{"ً":{"ٌ":231,"ٍ":"إتحاف الأنام بأحكام ومسائل الصيام","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: إتحاف الأنام بأحكام ومسائل الصيام (ومعه مسائل صدقة الفطر وأحكام العيدين)\nالمؤلف: أبو عبد الله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nالناشر: مكتبة العلوم السلفية - إب\nالطبعة: الخامسة، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ٣٢٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3083,"ٕ":19,"ٖ":1780758507,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"مسائل تتعلق بمقدمات عن الصوم ورؤية الهلال","level":1,"page":4},{"title":"مسألة: تعريف الصوم","level":2,"page":4},{"title":"مسألة: أسماء أخرى للصوم","level":2,"page":5},{"title":"مسألة: أنواع الصوم","level":2,"page":5},{"title":"مسألة: صوم رمضان","level":2,"page":6},{"title":"مسألة: متى فرض شهر رمضان؟","level":2,"page":7},{"title":"مسألة: أحوال فرضية الصيام","level":2,"page":7},{"title":"مسألة: سبب تسمية رمضان بهذا الاسم؟","level":2,"page":9},{"title":"مسألة: هل يقال: رمضان، أم شهر رمضان؟","level":2,"page":10},{"title":"مسألة: متى يجب صيام شهر رمضان؟","level":2,"page":11},{"title":"مسألة: معرفة دخول الشهر بطريقة الحساب","level":2,"page":11},{"title":"مسألة: استعمال المنظار المقرب للرؤية","level":2,"page":13},{"title":"مسألة: إذا رأى الهلال أهل بلدة فهل يلزم بقية البلاد الصوم؟","level":2,"page":14},{"title":"مسألة: رؤية الهلال بالنهار","level":2,"page":18},{"title":"مسألة: ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود؟","level":2,"page":21},{"title":"مسألة: من رأى الهلال وحده هل يلزمه الصوم والفطر؟","level":2,"page":24},{"title":"مسألة: إذا أخبره من يثق بقوله أنه رأى الهلال، فهل يصوم أم يفطر؟","level":2,"page":25},{"title":"مسألة: شهادة النساء للهلال؟","level":2,"page":25},{"title":"مسألة: شهادة الصبي المميز الموثوق بخبره؟","level":2,"page":27},{"title":"مسألة: شهادة الكافر، والفاسق، والمغفل؟","level":2,"page":28},{"title":"مسألة: إذا أصبح الرجل مفطرا يعتقد أنه من شعبان، ثم قامت البينة أن اليوم من رمضان، وأن الهلال قد أهل بالأمس؟","level":2,"page":28},{"title":"مسألة: إذا لم يعلم بالرؤية إلا بعد غروب الشمس؟","level":2,"page":29},{"title":"مسألة: إذا أصبح الناس صياما في ثلاثين من رمضان، ثم جاءهم الخبر بأن هلال شوال قد استهل ليلا؟","level":2,"page":30},{"title":"مسألة: لو غم الهلال فرأى إنسان النبي ﷺ في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان؟","level":2,"page":31},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بالنية","level":1,"page":33},{"title":"مسألة: هل تشترط النية للصوم؟","level":2,"page":33},{"title":"مسألة: تعيين النية في الصوم الواجب؟","level":2,"page":33},{"title":"مسألة: التعيين في صوم التطوع؟","level":2,"page":34},{"title":"مسألة: تبييت النية في صيام الفرض؟","level":2,"page":34},{"title":"مسألة: تبييت النية في صوم التطوع؟","level":2,"page":36},{"title":"مسألة: هل يلزم النية لكل يوم على حدة أم يكفيه نية واحدة لشهر رمضان؟ ولما يشترط فيه التتابع؟","level":2,"page":39},{"title":"مسألة: إن نوى من النهار صوم الغد؟","level":2,"page":40},{"title":"مسألة: إذا نوى بالليل الصوم، ثم أكل، أو شرب، أو جامع قبل طلوع","level":2,"page":40},{"title":"مسألة: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع دمها؟","level":2,"page":41},{"title":"مسألة: من قال: سأصوم غدا إن شاء الله؟","level":2,"page":41},{"title":"مسألة: من نوى الصوم قبل الفجر، ثم جن؟","level":2,"page":41},{"title":"مسألة: من نوى الصيام، ثم أغمي عليه؟","level":2,"page":43},{"title":"مسألة: من أغمي عليه في أثناء النهار، واستمر أياما؟","level":2,"page":45},{"title":"مسألة: نوم الصائم؟","level":2,"page":45},{"title":"مسألة: صرع الصائم؟","level":2,"page":45},{"title":"مسألة: إذا نوى الإفطار أثناء صومه؟","level":2,"page":46},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بالسحور","level":1,"page":48},{"title":"مسألة: فضل السحور؟","level":2,"page":48},{"title":"مسألة: حكم السحور؟","level":2,"page":48},{"title":"مسألة: تأخير السحور؟","level":2,"page":49},{"title":"مسألة: ما يحصل به السحور؟","level":2,"page":49},{"title":"مسألة: آخر وقت السحور، وهو أول وقت الصيام","level":2,"page":50},{"title":"مسألة: إذا استمر في الأكل والشرب أثناء الأذان؟","level":2,"page":53},{"title":"مسألة: هل يجوز للشخص الأكل والشرب ما دام شاكا في طلوع الفجر؟","level":2,"page":54},{"title":"مسائل وأحكام تتعلق بالإفطار","level":1,"page":55},{"title":"مسألة: استحباب وأفضلية تعجيل الفطر","level":2,"page":55},{"title":"مسألة: حكم الإفطار قبل غروب الشمس؟","level":2,"page":56},{"title":"مسألة: هل يجوز الإفطار إذا غلب على الظن أن الشمس قد غربت؟","level":2,"page":56},{"title":"مسألة: إذا تعجل في الإفطار ظانا أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن الشمس لم تغرب، فما الحكم؟","level":2,"page":57},{"title":"مسألة: إذا أكل أو شرب أو جامع وهو شاك في غروب الشمس؟","level":2,"page":60},{"title":"مسألة: إذا أفطر شخص لغروب الشمس، ثم أقلعت به الطائرة، فرأى الشمس، فهل يلزمه الإمساك؟","level":2,"page":61},{"title":"مسألة: ما الذي يستحب أن يفطر عليه؟","level":2,"page":61},{"title":"مسألة: دعاء الإفطار؟","level":2,"page":62},{"title":"مسألة: يطول النهار في بعض البلدان أكثر من (٢٤) ساعة، فهل يلزمهم الإمساك سائر النهار؟","level":2,"page":64},{"title":"مسألة: اجتناب شهادة الزور، والغيبة، وسائر المعاصي","level":2,"page":65},{"title":"فصل في بعض آداب الصائم","level":1,"page":65},{"title":"مسألة: تلاوة القرآن وأعمال البر","level":2,"page":66},{"title":"مسألة: ماذا يقول الصائم إذا شتم؟","level":2,"page":66},{"title":"مسألة: استياك الصائم؟","level":2,"page":67},{"title":"مسألة: استنشاق الصائم.","level":2,"page":69},{"title":"مسألة: إذا نسي الصائم فأكل أو شرب؟","level":2,"page":70},{"title":"مسألة: من أكل أو شرب ناسيا فهل يجب إعلامه على من رآه؟","level":2,"page":72},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بمبطلات الصيام","level":1,"page":73},{"title":"مسألة: ويبطل الصيام بالأكل والشرب والجماع، بالكتاب والسنة والإجماع.","level":2,"page":73},{"title":"مسألة: ابتلاع الريق؟","level":2,"page":74},{"title":"مسألة: إذا ابتلع ريق غيره؟","level":2,"page":74},{"title":"مسألة: لو بلل الخياط خيطا بالريق ثم رده إلى فيه؟","level":2,"page":74},{"title":"مسألة: بقية الطعام الذي بين الأسنان؟","level":2,"page":75},{"title":"مسألة: لو ابتلع الصائم شيئا يسيرا جدا؟","level":2,"page":75},{"title":"مسألة: بقايا الطعام التي تصاحب الريق؟","level":2,"page":76},{"title":"مسألة: ما يوضع في الفم من طعام أو غيره؟","level":2,"page":76},{"title":"مسألة: مضغ العلك؟","level":2,"page":78},{"title":"مسألة: هل يعد ابتلاع النخامة مفطرا؟","level":2,"page":79},{"title":"مسألة: من تمضمض واستنشق فغلبه الماء فدخل عليه؟","level":2,"page":80},{"title":"مسألة: استعمال الإبر التي في الوريد والعضل؟","level":2,"page":81},{"title":"مسألة: السعوط؟","level":2,"page":81},{"title":"مسألة: احتقان الصائم؟","level":2,"page":82},{"title":"مسألة: التقطير في الإحليل (الذكر)؟","level":2,"page":83},{"title":"مسألة: القلس؟","level":2,"page":83},{"title":"مسألة: هل يلزم الصائم تنشيف فمه بعد المضمضة؟","level":2,"page":84},{"title":"مسألة: لو استاك الصائم بسواك رطب فانفصل من رطوبته أو خشبه المتشعب شيء فابتلعه؟","level":2,"page":84},{"title":"مسألة: استعمال معجون الأسنان؟","level":2,"page":85},{"title":"مسألة: شرب الدخان؟","level":2,"page":85},{"title":"مسألة: البخاخ الذي يستعمل في مرض الربو (ضيق التنفس)؟","level":2,"page":85},{"title":"مسألة: من أكل ناسيا فظن أنه قد أفطر فأكل عمدا؟","level":2,"page":86},{"title":"مسألة: من دخل في حلقه الذباب، أو الغبار، أو نخالة الدقيق وهو صائم؟","level":2,"page":86},{"title":"مسألة: من أكل، أو شرب، أو جامع جاهلا بالتحريم؟","level":2,"page":87},{"title":"مسألة: إذا أجري المفطر فيه قهرا؟","level":2,"page":88},{"title":"مسألة: لو أكره الصائم على أن يأكل بنفسه، أو يشرب، فأكل أو شرب، أو أكرهت المرأة على التمكين فمكنت؟","level":2,"page":89},{"title":"مسألة: شروط الإكراه؟","level":2,"page":90},{"title":"مسألة: جماع الصائم ناسيا؟","level":2,"page":91},{"title":"مسألة: استمناء الصائم؟","level":2,"page":92},{"title":"مسألة: احتلام الصائم؟","level":2,"page":93},{"title":"مسألة: إذا باشر، أو قبل، أو نظر، فأمنى أو أمذى؟","level":2,"page":94},{"title":"مسألة: القبلة والمباشرة للصائم إذا لم ينزل؟","level":2,"page":95},{"title":"مسألة: من أدركه الفجر وهو جنب، فهل يصح صومه؟","level":2,"page":98},{"title":"مسألة: احتجام الصائم؟","level":2,"page":100},{"title":"مسألة: فصد العرق وشرطه؟","level":2,"page":107},{"title":"مسألة: من نزفه الدم من رعاف وغيره؟","level":2,"page":107},{"title":"مسألة: سحب الدم للتبرع؟","level":2,"page":108},{"title":"مسألة: اكتحال الصائم؟","level":2,"page":108},{"title":"مسألة: القطرة في الأذن؟","level":2,"page":110},{"title":"مسألة: تقيؤ الصائم؟","level":2,"page":110},{"title":"مسألة: إذا أفسد صومه بإحدى المبطلات التي تقدمت فهل يلزمه إمساك بقية اليوم؟","level":2,"page":113},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بالكفارات","level":1,"page":114},{"title":"مسألة: كفارة المجامع في نهار رمضان متعمدا مقيما؟","level":2,"page":114},{"title":"مسألة: ماذا يجب عليه في هذه الكفارة؟","level":2,"page":115},{"title":"مسألة: هل يلزمه الترتيب في هذه الكفارة؟","level":2,"page":115},{"title":"مسألة: هل يلزم المرأة كفارة إذا لم تكن مكرهة؟","level":2,"page":116},{"title":"مسألة: إذا أكرهت المرأة على الجماع؟","level":2,"page":118},{"title":"مسألة: إذا طلع الفجر والرجل مجامع، واستدام الجماع؟","level":2,"page":119},{"title":"مسألة: إذا طلع الفجر وهو مجامع، فترك في الحال؟","level":2,"page":119},{"title":"مسألة: من جامع فلم يكفر حتى جامع ثانية في يوم واحد؟","level":2,"page":120},{"title":"مسألة: إن جامع فلم يكفر حتى جامع في اليوم الثاني؟","level":2,"page":120},{"title":"مسألة: من جامع ثم كفر، ثم جامع في يوم واحد، فهل عليه كفارة ثانية؟","level":2,"page":121},{"title":"مسألة: إن جامع ثم كفر، ثم جامع في اليوم الثاني فهل عليه كفارة؟","level":2,"page":121},{"title":"مسألة: إذا جامع في أول النهار، ثم مرض، أو جن، أو كانت امرأة فحاضت، أو نفست في أثناء النهار، فهل تسقط الكفارة؟","level":2,"page":122},{"title":"مسألة: المجامع لامرأته في دبرها؟","level":2,"page":122},{"title":"مسألة: إن جامع دون الفرج فأنزل؟","level":2,"page":123},{"title":"مسألة: الوطء بزنا أو شبهه؟","level":2,"page":124},{"title":"مسألة: من كان جاهلا بتحريم الجماع في نهار رمضان فهل عليه كفارة؟","level":2,"page":124},{"title":"مسألة: من أتى امرأته وهو يغلب على ظنه أن الفجر لم يطلع ثم تبين له أن الفجر قد طلع فما الحكم وهل عليه كفارة؟","level":2,"page":125},{"title":"مسألة: إذا نسي النية وجامع في ذلك اليوم؟","level":2,"page":126},{"title":"مسألة: كفارة المفطر بجماع في قضاء رمضان؟","level":2,"page":126},{"title":"مسألة: هل الكفارة مخصوصة بالجماع، أم تشمل المفطر بأكل أو شرب؟","level":2,"page":126},{"title":"مسألة: إذا أفطر بالأكل أو الشرب ثم جامع فهل عليه كفارة؟","level":2,"page":128},{"title":"مسألة: الكفارة على المعسر؟","level":2,"page":129},{"title":"مسألة: هل يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة؟","level":2,"page":130},{"title":"مسألة: هل يشترط في الرقبة أن تكون سالمة من العيوب؟","level":2,"page":131},{"title":"مسألة: من لم يجد إلا رقبة لا غنى له عنها فهل يلزمه عتقها؟","level":2,"page":132},{"title":"مسألة: هل يجزئ أن تكون الرقبة أم ولد أو مدبرا؟","level":2,"page":132},{"title":"مسألة: المكاتب هل يجزئ في عتق الرقبة؟","level":2,"page":133},{"title":"مسألة: إذا شرع في الصيام، ثم وجد ما يعتق فهل يلزمه العتق؟","level":2,"page":134},{"title":"مسألة: هل يلزمه المتابعة في صيام الشهرين؟","level":2,"page":135},{"title":"مسألة: إذا صام شهرين متتابعين، فهل يعتبر العدد أم الأهلة؟","level":2,"page":135},{"title":"مسألة: قطع التتابع لعذر؟","level":2,"page":136},{"title":"مسألة: إذا أفطر أثناء الشهرين بغير عذر، أو قطع التتابع بصوم نذر، أو قضاء، أو كفارة أخرى؟","level":2,"page":139},{"title":"مسألة: إذا تخلل الشهرين المتتابعين صوم رمضان، وأيام العيد؟","level":2,"page":139},{"title":"مسألة: إذا كفر بالإطعام، فهل يلزمه ستين مسكينا؟","level":2,"page":140},{"title":"مسألة: مقدار الإطعام؟","level":2,"page":141},{"title":"مسألة: هل يجزئ إطعام الطفل الذي لم يطعم؟","level":2,"page":141},{"title":"مسألة: هل يلزم التتابع في إطعام المساكين؟","level":2,"page":141},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بصيام أهل الأعذار","level":1,"page":142},{"title":"أولا المريض","level":2,"page":142},{"title":"مسألة: أحوال المريض","level":3,"page":142},{"title":"مسألة: ضابط المرض الذي يرخص فيه الفطر؟","level":3,"page":142},{"title":"مسألة: المريض مرضا لا يرجى برؤه؟","level":3,"page":143},{"title":"مسألة: إذا أفطر المريض الذي لا يرجى برؤه، ثم قدر على الصوم؛ فهل يلزمه قضاء الصوم؟","level":3,"page":143},{"title":"مسألة: هل للمريض أن يترك نية الصوم؟","level":3,"page":143},{"title":"مسألة: إذا أصبح الصحيح صائما، ثم مرض؟","level":3,"page":144},{"title":"مسألة: إذا تحامل المريض على نفسه فصام؟","level":3,"page":144},{"title":"مسألة: هل يجوز للمريض أن يصوم في رمضان كفارة، أو نذرا أو نحوه؟","level":3,"page":144},{"title":"ثانيا من خاف الهلاك من الجوع والعطش","level":2,"page":145},{"title":"ثالثا المسافر","level":2,"page":145},{"title":"مسألة: هل تشمل الرخصة سفر المعصية أم لا؟","level":3,"page":146},{"title":"مسألة: مقدار السفر الذي يفطر فيه؟","level":3,"page":147},{"title":"مسألة: هل يجوز للمسافر الصوم في سفره؟","level":3,"page":147},{"title":"مسألة: أيهما أفضل للمسافر: الصوم أم الفطر؟","level":3,"page":151},{"title":"مسألة: لو أصبح في أثناء سفره صائما، ثم أراد أن يفطر في نهاره من غير عذر، فهل له ذلك؟","level":3,"page":153},{"title":"مسألة: إذا سافر المقيم، فهل له الفطر في ذلك اليوم؟","level":3,"page":154},{"title":"مسألة: إذا سافر المقيم فمتى يباح له الفطر؟","level":3,"page":156},{"title":"مسألة: إذا قدم المسافر وهو مفطر، فهل يلزمه إمساك بقية يومه؟","level":3,"page":157},{"title":"مسألة: لو قدم المسافر وهو صائم، فهل له أن يفطر وقد أقام؟","level":3,"page":158},{"title":"مسألة: هل يجوز للمقيم الذي يريد أن يسافر في الغد أن يبيت الفطر؟","level":3,"page":158},{"title":"مسألة: إذا أقام المسافر في بلدة، فهل يلزمه الإمساك أم له أن يفطر؟","level":3,"page":159},{"title":"مسألة: هل يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان قضاء، أو نذرا، أو كفارة، أو تطوعا؟","level":3,"page":160},{"title":"مسألة: إذا خرج الرجل مسافرا فأفطر، ثم عاقه عائق فرجع، فما الحكم؟","level":3,"page":160},{"title":"مسألة: هل الملاح له حكم المسافر؟","level":3,"page":161},{"title":"مسألة: أهل البادية؟","level":3,"page":161},{"title":"رابعا العاجز عن الصيام","level":2,"page":161},{"title":"مسألة: ماذا يلزمهما إذا أفطرا؟","level":3,"page":162},{"title":"مسألة: مقدار الفدية؟","level":3,"page":166},{"title":"مسألة: إذا أوجبنا الفدية على الشيخ الكبير العاجز والمريض الميئوس من برئه وكان معسرا، فهل تلزمه إذا أيسر، أم تسقط عنه؟","level":3,"page":167},{"title":"مسألة: إذا تكلف العاجز عن الصيام، فقدر على الصوم، فهل يلزمه","level":3,"page":167},{"title":"مسألة: إذا أفطر الشيخ العاجز عن الصيام، ثم قدر على الصوم، فهل يلزمه القضاء؟","level":3,"page":168},{"title":"خامسا الحامل والمرضع","level":2,"page":169},{"title":"مسألة: الحامل إذا خافت على جنينها، والمرضع على ولدها، أو خافتا على أنفسهما؟","level":3,"page":169},{"title":"سادسا الحائض والنفساء","level":2,"page":171},{"title":"مسألة: إذا انقطع الدم عن المرأة أثناء النهار فهل يلزمها الإمساك؟","level":3,"page":171},{"title":"سابعا المجنون","level":2,"page":172},{"title":"ثامنا الصبي","level":2,"page":173},{"title":"مسألة: إذا أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو أسلم كافر أثناء اليوم، فهل يلزمه الإمساك؟","level":3,"page":173},{"title":"تاسعا المجاهد في سبيل الله","level":2,"page":174},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بقضاء رمضان","level":1,"page":176},{"title":"مسألة: من تعمد فطر يوم من رمضان، فهل عليه قضاؤه؟","level":2,"page":176},{"title":"مسألة: هل يلزم المجامع في نهار رمضان قضاء ذلك اليوم مع الكفارة؟","level":2,"page":178},{"title":"مسألة: هل يلزم التتابع في قضاء رمضان؟","level":2,"page":179},{"title":"مسألة: هل يلزم القضاء فورا، أم له أن يؤخره؟","level":2,"page":180},{"title":"مسألة: إذا أخر القضاء بغير عذر حتى دخل رمضان؟","level":2,"page":181},{"title":"مسألة: إذا أخر قضاء رمضان بعذر حتى دخل رمضان آخر؟","level":2,"page":182},{"title":"مسألة: هل يجوز لمن عليه صوم أن يتطوع؟","level":2,"page":182},{"title":"مسألة: من مات وعليه صوم، فهل يقضى عنه؟","level":2,"page":183},{"title":"مسألة: من هو الولي؟","level":2,"page":186},{"title":"مسألة: هل الصوم واجب على الولي؟","level":2,"page":187},{"title":"مسألة: هل يختص ذلك بالولي، أم يجوز أن ينوب الأجنبي؟","level":2,"page":187},{"title":"مسألة: هل يجوز لو كان على الميت ثلاثون يوما مثلا أن يصوم عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا؟","level":2,"page":188},{"title":"فصل فيما يتعلق بمسائل وأحكام صوم التطوع","level":1,"page":189},{"title":"مسألة: استحباب التطوع لله بالصيام","level":2,"page":189},{"title":"مسألة: صوم المرأة تطوعا؟","level":2,"page":190},{"title":"مسألة: فإذا صامت هل يصح صومها؟","level":2,"page":191},{"title":"مسألة: وهل يجوز لها أن تصوم إذا كان مسافرا؟","level":2,"page":191},{"title":"مسألة: هل يجوز للمتطوع أن يفطر إذا شاء؟","level":2,"page":192},{"title":"مسألة: من صام تطوعا فأفطر، فهل عليه قضاؤه؟","level":2,"page":194},{"title":"مسألة: صيام ست من شوال؟","level":2,"page":195},{"title":"مسألة: هل يشترط في الست من شوال أن تكون متتابعة؟","level":2,"page":195},{"title":"مسألة: هل يلزم أن تكون الست من شوال بعد قضاء رمضان؟","level":2,"page":196},{"title":"مسألة: صيام يوم عرفة؟","level":2,"page":196},{"title":"مسألة: ما حكم صيام عرفة لمن كان بعرفة؟","level":2,"page":197},{"title":"مسألة: صيام عاشوراء؟","level":2,"page":198},{"title":"مسألة: الجمع بين التاسع والعاشر؟","level":2,"page":200},{"title":"مسألة: هل يصام العاشر والحادي عشر؟","level":2,"page":200},{"title":"مسألة: هل كان صوم عاشوراء فرضا أم مستحبا فقط؟","level":2,"page":201},{"title":"مسألة: الحكمة من الأمر بصيام عاشوراء","level":2,"page":203},{"title":"مسألة: صوم الاثنين والخميس؟","level":2,"page":203},{"title":"مسألة: صيام ثلاثة أيام من كل شهر؟","level":2,"page":204},{"title":"مسألة: سبب تسميتها أيام البيض","level":2,"page":206},{"title":"مسألة: صيام يوم، وإفطار يوم؟","level":2,"page":206},{"title":"مسألة: الصوم في شعبان؟","level":2,"page":207},{"title":"مسألة: الصيام في محرم؟","level":2,"page":207},{"title":"مسألة: صيام التسعة الأيام الأول من ذي الحجة؟","level":2,"page":208},{"title":"فصل فيما يتعلق بالأيام المنهي عن صيامها","level":1,"page":210},{"title":"مسألة: صيام العيدين؟","level":2,"page":210},{"title":"مسألة: هل يصح الصوم إذا صام يوم العيد؟","level":2,"page":210},{"title":"مسألة: لو نذر أن يصوم مثلا يوم الاثنين، فوافق يوم العيد؟","level":2,"page":211},{"title":"مسألة: أيام التشريق؟","level":2,"page":211},{"title":"مسألة: حكم صيام أيام التشريق؟","level":2,"page":212},{"title":"مسألة: إفراد يوم الجمعة بالصوم؟","level":2,"page":214},{"title":"مسألة: إفراد يوم السبت بالصوم؟","level":2,"page":216},{"title":"مسألة: استقبال رمضان بيوم، أو يومين؟","level":2,"page":218},{"title":"مسألة: الحكمة من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين؟","level":2,"page":220},{"title":"مسألة: حكم الصيام تطوعا بعد النصف من شعبان؟","level":2,"page":221},{"title":"مسألة: صيام يوم الشك؟","level":2,"page":222},{"title":"مسألة: صيام الدهر؟","level":2,"page":226},{"title":"مسألة: حكم الوصال في الصيام؟","level":2,"page":231},{"title":"مسألة: معنى قوله ﵊: «يطعمني ربي ويسقين»","level":2,"page":235},{"title":"مسألة: الوصال إلى السحر؟","level":2,"page":236},{"title":"كتاب الاعتكاف","level":1,"page":237},{"title":"مسألة: تعريف الاعتكاف","level":2,"page":237},{"title":"مسألة: حكم الاعتكاف","level":2,"page":237},{"title":"مسألة: هل يلزم إتمام الاعتكاف إذا شرع فيه، أم له الخروج منه إذا شاء؟","level":2,"page":238},{"title":"مسألة: هل يشترط في الاعتكاف الصوم؟","level":2,"page":238},{"title":"مسألة: هل يشترط للاعتكاف أن يكون في المسجد؟","level":2,"page":240},{"title":"مسألة: وأما الاعتكاف بالنسبة للمرأة","level":2,"page":242},{"title":"مسألة: أقل الاعتكاف","level":2,"page":242},{"title":"مسألة: هل يصح الاعتكاف في رحبة المسجد؟","level":2,"page":243},{"title":"مسألة: خروج المعتكف لغائط، أو بول؟","level":2,"page":244},{"title":"مسألة: الخروج لغير الغائط والبول؟","level":2,"page":244},{"title":"مسألة: الخروج لعيادة المريض، وتشييع الجنازة؟","level":2,"page":244},{"title":"مسألة: إذا شرط الوطء في اعتكافه، أو البيع للتجارة، أو الكسب بالصناعة؟","level":2,"page":246},{"title":"مسألة: إذا وطئ في حال اعتكافه؟","level":2,"page":247},{"title":"مسألة: المباشرة للمعتكف؟","level":2,"page":247},{"title":"مسألة: فإذا باشر دون الفرج هل يفسد اعتكافه؟","level":2,"page":248},{"title":"مسألة: من وطئ أهله في اعتكافه ناسيا؟","level":2,"page":249},{"title":"مسألة: إذا خرج من المسجد لغير حاجة؟","level":2,"page":249},{"title":"مسألة: من اعتكف العشر الأواخر فمن متى يبدأ اعتكافه؟","level":2,"page":250},{"title":"مسألة: هل يبيت ليلة العيد في معتكفه إذا اعتكف العشر الأواخر؟","level":2,"page":251},{"title":"مسألة: ماذا يكره على المعتكف في اعتكافه؟","level":2,"page":251},{"title":"مسألة: النذر بإتيان المساجد الثلاثة للاعتكاف، أو الصلاة؟","level":2,"page":251},{"title":"مسألة: السفر إلى غيرها من المساجد؟","level":2,"page":252},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بليلة القدر","level":1,"page":253},{"title":"مسألة: سبب تسميتها بليلة القدر؟","level":2,"page":253},{"title":"مسألة: هل ليلة القدر باقية أم رفعت؟","level":2,"page":253},{"title":"مسألة: متى ليلة القدر؟","level":2,"page":254},{"title":"مسألة: هل ينال الإنسان أجر ليلة القدر إذا قامها وإن لم يعلم بها؟","level":2,"page":256},{"title":"مسألة: علامات ليلة القدر؟","level":2,"page":257},{"title":"مسائل متعلقة بأحكام صدقة الفطر","level":1,"page":259},{"title":"مسألة: حكم صدقة الفطر.","level":2,"page":259},{"title":"مسألة: على من تجب زكاة الفطر؟","level":2,"page":260},{"title":"مسألة: هل تجب زكاة الفطر على الكافر؟","level":2,"page":260},{"title":"مسألة: هل تجب على العبد المسلم زكاة الفطر؟","level":2,"page":261},{"title":"مسألة: إذا كان العبد مسلما وسيده كافرا؟","level":2,"page":262},{"title":"مسألة: هل يجب على السيد الفطرة على عبيد التجارة؟","level":2,"page":262},{"title":"مسألة: إذا كان العبد غائبا فهل على السيد زكاة؟","level":2,"page":262},{"title":"مسألة: إذا كان العبد، أو العبيد في ملك أكثر من سيد؟","level":2,"page":263},{"title":"مسألة: إذا كان الرجل نصفه عبد ونصفه حر؟","level":2,"page":264},{"title":"مسألة: هل فطرة المتزوجة على زوجها، أم على نفسها؟","level":2,"page":264},{"title":"مسألة: من تبرع بمؤنة إنسان، فهل تلزمه فطرته؟","level":2,"page":265},{"title":"مسألة: ما ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر؟","level":2,"page":265},{"title":"مسألة: هل تجب زكاة الفطر عن الجنين؟","level":2,"page":266},{"title":"مسألة: المكاتب هل يخرج عن نفسه، أم يخرج عنه السيد؟","level":2,"page":266},{"title":"مسألة: ما هي الأصناف التي يخرج منها زكاة الفطر؟","level":2,"page":267},{"title":"مسألة: هل يجزئ الأقط (اللبن المجفف)؟","level":2,"page":269},{"title":"مسألة: هل يجزئ الدقيق في صدقة الفطر؟","level":2,"page":270},{"title":"مسألة: هل تجزئ القيمة بالدراهم؟","level":2,"page":270},{"title":"مسألة: ما هو القدر الذي يجب إخراجه في صدقة الفطر؟","level":2,"page":271},{"title":"مسألة: إذا زاد الإنسان عن القدر الواجب، ونواه نافلة؟","level":2,"page":276},{"title":"مسألة: كم يساوي الصاع بالكيلو جرام؟","level":2,"page":276},{"title":"مسألة: وقت وجوب إخراج صدقة الفطر.","level":2,"page":280},{"title":"مسألة: حكم تأديتها يوم العيد بعد الصلاة.","level":2,"page":282},{"title":"مسألة: تأخيرها عن يوم العيد.","level":2,"page":282},{"title":"مسألة: هل تسقط عنه زكاة الفطر، أم يخرجها بعد الصلاة وإن لم","level":2,"page":282},{"title":"مسألة: تقديم زكاة الفطر قبل وقتها.","level":2,"page":283},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بأحكام العيدين","level":1,"page":285},{"title":"مسألة: معنى قول النبي ﵊: الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون","level":2,"page":285},{"title":"مسألة: استحباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى الصلاة","level":2,"page":285},{"title":"مسألة: حكم صلاة العيدين؟","level":2,"page":288},{"title":"مسألة: ما حكم صلاة العيدين للنساء؟","level":2,"page":289},{"title":"مسألة: وقت صلاة العيد.","level":2,"page":290},{"title":"مسألة: إذا علم الناس أن يومهم عيد أثناء ذلك اليوم؟","level":2,"page":291},{"title":"مسألة: صلاة العيد ركعتان","level":2,"page":292},{"title":"مسألة: التنفل قبل صلاة العيد، وبعدها","level":2,"page":292},{"title":"مسألة: هل يؤذن لصلاة العيد ويقام؟","level":2,"page":293},{"title":"مسألة: عدد التكبيرات في صلاة العيد","level":2,"page":295},{"title":"مسألة: هل يرفع يديه مع التكبيرات، أم لا؟","level":2,"page":296},{"title":"مسألة: هل يفصل بين كل تكبيرتين بذكر، أم يوالي بينها؟","level":2,"page":297},{"title":"مسألة: حكم التكبيرات","level":2,"page":297},{"title":"مسألة: من نسي التكبير وشرع في القراءة؟","level":2,"page":298},{"title":"مسألة: من شك في عدد التكبيرات؟","level":2,"page":298},{"title":"مسألة: متى يقال دعاء الاستفتاح؟","level":2,"page":298},{"title":"مسألة: ما الذي يستحب قراءته في صلاة العيدين؟","level":2,"page":299},{"title":"مسألة: صلاة العيدين قبل الخطبة.","level":2,"page":299},{"title":"مسألة: حكم خطبة العيد","level":2,"page":303},{"title":"مسألة: كم خطبة بعد صلاة العيد؟","level":2,"page":303},{"title":"مسألة: حكم الاستماع لخطبة العيد","level":2,"page":306},{"title":"مسألة: بماذا يستفتح خطبة العيد؟","level":2,"page":306},{"title":"مسألة: استحباب الخطبة يوم العيد بدون منبر","level":2,"page":307},{"title":"مسألة: يستحب المشي إلى الصلاة في العيدين","level":2,"page":307},{"title":"مسألة: أين تصلى صلاة العيد؟","level":2,"page":308},{"title":"مسألة: التعجيل بصلاة العيد","level":2,"page":309},{"title":"مسألة: من فاتته صلاة العيد مع الإمام، فكم يصليها؟","level":2,"page":309},{"title":"مسألة: إذا أدرك الإمام وقد صلى، وهو في الخطبة؟","level":2,"page":310},{"title":"مسألة: هل يشترط لصلاة العيد عدد؟","level":2,"page":311},{"title":"مسألة: هل يصلي في البيت من له عذر عن الخروج إلى المصلى؟","level":2,"page":311},{"title":"مسألة: هل يصلي المسافر صلاة العيد؟","level":2,"page":311},{"title":"مسألة: حكم التكبير في العيدين.","level":2,"page":312},{"title":"مسألة: وقت التكبير في عيد الفطر.","level":2,"page":314},{"title":"مسألة: وقت التكبير في عيد الأضحى.","level":2,"page":314},{"title":"مسألة: آخر وقت التكبير في الأضحى.","level":2,"page":316},{"title":"مسألة: المسبوق في الصلاة متى يكبر؟","level":2,"page":316},{"title":"مسألة: هل يكبر عقب النوافل؟","level":2,"page":317},{"title":"مسألة: من صلى الفرض وحده، فهل يكبر؟","level":2,"page":317},{"title":"مسألة: هل يكبر المسافر؟","level":2,"page":317},{"title":"مسألة: تكبير النساء.","level":2,"page":318},{"title":"مسألة: إظهار التكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار.","level":2,"page":318},{"title":"مسألة: صيغة التكبير في العيدين.","level":2,"page":319},{"title":"مسألة: استحباب مخالفة الطريق عند الرجوع من المصلى","level":2,"page":321},{"title":"مسألة: مشروعية إظهار السرور في الأعياد فيما أباحه الله","level":2,"page":322},{"title":"مسألة: إباحة اليسير من الغناء للنساء في الأعراس والأعياد والمسرات باستخدام الدف لا غيره من المعازف","level":2,"page":322},{"title":"مسألة: حكم ضرب الدف من الرجال","level":2,"page":325},{"title":"مسألة: حكم الدف في حق النساء.","level":2,"page":326},{"title":"مسألة: الدف إذا كان مجلجلا.","level":2,"page":326},{"title":"مسألة: الغناء المهيج للطباع","level":2,"page":327}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327},"ٜ":{"1":[1,327]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2,3],"5":[4,5],"6":[6],"7":[7,8],"9":[9],"10":[10],"11":[11,12],"13":[13],"14":[14],"18":[15],"21":[16],"24":[17],"25":[18,19],"27":[20],"28":[21,22],"29":[23],"30":[24],"31":[25],"33":[26,27,28],"34":[29,30],"36":[31],"39":[32],"40":[33,34],"41":[35,36,37],"43":[38],"45":[39,40,41],"46":[42],"48":[43,44,45],"49":[46,47],"50":[48],"53":[49],"54":[50],"55":[51,52],"56":[53,54],"57":[55],"60":[56],"61":[57,58],"62":[59],"64":[60],"65":[61,62],"66":[63,64],"67":[65],"69":[66],"70":[67],"72":[68],"73":[69,70],"74":[71,72,73],"75":[74,75],"76":[76,77],"78":[78],"79":[79],"80":[80],"81":[81,82],"82":[83],"83":[84,85],"84":[86,87],"85":[88,89,90],"86":[91,92],"87":[93],"88":[94],"89":[95],"90":[96],"91":[97],"92":[98],"93":[99],"94":[100],"95":[101],"98":[102],"100":[103],"107":[104,105],"108":[106,107],"110":[108,109],"113":[110],"114":[111,112],"115":[113,114],"116":[115],"118":[116],"119":[117,118],"120":[119,120],"121":[121,122],"122":[123,124],"123":[125],"124":[126,127],"125":[128],"126":[129,130,131],"128":[132],"129":[133],"130":[134],"131":[135],"132":[136,137],"133":[138],"134":[139],"135":[140,141],"136":[142],"139":[143,144],"140":[145],"141":[146,147,148],"142":[149,150,151,152],"143":[153,154,155],"144":[156,157,158],"145":[159,160],"146":[161],"147":[162,163],"151":[164],"153":[165],"154":[166],"156":[167],"157":[168],"158":[169,170],"159":[171],"160":[172,173],"161":[174,175,176],"162":[177],"166":[178],"167":[179,180],"168":[181],"169":[182,183],"171":[184,185],"172":[186],"173":[187,188],"174":[189],"176":[190,191],"178":[192],"179":[193],"180":[194],"181":[195],"182":[196,197],"183":[198],"186":[199],"187":[200,201],"188":[202],"189":[203,204],"190":[205],"191":[206,207],"192":[208],"194":[209],"195":[210,211],"196":[212,213],"197":[214],"198":[215],"200":[216,217],"201":[218],"203":[219,220],"204":[221],"206":[222,223],"207":[224,225],"208":[226],"210":[227,228,229],"211":[230,231],"212":[232],"214":[233],"216":[234],"218":[235],"220":[236],"221":[237],"222":[238],"226":[239],"231":[240],"235":[241],"236":[242],"237":[243,244,245],"238":[246,247],"240":[248],"242":[249,250],"243":[251],"244":[252,253,254],"246":[255],"247":[256,257],"248":[258],"249":[259,260],"250":[261],"251":[262,263,264],"252":[265],"253":[266,267,268],"254":[269],"256":[270],"257":[271],"259":[272,273],"260":[274,275],"261":[276],"262":[277,278,279],"263":[280],"264":[281,282],"265":[283,284],"266":[285,286],"267":[287],"269":[288],"270":[289,290],"271":[291],"276":[292,293],"280":[294],"282":[295,296,297],"283":[298],"285":[299,300,301],"288":[302],"289":[303],"290":[304],"291":[305],"292":[306,307],"293":[308],"295":[309],"296":[310],"297":[311,312],"298":[313,314,315],"299":[316,317],"303":[318,319],"306":[320,321],"307":[322,323],"308":[324],"309":[325,326],"310":[327],"311":[328,329,330],"312":[331],"314":[332,333],"316":[334,335],"317":[336,337,338],"318":[339,340],"319":[341],"321":[342],"322":[343,344],"325":[345],"326":[346,347],"327":[348]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"إِتْحَافُ الأَنَامِ\nبِأَحكَامِ وَمَسَائِلِ الصِّيامِ\n(ومعه مسائل صدقة الفطر وأحكام العيدين)\n\nتأليف\nفضيلة الشيخ الفقيه\nأبي عبد الله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\n(غفر الله له ورحمه)\n\nطبعة جديدة منقحة ومزيدة\n\nدار الحديث السلفية بإب","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المُقَدِّمَةُ</span>\nالحمد لله الذي كتب على عباده الصيام، وشرع لهم الاعتكاف والقيام، وجعل ذلك سببًا لتحقيق التقوى من الأنام.\nالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، نحمده عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. الحمد لله ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شاء ربنا من شيء بعد.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:\nفمن فضل الله المنان الكريم علينا أن أكرمنا ومنَّ علينا بتأليف هذا الكتاب الذي بين أيدينا \"إتحاف الأنام بأحكام ومسائل الصيام\".\nفقد وفقنا ربنا جل وعلا لجمع هذه المسائل والأحكام التي تتعلق بركن من أركان الإسلام وهو صوم رمضان، فانتفعنا بذلك، ونرجو أن ينتفع بذلك سائر المسلمين.\nوقد اجتهدت في ترتيب الأحكام والمسائل ترتيبًا متناسبًا، (^١) ولم أتقيد بترتيب\n_________\n(^١) وقد جعلت الكتاب على طريقة الفقهاء لمعرفة الخلاف واستيعاب فروع المسائل التي يحتاجها المسلمون، ونحن عازمون إن شاء الله أن نذكر أحكام الصيام على طريقة المحدثين في (التبويب) في ضمن كتاب كبير اسمه \"الجامع الصحيح في الفقه الشرعي\"، نسأل الله ﷿ أن يمنّ علينا بتأليفه، وأن يعيننا على ذلك، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه سميع قريب.","vol":"1","page":2},{"text":"أحد قبلي، وأرجو أن أكون قد وُفِّقْتُ في ذلك، وبالله التوفيق.\nفأحمد الله الحي القيوم، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، وهو الرحمن الرحيم، الكريم المنان الوهاب؛ فهو جل وعلا الذي أنعم علينا بذلك، ولا حول لنا في ذلك ولا قوة إلا به ﷾.\nفأسأل الله جل وعلا الذي لا إله إلا هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، أن يبارك لي في هذا الكتاب، وأن يخلد نفعه إلى يوم الحساب، وأن يجزل لي به الأجر والثواب، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم؛ فهو الرحيم التواب.\nوأسأل الله ﷿ أن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي أجمعين، وأخص منهم من أرى له علي حقًّا عظيمًا، وهما فضيلة الشيخ الإمام مقبل بن هادي الوادعي - ﵀ - والشيخ الجليل النبيل سَرُور بن أحمد الوادعي غفر الله له، وأحسن إليه وأكرمه في الدنيا والآخرة.\nاللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nكتبه/ أبو عبد الله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nيوم السبت الموافق ٢٣/صفر/١٤٤٢ هـ\nدار الحديث السلفية بإب.","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مسائل تتعلق بمقدمات عن الصوم ورؤية الهلال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مسألة: تعريف الصوم:</span>\nلغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٧].\nومنه قول النابغة:\nخَيْلٌ صيام وخيل غير صائمة ... تحت العَجَاج وأخرى تَعْلُكُ اللُّجُما\n\nأي: خيل ممسكة عن الجري، وخيل غير ممسكة.\nوشرعًا: قال النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ٢٤٧): إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص. اهـ\nوتبعه الحافظ على هذا التعريف في \"الفتح\" (١٨٩١)، إلا أنه قال: بشرائط مخصوصة. بدل قوله: من شخص مخصوص.\nوقال أبو عبد الله القرطبي - ﵀ -: هو الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. اهـ من \"تفسيره\" لسورة البقرة [آية: ١٨٣].","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مسألة: أَسْمَاءُ أُخْرَى لِلصَّوْمِ:</span>\nوقد سُمِّي الصيامُ \"صبرًا\"، ومنه قوله - ﷺ -: «صَومُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَعْدِلُ صَومَ الدَّهْرِ». (^١)\nكذا ذكر شيخ الإسلام، والذي يظهر أن الصبر تسمية للشهر لا للصوم؛ لوجود الصبر فيه، والله أعلم.\nوَسُمِّي أيضًا (سياحة)، ومنه قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [براءة:١١٢]، الآية من سورة براءة.\nوقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم].\nانظر: \"التمهيد\" (٧/ ٣٠٧)، \"كتاب الصيام\" من \"شرح العمدة\" لشيخ الإسلام (١/ ٢٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>مسألة: أَنْوَاعُ الصَّوْمِ:</span>\nقال شيخ الإسلام - ﵀ - في \"كتاب الصيام\" من \"شرح العمدة\" (١/ ٢٦): الصوم خمسة أنواع: الصوم المفروض بالشرع وهو صوم شهر رمضان أداءً وقضاءً، والصوم الواجب في الكفارات، والواجب بالنذر، وصوم التطوع. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢٧١٦)، من حديث أبي هريرة - ﵁ - بإسناد صحيح.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>مسألة: صوم رمضان:</span>\nصيام رمضان فرض على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مقيم، قادرٍ على الصوم، وقد دلَّ على ذلك الكتابُ، والسنةُ، والإجماعُ.\nأما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوأما من السنة: فقوله - ﷺ - في حديث ابن عمر - ﵄ -، في \"الصحيحين\": «بني الإسلام على خمس»، وذكر منها: «وصيام رمضان».\nوفي \"الصحيحين\" من حديث طلحة بن عبيد الله - ﵁ -، أن رجلًا جاء يسأل النبي - ﷺ - عن الإسلام ...، فذكر الحديث، وفيه: «وصيام رمضان»، فقال الرجل: هل عليَّ غيره؟ فقال النبي - ﷺ -: «لا، إلَّا أن تطوع».\nوفي السنة أحاديث كثيرة تدل على ذلك.\nوأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة إجماعًا ظاهرًا على وجوب صيام شهر رمضان، وعلى أن منأنكر وجوبه كفر.","vol":"1","page":6},{"text":"انظر: \"المغني\" (٣/ ٨٥)، \"المجموع\" (٦/ ٢٤٨)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٢٦ - ٢٩)، تفسير القرطبي سورة البقرة آية [١٨٣]، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>مسألة: متى فرض شهر رمضان</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ - في \"شرح المهذب\" (٦/ ٢٥٠): صام رسول الله - ﷺ - رمضان تسع سنين؛ لأنه فرض في شهر شعبان في السنة الثانية من الهجرة وتوفي النبي - ﷺ - في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. اهـ\nقال الشيخ عبد الله البسام -وفقه الله في \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٢٩): وفُرِضَ صوم رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة فصام رسول الله - ﷺ - تسعة رمضانات إجماعًا. اهـ\nوقد نقل الإجماع المرداوي - ﵀ - في \"الإنصاف\"، في أول كتاب الصوم، والبهوتي في \"الروض المربع\" (١/ ١٥٧)، وابن مفلح في \"المبدع\" (٢/ ٤٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>مسألة: أحوال فرضية الصيام:</span>\nأُمِرَ المسلمون أولًا بصيام يوم عاشوراء كما في \"الصحيحين\" (^١) من حديث عائشة، وابن عمر - ﵄ -، ثم فرض الله شهر رمضان، فصار صيام يوم عاشوراء مستحبًّا، وعند أن فرض شهر رمضان كان الناس مخيرين بين الصيام والإطعام كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]، ثم نسخ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٣) (١٨٩٢)، ومسلم برقم (١١٢٥) (١١٢٦).","vol":"1","page":7},{"text":"الله ذلك فأوجب الصيام بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوالدليل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -، في \"الصحيحين\" (^١) قال: لَمَّا نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.\nوفي رواية لمسلم: كنا في رمضان على عهد رسول الله - ﷺ - من شاء صام ومن شاء أفطر، فافتدى بطعام مسكين حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nفائدة:\nكان في أول الإسلام يحرم على الصائم الأكل، والشرب، والجماع من حين ينام أو يصلي العشاء الآخرة، فأيهما وجد أولًا حصل به التحريم، ثم نسخ ذلك وأبيح له إلى طلوع الفجر، سواءٌ نام أم لا.\nويدل علىه حديث البراء بن عازب - ﵄ - عند البخاري برقم (١٩١٥)، قال: كان أصحاب محمد - ﷺ - إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمْسِي، وإن قيس بن صِرمة الأنصاري - ﵁ - كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلقُ فأطلبُ لك. وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -؛ فنزلت هذهالآية:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٥٠٧)، ومسلم برقم (١١٤٥).","vol":"1","page":8},{"text":"﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nفهذا الحديث يدل على أن ذلك كان محرَّمًا عقب النوم، وأما تحريمه عقب صلاة العشاء، فقد ثبت ذلك من حديث أبي هريرة - ﵁ -، بإسنادٍ صحيح. أخرجه ابن جرير كما في \"الدر المنثور\"، وكما في \"تفسير ابن كثير\" [آية:١٨٧] من سورة البقرة.\nوأخرجه أبو داود (٢٣١٣)، من حديث ابن عباس - ﵄ -، وفي إسناده: علي بن حسين بن واقد، وفيه ضعفٌ، وله طريق أخرى عند ابن جرير (٢/ ٩٦) من طريق: عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - ﵄ -، به، وهذا السند ضعيفٌ؛ لضعف عبد الله بن صالح؛ ولانقطاعه بين علي بن أبي طلحة، وابن عباس، وهو يزيد الحديث قوَّةً.\nانظر: \"الفتح\" (١٩١٥)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٢٥١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>مسألة: سبب تسمية رمضان بهذا الاسم</span>؟\nقيل: لأنه يَرْمَض الذنوب، أي: يحرقها، أو يهلكها.\nوقيل: لارْتِمَاض الناس فيه من حر الجوع، ومقاساة الشدة.\nوقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رَمَضِ الحر؛ فَسُمِّيَ بذلك.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٠٠)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٥)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٣١).","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>مسألة: هل يقال: رمضان، أم شهر رمضان</span>؟\nذهب الجمهور من أهل العلم إلى جواز إطلاق رمضان دون التقييد بـ (شهر).\nواستدلوا:\nبقوله - ﷺ -: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». (^١)\nوقوله - ﷺ -: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر». (^٢)\nوقوله - ﷺ -: «إذا جاء رمضان فتحت أبو اب الجنة، وأغلقت أبو اب النار، وَصُفِّدَت الشياطين». (^٣)\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا.\nوقد بَوَّبَ الإمام البخاري - ﵀ - على الجواز في \"صحيحه\"، وكذا النسائي، ورجحه النووي وغيره من أهل العلم.\nوقد نُقِل عن أصحاب مالك الكراهية، وكذا عن ابن الباقلَّاني وأكثر الشافعية، إلا أن هؤلاء قيدوا الكراهة بما إذا لم يكن هناك قرينة تصرفه إلى الشهر، أما إذا وجدت قرينة فلا يكره عندهم.\nوعمدتهم في ذلك: حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «لا تقولوا: جاء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠١)، ومسلم (٧٦٠)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٦٤)، من حديث أبي أيوب - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٩٨)، ومسلم (١٠٧٩)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":10},{"text":"رمضان؛ فإن رمضان اسم الله، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان».\nأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٥٣)، وضعفه بأبي مَعْشَر نَجِيْح بن عبدالرحمن، قال البيهقي: وقد روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وهو أشبه.\nوالراجح القول الأول.\nانظر: \"الفتح\" (١٨٩٨)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٢٤٨)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٠٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>مسألة: متى يجب صيام شهر رمضان</span>؟\nويجب صوم رمضان برؤية هلاله أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا؛ لما جاء في \"الصحيحين\" (^١) من حديث ابن عمر - ﵄ -، أن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فَاقْدُرُوا له»، وفي رواية لمسلم: «فاقدروا له ثلاثين»، وفي \"الصحيحين\" (^٢) عن أبي هريرة - ﵁ - نحوه.\nوأخرج أبو داود (٢٣٢٥)، بإسناد صحيح عن عائشة - ﵂ -، أن النبي - ﷺ - كان يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان فإذا غُمَّ عليه عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام. انظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>مسألة: معرفة دخول الشهر بطريقة الحساب:</span>\nتقدم في الأحاديث أن النبي - ﷺ - علق الصوم بالرؤية، وفي ذلك إبطالٌ لطريقة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٠)، ومسلم برقم (١٠٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٩)، ومسلم برقم (١٠٨١).","vol":"1","page":11},{"text":"أهل الحساب.\nقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: الذي أقول: إن الحساب لا يجوز أن يُعْتمد عليه في الصوم؛ لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون؛ فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين وفي اعتبار ذلك إِحْداث شرع لم يأذن به الله. انتهى المراد من \"شرحه للعمدة\" (٢/ ٢٠٦).\nقال ابن بطال - ﵀ - كما في \"السبل\" (٤/ ١١٠): في الحديث دفع لمراعاة المنجمين، وإنما المُعَوَّل عليه رؤية الهلال، وقد نُهِينا عن التَّكلف.\nوقال ابن بزيزة - ﵀ - كما في \"السبل\" (٤/ ١١٠): هو مذهب باطل، وقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حَدْس وتخمين ليس فيها قطع.\nثم قال الصنعاني - ﵀ -: والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر - ﵄ -، أنه - ﷺ - قال: «إنَّا أمة أُمِّيَّة؛ لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، وعقد في الثالثة أصبعًا، «والشهر هكذا وهكذا وهكذا» يعني تمام الثلاثين.\nقلتُ: وقد أخرج الحديثَ مسلمٌ أيضًا. (^١)\nوقال صديق بن حسن - ﵀ - في \"الروضة الندية\" (١/ ٢٢٤): والتوقيت في الأيام والشهور بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة. اهـ\nوَسُئِلت اللجنة الدائمة عن هذه المسألة رقم (٣٨٦)، فأجابت بجوابٍ فيه:\n_________\n(^١) البخاري برقم (١٩١٣)، ومسلم برقم (١٠٨٠) (١٥).","vol":"1","page":12},{"text":"فالرجوع في إثبات الشهور القمرية إلى علم النجوم في بدء العبادات والخروج منها دون الرؤية من البدع التي لا خير فيها ولا مستند لها من الشريعة. اهـ\nوقد ذهب إلى القول بحساب المنازل: مُطَرِّف بن عبد الله من التابعين، وابن قتيبة.\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة فهو ممن لا يُعرَّج عليه في مثل هذا. اهـ\nانظر: \"التمهيد\" (٧/ ١٥٦)، \"الفتح\" (١٩١١)، \"سبل السلام\" (٤/ ١١٠)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٣٢ - ١٣٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>مسألة: استعمال المنظار المقرب للرؤية:</span>\nقال الإمام ابن عثيمين - ﵀ -: وأما استعمال ما يسمى بـ (الدربيل) وهو المنظار المقرب في رؤية الهلال فلا بأس به، ولكن ليس بواجب؛ لأن الظاهر من السنة أنَّ الاعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها، ولكن لو اسْتُعْمِل فرآه من يُوثَق به فإنه يُعمَل بهذه الرؤية، وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون المنائر في ليلة الثلاثين من شعبان، أو ليلة الثلاثين من رمضان فيتراءونه بواسطة هذا المنظار، على كل حال متى ثبتت رؤيته بأي وسيلة؛ فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية؛ لعموم قوله - ﷺ -: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» (^١). اهـ\nانظر: \"فتاوى رمضان\" (١/ ٦٢) جمع/ أشرف، \"فتاوى العثيمين\" (١٩/ ٣٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٠)، ومسلم برقم (١٠٨٠) عن ابن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>مسألة: إذا رأى الهلال أهل بلدة فهل يلزم بقية البلاد الصوم</span>؟\nاختلف في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا حتى تفرقوا في ذلك إلى ما يقارب ثمانية أقوال كما ذكر ذلك صديق بن حسن في \"الروضة الندية\" (١/ ٢٢٤).\nوقد ألَّف الإمام الشوكاني - ﵀ - في هذه المسألة رسالة سماها \"إْطَلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال\".\nوأقوى هذه المذاهب ثلاثة:\nالأول: أنه يلزم بقية البلدان الصوم.\nوهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وغيرهم، وهو ترجيح جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية كما في \"مجموع الفتاوى\"، والإمام الشوكاني وصديق بن حسن خان، والألباني، وابن باز رحمة الله عليهم أجمعين.\nواستدلوا بقوله - ﷺ -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». (^١)\nقال الشوكاني - ﵀ -: وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم؛ لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم. اهـ من \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٩٤).\nالثاني: أنه يلزم بقية البلدان التي توافق البلدة التي رأته في مطالع الهلال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٠)، ومسلم برقم (١٠٨٠) عن ابن عمر - ﵄ -.","vol":"1","page":14},{"text":"وهو مذهب الشافعية، وقول عن أحمد، واختاره ابن عبد البر في \"التمهيد\"، وشيخ الإسلام في \"الاختيارات\"، وهو ترجيح شيخنا مقبل بن هادي الوادعي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهما من أهل العلم رحمة الله عليهم أجمعين.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، قالوا: والذين لا يوافقون من شاهده في المطالع لا يقال: إنهم شاهدوه لا حقيقة ولا حكمًا، والله تعالى: أوجب الصوم على من شاهده.\n٢ - قوله - ﷺ -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، فعلق الصوم بالرؤية ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه لا حقيقة ولا حكمًا.\n٣ - حديث ابن عباس - ﵄ -، في \"صحيح مسلم\" برقم (١٠٨٧)، أنه سأل كُرَيبًا متى رأى الهلال - وكان بالشام- فقال: رأيناه ليلة الجمعة، فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت؛ فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال، أو نكمل العدة. فقال كريب: أفلا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -.\nالثالث: أنه لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع، وهو قول ابن المَاجشون.\nوقال الإمام ابن عثيمين - ﵀ -: وعمل الناس اليوم على هذا، وهو من الناحية الاجتماعية قول قوي.","vol":"1","page":15},{"text":"والقولان الأولان قويان، إلا أنَّ الذي يظهر والله أعلم أن الأول أقوى؛ لعموم الدليل الذي استدلوا به، والشرع عام، ولو كان الحكم على غير ذلك لَبَيَّنَه.\nوقد ردوا على القول الثاني بما يلي:\n١ - إن اختلاف المطالع أمرٌ لا ينضبط بحد محدود، فما هو الضابط الذي يفصل بين كل مطلع وآخر.\n٢ - قال الإمام الألباني - ﵀ - في \"تمام المنة\": والمطالع أمور نسبية ليس لها حدود مادية يمكن للناس أن يتبينوها. اهـ\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: كما في \"مجموع الفتاوى\": إذا اعتبرنا حدًّا كمسافة القصر أو الأقاليم، فكان رجل في آخر المسافة والإقليم؛ فعليه أن يصوم ويفطر وينسك، وآخر بينه وبينه غَلْوَة سهم لا يفعل شيئًا من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين. اهـ المراد\n٣ - المقصود بالآية والحديث الذي استدل بهما أصحاب القول الثاني هو العلم بحلول شهر رمضان، وقد حصل ذلك برؤية أهل بلد معين، وكما أنه يلزم أهل البلد الواحد الصوم برؤية بعض أفرادهم، فكذلك يلزم أهل البلدان الأخرى الصوم برؤية أهل هذا البلد.\n٤ - استدلالهم بحديث ابن عباس - ﵄ -، أجيب عنه بأجوبة:\nالأول: أن ابن عباس - ﵄ - لم يصرح بأن النبي - ﷺ - أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين أو","vol":"1","page":16},{"text":"يروه كما في الأحاديث الأُخَر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: في \"كتاب الصيام\" (١/ ١٧٤): ويجوز أن يكون ذلك؛ لأن النبي - ﷺ - أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه أو يكملوا العدة كما قد رواه ابن عباس وغيره مفسرًا فاعتقد ابن عباس أن أهل كل بلد يصومون حتى يروه أو يكملوا العدة وقد تقدم عنه - ﷺ - ما يبين أنه قصد رؤية بعض الأمة في الجملة؛ لأن الخطاب لهم، وهذا عمل برؤية قوم في غير مِصْرِه. اهـ\nوقد أجاب بهذا الجواب أيضًا ابن دقيق العيد، والشوكاني في \"النيل\"، وصديق بن حسن في \"الروضة الندية\".\nالثاني: قال الإمام الألباني - ﵀ - في \"تمام المنة\": إنَّ حديث ابن عباس ورد في من صام على رؤية بلده ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا العدة أو يروا الهلال. اهـ\nوقد سبق شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - إلى الإشارة إلى مثل هذا الجواب كما في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٠٩).\nالثالث: أن هذه شهادة من كُرْيب وهو واحد، وقد أمرهم النبي - ﷺ - أن يفطروا بشهادة اثنين، ولو عملوا بخبره؛ لأفطروا بشهادة واحد، كذا أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في \"شرح العمدة\".\nوأشار إلى هذا الجواب الإمام النووي - ﵀ - في \"شرح مسلم\"، والله أعلم.\nقلتُ: ويبين أن الحديث ليس فيه وجه لما استدلوا به أن مطلع الشام والمدينة النبوية لا يختلف، بل هو مطلع واحد، والله أعلم.","vol":"1","page":17},{"text":"قلتُ: لكن قال شيخ الإسلام - ﵀ - كما في مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٠٣): حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان؛ فلا خلاف أنه لا يعتبر.\nوعلى هذا فرؤية أهل المغرب لا تعتبر على أهل المشرق، إلا مع اتحاد المطلع، ولكن يظهر أن رؤية أهل المشرق تعتبر على أهل المغرب وإن اختلفت المطالع؛ لأن مطلعهم بعدهم؛ فإذا رأى الهلال أهل المشرق كانت رؤيتهم معتبرة على كل من كان بعدهم في المطلع، وإن تباعدوا، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، \"المغني\" (٣/ ٥)، \"كتاب الصيام\" من \"شرح العمدة\" (١/ ١٧٠ - ١٧٥)، \"المُفْهم\" (٣/ ١٤٢)، \"الفتح\" (١٩١١)، \"شرح مسلم\" (٧/ ١٩٧)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٩٤)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٠٣)، \"الروضة الندية\" (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، \"تمام المنة\" (ص ٣٩٨)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٢٠ - ٣٢٣)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>مسألة: رؤية الهلال بالنهار:</span>\nأما إذا كانت الرؤية بعد الزوال، فقد نقل ابن حزم الإجماع على أنه لا يجب الصوم إلا من الغد.\nوأما قبل الزوال، ففيه مذاهب:\nالأول: أنه لِلَّيلة الماضية، وهو قول الثوري، وأبي يوسف، وسلمان بن ربيعة،","vol":"1","page":18},{"text":"وابن حبيب الأندلسي، ورواية عن عمر بن عبدالعزيز، ورواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن حزم.\nقالوا: فإن كانت الرؤية في أول الشهر أمسكوا وقضوا، وإن كانت آخر الشهر أفطروا وعيدوا؛ لأن وقت العيد باقٍ [إلا أن ابن حزم لم يذكر القضاء].\nوقد استدلوا على ذلك بما رواه عبدالرزاق (٤/ ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٦)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٤/ ٢١٣) من طريق إبراهيم النَّخعي، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كتب إلى عتبة بن فَرْقَد: إذا رأيتم الهلال في آخر النهار فأتموا صومكم؛ فإنه لليلة المقبلة، وإذا رأيتموه في أول النهار فأفطروا؛ فإنه لليلة الماضية. يعني هلال شوال.\nالثاني: كالمذهب الأول إلا أن الهلال في آخر الشهر للمقبلة احتياطًا للصوم، وهو رواية عن أحمد نقلها الأثرم والميموني.\nالثالث: أنه لليلة المقبلة، وهو رواية عن أحمد اختارها الخرقي، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، والليث، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن، ورواية عن عمر بن عبدالعزيز، ورجحه ابن عبدالبر، ونقله عن أكثر العلماء ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، ثم الإمام ابن عثيمين - ﵀ -.\nواستدلوا على ذلك بما أخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٦٢ - ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٧)، والدارقطني (٢/ ١٦٨ - ١٦٩)، والبيهقي (٤/ ٢١٣) بأسانيد صحيحة عن أبي وائل، قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطاب، ونحن بِخَانِقِين أن الأَهِلَّة بعضها","vol":"1","page":19},{"text":"أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال؛ فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهَلَّاه بالأمس عشيًّا.\nوقد ثبت ذلك عن عثمان - ﵁ -، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥)\nوجاء ذلك أيضًا عن ابن مسعود - ﵁ -، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٦) من طريق: القاسم بن عبدالرحمن عنه، أنه قال: إذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا؛ فإن مجراه في السماء، لعله أن يكون قد أهل ساعتئذٍ.\nوإسناده ضعيف بسبب انقطاعه بين القاسم، وعبد الله.\nوقد جاء عن ابن عمر - ﵄ -، القول بذلك، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٦٦) بإسناد صحيح عنه، وجاء ذلك أيضًا عن أنس بن مالك - ﵁ -، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥) بإسناد صحيح عنه.\nقالوا: والتفريق بين رؤيته قبل الزوال وبعد الزوال لا يستند إلى كتاب ولا سنة.\nوهذا القول هو الراجح؛ للاحتمال الذي ذُكِر في أثر ابن مسعود المتقدم.\nوأما أثر عمر المتقدم الذي استدل به أهل القول الأول فهو منقطع؛ لأن إبراهيم النَّخعي لم يدرك عمر - ﵁ -.\nقال البيهقي - ﵀ -: هكذا رواه إبراهيم النخعي منقطعًا، وحديث أبي وائل أصَحُّ.\nانظر: \"كتاب الصيام\" من \"شرح العمدة\" (١/ ١٦١ - ١٧٠)، \"التمهيد\" (٧/ ١٧٧ - ١٧٨)، \"الفتح\" (١٩١١)، \"الروضة الندية\" (١/ ٢٢٤)، \"المجموع\" (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، \"المحلى\" (٦/ ٢٣٩) رقم (٧٥٨)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣١٩)، \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢١٣).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>مسألة: ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود</span>؟\nاختلف في ذلك على ثلاثة مذاهب:\nالأول: أن المعتبر شهادة اثنين عند الصوم والإفطار.\nوهو قول مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، وهو رواية غير مشهورة عن أحمد.\nواستدلوا بما أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١) عن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه، فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله - ﷺ - وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها؛ فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين؛ فإنْ شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا».\nوإسناده ضعيف؛ لأن فيه حجاج بن أَرْطَاة، وهو ضعيف ومدلس، وقد سقط حجاج بن أرطاة من سند النسائي (٤/ ١٣٢ - ١٣٣)، وهو وهم من سعيد ابن شَبِيب كما ذكر ذلك الحافظ المزي في \"تحفة الأشراف\" (١١/ ١٧٨)، وكذلك ابن عبدالهادي في \"التنقيح\" (٣/ ٢١٦).\nولكن للحديث شاهد يحسن به فقد أخرج أبو داود (٢٣٣٨)، والدارقطني (٢/ ١٦٧) من حديث أمير مكة الحارث بن حاطب - ﵁ -، أنه قال: عهد إلينا رسول الله - ﷺ - أن ننسك للرؤية؛ فإن لم نره وشهِدَ شاهدا عَدْلٍ؛ نسكنا بشهادتهما. وأقره ابن عمر - ﵄ -، وإسناده حسن.\nالثاني: أن المعتبر عند الصيام شهادة واحد، وعند الإفطار شهادة اثنين، وهو","vol":"1","page":21},{"text":"قول أحمد، والشافعي في أحد قوليه، وابن المبارك.\nواستدلوا بالأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول.\nقالوا: وأما عند الصوم فقد أخرج أبو داود (٢٣٤٢) بإسناد صحيح عن ابن عمر - ﵄ -، قال: ترآى الناس الهلال، فأخبرت النبي - ﷺ - أَنِّي رأيته، فصام وأمر بصيامه. وثبت عن ابن عمر - ﵄ -، أنه أجاز شهادة رجل في الهلال كما في \"تهذيب الآثار\" (٢/ ٧٦٢ -) مسند ابن عباس - ﵄ -.\nوأخرج أبو داود (٢٣٤٠)، والنسائي (٢١١٣)، والترمذي (٦٩١)، وابن ماجه (١٦٥٢)، وغيرهم من طريق سِماك عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ -، أن أعرابيًّا شهد عند النبي - ﷺ - أنه رأى الهلال، فقبل النبي - ﷺ - شهادته بعد أن تأكد من إسلامه.\nقالوا: وهذا إخبار بعبادة لا يتعلق بها حق آدمي؛ فقبل فيها قول الواحد.\nالثالث: أنه يكفي شهادة رجل عند الصوم وعند الإفطار.\nوهو قول أبي ثور وابن حزم والشوكاني واستدلوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المذكورين قريبًا، وقاسوا عليه شهادة الفطر، وقال بهذا القول الصنعاني أيضًا.\nورُجِّح القول الأول؛ لدلالة الأحاديث التي استدلوا بها؛ ولأنه هلال من الأَهِلَّة فلم يثبت إلا بشاهدين كسائر الأهلة؛ ولأنه إيجاب حق على الناس، فلم يجب إلا بشاهدين كسائر الحقوق؛ ولأن رواية الواحد معرضة للغلط، ولاسيما إن كان بين الناس والسماء مُصْحِية، وربما يتهم في ذلك، فلابدَّ من إزالة الشبهة باثنين.","vol":"1","page":22},{"text":"وقد أجيب عن أدلة القول الثاني بأن حديث ابن عباس - ﵄ - الراجح أنه من مراسيل عكرمة كما جزم بذلك النسائي، والترمذي، وأبو داود.\nانظر \"نصب الراية\" (٢/ ٤٤٣)، و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ٣٥٨)، و\"الإرواء\" (٦١٣).\nوأما حديث ابن عمر - ﵄ -، فليس فيه أن النبي - ﷺ - أمر بالصيام؛ لشهادة ابن عمر وحده، بل يحتمل أنه قد شهد غيره عند النبي - ﷺ -.\nوأما قولهم: (إنه إخبار بعبادة لا يتعلق بها حق الآدميين) فلا يسلم هذا؛ فإنه يتعلق بهذا الهلال سائر حقوق الآدميين من الآجال، والإجارات، والطلاق، والعِتَاق، وغير ذلك.\nوقد أجيب عن أدلة القول الأول:\nبأن أدلتهم لا تدل على ما استدلوا به إلا بطريق المفهوم، وحديث ابن عمر - ﵄ - منطوق؛ فَيُقَدَّم عليه.\nقال ابن القيم - ﵀ - في \"الطرق الحكمية\" (ص ١٤٦): ولا يقوى ما يتوهم من عموم المفهوم على معارضة هذين الخبرين -يعني حديث ابن عمر، وابن عباس - ﵃ -.\nقال: وأصول الشرع تشهد للاكتفاء بقول الواحد؛ فإنَّ ذلك خبر عن دخول وقت الصيام، فاكتُفي فيه الشاهد الواحد، كالإخبار عن دخول وقت الصلاة بالأذان، ولا فرق بينهما. اهـ\nوقال شيخ الإسلام - ﵀ -: المفهوم عارضه نصٌّ، والمنطوق مقدم على المفهوم؛","vol":"1","page":23},{"text":"فإن المفهوم أحسن أحواله أن يكون كالعام مع الخاص، وكالقياس مع النص، وهذا يترك من غير نسخ، والنص لا يترك إلا بناسخ. انتهى المراد من \"شرح الصيام\" (١/ ١٤٧).\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، وبالله التوفيق.\nانظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٨٧)، \"المحلى\" رقم (٧٥٧)، \"كتاب الصيام\" (١/ ١٣٥)، \"سبل السلام\" (٤/ ١١١ - ١١٢)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٢٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>مسألة: من رأى الهلال وحده هل يلزمه الصوم والفطر</span>؟\nفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنه يلزمه الصوم والفطر - أعني الصوم إذا رآه في أول الشهر، والفطر إذا رآه في آخر الشهر- ويفطر سرًا، وهو مذهب الشافعي، والحسن بن حي، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن حزم؛ لقول النبي - ﷺ -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، فهذا قد تيقن أنَّ رمضان قد دخل أو قد خرج فوجب عليه العمل به.\nالثاني: أنه يصوم ولا يفطر، وهو المشهور عن أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، واستدلوا بما استدل به الفريق الأول، وقالوا: لا يفطر؛ احتياطًا لرمضان.\nالثالث: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهو مذهب الشعبي، والحسن، وابن سيرين، ورواية عن أحمد، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ ابن باز، والشيخ الألباني رحمة الله عليهم.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «صومكم يوم تصومون،","vol":"1","page":24},{"text":"وفطركم يوم تفطرون»، أخرجه الترمذي (٦٩٧)، وإسناده حسن.\nوثبت عن أنس - ﵁ -، أنه كره مخالفة الأمير، وصام معه قبل دخول الشهر. أخرجه أحمد كما في مسائل الفضل بن زياد، كما في \"زاد المعاد\" (٢/ ٤٣) بإسنادٍ حسنٍ.\nوالراجح -والله أعلم- القول الأول، وقد أجابوا عن هذا الحديث بِحَمْلِهِ على من لم يعلم خلاف ما عليه الناس، ولم يتيقن من رؤية الهلال كما ذكر ذلك الصنعاني - ﵀ - في \"سبل السلام\"، والله أعلم.\nانظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١١٤ - ١١٨)، \"المغني\" (٣/ ٤٧)، \"التمهيد\" (٧/ ١٥٨ - ١٥٩)، \"سبل السلام\" (٣/ ٢١٧ - ٢١٨)، \"المحلى\" (٧٥٧)، \"كتاب الصيام\" (١/ ١٥٤)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٢٨ - ٣٣٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>مسألة: إذا أخبره من يثق بقوله أنه رأى الهلال، فهل يصوم أم يفطر</span>؟\nقطع جماعة من الشافعية، والحنابلة أنه يلزمه الصوم وإن لم يثبت ذلك عند الحاكم؛ لأن رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بالمُخْبر وحاله، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة، وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته.\nانظر: \"شرح المهذب\" (٦/ ٢٧٧)، \"المغني\" (٣/ ٤٨)، \"المحلى\" (٧٥٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>مسألة: شهادة النساء للهلال</span>؟\nأما في هلال شوال: فقد قال أبو عمر بن عبد البر - ﵀ -: أما الشهادة على رؤية الهلال، فأجمع العلماء على أنه لا تقبل في شهادة شوال في الفطر إلا رجلان","vol":"1","page":25},{"text":"عدلان. اهـ\nقال ابن قدامة - ﵀ -: ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة النساء مفردات وإن كَثُرْن، وكذلك سائر الشهور؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد به المال؛ فأشبه القصاص، وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان، ولكن تركناه احتياطًا للعبادة. اهـ\nقلتُ: أما الإجماع الذي نقله ابن عبد البر فلا يصح؛ فقد خالف ابن حزم كما في \"المحلى\" وقبله أبو ثور ومال إليه ابن رُشْد، وهو اختيار شيخ الإسلام، والعلامة العثيمين، وهو الصحيح، وليس هناك دليل على تخصيص شهادة النساء بالأموال وبما لا يَطَّلع عليه الرجال غالبًا فحسب، والله أعلم.\nانظر: \"التمهيد\" (٧/ ١٥٧)، \"المغني\" (٣/ ١٤٩)، \"بداية المجتهد\" (٥/ ١٣٦)، \"المحلى\" (٧٥٧).\nوأما هلال رمضان: ففي ذلك خلاف مبني على أن الإخبار بدخول رمضان هل هو من باب الشهادة أم من باب الإخبار؟ ورُجِّح الأول بقول النبي - ﷺ -: «فإن شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا»، وقد تقدم.\nولذلك فقد ذهب الشافعي في \"الأم\" وعليه أكثر الشافعية، وذهب إليه بعض الحنابلة أنه لا تقبل شهادتها؛ لأن هذا مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد به المال، وهو مذهب الليث، وابن المَاجشون المالكي.\nوالمشهور عند الحنابلة وهو قول أبي حنيفة، وهو ترجيح ابن حزم أنه يعمل بقولها.","vol":"1","page":26},{"text":"والراجح -والله أعلم-: هو قبول شهادة النساء في ذلك؛ لأن الراجح كما في \"باب الشهادات\" أن الشهادة مقبولة في غير الحدود، وهو اختيار شيخ الإسلام والعلامة العثيمين - ﵀ -.\nوهذا على التسليم بأنها شهادة، وإلا فالأظهر أن ذلك خبر ديني كما اختاره شيخ الإسلام وابن القيم، ويؤيده قبول النبي - ﷺ - لشهادة ابن عمر - ﵄ -، وهو واحدٌ كما تقدم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٧٧)، \"المغني\" (٣/ ٤٨)، \"كتاب الصيام\" (١/ ١٤٥)، \"تفسير القرطبي\" سورة البقرة [آية ٢٨١]، \"المجموع\" (٦/ ٢٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>مسألة: شهادة الصبي المميز الموثوق بخبره</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ -: وأما الصبي المميز الموثوق بخبره فلا يقبل قوله إن شرطنا اثنين أو قلنا شهادة، وهذا لا خلاف فيه، وإن قلنا روايةً فطريقان: الأول: المذهب، وبه قطع الجمهور: لايقبل قطعًا. والثاني: فيه وجهان، بناء على الوجهين المشهورين في قبول روايته، إن قبلناها قُبِل هذا، وإلا فلا، وبهذا الطريق قطع إمام الحرمين. انتهى من \"شرح المهذب\" (٦/ ٢٧٧).\nومذهب الحنفية، والأصح عند الحنابلة عدم العمل بشهادته.\nقلتُ: والراجح عدم قبول قوله؛ لأنه غير مكلف، ولا يوصف بالعدالة قبل التكليف. \"الموسوعة الفقهية الكويتية\" (١٩/ ١٦)، و\"الإنصاف\" (٣/ ١٩٥).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>مسألة: شهادة الكافر، والفاسق، والمغفل</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ -: لا يُقبل قولهم فيه بلا خلاف. انتهى من \"شرح المهذب\" (٦/ ٢٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>مسألة: إذا أصبح الرجل مُفْطِرًا يعتقد أنه من شعبان، ثم قامت البَيِّنة أن اليوم من رمضان، وأن الهلال قد أُهلَّ بالأمس</span>؟\nفي هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنه لا يصوم، وليس عليه القضاء، وهو قول داود، والظاهرية إلا ابن حزم؛ لأنه لم يدرك زمن صوم ذلك اليوم من أوله.\nالثاني: أنه يأكل بقية يومه ثم يقضيه، وهذا القول مروي عن عطاء.\nالثالث: أنه يمسك فيه عما يمسك الصائم ولا يجزئه وعليه قضاؤه، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والجمهور؛ لأنه لم يصم يومًا كاملًا.\nالرابع: أنه يمسك، ولا يجزئه، وعليه قضاؤه إن أكل، أو علم بعد الزوال أكل أو لم يأكل، وهو قول أبي حنيفة.\nالخامس: أنه يصوم يومه ويجزئه، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني.\nواستدلوا بحديث سلمة بن الأكوع، والرُّبيِّع بنت مُعوذ، وغيرهما من الصحابة - ﵃ -، في صيام يوم عاشوراء، أن النبي - ﷺ - قال: «من أصبح صائما","vol":"1","page":28},{"text":"فليتم صومه، ومن أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه». (^١)\nوهذا القول هو الصحيح، وهو ظاهر ترجيح صديق بن حسن - ﵀ - في \"الروضة الندية\".\nقال ابن حزم - ﵀ -: فلا يخلو هذا الإمساك الذي أمروه به من أن يكون صائمًا ويجزئه -وَهُم لا يقولون بهذا- أو لا يكون صومًا ولا يجزئه؛ فمن أين وقع لهم أن يأمروه بعمل يتعب فيه ويتكلفه ولا يجزئه؟! وأيضًا: فإنه لا يخلو من أن يكون مفطرًا، أو صائمًا؛ فإن كان صائمًا فَلِمَ يقضيه إذن؟ فيصوم يومين، وليس عليه إلا واحد، وإن كان مفطرًا فَلِمَ أمروه بعمل الصوم؟! وهذا عجب جدًّا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. اهـ\nقال أبو عبد الله ﵀: هذا القول هو الصحيح، والأحوط أن يقضي يومًا كما قال الجمهور، وبالله التوفيق.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٣٣)، \"المجموع\" (٦/ ٢٧١)، \"المحلى\" (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤) (٧٢٩)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٥٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>مسألة: إذا لم يعلم بالرؤية إلا بعد غروب الشمس</span>؟\nذهب الجمهور إلى أنه يلزمه القضاء، وذهب شيخ الإسلام، وابن حزم إلى أنه لا قضاء عليه.\nقال ابن حزم - ﵀ -: وأما من لم يعلم بوجوب صوم ذلك اليوم عليه إلا بعد\n_________\n(^١) أخرجهما البخاري (١٩٢٤) (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٥) (١١٣٦).","vol":"1","page":29},{"text":"غروب الشمس؛ فإنه لم يصمه كما أمر؛ لأنه لم يَنْو في شيء منه صومًا، ولم يتعمد ترك النية، فلا إثم عليه فيما لم يتعمد ولا قضاء عليه؛ لأنه لم يأت بإيجاب القضاء عليه نَصٌّ ولا إجماع، ولا يجب في الدين حكم إلا بأحدهما، وإنما أمر بصيام ذلك اليوم، لا بصوم غيره مكانه، فلا يجزئ ما لم يؤمر به مكان ما أمر به. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أمر الله بصيام شهر كامل فعليه أن يقضي يومًا مكانه، والله أعلم.\nانظر \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٠٦)، \"المحلى\" (٧٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>مسألة: إذا أصبح الناس صيامًا في ثلاثين من رمضان، ثم جاءهم الخبر بأن هلال شوال قد استهل ليلًا</span>؟\nقال ابن عبد البر - ﵀ - في \"التمهيد\" (٧/ ١٦١): وأجمع العلماء على أنه إن ثبت أنَّ الهلال من شوال رُئِيَ بموضع استهلاله ليلًا، وكان ثبوت ذلك، وقد مضى من النهار بعضه أنَّ الناس يفطرون ساعة جاءهم الخبر الثَّبت في ذلك؛ فإنْ كان قبل الزوال صلوا العيد بإجماع من العلماء وأفطروا، وإن كان بعد الزوال فاختلف العلماء في صلاة العيد حينئذٍ ...\nثم ذكر مذاهب العلماء في ذلك، وأشهرها:\n١ - قول مالك، وأبي حنيفة: أنه لا تُصَلَّى صلاة العيد في غير يوم العيد لا فطر ولا أضحى.\n٢ - قول الثوري: يخرجون في الفطر من الغد.","vol":"1","page":30},{"text":"٣ - قول الليث: يخرجون في الفطر والأضحى من الغد، وعلَّق الشافعي القول بهذا بثبوت حديث فيه.\nوأقولُ: قد ثبت في ذلك حديث أبي عُمير بن أنس عن عُمومة له من أصحاب النبي - ﷺ -، أن رَكْبًا جاءوا إلى النبي - ﷺ - يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مُصلَّاهم. أخرجه أبو داود برقم (١١٥٧)، وصححه الإمام الوادعي في \"الجامع الصحيح\" (٢/ ٤٥٠).\nوقد رجح ابن عبد البر - ﵀ - القولَ الأول، وضَعَّف هذا الحديث، وأعلَّه بجهالة أبي عمير، وقد رُدَّ عليه بأنَّ أبا عمير قد وثقه ابن سعد وغيره.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الثالث، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي - ﵀ -؛ حيث بوَّب في \"الجامع الصحيح\"، فقال: [تُصَلَّى صلاة العيد في اليوم الثاني إذا لم يعلم بتمام الشهر في وقت الصلاة].\nفائدة:\nقال ابن عبد البر - ﵀ - (٧/ ١٦٢): وقد أجمع العلماء على أن صلاة العيد لا تصلَّى يوم العيد بعد الزوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>مسألة: لو غمَّ الهلال فرأى إنسان النبي ﷺ في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان</span>؟\nقال النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢): لا يصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام ولا لغيره. ذكره القاضي حسين في \"الفتاوى\"، وآخرون","vol":"1","page":31},{"text":"من أصحابنا، ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، وقد قررته بدلائله في أول \"شرح صحيح مسلم\"، ومختصره: أنَّ شرط الرواي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظًا حال التحمل، وهذا مُجمع عليه، ومعلوم أن النوم لا تَيقُّظ فيه، ولا ضبط؛ فترك العمل بهذا المنام لاختلال ضبط الراوي لا للشك في الرؤية؛ فقد صحَّ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا؛ فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (^١). اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢٦٦)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالنِّيَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>مسألة: هل تشترط النية للصوم</span>؟\nلا يصح الصوم إلا بنية، سواء كان فرضًا أو تطوعًا؛ لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات»، متفق عليه عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.\nوهذا قول جمهور العلماء، بل نقل ابن قدامة عليه الإجماع كما في \"المغني\" (٣/ ٧)، والصحيح وجود الخلاف، فقد ذهب الزهري وعطاء وزُفر ومجاهد إلى أنَّ الصوم إذا كان متعينًا بأن يكون صحيحًا مقيمًا في شهر رمضان فلا يفتقر إلى نية.\nانظر \"المجموع\" (٦/ ٣٠٠)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٩٧)، و\"المحلى\" رقم (٧٢٨).\nقال النووي - ﵀ -: قال الماوردي: فأما صوم النذر والكفارة، فيشترط له النية بإجماع المسلمين. \"المجموع\" (٦/ ٣٠٠ - ٣٠١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>مسألة: تعيين النية في الصوم الواجب</span>؟\nذهب الجمهور إلى وجوب التعيين، وهو أن يعتقد أنه يصوم غدًا من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو من نذره، وهو مذهب مالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وداود، واستدلوا بقوله - ﷺ -: «وإنما لكل امرئ ما نوى».\nوهذا القول هو الراجح، وهو الذي رجحه ابن قدامة، والنووي.\nوذهب أبو حنيفة إلى عدم وجوب تعيين النية في صوم رمضان، فلو نوى في","vol":"1","page":33},{"text":"رمضان الصوم مطلقًا أو نفلًا، وقع عن رمضان، وصحَّ صومه، وهو رواية عن أحمد، والصحيح القول الأول، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٩)، \"المجموع\" (٦/ ٢٩٤ - ٣٠٢)، \"كتاب الصيام\" (١/ ١٩٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>مسألة: التعيين في صوم التطوع</span>؟\nقال النووي - ﵀ - في \"شرح المهذب\" (٦/ ٢٩٥): وأما صوم التطوع فيصح بنية مطلق الصوم كما في الصلاة، هكذا أطلقه الأصحاب، وينبغي أن يشترط التعيين في الصوم المرتب كصوم عرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وست من شوال ونحوهما، كما يشترط ذلك في الرواتب من نوافل الصلاة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>مسألة: تبييت النية في صيام الفرض</span>؟\nذهب الجمهور وفيهم أحمد، ومالك، والشافعي إلى وجوب تبييت النية في الفرض من الليل، واستدلوا بحديث حفصة عند أبي داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٣٧٠)، والنسائي (٢٣٣١)، وابن ماجه (١٧٠٠)، وغيرهم، أن النبي - ﷺ - قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وهذا الحديث الراجح أنه موقوف على حفصة، وجاء أيضًا موقوفًا على ابن عمر - ﵃ -.\nوقد رجَّح وقفه البخاري، وأبو حاتم، والنسائي، والدارقطني، وأبو داود، والترمذي، واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^١) مرفوعًا «إنما الأعمال بالنيات».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١)، ومسلم برقم (١٩٠٧).","vol":"1","page":34},{"text":"وذهب أبو حنيفة إلى أنه يصح بنية قبل الزوال في صوم رمضان والنذر المعين، ووافق الجمهور على أن صوم القضاء والكفارة لا يصحان إلا بنية من الليل.\nواستدل له بقول النبي - ﷺ - في يوم عاشوراء: «من كان صائمًا فليتم صومه، ومن كان أكل فَلْيتم بقية يومه» متفق عليه بمعناه من حديث سلمة بن الأكوع، والرُّبيع بنت مُعوذ - ﵄ -. (^١)\nوالراجح: هو القول الأول، وهو ترجيح ابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والصنعاني، والشوكاني ﵏.\nوأما الدليل الذي استدل به لأبي حنيفة فقد أجاب عنه شيخ الإسلام، وكذا الشوكاني بأنَّ النية إنما صحت في نهار عاشوراء؛ لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور، ولكونه ابتدأ وجوبه من النهار، ولم يكن واجبًا عليهم من الليل بخلاف صوم رمضان.\nقال النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ٣٠١): لو سلمنا أنه كان فرضًا-يعني عاشوراء-فقد كان ابتداء فرضه عليهم من حين بلغهم، ولم يخاطبوا بما قبله كأهل قباء في استقبال الكعبة؛ فإن استقبالها بلغهم في أثناء الصلاة فاستداروا وهم فيها من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة، وأجزأتهم صلاتهم حيث لم يبلغهم الحكم إلا حينئذ، وإن كان الحكم باستقبال الكعبة قد سبق قبل هذا في حق غيرهم، ويصير هذا كمن أصبح بلا نية، ثم نذر في أثناء النهار صوم ذلك اليوم. اهـ\n_________\n(^١) أخرجهما البخاري (١٩٢٤) (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٥) (١١٣٦).","vol":"1","page":35},{"text":"انظر: \"المغني\" (٣/ ٧)، \"المجموع\" (٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، و\"النيل\" (٤/ ١٩٦)، \"المحلى\" (٧٢٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>مسألة: تبييت النية في صوم التطوع</span>؟\nذهب الجمهور إلى عدم وجوب تبييت النية في صوم التطوع، وقالوا: يجزئه أن يبتدئ النية من النهار مالم يأكل، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة.\nواستدلوا بحديث عائشة - ﵂ - في \"صحيح مسلم\" برقم (١١٥٤)، قالت: دخل عليَّ النبي - ﷺ - ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟»، قلنا: لا، قال: «فإني إذًا صائم»، وجاء في بعض الروايات «فإني صائم».\nوفي \"صحيح أبي عَوَانة «فأصوم»، برقم (٢٨٤١)، بإسناد صحيح.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: في \"شرح العمدة\" في \"كتاب الصيام\" (١/ ١٨٦): وهذا يدل على أنه أنشأ الصيام من النهار؛ لأنه قال: «فإني صائم»، وهذه الفاء تفيد السببية والعلة، فيصير المعنى: «إني صائم لأنه لا طعام عندكم»، وأيضًا فقوله «إني إذًا صائم»، و(إذًا) أَصْرح بالتعليل من الفاء. اهـ\nقلتُ: ورواية أبي عوانة «فأصوم» ظاهرةً أيضًا في أنه أنشأ الصوم؛ لأنَّ الفعل «أصوم» مضارع يفيد الاستقبال، والله أعلم.\nواستدل أهل هذا القول أيضًا بأنه قد صح عن جمعٍ من الصحابة أنهم يبتدئون صوم التطوع من النهار، منهم: أبو الدرداء، وأبو طلحة، وحذيفة، وابن مسعود، وأنس، ومعاذ بن جبل، كما في \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣/ ٣١،٢٩،٢٨)، وعبدالرزاق (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ٥٦)، ولا","vol":"1","page":36},{"text":"يُعْلم لهم مخالف من الصحابة، وهذا القول هو ترجيح الإمام الألباني، والعلامة ابن باز، والعلامة ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\nوذهب مالك، وداود، وابن حزم، والصنعاني، والشوكاني إلى وجوب تبييت النية من الليل؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ورجح هذا القول الإمام الوادعي.\nوأجابوا عن حديث عائشة - ﵂ -، بأنه محمول على أنَّ النبي - ﷺ - كان صائمًا فأراد أن يفطر، ويؤيد هذا أنه جاءت رواية في \"مسند أحمد\" صريحة بذلك، فقد أخرج أحمد (٦/ ٤٩) والنسائي (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) من طريق يحيى بن سعيد، عن طلحة بن يحيى قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ -، أن النبي - ﷺ - كان يأتيها وهو صائم، فيقول: «أصبح عندكم شيء؟» فتقول لا، فيقول: «إني صائم».\nوهذه الزيادة قوله: (وهو صائم) لم أجدها في غير هذا الموضع، وأكثر طرق الحديث بدونها.\nفقد رواه جمعٌ من الرواة عن طلحة بن يحيى بدون هذه الزيادة، وهم: سفيان بن عيينة، ووكيع، وعبد الله بن نُمير، وعبدالواحد بن زياد، وسفيان الثوري، وشعبة ومحمد بن سعيد، فهؤلاء سبعة.\nانظر مصادر رواياتهم في \"المسند الجامع\" (١٩/ ٧٣٥).\nوتابعهم عيسى بن يونس عند إسحاق بن راهويه (١٠٢٣)، وأبو معاوية عند أبي يعلى (٤٥٦٣)، وإسماعيل بن زكريا عند أبي يعلى (٤٥٩٦)، وابن حبان","vol":"1","page":37},{"text":"(٣٦٣٠)، ويعلى بن عبيد عند البيهقي في \"السنن الصغرى\" (١٢٩٣) (١٢٩٤) وأبي عوانة (٢/ ١٩٨)، وجعفر بن عون عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩)، وأبو أسامة حماد بن أسامة عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩).\nفهؤلاء ستة مع السبعة المتقدمين، فصاروا ثلاثة عشر راويًا يروون الحديث عن طلحة بن يحيى بدون زيادة: (وهو صائم)، فهذه الزيادة ليست محفوظة، والله أعلم.\nفعلى هذا فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ قول الجمهور هو الراجح.\nوأما حديث «إنما الأعمال بالنيات» فلا يعارض ما تقدم؛ لأنه يُؤْجَر على صيامه منذ ابتدأ النية، أما قبل ذلك فلا يؤجر على الصحيح من أقوال أهل العلم، ولئن سلمنا أنه يؤجر عليه، فيكون الحديث عامًّا مخصوصًا بحديث عائشة المتقدم، والله أعلم.\nانظر: \"كتاب الصيام\" (١/ ١٨٥ -)، \"المجموع\" (٦/ ٢٩٢) (٦/ ٣٠٣)، \"المغني\" (٣/ ١٠)، \"النيل\" (٤/ ١٩٧ - ١٩٨)، \"المحلى\" (٧٣٠).\nتنبيه:\nقال ابن قدامة - ﵀ - في \"المغني\": شرطه ألَّا يكون طعم قبل النية، ولا فعل ما يفطره، فإن فعل شيئًا من ذلك لم يجزئه الصيام بغير خلاف نعلمه. اهـ\nتنبيهٌ آخر:\nاختلف القائلون بجواز التطوع من النهار، هل يجزئه إحداث النية بعد الزوال أم لا، فذهب الشافعي والحنفية إلى عدم الجواز، وذهب أحمد إلى الجواز، وهو وجهٌ للشافعية، وهو الصحيح. قال شيخ الإسلام: والأظهر صحته كما نُقِل عن","vol":"1","page":38},{"text":"الصحابة.\nانظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٢٠)، \"المغني\" (٣/ ١١) \"الموسوعة الفقهية الكويتية\" (٢٨/ ٨٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>مسألة: هل يلزم النية لكل يوم على حِدَةٍ أم يكفيه نية واحدة لشهر رمضان؟ ولما يشترط فيه التتابع</span>؟\nذهب الجمهور، وفيهم الإمام أحمد في المشهور عنه، والشافعي، وأبو حنيفة، ورواية عن إسحاق إلى وجوب النية لكل يوم على حدة، وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة؛ ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام الاثنين مثلًا.\nوذهب الإمام مالك -ورواية عن أحمد نصرها ابن عقيل، ورواية عن إسحاق، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية- إلى أن رمضان وما لحق به مما يشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله؛ ما لم يقطعه لعذر فيستأنف النية.\nوهذا القول هو الراجح، وقد رجحه الإمام ابن عثيمين - ﵀ -.\nويدل عليه عموم قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات»، وأيضًا هو عبادة واحدة، فتكفيه نية واحدة.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: وكون الفساد يختص ببعضه إذا صادفه لا يمنع كونه عبادة واحدة كالحج؛ فإنه يشتمل على إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي، ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة، أو قد اخترق الحجر، ونحو ذلك لم يتعد الفساد إلى غيره، ومع هذا فهو عبادة واحدة. انتهى المراد","vol":"1","page":39},{"text":"وتظهر صورة الخلاف في صورةٍ، وهي: ما إذا نام المكلف من قبل غروب الشمس، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر الثاني، فعلى قول الجمهور لا يجزئه صوم ذلك اليوم، وعلى القول الثاني -وهو الصحيح- يجزئه، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٩)، \"المجموع\" (٦/ ٣٠٢)، \"كتاب الصيام\" (١/ ١٩٨ - ١٩٩)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٦٩) و\"التوضيح\" (٣/ ١٥١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>مسألة: إن نوى من النهار صوم الغد</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنَّ ذلك لا يجزئه، وهو رواية عن أحمد؛ فقد قال في رواية حنبل: يحتاج الرجل في شهر رمضان أن يُجْمع على الصيام في كل يوم من الليل، ويدل عليه قول النبي - ﷺ -: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل».\nالثاني: يجزئه ذلك؛ إلا أن يكون نقض النية بعد ذلك.\nوهذا هو الراجح، ويدل عليه عموم قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات»، وأما استدلالهم بالحديث، فقد تقدم أنَّ الصحيح فيه الوقف ومع القول بصحة رفعه، فقد قال شيخ الإسلام - ﵀ -: فإنَّ قوله «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» ليس بنص؛ فإنَّ من نوى من النهار واستصحب النية إلى الفجر، فقد أَجْمَع الصيام من الليل؛ لأنَّ الإجماع أعم من أن يكون مبتدأ أو مستصحبًا ذكرًا أو حكمًا.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٣٣٦) ط/هجر \"كتاب الصيام\" (١/ ١٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>مسألة: إذا نوى بالليل الصوم، ثم أكل، أو شرب، أو جامع قبل طلوع</span>","vol":"1","page":40},{"text":"الفجر، فهل تبطل نيته؟\nالذي عليه أكثر الحنابلة وأكثر الشافعية، ونصَّ عليه الشافعي أنها لا تبطل نيته؛ لعدم وجود دليل على إبطال نيته، وهذا القول هو الصحيح؛ لما تقدم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٩١)، \"كتاب الصيام\" (١/ ١٩٥)، \"المغني\" (٣/ ٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>مسألة: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع دمها</span>؟\nإن كانت لها عادة، وقد عرفت من حالها الطُّهْر قبل الفجر فتصح نيتها، وإن كانت مبتدأةً، أو لم يكن لها عادة، فلا تصح؛ لأنها لم تجزم، ولا بَنَتْ على أصل، ولا أَمَارَة، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٩٨)، \"كتاب الصيام\" (١/ ١٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>مسألة: من قال: سأصوم غدًا إن شاء الله</span>؟\nإن كان مراده الاستعانة بالتعليق على المشيئة لتحقيق مراده؛ فصيامه صحيح، وإن كان مترددًا لا يدري هل يصوم أو لا يصوم؛ فإنه لا يصح؛ لأنَّ النية لابد لها من الجزم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٩٨)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>مسألة: من نوى الصوم قبل الفجر، ثم جُنَّ</span>؟\nإذا جُنَّ جميع النهار من رمضان: فلا يصح صومه؛ لأنه ليس أهلًا للعبادة، ومن شرط الوجوب أن يكون عاقلًا، وعلى هذا فصومه غير صحيح، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه ليس أهلًا للوجوب؛ لقوله - ﷺ -: «رُفِع القلم عن ثلاثة ..»، وذكر منهم","vol":"1","page":41},{"text":"«المجنون حتى يعقل» (^١)، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وأبي حنيفة، وغيرهم.\nوخالف أبو العباس بن سريج، وقال بالقضاء، وهو مذهب المالكية.\nوأما إذا جُنَّ جزءًا من النهار: فذهب جمهور الحنابلة، وهو وجهٌ للشافعية، إلى أنه يصح صومه، وهو ترجيح ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حزم.\nقال ابن حزم - ﵀ - في \"المحلى\" (٤/ ٣٦٣): كنا نذهب إلى أنَّ المجنون، والمُغْمَى عليه يبطل صومهما ولا قضاء عليهما، ونقول: إن الدليل في ذلك ...\nثم ذكر الحديث المتقدم «رفع القلم عن ثلاثة ..».\nقال: ثم تأملنا الخبر بتوفيق الله تعالى، فوجدناه ليس فيه إلا ما ذكرنا من أنه غير مخاطب في حال جنونه حتى يعقل، وليس في ذلك بطلان صومه الذي لزمه قبل جنونه، ولا عودته عليه بعد إفاقته، وكذلك المغمى عليه؛ فوجب أن من جُنَّ بعد أن نوى الصوم من الليل فلا يكون مفطرًا بجنونه، لكنه فيه غير مخاطب، وقد كان مخاطبًا به؛ فإنْ أفاق في ذلك اليوم أو في أيام بعده من أيام رمضان فإنه ينوي الصوم من حينه ويكون صائمًا؛ لأنه حينئذ علم بوجوب الصوم عليه. اهـ\nوذهب الشافعي إلى أنَّ صومه فاسد، وعلل ذلك بأنه معنى يمنع وجوب الصوم، فأفسده وجوده في بعضه كالحيض، وقد رجح هذا المجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ١٠٠ - ١٠١)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، من حديث عائشة - ﵂ -، وأخرجه أبو داود (٤٣٩٩ - ٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، والحاكم (٢/ ٥٩)، عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، وهو موقوف له حكم الرفع، وإسناد الأول ضعيف، والثاني صحيح، وانظر \"الإرواء\" (٢٩٧).","vol":"1","page":42},{"text":"والراجح -والله أعلم- هو القول الأول.\nوأما ما استدل به الشافعي فقد أجاب عنه ابن قدامة، فقال: ولنا على الشافعي أنه زوال عقل في بعض النهار، فلم يمنع صحة الصوم كالإغماء والنوم، ويفارق الحيض؛ فإنَّ الحيض لا يمنع الوجوب، وإنما يجوز تأخير الصوم ويحرم فعله. اهـ\nتنبيه:\nالحنفية يقولون: إذا جُنَّ بعض الشهر، وأفاق بعضه؛ لزمه قضاء ما فاته، وخالفهم الجمهور؛ فرأوا أنه لا قضاء عليه، ومذهب المالكية قضاء رمضان، ولو جنَّ فيه كله. والصحيح قول الجمهور.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٢) شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٥ - ٤٦)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٦٤)، \"المحلى\" (٧٥٤)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٦٥) \"الحاوي الكبير\" (٣/ ٤٦٣ -).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>مسألة: من نوى الصيام، ثم أُغْمِي عليه</span>؟\nإذا أغمي عليه جميع النهار: فقد ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا يصح صومه، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قدامة.\nواستدل ابن قدامة لهذا القول بقول النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». (^١)\nقال: فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، فإذا كان مغمى عليه؛ فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه؛ ولأنَّ النية أحد ركني الصوم فلا تجزئ وحدها كالإمساك وحده، وأما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١) (١٦٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":43},{"text":"القضاء فالذي عليه الجمهور أنه يلزمه؛ لأنه مازال مكلفًا، ولأن الإغماء مرض، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]. وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -.\nوقد قال ابن قدامة - ﵀ -: بغير خلاف علمناه. اهـ\nلكن الصحيح وجود الخلاف كما في \"الإنصاف\"، ثم قلت: لعل الخلاف لبعض المتأخرين، فقد نقل الإجماع المزني، وهو متقدم؛ فقال - ﵀ - كما في الحاوي (١٥/ ٤٩٦): وأجمعوا أنه لو أغمي عليه الشهر كله؛ فلم يعقل فيه أن عليه قضاءه. اهـ وانظر \"المحلى\" (٤/ ٣٦٥).\nوأما إذا أغمي عليه بعض النهار: فالذي عليه الحنابلة، وهو أحد قولي الشافعي: أن صومه يجزئه، وهو قول الحنفية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في \"شرحه للعمدة\" حيث قال بعد أن ذكر الحديث المتقدم: والإمساك لا يكون إلا مع حضور العقل، ولم نشترط وجود الإمساك في جميع النهار، بل اكتفينا بوجوده في بعضه؛ لأنه دخل في عموم قوله: «يدع طعامه وشهوته من أجلي». وقال بهذا القول المالكية؛ إلا أنهم اعتبروه بشرط أن يفيق أكثر اليوم.\nوذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أن الإفاقة تعتبر إذا كانت في أول النهار. وهو قول المالكية فيما إذا أفاق أقل اليوم.\nوالراجح ما تقدم قبلُ، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٢)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٦٥)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٦٤) شرح","vol":"1","page":44},{"text":"\"كتاب الصيام\" (١/ ٤٧) \"المدونة الكبرى\" (١/ ٢٧٧)، \"شرح مختصر خليل\" (٢/ ٢٤٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>مسألة: من أغمي عليه في أثناء النهار، واستمر أيامًا</span>؟\nأما اليوم الذي أغمي عليه فيه فيجزئه كما تقدم قريبًا، وكذا اليوم الذي استيقظ فيه على قول من يقول: (إنه يكفي لجميع الشهر نية واحدة)، وأما الأيام التي بينهما فلا يجزئه صومها؛ لأنه أغمي عليه في جميع نهارها، والله أعلم.\nانظر شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>مسألة: نوم الصائم</span>؟\nالنوم لا يؤثر في الصوم، سواء وجد في بعض النهار أو في جميعه؛ وذلك لأن النوم عادة، ولا يزيل الإحساس بالكلية، ومتى نبه انتبه.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ - في \"شرح العمدة\": هذا هو المنصوص المشهور في المذهب. اهـ\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٢)، \"كتاب الصيام\" من \"شرح العمدة\" (١/ ٤٦)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٦٤)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>مسألة: صَرْعُ الصائم</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في \"شرح العمدة\" في \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٦): فأما الصرع -وهو الخنق الذي يعرض وقتًا ثم يزول- فينبغي أن يلحق بالإغماء والغَشْي؛ لأنه يُزيْل الإحساس من السمع، والبصر، والشم، والذوق، فيغطي فيزول العقل تبعًا لذلك، بخلاف الجنون؛ فإنه يزيل العقل خاصَّة فيلحقه بالبهائم. اهـ","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>مسألة: إذا نوى الإفطار أثناء صومه</span>؟\nالمشهور من مذهب المالكية، والحنابلة أن من نوى الإفطار ولم يتناول شيئًا من المفطرات أنه يُعدُّ مُفْطِرًا، وهو قول الظاهرية، والفيروز آبادي، والبغوي، وغيرهما من الشافعية.\nواستدلوا بما يلي:\n١) بقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».\n٢) قالوا: النية شرط في جميع الصوم، فإذا قطعها في أثنائه بقي الباقي بغير نية فبطل، وإذا بطل البعض بطل الجميع؛ لأنه لا ينفرد بعضه عن بعض.\nوذهب الحنفية إلى أنَّ الصائم إذا نوى الإفطار لا يعد مفطرًا بمجرد النية، وهو مذهب الأكثر من الشافعية، واستدل الحنفية بأن مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع؛ ما لم يتصل به الفعل؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم»، متفق عليه عن أبي هريرة - ﵁ -. (^١)\nوقالوا أيضًا: النية شرط انعقاد الصوم لا شرط بقائه منعقدًا؛ ألا ترى أنه يبقى مع النوم والنسيان والغفلة؟!.\nوالراجح: هو القول الأول، وقد اختاره ابن قدامة، ورجحه السعدي، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ صالح السدلان ﵏.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٢٦٩)، ومسلم برقم (١٢٧).","vol":"1","page":46},{"text":"وأما الجواب عن استدلالات الحنفية، فأما الحديث فالجواب عنه:\n١) أنَّ الإرادة والعزم من أفعال القلوب، فإذا عزم على رفض نية الصوم، فقد أتى بنية متصل بها فعل القلب.\n٢) أنَّ حديث النفس الذي لا يصاحبه عزم وتصميم مَعْفُو عنه بنص الحديث، وأما إذا صاحبه العزم والتصميم على الفعل، ولو لم يحصل الفعل ترتب الثواب والعقاب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].\nوفي الحديث: «القاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» متفق عليه عن أبي بكرة - ﵁ -.\nوأما قولهم: إنَّ النية شرط انعقاد الصوم لا شرط بقائه، فالجواب:\nأن بقاء النية يتناول أمرين:\n١ - استصحاب الذكر. ٢ - استصحاب الحكم.\nفأما استصحاب الذكر إلى نهاية العمل فمعفو عنه؛ للمشقة البالغة التي لم يكلفنا الله بها. وأما استصحاب الحكم فهو البقاء على استصحاب حكم النية، وهو أنْ لا ينوي قطعها؛ ولهذا لا يؤثر النوم، ولا الغفلة في بقاء حكم النية، وهذا الثاني هو الذي يشترط في بقاء النية.\nانظر: \"النية وأثرها في الأحكام الشرعية\" للسدلان (٢/ ١٨ - ٢١)، \"المغني\" (٣/ ٢٤)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٧٦)، \"فتاوى رمضان\" (١/ ١٧٥) جمع أشرف، \"المحلى\" (٧٣٢).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالسّحُور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>مسألة: فضل السَّحور</span>؟\nثبتت أحاديث كثيرة تدل على فضله:\nففي \"الصحيحين\" عن أنس بن مالك - ﵁ -، أنَّ النبي - ﷺ - قال: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». (^١)\nوثبت عند النسائي (٤/ ١٤٥)، من حديث رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: دخلت على النبي - ﷺ -، وهو يتسحر فقال: «إنها بركة أعطاكم الله إياها؛ فلا تدعوه»، وصححه شيخنا الإمام مقبل الوادعي - ﵀ - في \"الجامع الصحيح\" (٢/ ٤٢٢).\nوأخرج مسلم في \"صحيحه\" (١٠٩٦)، عن عمرو بن العاص - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>مسألة: حكم السحور</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ -: قال ابن المنذر في \"الإشراف\": أجمعت الأمة على أن السحور مندوب إليه مستحب لا إثم على من تركه. اهـ\nوقال ابن قدامة - ﵀ -: لا نعلم فيه بين العلماء خلافًا-أي في استحبابه -.اهـ انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٦٠)، \"المغني\" (٣/ ٥٤)، \"الفتح\" (١٩٢٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥).","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>مسألة: تأخير السحور</span>؟\nيُستحب تأخير السحور؛ لما جاء في \"الصحيحين\" (^١) من حديث أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت - ﵃ -، قال: تسحرنا مع رسول الله - ﷺ -، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.\nوروى البخاري في \"صحيحه\" (٥٧٧)، من حديث سهل بن سعد - ﵁ -، قال: كنت أتسحر في أهلي، ثم تكون بي سرعة أن أدرك صلاة الفجر مع النبي - ﷺ -.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٦٠)، \"المغني\" (٣/ ٥٤)، \"الفتح\" (٤/ ١٦٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>مسألة: ما يحصل به السحور</span>؟\nقال ابن قدامة، ثم الحافظ ابن حجر: يحصل السحور بأقل ما يتناول المرء من مأكول أو مشروب. اهـ\nوقد جاء ذلك في حديث أخرجه أحمد (٣/ ١٢)، من حديث أبي سعيد الخُدْري - ﵁ - مرفوعًا بلفظ: «السحور بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين».\nلكن هذا الحديث في سنده: رِفَاعَة أبو رفاعة، وهو مجهول الحال، وفيه عنعنة يحيى بن أبي كثير، لكن له طريق أخرى عند أحمد (٣/ ٤٤)، وفي إسناده: عبدالرحمن ابن زيد بن أسلم، وهو متفق على ضعفه، لكن قوله: «السحور بركة» لها شواهد تقدم بعضها، وقوله: «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من الماء» له شاهد من حديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٢١)، ومسلم (١٠٩٧).","vol":"1","page":49},{"text":"ابن عمرو - ﵄ -، عند ابن حبان (٣٤٧٦)، وفي إسناده: عمران القطان، والراجح ضعفه، وأما آخره فلم أجد له شاهدًا صالحًا لتقويته، فالحديث حسن دون آخره.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: والأشبه أنه إذا قدر على الأكل فهو السنة. اهـ\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٥٥)، \"الفتح\" (١٩٢٢)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٥٢٠ - ٥٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>مسألة: آخر وقت السحور، وهو أول وقت الصيام:</span>\nمذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ومالك، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه يحرم الطعام، والشراب، والجماع بطلوع الفجر الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nويدل على ذلك حديث عَدِي بن حاتم - ﵁ -، في \"الصحيحين\" (^١)، أنه قال: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالًا أبيض وعقالًا أسود، أعرف الليل من النهار! فقال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ وسادك لعريض! إنما هو سواد الليل وبياض النهار».\nوبنحوه أيضًا في \"الصحيحين\" (^٢) عن سهل بن سعد - ﵁ -.\nوفي \"الصحيحين\" (^٣) أيضًا عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: قال رسول\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩١٦)، ومسلم (١٠٩٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣).","vol":"1","page":50},{"text":"الله - ﷺ -: «لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن بليل؛ ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، وليس أن يقول: هكذا وهكذا -وصَوَّب بيده ورفعها- حتى يقول هكذا»، وفرَّج بين أصبعيه.\nوفي \"صحيح مسلم\" (١٠٩٤)، عن سَمُرة بن جندب - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض»، لعمود الصبح حتى يَسْتَطير.\nوحكى ابن المنذر عن طائفة أنهم أجازوا الأكل والشرب بعد طلوع الفجر إلى أن ينتشر البياض في الطرق، والسكك، والبيوت، وهذا القول شاذ، وقد حُكِي عن الأعمش، ومسروق.\nوقال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاءً، ولا كفارةً، وقد جاء في هذا حديث مرفوع:\nفأخرج أحمد (٥/ ٤٠٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٧٧)، عن حذيفة - ﵁ -، أنه قال: كان بلال يأتي النبي - ﷺ - وهو يتسحر، وإني لأبصر مواقع نبلي. قلت: أبعد الصبح؟ قال: بعد الصبح؛ إلا أنها لم تطلع الشمس.\nلكن هذا الحديث مُعَلٌّ؛ فإنه من طريق عاصم بن أبي النَّجُود عن زِرٍّ عن حذيفة به مرفوعًا، وقد خالفه عديُّ بن ثابت وَصِلة بن زُفَر، وكل واحد منهما أوثق منه، فجعلا الحديث موقوفًا على حذيفة وخالفاه باللفظ.\nأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٧٧)، ولفظه قال زر: تسحرت مع حذيفة،","vol":"1","page":51},{"text":"ثم خرجنا إلى الصلاة، فلما أتينا المسجد صلينا ركعتين، وأقيمت الصلاة وليس بينهما إلا هنيهة.\nقال النسائي - ﵀ - كما في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٣٢): لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم.\nقال ابن مُفِلح - ﵀ - في \"الفروع\" (٣/ ٧٠): وعاصم في حديثه اضطراب ونكارة؛ فرواية الأثبات أولى. اهـ\nوقال الجوزقاني - ﵀ - في \"الأباطيل\" (٢/ ١٠٥): هذا حديث منكر، وقول عاصم: (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع) خطأ منه ووهم فاحش؛ لأن رواية عدي عن زر بن حبيش بخلاف ذلك، وعدي أحفظ، وأثبت من عاصم. اهـ\nوقد أورد هذا الحديث شيخنا في \"أحاديث معلة\"، ثم قال: وحديث عاصم ابن أبي النَّجُود يزداد ضعفًا؛ لأنه خالف قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٠٥، ٣١١)، \"البيان\" (٣/ ٤٩٧ -)، \"المغني\" (٤/ ٣٢٥)، \"الفتح\" (١٩١٧) (١٩١٨).\nتنبيه:\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: من البدع المنكرة ما أُحْدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام؛ زعمًا ممن أحدثه أنه","vol":"1","page":52},{"text":"للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جَرَّهم ذلك إلى أنهم صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة؛ لتمكين الوقت زعموا فأخروا الفطر، وعجلوا السحور، وخالفوا السنة؛ فلذلك قَلَّ عنهم الخير، وكثر فيهم الشر، والله المستعان!.انظر: \"فتح الباري\" (١٩٥٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>مسألة: إذا استمر في الأكل والشرب أثناء الأذان</span>؟\nإذا كان المؤذن لا يؤذن إلا بعد تَيَقُّن طلوع الفجر؛ فإن الواجب الإمساك؛ لقول النبي - ﷺ -: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». (^١)\nوإن كان المؤذن يؤذن، ولم يتيقن طلوع الفجر؛ فيجوز له أن يأكل حتى يفرغ المؤذن ما دام لم يتيقن؛ لأن الأصل بقاء الليل، وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nوالأولى والأحوط له أن يمسك؛ احتياطًا لدينه؛ لقول النبي - ﷺ -: «دع ما يَرُيبك إلى ما لا يريبك» (^٢)، هذا قول جماهير العلماء من المتقدمين كما تقدم، وبهذا أفتى سماحة الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي ﵏، ثم رأيت شيخ الإسلام قد أفتى بهذا أيضًا.\nانظر: \"فتاوى رمضان\" (١/ ٢٠١ - ٢٠٣) جمع أشرف، و\"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٧) (٦٢٢)، ومسلم (١٠٩٢)، من حديث ابن عمر، وعائشة - ﵂ -.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧)، وأحمد (١/ ٢٠٠) بإسناد صحيح من حديث الحسن بن علي - ﵁ -.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>مسألة: هل يجوز للشخص الأكل والشرب ما دام شاكًّا في طلوع الفجر</span>؟\nالذي عليه الجمهور هو الجواز؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، والأصل بقاء الليل، ولا يزول ذلك إلا بيقين، وقد نقل بعضهم في ذلك الإجماع.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ - كما في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٦٠): الشاك في طلوع الفجر يجوز له الأكل، والشرب، والجماع بالاتفاق. اهـ\nوقال المرداوي - ﵀ - في \"الإنصاف\": بلا نزاع. اهـ\nوالصحيح وجود الخلاف؛ فقد خالف مالك كما في \"المجموع\" (٦/ ٣٠٦)، و\"الفتح\" (١٩١٧). والصواب: قول الجمهور.\nانظر: \"التمهيد\" (٧/ ١٨١ - ١٨٢)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٩)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٠٨)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٩٥).","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>مَسَائِلُ وَأَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالإِفْطَارِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>مسألة: استحباب وأفضلية تعجيل الفطر:</span>\nثبت في \"الصحيحين\" (^١) من حديث سهل بن سعد - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر».\nوأخرج أبو داود في \"سننه\" (٢٣٥٣)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون»، وصححه شيخنا مقبل - ﵀ - في \"الجامع الصحيح\" (٢/ ٤٢٠).\nوظهور الدين مستلزم لدوام الخير، وقد كان النبي - ﷺ - يعجل في الفطر، ففي \"الصحيحين\" (^٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵄ -، قال: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فلما غربت الشمس قال: «يا فلان، انزل فاجدح لنا»، قال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا! قال: «انزل فاجدح لنا» قال: يا رسول الله، لو أمسيت! قال: «انزل فاجدح لنا» قال: فنزل فجدح لهم، فشرب النبي - ﷺ -.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: اتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين، وكذلك عدل واحد في الأرجح. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٤١)، ومسلم (١١٠١).","vol":"1","page":55},{"text":"قال ابن عبد البر - ﵀ -: والتعجيل إنما يكون بعد الاستيقان بمغيب الشمس، ولا يجوز لأحد أن يفطر وهو شاكٌّ: أغربت الشمس أم لا؟ لأن الفرض إذا لزم بيقين لا يخرج عنه إلا بيقين والله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وأول الليل مغيب الشمس كلها في الأفق عن أعين الناظرين، ومن شك لزمه التمادي حتى لا يشك في مغيبها.\nانظر: فتح الباري (١٩٥٧)، \"التمهيد\" (٧/ ١٨١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>مسألة: حكم الإفطار قبل غروب الشمس</span>؟\nالإفطار قبل غروب الشمس في صوم رمضان يعد من الكبائر، وقد أخرج الحاكم (١/ ٤٣٠)، (٢/ ٢٠٩) من حديث أبي أمامة - ﵂ - في حديث طويل، وفيه: قال النبي - ﷺ -: «ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بِعَراقيبهم تسيل أشداقهم دمًا! فقلت ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تَحِلَّة صومهم».\nوقد صححه الإمام مقبل الوادعي - ﵀ - في \"الجامع الصحيح\" (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>مسألة: هل يجوز الإفطار إذا غلب على الظن أن الشمس قد غربت</span>؟\nذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك عند عدم القدرة على تيقن الغروب كوجود الغيم، ويدل عليه ما أخرجه البخاري (١٩٥٩) من حديث أسماء بنت أبي بكر - ﵄ -، قالت: أفطرنا على عهد رسول الله - ﷺ - يوم غَيْم، ثم طلعت الشمس.\nوقد ثبت بأسانيد صحيحة عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٤ -)، والبيهقي (٤/ ٢١٧)،","vol":"1","page":56},{"text":"وغيرهما أن ذلك حصل أيضًا في عهد عمر بن الخطاب - ﵀ -.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٠٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>مسألة: إذا تعجل في الإفطار ظانًّا أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن الشمس لم تغرب، فما الحكم</span>؟\nذهب الجمهور إلى أنه يجب عليه الإمساك والقضاء، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، ورجح ذلك الشيخ ابن باز - ﵀ -.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧].\n٢ - قال هشام بن عروة، وهو من رُواة حديث أسماء المتقدم عند أن سئل فقيل له: فأمروا بالقضاء؟ فقال: بدٌّ من قضاء.\n٣ - ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - عند عبدالرزاق (٤/ ١٧٨)، أنه قال بعد أن حصل له ذلك: الخطب يسير، وقد اجتهدنا نقضي يومًا.\n٤ - قال الحافظ: ويرجحه أنه لو غُمَّ هلال رمضان، فأصبحوا مفطرين، ثم تبين لهم أن ذلك اليوم من رمضان، فالقضاء واجب بالاتفاق، فكذلك هذا.\nوذهب إسحاق، وأحمد في رواية، وداود، وبه قال المزني من الشافعية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين إلى أنه يجب عليه الإمساك، ولا يجب عليه القضاء.","vol":"1","page":57},{"text":"واستدلوا بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\n٢ - قوله - ﷺ -: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فَلْيُتم صومه» (^١)، فيقاس عليه من أفطر ظانًّا غروب الشمس بجامع الجهل بالحال؛ فإن كليهما يجهل أنه في حال يحرم عليه الأكل والشرب.\n٣ - قوله - ﷺ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان». (^٢)\n٤ - أن الأصل عدم الإيجاب عليه إلا بدليل، فما هو الدليل على وجوب القضاء.\n٥ - أن الحديث المذكور -أعني حديث أسماء - ﵂ - - ليس فيه أن النبي - ﷺ - أمرهم بالقضاء، ولو أمرهم به لَنُقِل، وهذا القول هو الراجح، وقد اختاره إمام الأئمة ابن خزيمة، إلا أن الأحوط أن يقضي يومًا كما قال عمر - ﵁ -.\nوأما الرد على أدلة المذهب الأول، فكما يلي:\n١ - أما عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾:\nفهذا قد أفطر ظانًّا أن الليل قد أتى، وقد تقدم أنه يجوز الإفطار لغلبة الظن.\n٢ - قول هشام بن عروة: بدٌ من قضاء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٣٣)، ومسلم برقم (١١٥٥) عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) هذا الحديث لا أصل له بلفظ: «رفع» والمشهور بلفظ: «إن الله تجاوز عن أمتي» وهو مع ذلك لا يثبت من جميع طرقه، وقد تكلم عليه ابن رجب ﵀ في \"جامع العلوم والحكم\" بما يشفي ويكفي (٣٩)، ولكن معناه صحيح؛ لدلالة الكتاب والسنة على ما جاء فيه.","vol":"1","page":58},{"text":"يجاب عنه بأن البخاري قد أورد في \"صحيحه\" أيضًا أن هشامًا سئل؟ فقال: لا أدري أقضوا أم لا؟!\nفهذا يدل على أنه قال ذلك باجتهاد منه، وقد قال شيخ الإسلام: وأبو ه أعلم منه، وقد كان يقول: لا قضاء عليهم.\nأما أثر عمر فقد صح عنه، وأورد له البيهقي عدة طرق، انظر \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢١٧).\nوقد أخرج عبدالرزاق (٤/ ١٧٩)، والبيهقي (٤/ ٢١٧)، عن زيد بن وهب عن عمر - ﵁ -، أنه قال: والله لا نقضيه، وما تجانفنا لإثم.\nقال البيهقي - ﵀ -: وفي تظاهر هذه الروايات عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في القضاء دليل على خطإِ رواية زيد بن وهب في ترك القضاء.\nثم قال: وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة، وزيد ثقة إلا أن الخطأ غير مأمون، والله يعصمنا من الزلل والخطإ. اهـ\n٣ - والجواب عن أثر عمر - ﵁ -، أن هذا اجتهاد منه، والحجة بالكتاب والسنة لا باجتهاد صحابي، وقد خالفه غيره، والله أعلم.\n٤ - أما الاتفاق الذي نقله الحافظ فليس بصحيح، فقد وجد الخلاف في الصورة التي ذكرها كما في \"الفتاوى\" (٢٥/ ١٠٩)، و\"الإنصاف\" (٣/ ٢٥٤)، \"المحلى\" (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤) (٧٢٩)، وقد تقدمت هذه المسألة في الباب الأول من","vol":"1","page":59},{"text":"الكتاب.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٠٧)، \"التمهيد\" (٧/ ١٨١)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٠/ ٥٧١)، \"الصيام\" (١/ ٤٩٠)، \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٥٧٢)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٠٢ - ٤١٠)، \"الفتح\" (١٩٥٩).\nتنبيه:\nإذا أكل الرجل، أو شرب، أو جامع؛ ظانًّا أنَّ الفجر لم يطلع، ثم تبين له أنَّ الفجر قد طلع، فالحكم في ذلك كالحكم في المسألة السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>مسألة: إذا أكل أو شرب أو جامع وهو شاكٌّ في غروب الشمس</span>؟\nلا يجوز له فعل أي واحدة من ذلك، وقد نقل الإجماع أن عليه القضاء إلا إذا تبين له أن ذلك وقع بعد غروب الشمس، لكن الإجماع لا يصح؛ فقد قال أبو محمد بن حزم - ﵀ - في \"المحلى\" (٧٥٦): ومن أكل شاكًّا في غروب الشمس، أو شرب؛ فهو عاص لله تعالى، مُفسِدٌ لصومه، ولا يقدر على القضاء؛ فإن جامع شاكًّا في غروب الشمس فعليه الكفارة. اهـ\nويعني بفساد الصيام: إذا لم يتبين له أن ذلك بعد الغروب، وهذا الذي ذهب إليه ابن حزم هو الراجح؛ لأنه أفطر متعمدًا مع عدم وجود العذر المبيح للفطر، ومن أفطر متعمدًا فلا يقدر على القضاء كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\nوالعمدة في هذه المسألة هي القاعدة المقررة بالأدلة الشرعية: [اليقين لا يزول بشك]، فبقاء النهار يقين فلا يكفي الشك في غروب الشمس.\nانظر \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٩)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٠٩)، \"المحلى\" (٤/ ٣٦٦).","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>مسألة: إذا أفطر شخص لغروب الشمس، ثم أقلعت به الطائرة، فرأى الشمس، فهل يلزمه الإمساك</span>؟\nلا يلزمه الإمساك، ويستمر مفطرًا، وحكمه حكم البلد التي أقلع منها، وقد انتهى النهار وهو فيها، وأما إذا أقلعت به الطائرة قبل غروب الشمس بدقائق واستمر معه النهار؛ فلا يجوز له أن يفطر، ولا أن يصلي المغرب حتى تغرب شمس الجو الذي يسير فيه، حتى ولو مر بسماء بلد أهلها قد أفطروا، وصلوا المغرب وهو في سمائها يرى الشمس، وهذا هو مقتضى الأدلة الشرعية، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وقال النبي - ﷺ -: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم» (^١)، انظر: \"فتاوى اللجنة الدائمة\" (١٠/ ٢٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>مسألة: ما الذي يستحب أن يفطر عليه</span>؟\nيستحب أن يفطر على رُطَبات؛ فإن لم يجد رطبات فَتُمَيرات؛ فإن لم يجد فعلى ماء؛ فقد روى الترمذي في \"سننه\" (٦٩٦)، من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: كان النبي - ﷺ - يفطر قبل أن يصلي على رطبات؛ فإن لم تكن رطبات فتميرات؛ فإن لم تكن تميرات حَسَا حَسَوات من ماء.\nوقد حسنه الإمام الوادعي - ﵀ - في \"الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين\" (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠)، ثم رأيت أبا حاتم، وأبا زرعة قد أنكراه كما في \"العلل\" لابن أبي حاتم (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، فقالا: لا نعلم روى هذا الحديث غير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٥٤)، ومسلم برقم (١١٠٠)، من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -.","vol":"1","page":61},{"text":"عبدالرزاق، ولا ندري من أين جاء به عبد الرزاق. اهـ\nقلتُ: الحديث مداره على عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، وقد ذكره الذهبي في \"الميزان\" في ترجمة جعفر بن سليمان، وذكر أن هذا الحديث مما أنكر عليه.\nقلتُ: فعلى ضعف الحديث فيفطر على ما تيسر؛ حتى ولو شربة من ماء، فقد ثبت عند أبي يعلى (٣٧٩٢)، وابن حبان (٣٥٠٤) من حديث أنس - ﵁ -، قال: ما رأيت النبي - ﷺ - قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر، ولو كان على شربة من ماء. وتقدم حديث ابن أبي أوفى (ص ٥٦)، وفيه: «انزل فاجدح لنا».\nوالجَدْحُ هو: تحريك السويق ونحوه بالماء بِعُودٍ، يقال له (المجدح)، وهو مجنح الرأس، والسويق هو دقيق القمح والشعير، يُقلى ثم يطحن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>مسألة: دعاء الإفطار</span>؟\nجاءت أدعية عن النبي - ﷺ -، ولم يصح منها شيءٌ، فجاء عنه أنه كان يقول: «اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم»، أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٥)، من حديث عبد الله بن عباس - ﵄ -، وفي إسناده: عبدالملك بن هارون بن عنترة، يرويه عن أبيه، وهو متروك، وأبو ه ضعيف.\nوأخرجه الطبراني من حديث أنس - ﵁ -، في \"الأوسط\" (٧٥٤٥)، و\"الصغير\" (٩١٢) بلفظ: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرتُ»، وفي إسناده: إسماعيل بن عمرو ضعيف، وداود بن الزِّبْرِقان، وهو متروك. وجاء عند أبي داود","vol":"1","page":62},{"text":"(٢٣٥٧)، من حديث ابن عمر - ﵄ -، مرفوعًا أنه كان يقول: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى»، ولكنه ضعيف أيضًا؛ ففي سنده: مروان بن سالم المُقَفَّع، وهو مجهول الحال. انظر: \"الإرواء\" (٩١٩ - ٩٢٠).\nفائدة:\nحديث: «إن للصائم عند فطره دعوة لا تُردُّ»، أخرجه ابن ماجه (١٧٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، ولا يثبت؛ لأن في إسناده: إسحاق بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وهو مجهول، وللحديث طريقٌ أخرى عند الطيالسي (٢٢٦٢)، وفي إسناده: أبو محمد المليكي.\nقال الإمام الألباني - ﵀ -: لم أعرفه، ويحتمل أنه عبدالرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة المدني؛ فإن يكن هو فإنه ضعيف كما في \"التقريب\"، بل قال النسائي: ليس بثقة. وفي رواية: متروك الحديث. اهـ\nوقد ضعفه الإمام الألباني - ﵀ - في \"الإرواء\" (٩٢١)، وضعفه شيخنا الوادعي - ﵀ - في تعليقه على \"تفسير ابن كثير\" عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].\nولكن قد صح عند ابن ماجه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة لا تُردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبو اب السماء، ويقول: بعزتي،","vol":"1","page":63},{"text":"لأنصرنك ولو بعد حين»، وقد صححه شيخنا في \"الجامع الصحيح\" (٢/ ٥٠٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>مسألة: يطول النهار في بعض البلدان أكثر من (٢٤) ساعة، فهل يلزمهم الإمساك سائر النهار</span>؟\nإذا كان لديهم نهار وليل في ظرف أربع وعشرين ساعة؛ فيلزمهم إمساك النهار كله ولو كان عشرين ساعة؛ لعموم الأدلة كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقوله - ﷺ -: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم». (^١)\nوأما إذا كان نهارهم يطول على أربع وعشرين ساعة كأن يستمر ما يقارب يومين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل، فيقدرون ليلهم ونهارهم على أقرب بلدة إليهم يتميز فيها الليل والنهار؛ لقوله - ﷺ - في حديث النَّواس بن سَمْعان في قصة الدجال بعد أن ذكر أن بعض أيامه تعدل سنة وبعضها تعدل شهرًا، فقال له الصحابة: فذاك اليوم الذي كَسَنَة أتجزئنا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره»، أخرجه مسلم (٢٩٣٧).\nوبذلك أفتى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ -، وهيئة كبار العلماء في المملكة.\nانظر: \"تحفة الإخوان\" (١٦٤ - ١٦٩)، \"فتاوى رمضان\" (١/ ١٢٧ - ١٢٨) جمع أشرف.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٥٤)، ومسلم برقم (١١٠٠)، من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>فَصْل فِي بَعْضِ آدَابِ الصَّائِم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>مسألة: اجتناب شهادة الزور، والغيبة، وسائر المعاصي:</span>\nيجب على الصائم أن يتجنب جميع الذنوب والمعاصي، فقد أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٦٠٥٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».\nقال الصنعاني - ﵀ - في \"السبل\" (٤/ ١٢٦): الحديث دليل على تحريم الكذب والعمل به، وتحريم السفه على الصائم، وهما محرمان أيضًا على غير الصائم، إلا أن التحريم في حقه آكد، كتأكيد تحريم الزنا من الشيخ، والخيلاء من الفقير. اهـ\nوقد ذهب الأوزاعي إلى أن الغيبة تبطل الصوم، وَأَلْحَقَ ابن حزم بالغيبة جميع المعاصي، فذهب إلى أن أي معصية تبطل الصوم، واحْتَجَّا بحديث أبي هريرة المتقدم، وبحديث أبي هريرة عند النسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٢٣٩)، وأحمد (٢/ ٣٧٣)، أن النبي - ﷺ - قال: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر».\nوذهب سائر العلماء إلى أنه يعتبر عاصيًا، ولا يبطل صومه، وأما استدلالهم بالأحاديث فقد قال النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ٣٥٦): وأجاب أصحابنا","vol":"1","page":65},{"text":"عن هذه الأحاديث: بأن المراد أن كمال الصوم، وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء، لا أن الصوم يبطل به. اهـ\nوأيضًا يُجاب: بأن النبي - ﷺ - قد أثبت له الصيام، ونفى الأجر؛ حيث قال: «ليس له من صيامه»، وأيضًا في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا ...» (^١)، وعلى هذا فإنه لا يسلم لأحد صومه، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٥٦)، \"المحلى\" (٧٣٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>مسألة: تلاوة القرآن وأعمال البر:</span>\nويستحب للصائم أن يكثر من قراءة القرآن، وتدبره وأن يكثر من أعمال البر، من صدقةٍ، وصلاةٍ، وغير ذلك؛ ففي \"الصحيحين\" (^٢) من حديث ابن عباس - ﵄ -، قال: كان رسول الله - ﷺ - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه كل ليلة فيدارسه القرآن، فَلَرَسُوْلُ الله - ﷺ - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>مسألة: ماذا يقول الصائم إذا شُتِم</span>؟\nأخرج البخاري، ومسلم في \"صحيحيهما\" (^٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب؛ فإن امرؤٌ شاتمه، أو قاتله؛ فليقل: إني صائم».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧)، من حديث أبي ذر - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦)، ومسلم برقم (٢٣٠٨).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٤)، ومسلم برقم (١١٥١).","vol":"1","page":66},{"text":"قال النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ٣٥٦): ذكر العلماء فيه تأويلين: أحدهما: يقوله بلسانه ويسمعه لصاحبه ليزجره عن نفسه. والثاني: يقوله في قلبه لا بلسانه، بل يحدث نفسه بذلك، ويذكرها بأنه صائم لا يليق به الجهل، والمشاتمة، والخوض مع الخائضين.\nقال النووي: والتأويلان قويان، والأول أقوى، ولو جمعهما كان حسنًا. اهـ\nقلتُ: وظاهر الحديث يؤيد المعنى الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>مسألة: استياك الصائم</span>؟\nإذا كان السواك يابسًا: ذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق إلى استحبابه قبل الزوال، وكراهيته بعد الزوال.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث علي - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي» أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٤).\n٢ - قوله - ﷺ -: «لَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». (^١)\nوذهب الإمام مالك، وأبو حنيفة إلى استحبابه مطلقًا، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١) (١٦٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":67},{"text":"واستدلوا بما يلي:\n١ - حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، متفق عليه. (^١)\nوفي رواية عند غيرهما: «عند كل وضوء». (^٢)\n٢ - حديث عامر بن ربيعة - ﵁ -، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم. وهو حديث ضعيف، ففي إسناده: عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف. (^٣)\n٣ - حديث عائشة - ﵂ -، أن النبي - ﷺ - قال: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب»، رواه النسائي (١/ ١٠)، وإسناده حسن.\nوهذا القول هو ترجيح الإمام البخاري في \"صحيحه\"، وهو الراجح.\nوأما الرد على أدلة المذهب الأول، فكما يلي:\n١ - حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - ضعيف؛ ففي سنده كَيْسان أبو عمر القَصَّار، ليس بالقوي، ويزيد بن بلال غير معروف، وقد ضعفه الإمام الألباني - ﵀ - في \"الإرواء\" (٦٧).\n٢ - السواك لا يزيل الخُلُوف؛ لأن مصدره من المعدة لا من الفم الذي يطهره\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٨٧)، ومسلم برقم (٢٥٢).\n(^٢) أخرجها مالك (١/ ٦٦)، وأحمد (٢/ ٤٦٠)، بإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٣٦٤)، والترمذي (٧٢٥).","vol":"1","page":68},{"text":"السواك، ثم إنا لسنا متعبدين بإبقائه، ثم إن على من ذهب إلى التفصيل بين قبل الزوال وبعد الزوال، الدليل على هذا التفصيل، ومن المعلوم أيضًا أن الخلوف قد يأتي على بعض الناس قبل الزوال، وقد لا يأتي لبعض الناس إلا قبل المغرب بيسير؛ لتفاوتهم في الأكل والشرب والهضم.\nوأما إذا كان السواك رطبًا: فذهب إلى كراهته الشعبي، وقتادة، والحكم، وإسحاق، ومالك في رواية، وهو رواية عن أحمد؛ لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه؛ فيفطره.\nوذهب أحمد في رواية إلى أنه لا يُكْره، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ورُوي ذلك عن علي، وابن عمر، وعروة، ومجاهد، وهو ترجيح البخاري، وابن حزم، وهو الراجح؛ لعموم الأدلة؛ إلا أنه ينبغي له أن يتحرز من الرطوبة في أول الأمر ولا يبلعها.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٣٤)، \"المحلى\" (٧٥٣)، \"المغني\" (٣/ ١٩)، \"توضيح الأحكام\" (١/ ١٩٥)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٨٣)، \"نيل الأوطار\" (١/ ١٠٧)، \"الشرح الممتع\" (١/ ١٢٠ - ١٢٤)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>مسألة: استنشاق الصائم</span>.\nيستحب للصائم ألَّا يبالغ في الاستنشاق بخلاف غيره؛ لما روى أبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، عن لَقِيط بن صبرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال له: «أَسْبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا»، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>مسألة: إذا نسي الصائم فأكل أو شرب</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه لا يفطر وصومه تام، وهو قول الجمهور، وأحمد، والشافعي.\nواستدلوا بما يأتي:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].\n٢ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\n٣ - قوله - ﷺ -: «إن الله تعالى تجاوز عن أمتى الخطأ، والنسيان». (^١)\n٤ - حديث أبي هريرة - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^٢)، عن النبي - ﷺ - قال: «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه».\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: وفي هذا الحديث دلالة من وجوه:\nأحدها: أنه أمره بإتمام صومه؛ فَعُلِم أن هذا إتمام لصوم صحيح؛ ولو أراد وجوب الإمساك فقط؛ لقال: «فليتم صيامًا، أو فليصم بقية يومه».\nالثاني: أنه لم يأمره بالقضاء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nالثالث: أنه قال: «الله أطعمك وسقاك»؛ تعليلًا وجوابًا. ومعلوم أن إطعام\n_________\n(^١) حديثٌ مُعل، جاء عن جمعٍ من الصحابة، انظر تخريجه في \"جامع العلوم والحكم\" (٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥).","vol":"1","page":70},{"text":"الله، وإسقاءه للعبد على وجهين:\n١ - أن الله خلق له الطعام والشراب، والحركة التي بها يأكل ويشرب، وعلى هذا فالعامد والناسي، وجميع الخلق اللهُ أطعمهم وسقاهم، وهذا المعنى لم يقصده النبي - ﷺ -.\n٢ - أن يطعمه الله ويسقيه بغير فعل من العبد، ولا قصد، ولا عمد كما في هذه الصورة، فصار غير مكلف لأجل النسيان، فأضيف الفعل إلى الله قدرًا وشرعًا؛ فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل، فقول النبي - ﷺ -: «الله أطعمك وسقاك» معناه: لا صنع لك في هذا الفعل، وإنما هو فعل الله فقط، فلا حرج عليك فيه، ولا إثم؛ فَأَتْمم صومك. انتهى بتصرف\nالثاني: أنه يفطر وعليه القضاء دون الكفارة، وهو قول مالك، وربيعة، قالوا: لأن الإمساك عن المفطرات ركن الصوم، فحكمه حكم من نسي ركنًا من الصلاة؛ فإنها تجب عليه الإعادة وإن كان ناسيًا.\nوالجواب: أن هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنصوص المتقدمة.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٣٣)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٣٨)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٢٤)، \"المغني\" (٣/ ٢٣)، \"المحلى\" (٧٥٣)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٧٩)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨) بتصرف.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>مسألة: من أكل أو شرب ناسيًا فهل يجب إعلامه على من رآه</span>؟\nذكر ابن مفلح في \"الفروع\" وجهين:\nالأول: أنه يلزمه الإعلام، قال المرداوي: وهو الصواب، وهو في الجاهل آكَدُ.\nالثاني: لا يلزمه الإعلام، ثم وجَّه ابن مفلح وجهًا آخر: أنه يلزمه إعلام الجاهل لا الناسي.\nقال أبو عبد الله ﵀: وما صوبه المرداوي هو الصواب، والله أعلم؛ لكون الأكل والشرب في نهار رمضان محرمًا، وإنما الجهل والنسيان عذر في عدم تأثيمه، فيشمله قوله - ﷺ -: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». (^١)\nومن المعلوم أيضًا: أن الإمام إذا قام إلى ركعة خامسة ناسيًا فيجب على المأموم إعلامه؛ لقوله - ﷺ -: «فإذا نسيت فَذَكِّروني» (^٢)، فكذلك هذه الصورة، والله أعلم.\nانظر: \"الفروع\" (٣/ ٥٣)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٩)، عن أبي سعيد - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٤٠١)، ومسلم برقم (٥٧٢)، من حديث ابن مسعود - ﵁ -.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمُبْطِلاتِ الصِّيَامِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>مسألة: ويبطل الصيام بالأكل والشرب والجماع، بالكتاب والسنة والإجماع</span>.\nأما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nأما دلالة السنة: فقوله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» متفق عليه عن أبي هريرة - ﵁ -. (^١)\nوأما الإجماع: فقد نقله جمع من العلماء كابن حزم وابن المنذر وابن قدامة وغيرهم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٤)، \"المجموع\" (٦/ ٣١٣)، \"المحلى\" (٧٣٣).\nتنبيه:\nالأكل والشرب الذي يُفطِّر بالإجماع هو الذي يتغذى به، وأما ما لا يتغذى به، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى الجواز، كالحسن بن صالح، وصح عن أبي طلحة الأنصاري - ﵁ -، أنه كان يأكل البَرَدَ في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١) (١٦٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البزار كما في \"كشف الأستار\" (١٠٢٢) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":73},{"text":"وبناء على هذا: فإن من ابتلع خاتمًا، أو خرزةً، أو لؤلؤةً، أو نحو ذلك؛ فلا يُعَدُّ مُفَطِّرًا، والذي عليه سائر العلماء أنه يعد مفطرًا؛ لعموم الأدلة، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا الشيخ ابن عثيمين، وهو الحق بلا ريب.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٤ - ١٥)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٧٨)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>مسألة: ابتلاع الريق</span>؟\nإذا كان على العادة: فلا يفطر بالإجماع، نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي - ﵀ -؛ وذلك لأنه يعسر الاحتراز منه، ولأنه مما تعم به البلوى؛ ولو كان مفطرًا لَبيَّن ذلك رسول الله - ﷺ -.\nوأما إذا جمع ريقه في فمه فابتلعه: ففيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، والأصح في المذهبين أنه لا يفطر؛ لعدم وجود دليل على تفطيره، وهو الذي رجحه ابن قدامة - ﵀ -، وكما أنه لا يفطر إذا لم يجمعه وإن قصد ابتلاعه فكذلك إذا جمعه، وهو ترجيح الإمام ابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهما.\nانظر: \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٢٧)، \"المغني\" (٣/ ١٦ - ١٧)، \"المجموع\" (٦/ ٣١٧ - ٣١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>مسألة: إذا ابتلع ريق غيره</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ - في \"شرح المهذب\" (٦/ ٣١٨): اتفق العلماء على أنه إذا ابتلع ريق غيره أفطر. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>مسألة: لو بلل الخياط خيطًا بالريق ثم رده إلى فيه</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ - في \"شرح المهذب\" (٦/ ٣١٨): قال أصحابنا: إن لم","vol":"1","page":74},{"text":"يكن عليه رطوبة تنفصل لم يفطر بابتلاع ريقه بعده بلا خلاف؛ لأنه لم ينفصل شيء يدخل جوفه، وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا المتولي، وإن كانت رطوبة تنفصل وابتلعها فوجهان حكاهما إمام الحرمين، ومتابعوه والمتولي، أحدهما: وهو قول الشيخ أبي محمد الجُوينِّي لا يفطر، قال: كما لا يفطر بالباقي من المضمضة، وأصحهما وبه قطع الجمهور: يفطر؛ لأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة معدنه وانفصاله. اهـ\nقلتُ: ما صححه النووي هو الصحيح إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\nويلحق به السواك، فإذا أخرجه من فمه وفيه من ريقه، فلا يبلع ذلك الريق مرة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>مسألة: بقية الطعام الذي بين الأسنان</span>؟\nذهب الجمهور إلى أنه إذا بلع منه شيئًا؛ فإنه يعد مفطرًا، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، وهو الصحيح؛ لأنه يعتبر أكل طعام، ويمكنه الاحتراز منه ولا تدعو الحاجة إليه.\nوذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يفطر، ولا دليل على ما ذهب إليه، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣١٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>مسألة: لو ابتلع الصائم شيئًا يسيرًا جدًّا</span>؟\nقال النووي - ﵀ - في \"شرح المهذب\" (٦/ ٣١٧): لو ابتلع شيئًا يسيرًا جدًّا كحبة سمسم، أو خردل ونحوهما أفطر بلا خلاف عندنا، وبه قال جمهور العلماء،","vol":"1","page":75},{"text":"قال المتولي: يفطر عندنا ولا يفطر عند أبي حنيفة، كما قال في الباقي في خِلَل الأسنان. اهـ\nوالصحيح قول الجمهور؛ لأنه من الأكل وإن كان يسيرًا فيدخل في عموم الأدلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>مسألة: بقايا الطعام التي تصاحب الريق</span>؟\nقال ابن المنذر - ﵀ -: أجمع العلماء على أنه لا شيء على الصائم فيما يبلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على رده، قال: فإن قدر على رده فابتلعه عمدًا؛ قال أبو حنيفة: لا يفطر، وقال سائر العلماء: يفطر، وبه أقول. اهـ\nوما ذهب إليه ابن المنذر هو الصحيح؛ لكونه طعامًا، فله حكمه، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٢٠)، \"المغني\" (٣/ ١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>مسألة: ما يوضع في الفم من طعام أو غيره</span>؟\nذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا بأس به؛ إذا كان لحاجة كذوق الطعام، والمضغ للطفل ونحوه، وإذا كان لغير حاجة فيكره.\nقال ابن عباس - ﵄ -: لا بأس أن يتطعم الصائم من القِدْر. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧) من طريقين، أحدهما فيه: شَرِيك القاضي، والثاني فيه: جابر بن يزيد الجعفي، والأول ضعيف، والثاني متروك، وقد علقه البخاري - ﵀ - في [كتاب الصيام/ باب: ٢٥] بصيغة الجزم.","vol":"1","page":76},{"text":"قال ابن حزم - ﵀ -: وكره بعضهم مضغ الطعام وذوقه، وهذا لا شيء؛ لأن كراهة ما لم يأتِ قرآن، ولا سنة بكراهته خطأ، وهم لا يكرهون المضمضة، ولا فرق بينهما. اهـ\nقال المرداوي - ﵀ -: إذا ذاقه فعليه أن يستقصي في البصق، ثم إن وجد طعمه في حلقه لم يفطر كالمضمضة، وإن لم يستقصِ بالبصق أفطر؛ لتفريطه على الصحيح من المذهب. اهـ\nقال ابن حزم - ﵀ -: ولا ينقض الصوم مضغ طعام، أو ذوقه ما لم يتعمد بلعه.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٩)، \"المجموع\" (٦/ ٣٥٤)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٣٠ - ٤٣١)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٧٨)، \"المحلى\" (٤/ ٣٥٠ - ٣٥١) رقم المسألة (٧٥٣).\nتنبيه:\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أنه ليس هناك دليل يدل على أن مناط الحكم بالإفطار وصول الطعم إلى الحلق. اهـ\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: وهو واضح؛ لأنه أحيانًا يصل الطعم إلى الحلق، لكن لا يبتلعه ولا ينزل، ويكون منتهاه الحلق، فمثل هذا لا يمكن أن نتجاسر، ونقول: إن الإنسان يفطر بذلك. اهـ\nانظر: \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٣١).","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>مسألة: مضغ العِلْك</span>؟\nالعِلْك: بكسر المهملة، وسكون اللام بعدها كاف: كل ما يمضغ ويبقى في الفم، كالمَصْطَك واللُّبان.\nوله حالان:\nالأولى: أن يتحلل منه أجزاء.\nقال ابن المنذر: فإن تحلل منه شيء فازدرده؛ فالجمهور على أنه يفطر. اهـ\nوجزم بفطره ابن قدامة، والحافظ ابن حجر، ثم الإمام ابن عثيمين ﵏.\nالثانية: ألَّا يتحلل منه شيء.\nقال ابن المنذر - ﵀ -: ورخص في مضغ العِلْك أكثر العلماء إن كان لا يتحلل منه شيء، وقد كرهه أحمد، والشافعي، والشَّعبي، والنَّخعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنه يمتص الريق، ويجهد الصائم، ويورثه العطش.\nوذهب ابن حزم إلى إباحيته.\nقال النووي - ﵀ -: ولو نزل طعمه في جوفه، أو ريحه دون جِرْمه لم يفطر؛ لأن ذلك الطعم بمجاورة الريق له، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى الدارمي وجهًا عن ابن القطان أنه إذا ابتلع الريق وفيه طعمه أفطر وليس بشيء. اهـ\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٨)، \"المجموع\" (٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، \"المحلى\" (٤/ ٣٥١) (٧٥٣)، \"الفتح\" باب (٢٨) من الصيام، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٩٥)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٣١ - ٤٣٢).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>مسألة: هل يعد ابتلاع النُّخَامة مفطرًا</span>؟\nلها حالان:\nالأولى: ألَّا تصل إلى الفم وإلى حده الظاهر، بل تنزل من دماغه فتذهب إلى جوفه؛ فلا تعد مفطرة.\nقال النووي - ﵀ -: قال أصحابنا: النخامة إن لم تحصل في الحد الظاهر من الفم لم تضر بالاتفاق. اهـ\nالثانية: أن تصل إلى الفم، ثم يبتلعها، ففيه قولان:\n١ - المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية أنه يفطر.\nقال النووي - ﵀ -: وبه قطع الجمهور، يعني جمهور أصحابه. وقال به خليل من المالكية. وهذا ظاهر ترجيح الإمام ابن باز - ﵀ -؛ حيث قال: ولا يجوز للصائم بلعها؛ لإمكان التحرز منها، وليس مثل الريق.\n٢ - رواية عند أحمد نصرها ابن عقيل الحنبلي، وهو وجه شاذٌّ عند الشافعية أنه لا يعد مفطرًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وهو ترجيح شيخنا مقبل، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لأنها لم تخرج من الفم، ولا يعد بلعها أكلًا ولا شربًا.\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم؛ لأنَّ الأصل صحة الصوم، ولا يحكم بفساد الصوم إلا بدليل صحيح صريح، وبالله التوفيق.\nانظر \"المغني\" (٣/ ١٧)، \"المجموع\" (٦/ ٣١٨ - ٣١٩)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٧٦)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٥٢٦)، \"الموسوعة الفقهية\"","vol":"1","page":79},{"text":"(٢٨/ ٦٥ -)، \"الدر المختار\" (٢/ ٤٠٠)، \"التاج الإكليل لمختصر خليل\" (٢/ ٤٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>مسألة: من تمضمض واستنشق فغلبه الماء فدخل عليه</span>؟\nذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أنه لا يبطل الصوم، وهو قول الحسن البصري، وترجيح ابن حزم.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، [الأحزاب:٥].\nوبقوله - ﷺ -: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان» (^١)، وهذا هو ظاهر ترجيح البخاري، ورجحه الإمام ابن عثيمين، وهو الراجح، والله أعلم.\nوذهب مالك، وأبو حنيفة إلى بطلان صومه مطلقًا.\nقال الماوردي - ﵀ -: وهو قول أكثر الفقهاء، لكن شرط أبو حنيفة أن يكون ذاكرًا لصومه، واحتج من حكم عليه بالفطر بحديث لَقِيط بن صَبِرة أن النبي - ﷺ - قال: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». (^٢)\nولا حجة لهم في هذا الحديث؛ فإن غاية ما في هذا الحديث هو أن الصائم ليس مأمورًا بالمبالغة، وليس فيه أنه إذا بالغ فدخل حلقه شيء من غير قصده أنه يفطر، لكن ينبغي ألَّا يبالغ؛ لكون المبالغة مَظِنَّة لدخول شيء إلى جوفه، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، \"المحلى\" (٧٥٣)،\n_________\n(^١) انظر تخريجه في \"جامع العلوم والحكم\" رقم (٣٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، عن لَقِيط بن صبرة - ﵁ -.","vol":"1","page":80},{"text":"\"الفتح\" (١٩٣٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>مسألة: استعمال الإبر التي في الوريد والعَضَل</span>؟\nالذي يظهر أن هذه الإبر إن كانت للتغذية فتفطر، وإن لم تكن كذلك فلا تفطر، وقد أفتى بذلك الشيخ الإمام عبدالعزيز بن عبد الله بن باز، والعلامة العثيمين، والعلامة الفوزان رحمة الله عليهم. ثم ظهر لي مؤخرًا أن الذي ينبغي هو التحرز منها؛ لأنها تحتوي على ماء أو مواد أخرى ينتفع بها الجسم؛ فصار فيها معنى الغذاء، ولو كان يسيرًا، والله أعلم.\nانظر: \"تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام\" (١٧٥)، \"فتاوى العثيمين\" (١٩/ ٢٢٠)، \"الملخص الفقهي\" (١/ ٣٨٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>مسألة: السعوط</span>؟\nالسُّعُوط: هو بضم السين، وهو نفس الفعل، وهو جعل الشيء في الأنف وجذبه إلى الدماغ.\nوالسَّعُوط بالفتح: هو اسم للشيء الذي يتسعطه كالماء، والدهن وغيرهما، والمراد هنا بالضم.\nوفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنه إن وصل إلى الدماغ أفطر، وهو قول الشافعية، والحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، وقال: وسواءٌ تيقن من وصوله إلى حلقه وجوفه أو لم يتحققه بناءً على أن بين الدماغ والجوف مجرى، فما يصل إلى الدماغ لابد أن","vol":"1","page":81},{"text":"يصل إلى الجوف وإلى الحلق. اهـ\nالثاني: قول الإمام مالك - ﵀ -، وهو أنه لا يفطر بالسعوط إلا إذا نزل إلى حلقه، وهو ظاهر ترجيح الإمام ابن عثيمين، والعلامة ابن باز، وعزا هذا القول الحافظ إلى مالك، والشافعي ﵏.\nالثالث: أنه لابأس به للصائم، وهو قول النخعي، وابن حزم.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الثاني؛ لحديث لَقيط بن صَبِرة أن النبي - ﷺ - قال: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (^١)، ولا يعلم لهذا علة إلا أن المبالغة تكون سببًا لوصول الماء إلى المعدة، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٦)، \"المجموع\" (٦/ ٣١٣)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٨٥)، \"المحلى\" (٧٥٣)، \"الفتح\" [باب (٢٨) من كتاب الصيام]، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٧٩)، \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٥١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>مسألة: احتقان الصائم</span>؟\nالاحتقان هو: إدخال الأدوية عن طريق الدبر، وهو معروف ولا يزال يُعمل.\nفالمشهور من مذهب أحمد، والشافعي، وعزاه النووي للجمهور -يعني جمهور أصحابه- أنها تفطر؛ لأنها تصل إلى شيء مجوف في الإنسان، وهو الأمعاء فتكون مفطرة، سواء وصلت إلى المعدة أم لا.\nوذهب ابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن مالك، وهو ترجيح\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":82},{"text":"الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز إلى أنه لا بأس بذلك؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الأكل والشرب لا لغة ولا عُرفًا، وليس هناك دليل من الكتاب، ولا من السنة أن مناط الحكم بالإفطار وصول الشيء إلى الجوف، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣١٣)، \"المغني\" (٣/ ١٦)، \"المحلى\" (٤/ ٣٤٨) (٧٥٣)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٨٠)، \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٤٨٥)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٤٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>مسألة: التقطير في الإحليل (الذكر)</span>؟\nالذي عليه جمهور الشافعية، والحنابلة أنه يعد مفطرًا؛ لأنه يصل إلى جوف.\nوهناك وجه عند الشافعية والحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يعد مفطرًا؛ لأنه ليس أكلًا ولا شربًا، ولا في معناهما.\nقال ابن حزم - ﵀ -: وما علمنا أكلًا ولا شربًا يكون على دبر أو إحليل. اهـ\nوهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل من الكتاب والسنة يدل على أن مناط الحكم بالإفطار وصول الشيء إلى الجوف، وهذا هو الذي رجحه الإمام ابن عثيمين - ﵀ -.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣١٣)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، \"المحلى\" (٤/ ٣٤٨) (٧٥٣)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٨٤)، و\"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٦)، \"المغني\" (٣/ ١٩ - ٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>مسألة: القَلْس</span>؟\nالقلس: هو أن يبلغ الطعام إلى الحلق مِلْء الحلق أو دونه، ثم يرجع إلى الجوف.","vol":"1","page":83},{"text":"وقيل: هو ما يخرج إلى الفم من الطعام والشراب، والجمع (أقلاس). انظر \"لسان العرب\".\nوأما حُكْمُه: فإذا خرج ثم عاد بغير اختياره لم يفطره، وإذا ابتلعه عمدًا؛ فإنه يفطر، وقد نص عليه أحمد، ثم ابن حزم رحمة الله عليهما.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٧)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٧٧)، \"المحلى\" (٧٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>مسألة: هل يلزم الصائم تنشيف فمه بعد المضمضة</span>؟\nقال النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ٣٢٧): قال المتولي وغيره: إن تمضمض الصائم لزمه مَجُّ الماء، ولا يلزمه تنشيف فمه بخرقة ونحوه بلا خلاف. قال المتولي: لأن في ذلك مشقة. قال: ولأنه لا يبقى في الفم بعد المَجِّ إلا رطوبة لا تنفصل عن الموضع؛ إذ لو انفصلت لخرجت في المج، والله تعالى أعلم. اهـ\nقلتُ: ولو كان يلزمه التنشيف لأمر بذلك النبي - ﷺ -؛ لعموم البلوى به وحاجة الناس إليه؛ فهذا يدل على ما ذكره المتولي، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>مسألة: لو استاك الصائم بسواك رطب فانفصل من رطوبته أو خشبه المتشعب شيء فابتلعه</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: يفطر بلا خلاف، صرح به الفوراني، وغيره. اهـ\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣١٨).\nوالمقصود بالرطوبة هو السائل الذي يخرج من السواك عند أن يكون رطبًا ويكون حارًّا، وإنما جزم النووي - ﵀ - بأنه يفطر؛ لكونه يمكن التحرز منه.","vol":"1","page":84},{"text":"أما إذا استاك بالسواك بعد تحرزه من تلك المادة الرطبة، وبعد ذهابها؛ فلا يضره ذلك وإن وُجِد له طعم؛ لأنه لا يوجد إلا ريقه، وإنما أصابه ذلك الطعم لمجاورته للسواك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>مسألة: استعمال معجون الأسنان</span>؟\nاستعمال المعجون للصائم لا بأس به إذا لم ينزل إلى معدته، وبهذا أفتى الإمام ابن باز، وابن عثيمين، والفوزان وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين.\nقال الإمام ابن عثيمين - ﵀ -: الأولى عدم استعماله؛ لأن له نفوذًا قويًّا قد ينفذ إلى المعدة والإنسان لا يشعر به؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (^١). اهـ انظر: \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>مسألة: شُربُ الدخان</span>؟\nشرب الدخان يعد من المفطرات؛ لأن له أجرامًا تصل إلى المعدة؛ ولذلك فإن الذي يشرب الدخان تكون معدته مسودة من الدخان، وقد أفتى الإمام ابن عثيمين - ﵀ - بأن شرب الدخان يعد من المفطرات، والله أعلم.\nانظر: \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>مسألة: البَخَّاخ الذي يستعمل في مرض الربو (ضيق التنفس)</span>؟\nقال الإمام ابن عثيمين - ﵀ -: استعمال هذا البخاخ جائز للصائم، سواء كان صيامه في رمضان أم في غير رمضان ...؛ وذلك لأن هذا البخاخ لا يصل إلى المعدة\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":85},{"text":"وإنما يصل إلى القصبات الهوائية فتنفتح لما فيه من خاصية، ويتنفس الإنسان تنفسًا عاديًّا بعد ذلك، فليس هو بمعنى الأكل والشرب، ولا أكلًا، ولا شربًا يصل إلى المعدة، ومعلوم أن الأصل صحة الصوم حتى يوجد دليل على الفساد من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماع، أو قياسٍ صحيح. اهـ\nانظر: \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٥٣١ - ٥٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>مسألة: من أكل ناسيًا فظن أنه قد أفطر فأكل عمدًا</span>؟\nذكر صاحب \"الفروع\" وصاحب \"الإنصاف\" في ذلك قولين، والأكثر على أنه يفطر، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، وإليه مال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - معللًا ذلك بكونه قد تعمد الأكل وهو عالم أنه صائم دون أن يسأل ويتحرى؛ فيكون بذلك مُفَرِّطًا.\nثم قال: وعلى كل حالٍ، يقضي يومًا ولا يضره إن شاء الله، وهذان الوجهان هما وجهان أيضًا عند الشافعية.\nانظر: \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٥)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٠٠)، \"فتح الباري\" لابن رجب (١٢٢٧) (٦/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، \"حاشية ابن عابدين\" (٢/ ٤١١)، \"المجموع\" (٦/ ٣٣٩)، \"حاشية إعانة الطالبين\" (٢/ ٢٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>مسألة: من دخل في حلقه الذباب، أو الغبار، أو نُخَالة الدقيق وهو صائم</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: ونقل ابن المنذر الاتفاق على أن من دخل حلقه الذباب وهو صائم أن لا شيء عليه، ولكن نقل غيره عن أشهب أنه قال: أحب إليَّ","vol":"1","page":86},{"text":"أن يقضي حكاه ابن التين. اهـ\nوالصواب أنه لا شيء عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقوله ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].\nوَأَلْحَقَ الحنابلة والشافعية، وغيرهم بهذه المسألة ما لو دخل الغبار إلى حلقه من غير قصد، وكذا نخالة الدقيق وما أشبه ذلك.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٢)، \"الفتح\" (٤/ ١٨٤)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٦) \"الحاوي\" (٣/ ٤١٩)، \"المجموع\" (٦/ ٣٢٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>مسألة: من أكل، أو شرب، أو جامع جاهلًا بالتحريم</span>؟\nالمشهور عند الحنابلة أنه يعد مفطرًا وإن كان جاهلًا؛ لأن النبي - ﷺ - مر بالذي يحتجم فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (^١)، ولم يكن يعلم أن ذلك منهي عنه.\nوذهب بعض الحنابلة كأبي الخطاب والمجد ابن تيمية، وجزم به الشيرازي في \"المهذب\" إلى أنه لا يعد مفطرًا، ويعذر بجهله، واستدلوا بحديث عدي بن حاتم - ﵁ -، عند أن نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فأخذ عقالًا أبيض وعقالًا أسود فلم يزل يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فقال النبي - ﷺ -: «إن وِسَادك لعريض! إنما هو سواد الليل وبياض النهار» (^٢)، متفق عليه.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩١٦)، ومسلم برقم (١٠٩٠).","vol":"1","page":87},{"text":"وقد أخرجاه بنحوه عن سهل بن سعد - ﵁ -. (^١)\nوهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجحه الإمام ابن عثيمين - ﵀ -، وأما استدلالهم بحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فسيأتي إن شاء الله الجواب عنه في مسألة الحجامة.\nوعلى التسليم بأنه أفطر؛ فلم يأتِ في الحديث أنهما لم يكونا يعلمان أن الحجامة منهي عنها.\nانظر: \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٤)، شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٠١ - ٤٠٢)، \"المجموع\" (٦/ ٣٢٣ - ٣٢٤).\nفائدة تتعلق بالمسألة السابقة:\nقال النووي - ﵀ -: إذا أكل الصائم، أو شرب، أو جامع جاهلًا بتحريمه؛ فإنْ كان قريب عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه كون هذا مفطرًا لم يفطر؛ لأنه لا يأثم، فأشبه الناسي الذي ثبت فيه النص، وإن كان مخالطًا للمسلمين بحيث لا يخفى عليه تحريمه أفطر؛ لأنه مقصر. انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٢٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>مسألة: إذا أجري المفطر فيه قهرًا</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: إذا فعل به غيره المفطر بأن أُوْجِر الطعام قهرًا، أو أُسْعط الماء وغيره، أو ربطت المرأة وجومعت، أو جومعت نائمة؛ فلا فطر في كل ذلك. انتهى بتصرف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩١٧)، ومسلم برقم (١٠٩١).","vol":"1","page":88},{"text":"وهذا الذي ذكره النووي هو مذهب الشافعية، ونقله جماعة عن الإمام أحمد في غير الجماع، وعنه رواية في الجماع أنه لا يفطر.\nويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وقول النبي - ﷺ -: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما اسْتُكْرِهوا عليه». (^١)\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٢٤)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٣١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>مسألة: لو أكره الصائم على أن يأكل بنفسه، أو يشرب، فأكل أو شرب، أو أكرهت المرأة على التمكين فمكنت</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ -: في بطلان الصوم في ذلك قولان مشهوران قَلَّ من بين الأصح منهما، والأصح لا يبطل، وممن صححه المصنف -يعني الشيرازي- في \"التنبيه\"، والغزالي في \"الوجيز\" والعبدري في \"الكفاية\"، والرافعي في \"الشرح\"، وآخرون، وهو الصواب، ولا تغتر بتصحيح الرافعي في \"المحرر\" البطلان، واحتجوا لعدم البطلان بأنه بالإكراه سقط أثر فعله؛ ولهذا لا يأثم بالأكل لأنه صار مأمورًا بالأكل لا منهيًّا عنه، فهو كالناسي بل أولى منه بأنه لا يفطر؛ لأنه مُخاطب بالأكل لدفع ضرر الإكراه عن نفسه بخلاف الناسي؛ فإنه ليس بمخاطب بأمر ولا نهي، وأما قول القائل الآخر: (إنه أكل لدفع الضرر عنه فكان كالآكل لدفع الجوع\n_________\n(^١) انظر تخريجه في \"جامع العلوم والحكم\" رقم (٣٩).","vol":"1","page":89},{"text":"والعطش)، ففرقوا بينهما بأن الإكراه قادح في اختياره، وأما الجوع والعطش فلا يقدحان في اختياره بل يزيدان. اهـ\nوالذي اختاره النووي هو المنقول عن أحمد أيضًا إلا في مسألة إكراه المرأة على الوطء، فالمشهور عنه أنه يفسد صومها، ولا كفارة عليها.\nوالصحيح ما ذهب إليه النووي بأن الإكراه يشمل إكراه المرأة على الوطء بشروطه، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٢٥)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٤،٢٨٢)، \"المغني\" (٣/ ٢٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>مسألة: شروط الإكراه</span>؟\nذكروا للإكراه شروطًا منها:\n١ - أن يكون المُكْرِه قادرًا على تحقيق ما هدد، به إما لولايةٍ، أو تغلبٍ، أو فرط هجوم.\n٢ - أن يكون المكرَه عاجزًا عن الدفع؛ فإنْ قدر بمقاومة، أو استغاثة، أو فرار ونحوه فلم يفعل؛ لم يكن مكرهًا.\n٣ - أن يكون المتهدد به مما يحرم على المكرِه تعاطيه منه، فلو قال: ولي القصاص للجاني: (طلق امرأتك، وإلا اقتصصتُ منك)، أو (أفطر هذا اليوم من رمضان وإلا اقتصصت منك)؛ لم يكن ذلك إكراهًا.\n٤ - أن يكون المتهدد به عاجلًا، ويغلب على ظن المكلف بأن يوقعه ناجزًا إن لم يفعل ما أمره به، فلو قال: أقتلك غدًا. أو نحو ذلك؛ لم يكن إكراهًا، والله أعلم.","vol":"1","page":90},{"text":"٥ - أن يحصل بفعل المكره عليه التخلص من المتوعد به.\n٦ - ألا يحصل منه الاختيار بعد أن كان مكرهًا، كمن أكره على الزنا ثم أصبح مختارًا له بعد الإيلاج -والعياذ بالله- فهذا لا يعد مكرهًا.\nانظر: \"روضة الطالبين\" (٨/ ٥٨ - ٦١)، \"قواعد الحصني\" (٢/ ٣٠٦)، \"الأشباه والنظائر\" (٢٠٩ - ٢١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>مسألة: جماع الصائم ناسيًا</span>؟\nفي المسألة أقوال:\nالأول: أنه لا شيء عليه، وهو قول مجاهد، والحسن، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، وداود، وابن المنذر وغيرهم، وهو ترجيح ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الصحيح؛ للأدلة التي تقدم ذكرها في مسألة الأكل والشرب ناسيًا.\nالثاني: وجوب القضاء، وهو قول عطاء، والأوزاعي، والليث، ومالك، وأحمد، وهو أحد الوجهين للشافعية، وحجتهم: قصور حالة المجامع ناسيًا عن حالة الأكل.\nالثالث: وجوب القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد، وحجتهم حديث الذي جامع امرأته في نهار رمضان فجاء فقال: هلكت!. فقال النبي - ﷺ -: «ما أهلكك؟» قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، فأمره النبي - ﷺ - بالكفارة.\nقالوا: ولم يستفصل النبي - ﷺ - من الرجل أنسي أم لم ينس؟ قالوا: وترك","vol":"1","page":91},{"text":"الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.\nوالرد على ذلك: أن في سياق الحديث ما يدل على أن الرجل لم يكن ناسيًا، بل كان متعمدًا، وهو قوله: (هلكت) وقوله: (احترقت)، فهذه الألفاظ لا يقولها إلا من كان متعمدًا للمعصية، لا من وقعت منه نسيانًا، والله أعلم.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٣٣)، \"المجموع\" (٦/ ٣٢٤)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٧٩)، \"المحلى\" (٤/ ٣٥٦) (٧٥٣)، \"الفتح\" (٤/ ١٩٥)، \"المغني\" (٣/ ٢٦ - ٢٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>مسألة: استمناء الصائم</span>؟\nذهب الجمهور والأئمة الأربعة إلى أنه يفسد الصوم، واستدلوا بقوله تعالى: في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (^١)، وهذا لم يدع شهوته، ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين والعلامة ابن باز رحمهما الله.\nواستدلوا أيضًا بقياسه على الجماع؛ فإن غاية الجماع هو خروج المني، وقد حصل بالاستمناء.\nوذهب الإمام أبو محمد بن حزم إلى أنه لا يفسد صومه؛ لأنه لم يأت نص بأنه ينقض الصوم، ورجح ذلك الصنعاني، والألباني رحمة الله عليهما.\nوالراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لدلالة الحديث على ذلك، أعني قوله - ﷺ -: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، والمستمني لم يدع شهوته.\nويستثنى من الشهوة الواردة من هذا الحديث ما استثناه الدليل، وهو المباشرة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١) (١٦٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":92},{"text":"والتقبيل دون أن يتعمد الإنزال؛ لحديث عائشة - ﵂ - في \"الصحيحين\" (^١)، أن النبي - ﷺ - كان يُقَبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم. قالت: ولكنه كان أَمْلَككم لإربه.\nوما أحسن وأجود ما قرره الإمام الشوكاني - ﵀ - في \"السيل الجرار\" (٢/ ١٢١) حيث قال: إن وقع من الصائم سببٌ من الأسباب التي وقع الإمناء بها؛ بطل صومه، وإن لم يتسبب بسبب، بل خرج منيه لشهوة ابتداءً، أو عند النظر إلى ما يجوز له النظر إليه مع عدم علمه بأن ذلك مما يتسبب عنه الإمناء؛ فلا يبطل صومه، وما هو بأعظم ممن أكل ناسيًا. اهـ\nقلتُ: هذا الذي قرره هذا الإمام هو الصحيح، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٤١)، \"المحلى\" (٧٥٣)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، \"تمام المنة\" (٤١٨ - ٤١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>مسألة: احتلام الصائم</span>؟\nإذا احتلم الصائم فلا يفطر بالإجماع، نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٧/ ١٩٢)، والنووي في \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٢٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٠٧، ٤٨٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٢٧)، ومسلم (١١٠٦).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>مسألة: إذا باشر، أو قَبَّل، أو نظر، فأمنى أو أمذى</span>؟\nفي المسألة أقوال:\nالأول: قال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أمنى في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء.\nالثاني: قال مالك، وإسحاق يقضي في كل ذلك ويكفر، إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأن الإنزال أقصى ما يطلب في الجماع من الالتذاذ في كل ذلك، وتعقب بأن الأحكام علقت بالجماع، ولو لم يكن إنزال فافترقا.\nالثالث: لا قضاء عليه ولا كفارة.\nوهو قول الإمام أبي محمد بن حزم، ورجحه الصنعاني حيث قال: الأظهر أنه لا قضاء ولا كفارة إلا على من جامع، وإلحاق غير المجامع به بعيد. اهـ\nوهذا الذي رجحه الإمام الألباني - ﵀ -، وبهذا القول يُعْلَم أن قول ابن قدامة في \"المغني\": (إن قَبَّل فأنزل؛ أفطر بلا خلاف) غير صحيح؛ فقد وجد الخلاف كما تقدم، وكما في \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧١ - ٢٧٢).\nوالراجح -والله أعلم- أنه إن تعمد إنزال المني بالمباشرة أو التقبيل أنه يفطر.\nقال الإمام الشوكاني - ﵀ - في \"السيل\" (٢/ ١٢١): إن وقع من الصائم سبب من الأسباب التي وقع الإمناء بها؛ بطل صومه، وإن لم يتسبب بسبب، بل خرج منيه لشهوة ابتداء أو عند النظر إلى ما يجوز له النظر إليه مع عدم علمه بأن ذلك مما يتسبب عنه الإمناء؛ فلا يبطل صومه، وما هو بأعظم ممن أكل ناسيًا. اهـ","vol":"1","page":94},{"text":"انظر: \"الفتح\" (١٩٢٧)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٢٩ - ١٣٠)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٦٦)، \"المحلى\" (٧٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>مسألة: القبلة والمباشرة للصائم إذا لم يُنْزل</span>؟\nفي المسألة أقوال:\nالأول: الكراهة مطلقًا، وهو المشهور عند المالكية.\nالثاني: نقل ابن المنذر وغيره عن قوم التحريم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، وزاد بعضهم فقال: يبطل صومه. كعبد الله بن شُبْرمة، وحكي عن سعيد بن المسيب.\nالثالث: الإباحة، وهو المنقول صحيحًا عن أبي هريرة - ﵁ -، وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٠) بإسناد صحيح.\nوبه قال سعد بن أبي وقاص، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٨٥) من طريق زيد بن أسلم عنه وهو منقطع؛ لأن زيدًا لم يسمع من سعد كما في \"جامع التحصيل\"، لكن قال ابن حزم في \"المحلى\": ومن طرق صحاح عن سعد بن أبي وقاص ...، فذكره.\nوبالغ ابن حزم - ﵀ -، فقال بالاستحباب.\nالرابع: قالوا يكره للشاب ويباح للشيخ، واستدلوا بما أخرجه أبو داود (٢٣٨٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ رجلًا أتى النبي - ﷺ - فسأله عن المباشرة للصائم، فرخص له، وأتاه آخر فسأله عنها فنهاه، فإذا الذي رخص له","vol":"1","page":95},{"text":"شيخ، والذي نهاه شاب. وإسناده صحيح، وقد أعله بعضهم بأبي العَنْبس الحارث بن عبيد، وقالوا: إنه مجهول. والصحيح أنه ثقة، فقد وثقه ابن معين كما في \"تاريخ الدارمي\".\nالخامس: إن ملك نفسه جاز وإلا فلا، وهو قول الشافعي، والثوري، وهذا هو الصحيح، ويدل عليه حديث عائشة - ﵂ - في \"الصحيحين\" (^١)، قالت: كان النبي - ﷺ - يُقبِّل وهو صائم، ولكنه كان أَمْلَككم لِإِرْبه.\nوإنما منعناه لمن لا يملك نفسه للأدلة المقضية بسد الذرائع الموصلة إلى الحرام، ويشير إلى ذلك الحديث الذي استدل به أصحاب القول الرابع.\nوأما عن الأقوال السابقة:\nفالقول الأول: يرد عليه أحاديث عائشة، وحفصة، وأم سلمة ﵅، أن النبي - ﷺ - كان يقبل وهو صائم.\nوحديث عائشة - ﵂ -، متفق عليه (^٢)، وحديث حفصة، وأم سلمة - ﵄ -، أخرجهما مسلم. (^٣)\nودعوى الخصوصية في هذه الأحاديث تحتاج إلى برهان، بل قد ثبت أن رجلًا من الأنصار ذكر أنه قَبَّل امرأته على عهد رسول الله - ﷺ -، فأمرها فسألت النبي - ﷺ - عن ذلك؟ فقال لها: «إن رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك»، فأخبرته امرأته، فقال\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٣) برقم (١١٠٧) (١١٠٨).","vol":"1","page":96},{"text":"لها: إن النبي - ﷺ - رخص له في أشياء، فارجعي إليه، فرجعت إليه فذكرت له ذلك، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أنا أتقاكم وأعلمكم بحدود الله».\nأخرجه أحمد (٥/ ٤٣٤)، وصححه الوادعي - ﵀ - في \"الصحيح المسند\" (١٦٥٨).\nوروى مسلم في \"صحيحه\" (١١٠٨): أن عمر بن أبي سلمة سأل رسول الله - ﷺ -: أَيُقَبِّلُ الصائمُ؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: «سل هذه»، يعني أم سلمة، فأخبرته أن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك، فقال يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم».\nوأما القول الثاني: فالرد عليه بما رد على القول الأول.\nوأما استدلالهم بالآية ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]؛ فالجواب عن ذلك أن رسول الله - ﷺ - هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة والقُبْلة نهارًا؛ فدل على أن المراد بالمباشرة في الآية هو الجماع لا ما دونه، والله أعلم.\nوأما الرد على أهل القول الرابع:\nفإن الحديث الذي ذكروه وَاقِعة عين لا تفيد العموم، والناس يختلفون، فَرُبَّ شيخٍ أشد شهوة من الشاب، وكذلك العكس، ويدل على عدم اعتبار هذا التفريق حديث عمر بن أبي سَلَمة الذي تقدم ذكره قريبًا؛ فهذا يدل على أن النظر في ذلك لمن يتأثر بالمباشرة، والتقبيل، ويجره إلى الحرام، والله أعلم.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٢٧)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٢٨ - ١٢٩)، \"المحلى\" (٧٥٣)، \"شرح","vol":"1","page":97},{"text":"المهذب\" (٦/ ٣٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>مسألة: من أدركه الفجر وهو جُنُب، فهل يصح صومه</span>؟\nذهب الجمهور إلى صحة صومه؛ لحديث عائشة، وأم سلمة - ﵄ -، أن النبي - ﷺ - كان يصبح جُنُبًا من جماع، ثم يغتسل ويصوم. متفق عليه. (^١)\nوقد كان هناك خلاف في زمن التابعين، ثم استقر الإجماع على صحة الصوم كما جزم بذلك النووي، وسبب الخلاف هو حديث أبي هريرة - ﵁ -، في \"الصحيحين\" (^٢) أنه كان يفتي يقول: «من أدركه الفجر وهو جنب فلا صوم له».\nوجاء عند النسائي (^٣)، وغيره أنه رفعه إلى النبي - ﷺ -، ودخل عليه عبدالرحمن بن الحارث بعد أن سمع حديث عائشة، وأم سلمة - ﵄ -، فأخبره بحديثهما، فقال أبو هريرة - ﵁ -: أهما قالتاه لك؟! قال: نعم. قال أبو هريرة: هما أعلم. ثم أخبره أنه لم يسمعه من النبي - ﷺ -، وإنما سمعه من الفضل بن عباس، ورجع عن فُتْياه.\nوأما حديث الفضل بن عباس: فمنهم من حمله على أن الأمر بالغسل قبل الفجر للإرشاد.\nقال الحافظ - ﵀ -: ويعكر عليه التصريح في كثير من طرق الحديث بالأمر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣١) (١٩٣٢)، ومسلم (١١٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٢٥)، ومسلم برقم (١١٠٩).\n(^٣) انظر \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٧٦ - ١٧٧).","vol":"1","page":98},{"text":"بالفطر، وبالنهي عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان؟ ومنهم من حمله على من أدركه الفجر مجامعًا، فاستدام بعد طلوعه عالمًا بذلك.\nقال الحافظ: ويعكر عليه ما رواه النسائي (^١) من طريق أبي حازم عن عبدالملك ابن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، أنه كان يقول: «من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم».\nومنهم من سلك مسلك الترجيح، فرجح حديث عائشة، وأم سلمة - ﵄ -، على حديث أبي هريرة - ﵁ -، الذي أخذه من الفضل، وهو مسلك الشافعي، والبخاري، وابن عبد البر.\nومنهم من حمل حديث الفضل على أنه منسوخ.\nقال ابن خزيمة - ﵀ -: توهم بعض العلماء أن أبا هريرة - ﵁ - غلط في هذا الحديث.\nثم رد عليه ابن خزيمة بأنه لم يغلط، وإنما أحال على رواية صادق، إلا أن الخبر منسوخ؛ لأن الله تعالى عند ابتداء فرض الصيام كان منع في ليلة الصوم من الأكل، والشرب، والجماع بعد النوم، فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذٍ، ثم أباح الله ذلك إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يكون اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه. اهـ\n_________\n(^١) انظر \"الكبرى\" (٢/ ١٧٩).","vol":"1","page":99},{"text":"وأيد الحافظ القول بالنسخ بحديث عائشة - ﵂ -، الذي في \"صحيح مسلم\" (١١١٠)، أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - يستفتيه، وهي تسمع من وراء الحجاب، فقال: يا رسول الله، يدركني الفجر وأنا جُنُب أفأصوم؟ فقال النبي - ﷺ -: «وأنا يدركني الفجر، وأنا جنب فأصوم»، قال: لست مثلنا يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: «والله، إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي».\nقال الحافظ - ﵀ -: ويقوي النسخ أن في حديث عائشة هذا الأخير ما يُشعر أن ذلك كان بعد الحديبية؛ لقوله فيه: «قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر».\nوأشار إلى [آية الفتح]، وهي إنما أنزلت عام الحديبية عام ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية. اهـ\nوإلى القول بالنسخ ذهب ابن المنذر، والخطابي، وابن دقيق العيد، ورجحه الحافظ، وتبعه الصنعاني.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٢٦)، \"السبل\" (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦) ط/ دار الكتاب العربي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>مسألة: احتجام الصائم</span>؟\nفي المسألة مذهبان:\nالأول: أن الحجامة لا تفطر، وإلى ذلك ذهب الجمهور، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، ومن الصحابة: ابن مسعود (^١)، وابن عمر (^٢)، وابن عباس، وأنس بن\n_________\n(^١) أثر ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥١) وفيه مسلم بن سعيد مجهول الحال.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥١) وإسناده صحيح، وأما أثر ابن عباس وأبي سعيد وأنس فهي صحيحة وسيأتي ذكرها أثناء المسألة.","vol":"1","page":100},{"text":"مالك، وأبو سعيد، وأم سلمة (^١)، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والشعبي، والنخعي.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث ابن عباس - ﵄ -، الذي في \"البخاري\" (١٩٣٨) أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم. وفي رواية: احتجم وهو صائم.\n٢ - ما أخرجه البخاري (١٩٤٠) عن ثابت البُناني، قال: سُئل أنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا؛ إلا من أجل الضعف.\nولفظُه عند أبي داود (٢٣٧٥) قال: ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد.\n٣ - أخرج أبو داود (٢٣٧٤) بإسناد صحيح عن رجلٍ من الصحابة أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما؛ إبقاء على أصحابه.\n٤ - ما أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٢٣٧)، وغيره من حديث أبي سعيد الخدري - ﵀ -، قال: رخص النبي - ﷺ - في الحجامة للصائم.\nوإسناده قابل للصحة؛ إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، والراجح وقفه، وقد رجح وقفه أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، وابن خزيمة وغيرهم.\n_________\n(^١) أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢١٤) وابن أبي شيبة (٣/ ٥٣)، وفي إسناده قيس مولى أم سلمة، قال الحافظ في \"الفتح\" (١٩٢٨): مجهول حال.","vol":"1","page":101},{"text":"٥ - حديث أنس - ﵁ -، عند الدارقطني (٢/ ١٨٢) أنه قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي - ﷺ -، وقال: «أفطر هذان»، ثم رخص النبي - ﷺ - بعد ذلك للصائم.\nوهذا الحديث ضعيف؛ لأنه من طريق: خالد بن مَخلد القَطَواني، وله مناكير، وعبد الله بن المثنى وهو صدوق كثير الغلط، وقد أعله وأنكره ابن عبد الهادي في \"التنقيح\" كما في \"نصب الراية\" (٢/ ٤٨٠)، وكذلك الحافظ في \"الفتح\" (١٩٣٨)، وشيخ الإسلام في شرحه ل\"كتاب الصيام\" (١/ ٤٤٧ - ٤٤٨).\n٦ - استدلوا بقياسه على الفَصْد والرُّعاف، وقد ثبت عن ابن عباس (^١) - ﵄ -، أنه قال: الفطر مما دخل، وليس مما خرج.\nوهذا المذهب رجحه البخاري في \"صحيحه\"، وابن حزم في \"المحلى\"، وهو ترجيح الإمام الألباني - ﵀ -.\nالمذهب الثاني: يفطر الحاجم والمحجوم، وعليهما القضاء.\nروي عن علي - ﵁ -، (^٢)، وجاء عن عائشة - ﵂ - عند ابن أبي شيبة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو قول عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ومن الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، وتلميذه ابن القيم - ﵀ -، ورجحه\n_________\n(^١) أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٥١) بإسناد صحيح.\n(^٢) أثر علي بن أبي طالب - ﵁ - ضعيف، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢١٠) والنسائي (٢/ ٢٢٣) وهو من رواية الحسن عن علي ولم يدركه، فهو منقطع.","vol":"1","page":102},{"text":"الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز رحمهما الله، وقد شذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، ولا دليل على ذلك.\nواستدل هؤلاء بقوله - ﷺ -: «أفطر الحاجم والمحجوم» (^١)،\nوأوردوا على القول الأول ما يلي:\n١ - أما عن حديث ابن عباس - ﵄ -، فقال مُهنَّا: سألت أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: ليس فيه (صائم) إنما هو (محرم).\n٢ - أجاب ابن خزيمة بما حاصله: أن النبي - ﷺ - كان مُحْرِمًا، والمحرم يكون مسافرًا، والمسافر يجوز له أن يفطر سواءٌ بالأكل، أو الشرب، أو الحجامة؛ فليس في حديث ابن عباس ما يمنع الإفطار.\n٣ - أن حديث ابن عباس - ﵄ -، مُبْقٍ على الأصل، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» ناقل عن الأصل، والناقل مقدم على المبقي.\nوالصحيح هو قول الجمهور، وأما قوله - ﷺ -: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فقد أجيب عنه بأجوبة منها:\n١) ما ذكره الشافعي في \"الأم\"، وتبعه عليه الخطابي، والبيهقي، وسائر\n_________\n(^١) جاء عن جمعٍ من الصحابة، وأصح ما ورد عن ثوبان، وشداد بن أوس - ﵄ -.\nأما حديث ثوبان - ﵁ -، فأخرجه أحمد (٥/ ٢٧٧)، وأبو داود (٢٣٦٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣١٣٧)، والحاكم (١/ ٤٢٧)، وغيرهم من طريق: يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان به، وإسناده صحيح.\nوأما حديث شداد - ﵁ -، فأخرجه أحمد (٤/ ١٢٢ - ١٢٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣١٣٨) (٣١٥٠)، وغيرهما من طريق: خالد الحَذَّاء، عن أبي قِلابة، عن الأشعث، عن شداد، وهذا إسناد صحيح.","vol":"1","page":103},{"text":"الشافعية من أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن عباس وغيره مما ذكرنا، قالوا: ويدل على النسخ أن ابن عباس لم يصحب النبي - ﷺ - محرمًا إلا في حجة الوداع، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» كان في يوم الفتح، كما جاء في بعض ألفاظه، ويؤيده حديث أبي سعيد وحديث أنس اللذان تقدم ذكرهما في أدلة المذهب الأول.\nوقد اعتمد على هذا الجواب ابن حزم، والشيخ الألباني رحمهما الله على حديث أبي سعيد وحديث أنس - ﵄ -.\nويرد على هذا الجواب أن الراجح في حديث ابن عباس أنهما قضيتان: «احتجم وهو محرم» «احتجم وهو صائم»، وجمع بينهما بعض الرواة كما في \"البخاري\"، قرر ذلك الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\".\nوحديث أبي سعيد وأنس - ﵄ - فيهما ضعف كما تقدم.\nفيبقى هذا الجواب احتمالًا، وهو أقوى الأجوبة، والله أعلم.\n٢ - ما أجاب به الشافعي أيضًا، وتبعه الخطابي، وبعض الشافعية من أن المراد بحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» أنهما كانا يغتابان في صومهما كما جاء في بعض طرق الحديث، وعلى هذا التأويل يكون المراد بإفطارهما أنه ذهب أجرهما، كما قال بعض الصحابة لمن تكلم حال الخطبة: (لا جمعة له)، أي: ليس لك أجرها، وإلا فهي صحيحة مجزئة عنه، لكن لم يصح في الحديث أنهما كانا يغتابان (^١)، فيبقى هذا\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٦٨)، من حديث ثوبان - ﵁ -، وفي إسناده: يزيد بن ربيعة الرحبي، وهو متروك، وذكر الحافظ ابن حجر عن ابن المديني أنه قال: حديثٌ باطل.","vol":"1","page":104},{"text":"الجواب احتمالًا فقط.\n٣ - ما أجاب به الخطابي، والبغوي رحمة الله عليهما، أن معناه: تعرَّضَا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المَصِّ، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم فَيَئُول أمره إلى أن يفطر.\n٤ - ما ذكره الخطابي - ﵀ -: أنه مر بهما قريب المغرب، فقال: أفطرا، أي: حان فطرهما، كما يقال: أمسى الرجل إذا دخل وقت المساء أو قاربه.\n٥ - أنه تغليظ ودعاء عليهما؛ لارتكابهما ما يعرضهما لفساد صومهما.\n٦ - أن حديث ابن عباس أصح، ويعضده القياس فوجب تقديمه، أجاب بهذا الشافعي، وأقوى الأجوبة، الأول، ثم الثالث.\nوأما ما أوردوه على الجمهور، فالجواب عنه كما يلي:\n١ - أما إعلال الإمام أحمد لذكر الصيام فيه، فقد عارضه في ذلك الإمام البخاري، وصحح ذكر الصيام في الحديث، وقد بين الحافظ أنهما قضيتان:\nالأولى: «احتجم النبي - ﷺ - وهو محرم»، وهذا الحديث متفق عليه. (^١)\nالثانية: «احتجم النبي - ﷺ - وهو صائم»، فجاء بعض الرواة فجمع بينهما، ومن هنا حصل الإشكال؛ لكون أكثر الرواة يروونه بلفظ «وهو محرم» فقط.\n٢ - قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر كلام ابن خزيمة: وتَعُقِّب بأن هذا الحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨٣٥)، ومسلم برقم (١٢٠٢).","vol":"1","page":105},{"text":"ما ورد هكذا إلا لفائدة، فالظاهر أنها وجدت منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر.\nقال الخطابي - ﵀ - في \"معالم السنن\": وهذا تأويل باطل؛ لأنه قال: احتجم وهو صائم، فأثبت له الصيام مع الحجامة، ولو بطل صومه بها؛ لقال: أفطر بالحجامة. اهـ\nقال النووي - ﵀ -: قلت: ولأن السابق إلى الفهم من قول ابن عباس: «احتجم وهو صائم» الإخبار بأن الحجامة لا تبطل الصوم، ويؤيده باقي الأحاديث المذكورة. اهـ\n٣ - أن هذا الترجيح لا يرجع إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، وعند عدم النسخ، والأمر هنا بخلاف ذلك، ومع التسليم فقد يعارض بترجيح حديث ابن عباس على حديث «أفطر الحاجم والمحجوم»، والله أعلم.\nونسأله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nوما أحسن ما قاله الشوكاني - ﵀ - بعد أن ذكر الخلاف: فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها، وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ به إلى حد يكون سببًا للإفطار، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها، وعلى كل حال: تجنب الحجامة للصائم أولى، فيتعين حمل قوله: «أفطر الحاجم، والمحجوم» على المجاز؛ لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي. اهـ\nانظر: \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٣)، \"الفتح\" (١٩٣٨)، \"نصب الراية\" (٢/ ٤٧٢)، \"التلخيص","vol":"1","page":106},{"text":"الحبير\" (٢/ ٣٦٦)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٣٠ - ١٣٥)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٩٢)، \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٢٧) ط/ دار الكلم الطيب، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٦٩ - ١٧١)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٠٦ - ٤٥٠)، \"ابن أبي شيبة\" (٣/ ٤٦ -)، \"عبد الرزاق\" (٤/ ٢٠٩ -).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>مسألة: فَصْدُ العرق وشرطه</span>؟\nالفَصْدُ وَالشَّرْطُ: هو شق العرق؛ فإنْ شققته طولًا فهو شرط، وإن شققته عرضًا فهو فصد.\nوالذي عليه الشافعية، وأكثر الحنابلة، ومنهم القاضي، وابن عقيل أنه لا يفطر، وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على إفطاره.\nوذهب بعض الحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام - ﵀ - إلى أنه يفطر قياسًا على الحجامة بجامع وجود الضعف في كليهما، واستقرب ذلك الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -.\nانظر: \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٤٩)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>مسألة: من نزفه الدم من رعاف وغيره</span>؟\nالنزيف الذي يحصل من الأسنان، أو من الأنف، أو ما أشبه ذلك لا يؤثر في الصوم ما دام يحترز من ابتلاعه ما أمكن.\nوهذا الذي عليه مذهب الحنابلة، وهو ترجيح الإمام ابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهما. وهو مقتضى مذهب الجمهور.","vol":"1","page":107},{"text":"انظر: \"الإنصاف\" (٣/ ٢٧٣)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٤٥٠)، فتاوى ابن عثيمين (١/ ٥١٤)، فتاوى اللجنة الدائمة (١٢٠٧٧)، \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٤٦٠)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>مسألة: سحب الدم للتبرع</span>؟\nذهب الإمام ابن باز، والعلامة ابن عثيمين، والعلامة الفوزان إلى أنه إذا كان كثيرًا أفطر؛ قياسًا على الحجامة، وقد تقدم أن الراجح في الحجامة أنها لا تفطر، فالظاهر - والله أعلم - أن سحب الدم للتبرع لا يعد مُفطِّرًا. وهذا مقتضى مذهب الجمهور\nانظر: \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٤٦٥ - ٤٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>مسألة: اكتحال الصائم</span>؟\nمذهب الشافعي، وحكاه ابن المنذر عن عطاء، والحسن البصري، والنخعي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور أنه جائز ولا كراهة فيه، ولا يفطر، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا.\nواستدلوا بحديث عائشة - ﵂ - الذي في الباب، وبأحاديث أخرى ضعيفة، وأقوى ما استدلوا به هو البراءة الأصلية، فالأصل أن الصائم لا يحكم عليه بالفطر إلا بدليل صحيح صريح، ولا نستطيع أن نفسد عبادة شخص إلا بذلك.\nوأما حديث عائشة - ﵂ -، فقد أخرجه ابن ماجه (١٦٧٨) عنها، ولفظه: أن النبي - ﷺ - اكتحل في رمضان وهو صائم. وإسناده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه سعيد بن عبدالجبار الزُّبيدي، وقد كذبه ابن جرير، وضعفه النسائي. وانظر \"نصب الراية\"","vol":"1","page":108},{"text":"(٢/ ٤٥٦).\nوهذا المذهب هو الراجح، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأشار إلى ترجيحه الصنعاني، واستظهره الشوكاني، ورجحه الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\nالقول الثاني: مذهب أحمد، ومالك، والثوري، وإسحاق أنه يكره، وقد قال مالك، وأحمد: وإن وصل إلى الحلق أفطر. واستدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: «الفطر مما دخل، وليس مما خرج» أخرجه ابن عدي (٦/ ٢٠٤٢)، وقالوا: هذا يجد طعمه في حلقه؛ فيدل على أنه قد دخل. وبالإفطار قال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى.\nوالصحيح هو القول الأول.\nوأما استدلالهم بحديث:\n«الفطر مما دخل وليس مما خرج»، ففي سنده: الفضل بن مختار، وهو ضعيف جدًّا. وفيه أيضًا شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف.\nوقال ابن عدي - ﵀ -: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف. اهـ\nورجح ذلك البيهقي.\nوقال الصنعاني - ﵀ - في \"سبل السلام\": وأجيب عنه بأنا لا نسلم كونه داخلًا؛ لأن العين ليست بمنفذ، وإنما يصل من المسام؛ فإنَّ الإنسان قد يدلك قدميه بالحَنْظل فيجد طعمه في فيه. اهـ","vol":"1","page":109},{"text":"وقد استدل للمانعين بحديث معبد بن هَوْذة عن النبي - ﷺ - أنه قال في الإِثْمِد: «ليَتَّقه الصائم»، رواه أبو داود (٢٣٧٧)، من طريق عبدالرحمن بن النعمان بن معبد ابن هوذة، عن أبيه، عن جده به.\nوهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن عبدالرحمن ضعيف، والنعمان مجهول، وقد أنكر هذا الحديث ابن معين، وأحمد، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن عبدالهادي.\nانظر: حاشية \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٨٩)، \"المغني\" (٣/ ١٦)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٣٦)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>مسألة: القطرة في الأذن</span>؟\nالذي عليه الحنابلة، وجمهور الشافعية أنها تعتبر مفطرة؛ لكونها تصل إلى الدماغ، وذهب بعض الشافعية كأبي علي السنجي، والقاضي حسين، والفوراني، وصححه الغزالي إلى أنها لا تفطر، وهو مذهب ابن حزم، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لكون الأذن ليست بمنفذ إلى الحلق، والمعدة.\nوهذا هو الصحيح، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله.\nانظر: \"شرح المهذب\" (٦/ ٣١٤ - ٣١٥)، \"المغني\" (٣/ ١٦)، \"المحلى\" (٤/ ٣٤٨) (٧٥٣)، \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٥٠٩ - ٥١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>مسألة: تَقيُّؤ الصائم</span>؟\nذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه يفطر إن استقاء وطلب القيء، وأما إن غلبه القيء فلا يفطر.","vol":"1","page":110},{"text":"واستدلوا بما يلي:\n١ - حديث أبي هريرة - ﵁ -، عند أحمد، وأصحاب \"السنن\" أن النبي - ﷺ - قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء». (^١)\nوهذا الحديث إسناده ظاهره الصحة، ولكن قد أعله أحمد، والبخاري، والدارمي، وأبو علي الطُّوسي وغيرهم كما في \"التلخيص\" (٢/ ٣٦٣)، و\"نصب الراية\" (٢/ ٤٤٨)، فراجعه.\n٢ - حديث أبي الدرداء، وثوبان - ﵄ -، أن رسول الله - ﷺ - قاء فأفطر. رواه أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٨٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٢١٣ -)، وهو في \"الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين\" (١٩٥)، وقد روي الحديث بلفظ: «استقاء»؛ ولكنها شاذة غير محفوظة. (^٢)\n٣ - حديث فَضَالة بن عبيد قال: أصبح رسول الله - ﷺ - صائمًا فقاء فأفطر، فسئل عن ذلك؟ فقال: «إني قِئْتُ»، رواه أحمد (٢٣٩٦٣).\nوسنده حسن؛ لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث، وقد ذهب إلى ذلك من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٨)، وأبو داود (٢٣٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣١٣٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٦).\n(^٢) أخرجها النسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٢١٥)، وأحمد (٦/ ٤٤٩)، من طريق: معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، فذكره بلفظ «استقاء»، وقد وهم معمر في الإسناد والمتن، فقد رواه هشام الدستوائي، وحسين المعلم، وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن يعيش، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء به، بلفظ: «قاء»، كما في المصادر السابقة.","vol":"1","page":111},{"text":"الصحابة عبد الله بن عمر (^١) - ﵄ -.\nونقل ابن المنذر الإجماع على هذا القول، والصحيح وجود الخلاف؛ فقد ذهب عبد الله بن عباس (^٢)، وعبد الله بن مسعود (^٣)، وعكرمة، وربيعة، وأسنده البخاري في \"صحيحه\" عن أبي هريرة - ﵁ -، وهو رواية عن مالك إلى أن القيء لا يفطر، سواء تعمده أو لا، ورجح ذلك الإمام البخاري، واستدلوا بالبراءة الأصلية، وقالوا: لا يحكم بفساد صومه إلا بدليل صحيح صريح.\nوأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي:\n١ - حديث أبي هريرة - ﵁ -، قد تقدم أنه مُعلٌّ.\n٢ - حديث ثوبان - ﵁ -، وإن كان صحيحًا، فليس في الحديث التفريق بين الاستقاءة والقيء بدون استقاء، بل لفظ الحديث: «قاء فأفطر»؛ ولذلك فقد قال الطحاوي - ﵀ -: ليس في الحديث أن القيء فَطَّره، وإنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك.\nوقال بعض أهل العلم فيما حكاه عنهم الترمذي: معناه: قاء فضعف فأفطر.\n٣ - حديث فضالة - ﵁ - يقال فيه ما قيل في حديث ثوبان - ﵁ -.\nوالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم، وقد رجح القول الأول شيخنا - ﵀ -\n_________\n(^١) أخرجه مالك في \"الموطإ\" (١/ ٣٤٠) عن نافع عنه فهو صحيح.\n(^٢) تقدم أثره في مسألة الحجامة.\n(^٣) أثر ابن مسعود - ﵁ -: «الفطر مما دخل وليس مما خرج» أخرجه عبدالرزاق كما في \"نصب الراية\" (٢/ ٤٥٤)، وإسناده منقطع وائل بن داود يرويه عن أبي هريرة عن ابن مسعود، ولم يسمع من أحد من الصحابة.","vol":"1","page":112},{"text":"في \"الجامع الصحيح\"، وكذا الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما.\nانظر: \"فتح الباري\" (١٩٣٨)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٠٤)، \"المجموع\" (٦/ ٣٢٠)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٤٠)، \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٩٥ - ٤٠٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>مسألة: إذا أفسد صومه بإحدى المبطلات التي تقدمت فهل يلزمه إمساك بقية اليوم</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: إذا أفطر الرجل، أو المرأة في نهار رمضان بالجماع بغير عذر؛ لزمه الإمساك بقية النهار بلا خلاف؛ لأنه أفطر بغير عذر. اهـ\nوقد نقل ابن قدامة على ذلك الإجماع.\nقلتُ: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فقد حرم الله عليه الأكل، والشرب، والجماع طوال النهار بهذا النص، ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - جزم بذلك كما في \"مجموع الفتاوى\"، واستدل بالآية التي ذكرتها، فلله الحمد.\nتنبيه: الإجماع المذكور لا يثبت؛ فقد خالف في المسألة عطاءٌ؛ فقال كما في مصنف عبد الرزاق (٧٤٦٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤): إن شاء أكل، وإن شاء شرب. وإسناده صحيح.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٣١)، \"المغني\" (٣/ ٣٣)، \"المحلى\" (٧٦١)، الفتاوى (٢٠/ ٥١٨).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْكَفَّارَاتِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>مسألة: كفارة المجامع في نهار رمضان متعمدًا مقيمًا</span>؟\nذهب جمهور العلماء إلى وجوب الكفارة، واستدلوا بحديث أبي هريرة - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^١)، أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ -، فقال: هلكت يا رسول الله!، قال: «وما أهلكك؟!» قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟»، قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟»، قال: لا، قال: ثم جلس، فأتي النبي - ﷺ - بِعَرَق فيه تمر، فقال: «تصدق بهذا» قال: فقال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لَابَتَيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك»، واللفظ لمسلم.\nوذهب ابن سيرين، والنَّخعي، والشَّعبي، وسعيد بن جبير إلى أنه لا تلزمه الكفارة؛ لأن الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها فلا تجب في أدائها كالصلاة، وهذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنص، والراجح القول الأول.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٥)، \"المحلى\" (٣١٨ - ٣١٩) (٧٣٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١).","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>مسألة: ماذا يجب عليه في هذه الكفارة</span>؟\nذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه تلزمه كفارة المظاهر مرتبة، واستدلوا بحديث أبي هريرة - ﵁ -، المتقدم.\nوخالف مالك فقال بالإطعام فقط، ولا يأخذ بعتقٍ، ولا بصيام، هكذا وقع في \"المدونة\"، وقد وجه بعض أصحابه هذا القول على أنه أراد استحباب البدء بالإطعام، وقد احتج له بحديث عائشة - ﵂ - عند البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢)، بنحو حديث أبي هريرة - ﵁ -، قالوا: ولم يقع فيه سوى الإطعام.\nقال الحافظ - ﵀ -: ولا حجة فيه؛ لأن القصة واحدة، وقد حفظها أبو هريرة وقصها على وجهها، وأوردتها عائشة مختصرة، أشار إلى هذا الجواب الطحاوي، قال: وقد ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق أيضًا. اهـ\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم.\nانظر: \"الاستذكار\" (١٠/ ٩٧ - ٩٨)، \"الفتح\" (٤/ ١٩٢ - ١٩٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>مسألة: هل يلزمه الترتيب في هذه الكفارة</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزم الترتيب، وهو قول جمهور العلماء، وهو المشهور عن أحمد، وبه يقول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، واستدلوا بحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي تقدم ذكره في أول الفصل.","vol":"1","page":115},{"text":"الثاني: أنه لا يلزمه الترتيب، بل هو على التخيير، وهو رواية عن أحمد ومالك، واستدلوا بما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المجامع في نهار رمضان، قال: فأمره رسول الله - ﷺ - أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا.\nوقد أجاب الجمهور بأن هذه الرواية شاذة، وأن المحفوظ هو رواية الترتيب التي تقدمت في أول الفصل، والذين رووها على التخيير هم: مالك، وابن جريج، وفُليح بن سليمان، وعمرو بن عثمان، ولكن قد خالفهم جمع كبير، فرووا الحديث بالترتيب، منهم: ابن عيينة، وشعيب، والأوزاعي، والليث، وإبراهيم بن سعد، ومنصور وآخرون، حتى قال الحافظ: بل روى الترتيب عن الزهري كذلك تمام ثلاثين نفسًا أو أَزْيد.\nوالراجح هو القول الأول، وهو ترجيح النووي، والحافظ، والصنعاني وغيرهم، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٩)، \"الفتح\" (١٩٣٦)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٩٥ - ٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>مسألة: هل يلزم المرأة كفارة إذا لم تكن مكرهة</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزمها، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وابن المنذر، ورواية عن أحمد، وقول عن الشافعي، وعزاه الحافظ للجمهور، واستدلوا بقوله في حديث","vol":"1","page":116},{"text":"المجامع امرأته في نهار رمضان في بعض طرق الحديث: هلكت وأهلكت. وقالوا: بيان الحكم للرجل بيان في حقها؛ لاشتراكهما في تحريم الفطر، وقد رجح هذا القول الإمام ابن باز، والعلامة ابن عثيمين رحمهما الله.\nالقول الثاني: أنه لا يلزمها، وهو قول الحسن، والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو قول داود، وأهل الظاهر، وابن حزم، واستدلوا: بقوله - ﷺ -: «تصدق بهذا»، جاءت زيادة في خارج \"الصحيحين\": «عن نفسك»، ويؤيدها رواية في البخاري بلفظ: «أطعم هذا عنك»، فأفرده بالخطاب، ولم يتعرض للمرأة، وكذا قوله: «هل تجد ...؟»، «هل تستطيع؟»، وكذلك استدلوا بسكوت النبي - ﷺ - عن إعلام المرأة بالكفارة مع الحاجة.\nوأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي:\n١) قوله: (هلكتُ وأهلكتُ)، هذه الزيادة ضعيفة، وقد ذكر البيهقي أن للحاكم في بطلانها ثلاثة أجزاء، وقد لخص الحافظ الكلام عليها في \"الفتح\".\nوقال الحافظ: ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة، بل لا يلزم من قوله: (وأهلكت) إيجاب الكفارة عليها، بل يحتمل أن يريد بقوله: (هلكت)، أي: أثمت، و(أهلكت) أي: كنت سببًا في تأثيم من طاوعتني، فواقعتها؛ إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة، ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة، ولا نفيها، أو المعنى: هلكت حيث وقعت على شيءٍ لا أقدر على كفارته، وأهلكت، أي: نفسي بفعلي الذي جر عليَّ الإثم. اهـ","vol":"1","page":117},{"text":"٢) قالوا: لا يلزم من اشتراكها في تحريم الفطر عليهما اشتراكهما في وجوب الكفارة، بل الحديث يدل على أنه ليس عليها كفارة لعدم أمره - ﷺ - للمرأة بالكفارة.\nوأجاب الجمهور عن هذا بأنها قضية حال، فالسكوت عنها لا يدل على عدم الحكم؛ لاحتمال أن تكون المرأة غير صائمة لعذر من الأعذار، ويحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء.\nوَأُجيب: بأن النبي - ﷺ - سكت عن حالها مع عدم علمه بأن لها عذرًا، ولم يسأل المجامع عن امرأته ألها عذر في الإفطار أم لا؟ أتستطيع على الكفارة أم لا؟ بل وجه الأسئلة والخطاب له وحده والقولان قويان، والثاني أقرب، والله أعلم، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي - ﵀ -.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٣٦)، \"المغني\" (٣/ ٢٧)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٣١)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤١٤ - ٤١٥)، الاستذكار (١٠/ ١٠٨ - ١٠٩)، \"المحلى\" (٤/ ٣٢٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>مسألة: إذا أُكْرهت المرأة على الجماع</span>؟\nفي المسألة أقوال:\nالأول: أنه لا كفارة عليها، وعليها القضاء، وهو قول أحمد، والأوزاعي، والثوري، وهو قول الحسن، وأصحاب الرأي، ويلتحق به إذا وَطِئها وهي نائمة؟\nالثاني: إن كان الإكراه بوعيد حتى فعلت فكالقول الأول، وإن كان إلجاءً؛ لم تفطر، وكذا إن وطئها نائمة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.","vol":"1","page":118},{"text":"الثالث: لا كفارة عليها ولا قضاء -وإن كان الإكراه بوعيد- وصومها صحيح، وهو وجه عند الشافعية صححه النووي، والشيرازي في \"التنبيه\"، والرافعي في \"الشرح\" وآخرون، وهو الراجح.\nوهو ترجيح الإمام ابن عثيمين - ﵀ - في ظاهر كلامه، والله أعلم.\nانظر: \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٢٥ - ٣٣٦)، \"المغني\" (٣/ ٢٧)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>مسألة: إذا طلع الفجر والرجل مجامع، واستدام الجماع</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالقول الأول: يجب عليه القضاء والكفارة، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك؛ لأنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به؛ لحرمة الصوم فيه، فوجبت به الكفارة كما لو وَطِئ بعد طلوع الفجر، وعزا هذا القول النووي إلى الجمهور.\nالقول الثاني: يجب القضاء دون الكفارة؛ لأن وطأه لم يصادف صومًا صحيحًا، فلم يوجب الكفارة كما لو ترك النية وجامع، وهو قول أبي حنيفة.\nوالقول الأول هو الصحيح؛ إلا أن القضاء لا يجزئه كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى فيما بعد. انظر: \"المغني\" (٣/ ٢٩)، \"المجموع\" (٦/ ٣٣٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>مسألة: إذا طلع الفجر وهو مجامع، فترك في الحال</span>؟\nفي المسألة قولان عند الحنابلة وغيرهم، والصحيح أنه لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه تَرَكَ الجماع؛ فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع.","vol":"1","page":119},{"text":"وقال مالك: يبطل صومه ولا كفارة عليه.\nوالراجح: أنه لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو ترجيح ابن حزم، وقد أسند البيهقي (٤/ ٢١٩) بإسناد صحيح عن ابن عمر، - ﵄ -، أنه قال: لو نودي الصلاة، والرجل على امرأته؛ لم يمنعه ذلك أن يصوم إذا أراد الصيام؛ قام واغتسل، ثم أتم صيامه.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٩)، \"المحلى\" (٧٥٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>مسألة: من جامع فلم يكفر حتى جامع ثانية في يوم واحد</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ -: إن كان في يوم واحد؛ فكفارة واحدة تجزئه بغير خلاف عند أهل العلم. اهـ\nقال ابن عبدالبر: وأجمعوا على أن من وطئ في يوم واحد مرتين فأكثر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة. اهـ\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٣٢)، \"التمهيد\" (٧/ ٢٥٩)، \"المحلى\" (٧٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>مسألة: إن جامع فلم يكفر حتى جامع في اليوم الثاني</span>؟\nفيها قولان:\nالأول: أن عليه كفارة واحدة، وهو قول الزهري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو ظاهر إطلاق الخِرَقِي؛ لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها فيجب أن تتداخل كالحد.","vol":"1","page":120},{"text":"الثاني: تلزمه كفارتان ولا تجزئه واحدة، وهو قول مالك، والليث، والشافعي، واختاره بعض الحنابلة، ورجحه ابن المنذر، ورُوي ذلك عن عطاء، ومكحول؛ لأن كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين، وكالحجين.\nوالقول الثاني هو الراجح، ورجحه ابن حزم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٣٣)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، \"المحلى\" (٧٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>مسألة: من جامع ثم كَفَّر، ثم جامع في يوم واحد، فهل عليه كفارة ثانية</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أن عليه كفارة ثانية، وهو قول أحمد؛ لأنه وَطْء محرم بحرمة رمضان فأوجب الكفارة كالأول.\nالثاني: أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأن الجماع الثاني لم يصادف الصوم ولم يمنع صحته، وهذا القول هو الراجح والله أعلم، وهو الذي رجحه ابن حزم - ﵀ -، ثم شيخنا الإمام الوادعي - ﵀ -.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٣٣)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، \"المحلى\" (٧٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>مسألة: إن جامع ثم كَفَّر، ثم جامع في اليوم الثاني فهل عليه كفارة</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ -: عليه كفارة ثانية بغير خلاف نعلمه. اهـ","vol":"1","page":121},{"text":"انظر: \"المغني\" (٣/ ٣٣)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، \"المحلى\" (٧٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>مسألة: إذا جامع في أول النهار، ثم مرض، أو جُنَّ، أو كانت امرأةً فحاضت، أو نفست في أثناء النهار، فهل تسقط الكفارة</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنها تسقط، وهو قول الحنفية، وأحد قولي الشافعي، واحتجوا بأن صوم هذا اليوم خرج عن كونه مستحقًّا، فلم يجب بالوطء فيه كفارة كصوم المسافر، أو كما لو قامت البينة أنه من شوال.\nالثاني: أنها لا تسقط، وهو قول أحمد، ومالك، والليث، وإسحاق، وابن الماجشون، وأحد قولي الشافعي، وهو ترجيح ابن حزم؛ لأن ما أوجبه الله تعالى لا يسقط بعد وجوبه إلا بنص، ولا نص في سقوطها، وهذا القول عزاه النووي للجمهور، ورجحه الإمام ابن عثيمين - ﵀ -، وهو الراجح إن شاء الله تعالى.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٨)، \"المحلى\" (٧٣٨)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٢٢)، \"المجموع\" (٦/ ٣٤٠).\nقال النووي - ﵀ -: واتفقوا على أنها لا تسقط بالسفر إلا ابن الماجشون المالكي فأسقطها به. انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>مسألة: المُجامع لامرأته في دبرها</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ -: ولا فرق بين كون الفرج قبلًا أو دبرًا من ذكر أو أنثى، وبه قال الشافعي.","vol":"1","page":122},{"text":"وقال أبو حنيفة في أشهر الروايتين عنه: لا كفارة في الوطء في الدبر؛ لأنه لا يحصل به الإحلال، ولا الإحصان فلا يوجب الكفارة كالوطء دون الفرج.\nقال ابن قدامة - ﵀ -: ولنا أنه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج؛ فأوجب الكفارة كالوطء. اهـ\nقال النووي - ﵀ -: واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن وطء المرأة في الدبر، واللواط بصبي، أو رجل، كوطء المرأة في القبل في جميع ما سبق.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٧)، شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، \"المجموع\" (٦/ ٣٤١ - ٣٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>مسألة: إن جامع دون الفرج فأنزل</span>؟\nفي المسألة أقوال:\nالأول: أنه يفطر، وعليه الكفارة، وهو قول مالك، وعطاء، والحسن، وابن المبارك، وإسحاق، ورواية عن أحمد؛ لأنه أفطر بجماع فأوجب الكفارة كالجماع في الفرج.\nالثاني: أنه يفطر وليس عليه الكفارة، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن قدامة؛ لأنه أفطر بغير جماع تام فأشبه القبلة، ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة ولا نص في وجوبها ولا إجماع، ولا يصح قياس ذلك على الجماع في الفرج؛ لأنه أبلغ بدليل أنه يوجبها من غير إنزال، ويجب به الحد إذا كان محرمًا؛ ولأن العلة في الأصل الجماع في الفرج سواء أنزل أم لم ينزل، والله أعلم.\nالثالث: أنه لا يفطر بالإنزال إذا باشر دون الفرج، ذكره ابن مفلح في \"الفروع\"","vol":"1","page":123},{"text":"احتمالًا ومال إليه، وقد تقدم أنه قول ابن حزم، والصنعاني، ثم الألباني رحمة الله عليهم أجمعين.\nوالذي يظهر -والله أعلم- أن القول الثاني هو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهما.\nتنبيه:\nمعنى الجماع دون الفرج: أن يباشرها بِفَرْجه في موضع من بدنها على أي وجهٍ كان، سواء أولج بين فخذيها، ونحوه من بدنها أم لم يولج.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٦)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٨٤)، شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٠٢)، \"المجموع\" (٦/ ٣٤٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>مسألة: الوطء بزنا أو شبهه</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: الوطء بزنا، أو شبهه، أو في نكاح فاسد، أو وطء أمته، أو أخته، أو ابنته، والكافرة، وسائر النساء سواء في إفساد الصوم ووجوب القضاء والكفارة، وإمساك بقية النهار، وهذا لا خلاف فيه. اهـ\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>مسألة: من كان جاهلًا بتحريم الجماع في نهار رمضان فهل عليه كفارة</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ -: في \"المجموع\" (٦/ ٣٤٤): إذا وَطِئ الصائم في نهار رمضان وقال: (جهلت تحريمه)؛ فإن كان ممن يخفى عليه؛ لقرب إسلامه","vol":"1","page":124},{"text":"ونحوه فلا كفارة وإلا وجبت، ولو قال: (علمت تحريمه وجهلت وجوب الكفارة)؛ لزمته الكفارة بلا خلاف. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>مسألة: من أتى امرأته وهو يغلب على ظنه أن الفجر لم يطلع ثم تبين له أن الفجر قد طلع فما الحكم وهل عليه كفارة</span>؟\nفي المسألة ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن عليه القضاء والكفارة وهو المشهور من مذهب أحمد.\nالثاني: أن عليه القضاء ولا كفارة، وهو قول ثان في مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك.\nالثالث: لا قضاء عليه ولا كفارة، وهذا قول طوائف من السلف كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وإسحاق، وداود وأصحابه.\nوهذا القول الثالث هو الراجح.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: وهذا القول هو أصح الأقوال وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنة، وهو قياس أصول أحمد وغيره؛ فإن الله رفع المؤاخذة عن الناسي والمخطئ، وهذا مخطئ، وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحب تأخير السحور، ومن فعل ما ندب إليه، وأبيح له لم يفرط، فهذا أولى بالعذر من الناسي.\nانظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>مسألة: إذا نسي النية وجامع في ذلك اليوم</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: إذا جامع في ذلك اليوم ونسي النية فلا كفارة في ذلك اليوم بلا خلاف؛ لأنه لم يفسد به صومًا. اهـ انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>مسألة: كفارة المفطر بجماع في قضاء رمضان</span>؟\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: وأجمعوا على أن المجامع في قضاء رمضان عامدًا لا كفارة عليه، حاشا قتادة وحده. اهـ\nقلتُ: ويدل على قول الجمهور أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والدليل الذي جاء بهذه الكفارة -أعني: حديث أبي هريرة الذي تقدم ذكره في أول الفصل- إنما هو في المجامع في نهار رمضان، والله أعلم.\nوقول الجمهور هو الراجح، وهو ترجيح ابن حزم، ثم الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\nانظر: \"التمهيد\" (٧/ ٢٥٨)، \"المغني\" (٣/ ٢٨)، \"المحلى\" (٣/ ٣٢٧)، \"المجموع\" (٦/ ٣٤٥)، شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٣٠٩)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>مسألة: هل الكفارة مخصوصة بالجماع، أم تشمل المفطر بأكل أو شرب</span>؟\nذهب الجمهور إلى أنها مخصوصة بمن أفطر بجماع؛ لأن الدليل جاء في ذلك دون غيره.\nوذهب أحمد في رواية، وهو قول مالك وأصحابه، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، وإسحاق إلى أن عليه من الكفارة ما على المجامع، وقاسوا","vol":"1","page":126},{"text":"الإفطار بالأكل والشرب على الإفطار بالجماع، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا.\nوقول الجمهور هو الصحيح، وهو رواية مشهورة عن أحمد - ﵀ -، صححها شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، وهو قول سعيد بن جبير، وابن سيرين، وجابر بن زيد، والشعبي، وقتادة.\nوقد ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - وجوهًا في ترجيح هذا القول:\nأحدها: أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والحديث إنما يوجبها في الوقاع، فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل، والقياس فيها ليس بالبَيِّن؛ لجواز أن يكون الجماع قد تضمن وصفًا فارق به غيره، فما لم يقم دليل أن موجب الكفارة مجرد الفطر، لم يجز الإيجاب بمجرد الظن.\nالثاني: أنه لو وجب لأجل الإفطار؛ لاستوى فيه جميع المفطرات؛ فإن تخصيص بعضها دون بعض نوع تشريع يحتاج إلى دلالة الشرع.\nقلتُ: وهم لا يقولون بالكفارة فيمن استقاء.\nالثالث: أن الجماع يفارق غيره بقوة داعيه، وشدة باعثه؛ فإنه إذا هاجت شهوته لم يكد يزعها وازع العقل، ولم يمنعها حارس الدين، وهو قول عمر، وعلي (^١) - ﵄ -، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة.\n_________\n(^١) جاء عنهما أنهما أمرا بمن شرب الخمر في رمضان أن يجلد، ولم يأمراه بالكفارة، أخرج أثر عمر عبدالرزاق في \"مصنفه\" (٧/ ٣٨٢) والبيهقي (٨/ ٣٢١)، وإسناده صحيح، وأثر علي أخرجاه أيضًا في المصادر المذكورة، وإسناده صحيح أيضًا.","vol":"1","page":127},{"text":"وهذا القول هو الراجح، وهو الذي رجحه ابن حزم، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي - ﵀ -.\nانظر: \"الاستذكار\" (١٠/ ١٠٠)، \"الصيام\" (١/ ٢٧٢)، \"المحلى\" (٧٣٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>مسألة: إذا أفطر بالأكل أو الشرب ثم جامع فهل عليه كفارة</span>؟\nفي المسألة قولان:\nأحدهما: وجوب الكفارة، وهو قول جمهور العلماء كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم.\nالثاني: أنها لا تجب الكفارة، وهو مذهب الشافعي، وهذان القولان مبناهما على كون الكفارة هل هي بسبب إفساد الصوم، أم بسبب انتهاك حرمة ذلك اليوم بالجماع؟\nوقد رجَّح شيخ الإسلام - ﵀ - القول الأول بكلام قوي كما في \"مجموع الفتاوى\".\nوالذي يظهر لي -والله أعلم- أن القول الثاني أرجح؛ لأن حديث أبي هريرة - ﵁ - في كفارة المجامع كان في من أفسد صيامه بذلك، وفي الحديث يقول: وقعت على امرأتي وأنا صائم.\nوهذا قيد بُنِي عليه الحكم، فلا ينبغي إهماله، وهذا لا ينافي كون هذا الرجل أشد ذنبًا من الذي جامع فقط؛ لأنه اقترف ما حرم الله عليه مرتين؛ إلا أنه إن فعل ذلك تَحَيُّلًا على الجماع؛ فالذي يظهر أنَّ عليه الكفارة، والله أعلم.","vol":"1","page":128},{"text":"انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>مسألة: الكفارة على المعسر</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنها تسقط، وهو الصحيح في مذهب أحمد، وأحد قولي الشافعي، وهو قول الأوزاعي، وعيسى بن دينار من المالكية، واستدلوا بعدم أمر النبي - ﷺ - للمجامع أن يؤدي الكفارة إذا أيسر، ورجحه ابن قدامة.\nالثاني: أنها لا تسقط، بل تبقى في ذمته إلى اليسر، وهو قول الجمهور، ورواية عن أحمد، وقولٌ للشافعي، واستدلوا بأن هذا هو الأصل في الكفارات وأنها لا تسقط بالعجز عنها، بل تبقى في الذمة.\nويدل على هذا أيضًا أن الرجل بعد أن عجز عن الثلاث سكت النبي - ﷺ -، وجلس الرجل ولم يقل له النبي - ﷺ -: لا شيء عليك، بل عند أن جاءه المِكْتَل قال: «خذ هذا فتصدق به عنك؟»، وفي رواية: «عن نفسك»، فهذا يدل على أن ذمته لم تبرأ.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: وأما ما استدلوا به من تأخير البيان فلا دلالة له فيه؛ لأن العلم بالوجوب قد تقدم، ولم يرد في الحديث ما يدل على الإسقاط؛ لأنه لما أخبره بعجزه ثم أمره بإخراج العِرْق دل على أن لا سقوط على العاجز، ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة. اهـ\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: إن احتج محتج في إسقاط الكفارة عن المعسر بأن","vol":"1","page":129},{"text":"رسول الله - ﷺ - إذ قال له: (كله أنت وعيالك)، لم يقل له وتؤديها إذا أيسرت؛ ولو كانت واجبة لم يسكت عنه حتى يبين ذلك له، قيل له: ولا قال له رسول الله - ﷺ -: إنها ساقطة عنك؛ لعسرتك، بعد أن أخبره بوجوبها عليه وكل ما وجب أداؤه في اليسار لزم الذمة إلى الميسرة على وجهه، والله أعلم.\nوهذا القول هو الراجح، أعني: قول الجمهور، وهو ترجيح ابن حزم - ﵀ -.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٣٦)، \"المغني\" (٣/ ٣٢)، الاستذكار (١٠/ ١٠٥ - ١٠٧)، شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٢٩٦)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٩٤)، \"المحلى\" (٧٥١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>مسألة: هل يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة</span>؟\nذهب الجمهور إلى اشتراط الإيمان؛ حملًا للمطلق في قوله - ﷺ -: «هل تجد رقبة تعتقها؟» على المقيد في كفارة القتل في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].\nوإنما قيد المطلق؛ لأن القياس يقتضي ذلك فيكون تقييدًا بالقياس، كالتخصيص بالقياس، والعلة الجامعة هنا هو أن جميع ذلك كفارة عن ذنب.\nواستدلوا أيضًا بحديث معاوية بن الحكم السُّلمي - ﵀ - في \"صحيح مسلم\" (٥٣٧)، أن النبي - ﷺ - قال: «أَعْتقها؛ فإنها مؤمنة».\nوذهب الحنفية، وابن حزم إلى جواز عتق الكافرة، وهو قول عطاء، والنَّخعي، والثوري.","vol":"1","page":130},{"text":"والراجح القول الأول، ويؤيده حديث: «أَعْتقها؛ فإنها مؤمنة» كما تقدم، فقد علل النبي - ﷺ - عتقها؛ لكونها مؤمنة، وهو ترجيح الشوكاني، والصنعاني.\nانظر: \"المحلى\" (٧٤٠)، تكملة \"شرح المهذب\" (١٧/ ٣٦٨)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٤٨)، \"المغني\" (٨/ ١٧ - ١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>مسألة: هل يشترط في الرقبة أن تكون سالمة من العيوب</span>؟\nذهب الجمهور من الشافعية، والحنابلة، والحنفية وغيرهم إلى تفاصيل -على خلاف فيما بينهم- في كون العيوب الشديدة التي تضر بالعمل ضررًا بينًا لا تجزئ.\nوذهب داود الظاهري، وابن حزم إلى جواز عتق كل رقبة، معيبة كانت أو غير معيبة.\nقال ابن حزم﵀ -: وأما المعيب فكلهم متفق على إجازة العيب الخفيف فيها، ولم يأت نص ولا إجماع ولا قياس في الفرق بين العيوب في ذلك.\nوقال: وأيضًا فلا سبيل لهم إلى تحديد الخفيف الذي أجازوه من الكثير الذي لا يجيزونه فصح أنه رأي فاسد من آرائهم. اهـ\nقلتُ: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن العبد إذا كان في حال لا ينتفع بعتقه، ولا ينفع غيره أنه لا يجزئ، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧].","vol":"1","page":131},{"text":"وقال النبي - ﷺ -: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (^١)، ولكن إذا لم يجد إلا هذه الرقبة فتجزئه، والله أعلم.\nانظر: تكملة \"شرح المهذب\" (١٧/ ٣٦٨)، \"المحلى\" (٧٤٠)، \"المغني\" (٨/ ١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>مسألة: من لم يجد إلا رقبة لا غنى له عنها فهل يلزمه عتقها</span>؟\nمن وجبت عليه الكفارة ولا يجد إلا رقبة لا غنى له عنها وعن خدمتها؛ لكونه كبيرًا أو مريضًا أو نحو ذلك؛ فإنه لا يلزمه عتقها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].\nوقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوهذا قول أحمد، والشافعي خلافًا لمالك، وأبي حنيفة، والأوزاعي.\nانظر: تكملة \"المجموع\" (١٧/ ٣٦٧)، \"المحلى\" (٧٥٠)، \"المغني\" (٨/ ٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>مسألة: هل يجزئ أن تكون الرقبة أم ولد أو مُدبَّرًا</span>؟\nذهب أبو حنيفة، ومالك إلى أنهما لا يجزئان، وقال الشافعي: لا تجزئ أم الولد؛ لأنها لا تباع. وأجاز عتق المدبر. وذهب عثمان البتي، وداود، وابن حزم إلى الجواز.\nقال ابن حزم - ﵀ -: فمعتق كل واحد منهما يسمى معتق رقبة، وعتق كل واحد منهما عتق رقبة بلا خلاف، فوجب أن من فعل كل واحدة منهما فقد فعل ما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠١٥)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":132},{"text":"أمره الله تعالى به.\nوقال -ردًّا على الشافعي-: وهل اشترط ﵇ إذ أمر بالكفارة بعتق رقبة أن تكون ممن يجوز بيعها -حاشا لله من هذا- فإذا لم يشترط ﵇ هذه الصفة؛ فاشتراطها باطل وشرع في الدين لم يأذن به الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].\nانظر: \"المحلى\" (٧٤٠)، تكملة \"المجموع\" (١٧/ ٣٧٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>مسألة: المكاتب هل يجزئ في عتق الرقبة</span>؟\nإن كان لم يؤد شيئًا، فيجزئ؛ لأنه ما زال عبدًا، وإن كان قد أدى شيئًا فلا يجزئ؛ لكون بعضه حرًّا، فيكون قد أعتق بعض رقبة، وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة، ورجحه ابن حزم.\nوذهب الشافعي، ومالك، والأوزاعي، والثوري إلى عدم الإجزاء مطلقًا؛ لأن عتقه مستحق بسبب آخر سابق لعتقه عن الكفارة.\nوذهب أحمد في رواية، وأبو ثور إلى الإجزاء مطلقًا، وهذا هو الصحيح؛ لأنه ما زال عبدًا، والله أعلم.\nانظر: \"المحلى\" (٧٤٠)، و\"الإنصاف\" (٩/ ٢٢٣)، و\"البيان\" (١٠/ ٣٧٣).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>مسألة: إذا شرع في الصيام، ثم وجد ما يعتق فهل يلزمه العتق</span>؟\nفيها ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه يلزمه الرجوع إلى العتق، وهو قول أبي حنيفة، واستدل بأنه قد قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل؛ فبطل حكم البدل كالمتيمم يرى الماء.\nالثاني: لا يلزمه الرجوع إلى العتق إلا أن يشاءه فيجزئه، ويكون قد فعل الأولى، وهو قول أحمد، والشافعي، ورجحه ابن قدامة؛ لكونه قد شرع في الكفارة الواجبة فأجزأته كما لو استمر العجز إلى فراغها، وفارق العتق التيمم لوجهين:\n١ - أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستره، فإذا وجد الماء بطل حكمه بخلاف الصوم؛ فإنه يرفع حكم الجماع بالكلية.\n٢ - أن الصيام تطول مدته، فيشق إلزامه الجمع بينه وبين العتق، بخلاف الوضوء والتيمم.\nوكذلك فإن العتق مأمور به إذا وجده، وهذا لم يجده حتى تلبس بالصيام، فمن أين لنا أن نوجب العتق عليه بعد ذلك؟ بخلاف التيمم، فقد قال النبي - ﷺ -: «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته». (^١)\nالثالث: أنه يلزمه الصوم، ولا يجوز له الرجوع إلى العتق، وهو قول ابن حزم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٢٤)، وأبو داود (٣٣٢)، من حديث أبي ذر، وفي إسناده: عمرو بن بجدان، وهو مجهول، وله شاهد عند البزار كما في \"الكشف\" (٣١٠)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، والراجح أنه من مراسيل ابن سيرين كما في \"العلل\" للدارقطني (٨/ ٩٣)؛ فالحديث حسن بالطريقين.","vol":"1","page":134},{"text":"والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٣٠)، \"المحلى\" (٧٤٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>مسألة: هل يلزمه المتابعة في صيام الشهرين</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ -: ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان للخبر. اهـ\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٣٠)، \"المحلى\" (٧٤٢)، تكملة \"المجموع\" (١٧/ ٢٧٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>مسألة: إذا صام شهرين متتابعين، فهل يعتبر العدد أم الأَهلَّة</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ -: ويجوز أن يبتدئ صوم الشهرين من بداية الشهر، ومن أثنائه، لا نعلم في هذا خلافًا.\nقال: فإن صام من أول الشهر شهرين بالأهلة؛ أجزأه ذلك تامين وناقصين إجماعًا.\nقال: وإن بدأ من أثناء الشهر فصام ستين يومًا؛ أجزأه بلا خلاف أيضًا.\nقال ابن المنذر - ﵀ -:أجمع على هذا من نحفظ عنه من أهل العلم. اهـ\nقال أبو عبد الله: أما إذا صام من أول الشهر؛ فالذي يلزمه هو الصوم على الأهلة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].\nوأما إذا ابتدأ من أثناء الشهر؛ فإنَّ الشهر الثاني يصومه على الهلال، ثم يتم بقية الشهر الأول تمام الثلاثين عند أكثر أهل العلم.\nوخالف ابن حزم، فقال: لا يلزمه إلا تسعة وعشرون يومًا؛ لأن الشهر قد","vol":"1","page":135},{"text":"يكون تسعة وعشرين.\nوالأحوط القول الأول؛ لأن الله أوجب عليه صيام شهرين، ولأنه قد تعذر اعتبار الهلال، فعليه الأخذ بالأكثر حتى يؤدي ما عليه.\nانظر: \"المغني\" (٨/ ٣٠ - ٣١)، تكملة \"المجموع\" (١٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، \"المحلى\" (٧٤٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>مسألة: قطع التتابع لعذر</span>؟\nعذر الحيض:\nقال ابن قدامة - ﵀ -: وأجمع أهل العلم على أن الصائمة متتابعًا إذا حاضت قبل إتمامه تقضي إذا طهرت وتبني؛ وذلك لأن الحيض لا يمكن التحرز منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى اليأس، وفيه تغرير بالصوم؛ لأنها ربما ماتت قبله.\nعذر النفاس:\nفيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والصحيح أنه لا يقطع التتابع، وهو قول المالكية؛ لأنه بمنزلة الحيض في أحكامه؛ ولأن الفطر لا يحصل فيهما بفعلهما.\nومذهب الحنفية: أنه يقطع التتابع، وقال بعضهم: لا يصح قياسه على الحائض؛ لأنه أندر منه، ويمكن التحرز عنه.\nوالصحيح ما قدمناه، فلو أن امرأة صامت خمسين يومًا مثلًا ثم أسقطت، أو ولدت فأصبحت نفساء، فمن أين لنا أن نوجب عليها شهرين من جديد؟!!\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].","vol":"1","page":136},{"text":"وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].\nانظر: \"المغني\" (٨/ ٢١ - ٢٢)، تكملة \"المجموع\" (١٧/ ٣٧٤)، \"روضة الطالبين\" (٨/ ٣٠٢)، \"الموسوعة الفقهية الكويتية\" (١٠/ ١٣٢).\nعذر المرض، فيه قولان:\nالقول الأول: أنه لا يقطع التتابع، روي ذلك عن ابن عباس - ﵄ -، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم؛ لأنه أفطر بسبب لا صنع له فيه فلم يقطع التتابع كإفطار المرأة للحيض.\nولأنا إذا قلنا: إنه ينقطع بالمرض؛ لأدى ذلك إلى أن يتسلسل؛ لأنه لا يأمن وقوع المرض إذا استأنف بعد البرء.\nالقول الثاني: أنه يقطع التتابع، وهو قول سعيد بن جبير، والنَّخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي في الجديد؛ لأنه أفطر بفعله، فلزمه الاستئناف.\nوالراجح القول الأول.\nانظر: \"المغني\" (٨/ ٢٢)، تكملة \"المجموع\" (١٧/ ٣٧٥) \"الموسوعة الفقهية\" (١٠/ ١٣٤).\nعذر السفر، فيه قولان:\nالأول: أنه يقطع التتابع، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي، والمشهور عند الشافعية، وقال به بعض الحنابلة، قالوا: لأن السفر يحصل باختياره؛ فقطع التتابع","vol":"1","page":137},{"text":"كما لو أفطر بغير عذر.\nالثاني: أنه لا يقطع التتابع، وهو ظاهر مذهب أحمد، وقال به الحسن، وبعض الشافعية، وقالوا: إنه أفطر لعذر مبيح للفطر فلم ينقطع به التتابع، كإفطار المرأة بالحيض، ففارق الفطر بغير عذر؛ فإنه لا يباح، وهذا اختيار الإمام ابن باز - ﵀ - في آخرين من أعضاء اللجنة الدائمة.\nوالقول الأول أقرب؛ إلا إذا اضطر إلى السفر اضطرارًا وشق عليه الصوم، فيرخص له في الفطر، ولا يقطع التتابع، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٨/ ٢٢)، تكملة \"المجموع\" (١٧/ ٣٧٥) \"الموسوعة الفقهية\" (١٠/ ١٣٣).\nعذر الحامل والمرضع:\nإن أفطرتا خوفًا على أنفسهما؛ فهما كالمريض، وإن أفطرتا خوفًا على ولديهما؛ ففيهما وجهان عند الحنابلة والشافعية.\nومقتضى مذهب الحنفية، والمالكية: أنه يقطع التتابع.\nانظر \"المغني\" (٨/ ٢٢)، تكملة \"المجموع\" (١٧/ ٣٧٥) \"الموسوعة الفقهية\" (١٠/ ١٣٤).\nعذر الجنون والإغماء:\nقال ابن قدامة - ﵀ -: وإن أفطر لجنونٍ، أو إغماءٍ؛ لم ينقطع التتابع؛ لأنه عذر لا صنع له فيه فهو كالحيض.","vol":"1","page":138},{"text":"قلت: وهو مقتضى قول الجمهور. انظر: \"المغني\" (٨/ ٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>مسألة: إذا أفطر أثناء الشهرين بغير عذر، أو قطع التتابع بصوم نذر، أو قضاء، أو كفارة أخرى</span>؟\nيلزمه استئناف الشهرين؛ لأنه أخل بالتتابع المشروط، ويقع صومه عما نواه؛ لأن هذا الزمان ليس بمستحق متعين للكفارة؛ ولهذا يجوز صومها في غيره بخلاف شهر رمضان؛ فإنه متعين لا يصلح لغيره.\nانظر: \"المغني\" (٨/ ٢٣)، تكملة \"المجموع\" (١٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>مسألة: إذا تخلل الشهرين المتتابعين صوم رمضان، وأيام العيد</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ - في \"المغني\" (١١/ ١٠٣): إذَا تَخَلَّلَ صَوْمَ الظِّهَارِ زَمَانٌ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، مِثْلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ، فَيَتَخَلَّلَهُ رَمَضَانُ وَيَوْمُ الْفِطْرِ، أَوْ يَبْتَدِئَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَيَتَخَلَّلَهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ؛ فَإِنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ، وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرَيْنِ بِمَا كَانَ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ إذَا أَفْطَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ صَامَ عَنْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى. وَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ مَنَعَهُ الشَّرْعُ عَنْ صَوْمِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعَ، كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ؛ فَإِنْ قَالَ: الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. قُلْنَا: قَدْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْ النِّفَاسِ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ فِي حَالِ الْحَمْلِ، وَمِنْ الْحَيْضِ إذَا كَانَ طُهْرُهَا يَزِيدُ عَلَى الشَّهْرَيْنِ، بِأَنْ تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ عَقِيبَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهِ، وَلَا","vol":"1","page":139},{"text":"يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ مُفَارَقَةُ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ الْمَسْبُوقُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، مَعَ عِلْمِهِ بِلُزُومِ مُفَارَقَتِهِ قَبْلَ إتْمَامِهَا. اهـ\nقلتُ: والقول بانقطاع التتابع هو قول الحنفية، وقال به المالكية في حق من لم يجهل الحال، وعلم أنه سيوافق هذه الأيام، وما رجحه ابن قدامة - ﵀ - هو الراجح عندي، والله أعلم.\n\"الموسوعة الفقهية\" (١٠/ ١٣٣)، \"الروضة\" (٨/ ٣٠٣)، \"جواهر الإكليل\" (١/ ٣٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>مسألة: إذا كفر بالإطعام، فهل يلزمه ستين مسكينًا</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه يجزئ أن يطعم، ولو مسكينًا واحدًا ستين مرة، أو عشرة مساكين ست مرات، وهكذا، وهو قول الحنفية.\nالثاني: يلزمه أن يكونوا ستين مسكينًا، وهو قول الجمهور، وأحمد، والشافعي، ورجحه ابن حزم وغيره من أهل العلم؛ لقول الرسول - ﷺ -: «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟».\nقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين مسكينًا، فلا يكون ذلك موجودًا في حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلًا.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٣١)، \"الفتح\" (١٩٣٦)، \"المحلى\" (٤/ ٣٢٨) رقم (٧٤٨)، \"النيل\" (٤/ ١٢٥).","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>مسألة: مقدار الإطعام</span>؟\nاختلف في تقديره الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم، فمنهم من قدره بالمد لكل مسكين، ومنهم من قدره بالصاع، ولهم تفاصيل في ذلك، والصحيح أنه لا حدَّ له، ويجب عليه أن يشبعهم، وهو رواية عن أحمد.\nقال ابن حزم - ﵀ -: ولا يجوز تحديد إطعام دون إطعام بغير نص، ولا إجماع، ولا يختلف فيما دون الشبع في الأكل، وفيما دون المد من الإعطاء أنه لا يجزئ.\nوهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٣)، \"المحلى\" (٧٤٦)، \"مجموع الفتاوى\" (٣٥/ ٣٤٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>مسألة: هل يجزئ إطعام الطفل الذي لم يطعم</span>؟\nقال الشافعي: يجزئ، ويسلمه إلى وليه.\nوقالت الحنفية: لا يجزئ؛ لكونه لا يطعم. وهو ترجيح ابن حزم، وهو الراجح؛ لقوله - ﷺ -: «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟»، والطفل الذي لم يطعم كيف يمكن إطعامه؟! انظر: \"الفتح\" (١٩٣٦)، \"المحلى\" (٧٤٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>مسألة: هل يلزم التتابع في إطعام المساكين</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ -: ولا يلزم التتابع في الإطعام، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم، وقيل له: تكون كفارة يمين فيطعم اليوم واحدًا، وآخر بعد أيام، وآخر بعد حتى يستكمل عشرة؟ فلم ير بذلك بأسًا. انظر: \"المغني\" (٨/ ٢٦).","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِصِيَامِ أَهْلِ الأَعْذَارِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>أولًا المريض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>مسألة: أحوال المريض:</span>\nقال القرطبي - ﵀ -: للمريض حالتان: إحداهما: ألَّا يطيق الصوم بحال؛ فعليه الفطر واجب. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة؛ فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. اهـ\nانظر: \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>مسألة: ضابط المرض الذي يرخص فيه الفطر</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، وأما المرض اليسير الذي لا يلحقه مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافًا لأهل الظاهر. اهـ\nوما قرره الشافعية هو الذي عليه الحنابلة، والمالكية، حكاه عن الحنابلة ابن قدامة، والمرداوي، وعن المالكية أبو عبد الله القرطبي.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٨)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، \"المغني\" (٣/ ٤١)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٧٦).","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>مسألة: المريض مرضًا لا يرجى بُرْؤه</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: حكمه كحكم الشيخ العاجز عن الصيام بلا خلاف.\nقلتُ: سيأتي إن شاء الله حكم العاجز قريبًا.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>مسألة: إذا أفطر المريض الذي لا يرجى برؤه، ثم قدر على الصوم؛ فهل يلزمه قضاء الصوم</span>؟\nفيه وجهان عند الشافعية والحنابلة، والأصح منهما أنه يلزمه القضاء؛ لأن الإطعام بدل يأس، وقد تبينا ذهاب اليأس.\nوهذا الذي رجحه شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي - ﵀ - في أحد دروسه، وقال: تشمله الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [لبقرة: ١٨٤].\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>مسألة: هل للمريض أن يترك نية الصوم</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: قال أصحابنا: إن كان المرض المجوز للفطر مطبقًا فله ترك النية بالليل، وإن كان يحم وينقطع ووقت الحمى لا يقدر على الصوم، وإن كان لم تكن حمى يقدر عليه؛ فإن كان محمومًا وقت الشروع في الصوم، فله ترك النية وإلا فعليه أن ينوي من الليل، ثم إن عاد المرض، واحتاج إلى الفطر أفطر.","vol":"1","page":143},{"text":"انظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>مسألة: إذا أصبح الصحيح صائمًا، ثم مرض</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: جاز له الفطر بلا خلاف. اهـ\nونقل المرداوي الإجماع على استحباب إفطاره. انظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٨)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٥٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>مسألة: إذا تحامل المريض على نفسه فصام</span>؟\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: وإجماعهم أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام وأتم يومه أن ذلك مجزئ عنه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: خالف ابن حزم، وقال: إنه لا يجزئ عنه. والصحيح أنه يجزئ عنه.\nقال ابن قدامة - ﵀ -: فإن تحمل المريض وصام مع هذا فقد فعل مكروها؛ لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه؛ لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحملها أجزأه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها، والذي يباح له ترك القيام في الصلاة إذا قام فيها. اهـ\nانظر: \"التمهيد\" (٧/ ٢٣٥)، \"المغني\" (٣/ ٤٢)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>مسألة: هل يجوز للمريض أن يصوم في رمضان كفارة، أو نذرًا أو نحوه</span>؟\nالذي قطع به الجمهور، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة","vol":"1","page":144},{"text":"وغيرهم أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن الفطر أبيح له رخصة وتخفيفًا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه، لزمه أن يأتي بالأصل؛ فإن نوى صومًا غير رمضان لم يصح صومه، لا عن رمضان ولا عمَّا نواه.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦٣)، \"المغني\" (٣/ ١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>ثانيًا من خاف الهلاك من الجوع والعطش</span>\nقال النووي - ﵀ -: قال أصحابنا وغيرهم: من غلبه الجوع والعطش، وخاف الهلاك؛ لزمه الفطر، وإن كان صحيحًا مقيمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، ويلزمه القضاء كالمريض.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٨)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٥٨)، \"المحلى\" (٧٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>ثالثًا المُسافر</span>\nإفطار المسافر:\nيجوز للمسافر في الجملة الفطر بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥].","vol":"1","page":145},{"text":"وأما من السنة: فأحاديث كثيرة منها: حديث جابر في مسلم (١١١٧)، وأنس - ﵄ -، في \"الصحيحين\" (^١)، ومعناهما متقارب: كنا نسافر مع النبي - ﷺ - فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.\nوحديث حمزة بن عمرو الأسلمي - ﵁ -، أنه قال: يا رسول الله، إني أجد فيَّ قوة على الصيام في السفر. فقال رسول الله - ﷺ -: «هي رخصة من الله؛ فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه»، أخرجه مسلم.\nوجاءت الرخصة في ذلك أيضًا من حديث ابن عباس، وأبي سعيد، وعائشة، وأبي الدرداء وغيرهم - ﵃ -، وكلها في \"الصحيح\". (^٢)\nوأما الإجماع: فقد نقل النووي، وابن قدامة الإجماع على ذلك في الجملة.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٢)، \"المجموع\" (٦/ ٢٦١)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٠٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>مسألة: هل تشمل الرخصة سفر المعصية أم لا</span>؟\nذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أن الرخصة لا تشمل سفر المعصية.\nوذهب أبو حنيفة، وأبو سليمان داود الظاهري إلى أنها تشمل سفر المعصية، ورجح ذلك ابن حزم، ثم قال: وبرهان صحة قولنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فَعَمَّ تعالى الأسفار كلها، ولم يخص\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٤٧)، ومسلم برقم (١١١٨).\n(^٢) انظر \"البخاري\" رقم (١٩٤٤) (١٩٤٣) (١٩٤٥)، ومسلم (١١١٣) (١١١٦) (١١٢١) (١١٢٢)، وحديث أبي سعيد - ﵁ - انفرد به مسلم.","vol":"1","page":146},{"text":"سفرًا من سفر ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].اهـ\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦١)، \"المحلى\" (٧٦٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>مسألة: مقدار السفر الذي يفطر فيه</span>؟\nذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه مسافة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخًا كما بين مكة، وَعُسفان.\nوذهب أبو حنيفة إلى تحديده بمسافة ثلاثة أيام.\nوذهب طائفة من السلف والخلف إلى عدم التحديد، وقالوا: يفطر، ويقصر فيما سُمِّيَ سفرًا، ولو كان أقل من يومين، وقواه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: فإنه قد ثبت أن النبي - ﷺ - كان يصلي بعرفة، ومزدلفة، ومِنى بالناس يقصر الصلاة وخلفه أهل مكة يصلون بصلاته، ولم يأمر أحدًا منهم بالإتمام. اهـ\nوقد رجح هذا القول ابن القيم - ﵀ - في \"زاد المعاد\".\nانظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١١ - ٢١٢)، \"المحلى\" (٧٦٢)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>مسألة: هل يجوز للمسافر الصوم في سفره</span>؟\nذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز للمسافر الصوم في السفر، وهو قول بعض أهل","vol":"1","page":147},{"text":"الظاهر كداود، وابن حزم، وحكي هذا المذهب عن أبي هريرة، (^١) وابن عمر، (^٢) والنَّخعي، والزهري.\nواستدلوا بما يلي:\n١) حديث: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر». (^٣)\n٢) قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\n٣) قوله - ﷺ -: «ليس من البِرِّ الصيام في السفر». (^٤»\n٤) قوله - ﷺ -: للذين صاموا: «أولئك العصاة».\nوذهب جمهور العلماء، والأئمة الأربعة إلى جواز الصيام في السفر، واستدلوا بأحاديث كثيرة منها: حديث أنس، وجابر، وأبي سعيد - ﵃ -، وكلها في \"الصحيح\" (^٥)، والمعنى متقارب: كنا نسافر مع رسول الله - ﷺ -، فمنَّا الصائم، ومنَّا\n_________\n(^١) أثر أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه الفريابي في \"الصيام\" ص (٣٠٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٨)، والطبري (٣/ ٤٦٢)، والطحاوي (٢/ ٦٣) من طريق مُحرر بن أبي هريرة عن أبيه، ومحرر مجهول الحال.\n(^٢) الثابت عن ابن عمر بأسانيد صحيحة عند عبدالرزاق (٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥)، ومالك في \"موطئه\" (١/ ٢٩٥)، وابن سعد (٤/ ١٤٨)، والطبري في \"التهذيب\" (١/ ١٣٨) وغيرهم أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر؛ أخذًا بالرخصة، لا لأنه لا يجوز الصوم في السفر، فتنبه. وثبت عن ابن عباس - ﵄ -، عند ابن أبي شيبة (٣/ ١٤) أنه قال: الإفطار في السفر عزيمة.\n(^٣) أخرجه النسائي (٤/ ١٨٣)، وابن ماجه (١٦٦٦)، من حديث عبدالرحمن بن عوف، والراجح وقفه.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، عن جابر - ﵁ -.\n(^٥) أخرجها مسلم برقم (١١١٦) (١١١٧) (١١١٨)، وأخرج البخاري حديث أنس - ﵁ - برقم (١٩٤٧).","vol":"1","page":148},{"text":"المفطِر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.\nوحديث حمزة بن عمرو الأسلمي - ﵁ -، في \"صحيح مسلم\"، أن النبي - ﷺ - قال: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه».\nوأجابوا عن أدلة المذهب الأول بما يلي:\n١) أما حديث: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر»، فالصحيح فيه أنه من قول عبدالرحمن بن عوف وليس مرفوعًا، رجح ذلك أبو زُرعة كما في \"العلل\" لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٩)، والدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٣٨٣)، وأشار إليه النسائي.\nقال البيهقي - ﵀ - في \"الكبرى\" (٤/ ٢٨٣): وروي مرفوعًا وإسناده ضعيف. اهـ\nقلتُ: والموقوف على عبدالرحمن بن عوف لا يصح أيضًا؛ فإنه من رواية ولده أبي سلمة عنه، وقد نص أئمة العلل على أنه لم يسمع منه.\n٢) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nمعناها: أو على سفر، فأراد الفطر فله الفطر، وعليه عدة من أيام أخر، وقلنا ذلك؛ جمعًا بين الآية وبين الأحاديث.\n٣) حديث: «ليس من البر الصيام في السفر»، هذا الحديث قد خرج على حالة","vol":"1","page":149},{"text":"يقصر عليها، وهي أن النبي - ﷺ - مر برجل قد غشي عليه من الصوم ثم ظلل عليه، فقال: «ما شأنه؟» قالوا: صائم، قال: «ليس من البر الصيام في السفر»، فيحمل هذا الحديث على من كان الصوم يشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القُرَب.\nقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: والمانعون في السفر يقولون: إن اللفظ عام والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب.\nقال: وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب، والسياق، والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب؛ فإنَّ بين العامين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مجرى واحد لم يصب. اهـ\nقال الصنعاني - ﵀ -: أما حديث «ليس من البر الصيام في السفر»، فإنما قاله - ﷺ - فيمن شق عليه الصيام، نعم يتم الاستدلال بتحريم الصوم في السفر على من شق عليه. اهـ\n٤) قول النبي - ﷺ - للذين صاموا: «أولئك العصاة»، فعنه جوابان:\nالأول: أنه كان قد شق عليهم، كما ورد في نفس الحديث، وقد أخرجه مسلم عن جابر - ﵁ -، فيختص المنع بمن شق عليه كما تقدم في كلام الصنعاني.\nالثاني: وهو المعتمد أن النبي - ﷺ - أمرهم بالفطر عزيمة كما جاء في \"صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري - ﵀ -، قال: فنزلنا منزلًا، فقال - ﷺ -: «إنكم مصبحو عدوكم؛ والفطر أقوى لكم؛ فافطروا»، فكانت عزمة، فأفطرنا، ثم","vol":"1","page":150},{"text":"لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك في السفر.\n٥) قول ابن عباس - ﵄ -: إن الفطر عزيمة. محمولٌ على من شقَّ عليه الصيام، ويدل على ذلك أنه قال كما في الصحيحين: قد صام رسول الله - ﷺ - في السفر، وأفطر؛ فمن شاء صام، ومن شاء أفطر.\nوقول الجمهور هو الراجح، والله أعلم.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٤٦)، \"المجموع\" (٦/ ٢٦٤)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١١)، \"المحلى\" (٧٦٢)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٤١ - ١٤٢)، حاشية \"كتاب الصيام\" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، \"التمهيد\" (٧/ ٢٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>مسألة: أيهما أفضل للمسافر: الصوم أم الفطر</span>؟\nذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق إلى أن الفطر أفضل، واستدلوا بما يلي:\n١) قوله - ﷺ -: «ليس من البر الصيام في السفر». (^١»\n٢) قوله - ﷺ -: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم». (^٢)\n٣) قوله - ﷺ -: «إن الله يحب أن تُؤْتَى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته». (^٣)\n٤) حديث حمزة بن عمرو الأسلمي - ﵁ -، في \"صحيح مسلم\" (١١٢١)، أن رسول الله - ﷺ - قال: «هي رخصة من الله، فمن أخذها فحسن ومن أحب أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، عن جابر - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه مسلم (١١١٥).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٠٨)، وابن خزيمة (٩٥٠)، وابن حبان (٢٧٤٢)، من حديث ابن عمر - ﵄ - بإسناد حسن.","vol":"1","page":151},{"text":"يصوم فلا جناح عليه».\n٥) قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقد رجح هذا القول ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.\nوذهب عمر بن عبدالعزيز، ورجحه ابن المنذر إلى أن أفضلهما أيسرهما، واستدلوا بالآية الأخيرة التي استدل بها أهل القول الأول.\nوذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه.\nواستدلوا بما يلي:\n١) حديث أبي الدرداء - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^١)، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في حَرٍّ شديد في شهر رمضان، وما فينا صائم إلا رسول الله - ﷺ -، وعبد الله بن رواحة.\n٢) حديث أبي سعيد - ﵁ - في \"صحيح مسلم\" (١١١٦) (٩٦): فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. يرون أن من وجد قوة فصام؛ فإن ذلك حسن. وأنَّ من وجد ضعفًا فأفطر؛ فإن ذلك حسن.\n٣) قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، والآية الأخرى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة:٤٨].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٤٥)، ومسلم (١١٢٢).","vol":"1","page":152},{"text":"٤) أنه أسرع في إبراء الذمة، وصومه مع الناس أسهل على المكلف.\nوأجاب الجمهور عن أدلة المتقدمين بأنها محمولة على من اشتد عليه الصوم، ويتضرر به، وكذلك من ظن به الأعراض عن قبول الرخصة، وكذلك من خاف على نفسه العُجْب، أو الرياء إذا صام في السفر، وقول عمر بن عبدالعزيز المتقدم راجعٌ إلى قول الجمهور.\nوقد ذهب بعضهم إلى أن المسافر يستوي في حقه الصيام والفطر، والراجح والله أعلم هو قول الجمهور، وقد رجحه النووي، والحافظ ابن حجر رحمة الله عليهما.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٤٦)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٤٢ - ١٤٣)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٥٩)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦) \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١٣ - ٢١٤)، \"المجموع\" (٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>مسألة: لو أصبح في أثناء سفره صائمًا، ثم أراد أن يفطر في نهاره من غير عذر، فهل له ذلك</span>؟\nالذي نص عليه الشافعية، والحنابلة، وغيرهم أن له أن يفطر، واستدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ -، في \"الصحيحين\" (^١)، أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكَدْيد أفطر، فأفطر الناس، وبنحوه حديث جابر - ﵁ -، في \"صحيح مسلم\".\nوذهب مالك إلى أنه لا يجوز له الفطر، وإذا أفطر فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٤٤)، ومسلم (١١١٣).","vol":"1","page":153},{"text":"كان مخيرًا بين الصيام والفطر، فلما اختار الصوم صار من أهله، وعنه رواية: أن عليه القضاء فقط، واختارها أكثر أصحابه.\nوالراجح القول الأول، وهو ترجيح النووي، وابن قدامة.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦١)، \"المغني\" (٣/ ١٣ - ١٤)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٦٠)، \"التمهيد\" (٧/ ٢٢٢ - ٢٢٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>مسألة: إذا سافر المقيم، فهل له الفطر في ذلك اليوم</span>؟\nولها أربعة أحوال:\nالحال الأولى: أن يبدأ السفر بالليل ويفارق عمران البلد قبل الفجر.\nقال النووي - ﵀ -: له الفطر بلا خلاف.\nوقال ابن قدامة - ﵀ -: له الفطر في قول عامة أهل العلم.\nوقال عَبْيدة السَّلماني، وأبو مجلز، وسويد بن غَفَلة: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوالصحيح أن له الفطر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nالحال الثانية: أن يسافر بعد طلوع الفجر، فمذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، أنه ليس له الفطر في ذلك اليوم، وهو رواية عن أحمد؛ وذلك لأن الصوم عبادة تختلف في السفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة.","vol":"1","page":154},{"text":"قالوا: وإذا أفطر فليس عليه إلا القضاء، وخالف بعض أصحاب مالك، فأوجبوا الكفارة، وَردَّ عليهم ابن عبدالبر.\nوذهب أحمد في رواية، وهو قول إسحاق، وداود، وابن المنذر إلى أن له الفطر، واستدل لهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، فالآية عامة.\nوقالوا: السفر معنى لو وجد ليلًا فاستمر في النهار؛ لأباح له الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض، وهذا القول هو الراجح.\nقال ابن قدامة - ﵀ -: وهو أصح؛ للخبر، ولأن الصوم يفارق الصلاة؛ فإنَّ الصلاة يلزم إتمامها بنيتة بخلاف الصوم. اهـ\nالحال الثالثة: أن ينوي الصيام من الليل، ثم يسافر ولا يعلم: أسافر قبل الفجر أم بعده؟ فعلى القول الذي اخترناه في الحال التي قبل هذه، فلا إشكال أنه يجوز له الفطر.\nوعلى القول الثاني -مذهب الشافعي ومن معه-: أنه لا يجوز له الفطر، فقد قطع الصيمري، والماوردي، وصاحب \"البيان\"، وغيرهم أنه ليس له الفطر؛ لأنه يشك في مبيح الفطر، ولا يباح بالشك.\nوالراجح هو الجواز، والله أعلم.\nالحال الرابعة: أن يسافر من بعد الفجر، ولم يكن نوى الصيام.","vol":"1","page":155},{"text":"قال النووي - ﵀ -: فهذا ليس بصائم؛ لإخلاله بالنية من الليل؛ فعليه قضاؤه، ويلزمه الإمساك هذا اليوم؛ لأن حرمته قد ثبتت بطلوع الفجر وهو حاضر، وهكذا ذكر الصيمري، والماوردي، وصاحب \"البيان\"، وهو ظاهرٌ، ويجيء فيه قول المزني والوجه الموافق له - يعني أن له أن يفطر-، والله أعلم. اهـ\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢)، \"المغني\" (٣/ ١٢ - ١٤)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٦٠)، \"التمهيد\" (٧/ ٢٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>مسألة: إذا سافر المقيم فمتى يباح له الفطر</span>؟\nذهب الشافعية، والحنابلة، والمالكية إلى أنه يفطر عند أن يُخلِّف بيوت قريته، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافرًا حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد؛ فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة.\nوذهب الحسن البصري، وهو قول إسحاق، وروي عن عطاء إلى أن له أن يفطر ولو من بيته إذا كان قد عزم على السفر وتهيأ له.\nواستدلوا بما أخرجه الترمذي من طريق محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك وقد رُحِّلت راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سُنَّة؟ قال: سنة. ثم ركب.\nأخرجه الترمذي (٧٩٩)، والدارقطني (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨) وإسناده ظاهره الصحة، وقد صححه الإمام الوادعي - ﵀ - في \"الجامع الصحيح\"، ورجح هذا","vol":"1","page":156},{"text":"القول؛ لدلالة الحديث على ذلك، وتكون هذه الحال مخصوصة من عموم الآية، والله أعلم.\nثم رأيت ابن أبي حاتم قد ذكر في \"العلل\" (١/ ٢٣٩) أن الدراوردي رواه عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب به، وفيه: فقلنا: أسنة؟ قال: ليس بسنة. ثم قال: قال أبي: حديث الدراوردي أصح، وعلى هذا: القول الأول هو الراجح، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ١٣)، \"التمهيد\" (٧/ ٢٢٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>مسألة: إذا قدم المسافر وهو مفطر، فهل يلزمه إمساك بقية يومه</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه لا يلزمه، وهو قول مالك، والشافعي وأصحابهما، وهو قول أحمد في رواية، وداود، حتى قال مالك، والشافعي: ولو قدم مسافر في هذه الحال، فوجد امرأته قد طَهُرت في ذلك اليوم جاز له وطؤها. وقال الشافعي: أحب لهما أن يستترا بالأكل والجماع؛ خوف التُّهمة.\nالثاني: أنه يلزمه الإمساك، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والحسن بن حَيٍّ، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد في رواية، وعليها أكثر أصحابه.\nواحتج لهم الطحاوي - ﵀ - بأن قال: لم يختلفوا أن من غمَّ عليه هلال رمضان فأكل ثم علم أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم. اهـ","vol":"1","page":157},{"text":"والراجح هو القول الأول.\nوأما ما ذكره الطحاوي فلا يخفى أن بين الصورتين اختلافًا، فالمسافر له الفطر، والحاضر الجاهل بدخول الشهر ليس جهله برافع عنه الواجب عليه إذا علمه؛ لزوال جهله بذلك.\nانظر: \"التمهيد\" (٧/ ١٢٩ - ١٣٠)، \"المجموع\" (٦/ ٢٦٢)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٥٦)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٩١)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>مسألة: لو قدم المسافر وهو صائم، فهل له أن يفطر وقد أقام</span>؟\nفيه وجهان عند الشافعية:\nالأول: نعم يجوز له ذلك، قال به ابن أبي هريرة - ﵁ -، ونقله الماوردي عن نصه في حرملة.\nالثاني: أنه لا يجوز، وعليه جمهور الشافعية، وهو الأصح عند أبي الطيب، وهو قول أبي إسحاق الشيرازي.\nوالقول الثاني هو الراجح، وهو مقتضى قول الجمهور؛ لأنه قد أصبح مقيمًا، وزالت عنه رخص السفر.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>مسألة: هل يجوز للمقيم الذي يريد أن يسافر في الغد أن يبيت الفطر</span>؟\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: واتفق الفقهاء في المسافر في رمضان أنه لا يجوز له أن","vol":"1","page":158},{"text":"يبيت الفطر؛ لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية، وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض في سفره، وليست النية في السفر كالنية في الإقامة؛ لأن المسافر إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين؛ لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل. اهـ\nانظر: \"التمهيد\" (٧/ ٢٢٥)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٨٩)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٧٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>مسألة: إذا أقام المسافر في بلدة، فهل يلزمه الإمساك أم له أن يفطر</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ -: لو نوى المسافر الإقامة ببلد بحيث تنقطع رُخَصه فطريقان.\nثم ذكر أن الأصح عند الشافعية وجهان، وأن الأصح من الوجهين أنه يحرم الفطر، وهو الذي رجحه الشيرازي، والقاضي أبو الطيب، ورجحه كذلك الفوراني، وجماعة من الخراسانيين، وجعلوه وجهًا واحدًا.\nقلتُ: قوله (بحيث تنقطع رخصه) يخرج ما إذا عزم على الإقامة أربعة أيام فما دون كما هو معلوم من مذهب الشافعية، وهو قول الحنابلة وغيرهم أيضًا.\nوهذا هو الراجح والله أعلم، أنه إن عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام فليس له أن يترخص بالفطر؛ لأنه يعتبر مقيمًا، وقد رجح هذا الشيخ ابن باز - ﵀ -.\nوقال ابن حزم - ﵀ -: ومن أقام من قبل الفجر ولم يسافر إلا بعد غروب الشمس في سفره، فعليه إذا نوى الإقامة المذكورة أن ينوي الصوم، ولابد، سواء كان في جهادٍ، أو عمرةٍ، أو غير ذلك؛ لأنه إنما ألزم الفطر إذا كان على سفر، وهذا مقيم؛ فإن أفطر عامدًا فقد أخطأ إن كان جاهلًا متأولًا، وعصى إن كان عالمًا. اهـ","vol":"1","page":159},{"text":"والصواب هو القول الأول.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦٢)، \"المحلى\" (٧٦٣)، \"فتاوى رمضان\" (١/ ٣١٦ - ٣١٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>مسألة: هل يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان قضاءً، أو نذرًا، أو كفارةً، أو تطوعًا</span>؟\nالذي عليه الجمهور وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن الفطر أبيح رخصة وتخفيفًا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه لزمه الأصل؛ فإن نوى صومًا غير رمضان لم يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نواه.\nوذهب أبو حنيفة إلى الجواز إذا كان الصوم واجبًا كالكفارة والنذر، وهذا القول ليس عليه دليل.\nوالراجح القول الأول، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦٣)، \"المغني\" (٣/ ١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>مسألة: إذا خرج الرجل مسافرًا فأفطر، ثم عاقه عائق فرجع، فما الحكم</span>؟\nعليه القضاء، وليس عليه الكفارة.\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: وقد أجمعوا أنه لو مشى في سفره حتى تغيب بيوت القرية، والمصر، فنزل فأكل، ثم عاقه عائق عن النهوض في ذلك السفر؛ لم تلزمه كفارة. اهـ\nانظر \"الاستذكار\" (١٠/ ٩٠).","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>مسألة: هل الملَاّح له حكم المسافر</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه. اهـ يعني حكمه حكم المسافر.\nقال: فأما من كان معه في السفينة امرأته وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا؛ فهذا لا يقصر ولا يفطر. اهـ انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>مسألة: أهل البادية</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: وأهل البادية كأعراب العرب، والأكراد، والترك وغيرهم الذين يشتون في مكان ويصيفون في مكان، إذا كانوا في حال ظَعْنِهم من المشتى إلى المصيف، ومن المصيف إلى المشتى؛ فإنهم يقصرون، وأما إذا نزلوا بمشتاهم ومصيفهم، لم يفطروا ولم يقصروا وإن كانوا يتبعون المراعي، والله أعلم. اهـ\nانظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>رابعًا العاجز عن الصيام</span>\nالشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يطيقان الصوم، نقل غير واحد الإجماع على أن لهما الفطر كابن المنذر، وابن عبد البر، والقرطبي، والنووي.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٢١٣)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٨٩).","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>مسألة: ماذا يلزمهما إذا أفطرا</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه يلزمهما الفدية، وهو قول الجمهور، ومنهم الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وذهب إليه من الصحابة: أنس، وابن عباس، وقيس بن السائب، وأبو هريرة - ﵃ -، (^١) ومن بعدهم من التابعين: عكرمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وقتادة، وسعيد بن جبير، وغيرهم.\nواستدلوا بما يلي:\n١) قراءة ابن عباس - ﵄ -: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ بمعنى: يتكلفون صومه، قالوا: والآية في القراءة المشهورة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ معناها: (يطيقونه بمشقة)، فيتفق معنى القراءتين.\n٢) قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤].\nقال الإمام ابن عثيمين - ﵀ -: وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل الفدية\n_________\n(^١) وهذه الأربعة الآثار ثابتة عنهم:\nأما أثر أنس - ﵁ - فعلقه البخاري في \"صحيحه\" قبل حديث (٤٥٠٥)، ووصله البيهقي (٤/ ٢٧١) بإسناد صحيح، وكذلك عبد بن حميد كما في \"الفتح\".\nوأما أثر ابن عباس - ﵄ - فأخرجه البخاري (٤٥٠٥)، وعبد الرزاق (٤/ ٢٢١)، والطبري (٣/ ٤٢٥) بأسانيد صحيحة عنه.\nوأما أثر قيس بن السائب - ﵁ - فأخرجه البيهقي (٤/ ٢٧١) بإسناد حسن.\nوأما أثر أبي هريرة - ﵁ - فأخرجه البيهقي (٤/ ٢٧١) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":162},{"text":"عَدِيلًا للصوم لمن قدر عليه، فإذا لم يقدر بقي عديله، وهو الفدية، وهذا في الحقيقة يدل على غور فقهه -يعني ابن عباس - ﵄ -- وإلا فالإنسان إذا قرأ الآية فليس فيها تعرض لمن لا يطيق، بل فيها لمن يطيق، هذا وجه الدلالة، فصار العاجز عجزًا لا يرجى زواله، الواجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينًا. اهـ\nقلتُ: يريد الشيخ - ﵀ - أن ظاهر الآية أن المستطيع للصوم كان مخيرًا بين الإطعام والصوم ثم نسخت، وليس فيها تعرض لمن لا يطيق الصوم، والأمر كما قال - ﵀ -.\nفقد ثبت في \"الصحيحين\" (^١) من حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -، قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.\nقلتُ: يعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، كما جاء مصرحًا في رواية في \"صحيح مسلم\"، وقد صح عن ابن عمر - ﵄ -، أيضًا القول بنسخ الآية كما في \"صحيح البخاري\" (٤٥٠٦).\n٣) أن هذا عمل بعض الصحابة كأنس، وابن عباس، وأبي هريرة، وقيس بن السائب - ﵃ -، وقد قال ابن حزم - ﵀ -: ولا يُعرف لهم من الصحابة مخالف.\nوقد رجح هذا القول ابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن كثير، وهو ترجيح الشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٥٠٧)، ومسلم برقم (١١٤٥).","vol":"1","page":163},{"text":"الوادعي رحمة الله عليهم.\nالقول الثاني: أنه لا يلزمهما الفدية، وهو قول مالك والثوري وأبي ثور، ومن التابعين القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ومكحول الدمشقي، وربيعة بن عبدالرحمن وسعيد بن عبدالعزيز، وهو أحد قولي الشافعي ورجحه ابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم رحمة الله عليهم أجمعين.\nقال ابن حزم - ﵀ -: والشيخ، والعجوز اللذان لا يطيقان الصوم؛ فالصوم لا يلزمهما، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وإذا لم يلزمهما الصوم فالكفارة لا تلزمهما؛ لأن الله تعالى لم يلزمهما إياها، ولا رسوله - ﷺ -، والأموال محرمة إلا بنص أو إجماع. اهـ\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: والصحيح بالنظر -والله أعلم- قول من قال: إن الفدية غير واجبة على من لا يطيق الصيام؛ لأن الله تعالى لم يوجب الصيام على من لا يطيقه؛ لأنه لم يوجب فرضًا إلا على من أطاقه، والعاجز عن الصوم كالعاجز عن القيام في الصلاة، وكالأعمى العاجز عن النظر لا يكلفه، وأما الفدية فلم تجب بكتاب مجمع على تأويله، ولا سنة يفقهها من تجب الحجة بفقهه، ولا إجماع في ذلك عن الصحابة، ولا عمن بعدهم، والفرائض لا تجب إلا من هذه الوجوه، والذمة بريئة. اهـ","vol":"1","page":164},{"text":"وأجابوا عن الجمهور بما يلي:\n١) قراءة ابن عباس - ﵄ -: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَه﴾ شاذَّة (^١)، خلاف القراءة المتواترة.\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: قوله تعالى: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ هو الثابت بين لَوْحي المصحف المجمع عليه، وهي القراءة الصحيحة التي يقطع بصحتها ويقطع الفرد بمجيئها. اهـ\nوقولهم: إن قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، معناها: (يطيقونه بمشقة)، لا يستقيم مع ما تقدم في حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - في \"الصحيحين\"؛ فإن ظاهره العموم في إباحة الفطر على من وجد المشقة أو لم يجدها، وأيضًا فإن محل النزاع في العاجز الذي لا يطيق الصيام؛ ولذلك فقد رجح ابن المنذر أن الآية منسوخة، وأنها لم تتناول الشيخ الكبير العاجز.\nقال - ﵀ -: لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤].انتهى من \"الفتح\".\n٢) وأما وجه الدلالة التي ذكرها ابن عثيمين - ﵀ -، ففيه إشكال من حيث إن الله ﷿ أوجب على المطيق الفدية أو الصوم، وَفُهِمَ من الآية أن الذي لا يطيقه ليس عليه فدية ولا صوم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا\n_________\n(^١) وقد تكلم عليها جماعة منهم: الطبري وأبو عبيد وابن العربي وابن الجوزي وابن التركماني وابن حزم والجصَّاص في \"أحكام القرآن\" وغيرهم.","vol":"1","page":165},{"text":"وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فلما نسخها الله ﷿ بالآية التي بعدها، وأوجب على المطيق الصوم؟ فمن أين لنا أن نوجب على غير المطيق أن يأتي بما يعادل الصوم، وهو الفدية مع كون الصوم نفسه لا يجب عليه؟!!\n٣) أجابوا عن ما ورد عن الصحابة في ذلك أن الحجة بإجماعهم لا باجتهاد بعض أفرادهم، ومنهم من قال: هي محمولة على أنهم أطعموا استحبابًا، والمعتبر في الجواب عندهم الأول.\nوالقول الثاني هو الأقرب والأرجح فيما يظهر لنا، والله أعلم.\nتنبيه:\nالمراد بـ (الذي لا يطيق) هو العاجز عن الصيام مطلقًا، أو يطيق الصيام لكن بمشقة شديدة تلحقه الضرر. انظر معنى ذلك في \"مجموع الفتاوى\" (١٤/ ١٠٣).\nوانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٨)، \"المحلى\" (٧٧٠)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٨٨)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٢١٢ - ٢٢٠)، \"الفتح\" (٤٥٠٦)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، \"تفسير ابن كثير\" [آية:١٨٤] من سورة البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>مسألة: مقدار الفدية</span>؟\nاختلفوا في تقديرها على أقوال:\nالأول: أنها مدٌّ من طعامٍ كل يوم، سواءٌ في طعام البر، أو التمر، أو الشعير، أو غيرها من أقوات البلد، وهذا قول الشافعي، وطاوس، وسعيد بن جبير، والأوزاعي.","vol":"1","page":166},{"text":"الثاني: يجب لكل يوم صاع من تمر، أو نصف صاع حنطة، وهو قول أبي حنيفة.\nالثالث: مد حنطة، أو مدان من شعير، أو تمر، وهو قول أحمد.\nالرابع: ليس فيه حد محدود.\nقال الشوكاني - ﵀ -: وليس في المرفوع ما يدل على التقدير. اهـ\nقال أبو عبد الله عفا الله عنه: ويؤيد ما قاله الشوكاني - ﵀ - ما جاء عن أنس بن مالك - ﵁ -، أنه كان ضعف قبل موته بعام أو عامين، فأطعم الخبز واللحم. علقه البخاري في \"صحيحه\" [باب (٢٥) من التفسير]، ووصله البيهقي (٤/ ٢٧١)، وغيره، وهو صحيح.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٩)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٣٢)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٨٩) \"المحلى\" (٧٤٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>مسألة: إذا أوجبنا الفدية على الشيخ الكبير العاجز والمريض الميئوس من بُرْئه وكان معسرًا، فهل تلزمه إذا أيسر، أم تسقط عنه</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: فيه قولان كالكفارة، والأصح في الكفارة بقاؤها في ذمته إلى اليسار؛ لأنها في مقابلة جناية فهي كجزاء الصيد، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط ولا تلزمه إذا أيسر كالفطرة؛ لأنه عاجز أثناء التكليف بالفدية، وليست في مقابل جناية ونحوها. اهـ قلت: وهو قول الحنفية، والحنابلة.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٩)، \"الموسوعة الفقهية الكويتية\" (٣٢/ ٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>مسألة: إذا تكلف العاجز عن الصيام، فقدر على الصوم، فهل يلزمه</span>","vol":"1","page":167},{"text":"الفدية؟\nقال النووي - ﵀ -: واتفقوا على أنه لو تكلف الصوم وصام فلا فدية، والعجوز كالشيخ في جميع هذا، وهو إجماع. اهـ، انظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>مسألة: إذا أفطر الشيخ العاجز عن الصيام، ثم قدر على الصوم، فهل يلزمه القضاء</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: فيه وجهان حكاهما الدارمي. اهـ\nوقال البغوي - ﵀ - -ونقله القاضي حسين-: إنه لا يلزمه؛ لأنه لم يكن مخاطبًا بالصوم، بل بالفدية.\nقال: ثم اختار البغوي لنفسه أنه إذا قدر على القضاء قبل أن يفدي لزمه الصوم، وإن قدر بعد الفدية فلا يلزمه. اهـ\nقلت: وهذا الذي اختاره البغوي، هو قول الحنابلة.\nوالذي يظهر والله أعلم أنه يلزمه؛ لكون العجز كان لعارض فأشبه المرض، وهذا قول الحنفية، والمالكية، وبعض الحنابلة.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٩)، \"حاشية ابن عابدين\" (١/ ٢٥٩)، \"منح الجليل شرح مختصر خليل\" (٢/ ١٢٠)، \"الفقه على المذاهب الأربعة\".","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>خامسًا الحامل والمُرضِع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>مسألة: الحامل إذا خافت على جنينها، والمرضع على ولدها، أو خافتا على أنفسهما</span>؟\nفي المسألة أقوال:\nالأول: أنهما تفطران وتطعمان عن كل يوم مسكينًا، وهو قول ابن عباس، (^١) وابن عمر، (^٢) وعكرمة، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وهو قول إسحاق بن راهويه.\nواستدلوا بالآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقد تقدم الكلام على الآية في مسألة الشيخ العاجز.\nالثاني: أنهما تفطران وتقضيان، ولا فدية، وهو قول الحسن، والنخعي، وعطاء، والزهري، والضحاك، والأوزاعي، وربيعة، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والليث، والطبري، وأبي ثور، وأبي عبيد، وهو قول مالك في المرضع، وأحد قولي الشافعي في الحامل.\nواستدلوا بحديث أنس بن مالك الكَعْبي عند أصحاب \"السنن\"، أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله ﷿ وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى، والمرضع الصوم» (^٣)، وقد صححه شيخنا في \"الجامع الصحيح\"، وقالوا: هو فطرٌ\n_________\n(^١) أثر ابن عباس أخرجه الطبري (٣/ ٤٢٥ - ٤٢٧) بأسانيد صحيحة.\n(^٢) أثر ابن عمر أخرجه الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٢٧٨)، وعبدالرزاق (٤/ ٢١٨)، والبيهقي (٤/ ٢٣٠) بإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٤/ ١٨٠، ١٩٠)، وابن ماجه (١٦٦٧).","vol":"1","page":169},{"text":"أُبيح لعذر طارئ؛ فلا تجب به كفارة كالمريض.\nوهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\nالثالث: إن خافتا على أنفسهما لا غير، أو على أنفسهما وولديهما؛ أفطرتا وقضتا، ولا فدية عليهما، وإن خافتا على ولديهما لا على أنفسهما؛ أفطرتا وقضتا وعليهما الفدية، وهو قول الشافعي، وأحمد، وروي ذلك عن مجاهد.\nالرابع: الحامل تفطر وتقضي ولا فدية، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي، وهو قول مالك، والليث، ورجحه ابن عبد البر.\nالخامس: لا قضاء عليهما ولا إطعام، وهو قول ابن حزم - ﵀ -، واستدلوا بحديث أنس - ﵁ - المتقدم، وأُجيب بأن المراد وضع الأداء لا وضع القضاء؛ بدليل أن المسافر عليه أيام أخر كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nوالراجح هو القول الثاني كما تقدم، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، \"المغني\" (٣/ ٣٧)، \"المحلى\" (٧٧٠)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٤)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٣٥٩ - ٣٦٢).\n* المرضع المُسْتأجرة هل لها نفس الحكم؟\nالذي قطع به النووي وصوبه وصححه أن لها نفس الحكم، وقطع به القاضي","vol":"1","page":170},{"text":"حسين في \"فتاويه\" خلافًا للغزالي، واستدل صاحب \"التتمة\" بالقياس على السفر؛ فإنه يستوي فيه من سافر لغرض نفسه، أو لغرض غيره بأجرة أو غيرها.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>سادسًا الحائض والنفساء</span>\nقال النووي - ﵀ -: لا يصح صوم الحائض والنفساء، ولا يجب عليهما، ويحرم عليهما، ويجب قضاؤه، وهذا مُجمع عليه. اهـ\nوقد نقل الإجماع أيضًا ابن حزم، وابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ويدل على ذلك حديث عائشة - ﵂ - أنها قالت في الحائض: كنا نُؤْمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. متفق عليه، واللفظ لمسلم. (^١)\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٦)، \"المغني\" (٣/ ٣٤)، شرح \"كتاب الصيام\" (١/ ٢٤٤)، \"المحلى\" (٧٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>مسألة: إذا انقطع الدم عن المرأة أثناء النهار فهل يلزمها الإمساك</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه لا يلزمها، وهو قول الجمهور، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل على إيجاب الإمساك عليها.\nالثاني: أنه يلزمها الإمساك، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٢١)، ومسلم برقم (٣٣٥).","vol":"1","page":171},{"text":"والحسن بن صالح، ولا دليل على هذا القول.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٥٧)، \"المغني\" (٣/ ٣٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>سابعًا المجنون</span>\nقال النووي - ﵀ -: المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع؛ للحديث وللإجماع، وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون، سواءٌ قل أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه، وهذا قول الجمهور.\nقلتُ: أما الحديث الذي أشار إليه النووي فهو قوله - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة: ...، وعن المجنون حتى يفيق». (^١)\nوقال مالك - ﵀ -: يقضي وإن مضى عليه سنون. وعن أحمد مثله، وهو قول الشافعي في القديم؛ لأنه معنى يزيل العقل، فلم يمنع وجوب الصوم كالإغماء.\nوقال أبو حنيفة - ﵀ -: إن جُنَّ جميع الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى؛ لأن الجنون لا ينافي الصوم، بدليل ما لو جن في أثناء الصوم لم يفسد، فإذا وجد في بعض الشهر وجب القضاء كالإغماء.\nوالراجح هو قول الجمهور، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ١٠٠ - ١٠١)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، من حديث عائشة - ﵂ -، وأخرجه أبو داود (٤٣٩٩ - ٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، والحاكم (٢/ ٥٩)، عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، وهو موقوف له حكم الرفع، وإسناد الأول ضعيف، والثاني صحيح، وانظر \"الإرواء\" (٢٩٧).","vol":"1","page":172},{"text":"انظر: \"المغني\" (٣/ ٤٦)، \"المجموع\" (٦/ ٢٥٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>ثامنًا الصبي</span>\nقال الإمام النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ٢٥٣): لا يجب صوم رمضان على الصبي، ولا يجب عليه قضاء ما فات قبل البلوغ بلا خلاف. اهـ\nقلتُ: ويدل عليه حديث علي، وعائشة - ﵄ -، أن النبي - ﷺ - قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفِيق». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>مسألة: إذا أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو أسلم كافر أثناء اليوم، فهل يلزمه الإمساك</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزمهم الإمساك بقية اليوم، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، والعنبري، وقاسوا ذلك على من علم بالهلال أثناء النهار.\nالثاني: أنه لا يلزمهم الإمساك، وهو قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن حزم في غير المجنون؛ وذلك لأنه أبيح له فطر أول النهار باطنًا وظاهرًا، فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر.\nوانفرد أحمد عن المذاهب الثلاثة بوجوب القضاء عليه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":173},{"text":"ورجح شيخ الإسلام أنه يلزمهم الإمساك، ولا قضاء عليهم.\nوأجيب عن القول الأول بأن قياسهم على من علم بالهلال أثناء النهار فيه نظر؛ فقد أجاب ابن حزم بأن هذا يجب عليه الإمساك من أول النهار، وأما الكافر والصبي فإنه لا يجب عليه ذلك، بل يباح له الفطر.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٣٤)، \"الإنصاف\" (٣/ ٢٥٤)، \"المجموع\" (٦/ ٢٥٦)، \"المحلى\" (٧٥٤، ٧٦٠)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٠٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>تاسعًا المجاهد في سبيل الله</span>\nقال الحافظ ابن القيم - ﵀ -: فلو اتفق مثل هذا - يعني لقاء العدو- في الحَضَر وكان في الفطر قوة لهم على لقاء العدو فهل لهم الفطر؟ فيه قولان، أصحهما دَلِيلًا: أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة؛ فإنها أحق بجوازه؛ لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة، والنبي - ﷺ - قد فسر القوة بالرمي، وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء؛ ولأن النبي - ﷺ -","vol":"1","page":174},{"text":"قال للصحابة لَمَّا دنوا من عدوهم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم؛ والفطر أقوى لكم»، وكانت رخصة، ثم نزلوا منزلا آخر فقال: «إنكم مصبحوا عدوكم؛ والفطر أقوى لكم؛ فأفطروا» (^١)، فكانت عزمة، فأفطروا، فعلل بدنوهم من عدوهم، واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو، وهذا سبب آخر غير السفر، والسفر مستقل بنفسه ولم يذكره في تعليله، ولا أشار إليه؛ فالتعليل به اعتبارٌ لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاء وصف القوة التي يقاوم بها العدو، واعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع وعلل به. انتهى من \"زاد المعاد\" (٢/ ٥٣ - ٥٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٢٠)، من حديث أبي سعيد - ﵁ -.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>مسألة: من تعمد فطر يوم من رمضان، فهل عليه قضاؤه</span>؟\nذهب الجمهور، والأئمة الأربعة إلى أنه يجب عليه قضاؤه؛ لأن الصوم كان عليه في الذمة فلا تبرأ إلا بأدائه.\nوقال ابن قدامة - ﵀ - في \"المغني\": فعليه القضاء، لا نعلم في ذلك خلافًا. اهـ\nفإذا أراد نفي الخلاف في المذهب فذاك، وإلا فالواقع وجود الخلاف، فقد خالف عبد الله بن مسعود، (^١) وأبو هريرة، (^٢) فقالا: لا يجزئه قضاؤه، وإن صام الدهر، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب. (^٣)\nوذكره ابن حزم عن أبي بكر - ﵁ -، بسند فيه انقطاع (^٤)، ورجح ذلك ابن حزم، واستثنى القيء تعمدًا؛ لحديث: «ومن استقاء فعليه القضاء»، وقد تقدم ما فيه، ثم شيخنا - ﵀ -، وهذا هو الراجح؛ لأن الله ﷿ أوجب صيام أيام\n_________\n(^١) أثر عبدالله بن مسعود - ﵁ - أخرجه عبدالرزاق (٧٤٧٦) وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٥) والبيهقي (٤/ ٢٢٨)، وأبهم الراوي عن ابن مسعود عندهم، ولكن أخرجه الطبراني (٩٥٧٥) بإسناد صحيح، وسمَّى المبهم بلالَ بن الحارث، وهو المزني، صحابي، فالأثر صحيح.\n(^٢) ذكره ابن حزم في \"المحلى\" (٧٣٥) من طريقين وصححه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٠٦)، من طريق: عمر بن عبيد الله بن يعلى الثقفي، عن عرفجة، عن علي به، وإسناده ضعيفٌ جدًّا؛ لأنه عمر متروك، وعرفجة مجهول الحال.\n(^٤) هو من طريق: عبدالرحمن بن السلماني، عن أبي بكر، ومع انقطاعه فعبد الرحمن ضعيفٌ.","vol":"1","page":176},{"text":"محدودة فمن لم يفعل ما أمره الله فيكون قد تعدى حدود الله، وليس هناك دليل يدل على أنه إذا صام يومًا بدلًا منه أنه يجزئه.\nوقد جاء حديث يدل على ذلك، ولكنه ضعيف، وهو ما أخرجه الأربعة (^١) عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «من أفطر يومًا من غير عذر لم يجزئه صيام الدهر»، وفيه ثلاث علل:\n١) فيه أبو المطوِّس، وهو مجهول الحال.\n٢) فيه اضطراب، على حبيب بن أبي ثابت.\n٣) وأبو أبي المطوس، مجهول، ولا يُدرى أسمع من أبي هريرة - ﵁ -، أم لا، والعلة الأخيرة على مذهب البخاري.\nوأما قول من قال: (الصوم في الذمة فلا تبرأ منه إلا بأدائه).\nفالرد عليه: أن الله قد حدَّ حدًّا لأدائه، فمن لم يؤده في الوقت الذي أمر الله أن يؤدى فيه فقد فرط وعصى، ولا دليل يدل على أنه يمكنه استدراكه بعد خروج الوقت الذي حده الله تعالى له.\nوقد جاء عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن أنه قال: يلزمه أن يصوم اثني عشر يومًا. وقال سعيد بن المسيب - ﵀ -: يلزمه صوم ثلاثين يومًا. ولا دليل على ما ذهبا إليه.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٢٩)، \"المغني\" (٣/ ٢٢)، \"المحلى\" (٧٣٥) \"الفتح\" (١٩٣٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٣٩٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٢٤٤ -)، والترمذي (٧٢٣)، وابن ماجه (١٦٧٢).","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>مسألة: هل يلزم المجامع في نهار رمضان قضاء ذلك اليوم مع الكفارة</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزمه، وهو قول الجمهور.\nواستدلوا بقول النبي - ﷺ - للمجامع في نهار رمضان: «صم يومًا، واستغفر الله»، رواه أبو دود (^١)؛ ولأنه لم تبرأ ذمته منه؛ لكونه أفسده بالجماع.\nالثاني: أنه لا يلزمه، ولا يقدر على قضائه، وهو أحد قولي الشافعي، وهو قول ابن حزم؛ لأن الرجل قد أفسد صومه متعمدًا، فمن أين لنا الدليل أنه يمكنه أن يتدارك ذلك بصيام بعد خروج الوقت، والحد الذي حده الله لهذه العبادة؟!.\nوهذا هو الراجح، وهو ترجيح والدنا وشيخنا مقبل الوادعي - ﵀ -، وأجابوا عن حديث: «صم يومًا» بعدم صحته، فقد رواه بهذه الزيادة عن الزهري أبو أويس، وعبد الجبار بن عمر، وهشام بن سعد، وكلهم ضعفاء.\nوقد خالفوا في ذكر هذه الزيادة جمعًا كبيرًا من أصحاب الزهري، تقدم من كلام الحافظ أنه يقارب ثلاثين نفسًا أو أكثر، فتعتبر هذه الزيادة شاذة أو منكرة.\nوقد جاء أيضًا من مراسيل سعيد بن المسيب (^٢)، والمرسل لا يحتج به، فما في \"الصحيحين\" هو المقدم، وعليه الاعتماد، وهو يدل على عدم القضاء عليه؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمره بالقضاء.\n_________\n(^١) أبو داود برقم (٢٣٩٣)، والدارقطني (٢/ ٢١٠ - ٢١١).\n(^٢) كما في \"الموطإِ\" (١/ ٢٩٧).","vol":"1","page":178},{"text":"انظر: \"الفتح\" (١٩٣٦)، \"المغني\" (٣/ ٢٥)، \"المحلى\" (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩) (٧٣٥)، \"المجموع\" (٦/ ٣٣١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>مسألة: هل يلزم التتابع في قضاء رمضان</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزمه التتابع، نقله ابن المنذر وغيره عن عائشة (^١) وعلي (^٢) - ﵄ -، وهو قول ابن حزم - ﵀ -، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ثم قال: وَتُجزئه متفرقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nالثاني: أنه لا يلزمه التتابع، وهو قول الجمهور، ومن الصحابة عبد الله بن عباس - ﵄ -، (^٣)، وأبو هريرة، وأنس (^٤)، ومن التابعين سعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nوهذا القول هو ترجيح الإمام البخاري في \"صحيحه\"، وهو الراجح إن شاء الله، ورجحه أيضًا شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى. اهـ\n_________\n(^١) أثر عائشة - ﵂ -، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢٤٢) وفيه الحارث الأعور وهو كذاب، وقد جاء هذا القول عن ابن عمر في المصدر المذكور بإسناد صحيح.\n(^٣) أثر ابن عباس أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢٤٣) بإسناد صحيح.\n(^٤) أثر أبي هريرة، وأنس، أخرجهما ابن أبي شيبة (٣/ ٣٢) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":179},{"text":"انظر: \"الفتح\" (١٩٥٠)، \"المحلى\" (٧٦٨)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٨٢)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٤٩)، \"المجموع\" (٦/ ٣٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>مسألة: هل يلزم القضاء فورًا، أم له أن يؤخره</span>؟\nذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوبه من ثاني شوال، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣].\nوذهب الجمهور إلى جواز تأخيره بشرط أن يقضي قبل دخول رمضان من قابل، واستدلوا بحديث عائشة - ﵂ -، قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان. (^١)، وفي مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٩٦) عنها بإسنادٍ حسنٍ أنها قالت: ما من السنة يوم أحب إلى أن أصومه من يوم عرفة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nوأما كونه يقضي قبل دخول رمضان الآخر، فقد قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: ويؤخذ من حرصها يعني عائشة - ﵂ - على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر.\nوقد سبق إلى نحو ذلك ابن قدامة، وزاد فقال: ولأن الصوم عبادة متكررة، فلم يجز تأخير الأولى عن الثانية كالصلوات الخمس المفروضة.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٧٠)، \"المحلى\" (٧٦٧)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، \"المغني\" (٣/ ٤٠)، \"المجموع\" (٦/ ٣٦٤)، \"شرح السنة\" (٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٥٠)، ومسلم برقم (١١٤٦).","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>مسألة: إذا أخَّر القضاء بغير عذر حتى دخل رمضان</span>؟\nفي المسألة أقوال:\nالأول: أنه يلزمه بعد صيام رمضان أن يقضي ما عليه، ويُطعِم عن كل يوم مسكينًا، وهو قول الجمهور، وقال به من الصحابة أبو هريرة، (^١) وابن عباس، (^٢) وعمر (^٣) - ﵃ -، ونقل الطحاوي (^٤) عن يحيى بن أَكْثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة، ولا أعلم لهم فيه مخالفًا.\nالثاني: أنه يقضي ولا فدية عليه، وهو قول الحسن، والنَّخعي، وأصحاب الرأي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ورجحه البخاري فقال: ولم يذكر الله تعالى الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nوهناك قول ثالث: أن عليه أن يطعم ولا قضاء عليه، قال به سعيد بن جبير، وقتادة، وهذا مخالف للآية السابقة.\nوالراجح هو القول الثاني، وهو ترجيح ابن حزم، والشوكاني، والوادعي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\nانظر: \"شرح السنة\" (٣/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، \"المجموع\" (٦/ ٣٦٤)، \"المغني\" (٣/ ٤٠)، \"الفتح\" (١٩٥٠)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٨٣)، \"المحلى\" (٧٦٧).\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٥٣)، والدارقطني (٢/ ١٩٧) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٥٣) والدارقطني (٢/ ١٩٧) بإسناد صحيح.\n(^٣) حكم عليه ابن حزم في المحلى (٧٦٧) بالانقطاع.\n(^٤) نقله عنه الجصاص في \"أحكام القرآن\" (١/ ٢٩٢).","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>مسألة: إذا أخر قضاء رمضان بعذر حتى دخل رمضان آخر</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أن عليه القضاء فقط ولا إطعام عليه، حكاه ابن المنذر عن طاوس، والحسن، والنَّخعي، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وداود، والمزني.\nالثاني: قال ابن المنذر: وقال ابن عباس، (^١) وابن عمر، (^٢) وسعيد بن جبير، وقتادة: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر، ويفدي عن الغائب، ولا قضاء عليه.\nوالراجح: القول الأول؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>مسألة: هل يجوز لمن عليه صوم أن يتطوع</span>؟\nفيها أقوال:\nالأول: أنه يجوز له ذلك ما لم يَضِق الوقت، وقالوا: ما دام الوقت موسعًا فإنه يجوز له أن يتنفل. وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وعزاه الحافظ ابن رجب في \"الفتح\" (٥٩٧) إلى الجمهور.\nالثاني: يجوز مع الكراهة إلا ما يتأكد استحبابه، فيجوز بلا كراهة، وهو قول المالكية.\n_________\n(^١) أثر ابن عباس صحيح تقدم فيما مضى.\n(^٢) أثر ابن عمر أخرجه الدارقطني (٢/ ١٩٦) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":182},{"text":"الثالث: إن كان الإفطار في رمضان لعذر؛ جاز، وإلا فلا يجوز، وهو قول الشافعية؛ لأنهم يرون أن القضاء على التراخي في حالة العذر، وأما عند عدمه فالأصح عندهم أنه على الفور.\nوالقول الأول هو الراجح، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٤٠ - ٤١)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٤٧ - ٤٤٨) مع الحاشية، \"المجموع\" (٦/ ٣٦٥)، \"مواهب الجليل\" (٣/ ٣٣٣)، \"رد المحتار\" (٣/ ٤٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>مسألة: من مات وعليه صوم، فهل يُقضى عنه</span>؟\nفي المسألة أقوال:\nالأول: أنه لا يصام عنه ويطعم عنه إذا أوصى بذلك، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في الجديد.\nواستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، وبقوله - ﷺ -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ...» فذكرها، رواه مسلم (١٦٣١)، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nالثاني: أنه لا يصام عنه إلا النذر، وهو قول أحمد، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد، وقالوا في حديث عائشة - ﵂ - المتفق عليه، أن النبي - ﷺ - قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». (^١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).","vol":"1","page":183},{"text":"قالوا: هذا العموم محمول على حديث ابن عباس - ﵄ -، في \"الصحيحين\" (^١)، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين أكنتِ قَاضيةً عنها؟» قالت: نعم، قال: «فَدَيْن الله أحق أن يقضى».\nقالوا: فيكون الصوم عنه في النذر خاصة، وأما رمضان فيطعم عنه.\nالثالث: أنه يصوم عنه أيَّ صوم، سواء كان نذرًا، أو قضاءً، أو كفارةً، وهذا الذي عليه أهل الحديث، وأبو ثور، والأوزاعي وجماعة، وهو قول طاوس، والحسن، والزهري، وقتادة، والشافعي في القديم، واستدلوا بعموم حديث عائشة - ﵂ -، أن النبي - ﷺ - قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه».\nوهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجحه البيهقي، وابن حزم، ثم الحافظ ابن حجر، ثم الصنعاني، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي، والعلامة محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليهم.\nوقد أجاب المالكية عن حديث عائشة - ﵂ - وما شابهه بأنه ليس عليه عمل أهل المدينة.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: إن سلمت هذه الدعوى فما بمثل هذا ترد الأحاديث الصحيحة.\nوأجاب عنه الحنفية بقولهم: إنه صح عن عائشة، وابن عباس القول بالإطعام،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٥٣)، ومسلم برقم (١١٤٨).","vol":"1","page":184},{"text":"قالوا: فلما أفتوا بخلاف ما رووا دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: والراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد ومستنده فيه لم يتحقق. اهـ\nقلتُ: ويحتمل أيضًا أن يكون نسيَ.\nوقال ابن حزم - ﵀ -: ولعل الذي روي عن عائشة فيه الإطعام كان لم يصح حتى مات؛ فلا صوم عليه. اهـ\nقلتُ: وأما استدلال الحنفية، والمالكية بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فقد قال ابن حزم - ﵀ -: أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فحق إلا أن الذي أنزل هذا هو الذي قال لرسول الله - ﷺ -: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٥]، وهو الذي قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، فصح أنه ليس للإنسان إلا ما سعى وما حكم الله تعالى، أو رسوله - ﷺ - أن له من سعي غيره عنه، والصوم عنه من جملة ذلك. اهـ\nوأما حديث: «انقطع عمله»، فالحديث ليس فيه إلا انقطاع عمل الميت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلًا.\nوأما ما استدل به أهل القول الثاني، فقد قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث","vol":"1","page":185},{"text":"ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره: «فَدَيْن الله أحق أن يقضى».اهـ\nانظر: \"الفتح\" (١٩٥٢)، \"المحلى\" (٧٧٥)، \"السبل\" (٢/ ٣٣٦)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٥٦)، \"الكبرى للبيهقي\" (٤/ ٢٥٦).\nتنبيه:\nما تقدم من الخلاف في المسألة هو فيما إذا تمكن من قضائه فمات ولم يقض، وأما إذا لم يتمكن من قضائه حتى مات فقد نقل غير واحد الإجماع أنه لا يصام عنه، وأما الإطعام فالجمهور، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة أنه لا شيء عليه.\nقال العبدري: وهو قول العلماء كافة؛ إلا طاوسًا، وقتادة فقالا: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكينًا؛ لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهَرِم.\nوالصحيح القول الأول؛ لقوله - ﷺ -: «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (^١)، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٧٢)، \"شرح السنة\" (٣/ ٥١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>مسألة: من هو الولي</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: قيل: كل قريب. وقيل: الوارث خاصة. وقيل: عصبته. والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها. اهـ انظر: \"الفتح\" (١٩٥٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>مسألة: هل الصوم واجب على الولي</span>؟\nذهب ابن حزم إلى وجوبه على الولي، واستدل بقوله - ﷺ -: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» (^١)؛ فإن هذا خبر بمعنى الأمر، والتقدير: فليصم.\nوذهب الجمهور إلى أن هذا الأمر ليس للوجوب، وبالغ إمام الحرمين فادعى الإجماع على ذلك.\nقال الحافظ - ﵀ -: وفيه نظر؛ لأن بعض أهل الظاهر قد خالف فأوجبه، فلعله لم يَعتدَّ بخلافهم على قاعدته. اهـ\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: صَرَفَه عن الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤/الإسراء:١٥/فاطر:٨]، ولو قلنا بوجوب القضاء عن الميت لزم من عدم قضائه أن تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا خلاف القرآن.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٥٢)، \"المحلى\" (٧٧٥)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٥٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>مسألة: هل يختص ذلك بالولي، أم يجوز أن ينوب الأجنبي</span>؟\nفيه قولان:\nالأول: أنه يختص بالولي؛ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية إلا ما ورد فيه الدليل فيقتصر عليه، ورجح هذا القول الحافظ - ﵀ -.\nالثاني: أنه لا يختص بالولي، وذكر الولي في الحديث؛ لكونه الغالب، وهو ظاهر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).","vol":"1","page":187},{"text":"اختيار البخاري - ﵀ -، وبه جزم أبو الطيب الطبري، وقواه بتشبيهه - ﷺ - ذلك بالدين، والدين لا يختص بالقريب.\nقلت: والقول بعدم اختصاصه بالولي، هو مقتضى قول الجمهور؛ فإن منهم من أجاز النيابة بالعبادات البدنية، كالحنابلة والحنفية.\nوالقول الثاني هو الراجح.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٥٢)، \"السبل\" (٢/ ٣٣٧) ط: دار الكتاب العربي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>مسألة: هل يجوز لو كان على الميت ثلاثون يومًا مثلًا أن يصوم عنه ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: قال النووي في \"شرح المهذب\": هذه المسألة لم أر فيها نقلًا في المذهب، وقياس المذهب الإجزاء. قلت: لكن الجواز مقيد بصوم لم يجب فيه التتابع؛ لفقد التتابع في الصورة المذكورة. اهـ\nوالذي قرره الحافظ - ﵀ - هو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -، وقد قال بأصل المسألة الحسن البصري - ﵀ -، علقه عنه البخاري - ﵀ -، ووصله الدارقطني - ﵀ -، وهو ثابت عنه.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٥٢)، \"المجموع\" (٦/ ٣٧١)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٥٧)","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>فَصْل فِيْمَا يَتَعَلَّق بِمَسَائِلَ وَأَحْكَامِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>مسألة: استحباب التطوع لله بالصيام:</span>\nجاء في \"الصحيحين\" (^١) عن أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «الصيام جُنَّة»، وفي \"مسند أحمد\" (٤/ ٢٢)، عن عثمان بن أبي العاص - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال»، وصححه الإمام الوادعي - ﵀ - في \"الجامع الصحيح\".\nوفي \"الصحيحين\" (^٢) عن سهل بن سعد - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد».\nوفي \"الصحيحين\" (^٣) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا».\nوقوله: «في سبيل الله»، فيه قولان:\nالأول: أن المراد به الصوم في الجهاد، وهو قول ابن الجوزي، وابن دقيق العيد،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١) (١٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣).","vol":"1","page":189},{"text":"والنووي، والصنعاني.\nالثاني: أن المراد به في طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله، وهو قول القرطبي، لكن القول الأول محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقًّا، ولا يختل به قتال ولا غيره من مهمات الغزو.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر - ﵀ - أن الحديث أعم من ذلك فيشمل القولين، ذكره الحافظ احتمالًا، وهو أقرب، والله أعلم.\nانظر: \"الفتح\" (٢٨٤٠)، \"السبل\" (٤/ ١٥٩)، \"شرح مسلم\" (٨/ ٣٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>مسألة: صوم المرأة تطوعًا</span>؟\nذهب الجمهور إلى تحريم الصوم عليها بغير إذن زوجها غير الفريضة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^١)، أن النبي - ﷺ - قال: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه»، وهذا لفظ البخاري، وزاد أبو داود: «غير رمضان». (^٢)\nقال النووي - ﵀ - في \"المجموع\": وقال بعض أصحابنا: يكره. والصحيح الأول. اهـ\nوما صححه النووي هو الصحيح؛ لدلالة الحديث عليه، وهو الذي جزم به الصنعاني في \"السبل\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٩٥)، ومسلم (١٠٢٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٤٥٨) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":190},{"text":"انظر: \"الفتح\" (٥١٩٥)، \"السبل\" (٤/ ١٦٤)، \"المجموع\" (٦/ ٣٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>مسألة: فإذا صامت هل يصح صومها</span>؟\nقال النووي - ﵀ -: فإن صامت بغير إذن زوجها صحَّ باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرامًا؛ لأن التحريم لمعنى آخر لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم، وأما عن ثواب صيامها، فقال العمراني: أمر قبوله إلى الله.\nوقال النووي - ﵀ -: مقتضى المذهب عدم الثواب، وما قاله العمراني أولى، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: وهو المختار عندي، وبالله التوفيق.\nانظر: \"الفتح\" (٥١٩٥)، \"المجموع\" (٦/ ٣٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>مسألة: وهل يجوز لها أن تصوم إذا كان مسافرًا</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: لو كان مسافرًا فمفهوم الحديث في تقييده بـ «شاهد» يقتضي جواز التطوع لها إذا كان زوجها مسافرًا، فلو صامت وقدم في أثناء صومها؛ فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الغيبة أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع. اهـ\nانظر: \"الفتح\" (٥١٩٥)، \"المجموع\" (٦/ ٣٩٢).\nتنبيه:\nيلحق بصوم رمضام في كون المرأة لا يجب عليها استئذان زوجها صوم الفرض","vol":"1","page":191},{"text":"من نذرٍ، أو قضاءٍ إذا ضاق وقته. انظر: \"الفتح\" (٥١٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>مسألة: هل يجوز للمتطوع أن يفطر إذا شاء</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: جواز الفطر، وهو قول الجمهور من أهل العلم، وقال به من الصحابة عمر، وعلي، (^١) وأبو الدرداء، (^٢) وابن عمر، (^٣) وابن عباس، (^٤) وجابر بن عبد الله - ﵃ - (^٥)، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، والشافعي.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث عائشة - ﵂ - في \"صحيح مسلم\" (١١٥٤)، أن النبي - ﷺ - دخل عليها في يوم فقال: «هل من طعام؟» قالت: لا. قال: «فإني إذًا صائم»، قالت: ثم أتانا في يوم آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حَيْس. فقال: «أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا»، فأكل.\n٢ - حديث أبي جُحَيفة في \"البخاري\" (١٩٦٨)، أن سلمان زار أبا الدرداء، ثم أفطر أبو الدرداء فأكل مع سلمان.\n_________\n(^١) أثر عمر وعلي أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢٧٢) بإسناد منقطع، ولكن له طريق أخرى صحيحة عند ابن حزم في \"المحلى\" (٤/ ٤١٨) (٧٧٣).\n(^٢) أثر أبي الدرداء أخرجه البخاري برقم (١٩٦٨).\n(^٣) ذكره ابن حزم في \"المحلى\" (٤/ ٤١٩) من طريق وكيع بإسناد صحيح.\n(^٤) أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢) بأسانيد صحيحة.\n(^٥) أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢) بإسناد حسن لولا عنعنة أبي الزبير.","vol":"1","page":192},{"text":"٣ - حديث أبي هريرة - ﵁ - عند ابن أبي شيبة (٣/ ١٥)، وأحمد (٢/ ٣٣٦)، والنسائي (٤/ ١٧٧)، وغيره، قال: أتي النبي - ﷺ - بطعام وهو بِمَرِّ الظَّهران، فقال لأبي بكر وعمر - ﵄ -: «ادنوا فكلا»، قالا: إنَّا صائمان. فقال رسول الله - ﷺ -: «ارحلوا لصاحبيكم، اعملوا لصاحبيكم، ادنوا فكلا»، وهو حديث يصححه الإمام الألباني - ﵀ -.\nثم رأيت النسائي - ﵀ - قد أعله بالإرسال كما في \"الكبرى\" (٢٥٧٢) (٢٥٧٥)، ورجح أنه من مراسيل أبي سلمة.\nالثاني: أنه يلزمه الإتمام، وهو قول أبي حنيفة، وقول مالك أيضًا، ولكنه قيده بما إذا لم يكن له عذر.\nواستدلوا:\n١ - بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].\n٢ - بقوله - ﷺ - للأعرابي: «وصيام رمضان»، قال هل عليَّ غيره؟، قال: «لا، إلا أن تَطَّوَّع» (^١)، فقالوا: الاستثناء متصل، والمعنى: إلا أن تتطوع فيلزمك صومه.\nوالراجح هو القول الأول.\nوأما عن أدلة القول الثاني:\nالآية: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٦)، ومسلم برقم (١١)، من حديث طلحة بن عبيد الله - ﵁ -.","vol":"1","page":193},{"text":"قال ابن عبد البر - ﵀ -: ومن احتج بهذه الآية فهو جاهل بأقوال أهل العلم؛ فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء؛ كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أَخْلصوها لله.\nوقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر. ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرضه الله عليه، ولا أوجبه على نفسه بنذرٍ أو غيره؛ لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك.\n٢ - الحديث: «إلا أن تَطَّوع»، الصحيح أن الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن لك أن تتطوع؛ جمعًا بين الأحاديث.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٩٤)، \"المحلى\" (٧٧٣)، \"الفتح\" (١٩٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>مسألة: من صام تطوعًا فأفطر، فهل عليه قضاؤه</span>؟\nذهب الجمهور إلى استحباب قضائه بيوم آخر، وقد روى عبدالرزاق (^١) عن ابن عباس - ﵄ -، أنه ضرب لذلك مثلًا كمن ذهب بمال ليتصدق به، ثم رجع ولم يتصدق به، أو تصدق ببعضه وأمسك بعضه.\nوذهب أبو حنيفة إلى وجوب القضاء عليه، سواء كان لعذر أو غير عذر.\nوذهب مالك إلى وجوب القضاء إذا كان لغير عذر.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لعدم ورود دليل يوجب عليه القضاء، وإنما قالوا باستحباب القضاء؛ لأنه من أعمال البر.\n_________\n(^١) (٤/ ٢٧١) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":194},{"text":"انظر: \"الفتح\" (١٩٦٨)، \"المجموع\" (٦/ ٣٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>مسألة: صيام ست من شوال</span>؟\nذهب أكثر أهل العلم إلى الاستحباب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وهو الصحيح؛ لدلالة حديث أبي أيوب - ﵁ - في \"صحيح مسلم\" (١١٦٤)، أن النبي - ﷺ - قال: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر».\nوذهب مالك، وأبو حنيفة إلى كراهة صومها، قال مالك: لأنه ما رأى أحدًا من أهل العلم يصومها. ولئلا يظن وجوبها، وما ذكره مالك - ﵀ - ليس بحجة في ترك الحديث والعمل به، وقد اعتذر له ابن عبد البر بأنه لم يبلغه الحديث.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٥٦)، \"المجموع\" (٦/ ٣٧٩)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٥٦ - ١٥٧).\nفائدة:\nقال الصنعاني - ﵀ -: وإنما شبهها بصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها فرمضان بعشرة أشهر، وسِتَّ من شوال بشهرين. اهـ انظر: \"السبل\" (٤/ ١٥٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>مسألة: هل يشترط في الست من شوال أن تكون متتابعة</span>؟\nلا يشترط في هذه الستِّ أن تكون متتابعة، ولا أن تكون في أول الشهر، بل من صامها متفرقة أو أخَّرها فقد صدق عليه أنه صام ستًّا من شوال، وبهذا صرح الشافعية، والحنابلة وغيرهم، وأفتى به الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل رحمة الله عليهم أجمعين.","vol":"1","page":195},{"text":"انظر: \"المغني\" (٣/ ٥٦ - ٥٧)، \"شرح المهذب\" (٦/ ٣٧٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>مسألة: هل يلزم أن تكون الست من شوال بعد قضاء رمضان</span>؟\nتقدم أن النبي - ﷺ - قال في الحديث: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال»، ففي قوله: «ثم أتبعه» دلالة على أن استحباب صيام هذه الأيام إنما هو لمن صام رمضان وأكمل صومه، وقد أفتى بذلك الإمام ابن باز - ﵀ -، والعلامة ابن عثيمين - ﵀ - أيضًا.\nثم رأيت الحافظ ابن رجب - ﵀ - قد صرَّح بذلك أيضًا كما في \"لطائف المعارف\" (ص ٣٩٧ - ٣٩٨).\nولكن يظهر أنَّ من احتاج إلى تقديم صوم ست؛ لشُغلٍ، أو ضيق وقتٍ أنَّ ذلك يجزئه، والله أعلم.\nانظر: \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٦٨) \"فتاوى رمضان\" (٢/ ٦٩٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>مسألة: صيام يوم عرفة</span>؟\nجاء في \"صحيح مسلم\" (١١٦٢) (١٩٧)، من حديث أبي قتادة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «يُكفِّر السنة الماضية والباقية».\nوفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على استحباب صوم يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة.\nقال عبد الله البسَّام وفقه الله: صوم يوم عرفة هو أفضل صيام التطوع بإجماع","vol":"1","page":196},{"text":"العلماء. انظر: \"توضيح الأحكام\" (٣/ ٢٠١).\nقال الصنعاني - ﵀ - في \"السبل\": وقد استشكل تكفير ما لم يقع وهو ذنب السنة الآتية، وأجيب بأن المراد أن يوفق فيها لعدم الإتيان بذنب، وسماه تكفيرًا بمناسبة الماضية، أو أنه إن أوقع فيها ذنبًا وُفِّق للإتيان بما يكفره.\nانظر: \"سبل السلام\" (٢/ ٣٣٩) ط: دار الكتاب العربي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>مسألة: ما حكم صيام عرفة لمن كان بعرفة</span>؟\nفي المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: التحريم وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري، ورجحه الصنعاني، واستدلوا بحديث أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة. أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٤)، وأبو داود (٢٤٤٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢/ ١٥٥)، وابن ماجه (١٧٣٢)، لكنه ضعيف؛ فإنه من طريق: مَهدي العبدي الهَجَري، عن عكرمة، عن أبي هريرة به، ومهدي الهجري مجهول الحال.\nقال العقيلي: لا يتابع عليه، وقد روي عنه - ﷺ - بأسانيد جِياد أنه لم يصم يوم عرفة بها، ولا يصح عنه النهي عن صيامه. اهـ\nالثاني: استحباب فطره، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث ميمونة بنت الحارث، وأم الفضل بنت الحارث، وكلاهما في \"الصحيحين\" (^١)، أن النبي - ﷺ - شرب من لبن يوم عرفة بعرفة، وهذا هو الراجح، والله أعلم.\n_________\n(^١) البخاري رقم (١٦٦١) (١٩٨٩)، ومسلم رقم (١١٢٣) (١١٢٤).","vol":"1","page":197},{"text":"الثالث: استحباب صومه، وقد كان ابن الزبير، وأسامة بن زيد، وعائشة - ﵃ -، (^١) يصومونه، وكان ذلك يعجب الحسن، ويحكيه عن عثمان، ونقله ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وهو القول القديم للشافعي، وحكاه الخطابي عن أحمد، واختاره الآجرِّي، وقيد بعض هؤلاء الاستحباب بما إذا لم يضعفه عن الوقوف والدعاء، واستدلوا بعموم حديث: «يكفر السنة الماضية والباقية».\nوأما حديث ميمونة، وأم الفضل، فقد قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: واستدل بهذين الحديثين على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر؛ لأن فعله المُجرِّد لا يدل على نفي الاستحباب؛ إذ قد يترك الشيءَ المستحب لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل؛ لمصلحة التبيلغ.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٨٩)، \"المجموع\" (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠) ط: مكتبة الإرشاد، \"الإنصاف\" (٣/ ٣١٠)، \"المحلى\" (٧٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>مسألة: صيام عاشوراء</span>؟\nجاء في \"صحيح مسلم\" (١١٦٢) (١٩٧) عن أبي قتادة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - سئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: «يكفر السنة الماضية».\nقال النووي - ﵀ - في \"شرح مسلم\" (٨/ ٤): اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء سُنَّة. اهـ\n_________\n(^١) ذكر ذلك الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٢٨٠)، وذكره ابن حزم في \"المحلى\" (٤/ ٤٣٩) من طريق حماد ابن سلمة بإسناد صحيح، ومن طريق هشام بن عروة عن ابن الزبير، وأخرجه عن عائشة، وابن الزبير - ﵄ -: ابن أبي شيبة (٤/ ١/١٩١) بإسناد صحيح، وأثر أسامة لم أقف عليه.","vol":"1","page":198},{"text":"وقد اختُلف في تعيين يوم عاشوراء:\nفذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم.\nوقد قيل: إنه اليوم التاسع، وقالوا: إنه مذهب ابن عباس، واستدلوا على ذلك بما في \"صحيح مسلم\" (١١٣٣): أن الحكم بن الأعرج سأل ابن عباس عن صيام عاشوراء فقال: إذا رأيت هلال محرم فَاعْدُد، وأصبح يوم التاسع صائمًا.\nقلت: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يصومه؟ قال: نعم.\nوالظاهر أن ابن عباس - ﵄ - إنما أراد بصيام التاسع مخالفة اليهود لا أنه هو اليوم التاسع بدليل ما جاء عنه أيضًا في \"صحيح مسلم\" (١١٣٤)، أن رسول الله - ﷺ - حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله - ﷺ -: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - ﷺ -.\nويؤيده ما ثبت عند سعيد بن منصور، بإسناد صحيح كما في كتاب \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٢٥٠، ٤١٥)، عن ابن عباس - ﵄ -، أنه قال: صوموا التاسع والعاشر؛ خالفوا اليهود، ثم وجدته عند عبدالرزاق (٧٨٣٩)، والبيهقي (٤/ ٢٨٧)، بإسناد صحيح أيضًا.\nانظر: \"شرح مسلم\" (٨/ ١١ - ١٢)، \"الفتح\" (٢٠٠٧)، \"تفسير القرطبي\" (١/ ٣٩١).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>مسألة: الجمع بين التاسع والعاشر</span>؟\nويستفاد من حديث ابن عباس - ﵄ - المتقدم في المسألة السابقة استحباب صيام التاسع مع العاشر؛ مخالفة لليهود، وقد استحبه جمهور العلماء، ومنهم: الشافعي، وأحمد رحمة الله عليهما.\nانظر: \"شرح مسلم\" (٨/ ١٢ - ١٣)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ٢٠١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>مسألة: هل يُصام العاشر والحادي عشر</span>؟\nأخرج أحمد في \"مسنده\" (٢١٥٤)، وسعيد بن منصور في \"سننه\" كما في \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٤١٦ - ٤١٧)، من طريق: ابن أبي ليلى، عن داود ابن علي، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس - ﵄ -، أن النبي - ﷺ - قال: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يومًا، وبعده يومًا».\nوهذا إسنادٌ ضعيف؛ لضعف ابن أبي ليلى، وداود بن علي.\nوقد استحب الحنفية، والشافعية صوم الحادي عشر؛ إن لم يصم التاسع، بل نص الشافعي، وبعض المالكية على استحباب صوم الثلاثة الأيام.\nقال أبو عبد الله: الحديث ضعيف، وعليه فالذي يُستحبُّ صومه مع العاشر هو اليوم التاسع، ويؤيد ذلك أنَّ النبي - ﷺ - لما أُخْبِر بصوم اليهود لم يقل (سأصوم غدًا الحادي عشر)، وإنما قال: «لئن بقيت إلى قابل؛ لأصومن التاسع».\nولكن إذا أشكل وقت دخول الشهر؛ صام الإنسان ثلاثة أيام كما أفتى بذلك ابن سيرين، والإمام أحمد رحمهما الله.","vol":"1","page":200},{"text":"انظر \"الاقتضاء\" (١/ ٤١٧)، \"الموسوعة الفقهية\" (٢٨/ ٩٠)، \"مواهب الجليل\" (٣/ ٣١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>مسألة: هل كان صوم عاشوراء فرضًا أم مستحبًّا فقط</span>؟\nفيه قولان:\nالأول: أنه كان مستحبًّا فقط، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث معاوية - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^١)، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه؛ فمن شاء صام، ومن شاء أفطر».\nالثاني: أنه كان فرضًا، ثم نسخ بافتراض صوم رمضان، وهو قول أحمد، والحنفية، ووجه عند الشافعية، وترجيح جماعة من المحققين كابن حزم، والشوكاني، وقبله الحافظ ابن حجر وغيرهم ﵏.\nواستدلوا بما يلي:\n١) حديث عائشة - ﵂ -، قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله - ﷺ - يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه». (^٢)\n٢) حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، في \"الصحيحين\"، أن النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٠٣)، ومسلم برقم (١١٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٣)، ومسلم برقم (١١٢٥).","vol":"1","page":201},{"text":"قال: «صوموه أنتم». (^١)\n٣) حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -، والرُّبيِّع بنت مُعوِّذ - ﵂ -، في \"الصحيحين\"، أن النبي - ﷺ - قال: «من كان أكل فليتمَّ بقية يومه، ومن كان لم يأكل فليتم صومه». (^٢)\nوأما حديث معاوية - ﵁ -: «ولم يكتب الله عليكم صيامه».\nفقال ابن قُدامة - ﵀ -: هو محمول على أنه أراد ليس هو مكتوبًا عليكم الآن، ويؤيده أن معاوية أسلم متأخرًا.\nوقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا؛ لثبوت الأمر بصيامه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامِّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات ألَّا يُرْضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود - ﵁ - الثابت في \"مسلم\" (^٣): فلما فرض شهر رمضان ترك عاشوراء. مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه. اهـ\nوالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٥٧)، \"الفتح\" (٢٠٠٧)، \"شرح مسلم\" (٤/ ٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٠٥)، ومسلم برقم (١١٣١).\n(^٢) أخرجهما البخاري (١٩٢٤) (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٥) (١١٣٦).\n(^٣) انظر \"صحيح مسلم\" رقم (١١٢٧).","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>مسألة: الحكمة من الأمر بصيام عاشوراء:</span>\nفي \"الصحيحين\" (^١) عن ابن عباس - ﵄ -، أن رسول الله - ﷺ - قدم المدينة فوجَدَ اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟»، فقالوا: هذا يوم عظيم نجَّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله - ﷺ -: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم»، فصامه رسول الله وأمر بصيامه. انظر: \"شرح مسلم\" (٨/ ٩).\nتنبيه:\nتقدم في الحديث «يكفر السنة الماضية»: ظاهر الحديث أن صوم يوم عاشوراء يكفر الصغائر والكبائر، والجمهور على أنه لا يكفر الكبائر؛ فإن صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ليسا بأفضل من صيام رمضان، وليسا بأفضل من الصلوات الخمس.\nوقد قال النبي - ﷺ -: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، رواه مسلم (٢٣٣)، عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوقول الجمهور هو الراجح.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٨٣)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ٢٠١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>مسألة: صوم الاثنين والخميس</span>؟\nجاء في \"صحيح مسلم\" (١١٦٢) (١٩٧)، عن أبي قتادة - ﵁ -، أن النبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٠٤)، ومسلم برقم (١١٣٠).","vol":"1","page":203},{"text":"- ﷺ - سُئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذلك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأُنْزل عليَّ فيه».\nوقد جاء عند الترمذي (٧٤٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «تُعْرض الأعمال يوم الاثنين والخميس؛ فأحب أن يعرض عملي، وأنا صائم».\nوله شاهد من حديث أسامة بن زيد - ﵄ -، عند أبي داود (٢٤٣٦)، والنسائي (١/ ٣٢٢)، وأحمد (٥/ ٢٠١)، وابن خزيمة (٢١١٩)، من طرق عنه، وفي أسانيدها ضعفٌ، وبمجموعهما حسَّنه الإمام الألباني - ﵀ - في \"الإرواء\" (٩٤٨، ٩٤٩)، وهو كما يقول - ﵀ -.\nوجاء من حديث عائشة - ﵂ - عند الترمذي، أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - يتحرى صوم يوم الاثنين والخميس، وصححه الإمام الوادعي - ﵀ - في \"الصحيح المسند\" (١٥٧٠)\nففي هذا الأحاديث دلالة ظاهرة على استحباب صوم الاثنين والخميس، وعلى ذلك عامة أهل العلم. انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٨٦)، \"الموسوعة الفقهية\" (٢٨/ ٩٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>مسألة: صيام ثلاثة أيام من كل شهر</span>؟\nيُستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لما جاء في \"الصحيحين\" عن أبي هريرة، و\"مسلم\" عن أبي الدرداء - ﵄ -، أنهما قالا: أوصانا رسول الله - ﷺ - بثلاث: بركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وألَّا أنام حتى أوتر. (^١)\n_________\n(^١) انظر البخاري برقم (١١٧٨)، ومسلم برقم (٧٢١) (٧٢٢).","vol":"1","page":204},{"text":"وصح عند أحمد (٢/ ٢٦)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «صوم شهر الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدَّهر».\nوأخرج أحمد أيضًا (٥/ ٣٤) نحوه من حديث قُرَّة بن إياس، وصحح كليهما شيخنا الإمام الوادعي - ﵀ - في \"الجامع الصحيح\" (٢/ ٤٣٩) ويدخل في فضيلة الأحاديث المتقدمة من صام من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره.\nويدل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في \"صحيحه\" (١١٦٠)، عن عائشة - ﵂ -، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي أيام الشهر صام.\nولكن الأفضل والأولى أن تكون في أيام البيض؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - عند الترمذي (٧٦١)، والنسائي (٤/ ٢٢٢)، أنه قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر. وفيه ضعف؛ إلا أن له شواهد من حديث قتادة بن مِلْحان، وأبي هريرة، وجرير بن عبد الله، وبمجموعها يرتقي الحديث إلى الصحة، كما بينته في \"تحقيق بلوغ المرام\" برقم (٦٦٦).\nقال الصنعاني - ﵀ -: ولا معارضة بين هذه الأحاديث؛ فإنها كلها دالة على ندبية صوم كل ما ورد، وكلٌّ من الرواة حكى ما اطَّلع عليه، إلا أن ما أمر به، وحث عليه، ووصى به أولى وأفضل، وأما فعله - ﷺ - فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، وقد عين الشارع أيام البيض. اهـ","vol":"1","page":205},{"text":"وقول الصنعاني - ﵀ -: وقد عين الشارع أيام البيض.\nيعني: أنها الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهذا هو الصحيح في تعيينها كما في حديث أبي ذر - ﵁ -، وبه قطع الجمهور، وهناك وجه عند الشافعية أنها الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر.\nقال النووي - ﵀ -: وهذا شاذ ضعيف يرده الحديث السابق في تفسيرها، وقول أهل اللغة أيضًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>مسألة: سبب تسميتها أيام البيض:</span>\nقال ابن قتيبة - ﵀ -، والجمهور: لأنها تبيض بطلوع القمر من أولها إلى آخرها. وقيل غير ذلك. انظر: \"السبل\" (٤/ ١٦٢ - ١٦٣)، \"المجموع\" (٦/ ٣٨٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>مسألة: صيام يومٍ، وإفطار يوم</span>؟\nجاء في \"الصحيحين\" (^١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، أن النبي - ﷺ - قال: «أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا!».\nوفي رواية: «لا صيام أفضل من صيام داود!».\nوقد أجمع العلماء على استحباب صيام يوم وإفطار يوم، واختلفوا هل هو أفضل الصيام أو إن صوم الدهر أفضل؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١١٩٧٦)، ومسلم برقم (١١٥٩).","vol":"1","page":206},{"text":"والراجح الأول؛ لدلالة الحديث عليه. وسيأتي إن شاء الله حكم صوم الدهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>مسألة: الصوم في شعبان</span>؟\nجاء في \"الصحيحين\" (^١) عن عائشة - ﵂ -، أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان. متفق عليه، واللفظ لمسلم.\nففي هذا الحديث دلالة على استحباب الإكثار من الصوم في شعبان، ولم يصح حديث في الحكمة من الإكثار في شعبان دون غيره؛ فيحتمل أن تكون الحكمة في ذلك تعظيمًا لشهر رمضان وصومه، وجعل الصيام فيه كالراتبة قبل الفريضة في الصلاة.\nولعل من الحكمة في ذلك التمرن، والاستعداد لصيام رمضان، فلا يأتي والنفس لم تَعْتد الصيام، وقال بعضهم: الحكمة أن شهر شعبان يغفل عنه الناس؛ لوقوعه بين شهرين عظيمين رجب ورمضان.\nقال الصنعاني - ﵀ -: ويحتمل أن يصومه؛ لهذه الحكم كلها. اهـ\nانظر: \"الفتح\" (١٩٧٠)، \"السبل\" (٤/ ١٦٠ - ١٦١)، \"التوضيح\" (٣/ ٢٠٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>مسألة: الصيام في محرم</span>؟\nويستحب الصيام في شهر محرم؛ لما رواه مسلم في \"صحيحه\" (١١٦٣)، عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦) (١٧٥).","vol":"1","page":207},{"text":"أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وقد استشكل ذلك مع كون النبي - ﷺ - إنما أكثر الصوم في شعبان، ولم يكثره في محرم.\nوقد أجاب النووي - ﵀ - عن ذلك: باحتمال أن يكون ما علم بذلك إلا في آخر عمره، قال: ولعله كانت تعرض فيه أعذار تمنعه من إكثار الصوم فيه كسفرٍ، ومرض، ونحوه. اهـ\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٨٧)، \"الفتح\" (١٩٧٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>مسألة: صيام التسعة الأيام الأُوَل من ذي الحجة</span>؟\nومن الأيام التي يستحب صيامها أيام العشر الأُوَل من ذي الحجة إلا يوم العيد فيحرم؛ لحديث ابن عباس - ﵄ -، في \"البخاري\" (٩٦٩)، أن النبي - ﷺ - قال: «ما العمل في أيام أفضل من العمل في هذه» يعني العشر، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء».\nقال الحافظ - ﵀ -: واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة؛ لاندراج الصوم في العمل، واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد، وأجيب بأنه محمول على الغالب. اهـ\nويشكل على ذلك ما أخرجه مسلم (١١٧٦)، من حديث عائشة - ﵂ -، قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - صائمًا في العشر قط.\nلكن قال النووي - ﵀ -: يتأول قولها (لم يصم العشر): أنه لم يصمه لعارض","vol":"1","page":208},{"text":"مرض، أو سفر، أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر. اهـ\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: ولاحتمال أن يكون ذلك؛ لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله؛ خشية أن يفرض على أمته، كما في \"الصحيحين\" (^١) من حديث عائشة - ﵂ -.\nانظر: \"الفتح\" (٩٦٩)، \"شرح مسلم\" (٨/ ٧١ - ٧٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١١٢٨)، ومسلم برقم (٧١٨).","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>فَصْل فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَيَّامِ الْمَنْهِيِّ عَنْ صِيَامِهَا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>مسألة: صيام العيدين</span>؟\nأجمع العلماء على تحريم صومهما كما نقله غير واحد كابن المنذر، والنووي، والحافظ ابن حجر وغيرهم.\nومستند الإجماع: حديث: نهى رسول الله - ﷺ - عن صوم يوم النحر، ويوم الفطر. أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعمر، وانفرد به مسلم عن عائشة - ﵃ -. (^١)\nانظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (١٥٤)، \"المجموع\" (٦/ ٤٤٠)، \"الفتح\" (١٩٩٠)، \"التمهيد\" (٧/ ٢٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>مسألة: هل يصح الصوم إذا صام يوم العيد</span>؟\nذهب عامة العلماء إلى أن صومه فاسد لا يصح؛ لكون النهي راجعًا إلى ذات الصوم، وخالف أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: يصح مع الإثم.\nوالراجح قول الجمهور، ورجحه الشوكاني، والصنعاني.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٩٠)، \"المُفْهم\" (٣/ ١٩٧)، \"النيل\" (٤/ ٢٦٢)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٦٤).\n_________\n(^١) انظر \"البخاري\" رقم (١٩٩٠)، (١٩٩١) (١٩٩٣)، و\"مسلم\" رقم (١١٣٧) (١١٣٨) (١١٤٠).","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>مسألة: لو نذر أن يصوم مثلًا يوم الاثنين، فوافق يوم العيد</span>؟\nنقل النووي، وابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز له صوم يوم العيد.\nواختلفوا هل عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟ على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه لا يلزمه قضاؤه.\nوهو أحد قولي الشافعية، ورواية عن مالك، وهو قول زُفَر وجماعة، ورجحه ابن عبد البر، وهو الراجح إن شاء الله؛ لعدم وجود دليل يدل على وجوب القضاء.\nالثاني: أنه يقضيه إلا أن ينوي ألَّا يقضيه، وهو قول الأوزاعي، ورواية عن مالك.\nالثالث: أنه يلزمه القضاء، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وآخرُ قولي الشافعي.\nانظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٦٢)، \"الاستذكار\" (١٠/ ١٤٣ - ١٤٤)، \"الفتح\" (١٩٩٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>مسألة: أيام التشريق</span>؟\nهي الأيام التي بعد يوم النحر، وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، والراجح أنها ثلاثة، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري (١٩٩٧)، عن عائشة، وابن عمر - ﵃ -، قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي.\nقال الحافظ - ﵀ -: واستدل بهذا الحديث على أن أيام التشريق ثلاثة غير يوم الأضحى؛ لأن يوم العيد لا يصام بالاتفاق، وصيام أيام التشريق هي المُخْتلف في جوازها، والمستدل بالجواز أخذه من عموم الآية كما تقدم، فاقتضى ذلك أنها ثلاثة؛","vol":"1","page":211},{"text":"لأنه القدر الذي تضمنته الآية، والله أعلم.\nقلتُ: يريد قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦].\nقال: وسبب تسميتها أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي تُشَرَّق، أي: تنشر في الشمس، وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>مسألة: حكم صيام أيام التشريق</span>؟\nفيه ثلاثة أقوال:\nالأول: الجواز مطلقًا، حكاه ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام، وأبي طلحة.\nوقال القرطبي في \"المفهم\": وقال بجوازها بعض السلف، وكأنهم لم يبلغهم النهي عن صيامها.\nالثاني: المنع مطلقًا، ذكره ابن المنذر، عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص - ﵃ -، وهو قول الشافعي في الجديد، وعليه أكثر أصحابه، وهو قول أبي حنيفة، ورجحه ابن حزم، وابن المنذر، وقال به من التابعين: الحسن، وعطاء، وعبيد بن عمير.\nواستدلوا بما يلي:\n١ - حديث نُبَيشة - ﵁ - في \"صحيح مسلم\" (١١٤١): أن النبي - ﷺ - قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله».\nوجاء معناه من حديث كعب بن مالك - ﵁ - في \"مسلم\" (١١٤٢)، ومن","vol":"1","page":212},{"text":"حديث أبي هريرة - ﵁ - عند ابن ماجه (١٧١٩)، ومن حديث بشر بن سُحَيم عند النسائي (٨/ ١٠٤)، وابن ماجه (١٧٢٠)، وغيرهما، ومن حديث عقبة بن عامر - ﵁ - عند أحمد (٤/ ١٥٢)، وأبي داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، وثلاثتها في \"الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين\".\n٢ - حديث عمرو بن العاص - ﵄ -، عند أبي داود (٢٤١٨)، قال: هذه الأيام التي كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها.\nيعني أيام التشريق، وصححه شيخنا في \"الجامع الصحيح\".\nالثالث: جواز صومهن للمتمتع إذا لم يجد الهدي دون غيره، وهو قول ابن عمر، وعائشة - ﵃ -، وصح عن ابن عباس أنه كان يصومها كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٩٤)، وذهب إليه مالك، والشافعي في القديم، وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا على الجواز للمتمتع بعموم الآية ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]؛ فإن عموم هذه الآية تشمل أيام التشريق؛ لأنها من أيام الحج.\nوقد عارض هذا العموم عموم الحديث المتقدم: «كان يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها»؛ فإنها عامة في الحاج وغيره؛ فوجب ترجيح أحد العمومين، وتخصيص الآخر بالعام الراجح.\nوقد رجح الصنعاني - ﵀ - عموم الحديث، فقال: لكونه مقصودًا بالدلالة على أنها ليست محلًاّ للصوم، وأن ذاتها باعتبار ما هي مؤهلة له كأنها منافية للصوم. اهـ\nوالذي يظهر لي والله أعلم هو ترجيح عموم الآية؛ لأنه قد جاء عند","vol":"1","page":213},{"text":"البخاري (١٩٩٧)، عن عبد الله بن عمر، وعائشة - ﵃ -، أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي.\nوقولهما: (لم يرخص) يحتمل أنهما أرادا لم يرخص رسول الله - ﷺ -، وعلى هذا فلا إشكال، ويحتمل أنهما فهماه من الآية المتقدمة -وهو الأقرب- وعلى هذا ففهمهما لذلك من القرائن في ترجيح عموم الآية.\nومما يدل على ذلك أن الصوم إنما يجب على المتمتع عند عدم وجود الهدي، والهدي إنما يلزمه يوم النحر، فلو أن إنسانًا ظن أنه سيجد هديًا يوم النحر، فلم يجد أو فقد ماله يوم النحر؛ فإنه ليس له سبيل إلا أن يصوم أيام التشريق، وقد أشار إلى نحو ما ذكرته ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٢٥٠).\nوعلى هذا: فالصحيح من الأقوال هو القول الثالث، ويخصص عموم الحديث؛ لأنه مرجوح بعموم الآية؛ لأنه راجح فيكون صيام أيام التشريق محرمًا؛ لدلالة الحديث إلا على المتمتع الذي لم يجد الهدي؛ لعموم الآية، والله أعلم.\nانظر: \"الفتح\" (١٩٩٦)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٦٣)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٦٦)، \"المجموع\" (٦/ ٤٤٣)، \"المُفْهم\" (٣/ ١٩٩)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١)، \"المحلى\" (٨٠٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>مسألة: إفراد يوم الجمعة بالصوم</span>؟\nفيه ثلاثة أقوال:\nالأول: التحريم.","vol":"1","page":214},{"text":"نقله أبو الطيب الطبري عن أحمد، وابن المنذر، وبعض الشافعية، ونقل ابن المنذر، وابن حزم منع صومه عن علي (^١)، وأبي هريرة (^٢)، وسلمان (^٣)، وأبي ذر (^٤) - ﵃ -.\nقال ابن حزم - ﵀ -: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة. اهـ\nوهو الذي رجحه الصنعاني، والشوكاني، وهو الراجح، ويدل عليه حديث أبي هريرة - ﵁ -، في \"الصحيحين\" (^٥)، أن النبي - ﷺ - قال: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده».\nوكذلك حديث جُوَيرية - ﵂ - في \"البخاري\" (١٩٨٦)، أن النبي - ﷺ - دخل عليها في يوم جمعة وهي صائمة، فقال لها: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «أتصومين غدًا؟» قالت: لا، قال: «فأفطري»، والأصل في الأمر الوجوب.\nالثاني: الكراهة، وهو قول الجمهور، واستدلوا بالأدلة المتقدمة.\nالثالث: الاستحباب، وهو قول مالك.\nقال الداودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه، وهو قول أبي حنيفة. اهـ\n_________\n(^١) أثر علي أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٤) بإسنادين، في أحدهما الحارث الأعور وهو كذاب، وفي الآخر عمران بن ظبيان وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٤) بإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢٧٩) بإسناد منقطع مرفوعًا، ولم يوجد موقوفًا.\n(^٤) أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢٨١) وابن أبي شيبة (٣/ ٤٤) وإسناده صحيح.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤).","vol":"1","page":215},{"text":"انظر: \"الفتح\" (١٩٨٦)، \"السبل\" (٤/ ١٧٠)، \"المفهم\" (٣/ ٢٠١)، \"المحلى\" (٧٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>مسألة: إفراد يوم السبت بالصوم</span>؟\nأخرج أحمد، وأصحاب \"السنن\" من حديث الصَّماء بنت بُسْر - ﵂ -، أن النبي - ﷺ - قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم؛ فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجر فليمضغها». (^١)\nوقد حكم النسائي على هذا الحديث بالاضطراب، ولكن قد دفع هذا الاضطراب الدارقطني (^٢)، وصححه عبد الحق الإشبيلي.\nوقد جمع الإمام الألباني - ﵀ - طرق هذا الحديث، وتكلم عليه بتوسع في \"الإرواء\" رقم (٩٦٠)، وقد رجح - ﵀ - تصحيح الحديث، وهو كما يقول إن شاء الله. وانظر طرقه في \"تحقيق المسند\" (٢٩/ ٢٣٠ - ٢٣٣).\nوالاضطراب يشترط فيه تكافؤ الطرق والأمر هنا ليس كذلك.\nوهذا الحديث يدل على كراهية إفراد السبت بالصوم، وهو الذي عليه الحنابلة، والشافعية، ومال إليه ابن القيم.\nوقد ذهب بعضهم إلى عدم كراهية إفراده بالصوم (^٣)، واستدلوا بحديث أم سلمة - ﵂ - عند النسائي في \"الكبرى\" (٢٧٧٥)، وابن خزيمة (٢١٦٧)، أن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٨)، وأبو داود (٢٤٢١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢٧٦٢) (٢٧٦٣)، والترمذي (٧٤٤)، وابن ماجه (١٧٢٦).\n(^٢) نقله عنهما ابن الملقن في \"البدر المنير\" (٥/ ٧٥٩ - ٧٦٣).\n(^٣) وعزاه شيخ الإسلام في \"الاقتضاء\" (٢/ ٥٧٣) لأكثر العلماء.","vol":"1","page":216},{"text":"رسول الله - ﷺ - كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول: «إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم».\nوبحديث جُوَيرية - ﵂ -، أن رسول الله - ﷺ - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس؟»، قالت: لا قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟» قالت: لا قال: «فأفطري»، رواه البخاري (١٩٨٦).\nوقد أجيب عن حديث أم سلمة - ﵂ - بضعفه؛ ففي سنده: محمد بن عمر، وهو مجهول حال، وقد ضعفه الإمام الألباني - ﵀ - في \"الضعيفة\" (١٠٩٩).\nوقد قال النووي - ﵀ -: وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت، فكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد، فلا مخالفة فيها؛ لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد يوم السبت. اهـ\nقال الترمذي - ﵀ -: ومعنى النهي أن يختصه الرجل بالصيام؛ لأن اليهود يعظمونه. اهـ\nوقال البيهقي - ﵀ - (٤/ ٣٠٣): وكأنه أراد بالنهي تخصيصه بالصوم على طريق التعظيم.\nوكذا قال الطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ٨٠).\nوأقول: إن وجد من قال بالتحريم فالقول به أولى؛ لأنه هو الأصل في النهي، ولا نعلم صارفًا للنهي من التحريم إلى الكراهة، والله أعلم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٩٢) ط/مكتبة الإرشاد، \"الإنصاف\" (٣/ ٣١٣)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٧٩).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>مسألة: استقبال رمضان بيوم، أو يومين</span>؟\nجاء في \"الصحيحين\" (^١)، عن أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه».\nفذهب أكثر أهل العلم إلى الكراهة حتى قال الترمذي - ﵀ -: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. اهـ\nوقوله: (لمعنى رمضان) تقييد للنهي بأنه مشروط؛ لكون الصوم احتياطًا لا لو كان صومًا مطلقًا كالنفل المطلق والنذر ونحوه، وقد ارتضى هذا القيد الحافظ - ﵀ - في \"الفتح\".\nلكن قال الإمام الصنعاني - ﵀ -: ولا يخفى أن بعد هذا التقييد يلزم منه جواز تقدم رمضان بأي صوم كان، وهو خلاف الظاهر من النهي؛ فإنه عام لم يستثن منه إلا صوم من اعتاد صوم أيام معلومة، ووافق آخر يوم من شعبان، ولو أراد رسول الله - ﷺ - الصوم المقيد بما ذكر؛ لقال: (إلا متنفلًا)، أو نحو هذا من اللفظ.\nوقال الإمام الشوكاني - ﵀ - -بعد أن نقل التقييد المتقدم-: وهو خلاف ظاهر حديث النهي؛ لأنه لم يستثن منه إلا من كانت له عادة. اهـ\nوقد ذهب قوم إلى التحريم، عزاه إليهم الصنعاني في \"السبل\".\nوذكر الحافظ في \"الفتح\" أنه قول الروياني، واستحسن ذلك الصنعاني في \"السبل\"، وصرح الشوكاني في \"الدراري\" بالتحريم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩١٤)، ومسلم برقم (١٠٨٢).","vol":"1","page":218},{"text":"وهذا القول هو الراجح إن شاء الله.\nوقد أوردوا على هذا القول حديث عمران بن الحصين - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال لرجل: «هل صمت من سَرَر هذا الشهر شيئًا؟»، وفي رواية: «من سَرَر شعبان؟» قال: لا. قال: «فإذا أفطرت فصم يومين مكانه». (^١)\nوالسرر عند أكثر أهل اللغة يراد به آخر الشهر، سميت بذلك؛ لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمان وعشرين، وتسع وعشرين، وثلاثين.\nوقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة منها:\nأن السُّرَر -بضم السين- جمع سرة، وسرة الشيء وسطه، ويؤيده أنه قد جاءت رواية في مسلم «سُرَّة»، ويؤيده أيضًا الندب إلى صيام أيام البيض، وهي وسط الشهر.\nوأجاب بعضهم: بأن النهي إنما هو لمن قصد التحري لأجل رمضان، وأما من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهي، وقد تقدم ما في هذا الجواب.\nقال القرطبي - ﵀ - في \"المُفْهم\": ويرتفع ما يتوهم من المعارضة بأن يحمل النهي على من لم تكن له عادة بصوم شيء من شعبان؛ فيصومه لأجل رمضان، وأما من كانت له عادة أن يصوم فليستمر على عادته، وقد جاء هذا أيضًا في بقية الخبر؛ فإنه قال: «إلا أن يكون أحدكم يصوم صومًا فليصمه».\nوقد أجاب بهذا الجواب المازري، وتبعه القاضي عياض، وارتضاه النووي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٨٣)، ومسلم برقم (١١٦١).","vol":"1","page":219},{"text":"والشوكاني ﵏.\nانظر: \"الفتح\" (١٩١٤)، \"النيل\" (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١)، \"السبل\" (٤/ ١٠٤ - ١٠٥)، \"المفهم\" (٣/ ٢٣٤)، \"شرح مسلم\" (٨/ ٥٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>مسألة: الحكمة من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين</span>؟\nقيل: للتَّقوِّي بالفطر لرمضان؛ ليدخل فيه بقوة ونشاط.\nقال الحافظ - ﵀ -: وفيه نظر؛ لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام أو أربعة أيام جاز. اهـ\nوقيل: لأن الحكم معلق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين؛ فقد حاول الطعن في ذلك الحكم.\nواعتمد الحافظ هذا القول، ولم يذكر الصنعاني غيره في \"سبل السلام\"، وهذا القول إنما يصلح بناء على أن النهي عن تَقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين إنما هو إذا كان احتياطًا لأجل رمضان، وقد تقدم ما فيه.\nوقيل: الحكمة من ذلك هي خشية اختلاط النفل بالفرض.\nقال القرطبي - ﵀ - في \"المفْهِم\": هذا النهي لما يخاف من الزيادة في شهر رمضان. اهـ\nوهذا القول هو الراجح، وهو الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.\nانظر: \"الفتح\" (١٩١٤)، \"النيل\" (٤/ ٢٦١)، \"المفهم\" (٣/ ١٤٦).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>مسألة: حكم الصيام تطوعًا بعد النصف من شعبان</span>؟\nقال الصنعاني - ﵀ -: واختلف العلماء في ذلك، فذهب كثير من الشافعية إلى التحريم؛ لهذا النهي. وقيل: إنه يكره؛ إلا قبل رمضان بيوم أو يومين فيحرم. وقيل: لا يكره. وقيل: إنه مندوب. انتهى المراد من كلامه.\nوقوله: (لهذا النهي) يريد حديث أبي هريرة - ﵁ - عند أحمد، وأصحاب \"السنن\"، أن النبي - ﷺ - قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (^١)، وهذا الحديث من طريق العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة - ﵁ -، وقد أنكر عليه هذا الحديث، أنكره عبدالرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو زُرْعة، والخليلي.\nوعلى هذا فالصحيح أن الصيام بعد النصف من شعبان مندوب؛ لحديث عائشة - ﵂ -، في \"الصحيحين\" (^٢)، قالت: وما رأيت رسول الله - ﷺ - في شهر أكثر منه صيامًا من شعبان.\nوحديث أم سلمة - ﵂ - عند أبي داود (٢٣٣٦) وغيره، أن النبي - ﷺ - كان لا يصوم من السنة شهرًا تامًا إلا شعبان يصله برمضان.\nوالمراد أنه كان يصوم معظمه؛ جمعًا بينه، وبين حديث عائشة الذي تقدم.\nوقد جاء في رواية عند مسلم: كان يصوم شعبان إلا قليلًا.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٢)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢٩١١)، والترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦) (١٧٥).","vol":"1","page":221},{"text":"وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تَعشَّى واشتغل ببعض أمره.\nقال الترمذي - ﵀ -: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك. اهـ\nانظر: \"السبل\" (٤/ ١٧٢ - ١٧٣)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ٢١٧)، \"لطائف المعارف\" (ص ٢٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>مسألة: صيام يوم الشك</span>؟\nذهب الجمهور إلى أن يوم الشك هو ليلة الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال ما يمنع الرؤية من سحاب، أو غيم، أو دخان، أو نحو ذلك، وهو رواية غير مشهورة عن أحمد، وذهبوا إلى تحريم صومه؛ لحديث عمار - ﵁ -، قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -. أخرجه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٤/ ١٥٣)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وهو حديث حسن.\nواستدلوا أيضًا بحديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». (^١)\nوقد رَجَّحَ كون يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون الرؤية حائل: شيخُ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبدالهادي، والحافظ، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم من أهل العلم.\nقال ابن الجوزي - ﵀ - في \"التحقيق\": ولأحمد في هذه المسألة وهي ما إذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٩)، ومسلم برقم (١٠٨١) عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":222},{"text":"حال دون مطلع الهلال غيم، أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان. وثانيها: لا يجوز فرضًا ولا نفلًا مطلقًا، بل قضاءً، وكفارة، ونذرًا، ونفلًا وافق عادة. ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر. اهـ المراد\nوالمشهور عن أحمد القول الأول، واستدل عليه بقوله - ﷺ -: «فَاقْدُروا له».\nقالوا: وذلك بمعنى: (ضَيِّقوا عليه) مثل قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وقوله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، فالتضييق لا يكون إلا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه، وهو طلوعه ليلة الثلاثين.\nقالوا: ويؤيد ذلك فعل ابن عمر، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر (^١) وغيرهم - ﵃ -، فقد صح عنهم أنهم كانوا يصومون هذا اليوم.\nوالجواب عن استدلالهم:\nأما عن قوله - ﷺ -: «فاقدروا له»، فقد قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام الثلاثين. اهـ\nوقال ابن القيم - ﵀ -: فإن القدر هو الحساب المقدر، والمراد به الإكمال كما قال: «فأكملوا العدة».اهـ\nوالمراد بالإكمال إكمال عدة الشهر الذي غُمَّ.\n_________\n(^١) أثر ابن عمر، وعائشة أخرجه عنهما أحمد (٦/ ١٢٥ - ١٢٦) بإسناد صحيح، وأثر أسماء أخرجه عنها أحمد، وسعيد بن منصور كما في \"زاد المعاد\" (٢/ ٤٥) بإسنادين صحيحين.","vol":"1","page":223},{"text":"ويؤيد ما قاله الحافظان رواية مسلم: «فاقدروا له ثلاثين»، وكذا فإنه قد جاءت أحاديث كثيرة فيها الأمر بإكمال العدة ثلاثين من قوله - ﷺ - ومن فعله، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح كتاب الصيام من \"العمدة\" (١/ ٧٨ - ٨٩).\nوأما استدلالهم بأفعال الصحابة المذكورين فالعبرة بما رووا لا بما رأوا، وقد جاء عن غيرهم خلافهم، كعمار، وابن مسعود، وأنس وغيرهم - ﵃ - بأسانيد ثابتة عنهم. (^١)\nقال الشوكاني - ﵀ -: والحاصل أن الصحابة مختلفون في ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على أحد، والحق ما جاءنا عن الشارع. اهـ\nوقال الصنعاني - ﵀ -: واختلف الصحابة في ذلك، منهم من قال بجواز صومه، ومنهم من منع منه وَعدَّه عصيانًا لأبي القاسم، والأدلة مع المحرمين. اهـ\nومع ذلك فقد جاء عن ابن عمر - ﵄ -، بسند حسن عند ابن أبي شيبة (٣/ ٧١) أنه قال: لو صمت السنة كلها؛ لأفطرت اليوم الذي يشك فيه. وكذلك جاء عن غيره من الصحابة - ﵃ -، ممن قالوا بالصومِ المنعُ من الصوم.\nقال الحافظ - ﵀ - -في الجمع بين أثري ابن عمر - ﵄ --: فالجمع بينهما أنه في الصورة التي أوجب فيها الصوم لا يسمى يوم شك -يعني عند ابن عمر- وهذا هو المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال، أو\n_________\n(^١) أثر عمار تقدم في أول المسألة، وأثر ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧١)، والبيهقي (٤/ ٢٠٩) بإسناد حسن، وأما أثر أنس فأخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٥٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ٧١) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":224},{"text":"شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شيء، فلا يسمى شكًّا. اهـ\nوقد حمل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أفعال الصحابة في ذلك كما حمله الحافظ ابن حجر - ﵀ - كما في \"شرح الصيام\" (١/ ١٠٥)، ثم ذكر - ﵀ - جوابًا آخر (١/ ١٢٦)، وهو: أن تحمل الآثار في الصوم على الجواز والاستحباب، وتحمل أحاديث الفطر على عدم الوجوب، ويكون التغليظ فيهما على من يجزم بأنه من رمضان ويعتقد وجوب صومه كوجوب صوم الذي يليه حتى يلحق برمضان ما لم يتيقن أنه منه.\nثم قال: والقياس يقتضي صحة هذا القول؛ فإن إيجاب ما لم يتيقن وجوبه خلاف القياس، وكراهة التحري، والاحتياط في العبادات خلاف القياس أيضًا. اهـ\nوارتضى هذا الجواب ابن القيم - ﵀ - في \"الزاد\".\nقال أبو عبد الله ﵀: الذي يظهر -والله أعلم- هو تحريم صيام يوم الشك حتى وإن كان للاحتياط والتحري، وحتى إذا لم يعتقد وجوبه؛ لما تقدم من الأدلة، وأما فعل هؤلاء الصحابة - ﵃ -، فقد عارضهم غيرُهم من الصحابة - ﵃ -، فوجب الرجوع إلى الأدلة كما تقدم في كلام الصنعاني، والشوكاني، والله أعلم.\nانظر: \"فتح الباري\" (١٩١١)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٠٦)، \"توضيح الأحكام\" ٣/ ١٣٥ - ١٤٠)، و\"زاد المعاد\" (٢/ ٤١ - ٤٦)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٩٣)، \"شرح الصيام\" من \"العمدة\" (١/ ٧٥ -","vol":"1","page":225},{"text":"١٢٦)، \"التمهيد\" (٧/ ١٤٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>مسألة: صيام الدهر</span>؟\nفي المسألة أقوال:\nالأول: أنه يكره صيام الدهر، وهو مذهب إسحاق، وأهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.\nواستدلوا بما يلي:\n١) قوله - ﷺ -: «لا صام من صام الأبد» (^١)، وقوله: «لا صام ولا أفطر». (^٢)\nقال ابن العربي المالكي - ﵀ - قوله: «لا صام من صام الأبد» إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي - ﷺ -! وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النبي - ﷺ - أنه لم يصم! وإذا لم يصم شرعًا لم يُكْتب له الثواب. اهـ\n٢) قوله - ﷺ -: «أحب الصيام إلى الله صيام داود!»، وقوله: «لا أفضل من صيام داود!». (^٣)\nقال ابن القيم - ﵀ -: فإنه إذا لم يكن مكروهًا؛ لزم أحد ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحب إلى الله من صيام يوم وإفطار يوم، وهذا مردود بالحديث الصحيح، وذكر الحديث المتقدم وإما أن يكون مساويًا له في الفضل وهو ممتنع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٦)، من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١١٦٢)، من حديث أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٣) انظر \"البخاري\" (٣٤٢٠) (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩)، وكلا اللفظين متفق عليه.","vol":"1","page":226},{"text":"أيضًا. وإما أن يكون مباحًا متساوي الطرفين لا استحباب فيه ولا كراهة، وهذا ممتنع؛ إذ ليس هذا شأن العبادات، بل إما أن تكون راجحة أو مرجوحة، والله أعلم. اهـ\nالثاني: أنه يستحب صوم الدهر لمن قدر عليه، ولم يفوت حقًّا، ولا يصوم ما حرم الله عليه من الأيام، وهو قول الجمهور من أهل العلم.\nواستدلوا بما يلي:\n١) قوله - ﷺ -: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال فكأنما صام الدهر». (^١)\n٢) قوله - ﷺ -: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر وإفطاره». (^٢)\nفهذان الحديثان يدلان على فضيلة صوم الدهر؛ لأن المُشبَّه به أفضل.\n٣) حديث حمزة بن عمرو الأسلمي - ﵁ -، قال: يا رسول الله، إني أَسْرد الصوم. رواه مسلم (١١٢١) (١٠٧).\n٤ - أنه قد جاء عن عمر، (^٣) وعثمان، (^٤) وأبي طلحة (^٥)، أنهم كانوا يصومون كل يوم.\nالثالث: جواز صيام الدهر، وهو قول ابن المنذر وطائفة.\nالرابع: التحريم، وهو قول ابن حزم، والصنعاني، واستدلوا بنفس أدلة المذهب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٦٤)، من حديث أبي أيوب - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٦٢) (١٩٧) عن أبي قتادة - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٩) بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: إن عمر سرد الصوم قبل موته بسنتين.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٩) من طريق حماد بن خالد، عن الزبير بن عبدالله بن رهيمة، عن جدته رهيمة، عن عثمان، رهيمة مجهولة.\n(^٥) أثر أبي طلحة صحيح أخرجه البخاري في \"صحيحه\" برقم (٢٨٢٨).","vol":"1","page":227},{"text":"الأول وزادوا:\n١ - حديث أبي موسى - ﵁ -، عند أحمد (٤/ ٤١٤)، والنسائي كما في \"التحفة\" (٦/ ٤٢٢ -)، وابن خزيمة، وابن حبان مرفوعًا: «من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم»، وعقد بيده.\n٢ - روى ابن أبي شيبة (٣/ ٧٩) بإسناد صحيح عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغَ عمرَ - ﵁ - أن رجلًا يصوم الدهر، فأتاه فَعَلاه بالدِّرَّة، وجعل يقول: كل يا دهري.\nقال ابن حزم - ﵀ -: فصحَّ أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحًا لما ضرب فيه ولا أمر بالفطر. اهـ\nوالراجح والله أعلم هو القول الأول؛ لدلالة قوله - ﷺ -: «لا صام ولا أفطر»، وقد أجاب الجمهور على هذا بأنه محمول على من صام الدهر حقيقة؛ فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين.\nلكن قال ابن القيم - ﵀ -: وليس مراده من هذا من صام الأيام المحرمة؛ فإنه ذكر ذلك جوابًا لمن قال: أرأيت من صام الدهر؟ ولا يقال في جواب من فعل المحرم: لا صام ولا أفطر؛ فإن هذا يؤذِن بأنه سواء فطره وصومه لا يثاب ولا يعاقب، وليس كذلك من فعل ما حرم عليه من الصيام، فليس هذا جوابًا مطابقًا للسؤال عن المحرم من الصوم. اهـ","vol":"1","page":228},{"text":"وأما الرد على أدلة الجمهور:\n٢،١) قال ابن القيم - ﵀ -: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه فضلًا عن استحبابه، وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبًّا، والدليل عليه من نفس الحديث؛ فإنه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصل لهم ثواب من صام ثلاثمائة وستين يومًا، ومعلوم أن هذا حرام قطعًا، فعلم أن المراد به حصول هذا الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا. اهـ\n٣) قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: تعقب بأن سؤال حمزة إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر، ولا يلزم من سرد الصومِ صومُ الدهر، وقد قال أسامة بن زيد - ﵄ -: كان النبي - ﷺ - يسرد الصوم، فيقال: لا يفطر. أخرجه أحمد (^١)، ومن المعلوم أن النبي - ﷺ - لم يكن يصوم الدهر فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر. اهـ\n٤) والذي جاء عن عمر، وعائشة - ﵄ -، إنما هو السرد، والسرد هو المتابعة، ولا يلزم منه صيام الدهر، وأما أثر عثمان - ﵁ -، ففيه ضعفٌ كما تقدم، وأما أثر أبي طلحة - ﵁ -، فهو صحيح عنه، لكن قد صح عنه أنه كان يأكل البرد وهو صائم.\nقال ابن حزم - ﵀ -: فصومه الدهر ليس بحجة؛ ولئن كان صومه الدهر حجة؛ فإن أكله البرد في صيامه حجة. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠١)، وكذلك النسائي (٤/ ٢٠٢) بإسناد حسن.","vol":"1","page":229},{"text":"وأما الرد عن أدلة القول الرابع:\nحديث أبي موسى - ﵁ -: أحسن ما يقال فيه هو ما قاله الحافظ ابن حجر - ﵀ -، حيث قال: والأولى إجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوت حقًّا واجبًا بذلك؛ فإنه يتوجه إليه الوعيد. اهـ\nقال أبو عبد الله عفا الله عنه: وقد يحمل أيضًا على من صام الدهر مع أيام العيد؛ لأنه هو الأصل في إطلاق الدهر؛ ولأن هذا الحديث يدل على أنه يأثم، وقوله - ﷺ - «لا صام ولا أفطر» يُشْعِرُ بأنه لم يأثم ولا يثاب، ثم تبين لي أن حديث أبي موسى - ﵁ - الراجح وقفه عليه، ورفعه شاذ غير محفوظ. انظر: \"تحقيق المسند\" (٣٢/ ٤٨٤).\nوالموقوف ليس بحجة، وإنما الحجة في المرفوع والله أعلم، وأما ما صح عن عمر - ﵁ - من ضرب الرجل؛ فمحمول على أنه رأى ذلك الرجل قد أضر بنفسه، أو رأى المصلحة بضربه مع كراهيته فقط.\nفقد جاء عن عمر - ﵁ - في \"مسلم\" (٣١)، أنه ضرب أبا هريرة - ﵁ - لما أمره النبي - ﷺ - أن يبشر الناس بأنه من قال: لا إله إلا الله مستيقنًا من قلبه فله الجنة؛ لكونه رأى المصلحة بعدم ذلك، والله أعلم.\nوقد رجح القول بالكراهة الشوكاني - ﵀ - في \"الدراري\"، وصديق بن حسن في \"الروضة الندية\"، والشيخ الألباني في \"تمام المنة\".\nانظر: \"الفتح\" (١٩٧٧)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٨٠ - ٨٣)، \"السبل\" (٤/ ١٧٩)، \"المحلى\"","vol":"1","page":230},{"text":"(٧٩٠)، \"تمام المنة\" (٤٠٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>مسألة: حكم الوصال في الصيام</span>؟\nالوصال: هو أن يستمر الرجل على صيامه يومين أو أكثر دون أن يأكل شيئًا.\nواختلفوا في حكمه على أقوال:\nالأول: جواز ذلك لمن لم يَشُقَّ عليه، وقد جاء ذلك عن عبد الله بن الزبير - ﵄ -، (^١) بأسانيد صحيحة أنه كان يواصل، فربما واصل خمسة عشر يومًا، وربما سبعة أيام وهكذا.\nوذهب إليه أيضًا أختُ أبي سعيد الخدري - ﵁ -، (^٢) ومن التابعين: عبدالرحمن بن أبي نُعْم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم التيمي، وأبو الجوزاء.\nوحجة أهل هذا القول: أن النبي - ﷺ - واصل بهم بعد أن نهاهم، فعلم أنه أراد الرحمة بهم والتخفيف عنهم كما ذكرت عائشة - ﵂ -.\nالثاني: التحريم، وهو مذهب الجمهور، ونص عليه الشافعي في \"الأم\"، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وصرح به ابن حزم، وصححه ابن العربي، وصرح به الشوكاني في \"الدراري\"، وصديق في \"الروضة\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٨٤)، والطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٥٣٥) وهو صحيح.\n(^٢) ذكره ابن حزم في \"المحلى\" (٤/ ٤٤٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٨٢)، وفي إسناده: بشر بن حرب الأزدي، وهو شديد الضعف.","vol":"1","page":231},{"text":"واستدلوا:\n١) بنهي رسول الله - ﷺ - عن الوصال، كما ثبت في \"الصحيحين\" (^١) عن أنس، وابن عمر، وعائشة، وأبي هريرة - ﵃ -.\n٢) قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «لو تأخر الهلال لزدتكم»، كالمُنكِّل بهم حين أبو ا أن ينتهوا.\n٣) قوله - ﷺ - في حديث أنس - ﵁ -: «أما والله، لو تماد لي الشهر لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم»، فسماهم «متعمقين»، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا، رواه مسلم (٢٦٧٠) عن ابن مسعود - ﵁ -.\n٤) قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدل على أن الوصال من خصائصه، فقال: «إني لست كهيئتكم»، ولو كان مباحًا لهم؛ لم يكن من خصائصه.\n٥) ما أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٥)، والطبراني (١٢٣١)، وغيرهما بإسناد صحيح، أن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير، وقال: إن النبي - ﷺ - نهى عن هذا، وقال: «يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا».\nالثالث: الكراهة، وهو مذهب الحنابلة، ورجحه الحافظ - ﵀ - في \"الفتح\"، والشوكاني - ﵀ - في \"النيل\".\n_________\n(^١) انظر \"البخاري\" برقم (١٩٦٢) (١٩٦٤) (١٩٦٥) (٧٢٤١)، ومسلم برقم (١١٠٢) (١١٠٣) (١١٠٤) (١١٠٥).","vol":"1","page":232},{"text":"واستدلوا:\n١) بأن النبي - ﷺ - واصل بأصحابه؛ فدل ذلك على الجواز مع الكراهة؛ جمعًا بين الأدلة.\n٢) ما أخرجه أبو داود (٢٣٧٤)، وغيره من طريق: عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي - ﷺ - عن الحجامة، والمواصلة، ولم يحرمهما؛ إبقاء على أصحابه.\n٣) ما رواه البزار كما في \"الكشف\" (١٠٢٤)، والطبراني (٧٠١١) (٧٠١٢) من حديث سَمُرة - ﵁ -، قال: نهى النبي - ﷺ - عن الوصال، وليس بالعزيمة.\n٤) إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي؛ فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما أقدموا عليه.\nوالصحيح والله أعلم هو المذهب الثاني، أعني قول الجمهور؛ للأدلة التي ذكروها، وقد رجح ذلك الإمام ابن عثيمين - ﵀ -.\nوأما الرد على أدلة المذهب الثالث، والأول:\n١) أما عن مواصلة النبي - ﷺ - بأصحابه فلم يكن تقريرًا لهم كيف، وقد نهاهم، ولكن تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي.\nوليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظم من إقرار الأعرابي","vol":"1","page":233},{"text":"على البول في المسجد لمصلحة التأليف؛ ولئلا ينفر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم النبي - ﷺ - أنها ليست بصلاة لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ؛ فإنه أبلغ في التعليم والتعلم. انتهى من \"زاد المعاد\" بتصرف يسير.\n٢) أما ما أخرجه أبو داود، فإسناده صحيح، وقد صرح عبدالرحمن بالتحديث من هذا الصحابي، ولكن قوله: (ولم يحرمهما) إنما هو فهم من هذا الصحابي كما فهم ذلك عبد الله بن الزبير - ﵄ -، ولم يَعْنِ هذا الصحابي أن النبي - ﷺ - قال لهم: ليس بحرام.\nوأما حديث سَمرة فضعيف، وقد ضعفه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٥٨)، وسبب ضعفه هو جعفر بن سعد بن سمرة وهو ضعيف، وسليمان بن سمرة بن جندب وهو مجهول.\nوأما ما فهمه هؤلاء الصحابة فليس بحجة علينا، بل الأمر كما قال أبو محمد بن حزم يجعلنا نعلم أنه لا حجة في قول أحد غير الله ورسوله - ﷺ -؛ ومع هذا فإن كبار الصحابة لم يواصلوا كأبي بكر، وعمر وغيرهما - ﵃ -، ممن هو أسبق إلى فعل الخيرات ممن واصل، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٥٥)، \"الفتح\" (١٩٦٤)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٥ - ٣٧)، \"المحلى\" (٧٩٧)، \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢١٨)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٤٣)، \"شرح الصيام\" (١/ ٥٣٧)، \"المجموع\" (٦/ ٣٥٨)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٢٣ - ١٢٤)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ١٦١).","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>مسألة: معنى قوله ﵊: «يطعمني ربي ويسقين»:</span>\nفيه ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه على حقيقته، وأنه - ﷺ - كان يُؤْتَى بطعام وشراب من عند الله؛ كرامة له في ليالي صيامه.\nوَتُعُقِّبَ بأنه لو أكل حقيقة لم يبق وصال، وكذلك فقد قال النبي - ﷺ - في حديث أنس - ﵁ -: «إني أظل يطعمني ربي ويسقيني» (^١)، ولا يقال: (ظَلَّ) إلا في النهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقة؛ لم يكن صائمًا.\nالثاني: قول الجمهور: (إنه مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل والشارب).\nالثالث: قال ابن القيم - ﵀ -: المراد ما يغذيه الله من معارفه، وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب؛ حتى يغني عن غذاء الأجسام برهة من الزمن كما قيل:\nلها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد\nلها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي. اهـ\n\nانظر: \"الفتح\" (١٩٦٦)، \"السبل\" (٤/ ١٢٤ - ١٢٥)، \"المجموع\" (٦/ ٣٥٨)، \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٠٤) (٦٠).","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>مسألة: الوصال إلى السحر</span>؟\nذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - عند البخاري (١٩٦٣)، أن النبي - ﷺ - قال: «فأيكم أراد أن يواصل؛ فليواصل إلى السحر».\nواستدل من منع بقوله - ﷺ -: «إذا أدبر النهار من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم» (^١)؛ إذ لم يجعل الليل محلًاّ لسوى الفطر؛ فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر.\nوالجواب عن ذلك هو:\nما قاله الإمام الصنعاني - ﵀ - في \"سبل السلام\" قال بعد أن ذكر الحديث الذي استدل به المخالف: فإنه لا ينافي الوصال؛ لأن المراد بـ (أفطر) دخل في وقت الإفطار، لا أنه صار مفطرًا حقيقة كما قيل؛ لأنه لو صار مفطرًا حقيقة لما ورد الحث على تعجيل الإفطار، ولا النهي عن الوصال، ولا استقام الإذن بالوصال إلى السحر. اهـ\nقال الإمام الشوكاني - ﵀ -: فإن كان اسم الوصال إنما يصدق على إمساك جميع الليل فلا معارضة بين الأحاديث، وإن كان يصدق على أعم من ذلك فيبني العام على الخاص، ويكون المحرم ما زاد على الإمساك إلى ذلك الوقت. اهـ والراجح: هو المذهب الأول، وهو الجواز، وقد رجح ذلك الإمام ابن القيم - ﵀ -. انظر: \"الفتح\" (١٩٦٤)، \"النيل\" (٤/ ٢١٨ - ٢١٩)، \"السبل\" (٤/ ١٢٥)، \"الزاد\" (٢/ ٣٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٥٤)، ومسلم برقم (١١٠٠)، من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>كِتَابُ الاعْتِكَافِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>مسألة: تعريف الاعتكاف:</span>\nلغةً: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢].\nوشرعًا: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة؛ تعبدًا لله. انظر: \"الفتح\" (٢٠٢٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>مسألة: حكم الاعتكاف:</span>\nمشروعٌ، ومستحبٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع، ولا يجب إلا بنذر بالإجماع.\nأما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nوأما من السنة: فمنه حديث عائشة، وابن عمر، وأبي سعيد - ﵃ -، وكلها في \"الصحيحين\" (^١)، أن النبي - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان.\nوالأحاديث الدالة على مشروعية الاعتكاف كثيرة.\nوأما الإجماع: فقد نقل غير واحد الإجماع على أنه سنة، وأنه لا يجب إلا بالنذر\n_________\n(^١) انظر \"البخاري\" (٢٠٢٦) (٢٠١٨) (٢٠٢٥)، ومسلم (١١٧٢) (١١٦٧) (١١٧١).","vol":"1","page":237},{"text":"كابن المنذر، وابن قدامة، والنووي وغيرهم.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٤٠٧) ط: الإرشاد، \"المغني\" (٣/ ٦٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>مسألة: هل يلزم إتمام الاعتكاف إذا شرع فيه، أم له الخروج منه إذا شاء</span>؟\nذهب الشافعي، وأحمد إلى أنه لا يلزمه، وله الخروج إذا شاء؛ لعدم وجود دليل على إلزامه بالإتمام، وقد ثبت في \"الصحيحين\" (^١)، أن النبي - ﷺ - أراد أن يعتكف فأمر بِخَبِائه فضرب، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، فضربت خباءها، ثم استأذنته حفصة، ثم زينب ﵅، فلما صلى رسول الله - ﷺ - الفجر نظر فإذا الأَخْبية، فقال: «آلبر تردن؟!»، فأمر بخبائه فَقُوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأُوَل من شوال.\nوذهب مالك إلى أنه يلزمه بالنية مع الدخول فيه؛ فإن قطعه لزمه قضاؤه، وادعى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، وليس بصحيح كما بيَّن ذلك ابن قدامة، وأما قضاء النبي - ﷺ - فإنما فعله تطوعًا؛ لأنه كان إذا عمل عملًا أثبته، ويدل على أن القضاء ليس بواجب: أنه لم يأمر نساءه بقضائه، والقول الأول هو الراجح، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٦٣ - ٦٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>مسألة: هل يشترط في الاعتكاف الصوم</span>؟\nفيه قولان:\nالأول: وجوب الصوم مع الاعتكاف، وهو قول مالك، والليث، وأبي حنيفة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٣) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"1","page":238},{"text":"والثوري، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث عائشة - ﵂ -، عند أبي داود أنها قالت: السُّنَّة على المعتكف ألَّا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع.\nوهذا الحديث أخرجه أبو داود (٢٤٧٣)، من طريق: عبدالرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - ﵂ -، وقد أعله الإمام أبو داود بالوقف، فقال: غيرُ عبدالرحمن لا يقولُ فيه (من السنة)، وأعله الدارقطني، ثم البيهقي بالإدراج.\nواستدلوا أيضًا بحديث ابن عمر - ﵄ -، عند أبي داود (٢٤٧٤)، أن عمر - ﵁ - جعل على نفسه في الجاهلية أن يعتكف، فقال النبي - ﷺ -: «اعتكف وَصُمْ»، وهذا الحديث ضعيف، فقد تفرد به عبد الله بن بُدَيل عن عمرو بن دينار وهو ضعيف؛ ومع ذلك فقد خالف ما في \"الصحيحين\"؛ فإنه ليس فيهما الأمر بالصوم.\nالثاني: أنه لا يلزمه الصوم إلا أن يوجبه على نفسه في نذره، وهذا مذهب الشافعي، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، وصح هذا عن ابن عباس - ﵄ - كما في \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٩٩)، ورُوي مرفوعًا ولا يصح رفعه، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود - ﵄ - (^١)، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز.\n_________\n(^١) أخرجهما ابن أبي شيبة (٣/ ٨٧)، وفيه ليث بن أبي سُليم وهو ضعيف، والحكم بن عُتيبة يرويه عنهما ولم يسمع منهما؛ فهو منقطع أيضًا.","vol":"1","page":239},{"text":"واستدلوا بحديث عمر - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^١)، أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي - ﷺ -: «أوْفِ بنذرك»، والليل ليس بظرف للصوم؛ ولو كان الصوم شرطًا لما صح اعتكافه.\nوقد أجيب: بأنه جاءت رواية عند مسلم بلفظ: «يومًا»، وهذا التعقب لا يفسد الاستدلال، بل يقال: لم يأمره النبي - ﷺ - بالصوم، ولو كان شرطًا لأمره به.\nواستدلوا أيضًا باعتكاف النبي - ﷺ - العشر الأُوَل من شوال كما في \"الصحيحين\" عن عائشة - ﵂ -، وقالوا: إيجابُ الصومِ حكمٌ لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نص ولا إجماع.\nوالقول الثاني هو الراجح.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٦٤)، \"الفتح\" (٢٠٣٢)، \"شرح مسلم\" (٨/ ٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>مسألة: هل يشترط للاعتكاف أن يكون في المسجد</span>؟\nأما بالنسبة للرجل فقد قال ابن قدامة - ﵀ -: ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلًا، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا، والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]؛ فلو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيها؛ فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا. اهـ\nوقد نقل ابن عبد البر - ﵀ - الإجماع على ذلك، وكذلك القرطبي - ﵀ - في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦).","vol":"1","page":240},{"text":"\"تفسيره\"، وشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.\nولا يصح الإجماع، فقد وجد خلافٌ شاذٌّ لا يُلْتَفتُ إليه كما في \"الفتح\"، وقد اختلفوا في هذا المسجد:\nفذهب بعضهم إلى اختصاص الاعتكاف في المساجد الثلاثة، وهو قول حذيفة - ﵁ -، وخصَّهُ عطاءُ بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة، وذهب الجمهور إلى عمومه في كل مسجد إلا من تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في المسجد الجامع، وشرطه مالك؛ لأن الاعتكاف عنده ينقطع بالجمعة.\nوذهب الحسن، وحماد، والزُّهريُّ، وهو أحد قولي مالك إلى أنه لا اعتكاف إلا في مسجد تُقام فيه الجمعة.\nوذهب أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى اختصاصه في المساجد التي تقام فيها الصلوات.\nوهذا القول هو الراجح؛ لأنه إن اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة؛ فإنه إما أن يترك الجماعة ويبقى في المسجد وهذا لا يجوز، وإما أن يخرج كثيرًا، والخروج الكثير ينافي الاعتكاف، وهو مع ذلك يستطيع التحرز منه.\nوأما حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» فقد أخرجه الإسماعيلي في \"معجمه\" (٣٣٦)، والبيهقي (٤/ ٣١٦)، والطحاوي (٤/ ٢٠)، والطبراني (٩٥١١)، والفاكهي (٢/ ١٤٩)، من حديث حذيفة - ﵁ -، وقد اختلف في رفعه ووقفه، والصحيح أنه موقوف على حذيفة - ﵁ -، وعلى فرض صِحَّةِ","vol":"1","page":241},{"text":"رَفْعهِ؛ فقد حمله بعضُ أهل العلم على نفي الأفضلية والكمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>مسألة: وأما الاعتكاف بالنسبة للمرأة:</span>\nذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أن لها أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو قولٌ للشافعي قديم.\nوالصحيح ما ذهب إليه أحمد، والشافعي من أنه لا يصح إلا في المسجد؛ لعموم الآية: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾؛ ولأن أزواج النبي - ﷺ - اسْتَأذنه في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن ثم منعهن؛ ولو لم يكن المسجد شرطًا ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع، ولاكتفى لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٦٧)، \"الفتح\" (٢٠٢٥) (٢٠٣٣)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٣٣٣)، \"المجموع\" (٦/ ٤١٠) ط: الإرشاد.\nتنبيه:\nلا يشترط أن تعتكف المرأة في مسجد جماعة، بل يجزئها في كل المساجد؛ لأن الجماعة غير واجبة عليها، وبذلك جزم أحمد، والشافعي. انظر: \"المغني\" (٣/ ٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>مسألة: أقل الاعتكاف:</span>\nفيه قولان:\nالأول: لا حدَّ لأقله، وهو قولُ الشافعي، وداود، ورواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر، وابن العربي، فيصح أن يعتكف ولو ساعة، وهو رواية عن أبي حنيفة.","vol":"1","page":242},{"text":"الثاني: أن أقل الاعتكاف يوم وليلة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة في المشهور عنه.\nوالراجح القول الأول؛ لأن الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير، ولم يَحدَّه الشارع بشيء يخصه، فيبقى على أصله.\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٤٢٠) ط/الإرشاد، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٣٣٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>مسألة: هل يصح الاعتكاف في رَحَبة المسجد</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في \"الفتح\" (٧١٦٥): الرَّحَبَةُ بفتح الراء والحاء المهملة بعدها موحدة، هي: بناءٌ يكون أمام باب المسجد غير منفصل عنه، هذه رحبة المسجد، ووقع فيها الاختلاف، والراجح أن لها حكم المسجد، فيصح فيها الاعتكاف، وكل ما يشترط له المسجد؛ فإن كانت الرحبة منفصلة فليس لها حكم المسجد. اهـ\nقلتُ: وقد جزم الشافعي بصحة الاعتكاف فيها، نقله عنه النووي - ﵀ - في \"شرح المهذب\" (٦/ ٥٠٧)، وهو ظاهرُ اختيار البخاري في [كتاب الأحكام]، حيث بوَّب فقال: [باب من قضى ولاعن في المسجد]، ثم قال تحت هذا الباب: وكان الحسن، وزُرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرَّحبة خارجًا من المسجد.\nقال ابن المنير - ﵀ - كما في \"الفتح\" (٧١٦٥): لرحبة المسجد حكم المسجد إلا إن كانت منفصلة عنه. انتهى المراد.\nوقال العيني - ﵀ - في \"عمدة القاري\" (٢٤/ ٢٤٥): وهي الساحة، والمكان المتسع أمام باب المسجد غير منفصل عنها، وحكمها حكم المسجد، فيصح فيها","vol":"1","page":243},{"text":"الاعتكاف في الأصح بخلاف ما إذا كانت منفصلة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>مسألة: خروج المعتكف لغائط، أو بول</span>؟\nأجمع أهل العلم على أن للمعتكف الخروج للغائط والبول، نقل الإجماع غير واحد كابن المنذر، وابن قدامة وغيرهما.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٦٨)، \"سبل السلام\" (٤/ ١٨٦)، \"الفتح\" (٢٠٢٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>مسألة: الخروج لغير الغائط والبول</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ -: وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به، فله الخروج إليه إذا احتاج إليه، وإن بغته القيء فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لابد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه، وهو عليه ما لم يُطِلْ، وكذلك له الخروج إلى كل ما أوجبه الله تعالى عليه، مثل من يعتكف في مسجدٍ لا جمعةَ فيه فيحتاج إلى خروجه ليصلي الجمعة، فله الخروج إليها، ولا يبطل اعتكافه. اهـ\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>مسألة: الخروج لعيادة المريض، وتشييع الجنازة</span>؟\nفي المسألة حالتان:\nإحداهما: إذا لم يشترط ذلك عند دخوله في الاعتكاف، ففيه قولان:\nالأول: أنه ليس له الخروج إلى ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة،","vol":"1","page":244},{"text":"ورواية عن أحمد، وهو قول عطاء، وعروة، ومجاهد، والزهري.\nواستدلوا بقول عائشة - ﵂ -: السُّنَّةُ على المعتكف ألَّا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة. أخرجه أبو داود، وقد تقدم بيانه وأنه معلول، ويُغني عنه ما ثبت عنها في \"الصحيحين\"، أنها كانت تعتكف، فإذا خرجت رجعت بعد قضاء حاجتها حتى كانت تقول: فَأَمُرُّ بالبيت والمريض فيه، فلا أسأل عنه إلا وأنا مَارَّة. (^١)\nالثاني: أن له الخروج لذلك، وهو قول سعيد بن جُبير، والنَّخعي، والحسن، ورُوي عن علي - ﵁ - (^٢)، وهو رواية عن أحمد، وقال به الثوري.\nوالراجح: هو القول الأول؛ لأن هذا ليس بواجب، فليس له ترك الاعتكاف من أجله كالمشي مع أخيه في حاجة يقضيها له.\nتنبيه:\nإن تعينت عليه صلاة الجنازة وأمكنه فعلها في المسجد فليس له الخروج إليها؛ فإنْ لم يمكن ذلك؛ فله الخروج إليها، وإن تعين عليه دفن الميت، أو تغسيله؛ جاز أن يخرج له؛ لأن هذا واجبٌ متعين، فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة.\nالثانية: إذا اشترط ذلك عند دخوله في الاعتكاف، ففيه قولان:\nالأول: أن له الخروج إذا شرط ذلك، وهو قول الشافعي، والثوري، وإسحاق، ورواية عن أحمد رجحها ابن قدامة؛ وذلك لأن الاعتكاف لا يختص بقدر، فإذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٢٩)، ومسلم برقم (٢٩٧) (٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٨٧ - ٨٨) بإسناد حسن.","vol":"1","page":245},{"text":"شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه.\nالثاني: أنه لا يصح الشرط، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي مِجْلز، ورواية عن أحمد.\nوقد رجح الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - القول الأول، واستدل له بحديث بضاعة بنت الزبير أنها كانت تريد الحج وهي شاكية، فقال رسول الله - ﷺ -: «حجي واشترطي أنَّ: محلي حيث حبستني» (^١)، قال: فيؤخذ من هذا أن الإنسان إذا دخل في عبادة واشترط شيئًا لا ينافي فلا بأس. اهـ\nقلتُ: الذي يظهر والله أعلم أن هذا الشرط ينافي الاعتكاف؛ لأن الاعتكافَ حبسُ النفسِ ولزومها في المسجد، والأمر هنا ليس كذلك، فعلى هذا: فالراجح والله أعلم هو القول الثاني، وبالله التوفيق.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٧٠ - ٧١)، \"الفتح\" (٢٠٢٩)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٥٢٣ - ٥٢٥)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٢٨٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>مسألة: إذا شرط الوطء في اعتكافه، أو البيع للتجارة، أو الكسب بالصناعة</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ -: لا يجوز؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فاشتراطُ ذلك اشتراطٌ لمعصية الله تعالى،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧)، من حديث عائشة - ﵂ -، وأخرجه مسلم (١٢٠٨)، من حديث عبد الله بن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":246},{"text":"والصناعة في المسجد مَنْهِيٌّ عنها في غير الاعتكاف، ففي الاعتكاف أولى، وسائر ما ذكرناه يشبه ذلك، ولا حاجة إليه؛ فإنِ احْتاج إليه فلا يعتكف؛ لأن ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي عنه. اهـ\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٧٠ - ٧١).\nتنبيه:\nلو أن شخصًا اعتكف، فباع أو اشترى؛ فإنه يأثم، لكن ليس هناك دليلٌ على إبطال اعتكافه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>مسألة: إذا وطئ في حال اعتكافه</span>؟\nيفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، نقل الإجماعَ غيرُ واحد كابن المنذر، وابن قدامة، والقرطبي، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nونقل ابن المنذر - ﵀ - الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، وهذا الإجماع لم يصح، كما في \"زاد المسير\" (١/ ١٩٣) لا بن الجوزي - ﵀ -.\nانظر: \"الفتح\" (٢٠٢٥)، \"المغني\" (٣/ ٧٢)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٣٣٢)، \"الاستذكار\" (١٠/ ٣١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>مسألة: المباشرة للمعتكف</span>؟\nأما إذا كانت لغير شهوة: فالذي عليه أكثر أهل العلم هو الجواز، وقطع به أكثر","vol":"1","page":247},{"text":"الحنابلة، والشافعية، والمالكية؛ لحديث عائشة - ﵂ - في \"الصحيحين\" (^١)، أنها كانت تُرجِّل النبي - ﷺ - وهو معتكف.\nوأما قول ابن عبد البر - ﵀ - في \"التمهيد\" (٧/ ٣٢٨): أجمع العلماء أن المعتكف لا يباشر، ولا يُقبِّل. اهـ\nفهو محمول على المباشرة بشهوة؛ فإن كانت المباشرة بشهوة، وتلذذ فقد جزم أكثر الحنابلة بالتحريم، وكذا جزم به الشافعية، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل، ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في \"الصحيحين\" (^٢) عن عائشة ...، ثم ذكر حديثها في ترجيلها لرسول الله - ﷺ -.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٧٣)، \"الإنصاف\" (٣/ ٣٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>مسألة: فإذا باشر دون الفرج هل يفسد اعتكافه</span>؟\nفيه ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه يفسد، سواء أنزل أم لم ينزل، وهو قول مالك، والشافعي في أحد أقواله.\nالثاني: أنه يفسد إذا أنزل، وإذا لم ينزل لم يفسد، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، ورواية عن الشافعي، ورجحه ابن قدامة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٢٩)، ومسلم برقم (٢٩٧).\n(^٢) تقدم قريبًا.","vol":"1","page":248},{"text":"الثالث: أنه لا يفسد، سواء أنزل أم لم ينزل، وهو قول عطاء، والمزني، وذكره عن الشافعي، وهو احتمال عند بعض الحنابلة.\nوالراجح والله أعلم هو القول الثاني.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٧٣)، \"الإنصاف\" (٣/ ٣٤٤)، \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٣٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>مسألة: من وطئ أهله في اعتكافه ناسيًا</span>؟\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: كلٌّ على أصله، فمن يقضي بفساد الصوم بالوطء ناسيًا فالاعتكاف كذلك عنده فاسد، ومن لم يفسد الصوم بالوطء ناسيًا لم يفسد بذلك الاعتكاف. اهـ\nانظر: \"الاستذكار\" (١٠/ ٣١٨). وانظر: (مسألة المجامع ناسيًا في أثناء صومه)، وقد تقدمت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>مسألة: إذا خرج من المسجد لغير حاجة</span>؟\nذهب أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي إلى أنه يبطل اعتكافه وإن قَلَّ.\nوذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنه لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم؛ لأن اليسير مَعفُوٌّ عنه؛ بدليل أن النبي - ﷺ - جاءته صفية وهو معتكف، ثم قام معها ليقلبها (^١)، وأُجيب عن ذلك بمنع عدم وجود الحاجة؛ فإنه - ﷺ - خشي عليها؛ لكونه ليلًا.\nوالراجح: هو القول الأول، والله أعلم. انظر: \"المغني\" (٣/ ٦٩ - ٧٠).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٣٥)، ومسلم برقم (٢١٧٥).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>مسألة: من اعتكف العشر الأواخر فمن متى يبدأ اعتكافه</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه يعتكف من بعد صلاة الصبح من اليوم الحادي والعشرين، وهو قول الأوزاعي، والليث، والثوري، واستدلوا بحديث عائشة - ﵂ - الذي في \"الصحيحين\" (^١)، أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر صلى الفجر ثم دخل معتكفه.\nالثاني: أنه يبدأ من غروب شمس اليوم العشرين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وطائفة من أهل العلم؛ لأن العشر تبدأ من غروب الشمس؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^٢)، أن النبي - ﷺ - اعتكف العشر الأوسط في رمضان يلتمس ليلة القدر، ثم بانت له أنها في العشر الأواخر، فقال: «من اعتكف معي فليبت في معتكفه».\nوهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي - ﵀ -، وأما عن حديث عائشة - ﵂ - فأولوه بأنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، أو أنها أرادت أنه يدخل مكانه الذي أعده لاعتكافه عقيب صلاة الفجر في سائر أيام العشر، ولا يتأخر في مصلاه كثيرًا، والله أعلم.\nانظر: \"الفتح\" (٢٠٣٣)، \"المغني\" (٣/ ٨٠ - ٨١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٤١)، ومسلم برقم (١١٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠١٨)، ومسلم (١١٦٧)، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>مسألة: هل يبيت ليلة العيد في معتكفه إذا اعتكف العشر الأواخر</span>؟\nاستحب أحمد، ومالك ذلك، وقال الشافعي، والأوزاعي: يخرج إذا غابت الشمس؛ لأن العشر تزول بزوال الشهر، والشهر ينقضي بغروب الشمس.\nوهذا هو الراجح، ولا دليل على الاستحباب، والله أعلم.\nانظر: \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٣٣٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>مسألة: ماذا يُكْره على المعتكف في اعتكافه</span>؟\nقال الحافظ - ﵀ - في \"الفتح\" (٢٠٢٨): والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد يعني في اعتكافه وعن مالك تكره فيه الصنائع، والحرف حتى طلب العلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>مسألة: النذر بإتيان المساجد الثلاثة للاعتكاف، أو الصلاة</span>؟\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: ولكن لو نذر ذلك هل يجب بالنذر؟ فيه قولان:\nأحدهما: أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة، وهذا أحد قولي الشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة وبناه على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجبًا بالشرع.\nوالقول الثاني: وهو مذهب مالك، وأحمد وغيرهما أنه يجب إتيان المساجد الثلاثة بالنذر، لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول، فإذا نذر إتيان مسجد المدينة ومسجد إيلياء أغناه إتيان المسجد الحرام، وإن نذر إتيان مسجد إيلياء أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين؛ وذلك أنه قد ثبت في \"الصحيح\" عن النبي - ﷺ - أنه قال:","vol":"1","page":251},{"text":"«من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه»، وهذا يعم كل طاعة، سواء كان جنسها واجبًا أو لم يكن، وإتيان الأفضل إجراء للحديث الوارد في ذلك. انتهى من \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (ص ٤٣٢).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يعني بالحديث الوارد في ذلك ما أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد (٣/ ٣٦٣) من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -، أن رجلًا قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: «صَلِّ هاهنا»، فسأله؟ فقال: «صَلِّ هاهنا» فسأله؟ فقال: «فشأنك إذن».\nوقد صححه شيخنا - ﵀ - في \"الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين\" (٤/ ٤٧١)، وبوب على مقتضى الحديث بما أسلفناه في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>مسألة: السفر إلى غيرها من المساجد</span>؟\nقال ابن عبدالهادي - ﵀ -: ولو سافر من بلد إلى بلد مثل أن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها أو بالعكس، أو يسافر إلى مسجد قُبَاء من بلد بعيد؛ لم يكن هذا مشروعًا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، ولو نذر ذلك لم يَفِ بنذره باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، إلا خلافًا شاذًّا عن الليث بن سعد في المساجد، وقاله ابن مسلمة من أصحاب مالك في مسجد قباء فقط. اهـ\nانظر: \"الصارم المنكي\" (ص:٣٢ - ٣٣).","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>مسألة: سبب تسميتها بليلة القدر</span>؟\nذكروا أسبابًا كثيرة منها: لأن الله يُقدِّر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].\nومنها: أنها إنما سميت بذلك؛ لعظمها، وقدرها، وشرفها، من قولهم: (لفلانٍ قدرٌ)، أي: شرف، ومنزلة.\nوقيل: سميت بذلك؛ لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا.\nوهناك أقوال أخرى، انظر: \"تفسير الطبري\" سورة القدر، \"الفتح\" (٢٠١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>مسألة: هل ليلة القدر باقية أم رفعت</span>؟\nالصحيح الذي عليه الأدلة المتكاثرة أنها باقية، وأما ما جاء في \"البخاري\" (٤٩)، من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، وفي \"مسلم\" (١١٦٧) (٢١٧)، من حديث أبي سعيد - ﵁ -، ومن حديث الفلتان بن عاصم - ﵁ - عند البزار، أن النبي - ﷺ - خرج يخبرهم بليلة القدر، فرأى رجلين يختصمان فحجز بينهما، وقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فَتَلَاحى فلان وفلان فَرُفِعت»، فالمراد رفع تعيينها، وقد وجد خلاف شاذٌ لا يعبأ به.\nفقد قال الإمام النووي - ﵀ -: وهذا القول الذي اخترعه هؤلاء الشاذون","vol":"1","page":253},{"text":"غلط ظاهر وغباوة بيِّنة؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم؛ لأنه - ﷺ - قال: «فَرُفِعَت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة» ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ\nانظر: \"المجموع\" (٦/ ٤٠٢) ط/الإرشاد، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٩١)، \"الفتح\" (٢٠٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>مسألة: متى ليلة القدر</span>؟\nاختلف في تعيين ليلة القدر على أقوال كثيرة، وأورد الحافظ - ﵀ - في \"الفتح\" أكثر من أربعين قولًا.\nقال الشيخ عبد الله البسَّام - ﵀ -: ويمكن تصنيف هذه الأقوال إلى أربع فئات: الأولى: مرفوضة، كالقول بإنكارها في أصلها، أو القول برفعها. الثانية: ضعيفة، كالقول بأنها ليلة النصف من شعبان، ويدل على ضعف هذا القول قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، الثالثة: مرجوحة، كالقول بأنها في رمضان في غير العشر الأواخر منه. الرابعة: وهي الراجحة، وهي كونها في العشر الأخيرة من شهر رمضان، وأرجاها أوتارها، وأرجى الأوتار ليلة سبع وعشرين، وأرجى الأوتار جملة السبع الأواخر، وهذا القول هو الذي يجمع بين الأدلة كلها، فقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: «التمسوها في العشر الأواخر» (^١)، فشمل الليالي الوتر منها، والشفع.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٦٥)، عن ابن عمر - ﵄ -، والبخاري (٢٠٢١)، عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":254},{"text":"وقلنا: إن اليالي الوتر أرجى؛ لقوله - ﷺ -: «التمسوها في الوتر من العشر الأواخر». (^١)\nوقلنا: إن ليلة سبع وعشرين أرجى؛ لحديث معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -، عند أبي داود (١٣٨٦) بإسناد صحيح، أن النبي - ﷺ - قال في ليلة القدر: «هي ليلة سبع وعشرين»، ولكن هذا الحديث الراجح وقفه، رجح ذلك الدارقطني في \"العلل\" (٧/ ٦٥)، ثم الحافظ في \"بلوغ المرام\" (٦٨٨)، ثم شيخنا - ﵀ - في \"أحاديث معلة ظاهرها الصحة\" (٣٨٨).\nوقد كان أُبيُّ بن كعب - ﵁ - يحلف أنها ليلة سبع وعشرين كما في \"صحيح مسلم\" (٧٦٢)، وجاء عن ابن عباسٍ - ﵄ - عند أحمد (٢١٤٩)، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني يشق عليَّ القيام، فمرني بليلة لعل الله يوفقني بليلة القدر، فقال: «عليك بالسابعة».\nوالذي جعلنا لا نعينها في ليلة سبع وعشرين أنه قد ثبت في \"الصحيحين\" (^٢) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أنها وقعت ليلة إحدى وعشرين، وفي \"صحيح مسلم\" (١١٦٨)، عن عبد الله بن أنيس أنها وقعت في ثلاث وعشرين.\nأما كون أرجى الليالي جُمْلَة السبع الأخيرة؛ فلحديث عبد الله بن عمر - ﵄ -،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠١٦) (٢٠١٧)، عن أبي سعيد، وعائشة - ﵂ -، وأخرجه مسلم (١١٦٧)، من حديث أبي سعيد - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (١١٦٧).","vol":"1","page":255},{"text":"في \"الصحيحين\" (^١)، أن أُنَاسًا من أصحاب النبي - ﷺ - أُرُوْا ليلة القدر في السبع الأواخر، فقال رسول الله - ﷺ -: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان منكم متحريها؛ فليتحرها في السبع الأواخر».\nوكذلك ما رواه مسلم في \"صحيحه\" (١١٦٥) (٢٠٩)، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، أن النبي - ﷺ - قال: «التمسوها في العشر الأواخر، فمن ضعف، أو عجز فلا يُغْلبنَّ عن السبع البواقي».\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ - -بعد أن ذكر أقوالًا في المسألة-: وأرجحها كلها أنها في الوتر من العشر الأخيرة، وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث الباب، وأَرْجَاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد، وعبد الله بن أُنَيْس، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين، وقد تقدمت أدلة ذلك. اهـ\nانظر: \"الفتح\" (٢٠٢٠)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٢٨٤)، \"توضيح الأحكام\" (٣/ ٢٤٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>مسألة: هل ينال الإنسان أجر ليلة القدر إذا قامها وإن لم يعلم بها</span>؟\nفيها قولان:\nالأول: أنه يختص بمن علم بها.\nقال الحافظ - ﵀ -: وهو قول الأكثر، ويدل له ما وقع عند مسلم (٧٦٠) (١٧٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «من يقم ليلة القدر فيوافقها».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠١٥)، ومسلم (١١٦٥).","vol":"1","page":256},{"text":"قال الحافظ: وهو الذي يترجح في نظري، ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر وإن لم يعلم بها، ولو لم توفق له.\nالثاني: أنه يناله الأجر الموعود، وإن لم يعلم بها، وهو قول الطبري، والمهلب، وابن العربي، وجماعة، وهو الراجح، ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين - ﵀ -، وقال: وأما قول بعض العلماء أنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها فقول ضعيف جدًّا؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ولم يقل (عالمًا بها)؛ ولو كان العلم شرطًا في حصول الثواب لَبيَّنه النبي - ﷺ -.اهـ\nوأما استدلالهم بقوله - ﷺ -: «من يقم ليلة القدر فيوافقها»، فمعناه في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك.\nانظر: \"الفتح\" (٢٠٢٢)، \"السبل\" (٤/ ١٩٢)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٩٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>مسألة: علامات ليلة القدر</span>؟\n١) ليلة سمحاء، لا حارة ولا باردة:\nجاء ذلك من حديث جابر - ﵁ -، عند ابن خزيمة (٢١٩٠)، وابن حبان (٣٦٨٨) (^١)، ومن حديث عُبادة بن الصامت - ﵁ -، عند أحمد (^٢)، ومن حديث ابن عباس - ﵄ -، عند ابن خزيمة (٢١٩٢)، والبزار، (^٣) والحديث يرتقي إلى\n_________\n(^١) وفي إسناده: الفضيل بن سليمان، وهو ضعيف.\n(^٢) (٥/ ٣٢٤)، وفيه: بقية بن الوليد، ولم يصرح بالتحديث عن شيخ شيخه، وفيه انقطاع: خالد بن معدان لم يسمع من عبادة.\n(^٣) كما في \"كشف الأستار\" (١٠٣٤)، وفي إسناده: زمعة بن صالح، وهو ضعيف.","vol":"1","page":257},{"text":"الحسن بمجموع هذه الشواهد.\n٢) نزول المطر:\nجاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في \"الصحيحين\" (^١)، ومن حديث عبد الله بن أُنيس - ﵁ - في \"صحيح مسلم\" (١١٦٨).\n٣) طلوع الشمس في صبيحة تلك الليلة لا شُعَاع لها:\nلما أخرجه مسلم (٧٦٢)، عن أُبيِّ بن كعب - ﵁ -، أنه حدث عن رسول الله - ﷺ -: «أن الشمس تطلع من ذلك اليوم لا شعاع لها»، وله شاهد من حديث ابن مسعود، ومن حديث عُبادة بن الصامت - ﵄ -، وكلاهما عند أحمد. (^٢)\nانظر: \"تحقيق المسند\" (٢٢٧٦٥) (٣٨٥٧)، \"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان\" (٨/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\n\nتمت كتابته بحمد الله ليلة الاثنين الموافق ٨/ شعبان / ١٤٢٣ هـ\nوتمت مراجعته وتنقيحه والزيادة عليه يوم الاثنين\nالموافق ٢٩/جمادى الأولى / ١٤٢٤ هـ\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠١٨)، ومسلم برقم (١١٦٧).\n(^٢) حديث عبادة تقدم، وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد (٣٨٥٧)، من طريق: أبي الصلت، عن أبي عقرب عنه، وهما مجهولان.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَحْكَامِ صَدَقَةِ الفِطْرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>مسألة: حكم صدقة الفطر</span>.\nعن ابن عمر - ﵄ - قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى العَبْدِ، وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالكَبِيرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد (١٦٠٩) وَابْنُ مَاجَهْ (١٨٢٧)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.\nدلَّ هذان الحديثان على وجوب زكاة الفطر. قال ابن المنذر - ﵀ -: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ صدقةَ الفطر فرضٌ. وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم.\nوقال ابن قدامة: وزعم ابن عبد البر أنَّ بعض المتأخرين من أصحاب مالك، وداود يقولون: هي سنة متأكدة.\nقلتُ: وزعم ابن حزم أنه أيضًا مذهب مالك، والصواب قول الجمهور.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٨٢)، \"المجموع\" (٦/ ١٤٠)، \"المحلى\" (٧٠٤).","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>مسألة: على من تجب زكاة الفطر</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ - في \"المغني\" (٤/ ٢٨٣): زَكَاةُ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَعَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَامَّةً، وَتَجِبُ عَلَى الْيَتِيمِ، وَيُخْرِجُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، قَالَ: لَيْسَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ صَامَ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَعَلَى الرَّقِيقِ. اهـ\nثم استدل ابن قدامة - ﵀ - بحديث ابن عمر المتقدم على وجوبها في مال اليتيم، وهو الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>مسألة: هل تجب زكاة الفطر على الكافر</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ - في \"المغني\" (٤/ ٢٨٣): وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي الْحُرِّ الْبَالِغِ، وَقَالَ إمَامُنَا، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَيْضًا، وَلَا عَلَى الصَّغِيرِ.\nوَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُخْرِجَ الْفِطْرَةَ عَنْ عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُخْرِجُ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذَا ارْتَدَّ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «صَدَقَةُ الفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير».اهـ","vol":"1","page":260},{"text":"قلتُ: الحديث أخرجه الدارقطني (٢/ ١٥٠) عن ابن عباس - ﵄ -، وفيه: سلام الطويل، قال الدارقطني: متروك، ولم يسنده غيره.\nقال ابن قدامة - ﵀ -: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ».اهـ\nثم ذكر حديث ابن عباس المتقدم.\nقلتُ: وزيادة: «من المسلمين» زيادة صحيحة متفق عليها، والراجح في المسألة هو قول الجمهور، والله أعلم. وانظر: \"المجموع\" (٦/ ١٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>مسألة: هل تجب على العبد المسلم زكاة الفطر</span>؟\nقال النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ١٤٠): تجب فطرة العبد على سيده، وبه قال جميع العلماء إلا داود فأوجبها على العبد، قال: ويلزم السيد تمكينه من الكسب لأدائها؛ لحديث ابن عمر: «عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ»، وقال الجمهور: «على» بمعنى (عن). اهـ\nقلتُ: واستدل الجمهور على وجوبها على السيد بحديث أبي هريرة - ﵁ - في مسلم (٩٨٢) أن النبي - ﷺ - قال: «ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر». وقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح ابن حزم.\nانظر: \"المحلى\" (٧٠٥).","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>مسألة: إذا كان العبد مسلمًا وسيده كافرًا</span>؟\nحُكيَ عن أحمد أنَّ على الكافر إخراج صدقة الفطر عنه، واختاره بعض الحنابلة، وهو وجهٌ عند الشافعية.\nوذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الوجوب، حتى قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنْ لا صدقة على الذِّمِّي في عبده المسلم؛ لقوله - ﷺ -: «مِنَ المُسْلِمِينَ». وهذا هو الصواب، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٨٤)، \"المجموع\" (٦/ ١٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>مسألة: هل يجب على السيد الفطرة على عبيد التجارة</span>؟\nذهب أكثر أهل العلم إلى أن عليه أن يُخرِجَ عنهم زكاة الفطر؛ لعموم الحديث، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أنه ليس فيهم زكاة، وهو قول عطاء، والنخعي. والصواب القول الأول.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٣٠٣)، \"المجموع\" (٦/ ١٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>مسألة: إذا كان العبد غائبًا فهل على السيد زكاة</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر - ﵀ - كما في \"المغني\" (٤/ ٣٠٤): أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ، غَائِبِهِمْ وَحَاضِرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمْ، فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ عَلَيْهِ كَالْحَاضِرِينَ. وَمِمَّنْ أَوْجَبَ فِطْرَةَ الْآبِقِ: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَوْجَبَهَا الزُّهْرِيُّ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ،","vol":"1","page":262},{"text":"وَمَالِكٌ إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً، وَلَمْ يُوجِبْهَا عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ كَالْمَرْأَةِ النَّاشِزِ. اهـ\nقال ابن قدامة - ﵀ -: وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ لَهُ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، كَمَالِ التِّجَارَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى يَدِهِ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ وَالمَغْصُوبِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: عليه أن يُخْرِجَ عنه زكاة الفطر؛ إلا إنْ يئس من رجوعه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>مسألة: إذا كان العبد، أو العبيد في ملك أكثر من سيد</span>؟\nقال النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ١٤١): لو كان بينهما عبدٌ، أو عبيد كثيرون مشتركون مناصفة؛ وجب عن كل عبد صاع يلزم كل واحد من الشريكين نصفه، هذا مذهبنا، وبه قال مالكٌ، وعبد الملك الماجشون، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، وقال الحسن البصري، وعكرمة، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: لا شيء على واحد منهما؛ لأنه ليس عليه لأحد منهما ولاية تامة، وعن أحمد روايتان (إحداهما) كمذهبنا، (والثانية) على كل واحد صاع عن نصيبه من كل عبد. اهـ\nقلتُ: الراجح ما ذهب إليه الأكثر من أنهم يشتركون في الزكاة كُلًّا بقدر نصيبه، وأحمد قد قيل إنه رجع عن الرواية الثانية. انظر: \"المغني\" (٤/ ٣١٢).","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>مسألة: إذا كان الرجل نصفه عبدٌ ونصفه حرٌّ</span>؟\nقال النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٦/ ١٤١): مذهبنا وجوب صاع، عليه نصفُه، وعلى مالك نصفِه نصفُه، وقال أبو حنيفة: عليه نصف صاع، ولا شيء على سيده. وقال مالك: على سيده نصف صاعٍ، ولا شيء على العبد. وقال أبو يوسف، ومحمد: عليه صاعٌ، ولا شيء على سيده. وقال عبد الملك الماجشون: على سيده صاعٌ، ولا شيء على العبد. اهـ\nقلتُ: ومذهب الحنابلة كمذهب الشافعية وهو الصحيح؛ لأنه ليس بعبدٍ كاملٍ، ولا حُرٍّ كامل؛ فتجب عليهما؛ لدخولهما تحت قوله: «ذكر أو أنثى، صغير أو كبير»، ومذهب الظاهرية كمذهب أبي يوسف، ومحمد.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٣٠٣)، \"المحلى\" (٧٠٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>مسألة: هل فطرة المتزوجة على زوجها، أم على نفسها</span>؟\nذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الفطرة على زوجها، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، واستدلوا بحديث ابن عمر الذي تقدم في الباب، وقالوا: «على» بمعنى (عن) بدليل أنَّ العبد والطفل الذي لا يملك يُخْرِج عنهما السيد والوالد، ولأنه تجب عليه النفقة؛ فوجبت عليه أيضًا الفطرة.\nوذهب أبو حنيفة، والثوري، وابن المنذر إلى أنه لا تجب عليه فطرة امرأته، بل فطرتها على نفسها، وهو قول الظاهرية، واستدلوا بقوله: «على كل ذكر وأنثى».\nقلتُ: قول الجمهور قريب، واختاره شيخ الإسلام - ﵀ -، وقد رجَّح الإمام","vol":"1","page":264},{"text":"ابن عثيمين - ﵀ - القول الثاني.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٣٠٢)، \"المجموع\" (٦/ ١١٨)، \"المحلى\" (٧٠٩)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ١٥٥)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٣/ ٣١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>مسألة: من تبرع بمؤنة إنسان، فهل تلزمه فطرته</span>؟\nذهب أحمد إلى أنه تلزمه فطرته، واختاره كثير من أصحابه.\nقال ابن قدامة - ﵀ -: واختار أبو الخطاب أنه لا تلزمه فطرته؛ لأنه لا تلزمه مؤنته، فلم تلزمه فطرته، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وكلام أحمد في هذا محمول على الاستحباب، لا على الإيجاب ... انتهى المراد.\nقلتُ: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. انظر: \"المغني\" (٤/ ٣٠٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>مسألة: ما ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر</span>؟\nقال ابن المنذر - ﵀ -: أجمعوا على أنَّ من لا شيء له؛ فلا فطرة عليه.\nقلتُ: واختلفوا في ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر على قولين:\nالأول: أن يملك فاضلًا عن قوته وقوت من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، وهو قول عطاء، والشعبي، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهري، ومالك، والشافعي، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور.\nالثاني: أن يملك نصابًا من الذهب، والفضة، أو ما يعادلهما زائدًا عن مسكنه، وأثاثه الذي لابد له منه، وهو قول أبي حنيفة. قال العبدري: ولا يُحفظ هذا عن","vol":"1","page":265},{"text":"أحد غير أبي حنيفة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لحديث: «وابدأ بمن تعول» متفق عليه عن أبي هريرة، وحكيم بن حزام - ﵄ -، وحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» أخرجه أحمد (٦٤٩٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، وهو حديث صحيح.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٣٠٧)، \"المجموع\" (٦/ ١١٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>مسألة: هل تجب زكاة الفطر عن الجنين</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ -: الْمَذْهَبُ أَنَّ الْفِطْرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْجنِينِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ لَا يُوجِبُونَ عَلَى الرَّجُلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الْجنِينِ فِي بَطْنِ أُمَّهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَبِهِ وَيَرِثُ؛ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ. اهـ\nقلتُ: وهذه الرواية عن أحمد بالوجوب قال بها ابن حزم الظاهري؛ لأنه يدخل في قوله: «كل صغير»، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الجنين لا يدخل في ذلك؛ لأنه لم يتحقق خروجه حيًّا بعدُ، فكيف يوجب عليه، ولأنه لم تثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث والوصية بشرط أن يخرج حيًّا، والله أعلم.\nانظر: \"المحلى\" (٧٠٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>مسألة: المكاتب هل يُخْرِج عن نفسه، أم يُخْرِج عنه السيد</span>؟\nفيها أقوال:","vol":"1","page":266},{"text":"الأول: أنه يُخْرِج عن نفسه، وهو مذهب أحمد، وهو قول الحسن.\nالثاني: أنها تجب على سيده، وهو قول عطاء، وميمون بن مهران، ومالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنَّ المكاتب ما زال عبدًا حتى يتخلص من الكتابة.\nالثالث: لا تجب على المكاتب ولا على السيد، وهو قول الشافعية في الأصح عندهم، وهو قول أصحاب الرأي.\nقلتُ: والقول الثاني هو الصحيح، وهو اختيار ابن حزم - ﵀ -، ويدل عليه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من مكاتبته درهم»، أخرجه أبو داود (٣٩٢٦)، وهو حديث حسن.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٣١١)، \"المجموع\" (٦/ ١٤١)، \"المحلى\" (٧٠٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>مسألة: ما هي الأصناف التي يخرج منها زكاة الفطر</span>؟\nعن ابن عمر - ﵄ - قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى العَبْدِ، وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالكَبِيرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - ﷺ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ»، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ، قَالَ: «أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\nوفي هذه المسألة أقوال:","vol":"1","page":267},{"text":"القول الأول: التمر، والزبيب، وكل ما يُقتات ويدخر من الحبوب، بشرط أن يكون من قوت البلد، وهو مذهب الشافعية، والمالكية، وقال بهذا القول بعض الحنابلة دون اشتراط، وعند الشافعية قول بشرطية أن يكون قوت نفسه لا قوت البلد.\nالقول الثاني: التمر، والزبيب، والبر، والشعير، والأَقِط، وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة، وعند أكثرهم لا يجوز العدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها، سواء كان المعدول إليه قوت البلد أو لم يكن.\nالقول الثالث: أنه يتخير بين البر والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر، والشعير، والقيمة بالمال، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه.\nالقول الرابع: أنه لا يجزئ إلا الشعير، والتمر، وهو قول ابن حزم الظاهري، واستدل بحديث ابن عمر الذي تقدم، وأما حديث أبي سعيد فأجاب عنه بأنه مضطربٌ وموقوفٌ.\nقلتُ: والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول؛ لحديث أبي سعيد: «صاعًا من طعامٍ»، وهذا القول نصره شيخ الإسلام، وعزاه للجمهور.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ - -بعد أن عزا هذا القول لأكثر العلماء-: وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّدَقَاتِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاوَاةِ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ قُوتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا","vol":"1","page":268},{"text":"لَيْسَ قُوتَهُمْ، بَلْ يَقْتَاتُونَ غَيْرَهُ؛ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا مِمَّا لَا يَقْتَاتُونَهُ، كَمَا لَمْ يَأْمُرْ اللهُ بِذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مِنْ جِنْسِ الْكَفَّارَاتِ هَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، وَهَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْمَالِ؛ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا أَعْطَاهُ اللهُ. اهـ\nقلتُ: وإذا أخرج مما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - المذكور قريبًا، ولم يكن من قوت البلد؛ فلا نتجاسر على الحكم بعدم صحة صدقته، ولكنا نأمره بأن يخرج من قوت بلده.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٩٢)، \"المجموع\" (٦/ ١٣٠)، \"المحلى\" (٧٠٤)، \"شرح النسائي\" (٢٢/ ٢٩٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>مسألة: هل يجزئ الأقط (اللبن المجفف)</span>؟\nدلَّ حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - الذي تقدم أنه يجزئ، وهو رواية عن أحمد أخذ بها جماعة من أصحابه، وقال بذلك بعض الشافعية.\nوالرواية الثانية عن أحمد أنَّ الأَقِط لا يجزئ إذا كان قادرًا على غيره من الأصناف الأخرى، وكذلك يجزئ أهل البادية إذا كان قوتهم.\nوذهب مالك، والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يجزئ إذا كان من غالب القوت، والقول الثاني عن الشافعي أنه لا يجزئ.\nوذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الأقط تعتبر فيه القيمة، ولا يجزئ أن يأخذه أقطًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقط يجزئ مطلقًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -،","vol":"1","page":269},{"text":"والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٨٩)، \"المجموع\" (٦/ ١٣٠)، \"شرح النسائي\" (٢٢/ ٣٠٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>مسألة: هل يجزئ الدقيق في صدقة الفطر</span>؟\nذهب أحمد، وأصحاب الرأي إلى أنه يجزئ، واستدلوا بزيادة في حديث أبي سعيد: «أو صاعًا من دقيق»، أخرجها النسائي، ولأنَّ الدقيق أجزاء الحب بحتًا يمكن كيله وادِّخاره؛ فجاز إخراجه.\nوذهب مالك، والشافعي إلى أنه لا يجزئ؛ لأنه لم يذكر في حديث أبي سعيد.\nوالصواب -والله أعلم- هو القول الأول؛ للمعنى الذي ذكروه، وأما زيادة: «أو صاعًا من دقيق» عند النسائي؛ فهي زيادة شاذَّة، والوهم فيها من ابن عيينة كما بين ذلك أبو داود في سننه، ولكنه يُخرج بالوزن لا بالكيل؛ لأنَّ الدقيق يريع إذا طحن. قاله شيخ الإسلام - ﵀ -.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٩٤)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٦٩)، \"شرح النسائي\" (٢٢/ ٣٠٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>مسألة: هل تجزئ القيمة بالدراهم</span>؟\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، والظاهرية، وقال الثوري، وأبو حنيفة: يجوز. ورُوي عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث ابن عمر، وأبي سعيد اللَّذَيْنِ تقدما في أول الباب، وقد استدل المخالف بأثر معاذ بن جبل - ﵁ - أنه قال لأهل اليمن:","vol":"1","page":270},{"text":"ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير؛ فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. أخرجه يحيى بن آدم في \"الخراج\" (٥٢٥)، من طريق طاوس، عن معاذ - ﵁ -، وهو منقطع؛ فإن طاوسًا لم يلق معاذًا - ﵁ -.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٩٦)، \"المجموع\" (٦/ ١٤٤)، \"المحلى\" (٧٠٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>مسألة: ما هو القدر الذي يجب إخراجه في صدقة الفطر</span>؟\nذكر أهل العلم أنه يخرج صاعًا للأحاديث المتقدمة؛ إلا أنهم اختلفوا في البر، فقال طائفة من أهل العلم: يخرج نصف صاع، وألحق أبو حنيفة الزبيب بالبر، فقال: يجب فيه نصف صاع أيضًا. وفي رواية عنه: يجب فيه صاع.\nوالقائلون بأنَّ البر فيه نصف صاع فقط، هم: سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم، وهو مذهب أهل الكوفة، والأوزاعي، والليث، والثوري.\nونقل هذا القول عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبي هريرة، ومعاوية، وأسماء - ﵃ -.\nوقد رُوي في هذا القول أحاديث:\nمنها: حديث أسماء بنت أبي بكر عند أحمد (٦/ ٣٤٦ -)، والطحاوي (٢/ ٤٣)، قالت: كُنَّا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله - ﷺ - مُدَّيْن من قمح. وله إسنادان: إسناد فيه ابن لهيعة، والراوي عنه ابن المبارك، وإسناد آخر فيه يحيى","vol":"1","page":271},{"text":"بن أيوب الغافقي.\nثم وجدت له إسنادًا ثالثًا عند الطحاوي (٢/ ٤٣) من طريق محمد بن عُزَيز، حدثنا سلامة، وهو ابن روح الأيلي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء به.\nوهذه متابعة ليحيى بن أيوب؛ لأنه رواه عن هشام كذلك.\nثم رأيت وكيع بن الجراح قد خالفهم جميعًا، وهو ثقة حافظ؛ فرواه عن هشام ابن عروة، عن فاطمة عن أسماء موقوفًا عليها. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٢)، وتابعه محاضر بن المورع عند ابن زنجويه (٢٣٧٨).\nقلتُ: رواية وكيع أرجح، والراجح في الحديث الوقف على أسماء - ﵂ -.\nومنها: حديث ثعلبة بن أبي صُعير عن أبيه، وفيه: «صاع من قمح بين كل اثنين» أخرجه أبو داود برقم (١٦١٩)، والرَّاجح أنه مرسل من مراسيل الزهري، رجَّح ذلك أحمد كما في المغني (٤/ ٢٨٧)، ورجح الدارقطني أنه من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا كما في \"العلل\" (١١٩٥).\nومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه الترمذي (٦٧٤)، والدارقطني (٢/ ١٤٢)، وهو من طريق: ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال البخاري: لم يسمع منه. وقد رواه عبد الرزاق كما في \"نصب الراية\" (٢/ ٤٢١) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال: بلغني أنَّ النبي - ﷺ -، وهذا معضلٌ.\nومنها: حديث ابن عباس عند أبي داود (١٦٢٢)، والنسائي (٣/ ١٩٠)، وهو من طريق: الحسن عنه، ولم يسمع منه.","vol":"1","page":272},{"text":"وأخرج الطحاوي (٢/ ٤٦) بأسانيده عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والقاسم، وسالم، أنَّ النبي - ﷺ - أمر في صدقة الفطر بِمُدَّيْنِ من حنطة. وفي أحد أسانيده أبو زرعة وهب الله بن راشد، وفي الإسناد الآخر: يحيى بن أيوب، وله أوهام، وفي الإسناد الثالث ابن لهيعة.\nوأما القائلون بهذا من الصحابة المتقدمين فبعضها لا يثبت.\nفأثر أبي بكر - ﵁ - منقطع؛ فإنه من طريق سعيد بن المسيب عنه. ولم يدركه.\nوله طريق أخرى عند الطحاوي (٢/ ٤٦) من طريق أبي قلابة، قال: أخبرني من دفع إلى أبي بكر الصديق - ﵁ - صاع بر بين اثنين. وهو ضعيف؛ في إسناده رجل مبهم.\nوقد خالف أبو سعيد الخدري كما في البخاري (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥)، فقال: فلم نزل نخرجه -يعني: صاعًا- حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - حاجا، أو معتمرا فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس أن قال: «إني أرى أن مدين من سمراء الشام، تعدل صاعا من تمر» فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد: «فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، أبدا ما عشت». وهذا النقل من أبي سعيد يقتضي أن أبا بكر - ﵁ -، والخلفاء بعده كانوا يأخذون منه كغيره صاعًا، والله أعلم.\nوأثر عمر - ﵁ -، له عند الطحاوي طريقان:\nأحدهما: فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف مدلس، وفيه عبد الله بن نافع","vol":"1","page":273},{"text":"العدوي، وهو متروك.\nوالثاني: من طريق ثعلبة بن أبي صُعير، عن عمر، وهي طريق ضعيفة مضطربة.\nوما تقدم من نقل أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن عمر - ﵁ - أصح وأثبت.\nوأما أثر عثمان - ﵁ -؛ فقد أخرجه الطحاوي (٢/ ٤٦) من طريق حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته: «أدوا زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، ذكر وأنثى». وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، ولكن له علة قادحة فيه:\nفقد أخرج الأثر ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٠) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان - ﵁ - .. فذكره، بدون ذكر: أبي الأشعث.\nوأخرجه ابن زنجويه (١٩٣٩) من طريق ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان - ﵁ -، به.\nقلتُ: فابن المبارك والثقفي رويا الحديث؛ فجعلاه بدون ذكر أبي الأشعث، وعليه فهو منقطع؛ لأن أبا قلابة لم يدرك عثمان - ﵁ -.\nوأما أثر علي - ﵁ -؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف.","vol":"1","page":274},{"text":"وأما أثر ابن مسعود - ﵁ -؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وهو من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك.\nوأما أثر ابن عباس؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومدلس، وقد ثبت عن ابن عباس بالإسناد الصحيح القول بأن فيه صاعًا كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما أثر جابر بن عبد الله - ﵄ -؛ فقد أخرجه عبد الرزاق بإسناد حسن.\nوأما أثر ابن الزبير - ﵄ - فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح.\nوأما أثر أبي هريرة - ﵁ -؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وإسناده صحيح.\nوأما أثر معاوية، وأسماء - ﵄ -؛ فهو ثابت عنهم كما تقدم.\nوأما القائلون بأنَّ البر يجب فيه صاع، فهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر المتأخرين، وصحَّ عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - إنكار القول بنصف صاع، وثبت عن ابن عباس بإسناد حسن عند النسائي في \"الكبرى\" (٢٣٠٠) أنه قال: صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من سلت.\nواستدلوا بحديث: «صاع من طعام»، وبالقياس على الأصناف الأخرى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح في المسألة أنه يجب فيه صاع؛ لعدم ثبوت الأحاديث المرفوعة في الأمر بنصف صاع، ولعدم ثبوت ذلك عن الخلفاء","vol":"1","page":275},{"text":"الراشدين - ﵃ -.\nوقد اختلف الصحابة في المسألة، وحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - المتقدم الذي في الصحيحين يدل على أن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون في زكاة الفطر في البر صاعًا كاملًا، وهذا هو الذي تبين لي في المسألة بعد أن كنا نقول بنصف صاع؛ اعتمادًا على الأحاديث المتقدمة، فلما تبين لنا ضعفها رجعنا إلى القول بوجوب الصاع، والله أعلم بالصواب.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٨٥)، \"المجموع\" (٦/ ١٤٢)، \"المحلى\" (٧٠٤)، \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٨٥)، \"تمام المنة\" (ص ٣٨٦)، \"نصب الراية\" (٢/ ٤١٧)، \"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٣١١)، \"ابن أبي شيبة\" (٣/ ١٧٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>مسألة: إذا زاد الإنسان عن القدر الواجب، ونواه نافلة</span>؟\nسئل شيخ الإسلام - ﵀ - عن ذلك كما في \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ٧٠) فقال: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهِيَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا تُنْقَلُ كَرَاهِيَتُهُ عَنْ مَالِكٌ، وَأَمَّا النَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ\nقلت: ويجب عليه أن ينوي بالزيادة نافلة، ولا ينويها من الفرض، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>مسألة: كم يساوي الصاع بالكيلو جرام</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ - في \"روضة الطالبين\" (٢/ ٣٠١):\nالْوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ أَخْرَجَهُ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ","vol":"1","page":276},{"text":"بِالْبَغْدَادِيِّ، وَهِيَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ.\nقُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ -يَعْنِي بِهِ الرَّافِعِيَّ- عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: رِطْلُ بَغْدَادَ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَبِهِ الْفَتْوَى. فَعَلَى هَذَا الصَّاعُ: سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ: الْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ، وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِالْوَزْنِ اسْتِظْهَارًا.\nقُلْتُ: قَدْ يَسْتَشْكِلُ ضَبْطُ الصَّاعِ بِالْأَرْطَالِ، فَإِنَّ الصَّاعَ الْمُخْرَجَ بِهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ، وَيَخْتَلِفُ قَدْرُهُ وَزْنًا بِاخْتِلَافِ جِنْسِ مَا يَخْرُجُ، كَالذُّرَةِ وَالْحِمَّصِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ، وَمُخْتَصَرِهُ: أَنَّ الصَّوَابَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْفَرَجِ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَيْلِ، دُونَ الْوَزْنِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُخْرَجَ بِصَاعٍ مُعَايَرٍ بِالصَّاعِ الَّذِي كَانَ يُخْرَجُ بِهِ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَذَلِكَ الصَّاعُ مَوْجُودٌ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ قَدْرٍ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْهُ. وَعَلَى هَذَا، فَالتَّقْدِيرُ بِخَمْسَةِ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ تَقْرِيبًا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الصَّاعُ: أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْكَفَّيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقال الإمام ابن قدامة - ﵀ - في \"المغني\" (المسألة/٦٠):\nقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ فِي أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَالْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، فَثَبَتَ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ.","vol":"1","page":277},{"text":"وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ الصَّاعِ؟ فَقَالُوا: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلْثٌ. فَطَالَبَهُمْ بِالْحُجَّةِ فَقَالُوا: غَدًا. فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ سَبْعُونَ شَيْخًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آخِذٌ صَاعًا تَحْتَ رِدَائِهِ، فَقَالَ: صَاعِي وَرِثْته عَنْ أَبِي، وَوَرِثَهُ أَبِي عَنْ جَدِّي، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ قَوْلِهِ. وَهَذَا إسْنَادٌ مُتَوَاتِرٌ يُفِيدُ الْقَطْعَ. اهـ\nوالقصة المذكورة رواها البيهقي في \"الكبرى\" (٧٧٢٠) بإسناد صحيح.\nقال الإمام ابن قدامة - ﵀ - في \"المغني\" (المسألة/٤٤١):\nوَالْمَكِيلَاتُ تَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ، فَمِنْهَا الثَّقِيلُ، كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ. وَمِنْهَا الْخَفِيفُ، كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَمِنْهَا الْمُتَوَسِّطِ.\nوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ مِنْ الْحِنْطَةِ وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الصَّاعُ وَزَنْتُهُ فَوَجَدْته خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَيْ رِطْلٍ حِنْطَةً. وَقَالَ حَنْبَلٌ قَالَ: أَحْمَدُ أَخَذْت الصَّاعَ مِنْ أَبِي النَّضْرِ، وَقَالَ أَبُو النَّضِرِ: أَخَذْته مِنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. وَقَالَ: هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِي يُعْرَفُ بِالْمَدِينَةِ.\nقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذْنَا الْعَدَسَ، فَعَيَّرْنَا بِهِ، وَهُوَ أَصْلَحُ مَا يُكَالُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَجَافَى عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَكِلْنَا بِهِ وَوَزَنَّاهُ، فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ. وَهَذَا أَصَحُّ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ، وَمَا بُيِّنَ لَنَا مِنْ صَاعِ النَّبِيِّ - ﷺ -.\nوَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى أَنَّ مُدَّ النَّبِيِّ - ﷺ - رِطْلٌ وَثُلُثٌ قَمْحًا مِنْ أَوْسَطِ الْقَمْحِ، فَمَتَى بَلَغَ الْقَمْحُ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ رِطْلٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ.","vol":"1","page":278},{"text":"وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدَّرُوا الصَّاعَ بِالثَّقِيلِ، فَأَمَّا الْخَفِيفُ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ، إذَا قَارَبَ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ. وَمَتَى شَكَّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِكْيَالٌ يُقَدِّرُ بِهِ، فَالِاحْتِيَاطُ الْإِخْرَاجُ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ فَلَا حَرَجَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَلَا تَجِبُ بِالشَّكِّ.\nقال الإمام ابن باز - ﵀ - كما في \"فتاوى نور على الدرب\" (١٥/ ٢٧٨)\nالصاع النبوي أربع حفنات باليدين المعتدلتين، الحاصل أنه بالحفنات أضبط، حفنات باليدين المعتدلتين المملوءتين، هذا صاع النبي ﵊، وهو بالرطل خمسة أرطال وثلث، بالرطل العراقي، والرطل تسعون مثقالًا، والرطل والثلث يعني مائة وعشرين مثقالًا، فالمعنى أنه أربعمائة وثمانون مثقالًا، الصاع النبوي، لكن باليدين أضبط من الوزن، كونه باليدين المعتدلتين المملوءتين كما بيّن أهل اللغة.\nقال الإمام العثيمين - ﵀ - كما في \"مجموع فتاواه\" (١٨/ ٢٧٤) إن مقدار الفطرة صاع بالصاع النبوي الذي يساوي وزنه بالمثاقيل أربعمائة وثمانين مثقالًا من البر الجيد، ووزن المثقال أربعة غرامات وربع، وبذلك يكون وزن الفطرة ألفي غرام وأربعين غرامًا، وقد قيس الأرز فوجد أنه يساوي ألفي غرام ومائة غرام. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: العبرة بالصاع النبوي، وهو يساوي أربعة أمداد بكفي الرجل المعتدل الخِلْقَة. وأما تقديره بالوزن؛ فلا ينضبطُ لكل الأطعمة وزنٌ معين، وأما تقديره بخمسة أرطال وثلث، فهذا باعتبار الماء، أو البر، أو العدس،","vol":"1","page":279},{"text":"وما شابهها.\nوليست كل الأطعمة متساوية بالوزن؛ فبعضها حجمها كبير، وهي خفيفة الوزن، كالشعير، وبعض أنواع الأرز.\nوعَلى هذا فضبط الوزن بالنسبة للبر، أو العدس هو ما تقدم يساوي خمسة أرطال وثلثًا، ويساوي سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانينَ وَخَمْسَة أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ. على ما قرره الإمام النووي.\nوالدرهم يساوي (٢.٩٧٥ جم) فالصاع هو مجموع ضرب (٦٨٥.٧٢) في وزن الدرهم المتقدم، ويساوي تقريبًا (٢ كيلو، و٤٠ جم).\nومثل ذلك لو اعتبرنا مثقال الذهب، فالصاع هو مجموع ضرب (٤٨٠) في وزن (المثقال) بالجرامات، وهو (٤.٢٥) ويساوي (٢ كيلو، و٤٠ جم).\nفمن أراد معرفة أوزان الأطعمة الأخرى؛ فليأخذ مكيالا يسع (٢ كيلو، و٤٠ جم)، بدون زيادة أو نقص، ثم يستخدم نفس المكيال للصنف الآخر من الأطعمة، وحينئذٍ يعرف وزن كل نوع.\nوالذي نراه أن من اعتمد على أربعة أمدادٍ بكفي رجل معتدل، فقد أدَّى ما عليه، ومن زاد، ونوى بالزيادة إن حصلت نافلة فهو أحوط، والله أعلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>مسألة: وقت وجوب إخراج صدقة الفطر</span>.\nقال النووي - ﵀ - في \"شرح المهذب\" (٦/ ١٤١ - ١٤٢): تجب الفطرة","vol":"1","page":280},{"text":"بغروب الشمس ليلة عيد الفطر على الصحيح عندنا، وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: بطلوع الفجر يوم الفطر. وبه قال صاحباه، وأبو ثور، وداود، وعن مالك روايتان كالمذهبين، وقال بعض المالكية: بطلوع الشمس يوم الفطر. اهـ\nواستدل القائلون بأنها تجب بغروب الشمس بحديث ابن عباس - ﵄ - المتقدم «طُهْرَة للصائمِ مِنَ اللغْوِ والرَّفَثِ»، ولأنها تضاف إلى الفطر، فكانت واجبة به.\nواستدل الآخرون بحديث ابن عمر في الصحيح «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تؤدَّى قَبلَ خُروجِ النَّاسِ إِلى الصَّلاة». والصحيح القول الأول، والله أعلم.\nوحديث ابن عمر - ﵄ - لا يعارض دليل أهل القول الأول، وبالله التوفيق.\nفائدة: ينبني على الخلاف المتقدم بعض المسائل كما لو أسلم إنسان بعد غروب الشمس، أو وُلِدَ له ولَدٌ؛ فعلى القول الأول لا تجب عليه زكاة الفطر، ذكر ذلك بعض الشافعية، والصحيح أنه لا تلازم، وتجب عليهم زكاة الفطر؛ لأنهم أدركوا وقت الوجوب.\nوعلى القول الثاني تجب بلا إشكال، وكذا لو أسلم قبل الغروب؛ وجبت عليه الزكاة، ومن مات بعد غروب الشمس؛ وجبت عليه الزكاة على القول الأول دون القول الثاني.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٩٨)، \"المحلى\" (٧١٨).","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>مسألة: حكم تأديتها يوم العيد بعد الصلاة</span>.\nذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الأفضل أن يؤديها قبل صلاة العيد، وإنْ أدَّاها بعد الصلاة من نفس اليوم أجزأته، ولا إثم عليه.\nوذهب داود الظاهري، وابن حزم إلى أنه يأثم إذا لم يؤدِّها قبل صلاة العيد، وهذا هو الصواب؛ لحديث ابن عمر في \"الصحيحين\"، أن النبي - ﷺ - «أمر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، ولحديث ابن عباس - ﵄ - الذي تقدم وفيه «فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»، والله أعلم، وقد صحح هذا القول الإمام ابن عثيمين - ﵀ -.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٩٨)، \"المحلى\" (٧١٨)، \"المجموع\" (٦/ ١٤٢)، \"الشرح الممتع\" (٦/ ١٧١)، \"الموسوعة الكويتية\" (٢٣/ ٣٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>مسألة: تأخيرها عن يوم العيد</span>.\nذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم ذلك، وذكر الشوكاني - ﵀ - في \"النيل\" أنَّ ابن رسلان ادَّعَى الإجماع على ذلك، والواقع وجود الخلاف، فقد حكى ابن المنذر عن النخعي، وابن سيرين الرخصة في ذلك. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور؛ للأحاديث المتقدمة في المسألة السابقة، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٩٨)، \"المجموع\" (٦/ ١٤٢)، \"الموسوعة الكويتية\" (٢٣/ ٣٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>مسألة: هل تسقط عنه زكاة الفطر، أم يخرجها بعد الصلاة وإن لم</span>","vol":"1","page":282},{"text":"تجزئه؟\nذهب إلى الأول داود، والحسن بن زياد، وذهب إلى الثاني الجمهور، وهو أقرب؛ لأنه حق من حقوق الفقراء، فيجب عليه إخراجه، واختاره ابن حزم.\nقال ابن حزم - ﵀ - في \"المحلَّى\" (٦/ ١٤٣): فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها؛ فقد وجبت في ذمته، وماله لمن هي له، فهي دين لهم وحقٌّ من حقوقهم قد وجب إخراجها من ماله، وحرم عليه إمساكها في ماله؛ فوجب عليه أداؤها أبدًا، وبالله تعالى التوفيق، ويسقط في ذلك حقهم، ويبقى حق الله تعالى في تضييعه الوقت، لا يقدر على جبره إلا بالاستغفار والندامة، وبالله تعالى نتأيد. اهـ\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٢٩٨)، \"المجموع\" (٦/ ١٤٢)، \"الموسوعة الكويتية\" (٢٣/ ٣٤١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>مسألة: تقديم زكاة الفطر قبل وقتها</span>.\nفي المسألة أقوال:\nالقول الأول: يجوز تقديمها قبل العيد بيومين، ولا يجوز أكثر من ذلك، وهو مذهب أحمد، ومالك.\nالقول الثاني: يجوز تقديمها من بعد نصف شهر رمضان، وهو قول بعض الحنابلة.\nالقول الثالث: يجوز تقديمها من بداية شهر رمضان، وهذا قول الشافعي، وأصحابه.\nالقول الرابع: يجوز تقديمها من أول الحول، وهذا قول أبي حنيفة.","vol":"1","page":283},{"text":"القول الخامس: لا يجوز تقديمها عن وقتها، وهو مذهب الظاهرية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما حُجَّةُ من جَوَّزَ قبل العيد بيوم ويومين؛ فحديث ابن عمر - ﵄ - في \"صحيح البخاري\" (١٥١١)، قال نافع: وكان ابن عمر - ﵄ - يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين.\nوفي \"الموطأ\" (١/ ٢٨٥) عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاث. وأخذ بزيادة الثلاث بعض المالكية.\nوأما حجة من أجاز تقديمها من نصف الشهر؛ فقياسًا على تقديم أذان الفجر، والدفع من المزدلفة بعد نصف الليل، وأما حجة من أجاز تعجيلها من أول الشهر؛ فلأنَّ الصوم من أسبابها كما في حديث ابن عباس.\nوأما حجة من أجازها من أول الحول؛ فقياسًا على زكاة المال.\nوأما حجة من منع؛ فلأنها عبادة مؤقتة، ولا تجب على الإنسان حتى يأتي وقتها.\nقلتُ: والمنع من إخراجها قبل وقتها هو الصواب؛ إلا إذا احتيج إلى ذلك؛ لبعد الفقراء عنه فلا بأس بتقديم اليوم واليومين.\nوأما إخراج الصحابة قبل العيد بيوم أو يومين، فكانت تخرج لجمعها لا للفقراء كما ذكر ذلك البخاري، فإذا أُخرِجت للجمع فلا بأس كما فعل الصحابة، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٤/ ٣٠٠)، \"المجموع\" (٦/ ١٤٢)، \"الفتح\" (١٥١١) \"المحلى\" (٧١٨).","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ العِيدَينِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>مسألة: معنى قول النبي ﵊: الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون:</span>\nرَوَى التِّرمِذِيُّ (٦٩٧) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ.\nاختلف العلماء في معنى الحديث على أقوال ذكرها الشوكاني - ﵀ - في \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦١٤)، وأحسن تلك الأقوال، هو قول الخطابي - ﵀ - حيث قال: إنَّ الْخَطَأَ مَرْفُوعٌ عَنْ النَّاسِ فِيمَا كَانَ سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادَ، فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا اجْتَهَدُوا فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ إلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ؛ فَلَمْ يُفْطِرُوا حَتَّى اسْتَوْفَوا الْعَدَدَ، ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ؛ فَإِنَّ صَوْمَهُمْ وَفِطْرَهُمْ مَاضٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ وِزْرٍ أَوْ عَيْبٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ إذَا أَخْطَؤا يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةٌ. اهـ\nثم نقل الشوكاني - ﵀ - عن الجمهور أنهم فسروا الحديث بمثل ما ذكر الخطابي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>مسألة: استحباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى الصلاة:</span>\nفي \"صحيح البخاري\" (٩٥٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ». وفي رواية معلقة: «وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا»، وَوَصَلَهَا أحمدُ","vol":"1","page":285},{"text":"(٣/ ١٢٦) بِإِسْنَاد حَسَن.\nوَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥/ ٣٥٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٥٤٢)، وهو حديث حسن بشواهده.\nوأخرج الطبراني في \"الأوسط\" (٤٥٤) عن ابن عباس - ﵄ - قال: «من السنة ألا تخرج يوم الفطر حتى تطعم ولا يوم النحر حتى ترجع». ورجاله ثقات إلا إسحاق بن عبد الله التميمي الأذني، فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، فهو مجهول الحال.\nوفي \"موطأ مالك\" (١/ ١٧٩) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: إن الناس كانوا يؤمرون بالأكل يوم الفطر قبل الغدو.\nواستدلالًا بهذه الأحاديث فقد ذهب عامة أهل العلم إلى استحباب الأكل قبل الخروج يوم الفطر، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.\nوقال ابن قدامة - ﵀ -: لا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nلكن قد ذُكِرَ عن ابن مسعود - ﵁ -، والنخعي، التخيير: من شاء أكل، ومن شاء؛ لم يأكل.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لورود الأدلة في ذلك.","vol":"1","page":286},{"text":"قال ابن رجب - ﵀ - عقب أثر ابن مسعود: ولعله أراد به بيان أنَّ الأكل قبل الخروج ليس بواجب، وهذا حق، وإن أراد أنه ليس هو الأفضل؛ فالجمهور على خلافه، والسنة تدل عليه. اهـ.\nقلت: أثر ابن مسعود - ﵁ - لا يثبت عنه: أخرجه عبدالرزاق (٣/ ٣٠٧)، وابن المنذر (٤/ ٢٥٤)، وفي إسناده: عبدالكريم بن أبي المخارق، وهو شديد الضعف.\nواستحب العلماء للإنسان في يوم النحر أن لا يأكل حتى يرجع من المصلَّى؛ للأحاديث المذكورة.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في \"الفتح\" (٩٥٤) -بعد أن ذكر الأحاديث المتقدمة-: وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلَّت عليه. اهـ\nوقد بوَّبَ البخاري - ﵀ - في \"صحيحه\": [باب الأكل يوم النحر]، واستدل بحديث البراء بن عازب، أنَّ خاله ذبح قبل الصلاة، وقال: يا رسول الله، إني عرفت اليوم يوم أكلٍ، وشربٍ، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يُذبح في بيتي ...، الحديث.\nقال الحافظ: وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: «إنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»، وَلَمْ يُقَيَّدْ ذَلِكَ بِوَقْتٍ.\nقال: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ مُغَايَرَةِ يَوْمِ الْفِطْرِ لِيَوْمِ النَّحْرِ مِنْ اِسْتِحْبَابِ الْبُدَاءَةِ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْأَكْلِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: حديث بريدة المتقدم حديث حسن بشواهده؛ فيعمل","vol":"1","page":287},{"text":"به، ويستحب أن لا يأكل يوم الفطر حتى يرجع، ويأكل من أضحيته.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٥٨)، \"الفتح لابن رجب\" (٩٥٣) (٩٥٤)، \"الفتح لابن حجر\" (٩٥٣) (٩٥٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>مسألة: حكم صلاة العيدين</span>؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\nالقول الأول: أنها فرض كفاية، وهو الظاهر من مذهب الحنابلة، وقال به بعض أصحاب الشافعي، واختاره الإمام ابن باز - ﵀ -.\nواستدلوا على أنها فرض بحديث أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسِ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوُا الهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥/ ٥٧)، وَأَبُو دَاوُد (١١٥٧) وَهَذَا لَفْظُهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، واستدلوا بحديث أم عطية - ﵂ -، قالت: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ، وَالحُيَّضَ فِي العِيدَيْنِ: يَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واستدلوا على أنها ليست بفرض عينٍ بأنه لا يُؤذن لها، ولا يُقام كالصلوات الخمس.\nالقول الثاني: أنها سنة مؤكدة، وهو قول مالك، والشافعي، وأكثر أصحابه، وعزاه النووي للجمهور، واستدلوا على عدم وجوبه بالأحاديث التي فيها أنَّ الواجب على المسلم خمس صلوات في اليوم والليلة.\nالقول الثالث: أنها فرض عين، تجب على كل مسلم، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو قول للشافعي كما في \"مختصر","vol":"1","page":288},{"text":"المزني\"، وَأَوَّلَهُ أصحابُه بتأويلات.\nوهذا القول اختاره الشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم، وهو الصواب؛ والله أعلم.\nوأما استدلالهم بفرضية الصلوات الخمس في اليوم والليلة؛ فليس في ذلك نفيٌ لما وجب لسبب، وإنما فيه نفيٌ لفرضية صلاة أخرى في كل يوم بدون سبب، والله أعلم.\nانظر: \"كتاب الصلاة لابن القيم\"، \"المجموع\" (٥/ ٣)، \"الفتح لابن رجب\" (٨/ ٤٢٣) \"الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام\"، \"فتاوى اللجنة\" (٨/ ٢٩٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>مسألة: ما حكم صلاة العيدين للنساء</span>؟\nظاهر الأمر في حديث أم عطية، وكذلك في حديث أبي عمير يدل على تأكد الخروج على المرأة لصلاة العيد، وقد قال شيخ الإسلام في \"الاختيارات\": وقد يقال بوجوبها على المرأة.\nوقد نقل القاضي عياض وجوبه عن أبي بكر، وعلي، وابن عمر - ﵃ -.\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: والذي وقع لنا عن أبي بكر، وعلي، ما أخرجه ابن أبي شيبة، وغيره عنهما قالا: حقٌّ على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين.\nقال: وقوله: (حقٌّ)، يحتمل الوجوب، ويحتمل تأكد الاستحباب.\nقال: وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن عمر، أنه كان يُخْرِجُ إلى العيدين من استطاع من أهله، وهذا ليس صريحًا بالوجوب. اهـ","vol":"1","page":289},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: أثر أبي بكر سنده منقطعٌ، وأثر علي فيه: الحارث الأعور، وقد كُذِّب.\nولذلك قال الحافظ ابن رجب - ﵀ - في \"الفتح\" (٩٨٠) هذا مما لا يُعلم به قائل، أعني وجوب الخروج على النساء في العيد. اهـ\nوأما كلام المتقدمين، فمنهم من قال: مباح. كعلقمة، وإسحاق، وأحمد في رواية، ومنهم من قال: مكروهٌ بعد النبي - ﷺ -؛ لظهور الفتن، وهو قول النخعي، والأنصاري، والثوري، وابن المبارك، وأحمد في رواية، ومنهم من رخَّص للعجائز دون الشواب، رُوي عن النخعي، وهو قول أصحاب الرأي، ونقله حنبل عن أحمد ومنهم من استحبه للعجائز ومن ليس من ذوات الهيئات وهو قول الشافعي.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٦٤)، \"الفتح لابن رجب\" (٩/ ٣٩).\nتنبيه: البُعد الذي يلزم صاحبه فيه حضور العيد كالبُعد الذي يلزم صاحبه حضور الجمعة عند أكثر أهل العلم. والراجح أن الذي يلزمه الحضور هو الذي يمكنه إدراك الجمعة بعد سماع النداء، وفي هذا الموضع هو الذي يمكنه إدراك العيد إذا ذهب إليها بعد صلاة الفجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>مسألة: وقت صلاة العيد</span>.\nينتهي وقت صلاة العيد بزوال الشمس؛ لحديث أبي عمير المتقدم، ولفظه عند أحمد: «فجاء ركب من آخر النهار».\nوأول وقته فيه خلاف:","vol":"1","page":290},{"text":"فذهب أحمد، وأصحاب الرأي، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، إلى أنَّ أول وقته إذا ارتفعت الشمس، وذهب وقت الكراهة.\nوذهب مالك، وهو الوجه الثاني للشافعية، أنَّ وقته إذا طلعت الشمس، وإن لم يزل وقت النهي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لحديث عبد الله بن بسر عند أبي داود (١١٣٥)، وهو في \"الصحيح المسند\" (٥٥٧): أنه خرج يوم فطر، أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا فرغنا ساعتنا هذه من الصلاة، وذلك حين التسبيح.\nوالسبحة يبتدئ وقتها من ارتفاع الشمس إلى قبيل زوالها عند استقلال الظل بالرمح.\nانظر: \"الفتح لابن رجب\" (٩٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>مسألة: إذا علم الناس أنَّ يومهم عيدٌ أثناء ذلك اليوم</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب في \"الفتح\" (٩٦٨): وأما إن لم يعلم بالعيد إلا في أثناء النهار؛ فإن علم به قبل زوال الشمس؛ خرجوا من وقتهم، وصلوا صلاة العيد، وإن شهدوا بعد الزوال في أثناء النهار، فقال أكثر العلماء: يخرجون من الغد للصلاة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، والثوري، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأحمد، وابن المنذر، واستدلوا بما روى أبو عمير بن أنس.\nفذكر الحديث المتقدم: «فجاء ركبٌ من آخر النهار»، وهذا اللفظ عند أحمد بإسناد","vol":"1","page":291},{"text":"صحيح.\nثم قال: وقالت طائفة: تسقط، ولا تُصَلَّى بعد ذلك، كما لا تُقْضَى الجمعة إذا فاتت، وهو قول مالك، وأبي ثور، والشافعي في قول له، والقول المشهور عنه: أنه إن أمكن جمع الناس في بقية يومهم لصغر البلد؛ خرجوا، وصلوا في بقية اليوم، وإلا أخَّرُوه إلى الغد. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لحديث أبي عمير الذي في الباب، والله أعلم.\nانظر: \"التمهيد\" (١٤/ ٣٦٠)، \"الفتح لابن رجب\" (٩٦٨) \"نيل الأوطار\" (٢/ ٦١٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>مسألة: صلاة العيد ركعتان:</span>\nفي \"الصحيحين\" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ العِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا.\nقال النووي - ﵀ - في \"شرح المهذب\" (٥/ ١٧): صلاة العيد ركعتان بالإجماع، وصفتها المجزئة كصفة سائر الصلوات، وسننها وهيئاتها كغيرها من الصلوات، وينوي بها صلاة العيد. اهـ انظر: \"المغني\" (٣/ ٢٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>مسألة: التنفل قبل صلاة العيد، وبعدها:</span>\nفي \"الصحيحين\" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ العِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا.","vol":"1","page":292},{"text":"قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: فَذَكَرَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ: الْكُوفِيُّونَ يُصَلُّونَ بَعْدهَا لَا قَبْلهَا، وَالْبَصْرِيُّونَ يُصَلُّونَ قَبْلهَا لَا بَعْدهَا، وَالْمَدَنِيُّونَ لَا قَبْلهَا وَلَا بَعْدهَا.\nقال الحافظ: وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَنَفِيَّة، وَبِالثَّانِي قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَجَمَاعَة، وَبِالثَّالِثِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَابْن جُرَيْجٍ، وَأَحْمَد.\nوَأَمَّا مَالِك فَمَنَعَهُ فِي المُصَلَّى، وَعَنْهُ فِي المَسْجِد رِوَايَتَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي \"الْأُمّ\" بَعْد أَنْ رَوَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس السابق، مَا نَصّه: وَهَكَذَا يُحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَتَنَفَّل قَبْلهَا وَلَا بَعْدهَا، وَأَمَّا المَأْمُوم فَمُخَالِف لَهُ فِي ذَلِكَ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وقول أحمد ومن معه هو الصواب في المسألة والله أعلم؛ لدلالة حديث ابن عباس على ذلك، ومرادهم بنفي التطوع نفي راتبة للعيد قبلها، أو بعدها، وليس مرادهم نفي التنفل المطلق، وما أحسن كلام الحافظ حيث قال: والحاصل أنَّ صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها، خلافًا لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل؛ فلم يثبت فيه منع، بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله أعلم. انظر \"الفتح\" (٩٨٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>مسألة: هل يؤذن لصلاة العيد ويقام</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب - ﵀ - في \"الفتح\" (٩٦٠): واتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث، وممن قالَ: (إنه بدعة): عبد الرحمن بن أبزى، والشعبي، والحكم. وقال ابن سيرين: وهو محدث. وقال سعيد بن المسيب، والزهري: أول من أحدث الأذان في العيدين معاوية. وقال ابن سيرين: أول من أحدثه آل مروان. وعن","vol":"1","page":293},{"text":"الشعبي، قالَ: أول من أحدثه بالكوفة ابن دراج، وكان المغيرة بن شعبة استخلفه. وقال حصين: أول من أذن في العيدين زياد. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: في \"الصحيحين\" عن ابن عباس - ﵄ -، أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له «إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر، إنما الخطبة بعد الصلاة». وروى مسلم (٨٨٥)، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، أنه قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة. وفي رواية: لا إقامة، ولا نداء، ولا شيء. وهذا يدل على نفي الأذان والإقامة، كما هو قول عامة العلماء.\nويدل على نفي قولهم: (الصلاة جامعة)، كما هو قول الجمهور، خلافًا للشافعي، وبعض الحنابلة.\nوأما المنقول عن معاوية - ﵁ -؛ فأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٩) عن وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن ابن المسيب، قال: أول من أحدث الأذان في العيد معاوية.\nوهذه الرواية رجالها ثقات؛ إلا أن رواية قتادة عن ابن المسيب فيها ضعف؛ لكونه كان يكثر التدليس عنه، كما ذكر ذلك علي بن المديني ﵀.\nولكن قد رواه عن معاوية أيضًا الزهري كما ذكر ابن رجب، وهو منقطع؛ لكون الزهري لم يسمع من معاوية - ﵁ -؛ فيتقوى الأثر بالطريقين إلى الحسن.\nوهو اجتهاد أخطأ فيه معاوية - ﵁ -، وقد خالفه في ذلك عامة الصحابة - ﵃ -.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>مسألة: عدد التكبيرات في صلاة العيد:</span>\nفي الباب ما رواه عَمْرو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: «التَّكْبِيرُ فِي الفِطْرِ سَبْعٌ فِي الأُولَى وَخَمْسٌ فِي الآخِرَة وَالقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ البُخَارِيِّ تَصْحِيحَهُ، وفي إسناده عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، وهو ضعيف، وهو حديث حسن بشاهده عن عائشة - ﵂ -: أخرجه أبو داود (١١٥٠)، وابن ماجه (١٢٨٠)، وأحمد (٦/ ٧٠)، والبيهقي (٣/ ٢٨٧) وفي إسناده ابن لهيعة، فالحديث حسن بطريقيه.\nوفي المسألة أقوالٌ، أقواها قولان:\nالقول الأول: يكبر في الأولى سبعًا، وفي الركعة الثانية خمسًا، وكلاهما قبل القراءة، وهذا قول جمهور العلماء، ورُوي عن جمعٍ من الصحابة، والتابعين.\nثم اختلف هؤلاء: هل يحسب من السبع تكبيرة الإحرام، أم لا؟\nفمنهم من قال: تحسب التحريمة من السبع، وهو قول مالك، وأحمد، وصحَّ ذلك عن ابن عباس - ﵄ -، كما في \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٧٣)، وهو ظاهر فعل أبي هريرة - ﵁ - كما في \"الموطإ\" (١/ ١٨٠)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٢٩٢) بإسناد صحيح.\nومنهم من قال: لا تحسب التحريمة من السبع، وهو قول الشافعي.\nولِلَّيث، والأوزاعي قولان كالمذهبين.\nقلتُ: وما فعله ابن عباس - ﵄ -، هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام، واختاره","vol":"1","page":295},{"text":"الإمام ابن باز رحمة الله عليهما.\nويظهر لي: أن تكبيرة الإحرام لا تدخل في السبع التكبيرات؛ لأن حديث الباب ظاهره في ذكر تكبير آخر غير تكبيرة الإحرام.\nالقول الثاني: يكبر خمسًا في الأولى، ومنها تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الركوع، بمعنى أنه يقرأ بعد أن يكبر أربع تكبيرات، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة، ثم يكبر أربعًا بتكبيرة الركوع.\nوهذا القول صحَّ عن ابن مسعود - ﵁ -، وثبت عن ابن عباس - ﵁ - في رواية عنه، وصحَّ عن ابن مسعود أنه أفتى بذلك بحضور حذيفة، وأبي موسى - ﵃ -، كما في \"الأوسط\" (٤/ ٢٧٥)، وهو قول النخعي، والثوري، وأهل الكوفة.\nوانظر: \"الأوسط\" (٤/ ٢٧٣)، \"الفتح\" لابن رجب (٩/ ٨٣ - ٨٥)، \"المغني\" (٣/ ٢٧١)، \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٧٢ - ١٧٦)، \"نيل الأوطار\" (١٢٨٩)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٢٢٠)، \"فتاوى اللجنة\" (٨/ ٢٩١)، \"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٢٩١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>مسألة: هل يرفع يديه مع التكبيرات، أم لا</span>؟\nذهب أحمد، والشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى أنه يرفع يديه؛ لأنها تشبه تكبيرة الإحرام؛ لكونها كلها في حالة القيام، وجاء عن عمر كما عند البيهقي (٣/ ٢٩٣)، أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة والعيد. وفي إسناده انقطاع، وفيه أيضًا ابن لهيعة وهو ضعيف، ومدلس. واستدل هؤلاء أيضًا بأنه قد ثبت عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يرفع يديه في صلاة الجنازة؛ فيقاس عليها صلاة العيد","vol":"1","page":296},{"text":"وذهب مالك، والثوري إلى أنه لا يرفعهما فيما عدا تكبيرة الإحرام؛ لأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - الرفع فيما سوى ذلك، وهذا القول أقرب، وهو اختيار شيخنا الإمام الوادعي - ﵀ -، وما جاء عن ابن عمر - ﵄ - إنما هو موقوف عليه، ثم هو في الجنائز؛ ولا قياس في العبادات المحضة.\nوانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٧٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>مسألة: هل يفصل بين كل تكبيرتين بذكر، أم يوالي بينها</span>؟\nذهب الشافعية، والحنابلة إلى أنه يفصل بينهما بذكر، ثم اختلفوا ما يقال: فمنهم من قال: يقول: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا)، ومنهم من قال: يقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، ومنهم من قال غير ذلك.\nوذهب مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى الموالاة بينها، فإذا كبَّر وقف يسيرًا بغير ذكر يأخذ نفسًا، ثم يكبِّر، وهكذا، وهذا القول هو الصواب؛ لعدم ورود ذكر عن النبي - ﷺ - في هذا الموضع وهو اختيار ابن القيم - ﵀ -، ورجَّحه شيخنا - ﵀ -.\nوانظر: \"الأوسط\" (٤/ ٢٨٠)، \"المغني\" (٣/ ٢٧٤)، \"نيل الأوطار\" (١٢٨٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>مسألة: حكم التكبيرات:</span>\nقال ابن قدامة - ﵀ -: والتكبيرات، والذكر بينهما سُنَّةٌ، وليس بواجب، ولا تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ولا سهوًا، ولا أعلم فيه خلافًا. اهـ\nقلتُ: أما الذكر بينهما؛ فليس بمشروع كما تقدم. وانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٧٥).","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>مسألة: من نسي التكبير وشرع في القراءة</span>؟\nمنهم من قال: يعود للتكبير، ثم يقرأ، وهو قول مالك، وأبي ثور، وقول للشافعي، ووجهٌ للحنابلة.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يعود، وهو قول للشافعي، ووجهٌ للحنابلة.\nقلتُ: والقول الثاني أرجح؛ لأنها سنة فات محلها، والله أعلم. وانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٧٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>مسألة: من شك في عدد التكبيرات</span>؟\nقال ابن قدامة - ﵀ - في \"المغني\" (٣/ ٢٧٦): وإذا شك في عدد التكبيرات؛ بنى على اليقين؛ فإن كبَّر، ثم شك: هل نوى الإحرام، أم لا؟ ابتدأ صلاته هو ومن خلفه؛ لأنَّ الأصل عدم النية؛ إلا أن يكون وسواسًا، فلا يلتفت إليه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>مسألة: متى يقال دعاء الاستفتاح</span>؟\nذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقال عقب تكبيرة الإحرام، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد.\nوذهب بعضهم إلى أنه يستفتح عقب التكبيرات كلها، وهذا قول الأوزاعي، ورواية عن أحمد.\nقال أبو عبد الله: الصواب القول الأول؛ لأنَّ الاستفتاح شرع ليستفتح به الصلاة، فكان في أولها كسائر الصلوات، وبهذا قال ابن قدامة - ﵀ -.","vol":"1","page":298},{"text":"وانظر: \"الأوسط\" (٤/ ٢٨١)، \"المغني\" (٣/ ٢٧٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>مسألة: ما الذي يستحب قراءته في صلاة العيدين</span>؟\nفي \"صحيح مسلم\" عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ - ﵁ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الأَضْحَى والفطر بِـ: ﴿ق﴾ وَ﴿اقْتَرَبَتِ﴾.\nوفي \"صحيح مسلم\" عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ -، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾»، قَالَ: «وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ».\nوقد جاء ذلك أيضًا في \"مسند أحمد\" (٥/ ٧)، عن سمرة بن جندب - ﵁ -.\nويستحب أن يقرأ في ركعتي العيد بما ورد في هذين الحديثين.\nوقد اختار القراءة بما جاء في حديث أبي واقد - ﵁ - الإمام الشافعي - ﵀ -.\nواختار أحمد القراءة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.\nقلتُ: وبأيهما قرأ؛ فقد أصاب السنة، والله أعلم. وانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>مسألة: صلاة العيدين قبل الخطبة</span>.\nفي \"الصحيحين\" عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ. وقد جاء الحديث أيضًا بنحوه عن ابن عباس، وجابر - ﵄ - وغيرهما، في \"الصحيحين\"، وغيرهما.","vol":"1","page":299},{"text":"وقد دلَّ الحديث على أنَّ خطبة العيد بعد الصلاة.\nقال ابن قدامة - ﵀ - في \"المغني\" (٣/ ٢٧٦): لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا فَعَلَاهُ، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ بَنِي أُمَيَّةَ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُمْ، وَمُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ الله - ﷺ - الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُمْ، وَعُدَّ بِدْعَةً وَمُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما الأثر عن عثمان - ﵁ - ففي \"نيل الأوطار\" (١٢٨٤): قال العراقي: لم أجد له إسنادًا. وقال أبو بكر بن العربي: يقال: إنَّ أول من قدمها عثمان، وهو كذب لا يلتفتون إليه. اهـ\nثم رأيته قد أخرجه ابن أبي شيبة (١٤/ ١٨٢) وابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٢٧٢) من طريق حُمَيْدٌ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: عُثْمَان بْنُ عَفَّانَ صَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَرَأَى نَاسًا كَثِيرًا لَمْ يُدْرِكُوا الصَّلَاةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لأن الحسن لم يدرك عثمان - ﵁ -، ثم وجدت له طريقًا أخرى: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٨٤) عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن عثمان به، وهذا إسناد ظاهره الصحة، ولعله فعل ذلك نادرًا؛ لما رآه من المصلحة في إدراك الناس الصلاة، أو يكون ما ثبت عنه في \"الصحيحين\" أرجح من هذا، والله أعلم.\nوأما الأثر عن ابن الزبير فأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٠) بإسناد صحيح.\nقال العراقي - ﵀ - كما في \"النيل\" (١٢٨٤): وأما فعل ابن الزبير فرواه ابن أبي","vol":"1","page":300},{"text":"شيبة، وإنما فعل ذلك لأمر وقع بينه وبين ابن عباس، ولعل ابن الزبير كان يرى ذلك جائزًا. اهـ\nقلتُ: وابن الزبير - ﵁ - مجتهد أخطأ؛ لأنه خالف هدي النبي - ﷺ -، وخلفائه الراشدين.\nوقد جاء عن عمر - ﵁ - أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ففي \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٧١) عن عبدة بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: كان الناس يبدءون بالصلاة ثم يثنون بالخطبة حتى إذا كان عمر، وكثر الناس في زمانه، فكان إذا ذهب يخطب ذهب جفاة الناس، فلما رأى ذلك عمر؛ بدأ بالخطبة حتى ختم بالصلاة.\nقلتُ: إسناده ظاهره الصحة، لكن قال العراقي - ﵀ - كما في \"النيل\" (١٢٨٤): وهذا الأثر وإن كان رجاله ثقات؛ فهو شاذ، مخالف لما ثبت في \"الصحيحين\" عن عمر من رواية ابنه عبد الله، وابن عباس، وروايتهما عنه أولى. اهـ\nقلتُ: ويؤيد شذوذه أن عبدة بن سليمان قد خولف في إسناده؛ فقد خالفه ابن عيينة فرواه عن يحيى بن سعيد، عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن عثمان به. وتقدم تخريج أثر عثمان قريبًا.\nفائدة: قال الحافظ - ﵀ - في \"الفتح\" [باب (٧) من كتاب العيدين]: واختلف في أول من غيَّر ذلك، فرواية طارق بن شهاب عن أبي سعيد عند مسلم صريحة في أنه","vol":"1","page":301},{"text":"مروان (^١).\nوقيل: بل سبقه إلى ذلك عثمان. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم. يعني على العادة، فرأى ناسًا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك، أي: صار يخطب قبل الصلاة (^٢).\nوهذه العلة غير التي اعتل بها مروان؛ لأن عثمان رأى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته؛ لما فيها من سب من لا يستحق السب، والإفراط في مدح بعض الناس. فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه.\nويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانًا بخلاف مروان فواظب عليه؛ فلذلك نسب إليه، وقد روي عن عمر مثل فعل عثمان، قال عياض ومن تبعه: لا يصح عنه. وفيما قالوه نظر؛ لأن عبدالرزاق وابن أبي شيبة روياه جميعًا عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يوسف بن عبد الله بن سلام. وهذا إسناد صحيح، لكن يعارضه حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي بعده، وكذا حديث ابن عمر؛ فإن جمع بوقوع ذلك منه نادرًا وإلا فما في \"الصحيحين\" أصح.\nوقد أخرج الشافعي عن عبد الله بن يزيد نحو حديث ابن عباس، وزاد: حتى قدم معاوية، فقدم الخطبة. فهذا يشير إلى أن مروان إنما فعل ذلك تبعًا لمعاوية؛ لأنه كان أمير المدينة من جهته، وروى عبدالرزاق عن ابن جريج، عن الزهري قال: أول من أحدث\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٩).\n(^٢) منقطع؛ فالحسن لم يسمع من عثمان - ﵁ -، وتقدم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":302},{"text":"الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية.\nوروى ابن المنذر عن ابن سيرين: أن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة. قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان؛ لأن كلًّا من مروان وزياد كان عاملًا لمعاوية فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله، والله أعلم. اهـ\nقلت: الأثر عن معاوية - ﵁ - لا يثبت:\nأخرجه الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٣٥) عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عبد الله بن يزيد الخطمي به. وهذا إسنادٌ تالف؛ إبراهيم بن أبي يحيى قد كذب، وداود بن الحصين لم يدرك أحدًا من الصحابة - ﵃ -.\nوأخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٨٤) عن ابن جريج، عن الزهري به، وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لأن ابن جريج قد عنعن، والزهري لم يدرك معاوية - ﵁ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>مسألة: حكم خطبة العيد:</span>\nقال الشوكاني - ﵀ - في \"نيل الأوطار\" (١٢٩٩): وقد اتَّفقَ الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا أعلم قائلًا يقول بوجوبها. اهـ\nقلتُ: والدليل على استحبابها وعدم وجوبها: فعل النبي - ﷺ -، فقد داوم عليها، ولم يأمر بها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>مسألة: كم خطبة بعد صلاة العيد</span>؟\nفي \"الصحيحين\" عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ","vol":"1","page":303},{"text":"وَعُمَرُ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ. فدل هذا الحديث على أن الإمام يخطب خطبة واحدة؛ لقوله: «قبل الخطبة»، وجاء ذلك أيضًا من حديث ابن عباس - ﵄ -، في \"الصحيحين\"، ومن حديث أبي سعيد، وجابر فيهما أيضًا، وهذا القول اختاره شيخنا الإمام الوادعي - ﵀ -، والإمام ابن عثيمين - ﵀ -.\nوقد ذهب عامة العلماء إلى أنه يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس، واستدلوا على ذلك بحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - عند البزار (٦٥٧)، وحديث جابر - ﵁ - عند ابن ماجه (١٢٨٩)، وفي كليهما أنه ﵊ كان يخطب خطبتين يوم العيد، يفصل بينهما بجلسة، وكلاهما شديد الضعف؛ فالأول في إسناده: عبد الله بن شبيب، شيخ البزار، وهو واهٍ، وفيه من لم يعرف، والثاني في إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف. وفيه: أبو بحر عبدالرحمن بن عثمان البكراوي، وهو ضعيف.\nواستدلوا بأثر موقوف عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه، أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٢٧٣) عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن عبد الله، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: السنة في التكبير يوم الأضحى، والفطر على المنبر قبل الخطبة أن يبتدئ الإمام قبل أن يخطب، وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام، ثم يخطب، ثم يجلس جلسة، ثم يقوم في الخطبة الثانية، فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام ثم يخطب.\nوهذا أثر واهٍ؛ لأن إبراهيم بن أبي يحيى هو الأسلمي، وهو متروك، وقد كذب، ثم إن الأثر أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٠) عن وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن","vol":"1","page":304},{"text":"القاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بلفظ: من السنة أن يكبر الإمام على المنبر في العيدين تسعا قبل الخطبة، وسبعا بعدها.\nوهذا إسناد صحيح، ومحمد بن عبد الرحمن، صوابه: عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله بن عبد القاري، وهو ثقة، ترجمته في الجرح والتعديل. وهذا اللفظ لا يستفاد منه خطبتان، وقوله: وسبعًا بعدها. يحمل على أنه في آخر الخطبة، والله أعلم.\nوقد أخرجه عبد الرزاق أيضًا (٣/ ٢٩٠) عن معمر، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أنه قال: «يكبر الإمام يوم الفطر قبل أن يخطب تسعا حين يريد القيام وسبعًا في». عالجته على أن يفسر لي أحسن من هذا فلم يستطع - فظننت أن قوله -: حين يريد القيام في الخطبة الآخرة.\nقلتُ: وهذا اللفظ أيضًا لا يستفاد منه الجزم بخطبتين؛ فإنما هو من ظن الراوي، والله أعلم.\nواستدلوا بالقياس على الجمعة، وهو قياس مع الفارق، ولا قياس أيضًا في الأمور التعبدية المحضة، والله أعلم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ النبي - ﷺ - لو كان يخطب خطبتين؛ لَنُقِلَ إلينا، وخير الهدي هدي رسول الله - ﷺ -.\nانظر: \"المحلى\" (٥٤٣)، \"المجموع\" (٥/ ٢٣)، \"الشرح الممتع\" (٥/ ١٩١) \"المغني\" (٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>مسألة: حكم الاستماع لخطبة العيد:</span>\nروى أبو داود (١١٥٥)، والنسائي (٣/ ١٨٥)، من رواية عطاء، عن عبد الله بن السائب - ﵁ -، قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - العيد، فلما قضى الصلاة، قال: «إنَّا نخطب؛ فمن أحب أن يجلس، فليجلس، ومن أحب أن يذهب، فليذهب».\nوقد رجَّح أبو داود إرساله، وصوَّب إرساله أيضًا أحمد، وابن معين، وأبو زرعة كما في \"الفتح\" لابن رجب (٩٧٨).\nفهذا الحديث يدل على عدم وجوب حضور الخطبة، والاستماع لها.\nواختلفوا فيما إذا حضر: هل يحرم عليه الكلام، أم لا؟\nفذهب الحنابلة في المشهور في مذهبهم إلى أنه يحرم الكلام كخطبة الجمعة.\nوذهب بعض الحنابلة، وهو مذهب الشافعية وغيرهم إلى عدم تحريم الكلام في خطبة العيد، وهذا هو الصواب؛ لعدم وجود دليل على التحريم، ولكن إذا هوَّش على غيره بالكلام؛ فيحرم من هذه الجهة، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين - ﵀ -.\nانظر: \"الإنصاف\" (٢/ ٤٠٤)، \"المجموع\" (٥/ ٢٣)، \"المغني\" (٣/ ٢٧٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>مسألة: بماذا يستفتح خطبة العيد</span>؟\nذهب كثير من الفقهاء إلى استحباب استفتاح خطبة العيد بالتكبير، واستدلوا بقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: من السنة أن يكبر الإمام على المنبر في العيدين تسعا قبل الخطبة، وسبعا بعدها.","vol":"1","page":306},{"text":"أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٠) عن وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن القاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة به. وهذا إسناد صحيح، ومحمد بن عبد الرحمن، صوابه: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، وهو ثقة، ترجمته في الجرح والتعديل.\nقلتُ: ومع صحته عن عبيد الله؛ فلا يُحْتَجُّ به، وقول التابعي: (من السنة) لا يفيد الرفع، بل هو موقوفٌ عليه، والثابت عن النبي - ﷺ - أنه كان يستفتح جميع خطبه بالحمد، والثناء.\nقال الحافظ ابن القيم - ﵀ - في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٤٧): وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد، والثناء، ولم يُحفَظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير. اهـ\nثم نقل عن شيخ الإسلام ترجيح افتتاح خطبة العيد بالحمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>مسألة: استحباب الخطبة يوم العيد بدون منبر:</span>\nفي \"الصحيحين\" عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إلَى المُصَلَّى وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nدل الحديث على أنه يُستحبُّ أن يخطب الناس قائمًا مقابلًا لهم بدون منبر، وقد بوَّبَ عليه البخاري في \"صحيحه\": [باب الخروج إلى العيدين بغير منبر].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>مسألة: يستحب المشي إلى الصلاة في العيدين:</span>\nوَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى العِيدِ مَاشِيًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وهو","vol":"1","page":307},{"text":"حديث ضعيف، في إسناده الحارث الأعور، وهو متروك.\nوقد استدل بعض أهل العلم بالحديث المتقدم على استحباب الذهاب إلى المصلَّى مشيًا، وأن لا يُركب إلا من عذرٍ، أو حاجة، قال الترمذي عقب حديث الباب: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، يستحبون أن يُخْرَجَ إلى العيد ماشيًا. اهـ.\nقلتُ: الحديث ضعيف، ولكن يدل على استحباب المشي قوله - ﷺ -: «دِيَارَكُم تُكتَبُ آثَارُكُم» أخرجه مسلم (٦٦٥) عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، وقوله: «كُلُّ خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة» متفق عليه عن أبي هريرة - ﵁ -، والله أعلم.\nوانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٦٢)، \"الأوسط\" (٤/ ٢٦٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>مسألة: أين تُصلَّى صلاة العيد</span>؟\nأخرج أبو داود (١١٦٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ العِيدِ فِي المَسْجِدِ. وهو ضعيف، في إسناده عيسى بن عبد الأعلى الفروي، وهو مجهول، وعبيد الله بن عبد الله بن موهب، وهو مجهول الحال.\nولكن دلت أدلة الشرع الواردة في رفع الحرج على أن صلاة العيد تُصلَّى في المسجد إذا احتيج إلى ذلك من مطرٍ، أو بردٍ شديد ونحوه.\nوحديث الباب، وإن كان ضعيفًا؛ فيغني عنه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقوله - ﷺ -: «إنَّ الدين يسر».","vol":"1","page":308},{"text":"وأما إذا لم يُحْتَجْ إلى المسجد؛ فالجمهور يستحبون أن تكون الصلاة في المصلَّى؛ لمداومة النبي - ﷺ - على ذلك.\nوخالف الشافعي، فقال: إنْ كان المسجد واسعًا يسعهم؛ فيصلون فيه؛ لأنها أحب الأماكن إلى الله.\nوردَّ عليه الجمهور بأنَّ النبي - ﷺ - ترك مسجده مع ما فيه من الفضيلة. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. وانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٦٠)، \"سبل السلام\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>مسألة: التعجيل بصلاة العيد:</span>\nذهب مالك، وربيعة إلى استحباب تعجيل صلاة العيد، سواء الفطر، أو الأضحى؛ لحديث عبد الله بن بسر - ﵁ - عند أبي داود (١١٣٥)، وهو في \"الصحيح المسند\" (٥٥٧): أنه خرج يوم فطر، أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا فرغنا ساعتنا هذه من الصلاة، وذلك حين التسبيح.\nوذهب الجمهور إلى استحباب تأخير الفطر شيئًا حتى يتمكن الناس من إخراج صدقة الفطر، وإدراك الصلاة، وتعجيل عيد الأضحى حتى يرجع الناس إلى ذبائحهم.\nوتفصيل الجمهور لا دليل عليه، ولكن لو عمل به مراعاةً لحاجة الناس؛ فلا بأس، والله أعلم. \"الفتح\" لابن رجب (٩٦٨)، \"المغني\" (٣/ ٢٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>مسألة: من فاتته صلاة العيد مع الإمام، فكم يصليها</span>؟\nذهب أكثر العلماء إلى أنه يصليها ركعتين، ويكبر تكبير الإمام، وهو قول عطاء، وابن","vol":"1","page":309},{"text":"سيرين، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وغيرهم؛ إلا أنَّ عطاء، والأوزاعي، وأحمد في رواية قالوا: لا يكبر كتكبير الإمام.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصليها أربعًا، ثبت ذلك عن ابن مسعود - ﵁ -، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٣)، بإسنادين: أحدهما منقطع، والثاني: فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومدلس، ولم يصرح بالسماع؛ فالأثر حسن بالطريقين.\nوهذا قول الشعبي، والثوري، وأحمد في رواية، وكأنهم قاسوها على الجمعة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ الله تعالى شرع صلاة العيد ركعتين، فما هو دليلهم أنَّ من فاتته الصلاة مع الإمام صلَّاها أربعًا؟!.\nوانظر: \"الفتح\" لابن رجب [باب (٢٥) من كتاب العيدين].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>مسألة: إذا أدرك الإمامَ وقد صلى، وهو في الخطبة</span>؟\nاختار بعض أهل العلم أنه يجلس يسمع الخطبة، ثم إذا فرغ صلَّى، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد.\nواختار الليث أنه يصلي والإمام يخطب. وللشافعية وجهان فيما إذا كان ذلك في المسجد: فمنهم من قال: يصلي التحية، ويؤخر صلاة العيد إلى عقب الخطبة. ومنهم من قال: بل يصلي العيد، وتجزئه عن تحية المسجد.\nقلتُ: والوجه الثاني أقرب وأولى، والله أعلم.","vol":"1","page":310},{"text":"وأما إذا كان في المصلَّى؛ فالمختار ما قاله أحمد، والشافعي، ومن معهما، والله أعلم.\nوانظر: \"الفتح\" لابن رجب [باب (٢٥) من كتاب العيدين].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>مسألة: هل يُشترط لصلاة العيد عدد</span>؟\nفي المسألة قولان:\nالأول: أنه لا يُشترط، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وهو قول أكثر العلماء.\nالثاني: أنه يُشترط، وهو قول أبي حنيفة، وإسحاق، وأحمد في رواية، وكأنهم قاسوه على الجمعة.\nوالقول الأول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يدل على اشتراط ذلك، والله أعلم.\nوانظر: \"الفتح\" لابن رجب [باب (٢٥) من كتاب العيدين].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>مسألة: هل يُصلي في البيت من له عذر عن الخروج إلى المصلى</span>؟\nذهب أكثر العلماء إلى أنه يصليها في بيته ركعتين كصلاة الإمام.\nوذهب الثوري، وإسحاق إلى أنه يصليها أربعًا.\nوأما الحنفية فقالوا: لا يصلي. والصواب قول الجمهور، والله أعلم.\nوانظر: \"الفتح\" لابن رجب [باب (٢٥) من كتاب العيدين].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>مسألة: هل يصلي المسافر صلاة العيد</span>؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:","vol":"1","page":311},{"text":"القول الأول: أنه لا يصليها، وهو قول جمهور الحنابلة، ورواية عن أحمد، وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأي وغيرهم.\nالقول الثاني: أنه يصليها، وهو قول مالك، والشافعي وأصحابهما، وأحمد في رواية اختارها بعض أصحابه.\nوالقول الأول أصح؛ لأنَّ النبي - ﷺ - لم يُنقل عنه أنه صلَّاها في سفره كما في حجة الوداع، وكما في فتح مكة، وغيرهما.\nوهذا القول رجَّحه الإمام ابن عثيمين - ﵀ -.\nانظر: \"الإنصاف\" (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، \"غاية المرام\" (٧/ ٢٩٥)، \"شرح ابن رجب\" [باب (٢٥) من كتاب العيدين].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>مسألة: حكم التكبير في العيدين</span>.\nاتفق العلماء على مشروعية التكبير في عيد الأضحى، وعيد الفطر؛ إلا رواية عن أبي حنيفة، والنخعي: أنه لا يكبر في عيد الفطر، وبالغ داود الظاهري، فقال بوجوب التكبير في عيد الفطر.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ - كما في \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٢٢١): أَمَّا التَّكْبِيرُ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي عِيدِ الْأَضْحَى بِالِاتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ هُوَ مَشْرُوعٌ فِي عِيدِ الْفِطْرِ: عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَذَكَرَ ذَلِكَ الطَّحَاوِي مَذْهَبًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ خِلَافُهُ لَكِنَّ التَّكْبِيرَ فِيهِ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّكْبِيرُ فِيهِ أَوْكَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا","vol":"1","page":312},{"text":"هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وَالتَّكْبِيرُ فِيهِ: أَوَّلُهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَآخِرُهُ انْقِضَاءُ الْعِيدِ وَهُوَ فَرَاغُ الْإِمَامِ مِنْ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فِي النَّحْرِ فَهُوَ أَوْكَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُشْرَعُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ. اهـ\nقال النووي - ﵀ - في \"شرح المهذب\" (٥/ ٣٢):\nوَأَمَّا التَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ فَيُشْرَعُ فِي عِيدِ الْأَضْحَى بِلَا خِلَافٍ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهَلْ يُشْرَعُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَحَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَجَمَاعَةٌ قَوْلَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يُشْرَعُ وَنَقَلُوهُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْجَدِيدِ وَقَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ صَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْمُعْتَمَدِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَفَعَلَهُ وَلَنُقِلَ (وَالثَّانِي) يُسْتَحَبُّ وَرَجَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ\nوَاحْتَجَّ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ عِيدٌ يُسَنُّ فِيهِ التَّكْبِيرُ الْمُرْسَلُ فَسُنَّ الْمُقَيَّدُ كَالْأَضْحَى فَعَلَى هَذَا قَالُوا يُكَبِّرُ خَلْفَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ نَصِّهِ في القديم.\nقلتُ: ويدل على مشروعية التكبير حديث أم عطية - ﵂ - كما في \"الصحيحين\"، وفيه: «فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ».\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣].","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>مسألة: وقت التكبير في عيد الفطر</span>.\nذهب عامة العلماء إلى أنه ينتهي بصلاة العيد، واختلفوا: متى يبدأ وقت التكبير، فذهب الشافعي وأصحابه، والحنابلة، إلى أنه يبدأ بظهور هلال شوال، وغروب شمس رمضان، وهو قول سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة، وزيد بن أسلم، واختار ذلك شيخ الإسلام - ﵀ -.\nوذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يبدأ من عند الغُدُوِّ إلى المصلَّى، منهم: مالك، والأوزاعي، وقد عُزي هذا القول للجمهور، وليس بصحيح، والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ الله ﷿ ذكر التكبير بعد انتهاء صوم رمضان، وذلك يبدأ من غروب الشمس، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٥٥)، \"الأوسط\" (٤/ ٢٥٠)، \"المجموع\" (٥/ ٤١)، \"مجموع الفتاوى\" (٢٤/ ٢٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>مسألة: وقت التكبير في عيد الأضحى</span>.\nقال الحافظ ابن رجب - ﵀ - في \"الفتح\": [كتاب العيدين، باب:١٢]، وذكر الله في هذه الأيام نوعان: أحدهما: مقيد عقيب الصلوات. والثاني: مطلق في سائر الأوقات. فأما النوع الأول: فاتفق العلماء على أنه يُشرع التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة، وليس فيهِ حديث مرفوع صحيح، بل إنما فيهِ آثار عن الصحابة ومن بعدهم، وعمل المسلمين عليهِ. اهـ\nوقد اختُلِف في أول وقت هذا التكبير على أقوال، أقواها قولان:","vol":"1","page":314},{"text":"القول الأول: أنَّ أول وقتها من صبح يوم عرفة، صحَّ هذا القول عن علي، وابن مسعود، وابن عباس - ﵃ -، وجاء عن عمر - ﵁ -، وفي إسناده: الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعن، وهذا قول أحمد، والشافعي في قول، وأصحاب الرأي وغيرهم، وعزاه شيخ الإسلام إلى الجمهور.\nالقول الثاني: أنه يبدأ من صلاة الظهر يوم النحر؛ لأنَّ الحُجَّاج مشغولون قبل ذلك بالتلبية، وهذا القول جاء عن ابن عمر، وفي إسناده: عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، ورُوي عن عمر بن عبد العزيز، وهو قول مالك، والشافعي في المشهور عنه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لحديث أنس في \"الصحيحين\"، وابن عمر في \"مسلم\" أنهم كانوا يوم عرفة يَغْدُون إلى عرفة، منهم الملبِّي، ومنهم المكَبِّر، ولا ينكر أحدهم على صاحبه. وقد رجح هذا القول شيخ الإسلام - ﵀ - كما في \"الفتاوى\" (٢٤/ ٢٢٠).\nمسألة: آخر وقت التكبير في الأضحى.\nذهب أحمد، والشافعي في قولٍ، إلى أنه ينتهي في صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وصحَّ هذا عن ابن عباس، وعلي - ﵃ -، وجاء عن عمر - ﵁ -، وفيه: حجاج بن أرطاة، وهو قول الثوري، وإسحاق، وعزاه ابن رجب، وشيخ الإسلام لأكثر العلماء، وصححه شيخ الإسلام - ﵀ -، واختاره الإمام ابن باز.\nوذهب مالك، والشافعي في المشهور، إلى أنَّ التكبير يستمر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وجاء عن ابن عمر بإسناد فيه: عبد الله بن","vol":"1","page":315},{"text":"عمر العمري، وهو ضعيف.\nوذهب أصحاب الرأي، وجماعة من أصحاب ابن مسعود - ﵁ - إلى أنَّ التكبير يستمر إلى صلاة العصر من يوم النحر، وصحَّ هذا عن ابن مسعود - ﵁ -.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، إلا أنه لا يقيد انتهاؤه بصلاة العصر، ولكن بغروب الشمس، وتقييده بصلاة العصر باعتبار التكبير المقيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وقوله - ﷺ -: «أيام التشريق أيام أكل، وشرب، وذكر لله»، وهذا يشمل جميع أيام التشريق، فمن قطع التكبير قبل انتهاء هذه الأيام؛ فعليه البرهان، والله أعلم.\nانظر: \"المغني\" (٣/ ٢٨٨)، \"الأوسط\" (٤/ ٣٠٠)، \"المجموع\" (٥/ ٣١، و٣٩)، \"ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٦٥) \"الفتح لابن رجب\" (كتاب العيدين/باب ١٢).\nتنبيه: تقدم أنَّ ابن رجب نقل الاتفاق على مشروعية التكبير عقب الصلوات في عيد الأضحى، وقد نقل الإجماع أيضًا النووي - ﵀ - في \"المجموع\" (٥/ ٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>مسألة: المسبوق في الصلاة متى يكبر</span>؟\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يكَبِّرُ بعد أن يقضي ما سبقه.\nوذهب الحسن، ورُوي عن عطاء أنه يُكبِّر ويقضي، وعن مجاهد، ومكحول: يكبر، ثم يقضي، ثم يكبر، وهذان القولان بعيدان، والله أعلم. انظر: \"الأوسط\" (٤/ ٣٠٨).","vol":"1","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>مسألة: هل يكبر عقب النوافل</span>؟\nذهب أبو جعفر الصادق، والشافعي في أحد قوليه وهو الأشهر، واختاره ابن المنذر، أنه يكبر عقب النوافل، كما يكبر عقب الفرائض.\nوذهب أكثر العلماء إلى التكبير عقب الفرائض فقط؛ لأنَّ هذا هو الثابت عن الصحابة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: العمل على ما جاء عن الصحابة، وهو التكبير عقب الفرائض فقط، والله أعلم.\nانظر: \"الأوسط\" (٤/ ٣٠٨)، \"المجموع\" (٥/ ٣٩)، \"ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٦٥) \"الفتح لابن رجب\" (كتاب العيدين/باب ١٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>مسألة: من صلَّى الفرض وحده، فهل يكبِّر</span>؟\nفيه قولان:\nالأول: لا يكبر، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية.\nالثاني: يكبر، وهو قول الشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والثوري في رواية، ومالك، والنخعي، والشافعي، وأحمد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يستحب له التكبير عقب صلاته، كما لو كان مع الجماعة.\nانظر: \"الأوسط\" (٤/ ٣٠٥)، \"الفتح لابن رجب\" (كتاب العيدين/باب ١٢).","vol":"1","page":317},{"text":"مسألة: هل يكبر المسافر؟\nذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ المسافر يكبر أيضًا، وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يكبر؛ إلا إذا اقتدى بمقيم، ولا دليل على ما ذهب إليه.\nانظر: \"الأوسط\" (٤/ ٣٠٦)، \"الفتح لابن رجب\" (كتاب العيدين/باب ١٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>مسألة: تكبير النساء</span>.\nأما إذا صَلَّيْنَ مع الرجال؛ فقد قال ابن رجب - ﵀ - في \"الفتح\" [باب (١٢) من كتاب العيدين]: ولا خلاف أنَّ النساء يُكبِّرنَ مع الرجال تبَعًا إذا صلين معهم جماعة، ولكن المرأة تخفض صوتها. اهـ\nوأما إذا صلَّيْنَ منفردات في جماعة، فقال مالك، وأحمد والثوري في رواية عنهما: يُكبِّرنَ. وقال أبو حنيفة، وأحمد والثوري في رواية عنهما: لا يكبرن.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الشرع عام، والحكم للنساء كالحكم للرجال، فيشرع لهن التكبير.\nانظر: \"الأوسط\" (٤/ ٣٠٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>مسألة: إظهار التكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار</span>.\nقال ابن رجب - ﵀ - في \"الفتح\" [باب (١٢) من كتاب العيدين]: وهو إجماعٌ من العلماء لا يُعلم بينهم فيه خلاف في عيد النحر. -يعني في إظهار التكبير عند الخروج إلى العيدين-.","vol":"1","page":318},{"text":"ثم قال: وعن النخعي، وأبي حنيفة: أنه لا يكبر في عيد الفطر بالكلية، ورُوي عنهما موافقة الجماعة. انتهى باختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>مسألة: صيغة التكبير في العيدين</span>.\nورد عن الصحابة، وأهل العلم صيغ مختلفة:\nفمنهم من اختار أن يقول: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد). ثبت هذا عن علي، وابن مسعود، وجاء عن عمر بإسنادٍ فيه: الحجاج بن أرطاة.\nوهذا قول النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، ومحمد بن الحسن.\nومنهم من قال: يكبر ثلاثًا (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، وهذا قول مالك، والشافعي، والحسن.\nومنهم من قال: يقول: (الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر تكبيرًا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد)، وصح هذا القول عن ابن عباس - ﵄ -.\nوجاء عن ابن عمر - ﵄ -: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، وفي إسناده: عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيفٌ.\nوجاء عن سلمان الفارسي - ﵁ -: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا). أخرجه عبدالرزاق بإسناد صحيح، قاله الحافظ ابن حجر - ﵀ - في \"الفتح\" (٩٧٠).\nوذهب بعض أهل العلم إلى عدم التوقيت، والتحديد في ذلك. وهو قول الحكم،","vol":"1","page":319},{"text":"وحماد، وجاء عن أحمد أنه قال: هو واسع.\nوفي \"تفسير القرطبي\": قال ابن المنذر: وكان مالك لا يحد فيه حدًّا.\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب في المسألة، والله أعلم.\nفائدة: قال الشافعي - ﵀ - في \"الأم\" (١/ ٢٧٦): وَالتَّكْبِيرُ كما كَبَّرَ رسول اللَّهِ - ﷺ - في الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. فَيَبْدَأُ الْإِمَامُ فيقول: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ حتى يَقُولَهَا ثَلَاثًا. وَإِنْ زَادَ تَكْبِيرًا فَحَسَنٌ.\nوَإِنْ زَادَ فقال: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ مُخْلِصِينَ له الدَّيْنَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. فَحَسَنٌ.\nوما زَادَ مع هذا من ذِكْرِ اللَّهِ أَحْبَبْتُهُ غير أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ نَسْقًا وَإِنْ اقْتَصَرَ على وَاحِدَةٍ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ بَدَأَ بِشَيْءٍ من الذِّكْرِ قبل التَّكْبِيرِ أو لم يَأْتِ بِالتَّكْبِيرِ فَلَا كَفَّارَةَ عليه. اهـ\nقلتُ: إن قالها بدون تحرٍ لها، أو تفضيل؛ فلا بأس بذلك، وإن اقتصر على ما جاء عن الصحابة؛ فهو أحب إلينا.\nانظر: \"الأوسط\" (٤/ ٣٠٣)، \"المجموع\" (٥/ ٤٠)، \"ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٦٧) \"المغني\" (٣/ ٢٩٠).\nفائدة أخرى: قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها. اهـ","vol":"1","page":320},{"text":"قلتُ: ومن ذلك ما يزيده بعضهم من الصلاة على النبي - ﷺ - في هذا الموضع، ويكررون ذلك، ولم يفعل ذلك السلف، ولم يستحبه العلماء في هذا الموضع.\nتنبيه: التكبير الجماعي بصوت واحد ليس بمشروع، بل ذلك من البدع، ولكن يجهر كل واحد بالتكبير بدون التزام صوت واحد؛ لأنَّ ذلك لم يثبت عن النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ -، وفي الحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». انظر: \"فتاوى اللجنة الدائمة\" (٨/ ٣١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>مسألة: استحباب مخالفة الطريق عند الرجوع من المصلى:</span>\nفي \"صحيح البخاري\" (٩٨٦) عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا كَانَ يَوْمُ العِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.\nقال الحافظ ابن رجب - ﵀ - في \"الفتح\" (٩٨٦): وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يُكره. انتهى المراد.\nقال الحافظ ابن القيم - ﵀ - في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٤٩) وهو يذكر الاختلاف في بيان الحكمة من ذلك-، قال: قِيْلَ: لِيُسَلّمَ عَلَى أَهْلِ الطّرِيقَيْنِ. وَقِيلَ. لِيَنَالَ بَرَكَتَهُ الْفَرِيقَانِ. وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ فِي سَائِرِ الْفِجَاجِ وَالطّرُقِ. وَقِيلَ: لِيَغِيظَ الْمُنَافِقِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ عِزّةَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلَهُ، وَقِيَامَ شَعَائِرِهِ. وَقِيلَ: لِتَكْثُرَ شَهَادَةُ الْبِقَاعِ؛ فَإِنَّ الذّاهِبَ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمصَلّى إحْدَى خُطْوَتَيْهِ تَرْفَعُ دَرَجَةً وَالْأُخْرَى تَحُطّ خَطِيئَةً حَتّى يَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهِ. وَقِيلَ وَهُوَ الْأَصَحّ: إنّهُ لِذَلِكَ كُلّهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحِكَمِ الّتِي لَا يَخْلُو فِعْلُهُ عَنْهَا. اهـ","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>مسألة: مشروعية إظهار السرور في الأعياد فيما أباحه الله:</span>\nوَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: «قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.\nقال المغربي - ﵀ - في \"البدر التمام\" (٤/ ٤٤): في الحديث دلالة على أنَّ السرور، وإظهار النشاط والحبور في العيدين مندوبٌ، وأنَّ ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده؛ إذ في إبدال عيدي الجاهلية بالعيدين المذكورين دلالة على أنه يفعل في العيدين المشروعين مثلما تفعله الجاهلية في أعيادها، وإنما خالفهم في تعيين الوقت. اهـ\nقال الصنعاني - ﵀ - في \"السبل\": ومراده من أفعال الجاهلية ما ليس بمحظور، ولا شاغل عن طاعة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>مسألة: إباحة اليسير من الغناء للنساء في الأعراس والأعياد والمسَرَّات باستخدام الدف لا غيره من المعازف:</span>\nفي \"الصحيحين\" عن عائشة - ﵂ -، أنَّ أبا بكر دخل بيتها، والنبي - ﷺ - مضطجعٌ، وعندها جاريتان تغنِّيان، وتضربان بالدف، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: «دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد»، وفي رواية: «إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا».\nوفي \"سنن الترمذي\" (٣٦٩٠) عن بُرَيْدَةَ - ﵁ -، يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ","vol":"1","page":322},{"text":"إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلَاّ فَلَا». فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ».\nوفي \"صحيح البخاري\" (٥١٦٢) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا زَفَّتِ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -: «يَا عَائِشَةُ، مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ؟ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ»\nقال الحافظ ابن رجب - ﵀ - (٩٥٢): قوله: «وهذا عيدنا» يريد أنَّ إظهار السرور في العيد من شعار الدين، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير. اهـ\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في كتابه \"الاستقامة\" (١/ ٢٧٥ -):\nيرخص للنِّسَاء فِي الْغناء وَالضَّرْب بالدف فِي الأفراح مثل قدوم الْغَائِب وَأَيَّام الأعياد، بل يؤمرون بذلك فِي العُرْسَات كَمَا روي «اعلنوا النِّكَاح واضربوا عَلَيْهِ بالدف» (^١) وَهُوَ مَعَ ذَلِك بَاطِل كَمَا فِي الحَدِيث الَّذِي فِي \"السّنَن\" أَن امْرَأَة نذرت أَن تضرب لقدوم رَسُول الله - ﷺ - فَلَمَّا قدم عمر أمرهَا بِالسُّكُوتِ وَقَالَ: إِن هَذَا رجل لَا\n_________\n(^١) حسن: أخرجه أحمد (٤/ ٥)، الحاكم (٢/ ١٨٣)، عن عبد الله بن الزبير - ﵁ -، وأخرجه أحمد (٣/ ٤١٨)، والترمذي (١٠٨٨)، والنسائي (٦/ ١٢٧)، وابن ماجه (١٨٩٦)، من حديث محمد بن حاطب - ﵁ -، وهو حسن بالطريقين.","vol":"1","page":323},{"text":"يحب الْبَاطِل (^١).\nوَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ: «كل لَهو يلهو بِهِ الرجل فَهُوَ بَاطِل إِلَّا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبة امْرَأَته فَإِنَّهُنَّ من الْحق» (^٢).\nوَالْبَاطِل من الْأَعْمَال هُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَة فَهَذَا يرخص فِيهِ للنفوس الَّتِي لَا تصبر على مَا ينفع وَهَذَا الْحق فِي الْقدر الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْأَوْقَات الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِك الأعياد والأعراس وقدوم الْغَائِب وَنَحْو ذَلِك.\nوَهَذِه نفوس النِّسَاء وَالصبيان فهن اللواتي كن يغنين فِي ذَلِك على عهد النَّبِي - ﷺ - وخلفائه ويضربن بالدف وَأما الرِّجَال فَلم يكن ذَلِك فيهم بل كَانَ السّلف يسمون الرجل المغنى مخنثا لتشبهه بِالنسَاء.\nوالرُّخْصَة فِي الْغناء فِي أَوْقَات الأفراح للنِّسَاء وَالصبيان أَمر مَضَت بِهِ السّنة كَمَا يرخص لَهُم فِي غير ذَلِك من اللّعب وَلَكِن لَا يَجْعَل الْخَاص عَاما، وَلِهَذَا لما قَالَ أَبُو بكر أمزمور الشَّيْطَان فِي بَيت رَسُول الله - ﷺ - لم يُنكر النَّبِي - ﷺ - هَذِه التَّسْمِيَة وَالصَّحَابَة لم يَكُونُوا يفضلون شَيْئا من ذَلِك، وَلَكِن ذكر النَّبِي - ﷺ - أمرا خَاصّا بقوله «إِن لكل قوم عيدا وَهَذَا عيدنا».اهـ\n_________\n(^١) قوله: «إِن هَذَا رجل لَا يحب الْبَاطِل» جاء في ضمن حديث آخر أخرجه أحمد في \"فضائل الصحابة\" (٣٣٤)، وفي \"المسند\" (١٥٥٨٥) من حديث الأسود بن سريع - ﵁ -، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.\n(^٢) صحيح لغيره: أخرجه أحمد (١٧٣٠٠)، وابن ماجه (٢٨١١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤٤٠٤) عن عقبة بن عامر - ﵁ -، وهو حديث صحيح بشواهده.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>مسألة: حكم ضرب الدف من الرجال:</span>\nقال الحافظ ابن رجب - ﵀ - في \"الفتح\" (٩٥٢): وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء؛ لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي والتزين بالحرير، والذهب، وإنما أُبيح للرجال منها اليسير دون الكثير، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور، وإن سمع ذلك الرجال تبعًا؛ ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال؛ فإنه من التشبه بالنساء، وهو ممنوع منه، هذا قول الأوزاعي، وأحمد، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية، وإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي - ﷺ - النساء، أو من يشبه بهن من المخنثين، وقد أمر النبي - ﷺ - بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت. اهـ\nقلتُ: ويدل على تحريم ضرب الدف في حق الرجال قول أبي بكر في الحديث المتقدم: «أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله»، وأقرَّه النبي - ﷺ - على ذلك، وإنما أباحه للنساء بسبب أنها أيام العيد كما في الحديث.\nقال ابن رجب - ﵀ - (٩٥٢): وقد أقرَّ أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع. اهـ\nويدل على تحريمه في حق الرجال أيضًا دخوله في عموم حديث أبي عامر الأشعري - ﵀ - في \"البخاري\" (٥٥٩٠): «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف»، والدف من المعازف، والله أعلم.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>مسألة: حكم الدف في حق النساء</span>.\nإذا كان خاليًا من الجلاجل المصوتة ونحوها؛ فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنه يرخص فيه مطلقًا للنساء، رُوي عن أحمد ما يشهد له، واختاره طائفة من أصحابه.\nالثاني: إنما يرخص فيه في الأعراس ونحوها، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وهو قول كثير من الحنابلة، أو أكثرهم.\nالثالث: أنه لا يرخص فيه بحال، وهو قول النخعي، وأبي عبيد، وطائفة من أصحاب ابن مسعود - ﵁ -.\nقلتُ: القول الثاني هو الصواب؛ للأحاديث المتقدمة في المسألة قبلها؛ لأنَّ الأحاديث التي فيها الرخصة للنساء بضرب الدف جاءت في المسرَّة، وما أشبهها، والله أعلم.\nوانظر: \"الفتح\" لابن رجب (٩٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>مسألة: الدف إذا كان مجلجلا</span>.\nقال ابن رجب - ﵀ - \"الفتح\" (٩٥٢): وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة؛ لأن غناءهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب. اهـ","vol":"1","page":326},{"text":"وقال - ﵀ - أيضًا: وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم؛ فمحرم مُجمع على تحريمه، ولا يعلم عن أحد منه الرخصة في شيء من ذَلِكَ، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به؛ فقد كذب وافترى. اهـ.\nوانظر: كتاب \"تحريم آلات اللهو والطرب\" للألباني﵀ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>مسألة: الغناء المهيج للطباع:</span>\nقال الحافظ ابن رجب - ﵀ - في \"الفتح\" (٩٥٢): وأما الغناء المهيج للطباع، المثير للهوى؛ فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله، ولا استماعه؛ فإنه داع إلى الفسق، والفتنة في الدين، والفجور؛ فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة؛ فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع؛ ولهذا جعل النبي - ﷺ - زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع. اهـ\n\nسبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك\nتم بحمد الله ليلة السبت الموافق ٧/ ربيع الأول / ١٤٤٢ من الهجرة النبوية\nالحمد لله أولا وآخرا وسرا وجهارا وليلا ونهار لا نحصي ثناء على الله جل وعلا فهو كما أثنى على نفسه\n\n....","vol":"1","page":327}]}