباره أو أحكامه، أو تكذيبا أو تأويلا له وصرفا له عن ظاهره، فكل هذا من سبل الباطل، فأهل الباطل هم الذين يجادلون في آيات الله، كما قال ﷾: «مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا» [غافر: ٤] فيقولون: هذا سحر، هذا شعر، هذا كهانة، تكذيبا له، «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًَا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» [غافر: ٣٥]، «إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» [غافر: ٥٦].\nوقوله: (ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين،","vol":"1","page":210},{"text":"فعلمه سيد المرسلين محمدًا صلى عليه وعلى آله أجمعين، وهو كلام الله تعالى، لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين).\nهذا من شواهد ما تقدم ذكره (^١) من أن المصنف لم يرتب الكلام في مسائل الاعتقاد، ويجمع كل صنف ويضمه إلى جنسه، بل فرق الكلام في أصول الإيمان.\nفهذه الجملة المذكورة تتعلق بالقرآن، وقد تقدم (^٢) القول في عقيدة أهل السنة في القرآن، وأن القرآن كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه كلام الله على الحقيقة وليس ككلام البشر، والناس في القرآن منهم الكفار المكذبون للقرآن الذين قالوا: إنه كلام محمد: «إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ» [المدثر: ٢٥]، ومنهم من يؤمن بتنزيل القرآن لكنه يتأوله على غير تأويله، ويفسره بما يوافق هواه وأصوله الباطلة كما فعل القدرية والجهمية والرافضة فكل طائفة تؤول القرآن على ما يوافق مذهبها وأصولها.\nوقوله: (ونشهد أنه كلام رب العالمين).\nنشهد ونؤمن ظاهرا وباطنا، ونقر بقلوبنا وألسنتنا أن هذا القرآن كلام ربنا، تكلم به سبحانه حقيقةً، وأنه كلام الله حروفه ومعانيه، هو كلام الله تعالى مكتوبا في المصاحف، أو محفوظا في الصدور، أو متلوا بالألسن، أو مسموعا بالآذان، فالذي يقرأه القارئ نقول: هذا كلام الله، أي: المتلو «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ» [التوبة: ٦] لكن نحن نسمع كلام الله من صوت القارئ، كما سمع الصحابة القرآن بصوت الرسول ﷺ، وسمعه الرسول من جبريل ﵇، وسمعه جبريل من رب العالمين.\n_________\n(^١) ص ٢٠١.\n(^٢) ص ١٠٤.","vol":"1","page":211},{"text":"وقوله: (نزل به الروح الأمين) جبريل ﵇ هو: الروح الأمين، وهو روح القدس.\nوقوله: (فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى عليه وعلى آله أجمعين).\nكما قال ﷾: «إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى» [النجم: ٤ - ١٠] فجبريل هو الموكل بالوحي، ولهذا أضاف الله القرآن إلى الرسول من البشر محمد ﷺ، وأضافه إلى الرسول من الملائكة وهو جبريل ﵇، كما قال تعالى: «فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًَا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًَا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» [الحاقة: ٣٨ - ٤٥] فالمراد بالرسول في هذه الآيات: محمد ﷺ، وقال سبحانه في سورة التكوير: «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» [التكوير: ١٥ - ٢١] وهذا جبريل ﵇.\nوقوله: (وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين).\nهذا تأكيد لما سبق أنه كلام الله، ولا يساويه شيء من كلام العالمين، ولهذا تحدى الله به الثقلين: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» [الإسراء: ٨٨].\nوقوله: (ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين).\nولا نقول بخلق القرآن كما قالت المعطلة المبتدعة كالجهمية والمعتزلة ومن وافقهم؛ بل نقول: إنه كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف (^١).\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية ص ١٩٧.","vol":"1","page":212},{"text":"وقوله: (ولا نخالف جماعة المسلمين).\nجماعة المسلمين في الصدر الأول، وإلا فالمسلمون بعد الصدر الأول قد تفرقوا واضطربوا واختلفوا في القرآن، فنحن لا نخالف جماعة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>[أهل السنة لا يكفرون بكل ذنب]</span>\nوقوله: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله).\nعبارة المؤلف تقتضي أن أهل السنة لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بأي ذنب، والذنوب نوعان:\nذنوب من أنواع الردة؛ كالشرك وما في درجته، وهي أعظم الذنوب، وذنوب دون الشرك لا توجب الردة، وإذا أخذت عبارة المؤلف على إطلاقها فظاهرها أن كل من كان مسلما فإنه لا يكفر، بأي ذنب ارتكبه حتى ولو كان شركا، ولا ريب أن الطحاوي لم يقصد هذا، وإنما يقصد الذنوب التي دون الشرك.\nولهذا قال الشارح ابن أبي العز: (امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدًا بذنب؛ بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب) (^١) فهذه هي العبارة الدقيقة، وتكون من سلب العموم، لا من عموم السلب؛ كعبارة الطحاوي ومضمون سلب العموم: أنا لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب، إنما نكفره بالشرك وما في حكمه، ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بما دون ذلك، والله تعالى قد جعل الذنوب قسمين: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨] فنحن أهل السنة لا نكفر أحدا من أهل القبلة بشيء من الذنوب التي دون الشرك، خلافا للخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وقد يعدون ما ليس بذنب ذنبا فيكفرون به، والخوارج الذين ظهروا بهذه البدعة في عهد علي ﵁\n_________\n(^١) ص ٤٣٣.","vol":"1","page":214},{"text":"فقاتلهم، وقد أخبر الرسول ﷺ عنهم وندب إلى قتالهم، وذكر الأجر العظيم لمن قتلهم، (^١)\nإذًا؛ الذنوب فيها مكفر وغير مكفر؛ فكل ما هو من أنواع الردة فهو مكفر، كالشرك، والتكذيب بما جاء به الرسول ﷺ، والاستهزاء بالرسول ﷺ، أو بالقرآن، وهناك ذنوب اختلف العلماء في كفر فاعلها؛ كترك الصلاة.\nوقوله: (ما لم يستحله) أي: لا نكفره بهذا الذنب إلا أن يعتقد حله، فإن اعتقد حله كفر؛ كجحد وجوب الصلاة أو الحج أو صيام رمضان، وجحد تحريم المحرمات المعلوم حكمها بالضرورة من دين الإسلام؛ كتحريم الزنا، والخمر؛ لأنه يكون مكذبا للقرآن والسنة المتواترة، وما أجمع عليه المسلمون، ومن اعتقد حل ما حرمه الله مما تحريمه معلوم من دين الإسلام بالضرورة فهو كافر حتى ولو لم يفعله؛ لأنه ليس من شرط ثبوت الردة بالاستحلال فعل المكلف لما استحله من الحرام.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٩٣٠ - ٦٩٣٢)، وصحيح مسلم (١٠٦٦).","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>[تأثير الذنوب على الإيمان]</span>\nوقوله: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله).\nوأهل السنة لا يقولون: (لا يضر مع الإيمان ذنب) خلافا للمرجئة، والطحاوي في هاتين الجملتين يقصد الرد على الخوارج في الأولى، وعلى المرجئة الغلاة في الثانية، والمرجئة والخوارج على طرفي نقيض، فالخوارج يكفرون بالذنوب، فعندهم فاعل الكبيرة كافر مرتد خارج عن ملة الإسلام حلال الدم والمال (^١)، أما عند المرجئة ما دام معه أصل الإيمان وهو التصديق أو معرفته للخالق فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان، لا يضره ما يفعل من الذنوب، (^٢) وبدعتهم هذه أقبح من بدعة الخوارج؛ لأن الخوارج يعظمون أمر الذنوب، ويبالغون في الحذر والتحذير منها، وقد اختلف العلماء في تكفيرهم، فعن أحمد فيهم روايتان (^٣)، ونقل شيخ الإسلام أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر الخوارج (^٤) لكنهم مبتدعة ضُلَّال.\nأما بدعة المرجئة الغلاة فهي أشنع من بدعة الخوارج؛ لأن مضمونها الجرأة على المحرمات وعدم المبالاة بها، واقتراف السيئات، وهذا فيه رد لنصوص الكتاب والسنة الدالة على تحريم المحرمات، وترتب العقاب عليها؛ كالقتل، والتولي يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، قال تعالى:\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين ص ٨٦، والملل والنحل ١/ ٨٥، ومجموع الفتاوى ١٢/ ٤٧٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٧٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥١٨.\n(^٤) الإيمان ٧/ ٢١٧.","vol":"1","page":216},{"text":"«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًَا مُتَعَمِّدًَا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» [النساء: ٩٣] وقال تعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًَا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًَا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» [الأنفال: ١٦]، وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًَا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًَا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًَا» [النساء: ١٠] فكيف يقال: لا يضر مع الإيمان ذنب؟!\nوهذا مذهب جهم، وجهم إمام غلاة المرجئة، أما مرجئة الفقهاء فمذهبهم ليس كذلك إنما هم يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، لكن يقولون بوجوب الواجبات وتحريم المحرمات، وترتب العقاب على فعل المحرمات وترك الواجبات، فالذنوب عندهم تضر مرتكبها، ويستحق العقاب الذي توعد الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول ﷺ.\nوأهل السنة وسط في هذا المقام فلا يُكفِّرون أهل الكبائر، ولا يُؤَمِنُونَهم من العقاب، ويرون أن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما ارتكب من الكبيرة، وما ورد في النصوص من إطلاق اسم الكفر على بعض الأعمال، أو بعض العاملين مما هو دون الشرك، فهو محمول على الكفر الأصغر الذي يعبر عنه بكفر دون كفر، كقول النبي ﷺ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) (^١)، وقوله ﷺ: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) (^٢) وما أشبه ذلك، وفي الآخرة هو تحت مشيئة الله، هذا حكمهم في الآخرة، كما سيأتي تقرير حكم أهل الكبائر في قول الطحاوي: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن كانوا غير تائبين).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٨) ومسلم (٦٤) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>[الرجاء للمحسنين، والخوف على المسيئين]</span>\nوقوله: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم، ولا نقنطهم).\nنرجو للمحسنين - لا أي أحد - أن يعفو الله عنهم، ويتجاوز عن ذنوبهم؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، وأن يدخلهم الجنة برحمته ﷾، ولا نأمن عليهم العقاب على ذنوبهم؛ لأن ذلك مردود إلى مشيئته ﷾؛ لأن الله تعالى قال: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨] وهو سبحانه أعلم وأحكم؛ فيجعل فضله وعفوه وإحسانه ورحمته حسبما تقتضيه حكمته البالغة، ويعاقب من يشاء، كما قال ﷾: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨]، «فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ» [البقرة: ٢٨٤] فالأمر مردود إلى مشيئة الله؛ لكن نعلم بدلالة النصوص أن من المذنبين من يعفو الله عنهم، ومنهم من يعاقبه ويدخله النار ثم يخرجه منها، ولا يصح أن نقول: يجوز أن يتجاوز الله عن جميع المذنبين فلا يدخل أحد منهم النار؛ لأن النصوص دلت على أن من أهل الكبائر من يدخل النار ثم يخرج منها. (^١)\nوقوله: (ونرجو للمحسنين)\nيريد أهل الإحسان الذين حسن إسلامهم واستقاموا عليه، فهؤلاء\n_________\n(^١) انظر ص ١٥٦.","vol":"1","page":218},{"text":"أهل الإحسان العظيم يرجى لهم من العفو والرحمة والمغفرة ما لا يرجى لغيرهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.\n\nوقوله: (ولا نشهد لهم بالجنة) لا نشهد لأحد من المحسنين الصالحين بالجنة، فضلا عمن دونهم، وهذه مسألة سيأتي النص عليها في كلام الطحاوي (^١)؛ لأنه يكرر المعنى الواحد أحيانا في أكثر من موضع، فلا نشهد لأهل القبلة بجنة ولا نار.\nوالشهادة بالجنة ذكر فيها الشارح ابن أبي العز ثلاثة مذاهب (^٢):\nقيل: لا يشهد إلا للأنبياء.\nوقيل: يشهد بالجنة لكل من جاء فيه النص، وهو قول كثير من العلماء وأهل الحديث.\nوقيل: يُشهد بالجنة لهؤلاء، ولمن شهد له المؤمنون.\nوالقول الثاني هو: أصحها فمن شهد له الرسول ﷺ شهدنا له بالجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة (^٣)، وثابت بن قيس بن شماس (^٤)، والحسن والحسين، (^٥) رضوان الله عليهم، ومن شهد له الرسول ﷺ من الجماعات؛ كأهل بيعة الرضوان نشهد بأن جميعهم في الجنة، قال تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» [الفتح: ١٨]، وقال\n_________\n(^١) ص ٢٦٤ عند قوله: ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا.\n(^٢) ص ٥٣٨، وهو منقول من منهاج السنة ٥/ ٢٩٥.\n(^٣) رواه أبو داود (٤٦٤٩)، والترمذي (٣٧٥٧) - وقال: حسن صحيح ـ، وابن ماجه (١٣٣)، وصححه ابن حبان (٦٩٩٣)، والحاكم ٣/ ٤٤٠، والضياء في المختارة ٣/ ٢٨٢ - ٢٩٠ من حديث سعيد بن زيد ﵁.\n(^٤) رواه البخاري (٤٨٤٦) ومسلم (١١٩) عن أنس ﵁.\n(^٥) رواه أحمد ٣/ ٣، والترمذي (٣٧٦٨) وابن حبان (٦٩٥٩) والحاكم ٣/ ١٦٧ - وصححوه - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"1","page":219},{"text":"النبي ﷺ (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة) (^١)\nأما من شهد له المؤمنون، فيستدل له بحديث أنس ﵁ قال: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي ﷺ: «وجبت»، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرا، فقال: «وجبت»، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض». … (^٢)\nلكن هذا خطاب لجماعة من خيار الصحابة ﵃، فلا يتأتى اعتبار أي جماعة من الناس أن شهادتهم للشخص توجب الشهادة له بالجنة، إذا شهدوا له بالخير والصلاح؛ لكن شهادة المسلمين والصالحين مما يستبشر به، ومما يبشر بالخير ويبعث على الرجاء، أما أن يشهد له بالجنة بناء على هذا فلا، وهذا المثنى عليه خيرا لم يعلم أنه في الجنة إلا بقول الرسول ﷺ: «وجبت»، وهذا لا يتأتى لغيره من الناس.\nوقوله: (ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم).\nنرجو للمحسنين أن يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر للمسيئين، قال تعالى: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [محمد: ١٩] فالله ندب نبيه ﷺ أن يستغفر ربه لذنبه وللمؤمنين، وهذه سنة الأنبياء فقد ذكر الله عن نوح أنه قال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًَا وَلِلْمُؤْمِنِينَ» [نوح: ٢٨] وعن إبراهيم أنه قال: «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ» [إبراهيم: ٤١] وقد أثنى الله على الذين يستغفرون لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان: «وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًَّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ\n_________\n(^١) رواه أحمد ٣/ ٣٥٠، وأبو داود (٤٦٥٣)، والترمذي (٣٨٦٠) من حديث جابر ﵁، ونحوه عند مسلم (٢٤٩٦) من روايته عن أم مبشر ﵄.\n(^٢) رواه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩).","vol":"1","page":220},{"text":"رَحِيمٌ» [الحشر: ١٠]، فينبغي أن يكون هذا دأب المسلم فيستغفر ربه لنفسه ولإخوانه المسلمين.\nوقوله: (ونخاف عليهم) في المحسنين قال: (ولا نأمن عليهم) مع إحسانهم، وهنا قال: (ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم) فنخاف على المسيئين من عقاب الله، ولا نؤمنهم كحال المرجئة الذين يقولون: (لا يضر مع الإيمان ذنب)، ولا نقنطهم كحال الخوارج الذين يقولون: (لا يرجى لهم مغفرة ولا رحمة ولا يدخلون الجنة)، وهذا مسلك أهل السنة ﵃ ورحمهم فهم وسط بين هذه الفرق، وسط في باب الأسماء والصفات، وسط في أفعال العباد، وسط في أسماء الإيمان والدين، وسط في أهل الكبائر، وسط في الصحابة، فكل هذه العبارات تتضمن تقرير التوسط في أمر أهل الذنوب، فلا نكفرهم، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>[مذهب أهل السنة وسط بين الوعيدية والمرجئة]</span>\nوقوله: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة).\nالأمن ضد الخوف، والمراد الأمن من عذاب الله ومكره، كما قال تعالى: «أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًَا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ» [الأعراف: ٩٧ - ٩٩] والأمن من عذاب الله يتضمن التكذيب بوعيد الله، وهو مقتضى قول غلاة المرجئة: (لا يضر مع الإيمان ذنب)، وهذا إذا كان عن اعتقاد أنه في مأمن من عذاب الله، لا إن كان ناتجا عن غفلة، كحال كثير من الناس، إذ لو كان يخاف من العذاب ويستحضره لأوجب ذلك خوفه من الله، وإقباله عليه، وقيامه بالواجبات، واجتنابه للمحرمات، فهذا ليس من الأمن الذي جاء في شأنه الوعيد.\nوضد الأمن من عذاب الله وبأسه ومكره، اليأس من رحمة الله، والإياس: هو اليأس، وهو ضد الرجاء، وقد قال ﷾: «إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ» [يوسف: ٨٧] وقريب من معنى اليأس القنوط، وهو أشد اليأس، كما قال تعالى عن إبراهيم أنه قال: «وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ» [الحجر: ٥٦].\nوالقنوط واليأس يتضمن إنكار التوبة، وأن الله لا يتوب على من تاب، وفي هذا تكذيب لخبر الله أنه يتوب على التائبين، قال تعالى:","vol":"1","page":222},{"text":"«إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًَا صَالِحًَا» [الفرقان: ٧٠]، «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ» [النساء: ١٧]، وهذا هو مقتضى مذهب الخوارج، فإن مذهبهم يتضمن أن مرتكب الكبيرة يخرج عن الإسلام، وأن مات على ذلك من غير توبة؛ فهو مخلد في النار كسائر الكفار، وهذا تقنيط للعصاة من رحمة الله، ولهذا قال الطحاوي: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام) ومقتضى هذا أنهما ردة عن الإسلام، ولا شك في كفر من قال: إن الله لا يتوب على من تاب، لمخالفة وتكذيب خبر الله ﷾ في كتابه، وخبر رسوله ﷺ.\nويلاحظ أن الأمن غلو في الرجاء، والإياس غلو في الخوف، فالغلو في الخوف ينتهي إلى اليأس والتيئيس والتقنيط من رحمة الله، والغلو في الرجاء يفضي إلى الأمن من عذاب الله؛ ولكن إذا كان هذا اليأس عارضا للإنسان ليس عن اعتقاد؛ بل استعظم ذنبه، وخاف منه، وبلغ به الأمر أنه ظن بجهله أنه لا يغفر له؛ فهذا قد يعذر بأنه يسيء الظن بنفسه، وأن الله لا يغفر له لسوء عمله؛ مثل الذي أمر أولاده أن يحرقوه إذا مات لشدة خوفه من عذاب الله (^١).\n(وسبيل الحق بينهما) الصراط المستقيم بين الأمن واليأس، فالواجب على العبد أن يكون خائفا راجيا، فالرجاء من مقامات الدين، ومما أثنى الله به على المؤمنين: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ» [البقرة: ٢١٨]، وقال ﷾: «وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ» [الإسراء: ٥٧].\nوالخوف من مقامات الدين، والله أثنى على أوليائه بأنهم يخافونه ويرجونه: «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًَا وَطَمَعًَا» [السجدة: ١٦]، وقال ﷾: «يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًَا وَرَهَبًَا» [الأنبياء: ٩٠]، وقال ﷾: «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٤٨١)، ومسلم (٢٧٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":223},{"text":"يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ» [الإسراء: ٥٧] فهذا هو الصراط المستقيم في هذا المقام فلا أمن ولا يأس.\nوالأمور المقتضية للعمل ثلاثة أمور: المحبة، والرجاء، والخوف، فالرسل وأتباعهم يعبدون ربهم حبا له تعالى، ورجاء لرحمته وفضله وثوابه، وخوفا من سخطه وعقابه، فيعبدونه بكل هذه الأحوال والمقامات.\nأما أهل الضلال فمنهم من يعبده بالحب فقط؛ كجهلة الصوفية وغلاتِهم، ويستخفون بمقام الرجاء والخوف.\nومنهم من يعبده بالرجاء كالمرجئة، ومنهم من يعبده بالمبالغة في الخوف كالخوراج، ولهذا قال بعض أهل العلم: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد) (^١) من كانت عبادته لربه فقط بالحب لا يخاف ولا يرجو، فهذا ضد طريق الرسل، فالله ذكر أسماءَه وصفاتِه المقتضية للرجاء والخوف، وأثنى على رسله بالرجاء والخوف.\nو(حروري) أي: من الخوارج، (ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد) لأن هذا هو الصراط المستقيم في هذا المقام، لا أمن ولا إياس، بل خوف ورجاء، فالخوف يُعَدِّل الرجاء، والرجاء يُعَدِّل الخوف.\nفالواجب على الإنسان أن يسير إلى الله في هذه الحياة بين الخوف والرجاء، فيرجو ويخاف، وفي الأثر: (لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه) (^٢).\n_________\n(^١) التحفة العراقية ١٠/ ٨١ والعبودية ١٠/ ٢٠٧.\n(^٢) قاله علي ﵁. رواه العدني في الإيمان رقم (١٩)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٧٦، وابن عبد البر في جامع العلوم والحكم ١/ ٩٠، وانظر شرح هذا الأثر في مجموع الفتاوى ٨/ ١٦١.","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>[ما يخرج به المسلم من الإيمان]</span>\nوقوله: (ولا يَخرج العبدُ من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه).\nأي: لا يصير كافرا مرتدا بعد أن صار مسلما مؤمنا إلا بجحود ما أدخله فيه، وهذه الجملة خطيرة جدا؛ لأن الإنسان يدخل الإسلام بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فالكافر إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ظاهرا وباطنا، صار مسلما؛ فإن شهد بها بلسانه فقط فهو منافق، وإن شهد بها في باطنه دون ظاهره فهو جاحد، قال تعالى: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» [الأنعام: ٣٣]، وقال تعالى: «وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًَا وَعُلُوًَّا» [النمل: ١٤] فلا بد أن يشهد الشهادتين ظاهرا وباطنا، عن علم وانقياد وإقرار، بذلك يدخل في الإسلام حقيقة.\nفقوله: (إلا بجحود ما أدخله فيه) معنى ذلك أن ينكر تفرد الله بالإلهية، فيصير بها مشركا، أو ينكر رسالة الرسول ﷺ إلى جميع الناس، فيصير مُكذبا للرسول ﷺ، هذا معنى هذه الجملة.\nفإذا كان يخرج عن الإسلام بجحود التوحيد أو جحود الرسالة، فلأن يخرج عن الإسلام بالتكذيب أو الشك أولى، وعلى هذا فلا يخرج عن الإسلام إلا بالتكذيب، أو الشك في الباطن، أو بالجحود سواءً مع تكذيب وشك أو مع تصديق.\nويمكن أن يقال: إن هذه العبارة تقتضي أنه لا يكفر بأي فعل بعد ذلك إذا لم يجحد، وهذا لا يستقيم؛ بل من تكلم بما هو كفر؛ فإنه","vol":"1","page":225},{"text":"يكفر ولو لم يجحد؛ كمن يستهزئ بالرسول ﷺ مع إقراره برسالته؛ فهل يقال: إنه جحد الرسالة؟ لا، ومن ذبح لغير الله؛ فإنه يكفر، ولو قال: لا إله إلا الله وأن الله هو الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه، فهذا غير جاحد، فكفره بالفعل، وقد سبق أن الكفر يكون قولا وفعلا واعتقادا، فهذه العبارة لا تصح على هذا الإطلاق؛ فإنه حصر الحكم بالكفر بالجحود، وهي تساوي قولك: لا يكفر المسلم إلا بالجحود. والله أعلم.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>[مذاهب الفِرَقِ في مسمى الإيمان]</span>\nوقوله: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان).\nهذا هو تعريف الإيمان عند مرجئة الفقهاء، وهو يقتضي أن أعمال الجوارح كلها ليست من الإيمان؛ بل وأعمال القلوب.\nوهو خلاف ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة: أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، أو هو: قول وعمل، قول القلب وهو: اعتقاده، وقول اللسان: وهو إقراره، وعمل: وهو عمل القلب، وعمل الجوارح، فالإيمان يشمل كل هذه الجوانب، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص، قال الله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» [الأنفال: ٢]، وقال الله في الصلاة التي صلاها المسلمون إلى بيت المقدس ومات من مات قبل نسخ القبلة: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ» [البقرة: ١٤٣] إي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وعقد البخاري ﵀ أبوابا عديدة في كتاب الإيمان تَرْجم بها لمختلف الأعمال: باب: الجهاد من الإيمان، (^١) باب: صوم رمضان احتسابا من الإيمان، … (^٢) باب: اتباع الجنائز من الإيمان، (^٣) باب: أداء الخمس من الإيمان (^٤)، ومن الأحاديث الجامعة قول النبي ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع\n_________\n(^١) ١/ ١٦.\n(^٢) ١/ ١٦.\n(^٣) ١/ ١٨.\n(^٤) ١/ ٢٠.","vol":"1","page":227},{"text":"وستون شعبة) (^١). فالصلاة والصيام والحج والجهاد وبر الوالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإيمان، وقال النبي ﷺ: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). (^٢)\nومسألة مسمى الإيمان مسالة كبيرة، وقد خالف أهل السنة والجماعة طوائف المرجئة، فمنهم مرجئة الفقهاء وهم الذين ذكر الطحاوي مذهبهم: أن الإيمان هو: «تصديق القلب وإقرار اللسان»، وبعضهم يجعل الإيمان هو: «تصديق القلب»، والإقرار شرط فيه، وليس من مسماه، فلا يصح إيمان القلب إلا بإقرار اللسان.\nوالقول الآخر قول الجهمية ومن تبعهم: «الإيمان هو مجردُ التصديقِ أو مجرد المعرفةِ»، والمعرفةُ والتصديقُ في نظري محصلهما متقارب، فعلى تقريرهم: إذا كان المكلف يعرف ربه فهو مؤمن، والكفر هو جحود الخالق، فأما الإقرار بالإنسان، وعمل الجوارح، وعمل القلب؛ فالكل ليس من مسمى الإيمان، وهذا يقتضي أن كل طوائف الكفر مؤمنون؛ لأنهم يعرفون الله، حتى كفار قريش، قال تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» [لقمان: ٢٥]، وأخبر الله عن عادٍ وثمودَ أنهم قالوا: «لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً» [فصلت: ١٤]، وقوم نوح قالوا: «ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً» [المؤمنون: ٢٤]، إلى غير ذلك، فهذا أفسد أقوال الناس في مسمى الإيمان.\nومن الأقوال الباطلة قول الكرامية: أن الإيمان هو: «الإقرار باللسان»، فالمنافق عندهم مؤمن، لكنه إذا مات فهو مخلد في النار، يقول شيخ الإسلام ﵀ تعليقا على هذا: «فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم» (^٣)،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٣) التدمرية ص ٤٦٢.","vol":"1","page":228},{"text":"فالمنافق عند المسلمين ليس بمؤمن؛ لأنه يبطن التكذيب والشك والإباء، قال تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» [البقرة: ٨] ويقول شيخ الإسلام عن قولهم: (قول منكر لم يسبقهم إليه أحد) (^١)\nفهذه أربعة مذاهب في مسمى الإيمان، وأهمُ هذه الأقوالِ المخالفةِ قولُ مرجئة الفقهاء: الإيمان هو: «التصديق، وإقرار اللسان»، وأن الأعمال ليست من الإيمان، ولهم على ذلك شبهات كثيرة، وقد أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية في «الإيمان الكبير» و«الإيمان الأوسط» وغيرهما.\nوالمقصود: أنه قول مخالف لما دل عليه القرآن، والسنة الصحيحة أن الإيمان اسم لكل أمور الدين: الاعتقادية والعملية والقولية، كما في الحديث: (الإيمان بضع وستون شعبة) (^٢)، وإن كان ما في القلب أصل لأعمال الجوارح كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلَحت صلَح الجسد كلُه وإذا فسدت فسد الجسد كلُه ألا وهي القلب) … (^٣). فالجوارح تابعة للقلب صلاحا وفسادا، وهو بالنسبة لها بمثابة الملك مع جنوه.\nومن شبهات المرجئة قولهم: إن الإيمان معناه في اللغة العربية: التصديق.\nوقد رد ذلك ابن تيمية (^٤) بوجوه كثيرة، منها:\nأنه ليس كذلك في اللغة العربية؛ بل الإيمان أخص من مطلق\n_________\n(^١) الموضع السابق.\n(^٢) تقدم ص ٢٢٧.\n(^٣) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄.\n(^٤) الإيمان الكبير ٧/ ٢٨٩.","vol":"1","page":229},{"text":"التصديق، وهو الإيمان بالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبِر، فلا تقول لمن قال لك: طلعت الشمس: آمنتُ لك، بل صدقتُك، لكن من أخبرك بأمر لا تدركه ولا تعرفه بحسك نعم، كما قال إخوة يوسف: «وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ» [يوسف: ١٧] فالإيمانُ في اللغة العربية تصديقٌ، لكن ليس كلُ تصديقٍ يكون إيمانا.\nوهكذا بالنسبة للاستعمال، فـ (آمن) يتعدى باللام وبالباء تقول: آمنت به، هذا بالنسبة للخبر أو المؤمَن به، وآمنت له بالنسبة للمخبِر، وأما (صَدَّق) فإنه يتعدى بنفسه، فتقول: صَدَّقه، فهو يختلف عن الإيمان من جهة اللفظ والاستعمال، ومن جهة المعنى والمضمون، وسيأتي لهذا مزيد بحث عند قول المؤلف: (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء). (^١)\n_________\n(^١) ص ٢٣٤.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>[وجوب الإيمان والعمل بكل ما صح عن النبي ﷺ </span>-]\nوقوله: (وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق).\nأي: ما رواه الثقات العدول حسب قواعد أهل الحديث؛ فالروايات عن الرسول ﷺ مروية بالأسانيد، وهي قسمان: متواتر، وآحاد. (^١)\nفالمتواتر: هو الذي يرويه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم إلى أن يبلغ النبي ﷺ.\nوالآحاد هو: ما يروى بأسانيد معدودة، وقسمه العلماء إلى مشهور وعزيز وغريب.\nلكن القسمة العامة: متواتر وآحاد.\nأما المتواتر فكل الطوائف متفقة على ثبوته.\nوالآحاد تنقسم إلى: صحيح، وحسن، وضعيف.\nأما الضعيف فهو مردود لا يعتمد عليه، لكن الشأن في المقبول الذي يشمل الصحيح والحسن، فأهل السنة والجماعة يقبلون ما توافرت فيه شروط القبول، ولو كان واحدًا، في جميع أمور الدين، في الأمور الاعتقادية؛ كصفات الرب ﷾، وأفعاله، أو ما يتعلق باليوم الآخر، وفي\n_________\n(^١) روضة الناظر ١/ ٣٤٧، ونزهة النظر ص ٣٧.","vol":"1","page":231},{"text":"الأمور العملية؛ كأحكام الطهارة والصلاة والزكاة والمعاملات.\nوهذه قضية أصولية عقدية، وهي: حجية خبر الواحد، والصواب: أن خبر الواحد حجة في مسائل الدين الاعتقادية والعملية، والأدلة على قبول خبر الآحاد كثيرة في السنة، منها: أن الرسول ﷺ كان يرسل الرسل آحادًا. (^١)\nوعند أهل البدع من المتكلمين: أن خبر الواحد لا يحتج به في العقائد، فيردون كثيرا من النصوص الواردة في صفات الله تعالى بحجة أنها خبر آحاد.\nوالتفريق بين مسائل الاعتقاد ومسائل العمل من حيث الإثبات بدعة، فكل مسائل الدين ما ثبت به هذا ثبت به ذاك، فما تثبت به الأحكام الشرعية الحلال والحرام تثبت به مسائل الاعتقاد، ثم إن أهل البدع ليس مقصودهم فقط الاحتياط في الثبوت، إنما مقصودهم رد النصوص المخالفة لأصولهم، فما استطاعوا رده ردوه بقولهم: إن هذه آحاد لا تثبت بها مسائل الاعتقاد؛ لكن إذا جاء متواترًا فماذا يصنعون؟\nيقولون: نعم. هذا قطعي الثبوت؛ لكن نفس النصوص ظنية الدلالة، ويقولون: إن مسائل الاعتقاد لا تثبت بالأدلة اللفظية!\nوالأدلة السمعية: الآيات والأحاديث كلها أدلة لفظية في مقابل الأدلة العقلية، وعندهم: إن العقائد لا تثبت إلا بالدلائل العقلية، هذا هو الأصل الفاسد والطاغوت الأكبر الذي أفضى بهم إلى التلاعب بكلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ، وإلى رد كثير من كلام الرسول ﷺ وأخباره، فردوا نصوص الصفات، ونفوا الصفات بالشبهات العقلية التي هي بزعمهم حجج، ولهذا يقول شيخ الإسلام فيهم: «ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون\n_________\n(^١) انظر: الرسالة ص ٤٠١، وصحيح البخاري ٩/ ٨٦، ومختصر الصواعق ٤/ ١٤٦٥.","vol":"1","page":232},{"text":"في السمعيات». (^١)\nفلما أصلوا نفي الصفات وقفوا من النصوص أحد ثلاثة مواقف:\nالأول: الرد لما قدروا على رده؛ كأخبار الآحاد قالوا: هذه لا تثبت بها العقائد.\nالموقف الثاني: التأويل لما لا يستطيعون رده؛ كالقرآن، فسلكوا فيه طريق التأويل، وهو صرف ألفاظ النصوص عن ظاهرها.\nوالثالث: مسلك التفويض، وهو إمرار النصوص ألفاظا من غير فهم لمعناها ومراد الله منها؛ بل إمرارها ألفاظا دون توقف في تدبرها، وفهم دلالاتها.\nوأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله تعالى به، ورسوله ﷺ، من الشرع والبيان، وهو يشمل: مسائل الاعتقاد، ومسائل الأحكام، فكلها حق من عند الله.\n_________\n(^١) التدمرية ص ٩٤.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>[زيادة الإيمان ونقصانه]</span>\nوقوله: (والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتُّقَى، ومخالفة الهوى وملازمة الأَوْلى).\nالإيمان واحد هو: التصديق بالقلب، ومعناه أنه لا يزيد ولا ينقص، ومسألة الزيادة والنقصان هي من فروع الخلاف بين أهل السنة والمرجئة، فمرجئة الفقهاء عندهم: أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، وعند أهل السنة: أنه يزيد وينقص، فالتصديق نفسه يزيد وينقص، يقوى ويضعف، وهذا أمر معقول، فـ «ليس الخبرُ كالمعاينةِ»، وليس ما يستفاد بالخبر المتواتر كالمستفاد بخبر الآحاد من حيث قوة العلم واليقين، فهل وجوب الصلوات الخمس كوجوب الوتر عند من يقول به؟ أو كوجوب بعض واجبات الصلاة؟ فالتصديق نفسه والعلم نفسه يتفاوت قوة وضعفا، وكذلك أعمال القلوب: الحب والبغض والخوف والرجاء والتوكل هذه الأعمال القلبية تتفاوت قوة وضعفا، فهناك بغض وبغض شديد، وحب وحب شديد، قال تعالى: «قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» [التوبة: ٢٤]، وقال النبي ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (^١)، فهو أمر محسوس لا يستطيع المنصف العاقل أن ينكره أو أن يتجاهله.\nأما أعمال الجوارح فالزيادة فيها والنقص ظاهر للعيان، والآيات\n_________\n(^١) تقدم ص ١٠٢.","vol":"1","page":234},{"text":"الدالة على الزيادة كثيرة؛ كقوله سبحانه: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا» [آل عمران: ١٧٣]، «وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا» [الأنفال: ٢]، «لِيَزْدَادُوا إِيمَانًَا مَعَ إِيمَانِهِمْ» [الفتح: ٤]، «وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًَا» [المدثر: ٣١]، «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» [التوبة: ١٢٤].\n\nوقوله: (وأهله في أصله سواء) إذا كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص فلا بد أن يكون أهله فيه سواء؛ لأنه شيء واحد. لكن المؤلف أتى بتعبير فيه عندي عدم وضوح، وهو قوله: (وأهله في أصله) ولم يقل: (وأهله فيه)\nوالمناسب على مذهبه أن يقول: (وأهله فيه سواء)؛ لأن هذا مقتضى كون الإيمان واحدا، أن يكون الناس فيه سواء، ولا أدري ماذا يريد بقوله: (في أصله)، إن أراد أن المؤمنين كلهم عندهم إيمان فهم مشتركون في الأصل، وبينهم قدر مشترك، فهذا لا يصح أن يقال: إنهم فيه سواء؛ لأن وجود قدر مشترك لا يصح معه أن يقال: إنهم فيه سواء، وحقيقة القول عند المرجئة: أن أهله فيه سواء، لكن الطحاوي ﵀ كأنه تحاشى أن يقول: وأهله فيه سواء فقال: (وأهله في أصله سواء) ويؤكد هذا أنه قال: (والتفاضل بينهم في الخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى) ولم يقل: يتفاضلون في الإيمان، فعنده أن أعمال القلوب فيها زيادة ونقص؛ لكن الخشية، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى، والتقوى هل هي من الإيمان عند هؤلاء المرجئة؟ لا، ليست من مسمى الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب، وإقرار اللسان.\nفعندهم أن أعمال القلوب وأعمال الجوارح كلها ليست من الإيمان، فالتفاضل في أعمال القلوب والجوارح هي ثمرة وأثر ذلك الإيمان وليست منه.\nوعلى قولهم: يكون إيمان أفسق الناس الذي معه الإيمان وإيمان أبي بكر وعمر ﵄ سواء!","vol":"1","page":235},{"text":"وقوله: (والتفاضل بينهم في الخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأَولى)\nأي: الخشية من الله، قال تعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» [فاطر: ٢٨]، «فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي» [البقرة: ١٥٠].\nو(التقى) التقوى، وهي: أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وعقابه وقاية بفعل أمره وترك معصيته.\nو(مخالفة الهوى) طاعةً لله ورسوله، قال تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى» [النازعات: ٤٠]، «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ» [الفرقان: ٤٣]، «وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» [ص: ٢٦]، «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» [القصص: ٥٠].\nو(ملازمة الأَولى) المحافظة على ما هو الأولى به، هذا هو مجال التفاضل عندهم، أما الإيمان الذي هو التصديق فليس فيه تفاضل ولا زيادة ولا نقص، وبهذا يعلم أن الخلاف بين أهل السنة والمرجئة ليس خلافا لفظيا؛ لأن الخلاف اللفظي يقال: لا خلاف فيه.\nكيف يكون الخلاف لفظيا وتبذل فيه هذه الجهود من المؤلفات، وتقرير الدلائل، ورد الشبهات، ويشتد الإنكار على من اخرج الأعمال عن مسمى الإيمان؟!\nلا، ليس الخلاف لفظيا؛ بل هو حقيقي، ترتب عليه: مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، ومسألة الاستثناء في الإيمان.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>[ولاية الله وبم تكون؟]</span>\nوقوله: (والمؤمنين كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم، وأتبعهم للقرآن).\nقال تعالى: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ» [يونس: ٦٢ - ٦٣] والأنبياء هم خير وأفضل الأولياء، وهم أكمل المؤمنين إيمانا وتقوى، وأتباعهم المؤمنون كلهم أولياء الله، قال تعالى: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ» [النساء: ٦٩] فهؤلاء أصناف أولياء الله: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون. وطبقات أولياء الله إجمالا طبقتان: (^١)\nمقربون، ومقتصدون.\nفالمقربون: هم الذين يفعلون الفرائض والنوافل والمستحبات، ويجتنبون المحرمات والمكروهات وفضول المباحات، وهم المسارعون في الخيرات.\nوالمقتصدون: هم الذين يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم، وليس لهم تميز في النوافل، وليس معنى ذلك أنهم لا يفعلون شيئا مع النوافل.\nفالمؤمنون هم أولياء الله، وهو وليهم، قال تعالى: «وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» [آل عمران: ٦٨]، والكافرون والمنافقون أعداؤه وهو عدوهم، قال تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ» [البقرة: ٩٨].\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١١/ ١٧٦.","vol":"1","page":237},{"text":"وقوله: (وأكرم أولياء الله أطوعهم) أكرم أولياء الله عند الله هو: أطوعهم لله تعالى ولرسوله ﷺ، (أطوعهم) أفعل تفضيل، أي: أكملهم طاعة وامتثالا للأوامر، واجتنابا للمنهيات.\nوقوله: (وأتبعهم للقرآن) هذا من التنويع في التعبير؛ لأن من كان أطوع فهو أتبع، ومن كان أتبع فهو أطوع، ولا طاعة إلا باتباع القرآن، قال الله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» [الحجرات: ١٣] فالمؤمنون متفاضلون تفاضلا لا يعلمه إلا الله، فالأنبياء بعضهم أفضل من بعض، والصديقون متفاضلون، والشهداء متفاضلون.\nواتباع القرآن يكون بامتثال ما فيه من الأوامر، واجتاب ما فيه من المناهي، والإيمان بكل ما فيه من الأخبار مما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته، أو بما كان وما سيكون، والله تعالى ذكر الاتباع في مواضع: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى» [طه: ١٢٣]، «اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ» [الأعراف: ٣] فأمر الله باتباع القرآن، واتباع الرسول: «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» [الأعراف: ١٥٨] فلا رأي لأحد مع ما جاء في القرآن، ولا رأي لأحد مع بيان الرسول ﷺ؛ بل يجب أن يكون العبد تابعا لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، لا يقدم عليهما هوىً ولا رأيا.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>[الإيمان بالأصول الخمسة، وتفصيل الإيمان باليوم الآخر]</span>\nوقوله: (والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر).\nفسر الطحاوي الإيمان في هذا الموضع بما فسره به النبي ﷺ، في حديث جبريل (^١)، فهذه الأصول الستة هي: أركان الإيمان، أو أصوله، أو أصول الاعتقاد: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر، وهذا هو الإيمان بالمعنى الخاص، فإن الإيمان يُطلق إطلاقين:\nإطلاقا عاما يشمل جميع أمور الدين العلمية والعملية، فهو اعتقاد، وقول، وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.\nويطلق إطلاقا خاصا ويراد به هذا الأصول الستة.\nوهذا هو ما يفسر به الإيمان إذا قرن بالإسلام، كما في حديث جبريل حينما سأله عن الإسلام، ثم سأله عن الإيمان، ففسر الإسلام بمبانيه الخمس، وفسر الإيمان بأصوله الست، وقال الطحاوي فيما تقدم: (الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان) (^٢)، وهنا قال: (الإيمان هو الإيمان بالله …) فيما تقدم أراد أن يبين مسمى الإيمان،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٠١.\n(^٢) ص ٢٢٧.","vol":"1","page":239},{"text":"وأنه يكون بتصديق بالقلب وبالإقرار، وهنا أراد أن يفسر الإيمان ببيان ما يتعلق به فالتصديق بالجنان والإقرار باللسان، بأي شيء؟ فكأنه يقول: الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان بهذه الأمور الستة، وهذه الأصول الستة هي أصول اعتقاد أهل السنة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مطلع العقيدة الواسطية: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة ـ: الإيمان بالله وملائكته ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره» (^١)، فالإيمان بهذه الأصول إجمالا فرض عين على كل مكلف، أما الإيمان والعلم بهذه الأصول تفصيلا فهو من فروض الكفاية؛ لكن من علم بشيء من علم التفصيل؛ وجب عليه الإيمان به، وهذا الكلام فيه تكرار؛ لأن الطحاوي ﵀ ذكر الأصول الثلاثة فيما تقدم بقوله: (ونؤمن بالملائكة، والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين) (^٢) وسبق الكلام على هذه الأصول الثلاثة: الملائكة والكتب والرسل هناك، وتقدم ما يتعلق بالإيمان بالله عند قوله: (إن الله واحد لا شريك له) (^٣).\nوأما الإيمان باليوم الآخر، فهو الأصل الخامس من أصول الإيمان، وقد ذكره الله في كتابه وفصَّل الخبر عنه تفصيلا عظيما، لم يتقدم مثله في كتاب من كتب الله المنزلة، فذكر الله الإيمان باليوم الآخر على سبيل الإجمال، كما في قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ» [البقرة: ١٧٧]، «وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا» [النساء: ١٣٦].\nأما التفصيل؛ فكثير جدا؛ فسورة الواقعة والحاقة والتكوير\n_________\n(^١) الواسطية ص ٢١.\n(^٢) ص ٢٠١.\n(^٣) ص ٢٢.","vol":"1","page":240},{"text":"والانفطار والانشقاق والزلزلة والقارعة كلها في شأن القيامة وما يجري في ذلك اليوم من التغيرات والتحولات، ولهذا اليوم أسماء متعددة: يوم القيامة، والحاقة، والغاشية، والصاخة، والطامة الكبرى، ويوم الحساب، ويوم النشور، والساعة، ويوم الدين.\nويدخل في الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ بعد الموت، من فتنة القبر وعذاب القبر، والإيمان بالقيامة الكبرى، والمراد بها: قيام الناس من قبورهم وبعثهم ونشرهم، قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًَا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ» [ق: ٤٣ - ٤٤]، ومن الخبر المفصل عن اليوم الآخر قوله تعالى: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ» [الروم: ١٤ - ١٦] وقوله تعالى: «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًَا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ» [الأنبياء: ٤٧].\nومن أهم ما يجب الإيمان به من أمر اليوم الآخر هو الإيمان بالبعث، والجنة والنار؛ لأن البعث هو الذي أنكره الكفار من عهد نوح إلى عهد محمد ﷺ ولا يؤمن به إلا المنتسبون إلى دين الرسل، كاليهود والنصارى؛ لكن اعتقادهم للبعث فيه خلل؛ لكن بعث الناس من قبورهم هذا قدر مشترك، يؤمن به جميع المسلمين، ولا ينكره إلا الخارجون عن أديان الرسل، ولهذا المكذبون للرسل مكذبون باليوم الآخر، قال تعالى: «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًَا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ» [ق: ١ - ٣]، ثم جاء الرد عليهم في نفس السورة فالسورة من أولها إلى آخرها في شأن القيامة، وهذا المعنى ثُنِّي في القرآن كثيرا، وأمر الله نبيه ﷺ أن يقسم على البعث في ثلاثة مواضع: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ» [التغابن: ٧]،","vol":"1","page":241},{"text":"«وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ» [سبأ: ٣]، «وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» [يونس: ٥٣]، فحكى الله إنكار الكفار للبعث والنشور ومعاد الأجساد، وأنكر عليهم ذلك وأبطل دعواهم، وذكر الأدلة العقلية على إمكان البعث ووقوعه في آيات كثيرة.\nوأظهر طرق القرآن في تقرير إمكان البعث أربعة:\n١ - الاستدلال بخلق السماوات والأرض.\n٢ - الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها.\n٣ - الاستدلال بالنشأة الأولى.\n٤ - الاستدلال بما وقع من إحياء الموتى فيما سبق.\nتجد هذه الأربع تثنى في القرآن في آيات كثيرة، فمثلا في سورة ق، لما ذكر الله عن المكذبين إنكار البعث، ذكر الأدلة الدالة على بطلان قولهم، وبيان صحة وإمكان البعث، فقال تعالى: «قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ» [ق: ٤ - ٨]. هذا الدليل الأول.\n«وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًَا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًَا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ» [ق: ٩ - ١١]. هذا الدليل الثاني. أي: الخروج من القبور كإخراج هذا النبات من الأرض.\nالدليل الثالث بعد ذلك: «أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» [ق: ١٥].\nفتارة يذكر الله هذه الأدلة في سياق واحد، أوفي سورة واحدة، وتارة يذكر الله منها اثنين، وأحيانا يذكر واحدا، فمثلا في سورة الحج:","vol":"1","page":242},{"text":"«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا» [الحج: ٥] الآية، هذا استدلال بالنشأة الأولى، ثم قال تعالى: «وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ» [الحج: ٥ - ٧] وهذا استدلال بإحياء الأرض بعد موتها.\nوهذا المعنى تجده - أيضا - في قوله تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [فصلت: ٣٩].\nوهذا المعنى هو المذكور في قوله تعالى: «فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [الروم: ٥٠].\nوجاءت هذه المعاني في سورة يس: «وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ» [يس: ٣٣] «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ» [يس: ٣٧]، «وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» [يس: ٤١] كلها فيها الدلائل على القدرة؛ لكن في آخر السورة ذِكْرٌ خاص لهذه القضية: «أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًَا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» [يس: ٧٧ - ٧٨] جاء الرد في نفس الآية قبل التصريح بمقالة الكافر: «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًَا وَنَسِيَ خَلْقَهُ» [يس: ٧٨] فذكر الحجة على إبطال الدعوى قبل ذكرها، «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» [يس: ٧٩] وهذا استدلال بذكر النشأة الأولى، إلى قوله: «أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» [يس: ٨١]، ومن هذا القبيل قوله تعالى: «لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ» [غافر: ٥٧]","vol":"1","page":243},{"text":"وهو استدلال بخلق السماوات والأرض، وأن من أبدعها أقدر على خلق الناس وإعادتهم.\nوأما الاستدلال بما كان من إحياء الموتى فذكر الله في سورة البقرة خمس وقائع:\nالأولى: «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [البقرة: ٥٥ - ٥٦]\nالثانية: قال تعالى: «وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًَا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» [البقرة: ٧٢ - ٧٣]،\nالثالثة: قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ» [البقرة: ٢٤٣].\nالرابعة: قوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [البقرة: ٢٥٩].\nالخامسة: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]\nفهذا بعض ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>[الإيمان بالقدر خيره وشره]</span>\nوقوله: (والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى)\nهذا الأصل السادس من أصول الإيمان: وهو الإيمان بالقدر، قال النبي ﷺ: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) (^١) والطحاوي هنا ﵀ قال: (والقدر خيره) ولم يقل: وبالقدر؛ بل عَطَف، والجملة كأنها مستأنَفة، وتكون: (والقدرُ خيرُه وشرُّه وحلوُه ومرُّه من الله تعالى).\nولفظ القدر يطلق بمعنى التقدير، كما إذا قلنا: القدر السابق، والقدر العام، والقدر الخاص، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات، والأرض بخمسين ألف سنة) (^٢) أي: تقدير الله لمقادير الأشياء.\nويطلق القَدَر على الشيء المقدَّر، وهذا كثير في اللغة العربية؛ فالمصدر تارةً يطلَق ويراد به الفعل، ويطلَق ويراد به المفعول، مثل كلمة الخَلْقِ: فالخلقُ يطلق ويراد به فعل الرب تعالى، فإن الله تعالى من صفته ومن فعله الخلق، فهو يخلق، وهو الخلاق، وهو الخالق.\nويطلَق على نفس المفعول، فتقول: هذا خلق الله، كما قال تعالى: «هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ» [لقمان: ١١] أي: هذا هو المخلوق لله.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٠١.\n(^٢) تقدم في ص ٧١.","vol":"1","page":245},{"text":"كذلك القدر يطلق ويراد به المقدر، فإذا حدث الآن حادث للإنسان يقول: هذا قدر، أي: هذا مُقَدَّرٌ قد قَدَّره الله، قال النبي ﷺ: (وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل). (^١)\nومثلُ القدرِ القضاءُ؛ فإنه يطلق ويراد به الحكم، وهو فعل الرب تعالى، ويطلق ويراد به المقضي، وهو ما قضاه الله وشاءه من المخلوقات، ولهذا يقول المسلمون فيما يحدث: هذا قضاء وقدر، أي: هذا أمر مقضي مقدر، أي: هذا أمر حكم الله به، وقدره ﷾.\nوقوله: (والقدر خيره وشره)\nلاشك أن المقدرات المخلوقات فيها خير وشر وحلو ومر، فيها النعم والمصائب، فيها طيب وخبيث، وحسن وقبيح، هذه المخلوقات فيها هذا التنويع.\nفإذا أريد بالقدر: المقدر فهذا أمر ظاهر، نؤمن بأن كل الأشياء مُقدرة مخلوقة لله، واقعة بقدرة الله ومشيئته، لا يخرج شيء منها عن ملك الله، فكل ما يجري في الوجود من خير وشر؛ فهو بمشيئة الله وخلق لله، ومقدر بتقدير الله، وهو مقضي بحكم الله وقضائه.\nوقوله: (وحلوُه ومرُّه) كأن هذا التعبير من تنويع الكلام؛ لأن الأمور المقدرة منها ما هو حلو في حس وذوق الناس؛ كالنعم والأشياء المستطابة، والمر الأشياء الكريهة كالمصائب؛ لأن لها مرارة في النفوس.\nويفسر الخير باللذات وأسبابها، والشر بالآلام وأسبابها، لكن هناك لذات في نفسها لكنها أسباب لآلام طويلة، فتكون في ذاتها خيرا، لكنها شر باعتبار ما تفضي إليه، فالمعاصي شر وإن استلذتها النفوس؛ لأنها تفضي إلى أعظم الآلام.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":246},{"text":"والطاعات خير في ذاتها ومآلها، وإن اشتملت على بعض المشاق والكُلَف، لكنها خير؛ لأنها نفسها مصالح ومنافع عظيمة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (^١)، والله تعالى اقتضت حكمته تنويعَ الخلْقِ، وخلْقَ الأضداد في هذا الوجود، فخلَقَ الخير والشر، والنافع والضار، والحسن والقبيح في الذوات والصفات والأفعال، فخلق النور والظلمات، وخلق الملائكة والشياطين، وخلق الصحة والمرض والحياة والموت: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًَا» [الملك: ٢].\nإذًا؛ الأشياء المخلوقة فيها خير وشر والله خالق الخير والشر، أما فعل الرب سبحانه: حكمه وقضاؤه وتقديره؛ فكله خير، ليس فيه شر، والشر لا يضاف إلى الله اسمًا، ولا صفةً ولا فعلا، فالشر لا يكون في أسمائه فكلها حسنى، ولا في صفاته فكلها صفات كمال وحمد، ولا في أفعاله فكلها أفعال عدل وحكمة، وإنما يكون في مفعولاته، أي: مخلوقاته.\nوهذا ما فُسر به قول النبي ﷺ: (والشر ليس إليك) (^٢)\nأنه تعالى لا يخلق شرا محضا؛ بل كل الشر الذي في المخلوقات شر نسبي ليس شرًا محضًا، وهذا يرجع إلى الإيمان بحكمته ﷾، وأنه حكيم، ما خلق شيئا عبثا، لم يخلق شيئا إلا لمصالحَ وحكمٍ يعلمها سبحانه، وليس من شرط ذلك أن تكون عائدة للعبد، بل قد يكون فيها شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق؛ فالله تعالى منزه عنه.\nوكل ما خلقه الله إما أن يكون خيرا محضا، أو أن وجوده خير من\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٣) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"1","page":247},{"text":"عدمه باعتبار الحكمة العامة، فالله خلق هذه الأضداد لحكم بالغة، ومن حِكمه تعالى في خلقه: الابتلاء، قال تعالى: «خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ» [الملك: ٢] وقال تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًَا» [الكهف: ٧]، (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: ٧].\nوالشر الذي في المخلوقات لا يضاف إلى الله مفردا أبدا؛ بل إما يدخل في عموم المخلوقات كقوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨]، وكقوله: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» [الرعد: ١٦]، يعني: الخير والشر.\nوإما بصيغة البناء للمفعول، كقوله تعالى عن الجن: «وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ» [الجن: ١٠]، وإما أن يضاف إلى خلقه سبحانه، كقوله تعالى: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» [الفلق: ٢]. (^١)\nهذه الوجوه التي يعبر بها في إضافة الشر المخلوق.\nوعلى هذا فلا ينبغي أن تقول: الله خالق الشر، لكن قل: الله خالق كل شيء، وهذا معنى التعبير بالعموم، وقل: فلان أريد به السوء، ولا تقل: أراد الله به.\nوكذلك إذا أردت أن تخبر عن خلق الله للمخلوقات، قل: الله خالق كل شيء، الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن، ولا تقل: الله خالق الحشرات وخالق الكلاب، أو: الله رب الكلاب، هذا منكر؛ بل قل: رب السماوات والأرض، رب كل شيء، هذا الذي فيه التعظيم، كما تَمَدَّح ﷾ بذلك «رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» [المؤمنون: ٨٦].\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٤١٠، ومجموع الفتاوى ١٤/ ٢٦٦، وبدائع الفوائد ٢/ ٧٢٤.","vol":"1","page":248},{"text":"وهكذا في النفع والضر فلا تقل: الله هو الضار؛ بل قل: الله هو النافع الضار، وهذا من جنس الأول في التعبير بالعموم.\nومن هذا ما ذكر الله من قول إبراهيم ﵇: «فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» [الشعراء: ٧٧ - ٨٠] ولم يقل: وإذا أمرضني شفاني، وهذا من الأدب في الإخبار عن الله ﷾.\nومما يتعلق بهذا الجمعُ بين آيتي سورة النساء، وهي قوله ﷾: «وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨] وقوله تعالى في الآية التي تليها: «مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» [النساء: ٧٩] فظاهر الآية الأولى أن الحسنة والسيئة كلها من عند الله، ومعنى أن الحسنة والسيئة من عند الله أنهما بمشيئته وتقديره وتدبيره، وليس في تقديره شر ﷾؛ بل حكمة وعدل.\nوأما قوله تعالى: «مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» [النساء: ٧٩] فالمعنى: بسبب نفسك، والحسنة والسيئة تطلق في القرآن إطلاقين:\n١ - حسناتُ وسيئات الجزاء، وهي: النعم والمصائب، ومنه قوله تعالى: «وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» [الأعراف: ١٦٨].\n٢ - حسناتُ وسيئات الأعمال، ومنه قوله تعالى: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» [هود: ١١٤].\nوأما الحسنة والسيئة في الآيتين:\nففي الآية الأولى: النعمة والمصيبة.\nوفي الثانية: كذلك على الصحيح، وفسرت الحسنة بالنصر والخصب، والسيئة بالهزيمة أو بالمصيبة وبالجدب وما أشبه ذلك، فتكون الآية: «وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» [النساء: ٧٩] من جنس «أَوَ لَمَّا","vol":"1","page":249},{"text":"أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ» [آل عمران: ١٦٥] وقوله تعالى: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» [الشورى: ٣٠].\nوقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) وابن القيم (^٢) هذا المعنى تقريرا حسنا، ونقل بعضه الشارح ابن العز في شرحه (^٣) فجزاهم الله خيرا.\nوقوله: (من الله تعالى) أي: كله بخلق الله، وبقدرة الله، وبمشيئة الله، لا خروج لشيء عن ذلك.\nوقوله: (ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به).\nأي: بكل ما تقدم من مسائل الاعتقاد التي ذكرها مما يتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر.\n(لا نفرق بين أحد من رسله) بل نؤمن بهم جميعا، كما وصف الله المؤمنين بذلك: «كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» [البقرة: ٢٨٥]، فالكفار هم الذين فرقوا بينهم، وكفرهم الله بذلك: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًَا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًَّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًَا مُهِينًَا» [النساء: ١٥٠ - ١٥١].\n(ونصدقهم بكل ما جاءوا به) فكما نؤمن بجميع الرسل، نؤمن بكل ما جاءوا به، فمن آمن ببعض\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٤١٠، ومجموع الفتاوى ١٤/ ٢٦٦.\n(^٢) بدائع الفوائد ٢/ ٧١٠، وشفاء العليل ص ١٥٩.\n(^٣) ص ٥١٥.","vol":"1","page":250},{"text":"الرسل وكفر ببعض؛ فهو كافر لا ينفعه إيمانه، ومن كذَّب رسولا واحدا؛ فهو كالمكذِّبِ لجميعهم، وكذلك من آمن بالرسول الواحد ولكنه كفر ببعض ما جاء به؛ فهو كافر لا ينفعه إيمانه، فلو آمن أحد بكل ما جاء به الرسول ﷺ إلا مسألة واحدة مع ثبوتها وقطعيتها، ولا يحمله على ذلك التوقف في ثبوتها؛ فإنه كافر، فلو قال: أنا أؤمن بالقرآن كله إلا هذه الآية؛ فهو كافر، أنا أؤمن بكل أحكام الإسلام إلا تحريم الخمر؛ فإنه كافر.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>[حكم أهل الكبائر في الآخرة]</span>\nوقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون).\nأصحاب الكبائر من المسلمين وهم الذين ارتكبوا بعض الذنوب الكبيرة، والذنوب فيها: كبائر وصغائر، على الصحيح، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال ﷾: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ» [النساء: ٣١] وقال ﷾: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ» [النجم: ٣٢] واللمم هي: الصغائر، كالنظرة المحرمة، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه». (^١)\nومن قال: إن الذنوب كلها كبائر باعتبار أنه لا يستهان بشيء منها؛ إن أراد هذا المعنى فهو حق، ولو كانت مما يعد من الصغائر، أما إن أراد أن الذنوب كلها كبائر فليس بصحيح.\nوقد اختلف الناس في حد الكبيرة اختلافا كثيرا، وذكر ابن القيم في «الجواب الكافي»، (^٢) وفي «مدارج السالكين» (^٣) أكثر أو جميع أقوال الناس في ضابط الكبيرة، وضعف كثيرا منها. (^٤)\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧).\n(^٢) ص ١٤٤.\n(^٣) ١/ ٣٢١.\n(^٤) وكذا شيخ الإسلام في الفتاوى ١١/ ٦٥٦، وانظر: فتح الباري ١٠/ ٤٠٩.","vol":"1","page":252},{"text":"والذين عرفوا الكبيرة منهم من عرفها بالحد، ومنهم من عرفها بالعد، فقالوا: الكبائر سبع، أو تسع، أو سبعون.\nوأحسنُ حدٍ للكبيرة أنها: «كل ذنب رُتِّب عليه حد في الدنيا، أو تُوُعِد فاعله بلعن أو غضب أو نار، أو نُفي الإيمان عن صاحبه، أو تبرأ منه النبي ﷺ».\nومثال ما رتب عليه الحد في الدنيا: السرقة، قال تعالى: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا» [المائدة: ٣٨].\nومثال ما لعن فاعله: قذف المحصنة، قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» [النور: ٢٣].\nومثال ما تُوُعِد فاعله بالغضب: التولي يوم الزحف، قال تعالى: «وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ» [الأنفال: ١٦]\nومثال ما تُوُعِد فاعله بالنار: أكل مال اليتيم، قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا» [النساء: ١٠]\nومثال ما نُفي عن صاحبه الإيمان: الزاني، كقول النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) (^١)\nومثال ما تبرأ منه النبي ﷺ، قوله ﷺ: (مَن غشَّ فليس مني) (^٢) وقوله ﷺ: (ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية). (^٣)\nوالكبائر نفسها متفاوتة، ليست على حد سواء، بل بعضها أكبر من\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (١٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) رواه البخاري (١٢٩٧)، ومسلم (١٠٣) من حديث ابن مسعود ﵁.","vol":"1","page":253},{"text":"بعض، حتى تنتهي الذنوب إلى أكبر الكبائر، وهو الشرك، ومن الأدلة على هذا: حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا): الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت). (^١)\nوبهذا يتبين أن النهي المجرد يدل على التحريم؛ فإن ورد فيه تغليظ فهو كبيرة.\nفأما الذنوب الصغيرة فمثل ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ السابق (^٢)، ومثل سرقة الشيء الحقير الذي لا قطع فيه، ومثل كذبة الأم على طفلها إذا قالت: تعال أعطيك كذا، ثم لا تعطيه.\nفهذه الصغائر جاء في الأحاديث الصحيحة أنها تكفر بالأعمال الصالحة وباجتناب الكبائر، كما في قوله تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًَا كَرِيمًَا» [النساء: ٣١] وقول النبي ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) (^٣)\nوقوله ﷺ: (ما اجتنبت الكبائر) قيل: إن هذا شرط في تكفير الصغائر، فلا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر، ومنهم من قال: إنها تكفر ما بينها إلا الكبائر. (^٤)\nأما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة النصوح، أو بالحدود المقدرة؛ فإن الحدود كفارات لأهلها، أو برجحان الحسنات، فقد يكون للعبد حسنات عظيمة ترجح بما عليه من سيئات.\nهذا ما يتعلق بالكبائر.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧).\n(^٢) ص ٢٥٢.\n(^٣) رواه مسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٤) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٢٢٣، وفتح الباري لابن حجر ٢/ ١٢ و٣٧٢ و٨/ ٣٥٧.","vol":"1","page":254},{"text":"أما مرتكب الكبيرة فله حكم في الدنيا وحكم في الآخرة، فحكمه في الدنيا تقدمت الإشارة إليه (^١)، وأن مرتكب الذنوب التي دون الشرك لا يكفر بذلك خلافا للخوارج؛ بل ولا يخرج من الإيمان خلافا للمعتزلة؛ بل هو مؤمن ناقص الإيمان.\nأما حكمه في الآخرة فأهل السنة والجماعة يقولون: إنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له ولم يدخله النار، وإن شاء عذبه ثم أخرجه من النار برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل الطاعات.\n\nوقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ) (^٢)\nهذا القيد قد يكون له مفهوم، وأن حكم أهل الكبائر مختص بأمة محمد ﷺ؛ وأهل الكبائر من الأمم الماضية ليس عندنا في حكمهم دليل، إنما النصوص الصريحة جاءت في شأن أمة محمد ﷺ، ففي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا) (^٣) وكذلك أحاديث الشفاعة المصرحة بأنه ﷺ يشفع أربع مرات وفي كل مرة: (يسجد ﷺ لربه ويدعو ويستشفع فيقال له: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، ثم أشفع: فيَحُدُّ لي حدًا فأخرجهم من النار) (^٤) وهذا ما عناه الطحاوي بقوله: (وأهل الكبائر … في النار لا يخلدون) (في النار) متعلق بـ (يخلدون) أي: وأهل الكبائر لا يخلدون في النار إذا دخلوها، وليس مقصوده أنهم لا بد لهم من دخول النار ولكنهم لا يخلدون فيها.\nوقوله: (إذا ماتوا وهم موحدون، وإن كانوا غيرَ تائبين)\n_________\n(^١) ص ٢١٤ وما بعدها.\n(^٢) قوله: «من أمة محمد ﷺ» رأيت مخطوطتين ليست فيها هذه الجملة، كذا ذكر ابن أبي العز ص ٥٢٥: أنها ليست في بعض النسخ.\n(^٣) تقدم في ص ١٥٥.\n(^٤) تقدم في ص ١٥٦.","vol":"1","page":255},{"text":"هذا قيد لا بد منه، وهذا هو محل الخلاف بين طوائف المسلمين، أما التائب فقد اتفقوا أن من تاب تاب الله عليه، لكن الخلاف في من مات مصرا على ذنبه لم يتب منه، فهذا هو المُعَرَّضُ للوعيد؛ أما من تاب توبة نصوحا مستوفية للشروط إقلاعا وندما وعزما؛ فإنه مغفور له، وليس هو من أهل الوعيد.\nوالطحاوي هنا بيَّن مذهب أهل السنة والجماعة في حكم أهل الكبائر في الآخرة: أنهم مستحقون للوعيد؛ ولكنهم تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ومن عذبه منهم فلا بد أن يخرجه من النار؛ لأنه لا يخلد أحد من أهل التوحيد، إذ (من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال خردلة، أو شعيرة، أو بُرَّة أو ذرة من إيمان) لابد أن يخرج من النار، كما تقدم في أحاديث الشفاعة. (^١)\nأما الخوارج والمعتزلة فقد اتفقوا على حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة، وهو: أنه لابد من دخول النار، وعندهم أن من دخل النار؛ فإنه لا يخرجون منها.\nوقوله: (بعد أن لقوا الله عارفين) أي: مؤمنين بربهم الإيمان الصحيح، وعلق الشارح ابن أبي العز على قوله: (عارفين) بأنه: «لو قال: (مؤمنين) لكن أولى؛ لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، ثم قال: وكأنه يريد المعرفة التامة المستلزمة للاهتداء التي يشير إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر؛ بل هم سادة الناس وخاصتهم». (^٢)\nلأن أهل الكبائر ليسوا من أهل العلم التام بالله ﷾، وإنما يريد مطلق المعرفة، إذا ماتوا بعد أن لقوا الله عارفين موحدين.\n_________\n(^١) ص ١٥٦.\n(^٢) ص ٥٢٧.","vol":"1","page":256},{"text":"قوله: (وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر ﷿ في كتابه: «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨]، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته).\nأي: في الآخرة هم في مشيئة الله وحكمه، يحكم فيهم بما شاء، وهو الحكيم العدل الجواد المتفضل ﷾، وإذا كانوا تحت مشيئة الله فالأمر محتمَل؛ فإما أن يغفر الله لهم ويدخلهم الجنة بلا عذاب، وإما أن يعذبهم بالنار حسبما تقتضيه حكمته ومشيئته، ثم يخرجهم منها برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل الطاعات، والدليل على هذا قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨] ودلت هذه الآية على أن الذنوب قسمان:\nقسم لا يُغفر، وهو الشرك الأكبر، «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» [النساء: ٤٨] خص الشرك بأنه لا يغفر. وقسم دون الشرك «وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [النساء: ٤٨] وقيَّد غفرانه بالمشيئة.\nويشكل على ظاهر هذه الآية قوله تعالى: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًَا» [الزمر: ٥٣] فيها الإطلاق والتعميم، فعم حيث قال: «جَمِيعًَا»، وأطلق حيث لم تقيد هذه المغفرة بالمشيئة.\nفالتعارض بين الآيتين ظاهر، في آية الزمر عم وأطلق، وفي آية النساء خص وقيد.\nوالجمع بين الآيتين: أن آية النساء في شأن من لم يتب، وآية الزمر في التائب، فمن تاب تاب الله عليه، ومغفرة الذنوب بالتوبة جاءت مطلقة غير مقيدة، فلا نقيدها، ولا نقول: إن من تاب تاب الله عليه إذا شاء، فمن تاب توبة نصوحا تاب الله عليه، وعدا لا يخلف «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًَا حَكِيمًَا» [النساء: ١٧]، فمن لم يتب إن كان ذنبه","vol":"1","page":257},{"text":"الشرك؛ فإنه لا يغفر الله له، وإن كانت ذنوبه دون ذلك فإنها تحت المشيئة، هذا من لم يتب، أما من تاب فيتوب الله عليه مهما كانت ذنوبه كِبَرا وكثرة، كما في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم كمل المائة، ثم تاب توبة نصوحا؛ فقبل الله منه وغفر له. (^١)\nفهذا هو الدليل على هذا التفصيل، وأن من مات من أهل الكبائر من غير توبة؛ فإنه تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه.\nوالذين يخرجهم الله سبحانه من النار منهم من يخرجه بشفاعة الشافعين، وأعظم الناس حظا من أهل الشفاعة هو نبينا ﷺ، فالله يخرج بشفاعته من النار ما لا يخرجه بشفاعة غيره من الملائكة والنبيين والصالحين؛ فإن الملائكة يشفعون، والأنبياء يشفعون، والمؤمنون يشفعون، ويخرج سبحانه من شاء من النار بمحض رحمته لا بسببٍ من جهة بعض العباد، ومرد الأمر كله إلى الله، فالله هو الذي يأذن للشافع بالشفاعة، وهو الذي يقبلها منه، فمرد الأمر كله إليه. (^٢)\nوقوله: (ثم يبعثهم إلى جنته).\nبعدما يخرجهم من النار يبعثهم إلى الجنة، كما في الحديث: «وأنهم يخرجون من النار وقد صاروا حُمَمًا، فَيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فَيَنْبُتُون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل … فيدخلون الجنة» (^٣)، بفضله ﷾.\nوقوله: (وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته).\nهذا تعليل لقوله - في أهل الكبائرـ: (وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله … وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته) «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦) وسيأتي بلفظه في ص ٢٨٧.\n(^٢) انظر: ص ١٥٦.\n(^٣) تقدم في ص ١٥٦.","vol":"1","page":258},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ» [محمد: ١١] فالله ولي المؤمنين، وكل عبد مؤمن له حظ ونصيب من ولاية الله سبحانه بقدر ما معه من إيمان وعمل صالح، قال تعالى: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ» [يونس: ٦٢ - ٦٣].\nوالمعرفة هنا كالمعرفة في قوله السابق (^١)، (عارفين) أي: مطلق المعرفة ومطلق الإيمان، لا المعرفة التامة التي هي كمال العلم بالله.\nوقوله: (ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته).\nالله سبحانه تولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدنيا والآخرة كأهل نكرته، فالفاسق في الدنيا أخ للمؤمنين، فقوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» [الحجرات: ١٠] يشملُ جميعَ المؤمنين صالحهم وفاسقهم، وقال تعالى في شأن القاتل: «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ» [البقرة: ١٧٨] فجعل القاتل أخا للمقتول، فالفاسق لا يجعله كالكفار المنكرين له، أوالمشركين به.\nوقوله: (الذين خابوا من هدايته) هم الكفار والمشركون، فليس لهم حظ أبدا من الهداية.\nوقوله: (ولم ينالوا من ولايته).\nعبارة المؤلف دقيقة، فلم يقل: (ولم ينالوا ولايته)، فيشعر بالكمال؛ بل قال: (ولم ينالوا من ولايته) فما نالوا حظا، وهذا منطبق على الكفار.\nوقوله: (اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به).\nختم الكلام في حكم أهل الكبائر في الآخرة، وأنهم تحت مشيئة الله، وأن الله ميزهم فلم يجعلهم كالكفار الذين هم أهل النار،\n_________\n(^١) ص ٢٥٦.","vol":"1","page":259},{"text":"بقوله: (اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به) وهذا يتضمن سؤال الله حسن الخاتمة، والثبات على الإسلام، قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» [آل عمران: ١٠٢] يعني: استقيموا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، وهكذا ينبغي للمسلم أن يسأل ربه الثبات على الإسلام، والاستقامة عليه حتى الممات؛ فإن الأعمال بالخواتيم، ومن دعاء الأنبياء والصالحين: سؤال الثبات والوفاة على الإسلام كما قال يوسف ﵇: «تَوَفَّنِي مُسْلِمًَا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: ١٠١]، وقال السحرة بعد التوبة: «أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًَا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ» [الأعراف: ١٢٦]، وذكر الشارح ابن أبي العز أن بعضهم: «استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني الموت، ولا دليل له فيه؛ فإن الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام، لا بمطلق الموت، ولا بالموت الآن» (^١) بل هو من سؤال الله حسن الخاتمة، والوفاة على الإسلام «تَوَفَّنِي مُسْلِمًَا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: ١٠١]، أما تمني الموت فلا يجوز لنهي النبي ﷺ عنه بقوله: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي». (^٢)\n_________\n(^١) ص ٥٢٩.\n(^٢) رواه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>[مذهب أهل السنة في الصلاة خلف المسلمين، وعلى موتاهم]</span>\nوقوله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم).\n(ونرى) نحن أهل السنة؛ لأن العقيدة بها تقرير منهج أهل السنة (الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة) أي: من المسلمين، والبر: الصالح التقي. والفاجر: الفاسق الذي ظهر فسقه وفجوره بما ارتكب من ذنوب.\nأي: أننا لا نعطل الجمع والجماعات، وصلاة العيدين من أجل فجور أو فسق الإمام؛ فإن هذه شرائع وشعائر ظاهرة، والأصل أن صلاة الفاجر والفاسق صحيحة، ومن الأدلة العامة على هذا حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال في الأئمة: (يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم) (^١)؛ لأن فسوق الفاسق وفجور الفاجر عليه ولا يضرك.\nومن الدليل على هذا الأصل ما جاء عن الصحابة ﵃ والتابعين، فقد كانوا يصلون خلف الولاة مع جورهم وظلمهم كما صلى ابن عمر ﵄ خلف الحجاج بن يوسف المعروف بظلمه، (^٢) وفي الصحيح عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «كيف أنت إذا كانت\n_________\n(^١) رقم (٦٩٤).\n(^٢) رواه البخاري (١٦٦٠)، وانظر: فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٨٦ - ١٩٥.","vol":"1","page":261},{"text":"عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صَلِّ الصلاة لوقتها؛ فإن أدركتها معهم فَصَلِّ؛ فإنها لك نافلة) (^١) فهذا يدل على صحة الصلاة خلفهم؛ لأنها تصح نافلة.\nوترك إقامة الجمع والأعياد خلف الإمام لفجوره من منهج المبتدعة، ولهذا نص أهل العلم على هذه المسألة في هذا الباب، وإلا فالأصل أن هذه المسألة عملية من الأحكام الفقهية؛ لكن لما لم يكن الخلاف في هذا بين أهل السنة؛ بل أجمعوا على الصلاة خلف الأئمة أبرارا كانوا أم فجارا، نصوا عليه في بيان أصول ومنهج أهل السنة؛ لكن إذا كان هناك إمام عدل وفاسق، فالذي ينبغي الصلاة خلف العدل، وأما الصلاة خلف الفاسق؛ فإنها صحيحة كما قلنا؛ لكن ينبغي هجر وترك الصلاة خلفه إذا أمكن أن يُصلى خلف غيره؛ بل ينبغي السعي في عزله إذا أمكن ذلك بدون مفسدة؛ لأنه لا يجوز تولية الفاجر والفاسق في الإمامة، فمن له قدرة على عزله وإبداله بالعدل وجب عليه، وهذا من إنكار المنكر، لكن محل قولنا: (يُصلى خلفه) إذا لمن تمكن الصلاة خلف غيره، أما إذا أمكنت الصلاة خلف غيره فهي الأولى، وأولى من الصلاة خلف الفاجر الصلاة خلف المخالف في المذهب، فيجوز أن تصلي خلف من يخالفك في بعض أحكام الصلاة، فيجوز أن تصلي خلف من يرى أن أكل لحم الجزور غير ناقض، وأنت تعتقد أن أكل لحم الإبل ناقض، فأنت لو أكلت لحم الجزور لرأيت أن صلاتك لا تصح بدون وضوء، لكن هذا صاحب المذهب الآخر صلاته صحيحة؛ لأن هذا الذي أداه إليه علمه واجتهاده، فلا تُترك الصلاة للخلاف المذهبي في بعض شروط الصلاة؛ لأن في ترك الصلاة لذلك تفريق بين المسلمين، وهذه مفسدة كبرى، وفساد عريض، فلا تترك الصلاة خلف مخالفك في المذهب فيجوز للحنبلي أن يصلي خلف الحنفي أو المالكي أو الشافعي، وكذا العكس.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٦٤٨).","vol":"1","page":262},{"text":"وقوله: (من أهل القبلة) أي: من المسلمين.\nأما من ظهر - والعياذ بالله - منه ما يوجب ردته فلا يصلى خلفه، وإن كان ينتسب للإسلام، ومن هذا النوع: القبوريون الذين يدعون الأموات، كالرافضة فهم قبورية مشركون، يدعون عليًا والحسين ﵄ وغيرَهما، ويستغيثون بهم في الشدائد.\nوقوله: (وعلى من مات منهم).\nأي: ونرى صلاة الجنازة على من مات من المسلمين، فإن الصلاة على الميت فرض كفاية، وهي مستحبة لغير من تحصل بهم الكفاية، وقد رُوي حديثٌ ضعيف عن النبي ﷺ: (صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إله إلا الله) (^١) لكن معناه صحيح دلت عليه نصوص أخرى.\nويخص من هذا شهيد في المعركة على خلاف في ذلك؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ «أمر بدفن قتلى أحد في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصلِّ عليهم» (^٢)، كما أنه ينبغي للإمام والعالم والرجل الصالح المشهور أن يترك الصلاة على الفجار والفساق زجرا عن حالهم وأعمالهم، ودليل هذا حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «أُتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه فلم يصلِّ عليه» (^٣)، بل كان النبي ﷺ يترك الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء (^٤)، زجرا عن تحمل الديون من غير أن يكون لها وفاء.\n_________\n(^١) رواه الدارقطني في سننه (١٧٦١ - ١٧٦٣) من حديث ابن عمر ﵄، وقال: ليس يثبت منها شيء، وضعفها البيهقي السنن الكبرى ٤/ ١٩، وانظر: نصب الراية ٢/ ٢٧، والتلخيص الحبير ٢/ ٩٣٤.\n(^٢) رواه البخاري (١٣٤٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.\n(^٣) رواه مسلم (٩٧٨).\n(^٤) رواه البخاري (٦٧٣١)، ومسلم (١٦١٩) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>[لا يشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا بحجة]</span>\nوقوله: (ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى).\nأي: لا نشهد لأحد من أهل القبلة من المسلمين بأنه من أهل الجنة لصلاحه، ولا نشهد على أحد منهم بأنه من أهل النار لمعصية أو بدعة، بل نفوض علمهم إلى الله، فهو تعالى أعلم بمآلهم وبحالهم، ولا نشهد بالجنة إلا لمن شهد له الرسول ﷺ كالعشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وثابت بن قيس بن شمَّاس، ولجميع أهل بيعة الرضوان، وتقدمت الإشارة إلى هذه المسألة وأن فيها ثلاثة مذاهب، (^١) والطحاوي يكرر المعنى الواحد في عدة مواضع.\nوقوله: (ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك) تقدم هذا المعنى في قوله: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)، فلا نحكم على أحد بالكفر إلا أن يظهر منه ما يوجب الردة، فمتى ظهر منه ما يوجب الردة قلنا: إنه كافر، ونحكم عليه تعيينا إذا توفرت الشروط، وانتفت الموانع، فلو سمعنا إنسانا يتكلم بكلمة الكفر، فنتثبت أهو صاحٍ أم مجنون، أم سكران، فإن كان معه عقله؛\n_________\n(^١) ص ٢١٩، وهناك تخريج الأحاديث.","vol":"1","page":264},{"text":"فننظر ماذا يريد بهذه الكلمة، فقد تكون محتملة، فإذا تحققنا أنه قالها عالما بمعناها، مختارا غير مكره، ذاكرا من غير سبق لسان حكمنا بكفره.\n(ونذر سرائرهم إلى الله تعالى).\nفلا ندخل في سرائر الناس، ولا نتهمهم ونقول: هذا مرائي، هذا منافق، فأحكام الدنيا تجري على الظواهر، فالرسول ﷺ أعلم الخلق يقول: (إني لم أُومَرْ أن أُنَقِّبَ عن قلوب الناس، أو أشق بطونهم) (^١)، وقال النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٢) تقدم في ص ٢٣.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>[عصمة دماء المسلمين]</span>\nوقوله: (ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف).\nلا نرى القتل ولا القتال على أحد من المسلمين إلا أن يكون منه ما يوجب القتال أو القتل، قال ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) (^١) فمن زنى بعد إحصان، وثبت عليه ذلك بالبينة، وجب عليه الحد، وهو الرجم، ومن قتل معصوما وتوافرت فيه شروط القصاص وجب عليه القصاص، وكذلك من وجب عليه حد الردة، قال النبي ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه). (^٢)\nوكذلك الطائفة الباغية التي أمر الله بقتالها في قوله: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ» [الحجرات: ٩]، وكذلك إذا تواطأت جماعة على ترك شعيرة من شعائر الإسلام؛ فإنها تقاتل، فلو اجتمع أهل بلد على ترك الأذان؛ فإنهم يقاتلون لتعطيلهم شعيرة من شعائر الإسلام، وقد «كان النبي ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان؛ فإن سمع أذانا أمسك، وإلا أغار» (^٣)\nوكذا الطائفة الممتنعة المانعة للزكاة يجب قتالها حتى تؤدي الزكاة،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٣) رواه مسلم (٣١٢) من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":266},{"text":"فقد قال عمر ﵁ للصديق ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ فقال أبو بكر ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق». (^١)\nوكذلك أجمع الصحابة على قتال الخوارج بأمر النبي ﷺ (^٢)، وترغيبه في ذلك لما اجتمعوا، وأظهروا بدعتهم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٩٢٤)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) تقدم تخريجه في ص ٢١٥.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>[وجوب السمع والطاعة بالمعروف لولاة الأمر، وتحريم الخروج عليهم]</span>\nوقوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة).\n(ولا نرى) أي: نحن أهل السنة والجماعة. (الخروج) يعني: بالسلاح والقتال. (أئمتنا وولاة أمرنا) أئمة المسلمين.\n(وإن جاروا) وإن كان منهم ظلم على الرعية؛ فالواجب الصبر والمدافعة بالتي هي أحسن.\nوهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة، وهو النصح لولاة الأمر، وهو محبة الخير لهم والدعاء لهم بالعافية وصلاح الحال والاستقامة، والتوفيق للقيام بحق الله وحقوق رعاياهم، ومن كمال النصح للأمة عدم الخروج عليهم بالسلاح وقتالهم لما يحصل منهم من ظلم أو معصية بحجة إنكار المنكر، أما من يخرج عليهم للمنازعة على السلطة فهذا لون آخر؛ فالذي نعنيه هنا أن أهل السنة والجماعة لا يرون الخروج على الأئمة بسبب ما يقع منهم من ظلم ومنكرات.\nوالله تعالى قد أمر بطاعة ولاة الأمر في قوله سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» [النساء: ٥٩]، وكذلك","vol":"1","page":268},{"text":"الرسول ﷺ قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني) (^١)، وقال ﷺ: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة﴾، (^٢)، وقال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿إنما الطاعة في المعروف﴾ (^٣) وقال ﷺ: ﴿من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية﴾. (^٤)، وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، أَلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة) (^٥)، وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان». (^٦) وفي رواية: «وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». (^٧) والأحاديث في الأمر بطاعة ولاة الأمر بالمعروف، والنهي عن الخروج عليهم كثيرة مستفيضة.\nوخالف المعتزلةُ أهلَ السنة في هذا الأصل، فالمعتزلة من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون في مفهومه: الخروج على\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧١٣٧)، ومسلم (١٨٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٣) رواه البخاري (٧١٤٥)، ومسلم (١٨٤٠) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(^٤) رواه البخاري (٧٠٥٤)، ومسلم (١٨٤٩) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٥) رواه مسلم (١٨٥٥) من حديث عوف بن مالك ﵁.\n(^٦) رواه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n(^٧) رواه البخاري (٧٢٠٠)، ومسلم (١٧٠٩).","vol":"1","page":269},{"text":"الولاة الظلمة، ويجعلون الخروج عليهم واجبا؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مخالف لما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي ﷺ، ومخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، وهو مخالف لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه يقوم على قاعدة احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فإنكار المنكر المقصود منه هو إزالة المنكر أو تخفيفه، فإذا كان إنكار المنكر يؤدي إلى منكر أعظم لم يجز الإنكار، ولا شك أن الخروج على الأئمة يؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل، وفساد دين الناس ودنياهم، فهذا التشريع هو مقتضى الحكمة، فليس تحريم الخروج على الأئمة رضًا بظلمهم وفجورهم؛ بل درءا لما هو أعظم من ذلك، والواقع شاهد بأن ما جاءت به الشريعة هو الغاية في الحكمة وتحقيق المصالح العادلة.\nوقوله: (ولا ندعو عليهم).\nالدعاء لهم بالصلاح، هذا موجب النصيحة، قال النبي ﷺ: (الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (^١) والنصيحة أن تدعو لهم بالصلاح، اللهم أصلحهم، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم اهدهم صراطك المستقيم، ادعُ لهم لعل الله يصلح حالهم، لكن جرت عادة الناس أنهم لا يلتزمون بهذا المنهج، وقول النبي ﷺ في الحديث: «وشرار أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» (^٢) ليس هذا إقرارا، وإنما هذا من قبيل الإخبار بالواقع، ولم يُسَق على وجه التسويغ والتجويز له، فأهل العلم والإيمان، والصلاح والتجرد عن الهوى وإيثار الدنيا يحبون الخير لإخوانهم المسلمين، ولا سيما ولاة الأمر سواء أعطوهم من الدنيا أم لم يعطوهم، وفي الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم\n_________\n(^١) رواه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري ﵁.\n(^٢) تقدم في ص ٢٦٩.","vol":"1","page":270},{"text":"ولهم عذاب أليم» - وذكر منهم ـ: «… ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يفِ» (^١)، فهو دائر مع الدنيا، وهذا واقع، فأكثر الناس إنما ينكرون على الولاة أمر الدنيا لا أمر الدين، فلا ينقمون تقصيرهم في حقوق الله، إنما نقمتهم الأثرة، ويطلبون منافستهم في الدنيا، ولهذا أوصى النبي ﷺ أصحابه الأنصار فقال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). (^٢)\nوقوله ﷺ: (أثرة): استبداد بالولايات وبالمال. وقوله ﷺ: (فاصبروا) أي: لا تنازعوا ولاة الأمر من أجل ذلك.\nوكثير ما يكون الخروج على الولاة من أجل المنازعة على السلطة باسم الإصلاح الدنيوي أيضا؛ فينتج عنه شر مستطير على الناس، فتسفك الدماء وتنتهك الحرمات، وتذهب الأموال، وينتشر الفساد، خصوصا إذا لم يكن هناك استقرار في الأمر فتعم الفوضى، ويتمكن كل مجرم من بلوغ مرامه، واقتراف إجرامه.\nوقوله: (ولا ننزع يدا من طاعتهم).\nلا ننزع يدا من طاعتهم؛ بل ندين لله بطاعتهم بالمعروف، عملا بأمر الله تعالى، ورسوله ﷺ.\nوقوله: (ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة).\nنرى طاعتهم بالمعروف واجبة؛ لأنها من طاعة الله؛ فَكُلُ مَن أمر الله بطاعته فطاعتهم من طاعته، فالرسول ﷺ تجب طاعته مطلقا بلا قيد؛ لأن طاعته طاعة لله مطلقة، ومَن سواه ممن أمر الله بطاعته يطاع لكن بقيد، وهو ألا تكون في معصية، قال النبي ﷺ: (إنما الطاعة في المعروف) (^٣). فإذا الإنسان أطاع ولي الأمر بالمعروف إيمانا\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٢١٢)، ومسلم (١٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) تقدم في ص ١٥٢.\n(^٣) تقدم في ص ٢٦٩.","vol":"1","page":271},{"text":"واحتسابا أثيب على ذلك، أما إذا أطاعهم خوفا من عقوبتهم، فهذا ليس بمطيع لله؛ لأن هذه ليست طاعة اختيارية تعبدية؛ بل طاعة عَادِيَّة قهرية.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>[وجوب إتباع الكتاب والسنة وتجنب الشذوذ والفرقة]</span>\nوقول: (ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة).\nمن منهج أهل السنة والجماعة اتباع سنة الرسول ﷺ، قال تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» [الأحزاب: ٢١]، «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» [الأعراف: ١٥٨]، «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» [آل عمران: ٣١] والآيات التي فيها الأمر بطاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ واتباعه والتأسي به كثيرة معلومة، وهكذا أوصى النبي ﷺ باتباع سنته فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين). (^١)\nوكذلك من منهج أهل السنة اتباع جماعة المسلمين، وذلك باتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وسمي أهل السنة والجماعة بأهل السنة والجماعة لاتباعهم سنة الرسول ﷺ وجماعة المسلمين، والله تعالى يقول: «وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ» [التوبة: ١٠٠] فأثنى على المهاجرين والأنصار وعلى من اتبعهم بإحسان ممن تأخر إسلامهم من الصحابة، وكذلك من جاء بعد الصحابة، وهكذا قوله تعالى بعد ذكر المهاجرين والأنصار: «وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا\n_________\n(^١) رواه أحمد ٤/ ١٢٦، وأبو داود (٤٦٠٧)، وصححه الترمذي (٢٦٧٦)، وابن حبان (٥)، والحاكم ١/ ٩٥ - ٩٧ من حديث العرباض بن سارية ﵁.","vol":"1","page":273},{"text":"بِالإِيمَانِ» [الحشر: ١٠] فنتبع السنة ونلزمها، ونتبع الجماعة، ونلتزم بما أجمع عليه المسلمون، وما درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين.\nوقوله: (ونجتنب الشذوذ والفُرقة)\nبمخالفة ما أجمع عليه المسلمون وبمخالفة ما دلت عليه سنة الرسول ﷺ، ونحذر من أسباب الفرقة، وقد أمر الله بهذا في قوله: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًَا وَلا تَفَرَّقُوا» [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ» [آل عمران: ١٠٥]، وقال ﷺ: (إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي). (^١) وفي لفظ (وهي الجماعة). (^٢)\nلهذا قال الطحاوي ﵀ في بيان منهج أهل السنة: (ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ) فمن شذ عن جماعة المسلمين شذ عن الصراط المستقيم، قال تعالى: «وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًَا» [النساء: ١١٥].\nوهذه الآية مما احتج بها الشافعي ﵀ على حجية الإجماع (^٣).\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٦٤١) - وقال: هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه ـ، والحاكم ١/ ١٢٨ من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. ورواه الطبراني في الأوسط ٨/ ٢٢ من حديث أنس ﵁، وقال: لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلا عبد الله بن سفيان المدني، وياسين الزيات.\n(^٢) رواه أحمد ٤/ ١٠٢، وأبو داود (٤٥٩٧) من حديث معاوية ﵁. وأحمد ٣/ ١٤٥ وابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس ﵁. وابن ماجه (٣٩٩٢) من حديث عوف بن مالك ﵁. وصححه شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ٣/ ٣٤٥ - ٣٥٩، وعلق عليه بتعليق طويل، وذكره الكتاني في كتابه نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص ٥٧.\n(^٣) أحكام القرآن للشافعي ١/ ٥٢.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>[حب أهل العدل وبغض أهل الجور]</span>\nوقوله: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة) ذِكر هذا المعنى بعدما تقدم مناسب جدا، وفيه تنبيه على أن وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا، وكوننا نرى الصلاة خلف الأئمة أبرارا كانوا أو فجارا؛ لا يقتضي التسوية بين الأبرار والفجار، وأئمة العدل وأئمة الجور، لا؛ بل نحب أهل العدل من الولاة والأئمة وسائر الناس، قال النبي ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل) (^١)، وهذا من الحب في الله، فنحب من يحبه الله من المؤمنين والمقسطين، قال تعالى: «وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» [الحجرات: ٩] أي: العادلين، ونحب التوابين، ونحب الصالحين، وننزل كلا منزلته، وهذا هو الواجب على المؤمنين أن يتحابوا في الله، قال النبي ﷺ: ﴿ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله﴾ (^٢)، ومن شواهد ذلك قوله ﷺ: ﴿والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم﴾ (^٣)، وفي الحديث عن النبي ﷺ: ﴿أوثق عُرَى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله﴾ (^٤)، ولهذا قال الطحاوي ﵀: (ونبغض أهل\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) تقدم في ص ١٠٢.\n(^٣) رواه مسلم (٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٤) رواه الطيالسي (٣٧٦)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٥/ ٦٣٠، والحاكم ٢/ ٤٨٠ من حديث ابن مسعود ﵁، وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: … الحديث منكر لا يشبه حديث أبي إسحاق. العلل (١٩٧٧)، وانظر: الضعفاء الكبير ٣/ ٤٠٨، والكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ١٠٠. ورواه الطيالسي (٧٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٩/ ٧٤، وأحمد ٤/ ٢٨٦ من حديث البراء بن عازب ﵄، وفيه ليث ابن أبي سليم وهو ضعيف - تهذيب التهذيب ٣/ ٤٨٤ ـ، وله شواهد من حديث عدد من الصحابة، وانظر: السلسلة الصحيحة (٩٩٨) و(١٧٢٨).","vol":"1","page":275},{"text":"الجور والخيانة) نبغضهم لجورهم، لا لأغراضنا وشهواتنا وأهوائنا وعدم حصولنا على ما نريد، لا؛ بل نبغضهم في الله ولله، ومن باب أولى نبغض الكفار، وأهل الفسق والعصيان، والله تعالى أخبر بأنه يمقت الكافرين: «لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» [غافر: ١٠]، وأخبر أنه ﷾: «لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ» [الحج: ٣٨]، و«لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» [القصص: ٧٧] بل يبغضهم ﷾ و: «لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ» [التوبة: ٩٦].\nوالناس في هذا الواجب ثلاثة أقسام:\nالأول: ولي لله تجب محبته مطلقا.\nوالثاني: عدو لله يجب بغضه مطلقا.\nوالثالث: المخلط؛ كالفاسق من المسلمين يحب بحسب ما معه من الإيمان والطاعة، ويبغض بحسب ما معه من الفسوق والمعصية.\nوالوالي الظالم والجائر يُبغَض لما معه من الجور لظلمه وجوره وخيانته، ويحب بحسب ما معه من الإيمان، فالمسلم الفاجر والظالم لا يسوى بالكافر في بغضه، لا؛ فمطلق الأخوة الإيمانية موجودة كما تقدمت الإشارة (^١) إلى قوله تعالى: «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ» [البقرة: ١٧٨] فسمى المقتول أخا للقاتل، فكونه قتله هذا لا يبطل الأخوة الإسلامية التي بينهما؛ فإن من العدل في الحكم والمعاملة أن تفرق بين الناس، فلا تعط الناس حكما واحدا؛ بل تنزل الناس منازلهم بحسب حكم الله تعالى ورسوله ﷺ.\n_________\n(^١) ص ٢٥٩.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>[تفويض العلم فيما خفي على العبد إلى الله]</span>\nوقوله: (ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه).\nمن منهج أهل السنة: تفويض علم ما لا علم لهم به، هذا تفويض واجب، وليس مثل تفويض المعطلة الذين ينفون الصفات، ثم يفوضون معاني النصوص فذاك مذهب باطل، وهذا التفويض الذي ذكره الطحاوي هو الذي أمر الله به نبيه ﷺ في مثل قوله تعالى: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًَا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ» [الكهف: ٢٢]، وقوله: «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًَا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا» [الكهف: ٢٥ - ٢٦]، ولما سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». (^١) وهكذا الواجب على المسلم ألا يخوض فيما لا علم له به، قال تعالى: «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًَا» [الإسراء: ٣٦] بل فوض علم ما لا علم لك به، وما أشكل عليك إلى الله، وقل: الله أعلم، وهذا من وقوف الإنسان عند حده، فلا يتجاوزه فيدعي علم ما لا علم له به، وإن قال: لا أدري فقد أحسن، فإن الذي يدعي أو يخبر أو يجيب بما لا يعلم يكون كاذبا، فمن يخبر بالشيء قد يخبر بما يَعلم كذبه، وهذا المتعمد للكذب، ومن يخبر\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٥٩٧)، ومسلم (٢٦٦٠) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":277},{"text":"بما لا علم له به، لا يكون صادقا؛ بل فعله من جنس الكذب؛ لأن الصدق هو: الإخبار عن علم يطابق الواقع، هذا في الأمور العامة.\nأما فيما يتعلق بالغيب، وفي دين الله، وفي ذات الله وصفاته؛ فهذا هو الذي حذر الله منه في كتابه: وذكر أنه مما يأمر به الشيطان: «إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ» [البقرة: ١٦٩]، وقال ﷾: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًَا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ» [الأعراف: ٣٣].","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>[من مذهب أهل السنة المسح على الخفين]</span>\nوقوله: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر).\n(ونرى) أي: نحن أهل السنة نرى (المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر) أي: كما جاءت به السنة المأثورة المتواترة عن النبي ﷺ (^١) خلافا للرافضة والخوارج؛ فإنهم لا يرون المسح على الخفين.\nوالله تعالى قد أمر بغسل الرجلين في قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ» [المائدة: ٦] واستدل العلماء بهذه الآية على وجوب غسل الرجلين، فحكم الرأس هو المسح، وحكم الرجلين الغسل؛ لأنه عَطَف الرجلين على الوجه واليدين المغسولتين، وأوضحت ذلك السنةُ، فكل من نقلَ صفةَ وضوئه ﷺ ذكرَ أنه ﷺ غسل رجليه (^٢)، فعُلم أن فرض الرجلين هو الغسل لا المسح، عليهما خلافا للرافضة.\nوفي القراءة الأخرى: «وَأَرْجُلِكُمْ» [المائدة: ٦] بجر اللام (^٣)\n_________\n(^١) قطف الأزهار ص ٥٢، ونظم المتناثر ص ٧١.\n(^٢) كحديث عثمان (في البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦)، وحديث عبد الله بن زيد ﵄ عند البخاري (١٩١)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٣) هي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، وحمزة، وأبي جعفر، وخلف العاشر، وشعبة عن عاصم. التيسير ص ٩٨، والنشر ٢/ ٢٥٤.","vol":"1","page":279},{"text":"واختلف المفسرون في توجيهها، فقيل: إنها عَطْف على الرأس؛ فتمسح مثله، وهذه من شبهات الرافضة (^١)، لكن جمهور الأمة القائلون بغسل الرجلين قالوا: إنه خفض للمجاورة، كما قالوا: (جُحرُ ضبٍّ خربٍ)، وأصله (خربٌ)، (^٢) ومن أحسن ما قيل في قراءة الجر: إنها محمولة على حال لبس (^٣)، وقراءة النصب على حال خلوهما، فتكون الآية على القراءتين دالة على الحكمين الغسل والمسح كما دلت على ذلك السنة، والسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه.\nوفرض الرجلين هو الغسل إذا كانتا مكشوفتين، أما إذا كانا في خفين لُبِسا على طهارة؛ ففرضهما المسح عليهما، ودلت على ذلك سنة الرسول ﷺ القولية والفعلية، كما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في الصحيحين، أنه كان مع النبي ﷺ، قال: ﴿فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما﴾ (^٤)، وهكذا في حديث حذيفة ﵁ في الصحيح أن النبي ﷺ بال فتوضأ ومسح على خفيه (^٥)، وسئل علي ﵁ عن المسح على الخفين؟ فقال: (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم) (^٦)، وغيرها.\nفأحاديث المسح على الخفين متواترة، ولهذا كان من مذهب أهل السنة والجماعة المسح على الخفين، وغسل الرجلين إذا لم يكونا في خفين، خلافا للرافضة؛ فإن الرافضة خالفوا السنة في الحالين، فقالوا: إن فرض الرجلين هو المسح على أعلى القدم من الأصابع إلى العظم\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٤٣.\n(^٢) زاد المسير ٢/ ١٧٩، والجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٤٧.\n(^٣) الخفين [الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٤٥.\n(^٤) رواه البخاري (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤).\n(^٥) رواه مسلم (٢٧٣).\n(^٦) رواه مسلم (٢٧٦).","vol":"1","page":280},{"text":"الناتئ في ظهر القدم، وإذا كانا في خفين فلا يمسحون عليهما (^١)، فخالفوا السنة من الوجهين، حيث قالوا: إن فرض الرجلين هو المسح، ولا مسح على الخفين، ومذهبهم باطل مخالف للنصوص.\nوالمسح على الخفين مشروع في السفر والحضر، فقد دلت السنة على التفريق في حكم المسح على الخفين بين المسافر والمقيم حيث رخص النبي ﷺ للمقيم أن يمسح يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها.\nوكما تقدم (^٢) أن بعض هذه المسائل هي من المسائل الفقهية العملية؛ لكن لما لم يخالف فيها إلا المبتدعة نص عليها فهي مما يتميز به أهل السنة من المبتدعة.\n_________\n(^١) المبسوط في فقه الإمامية ١/ ٢٢، وشرائع الإسلام ١/ ١٧.\n(^٢) ص ٢٦٢.","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>[الحج والجهاد مع الأئمة برهم وفاجرهم]</span>\nوقوله: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين بَرِّهِم وفاجِرِهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما).\nالحج مشروع منذ فرضه الله إلى قيام الساعة والجهاد مشروع إلى قيام الساعة، مع الأمراء والائمة بَرِّهِم وفاجِرِهم لا يمنعهما فجور أو ظلم الأمير، بل يشرع الحج مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا. وكذا الجهاد والقتال إذا كان مشروعا فلا يمنع منه كون القائد فاجرا أو عاصيا أو ظالما.\nوذكر الحج؛ لأن الخلفاء في الدولة الإسلامية كانوا يعينون أميرًا على الحج؛ لأنه يُحتاج فيه إلى تنظيم القوافل؛ لأنهم خلق كثير؛ كالجيش، ويحتاجون إلى سياسية وقيادة تدبر أمر السير، وترتيب الحراسات؛ وما يحتاجون إليه من الأغذية وعلف الدواب، وغيرها؛ فلهذا ذكر العلماء الحج مع الجهاد.\nوذكر الطحاوي وغيره هذه المسألة للتنبيه على مخالفة الرافضة، فالرافضة عندهم أنه لا جهاد إلا مع إمام معصوم (^١)، وهم يقولون بعصمة الأئمة الاثني عشر أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين ﵃ … وآخرهم محمد بن الحسن العسكري، وهو الذي يسمونه الإمام والمهدي المنتظر، ويقولون: إنه دخل في سرداب في سامراء، وهم ينتظرونه إلى الآن، ويرون أنه لا جهاد إلا معه، وهذا الإمام معدود لا حقيقة له؛ لأنهم\n_________\n(^١) المبسوط في فقه الإمامية ٢/ ٨، وشرائع الإسلام ١/ ٢٣٢.","vol":"1","page":282},{"text":"زعموا أنه دخل السرداب سنة ستين ومائتين أو قريبا من ذلك، وهو دون التمييز ابن خمس سنين أو أقل (^١)، ولا يزال حيا، وهذا الإمام كما يقول شيخ الإسلام: (لم ينفعهم في دين ولا دنيا) (^٢).\nفنُص على هذه المسألة للتنبيه على بطلان مذهب الرافضة، ثم إنهم لم ينتفعوا بهؤلاء الأئمة الاثني عشر، سوى علي ﵁ فهو الذي تولى الخلافة، والحسن كانت له مدة قصيرة، أما بقية الأئمة الذين يدعون لهم العصمة وأنهم أحق بالإمامة من كل أحد؛ فلم ينتفعوا بهم ولم تكن لهم ولاية، وهؤلاء الأئمة حكمهم عند أهل السنة، كحكم غيرهم بحسب حالهم في دينهم وعلمهم، وهم متفاضلون، فمنهم العلماء؛ كعلي بن الحسين، وابنه محمد بن علي، وابنه جعفر بن محمد ﵏ فهؤلاء من العلماء الصالحين المعروفين (^٣)، وفوقهم من له فضل الصحبة وفضل القرابة كعلي، وولديه: الحسن والحسين ﵃.\n_________\n(^١) منهاج السنة ١/ ١١٤.\n(^٢) منهاج السنة ١/ ٨٠.\n(^٣) انظر تراجمهم على الترتيب في سير أعلام النبلاء: ٤/ ٣٨٦، و٤٠١، و٦/ ٢٥٥.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>[الإيمان بالكرام الكاتبين]</span>\nوقوله: (ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين).\nأي: نحن أهل السنة نؤمن بالكرام الكاتبين وهم: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال العباد وكتابتها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] فالله ﷾ أقدرهم على العلم بأحوال العبد، فهم يكتبون حتى الأعمال القلبية، فضلا عن الأعمال الظاهرة وأقوال اللسان.\nوفي الحديث القدسي الصحيح: ﴿إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها؛ فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة؛ فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف﴾. (^١)\nوقد دل القرآن ودلت السنة على كتابة أعمال العباد، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨]، ومن شواهد ذلك قول النبي ﷺ: ﴿إذا مرض العبدُ أو سافرَ كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا﴾ (^٢)\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٥٠١) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٢٩٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"1","page":284},{"text":"فهم يكتبون الحسنات والسيئات؛ بل ويكتبون ما سوى ذلك، وقد قيل في قوله تعالى: «يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ» [الرعد: ٣٩] أي: ما في صحف الملائكة، فيمحو ما لا ثواب فيه ولا عقاب، ويثبت ما يترتب عليه الثواب والعقاب، أو يمحو ما تاب منه العبد وتجاوز عنه ﷾. (^١) والإيمان بالحفظة الكاتبين داخل في الإيمان بالملائكة كما تقدم (^٢)، فمن الإيمان بالملائكة الإيمان بأصنافهم وأعمالهم، ومنهم الكرام الكاتبون.\n_________\n(^١) تفسير البغوي ٤/ ٣٢٥، وزاد المسير ٤/ ٢٥٩.\n(^٢) ص ٢٠٢.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>[الإيمان بملك الموت وأعوانه]</span>\nوقوله: (ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين).\nكذلك من الإيمان بالملائكة الإيمان بملك الموت، قال ﷾: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» [السجدة: ١١] والإيمان بمن معه من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وقد ذكر الله ذلك في كتابه، قال ﷾: «وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ» [الأنعام: ٩٣]، وقال ﷾: «وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ» [الأنفال: ٥٠]، فأخبر أن الملائكة يتوفونهم، وقال ﷾: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ» [النحل: ٢٨]، وقال: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ» [النحل: ٣٢].\nوكما دل القرآن على ذلك دلت السنة عليه، ففي الحديث الطويل حديث البراء بن عازب ﵄ قال النبي ﷺ (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان","vol":"1","page":286},{"text":"بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، - إلى أن قال - وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا …) (^١)\nالشاهد: أن السنة قد دلت على إثبات هذه الأصناف من الملائكة: ملك الموت وملائكة الرحمة وملائكة العذاب.\nوفي الصحيحين عن النبي ﷺ: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا! فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس! فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَفَ الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة\n_________\n(^١) رواه أحمد ٤/ ٢٨٧ - واللفظ له ـ، وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه ابن خزيمة في التوحيد ص ١١٩، وابن جرير في تهذيب الآثار - مسند عمر ﵁ - ٢/ ٤٩١ -، والحاكم ١/ ٣٧، من حديث البراء (مطولا، وصححه - أيضا - ابن القيم في الروح ص ٨٨، وإعلام الموقعين ١/ ١٧٨، وتهذيب السنن ٧/ ١٣٩.","vol":"1","page":287},{"text":"وملائكة العذاب، فقالت: ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة». (^١)\nويلاحظ أن التوفي جاء في القرآن منسوبا إلى الله: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى» [الزمر: ٤٢].\nومنسوبا إلى ملك الموت: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ» [السجدة: ١١].\nومنسوبا إلى الملائكة: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ» [النحل: ٢٨] فمن المتوفي إذًا؟\nوالجواب: أن الله ﷾ هو المتوفي؛ لأنه سبحانه هو الذي أمر به وبمشيئته يكون، «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا» [الأنعام: ٦١] فالملائكة رسل من عند الله يرسلهم لقبض روح من شاء من عباده.\nوأضيف التوفي إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي يتولى قبضَ النفسِ وأخذها أول ما تخرج من الجسد.\nوأضيف إلى الملائكة باعتبار أنهم يقبضونها ويتولونها بعد ذلك.\nفكلها حق، فنُسب التوفي إلى كلٍّ لثبوت ذلك على الوجه الذي يناسبه.\nوإنها لآية عظيمة أنَّ هذه الأنفس الكثيرة التي تموت في اللحظة الواحدة يتوفاها ويتولاها ملك واحد، فهذا يفيدنا أن أمر الغيب لا تحيط\n_________\n(^١) البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦) - واللفظ له - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"1","page":288},{"text":"به العقول البشرية، ولا يقاس على المحسوس، فلا ينفع أن تقيس الغائب على الشاهد.\nوقد حدث في هذا العصر من المخترعات الباهرة ما يقرب بعض أمور الغيب؛ كالحاسوب، والشبكة المعلوماتية، وغيرها مما يرسل الصور والأصوات ويستقبلها مِن وإلى أمكان متباعدة.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>[الكلام على الروح وبعض متعلقاتها]</span>\nوقوله: (أرواح العالمين)\nيتعلق بهذه الجملة الكلام في الروح التي بها حياة الناس، وتسمى النفس.\nوالروحُ موضوعُ حديثٍ طويلٍ للناس، فقد خاض فيه الناس كثيرا بالحق وبالباطل، والناس في شأن الروح وحقيقتها ثلاثة مذاهب:\nقوم قالوا: إنها جزء من البدن، أو صفة من صفاته: إما النَفَس الذي تتردد في البدن، ومنهم من قال: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن، وهذه الأقوال منسوبة إلى كثير من المتكلمين.\nوقابلهم الفلاسفة فقالوا: إن الروح لا تقوم به أية صفة، فالروح ليست داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض، وليس لها أية صفة، قال شيخ الإسلام ﵀ في التدمرية: (يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود) (^١)\nفهذان القولان على طرفي نقيض، وكل منهما باطل.\nوالقول الوسط: إن الروح حقيقة موجودة قائمة بنفسها، ولها وجود مستقل عن البدن، فليست كالعرض الذي لا يقوم إلا بجسم؛ لكنها تتصل بالبدن وتنفصل عنه، وتسري فيه سريانا على وجه التقريب كسريان النار في الفحم، وسريان الدهن في الزيتون، وسريان الماء في العود،\n_________\n(^١) ص ١٦٩.","vol":"1","page":290},{"text":"المهم أن لها كيانا يخصها، وهي موصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، مثل: أنها تذهب وتجيء، وتُقبض وترسل، وهذا بنص القرآن: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى» [الزمر: ٤٢] وفي الصحيح عن النبي ﷺ في الذكر عند النوم: ﴿باسمك ربِّ وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين﴾ (^١)، وهي مغايرة في حقيقتها للأجسام المشهودة.\nفهذا هو القول الوسط الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهذا مذهب أهل السنة: أن الروح شيء موجود متميز، وهي حقيقة قائمة بنفسها، وموصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، وهي مغايرة في ماهيتها وحقيقتها للأجسام المشهودة.\nويتعلق بالروح مسائل كثيرة اعتنى بذكرها ابن القيم في كتابه «الروح»، وفصَّل القول فيها.\nمنها: الكلام في خلق الروح فقد قيل: إنها قديمة، أي: ليست محدثة، فلا بداية لوجودها، وهذا باطل؛ بل هي محدثة ومخلوقة كسائر المخلوقات، فالإنسان مخلوق: روحه وبدنه. (^٢)\nومنها: هل تموت الروح أو لا تموت؟ فيه خلاف، والذي رجحه ابن القيم (^٣)، وهو الصواب: أن موت الأرواح هو مفارقتها لأجسادها؛ فإن أريد هذا القدر فهي ذائقة الموت فـ: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» [آل عمران: ١٨٥] وإن أريد أنها تصير عدمًا بعد فراقها للبدن فلا؛ فالروح باقية؛ إما في نعيم أو عذاب.\nومن المسائل التي طرقها ابن القيم كذلك: الفرق بين النفس\n_________\n(^١) البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) الروح ص ٢٢٦.\n(^٣) الروح ص ٧٠.","vol":"1","page":291},{"text":"والروح (^١)، وبيَّن أن النفس تطلق على معان متعددة، والروح تطلق على معان متعددة، وتتفقان في بعض المواضع، فإذا قيل - مثلاـ: خرجت نفسه أو خرجت روحه؛ فالمعنى واحد.\nومنها: هل النفس واحدة أو ثلاث؟ (^٢)\nالصحيح: أنها واحدة؛ لكن ذكرها بلفظ: النفس الأمارة بالسوء، والنفس المطمئنة، والنفس اللوامة إنما هو باعتبار صفاتها، وإلا فهي نفس واحدة.\nومن الناس من يقول: لم الخوض والكلام في الروح مع أن الله تعالى يقول: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» [الإسراء: ٨٥]؟\nوالجواب: أن هذه الآية ليس فيها النهي عن الكلام في الروح.\nثم إن الروح في الآية قد اختلف فيه، فقيل: إنه الروح الأمين جبريل ﵇.\nوقيل: إنه ملك آخر.\nوقيل: المراد بالروح الوحي (^٣).\nوإذا كان المراد: الروح التي هي النفس، فإن الله قال: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» [الإسراء: ٨٥] وليس في هذا النهي عن الكلام في الروح، والواجب هو الكلام فيها بعلم، أما الكلام فيها بغير علم؛ فهذا هو المحذور، وفي كل مقام أيضا، أما الكلام في الروح في حدود ما جاء في الكتاب والسنة؛ فهذا حق وبيان لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ.\nوالكلام والبحث في الروح له فائدتان:\nالأولى: معرفة الحق من الباطل من أقوال الناس.\nوالثانية: معرفة ما ورد في الكتاب والسنة في شأن الروح.\n_________\n(^١) الروح ص ٣٢٥.\n(^٢) الروح ص ٣٣٠.\n(^٣) تفسير البغوي ٥/ ١٢٥، وزاد المسير ٥/ ٦٠.","vol":"1","page":292},{"text":"وضرب شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية (^١) بها المثل لبيان وتقرير أن قيام الصفات بالموصوف لا يلزم منه المشابهة لغيره، ليقرر بذلك أن إثبات صفات الله لا يستلزم معرفة كنهه ولا تشبيهه بخلقه، فالروح مع أنها موصوفة في النصوص بصفات ثبوتية وسلبية؛ فالعقول عاجزة عن تكييفها، وهي عن تكييف الرب أعجز، وهي مباينة للأجسام المشهودة، ومباينة الله لخلقه أعظم، وهو كلام ناصع بيِّنٌ متضمن لإفحام المبطلين المعطلين.\n_________\n(^١) ص ١٦٩.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>[وجوب الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه]</span>\nوقوله: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم)\nونؤمن بعذاب القبر وبفتنة القبر - أي ـ: سؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، فقد ثبت عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة ﵃، كحديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ: (إن الميت إذا وضع في قبره أتاه ملكان فيقعدانه ويقولانه له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟) (^١)، والأدلة على فتنة القبر وعذاب القبر متواترة. (^٢)\nوقد أشير إلى فتنة القبر في القرآن قال تعالى: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ» [إبراهيم: ٢٧]، (^٣) وكان النبي ﷺ (إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل). (^٤)\n_________\n(^١) حديث البراء تقدم في ص، وجاء نحوه من حديث أنس ﵁ في البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠).\n(^٢) انظر: إثبات عذاب القبر للبيهقي، والروح ص ٩٧، وأهوال القبور لابن رجب ص ٤٣، وقطف الأزهار ص ٢٩٤.\n(^٣) روى البخاري (٤٦٩٩)، ومسلم (٢٨٧١) عن النبي ﷺ أنها نزلت في عذاب القبر.\n(^٤) رواه أبو داود (٣٢٢١)، والبزار (٤٤٥)، - وقال: لا يروى عن النبي ﷺ إلا من حديث عثمان، ولا نعلم لهذا إسنادًا عن عثمان إلا هذا الأسناد. - والحاكم ١/ ٣٧٠ - وصححه - من حديث عثمان بن عفان ﵁، وقال النووي في الخلاصة ٢/ ١٠٢٨: إسناده حسن.","vol":"1","page":294},{"text":"ويظهر لي أنه ليس لنا أن نقول: (فإنه الآن يسأل) وإنما نقول: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فقط، أما أن نحكم على الميت بأنه الآن يسأل، فهذا لا علم لنا به على الخصوص.\nومن أدلة عذاب القبر في القرآن قوله تعالى في آل فرعون: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًَّا وَعَشِيًَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» [غافر: ٤٦]، ومن ذلك قوله تعالى: «وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ» [الأنعام: ٩٣]، ومن ذلك قوله تعالى: «وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» [السجدة: ٢١]، وكذلك قوله تعالى: «وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ» [التوبة: ١٠١] وهو عذاب النار.\nومن أدلة عذاب القبر ونعيمة ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) (^١) وفي حديث البراء ﵁ عن النبي ﷺ: قال: (إن المؤمن يُفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، وأن الكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه) (^٢) وقال النبي ﷺ: (إنه أوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال: فيوتى أحدكم فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما\n_________\n(^١) البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) تقدم في ص ٢٨٦.","vol":"1","page":295},{"text":"المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، فيقال: نم صالحا قد علمنا إنْ كنت لموقنا به، وأما المنافق فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا؛ فقلته) (^١).\nومن أدلة عذاب القبر ما ورد من الاستعاذة بالله منه، كما في الذكر بعد التشهد ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال) (^٢)\nوأحاديث كثيرة فيها الاستعاذة بالله من عذاب في النار وعذاب في القبر. (^٣)\nوأكثر الأحاديث فيها: (أنه يأتيه ملكان) (^٤)، وجاء عند الترمذي تسميتهما: (المنكر والنكير) (^٥)، وسئل الإمام أحمد عن ذلك فأثبت تسمية هذين الملكين. (^٦).\nوأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذا كله، والإيمان بفتنة القبر وعذابه\n_________\n(^١) رواه البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٥) من حديث أسماء بنت الصديق ﵄.\n(^٢) رواه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨) - واللفظ له - عن أبي هريرة ﵁.\n(^٣) كحديث عائشة ﵂ في البخاري (١٣٧٢)، ومسلم (٥٨٦)، وحديث أنس ﵁ في البخاري (٢٨٢٣)، ومسلم (٢٧٠٦)، وحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ في البخاري (٦٧٣٠)، وحديث ابن مسعود ﵁ في مسلم (٢٧٢٣)، وحديث أم حبيبة ﵂ في مسلم (٢٦٦٣)، وغيرها.\n(^٤) كحديث البراء ﵁ وقد تقدم في ص ٢٨٦، وحديث أنس ﵁ وقد تقدم في ص ٢٩٤.\n(^٥) تقدم في ص ٢٠٣.\n(^٦) في طبقات الحنابلة ١/ ١٣٥: قال أحمد بن القاسم: يا أبا عبد الله تقر بمنكر ونكير، وما يروى من عذاب القبر؟ فقال: نعم، سبحان الله! نقر بذلك ونقوله، قلت: هذه اللفظة منكر ونكير تقول هذا، أو تقول ملكين؟ قال: نقول: منكرٌ ونكيرٌ، وهما ملكانِ، وعذابُ القبر.","vol":"1","page":296},{"text":"ونعيمه من الإيمان باليوم الآخر؛ فإن الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه ما يكون بعد الموت.\nوالإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه من الإيمان بالغيب؛ لأن الله ستر عن الخلق أحوال أهل القبور، وربما كشف لمن شاء بعض ذلك، وقد أطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على حال صاحبي القبرين فقال لما مَرَّ بهما: ﴿إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير﴾ (^١). فأطلعه تعالى على حالهما، وسبب عذابهما، ولما سمع ﷺ ذات يوم صوتا قال: (يهود تعذب في قبورها). (^٢)\nقد يُكشف لبعض العباد شيء من أحوال أهل القبور، وفي هذا أخبار كثيرة، يذكرها المعنيون بهذا من أهل العلم (^٣)، وفيها تصديق لما أخبر به ﷺ، وثبت عنه ﷺ أنه قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) (^٤) لو كشف للناس أحوال أهل القبور لفروا وهاموا على وجوههم، ولما دفنوا موتاهم.\nوأنكر عذاب القبر ونعيمه وسؤاله وفتنته الملاحدة الزنادقة (^٥) ويلزم على قول من يقول: إن الروح عرض وليست شيئا قائما بنفسه؛ أنه ليس هناك عذاب ولا نعيم؛ لأنها معدومة، ولهذا قال ابن القيم في النونية (^٦) - لما ذكر أمر الأرواح وبقاءها ـ:\nوَكَذلِكَ الأروَاحُ لَا تَبلَى كَمَا … تَبلَى الجُسُومُ وَلَا بِلَى اللُّحمَانِ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٢) رواه البخاري (١٣٧٥)، ومسلم (٢٨٦٩) عن أبي أيوب ﵁.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى ٤/ ٢٩٦، و٢٤/ ٣٧٦، وشرح حديث النزول ص ٣٩٩، والروح ص ١١٩، وأهوال القبور ص ٦١.\n(^٤) رواه مسلم (٢٨٦٨) من حديث أنس ﵁.\n(^٥) الروح ص ١٠٥، ورَدَّ عليهم في ص ١١١.\n(^٦) ص ٢٥.","vol":"1","page":297},{"text":"وَلأجلِ ذَلِكَ لم يُقِرَّ الجَهمُ بالـ … أروَاحِ خَارِجَةً عَنِ الأبدَانِ\nلَكِنَّهَا مِن بَعضِ أعرَاضٍ بِهَا … قَامَت وَذَا في غَايَةِ البُطلَانِ\nفالشَّأنُ للأرواحِ بَعدَ فراقِهَا … أبدَانَنا وَاللهِ أعظَمُ شَانِ\nإمَّا عذَابٌ أو نَعِيمٌ دَائِمٌ … قَد نُعِّمت بِالرَّوحِ والرَّيحَانِ\nوتصيرُ طيرًا سَارِحًا مَع شكلِهَا … تجني الثِّمارَ بِجَنَّةِ الحَيَوانِ\nوَتَظَلُّ وَاردَةً لأنهَارٍ بِها … حَتَّى تَعُودَ لِذَلِكَ الجُثْمَانِ\nلَكِنَّ أرواحَ الذينَ استُشهِدُوا … فِي جَوفِ طَيرٍ أخضَرٍ رَيَّانِ\nفلهُم بذَاكَ مزيَّةٌ في عَيشِهِم … ونَعِيمِهِم لِلرُّوحِ والأبدَانِ\nبَذَلُوا الجُسُومَ لربِّهِم فأعَاضَهُم … أجسَامَ تلكَ الطَّيرِ بالإحسَانِ\nوَلَهَا قَنَادِيلٌ إليهَا تَنتَهِي … مَأوَىً لَهَا كَمَسَاكِنِ الإِنسَانِ\nفالرُّوحُ بَعدَ الموتِ أكمَلُ حَالَةٍ … منهَا بِهَذِي الدَّارِ في جُثمَانِ\nوَعذَابُ أشقَاهَا أشدُّ مِنَ الذِي … قد عَاينَت أبصَارُنا بِعِيَانِ\nوالقَائِلُونَ بِأنَّهَا عَرَضٌ أبَوا … ذَا كُلَّهُ تَبًّا لِذِي نُكرانِ\nوقوله: (لمن كان له أهلا) عذاب القبر ليس لكل واحد، وجاء التصريح بعذاب القبر ونعيمه للمؤمن والكافر، أما العاصي؛ فإن أكثر النصوص لم تتعرض له، كما هو ظاهر في أمر فتنة القبر، إنما ذكر المؤمن الذي ينعم بعد الفتنة، والكافر والمنافق الذي يعذب بعدها، لكن العاصي يُخاف عليه العذاب، فالذي سُكت عنه هذا على خطر، فالمعاصي سبب للعذاب في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، والعاصي تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، وأما المؤمن التقي فهو ناجٍ من العذاب، وهو من أهل النعيم والثواب.\nومسائل القبر هذه، هي التي بنى عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ رسالته المعروفة بـ «ثلاثة الأصول».\nوقد بلغ الأمر ببعض من يعظمون الوطن إلى درجة العبادة، أن يقول:\nبنو وطني سأذكرهم … متى ما عشتُ في الدنيا\nوفي قبري أقول له … إذا ما جاء يسألني","vol":"1","page":298},{"text":"بنو وطني همُ ديني … وديني همْ بنو وطني! (^١)\nهل سيجيب بهذا الكفر؟!\nلن يجيب، بل سيقول: هاه هاه! لا أدري.\nنعوذ بالله من فتنة القبر وعذاب القبر.\nوقوله: (عن ربه ودينه ونبيه ﷺ على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم).\nهذا هو المعتمد، فإنما إثبتنا هذه الأمور الغيبية لورود الأخبار الصحيحة بها، فنؤمن بذلك تصديقا لله تعالى، ورسوله ﷺ، واتباعا لسلف هذه الأمة.\nوقوله: (والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران) (^٢). هذا تكميل للموضوع، وفيه إشارة إلى النعيم؛ لأنه في العبارة السابقة لم يقل: بعذاب القبر ونعيمه، ففي هذه الجملة تنبيه على النعيم، (والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران)، هذه أحوال الناس في القبر، منهم: من هو في نعيم وفي سرور، في روضة من رياض الجنة يأتيه من روحها وطيبها، كما يشاء الله ﷾ على ما يليق بحال البرزخ؛ لأن الدور ثلاثة:\nدار الدنيا، وهي: دار الابتلاء والعمل.\nودار البرزخ، وهي: ما بين الموت إلى البعث، وهي: محل عذاب القبر ونعيمه.\n_________\n(^١) هذه الأبيات للشاعر السوداني عبد الرحمن شوقي، ونشرت في جريدة القصيم، العدد الرابع، في جمادى الأولى عام ١٣٧٩ هـ، كذا أفادني الشيخ، وهذه الجريدة توقفت منذ زمن بعيد، ولم أجد هذا العدد.\n(^٢) هذا لفظ حديث رواه الترمذي (٢٤٦٠) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه العراقي في المغني ١/ ٤٦٨، والسخاوي في المقاصد الحسنة (٧٥٨).","vol":"1","page":299},{"text":"والدار الآخرة التي بعد البعث، وهي: دار القرار، وليس فيها نقلة ولا رحيل ولا تحول.\nأما القبر، فليس هو كما يجري على ألسن الناس إذا دفنوا الميت قالوا: انتقل إلى مثواه الأخير؛ فإن القبر ليس هو المثوى الأخير، بل بعده رحيل وانتقال من دار البرزخ إلى الدار الآخرة: إلى الجنة أو النار، واستنبط بعض أهل العلم هذا المعنى من قوله تعالى: «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حتى زُرْتُمُ» [التكاثر: ١ - ٢] والزائر لا بد له من انصراف؛ لأنه غير مقيم (^١)، فأهل القبور ليسوا بمقيمين أبدا في قبورهم؛ بل سينصرفون عندما يدعوهم الداعي: «وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ» [ق: ٤١ - ٤٢]، «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ» [الزمر: ٦٨].\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ٢٢/ ٤٥٠، وتفسير ابن كثير ٨/ ٤٧٤.","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>[الإيمان بالبعث والجزاء]</span>\nوقوله: (ونؤمن بالبعثِ وجزاءِ الأعمالِ يومَ القيامةِ).\nكل هذه المعاني والمسائل مندرجة في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالبعث مما أجمع عليه أهلُ الملل الثلاث: المسلمون واليهود والنصارى، ومما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وليس فيه اختلاف بين فرق الأمة.\nولا ينكر بعث الأجساد إلا الفلاسفة الملاحدة (^١)، ومنهم من دخل في الإسلام وادعى ذلك على الشريعة، كابن سينا (^٢)، يقول: إن البعث والجزاء روحاني لا جسماني، فأنكر معاد الأجساد، فجعلوا ما جاء في النصوص أمورا روحانية، وهذا إنكار مع تلبيس.\nويوم القيامة اسمه يوم البعث؛ لأن فيه البعث، ويوم الجمع؛ لأن الله يجمع الأولين والآخرين للحساب.\nوسبق الكلام على أدلة البعث عند قول الطحاوي: (والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر) (^٣).\nومن الأقوال الباطلة المعروفة عن المتكلمين قولهم: إن البعث يكون بجمع تلك الأجزاء، وهذا يرجع إلى مقولة معروفة هي: إن\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٥٠، والجواب الصحيح ٣/ ٢٨١، ومجموع الفتاوى ٤/ ٢٨٣ و٣١٤، والصواعق المرسلة ٤/ ١٢٠٩.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٨ و١٠/ ٥٩، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٣١، والكافية الشافية ص ١٠٨.\n(^٣) ص ٢٤٠.","vol":"1","page":301},{"text":"الأجسام مركبة من جواهر مفردة، والجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يتجزأ، وهم منازعون في دعوى وجود الجوهر الفرد.\nوالتحقيق أنه ما من جزء إلا ويتجزأ حتى يبلغ إلى غاية صغيرة فيستحيل أو يعدم، كما قال شيخ الإسلام ﵀ (^١).\nفهؤلاء القائلون بنظرية الجوهر الفرد يقولون: إن البعث يكون بجمع تلك الجزيئات: فإذا مات الميت وتفرقت جزيئاته فيكون البعث بجمع تلك الجزيئات.\nوهذا باطل؛ فإن الأجسام تستحيل وتتغير وتتحول من طبيعة إلى طبيعة، ثم يقال: إنه لو كان البعث بجمع تلك الجزيئات على فرض صحة الدعوى؛ للزم أن يكون كل إنسان يبعث على هيئته التي كان عليها، الكبير الهرم على هيئته، والصغير كذلك، وهذا مخالف للنصوص التي بيَّن الله تعالى فيها أنه يعيد ما تفرق واستحال، ثم ينشئها ﷾ كما يشاء نشأة أخرى: «وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى» [النجم: ٤٢ - ٤٧]، وقال تعالى: «أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ» [الواقعة: ٥٨ - ٦١] ننشئكم نشأة لا تعلمونها ولا تتخيلونها.\nوقد ثبت في النصوص ذكر خلقة من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وأن أجسامهم تكون ليست على هيئة أجسام الناس في هذه الدنيا؛ بل تختلف اختلافا كبيرا (^٢)، ينشئها الله نشأة أخرى تليق بالحياة الآخرة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٦/ ٢٧٠، و١٧/ ٢٤٦، ومنهاج السنة ١/ ٢١٢ و٢/ ١٣٩ و٢١٠.\n(^٢) في صحيح البخاري (٦٥٥١)، ومسلم (٢٨٥٢) عن النبي ﷺ: «ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع»، وفي صحيح البخاري (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١) عن النبي ﷺ: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا … فكل من يدخل الجنة على صورة آدم».","vol":"1","page":302},{"text":"عذابها ونعيمها، وليس البعث إيجادًا من عدم؛ بل البعث إعادة، وهذا هو الذي أنكره الكفار، فإنهم لا ينكرون أن الله يخلق مثلما خلق، فهم يشاهدون أن الله يخلق الأجيال، إنما ينكرون أن يعيد الله ما استحال من أبدانهم وتفرق من أجسادهم أن يعيده: «أَإِذَا كُنَّا تُرَابًَا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» [الرعد: ٥]، «وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًَا وَرُفَاتًَا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًَا جَدِيدًَا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًَا * أَوْ خَلْقًَا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» [الإسراء: ٤٩ - ٥١] الآيات، «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» [ق: ١٥]، ولهذا أنكر العلماء على جهم بن صفوان ومن وافقه بأن المعاد هو أن يخلق الله الخلق خلقا جديدا ليس بإعادة، يقول ابن القيم - في فصل طويل في الشافية الكافية (^١) عن جهم ومقالاته ـ:\nوَقَضَى بِأنَّ اللهَ يَجعَلُ خَلقَهُ … عَدَمًا ويقلِبُهُ وُجُودًا ثَاني\nالعَرشُ والكُرسِيُّ والأرواحُ والـ … أملاكُ والأفلاكُ والقَمَرَانِ\nوالأرضُ والبَحرُ المحيطُ وسائِرُ الـ … أكوَانِ مِن عَرَضٍ وَمِن جُثمَانِ\nكُلٌّ سَيُفنِيهِ الفنَاءَ المَحضَ لا … يَبقَى لَهُ أثَرٌ كَظِلٍّ فَانِ\nويُعِيدُ ذَا المَعدُومَ أيضًا ثانيًا … مَحضَ الوجودِ إعَادَةً بِزَمَانِ\nهذا المعادُ وَذلِكَ المَبدَا لَدَى … جَهمٍ وقد نَسَبُوه للقرآنِ\nهَذا الذِي قَأدَ ابنَ سينَا والأُلَى … قَالُوا مَقَالَتَه إلى الكُفرَانِ\nلَم تَقبَلِ الأذهانُ ذَا وتَوهَّمُوا … أنَّ الرَّسُولَ عَنَاهُ بِالإِيمانِ\nهَذا كِتابُ اللهِ أنَّى قَالَ ذَا؟ … أو عَبدُهُ المبعُوث بالبُرهَان؟\nولهذا جعل الله من حجته على المكذبين أن الإعادة في نظر الإنسان وبالنسبة لقدرة الإنسان أهون من الابتداء، «أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ» [ق: ١٥]، «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًَا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ\n_________\n(^١) ص ٢٣.","vol":"1","page":303},{"text":"يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» [يس: ٧٨ - ٧٩] وهذا أحد أدلة البعث التي فيها الرد على المكذبين، وقد تقدم ذكرها. (^١)\n\nوقوله: (وجزاء الأعمال يوم القيامة).\nمما يجب الإيمان به الجزاء، والجزاء هو الغاية من البعث والنشور، ليجد كل عامل عمله، قال تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًَا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًَا بَعِيدًَا» [آل عمران: ٣٠]، «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» [النجم: ٣١]؛ بل هذا من حكمة الله في خلق السماوات والأرض، قال تعالى: «وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» [الجاثية: ٢٢]، وذكر الجزاء في القرآن كثير جدا، وجاء بلفظ الدين، قال تعالى: «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» [الفاتحة: ٣]، «يَصلونها مَا يَوْمُ الدِّينِ» [الانفطار: ١٦]، «الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ» [المطففين: ١١]، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦].\nوهذا الجزاء ذكر الله تعالى تفصيله: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» [الأنعام: ١٦٠]، «فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [الطور: ١٦]، «فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًَا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [يس: ٥٤]، «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًَا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ» [الأنبياء: ٤٧]، «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًَا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ» [الزلزلة: ٦] أي: جزاء أعمالهم ثوابا وعقابا، «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًَا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًَّا يَرَهُ» [الزلزلة: ٧ - ٨].\n_________\n(^١) ص ٥٢، ٢٤٠.","vol":"1","page":304},{"text":"وهذا الجزاء يتضمن الثواب على الأعمال الصالحة، والعقاب على ضدها من الكفر والفسوق والعصيان، ومن الجزاء الاقتصاص للمظلوم من الظالم، وبهذا تتحقق حكمة الرب وعدله ﷾، فالناس في هذه الدنيا يقع من بعضهم عدوان وظلم على بعض، وكثير من المظلومين يموت وهو لم يستوف حقه، أو يموت الظالم ولم يؤخذ منه الحق، فجعل الله للخلق يوما يجمع فيه الأولين والآخرين.\nوجزاء الإيمان والحسنات مبني على الفضل والزيادة والمضاعفة، وجزاء السيئات مبني على العدل، قال تعالى: «مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [القصص: ٨٤]، وفي الآية الأخرى: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» [الأنعام: ١٦٠]، ولا يعذب أحد بذنب غيره يقول تعالى: «وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» [الأنعام: ١٦٤] والله تعالى ينبه إلى أن دخول أهل الجنةِ الجنةَ بسبب أعمالهم «جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [السجدة: ١٧] و(الباء) سببية، فالإيمان والعمل الصالح سبب دخول الجنة، والكفر والمعاصي سبب دخول النار «جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» [التوبة: ٩٥]، وتفصيل هذا في القرآن كثير جدا.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>[الإيمان بالعرض والحساب، والصراط والميزان]</span>\nوقوله: (والعرضِ والحسابِ، وقراءةِ الكتابِ، والثوابِ والعقابِ، والصراطِ، والميزانِ).\nمن أحوال يوم القيامة عرض العباد على ربهم، وعرض أعمالهم عليهم، قال تعالى: «وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًَا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًَّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» [الكهف: ٤٧ - ٤٨] وكذلك عرض الأعمال على العاملين، قال تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًَا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا» [آل عمران: ٣٠]، وفي حديث عدي بن حاتم ﵁: (ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه؛ فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه؛ فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه؛ فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) (^١)، وقال ﷺ: (ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقالت أم المؤمنين عائشة ﵁: أليس قد قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)؟ فقال رسول الله ﷺ إنما ذلك العرض، وليس أحدٌ يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب). (^٢)\nوكذلك الحساب، والحساب في اللغة: العد، ويطلق بمعنى\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦).\n(^٢) رواه البخاري (٦٥٣٧) - واللفظ له ـ، ومسلم (٢٨٧٦).","vol":"1","page":306},{"text":"المحاسبة، ومن أسماء يوم القيامة: يوم الحساب، قال تعالى: «بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ» [ص: ٢٦]، وهو اليوم الذي يحاسب الله فيه الخلائق، قال تعالى: «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًَا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ» [الأنبياء: ٤٧] ومن المحاسبة السؤال عن الأعمال، قال تعالى: «فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، وقال تعالى: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ» [الصافات: ٢٤]، وقال تعالى: «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًَا» [الإسراء: ١٤]، وقال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًَا يَسِيرًَا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًَا * وَيَصْلَى سَعِيرًَا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًَا» [الانشقاق: ٧ - ١٣].\nومن الحساب ما فيه مناقشة كما قال الرسول ﷺ: (من نوقش الحساب عُذِّب) (^١).\nومن المحاسبة ما جاء في الحديث عن الرسول ﷺ قال: (يدنو أحدُكم من ربِّه حتى يضع كنَفَه عليه، فيقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم) (^٢)، حساب يسير وعرض للأعمال، ليس فيه مناقشة.\nهذا كله يدخل في إطار الحساب، وهناك سؤال يمكن أن يدخل في الحساب، قال تعالى: «حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [النمل: ٨٤]، «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ» [القصص: ٦٥].\n_________\n(^١) تقدم في ص ٣٠٦.\n(^٢) رواه البخاري (٦٠٧٠) - واللفظ له ـ، ومسلم (٢٧٦٨) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":307},{"text":"فأحوال القيامة وأهوالها عظيمة، فيا له من يوم ما أعظمه! «أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ» [المطففين: ٤ - ٥] وثقيل، قال تعالى: «إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧] وعسير؛ لكن على الكافرين، أما على أهل الإيمان والتقى فهو عليهم يسير، ولهذا يقول تعالى: «عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ» [المدثر: ١٠]، وفي الآية الأخرى: «وَكَانَ يَوْمًَا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًَا» [الفرقان: ٢٦].\n\nوقوله: (وقراءة الكتاب).\nقراءة كتاب الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله ومن وراء ظهره، كما في الآيات من سورة الانشقاق، وسورة الحاقة، قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ» [الحاقة: ١٩]، «وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ» [الحاقة: ٢٥ - ٢٨]، وقوله تعالى: «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًَا يَلْقَاهُ مَنشُورًَا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًَا» [الإسراء: ١٣ - ١٤]، «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًَا» [الإسراء: ٧١] وغيرها من الآيات.\nوكل هذا مما يدخل في الإيمان باليوم الآخر، ويجب الإيمان به.\n\nوقوله: (والثواب والعقاب)\nتفصيل وبيان لنوعي الجزاء على الأعمال؛ فإذا كانت الأعمال حسنات وسيئات؛ فالحسنات جزاؤها الثواب، وهو: كل خير ونعيم وسرور، وجماع ذلك وأعظمه رحمة الله وكرامته ورضاه وجنته، ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١ - ٢٢]\nوقوله: (والصراط)\nالصراط جسر وطريق ومعبر ينصب على متن جهنم، فيعبر عليه","vol":"1","page":308},{"text":"الناس بحسب أعمالهم، وجاء بيان ذلك عن النبي ﷺ بأن منهم من يمر (كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مُسَلَّم، ومخدوش مرسل، ومَكْدُوس في نار جهنم) (^١).\nوهذا الصراط والسير عليه حسي، وهو في مقابل الصراط الذي في الدنيا، ففي الدنيا صراط معنوي، وهو دين الله الذي بعث به رسله، فالسير على ذاك الصراط بحسب السير على هذا الصراط، فمن كان على هذا الصراط ثابتا ومسرعا وقويا كان على ذاك كذلك، ومن كان بطيء السير في هذا الصراط كان سيره على ذاك «جَزَاءً وِفَاقًَا» [النبأ: ٢٦]، و(الجزاء من جنس العمل).\n\nوقوله: (والميزان)\nأي: ميزان الأعمال، والآيات في هذا ظاهرة وكثيرة، قال تعالى: «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ليوم القيامة» [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ» [الأعراف: ٨ - ٩]، إلى غير ذلك من الآيات.\nفأهل السنة والجماعة يؤمنون بالميزان، وأنه ميزان حقيقي حسي، توزن به الأعمال، كما جاء في الأحاديث، قال النبي ﷺ: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) (^٢) وفي الحديث الآخر عن الرسول ﷺ: (والحمد لله تملأ الميزان) (^٣).\nفدل الكتاب والسنة على وزن الأعمالِ، والأعمالُ وإن كانت أعراضا، والأعراض في حِسنا ومداركنا لا تقبل الوزن؛ لكنا نسلم\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) - واللفظ له - من حديث أبي سعيد ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٦٦٨٢)، ومسلم (٢٦٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) رواه مسلم (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.","vol":"1","page":309},{"text":"ونؤمن بما أخبر الله به من وزن الأعمال، والله تعالى على كل شيء قدير، وفي حديث صاحب البطاقة الذي يأتي يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين سِجِّلا، كل سِجِّل مد البصر، وكلها سيئات، فيُبهت فتُخرج له بطاقة فيها الشهادتان، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، قال: (فطاشت السجلات وثقلت البطاقة). (^١) دليل على أن صحائف الأعمال توزن، ويستدل به على فضل التوحيد الخالص، فهذا لمِا اقترن بهذه الكلمة من الصدق والإخلاص والصفاء وحسن النية؛ إذ الكلمات والعبادات وإن اشتركت في الصورة الظاهرة؛ فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتا عظيما، لأجل ذلك كفّرت سيئاته، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولم يرجح قولهم على سيئاتهم كصاحب البطاقة. هذا ما وجَّه به شيخ الإسلام ابن تيمية، هذا الحديث (^٢) وأمثاله (^٣).\nوقد دلت النصوص على أن الأعمال توزن، وصحف الأعمال توزن؛ بل والعامل يوزن كما في الحديث (أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ كان يجتني سواكا من الأراك - وكان دقيق الساقين - فجعلت الريح تَكْفَؤُهُ، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل\n_________\n(^١) رواه أحمد ٢/ ٢١٣، والترمذي (٢٦٣٩) - وقال: حسن غريب ـ، وصححه ابن حبان (٢٢٥)، والحاكم ١/ ٦ و٥٢٩ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٤٨٨ و١٠/ ٧٣٥، ومنهاج السنة ٦/ ٢١٩.\n(^٣) كحديث: أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره فشكر الله له فغفر له) رواه البخاري (٦٥٢)، ومسلم (١٩١٤)، وحديثه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (بينما كلب يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت مُوقَهَا فسقته فغفر لها به). رواه البخاري (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥).","vol":"1","page":310},{"text":"في الميزان من أحد). (^١)\nوأنكر بعضُ أهلِ البدعِ الميزانَ (^٢) وقالوا: ليس المراد ميزانا حسيا توزن به الأعمال، إنما هو كناية عن عدل الرب ﷾، لكن النصوص ظاهرة بأنه ميزان حسي «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ» [الأنبياء: ٤٧].\nوقيل: إن الميزان واحد، توزن به أعمال العباد، (والله على كل شيء قدير) وقيل: إنها موازين، وهو ظاهر القرآن، ومن قال: إنه ميزان واحد، قال: الموازين المراد بها الموزونات، فالتعدد في الموزونات والميزان واحد، والله أعلم.\nالمهم الإيمان بوزن الأعمال. (^٣)\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في باب (فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) من مسائل حديث أبي سعيد ﵁: (لو أن السماوات السبع والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة) (^٤): معرفة أن الميزان له كفتان. (^٥)\nلأن الميزان يتضمن المعادلة بين السيئات والحسنات، فمن رجحت حسناته على سيئاته نجا، ومن رجحت سيئاته على حسناته فقد يعذب، والكلام في المسلم الذي له حسنات، أما الكفار فليس لهم\n_________\n(^١) رواه أبو داود الطيالسي (٣٥٤)، وأحمد ١/ ٤٢٠ من حديث ابن مسعود ﵁، ونحوه عند ابن أبي شيبة ١٧/ ١٩٤، وأحمد ١/ ١١٤، والبخاري في الأدب المفرد (٢٣٧).\n(^٢) كالمعتزلة، انظر: مقالات الإسلاميين ص ٤٧٢، ودرء تعارض العقل ٥/ ٣٤٨ - وذكر أنه قول البغداديين من المعتزلة دون البصريين ـ، وفتح الباري ١٣/ ٥٣٨.\n(^٣) التذكرة ٢/ ٧٣٤.\n(^٤) رواه النسائي في الكبرى (١٠٦٧٠ و١٠٩٨٠)، وابن حبان (٦٢١٨) والحاكم ١/ ٥٢٨، وصححه ابن حجر في الفتح ١١/ ٢٠٨.\n(^٥) كتاب التوحيد ٦/ ٩.","vol":"1","page":311},{"text":"حسنات، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: (وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها). (^١)\n_________\n(^١) ص ٢١٦.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>[خلق الجنة والنار وبقاؤهما]</span>\nوقوله: (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان).\nهذه الجملة فيها مسألتان:\nالأولى: قوله: (والجنة والنار مخلوقتان) مخلوقتان الآن وموجدتان الآن، خلافا للمعتزلة، فالمعتزلة يقولون: إن الجنة والنار لم تخلقا؛ لكن يخلقهما الله يوم القيامة.\nوما حجتهم؟ قالوا: إن خلقهما الآن عبث؛ لأنها تصير معطلة مددا متطاولة، ولم يدخلها سُكَّانها! (^١)\nوهذا قول باطل مبني على جهل فاضح، ولهذا كان من مذهبهم إنكار عذاب القبر ونعيمه.\nوالحق الذي لا ريب فيه: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، والأدلة على هذا من الكتاب والسنة لا تحصى كثرة، فكل أدلة عذاب القبر ونعيمه، هي من أدلة وجود الجنة والنار؛ لأن عذاب القبر هو من النار، ونعيم القبر من الجنة، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى» [النجم: ١٣ - ١٥]، وقال تعالى: «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًَّا وَعَشِيًَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» [غافر: ٤٦]، وقال تعالى: «مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًَا» [نوح: ٢٥].\nوفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه\n_________\n(^١) حادي الأرواح ١/ ٢٤.","vol":"1","page":313},{"text":"مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) (^١)، وفي حديث البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن يُفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، وأن الكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه) (^٢)\nوفي حديث صلاة النبي ﷺ صلاة الكسوف أنَّ الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك كففت؟ فقال: (إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أرَ كاليوم منظرا قط) (^٣) وهذا يقتضي أنها حقيقة.\nوفي الحديث عن النبي ﷺ: (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه قال: فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا، فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها﴾ (^٤) ومثل\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢٩٥.\n(^٢) تقدم في ص ٢٨٦.\n(^٣) رواه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٤) رواه أحمد ٢/ ٣٣٢، وأبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠) - وقال: حسن صحيح - والنسائي ٧/ ٣، وصححه ابن حبان (٧٣٩٤)، والحاكم ١/ ٢٦ من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الحافظ في الفتح ٦/ ٣٢٠: إسناده قوي.","vol":"1","page":314},{"text":"حديث النبي ﷺ: (تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس، وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ؟ فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما مِلْؤُهَا) (^١).\nفهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، والقول بأنهما لم تخلقا قول باطل مناقض لنصوص الكتاب والسنة.\nقال العلامة ابن القيم في النونية:\nيا سِلْعَةَ الرحمنِ لستِ رخيصةً … بل أنتِ غاليةٌ على الكسلانِ\nيا سلعة الرحمن ليس ينالُها … في الألف إلا واحدٌ لا اثنان\nيا سلعة الرحمن مَنْ ذا كفؤُها … إلا أُولُو التقوى مع الإيمان\nيا سلعة الرحمن سُوقُك كاسِدٌ … بين الأراذلِ سِفْلَةِ الحيَوان\nيا سلعة الرحمن أين المشتري … فلقد عُرضتِ بأيسر الأثمان\nيا سلعة الرحمن هل مِن خاطِبٍ … فالمهرُ قبل الموتِ ذو إمكان\nيا سلعة الرحمن كيف تَصَبَّرَ الْ … خُطَّابُ عَنْكِ وَهُمْ ذَوُو إيمان\nيا سلعة الرحمن لولا أنَّها … حُجِبَتْ بكلِّ مَكَارِهِ الإنسان\nما كان عنها قطُّ مِن مُتَخَلِّفٍ … وتعطلتْ دارُ الجزاءِ الثاني\nلكنها حُجِبَتْ بكلِّ كَرِيهَةٍ … لِيُصَدَّ عنها المُبْطِلُ المُتَوَاني\nوتَنالَها الِهمَمُ التي تَسْمُو إلى … رُتَبِ العُلَى بمشيئةِ الرحمن (^٢)\n\nوالمسألة الثانية: مسألة فناء الجنة والنار، يقول الطحاوي: (لا تفنيان أبدا ولا تبيدان) بل هما باقيتان على الدوام.\nفالجنة لا تفنى ونعيمها دائم، قال تعالى: «أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا»\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) الكافية الشافية ٢٩٧.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>[الرعد: ٣٥]، وقال تعالى: «إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ» [ص: ٥٤]، وقال تعالى: «عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» [هود: ١٠٨]، وقال تعالى: «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» [التوبة: ٢١ - ٢٢]</span>\n» [التوبة: ٢١] وقال تعالى: «وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ» [الحجر: ٤٨].\nوكذلك النار جاء فيها ما يدل على الدوام، قال تعالى: «يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ» [المائدة: ٣٧]، وقال تعالى: «كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًَا» [الإسراء: ٩٧]، «كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا» [الحج: ٢٢].\nوذهبت الجهم بن صفوان ومن تبعه إلى فناء الجنة والنار، فعندهم أن المخلوقات يمتنع دوامها في الماضي، وكذلك دوامها في المستقبل.\nوأجمع أهل السنة إجماعا قطعيا وسائر الفرق ما عدا الفرقة الضالة الجهمية إلى دوام الجنة، وأما النار فجمهور أهل السنة وسائر الطوائف على دوامها كذلك، وفيها قول آخر ذكره ابن القيم، فقد عُني ﵀ بالكلام على هذه المسألة (^١) كعادته في البحث إذا بحث مسألة أبدع فيها، وأتى بكل ما يمكن من الاستدلال والحوار، والجواب والمناقشات في سائر المسائل الخلافية التي يتعرض لها، يذكر كل ما للطائفتين من حجج واستدلالات وتوجيهات، ويقابل بينهما ويناقشهما، فتارة يرجح ترجيحا ظاهرا وبقوة، وتارة يعرض ويقف، وإذا عرض لأحد القولين يقول القائل: إنه يختار هذا، فإذا عرض القول الآخر قال: كأنه يختار الثاني، والذي يظهر أنه هكذا وقع له في\n_________\n(^١) «حادي الأرواح» ٢/ ٧٣٠ - ٧٩٢، و«شفاء العليل» ص ٢٥٤ - ٢٦٤، و«مختصر الصواعق» ٢/ ٦٣٧ - ٦٨٥، وقبله شيخ الإسلام في كتابه «الرد على من قال بفناء الجنة والنار».","vol":"1","page":316},{"text":"هذه المسألة، فلما ذكر حجج القولين يظن الظان إذا قرأ استدلالاته للقول الآخر يظن أنه قائل به (^١).\nوأكثر ما نقوله هنا: إن القول بفناء النار قول مرجوع، ولكن لا يقال: إنه بدعة، ولا يُبدَّع من قال به، ومن الناس من بدَّع من قال به، ومنهم من رمى ابن تيمية بالقول به، وجزم بأنه قال: بفناء النار، وقالوا: إنه له اعتقادات فاسدة، وهذا يقوله المتجنون على شيخ الإسلام ابن تيمية من خصومه الذين خالفهم في كثير من مسائل الاعتقاد، وقد ذكر ابن القيم أنه سأل شيخ الإسلام عن مسألة فناء النار، فقال: هذه المسألة عظيمة كبيرة، ثم ذكر فيها القولين، (^٢) ولم يذكر عن شيخه أنه ذهب إلى القول بفناء النار خلافا لمن ينسب إليه ذلك. (^٣)\nوقال أفاض شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير القول بدوام الجنة والنار والجواب عما استدل به للقول بفناء النار كقوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» [هود: ١٠٧]، وقوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» [الأنعام: ١٢٨] ذكر هذه المسألة عند هذه الآية في سورة الأنعام من كتابه «دفع إيهام الاضطراب\n_________\n(^١) وقال في آخر البحث في حادي الأرواح ٢/ ٧٩١: فإن قيل إلى أين انتهى قدمكم في هذه المسالة العظيمة الشأن؟ قيل: إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، ونحوه في شفاء العليل ص ٢٦٤، ومختصر الصواعق ٢/ ٦٦٣، وله كلمة مختصرة عابرة في «الوابل الصيب» ص ٤٢، صرح فيها ببقاء النار وعدم فنائها.\n(^٢) السؤال في شفاء العليل ص ٢٦٤، وجوابه: فقال شيخ الإسلام: هذه المسألة عظيمة كبيرة، ولم يجب فيها بشيء، فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكشي بعض تلك الآثار التي ذكرتُ، فأرسلت إليه الكتاب وهو في محبسه الأخير، وعلَّمت على ذلك الموضع، وقلت للرسول: قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدري ما هو؟ فكتب فيها مصنفه المشهور رحمة الله عليه.\n(^٣) كالحصني والسبكي، انظر: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ص ٦٠٨.","vol":"1","page":317},{"text":"عن آي الكتاب» (^١).\nوقد أجيب بأجوبة كثيرة عن قوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ» [الأنعام: ١٢٨] وأن المراد بهذا الاستثناء: مكثهم في القبور، أو لبثهم في الدنيا، أو في مواقف القيامة، هذه كلها أقوال ليست بالظاهرة؛ لأن المراد بيان خلودهم بعد ذلك: «خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ» [هود: ١٠٧] وأحسن ما قيل: إن المراد بيان أن بقاءهم إنما هو بمشيئة الله، كما أن بقاء أهل الجنة في الجنة إنما هو بمشيئة الله، فبقاء الرب تعالى ودوام وجوده ذاتي، أما بقاء أهل الجنة أبد الآباد فبإبقائه ﷾ ومشيئته.\n_________\n(^١) ص ١٣٣، وانظر: «مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي» ص ٥١.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>[سبق القدر فيمن يصير إلى الجنة، ومن يصير إلى النار]</span>\nوقوله: (وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، وكل يعمل لما قد فُرِغَ له وصائر إلى ما خُلِق له)\nهذا دخول في مسائل متعلقة بالقدر، وقد فرَّق الشيخ الكلام في القدر، كما فرق المسائل المتعلقة بأصول الإيمان؛ فيذكر مسائل تتعلق بالإيمان بالله، أو الملائكة، أو الرسل، أو باليوم الآخر، وهذه المسائل الآتية متعلقة بالقدر، وبالمسألة التي تقدمت وهي: خلق الجنة والنار يقول: (وأن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق) هذا ظاهر، ولا يريد بالخلق جميع المخلوقات، الظاهر أنه يريد قبل خلق الناس؛ لأن الخلق تارة يطلق على جنس المخلوقات، وتارة يطلق على خصوص المكلفين، ولهذا قال: وخلق لهما أهلا، أي: خلق الجنة والنار، ثم خلق لهما خلقا من الجن والإنس، خلق آدم وحواء، ثم خلق ذريتهما إلى آخر من يشاء الله تعالى خلقه من هذا الجنس البشر، ومن الجن.\nويحتمل أن يكون مراده من قوله: (وخلق لهما أهلا) أي: قدَّر لهما أهلا، فـ (خلق) يأتي بمعنى (أوجد) وبمعنى (قدَّر)، والأول أظهر.\nوقوله: (فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه).","vol":"1","page":319},{"text":"هذا شروع في تقسيم الخلق، وأن الله ﷾ جعلهم فريقين: سعداء وأشقياء، فمن العباد من خلقه للجنة، وبعمل أهل الجنة يعمل، ومنهم من خلقه للنار، وبعمل أهل النار يعمل، نعوذ بالله من النار.\nفمن شاء الله له منهم أن يكون من أهل الجنة كان كذلك فضلا من الله ﷾، والله يؤتي فضله من يشاء، ومن شاء الله منهم إلى النار عدلا، فحكمه في عباده دائر بين الفضل والعدل، وهذا المعنى ثناه المؤلف ﵀ فقد تقدم قوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا) (^١).\nوالله تعالى أعلم بعباده «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًَا» [الإسراء: ٥٤]، «وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًَا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [الحجرات: ٧ - ٨]، «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًَا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًَا» [النساء: ٦٩ - ٧٠]، «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [إبراهيم: ٤]، هذا كله يرجع إلى الإيمان بالقدر: الإيمان بعلم الله السابق لكل شيء، والإيمان بكتابته لمقادير الأشياء في أم الكتاب، والإيمان بعموم مشيئة الله، وأنه لا خروج لشيء عن مشيئته، وأنه تعالى خالق كل شيء، فبفضله تعالى اهتدى المهتدون، وبعدله تعالى ضل الضالون: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ» [الفاتحة: ٥ - ٧] هذا دعاء حقيق بأن نعرف معناه وقدره وضرورتنا إلى مضمونه، «وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [يونس: ٢٥].\n_________\n(^١) ص ٧٧.","vol":"1","page":320},{"text":"فيجب الإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر يشمل الإيمان بأن الله قد علم أهل الجنة من أهل النار، وكتب ذلك، ولهذا لما أخبر الرسول ﷺ بأنه (ما من نفس إلا وقد علم مكانها من الجنة ومكانها من النار، قال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة) (^١)، وسئل النبي ﷺ: (أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا؛ بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) [الشمس] (^٢).\nوالنظر للقدر في أمر الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية من أعظم مداخل الشيطان؛ لأن الشيطان يوسوس ويقول: ما دام الأمر قد مضى وسبق به القدر؛ فإن كنت من أهل الجنة فستكون من أهل الجنة! لا لن تكون من أهل الجنة إلا إذا عملت بسبب دخول الجنة، فلن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، فمن سبق علم الله وكتابه بأنه من أهل الجنة، فلا بد أن يقوم به سبب دخولها، وإن لم يقم به سبب دخولها فوالله لا يدخلها، وكل مكلف لا بد أن يقوم بأحد السببين: سبب دخول الجنة أو سبب دخول النار، كما تقدم: (والأعمال بالخواتيم).\nوقوله: (وكلٌ يعمل لما قد فُرِغَ له، وصائر إلى ما خُلِق له).\nوكلٌ من المكلفين يعمل لما قد فُرِغَ له منه، و(كُلٌ) التنوين فيها عِوضٌ عن (أحد)، (يعمل لما قد فُرِغَ له) منه (وصائر إلى ما خُلِق له) هذا شرح وتبسيط لما قبله، وهذا معنى قوله ﷺ: (فكل ميسر لما\n_________\n(^١) تقدم في ص ١٦٣.\n(^٢) تقدم في ص ١٦٤.","vol":"1","page":321},{"text":"خلق له) (كل يعمل لما قد فُرِغَ له) منه (وصائر إلى ما خُلِق له) فمن خلق للجنة فصائر إلى الجنة، ومن خلق للنار فصائر إلى النار، ولكن بالأسباب التي جعلها الله لذلك، فالنار أعدها الله للكافرين، ولن يخلد فيها إلا الكافرون، والجنة أعدت للمتقين، ولن يدخلها إلا نفس مؤمنة.\nوالأخذ بالأسباب هو فطرة فطر الله عليها العباد؛ لكن هناك أشياء ما ينظر بعض الناس للقدر فيها:\nطلب الرزق فهو من جنس ما سبق به القدر من أمر السعادة والشقاوة، أفيقول عاقل: أنا أجلس ولا أطلب الرزق؛ لأنه سيأتيني؟! لا؛ بل إذا أصبح الناس نهضوا وانتشروا يطلبون الرزق.\nنعم! قد يقوله الكسول تبريرًا لكسله وخموله ودَعَتِه.\nوكما أنه موجَب العقل والفطرة، فهو أيضا موجَب الشرع، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًَا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» [الملك: ١٥]، «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» [الجمعة: ١٠]\nفكيف يأتي هذا لأخطر الأشياء ويقول: إذا كنت من أهل الجنة فسأترك العمل! لا والله، من ترك الإيمان والطاعة اتكالا على القدر، علمنا أنه إن مات على ذلك فهو من أهل النار، وكذا من نام عن صلاة الفجر وقال: إن كان كُتب لي أجر فسيجيئني بدون أن أقوم وأصلي! فهل سيكتب له أجر؟!\nالله سبحانه رتب المسببات على الأسباب، فهناك مسببات لا تكون إلا بأسباب معينة، ولا يمكن تحصيلها إلا بهذا السبب المعين، كالولد، فلا يمكن لأحد أن يُولد له إلا بنكاح ووطء؟!\nأما الرزق فله أسباب متعددة، وطرق كسب كثيرة، بخلاف الولد؛ فلا يوجد إلا سبب واحد معين.","vol":"1","page":322},{"text":"كذلك الجنة والنار، الجنة لا يمكن دخلوها إلا بالإيمان والعمل الصالح، فمن فقد هذا السبب فإلى الضد والنقيض. نعوذ بالله!\nفهذه مقامات عظيمة على المسلم أن يلجأ إلى ربه، ويسأله الثبات والتوفيق والهداية، ويُلِحَّ بهذا الدعاء: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» [الفاتحة: ٥]، ويسأل الله حسن الخاتمة: «تَوَفَّنِي مُسْلِمًَا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» [يوسف: ١٠١].","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>[كل شيء بقدر]</span>\nوقوله: (والخير والشر مقدران على العباد).\nهذا مضمونه تقدم (^١) في قوله: (القدرُ خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى) قال النبي ﷺ: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) (^٢) قال تعالى: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨]، كل ما يجري على العباد من خير ديني أو دنيوي، أو شر ديني أو دنيوي، فهو جار بقدر، ولا خروج لشيء عن القدر، هذا موجب كمالِ مُلك اللهِ وكمالِ قدرته، وعموم مشيئته، فهو ﷾ الذي يعطي ويمنع، فكل ما لدى العباد من الخير بأنواعه فهو بمنه وبعطائه، وكل ما مُنِعوا فبعدله سبحانه، (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) (^٣) وتفصيل ذلك في مثل قوله: «مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [فاطر: ٢]، وقال النبي ﷺ: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) (^٤)، وقال ﷺ لابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله\n_________\n(^١) ص ٢٤٥.\n(^٢) تقدم في ص ٢٠١.\n(^٣) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(^٤) رواه مسلم (٨٦٧) من حديث جابر ﵁.","vol":"1","page":324},{"text":"عليك) (^١) لكن كل هذا لا ينافي الأخذ بالأسباب، ولهذا الناس بسبب الجهل، وعدم الاعتصام بهدى الله، اضطربوا؛ فمنهم:\nمن أنكر القدر، ونفى تعلق علم الرب وكتابه ومشيئته بأفعال العباد، وقالوا: إنه لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها.\nوآخرون أخرجوا أفعال العباد عن مشيئة الله وخلقه وقدرته.\nوآخرون أثبتوا القدر وأنكروا الأسباب.\nومن عُوفي من هذه الضلالات فليحمد الله.\nفالذين ينكرون الأسباب يقولون: إذا شربت ورويت؛ فالماء لا له أثر في الري، وأكلك لا له أثر في الشبع، ولكن حين شربتَ وأكلتَ خلقَ اللهُ لك الشبع!\nوالنار إذا أشعلتها في الحطب، فليست هي التي أحرقت الحطب؛ لكن لما جاءت النار عند الحطب خلق الله الإحراق فيها!\nفيكون قولك: (أحرقتِ النارُ الحطبَ) مجازا لا حقيقة!\nوإنكار الأسباب قول مشهور عن الأشاعرة (^٢).\n_________\n(^١) تقدم في ص ١٨٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٨/ ١٢٨، والتدمرية ص ٤٩٣، وشفاء العليل ص ١٨٨.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>[أنواع الاستطاعة]</span>\nوقوله: (والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي من الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الأدوات فهي قَبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًَا إِلَّا وُسْعَهَا» [البقرة: ٢٨٦]).\nالاستطاعة هي: القدرة، تقول: فلان يقدر على كذا أو لا يقدر، وجاءت النصوص فيها ذكر الاستطاعة، قال ﷾: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [التغابن: ١٦]، «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًَا» [آل عمران: ٩٧]، وقال ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم) (^١)، وقال ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صلِّ قائما؛ فإن لم تستطع فقاعدا؛ فإن لم تستطع فعلى جنب). (^٢) وقال ﷾ في الكفار: «مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ» [هود: ٢٠].\nوالاستطاعة نوعان (^٣):\nنوع قبل الفعل.\nونوع مع الفعل.\nفالاستطاعة التي قبل الفعل هي مناط التكليف، فإذا لم توجد فلا تكليف، إذ لا واجب مع العجز.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).\n(^٢) رواه البخاري (١١١٧).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٦٠، ومنهاج السنة ٣/ ٤٧، ومجموع الفتاوى ٨/ ٢٩٠ و٣٧١.","vol":"1","page":326},{"text":"والقدرة والاستطاعة التي قبل الفعل، مثل: الصحة، وسلامة الآلات، وحصول الأسباب التي لا بد منها في الفعل، فهذه هي مناط التكليف، قال تعالى: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًَا» [آل عمران: ٩٧] السبيل: الزاد والراحلة، وكذلك القدرة البدنية لا بد منها، فلا يجب المضي للحج إلا على من توفرت له القدرة البدنية والمالية، فهذه الاستطاعة هي مناط التكليف، ويقر بها جميع الطوائف، ويستوي فيها جميع الناس: المطيع والعاصي كلهم مستطيع، فمن أمر بالصلاة - مثلا - وهو سليم العقل والحواس وقادر إن صلى أو ترك فهو مستطيع.\nوالنوع الثاني: الاستطاعة التي تكون مع الفعل، ويكون بها الفعل، فهذه ليست مناطا للتكليف؛ بل يمنحها الله لمن يشاء، وهي التي تحصل بالتوفيق والهداية الخاصة، وهي المنفية عن الكفار في مثل قوله تعالى: «مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ» [هود: ٢٠]، «وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًَا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًَا» [الكهف: ١٠٠ - ١٠١]، وليس المعنى أنهم صم لا يسمعون، فالأصم معذور إذا لم يسمعْ ما يجب سماعه، والأعمى معذور إذا لم يبصرْ ما يجب إبصاره؛ لأنه غير مستطيع؛ لكن الاستطاعة المنفية عنهم هي الاستطاعة التي تكون مع الفعل، وهي ليست مناطا للتكليف، فهم مستطيعون لكن صرفهم الهوى والشهوات عن الانقياد.\nفمثلا: بعض الناس، يقال له: اترك شرب الدخان، فيقول: لا أستطيع! لا يستطيع بسبب غلبة شهوته، وهو في الحقيقة مستطيع.\nأو قيل له: حافظ على صلاة الفجر مع الجماعة، فيقول: لا أستطيع، أهو لا يستطيع؟! لا والله، مستطيع، ولو كان عنده أمر فيه مصلحة تهمه لنهض إليها، وظهرت استطاعته!\nوغلط في هذا المقام طائفتان:\nمن لم يثبت إلا الاستطاعة التي قَبل الفعل، وهم المعتزلة.\nفقد نفوا الاستطاعة الثانية؛ لأن الله عندهم لا يقدر أن يهدي","vol":"1","page":327},{"text":"أحدا ولا يضل أحدا؛ بل العبد هو الذي يتصرف في نفسه.\nوالطائفة الثانية: حكى قولهم ابن أبي العز في الشرح فقال: إن طائفة من أهل السنة - ولم يعينهم (^١) - قالوا: (الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل) (^٢)، وهذا غلط؛ فإن قولهم هذا يقتضي أن معنى قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [التغابن: ١٦] اتقوا الله إذا اتقيتم الله، فلا تجب التقوى إلا على من اتقى، ولا يجب الحج إلا على من حج، وهذا ظاهر الفساد.\nوقوله: (من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به).\nالتوفيق هو صفة الله تعالى يوفق ويهدي من يشاء، أما الاستطاعة فهي أثر هذا التوفيق، أما قوله: (الذي لا يوصف المخلوق به فهي مع الفعل) أي: الاستطاعة هي صفة للمخلوق لكن بمنح الله له، يمنحها من يشاء.\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من أطلق القول بأن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فإطلاقه مخالف لما ورد في الكتاب والسنة وما اتفق عليه وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها -كإطلاق القول بالجبر- وإن كان قد أطلق ذلك طوائف من المنتسبين إلى السنة في ردهم على القدرية من المنتسبين إلى الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة: كأبي الحسن، وأبي بكر بن عبد العزيز، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، وأبي الحسن بن الزغواني، وغيرهم، فقد منع من هذا الإطلاق جمهور أهل العلم كأبي العباس بن سريج وأبي العباس القلانسي، وغيرهما، ونقل ذلك عن أبي حنيفة نفسه، وهو مقتضى قول جميع الأئمة. مجموع الفتاوى ٨/ ٢٩٩.\n(^٢) ٦٣٣.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>[خلق الله لأفعل العباد]</span>\nوقوله: (وأفعال العباد خَلْقُ الله، وكَسْبٌ من العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير (لا حول ولا قوة إلا بالله)، نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله)\nهذا الكلام كله تفصيل لمعانٍ مردها كلها إلى الإيمان بالقدر.\nوقوله: (وأفعال العباد خَلْقُ الله وكَسْبٌ من العباد) اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية حسب اختلافهم في القدر، فأهل السنة والجماعة يقولون: أفعال العباد هي أفعالهم حقيقة، وهم الموصوفون بها، فالعبد هو المصلي والصائم، والقائم والقاعد، وهو الصادق والكاذب، والمؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، هي أفعاله، والله تعالى خالقُ العبادِ وخالقُ أفعالِهم وقدرتهم وإرادتهم؛ لأنه خالق الأسباب والمسبَبَات.\nفهي مفعولة لله، و«اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» [الزمر: ٦٢] فلا خروج لشيء عن خلقه وقدرته ومشيئته.\nوقالت القدرية نفاة القدر: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم، فأفعال العباد مخلوقة لهم، وليست بمشيئة الله ولا بقدرته ولا بخلقه. وقالت الجبرية: إن أفعال العباد مخلوقة لله، والعبد لا فعل له؛ بل أفعاله مجبور عليها كحركة المرتعش، وكالريشة في مهب الريح، وحركة الأشجار.","vol":"1","page":329},{"text":"فأثبتوا القدر وعموم خلق الله، لكنهم سلبوا العبد قدرته واختياره وأفعاله، وقالوا: إن نسبة الأفعال إلى العباد مجاز، ومعناه: أنه ليس هو الراكع والساجد؛ لأنه ما فعل هذا بقدرته؛ إذ لا مشيئة له ولا قدرة.\nفهذان قولان على طرفي نقيض.\nوقد دل على إبطال المذهبين: مذهبِ القدرية والجبرية قولُ الله تعالى: «لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» [التكوير: ٢٨]، فأثبت المشيئة للعباد، «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» [التكوير: ٢٩] فجعل مشيئة العبد موقوفة على مشيئة رب العالمين ﷾.\nوجاءت الأشاعرة فلفقوا كعادتهم وقالوا: أفعال العباد خلْقٌ لله، وكسب من العباد، لكن مفهوم الكسب عندهم هو: الفعل المقارن للقدرة المحدثة، وهذا بنوه على مذهبهم في نفي الأسباب.\nفيرون أن العلاقة بين الأسباب والمسبَبَات، وبين قدرة العبد وأفعاله مجرد الاقتران، فيقولون: إن الله يفعل عند الأسباب لا بها، فليس عندهم باء سببية؛ بل يرونها للمصاحبة.\nفهم يَقْرُبُون في هذا من قول الجبرية؛ لأن قولهم يتضمن: أنه لا أثر لقدرتهم في وجود أفعالهم، كما تقدم في ذكر ذلك في الأسباب (^١) وقولهم: إن الماء لا أثر له في حصول الرِّي، ولا أثر للطعام في حصول الشِّبع، ولا أثر لقدرة العبد في حصول فعله. هذا قول الأشاعرة، وقد ذُكر كسبُ الأشعري من الأشياء التي لا حقيقة لها. (^٢)\nوالله أعلم بمراد الطحاوي؛ لأن كلمة الكسب في اللغة والشرع تطلق على الفعل «بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» [الأنعام: ١٢٩]، «بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [الأنعام: ١٠٨]\n_________\n(^١) ص ٣٢٥.\n(^٢) قالوا: عجائب الكلام ثلاثة: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري. مجموع الفتاوى ٨/ ١٢٨، ومنهاج السنة ١/ ٤٥٩ و٢/ ٢٩٧، وشفاء العليل ص ٥٠ و١٢٢.","vol":"1","page":330},{"text":"وقوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) أي: ما يستطيعون، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وقال ﷾ في الدعاء الذي علمه لعباده ـ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله تعالى: «قد فعلت» (^١).\nوهذا من رحمة الله بعباده، وحكمته في شرعه، وهو من اليسر الذي أراده الله بعباده: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، وبهذا اليسر رفع الحرج عن عباده، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فله الحمد على ذلك كثيرا.\nوقوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم)\nهذه العبارة فيها نظر، فالعباد يطيقون أكثر مما كلفهم الله؛ إذ لو كانوا لا يطيقون إلا ما كلفهم؛ فمعناه: أنه كلفهم غاية طاقتهم، فلا يقدرون على شيء بعدها؛ بل ما كلفهم الله هو أقل مما يستطيعونه، ولله الحمد، فقد كلفهم صيام شهر في السنة، أليسوا يطيقون أن يصوموا شهرين؟ بل يطيقون أن يصوموا ثلاثة لو كلفهم بذلك.\n\nوقوله: (وهو تفسير «لا حول ولا قوة إلا بالله»)\nتفسير «لا حول ولا قوة إلا بالله»: لا تحول من حال إلى حال، ولا قوة على أي أمر إلا بالله.\nوالإقرار بذلك واستحضاره وذكره يتضمن التوكل على الله والاستعانة به، ولهذا شُرع لمن يجيب المؤذن أن يقول عند قول المؤذن: «حي على الصلاة، حي على الفلاح»: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (^٢)، استعانة بالله على الإجابة إلى ما دعي إليه.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٢) رواه مسلم (٣٨٥) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"1","page":331},{"text":"وهذه الجملة «لا حول ولا قوة إلا بالله» من أنواع الذكر التي دلت السنة على عظم شأنها، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «ألا أدلك على كَنْزٍ من كُنوز الجنة؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله». (^١) وذلك لأنها متضمنة لتوحيد الربوبية، ومتضمنة فقر العباد إلى الله فلا مشيئة لهم ولا قدرة لهم إلا أن يشاء الله، ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقد فسر الطحاوي ﵀ هذه الجملة العظيمة بعبارة حسنة، وذلك في قوله: (نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٠٩)، ومسلم (٢٧٠٤)، وتقدم ذكر أوله: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا».","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>[كل ما يجري في الكون بمشيئة الله]</span>\nوقوله: (وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَها، وغلب قضاؤه الحيلَ كلَها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا، تقدس عن كل سوء وحَين، وتنزه عن كل عيب وشَين، قال تعالى: «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» [الأنبياء: ٢٣]).\nهذا يتضمن المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر، والإمام الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة فرق الكلام في القدر وأبدا فيه وأعاد، فقد مضى كلام كثير، ونصوص كثيرة من عباراته تتضمن تقرير الإيمان بالقدر، وما يوجبه هذا الإيمان (^١)، ولا شك أن الإيمان بالقدر - وهو الأصل السادس من أصول الإيمان - من الأهمية بمكان، وقد زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وتحير فيه المتحيرون، وهدى الله إلى الحقِ أهلَ السنة والجماعة أهل الهدى والفلاح، فهم أسعد الناس في كل حق، وهم أسعد الناس بإصابة الصواب في هذا الباب، فهم يؤمنون بأن مشيئة الله عامة، لا خروج لشيء عن مشيئته، فكل شيء من الحوادث والحركات والسكنات العلوية والسفلية، حركة الأفلاك والملائكة والجن والإنس والجمادات، وكل صغير وكبير؛ فهو يجري بمشيئته تعالى وقضائه وتقديره، يجب أن نؤمن بأنه قد سبق به علم الله القديم، وسبق به كتابه الأول، وجرت فيه مشيئته، وهذا تحقيق كمال ملكه، فله الملك كله، لا خروج لشيء عن ملكه، فله التدبير\n_________\n(^١) ص ٦٨ و٧٧ و١٦٢ و٢٤٥ و٣١٩ و٣٢٤ و٣٢٦ و٣٢٩.","vol":"1","page":333},{"text":"والتقدير، ﷾: «لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» [البقرة: ١٠٧] وتجد هذا المعنى يُثنى في القرآن كثيرا.\nوقوله: (وعلمه وقضائه وقدره).\nكل شيء يجري بمشيئته النافذة الشاملة (وعلمه) القديم (وقضائه) النافذ (وقدره) أي: تقديره، السابق، قال النبي ﷺ: (قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) (^١).\nوقوله: (غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَها، وغلب قضاؤه الحيلَ كلَها).\nمشيئة الله تعالى نافذة وإن خالفتها مشيئات الخلق، فما شاء الله كان وإن لم يشإ الخلق، وما شاءه العباد لا يكون إن لم يشإ الله، كما قال الإمام الشافعي ﵀:\nما شئتَ كان وإن لم أشأ … وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ\nخلقتَ العبادَ على ما علمتَ … ففي العلمِ يجري الفتى والمسن\nعلى ذا مننتَ وهذا خذلتَ … وهذا أعنتَ وذا لم تُعن\nفمنهم شقيٌ ومنهم سعيد … ومنهم قبيحٌ ومنهم حسن (^٢)\nوقضاؤه وحكمه نافذ غالب لحيل الخلق، كما في الدعاء عن النبي ﷺ: (ماضٍ في حكمُك، عدلٌ في قضاؤك) (^٣) ومهما فعل الخلق ومهما دبروا؛ فلن يتم لهم شيء إنْ كان قضاء الله مخالفا له، ولن يمضي ولن يتم إلا حكم الله وقضاؤه؛ لكن الخلق يقدرون على فعل الأسباب، فالحيل من الأسباب، والإنسان مأمور بفعل الأسباب والحيل التي توصل إلى ما أمر الله به أو أباحه لعباده؛ ولكن هذه الأسباب محكومة بقضاء الله، ولن يتم بأي سبب وبأي حيلة أثر لأي سبب أوحيلة إلا ما قضاه الله سبحانه، وفي وصايا النبي ﷺ لابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله\n_________\n(^١) تقدم في ص ٧١.\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٤/ ٧٧٧، والأسماء والصفات ص ١٧١.\n(^٣) تقدم بلفظ: أسألك بكل اسم هو لك.","vol":"1","page":334},{"text":"لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف) (^١).\nوقوله: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا).\nيفعل سبحانه ما يشاء، فيعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويهدي ويضل، ويحيي ويميت، «يُدَبِّرُ الأَمْرَ» [يونس: ٣]، «يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ» [الرعد: ٢٦]، و«يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ» [العنكبوت: ٢١]، كل ذلك جارٍ على وفق حكمته تعالى، فله الحكمة في كل تدبير، كما تقدم في قول الطحاوي: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا) (^٢).\nفهو يهدي من يشاء بفضله وحكمته، ويضل ويخذل ويبتلي من يشاء بعدله وحكمته، فالحكمة ثابتة في كل تدبير، فهو يضع فضله في مواضعه؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والعدل: وضع الأشياء في مواضعها، فالله تعالى يضع فضله في مواضعه حيث شاء على وفق الحكمة، خلافا لقول الجهمية ومن تبعهم كالأشاعرة: إن كل ما يجري بمحض المشيئة دون أن تكون له تعالى حكمة في هذا التقدير والتدبير، وقد تقدم نحو هذا المعنى (^٣).\nالمقصود: أنه يجب الإيمان بأن أفعالَه ﷾ جاريةٌ على وفق العدل والحكمة، فأفعاله دائرة بين الفضل والعدل، والظلم مما يجب تنزيهه تعالى عنه «وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» [فصلت: ٤٦]، «وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» [ق: ٢٩] (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) [النساء: ٤٠] والآيات في تنزيهه تعالى عن الظلم كثيرة.\nفلا يعذب أحدا بغير ذنب، ولا يعذب أحدا بذنب غيره، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ: (لو أن الله تعالى عذّب أهل سماواته وأهل أرضه\n_________\n(^١) تقدم في ص ١٨٢.\n(^٢) ص ٧٧.\n(^٣) ص ٧٧ - ٨١.","vol":"1","page":335},{"text":"لعذبهم وهو غير ظالم لهم) (^١) فلن يعذبهم إلا بما يقتضي تعذيبهم، وهو قادر أن يعذب من شاء بغير ذنب، أو يعذب من شاء بذنب غيره؛ لكنه لا يفعل ذلك لكمال عدله سبحانه، وقد حرم الظلم على نفسه كما في الحديث القدسي عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ: قال: قال الله تعالى: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما؛ فلا تظالَموا) (^٢) فهو لا يظلم ولا يرضى الظلم من أحد من العباد، ولذا حرمه على عباده في شرائعه التي أنزلها على رسله.\nوإذا عرض للإنسان شيء من الحوادث فعليه أن لا يُحَكَّم عقله الناقص، فكثير من الخلق لقصور علمهم وضعف إيمانهم يعترضون في نفوسهم، أو يتكلمون بألسنتهم على تدبيره تعالى، فتسمع بعضهم يقول - إذا ابتلى الله عبدًا ببلاء ـ: (فلان والله ما يستاهل)، وهي عبارة مشهورة عند العامة، وهي تعني: أن الله ابتلى هذا العبد، وهو ليس أهلا لهذا، وهذا اعتراض على تدبير الرب؛ بل يجب الإيمان بحكمة الرب في تدبيره وكمال عدله ﷾، هذا أصل يجب العناية به علما وتفكيرا وتقريرا، وهو الإيمان بكمال عدل الرب ﷾ في خلقه وأمره وجزائه، فلا تعارض قدر الله بقولك: لِمَ جرى كذا؟ ولِمَ كان كذا؟ فأي خاطر يتضمن الاعتراض على تدبير الله فيجب على المؤمن أن يدفعه بإيمانه بأن الله تعالى حكيم له الحكمة البالغة في كل تدبير وتقدير (^٣).\nوقوله: (تقدس عن كل سُوء وحَين، وتنزه عن كل عيب وشَين).\nتقدس وتنزه، عبارتان بمعنى واحد، والشيخ الطحاوي كثيرا ما ينوع ويتفنن في العبارات، وهذه المادة (تقدس) موجودة في القرآن كثيرا فاسمه تعالى: (الْقُدُّوسُ) [الحشر: ٢٣]، وقالت الملائكة: «وَنَحْنُ نُسَبِّحُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه عند طرفه: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك.\n(^٢) رواه مسلم (٢٥٧٧).\n(^٣) انظر: كلاما نفيسا في هذا المعنى لابن القيم في زاد المعاد ٣/ ٢٣٥.","vol":"1","page":336},{"text":"بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ» [البقرة: ٣٠] فالتسبيح والتقديس والتنزيه كلها تدل على نفي المعائب، فالقدوس: المنزه عن كل سوء وعيب، ومن عبارات السلف في تفسير القدوس: الطاهر (^١).\nوقوله: (عن كل سُوء وحَين، وتنزه عن كل عيب وشَين).\nالسوء والحَين والعيب والشَّين، عبارات كلها معناها: الأمور المذمومة، فهو تعالى منزه عن كل عيب وسوء ووصف قبيح، فهو منزه عن القبيح في أسمائه وصفاته وأفعاله، فله الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأفعاله كلها كمال، كما تقدم (^٢) في الحديث في دعاء الاستفتاح: (والشر ليس إليك) فهو لا يضاف إلى الله اسما ولا صفة ولا فعلا؛ لكن السوء والشر والزين والشين يوجد في مفعولات الله - أي: مخلوقاته ـ، أما أفعاله تعالى فكلها عدل وحكمة، فخلقه تعالى للأشياء المتضادة من الحسن والقبيح والنافع والضار، والملائكة والشياطين، والصحة والمرض، والموت والحياة، كل ذلك على وفق الحكمة، فله الحكمة البالغة في خلقه للأضداد.\nومن حكمه ما بينه لنا تعالى، ومنها ما يظهر لنا بالتأمل والتدبر والتفكر، وما خفي علينا منها - وهو الأكثرـ فعلينا أن نفوض ذلك إلى علمه سبحانه، ونؤمن بأن له الحكمة البالغة، وتفاصيل ذلك لا تحيط به عقول العباد «وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًَا» [طه: ١١٠] ﷾، فلا نحيط بحكمته كما لا نحيط علما بمخلوقاته.\nوقوله: (قال تعالى: «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» [الأنبياء: ٢٣]).\nختم الشيخ هذه العبارات المتعلقة بالقدر بهذه الجملة المقتبسة من القرآن: «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ» [الأنبياء: ٢٣]، هذا مما وصف الله به\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١/ ٥٠٥.\n(^٢) ص ٢٤٧.","vol":"1","page":337},{"text":"نفسه، وتقدم (^١) أن كل نفي يوصف الله به؛ فلا بد أن يتضمن إثبات كمال، فلا يوصف تعالى بالنفي المحض الذي لا يتضمن ثبوت كمال؛ لأن النفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال، فمما وصف الله به نفسه من النفي: أنه لا يُسأل عما يفعل، لا يتوجه إليه السؤال، وذلك لكمال حكمته، وليس هذا لقوته وقدرته وسلطانه، فمن كان معروفا بكمال الحكمة لا يقال: لِمَ فعلتَ كذا؟ ولِمَ كان منك كذا؟ لأنه حكيم، وأما العباد فإن أقوالهم وأفعالهم عرضة للنقص والخلل والعيب والانحراف فهم يُسألون عن أفعالهم في الدنيا بحكم الشرع، ويُسألون في الآخرة، قال تعالى: «فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، وقال النبي ﷺ: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فَعلَ به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) (^٢).\nفالعباد يُسألون، أما الله تعالى فلا يُسأل، فلا يُقال: لِمَ فعلتَ؟ على وجه الاعتراض، أما السؤال لمزيد المعرفة فلا مانع منه كأن يقول الإنسان: ما الحكمة في كذا؟ لِمَ شرع الله كذا؟ ليعرف الحكمة لا على وجه الاعتراض على التشريع والتدبير.\nوالملائكة لم يكن سؤالهم لربهم عندما قال ﷾: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ» [البقرة: ٣٠] على وجه الاعتراض على تدبير الله، إنما تحيروا في معرفة الحكمة في خلق هذا المخلوق الذي يكون منه ما ذُكر من الإفساد وسفك الدماء.\n_________\n(^١) ص ٣٣.\n(^٢) رواه الدارمي (٥٤٣)، وعنه الترمذي (٢٤١٧) - وقال: حسن صحيح - من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁، وانظر: السلسلة الصحيحة (٩٤٦).","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>[انتفاع الأموات بعمل الأحياء]</span>\nوقوله: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات).\nأي: أن الأموات ينتفعون بدعاء الأحياء لهم بالمغفرة والرحمة ورفع الدرجات وتكفير السيئات، وكذلك ينتفعون بصدقات الأحياء عنهم، فإذا تصدق الولد عن والديه أو عن أحد من أقاربه؛ بل لو تصدق أجنبي عنه انتفع بذلك، وهذا من فضل الله ﷾ على عباده أن جعل لمن يموت من المسلمين سببا في وصول الثواب والأجر لهم؛ لأنهم ينتفعون به في زيادة الأجور ورفع الدرجات وفي النجاة من العذاب، وقد شرع الله الدعاء للأموات وجوبا واستحبابا، فشرع الدعاء للميت وجوبا بالصلاة عليه بعد موته، فالصلاة على الميت فرض كفاية، وكذلك شُرع الدعاء للأموات عند زيارة القبور وعند دفن الميت، هذه كلها مواضع شرع الله فيها الدعاء لأموات المسلمين، والدعاء والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات مشروع، للأحياء والأموات، قال تعالى: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [محمد: ١٩]، وفي دعاء الأنبياء: «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ» [إبراهيم: ٤١] هذا دعاءُ إبراهيم، ونوح قال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًَا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [نوح: ٢٨].\nوكذلك الصدقة، فقد ثبت في الصحيح أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إنْ تصدقت به عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أنَّ حائطي الْمِخْرَافَ صدقةٌ عليها) (^١).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٧٦٢).","vol":"1","page":339},{"text":"واتفق أهل السنة على أن الأموات ينتفعون بدعاء الأحياء وبالصدقة عنهم، (^١) سواء كان المال المنفَق عنه صدقة على فقير، أو قضاء دين عن معسر، أو الإنفاق على أعمال الخير؛ كتعليم القرآن.\nواقتصر الطحاوي على (دعاء الأحياء وصدقاتهم)؛ لأنه مذهب أبي حنيفة، أو أنه قصد ما اتفق عليه أهل السنة اتفاقا تاما.\nوكذلك الحج - أيضا - مما اتفق أهل السنة على وصول ثوابه إلى الميت وانتفاعه به؛ بل والحج عن الحي الْمَعْضُوب (^٢) فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قال: «جاءت امرأة من خَثْعَمَ عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: نعم) (^٣)، وفي الصحيح عنه - أيضا - ﵁: (أنَّ امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنتِ قاضيةً؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» (^٤).\nوعنه - أيضا - أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: مَن شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) (^٥).\n_________\n(^١) التمهيد ٢٠/ ٢٧، ومجموع الفتاوى ٧/ ٤٩٨ و٢٤/ ٣٠٦ و٣٦٦، والروح ص ١٩٠.\n(^٢) العاجز عن الحج لكِبِرٍ أو زَمانةٍ أو مرضٍ لا يُرجى برؤه. الإقناع ١/ ٥٤٣.\n(^٣) البخاري (١٨٥٤)، ومسلم (١٣٣٥).\n(^٤) البخاري (١٨٥٢).\n(^٥) رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وصححه ابن خزيمة (٣٠٣٩)، وابن حبان (٣٩٨٨) والبيهقي في الكبرى ٤/ ٣٣٦، وانظر: تنقيح التحقيق ٣/ ٣٩٢، ونصب الراية ٣/ ١٥٥، والتلخيص الحبير ٤/ ١٥١١.","vol":"1","page":340},{"text":"وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: إنما يصل للميت ثواب النفقة، أما ثواب الحج فهو للحاج (^١).\nوهذا خلاف ظاهر الأدلة؛ لأن قوله ﷺ للخثعمية حين قالت: فهل يقضي عنه أن أحج عنه، قال: «نعم»، وقوله ﷺ للجهنية: «حجي عنها»، وقوله ﷺ: «حج عن شبرمة» ظاهره الإطلاق، وصحة الحج عنه، وأن الثواب للمحجوج عنه.\nثم بعد ذلك اختلف العلماء في سائر العبادات، كالصلاة والصيام وتلاوة القرآن والذكر، هل يصل ثوابها إلى الميت، إذا عملها الحي عنه؟\nأكثر أهل العلم على أن هذه العبادات يصل ثوابها فينتفع بها الميت؛ بل توسع بعض أهل العلم، وقالوا: إن أي قربة يفعلها الإنسان عن الحي أو الميت؛ فإن ذلك يصل إليه، كما في نص زاد المستقنع: «وأيُّ قربةٍ فعلها وجعل ثوابها لميتٍ مسلم أو حي نفعه ذلك» (^٢). وهذا توسع كبير.\nوالذي يعنينا في هذا المقام انتفاع الأموات بسعي الأحياء، فأكثر العلماء على أن الأموات ينتفعون بهذه العبادات، فإذا صام أو صلى عن الميت ولو تطوعا، أو قرأ قرآنا، أو سبَّح وهلَّل وكبَّر، يريد أن يكون ذلك عن الميت؛ فإنه ينفعه ذلك، قياسا لهذه العبادات على ما وردت به النصوص، وهؤلاء لا فرق عندهم بين فرض ونفل أو نذر، فينتفع الميت بها جميعا.\nوفي هذا تفصيل؛ فأما الصيام فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (^٣).\nوهنا اختلف أهل العلم على مذاهب، فمنهم من قال: لا يُصام\n_________\n(^١) بدائع الصنائع ٢/ ٤٥٥.\n(^٢) ص ٧٢.\n(^٣) البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧) عائشة ﵂.","vol":"1","page":341},{"text":"عن الميت مطلقا، وإنما يُطعم عنه عملا بما صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدا من حنطة) (^١).\nوهذه النصوص ربما أجابوا عنها بالنسخ، ولا شك أن هذا الأثر لا يقاوم النصوص الصحيحة الصريحة، والمشهور عن الإمام أحمد: أنه يُصام عن الميت النذر خاصة، أما الفرض؛ كقضاءِ رمضان، والكفاراتِ؛ ككفارة القتل فلا تصام عن الميت، وإنما يُطعم عنه (^٢) على ما جاء في أثر ابن عباس ﵄، ولكن الحديث لفظه عام: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه».\nوإذا كان سبب الحديث هو السؤال عن صوم النذر؛ فـ «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».\nوأما الصلاة وتلاوة القرآن والذكر؛ فلم يرد فيها شيء، إنما عمدة من قال بوصول ثوابها وجواز فعلها عن الميت هو قياسها على ما ورد في النصوص من الحج والصيام.\nوأهل السنة في جملة هذه القضية طرفان ووسط؛ فمنهم من يرى جواز إهداء جميع القُرَبِ.\nوالذي دلت عليه النصوص ليس إهداء الثواب؛ بل هو فعل العبادات عن الغير، وهذا لا بد فيه من نية فعل العبادة عن الغير عند ابتداء العمل؛ كالحج عن المغضوب والميت، كما نبه على ذلك ابن القيم (^٣)، فليس الوارد أن الإنسان بعدما يحج يقول: اللهم اجعل ثواب\n_________\n(^١) رواه النسائي في الكبرى (٢٩١٨) وصححه ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ١٤٦٤، وانظر: نصب الراية ٢/ ٤٦٣.\n(^٢) سنن أبي داود (٢٤٠٠)، والمغني ٤/ ٣٩٨، وإعلام الموقعين ٤/ ٣٩٠ وتهذيب السنن ٣/ ٢٧٩.\n(^٣) الروح ص ٢١٢.","vol":"1","page":342},{"text":"حجتي هذه لفلان، أو بعدما يتصدق يقول: اللهم اجعل ثواب هذه الصدقة لفلان، أو يصوم يوما ثم يقول: اللهم اجعل ثواب صومي هذا لفلان؛ بل من أصل العمل ينوي فعله عمَّن يريد الإحسان إليه.\nثم إن العامل إذا عمل لا يعلم هل كُتِب له ثواب عند الله أو لا، فكيف يقول: اللهم اجعل ثواب هذا العمل لفلان؟!\nلكن الفقهاء لعلهم نظروا إلى أن المقصود من فعل العبادة عن الميت هو نفع الميت بما يترتب على ذلك من ثواب.\nومنهم من قصر ذلك على الدعاء والصدقة والحج على خلاف.\nوأظهر هذه المذاهب هو الوقوف عند ما ورد، فنقول: ينتفع الميت بدعاء الحي، وهذا محل إجماع، وكذلك الصدقة والحج، ولاسيما الحج الواجب، هذا لا كلام في وصوله، وكذلك الصوم الواجب «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، وكذا إذا نذر الإنسان عبادةً ثم أدركه الموت ولم يوصِ بما نذر؛ فإن الأدلة تدل على فعلها عنه كالدين؛ فالنذر دين والتزام من المكلف، وما سوى ذلك؛ فإن إلحاقه بما وردت فيه النصوص محل نظر واجتهاد.\nوفي مقابل مذهب أهل السنة والجماعة الذي قصد المؤلف التنبيه عليه، قول المبتدعة: إن الميت لا ينتفع بشيء من سعي الأحياء، حتى قيل عن بعضهم: لا ينتفع بشيء من سعي الأحياء ولا الدعاء.\nولا شك أن هذا باطل ومن شبهاتهم استدلالهم بقوله ﷾: «وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» [النجم: ٣٩]، وقوله ﷾: «وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [يس: ٥٤] ونظائرها في القرآن كثير: «إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [الطور: ١٦] أي: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون، ومن أدلتهم قول ﷺ: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (^١).\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٦٣١) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":343},{"text":"وأجيب عن استدلالات القائلين بعدم انتفاع الأموات بسعي الأحياء، أما الدعاء فمعلوم بالضرورة من دين الإسلام انتفاع الميت بالصلاة عليه، والمقصود من الصلاة على الميت هو الدعاء له، هذا ركنها الأعظم، وكذلك الدعاء لهم عند زيارة القبور (^١)، وكذلك انتفاعهم بالصدقة كما تقدم (^٢)، فقولهم مردود بهذه النصوص.\nوأما الآية: «وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» [النجم: ٣٩] فأجيب عنها بأجوبة، قال شارح الطحاوية ابن أبي العز: إن أصحها جوابان:\nالأول: «أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه، في حياته وبعد مماته» (^٣).\nوأظهر من هذا هو الجواب الثاني: وهو أن المنفي في الآية هو ملك الإنسان لسعي غيره، فالإنسان لا يملك إلا عمله، «وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» [النجم: ٣٩]، «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًَا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ» [البقرة: ٢٨٦] فليس للإنسان إلا عمله، وليس له عمل غيره، ونفي استحقاق الإنسان لعمل غيره لا يستلزم نفي انتفاعه بعمل غيره إذا فعله عنه أو أهدى ثوابه له، كما يقال: ليس للإنسان إلا ماله، أما أموال الناس فليست له، ولا يلزم من نفي ملكه لمال غيره نفي الانتفاع به، فيمكن أن يهديه، أو أن يتصدق عليه، أو ينتفع به بوجه من الوجوه، فالانتفاع أعم من الملك، فلا يلزم من نفي الملك نفي\n_________\n(^١) رواه مسلم (٩٧٥) من حديث بريدة ﵁، وتقدم في ص: استغفروا لأخيكم.\n(^٢) ص ٣٣٩.\n(^٣) ص ٦٦٩، ونقل ابن القيم في الروح ص ٢٠٥ هذا الجواب عن ابن عقيل.","vol":"1","page":344},{"text":"الانتفاع، وهذا جواب سديد قريب بيَّن (^١)، كما دلت على ذلك هذه النصوص، الصدقة عن الميت، والصوم الواجب عن الميت، والحج عن الميت، والدعاء؛ بل وقضاء الدين، كما في حديث أبي قتادة ﵁ عندما ضمن الدين عن الميت؛ فبرئت ذمته، وصلى عليه النبي ﷺ (^٢).\nوأما قوله تعالى: «وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [يس: ٥٤] وأشباهها من القرآن فيقال فيها ما قيل في الآية التي قبلها: إن الإنسان لا يُجزى إلا بعمله، هذا الذي يستحقه بوعد الله، وهو لا ينفي أن ينتفع بعمل غيره إذا أهداه إليه، وتصدق به عليه.\nوأولى من هذا الجواب بالنسبة لهذه الآية: أن يقال: هذه الآيات إذا تأملنا القرآن نجد أن كل ما ورد فيه بهذا المعنى يختص بالجزاء على السيئات: «فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًَا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [يس: ٥٤]، «فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» [الطور: ١٦] وهذا المعنى في القرآن كثير، فيكون موافقا لقوله سبحانه: «وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» [الأنعام: ١٦٤]، فالإنسان لا يعاقب إلا بذنبه، لا يعاقب بذنب غيره.\nومسألة انتفاع الأموات بسعي الأحياء ذكرها ابن القيم في كتابه «الروح» (^٣) وبسط القول فيها، وذكر أقوال الناس، وما ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية هو ملخص من ذلك الكتاب، وذهب ابن القيم، فيه إلى القول بانتفاع الأموات بسعي الأحياء مطلقا، وعلى هذا فمن أخذ بهذا عن اجتهاد، أو تقليد لمن يذهب إلى ذلك؛ فلا شيء عليه.\n_________\n(^١) ذكر ابن القيم معنى هذا الجواب في الروح ص ٢٠٦ وقال: وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها، وانظر: مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣١٢.\n(^٢) رواه البخاري (٢٢٨٩) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁.\n(^٣) ص ١٩٠ - ٢٢٦.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>[إجابة الله لدعاء عباده]</span>\nوقوله: (والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات).\nقوله: (ويقضي الحاجات) عطف هذا على ما قبله من عطف الخاص على العام، فاستجابة الدعوات أعم من قضاء الحاجات، قال الله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ» [البقرة: ١٨٦]، وقال ﷾: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ» [النمل: ٦٢]، وأخبر ﷾ أنه أجاب دعاء الأنبياء؛ كأيوب، قال تعالى: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ» [الأنبياء: ٨٤]، وذي النون، قال تعالى: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ» [الأنبياء: ٨٨]، وزكريا، قال تعالى: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى» [الأنبياء: ٩٠]، وهو يقضي الحاجات ﷾؛ لأن الخير كله بيده، فمن كانت له حاجة؛ كشفاء مريض، أو تيسير عسير، أو زوال فقر، أو رد غائب، أو غيرها؛ فلينزلها بربه ولا ينزلها بالخلق، فقد جاء في أنس ﵁ عن النبي ﷺ: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شِسْعَ نَعْله إذا انقطع» (^١).\nفلا تحقر الأمور الصغيرة وتجعل دعاءك فقط في الأمور الكبيرة؛\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٦٠٤ (م ٨» - وقال: حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن النبي ﷺ، ولم يذكروا فيه عن أنس - ثم ذكره من رواية ثابت مرسلاـ وقال: هذا أصح ـ، وابن حبان (٨٦٦) و(٨٩٤)، والضياء في المختارة ٥/ ٩ و١٠، وانظر: السلسلة الضعيفة (١٣٦٢).","vol":"1","page":346},{"text":"لكن قل: «اللهم أصلح لي شأني كله»، فينبغي على المسلم أن يدعو ربه بقلبه ولسانه، ويعتمد في قضاء حوائجه عليه، ولا يعتمد على الأسباب؛ بل يعتمد على ربه ويدعوه، فالدعاء أعظم الأسباب؛ لأنه التجاءٌ إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار، فهو ينفع في رفع البلاء وفي دفعه، وهذا ديدن الخلق كلهم، حتى الكفار يدعون الله، كما أخبر سبحانه عنهم، لاسيما في الشدة: «فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» [العنكبوت: ٦٥]، ومتى وقع المخلوق في ضرورة؛ فإنه لا بد أن يلجأ إلى الله، إلا من فسدت فطرته واستحكم فسادها؛ فإنه تنقطع صلته بربه.\nوذكر الشارح ابن أبي العز عن ابن عقيل: «أن الله نَدَبَ إلى الدعاء، وفي ذلك معانٍ:\nأحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يدعى.\nالثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى.\nالثالث: السمع؛ فإن الأصم لا يدعى.\nالرابع: الكرم؛ فإن البخيل لا يدعى.\nالخامس: الرحمة؛ فإن القاسي لا يدعى.\nالسادس: القدرة؛ فإن العاجز لا يدعى» (^١).\nفكلها تدخل في الإيمان بالله، فدعاء العبد لربه يتضمن الإيمان بأنه سميع قدير غني كريم رحيم، فينبغي للداعي أن يستحضر هذا.\nوالدعاء كغيره من الأسباب لا بد لحصول أثره من توافر الشروط وانتفاء الموانع؛ فإن كل الأسباب الكونية والشرعية يتوقف أثرها على وجود الشروط وانتفاء الموانع.\nفلا بد في الدعاء من الإيمان بالله والإخلاص له، والتوكل عليه ﷾، بحيث يدعو الإنسان وهو موقن بالإجابة طامع في فضل الله.\n_________\n(^١) ص ٦٧٨.","vol":"1","page":347},{"text":"ومن موانع الإجابة ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء». (^١)، وما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه «ذكر الرجلَ يطيل السفر أشْعَثَ أغَبَرَ يمدُ يديه إلى السماء: يا ربُّ يا ربُّ، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام فأنى يستجاب لذلك» (^٢) ومن الموانع كذلك الاعتداء، قال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وفي الحديث: أن عبد الله بن مغفل ﵁ سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أيْ بُنَيَّ سلِ اللهَ الجنةَ، وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (^٣).\nوفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذًا نُكْثِر، قال: الله أكثر» (^٤).\nفإجابة الدعاء أعم من قضاء الحاجة، فلا يلزم من عدم حصول المطلوب أن الله لم يجب دعاءك، فتقول: إن الله لم يستجب لي! وما\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) مسلم (١٠١٥).\n(^٣) رواه أحمد ٤/ ٨٧، وأبو داود (٩٦) وابن حبان (٦٧٦٣ و٦٧٦٤)، والحاكم ١/ ٥٤٠.\n(^٤) رواه أحمد ٣/ ١٨، والبخاري في الأدب المفرد (٧١١) والحاكم ١/ ٤٩٣ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"1","page":348},{"text":"يدريك؟ لعل الله أعطاك إحدى هذه الثلاث، ومن أجل ذلك قلتُ: إن قوله: (ويقضي الحاجات) أخصُ من قوله: (والله تعالى يجيب الدعوات).\nومن المبتدعة من قال: إن الدعاء إنما شُرع تعبدا فقط، وليس له أثر في حصول المطلوب؛ لأن المطلوب إن كان مقدرا وسيحصل؛ فلا حاجة إلى الدعاء، وإن كان لم يقدر؛ فلا فائدة في الدعاء؛ لأنه لن يحصل سواءً دعوت أم لم تدعُ!\nفيقال لهم: هناك قسم ثالث، وهو: ما قدر الله حصوله بالدعاء، فما قدر الله حصوله بسبب لن يحصل إلا بهذا السبب، وهذه الشبهة طردها أن يقال لهم: قولوا مثل هذا في سائر الأسباب، فيقال لمن حرث وأراد الزرع والثمر: حرثك وزرعك هذا لا فائدة منه؛ فإن كان الثمر قد قدره الله فستحصل لك بدون عملك هذا، وإن لم يقدر لك فلا فائدة في عملك!\nوهكذا يقال في لمن سعى لطلب الرزق: الرزق الذي تسعى إليه إن كان مكتوبا لك فسيحصل ولو لم تسعَ، وإن كان غير مقدر؛ فلا فائدة في سعيك، ولا أثر له!\nوهذه الشبهة تقتضي تعطيل الأسباب الشرعية والكونية، وهذا معلوم الفساد؛ فإن الله قد فطر العباد على فعل الأسباب وعلى رجاء أثرها،، فالمذموم هو الاعتماد على الأسباب، كما قال بعضهم: «الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع» (^١)، فالأسباب خلقها الله وقدرها وشرعها وجعلها مؤثرة في\n_________\n(^١) نسبه شيخ الإسلام في منهاج السنة ٥/ ٣٣٦، وبغية المرتاد ص ٢٦٢: إلى أبي حامد الغزالي وابن الجوزي، وهو بمعناه في إحياء علوم الدين ٤/ ٣٧٤، ولعل كلام ابن الجوزي في مختصر الإحياء «منهاج القاصدين» وهو غير موجود.","vol":"1","page":349},{"text":"حصول أسبابها،\nولكن كل ذلك مرده إلى قدرة الله ومشيئته ﷾ وتقديره وتدبيره.\nوالآيات والأحاديث في الترغيب في الدعاء كثيرة معلومة، فالله تعالى ندب عباده إلى الدعاء ورغبهم فيه؛ لأن حوائج العباد كلها لديه، فبيده الملك وبيده الخير، وهو المعطي المانع، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وقد ضمن الله الإجابة لكل من دعا «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» [غافر: ٦٠] وعد والله لا يخلف الميعاد.\n\nوقوله: (ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين).\nهذا معطوف على ما قبله، والله ﷿ له الملك كله، فله ما في السموات وما في الأرض وما بينهما: «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ» [آل عمران: ٢٦] وكل العوالم في قبضته: «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» [الملك: ١] فهو المتصرف في هذا الوجود، وهو خالق كل شيء، وهو المدبر لكل شيء، ومن أسمائه الملك، أي: الذي له الملك، فهو ملك الناس، وهو ملك الأملاك، وهذا كله داخل في توحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية يتضمن أنه ﷾ خالق كل شيء ومليكه: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [يس: ٨٢ - ٨٣]، «قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ» [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩].\nوقوله: (ولا يملكه شيء) فهو المالك وغيره مملوك، وهو مالك الدنيا والآخرة: «وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى» [الليل: ١٣] وكلهم عبيده ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] والعبد المملوك لا يكون مالكا لسيده، ولا شريكا له: «ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ» [الروم: ٢٨] لكن يكون مالكا لما يُمَلِّكُه","vol":"1","page":350},{"text":"سيده، والله تعالى يُمَلِّكُ من شاء ما شاء كما يُمَلِّك العباد ما يعطيهم من الأرزاق يقول ﷾: «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ» [آل عمران: ٢٦] وقوله: (ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين).\nلا غنى لأحد عن الله طرفة عين، فالخلق كلهم فقراء مفتقرون إلى الله افتقارا ذاتيا، فليس لشيء من ذاته إلا العدم، فالافتقار صفة ذاتية للمخلوق، فالخلق فقراء إلى الله في كل لحظة، ولا يستغني أحد عن الله طرفة عين، بل هم دائما وأبدا مفتقرون إلى الله في وجودهم، وفي كل شؤونهم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» [فاطر: ١٥] ومن تحقيق الإيمانِ بربوبيته ﷾ الإيمانُ بغناه عن كل ما سواه، وبفقر كل ما سواه إليه، فهو تعالى الغني بذاته عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه، مفتقر إليه، فلا غنى لله طرفة عين.\nوقوله: (ومَن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر وصار من أهل الحَين).\nفي الواقع لا يمكن لأحد أن يستغني عن الله طرفة عين، لكن الاستغناء الذي يقع من بعض الخلق هو استغناء شعوري كما يحصل من أهل الكفر، فالكافر والغافل هو الذي يمكن أن يستشعر في ذهنه أنه مستغن عن الله، وهو في الواقع غير مستغن، لكن هذا الاستغناء هو بحسب ما يتخيله، وهذا من طغيان العبد وجهله واغتراره بنفسه «كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى» [العلق: ٦ - ٧] إذا رأى نفسه غنيا بما أوتي أوجب له ذلك الطغيان والغرور، كما حصل من قارون، ولهذا من يصاب بهذا الداء لا يلجأ إلى الله ولا يتوجه إليه ولا يعترف بربوبيته؛ بل ينظر إلى ما هو عليه، وما أوتي من قوة وأسباب وحيلة.\nومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين، أي: من أهل الهلاك.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>[إثبات الغضب والرضا لله تعالى]</span>\nوقوله: (والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى)\nيثبت المؤلف ﵀ صفتي الغضب والرضى لله سبحانه كما أخبر تعالى عن نفسه، فقال ﷾: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» [النساء: ٩٣]، وقال ﷾: «وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا» [الفتح: ٦]،\nقال ﷾ في اليهود: «فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ» [البقرة: ٩٠] وقال ﷺ: (اشتد غضبُ الله على قومٌ فعلوا بنبيه - يشير إلى رَبَاعِيَتِه - اشتد غضبُ الله على رجلٍ يقتُله رسولُ الله في سبيلِ الله) (^١)، وقال ﷺ: (من حلف على يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ هو فيها فاجرٌ لقي الله وهو عليه غضبان) (^٢) في حديث الشفاعة في الصحيحين أنَّ آدمَ نوحًا وإبراهيمَ وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام قال كل واحد منهم: (إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضبْ قبلَه مثلَه، ولنْ يغضبَ بعده مثلَه) (^٣).\nوكذلك وصف الله تعالى نفسه بالرضا في آيات كثيرة، فقال ﷾: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» [المائدة: ١١٩]، وقال ﷾: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٠٧٣)، ومسلم (١٧٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٤٥٤٩)، ومسلم (١٣٨) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٣) البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":352},{"text":"ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» [النساء: ١١٤]، وقال: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ» [محمد: ٢٨]، وقال: «وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [التوبة: ٧٢]، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: (أُحِلُ عليكم رِضْواني فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا) (^١).\nفدلت هذه النصوص من الكتاب والسنة على أنه تعالى يغضب ويرضى، كيف شاء، ورضاه وغضبه ليس كرضا المخلوق وغضب المخلوق، كما هي القاعدة المطردة في صفاته فهو تعالى يحب ويرضى ويسخط ويغضب، والمخلوق يوصف بهذه الصفات وليست صفاته تعالى كصفات المخلوق، ولا صفات المخلوق كصفاته، وهذا معنى قول الطحاوي: (لا كأحد من الورى) أي: الخلق، على حد قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» [الشورى: ١١] فقوله: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [الشورى: ١١] رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: «وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» [الشورى: ١١] رد للإلحاد والتعطيل، فليس سمعه كسمع المخلوق، ولا بصره كبصر المخلوق، ولا حبه كحبه، ولا سخطه كسخطه، ولا غضبه كغضبه، وأهل السنة والجماعة يثبتون الغضب والرضى لله تعالى، ويقولون: إنهما من صفاته الفعلية التابعة لمشيئته؛ فإنه ﷾ يغضب إذا شاء على من شاء، ويرضى إذا شاء عمَّن شاء.\nوخالف في ذلك المعطلة كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة (^٢) فنفوا حقيقة الغضب والرضى عن الله، وقالوا: إن إثبات هذه الصفات لله يستلزم التشبيه؛ لأنهم يفسرون الغضب: بأنه غليان دم القلب طلبا للانتقام، أو نحوه، ومن أجل ذلك نفوا حقيقة المحبة وحقيقة الرضا، وحقيقة الغضب والسخط والكراهة.\n_________\n(^١) البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).\n(^٢) التدمرية ص ١١٦، وشرح حديث النزول ص ١١٢، ومجموع الفتاوى ٥/ ٢٤٩.","vol":"1","page":353},{"text":"ثم منهم من فسر هذه الأمور بأشياء مخلوقة؛ ففسر المحبة والرضا بالنعم المخلوقة، وفسر الغضب والسخط والكراهة بالعقوبات التي ينزلها الله بالعصاة.\nومنهم من فسرها بالإرادة مثل الأشاعرة فسروا المحبة والرضا بإرادة الإنعام، والغضب والسخط والكراهة بإرادة الانتقام؛ لأن الإرادة مما يثبتونه من الصفات السبع.\nأما أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يثبتون هذه الصفات على حقيقتها لله تعالى على ما يليق به سبحانه، على الوجه الذي لا يماثل فيه صفات المخلوقين.\nومن الطوائف من أثبت الغضب والرضى لله تعالى، لكن قال: إنها صفات ذاتية قديمة لا تتعلق بها المشيئة كما ذهب إلى ذلك الكلابية، فقالوا: إنه تعالى يغضب ويرضى، لكن غضبه ورضاه لازمان لذاته؛ كحياته وعلمه، ولا يتعلقان بمشيئته.\nوهذا باطل؛ بل هو تعالى يغضب ويرضى بمشيئته، ولغضبه ورضاه أسباب يحدثها ﷾.\nوفي الحديثين السابقين: حديث الشفاعة: (إنَّ ربي غَضِب اليوم غضبا) رد عليهم؛ فهذا الحديث نص على أن هذا الغضب إنما كان في ذلك اليوم.\nوحديث أبي سعيد ﵁، وقول الله تعالى لأهل الجنة: (أُحِلُ عليكم رِضْواني فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا) دليل على أنه تعالى يحل رضوانه في ذلك الوقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخط، كما أنه تعالى يسخط ثم يرضى على من شاء من عباده.\nوينبغي أن يعلم أنه لا تلازم بين محبته ورضاه، أو غضبه وسخطه تعالى وبين مشيئته، فليس كل ما شاءه الله يكون محبوبا له كما تزعم الجبرية؛ فعندهم: أن كل ما شاءه فقد أحبه، وكل شيء يجري بمشيئة الله؛ إذًا فكل شيء محبوب له!","vol":"1","page":354},{"text":"وقابلهم القدريةُ نفاةُ القدر فقالوا: إن ما أحبه الله فقد شاءه، وما لا يحبه فلم يَشَأْهُ، فعندهم: أن كل ما أمر الله به من الإيمان والطاعة فقد شاءه، وكل ما نهى عنه وأبغضه من الكفر والمعاصي؛ فإنه لا يشاؤه.\nفسوت الطائفتين بين المشيئة والمحبة، فالجبرية أثبتوا المشيئة على حقيقتها وجعلوا المحبة لازمة له، والمعتزلة أثبتوا المحبة، وجعلوها بمعنى المشيئة.\nوأما أهل السنة والجماعة فقالوا: لا تلازم بين المحبة والمشيئة؛ فإن الله يشاء ما لا يحب، فما يقع في الوجود من الأمور المسخوطة كالكفر والمعاصي؛ فإنه واقع بمشيئته ﷾ وليست محبوبة له، وقد يحب سبحانه ما لا يشاء كالإيمان والطاعة ممن لم يوفقه لذلك، ولم يشأْه منه.\nفتجتمع المحبة والمشيئة: في إيمان المؤمنِ وطاعة المطيعِ، فإيمانُ المؤمن وطاعةُ المطيع اجتمع فيهما المشيئة والإرادة، فهي واقعة بمشيئته ﷾، وهي محبوبة له.\nوتنفرد المشيئة في كفر الكافر ومعصية العاصي، فهي واقعة بالمشيئة وليس ذلك محبوبا له تعالى.\nوتفرد الإرادة الشرعية في ما لم يقع من الإيمان والطاعة، كما تقدم ذلك مفصلا (^١).\n_________\n(^١) ص ٤٢.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>[منهج أهل السنة في الصحابة]</span>\nوقوله (ونحبُ أصحابَ رسولِ الله ﷺ، ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم، ولا نتبرأُ من أحد منهم، ونبغِضُ من يبغِضُهم، وبغيرِ الخيرِ يذكرُهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبُهم دينٌ وإيمان وإحسان، وبغضُهم كفرٌ ونفاق وطغيان).\nنحن أهل السنة نحب أصحاب رسول الله ﷺ، والصحابي هو: «من لقي النبي ﷺ مؤمنا به، ومات على الإسلام» (^١)، هذا هو أحسن ما ضبط به الصحابي. وعلى هذا فالصحابة متفاوتون في صحبتهم للنبي ﷺ، وأعظمهم حظا من هذه الصحبة هو أبو بكر الصديق ﵁، وهو الذي جاء النص في القرآن على صحبته «إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» [التوبة: ٤٠].\nوهذا الحب للصحابة هو ثمرة الإيمان بفضلهم، وأنهم خير الناس، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة في الدالة على فضلهم، يقول الله تعالى عنهم: «وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [التوبة: ١٠٠]، وقال ﷾: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ» [الأنفال: ٧٢] إلى قوله: «أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» [الأنفال: ٧٤]، ومن ذلك قوله ﷾: «لَقَدْ\n_________\n(^١) نخبة الفكر ص ١٤٨، والإصابة ١/ ١٥٨، وفتح المغيث ٤/ ٨.","vol":"1","page":356},{"text":"رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا» [الفتح: ١٨]، وقال تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا» [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة، ومن السنة ما جاء في الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم) (^١) وفي الحديث الآخر: (خيرُ أمتي القرن الذي بُعِثتُ فيه) (^٢) وهم أصحاب الرسول ﷺ، وقال ﷺ: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (^٣).\nومن ذلك قوله ﷺ: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) (^٤) ومن ذلك قوله ﷺ في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة) (^٥) وجاءت نصوص تدل على فضلِ أعيان منهم؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وثابت بن قيس بن شمَّاس (^٦)، وعكاشة بن محصن (^٧)، وغيرهم.\nفالأدلة على فضلهم منها ما هو عام في جنس الصحابة، ومنها ما هو أخص من ذلك، ومن الأدلة على فضلهم وتفاضلهم قوله ﷾: «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا» [الحديد: ١٠]، والمراد بالفتح: صلح الحديبية الذي عقده\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (٢٥٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) رواه البخاري (٣٦٧٣) - واللفظ له ـ، ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٤) رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\n(^٥) تقدم في ص ٢١٩.\n(^٦) تقدم في ص ٢١٩، تخريج الأحاديث الدالة على فضلهم.\n(^٧) رواه البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.","vol":"1","page":357},{"text":"الرسول ﷺ مع المشركين بمكة في السنة السادسة من الهجرة، سماه الله فتحا؛ لأن هذا الصلح صارت عاقبته خيرا للإسلام وأهله (^١).\nوفيها تصريح بنفي التساوي، «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ» ثم تصريح بالتفوق والفضل، «أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا» وهم من أسلم بعد صلح الحديبية، والذين أسلموا بعد الصلح وقبل فتح مكة أفضل ممن أسلم يوم فتح مكة، وهم المعروفون بالطلقاء.\nوأحسن ما قيل في بيان المراد بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين ذكرهم بقوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ» [التوبة: ١٠٠]: إنهم الذين أنفقوا وقاتلوا قبل صلح الحديبية، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم؛ وصلح الحديبية حد فاصل بين مرحلتين، ونوعين من المسلمين (^٢).\nوقيل: المراد بالسابقين هم من صلى إلى القبلتين (^٣)، وهذا قول ضعيف؛ لأنه لا دليل على تخصيص من صلى إلى القبلتين، ثم كل من صلى إلى القبلة المشروعة فقد أطاع الله، لكن من قال ذلك لاحظ أنَّ من صلى إلى القبلتين لابد أن يكون متقدم الإسلام.\nولكن هذا يخرج من مات قبل نسخ القبلة الأولى، وهو من السابقين قطعا، ويخرج من أسلم بعد نسخ استقبال بيت المقدس، ونسخ الاستقبال كان في السنة الثانية، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ بعدما هاجر «صلى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشر أو سبعةَ عشر شهرا» (^٤). فهذا لا يصلح ضابطا للسبق.\nوقد اختلف الناس في أصحاب الرسول ﷺ إلى ثلاث طوائف\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٣٩٣.\n(^٢) نسب شيخ الإسلام هذا القول إلى جمهور العلماء. منهاج السنة ٢/ ٢٦.\n(^٣) تفسير الطبري ١١/ ٦٣٨.\n(^٤) رواه البخاري (٤٤٨٦)، ومسلم (٥٢٥) من حديث البراء بن عازب ﵄.","vol":"1","page":358},{"text":"طرفان ووسط، فغلا فيهم أو في بعضهم قوم، وجفا فيهم آخرون، وتوسط فيهم أهل السنة والجماعة، فأهل السنة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج؛ فالخوارج والنواصب مع الروافض على طرفي نقيض، فالروافض يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ، ويسبونهم ويخصون أبا بكر وعمر بمزيد من السب، ويغلظون فيه، فيبغضون الصحابة عموما، ولا يستثنون منهم إلا القليل، وفي المقابل يغلون في أهل البيت، ولاسيما في علي وذريته من فاطمة ﵃، فمن الروافض من يكفر الصحابة، ومنهم من يفسقهم، فجمعوا بين ضلالتين: ظلاله العداوة والبغضاء لجمهور الصحابة، وظلاله التعصب والغلو في آل البيت.\nوأما الخوارج فضلالهم في أصحاب الرسول ﷺ حيث كفروا عليًا وعثمان وأصحاب الجمل وأهل التحكيم، فنصبوا العداوة لأفضلَ أهلِ بيتِ الرسولِ ﷺ عليِّ ﵁، وكذلك من تبعهم من النواصب الذين يؤذون أهل البيت ويسبونهم بدوافع سياسية.\nوأهل السنة والجماعة بين ذلك يحبون أصحاب الرسول ﷺ، ويتولونهم جميعا، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لكل فضله عموما وخصوصا، ويتبرؤون من ضلالة الروافض، والخوارج، والنواصب.\nفأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق في جميع مسائل الدين، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، فقال: «هم الوسط في فِرَق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم.\nفهم وسط في باب صفات الله ﷾، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة.\nوهم وسط في باب أفعال الله بين القدرية، والجبرية.\nوفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية: من القدرية وغيرهم.","vol":"1","page":359},{"text":"وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.\nوفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض وبين الخوارج» (^١).\nوالطحاوي ﵀ أتى بالعبارات المتضمنة لمعتقد ومنهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ، حيث قال: (ونحبُ أصحاب رسول الله ﷺ) وحب الصحابة ﵃، هو من الحب في الله، والحب في الله واجب لكل المسلمين؛ فكل من آمن بالله ورسوله تجب محبته على قدر ما يعرف به من الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وأحق الناس من ذلك الواجب هم أصحاب الرسول ﷺ؛ لما خصهم الله به من فضيلة صحبتهم للرسول ﷺ التي لا يشركهم فيها أحد ممن جاء بعدهم.\nوقوله: (ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم)\nالإفراط: الغلو وتجاوز الحد، والواجبُ الاعتدال والتوسط، بعدم الإفراط والتفريط، فكل انحراف؛ فإنه يعود إلى أحد الأمرين: إما انحراف بإفراط وتجاوز وغلو، أو تفريط وتقصير وجفاء، وكلهما انحراف عن الصراط، والحق ما وافق الصراط المستقيم.\nوقوله: (ولا نتبرأُ من أحد منهم)\nولا نتبرأ من أحد منهم كما تفعل الروافض أو الخوارج؛ بل نواليهم جميعا، وعند الرافضة مقولة: «لا ولاء إلا ببراء» فلا يكون الإنسان عندهم مواليا لأهل بيت الرسول إلا إذا تبرأ من أبي بكر وعمر، فعندهم أن من والى أبا بكر وعمر؛ فقد أبغض عليا، ومن أبغض عليا فهو ناصبي.\nنعم من أبغض عليا فهو ناصبي هذا صحيح، لكن زعمهم: أن من والى أبا بكر وعمر فقد أبغض عليا هذا عين الباطل؛ بل أهل السنة\n_________\n(^١) ص ١٧٧.","vol":"1","page":360},{"text":"يوالون الصحابة عموما، ويعرفون لهم فضلهم، وينزلونهم منازلهم، فلا يتبرؤون من أحد منهم.\nوالتبري يتضمن: التخلي عنهم، وكراهتهم ومعاداتهم.\nوقوله: (ونبغِضُ من يبغِضُهم).\nهذا تأكيد لقوله: (نحب أصحاب رسول الله، ولا نفرط في حب أحد منهم)، فلا نُفْرِط في حب أحد منهم خلافا للرافضة، ولا نبغض أحدا منهم خلافا للخوارج والروافض والنواصب؛ بل لا بد أن نبغض من يبغضهم، فيجب بغض الرافضة والخوارج لضلالاتهم وبدعهم وبغضهم أصحاب الرسول ﷺ.\nوقوله: (وبغير الخير يذكرهم)\nكما تفعل الرافضة؛ فإنهم يذكرون الصحابةَ بالسبِ والذم واللعن والتنقص وأنواع الطعن، وكما تفعل الخوراج بتكفيرهم.\nلكن أشقى الناس في هذا هم الرافضة، فهم شر طوائف الأمة على الإطلاق، فجمعوا إلى أصولهم الكفرية البدعية بعض أصول الطوائف الأخرى، فدخل عليهم مذهب الاعتزال فصاروا رافضة ومعتزلة في آن واحد، وهم الأصل في نشوء الغلو في القبور في هذه الأمة، فهم أصحاب بناء المشاهد والقباب على القبور على معظميهم ممن يعدونهم في أئمتهم أو في عظمائهم، فدينهم يقوم على الشرك، والغلو.\nوقوله: (ولا نذكرهم إلا بخير).\nفنذكرهم بصحبتهم للرسول ﷺ، وفضائلهم، وأعمالهم الصالحة، كالهجرة، والنصرة، ويدخل في ذلك الكف عن مساويهم، وما وقع بينهم مما هو من لوازم البشرية، سواء كان اختلافا جماعيا كما حصل في عهد علي ﵁، أو كان خلافا فرديا، كالذي حدث بين خالد بن الوليد ﵁ وبين عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقد كان بينهم شيء؛ فسبَّ خالدٌ","vol":"1","page":361},{"text":"عبدَ الرحمن، فقال النبي ﷺ لخالد: (لا تسبوا أصحابي) (^١) يريد النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف، وأمثاله من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد ممن أسلم بعد الفتح، أي: صلح الحديبية.\nفمن منهج أهل السنة والجماعة الإمساك عما جرى بين الصحابة، فلا يجعلونهم موضع كلام وقيل وقال، فإن هذا يوغر الصدور، ويسبب سوء ظن بالصحابة ﵃، واقرأ العبارات الحكيمة الدقيقة لشيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية في قوله: «ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب محمد ﷺ - إلى أن قال: - ويمسكون عمَّا شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها: ما هو كذب، ومنها: ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورن؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ: «إنهم خير القرون» (١)، «وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم» (١). ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابْتُلي ببلاء في الدنيا كُفِّر به عنه؛ فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين؛ فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا، فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم» (^٢) وهذا رصين جدير بالحفظ.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٣٥٧.\n(^٢) ص ٢٥٩ و٣٧٢ - ٢٧٣.","vol":"1","page":362},{"text":"وقوله: (وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).\nهذا تأكيد لما قاله أولا، فحب الصحابة من الدين، قال النبي ﷺ «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (^١)، فإذا كان هذا في الأنصار فالمهاجرون من باب أولى؛ لأنهم في جملتهم أفضل من الأنصار.\nفإذا كان الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، ومن أسباب ذوق طعم الإيمان وحلاوته، فمن أفضل وأكمل وأعظم ذلك هو حب الصحابة ﵃.\nوقوله: (حب الصحابة دين وإيمان) يَرِدُ على ما تقدم (^٢) من تفسيره للإيمان؛ لأن الحب عمل قلبي، فمن قال: الإيمان هو: تصديق القلب وإقرار اللسان، أو قال: هو تصديق القلب، أو قال: هو المعرفة، فموجب قوله: أن أعمال القلوب فضلا عن أعمال الجوارح لا تدخل في مسمى الإيمان، فهذا الكلام يعارض تعريفه للإيمان؛ إلا أن تكون هذه العبارة على وجه المجاز؛ فإن المرجئة يقولون: إطلاق اسم الإيمان على الأعمال كما في النصوص المصرحة بذلك من باب المجاز، كقوله ﷺ: (الإيمان بضع وستون شعبة) (^٣) وعلى كل حال فما قاله الطحاوي في شأن الصحابة كلام حق عظيم رصين، بيَّن فيه مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب الرسول ﷺ اعتقادا وعملا.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤) عن أنس ﵁.\n(^٢) ص ٢٢٧.\n(^٣) تقدم في ص ٢٢٧.","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>[الأحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ </span>-]\nوقوله: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا: لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهتدون)\nمن فروع ما يجب اعتقاده في أصحاب الرسول ﷺ هذه المسائل التي أردفها المؤلف لما قبلها، فذكر أولا: ما يجب لعموم الصحابة ﵃ من المحبة والاحترام وذكر المحاسن والكف عن المساوي إلخ، ثم قال: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا: لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁) هذا أيضا مما يقرروه، ويدين لله به أهل السنة: أنَّ الأحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، فيثبتونها له تفضيلا له وتقديما له على سائر الصحابة؛ فولايته للخلافة بعد رسول الله ﷺ كانت عن أهلية واستحقاق، وليس أثباتهم لها واقعا فقط، كما تقول الرافضة؛ فالرافضة يقولون: الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر واقعا، لكن عندهم أن خلافته بغير حق.\nفقول الطحاوي: (تفضيلا له) أي: هو الأحق بتولي الخلافة بعد رسول الله ﷺ؛ لأنه أفضل الأمة، كما دلت على ذلك الأحاديث في فضل أبي بكر ﵁.\nثم اختلف الناس في خلافة أبي بكر ﵁ بعد الرسول ﷺ، هل ثبتت بالنص أو بالاختيار؟","vol":"1","page":364},{"text":"فمن أهل السنة من قال: إنها ثبتت بالنص الجلي.\nومنهم من قال: إنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة.\nومنهم من قال: إنها ثبتت بالاختيارـ أي ـ: باتفاق الصحابة ﵁ (^١).\nوقد جاءت أدلة تدل على أن أبا بكر هو الأحق بالأمر بعد رسول الله ﷺ، من ذلك أنه ﷺ قال وهو في مرض موته ﷺ: «مُروا أبا بكر فليصلِ بالناس» (^٢) وكرره وأكده، وفعلا كان هو الإمام، ومات النبي ﷺ وهو الذي يصلي بهم، فتقديمه في إمامة الصلاة فيه التنبيه على أحقيته بالأمر من بعده؛ لأن هذا هو الأصل، فالرسول ﷺ كان هو إمام المسلمين عموما وخصوصا؛ فهو إمامهم في الصلاة، وهو إمامهم في تدبير أمورهم وولاية شؤونهم.\nومن ذلك أنه أراد في مرض موته أن يكتب لأبي بكر كتابا، فقال لعائشة ﵁: (لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون) (^٣).\nوفي الحديث الصحيح: «أن امرأة أتت النبي ﷺ فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ - كأنها تريد الموت - قال: إنْ لم تجديني فأتي أبا بكر» (^٤).\nوما ثبت في الصحيح: أنه ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلوٌ فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذَنُوبا أو ذَنُوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غَرْبا\n_________\n(^١) منهاج السنة ١/ ٤٨٦ - ٥٢٦.\n(^٢) رواه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨) من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) رواه البخاري (٥٦٦٦)، - واللفظ له - ومسلم (٢٣٨٧) من حديث عائشة ﵂.\n(^٤) رواه البخاري (٧٢٢٠)، ومسلم (٢٣٨٦) من حديث جبير بن مطعم ﵁.","vol":"1","page":365},{"text":"فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس يَنْزِع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعَطَنٍ) (^١). أي: سقى للناس، وهذا ما وقع في خلافته من استقرار الأمر، وانتشار الإسلام، وكثرة الفتوح.\nفتأولها أهل العلم (^٢) على أمر الولاية والخلافة من بعده ﷺ، فأبو بكر ولي الأمر بعد الرسول ﷺ مدة قصيرة سنتين وأشهر، وحصل في ولايته خير كثير ومن أعظم ذلك تثبيت أمر الإسلام ودولته، وقتال المرتدين، ورد كثيرا منهم إلى الإسلام.\nوأظهر الأقوال عندي فيما ثبت به أمر الخلافة هو أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة؛ إذ ليس هناك نص جلي يقول: الخليفة من بعدي هو أبو بكر، لكن هذه النصوص بمجموعها تدل دلالة بينة على أن أبا بكر هو الأحق بالأمر، وأنه الخليفة من بعده ﷺ، ثم وفق الله أصحاب رسول الله ﷺ لاختياره عندما اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وقال قائل منهم للمهاجرين: «منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فبايِعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال: عمر بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس» (^٣).\nولم يخالف في ذلك من يعتد بخلافه، فلا نزاع بين الصحابة في أن أبا بكر ﵁ أفضلهم، كما في حديث عمرو بن العاص ﵁، قلت يا رسول الله: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم مَن؟ قال: عمر فَعَدَّ رجالا) (^٤).\nفهو أحب الناس إلى الرسول ﷺ وأَمَنِّهم عليه في صحبته وماله،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٦٦٤)، ومسلم (٢٣٩٢) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) المنهاج ١٥/ ١٥٧، وفتح الباري ٧/ ٣٨.\n(^٣) رواه البخاري (٣٦٦٨) من حديث عائشة ﵂، وهذا اللفظ مختصر.\n(^٤) رواه البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤).","vol":"1","page":366},{"text":"فهو أحق بالأمر من بعده؛ فلذلك كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأحق بالأمر بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر.\nولشيخ الإسلام ﵀ في هذا الموضع جمع حسن، قال: «خلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله ﷺ له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه، اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا» (^١).\nوأما قول عمر ﵁: «إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ» (^٢).\nفقد حمل على أن الرسول ﷺ لم يستخلف بعهد مكتوب، ونص صريح كما تقدم.\nوأهل السنة يثبتون الخلافة بعد أبي بكر ﵁ لعمر ﵁، وهذا موضع اتفاق، وكانت خلافته بعهد من أبي بكر، فانتقل أمر ولاية المسلمين إلى عمر ﵁، ولم يكن هناك أي اختلاف، ولا ريب أن عمر ﵁ هو الأحق بالأمر من بعده، فهو قرينُه في النصوص الدالة على فضل أبي بكر ﵁، فقد كان رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» (^٣) وكذلك في حديث الرؤيا المتقدم (^٤).\nفأهل السنة يثبتون الخلافة لأبي بكر ثم عمر ولا ينازع في هذا إلا الرافضة، فالرافضة ينازعون في خلافة الخلفاء الثلاثة كلهم، وعندهم أن خلافتهم باطلة وظلم، واغتصاب للحق؛ لأنهم يزعمون أن الوصي\n_________\n(^١) منهاج السنة ١/ ٥٢٤.\n(^٢) رواه البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (١٨٢٣) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٣) رواه البخاري (٣٦٧٧)، ومسلم (٢٣٨٩) من حديث ابن عباس عن علي ﵃.\n(^٤) ص ٣٦٥.","vol":"1","page":367},{"text":"بعد رسول الله ﷺ هو علي ﵁، وأن الصحابة ﵃ ظلموه واغتصبوا حقه وجحدوا وصية الرسول ﷺ!\nولا نزاع بين أهل السنة في أن الأحق بالأمر بعد الرسول ﷺ الثلاثة على مراتبهم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ﵃، ثم علي ﵁ هو الأحق بالأمر بعد عثمان، فإن عمر ﵁ جعل الأمر شورى بين الستة الذين قال: «إن رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راض» (^١)، فبعدما تشاورا وشاور عبدُ الرحمن الناسَ قال: «لم أرهم يعدلون بعثمان، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون» (^٢)، فتم الأمر واستقرت الخلافة لعثمان من بعد عمر ﵄، وبعد الفتنة ومقتل عثمان لا أحد ينافس عليا ﵁ في الفضل، ولا أحد يدعي أنه أحق بالأمر منه.\nوأهل السنة والجماعة يرتبون الخلفاء في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، فيقولون: أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: «كنا نُخَيِّرُ بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃» (^٣).\nقال شيخ الإسلام ﵀: «بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي، بعد اتفاقهم على أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدَّم قومٌ عثمانَ، وسكتوا، أو ربَّعُوا بعلي، وقدَّم قومٌ عليا، وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يُضَلَّل المخالِف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يُضَلَّل المخالف فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٧٠٠)، ومسلم (٥٦٧).\n(^٢) رواه البخاري (٧٢٠٧) من حديث المِسْوَرِ بن مخرمة ﵄.\n(^٣) رواه البخاري (٣٦٥٥) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":368},{"text":"طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة؛ فهو أضل من حمار أهله» (^١).\nوجاء عن بعض السلف أنه قال: «من قدَّم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار» (^٢).\nأي: تنقصهم واستخف بعقولهم وسفه رأيهم؛ لأنهم أطبقوا على تولية عثمان، من طعن في خلافة عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، فهؤلاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون، وإذا أطلق الخلفاء الراشدون؛ فإنه ينصرف إليهم، فخلافتهم خلافة نبوة، وهذا لا ينفي أن يقال في بعض من ولي أمر المسلمين إنه خليفة راشد، كما قيل ذلك في عمر بن عبد العزيز ﵀.\nوعلي ﵁ وإن لم يتم له الأمر على جميع المسلمين فهذا لا ينفي اعتباره من الخلفاء الراشدين، ولا ينفي أن تكون خلافته خلافة نبوة، لكن لا ريب أن خلافته ليست كخلافة مَن قبله في أثرها على الإسلام والمسلمين، كما أن عثمان ﵁ دون عمر ﵁.\nولكن على كل حال هم الخلفاء الراشدون المهديون كما في الحديث المعروف أن النبي ﷺ قال: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعَضَّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) (^٣).\nواعتمد أهل العلم في اعتبار ما سنه الخلفاء على هذا الحديث.\nوقال ﷺ في أبي بكر وعمر: (اقتدوا بالذَيْنِ من بعدي أبي بكر وعمر) (^٤).\n_________\n(^١) الواسطية ص ٢٦٠.\n(^٢) روي هذا عن أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني ﵏. السنة للخلال ٢/ ٣٩٢، ومجموع الفتاوى ٤/ ٤٢٦ و٤٣٥ ومنهاج السنة ٢/ ٧٣.\n(^٣) تقدم تخريجه في ص ٢٧٣.\n(^٤) رواه أحمد ٥/ ٣٨٢، والترمذي (٣٦٦٢) - وقال: حسن ـ، وابن حبان (٦٩٠٢) والحاكم ٣/ ٧٥ من حديث حذيفة ﵁.","vol":"1","page":369},{"text":"فأمر ﷺ بالاقتداء بهما، واتباع سنة الخلفاء الراشدين، فكل ما سنُّوه مما لا يخالف ما جاء عن الرسول ﷺ؛ فإن على الأمة أن يتبعوهم في سنتهم، فهم أحرى بالصواب من غيرهم، حتى قال بعض أهل العلم: «إن إجماع الخلفاء الأربعة حجة» (^١)؛ لأنهم لا يكادون يجمعون على خطأ، ولا أذكر أنهم أجمعوا في مسألة وكان الصواب في خلافها.\n_________\n(^١) روضة الناظر ٢/ ٤٧٤، وأصول الفقه ٢/ ٤١٢.","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>[العشرة المبشرون بالجنة]</span>\nقوله: (وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ، وبشرهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ، وقوله الحق، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة الزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين).\nبعدما ذكر الطحاوي ﵀ اعتقاد أهل السنة والجماعة في الخلفاء الراشدين، وأنهم خير هذه الأمة وأفضلها، وهم في الفضل على مراتب على ترتيبهم في الخلافة، ويليهم في الفضل بقية العشرة؛ ولهذا أردف الطحاوي الكلام في الخلفاء الراشدين بذكر فضل بقية العشرة فيقول: إن العشرة المبشرين بالجنة الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالجنة نشهد لهم بشهادته ﷺ إيمانا وتصديقا له ﷺ، وأن ما أخبر به هو الحق، فقد ثبت من حديث سعيد بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عشرة في الجنة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وطلحة وعبد الرحمن وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد) (^١).\nوقد ورد لكل منهم فضيلة، بل فضائل، جاءت في الأحاديث كفضائل أبي بكر وعمر خاصة، وفضائل لعثمان ولعلي، والزبير، وهكذا، ومن ذلك ما أشار إليه الطحاوي من قوله: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة) ففي حديث حذيفة ﵁: «جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث لنا رجلا أمينا، فقال: لأبعثنَّ إليكم رجلا أمينا حَقُّ أمين،\n_________\n(^١) تقدم في ص ٢١٩.","vol":"1","page":371},{"text":"فاستشرف له الناس فبعث أبا عبيدة بن الجراح» (^١). فهذا يدل على فضيلةٍ له، وأن له تميزا في هذا الشأن، وإلا فالأمانة صفة كل مؤمن.\nوقد ثبت تبشير أبي بكر وعمر وعثمان بالجنة في غير هذا الحديث ففي حديث أبي موسى ﵁ في الصحيحين (كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ: افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ: افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر فأخبرته بما قال النبي ﷺ، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ، فحمد الله ثم قال: الله المستعان) (^٢).\nوقد وقع كما أخبر ﷺ فقد ابتلي عثمان بأهل الفتنة الذين ثاروا عليه، وطعنوا في ولايته، وحاصروه في داره حتى انتهى أمرهم إلى قتله.\nفهؤلاء العشرة ﵃ لهم فضيلة على سائر الصحابة، وأفضلهم الخلفاء وترتيبهم في الفضل حسب ترتيبهم في الخلافة، وأما بالنسبة للستة فلا يفضل بعضهم على بعض، هذا هو ظاهر هذه الأحاديث؛ لأن التفضيل موقوف على الدليل.\nوقد تقدمت هذه المسألة (^٣)، لكن هنا بمناسبة ذكر الخلفاء الراشدين وبقية العشرة، فهم من جملة من يشهد له بالجنة، وليست هذه الفضيلة مختصة بهم، بل شهد الرسول ﷺ لثابت بن قيس، والحسن والحسين، وعكاشة بن محصن؛ بل نشهد بالجنة لكل من شهد بيعة الرضوان؛ لقوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٣٨١)، ومسلم (٢٤٢٠).\n(^٢) رواه البخاري (٣٦٩٣)، ومسلم (٢٤٠٣).\n(^٣) تقدم في ص ٢١٩.","vol":"1","page":372},{"text":"الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ» [الفتح: ١٨]؛ ولقوله ﷺ: (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة) (^١).\nوالرافضة يبغضون العشرة إلا عليا ﵁، فهم يبغضون التسعة من العشرة، ومن حماقاتهم أنهم صاروا يكرهون رقم العشرة، ويتشاءمون به، ويتجنبونه مبالغة في بغض أولئك العشرة، مع أن العدد ليس متعلَقا لمدح ولا ذم، فقد يكون لمحمود ومذموم، وطرد هذا أن يبغض رقم تسعة بسبب التسعة الذين هم من قوم صالح «وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ» [النمل: ٤٨] أفيصح في عقل عاقل أن يهجر عدد التسعة، وأن يتشاءم به؛ من أجل أنه عدد أولئك الرهط؟!\nهذه جهالة وحماقة، وهذه الحماقة من الرافضة ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في أول منهاج أهل السنة، في معرض ذكر حماقات الرافضة وناقشها فقال: «بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع، كقوله تعالى في متعة الحج: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقال تعالى ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]» (^٢) إلخ كلامه.\n_________\n(^١) انظر تخريج هذه الأحاديث في ص ٢١٩ و٢٢٠ و٣٥٧.\n(^٢) ١/ ٤٠.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>[منهج أهل السنة في أزواج النبي ﷺ وأهل بيته]</span>\nوقوله ﵀: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرِّيَّاته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق).\nهذا تأكيد لما سبق من قوله: (ونحبُ أصحابَ رسولِ الله ﷺ، ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم، ولا نتبرأُ من أحد منهم، ونبغِضُ من يبغِضُهم، وبغيرِ الخيرِ يذكرُهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبُهم دينٌ وإيمان وإحسان، وبغضُهم كفرٌ ونفاق وطغيان) (^١) فإحسان القول في الصحابة يكون بذكرهم بفضائلهم، وبالترضي عنهم، وبمعرفة أقدارهم، وإحسان القول فيهم.\nوقوله: (وأزواجه) عطف الأزواج على الأصحاب من عطف الخاص على العام، فإن أزواج رسول الله ﷺ لهن من الصحبة ما ليس لغيرهن من نساء المؤمنين؛ للعلاقة الزوجية.\nوقوله: (الطاهرات) المنزهات البريئات من كل دنس يعيب شرفهن وفضلهن، وزوجات الرسول ﷺ يشمل كل من مات عنهن وهن تسع، ومن ماتت وهي في عصمته ﷺ، فهؤلاء كلهن أمهات المؤمنين، فمجموعهن إحدى عشرة: أولهن خديجة بنت خويلد وقد توفيت في حياته ﷺ بمكة قبل الهجرة، وزينب بنت خزيمة أم\n_________\n(^١) ص ٣٥٦.","vol":"1","page":374},{"text":"المساكين وقد توفيت في حياته ﷺ، وبقية التسع (^١) مات النبي ﷺ وهنَّ في عصمته.\nومما جاء في بيان فضلهن قوله ﷾: «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» [الأحزاب: ٦] ويحرم نكاحهن؛ لحق النبي ﷺ «وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا» [الأحزاب: ٥٣] فأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين في الحرمة والتحريم، ولسن أمهات المؤمنين في المحرمية (^٢).\nوقال تعالى: «يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا» [الأحزاب: ٣٠ - ٣٤].\nفنساء النبي ﷺ لهن من الفضل ما ليس لغيرهن؛ لعظم صلتهن وصحبتهن للنبي ﷺ، وأفضلهنَّ خديجة وعائشة فقد ثبت لهما من الفضائل ما ليس لسائر أمهات المؤمنين، فهن يشتركن في أنهن أزواج النبي ﷺ، وأنهن أمهات المؤمنين، ويشملهن هذا الثناء العطر: «لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ» [الأحزاب: ٣٢] فمن العلماء من قال: خديجة أفضل (^٣)؛ لأنها أول المؤمنات، بل قيل: إنها أول من آمن به ﷺ كما\n_________\n(^١) وهن: عائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وميمونة بنت الحارث وصفية بنت حيي وزينب بنت جحش وسودة بنت زمعة وجويرية بنت الحارث ﵅.\n(^٢) منهاج السنة ٤/ ٣٦٩.\n(^٣) فتح الباري ٧/ ١٣٩، ورجحه، وهو اختيار المؤلف في شرح الواسطية ص ٢٧١.","vol":"1","page":375},{"text":"جاء في قصة بدء الوحي (^١)، وثبت في الصحيح: «أن جبريل أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ) (^٢). وقال النبي ﷺ: «خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد» (^٣).\nوفضَّل بعض أهل العلم عائشة؛ لأنها عاصرت الدعوة ونزول الشرائع، وتلقت وحفظت من العلم الذي جاء به النبي ﷺ ما لم تدركه خديجة، وجاء في فضلها مثل قوله ﷺ لما قيل له: (من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة) (^٤) وجاء فيها الحديث الصحيح: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) (^٥).\nوجمع بعض أهل العلم بين القولين فقال: إن خديجة أفضل من وجه، فلها تأثير في أول الإسلام بنصر وتأييد النبي ﷺ ومواساته، ولها منه المنزلة العالية، وهي أم أكثر أولاده، وكان ﷺ يذكرها وينوه بها، حتى قالت عائشة ﵁: «ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلتُ له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد». (^٦) وعائشة أفضل من جهة حمل العلم وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة (^٧).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة ﵂.\n(^٢) رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) رواه البخاري (٣٤٣٢)، ومسلم (٢٤٣٠) من حديث علي ﵁.\n(^٤) تقدم في ص ٣٦٦.\n(^٥) رواه البخاري (٣٤١١) ومسلم (٢٤٣١) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(^٦) رواه البخاري (٣٨١٨) - واللفظ له - ومسلم (٢٤٣٥).\n(^٧) هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم. مجموع الفتاوى ٤/ ٣٩٣، وبدائع الفوائد ٣/ ١١٠٤ وجلاء الأفهام ص ٢٦٣.","vol":"1","page":376},{"text":"فهذا بعض ما يتعلق بزوجات النبي ﷺ، وهن مبرآت، وليس معنى ذلك أنهن معصومات، فليس أحد معصوم بعد النبي ﷺ.\nوقوله: (وذرِّيَّاته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق).\nذرية الرسول ﷺ هم: أولاده من صلبه وكلهم ماتوا في حياته ﷺ إلا فاطمة فُضْلى أولاد النبي ﷺ.\nولاشك أن ذريته ﷺ يصدق عليهم هذا الوصف وأنهم مبرؤون من الأرجاس والعيوب التي تدنس الأخلاق، ويدخل في هذا الاسم من ذرية النبي ﷺ أولاد فاطمة ﵁ وما تناسل منهم، فذرية الحسن والحسين كلهم من ذرية النبي ﷺ، قال الله تعالى في إبراهيم الخليل ﵇: «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦] كل هؤلاء الأنبياء الذين جاءوا متأخرين عدهم الله من ذرية إبراهيم ﵇.\nفهكذا ما تناسل من أولاد الحسن والحسين ﵄ كلهم من ذرية النبي ﷺ، وبهذا نحتاج إلى احتراز؛ لأن قول الطحاوي: (وذرِّيَّاته المقدسين من كل رجس) ليس على إطلاقه؛ لأن فيهم المحسن والمسيء، كما قال تعالى ﷾ في ذرية إبراهيم: «وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ» [الصافات: ١١٢ - ١١٣].\nوقال ﷾: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» [البقرة: ١٢٤] فمن ذرية إبراهيم المؤمن والكافر، فبنو إسرائيل كلهم من ذرية إبراهيم وكذلك ذرية","vol":"1","page":377},{"text":"إسماعيل هم من ذرية إبراهيم ومنهم المؤمن والكافر، والمحسن والمسيء.\nوهكذا ذرية محمد ﷺ وهم من تناسل من ذرية الحسن والحسين فيهم العلماء والصالحون، وفيهم من هو خلاف ذلك، فليس كل من كان من ذرية الحسن والحسين - وهم الذين يُسمَون بالأشراف - يكون مبرأً، فهذه عبارة لا تُسَلَّم بهذا الإطلاق، فيجب قصرها على ذرية الرسول ﷺ الأدنين ممن ثبت فضلهم، أما من بعدهم فهم كغيرهم من الناس معرضون، ومتنوعون.\nوقوله: (فقد بريء من النفاق).\nلأن بغض الصحابة والطعن فيهم، وفي أزواج النبي ﷺ ولا سيما عائشة، ورميها بما برأها الله منه؛ هو من شأن المنافقين، وقد حمل عبء الإفك رأس المنافقين عبد الله بن أُبي «إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ» [النور: ١١].\nوأشار الشارح ابن أبي العز (^١) إلى أن أصل الرفض الذي هو بغض الصحابة وتكفيرهم والغلو في علي ﵁ وذريته أسسه المنافقون، والمؤسس الأول لمذهب الرفض هو عبد الله بن سبأ اليهودي الذي بَذَرَ بذرت الفتنة بين الناس وألبهم على عثمان ﵁ حتى قتل، ثم سعى في فتنة أخرى وهي الغلو في علي ﵁.\nسبحان الله العظيم! في ذلك العصر الزاهي وقرب عهد النبوة ظهر هذا المذهب الكفري، وهو تأليه علي ﵁، فحرق علي ﵁ قوما أتوه فقالوا: أنت هو! فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت ربنا! فأمر بنار فأججت فألقوا فيها. وفيهم قال علي ﵁:\nلما رأيت الأمر أمرا منكرا … أججت ناري ودعوت قنبرا (^٢).\n_________\n(^١) ص ٧٣٨.\n(^٢) انظر: التنبيه والرد ص ٢٩، والفصل ٣/ ١٢٠، ومجموع الفتاوى ٣٥/ ١٨٥، ومنهاج السنة ١/ ٢٩، وأصل قصة التحريق في البخاري (٣٠١٧) عن ابن عباس ﵄، وانظر فتح الباري ٦/ ١٥١.","vol":"1","page":378},{"text":"وبقي هذا المذهب الملعون مذهب الرفض والغلو في علي ﵁ وأهل البيت، واسمهم الذي يتسمون به قديما وحديثا: الشيعة.\nوالشيعة يقسمهم العلماء ثلاثة أقسام إجمالية (^١)، وإلا فهم فرق كثيرة:\nالأولى: الغلاة، وهم طوائف منهم: السبأية والقرامطة، والإسماعيلية، والنصيرية.\nالثانية: الإمامية، ومنهم: الإثني عشرية، وهم كذلك طوائف.\nالثالثة: ويعرفون بالمفضلة.\nوهذه الأقسام الثلاثة كانت قد ظهرت في عهد علي ﵁، فالغلاة المؤلهون لعلي ﵁.\nوالطائفة الثانية: السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر، وكان رأسهم عبد الله بن سبأ، فلما بلغ عليا ذلك طلب قتله فهرب منه.\nوالثالثة: المفضلة الذين يفضلون عليا على أبي بكر وعمر لكنهم لا يسبونهما، وقد قال علي ﵁: (لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري) (^٢).\nوقد ذكر العلماء أن سبب تسمية الرافضة بهذا الاسم أن الشيعة الغلاة طلبوا من زيد بن علي بن الحسين أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فقال: كيف أتبرأ منهما وهما وزيرا جدي؟! فرفضوه فسموا: الرافضة (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٤٠٧، ومنهاج السنة ٣/ ٤٧٠.\n(^٢) رواه في السنة عبد الله بن أحمد ٢/ ٥٦٢، وابن أبي عاصم في السنة (١٢٩١)، والبيهقي في الاعتقاد ص ٥٠٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٤/ ٤٣٥، ومنهاج السنة ١/ ٣٥ و٢/ ٩٦، والبداية والنهاية ١٣/ ١٠٦.","vol":"1","page":379},{"text":"وزيد بن علي بن الحسين هو الذي تنتسب إليه فرقة الزيدية.\nوالرافضة الغلاة هم الذين تعرف طوائفهم بالباطنية؛ لأنهم يظهرون الإسلام، كما يقول بعض أهل العلم: (يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض) (^١) فحقيقة أمر الباطنية أنهم لا يؤمنون بالله، ولا بملائكته ولا رسله ولا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، ولا يؤمنون بالأنبياء ولا يؤمنون بفضل أحد، حتى لا يؤمنون ولا يعترفون بفضل علي ﵁؛ فإذا جحدوا وكفروا بالرسالات فهل يبقى شيء؟ فما يدعونه من موالاة علي وتعظيمه والغلو فيه كل هذا تضليل للسذج من الناس، وإلا فليس عندهم شيء من ذلك.\nولهذا نقل الشارح ابن أبي العز عن القاضي أبي بكر بن الطيب طريقة الباطنية في دعوتهم، أنهم «قالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لعلي، وقتلهم الحسين والتبري من تَيْم وعدي وبني أمية وبني العباس، وأن عليا يعلم الغيب! يُفوض إليه خلق العالم! … فإذا أنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا أوقفته على مثالب علي وولده» (^٢).\nلأن مهمة الباطنية هو إخراج المسلم عن ملة الإسلام، لكنهم يعمقون فيه مبدأ النفاق والتقية، ولهذا مذاهبهم وأقوالهم تكون أسرارا.\nوقد ذكر العلماء أقوالهم ومذاهبهم في كتب الملل والنحل، كـ «الملل والنحل» للشهرستاني (^٣)، وألف فيهم مؤلفون كالغزالي له كتاب:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٩/ ١٣٤ و١١/ ٥٨١.\n(^٢) ص ٧٤٠، وكذا نقله شيخ الإسلام في منهاج السنة ٨/ ٤٧٩.\n(^٣) ١/ ١٤٠.","vol":"1","page":380},{"text":"«فضائح الباطنية» (^١).\nوسموا بالباطنية؛ لأنهم يزعمون أن للنصوص وللشرائع معاني باطنة تخالف ظاهرها، فيجعلون للشرائع معاني باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، فيفسرون القرآن بمعاني باطنة، من ذلك قولهم: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ» [الرحمن: ١٩] أي: علي وفاطمة «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ» [الرحمن: ٢٢] أي: الحسن والحسين.\n«تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ» [المسد: ١] أبو بكر وعمر! فهذه من تفسيرات الباطنية.\nومن تأويلاتهم للشرائع قولهم: الصيام هو كتمان أسرار الباطنية، والصلاة هو معرفة تلك الأسرار، والحج هو السفر إلى طواغيتهم وشيوخهم (^٢).\nإذًا؛ الباطنية ملاحدة منافقون، وكفرهم أغلظ من كفر اليهود والنصارى (^٣).\n_________\n(^١) وهو مطبوع، وقد ذكر شيخ الإسلام جملة من الكتب التي ردت عليهم. مجموع الفتاوى ٩/ ١٣٤ و٢٧/ ١٧٤، ودرء التعارض ٥/ ٨، والرد على المنطقيين ص ١٨٤.\n(^٢) حكاه عنهم شيخ الإسلام في: مقدمة في أصول التفسير ص ٢٢٠، ورسالة في علم الظاهر والباطن ١٣/ ٢٣٠، ومنهاج السنة ٣/ ٤٠٤، والصفدية ص ٥١.\n(^٣) التدمرية ص ١٦٠.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>[احترام علماء الأمة من السلف ومن اقتفى أثرهم]</span>\nوقوله: (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين - أهل الخير (^١) والأثر، وأهل الفقه والنظر - لا يُذْكَرُون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل)\nأهل العلم من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أئمة الهدى يجب أن يعرف لهم قدرهم، ويجب أن يعاملوا بما تستوجبه منازلهم من العلم والدين، وذِكرُ الطحاوي حق العلماء في هذه الجملة مناسب جدا؛ فإنه ذكر ما يجب للصحابة ﵃، وأهل بيت الرسول ﷺ ثم أردف ذلك بذكر ما يجب لعلماء هذه الأمة من السلف من الصحابة، ومن جاء بعدهم، ولهذا قال: (ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر). أهل الخير: العمل الصالح، وأهل الآثار: الذين يقتفون آثار النبي ﷺ ويقتفون آثار من سلف قبلهم من أهل العلم والدين، وأهل الفقه والنظر فهم العلماء الفقهاء العباد الصلحاء.\nوالله تعالى قد نَوُّه بفضل العلماء في كتابه حيث قال: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ» [آل عمران: ١٨] أولوا العلم: أصحاب العلم الشرعي، وهم على مراتب، فيدخل فيهم الأنبياء، كما يدخل فيهم العلماء من أتباعهم، وقال ﷾: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» [المجادلة: ١١].\nفخص العلماء برفع الدرجات، وقال ﷾: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ\n_________\n(^١) رأيت في مخطوطة للمتن: «والخبر» وهو محتمل، لكن الشيخ مال إلى ما أثبت.","vol":"1","page":382},{"text":"عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» [فاطر: ٢٨] فخص وحصر خشيته بالعلماء - أي: العلماء بالله وشرعه - وكل دليل يدل على فضل العلم؛ هو دليل على فضل العلماء، وفي حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ الذي رواه الترمذي وغيره وفيه: «وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (^١).\nفالصحابة فيهم علماء، وفي التابعين وتابعيهم علماء، وهم حملة هذا الدين فإنه (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (^٢) فهم المبلغون عن الله دينه، والقائمون بأمره على مراتبهم في العلم والدين.\nوقد ضرب النبي ﷺ المثل للعلم والعلماء، كما في الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها طائفة طيبة قبِلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادِب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة\n_________\n(^١) رواه أحمد ٥/ ١٩٦، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣) وابن حبان (٨٨)، وقال الحافظ في الفتح ١/ ١٦٠: «أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء، وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده لكن له شواهد يتقوى بها» وانظر: العلل للدارقطني ٦/ ٢١٦، وتهذيب السنن للمنذري ٥/ ٢٤٣، والتلخيص الحبير ٥/ ٢٣٠٠، والمقاصد الحسنة (٧٠٣).\n(^٢) روي هذا مرفوعا عند العقيلي في الضعفاء ١/ ٩ و١٠، و٤/ ٢٥٦ وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/ ١٧، والطبراني في مسند الشاميين ١/ ٣٤٤، وابن عدي في الكامل ٢/ ٢٧٣، و٣/ ٤٥٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ٢٠٩، والخطيب في شرف أصحاب الحديث ص ٢٨ و٢٩ من مرسل إبراهيم العذري، ومن حديث عدد من الصحابة ﵃. ونقل الخطيب تصحيحه عن الإمام أحمد، ونقل السخاوي في فتح المغيث ٢/ ١٦٩ عن عدد من الأئمة تضعيفه.","vol":"1","page":383},{"text":"أخرى إنما هي قِيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به؛ فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) (^١).\nقال العلماء في شرح هذا الحديث: إن حملة العلم نوعان:\nعلماء نقل ورواية، وعلماء فقهاء، وليس المراد بالفقهاء أولئك المعنيون بأقوال من يتبعونه من الأئمة؛ فإن الغالب على هؤلاء التقليد؛ بل المراد الفقهاء الذين جمعوا بين معرفة النصوص والفقه والفهم والاستنباط. فقوله ﷺ: (فكان منها طائفة طيبة قبِلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير) هذا مثل للعلماء الفقهاء.\nوقوله: (وكان منها أجادب أمسكت الماء) هذا مثل حفاظ السنة.\nولهذا قال الرسول ﷺ عندما خطب بمنى: (فَلْيُبَلِّغْ الشاهدُ الغائِبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعى من سامِع) (^٢) ولهذا قال ﷺ: (فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به).\nأما من أعرض فمثله في قوله ﷺ: (طائفة أخرى إنما هي قِيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ) فلم تنتفع بهذا الغيث، ولهذا قال: (ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).\nفيجب على سائر الأمة أن يعرفوا لهؤلاء العلماء فضلهم؛ لأنهم حملة هذا الدين، والقائمون به، فتجب محبتهم لعلمهم ودينهم وإيمانهم، والحب في الله واجب لجميع المسلمين، لكن يجب إنزال كل أحد منزله، الصحابة لهم منزلة، وحبهم هو من الحب في الله، ولكن يجب لهم من المحبة والتقدير والذكر الجميل ما ليس لغيرهم، وهكذا العلماء يستوجبون من المحبة والإجلال والذكر الجميل والثناء العاطر ما لا يستحقه من دونهم، وأصل الحب في الله تابع لمحبة الله، فمن كان\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢).\n(^٢) رواه البخاري (١٧٤١)، - واللفظ له - ومسلم (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة ﵁.","vol":"1","page":384},{"text":"أقرب إلى الله وأقوم بدين الله، وأتقى لله كان له من المحبة والإكرام ما يليق بمقامه.\nوقد انقسم الناس في العلماء ثلاث أقسام:\nطرفان ووسط، فطائفة تغلوا في من تعظمه من العلماء؛ لأن لكل طائفة من المقلدين إماما ينتمون إليه، وهذا الغلو يتمثل بالتعصب لأقوالهم، وتقديمها على أقوال غيرهم؛ فالمتعصبون من المتمذهبين لا يعتبرون أقوال الأئمة الآخرين إنما يتمسكون بأقوال إمامهم الذي يقلدونه؛ بل ويَعْرِض نصوص الشرعية على قول إمامه فما وافقها قبله، وما خالفها تأوله، وتلمس له أنواع التفسير والتأويل؛ ليدفع معارضتها لقول الإمام، وهؤلاء مذمومون، ولهم شبه بمن قال الله فيهم: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» [التوبة: ٣١].\nولهذا عَقَدَ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بابا في كتاب «التوحيد» عنوانه: «باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله» (^١).\nويقابل هؤلاء: مَن لا يعرف للعلماء قدرهم، ولا يعتبر أقوالهم، ولا ينظر فيما استنبطوه من نصوص الكتاب والسنة؛ بل يجعل نفسه ندًا لهم؛ بل يتنقصهم فيما يخالف هواه ورأيه، ويطعن عليهم فيما اجتهدوا فيه واستنبطوه من النصوص، وهذا قد حُرِم من الانتفاع بهم؛ لأنه متبع لهواه متعصب لرأيه، وإنما يأخذ من أقوال العلماء ما وافق رأيه.\nمثلما يفعل الآخرون في النصوص حين يأخذون منها ما يوافق آراءهم ومذاهبهم، فتجد أحدهم يستدل بالآية أو الحديث حين يوافق المذهب الذي مشى عليه، وما جاء من النصوص معارضا لمذهبه ورأيه دَفَعَه بكل وسيلة؛ إما بالتكذيب أو الرد، وإما بالتحريف الذي يسمونه تأويلا، كما تفعل طوائف المبتدعة، فهذا منهجهم في النصوص، وهو\n_________\n(^١) ص ٧٢.","vol":"1","page":385},{"text":"منهج المتعصبين من أهل المذاهب بالنسبة لما خالف مذهبهم.\nفهذان فريقان على طرفي نقيض: المتعصبون للأئمة المقدمون لأقوالهم على كتاب الله وسنة رسوله، والمتنقصون المستخفون بأهل العلم من السلف الصالح ومن سار على منهجهم وطريقتهم، وبين ذلك القول الوسط، وهو الذي عبَّر عنه الإمام الطحاوي وقصد إليه، وهو الاعتراف بفضل العلماء، وإنزال كل منزلته، والانتفاع بعلومهم وفهومهم، فمن كان قاصرا عن فهم الأدلة؛ فليس له إلا أن يقلد من يثق بعلمه ودينه من أهل العلم.\nلكن الشأن في من يقدر على فهم النصوص؛ فهذا عليه أن ينتفع بفهم العلماء، ويرجع إلى أقوالهم، ولا يقصر نفسه على معين يقلده ولا يخرج عن أقواله ولا يلتفت إلى أقوال غيره، لا؛ بل عليه أن يستفيد من كل الأئمة، ويأخذ من أقوالهم ما تشهد له الأدلة من الكتاب والسنة، فأقوال الأئمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: ما دل عليه الدليل من الكتاب والسنة فهذا واجب الإتباع؛ لأنه يستند إلى الأصل الصحيح مهما كان قائله منهم.\nوالثاني: ما خالف الدليل فيجب تركه، وهذا ما أوصى به الأئمةُ المتْبُوعُون تلاميذهم (^١).\nوالثالث: أقوال لم تظهر مخالفتها للأدلة، ولا موافقتها لها، فهذه يقول فيها المحققون: إنها سائغة الإتباع، لا واجبة الإتباع ولا ممنوعة الإتباع؛ لأنها موضع اجتهاد.\nومما يجب اعتقاده أن هؤلاء العلماء ليسوا معصومين، فلهذا يصيبون تارة ويخطئون أخرى.\nولكن الأئمة المعروفون يجب اعتقاد أنهم لا يتعمدون مخالفة\n_________\n(^١) انظر: آداب الشافعي ومناقبه ص ٩٣، ومختصر المؤمل ص ٨٨، وإعلام الموقعين ٢/ ٢٠٠.","vol":"1","page":386},{"text":"الدليل حاشاهم من ذلك، ومن ظن ذلك فهو متجن عليهم ومسيء للظن بهم، فإذا ثبت عن أحدهم أنه خالف دليلا من كتاب أو سنة، فيجب الاعتذار عنه بما يمكن.\nوقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة صغيرة اسمها: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (^١)، وذكر أعذار العلماء في مخالفة بعضهم لبعض الأدلة، وأهمها: عدم بلوغ الدليل، فقد يخالف الدليل؛ لأنه لم يبلغه.\nأو بلغه من طريق ضعيف، فيعتقد أن النبي ﷺ لم يقله.\nأو بلغه وصح عنده لكنه لا يعتقد أن المراد به هذا الحكم؛ فيفهمه فهما قد يكون خلاف ما يقتضيه ظاهره، فيكون متأولا للحديث باجتهاد لا عن هوى.\nأو يعرض له ما يجعله يظن أنه منسوخ.\nفهذه أهم الأعذار التي يعتذر بها عن العلماء إذا خالف أحدهم دليلا من كتاب أو سنة.\nومعروف أن مخالفة الآية لا تكون إلا بتأول؛ لأن القرآن قطعي الثبوت.\nوقوله: (ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل)\nقال تعالى: «وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا» [النساء: ١١٥].\nفهذا وعيد لمن انحرف عن سبيل أهل العلم والدين، وهذه الآية قد استدل بها الشافعي على حجية الإجماع (^٢)، فمن عدل عن سبيل ما أجمع عليه المؤمنون؛ فإنه متوعد بهذا الوعيد.\n_________\n(^١) مطبوعة مفردة مرارا، وضمن مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢٣١ - ٢٩٠.\n(^٢) تقدم توثيقه في ص ٢٧٤.","vol":"1","page":387},{"text":"قال الشارح ابن أبي العز (^١) في معرض ثنائه على العلماء وأن الله: «جعلهم بمنزلة النجوم يهدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها إلا المسلمين؛ فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته».\nوهذه المقولة ليست مستقيمة عندي؛ فالأمم الماضية كبني إسرائيل فيهم العلماء المهديون المهتدون، قال تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» [السجدة: ٢٤]، «وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» [الأعراف: ١٥٩]، وكذلك بالعكس فهذه الأمة فيهم العلماء المهديون المهتدون المقتدى بهم الذين يصدق عليهم ما جاء من الثناء على أهل العلم وأنهم ورثة الأنبياء، وفيهم علماء السوء؛ مثل أئمة أهل البدع؛ فإنهم ليس لهم حظ من الثناء الذي جاء في الكتاب والسنة للعلماء، فهذه الأمة فيها فرق ضالة، فلو خص هذا بعلماء أهل السنة فنعم، أما على الإطلاق أن علماء المسلمين هم خيارهم فلا يصح، ولاشك أن العلماء المعنيون الذين اقتفوا آثار نبيهم وآثار أصحابه هم خير هذه الأمة بعد الصحابة ﵃.\nفينبغي أن نتواصى بتحصيل المزيد من علم الكتاب والسنة، ومهما بلغ الإنسان من التحصيل والعلم؛ فإنه لا يزال يطلب العلم والفائدة ويسأل العلماء، والعلماء يسأل بعضهم بعضا، ويرجع بعضهم لبعض كما كان يفعل الأئمة الكبار في صدر هذه الأمة.\nوينبغي للمسلم أن يكون متواضعا لا يأنف عن أن يستفيد ممن فوقه، أو مثله، أو دونه، فقد يجد الفائدة عند من هو دونه في العلم وفي\n_________\n(^١) ص ٧٤١، وهو منقول من كلام شيخ الإسلام في أول رسالته \"رفع الملام\" ص ٢٣٢، وذكر في الإيمان الكبير ص ٢٨٤: أن أصل الكلمة للشعبي ثم بَين سبب ذلك.","vol":"1","page":388},{"text":"السن، كما كان الأئمة يفعلون ذلك، فالحق والعلم ضالة المؤمن، فأين وجدها قبلها وأخذها.\nويجب التعويل في تحصيل العلم على الكتب الموثوقة، ككتب السلف الصالح، والعلماء المعروفين الموثوقين، فإن الكتب والمؤلفات كثيرة ومتنوعة، ودخلتها أفكار ومذاهب بدعية، فيجب على طالب العلم أن يكون عنده أصل يميز به بين النافع والضار والحق والباطل، فإن المذاهب البدعية دخلت في كثير من كتب التفسير وشروح الحديث، وفي سائر المصنفات.\nفينبغي لطالب العلم أن يجتهد ويتحرى الكتب الموثوقة، كتب الأئمة المشهورين بالعلم والدين والتحقيق والأصالة والسلفية، كما أن عليه أيضا أن يستفيد ويرجع إلى من يثق بعلمه ودينه، وبتحريه للحق، وطريق السلف الصالح.","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>[مرتبة الولاية دون النبوة]</span>\nقوله: (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نَبِيٌ واحدٌ أفضل من جميع الأولياء).\nهذا رد على ملاحدة الصوفية، ومنهم الاتحادية أصحاب وحدة الوجود الذين شيخهم الضال الملحد ابن عربي صاحب المقالات الكفرية في كتبه المشهورة المعروفة كـ «الفتوحات المكية» و«فصوص الحِكم» (^١)، فإن من ضلالاته التي تضمنتها كتبه قوله: إن الولي أفضل من النبي، وعنده أن المراتب ترتب هكذا: الولاية أعلاها، ودونها النبوة ودونها الرسالة، وذكروا عنه بيتا:\nمقام النبوة في برزخ * فويق الرسول ودون الولي (^٢).\nإذًا؛ أدنى هذا المراتب بزعمه الرسالة، وأعلاها الولاية، ومن أقواله الباطلة: إن النبوة ختمت - وهذا حق - والولاية لم تختم!\nصحيح أن الأولياء لا يزالون في هذه الأمة لكنه يزعم أنه هو خاتم الأولياء! وبناءً على ما تقدم من زعمه: أن الولي أفضل من النبي؛ فخاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء!\nما أعظمها من فرية! وما أجرأ هذا الملحد على الأقوال الباطلة المناقضة للشرع والعقل!\n_________\n(^١) طبعا مرارا حسبنا الله على من طبعها.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٢١، ومنهاج السنة ٥/ ٣٣٦، وذكر محققه الدكتور محمد ر شاد سالم أنه لم يجد هذا البيت في كتب ابن عربي ووجد في كتابه «لطائف الأسرار»:\nسماء النبوة في برزخ … دوين الولي وفوق الرسول.","vol":"1","page":390},{"text":"يزعم أن للأولياء خاتما، وليس للأولياء خاتم معين يقال: فلان هو خاتم الأولياء كما نقول: خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ﷺ، لكن خاتم الأولياء هو آخر من يخلقه الله من أوليائه، لكنه ليس معروفا على وجه التعيين.\nويزعم أنه تابع في الشرع الظاهر للنبي ﷺ وغير تابع له في العلم الباطن؛ فإنه بزعمه يأخذ من المعدن الذي يأخذه منه الملَك!\nوهل هناك معدن يأخذ منه؟! فإن عنده الوجود كله شيء واحد وعين واحدة، فوجود كل موجود هو عين رب الوجود سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والملحدون علوا كبيرا.\nوذكر الشارح ابن أبي العز «وقال ابن عربي في فصوصه: ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة فكان هو ﷺ موضع اللبنة، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية فيرى ما مثله النبي ﷺ ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين! ويرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين فيكمل الحائط! والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن! فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملَك الذي يوحى إليه إلى الرسول ﷺ قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه، فقد حصل لك العلم النافع!\nفمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسول المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل؟! تلك أمانيهم: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟» (^١).\n_________\n(^١) ص ٧٤٤.","vol":"1","page":391},{"text":"فلهذا يقول الطحاوي ﵀: (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نَبِيٌ واحدٌ أفضل من جميع الأولياء).\nوالنبي والولي والرسول بين هذه المراتب الثلاثة عموم وخصوص، فكلُ رسولٍ نبيٌ، وكلُ نبيٍ وليٌ، فالرسل هم أفضل الأنبياء، وهم جميعا أفضل الأولياء، وليس كل ولي نبيا، والله تعالى قد قال: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ» [يونس: ٦٢ - ٦٣] فهذا هو تعريف الولي: كل مؤمن تقي؛ فهو ولي - وأما تعريف النبي والرسول فقد تقدم (^١) ـ، وهذا وصف ينطبق على الأنبياء بما فيهم الرسل، وينطبق على الصديقين والشهداء والصالحين، وهذه الآية لا نقول: إنها في خصوص الولي الذي ليس بنبي، لا؛ بل هي عامة «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» [يونس: ٦٢] وأولى الناس بهذا الوصف هم النبيون والمرسلون.\nفالنبوة والرسالة تستلزم الولاية، ومطلق الولاية لا تستلزم النبوة والرسالة؛ لأنه ليس كل من يكون وليا لله يكون نبيا، فإذا قلنا: الولي: كل مؤمن تقي؛ فإن ذلك يعم الأنبياء والمرسلين وغيرهم، لكن إذا قلنا: الرسول والنبي والولي؛ فإنا نريد بالولي: كل مؤمن تقي سوى النبيين والمرسلين.\nإذًا؛ فالولي في عبارة الطحاوي: (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء) من غير الأنبياء.\nوتقدم (^٢) أن أولياء الله طبقتان: مقتصدون وسابقون، أو نقول: مقربون وأصحاب يمين، كما ذكر الله ذلك في مواضع من القرآن: «فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ\n_________\n(^١) ص ٨٧.\n(^٢) ص ٢٣٧.","vol":"1","page":392},{"text":"مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ» [الواقعة: ٨٨ - ٩١] وهكذا في أول السورة، وفي سورة الإنسان: «إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا» [الإنسان: ٥ - ٦]، وهكذا في سورة المطففين ذكر الله هذا التصنيف للأولياء: «إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ - إلى قوله ـ: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ» [المطففين: ٢٢ - ٢٨] (^١).\n_________\n(^١) انظر: طريق الهجرتين ١/ ٤٢٠.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>[منهج أهل السنة في كرامات الأولياء]</span>\nوقوله: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم).\nأي: أن أهل السنة يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة والأخبار من كرامات الأولياء، وما صح عن الثقات في ذلك من رواياتهم.\nوالكرامات: يراد بها الأمر الخارق للعادة، والله تعالى يكرم أولياؤه بأنواع الكرامات، ومن ذلك خوارق العادات، فيجري الله على يد من شاء من أوليائه بعض الأمور الخارقة للسنن الكونية، والعادة التي أجراها الله في هذا الوجود؛ فإن هذا الوجود يجري على السنن، وهذا بالنسبة لكرامات الأولياء، وكذلك بالنسبة لمعجزات الأنبياء حسب الاصطلاح المشهور.\nومعنى المعجزة في اللغة يعم كل خارق سواء كان على يد نبيٍّ أو على يد وليٍّ، فكل خارق؛ فهو معجز لمن لم يجره الله على يده، مما لا يدخل في قدرة العبد بحكم العادة.\nولكن خوارق الأنبياء وهي دلائل على نبوتهم ورسالاتهم اسمها الشرعي: البينات والآيات والبراهين، كما ذكر الله ذلك في كتابه في مواضع: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ» [الحديد: ٢٥]، ويقول تعالى في شأن موسى: «فِي تِسْعِ آيَاتٍ» [النمل: ١٢] «فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ» [القصص: ٣٢].\nولكن في اصطلاح المتكلمين خوارق الأنبياء يسمونها معجزات، حتى إن المعتزلة يقولون: إن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة، فقصروا","vol":"1","page":394},{"text":"ما تثبت به النبوة على المعجزة، وهي الأمر الخارق للعادات، ونتج عن قولهم ذلك - مع بطلانه وتقدم تفنيده (^١) - نفي كرامات الأولياء، فقالوا: لا يجوز خرق العادة إلا لنبي؛ لأنه لو خرقت العادة لغير نبي لالتبس على الناس أمر النبي بالولي، فلا يحصل التمييز.\nوأجيب عن هذه الشبهة: بأن الولي الذي تحصل على يديه الكرامة، وهي: الأمر الخارق للعادات لا يدعي النبوة إذ لو ادعى النبوة لم يكن وليا، ولم يكن ما جرى على يده كرامة؛ بل هو مَخْرَقة وفتنة.\nفلهذا كان من المسائل التي ينبه عليها أنها من مذهب أهل السنة: إثبات كرامات الأولياء، والمقصود: إثبات جنس الكرامات؛ لأنه ليس كل ما يذكر يكون ثابتا، ويجب التسليم به.\nفما يروى ويذكر من كرامات الأولياء منها ما هو ثابت في القرآن أو في السنة أو في أخبار صحيحة، ومنه ما يروى ولم تحقق صحته ولا كذبه؛ فهذا لا يلزم التصديق به، كما لا يجوز نفيه بغير حجة.\nومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما في قصة مريم وولادتها لعيسى ﵇؛ فإن ولادتها لعيسى بلا أب خارق للعادات.\nومن كرامات الأولياء التي في القرآن ما جاء في قصة أصحاب الكهف حيث بقوا في كهفهم مدة طويلة، قال تعالى: «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا» [الكهف: ٢٥] بقوا في كهفهم يقلبهم ربهم: «وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ» [الكهف: ١٨] وعاشوا هذه المدة الطويلة، بلا طعام ولا شراب، وبعد ذلك يستيقظون ويتحدثون ولم يشعروا بما جرى لهم «قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ» [الكهف: ١٩].\nوجماع صفات الكمال: الغنى والعلم والقدرة، ويستشهد لهذا بأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ ألا يدعي شيئا منها إلا ما أعطاه الله:\n_________\n(^١) ص ٨٨.","vol":"1","page":395},{"text":"«قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إلي» [الأنعام: ٥٠]، وهكذا قال نوح لقومه: «وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ» [هود: ٣١].\nفأول الرسل وآخرهم تبرءوا من دعوى هذه الأمور إلا ما أعطاهم الله منها، والمقصود من ذكر هذا المعنى: بيان أن خوارق العادات مدارها على هذه الثلاث: إما أن ترجع إلى القدرة والتأثير، أو العلم، أو الغنى.\nوتسمى الخوارق العلمية المتعلقة بالعلم: الخوارق الكشفية؛ لأن خرق العادة بعِلْمِ أمرٍ مستورٍ هو كشف لغائب.\nوهذه المعاني ترجع إلى كل الخوارق سواء كانت على يد أنبياء أو أولياء فمثلا: عصا موسى ترجع إلى القدرة والتأثير، وكذلك فلق البحر يرجع للقدرة والتأثير.\nما ذكر الله عن أصحاب الكهف يرجع إلى الغنى؛ لأن الله أغناهم عن الطعام والشراب تلك المدة الطويلة، وكلما يخبر به الأنبياء من أمور غائبة هو من الخوارق العلمية، وهكذا دلائل نبوة محمد ﷺ راجعة إلى هذه، فقد أخبر ﷺ بأمور مستقبلة غائبة لا تزال تظهر بين حين وآخر، فهي من أعلام نبوته ﷺ.\nوذكر شيخ الإسلام: أن «عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكونيات لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله؛ بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه» (^١)، لذا لا يستدل بعدم حصول كرامة على عدم الولاية، كما لا يستدل بحصول خارق على الولاية؛ بل ضابطها: الإيمان والتقوى، كما قال تعالى: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» [يونس: ٦٢].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٢٣.","vol":"1","page":396},{"text":"فإن الخوارق قد تجري في الظاهر على يدي الكهان والسحرة، وهي: مخاريق، وأكاذيب، ولهذا جاء عن بعض السلف أنه قال: «لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء؛ فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة» (^١).\nفلا تغتر بمن حصل له شيء من ذلك حتى تعرض حاله وعمله على الكتاب والسنة؛ فإن الشياطين قد تحمل أولياءهم حتى يظن أنه يسير في الماء أو يطير في الهوى، وإنما حمله الشيطان ووضع له ما يسير عليه في الماء.\nوالكرامة قد تكون لحاجة العبد، فيخرق الله العادة لحاجته، وقد تكون لإقامة الحجة، وكل كرامة وخارق للعادة على يدي ولي؛ فإنه دليل على نبوة مَن هذا الولي تابع لشريعته.\nمن خوارق العادات التي جرت على يد بعض الأنبياء - وتسمى: المعجزات - ما جرى لخليل الله إبراهيم ﵇ عندما ألقي في النار فصارت عليه بردا وسلاما، حين قال الله لها: «يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ» [الأنبياء: ٦٩] فهل استحالت النار وصارت روضة بحيث لو دخلها غيره لم تضره؟ لا؛ بل هي على إبراهيم ﵇ فقط.\nوهذا دليل على نبوته ﷺ، فخرق العادة لإبراهيم هو للحاجة والحجة، للحاجة؛ لأنه ألقي فيها، فهو محتاج إلى أن ينجيه الله من النار، فنجاه الله منها، «فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ» [العنكبوت: ٢٤] وللحجة؛ لأن هذا دليل على صدق نبوته حيث نجاه الله من النار.\n_________\n(^١) قاله أبو يزيد البسطامي. حلية الأولياء ١٠/ ٤٠، ونحوه عن الإمامين الليث بن سعد والشافعي كما في آداب الشافعي ومناقبه ص ١٨٤، وانظر: ومجموع الفتاوى ١١/ ٤٦٦، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١١/ ١٧٣.","vol":"1","page":397},{"text":"وقد يدعي بعض الدجاجلة أنه يدخل النار ولا تحرقه! وحدث هذا في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية فتحداهم في مناظرة كبيرة بحضور الأمراء والعلماء والعامة وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها: أي شيء فعلوه في النار؛ فأنا أصنع مثل ما تصنعون! ومَن احترق فهو مغلوب، وربما قلت: فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فسألني الأمراء والناس عن ذلك؟ فقلت: لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء: من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق» فبهتوا ولم يفعلوا، فقال الناس: «فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين» (^١).\nولعل هذا القدر مما يتعلق بالكرامات يكفي، وتقدم أنه: إنما يجب الإيمان بجنس الكرامات، ويجب الإيمان بما صح؛ مما جاء في القرآن أو جاء في السنة أو في أخبار صحيحة.\nوقد نقل الشارح ابن أبي العز في هذا الموضع (^٢) كلاما كثيرا، وكلامه قد غَرَفَه من بحر شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه شرح غالب العقيدة الطحاوية بكلام الإمامين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وشيء من كلام غيرهما ﵏ جميعا ـ.\n_________\n(^١) انظر أحداث القصة وتفصيلها في مجموع الفتاوى ١١/ ٤٤٥ - ٤٧٥.\n(^٢) ص ٧٤٢ - ٧٥٤.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>[أشراط الساعة الكبرى]</span>\nوقوله: (ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها).\nأشراط الساعة: علاماتها، قال ﷾: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا» [محمد: ١٨] أي: جاءت علاماتها، ومجيء أشراطها مؤذن باقترابها، والله تعالى قد نبه إلى قرب الساعة في مواضع من القرآن: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» [القمر: ١] «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا» [الأحزاب: ٦٣] «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ» [الأنبياء: ١].\nوأشراط الساعة كثيرة، أولها: مبعث محمد ﷺ، فإنه خاتم النبيين، وخَتْمُ النبوة مؤذن باقتراب نهاية الدنيا، وقد أخبر النبي ﷺ بأمور كثيرة مما يكون بعده، وأهل العلم يعدون كل ما أخبر به ﷺ مما يكون بعده من أشراط الساعة.\nومن ذلك ما جاء في حديث جبريل ﵇ حيث قال للنبي ﷺ: «أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل! قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: أنْ تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رِعاءَ الشاءِ يتطاولون في البنيان» (^١).\nفهذه بعض العلامات، وعلامات الساعة وأشراطها كثيرة، جاءت\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٠١.","vol":"1","page":399},{"text":"في عدد من الأحاديث من ذلك، حديث عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مَوْتان يأخذ فيكم كَقُعَاصِ الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» (^١).\nوقوله ﷺ: (كقعاص الغنم) هو مرض يهلك الدواب، والمراد: موت عام يهلك به خلق كثير، و(بني الأصفر) أي: الروم.\nوهذه العلامات منها ما وقع؛ كموته ﷺ، وفتح بيت المقدس، واستفاضة المال، ومنها ما لم يقع.\nوفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبا» (^٢).\nوفي حديث حذيفة بن أسيد ﵁ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات؛ فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك: نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (^٣).\nوهذه يسميها العلماء علامات الساعة الكبرى؛ لأن هذه الأحداث تكون قرب قيام الساعة، وقرب الساعة الذي ذكره الله ليس مقدرا بزمن،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١٧٦).\n(^٢) رواه مسلم (٢٩٤١).\n(^٣) رواه مسلم (٢٩٠١).","vol":"1","page":400},{"text":"ولا يمكن لأحد أن يتخيل قدره، فقد يخطر ببال الناس في حياة النبي ﷺ أو بعده: إن الساعة بعد مائة أو مائتين أو ثلاثمائة سنة، ولكن مضى الآن أربعة عشر قرنا من الزمن، ولا ندري ماذا بقي؛ فإن موعد قيام الساعة من الخمس التي استأثر الله بعلمها، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل: «ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً» [الأعراف: ١٨٧].\nونص الإمام الطحاوي على أربع من هذه العلامات العشر: الدجال، ونزول المسيح، طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض، وهذه العلامات منها ما ذكر في القرآن نصا أو إشارة، فأما خروج الدابة، فقد قال تعالى: «وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ» [النمل: ٨٢].\nوأما طلوع الشمس من مغربها فقد أشير إليها في قوله سبحانه: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا» [الأنعام: ١٥٨].\nوثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (^١).\nفهذا الحديث تفسير للبعض الذي في الآية وهو: طلوع الشمس من مغربها.\nوهكذا نزول المسيح فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٦٣٥)، ومسلم (١٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":401},{"text":"ونزوله عيسى ﵇ أشير إليه في القرآن، كما جاء في تفسير قوله تعالى: «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا» [الزخرف: ٦١] … (^١) وقرئ: (وإنه لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا) (^٢).\nأما الدجال فلم يأت له ذكر في القرآن، وإنما تواترت بالإخبار عنه سنة الرسول ﷺ (^٣).\nمنها أنَّ النبي ﷺ أنذر أمته المسيح الدجال فقال ﷺ: «ما بعث الله من نبيٍّ إلا أنذر قومه الأعور الكذاب، إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر» (^٤).\nومنها الدعاء الذي أرشدنا ﷺ لقوله في كل صلاة فقال: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» (^٥).\nوالإمام الطحاوي نص على هذه الأربعة؛ لأنها أمور عظيمة ومشتملة على خرق العادة.\nوبين نزول المسيح وخروج الدجال تناسب؛ لأنهما حدثان في زمن متقارب، والمسيحُ ابن مريم مسيحُ الهدى يقتلُ المسيحَ الدجال مسيحَ الضلالة.\nالمقصود: أن أهل السنة يؤمنون بهذه الأمور الخارقة للعادة، فطلوع الشمس من مغربها أمر خارق للعادة، فمنذ خلق الله الشمس\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٠/ ٦٣١، والجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٦٩، وابن كثير ٧/ ٢٣٦، وأضواء البيان ٧/ ٢٨٠.\n(^٢) هذه قراءة شاذة، رويت عن بعض الصحابة ﵃، وعن غيرهم كالأعمش. انظر: الجامع لأحكام القران ١٩/ ٧٠، والبحر المحيط ٨/ ٢٦، وإتحاف فضلاء البشر ص ٤٩٦.\n(^٣) نظم المتناثر ص ٢٤٠.\n(^٤) رواه البخاري (٧٤٠٨)، ومسلم (٢٩٣٣) من حديث أنس ﵁.\n(^٥) تقدم تخريجه في ص ٢٩٦.","vol":"1","page":402},{"text":"وأجراها وهي تأتي من المشرق وتذهب للمغرب، وفي طلوعها من المغرب خرق لهذه العادة، وهكذا خروج دابة الأرض التي تكلم الناس حدث عظيم وهو خارق للعادة، وخروج الدجال بما معه من خوارق حقيقية يجريها الله على يده فتنة وابتلاءً، ولهذا كانت فتنته أعظم فتنة، فقد صح أن النبي ﷺ قال عن الدجال إنه: «يأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت» وأنه «يمر بالخَرِبة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها» وأنه «يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَض، ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك» (^١).\nهذه كلها أحداث عظيمة، وأهل السنة يؤمنون بذلك كله تصديقا لخبر الصادق المَصْدُوق ﷺ، أما الذين يحكمون عقولهم؛ فإنهم يستبعدون ذلك كله؛ فإما أن يكذبوا به، أو يتأولوه بأنواع التأويل، وليس هذا من أهل الضلال بغريب.\nوالعلم بأن هذا من أشراط الساعة ينبني على العلم بما جاء عن النبي ﷺ، والعلم بالواقع، فقد يكون الإنسان قد عرف أن من أشراط الساعة كذا وكذا، ولكنه لم يعلم بوقوعه، فكم من أشراط الساعة وعلاماتها وأحداث الزمان مما حدث وكثير من الناس غافل عنه؟!\nفأشراط الساعة منها ما حدث وانقضى، ومنها ما سيحدث، ومنها ما حدث ويتكرر، ومنها العلامات الكبرى المذكورة في حديث حذيفة بن أسيد الذي تقدم (^٢).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢١٣٧) من حديث النواس بن سَمعان ﵄.\n(^٢) ص ٤٠٠.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>[وجوب الحذر من تصديق الكهان والعرافين ونحوهم من المخالفين]</span>\nوقوله: (ولا نصدق «كاهنا» ولا «عرافا» ولا من يدعي شيئا يخالف «الكتاب» و«السنة» و«إجماع الأمة»).\nأي: نحن أهل السنة المتبعون لمنهج السلف الصالح لا نصدق «كاهنا» ولا «عرافا» طاعة لله ورسوله؛ فإن الكهان والعرافين والمنجمين من أكذب الكذابين، قال تعالى: «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ» [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].\nوجاء في السنة التحذير من تصديق الكاهن والعراف، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (^١).\nوعن بعض أزواج النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عَرَّافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (^٢).\nوالعراف والكاهن معناهما متقارب، ومن العلماء من يفرق بين الكاهن والعراف، فيقول: «العراف: هو الذي يدعي معرفة الأمور\n_________\n(^١) رواه أحمد ٢/ ٤٢٩، وصححه الحاكم ١/ ٨ والذهبي في الكبائر ص ٣٢٩، والعراقي في الأمالي على المستدرك - كما في فيض القدير ٦/ ٣٠ - من حديث أبي هريرة ﵁، وله طرق وشواهد كثيرة، انظر: فتح الباري ١٠/ ٢١٧، وإرواء الغليل ٧/ ٦٨.\n(^٢) رواه مسلم (٢٢٣٠).","vol":"1","page":404},{"text":"بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق … ومعرفة مكان الضالة» (^١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعراف قد قيل: إنه اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق، ولو قيل: إنه في اللغة اسم لبعض هذه الأنواع؛ فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي» (^٢).\nإذًا؛ العراف أعم من الكاهن، فالكاهن عراف، والمنجم عراف، والرمال الذي يضرب بالحصى ويخط بالأرض عراف؛ لأن عراف صيغة مبالغة من المعرفة، فيكون عطف العراف على الكاهن في كلام الطحاوي من عطف العام على الخاص.\nفهؤلاء الكذابون لا يجوز سؤالهم مطلقا؛ فإن سؤالهم ينبئ عن الاعتراف بهم، ويجر إلى تصديقهم، وكيف يسألون وهم يدَّعون العلم بمغيبات، والله تعالى قد تفرد بعلم الغيب كما قال تعالى: «قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» [النمل: ٦٥].\nفالكهانُ والمنجمون والرمَّالون من المفسدين في الأرض، ومن أشرار الخلق الذين يضلون الناس بما يدَّعون، فيجب على ولاة الأمر أن يمنعوهم من إظهار منكرهم، وأن يضربوا على أيديهم عملا بقوله تعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» [آل عمران: ١٠٤] فلا يجوز إقرارهم، ويجب على المسلمين أن يحذروا من سؤالهم.\nوالمنجم هو الذي ينظر في النجوم ويستدل باجتماعها وافتراقها وبما يحدث عند طلوعها ويستدل بذلك على ما يحدث في الأرض؛ فمنهم من يفعل ذلك دجلا، ومنهم من يعتقد أن للنجوم تأثيرا فيما يحدث في الأرض من خير وشر، وما يحصل للأفراد من أحوال، فيضلون الناس ويوهمونهم،\n_________\n(^١) قاله البغوي في شرح السنة ١٢/ ١٨٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٧٣.","vol":"1","page":405},{"text":"بما عندهم من قواعد ومصطلحات: أنَّ من يولد في النجم الفلاني يحصل له كذا، من السعْد أوالنحس!\nوهذا تخرص وكذب؛ فالنجوم جعلها الله لثلاثة أشياء، كما قال قتادة ﵀: «خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به» (^١).\nوالتنجيم ضرب من السحر، كما في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ: «من اقتبسَ عِلمًا من النجومِ اقتبس شُعْبة من السحر زادَ ما زاد» (^٢).\nوأما الكاهن فهو الذي تخبره الشياطين بالأخبار، سواءً من أخبار الأرض التي يطلعون عليها، أو مما يسترقون من السمع، قال الله تعالى: «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ» [الملك: ٥] وقال تعالى: «وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ» [الحجر: ١٦ - ١٨].\nوفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا ﴿فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا﴾ للذي قال: ﴿الحق وهو العلي الكبير﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدَّد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهابُ قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال:\n_________\n(^١) رواه البخاري ٤/ ١٠٧ مُعلقًا بصيغة الجزم، والطبري في تفسيره ١٤/ ١٩٣.\n(^٢) رواه أحمد ١/ ٢٢٧، وأبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦)، وصححه النووي في رياض الصالحين (١٦٧١)، والعراقي في المغني ٤/ ١٨١.","vol":"1","page":406},{"text":"أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فَيُصَدَّقُ بتلك الكلمة التي سُمِعَت من السماء» (^١).\nوالمقصود: أن مما يجب على المسلمين الحذر من تصديق هؤلاء ومن إقرارهم على ما يدعونه؛ بل يجب الإنكار عليهم، ومنعهم وكف شرهم، ومنع ذهاب الناس إليهم، وقد كثروا في هذا العصر، لكنهم إنما يكثرون في المواضع التي يغلب فيها الجهل وضعف الدين، فإذا غلب الجهل على الناس وضعف دينهم كثرت الشرور، وراج الباطل على الناس كما هو الواقع.\nأما إذا ظهر العلم الشرعي وقوي سلطان الحق؛ اختفت هذه الشرور؛ لأن العلم يكشفها ويفضحها، وسلطان الحق يقمعها.\nوقوله: (ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة).\nأي: ونحن أهل السنة لا نصدق من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ بل كل من أدعى من يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يجب الرد والإنكار عليه، وهذا يتناول ما يدعيه المتصوفة من الأحوال والقدرة والكشوف والدعاوى العريضة، كدعوى بعضهم أنه يسعه التدين بغير هدي رسول الله ﷺ!\nوالإيمان بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ يستلزم رد كلما خالف ذلك، فلهذا قال الطحاوي: (ولا نصدق كاهنا ولا عرافا، ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٨٠٠).","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>[من منهج أهل السنة لزوم الجماعة والحذر من الفرقة]</span>\nوقوله: (ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفُرقة زيغا وعذابا).\nمن منهج أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، والحذر من التفرق في الدين؛ لأن الله تعالى أمر عباده بالاجتماع، ونهاهم عن الافتراق، قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾، وقال تعالى: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾.\nلهذا قال الطحاوي: (ونرى الجماعة حقا وصوابا) الجماعة؛ الاجتماع على الحق، نراه حقا وصوابا، ونرى أن الفُرقةَ شر وعذاب وزيغ عن الصراط؛ فإن الناس إذا تفرقوا تنافروا، وتعادَوا، وساءت أحوالهم الدينيةِ والدنيوية، وبغى بعضهم على بعض، وكما دل القرآن على ذلك، دلت سنة النبي ﷺ، فقد استفاضت الأحاديث في لزوم الجماعة، والتحذير من الفُرقة، ولكن قد أخبر النبي ﷺ بأن هذه الأمة ستفترق، فالفرقة واقعة؛ وإخباره بوقوع الشيء لا يدل على أنه صواب؛ بل هو ﷺ يخبر به إخبار المحذِّر، ولهذا قال ﷺ: «إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا","vol":"1","page":408},{"text":"عليه اليوم، وأصحابي» (^١) وفي لفظ: «وهي الجماعة» (١).\nفنبه النبي ﷺ إلى أن سائر الفِرق متعرضة للعذاب، وأن الناجي فرقةٌ واحدة، ولهذا عُرف أهل السنة بـ «الفِرقة الناجية» أخذا من هذا الحديث.\nفيجب على أهل السنة أن يحذروا من مشابهة أهل البدع الذين خالفوا الكتاب، وتفرقوا في دينهم، وابتدعوا ما لم يشرع الله من البدع الاعتقادية أو العملية.\nفالخير في الاجتماع على الحق، والشر في التفرق في الدين؛ لأن التفرق اتباع للهوى، ولهذا يعرف أهل البدع بأهل الأهواء؛ لأن كل فرقة متبعة لهواها الذي أصَّله شيوخها ومتبوعوها، فكل فرقة لها إمام تقلِّدُه دينَها.\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «أن الاختلاف الواقع بين الناس نوعان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد؛ فاختلاف التنوع في الحقيقة ليس من الاختلاف، ولهذا اسمه تنوع.\nولكن المختلفين اختلاف تنوع إنما يُؤتَوْن من بغي بعضهم على بعض، والواجب في المختلفين اختلاف التنوع، أن يُقِرَّ بعضهم بعضا؛ كالاختلاف في القراءات، وأنواع الأذان، والاستفتاحات والتشهدات، وما أشبه ذلك؛ لأنهم مصيبون جميعا.\nوأما اختلاف التضاد، فقد يكون الصواب في أحد الجانبين، وقد يكونون جميعا على الباطل، كاختلاف ملل الكفر، وأهل البدع، فكلهم مخطئ، كما قال سبحانه: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾، فالمختلفون اختلاف تضاد قد يكونون مذمومين كلهم، كاختلاف أهل الباطل في باطلهم، وقد يكون أحد المختلفين محمودا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٢٧٤.","vol":"1","page":409},{"text":"والآخر مذموما، كالاختلاف بين المخطئ والمصيب، كما قال ﷾: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن، ومنهم من كفر﴾، فالاختلاف بين المؤمنين والكفار اختلاف تضاد، والحق والصواب في جانب المؤمنين.\nوأما اختلاف التضاد الذي يكون بين علماء الأمة؛ فالحق أن المصيب من المجتهدين واحد، لكن المخطئ مأجور على اجتهاده كما في الحديث المشهور عن النبي ﷺ: «إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر» (^١)، فكلهم محمود؛ المصيب منهم والمخطئ؛ لأنهم مجتهدون، طالبون للحق، محمودون على اجتهادهم، ولكنَّ الله تعالى يوفق من شاء للصواب، كما ذكر الله ﷾ عن النبيين داود وسليمان ﵉ فقال: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان، وكلًا آتينا حكمًا وعلمًا﴾، فشهد لهما جميعا، بالحكم والعلم» (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص ﵁.\n(^٢) ملخص من كلام شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٤٩ - ١٥٥.","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>[وسطية دين الإسلام]</span>\nوقوله: (ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وقال تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس).\nحقيقة دين الإسلام: عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته ﷾، وهذه الحقيقة يدين بها أهل السماوات من ملائكة الله، وهي: دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، فدين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هو الإسلام، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ أي: الدين المرضيّ، المعتبر في حكمه ﷾ هو الإسلام، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾، وهذه ليست خاصة بما جاء به محمد ﷺ؛ بل هذا عام في الأولين والآخرين؛ من ابتغى غير دين الإسلام فلن يقبل منه.\nوقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾. وقوله ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلَّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (^١).\nفنوح ﵇ جاء بالإسلام؛ لأنه جاء يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر الله عنه أنه قال لقومه: ﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":411},{"text":"[هود: ٢٦]، ﴿أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ [نوح: ٣]، ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ [يونس: ٧٢]، وهكذا من جاء بعده من الرسل، كإبراهيم ويعقوب قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ويوسف ﵇ قال: ﴿توفني مسلما﴾، وموسى ﵇ قال: ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾، والسحرة لما آمنوا ﴿قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين﴾، وهكذا الحواريون أتباع المسيح ﴿قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾.\nفالإسلام دين الله، لكن يجب أن يعلم أنه بعد أن بعث الله محمدا ﷺ صار الإسلام هو ما جاء به، وكل من لم يؤمن بشريعة محمد ﷺ ويلتزم بمتابعته؛ فليس على الإسلام مهما تدين، حتى ولو لم يشرك.\nفاليهود، والنصارى وإن انتسبوا إلى الأنبياء، وإلى التوراة، والإنجيل، فليسو بمسلمين؛ لأنهم جمعوا بين أنواع من الكفر، والشرك؛ وانضاف إلى ذلك كفرهم برسالة محمد ﷺ؛ فالنصارى يقوم دينهم الباطل على الشرك، قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار * لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾.\nواليهود كفروا بما ارتكبوا من العظائم؛ كتحريف كتب الله، والتلاعب بدينه، وقتل الأنبياء، وقد ذكر الله بعض قبائحهم، قال تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا * وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾. الآيات.\nولهذا جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده","vol":"1","page":412},{"text":"لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (^١).\nومن يقول: إن اليهود والنصارى على دين صحيح؛ فإنه كافر؛ لأن ذلك يناقض ما وصفهم الله به، وأخبر عنهم، وهذه قضية ينبغي التنبه لها؛ لأنه قد اشتهر في هذا العصر الدعوة إلى وحدة الأديان، واعتقاد أن اليهود والنصارى والمسلمين كلهم على دين صحيح!\nودين الإسلام توسط واعتدال، بين الغلو والتقصير. والغلو: مجاوزة الحد. والتقصير: هو نقص فيما يجب القيام به. فهذان مدخلان للشيطان على الإنسان، فالشيطان؛ إما أن يحمل الإنسان على الغلو في الدين؛ فيقع في التجاوز؛ فيبتدع في الدين ما لم يأذن به الله.\nأو يحمله على التقصير بترك واجب، أو فعل محرم.\nوالواجب الوقوف عند حدود الله، قال تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ أي: بالتجاوز وهو الغلو.\nوقال سبحانه: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ وهي: المحرمات؛ فقربانها تقصير، وقد يجتمع في الشخص الغلو والإفراط في جانب والتفريط والتقصير في جانب آخر؛ فيجمع بين الغلو والتقصير.\nوهذا كثير في الأفراد والطوائف، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال ﷾: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ فتحريم الحلال من الابتداع والتنطع والغلو في الدين، ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ وهذا تقصير.\nوقد أنكر النبي ﷺ على الذين أرادوا أن يتبتلوا، وأن ينقطعوا للعبادة حين: «سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ٩٢.","vol":"1","page":413},{"text":"على فراش! فحمد الله وأثنى عليه، فقال: ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (^١).\nوالغلو يجري في مسائل الدين كلها: الاعتقادية والعملية.\nوقوله: (بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس) عطفُ هذه المتقابلات من قبيل عطف الخاص على العام؛ فإن التشبيه والتعطيل يندرجان في الغلو والتقصير؛ فالتشبيه غلو في إثبات الصفات، فالمشبهة يقول أحدهم: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي! فيشبه الله بخلقه، ويشبه صفاته بصفات خلقه.\nويقابل التشبيه التعطيل، والتعطيل نفي الصفات، ونفيها تقصير فيما يجب إثباته لله تعالى؛ فإنه تعالى أوجب على عباده الإيمان بما أخبر به عن نفسه من أسمائه وصفاته، قال تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير).\nوالتشبيه والتعطيل كلاهما يتضمن الغلو والتقصير؛ فالتشبيه غلو في الإثبات وتقصير في التنزيه، والتعطيل غلو في التنزيه، وتقصير في الإثبات، فالمعطلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الرب تعالى زاعمين أنهم قالوا ذلك تنزيها لله عن مشابهة المخلوقات، فجمعوا بين التعطيل والتشبيه وبين الإفراط والتفريط.\nوأهل السنة وسط في باب أسماء الله وصفاته بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، ومذهبهم هو دين الإسلام في هذا الباب.\nوقوله: (وبين الجبر والقدر)\nالجبر هو مذهب الجهمية، ومن وافقهم، وحقيقته: أن العبد ـ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤٥)، ومسلم (١٤٠١) - واللفظ له - من أنس ﵁.","vol":"1","page":414},{"text":"عندهم - مجبور على أفعاله، وأنه يتصرف بغير مشيئة ولا اختيار ولا قدرة؛ كحركة الريش في مهب الريح، وحركة المرتعش، وحركة الأشجار.\nويقابله القول بالقدر، وهو مذهب المعتزلة القدرية، ويسمون: القدرية، كما أن الجبرية يقال لهم: قدرية أيضا، لكن هذا الاسم أشهر في القدرية النفاة الذين ينفون عموم مشيئة الله، وعموم خلقه؛ فيخرجون أفعال العباد عن أن تكون مخلوقة لله وواقعة بمشيئته وقدرته.\nوالجبرية يسلبون العبد فاعليته وقدرته ومشيئته، والقدرية النفاة يقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعله بمحض قدرته ومشيئته، ولا أثر ولا تأثير لمشيئة الله في أفعالهم.\nفالجبرية غلو في إثبات القدر وإثبات فاعلية الله، وقصروا في إثبات فعل العبد وفاعليته واختياره حيث سلبوا العبد قدرته ومشيئته واختياره وفاعليته.\nوالقدرية غلو في إثبات فاعلية العبد حتى قالوا: إنه هو الذي يخلق فعله بمحض مشيئته وقدرته، وقصروا في إثبات ربوبيته تعالى حيث نفوا تعلق مشيئة الله وقدرته وخلقه بأفعال العباد، فأخرجوا كل أفعال العباد من أقوال وحركات سواء كانت محمودة أو مذمومة عن مشيئة الله وخلقه وقدرته وملكه!\nوقد تقدم ذكر بعض شبهات هذين المذهبين ومناقشتهما والرد عليهما، وهذه الكلمات جاءت أخيرا في كلام الطحاوي كالتلخيص لبعض ما تقدم (^١).\nوالقول بالجبر مغالطة وإنكار، وهنا بهذه المناسبة يسأل بعض الناس ويقول: هل الإنسان مخير أو مسير؟ فنقول: لا يصح إطلاق أحد الكلمتين؛ لأن كلا منهما يحتمل حقا وباطلا؛ فإن أردت أن الإنسان\n_________\n(^١) في مواضع ص ٧٧ و٣٢٥ و٣٢٩.","vol":"1","page":415},{"text":"مخير، أي: له اختيار ومشيئة؛ فيقوم ويقعد ويتكلم بمشيئة، فهذا حق.\nوإن أردت أنه مخير، أي: أن له مشيئة وقدرة لا ترتبط بمشيئة الله، فهذا باطل، قال تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) أو أراد أن له الحرية المطلقة في أفعاله؛ فهو مخير بين الفعل والترك، كما يفهمه بعض الغالطين من قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فإن هذا ليس تخييرا؛ بل هذا أسلوب تهديد ووعيد شديد، ولذا قال تعالى بعدها: (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها).\nوهكذا قول القائل هل العبد مسير؟ نقول: إذا كنت تريد أنه مسير، أي: أنه لا اختيار له ولا مشيئة فهذا باطل، وهذا هو الجبر. وإن أردت أنه مسير، أي: أن أفعاله تسير على وفق قدر الله ومشيئته، وأنه ميسر لما خلق له، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «اعملوا فكل ميسر» (^١). فهذا حق.\nوالخلاصة: أن الكلمتين لم تردا في النصوص ولا يصح إطلاقهما نفيا ولا إثباتا لما فيهما من احتمال الحق والباطل (^٢).\nوقوله: (وبين الأمن والإياس).\nدين الإسلام وسط في باب الوعد والوعيد، بين الأمن والإياس، والله قد وصف عباده وأولياءه بالخوف والرجاء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] فالوسطية ما دلت عليه هذه\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٦٣.\n(^٢) انظر ص ١٦٥.","vol":"1","page":416},{"text":"الآيات، فلا أمن ولا إياس، والأمن واليأس من كبائر الذنوب، قال ﷾: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] وقال ﷾: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] وقال ﷾: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]\nفالأمن هو سبيل المرجئة الغلاة، والإياس سبيل الوعيدية الذين يُقَنِّطُون مرتكب الكبيرة من دخول الجنة فيقولون: بوجوب إنفاذ الوعيد، وأنه لا يجوز أن يغفر الله لأهل الكبائر؛ بل لا بد أن يعذبهم، وإذا دخلوا النار فلن يخرجوا منها، وهذا يتضمن تيئيس الموحدين من أهل الكبائر.\nفدين الله (بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس) وهو صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، أما سائر الطرق والسبل؛ فإنها منحرفة إلى الطرف، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nومذهب أهل السنة والجماعة وسط في كل مسائل الدين.","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>[براءة أهل السنة من المذاهب المبتدعة]</span>\nوقوله: (فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه. ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، مثل: المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم، من الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق).\nختم الطحاوي بهذه الكلمات ما أثبته من مسائل اعتقاد أهل السنة والجماعة، وقوله: (فهذا) إشارة إلى كل ما ذكره من المسائل المتعلقة بأصول الإيمان، من مسائل التوحيد والرسالة، والمسائل المتعلقة بالقرآن وبالإيمان وبالصحابة وغير ذلك.\nفهذا ديننا واعتقادنا الذي ندين لله به، ونخضع لله به، ونعبد الله به، كما قال في الأول: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له) إلخ.\nوقوله: (ظاهرا وباطنا)\nأي: نقر به بألسنتنا، ونصدقه بأفعالنا، ونعتقده بقلوبنا، وإنما ينفع الإيمان والدين إذا تطابق الظاهر والباطن، فدين الإسلام يتعلق بالباطن: اعتقادا وعملا؛ فالاعتقاد: التصديق واليقين. والعمل: الخوف والرجاء والتوكل والحب والبغض.\nويتعلق بالجوارح؛ باللسانِ إقرارًا، وبالجوارحِ فعلا للمأمورات،","vol":"1","page":418},{"text":"وتركا للمنهيات، مما يُصَدِّق ما يقوله العبد بلسانه، ولهذا قال: (هذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا).\nوقوله: (ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه)\nأي: ونحن نبرأ إلى الله ونعادي وننابذ ونباعد كل من خالف ما تقدم ذِكره وتقريره؛ لأنه مستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ويعني: البراءة من طوائف المبتدعين الذين خالفوا الكتاب والسنة، وقد أوضح ذلك ببيان البراءة من المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، فهؤلاء هم الذين يعنيهم بقوله: (ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه) لأنها مذاهب مبتدعة رديئة مفتراة، ومخالفة لما جاء في كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله ﷺ.\nوقوله: (ونسأل الله أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به)\nوهذا ختم للكلام بالدعاء بالثبات على الإسلام، وهو أمر مهم، فنسأل الله أن يثبتنا على الإسلام والإيمان والاعتقاد الحق، والعبد فقير إلى تثبيت ربه وهدايته وعصمته حتى يلقاه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ومن دعاء الأنبياء والصالحين: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] ومن دعائه ﷺ «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (^١). فالدعاء بالثبات على الإسلام حتى الممات من أنفع وأهم وأحوج ما يكون للعبد.\nوقوله: (ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية)\nالاستقامة على الصراط إنما تكون بعصمة الله وهدايته، ولذا أمرنا أن نقول في كل صلاة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في ص ١٦٦.","vol":"1","page":419},{"text":"عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] (^١). فالعبد فقير إلى أن يعصمه ربه من هذه الضلالات، يقول ابن القيم - لما ذكر مذاهب المبتدعين ـ:\nلَو شَاءَ رَبُّكَ كُنتَ أيضًا مِثلَهُم … فَالقَلبُ بَينَ أصابِعِ الرَّحمَنِ (^٢)\nفمن عافاه الله مما عليه أهل الضلال؛ كالمشركين والرافضة والجهمية والصوفية والقدرية؛ فليعلم أن ذلك بتوفيق من الله لا بحوله ولا بقوته، وعلى المسلم أن يلهج دائما بسؤال العصمة والوقاية من طرائق المضلين من أصحاب الأهواء والمناهج المنحرفة عن هدى الله؛ فإن هذه المذاهب الردية متناقضة مختلفة ومضطربة وأهلها متبعون لأهوائهم ومتفرقون، كل حزب بما لديهم فرحون.\nوقوله: (مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم)\nهذه أسماء أبرز الطوائف المنحرفة في مسائل الاعتقاد؛ فالجهمية وإمامهم جهم بن صفوان، قد جمعوا بين ثلاث بدع كبرى: التعطيل في باب الأسماء الصفات، والجبر في باب أفعال العباد والقدر، والإرجاء في باب الإيمان (^٣).\nوالمعتزلة على النقيض من الجهمية في باب القدر، وباب الإيمان، وهم قريبون منهم في باب الأسماء والصفات؛ فالمعتزلة يثبتون الأسماء وينفون ما تدل عليه من الصفات، ولهم أصول خمسة:\n١ - التوحيد، ويقصدون به: نفي الصفات فعندهم إثبات الصفات تشبيه وتجسيم وشرك، ونفي الصفات هو التوحيد.\n_________\n(^١) عن عبادة بن الصامت ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» رواه البخاري (٧٥٦) ومسلم (٣٩٤).\n(^٢) الكافية الشافية ص ٣١.\n(^٣) مقالات الإسلاميين ص ٢٧٩ والملل والنحل ١/ ٦١.","vol":"1","page":420},{"text":"٢ - العدل، ويدخلون فيه نفي القدر؛ لأن عندهم أن الله تعالى لو شاء أفعال العباد، وكانت ذنوبهم بمشيئته كان تعذيبه لهم ظلما! فلهذا لم يجدوا مخرجا إلا بنفي تعلق مشيئة الله بها، فمذهبهم يتضمن أنه يكون في ملكه تعالى ما لا يشاء، فجميع ما يجري من حركات العباد وأفعالهم وتصرفاتهم وكلامهم كل ذلك بغير مشيئته، فعندهم أن الله تعالى لا يقدر على أن يجعل المؤمن كافرا أو الكافر مؤمنا، أو المطيع عاصيا أو العاصي مؤمنا؛ بل ولا يقدر أن يجعل القائم قاعدا والقاعد قائما، والمتكلم ساكتا والساكت متكلما؛ لأن هذه الأفعال لا تتعلق بها مشيئته ولا قدرته ولا خلقه.\n٣ - المنزلة بين المنزلتين، وهي: أن مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وهي منزلة الفاسق، فليس بمؤمن ولا كافر، لكنه في الآخرة مع الكافرين.\n٤ - إنفاذ الوعيد، ويعنون به: أنه يجب على الله إنفاذ وتحقيق ما توعد به العاصين، فلا يجوز عندهم أن يعفو عن من مات مصرا على شيء من الذنوب.\n٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون فيه الخروج على الأئمة الظلمة بحجة إنكار المنكر (^١).\nوقد جاءت الشريعة بالنهي عن ذلك لما يفضي إليه من الفساد العريض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم على قاعدة: «ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما»\nفإنكار المنكر إذا كان يفضي إلى زيادة المنكر، أو إلى منكر أعظم كان الإنكار منكرا.\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين ص ١٥٥ - ٢٧٨، والتنبيه والرد ص ٤٩، ومجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨٦.","vol":"1","page":421},{"text":"وقوله: (من الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق)\nهذه هي الحقيقة، فهؤلاء قد خالفوا جماعة المسلمين، التي هي الفرقة الناجية، (وحالفوا الضلالة) أي: لزموا الضلالة، واتبعوا أهواءهم، فهم أصحاب الأهواء؛ لأنهم حكموا عقولهم وقدموها على المنقول.\nفأهل السنة منهم ومن بدعهم يتبرؤن، ويرون أنهم قد ضلوا وحادوا عن الصراط المستقيم بهذه المذاهب الباطلة.\nنسأله ﷾ أن يعافينا من المحدثات واتباع الأهواء، ونسأله تعالى أن يعصمنا منها، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وقد أوجب الله على عباده هذا الدعاء في كل ركعة من الصلاة ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] (^١) وإن كان المراد بالمغضوب عليهم والضالين في الأصل اليهود والنصارى، فهذه الفرق منها ما يكون مشابها للمغضوب عليهم، ومنها من هو مشابه للضالين، كما قال بعض السلف: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى» (^٢).\n\nهذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) تقدم في ص ٤٢٠.\n(^٢) نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير إلى سفيان بن عيينة ﵀. مجموع الفتاوى ١٦/ ٥٦٧، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٣٨.","vol":"1","page":422}]}