{"ً":{"ٌ":233,"ٍ":"المجموع الثمين في حكم دعاء غير رب العالمين","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: المجموع الثمين في حكم دعاء غير رب العالمين\nجمع وإعداد: الدكتور/ محمد بن عبد الله المقشي\nعدد الصفحات: ١٣٧\n[الكتاب غير مطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3087,"ٕ":1,"ٖ":1780758509,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الإمام نعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري","level":1,"page":3},{"title":"شيخ المفسرين ابن جرير الطبري","level":1,"page":3},{"title":"إمام الأئمة ابن خزيمة","level":1,"page":4},{"title":"الإمام أبو بكر الخلال","level":1,"page":4},{"title":"الإمام أبو عبد الله ابن بطة العكبري","level":1,"page":4},{"title":"الإمام أبو سليمان الخطابي","level":1,"page":4},{"title":"الإمام أبو عبد الله الحليمي","level":1,"page":5},{"title":"الحافظ البيهقي","level":1,"page":5},{"title":"القاضي أبو يعلى ابن الفراء الحنبلي","level":1,"page":5},{"title":"الحافظ ابن عبد البر","level":1,"page":6},{"title":"أبوالقاسم القشيري","level":1,"page":6},{"title":"أبوالمظفر السمعاني","level":1,"page":6},{"title":"الراغب الأصفهاني","level":1,"page":6},{"title":"الإمام أبو حامد الغزالي","level":1,"page":6},{"title":"الإمام البغوي","level":1,"page":7},{"title":"ابن عقيل إمام الحنابلة ببغداد","level":1,"page":7},{"title":"ابن مفلح","level":1,"page":8},{"title":"الإمام أبو بكر الطرطوشي","level":1,"page":8},{"title":"قوام السنة الأصبهاني الشافعي","level":1,"page":8},{"title":"الإمام أبو عبد الله المازري المالكي","level":1,"page":8},{"title":"أبوالفتح الشهرستاني الشافعي","level":1,"page":8},{"title":"الشيخ العارف عبد القادر الجيلاني","level":1,"page":9},{"title":"الفخر الرازي","level":1,"page":9},{"title":"أبوالسعادات ابن الأثير","level":1,"page":11},{"title":"سلطان العلماء العز بن عبد السلام","level":1,"page":11},{"title":"الحافظ أبو شامة المقدسي الشافعي","level":1,"page":12},{"title":"أبوعبد الله القرطبي","level":1,"page":12},{"title":"العلامة أبو عبد الله الرازي الحنفي","level":1,"page":13},{"title":"الإمام النووي","level":1,"page":13},{"title":"الإمام القرافي المالكي","level":1,"page":13},{"title":"القاضي ناصر الدين البيضاوي","level":1,"page":13},{"title":"العلامة علي بن داود ابن العطار تلميذ الإمام النووي","level":1,"page":14},{"title":"شيخ الإسلام ابن تيمية","level":1,"page":14},{"title":"الفرق بين التوسل والاستغاثة","level":2,"page":15},{"title":"الشرك في بني آدم أكثره عن أصلين","level":2,"page":19},{"title":"الحافظ ابن عبد الهادي","level":1,"page":23},{"title":"العلامة أبو حيان الأندلسي","level":1,"page":23},{"title":"الحافظ أبو عبد الله الذهبي","level":1,"page":23},{"title":"الحافظ ابن القيم","level":1,"page":24},{"title":"عضد الدين الإيجي","level":1,"page":26},{"title":"الحافظ ابن كثير","level":1,"page":26},{"title":"الإمام الأذرعي الشافعي","level":1,"page":28},{"title":"ابن أبي العز الحنفي","level":1,"page":28},{"title":"سعد الدين التفتازاني","level":1,"page":28},{"title":"الحافظ ابن رجب الحنبلي","level":1,"page":28},{"title":"ابن النحاس الشافعي","level":1,"page":29},{"title":"الفقيه العلامة ولي الدين العراقي الشافعي","level":1,"page":29},{"title":"العلامة تقي الدين المقريزي الشافعي","level":1,"page":29},{"title":"نظام الدين النيسابوري","level":1,"page":31},{"title":"الحافظ ابن حجر العسقلاني","level":1,"page":31},{"title":"العلامة بدر الدين حسين بن عبد الرحمن الأهدل الشافعي","level":1,"page":31},{"title":"الإمام قاسم بن قطلوبغا","level":1,"page":32},{"title":"العلامة أبو الحسن المرداوي","level":1,"page":32},{"title":"الشيخ زكريا الأنصاري","level":1,"page":33},{"title":"محيي الدين شيخ زاده","level":1,"page":33},{"title":"العلامة ابن نجيم الحنفي","level":1,"page":33},{"title":"الإمام تقي الدين محمد بن بير علي البركوي الرومي الحنفي","level":1,"page":33},{"title":"الإمام محمد بن طاهر الفتني","level":1,"page":34},{"title":"العلامة المناوي","level":1,"page":35},{"title":"العلامة محمد بن أحمد الشامي المعروف","level":1,"page":35},{"title":"العلامة عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المدعو بشيخي زاده","level":1,"page":35},{"title":"العلامة علاء الدين الحصكفي الحنفي","level":1,"page":35},{"title":"العلامة ابن عابدين","level":1,"page":35},{"title":"الشيخ محمد بن بسطام الخوشابي الواني","level":1,"page":36},{"title":"العلامة صالح بن مهدي المقبلي","level":1,"page":36},{"title":"العلامة الملا علي القاري","level":1,"page":37},{"title":"العلامة أحمد بن عبد الأحد السرهندي","level":1,"page":38},{"title":"الإمام أحمد بن محمد الرومي الأقحصاري الحنفي","level":1,"page":39},{"title":"العلامة منصور بن يونس البهوتي الحنبلي","level":1,"page":39},{"title":"العلامة صنع الله الحلبي المكي الحنفي","level":1,"page":40},{"title":"الإمام الشاه عبد العزيز الملقب عند الحنفية بسراج الهند","level":1,"page":42},{"title":"الإمام المجدد الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي","level":1,"page":42},{"title":"تعداده للأمور التي جعلها الله في الشريعة الإسلامية من مظنات الشرك","level":2,"page":43},{"title":"العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني","level":1,"page":43},{"title":"والنذر بالمال للميت ونحوه","level":2,"page":44},{"title":"العلامة حسين بن مهدي النعمي الحسني التهامي","level":1,"page":47},{"title":"العلامة محمد بن سليمان الكردي الشافعي الأشعري","level":1,"page":51},{"title":"العلامة عبد الخالق بن علي المزجاجي الحنفي الزبيدي","level":1,"page":51},{"title":"العلامة مرتضى الزبيدي","level":1,"page":52},{"title":"الإمام عبد القادر بن أحمد الكوكباني","level":1,"page":52},{"title":"لقاضي ثناء الله الباني بتي","level":1,"page":53},{"title":"الشاه عبد القادر ابن الإمام ولي الله الدهلوي","level":1,"page":53},{"title":"العلامة الحسن بن خالد الحازمي الحسني","level":1,"page":53},{"title":"العلامة علي بن محمد سعيد السويدي الشافعي","level":1,"page":54},{"title":"العلامة إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الشهيد","level":1,"page":55},{"title":"الإمام محمد بن علي الشوكاني","level":1,"page":57},{"title":"العلامة محمد بن محسن العطاس","level":1,"page":62},{"title":"العلامة محمد عابد السندي","level":1,"page":62},{"title":"الشاه محمد إسحاق الدهلوي","level":1,"page":63},{"title":"العلامة عبد الله بن أحمد باسودان","level":1,"page":63},{"title":"الإمام محمود الآلوسي المفسر","level":1,"page":63},{"title":"العلامة محمد بن ناصر الحازمي الحسني التهامي","level":1,"page":66},{"title":"الشيخ فضل الله الجيلاني الهندي الحنفي","level":1,"page":68},{"title":"العلامة عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي","level":1,"page":69},{"title":"العلامة محمد صديق خان القنوجي","level":1,"page":69},{"title":"الشيخ نعمان الألوسي ولد الإمام المفسر","level":1,"page":69},{"title":"العلامة علي بن أحمد باصبرين","level":1,"page":72},{"title":"الشيخ محمد عبده","level":1,"page":73},{"title":"الفقيه المحدث محمد بشير بن محمد بدر الدين السهسواني","level":1,"page":74},{"title":"انواع الاستغاثة بالمخلوق","level":2,"page":79},{"title":"الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي","level":1,"page":81},{"title":"العلامة جمال الدين القاسمي","level":1,"page":82},{"title":"الشيخ الأديب الشاعر إلطاف حسين الحالي","level":1,"page":82},{"title":"العلامة محمد طيب المكي","level":1,"page":82},{"title":"الشيخ محمود شكري الآلوسي حفيد المفسر","level":1,"page":84},{"title":"البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد","level":1,"page":87},{"title":"الأديب مصطفى المنفلوطي","level":1,"page":87},{"title":"العلامة عبد القادر بن أحمد بن بدران الدمشقي","level":1,"page":89},{"title":"القاضي العلامة عقيل بن يحيى الإرياني","level":1,"page":90},{"title":"العلامة أبو بكر محمد عارف خوقير الكتبي المكي","level":1,"page":91},{"title":"العلامة محمد محمود خطاب السبكي","level":1,"page":92},{"title":"العلامة محمد بن عثمان الشاوي","level":1,"page":92},{"title":"الشيخ محمد رشيد رضا","level":1,"page":92},{"title":"الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق قسمان","level":2,"page":98},{"title":"العلامة محمد بن أحمد العبدي الكانوني المالكي","level":1,"page":99},{"title":"العلامة علي محفوظ الحنفي المصري","level":1,"page":100},{"title":"العلامة مبارك بن محمد الميلي المغربي المالكي","level":1,"page":101},{"title":"العلامة التراد بن العباس الفاضلي الشنقيطي","level":1,"page":103},{"title":"الداعية الشهير حسن البناء","level":1,"page":103},{"title":"العلامة أحمد بن مصطفى المراغي","level":1,"page":103},{"title":"العلامة محمد فريد وجدي","level":1,"page":105},{"title":"العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف","level":1,"page":105},{"title":"الشيخ محمد جميل الشطي الحنبلي","level":1,"page":105},{"title":"العلامة محمد سلطان المعصومي الخجندي الحنفي","level":1,"page":106},{"title":"العلامة مفتي الثقلين خير الدين الرملي الحنفي","level":1,"page":106},{"title":"العلامة علوي بن طاهر الحداد","level":1,"page":108},{"title":"العلامة المحدث ذهبي العصر عبد الرحمن المعلمي","level":1,"page":109},{"title":"العلامة أمين محمود خطاب السبكي","level":1,"page":113},{"title":"العلامة أحمد بن محمد بن عوض العبادي","level":1,"page":113},{"title":"العلامة محمد بن عمر العماري","level":1,"page":114},{"title":"الشيخ محمد بن سالم البيحاني","level":1,"page":116},{"title":"العلامة محمد الأمين الشنقيطي","level":1,"page":117},{"title":"العلامة حسن مأمون مفتي الديار المصرية","level":1,"page":121},{"title":"العلامة محمد كنون المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب","level":1,"page":121},{"title":"القاضي العلامة عبد الله بن عوض بكير","level":1,"page":122},{"title":"أبو الأعلى المودودي","level":1,"page":123},{"title":"الشيخ غلام الله خان الملقب بشيخ القرآن","level":1,"page":123},{"title":"العلامة محمد علي بافضل","level":1,"page":123},{"title":"الشيخ محمد طاهر ابن آصف الفنجفيري","level":1,"page":126},{"title":"العلامة محمد نسيب الرفاعي الحلبي","level":1,"page":126},{"title":"العلامة محمد المكي الناصري","level":1,"page":127},{"title":"العلامة المباركفوري","level":1,"page":127},{"title":"العلامة نقيب أحمد الرباطي الملقب عند الحنفية المعاصرة","level":1,"page":127},{"title":"الشيخ محمد الغزالي","level":1,"page":128},{"title":"العلامة عبد الله بن محفوظ الحداد","level":1,"page":130},{"title":"الشيخ أبو الحسن الندوي","level":1,"page":131},{"title":"الشيخ محمد الخضر الناجي الجكني الشنقيطي","level":1,"page":132},{"title":"الشيخ الحسين بن عبد الرحمن الجكني الشنقيطي","level":1,"page":132},{"title":"الشيخ مأمون محمد أحمد بن أمينوه الشنقيطي","level":1,"page":133},{"title":"العلامة محمد سالم بن عبد الودود الشنقيطي المشهور بعدود","level":1,"page":133},{"title":"العلامة يوسف القرضاوي","level":1,"page":134},{"title":"العلامة علي سالم سعيد بكير","level":1,"page":135},{"title":"العلامة عبد السلام الرستمي","level":1,"page":135},{"title":"العلامة أبو بكر بن محمد الحنبلي المصري","level":1,"page":136},{"title":"فتوى لمجموعة من علماء اليمن المعاصرين","level":1,"page":137}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137},"ٜ":{"1":[1,137]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3],"4":[4,5,6,7],"5":[8,9,10],"6":[11,12,13,14,15],"7":[16,17],"8":[18,19,20,21,22],"9":[23,24],"11":[25,26],"12":[27,28],"13":[29,30,31,32],"14":[33,34],"15":[35],"19":[36],"23":[37,38,39],"24":[40],"26":[41,42],"28":[43,44,45,46],"29":[47,48,49],"31":[50,51,52],"32":[53,54],"33":[55,56,57,58],"34":[59],"35":[60,61,62,63,64],"36":[65,66],"37":[67],"38":[68],"39":[69,70],"40":[71],"42":[72,73],"43":[74,75],"44":[76],"47":[77],"51":[78,79],"52":[80,81],"53":[82,83,84],"54":[85],"55":[86],"57":[87],"62":[88,89],"63":[90,91,92],"66":[93],"68":[94],"69":[95,96,97],"72":[98],"73":[99],"74":[100],"79":[101],"81":[102],"82":[103,104,105],"84":[106],"87":[107,108],"89":[109],"90":[110],"91":[111],"92":[112,113,114],"98":[115],"99":[116],"100":[117],"101":[118],"103":[119,120,121],"105":[122,123,124],"106":[125,126],"108":[127],"109":[128],"113":[129,130],"114":[131],"116":[132],"117":[133],"121":[134,135],"122":[136],"123":[137,138,139],"126":[140,141],"127":[142,143,144],"128":[145],"130":[146],"131":[147],"132":[148,149],"133":[150,151],"134":[152],"135":[153,154],"136":[155],"137":[156]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"المجموع الثمين\nفي حكم دعاء غير رب العالمين\n\nجمع وإعداد\nالدكتور/ محمد بن عبد الله المقشي","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي لا يَقبل توحيدَ ربوبيته من العباد حتى يُفردوه بتوحيد العبادة كلَّ الإفراد، فلا يتَّخذون له ندًّا، ولا يَدْعون معه أحدًا، ولا يتَّكلون إلَاّ عليه، ولا يَفزعون في كلِّ حال إلَاّ إليه، ولا يَدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصَّلون إليه بالشفعاء: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾.\nوأشهد أن لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له ربًّا ومعبودًا، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الذي أمره أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وكفى بالله شهيدًا، صلى الله عليه وعلى آله والتابعين له في السلامة من العيوب وتطهير القلوب عن اعتقاد كلِّ شين يشوب\" (^١).\nوبعد: فهذه نقولٌ كثيرة أبرزناها من محالها من كلام أئمة وعلماء أجلاء من أتباع المذاهب الأربعة وغيرها في حكم دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة عند الشدائد بالأموات من الأنبياء والأولياء والصالحين، والتوجّه إليهم، وطلب الحاجات منهم من دون الله تعالى.\nعلمًا بأنّ من هؤلاء الأئمة والعلماء من أجاز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، ولكنهم فرّقوا بين التوسل بهم وبين الاستغاثة بهم. وهؤلاء العلماء فيما يتعلق بصفات الله تعالى منهم من كان على عقيدة السلف وأهل الحديث والأثر، ومنهم من كان أشعريًا، ومنهم من كان ماتريديًا.\nولم أذكر ضمن هذه النقول ما كان من نقول عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من أئمة الدعوة النجدية؛ لكثرة كلامهم في ذلك جدًا حتى ظنَّ بعضُ الناس أنّ الكلام في هذه المسألة هو من ابتداعهم وأنهم لم يُسبقوا إليه.\nوقد اقتصرتُ على مجرد الجمع - وما عليّ إلا عهدة العزو- ليحكم القارئُ نفسُه بعد الاطلاع على هذه النقول على حكم ما يحصل من كثير من الناس مِن دعاء غير الله تعالى لقضاء الحاجات وانكشاف المهمات، والاستغاثة بغيره تعالى عند الشدائد والبليات.\nواللهَ أسألُ أن يبارك هذا العمل، وأن يتقبله مني، وأن يجعله عملًا صالحًا، ولوجهه خالصًا، وألا يجعل لأحد فيه شيئًا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ويرزقنا العمل به، إنه نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n_________\n(^١) هذه المقدمة مقتبسة من مقدمة كتاب تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد للسيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (المتوفى: ١١٨٢ هـ).","vol":"1","page":2},{"text":"• قال<span data-type=\"title\" id=toc-2> الإمام نعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري </span>(المتوفى: ٢٢٨ هـ): \"لا يستعاذ (^١) بالمخلوق ولا بكلام العباد والجن والإنس والملائكة\" (^٢).\nوفي فتح الباري: \"قال نعيم بن حماد في الرد على الجهمية: دلّت هذه الأحاديث. يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته والسؤال بها ... على أن القرآن غير مخلوق؛ إذ لو كان مخلوقا لم يستعذ بها، إذ لا يستعاذ بمخلوق، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقال النبي ﷺ: «وإذا استعذت فاستعذ بالله» \" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-3> شيخ المفسرين ابن جرير الطبري </span>(المتوفى:٣١٠ هـ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: \"يقول: أخلصوا الدعاء لله هنالك، دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذٍ إلى الله دونها\" (^٤).\nوقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾: \"يقول تعالى ذكره: ولا تدع يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام. يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفًا ضرَّها، فإنها لا تنفع ولا تضر.\n﴿فَإِن فَعَلْتَ﴾ ذلك، فدعوتها من دون الله ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، يقول: من المشركين بالله، الظالمي أنفُسِهم\" (^٥).\n_________\n(^١) الاستعاذة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب.\n(^٢) خلق أفعال العباد للبخاري (ص: ٩٦) دار المعارف - الرياض.\n(^٣) فتح الباري للحافظ ابن حجر (١٣/ ٣٨١).\n(^٤) جامع البيان (١٥/ ٥١) مؤسسة الرسالة.\n(^٥) المصدر السابق (١٥/ ٢١٨ - ٢١٩).","vol":"1","page":3},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-4> إمام الأئمة ابن خزيمة </span>(المتوفى:٣١١ هـ): \"أفليس العلم محيطا يا ذوي الحجا أنه غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بالتعوذ بخلق الله من شر خلقه؟\nهل سمعتم عالمًا يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله؟ أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة، أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق الله، هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-5> الإمام أبو بكر الخلال </span>(المتوفى:٣١١) تعليقا على أحاديث الاستعاذة: \"ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض مما خلق الله، لا يتعوذ إلا بالله أو بكلماته\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-6> الإمام أبو عبد الله ابن بطة العُكْبَري </span>(المتوفى: ٣٨٧ هـ) بعد ذكره لأحاديث الاستعاذة: \"فتفهموا رحمكم الله هذه الأحاديث، فهل يجوز أن يعوذ النبي ﷺ بمخلوق، ويتعوذ هو ويأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟!\nوهل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله؟! فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض؟.\nوإذا جاز أن يتعوذ بمخلوق مثله، فليعوذ نفسه وغيره بنفسه، فيقول: أعيذك بنفسي\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-7> الإمام أبو سليمان الخطابي </span>(المتوفى:٣٨٨): \"وكان أحمد بن حنبل يستدل بقوله «بكلمات الله التامة» على أن القرآن غير مخلوق، وهو أن رسول الله ﷺ لا يستعيذ بمخلوق\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"لا يستعاذ بغير الله أو صفاته، إذ كل ما سواه تعالى وصفاته مخلوق، ... والاستعاذة بالمخلوق شرك مناف لتوحيد الخالق لما فيه من تعطيل معاملته تعالى الواجبة له على عبيده\" (^٥).\n_________\n(^١) كتاب التوحيد (١/ ٤٠١ - ٤٠٢) مكتبة الرشد - الرياض.\n(^٢) الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية (١/ ٣٠٣) رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية.\n(^٣) الإبانة الكبرى (٥/ ٢٦٢) دار الراية للنشر والتوزيع.\n(^٤) معالم السنن (٤/ ٣٣٢) المطبعة العلمية - حلب.\n(^٥) العقد الثمين في بيان مسائل الدين للسويدي الشافعي (ص: ٢٢٥) المطبعة الميمنية بمصر.","vol":"1","page":4},{"text":"وقال أيضًا: \"ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه ﷿ العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله ﷿، وإضافة الجود والكرم إليه\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-8> الإمام أبو عبد الله الحليمي </span>(المتوفى:٤٠٣ هـ): \"والدعاء من جملة التخشع والتذلل؛ لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح بها، واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه لمن يدعوه ويسأله، فكان ذلك في العبد نظير العبادات التي يتقرب بها إلى الله عزّ اسمه\" (^٢).\nوذكر أنه لما كان الدعاء سؤالا وطلبا وجب تجريد الطلب؛ لأنه أخشع من خلافه، فإن الطلب إذا كان تذللًا فكل ما كان منه أخلص وأبين كان التذلل فيه أشد\" (^٣).\nوقال أيضًا: الغياث: هو المغيث، وأكثر ما يقال غياث المستغيثين، ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه، ومريحهم ومخلصهم\" (^٤).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-9> الحافظ البيهقي </span>(المتوفى: ٤٥٨): \"فاستعاذ رسول الله ﷺ، وأمر أن يستعاذ في هذه الأخبار بكلمات الله تعالى، كما أمره الله تعالى جل ثناؤه أن يستعيذ به، ... ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق، فدل أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته، وأمر أن يستعاذ بصفة من صفات ذاته، وهي غير مخلوقة كما أمره الله تعالى أن يستعيذ بذاته، وذاته غير مخلوق\" (^٥).\n\n• وسئل<span data-type=\"title\" id=toc-10> القاضي أبو يعلى ابن الفراء الحنبلي </span>(المتوفى: ٤٥٨) عن مسائل عديدة وردت عليه من مكة وكان منها: ما تقول في قول الإنسان إذا عثر: (محمد أو علي)؟\nفقال: إن قصد الاستعانة فهو مخطئ؛ لأن الغوث من الله تعالى فقال: وهما ميتان فلا يصح الغوث منهما، ولأنه يجب تقديم الله على غيره\" (^٦).\n_________\n(^١) شأن الدعاء (ص: ٤).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (١/ ١٧١) دار الفكر.\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٥٣٢).\n(^٤) الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ١٧٢) مكتبة السوادي، جدة - المملكة العربية السعودية.\n(^٥) المصدر السابق (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧).\n(^٦) بدائع الفوائد للحافظ ابن القيم (٤/ ٤٠) دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان.","vol":"1","page":5},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-11> الحافظ ابن عبد البر </span>(المتوفى: ٤٦٣): \"وفي الاستعاذة بكلمات الله أبين دليل على أنّ كلام الله منه تبارك اسمه، وصفة من صفاته، ليس بمخلوق؛ لأنه محال أن يستعاذ بمخلوق. وعلى هذا جماعة أهل السنة. والحمد لله\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-12> أبو القاسم القشيري </span>(المتوفى: ٤٦٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا﴾ قال: \" «إِلهًا آخَرَ» في الظاهر عبادة الأصنام المعمولة من الأحجار، المنحوتة من الأشجار. وكما تتصف بهذا النفوس والأبشار فكذلك توهّم المبارّ والمضارّ من الأغيار شرك\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-13> أبو المظفر السمعاني </span>(المتوفى: ٤٨٩) عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: \"أَي: قَالُوا مَا نعبدهم، أَو يَقُولُونَ: مَا نعبدهم أَي: مَا نعْبد الْمَلَائِكَة ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أَي: الْقرْبَة. وَمعنى الْآيَة: أنهم يشفعون لنا عِنْد الله\" (^٣).\nوقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: \"لأنهم زعموا أن الملائكة والأصنام يشفعون لهم\" (^٤).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-14> الراغب الأصفهاني </span>(المتوفى: ٥٠٢): \"العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ \" (^٥).\nوقال أيضًا: \"ودَعَوتُه: إذا سألته، وإذا استغثته، قال تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾، أي: سله، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، تنبيها أنكم إذا أصابتكم شدة لم تفزعوا إلا إليه، ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾، ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾، ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ \" (^٦).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-15> الإمام أبو حامد الغزالي </span>(المتوفى:٥٠٥): \"المؤمن لا يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط في الطلب، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ \" (^٧).\n_________\n(^١) التمهيد (٢٤/ ١٨٦) وزارة الأوقاف - المغرب.\n(^٢) لطائف الإشارات (٢/ ٦٥٠) الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n(^٣) تفسير السمعاني (٤/ ٤٥٨) دار الوطن - الرياض.\n(^٤) المصدر السابق (١/ ٢٥٨).\n(^٥) مفردات ألفاظ القرآن (٢/ ٥٧) دار القلم - دمشق.\n(^٦) المصدر السابق (١/ ٣٤٧).\n(^٧) غاية الأماني في الرد على النبهاني لشكري الألوسي (٢/ ٣٧٨) مكتبة الرشد، الرياض - السعودية.","vol":"1","page":6},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-16> الإمام البغوي </span>(المتوفى: ٥١٠، أو ٥١٦ هـ) عند تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى): \"قال قتادة: وذلك إنهم كانوا إذا قيل لهم: من ربكم؟ ومن خلقكم؟ ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، أي قربى، وهو اسم أقيم في مقام المصدر، كأنّه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبا ويشفعوا لنا عند الله\" (^١).\nوقال أيضًا عند شرحه لحديث «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»: \"وفي هذا الحديث وفي أمثاله مما جاء فيه الاستعاذة بكلمات الله دليل على أن كلام الله غير مخلوق، لأن النبي ﷺ استعاذ به كما استعاذ بالله، ... ولم يكن النبي ﷺ يستعيذ بمخلوق من مخلوق\" (^٢).\nوقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾: \"فكان من إيمانهم إذا سئلوا: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من ينزل القطر؟ قالوا: الله، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون ...\nوقال عطاء: هذا في الدعاء، وذلك أنّ الكفار نسوا ربهم في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-17> ابن عقيل إمام الحنابلة ببغداد </span>في زمنه (المتوفى:٥١٣): \"لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى الشرع عنه من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ التراب تبركا وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال اليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، ولا تجد في هؤلاء من يحقق مسألة في زكاة فيسأل عن حكم يلزمه، والويل عندهم لمن لم يقبِّل مشهد الكهف ولم يتمسح بآجرة مسجد المأمونية يوم الأربعاء ... \" (^٤).\nوقال أيضًا: \"قد سمعنا منهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخدّة مجاب، وذلك أنهم يعتقدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، قال: وهذا كفر؛ لأن من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرًا، قال: والناس بين تحريمه وكراهيته\" (^٥).\n_________\n(^١) معالم التنزيل (٤/ ٧٩) دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n(^٢) شرح السنة (١/ ١٨٥) المكتب الإسلامي - دمشق - بيروت.\n(^٣) معالم التنزيل (٢/ ٥١٧).\n(^٤) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص: ٣٥٤) دار الفكر - بيروت، إغاثة اللهفان (١/ ١٩٥) دار المعرفة - بيروت.\n(^٥) تلبيس إبليس (ص: ٣٠٦).","vol":"1","page":7},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-18> ابن مفلح:</span> \"وفي الفنون: لا يخلّق القبور بالخلوق والتزويق والتقبيل لها والطواف بها والتوسل بهم إلى الله قال: ولا يكفيهم ذلك حتى يقولوا بالسر الذي بينك وبين الله. وأي شيء من الله يسمى سرا بينه وبين خلقه. قال: ويكره استعمال النيران والتبخير بالعود والأبنية الشاهقة الباب سموا ذلك مشهدا. واستشفوا بالتربة من الأسقام وكتبوا إلى التربة الرقاع ودسوها في الأثقاب، فهذا يقول جمالي قد جَربِت، وهذا يقول: أرضي قد أجدبت، كأنهم يخاطبون حيا ويدعون إلها\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-19> الإمام أبو بكر الطرطوشي </span>(المتوفى: ٥٢٠): \"فانظروا - رحمكم الله - أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-20> قوام السنة الأصبهاني الشافعي </span>(المتوفى: ٥٣٥): \"ومن أسمائه: الوهاب: يهب العافية، ولا يقدر المخلوق أن يهبها. ويهب القوة ولا يقدر المخلوق أن يهبها، تقول: يا رب هب لي العافية ولا تسأل مخلوقا ذلك، وإن سألته لم يقدر عليه، وتقول عند ضعفك: يا رب هب لي قوة، والمخلوق لا يقدر على ذلك\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-21> الإمام أبو عبد الله المازري المالكي </span>(المتوفى:٥٣٦): \"من علامات الموحدين التوجه إلى السماء عند الدعاء وطلب الحوائج؛ لأنّ العرب التي تعبد الأصنام تطلب حوائجها من الأصنام، والعجم من النيران\" (^٤).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-22> أبو الفتح الشهرستاني الشافعي </span>(المتوفى: ٥٤٨): \"وبالجملة وضع الأصنام حيث ما قدروه إنما هو على معبود غائب حتى يكون الصنم المعمول على صورته وشكله وهيأته نائبا منابه وقائما مقامه، وإلا فنعلم قطعا أنّ عاقلًا مّا لا يَنحت جسمًا بيده ويصوره صورة، ثم يعتقد أنه إلهه وخالقه، وإله الكل وخالق الكل؛ إذ كان وجوده مسبوقا بوجود صانعه، وشكله يحدث بصنعة ناحته.\n_________\n(^١) الفروع (٢/ ٢١٤) دار الكتب العلمية.\n(^٢) الحوادث والبدع (ص: ٣٨ - ٣٩) دار ابن الجوزي.\n(^٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٥٦) دار الراية - الرياض.\n(^٤) المعلم بفوائد صحيح مسلم (١/ ٤١٢) دار النشر التونسية.","vol":"1","page":8},{"text":"لكن القوم لما عكفوا على التوجه إليها، كان عكوفهم ذلك عبادة، وطلبهم الحوائج منها إثبات إلهية لها. وعن هذا كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فلو كانوا مقتصرين على صورها في اعتقاد الربوبية والإلهية لما تعدوا عنها إلى رب الأرباب\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-23> الشيخ العارف عبد القادر الجيلاني </span>(المتوفى:٥٦١) لولده عند مرض موته: \"لا تخف أحدًا ولا ترجه، وأوكل الحوائج كلها إلى الله، واطلبها منه، ولا تثق بأحد سوى الله ﷿، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه. التوحيد التوحيد التوحيد. وجماع الكل التوحيد\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"يا من يشكو إلى الخلق مصائبه، إيش ينفعك شكواك إلى الخلق، لا ينفعونك ولا يضرونك، وإذا اعتمدت عليهم وأشركت في باب الحق ﷿ يبعدونك، وفي سخطه يوقعونك، وعنه يحجبونك\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"لا تدعو مع الله أحد كما قال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ \".\nوقال أيضًا: \"ينبغي لكل مسلم موحّد أن لا يتكل إلا على الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يعتقد التصرف إلا لله\" (^٤).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-24> الفخر الرازي </span>(المتوفى: ٦٠٦) أثناء كلامه عن كيف قال المشركون في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله: \"أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى.\nونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقاد أنهم إذا عظّموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله\" (^٥).\n_________\n(^١) الملل والنحل (٣/ ١٠٤ - ١٠٥) مؤسسة الحلبي.\n(^٢) الفتح الرباني والفيض الرحماني (ص: ٣٧٣) دار الريان للتراث.\n(^٣) المصدر السابق (١١٧ - ١١٨).\n(^٤) غاية الأماني في الرد على النبهاني (٢/ ٣٧٦).\n(^٥) مفاتيح الغيب (١٧/ ٢٢٧) دار إحياء التراث العربي - بيروت.","vol":"1","page":9},{"text":"وقال أيضًا: \"واعلم أنّ الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالًا فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله.\nفأجاب الله تعالى بأن قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾. وتقرير الجواب أنّ هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جُعلت هذه الأصنام تماثيل لها، والأول باطل؛ لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئًا ولا تعقل شيئًا فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها.\n\nوالثاني باطل؛ لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئًا ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره، وهذا هو المراد من قوله تعالى ﴿قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَة جَمِيعًا﴾ \" (^١).\n\nوقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: \"فإن فعلتَ فإنك إذًا من الظالمين، يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين، لأنّ الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما سوى الحق معزولا عن التصرف، كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعا للشيء في غير موضعه فيكون ظلما\" (^٢).\nوذَكَرَ أيضًا أن المقصود من الدعاء \"إظهار العبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله بالكلية\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"وقال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم مقامات العبودية\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"وعن النعمان بن بشير أنه ﵇ قال: «الدعاء هو العبادة» وقرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فقوله: «الدعاء هو العبادة» معناه أنه معظم العبادة، وأفضل العبادة، كقوله ﵇ «الحج عرفة» أي الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم\" (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢٦/ ٤٥٦).\n(^٢) المصدر السابق (١٧/ ٣٠٩).\n(^٣) المصدر السابق (٥/ ٢٦٥).\n(^٤) المصدر السابق (٥/ ٢٦٣).\n(^٥) المصدر السابق (٥/ ٢٦٤).","vol":"1","page":10},{"text":"وقال أيضًا: \"في هذه الآية قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: فقل إني قريب، فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه الأول: كأنه ﷾ يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك ...\nوالرابع: أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولا بغير الله فإنه لا يكون داعيا له، فإذا فني عن الكل صار مستغرقا في معرفة الأحد الحق، فامتنع من أن يبقى في هذا المقام ملاحظا لحقه وطالبا لنصيبه، فلما ارتفعت الوسائط بالكلية، فلا جرم حصل القرب فإنه ما دام يبقى العبد ملتفتا إلى غرض نفسه لم يكن قريبا من الله تعالى، لأن ذلك الغرض يحجبه عن الله، فثبت أن الدعاء يفيد القرب من الله، فكان الدعاء أفضل العبادات\" (^١).\nوقال أيضًا: \"اعلم أنه تعالى لما بين أن القول بالقيامة حق وصدق، وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى، لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع، لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ \" (^٢).\nوقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِه إِلا إِنَاثًا﴾: \"معنى يعبدون؛ لأنّ من عبد شيئًا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-25> أبو السعادات ابن الأثير </span>(المتوفى: ٦٠٦): \"وإنما كان [أي: الدعاء] مخها [أي: العبادة] لأمرين: أحدهما: أنه امتثال أمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة وخالصها.\nالثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمله عما سواه ودعاه لحاجته وحده. وهذا هو أصل العبادة\" (^٤).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-26> سلطان العلماء العز بن عبد السلام </span>(المتوفى: ٦٦٠) في جوابه عن حكم الإقسام على الله تعالى بمعظَّم في الدعاء: \"قد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ عَلّم بعض الناس الدعاء فقال في أوله: «قل اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة»، وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورًا على رسول الله؛ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء، لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُص به تنبيهًا على علو درجته ومرتبته\" (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٥/ ٢٦٤).\n(^٢) المصدر السابق (٢٧/ ٥٢٧).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ١١/ ٢٢١).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٦٤١) المكتبة العلمية- بيروت.\n(^٥) فتاوى العز بن عبد السلام (ص:١٢٦ - ١٢٧) دار المعرفة - بيروت - لبنان.","vol":"1","page":11},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-27> الحافظ أبو شامة المقدسي الشافعي </span>(المتوفى:٦٦٥): \"ثم هذه البدع المستقبحة والمحدثات تنقسم قسمين: قسم تعرف العامة والخاصة أنه بدعة إما محرمة وإما مكروهة.\nوقسم يظنه معظمهم إلا من عصم عبادات وقربا وطاعات وسننا.\nفأما فالقسم الأول فلا نطيل بذكره؛ إذ قد كفينا مؤنة الكلام فيه لاعتراف فاعله أنه ليس من الدين ...\nوبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها.\nومن هذا القسم أيضًا ما قد عمّ الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وسرح مواضع مخصومة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن اشتهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه ويظنون أنهم متقربون بذلك.\nثم يتجاوزون هذا الى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر، وفي مدينة دمشق صانها الله تعالى من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى خارج باب توما والعمود المخلق داخل باب الصغير والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشببها بذات أنواط الواردة في الحديث\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-28> أبو عبد الله القرطبي </span>(المتوفى: ٦٧١): \"ولا خفاء أنّ الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك\" (^٢).\nوقال أيضًا عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾: \"فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرين\" (^٣).\n\nوقال أيضًا عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾: \"قوله تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ﴾ أي إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ إذ ليس كل سامع ناطقا. وقال قتادة: المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم. وقيل: أي لو جعلنا لهم عقولا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم، ولما استجابوا لكم على الكفر.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي يجحدون أنكم عبدتموهم، ويتبرؤون منكم.\n_________\n(^١) الباعث على إنكار البدع (ص: ٢٥ - ٢٦) دار الهدى- القاهرة.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠) دار الكتب المصرية - القاهرة.\n(^٣) المصدر السابق (١٥/ ٣٢٦).","vol":"1","page":12},{"text":"ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل، كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين، أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا، وأنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر عن عيسى بقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ويجوز أن يندرج فيه الاصنام أيضا، أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلا للعبادة\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-29> العلامة أبو عبد الله الرازي الحنفي </span>(المتوفى: ٦٦٦): \"ويحرم قوله في الدعاء: أسألك بمقعد العز من عرشك، وبحق العز من عرشك، وبحق فلان وبحق النبي ﷺ\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-30> الإمام النووي </span>(المتوفى: ٦٧٦): \"وقوله ﷺ «إذا سألت فاسأل الله» إشارة إلى أنّ العبد لا ينبغي أن يعلق سرّه بغير الله، بل يتوكل عليه في سائر أموره، ثم إن كانت الحاجة التي يسألها لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه كطلب الهداية والعلم والفهم في القرآن والسنة وشفاء المرض وحصول العافية من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، سأل ربه ذلك.\nوإن كانت الحاجة التي يسألها جرت العادة أن الله ﷾ يجريها على أيدي خلقة، كالحاجات المتعلقة بأصحاب الحرف والصنائع وولاة الأمور، سأل الله تعالى أن يعطف عليه قلوبهم فيقول: اللهم أحنن علينا قلوب عبادك وإمائك وما أشبه ذلك\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-31> الإمام القرافي المالكي </span>(المتوفى:٦٨٤) بعد أن ذكر بعض الأدعية التي هي كفر: \"فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرا شديدا لما تؤدي إليه من سخط الديان والخلود في النيران وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية، ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين، فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرناه، نسأل الله تعالى العافية من موجبات عقابه، وأصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت، كما أنّ أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت، والله تعالى هو المعين على الخير كله\" (^٤).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-32> القاضي ناصر الدين البيضاوي </span>(المتوفى: ٦٨٥): \"إنما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمَّى عبادة من حيث إنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله، معرض عما سواه لا يرجو ولا يخاف إلا منه\" (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٤/ ٣٣٦).\n(^٢) تحفة الملوك (ص: ٢٣٦ - ٢٣٧) دار البشائر الإسلامية - بيروت.\n(^٣) شرح الأربعين النووية (ص: ٦٣) مكتبة دار الفتح بدمشق.\n(^٤) الفروق (٤/ ٢٦٥) عالم الكتب.\n(^٥) فيض القدير للمناوي (٣/ ٥٤٠) المكتبة التجارية الكبرى - مصر.","vol":"1","page":13},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-33> العلامة علي بن داود ابن العطار تلميذ الإمام النووي </span>(المتوفى: ٧٢٤): \"قوله «إذا سألت فاسأل الله» معناه الأمر بالإخلاص وترك الاعتماد على الوسائط\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-34> شيخ الإسلام ابن تيمية </span>(المتوفى: ٧٢٨): \"فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين\" (^٢).\nونَقَلَ هذا الإجماع عن الإمام ابن تيمية غيرُ واحد مقررين له، منهم ابن مفلح (المتوفى: ٧٦٣) في كتابه الفروع (١٠/ ١٨٨)، والمرداوي (المتوفى: ٨٨٥) في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١٠/ ٣٢٧)، والحجاوي (المتوفى: ٩٦٨) في الإقناع (٤/ ٢٩٧)، والبهوتي (المتوفى: ١٠٥١) في كشاف القناع (٦/ ١٦٨)، والرحيباني (المتوفى: ١٢٤٣) في مطالب أولي النهى (٦/ ٢٧٩)، وابن ضويان (المتوفى: ١٣٥٣) في منار السبيل (٢/ ٤٠٥)، وابن قاسم (المتوفى: ١٣٩٢) في حاشية الروض المربع (٧/ ٤٠٠).\nونقل هذا الإجماع أيضًا وأقرّه الفقيه ابنُ حجر الهيتمي في الإعلام بقواطع الإسلام (ص: ٢٩٢) ولكن نقله عن ابن مفلح لا عن شيخ الإسلام ابن تيمية.\n\nوقال أيضا: \"فكل من غلا في حي أو في رجل صالح كمثل علي ﵁ أو عدي أو نحوه أو فيمن يعتقد فيه الصلاح كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القتي ونحوهم، وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني، أو توكلت عليك أو أنت حسبي أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل مع الله إلها آخر\" (^٣).\n\nوقال أيضا: \"والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى - مثل: الشمس والقمر والكواكب والعزير والمسيح والملائكة واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ويغوث ويعوق ونسر أو غير ذلك- لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو أنها تنزل المطر أو أنها تنبت النبات وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء، أو يعبدون قبورهم ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله، فأرسل الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح الأربعين النووية (ص: ١٧٣) دار البشائر الإسلامية، ط/ الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٤).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٣٩٥).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ٣٩٦).","vol":"1","page":14},{"text":"وقال أيضًا: \"فإنّ المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من دين الإسلام أن العبد لا يجوز له أن يعبد ولا يدعو ولا يستغيث ولا يتوكل إلا على الله، وأنّ مَن عبد ملكا مقربا أو نبيا مرسلا، أو دعاه أو استغاث به فهو مشرك.\nفلا يجوز عند أحد من المسلمين أن يقول القائل: يا جبرائيل أو يا ميكائيل أو يا إبراهيم أو يا موسى أو يا رسول الله اغفر لي أو ارحمني أو ارزقني أو انصرني أو أغثني أو أجرني من عدوي أو نحو ذلك، بل هذا كله من خصائص الإلهية\" (^١).\n\nوقال أيضا: \"وأما حقوق رسول الله - بأبي هو وأمي - مثل تقديم محبته على النفس والأهل والمال، وتعزيره وتوقيره وإجلاله وطاعته واتباع سنته وغير ذلك فعظيمة جدا، وكذلك مما يشرع التوسل به في الدعاء كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي ﷺ علّم شخصا أن يقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه فيّ»، فهذا التوسل به حسن.\nوأما دعاؤه والاستغاثة به فحرام.\nوالفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين.\nالمتوسِّل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره لا على سبيل الطلب منه، وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"والاستغاثة بالميت والغائب سواء كان نبيًا أو وليًا ليس مشروعًا ولا هو من صالح الأعمال؛ إذ لو كان مشروعا أو حسنا من العمل لكانوا به أعلم وإليه أسبق، ولم يصح عن أحد من السلف أنه فعل ذلك، فكلام هؤلاء يقتضي جواز سؤال الميت والغائب، وقد وقع دعاء الأموات والغائبين لكثير من جهال الفقهاء والمفتين حتى لأقوام فيهم زهد وعبادة ودين، ترى أحدهم يستغيث بمن يحسن به الظن حيًا كان أو ميتًا، وكثير منهم تتمثل له صورة المستغاث به وتخاطبه وتقضي بعض حوائجه وتخبره ببعض الأمور الغائبة، ويظن الغرّ أنه المستغاث به، أو أن ملكًا جاء على صورته، وإنما هي شياطين تمثلت له به وخيالات باطلة، فتراه يأتي قبر من يحسن به الظن إن كان ميتًا فيقول: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أنا في جوارك، أنا في جاهك قد أصابني كذا وجرى عليّ كذا، ومقصوده قضاء حاجته إما من الميت أو به.\nومنهم من يقول للميت: اقض ديني واغفر ذنبي وتب علي. ومنهم من يقول: سل لي ربك. ومنهم من يذكر ذلك في نظمه ونثره.\nومنهم من يقول: يا سيدي الشيخ فلان، أو يا سيدي رسول الله نشكو إليك ما أصابنا من العدو وما نزل بنا من المرض وما حل بنا من البلاء، ومنهم من يظن أن الرسول أو الشيخ يعلم ذنوبه وحوائجه وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه، ويقدر على ما يقدر عليه الله ويعلم ما يعلمه الله.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٢٧٢).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٢٧٦).","vol":"1","page":15},{"text":"وهؤلاء قد رأيتهم وسمعت هذا منهم ومن شيوخ يُقتدى بهم ومفتين وقضاة ومدرسين.\nومعلوم أن هذا لم يفعله أحد من السلف ولا شرع الله ذلك ولا رسوله ولا أحد من الأئمة، ولا مع من يفعل ذلك حجة شرعية أصلا، بل من فعل ذلك كان شارعا من الدين ما لم يأذن به الله؛ فإن هذا الفعل منه ما هو كفر صريح، ومنه ما هو منكر ظاهر، سواء قدّر أن الميت يسمع الخطاب كما إذا خوطب من قريب، أو قدر أنه لا يسمعه كما إذا خوطب من بعيد، فإن مجرد سماع الميت للخطاب لا يستلزم أنه قادر على ما يطلب الحي منه، وكونه قادرا عليه لا يستلزم أنه شُرع لنا أن نسأله ونطلب منه كل ما يقدر عليه، فليس لنا في حياة الرسل أن نسألهم كل ما يمكنهم فعله، بل ولا نسأل الله تعالى كل ما يمكنه فعله، بل الدعاء عبادة شرعية فكيف يجوز أن نسألهم ذلك بعد مماتهم، وليس لنا أن نسألهم كل ما يقدر الله عليه من المفعولات ليسألوا ربهم إياه كما سأل قومُ موسى موسى أن يريهم الله جهرة وسألوا المسيح إنزال المائدة وسألوا صالحا الناقة وسألوا الأنبياء الآيات.\nفلو قال قائل: سؤال الغائب حيًا وميتًا كسؤال الشاهد؛ فإن الأنبياء والأولياء يسمعون خطاب الغائب البعيد، ويسمع أحدهم خطاب الناس البعيدين له.\nقلنا: هذا محال في العادة المعروفة، وإذا وقع ذلك في بعض الصور كان من باب خرق العادة، والعادة قد تخرق بأن يسمع الأدنى خطاب الأعلى كما سمع ساريةُ خطاب عمر: يا سارية الجبل يا سارية الجبل.\nويجوز خرق العادة بالعكس، لكن إثبات هذا في حق معين لا يكون إلا بحجة تدل على وقوع ذلك في حقه\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"ومن الذي قال: إن السائل بمخلوق والداعي له والمستغيث به نبيًا كان المدعو أو غير نبي يكون المخلوق المستغاث به وسيلة إلى الله تعالى في ما طُلب منه، وهذا أمر مخالف للعقل واللغة والشرع. فمن الذي جعل الطلب من هذا وسيلة في الطلب من هذا في كل شيء وعلى كل حال؟! \" (^٢).\n_________\n(^١) الرد على البكري (١/ ٩٣ - ٩٦) مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة.\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٦).","vol":"1","page":16},{"text":"وقال أيضًا: \"الوجه الخامس: أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى؟.\nومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر نبيًا كان أو غير نبي كان ذلك سببا في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؟\nفإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين:\nإحداهما: أنّ هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى.\nوالثانية أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سببا كونيًا يجوز تعاطيه، فإن قتل المسافر قد يكون سببًا لأخذ ماله، وكلاهما محرم.\nوالدخول في دين النصارى قد يكون سببًا لمال يعطونه له وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سببا لمال يؤخذ من المشهود له وهو حرام، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سببا لنيل مطالب وهو محرم، والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو محرم.\nوكذلك الشرك في مثل دعوة الكواكب والشياطين وعبادة البشر قد يكون سببًا لبعض المطالب، وهو محرم، فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحيانًا.\nوهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرًا، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله ﷿ شرع لخلقه أن يسألوا ميتًا أو غائبًا، وأن يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره أو لم يكن عند قبره، والله تعالى حي عالم قادر لا يغيب، كفى به شهيدًا، وكفى به عليمًا، وهم لا يقدرون على ذلك.\nبل نقول في الوجه السادس: سؤال الميت والغائب نبيًا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين.\nوهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين أنّ أحدا منهم ما كان يقول إذا نزلت به ترة أو عرضت له حاجة لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين.\nولا أحد من الصحابة ﵃ استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها، وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون، ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين، ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلا\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٤٤٥ - ٤٤٩).","vol":"1","page":17},{"text":"وقال أيضًا: \"والمقصود هنا أن المعترض المحتج لم يحرر أدلته تحريرا ينفي عنها الإجمال والالتباس حتى يتبين ما فيها من الضلال والإضلال لجميع الناس، بل قال: لم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص قديما وحديثا، وأنه يصح إسنادها إلى المخلوقين.\nوهذا كلام صحيح، لكن يقال له: لم يزل الناس يفهمون أنها طلب من المستغاث به أو طلب من غيره به؟\nوالثاني لا سبيل إليه، والأول لم ينازع فيه أحد إذا طلب من المستغاث ما شُرع طلبه منه مما يقدر عليه؛ إذ لا يقدر أحد على الأشياء كلها إلا الله وحده، والمخلوق له حال يخصه ويليق به.\nفإن هنا أربعة معاني:\nأحدها: أن يسأل الله تفريج الكربة بالمتوسَّل به، ولا يسأل المتوسّل به شيئا كما يفعله كثير ممن يتوسل بالأموات.\nأو أن يسأل الله ويسأل المتوسل به أن يدعو كما كان الصحابة يتوسلون بالنبي ﷺ في الاستسقاء، ثم من بعده بعمه العباس وبيزيد بن الأسود الجرشي وغيرهما.\nوالثالث: أن يسأل المتوسَّل به أن يسأل الله له تفريج الكربة، ولا يسأل الله.\nوالرابع: أن يسأل المستغاث به أن يفرج الكربة، ولا يسأل الله.\nفأما الأول: فهو سائل لله وحده ومستغيث به، وليس مستغيثا بالمتوسل به إلا أن يريد بالاستغاثة السؤال به.\nوأما الثاني: فهو استغاثة بالله في تفريج الكربة، واستغاثة بالشفيع أن يسأل الله، هو توسل به أي بدعائه وشفاعته، وهذا هو المشروع في الدنيا والآخرة في حياة الشفيع وسؤاله، أو في حال مشاركة الشفيع له في السؤال لا في حال انفراده هو بالسؤال.\nوكذلك الثالث إذا سأل المتوسل به أن يسأل الله كما يسأله الناس يوم القيامة، فهذا لا ريب في جوازه وإن سمي استغاثة به.\nوأما الرابع: وهو أن يسأل المستغاث به تفريج الكربة، فهذا استغاثة به ليس توسلا به، بل المستغاث به مطلوب منه الفعل، فإن لم يكن قادرا عليه لم يجز أن يطلب منه ما لا يقدر عليه.\nفالأول سؤال به، وليس استغاثة أصلا، وبعض الناس يسميه توسلا به.\nوالثاني: فيه استغاثة به وتوسل به.\nوالثالث: فيه استغاثة في سؤال الله، وليس فيه سؤال به.\nوالرابع: استغاثة في تفريج الكربة، لكن لا يجوز ذلك من ميت ولا غائب ولا من حي حاضر إلا فيما يقدر عليه خاصة، وليس هذا هو التوسل به والتوجه المشروع الذي كانت الصحابة تفعله، إنما كان بدعائه وشفاعته، ولا ريب أن من سأل الله تفريج الكربة بواسطة سؤال النبي ﷺ وشفاعته فقد استغاث به، وهذا جائز كما كان الناس يفعلونه في حياته، وكما يفعلونه في الآخرة في حياته أيضا، ولكن هذا ليس مشروعا بعد موته ولم يفعله أحد من الصحابة بعد موته.","vol":"1","page":18},{"text":"ومن ذهب إلى الاستغاثة بالموتى فقد شرع له دينًا لم يؤذن له به، وليس معه في الاستغاثة بهم سوى فعل بعض المتأخرين وكلامهم ممن ليس هو معدود من أهل الإجماع والاختلاف، فليس معه تقليد المقلدين ولا اجتهاد المجتهدين، ومن ابتدع بدعة في الدين بدون اجتهاد أهل الاجتهاد أو التقليد لأهل الاجتهاد كان من أهل الضلال والغي لا من أهل الهدى والرشاد.\nوأما السؤال بهم فغاية ما معه فيه قول بعض العلماء مع منازعة غيره له فيه وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يجوز السؤال لله بالأنبياء والصالحين فكيف بالاستغاثة بهم، مع أن الاستغاثة بالميت والغائب مما لا نعلم بين أئمة المسلمين نزاع في أن ذلك من أعظم المنكرات، ومن كان عالما بآثار السلف علم أن أحدا منهم لم يفعل هذا، وإنما كانوا يستشفعون ويتوسلون بهم بمعنى أنهم يسألون الله لهم مع سؤالهم هم لله، فيدعو الشافع والمشفوع له كما قال\nعمر بن الخطاب: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» \" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"فإن المستغيث بالنبي ﷺ طالب منه وسائل له، والمتوسَّل به لا يُدعى ولا يُطلب منه ولا يُسأل، وإنما يُطلب به، وكل أحد يفرِّق بين المدعو والمدعو به.\nوالاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها ...\nوقول القائل: إنّ من توسل إلى الله بنبي، فقال: أتوسل إليك برسولك فقد استغاث برسوله حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم، قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسؤول [به] مدعو، ويفرّقون بين المسؤول والمسؤول به\" (^٢).\n\nوقال أيضًا: \"وأما من يأتي إلى قبر نبي أو صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله ويستنجده فهذا على ثلاث درجات:\nإحداها: أن يسأله حاجته مثل أن يسأله أن يزيل مرضه أو مرض دوابه أو يقضي دينه أو ينتقم له من عدوه أو يعافي نفسه وأهله ودوابه ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل.\nوإن قال: أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور؛ لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم، وكذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال ﷾: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ \" (^٣).\n\nوقال أيضًا: \"و<span data-type=\"title\" id=toc-36>الشرك في بني آدم أكثره عن أصلين:</span>\nأولهما: تعظيم قبور الصالحين وتصوير تماثيلهم للتبرك بها، وهذا أول الأسباب التي بها ابتدع الآدميون الشرك وهو شرك قوم نوح ...\nوالسبب الثاني: عبادة الكواكب ... \" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ١٠٨ - ١١٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٣) المصدر السابق (٢٧/ ٧٢).\n(^٤) الرد على المنطقيين (ص: ٢٨٥ - ٢٨٦) دار المعرفة - بيروت.","vol":"1","page":19},{"text":"وقال أيضًا: \"فليس في علماء المسلمين من يقول إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث الله فيه، ولا من يقول إن الميت يستغاث به في كل ما يستغاث بالله فيه.\nبل قول القائل: إن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا تُطلب إلا منه، متفق عليه بين علماء المسلمين، وما علمت إلى ساعتي هذه أحدا من علماء المسلمين الذين يستحقون الإفتاء نازع في هذا، بل ثبت عندي عن عامة من بلغني كلامه من علماء المسلمين الموافقة على هذا، وإنما عُرف نزاع بعضهم في السؤال به.\nوأما الشيوخ الذين يسألون الميت فهؤلاء ليس فيهم أحد ممن يرجع المسلمون إلى فتياه، وإنما فعلوا نظيره، والفقيه قد يفعل شيئا على العادة وإذا قيل له: هذا من الدين؟ لم يمكنه أن يقول ذلك، ولهذا قال بعض السلف: لا ينظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة انه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول\nﷺ مما يخالفه، ولهذا ما بيَّنت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطّن، وقال: هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بيّنته لنا لعلمه بأنّ هذا أصل الدين\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فأمَّا [ما] يُسمِّيه كثيرٌ من الناس زيارةً هي من جنس الإشراكِ بالله وعبادة غيرهِ، مثل السجود لبعض المقابر التي يُقال إنها من قبور الأنبياء والصالحين وأهل البيت أو غيرهم ويسمُّونها المشاهد، أو الاستعانة بالمقبور ودعائِه ومسألتِه قريبًا من قبره أو بعيدًا منه مثل ما يفعل كثير من الناس، فهذا كلُّه من أعظم المحرَّمات بإجماع المسلمين، وهو من جنس الإشراك بالله تعالى، فإن المسلمين متفقون على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يدعوَ أحدًا ويتوكَلَ عليه ويرغبَ إليه في المغفرة والرحمةِ وتفريج الكُرباتِ وإعطاءِ الطلباتِ إلا الله وحده لا شريك له\" (^٣).\n_________\n(^١) الرد على البكري (٢/ ٥٩٥ - ٥٩٦).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٧٣١).\n(^٣) جامع المسائل (٣/ ٣٧ - ٣٨) تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد.","vol":"1","page":20},{"text":"وقال أيضًا: \"من استغاث بميِّتٍ أو غائب من البشر بحيثُ يدعوهُ في الشدائدِ والكُرُبات، ويَطلُب منه قضاءَ الحوائج، فيقول: يا سيِّدي الشيخ فلان أنا في حسبك وجِوارِك. أو يقول عند هجوم العدوِّ عليه: يا سيِّدي فلان! يَستوحِيْه ويَستغيثُ به. أو يقول ذلك عند مرضِه وفقرِه وغيرِ ذلك من حاجاتِه، فإن هذا ضالٌّ جاهلٌ مشركٌ عاصٍ لله باتفاقِ المسلمين، فإنهم متفقون على أن الميت لا يُدعَى ولا يُطلَب منه شيء، سواءٌ كان نبيًّا أو شيخًا أو غيرَ ذلك\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفرٌ، وهذا إنما كان بدعائهم من دون الله، لا بأنهم اعتقدوا أنهم شاركوه في خلق السماوات والأرض، فإنّ هذا لم يَقُلْه أحدٌ.\nولهذا قال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nفبيَّن أنّ النصارى مشركون من حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيحَ ابن مريم، ولم يقل أحد من النصارى إن الأحبار والرهبان شاركتِ الله في خلق السماوات والأرض\" (^٢).\n\nوقال أيضًا: \"والمشركون الذين كفَّرهم رسولُ الله ﷺ وقاتَلَهم واستباحَ دماءَهم وأموالَهم من العرب لم يكونوا يقولون: إنَّ آلهتَهم شاركتِ اللهَ في خلق السماوات والأرض والعالم، بل كانوا يُقِرُّون بأن الله وحدَه خالق السماوات والأرض والعالم، كما قال الله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ الآيات إلى قوله ﴿تُسْحَرُونَ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.\nقال طائفة من السلف: يسألهم مَن خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ١٤٨).","vol":"1","page":21},{"text":"وإنما كانت عبادتهم إيَّاهم أنهم يدعونهم ويتخذونهم وسائطَ ووسائلَ وشُفعاءَ لهم، فمن سلكَ هذا السبيلَ فهو مشرك بحسب ما فيه من الشرك.\nوهذا الشركُ إذا قامت على الإنسان الحجةُ فيه ولم يَنتهِ، وَجَبَ قتلُه كقتلِ أمثالِه من المشركين، ولم يُدفَنْ في مقابرِ المسلمين، ولم يُصَلَّ عليه.\nوإمَّا إذا كان جاهلًا لم يَبلُغْه العلمُ، ولم يَعرِف حقيقةَ الشرك الذي قاتلَ عليه النبي ﷺ المشركين، فإنه لا يُحكَم بكُفْرِه، ولا سِيَّما وقد كَثُر هذا الشركُ في المنتسبين إلى الإسلام.\nومن اعتقدَ مثلَ هذا قُربةً وطاعةً فإنه ضَالٌّ باتفاقِ المسلمين، وهو بعد قيامِ الحجة كافر.\nوالواجبُ على المسلمين عمومًا وعلى وُلاةِ الأمور خصوصًا النهيُ عن هذه الأمور، والزَّجْرُ عنها بكلِّ طريق، وعقوبةُ مَن لم ينتهِ عن ذلك العقوبةَ الشرعيةَ، والله أعلم\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"وأما قول القائل: إذا عثر يا جاه محمد، يا للست نفيسة، أو يا سيدي الشيخ فلان أو نحو ذلك مما فيه استغاثته وسؤاله، فهو من المحرمات، وهو من جنس الشرك، فإن الميت سواء كان نبيًا أو غير نبي لا يدعى ولا يسأل ولا يستغاث به لا عند قبره ولا مع البعد من قبره، بل هذا من جنس دين النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله\"\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"والأعمى كان قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له كما طلب الصحابة منه الاستسقاء.\nوقوله: «أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة»، أي بدعائه وشفاعته لي، ولهذا تمام الحديث: «اللهم فشفعه فيَّ»، فالذي في الحديث متفق على جوازه، وليس هو مما نحن فيه\" (^٣).\n\nوقال أيضًا: \"وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليردّ الله عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته، وأن قوله: «أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة» أي بدعائه وشفاعته كما قال عمر: «كنا نتوسل إليك بنبينا» فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: «يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفّعه فيّ» فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٤٥).\n(^٣) التوسل والوسيلة (١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":22},{"text":"وقوله: «يا محمد يا نبي الله» هذا وأمثاله نداء يُطلب به استحضار المنادَى في القلب، فيخاطب لشهوده بالقلب كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصورّه في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب، فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-37> الحافظ ابن عبد الهادي </span>(المتوفى:٧٤٤): \"ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به كان هذا شركًا محرمًا بإجماع المسلمين\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وأما دعاؤه [أي: رسول الله] هو وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته، فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك\" (^٣).\n\nوقال أيضًا: \"وقوله [أي: السبكي]: إن المبالغة في تعظيمه واجبة - أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين\" (^٤).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-38> العلامة أبو حيان الأندلسي </span>(المتوفى: ٧٤٥ هـ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: \"ومعنى الإخلاص إفراده بالدعاء من غير إشراك أصنام ولا غيرها، قال معناه ابن عباس وابن زيد\" (^٥).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-39> الحافظ أبو عبد الله الذهبي </span>[المتوفى: ٧٤٨) في ترجمة السيدة نفيسة بنت أمير المؤمنين الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ﵄: \"ولجَهَلَة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية\" (^٦).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط (ص: ٤١٥).\n(^٢) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص: ٣٢٥) مؤسسة الريان - بيروت.\n(^٣) المصدر السابق (ص: ١٣٦).\n(^٤) المصدر السابق (ص: ٣٤٦).\n(^٥) البحر المحيط (٥/ ١٢٠) دار الفكر.\n(^٦) سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٠٦) مؤسسة الرسالة - بيروت.","vol":"1","page":23},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-40> الحافظ ابن القيم </span>(المتوفى: ٧٥١): \"ومن أنواعه [أي: الشرك] طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم.\nوهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده كما تقدم، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، والميت محتاج إلى من يدعو له، ويترحم عليه، ويستغفر له، كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة، واستقضاء الحوائج، والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، وسموا قصدها حجّا، واتخذوا عندها الوقفة وحلق الرأس\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعًا وعملًا صالحًا ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ، ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون.\nفهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلا أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك.\nبلى يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر حتى لقد وُجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ﷺ ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمناه من الأحاديث المرفوعة\" (^٢).\n\nوقال أيضًا: \"لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بُنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركا عندها، وبها، والله المستعان.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٥٣) دار الكتاب العربي- بيروت.\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣) دار المعرفة - بيروت.","vol":"1","page":24},{"text":"ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتّبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس\" (^١).\nوقال أيضا: \"وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنًا له إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن مرض وإن استوحش، فذكْرُ إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده، ووسيلته إليه. وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر، قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، ثم شهد عليهم بالكفر والكذب، وأخبر أنه لا يهديهم فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾.\nفهذه حال من اتخذ من دون الله وليًا، يزعم أنه يقربه إلى الله، وما أعز من يخلص من هذا؟ بل ما أعز من لا يعادي من أنكره!\nوالذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه، ورضي قوله وعمله، ...\nوترى المشرك يكذب حالُه وعملُه قولَه، فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم ولحرماتهم - إذا انتهكت - أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشبش به، سيما إذا ذُكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده، فإنك ترى المشرك يفرح ويسر ويحنّ قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذَكرت له الله وحده، وجردت توحيده لحقته وحشة، وضيق، وحرج، ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك.\nرأينا والله منهم هذا عيانا، ورمونا بعداوتهم، وبغوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة، ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا، فقال هؤلاء: تنقصتم مشايخنا، وأبواب حوائجنا إلى الله، وهكذا قال النصارى للنبي ﷺ، لما قال لهم: إن المسيح عبد الله، قالوا: تنقصت المسيح وعِبْتَه، وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد، ومساجد تقصد، وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله، قالوا: تنقصت أصحابها\" (^٢).\n_________\n(^١) زاد المعاد (٣/ ٤٤٣) مؤسسة الرسالة - بيروت.\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤٨ - ٣٥٠).","vol":"1","page":25},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-41> عضد الدين الإيجي </span>(المتوفى: ٧٥٦): \"وقد مرّ أنه يمكن إثبات الوحدانية بالدلائل النقلية لعدم توقف صحتها على التوحيد. واعلم أنه لا مخالف في هذه المسألة إلا الثنوية دون الوثنية، فإنهم [أي: الوثنية] لا يقولون بوجود إلهين واجبي الوجود، ولا يصفون الأوثان بصفات الإلهية وإن أطلقوا عليها اسم الآلهة، بل اتخذوها على أنها تماثيل الأنبياء أو الزهاد أو الملائكة أو الكواكب، واشتغلوا بتعظيمها على وجه العبادة توصلًا بها إلى ما هو إله حقيقة\" (^١).\n\n• وأورد<span data-type=\"title\" id=toc-42> الحافظ ابن كثير </span>(المتوفى: ٧٧٤) ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد القرشية الهاشمية في حوادث سنة (٢٠٨ هـ)، ونقل عن ابن خلِّكان أنَّه قال: \"ولأهل مصر فيها اعتقاد\"، ثم قال:\n\"قلت: وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرا جدا، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يُطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظًا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنه لا تجوز، ...\nوالذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام، ومن زعم أنها تفك من الخشب، أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك\" (^٢).\n\nوذكر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ قصةً ذكر فيها أنّ ذئبًا جاء فأخذ حَمَلا (^٣) من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي، جارك. فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان، أرسله. فأتى الحَمَل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. ثم قال: \"وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحَمَل -وهو ولد الشاة- كان جنيًا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم ردّه عليه لما استجار به، ليضلّه ويهينه، ويخرجه عن دينه. والله أعلم\" (^٤).\n_________\n(^١) المواقف (٣/ ٦٤) دار الجيل - بيروت - لبنان.\n(^٢) البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٢ - ٢٦٣) مكتبة المعارف - بيروت.\n(^٣) الحَمَل: الجذع من أولاد الضأن فما دونه.\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٢٤٠) دار طيبة.","vol":"1","page":26},{"text":"وقال أيضًا: \"أخبر تعالى عن عبّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ﴿إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة.\nولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: \"لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.\nوهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي: فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم\" (^٢).\n\nوقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يَهِدِّيَ إِلَاّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: \"فما بالكم يُذْهَبُ بعقولكم، كيف سويتم بين الله وبين خَلقه، وعدلتم هذا بهذا، وعبدتم هذا وهذا؟!\nوهلا أفردتم الرب ﷻ المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده، وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"وفي هذا الشهر بعينه [أي: شهر رجب من سنة ٦٩٤ هـ] راح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مسجد التاريخ وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر قلوط تزار وينذر لها، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيما\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٧/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٢) المصدر السابق (٧/ ١٣٤).\n(^٣) المصدر السابق (٤/ ٢٦٨).\n(^٤) البداية والنهاية (١٤/ ٣٤) مكتبة المعارف - بيروت.","vol":"1","page":27},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-43> الإمام الأذرعي الشافعي </span>(المتوفى:٧٨٣): \"وأما النذر للمشاهد الذي بُنيت على قبر ولي أو نحوه، فإن قصد به الإيقاد على القبر ولو مع قصد التنوير فلا.\nوإن قصد به - وهو الغالب من العامة - تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دُفن فيها أو نُسبت إليه فهذا نذر باطل غير منعقد؛ فإنهم يعتقدون أن لهذه الأماكن خصوصيات لا تفهم، ويرون أنّ النذر لها مما يدفع البلاء. قال: وحكم الوقف كالنذر فيما ذكرناه اهـ\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-44> ابن أبي العز الحنفي </span>(المتوفى: ٧٩٢): \"التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-45> سعد الدين التفتازاني </span>(المتوفى: ٧٩٣) أثناء كلامه عن عبدة الأصنام: \"لما مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله تعالى اتخذوا تمثالًا على صورته وعظّموه تشفعًا إلى الله تعالى وتوسلا\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-46> الحافظ ابن رجب الحنبلي </span>(المتوفى: ٧٩٥): \"إنّ قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يُطاعٍ فلا يعصى هيبة له وإجلالًا ومحبة وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا عليه وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله ﷿.\nفمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك\" (^٤).\n_________\n(^١) الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي (٤/ ٢٨٦) ط/دار الفكر.\n(^٢) شرح الطحاوية (ص: ٣١) ط/ وزارة الأوقاف السعودية.\n(^٣) المقاصد في علم الكلام (٢/ ٦٥) دار المعارف النعمانية - باكستان.\n(^٤) تحقيق كلمة الإخلاص (ص:٢٣ - ٢٤) ط/ المكتب الإسلامي - بيروت.","vol":"1","page":28},{"text":"وقال أيضًا: \"واعلم أنّ سؤال الله ﷿ دون خلقه هو المتعين؛ لأنّ السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا الله وحده، لأنه حقيقة العبادة\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-47> ابن النحاس الشافعي </span>(المتوفى:٨١٤): \"ومنها إيقادهم السرج عند الأحجار والأشجار والعيون والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذر، وهذه كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة تجب إزالتها ومحو أثرها، فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر وتجلب وتدفع وتشفي المرض وتردّ الغائب إذا نذر لها، وهذا شرك ومحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ\" (^٢).\n\n• وجاء في فتاوى<span data-type=\"title\" id=toc-48> الفقيه العلامة ولي الدين العراقي الشافعي </span>الأشعري (المتوفى: ٨٢٦) أنه سئل عمن يزور الصالحين من الموتى فيقول عند قبر الواحد منهم: يا سيدي فلان أنا مستجير بك، أو متوسل بك أن يحصل لي كذا وكذا، أو أطلب منك أن يحصل لي كذا وكذا، أو يقول: يا رب أسألك بمنزلة هذا الرجل أو بسرّه أو بعمله أن يفعل بي كذا وكذا، هل هذه العبارات حسنة أو غير حسنة أو بعضها حسن وبعضها قبيح؟ ... إلخ السؤال.\nفأجاب بما نصه: \"زيارة الرجال للقبور مندوب إليها، فقبور الصالحين آكد في الاستحباب ... ولا امتناع في التوسل بالصالحين، فإنه ورد التوسل بالنبي ﷺ وبصلحاء أمته حظٌ مما لم يعد من خصائصه ...\nوأما قوله: \"أنا أطلب منك أن يحصل لي كذا وكذا فأمرٌ مُنْكَرٌ؛ فالطلب إنما هو من الله تعالى\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-49> العلامة تقي الدين المقريزي الشافعي </span>(المتوفى: ٨٤٥): \"وشرك الأمم كله نوعان: شرك في الإلهيّة، وشرك في الربوبيّة:\nفالشرك في الإلهيّة والعبادة: هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عبّاد الأصنام، وعبّاد الملائكة، وعبّاد الجّن، وعبّاد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات، الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويشفعوا لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته.\nوالكتب الإلهيّة كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وتردّه، وتقبّح أهله، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك، من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى مَن أهلك من الأمم إلاّ بسبب هذا الشرك، ومن أجله\" (^٤).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨١) مؤسسة الرسالة - بيروت.\n(^٢) تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين (ص:٥٢٢) دار الكتب العلمية.\n(^٣) فتاوى ولي الدين العراقي (ص:١٦٦) ط/ دار الفتح.\n(^٤) تجريد التوحيد المفيد (ص: ١٤) ط/الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.","vol":"1","page":29},{"text":"وقال أيضا: \"اعلم أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. أمّا الخالق فإن المشرك شبّه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهيّة، وهي التفرّد بملك الضّر والنفع، والعطاء والمنع، فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وسوّى بين التراب وربّ الأرباب، فأي فجور وذنب أعظم من هذا؟! \" (^١).\nوقال أيضًا: \"فمن اتخذ واسطةً بينه وبين الله تعالى فقد ظنّ به أقبح الظن، ومستحيل أن يشرعه لعباده، بل ذلك يمتنع في العقول والفطر ...\nواعلم أن الخضوع والتأّله الذي يجعله العبد لتلك الوسائط قبيح في نفسه، كما قرّرناه، لا سيما إذا كان المجعول له ذلك عبدًا للملك العظيم الرّحيم القريب المجيب، ومملوكا له\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"والناس في هذا الباب - أعني: زيارة القبور - على ثلاثة أقسام:\nقوم يزورون الموتى فيدعون لهم. وهذه هي الزّيارة الشرعيّة. وقوم يزورونهم يدعون بهم، فهؤلاء هم المشركون في الألوهيّة والمحبّة. وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي ﵌: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد»، وهؤلاء هم المشركون في الربوبيّة. وقد حمى النبيّ ﷺ جانب التّوحيد أعظم حماية، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، حتى نهى عن الصّلاة في هذين الوقتين لكونه ذريعةً إلى التّشبيه بعبّاد الشّمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذّريعة بأن منع من الصّلاة بعد العصر والصّبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشّمس\" (^٣).\n\nوقال أيضًا: \"وبالله إنّ الفتنة بهذا المكان [أي: المكان الذي يزعم بعضهم بأنه قبر أبي تراب النخشبي]، والمكان الآخر من حارة برجوان الذي يعرف بجعفر الصادق لعظيمة، فإنهما صارا كالأنصاب التي كانت تتخذها مشركوا العرب، يلجأ إليهما سفهاء العامّة والنساء في أوقات الشدائد، ويُنزلون بهذين الموضعين كربهم وشدائدهم التي لا يُنزلها العبد إلا بالله ربه، ويسألون في هذين الموضعين ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده، من وفاء الدين من غير جهة معينة، وطلب الولد ونحو ذلك، ويحملون النذور من الزيت وغيره إليهما، ظنا أن ذلك ينجيهم من المكاره، ويجلب إليهم المنافع، ولعمري إن هي إلّا كرّة خاسرة، ولله الحمد على السلامة\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٢٧).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٢٣ - ٣٣).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ١٩ - ٢٠).\n(^٤) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٣/ ٩٤) دار الكتب العلمية - بيروت.","vol":"1","page":30},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-50> نظام الدين النيسابوري </span>(المتوفى: ٨٥٠): \"فإن قيل: لمّا رجع حاصلُ مذاهب عبدة الأوثان إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟\nقلنا: لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم، وكما تهكم بهم بلفظ الندّ، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط، ولا يفيد في طريق عبادته إلا الحنيفية والإخلاص ورفع الوسائط من البين\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-51> الحافظ ابن حجر العسقلاني </span>(المتوفى: ٨٥٢): \"الدعاء: هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وما شُرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه، ولهذا ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ حيث عبر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان\" (^٢).\n\n• وقال السيد<span data-type=\"title\" id=toc-52> العلامة بدر الدين حسين بن عبد الرحمن الأهدل الشافعي </span>الأشعري صاحب كتاب تحفة الزمن (المتوفى: ٨٥٥): \"والاستغاثة بالمشايخ الأموات والأحياء مما أطبق عليه المتأخرون من المتصوفة، ولم يُنقل عن السلف المتقدمين لمعرفتهم بأنّ الاستغاثة بغير الله تعالى لا تجوز ولا تنفع، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ وغير ذلك من الآيات.\nولم يُنقل أن النبي ﷺ أذِن لأحد من الصحابة ﵃ في الاستغاثة به في شدّة قط، وكان حاضرًا يوم أُحد فلم يملك من الأمر شيئًا كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وإنما يُستشفع به إلى الله تعالى في تفريج الكرب وتسهيل الشدائد، وكذا بالصالحين من عباد الله فاعلم ذلك ولا تتبع جهالات المتأخرين\" (^٣).\n\nوقال أيضًا: \"وينبغي أن يكون التوسل إلى الله تعالى بغيره على الصيغة التي ذكرها المؤلف ونحوها كأسألك اللهم بسرّ وليّك فلان الصالح أو العالم، أو بسر إيمانه وعلمه وتقواه ونحو ذلك ...\nوأما الإقسام على الله بأحد من خلقه فلا ينبغي إلا بنبيه محمد ﷺ ذكره ابن عبد السلام في فتاويه.\nوأما قول الأستاذ معروف الكرخي لسري السقطي ﵄: إذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى فاقسم عليه بي. فمعناه توسل إلى الله بي على نحو ما تقدم\" (^٤).\n_________\n(^١) غرائب القرآن ورغائب الفرقان (١/ ١٨٩) دار الكتب العلمية - بيروت ..\n(^٢) فتح الباري (١١/ ٩٥).\n(^٣) مطالب أهل القربة في شرح دعاء أبي حربة [مخطوط لوحة: ٨٣ ب]، وهذا المخطوط بمكتبة الشيخ أحمد محمد يوسف حربة.\n(^٤) المصدر السابق [لوحة: ٢١٠ ب].","vol":"1","page":31},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-53> الإمام قاسم بن قطلوبغا </span>(المتوفى:٨٧٩): \"وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون لإنسان غائبٌ أو مريضٌ أو له حاجة ضرورية فيأتي بعض الصلحاء فيجعل ستره على رأسه فيقول: يا سيدي فلان إن رُّد غائبي أو عُوفي مريضي أو قُضيت حاجتي فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع كذا أو من الزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه:\nمنها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة والعبادة لا تكون للمخلوق.\nومنها: أن المنذور له ميت والميت لا يملك.\nومنها: إن ظنَّ أنّ الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى، واعتقادُه ذلك كفر ... فإذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين ما لم يقصدوا بصرفها للفقراء الأحياء قولا واحدا اهـ\" (^١).\n\nونَقَلَ هذا الكلام عن الإمام قاسم بن قطلوبغا وأقرّه كثيرُ من أئمة الحنفية منهم خير الدين الرملي\n(المتوفى: ٩٩٣ هـ) في الفتاوى الخيرية (ص: ١٧ - ١٨) [ط/بولاق بمصر]، والإمام سراج الدين عمر بن نجيم (المتوفى: ١٠٠٥ هـ) في النهر الفائق، والطحطاوي (المتوفى: ١٢٣١) في حاشيته على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٦٩٣).\nوالشيخ رشيد أحمد الجنجوهي الإمام الثاني للديوبندية الملقب بالإمام الرباني (المتوفى:١٣٢٣ هـ) كما في الفتاوى الرشيدية (ص: ١٨٢، ٢٠٢)، والشيخ شكري الآلوسي (١٣٤٢ هـ) في فتح المنان (ص: ٤١٧)، والشيخ علي محفوظ الحنفي المصري (١٣٦١ هـ) في كتابه الإبداع في مضار الابتداع (ص: ١٨٩).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-54> العلامة أبو الحسن المرداوي </span>(المتوفى: ٨٨٥): \"وقال الإمام أحمد وغيره من العلماء في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»: الاستعاذة لا تكون بمخلوق\" (^٢).\n_________\n(^١) البحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١) دار الكتاب الإسلامي.\n(^٢) الإنصاف (٢/ ٤٥٦) دار إحياء التراث العربي.","vol":"1","page":32},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-55> الشيخ زكريا الأنصاري </span>(المتوفى: ٩٢٦) عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ والْأَرضِ ... إلى قوله: فسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾:\n\"إن قلتَ: هذا يدل على أنّهم معترفون بأنَّ الله هو الخالقُ، الرازقُ، المدبِّرُ، فكيفَ عبدوا الأصنام؟!\nقلت: كلُّهُم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنامَ، عبادةَ اللَّهِ تعالى، والتقرُّبَ إليه، لكنْ بطرقٍ مختلفةٍ. ففرقةٌ قالت: ليستْ لنا أهليَّةٌ لعبادةِ اللَّهِ تعالى، بلا واسطة لعظمتِهِ، فعبدْنَاها لتقرِّبنا إليه تعالى، كما قال حكايةً عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهمْ إِلَاّ ليُقَرِّبونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وفرقةٌ قالت: الملائكة ذَوُو جاهٍ ومنزلةٍ عند الله، فاتَّخذنا أصنامًا على هيئة الملائكة، ليقرِّبونا إلى اللَّهِ\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-56> محيي الدين شيخ زاده </span>(المتوفى: ٩٥١): \"مَن يعبد هذه الأحجار المنحوتة في هذه الساعة لا يعبدها على اعتقاد أنّ لها تأثيرًا وتدبيًرا في انتظام أحوال هذا العالم السفلي؛ فإن بطلان ذلك معلوم ببديهة العقل، وما عُلم بطلانه ببديهة العقل لا يذهب إلى صحته الجم الغفير والقوم الكثير، فلا بد أن يكون لهم في عبادتها منشأ غلط ... \" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-57> العلامة ابن نجيم الحنفي </span>(المتوفى: ٩٧٠): \"وفي البزازية: قال علماؤنا: من قال: أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-58> الإمام تقي الدين محمد بن بير علي البركوي الرومي الحنفي </span>(المتوفى:٩٨١): \"وأمّا الزيارة البدعية: فزيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق والعافية، والولد، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من الحاجات التي كان عبّاد الأوثان يسألونها من أوثانهم، فليس شيئا من ذلك مشروعا باتفاق أئمة الدين؛ إذ لم يفعله\nرسول الله ﷺ، ولا أحد من الصحابة، والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذة عن عبّاد الأصنام\" (^٤).\n\nوقال أيضًا في سبب تأليفه لكتاب زيارة القبور: \"لأنّ كثيرًا من الناس في هذا الزمان جعلوا بعض القبور كالأوثان، يصلون عندها ويذبحون القربان ويصدر منهم أفعال وأقوال لا تليق بأهل الإيمان، فأردت أن أبين لهم ما ورد به الشرع في هذا الشأن، حتى يتميز الحق من الباطل عند من يريد تصحيح الإيمان والخلاص من كيد الشيطان، والنجاة من عذاب النيران، والدخول في دار الجنان. والله الهادي وعليه التكلان.\n_________\n(^١) فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن (١/ ٢٤٦) دار القرآن الكريم - بيروت.\n(^٢) حاشية الشيخ محيي الدين شيخ زاده على تفسير البيضاوي (٤/ ٧٨).\n(^٣) البحر الرائق (٥/ ١٣٤).\n(^٤) زيارة القبور الشرعية والشركية (ص: ٣٣) ط/ الرئاسة العامة للبحوث العامة والإفتاء، ١٤٣٣ هـ.","vol":"1","page":33},{"text":"اعلم أن السعادة العظمى، والكرامة الكبرى في الدنيا والعقبى لا تحصل إلا بمتابعة خاتم النبيين، صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين، لكن الشيطان للإنسان عدو مبين، يصدهم بأنواع مكائده عن الصراط المستقيم، ويدعوهم إلى الإثم العظيم، ليكونوا من أصحاب الجحيم، وغاية بغيتهم سلب الإيمان حتى يكونوا من أهل الخلود في النيران.\nومن أعظم مكائده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله تعالى، وعبدت قبورهم واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادًا لها ظل، ثم جعلت أصنامًا وعبدت مع الله تعالى\" (^١).\n\nوقال أيضًا ناقلًا عن الحافظ ابن القيم ومقررا له: \"إنّ غلاة متخذيها [أي: القبور] عيدا إذا رأوها من موضع بعيد ينزلون من الدواب، ويضعون الجباه على الأرض، ويقبلون، ويكشفون الرؤوس، وينادون من مكان بعيد، ويستغيثون بمن لا يبدي ولا يعيد، ويرفعون الأصوات بالضجيج، ويرون أنهم قد زادوا في الربح على الحجيج، حتى إذا وصلوا إليها يصلون عندها ركعتين ويرون أنهم قد أحرزوا من الأجر أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبور سجدا يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملأوا أكفهم خيبة وخسرانا، فلغير الله تعالى بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات وإغناء ذوي الفاقات ومعافاة أولي العاهات والبليات\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فقلب هؤلاء الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصودَ بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءَه، وسؤاله الحوائجَ، واستنزال البركات منه، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم، وإلى الميت\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-59> الإمام محمد بن طاهر الفتني </span>أحد الأئمة الحنفية الكبار الملقب عند بعض العلماء بملك المحدثين (المتوفى: ٩٨٦): \"فإنّ منهم من قصد بزيارة قبور الأنبياء والصلحاء أن يصلي عند قبورهم، ويدعو عندها، ويسألهم الحوائج، وهذا لا يجوز؛ فإنّ العبادة وطلب الحوائج، والاستعانة حق لله وحده\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٧).\n(^٢) المصدر السابق (ص:٢٢ - ٢٣).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٢٨).\n(^٤) مجمع بحار الأنوار (٢/ ٧٣).","vol":"1","page":34},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-60> العلامة المناوي </span>(المتوفى: ١٠٣١): عند شرحه حديث «الدعاء هو العبادة»: \"قال الطيبي: أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء.\nوقال غيره: المعنى هو أعظم العبادة فهو كخبر «الحج عرفة» أي ركنه الأكبر. وذلك لدلالته على أن فاعله يقبل بوجهه إلى الله معرضا عما سواه، ولأنه مأمور به وفعل المأمور به عبادة، وسماه عبادة ليخضع الداعي ويظهر ذلته ومسكنته وافتقاره، إذ العبادة ذل وخضوع ومسكنة.\nقال الحكيم: كانت الأمم الماضية ترفع حوائجها إلى الأنبياء فيرفعونها إلى الله، فلما جاءت هذه الأمة أذن لهم في دعائه لكرامتها عليه\" (^١).\n\n• وذكر<span data-type=\"title\" id=toc-61> العلامة محمد بن أحمد الشامي المعروف </span>بالأسطواني الملقب بشيخ السلطان (المتوفى: ١٠٧٢) في كتاب الرسالة أنّ طلب الشفاعة من الأموات من الأمور الشركية.\nوذكر أن تقديم النذور والقرابين للقبور والأحجار والأشجار من أعمال الشرك التي تؤدي بصاحبها إلى الخلود في النار\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-62> العلامة عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المدعو بشيخي زاده </span>(المتوفى: ١٠٧٨): \"ويكفر بقوله: أرواح المشايخ حاضرة تعلم\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-63> العلامة علاء الدين الحصكفي الحنفي </span>(المتوفى: ١٠٨٨): \"وفي التتارخانية معزيا للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ \".\n\n• قال<span data-type=\"title\" id=toc-64> العلامة ابن عابدين </span>(المتوفى: ١٢٥٢): \" (قوله: إلا به) أي بذاته وصفاته وأسمائه\" (^٤).\nوقال الحصكفي أيضًا: \"واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام، وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقربا إليهم فهو بالإجماع باطل وحرام ما لم يقصدوا صرفها لفقراء الأنام، وقد ابتُلي الناس بذلك، ولا سيما في هذه الأعصار\".\nقال العلامة ابن عابدين: \" (قوله: ولا سيما في هذه الأعصار) ولا سيما في مولد السيد أحمد البدوي. نهر\" (^٥).\n_________\n(^١) فيض القدير (٣/ ٥٤٠) المكتبة التجارية الكبرى - مصر.\n(^٢) دعوة قاضي زاده الإصلاحية (ص: ١٠٧) منشورات دار اللؤلوة.\n(^٣) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (٢/ ٥٠٥) دار الكتب العلمية - بيروت.\n(^٤) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (٦/ ٣٩٦) دار الفكر - بيروت.\n(^٥) المصدر السابق (٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠).","vol":"1","page":35},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-65> الشيخ محمد بن بسطام الخوشابي الواني </span>(المتوفى: ١٠٩٦): \"كل من دعا غير الله - دعاء مسألة أو عبادة- فقد أشرك في الألوهية، وكل من اعتقد ضارا ونافعا غير الله فقد أشرك في الربوبية\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-66> العلامة صالح بن مهدي المقبلي </span>(المتوفى: ١١٠٨): \"ما أعظم ما أدركه الشياطين بواسطة المتزندقة المتلبسين باسم التصوف الذين يزعمون أنهم يتصرفون في العالم مَا نَعَقَ في هذه العجم من تنزيلهم أولياء الشيطان منزلة الآلهة، أهونهم من يقول ولو بلسان الحال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وآخرون: أنهم شفعاؤهم عند الله، ونحو ذلك، ...\nنعم: فإذا ركبت البحر اليوم فيما شاهدنا من مكة إلى اليمن إذا مسهم الضر وأشرفوا على الهلاك صاح كلٌ بشيخه، ونادى أهلُ المراكب المسافرين ليدعو كلٌ بشيخه، فربما نودي عشرون أو خمسون أو مائة شيخ، ولو قال لهم القائل: ادعوا الله وحده، لكان من شر الخليقة عندهم.\nوقلتُ لرجل مرة وقد مسنا اليأس من الحياة وهو ينادي يا سيدي فلان، يا سيدي فلان: أتدعو في الضرورة غير الله وقد اقتصر الكافرون على دعائه في مثلها؟! فقال: إنهم معنا أينما كنا، حاضرون لا يغيبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون\" (^٢).\n\nوقال أيضًا بعد أن ذكر بعض أكاذيب بعض المتصوفة التي يروونها فيما يتعلق بالأولياء: \"ومن سمع [أي: تلك الأكاذيب] صدّق، ومن لم يصدِّق أو سأل عن صحة ذلك عقلًا أو نقلًا، قالوا: لا يقول بالأولياء، فلنعرض عنه ونحذر منه، حتى أنهم يثبتون على هذا إذا مسهم الضر في البحر لا تسمعهم إلا يدعون المشايخ، ويهتفون بالركبان: ليدع كلٌ منكم شيخه، فيرتج المركب بالأصوات بذكر الشيخ، فإذا الكفار كانوا خيرًا من هؤلاء؛ لأنهم كانوا إذا مسهم الضر في البحر ضلّ من يدعون إلا إياه.\nاللهم إنا نبرأ إليك من حال هؤلاء، ونسألك أن تكتبنا من الناهين عن ضلالهم والمناوئين لهم، ونستغفرك من التقصير، وقد علمت عجزنا عن السيف أن نفضي به إليهم، وعن اللسان أن يعمهم وينادي به عليهم إلا بمثل هذه الأساطير، وإلا في الفرص الممكنة بحيث عُرفنا بذلك بينهم. والحمد لله\" (^٣).\n_________\n(^١) عرائس القرآن ونفائس الفرقان (١/ ٥٤٩) دار الكتب العلمية - بيروت.\n(^٢) الأبحاث المسددة في فنون متعددة (ص:١٦٥) مكتبة الجيل الجديد - اليمن.\n(^٣) الإتحاف لطلبة الكشاف [مخطوط لوحة ١٣١ - ١٣٢).","vol":"1","page":36},{"text":"وقال أيضًا: \"لكنه قد مهّد إبليس فنًا آخر، وشاع وذاع وملأ الأبصار والأسماع، وغلب أولي الألباب الرعاع.\nجاءني شريف من أشراف مكة، وكان يعتقد متصوفًا وأنا أنهاه عنه، فجاءني مذعورًا يقول: ذكرتُ الله ورسوله فغضب فلان وقال: لا أعرفُ الله ولا رسوله إنما أعرف شيخي.\nوزار بعضُ العقلاء ابنَ عباس فرأى غلو الناس فيه، فقال لرجل من عمد مكة ومدرسيهم ومتصوفتهم: أهلُ الطائف لا يعرفون الله، قد اتخذوا ابن عباس إلهًا من دون الله، فسقط من عين ذلك المدرس، وقال: ما كنت أظنك بهذه المنزلة من الجهل والغفلة، هم لا يعرفون الله، ولكن تكفيهم معرفة ابن عباس، وهو يعرف الله.\nثم قد صوروا كذبات قالوا: مشى الجنيد في البحر وهو يقول: يا الله يا الله، وقال لتلميذه: قل أنت: يا جنيد يا جنيد. قال: مشيا ثم قال تلميذه: يا الله، فغرق، فنهره الشيخ، فتاب، وقال: يا جنيد، فمشى فوق الماء.\nوقالوا: جاء منكر ونكير لميت فقالا: من ربك؟ فقال: شيخي فلان، وكرروا سؤاله وهو يكرر قول: شيخي فلان، فقالوا: صدق، وذهبوا عنه راضين.\nومن أنكر هذا قالوا: جلمود أو مخذول، ولا يحب الأولياء، أو نحو ذلك من عبارات لهم، فهؤلاء زادوا على من قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وليس لهؤلاء من علاج غير السيف، ولكن أهل السيف الآن أجهل خلق الله وأشدهم اغترارًا بتلك الأساليب، حيوانات مختلفة الطباع من ثعالب وسباع يعمها سلب الفلاح. والله المستعان\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-67> العلامة الملا علي القاري </span>(المتوفى: ١٠١٤): \"وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله\nﷺ: «الدعاء هو العبادة» أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة، لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه قائما بوجوب العبودية، معترفا بحق الربوبية، عالما بنعمة الإيجاد، طالبا لمدد الإمداد على وفق المراد، وتوفيق الإسعاد\" (^٢).\n_________\n(^١) الأبحاث المسددة (ص: ١٥٨).\n(^٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٤/ ١٥٢٧) دار الفكر، بيروت - لبنان.","vol":"1","page":37},{"text":"وقال أيضًا عند شرحه لحديث: «يا غلام احفظ الله يحفظك»: \" (وإذا سألت) أي: أردتّ السؤال (فاسأل الله) بإثبات الهمز ويجور نقله. أي: فاسأل الله وحده، فإن خزائن العطايا عنده، ومفاتيح المواهب والمزايا بيده، وكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية فإنها تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمته من غير شائبة عرض ولا ضميمة علة; لأنه الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته، ولا يخشى إلا نقمته، ويلتجأ في عظائم المهام إليه، ويعتمد في جمهور الأمور عليه، ولا يسأل غيره; لأن غيره غير قادر على العطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع، فإنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا يترك السؤال بلسان الحال أو ببيان المقال في جميع الأحوال، ففي الحديث: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، إذ السؤال إظهار شعائر الانكسار، والإقرار بسمت العجز والافتقار، والإفلاس عن ذروة القوة والطاقة إلى حضيض الاستكانة والفاقة، ونعم ما قيل:\nالله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب\n(وإذا استعنت) أي: أردت الاستعانة في الطاعة وغيرها من أمور الدنيا والآخرة (فاستعن بالله) فإنه المستعان وعليه التكلان في كل زمان ومكان\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-68> العلامة أحمد بن عبد الأحد السرهندي</span>، رئيس الطائفة النقشبندية، الملقب عند الحنفية بالإمام الرباني ومجدد الألف الثاني (١٠٣٤ هـ): \"التبرِّي من الكفر شرط الإسلام، والاجتناب عن شائبة الشرك توحيد، والاستمداد من الأصنام والطاغوت في دفع الأمراض والأسقام كما هو شائع فيما بين جهلة أهل الإسلام - عين الشرك والضلالة ....\nوأكثر النساء مبتليات بهذا الاستمداد الممنوع عنه بواسطة كمال الجهل فيهن، يطلبن دفع البلية من هذه الأسماء الخالية عن المسميات، ومفتونات بأداء مراسم الشرك وأهل الشرك، خصوصًا وقت عروض مرض الجدري ...، كما أنّ جهله أهل الإسلام خصوصًا طائفة نسائهم - يؤدون رسوم أهل الكفر ...، وكل ذلك شرك وكفر بدين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، وما يفعلونه من ذبح الحيوانات عند قبور المشايخ المنذورة لهم جعله الفقهاء أيضًا في الروايات الفقهية داخلًا في الشرك ...، ومثل ذلك صيام النساء بنية المشايخ ...، ويطلبن حوائجهن منهم بواسطة تلك الصيام، ويزعمن قضاء حوائجهن منهم، وهذا الفعل إشراك للغير في عبادة الله تعالى وطلب لقضاء الحوائج من الغير بواسطة العبادة إليه\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٨/ ٣٣٢٣ - ٣٣٢٤).\n(^٢) المنتخبات من المكتوبات (ص: ٢٢٠).","vol":"1","page":38},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-69> الإمام أحمد بن محمد الرومي الأقحصاري الحنفي </span>(المتوفى: ١٠٤١): \"وأمّا الزيارة البدعية فهي زيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق والعافية، والولد، وقضاء الدين، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من الحاجات التي كان عبّاد الأوثان يسألونها من أصنامهم، فإن أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذ منهم.\nوليس شيء من ذلك مشروعا باتفاق علماء المسلمين؛ إذ لم يفعله رسول رب العالمين، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل قد أنكر الصحابة ما هو دون ذلك بكثير\" (^١).\n\nوقال في سبب تأليفه لكتاب مجالس الأبرار: \"أردتُّ أن أجمع لبعض إخوان الآخرة، ... وأبين فيه من الاعتقادات الصحيحة والأعمال الآخرة، وأحذر عما فيه من استمداد القبور وغيره من فعل الكفرة، وأهل البدع الضالة المضلة الفجرة، لما رأيت كثيرًا من الناس في هذا الزمان جعلوا القبور كالأوثان، يصلون عندها ويذبحون القربان، ويصدر منهم أفعال وأقوال لا تليق بأهل الإيمان، فأردت أن أبين ما ورد به الشرع في هذا الشأن، حتى يتميز الحق من الباطل عند من يريد تصحيح الإيمان والخلاص من كيد الشيطان، والنجاة من عذاب النيران، والدخول في دار الجنان. والله الهادي وعليه التكلان\".\nوقال أيضًا: \"ومنهم من يستغيث بالمخلوق سواء كان المخلوق حيا أو ميتا، أو مسلما أو غير مسلم، ويتصور الشيطان بصورته، ويقضي حاجة من يستغيث به، فيظن أنه هو الذي استغاث به، وليس كما يظن، بل إنما هو الشيطان أضلّه لما أشرك بالله فإن الشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته ...، فإنه إذا أعانهم على مقاصدهم فهو يضرهم أضعاف ما ينفعهم، فإذا كان منتسبًا إلى الإسلام إذا استغاث بمن يحسن به الظن من شيوخ المسلمين، يجيء إليه الشيطان في صورة ذلك الشيخ، فإن الشيطان كثيرًا ما يجيء على صورة الصالحين، ولا يقدر أن يتمثل بصورة رسول رب العالمين.\nثم إن ذلك الشيخ المستغاث به- إن كان ممن له علم- لا يخبره الشيطان بأقوال أصحابه المستغيثين به، وإن كان ممن لا علم له يخبره بأقوالهم، وينقل إليهم كلامه، فيظن أولئك الجهلة أن الشيخ سمع أصواتهم، وأجابهم مع بُعد المسافة، وليس كذلك، بل إنما هو بتوسّط الشيطان\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-70> العلامة منصور بن يونس البهوتي الحنبلي </span>في باب حكم المرتد، أثناء تعداده لما تحصل به الردة: \"وقال [أي: شيخ الإسلام ابن تيمية] أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا. انتهى) أي كَفَر؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) مجالس الأبرار ومسالك الأخيار (ص: ٣٩٠) [ضمن المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد، دار أطلس للنشر والتوزيع].\n(^٢) خزينة الأسرار ترجمة مجالس الأبرار (ص:٢٤) ط/الحجرية الهندية.\n(^٣) كشاف القناع عن متن الإقناع (٦/ ١٦٨).","vol":"1","page":39},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-71> العلامة صنع الله الحلبي المكي الحنفي </span>(المتوفى: ١١٢٠): \"وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أنّ للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تنكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات.\nوقرّرهم على ذلك من ادعى العلم بمسائل، وأمدهم بفتاوى ورسائل، ...\nوجوّزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور.\nوهذا - كما ترى- كلام فيه تفريط وإفراط، وغلو في الدين بترك الاحتياط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادرة الكتاب العزيز المصدّق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة. فكل بناء على غير أصولهم تلبيس، وفي غير مناهجهم مخايل إبليس.\nوفي التنْزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ \" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"وما قيل من أنه يجوز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين فإنما المراد به التبرك بذكرهم، والتوسل بهم بلا إمداد منهم.\nفإياك ثم إياك في شأنك من مغالطة إخوانك! اللهم طهرنا من معرة ذلك، وأعذنا من إيهام ما فيه المهالك.\nوالاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يالزيد! يالقومي! ياللمسلمين! كما ذكروا ذلك في كتب النحو بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل.\nأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله، فلا يُذكر فيها غيره، قال جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ فنفى دعاء غيره، فتعين انفراده به، فاعقد على مثله، ولا تكن ممن ضل بعقله ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ...\nوأما كونهم معتقدين التأثير منهم، وأن لهم التصرف في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجهال، وينادونهم ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات؛ لأن الأحياء إذا انتفى عنهم التصرف - كما مرّ آنفًا- فكيف يثبت للأموات؟! \" (^٢).\n_________\n(^١) سيف الله على من كذب على أولياء الله (ص:٢٢ - ٢٣) دار الكتاب والسنة.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٤٩ - ٥١).","vol":"1","page":40},{"text":"وقال أيضًا: \"فمن اعتقد أنّ لغير الله من نبي أو ولي أو روح، أو غير ذلك في كشف كربة، وقضاء حاجة تأثيرًا، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير.\nوأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، وأن يظنّ بهم أن دفع الضر وجلب النفع منهم كرامةٌ، فهذا ظن أهل الأوثان، كما أخبر الرحمن: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.\nوأما أهل الإيمان فليس لهم غير الله دافع، ومنه تحصل المنافع، قال جل ذكره ﴿أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء﴾، ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لَاّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾.\nفإنّ ذِكرَ ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وملك وولي وغيرهم على وجه الإمداد منه إشراك مع الله؛ إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره.\nنعم ذكر الأنبياء والصالحين في الدعاء على وجه التوسل بهم، كقوله: نسألك يا الله بمحمد وآله، ونحو ذلك لا بأس به.\nوأما الطلب منهم على وجه التأثير والشفاعة اللازمة فمن اعتقاد أهل الأوثان كما مرّ بيانه مرة بعد أخرى.\nفمن اعتقد أنّ جلب المنافع ودفع المضار من غير الله أو ممن أشركه مع الله فقد افترى في دينه فرية ما مثلها بلية\" (^١).\nوقال أيضًا: \"الكرامة لا تحدّي فيها، ولا هي عن قصد حتى تكون من تصرفاتهم.\nوفي التنزيل ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ﴾، ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾، فهذا خطاب لأكبر رسل الله، فكيف بغيره من أولياء الله؟! ولكن ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nوأما من قرّرهم على ذلك ممن ادعى العلم، وأمدّهم بمسائل وفتاوى ورسائل فإنما هو من زعمه المرتّب أو جهله المركّب، أو من فساد سرّه، أو من خَبَلٍ في عقله، أو من تعصبه لخصمه وقع في سوء فهمه، أو من حسده للأقران أخذ يسفسط في البرهان بقال فلان وأفتى فلان مع ما فيه من الخلل ومحض الزلل، وتركه ما في هذا الشأن من هداية القرآن الذي تبين بنصوصه المترقية عن درجة التأويل وإيضاح السبيل، وانكشف به الحجاب عن العقول، وتبين للناس ما فيه من المنقول، وأقام الله به الأدلة على الهداية، وأرشد المتقين لما فيه من الدراية. فهل تستند إلى غيره الأفكار مع وضوح ما فيه من الأسرار؟! أفي عقولهم جِنّة أم على قلوبهم أكنّة؟\nفوالله لقد تلخص فيه الصواب، وتميز به القشر من اللباب ...\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٥٨ - ٥٩).","vol":"1","page":41},{"text":"فهل يحل لمؤمن أن يستمد بغير الله في الشدائد، أو ينتصر بغيره ويترجى منه الفوائد مع قوله جل ذكره: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، وقوله: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾، فهل يحوم حول ذلك من استضاء بمنار القرآن؟! أو ينطق بمثله من آمن بالله الواحد المنان؟!\nفما زعْمُ مَن أفتى بجواز ذلك؟! فهل على قول الله استدراك؟!\nكلا والله! ما هم فيه إلا في انضاج بلا ضرام، واستسمان ذات أورام ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ \" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-72> الإمام الشاه عبد العزيز الملقب عند الحنفية بسراج الهند </span>(المتوفى: ١٢٣٩): \"إن بعض المشركين يدعون غير الله لدفع البليات\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-73> الإمام المجدد الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي </span>الملقب عند الحنفية بحجة الله على العالمين (المتوفى: ١١٧٦): \"كل من ذهب إلى بلدة أجمير أو قبر سالار ومسعود أو ما ضاهاها لأجل حاجة يطلبها فإنه آثم إِثمًا أكبرَ من القتل والزنا، وليس مثله إلا مثل من كان يعبد المصنوعات أو مثل من كان يدعو اللات والعزى\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"واعلم أنّ طلب الحوائج من الموتى، عالما بأنه سبب لإنجاحها كفرُ يجب الاحتراز عنه، تُحرِّمه هذه الكلمةُ [أي: كلمة التوحيد]، والناس اليوم فيها منهمكون\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"وأمّا الإشراك بالله استعانة فحدّه: أن يطلب حاجة عالمًا بأن فيه قدرة إنجاحها من صرف الإرادة النافذة: كالشفاء من المرض، والإحياء، والإماتة، والرزق، وخلق الولد، وغيرها مما يتضمنه أسماء الله تعالى.\nوالإشراك بالله تعالى دعاء فحدّه: أن يذكر غير الله تعالى، عالما بأنّ فعله ذلك نافع في معاده، أو قربه إلى الله تعالى، كما يذكرون شيوخهم إذا أصبحوا\" (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٥٩ - ٦٢).\n(^٢) التفسير العزيز (١/ ٢١٠) ط/الحجرية الباكستانية، الفتاوى الرشيدية (ص: ٢٠٣) ط/ الحجرية الباكستانية.\n(^٣) التفهيمات الإلهية (٢/ ٤٥) نقلًا من كتاب الشاه ولي الله الدهلوي حياته ودعوته لمحمد بشير السيالكوتي\n(ص: ١٠٤) دار ابن حزم.\n(^٤) الخير الكثير (ص: ١٠٥) ط/ الحجرية الباكستانية.\n(^٥) التفهيمات الإلهية (٢/ ٦٣ - ٦٤) المكتبة السلفية بلاهور.","vol":"1","page":42},{"text":"وقال أيضًا في<span data-type=\"title\" id=toc-74> تعداده للأمور التي جعلها اللّه في الشريعة الإسلامية من مظنات الشرك:</span> \"ومنها أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من شفاء المريض وغناء الفقير وينذرون لهم ويتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور، ويتلون أسماءهم رجاء بركتها، فأوجب الله تعالى عليهم أن يقولوا في صلواتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين بل هو الاستعانة لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ \" (^١).\nوقال أيضًا: \"يا أيها الناس ما لكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا، اتخذ أهلُ كل بلد من أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، أتعلمون أنّ الله بعيد عنكم، وأنّ هؤلاء أقربُ إليكم منه؟، كلا، إن الحق العلي الكبير مع كونه منزها غاية التنزيه تدلّى إلى خلقه، فما من أحد يقول: يا ربي يا ربي، إلا وهو يقول بإزائه: يا عبدي\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"لقد تبين أن هذا النوع من الدعاء في الحقيقة نوع من أنواع العبادة، لأن الله تعالى قد بين أن هؤلاء المدعوين سيكفرون بعبادة هؤلاء الداعين، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، وقول النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، وقوله ﷺ: «الدعاء مخ العبادة».\nفثبت أنّ دعاء هؤلاء القبورية ونداءهم الأولياء عند الكربات، واستغاثتهم بهم عند الملمات، أو زيارة قبورهم للاستعانة بهم، هو في الحقيقة عبادة من هؤلاء القبورية لهؤلاء الأولياء، وإن هم يزعمون أنهم يذهبون لزيارة قبورهم، ولا يعبدونهم، فهم قد عبدوهم وهم لا يشعرون\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-75> العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني </span>(المتوفى:١١٨٢): \"فإفرادُ الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتِمُّ إلَاّ بأن يكونَ الدعاءُ كلُّه له، والنداءُ في الشدائد والرخاء لا يكون إلَاّ لله وحده، والاستغاثة والاستعانة بالله وحده، واللّجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى ...\nومَن فعل شيئًا مِن ذلك لمخلوق حيٍّ أو ميت أو جماد أو غيره فقد أشرك في العبادة، وصار مَن تُفعل له هذه الأمور إلَهًا لعابديه، سواءٌ كان مَلَكًا أو نبيًّا أو وليًّا أو شجرًا أو قبرًا أو جنيًّا أو حيًّا أو ميتًا، وصار العابدُ بهذه العبادة أو بأيِّ نوع منها عابدًا لذلك المخلوق مشركًا بالله، وإن أقَرَّ بالله وعَبَدَه، فإنَّ إقرارَ المشركين بالله وتقرُّبَهم إليه لَم يُخرجهم عن الشركِ، وعن وجوب سَفك دمائِهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملًا شورك فيه غيرُه، ولا يؤمن به مَن عَبَدَ معه غيرَه\" (^٤).\n_________\n(^١) حجة الله البالغة (١/ ١٣٣) دار إحياء العلوم - بيروت.\n(^٢) التفهيمات الإلهية (١/ ٢٠٣).\n(^٣) البلاغ المبين (ص: ٣٢ - ٣٣) المكتبة السلفية بلاهور.\n(^٤) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد (ص: ٥٧ - ٥٨) مطبعة سفير - الرياض.","vol":"1","page":43},{"text":"وقال: \"قد عرفتَ مِن هذا كلِّه أنَّ مَن اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو مَلَكٍ أو جنيٍّ أو حيٍّ أو ميت أنَّه ينفع أو يضر، أو أنَّه يقرِّب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى، إلَاّ ما ورد في حديث فيه مقال في حقِّ نبيِّنا محمد ﷺ أو نحو ذلك، فإنَّه قد أشرك مع الله غيره، واعتقد ما لا يَحلُّ اعتقادُه، كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلًا عمَّن ينذر بماله وولده لميِّت أو حي، أو يطلبُ من ذلك الميت ما لا يُطلب إلَاّ من الله تعالى من الحاجات، من عافية مريضِه، أو قدوم غائبه، أو نيله لأيِّ مطلب من المطالب، فإنَّ هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عُبَّادُ الأصنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>والنَّذرُ بالمال للميت ونحوه</span>، والنَّحر على القبر، والتوسل به وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنَّما كانوا يفعلونه لِمَا يسمُّونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لِمَا يسمُّونه وليًّا وقبرًا ومَشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغيِّر المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإنَّ مَن شرب الخمرَ وسمَّاها ماء، ما شربَ إلَاّ خَمرًا، وعقابُه عقابُ شارب الخمر، ولعلَّه يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية ... وكذلك تسمِيةُ القبرِ مَشهدًا ومَن يعتقدون فيه وليًّا، لا تخرجه عن اسم الصَّنم والوثن؛ إذ هم مُعامِلون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويَستلمونهم استلامَهم لأركان البيت، ويُخاطبون الميت بالكلمات الكفرية، مِن قولهم: على الله وعليك، ويَهتفون بأسمائِهم عند الشدائد ونحوها ...\nوفي كلِّ قرية أمواتٌ يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، وهذا هو بعينه فعلُ المشركين في الأصنام ... فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"فإن قلتَ: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟\nقلت: نعم! قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا عليهم في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم.\nفإن قلت: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ندًّا، والالتجاءُ إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركًا.\nقلت: نعم! ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك، فإنَّ تعظيمَهم الأولياء ونحرَهم النحائر لهم شركٌ، والله تعالى يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: لا لغيره، كما يفيدُه تقديم الظرف، ...\nفهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعَلَه المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشركُ بالله شيئًا، لأنَّ فعلَهم أَكْذبَ قولَهم.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٦٠ - ٦٤).","vol":"1","page":44},{"text":"فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه.\nقلتُ: قد صرَّح الفقهاء في كتب الفقه في باب الرِّدة أنَّ مَن تكلَّم بكلمة الكفر يَكفر وإن لَم يقصد معناها، وهذا دالٌّ على أنَّهم لا يعرفون حقيقةَ الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارًا كفرًا أصليَّا، فإنَّ الله تعالى فَرَضَ على عباده إفرادَه بالعبادة ﴿أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللَّهَ﴾، وإخلاصها له ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ومَن نادى الله ليلًا ونهارًا وسرًّا وجهارًا وخوفًا وطمعًا، ثمَّ نادى معه غيرَه فقد أشرك في العبادة، فإنَّ الدعاءَ من العبادة، وقد سمَّاه الله تعالى عبادةً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.\nفإن قلت: فإذا كانوا مشركين وجَب جهادُهم، والسلوك فيهم ما سلَكَ رسولُ الله ﷺ في المشركين.\nقلت: إلى هذا ذهب طائفةٌ من أئمَّة العلم، فقالوا: يَجب أوَّلًا دعاؤهم إلى التوحيد، وإبانةُ أنَّ ما يعتقدونه ينفعُ ويَضر، لا يغني عنهم من الله شيئًا، وأنَّهم أمثالهم، وأنَّ هذا الاعتقاد منهم فيه شركٌ لا يتم الإيمانُ بما جاءت به الرسلُ إلَاّ بتركه والتوبة منه، وإفراد التوحيد اعتقادًا وعملًا لله وحده.\nوهذا واجبٌ على العلماء، أي: بيان أنَّ ذلك الاعتقاد الذي تفرَّعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شركٌ محرَّم، وأنَّه عينُ ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، فإذا أبان العلماءُ ذلك للأئمَّة والملوك، وَجَبَ على الأئمة والملوك بعثُ دعاة إلى الناس يَدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله، فمَن رجع وأقرَّ حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومَن أصَرَّ فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله ﷺ من المشركين.\nفإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنَّه قد صَحَّ أنَّ العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثمَّ بنوح، ثمَّ بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد ﷺ بعد اعتذار كلِّ واحد من الأنبياء، فهذا دليلٌ على أنَّ الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر.\nقلت: هذا تلبيس، فإنَّ الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا يُنكرُها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وإنَّما الكلام في استغاثة القبوريِّين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أمورًا لا يقدر عليها إلَاّ الله تعالى، مِن عافية المريض وغيرها\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٦٤ - ٦٧).","vol":"1","page":45},{"text":"وقال أيضًا: \"نعم استغاثةُ العِباد يوم القيامة وطَلبهم من الأنبياء إنَّما يدعون الله تعالى ليفصِلَ بين العباد بالحساب حتَّى يُريحَهم من هَوْل الموقف، وهذا لا شكَّ في جوازه، أعنِي طلبَ دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قد قال ﷺ لعمر ﵁ لَمَّا خَرَج معتمرًا: «لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك»، وأَمَرَنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ﴾، وقد قالت أم سُليم ﵂: \"يا رسولَ الله! خادمُك أنس، ادعُ الله له\"، وقد كان الصحابة ﵃ يطلبون الدعاءَ منه ﷺ وهو حي، وهذا أمرٌ متفق على جوازه،\nوالكلام في طلب القبوريِّين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يَملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا أن يشفوا مرضاهم، ويردُّوا غائبَهم، وينفسوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعَهم، ويُدِرُّوا ضروعَ مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحدٌ إلَاّ الله تعالى.\nهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، فكيف يطلب الإنسانُ من الجماد أو من حي - الجماد خير منه - لأنَّه لا تكليفَ عليه.\nوهذا يبيِّن ما فعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ الآية، وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.\nفهؤلاء القبوريُّون والمعتقدون في جُهَّال الأحياء وضُلَاّلهم سَلَكوا مَسالكَ المشركين حَذو القُذَّة بالقُذَّة، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يُعتقد إلَاّ في الله، وجعلوا لهم جُزءًا من المال، وقَصدوا قبورَهم من ديارهم البعيدة للزيارة، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقربًا إليهم. وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وكذلك أصحابه [أي: النبي ﷺ] من بعده لا يُعلم عن أحدٍ منهم أنَّه استغاث به ﵌ بعد موته، ولا يمكن أحدٌ يأتي بحرفٍ واحدٍ عن أصحابه أنَّه قال: يا رسول الله، ويا محمد مستغيثًا به عند شدة نزلت به.\nبل كلٌّ يرجع عند الشدائد إلى الله تعالى، حتى عُبّاد الأصنام إذا مسهم الضر في البحر ضلّ من يدعون إلا إياه، وهذا خليل الله إبراهيم لما أُرمي به إلى النار لاقاه جبريل في الهواء فقال له: هل من حاجة؟ قال: أما إليك فلا.\nوهذه الأدعية النبوية المأثورة قد ملأت كتب الحديث ليس منها حرفٌ واحدٌ فيه استغاثةٌ بمخلوق وسؤالٌ بحقه\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٦٨).\n(^٢) الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف (ص: ٩١) ط/عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية.","vol":"1","page":46},{"text":"وقال أيضًا: \"فهذه البدعة وهي الاستغاثة بالأموات وإنزال الحاجات بهم والتوسل إنَّما هو بقية من عبادة الأصنام؛ فإنَّ الجاهلية كانوا يستغيثون بهم ويطلبون الحاجات منهم، وكلُّ بدعة ضلالة، كما ثبت في الأحاديث، وأيُّ ضلالةٍ أعظم من عبدٍ يُنزل حاجاته بالأموات ويعرض عن باري البريات.\nوقد ثبت أنَّه ﵌ بايعه جماعة من الصحابة على أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان أحدهم إذا سقط سوطه وهو على راحلته لم يسأل من يناوله، بل ينزل بنفسه، كلُّ هذا لتفرد الله بالسؤال وطلب الحاجات.\nوإن قال: لم أُعرض عن الله، إنَّما تقربت بهم إليه.\nفيقال: هذا بعينه هو الذي قاله من قال إنَّه لا يعبد الأصنام إلا لتقربه إلى الله زلفى، غاية الفرق أنَّ صنمه من حجارة أو خشب، وصنمك من سلالة من طين.\nوأماَّ التوسل وطلب الحاجات فهو العبادة، بل هو مخ العبادة كما ثبت في الأحاديث.\nولو كان التوسل بالأموات جائزًا أو مندوبًا لعلَّم رسولُ الله ﵌ أمته ذلك، فإنَّه قد علمهم كلَّ خير ونهاهم عن كلِّ شر، فإنَّه علمهم صلاة الاستخارة، وأذكار الصباح والمساء، والدعوات عند العوارض من الهم والغم والأخواف، بل قال لهم: «من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي» الحديث، فعلمهم التأسية عند المصايب، ولم يأت عنه حرفٌ أنَّه قال: من نزل به أمر فليستغث بي. وقد نهى العلماء عن هذه البدعة والضلالة وبينوا أنَّها حرامٌ\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"وأما طواف الزائر بقبر الميت وتقبيلُه الأركان وسؤالُ الحاجات منه وعنده فهي عبادة المشركين لأصنامهم\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-77> العلامة حسين بن مهدي النعمي الحسني التهامي </span>(المتوفى:١١٨٧ هـ): \"دعاءُ المخلوق وقصده بذلك من متفاحش الظلم ومتبالغ الشرك، ومنازعة في خاص حق الله، وخضوع وتذلل بخالص عبادته لسواه؛ إذ روح كونك عبدًا له تعالى هو هذا المقام، وهذا التكيف والتصور بهذه الحالة\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٩٢ - ٩٣).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٩٩).\n(^٣) معارج الألباب في مناهج الحق والصواب (ص: ١٩٣) مطابع الرياض، ١٣٩٣ هـ.","vol":"1","page":47},{"text":"وقال أيضًا: \"فدعاءُ غير الله تعالى: إخراج للدعاء عن محله وموضوعه، كقيامه بتلك الصلاة على تلك الكيفية للمقبور والحجر، سواء بسواء، والفصل بين الصلاة والدعاء: فصلٌ بين متآخيين، وتفريق بين الفرقدين، وإلا فليجعلوا للمقبور صلاة وصيامًا ونحوهما يفارق الذم والتشريك، ويكون صالحًا خاليًا عن الفساد والمنكر، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.\nفما بال الدعاء الذي هو العَلَمُ المشهور في العبادة وآيات التنزيل، بل هو في الحقيقة بداية الأمر ومشرعه، وقطب رحاه، سل من مركزه، واستنزل من شوامخ صياصيه، وهو أظهر وأشهر معنى من العبادة، وأكثر تنصيصًا وتعيينًا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ومن أمعن النظر في آيات الكتاب وما قصَّ من محاورات الرسل مع أممهم وجد أن أسّ الشأن، ومحط رحال القصد شيوعًا وكثرةً وانتشارًا وشهرةً، هو دعاء الله وحده، وإخلاص العبادة له، وأنّ الغافلين كانوا بنقيض هذه الصفة من دون أن يضيفوا لما عبدوه شيئًا من صفات الربوبية كخلق ورزق وغيرهما، أو يجعلوا لها من ذواتها وصفاتها مقتضيًا وملزمًا للعبادة، بل أعربوا عن اتخاذها آلهة لتقريبهم إلى الله وشفاعتها عنده\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ولقد تتبعنا في كتاب الله فصول تراكيبه، وأصول أساليبه، فلم نجده تعالى حكى عن المشركين أنّ عقيدتهم في آلهتهم وشركائهم التي عبدوها من دونه أنها تخلق، وترزق، وتحيي، وتميت، وتنزل من السماء ماء، وتخرج الحي من الميت، والميت من الحي ... بل إذا ضاق عليهم الأمر واشتدت بهم الكرب فزعوا إلى الله وحده، فإذا سئلوا عن حقيقة دينهم هل هو شرك في الربوبية؟ دانوا وأذعنوا للرب وحده بالاختصاص بكل ذلك والانفراد، وهذا واضح لمن ألقى السمع للقرآن فيما حكى عنهم ...\nفهذا شرك القوم واتخاذهم الآلهة الذي كان سببًا أن سجّل عليهم ربهم القاهر فوق عباده بالشرك والغي والضلال والكفر والظلم والجهالة\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٢٢٥).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٢١٤).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٢٠٢ - ٢٠٤).","vol":"1","page":48},{"text":"وقال أيضًا: \"ومن يتكلم بهذا [أي: أنّ الحاصل من العامة هو قصد التوسل بالصالحين فقط] لا يدري ما فشا في العامة، وما صار هجيراهم عند الأموات ومصارع الرفات من دعائهم، والاستغاثة بهم، والعكوف حول أجداثهم، ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار الفاقة، والاضطرار، واللجأ في ظلمات البحر والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال، والله قد علم ما في طي ذلك كله من قبيح الخلائق والأفعال، وارتكاب ما نهى الله عنه وإضاعة حقوق ذي العزة والجلال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى من الأنام، واستنزال السحائب والأمطار واستماحة المآرب والأوطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد ...\nوليعرف كل سامع لما نمليه أن القائل \"بأن العوام قد يقع منهم عبارات موهمة، وقصارى أمرهم التوسل\" إما غالط أو خالط، أو جاهل للدين. وإلا فما بعد هذا؟! \" (^١).\n\nوقال أيضًا بعد أن ذكر كثيرًا من استغاثات العوام وحالاتهم: \"فما من مسلم عرف معنى الإيمان بالله حقًا وتوحيده، وأنس بطرائق هذا الدين الحنيف قبل استيلاء تلك البدع المحدثات على القلوب يرى شيئا من هذا حسنًا بل جائزًا بل معصية لا تدافع التوحيد، فضلًا عن أن يؤصّل لكونه بابًا من الدين، والدين بحمد الله واضح المناهج، بيّن المدارج، لا يحتمل أوهام من ضل وزلّ وخرّ لوجهه في مهاوي هذا الضلال المبين.\nأفيقول ذو عقل: إن ما حكيناه \"مجرد توسل، وعبارة موهمة بمنزلة اللغو في اليمين\"؟!\nاللهم إنا نبرأ إليك من هذه المخادعة لك ولدينك، فإن من عنده مسكة من عقل ينادي: إنه لا يتمحل لضلال الناس عن إخلاص عبادة ربهم بهذه التمحلات السمجة إلا من لا يفهم ولا يدري.\nومن عجيب ما أتته العامة من طرائف هذا الباب وغرائبه الفاحشة التي زعم ذلك المخادع القائل \"إنها مجرد توسل وعبارة موهمة\" ما شاهدناه بالمعاينة مكتوبًا على راية مشهد من المشاهد \"هذه راية البحر التيار فلان ابن فلان، به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٦٩ - ١٧٠).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٧٢).","vol":"1","page":49},{"text":"وقال أيضًا: \"فالداعي سوى الله والملتجئ إلى غيره، وصارف اضطراره وافتقاره عنه إلى من دونه، بهيئة ما ينبغي أن يكون لله، ... ومثبت ما لله من التأثير لخلقه على جهة اتصاف المحل ولو في الجملة، إما بالاعتقاد أو بالتهيؤ كما تترجم عنه الحالة الدعائية وحكم صورتها، ... مضيّعٌ لمعنى العبودية ومقتضيات الربوبية التي لا انفكاك عنها\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ولا نعلم كبير معنى للشرك - إذ نعاه الله إلى أهله- سوى باب العمل لغيره، والدعاء لسواه، وما يستتبعان أو ينشأ عنهما، وإن كان العمل للأوثان لم يقع إلا للاستشفاع لا للاستحقاق للذات كما هو صريح ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾.\nفالقصد الثاني وهو التوسل غير نافع مع القصد الأول، وهو إرادة السوى بالعمل، وجعله له، وإضافته إليه، وتوجيهه له، إذ هذا فرقُ من وراء الجمع.\nوهل يستطاع بحجة واضحة أن يمانعنا بشرٌ أنّ \"يا ولي الله افعل\" من هذا القبيل، كالصلاة له سواء؟! إذ الوضع واحد كما شرحناه\" (^٢).\n\nوقال أيضًا: \"فتأمل قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، وتضمنه بيان معنى ذلك الدعاء والقصد به، والغاية الباعثة عليه، والصفة التي تكيف بها، فإنه مترجم عن أنهم يسألون المدعو أغراضهم، فكشف لهم - إذ لم يكونوا منزلين منزلة من يجهل- عن حقيقة الأمر، وأنه لا يملك مما سألوه شيئًا، ولا يستطيع لهم قط إجابة.\nولا نخال أن القوم يعتقدون - إذ دعوا أوثانهم- أنها تدبِّر الأمر، وتملك التصرف فيه، فأي دلالة في دعائها عليه مع تسميتها أيضًا شفعاء؟!\nفهل يمكن مع هذا أن يجزم بكون القصد على نمط العبارة.\nوهذا بعينه - دع ما جاوزه- قد ملأ أرجاء البسيطة، ودان به العامة في سكان المقابر، ودعاء أصحاب الأجداث في كشف الملمات، ودفع المهمات، وقضاء المطالب والمآرب والحاجات، برًا وبحرًا، وسهلًا ووعرًا.\nوإن تراجم الكتاب العزيز، وبراهينه بتلك المثابة والمنزلة والبيان الذي تلوناه عليك من آياته البينة، وكلماته المفصلة المعينة، التي لا تبقي شكًا ولا شبهة ولا ارتيابًا عند من وازن وتدبر.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٩٥)\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٢٤٠).","vol":"1","page":50},{"text":"فتعين اتحاد الجهتين جزمًا في أنّ صنع المقابرية - الذي مرّ لك منه ما تفاحش نكره- هو الذي سلكه الوثنيون حذوك النعل بالنعل، والقذة بالقذة، وتبعوا آثارهم فيه حرفًا بحرف، وخطوة بخطوة، ودخلوا الجِحرة التي دخلوها، وولجوا الأبواب التي ولجوها، بحيث إن فصل أحدهما من الآخر فصل الشيء من عينه، اللهم إلا على جهة مجاوزة المقابرية لحد أولئك في أكثر الحالات كما نبهناك على الحجة في ذلك، ودللناك على صدر من صنيع العامة مما يشعر به ذلك. فنعم.\nولا إله إلا الله كيف التبس مثل هذا، وهو من أبين البينات، وأوضح الواضحات\" (^١).\n\n• وسُئل<span data-type=\"title\" id=toc-78> العلامة محمد بن سليمان الكردي الشافعي الأشعري</span>، فقيه الشافعية بالديار الحجازية في عصره (المتوفى: ١١٩٤) عن التوسل؟ وعن المراد بقول بعض أهل العلم: مَن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كَفَر؟\nفأجاب: أما التوسل بالأنبياء والصالحين فهو أمر محبوب ...\nوجعْل الوسائط بين العبد وبين ربه، فإن صار يدعوهم كما يدعو الله تعالى في الأمور، ويعتقد تأثيرهم في شيء من دون الله تعالى فهو كفر.\nوإن كان المراد من جعلهم وسائط أن يتوسل بهم إلى الله في قضاء مهماته مع اعتقاد أنّ الله هو النافع الضار المؤثر في الأمور دون غيره، فالذي يظهر عدم كفره، وإن كان هذا اللفظ قبيحًا يتبادر منه الكفر، ومن ثمت أطلق صاحب الفروع من الحنابلة القول بكفره، قال: قالوا: إجماعًا. ونقله ابن حجر في كتابه الإعلام وأقرّه\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-79> العلامة عبد الخالق بن علي المزجاجي الحنفي الزبيدي </span>(المتوفى: ١٢٠١): \" وقد قال تعالى في إثر سماء «أصبح من عبادي مؤمن وكافر، أما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».\nوقد ذهب العامة هذا المذهب في الأولياء، فإن مرضوا، قالوا: هذا من فلان، وإن شفوا قالوا: بركة سيدي فلان، فلما اعتقدوا ضرهم ونفعهم حلفوا بهم من دون الله، ونذروا لهم من دون الله، واستسقوهم من دون الله.\nفإن أجرى الله تعالى الوادي قالوا: شيء لله يا فلان، وإن قبض عنهم المطر قالوا: حمقة فلان، والله سبحانه القابض الباسط المحيي المميت، وكل شيء بيده من ملك وملكوت، ولو ذهبنا نتكلم في الكتاب والسنة من التحذير عن ذلك لكان يرى الناس قد هلكوا، ولهذا تراهم أكثر أتباع الدجال. فافهم هذه الجملة\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٢١٥).\n(^٢) قرة العين في فتاوى علماء الحرمين (ص: ٢٥٩ - ٢٦٠) مطبعة: مصطفى محمد بمصر.\n(^٣) فصل المقال وإرشاد الضال في توسل الجهال لخوقير (ص: ١٤٥).","vol":"1","page":51},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-80> العلامة مرتضى الزبيدي </span>(المتوفى: ١٢٠٥): \"وقبيح بذوي الإيمان أن يُنزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته، وهم يسمعون قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ...\nليعلم العارف أن المستحَق لأن يُلجأ إليه ويستعان في جميع الأمور ويعول عليه هو الواجب الوجود المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها .... ويشغل سره بذكره والاستغناء به عن غيره\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-81> الإمام عبد القادر بن أحمد الكوكباني </span>(المتوفى: ١٢٠٧): \"ثبت في حديث قضاء الدَّين «يا محمد أتوسل بك إلى ربك»، وقد جعله الناس أصلًا في التوسل بالأنبياء والملائكة والصالحين، بل بالجمادات الفاضلة كالكعبة والعرش والكرسي واللوح والقلم وغير ذلك، وفيه إشكال لا يقبله إلا من يخاف يوم القيامة السؤال، ولا يلتفت إلى ما أطبق عليه بلا دليل كثيرٌ من الرجال، وهو أن التوسل بغير كرم الله وجوده لا بدّ فيه من إذن الشارع؛ لأنّ الأصل في التوسل بغير الله وصفاته المنع؛ إذ المشركون قد قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فلم يؤذن لهم بالتوسل بعيسى بن مريم والملائكة ﵈، بل حَكَمَ الله عليهم بالشرك ...\nوهذا الكلام إنما يقبله من امتزج التوحيد بفؤاده، وعلم أنّ جبريل وميكائيل والذرة والفيل على بساط العبودية والتذليل من أفراد عباده لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعًا، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة، فإذا دَهَمَته سقطة أو مصيبة قال: يا الله.\nأمّا مَن أُشرب قلبه أنّ النفع يقع من غير الله، فإذا سقط قال: يا فلان، أو لَامَه أحد قال: إنما توسلت بأنبياء الله وعباده الصالحين.\nفإذا قلت له: من أجاز لك التوسل بغير الله؟ أعرض عنك ورأى أنك قد أشركت بالأنبياء والأولياء؛ لأنه لا يعرف معنى التوحيد ولا معنى الشرك، فأنا لم أخاطب بهذا الكلام من كان بهذه الصفة\" (^٢).\n_________\n(^١) إتحاف السادة المتقين (٩/ ٤٩٨) (٥/ ١١٩).\n(^٢) ذخائر علماء اليمن (ص: ٣٧٥ - ٣٧٦) مؤسسة دار الكتاب الحديث، ١٤١٠ هـ.","vol":"1","page":52},{"text":"• وقال ا<span data-type=\"title\" id=toc-82>لقاضي ثناء الله الباني بتي </span>الملقب عند الحنفية ببيهقي الوقت (المتوفى: ١٢٢٥) في كتابه إرشاد الطالبين وتبعه كثير من علماء الحنفية، منهم الشيخ الجنجوهي (١٣٢٣)، مبينًا أن استغاثات القبورية بالأموات شرك بالله تعالى وكفرٌ به: \"لا يجوز عبادة غير الله، ولا استعانة من غيره تعالى؛ لأن ذلك من حق الله تعالى وحده، كما قال سبحانه بصيغة الحصر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فلا يجوز النداء للأولياء، لأنه من العبادة، كما لا يجوز الانحناء إلى القبور، ولا الطواف بها، لأن الطواف لا يكون إلا بالكعبة، ولأن الطواف كالصلاة، فلا تجوز لغير الله.\nولا يجوز أيضا دعاء الأنبياء والأولياء في الكربات، سواء كانوا من الأحياء أو من الأموات؛ لأن الدعاء من العبادة بصريح الكتاب والسنة، ولكن بعض الجهال يقولون عند الكربات: \"يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئا لله\"، ويقول بعضهم: \"يا خواجة شمس الدين الباني بتي شيئا لله\"، فهذا لا يجوز، بل هو شرك، وكفر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فالذين يدعونهم القبورية هم عباد مثلهم، لا قدرة لهم على النفع والضر وإنجاح الحوائج.\nفإن قال قائل من هؤلاء القبورية: إن هذه الآية نزلت في حق الكفار، وهم كانوا يدعون الأصنام، أما نحن فلا ندعوا الأصنام، بل ندعوا أولياء الله تعالى.\nفالجواب: أن لفظ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بمعنى \"غير الله\" لفظ عام، فالعبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص النزول، فيدخل فيه: الأنبياء، والأولياء، وكل ما سوى الله تعالى، فلا يجوز نداء غير الله عند الكربات، سواء كان من الأصنام، أو الأحياء، أو الأموات\" (^١).\n\n• وقال الإمام<span data-type=\"title\" id=toc-83> الشاه عبد القادر ابن الإمام ولي الله الدهلوي </span>(المتوفى: ١٢٣٠ هـ): \" الشرك هو: أن يعتقد في غير الله صفة من صفات الله تعالى، كالعلم بكل شيء، أو فعل كل شيء، أو أنّ بيد فلان خيرًا وشرا، أو يصرف لغير الله من التعظيم ما لا يليق إلا لله تعالى كالسجدة وطلب الحاجة، أو اعتقاد أنّ فلانًا له الاختيار أي التصرف\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-84> العلامة الحسن بن خالد الحازمي الحسني </span>(المتوفى: ١٢٣٤ ه): \"قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، وقال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا شامل لنوع الدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به دعاء المسألة تارة، ويراد به دعاء العبادة تارة، ويراد بها مجموعها تارة، وهما متلازمان؛ فإنّ دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وكل من يملك الضر والنفع حقًا فإنه هو المعبود حقًا، ...\n_________\n(^١) إرشاد الطالبين (ص: ٢١) ط/ الحجرية الباكستانية.\n(^٢) موضح القرآن (١/ ١٠٥) مطبوع مع جواهر القرآن لغلام الله خان، ط/ الحجرية الباكستانية.","vol":"1","page":53},{"text":"ويدعى خوفًا ورجاءًا دعاء العبادة، فالنوعان متلازمان، ولكنه في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ظاهر في دعاء المسألة وهو متضمن لدعاء العبادة، لذا أمر بإخفائه وإسراره.\nوالدعاء هو مخ العبادة ولبها، وفيه من العبودية ما ليس في غيره من العبادات ... ولذا أنكر الله غاية الإنكار على من دعا من دونه من لا يستجيب له فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ...\nفتوحيد الله لا يتم إلا بأن يكون النداء في الشدائد والرخاء له وحده، فمن دعا مع الله غيره فقد جعله معه شريكًا واتخذه إلها؛ لأن الدعاء عبادة، بل هو مخها ولبها، والإله المألوه أي المعبود، فمن طلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد عبده مع الله\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وهؤلاء الضلال في هذا الزمان إذا عصفت بهم الريح تنادوا ليدع كل منكم شيخه، ولا تسمع إلا يا زيلعي يا حضرمي يا بدوي يا عبد القادر يا شاذلي يا صندل يا أبا فراج فرجها يا فلان يا فلان، لا تسمع منهم من يقول يا الله، فيرتج المركب بالأصوات بذكر الشيوخ، وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وأباح دم صاحبه وماله وذريته لأهل الإسلام، لأنه سأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، فقد عبده مع الله واتخذه إلها وربا وإن سماه شيخًا وسيدًا، أو لمناقضته كلمة التوحيد بالكفر والشرك هو لحقيقته ومعناه، لأنه أعطاه غاية خضوعه وذله وفقره ومسكنته من الدعاء والسجود والتقرب بالذبح ونحوها لغير الله\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-85> العلامة علي بن محمد سعيد السويدي الشافعي </span>(المتوفى: ١٢٣٧): \"الاستعاذة الالتجاء من كل شر، فمن استعاذ بغير الله فقد خاب وخسر، وإنّ المستعيذ بغير الله تعالى متخذ مَن استعاذ به وليًا ونصيرًا من دون الله، لقوله: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ...\nفمن استعاذ بغير الله على وجه التخليص من الشرور التي لا يدفعها إلا علام الغيوب فهو بمن استعاذ به مشرك\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"فبالنظر التام إلى ما كان عليه المشركون من تقريبهم لأوثانهم، لتقربهم إلى الله، لكونهم شفعاء لهم عند الله، وشفاعتهم بسبب أنهم رسل الله أو ملائكة الله أو أولياء الله، ... ويتبين لك ما عليه الناس الآن، والله المستعان\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"اعلم أن الشرك إما أن يكون في الربوبية وإما في الألوهية، والثاني إما أن يكون في الاعتقاد وإما في المعاملة الخاصة برب العباد، وهذا الثاني الذي يتفرع منه شرك العبادة منقسم إلى أقوال وأفعال\" (^٥).\n_________\n(^١) قوت القلوب في توحيد علام الغيوب (ص: ٩٤ - ٩٦) دار الشريف للنشر والتوزيع.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٧٠ - ٧١).\n(^٣) العقد الثمين في بيان مسائل الدين (ص: ٢٢٥) المطبعة الميمنية بمصر.\n(^٤) المصدر السابق (ص: ١٢٥).\n(^٥) المصدر السابق (ص: ١١٩).","vol":"1","page":54},{"text":"وقال أيضًا: \"فطلب معرفة التوحيد الواجب على العبيد من أهم المطالب وأنجح المآرب، فالشرك في الربوبية لم يقل به أحد من الكفار، ولا قال أحد بوجود خالقين واجبي الوجود وإن حصل من بعض الكفار التعطيل في الربوبية كتعطيل فرعون وأضرابه.\nوأما الشرك في الألوهية فهو أنواع بحسب تأله المتألهين وزعم الزاعمين، ولم يقل أحد أنّ للعالم إلهين متماثلين متكافئين إلا الثنوية، وأما الوثنية العابدون ما سوى الله فإنهم لا يقولون بالتعدد، وإن أطلقوا عليها اسم الآلهة\" (^١).\nوقال أيضًا عن حديث الأعمى: \"قال الطيبي: الباء في بك للاستعانة، وقوله: (إني توجهت بك) بعد قوله (أتوجه إليك) فيه معنى قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ فيكون خطابًا لحاضر معاين في قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه عليه الصلاة السلام الذي هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيد كل ذلك أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه في دعائه، فكأنه استحضره وقت ندائه، ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية والقرائن الاعتبارية\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-86> العلامة إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الشهيد </span>(المتوفى:١٢٤٦): \"نداءُ الأموات من بعيد أو قريب للدعاء إشراك في العلم، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، وقد دلت هذه الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة فقد عدلوا عن الله القادر العليم إلى أناس لا يسمعون دعاءهم، وإن سمعوا ما استجابوا، وهم لا يقدرون على شيء.\nفظهر من ذلك أن الذين يستغيثون بالصالحين الذين كانوا في الزمن السابق من بعيد، وقد يكتفي بعض الناس فيقولون: يا سيدنا ادع الله لنا يقض حاجتنا، ويظنون أنهم ما أشركوا، فإنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة، وإنما طلبوا منهم الدعاء، وهذا باطل؛ فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة، فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنّوا أنهم يسمعون نداءهم عن بُعد كما يسمعون نداءهم عن قرب، وكان ذلك سواء في حقهم، ولذلك نادوا من مكان بعيد مع أن الله ﷾ قال: ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ \" (^٣).\nوقال أيضًا: \"والحاصل أنه ما سلك عباد الأوثان في الهند طريقًا مع آلهتهم إلا وسلكه الأدعياء من المسلمين مع الأنبياء والأولياء والأئمة والشهداء والملائكة والجنيات، واتبعوا سنن جيرانهم من المشركين شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وحذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل.\nفما أجرأهم على الله! وما أبعد الشقة بين الاسم والمسمى والحقيقة والدعوى، وصدق الله العظيم، إذ قال في سورة يوسف: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ...\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٢٠).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١١٣ - ١١٤).\n(^٣) رسالة التوحيد المسماة بـ تقوية الإيمان (ص: ١٠٥) دار وحي القلم - دمشق.","vol":"1","page":55},{"text":"وكذلك تبين أنّ الكفار الذين كانوا في عصر النبي ﷺ، لم يكونوا يعدلون آلهتهم بالله، ويرونهم مع اللَّه بمنزلة سواء، بل كانوا يقرون بأنهم مخلوقون وعبيد، ولم يكونوا يعتقدون أبدًا أنّ آلهتهم لا يقلون عن اللَّه قدرة وقوة، وهم والله في كفة واحدة.\nفما كان كفرهم وشركهم إلا نداءهم لألهتهم، والنذور التي كانوا ينذرون لها، والقرابين التي كانوا يقربونها بأسمائهم، واتخاذهم لهم شفعاء، ووكلاء، فمن عامل أحدًا بما عامل به الكفار آلهتهم، وإن كان يقر بأنه مخلوق وعبد، كان هو وأبو جهل في الشرك بمنزلة سواء ...\nفاعلم أنّ الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدًا بالله، ويساوي بينهما، فلا فرق، بل إنّ حقيقة الشرك أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال - خصها اللَّه بذاته العلية، وجعلها شعارًا للعبودية- لأحد من الناس، كالسجود لأحد، والذبح باسمه، والنذر له، والاستغاثة به في الشدة، واعتقاد أنه حاضر ناظر في كل مكان، وإثبات قدرة التصرف له، وكل ذلك يثبت به الشرك، ويصبح الإنسان به مشركًا، وإن كان يعتقد أن هذا الإنسان، أو الملك أو الجنّي الذي يسجد له، أو يذبح، أو ينذر له، أو يستغيث به، أقل من اللَّه شأنا، وأصغر منه مكانا، وأن اللَّه هو الخالق، وهذا عبده وخلقه، لا فرق في ذلك بين الأولياء والأنبياء، والجن والشياطين، والعفاريت، والجنيات، فمن عاملها هذه المعاملة كان مشركًا، لذلك وصف اللَّه اليهود والنصارى الذين غلوا في أحبارهم ورهبانهم، مثل ما غلا المشركون في آلهتهم بما وصف به عباد الأوثان والمشركين، وغضب على هؤلاء الغلاة المنحرفين كما غضب على غلاة المشركين، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ \" (^١).\nوقال أيضًا: \"وقد حذر اللَّه في هذه الآية المسلمين من أمة محمد ﷺ من أن تغرهم نفوسهم فيقولوا: إن نبينا ﷺ له دالة عند اللَّه، يضر وينفع، ويدفع ويمنع، ويفعل ما يشاء، ونحن في أمته، فنحن نأوي إلى ركن شديد، وحرز حريز، فإن وكيلنا عند اللَّه، وشفيعنا إليه، من اللَّه بمكان ليس لأحد، فلا خوف علينا ولا خطر، وبذلك يسترسلون في الخيال، ويتوسعون في الأماني ويستخفون بالعمل، ولذلك أمر اللَّه نبيه بأن يخبر الناس أنه لا يملك لهم ضرا ولا رشدا، وأنه - وهو سيد الأنبياء - لن يجيره من اللَّه أحد، فكيف يستطيع أن يجيرهم من اللَّه، ويمنعهم من عذاب اللَّه وعقابه؟ \" (^٢).\nوقال أيضًا: \"اعلم أنّ الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر، وأصبح التوحيد غريبا ...\nومن المشاهد اليوم أن كثيرا من الناس يستعينون بالمشايخ، والأنبياء، والأئمة، والشهداء، والملائكة، والجنيات، عند الشدائد، فينادونها، ويصرخون بأسمائها، ويسألونها أو يطلبون منها قضاء الحاجات وتحقيق المطالب، وينذرون لها، ويقربون لها قرابين لتسعفهم بحاجاتهم، وتقضي مآربهم\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٥١، ٥٦).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١١٤).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":56},{"text":"وقال أيضًا: \"وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة، أو ألمت بهم ملمة، أن يقرؤوا ورد \"يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله\" في عدد مخصوص، ومدة مخصوصة، ودل هذا الحديث على كراهة هذا التعبير وشناعته، فإنه سؤال للشيخ عبد القادر الجيلاني، وتوسل بالله تعالى إليه، والعكس أصح، فيجوز التوسل بدعاء الشيخ إلى اللَّه، لا التوسل بالله إليه.\nوالحاصل أنه لا يجوز التلفظ بكلمة تشم منها رائحة الشرك، أو إساءة أدب مع اللَّه؛ فإن اللَّه هو المتعالي، الغني، القادر، الملك الجبار، لا يبالي بأحد، إذا شاء بطش على شيء دق وصغر\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-87> الإمام محمد بن علي الشوكاني </span>(المتوفى:١٢٥٠): \"فاعلم أنّ الرزية كل الرزية، والبلية كل البلية أمر غير ما ذكرناه من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء من أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ﷿، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالا، ويصرخون بأسمائهم ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعا زائدًا على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي الله في الصلاة والدعاء، وهذا إذا لم يكن شركًا فلا ندري ما هو الشرك، وإذا لم يكن كفرًا فليس في الدنيا كفر\" (^٢).\nوقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَاّ مَا شَاء اللّهُ﴾: \"وفي هذه أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله ﷺ والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه.\nوكذلك من صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين ورَزَقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء الخالق الرازق المعطي المانع؟!\nوحسبك بما في هذه الآية موعظة؛ فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَاّ مَا شَاء اللّهُ﴾، فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه، فضلا عن أن يملكه لغيره؟!\nفيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك ولا يتنبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ومدلول ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟!\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد (ص:٢٨) دار ابن خزيمة.","vol":"1","page":57},{"text":"وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله ومقرِّبين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومطهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر.\nولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه، وينثلج به صدره، مِن كُفر كثير من هذه الأمة المباركة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ إنا لله وإنا إليه راجعون\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا.\nوبالجملة إنهم لم يَدَعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا.\nوقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أنّ كثيرا من هؤلاء المقبوريين [القبوريين] أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أنّ شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنّ الله تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة.\nفيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من هذا الكفر؟! وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟! وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبًا؟! \" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وقد تقرر أنّ شرك المشركين الذين بعث الله إليهم خاتم رسله ﷺ لم يكن إلا باعتقادهم أنّ الأنداد التي اتخذوها تنفعهم وتضرهم وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده، مع اعترافهم بأن الله سبحانه هو خالقها وخالقهم، ورازقها ورازقهم، ومحييها ومحييهم، ومميتها ومميتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.\n_________\n(^١) فتح القدير (٢/ ٦٥١).\n(^٢) نيل الأوطار (٤/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"1","page":58},{"text":"وإذا تقرر هذا، فلا شك أنّ من اعتقد في ميت من الأموات، أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالا أو مع الله تعالى، أو ناداه أو توجه إليه، أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله، ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه، هو نوع من أنواع العبادة.\nولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرا أو ملكا أو شيطانا كما كان يفعل ذلك في الجاهلية، وبين أن يكون إنسانا من الأحياء أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم يعلم هذا ويقرّ به، فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد، وللحي كما يكون للميت.\nفمن زعم أن ثمّ فرقا بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر أو ينفع، وبين من اعتقد في ميت من بني آدم أو حي منهم أنه يضر أو ينفع، أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فقد غلط غلطًا بينًا، وأقر على نفسه بجهل كثير، فإنّ الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه، ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكا بالصنم والوثن والإله لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئا يختص به سبحانه، سواء أطلق على ذلك الغير ما كانت تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسما آخر، فلا اعتبار بالاسم قط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم.\nوقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها، واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقريب لها في بعض الحاجات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور، فإنهم قد عظّموها إلى حدٍ لا يكون إلا لله سبحانه، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبًا منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريبا من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا ولم يحلف بالميت الذي يعتقده.\nوأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدعُ أحدٌ منهم ميتًا أو حيًا عند استجلابه لنفع، أو استدفاعه لضر، قائلًا: يا فلان افعل لي كذا وكذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك\" (^١).\n_________\n(^١) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد (ص: ٦٨ - ٧١) دار ابن خزيمة.","vol":"1","page":59},{"text":"وقال أيضًا: \"فإن قلت: إنّ هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله تعالى هو الضار والنافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه.\nقلت: وهكذا كانت الجاهلية، فإنهم يعلمون أن الله هو الضار النافع وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز.\nنعم إذا لم يحصل من المسلم إلا مجرد التوسل الذي قدمنا تحقيقه فهو كما ذكرناه سابقًا، ولكن مَن زعم أنه لم يقع منه إلا مجرد التوسل وهو يعتقد من تعظيم ذلك الميت ما لا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين، وزاد على مجرّد الاعتقاد فتقرَّب إلى الأموات بالذبائح والنذور، وناداهم مستغيثا بهم عند الحاجة، فهذا كاذب في دعواه أنَّهُ متوسِّل فقط، فلو كان الأمر كما زعمه لم يقع منه شيء من ذلك، والمتوسَّلُ به لا يحتاج إلى رشوة بنذر أو ذبح، ولا تعظيم ولا اعتقاد، لأنّ المدعو هو الله، وهو أيضا المجيب، ولا تأثير لمن وقع به التوسل قطُّ، بل هو بمنزلة العمل الصَّالح، فأيُّ جدوى في رشوة مَن قد صار تحت أطباق الثَّرى بشيء من ذلك، وهل هذا إلَاّ فعل من يعتقد التأثير اشتراكا أو استقلالا، ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدَّعاوى الباطلة العاطلة، بل من زعم أنه لم يحصل منه إلَاّ مجرَّد التوسل وهو يقول بلسانه: يا فلان مناديا لمن يعتقده من الأموات، فهو كاذب على نفسه.\nومن أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالا، فليخبرنا ما معنى ما نسمعه في الأقطار اليمنية من قولهم: يا ابن عجلان، يا زيلعي، يا ابن علوان، يا فلان يا فلان. وهل ينكر هذا منكر، ويشك فيه شاك؟ وما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم، ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم، حتى أنهم في حرم الله ينادون: يا ابن عباس، يا محجوب، فما ظنّك بغير ذلك؟! فلقد تلطف إبليس وجنوده أخزاهم الله تعالى لغالب أهل الملة الإسلامية بلطفة تزلزل الأقدام عن الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nأين من يعقل معنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾.\nوقد أخبرنا الله سبحانه أن الدعاء عبادة بمحكم كتابه بقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وأخرج أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الدعاء هو العبادة» ...\nكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أنّ النحر للنسك وإخراج صدقة المال والخضوع والاستكانة عبادة لله ﷿ بلا خلاف، ومن زعم أن ثَمّ فرقًا بين الأمرين فيهده إلينا.\nومن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر عليهم عبادتهم، فقل له: فلأي مقتضى صنعت هذا الصنيع؟ فإنّ دعاءك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبّر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فإن قلت: إنّ المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص:٧٢ - ٧٥).","vol":"1","page":60},{"text":"قلتُ: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها بأفعالهم، فإنّ من استغاث بالأموات أو طلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، أو عظّمهم أو نذر عليهم بجزء من ماله أو نحر لهم فقد نزّلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذا الأفعال، فهو لم يعتقد معنى لا إله إلا الله ولا عمل بها، بل خالفها اعتقادًا وعملًا، فهو في قوله لا إله إلا الله كاذبٌ على نفسه، فإنه قد جعل إلهًا غير الله يعتقد أنه يضر وينفع، فَعَبَده بدعائه عند الشدائد والاستغاثة به عند الحاجة، وبخضوعه له وتعظيمه إياه، ونحر له النحائر، وقرب إليه نفائس الأموال. وليس مجرد قول لا إله إلا الله من دون عمل بمعناها مثبتًا للإسلام، فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية وعكف على صمنه يعبده لم يكن ذلك إسلامًا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فإن قلت: هؤلاء المعتقدون في الأموات لا يعلمون بأن ما يفعلونه شرك، بل لو عُرض أحدهم على السيف لم يقرّ بأنه مشرك بالله ولا فاعل لما هو شرك، بل ولو علم أدنى علم أن ذلك شرك لم يفعله.\nقلت: الأمر كما قلت، ولكن لا يخفى عليك ما تقرر في أسباب الردة أنه لا يعتبر في ثبوتها العلم بمعنى ما قاله مَن جاء بلفظ كفري أو فعل فعلا كفريا.\nوعلى كل حال، فالواجب على كل من اطلع على شيء من هذه الأقوال والأفعال التي اتصف بها المعتقدون في الأموات أن يبلِّغهم الحجة الشرعية، ويبين لهم ما أمره الله بيانه وأخذ عليه الميثاق ألا يكتمه كما حكى ذلك لنا في كتابه العزيز فيقول لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات، ويستغيث بهم عند حلول المصيبات، وينذر لهم النذور وينحر لهم النحور، ويعظمهم تعظيم الرب سبحانه: إن هذا الذي يفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية، وهو الذي بعث الله رسوله بهدمه، وأنزل كتبه في ذمّه، وأخذ على النبيين أن يبلغوا عباده أنهم لا يؤمنون حتى يخلصوا له التوحيد ويعبدوه وحده، فإذا علموا بهذا علما لا يبقى معه شك ولا شبهة، ثم أصروا على ما هم فيه من الطغيان والكفر بالرحمن وجب عليه أن يخبرهم بأنهم إذا لم يقلعوا عن هذه الغواية، ويعودوا إلى ما جاءهم به رسول الله ﷺ من الهداية، فقد حلت دماؤهم وأموالهم، فإن رجعوا وإلا فالسيف هو الحكم العدل كما نطق به الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين في إخوانهم المشركين\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"بل هؤلاء القبوريون قد وصلوا إلى حد في اعتقادهم في الأموات لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في أصنامهم، وهو أن الجاهلية كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله وحده، وإنما يدعون أصنامهم مع عدم نزول الشدائد من الأمور كما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ لإِنسَانُ كَفُورًا﴾ وبقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٧٧).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٨٢ - ٨٣).","vol":"1","page":61},{"text":"بخلاف المعتقدين في الأموات فإنهم إذا دهمتهم الشدائد استغاثوا بالأموات ونذروا لهم النذور، وقلّ من يستغيث بالله سبحانه في تلك الحال، وهذا يعلمه كل من له بحث عن أحوالهم\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-88> العلامة محمد بن محسن العطاس </span>(توفي بعد سنة ١٢٥٢): \"فاعلم أنّ الله تعالى بعث الأنبياء من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه؛ إذ هم مقرون بذلك كما ذكرناه، ولم يعبدوا الأصنام بالخضوع لهم والتقرب بالنذر والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها تقربهم من الله، وتشفع لهم لديه، فأرسل الله الرسل تأمرهم بترك عبادة ما سواه، وأنّ هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، والتقرب إليهم باطل، وإنّ كل ذلك لا يكون إلا لله وحده.\nوأمر عباده أن يقولوا: إياك نعبد، ولا يصدقوا قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله، وإلا كان كاذبًا فيها من أن يقول هذه الكلمة، إذ معناها: نخصك بالعبادة ونفردك بها، وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ لِما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي لا تعبدوا إلا الله ولا تعبدوا غيره، ولا تتقوا إلا الله وألا تتقوا غيره كما في الكشاف.\nفإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا أن يكون جميعها كلها له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستغاثة والاستعانة لله وحده، واللجوء إلى الله، والنذر له، والنحر له، وجميع أنواع العبادة، ومن يفعل شيئًا من ذلك لمخلوق من حي أو ميت أو جماد فقد أشرك في العبادة، وصار مَن يُفعل له هذه الأمور إلهًا لعابديه سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليا أو شجرًا أو قبرًا، وصار بهذه العبادة أو بأي نوع منها عابدًا لذلك المخلوق وإن أقرّ بالله وعبده، فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك، وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملًا شورك فيه غيره ...\nوقد عرفت من هذا أنّ من اعتقد في حجر أو قبر أو ملك أو حي أو ميت أنه ينفع ويضر، وأنه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد الشفع به إلى الرب تعالى - إلا ما ورد في حديث فيه مقال في حق نبينا ﷺ- ونحو ذلك، فإنه قد أشرك مع الله غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وكل من دعا من دون الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك؛ لأن الدعاء اعتراف بالعبودية، فبدعائه له صيره إلهًا\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-89> العلامة محمد عابد السندي </span>الحنفي (المتوفى: ١٢٥٧) في طوالع الأنوار شرح تنوير الأبصار: \"ولا يقول: يا صاحب القبر، يا فلان اقض حاجتي، أو سلها من الله، أو كن لي شفيعًا عند الله. بل يقول: يا من لا يشرك في حكمه أحدًا اقض لي حاجتي هذه\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١١١ - ١١٢).\n(^٢) تنزيه الذات والصفات من درن الإلحاد والشبهات (ص: ٢٨ - ٢٩) دار الأخلاء للنشر والتوزيع، ١٤٣١ ه.\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٣٥).\n(^٤) مجلة المنار (٣٢/ ٥٤٥).","vol":"1","page":62},{"text":"• وللإمام<span data-type=\"title\" id=toc-90> الشاه محمد إسحاق الدهلوي </span>(المتوفى: ١٢٦٢ هـ) في كتاب المسائل المئة تحقيق في الرد على القبورية، حاصله: أن الاستغاثة بالأموات متضمنة لعدة أنواع من الشرك، كالشرك في العلم، والشرك في التصرف، والشرك في السماع (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-91> العلامة عبد الله بن أحمد باسودان </span>(المتوفى: ١٢٦٦) وهو من أكابر فقهاء حضرموت في وقته: \"وقد فشت في العامة اعتقادات فاسدة في أولياء الله، فإن مرضوا، قالوا: هذا صدر من فلان، وإن شفوا قالوا: بركة سيدي فلان، فلما اعتقدوا ضرهم ونفعهم حلفوا بهم ونذروا لهم من دون الله، واستشفوا بهم من دون الله.\nفإن أجرى الله سبحانه الوادي قالوا: شيء لله يا فلان، وإن قبض الله عليهم المطر قالوا: قبضها فلان .. والله سبحانه القابض الباسط المحيي المميت، وكل شيء بيده في ملك ملكوت، ولو ذهبنا لما في الكتاب والسنة من التحذير في ذلك لعرف الناس أنهم قد هلكوا، وأكثر هؤلاء بل كلهم أتباع الدجال. نعوذ بالله من الضلال.\nويقع من هؤلاء في زيارة قبور الأولياء أو غيرهم كثيرٌ من الجهالات والمآثم المتكررة، هذا ما قاله الشيخ عبد الخالق المزجاجي الزبيدي\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-92> الإمام محمود الآلوسي المفسِّر</span>، مفتي الحنفية ببغداد (المتوفى: ١٢٧٠) عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾: \"وفي الآية ما يدل على أنّ صنيع أكثر العوام اليوم من الجؤار إلى غيره تعالى ممن لا يملك لهم بل ولا لنفسه نفعا ولا ضرا عند إصابة الضر لهم، وإعراضهم عن دعائه تعالى عند ذلك بالكلية، سفهٌ عظيم وضلال جديد، لكنه أشد من الضلال القديم.\nومما تقشعر منه الجلود وتصعر له الخدود الكفرة أصحاب الأخدود، فضلا عن المؤمنين باليوم الموعود إن بعض المتشيخين قال لي وأنا صغير: إياك ثم إياك أن تستغيث بالله تعالى إذا خطْبٌ دهاك، فإنّ الله تعالى لا يعجل في إغاثتك ولا يهمه سوء حالتك، وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين، فإنهم يعجلون في تفريج كربك ويهمهم سوء ما حلّ بك، فمجّ ذلك سمعي، وهمى دمعي، وسألت الله أن يعصمني والمسلمين من أمثال هذا الضلال المبين، ولكثير من المتشيخين اليوم كلمات مثل ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) المسائل المئة (ص: ٤٣ - ٤٥) ط/ الحجرية الهندية.\n(^٢) ذخيرة العباد شرح راتب الحداد (ص: ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٣) روح المعاني (٧/ ٤٠٥ - ٤٠٦) دار الكتب العلمية - بيروت.","vol":"1","page":63},{"text":"وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: \"فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأنّ الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى فيهم أحدًا يخص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال.\nفبالله تعالى عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا وأي الداعيين أقوم قيلا؟ وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف\" (^١).\nوقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾:\n\"وقد رأينا كثيرا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين يهشّون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ﷿، وسرْد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي: يا فلان أغثني، فقلت له: قل يا الله فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ﴾ فغضب، وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء.\nوسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله ﷿ وهذا من الكفر بمكان. نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وبعد هذا كله أنا لا أرى بأسا في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي ﷺ عند الله تعالى حيا وميتا، ...\nنعم لم يعهد التوسل بالجاه والحُرْمة عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولعل ذلك كان تحاشيًا منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس -إذ ذاك وهم قريبو عهد بالتوسل بالأصنام- شيء، ثم اقتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين، وقد ترك رسول الله ﷺ هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت ذلك في الصحيح.\nوهذا الذي ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس والفرار من دعوى تضليلهم- كما يزعمه البعض- في التوسل بجاه عريض الجاه ﷺ لا للميل إلى أنّ الدعاء كذلك أفضل من استعمال الأدعية المأثورة التي جاء بها الكتاب وصدحت بها ألسنة السنة، فإنه لا يستريب منصف في أنّ ما علّمه الله تعالى ورسوله ﷺ ودرج عليه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وتلقاه من بعدهم بالقبول أفضل وأجمع وأنفع وأسلم، فقد قيل ما قيل إن حقا وإن كذبا.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ٩٣).\n(^٢) المصدر السابق (١٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦)","vol":"1","page":64},{"text":"بقي هاهنا أمران: الأول: أن التوسل بجاه غير النبي ﷺ لا بأس به أيضا إن كان المتوسَّل بجاهه مما عُلم أن له جاهًا عند الله تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته، وأما من لا قطع في حقه بذلك فلا يتوسل بجاهه لما فيه من الحكم الضمني على الله تعالى بما لم يعلم تحققه منه عز شأنه، وفي ذلك جرأة عظيمة على الله تعالى.\nالثاني: أن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل: يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوّه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عدّه أناس من العلماء شركا، وإن لا يكنه فهو قريب منه.\nولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوي الغني الفعال لما يريد.\nومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله تعالى عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فجاؤوا إليه، فقال: «إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله تعالى» لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور- الذين هم بين سعيد شَغَله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه والإصاخة إلى أهل ناديه- أمرٌ يجب اجتنابه، ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه، ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تُقضى حاجته وتنجح طلبته؛ فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه ﷿، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات هيهات إنما هو شيطان أضله وأغواه وزيّن له هواه، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام، وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له، ولقد ساء ما يحكمون، لأن التطور والظهور وإن كانا ممكنين لكن لا في مثل هذه الصورة وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسأل الله تعالى بأسمائه أن يعصمنا من ذلك، ونتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم أحسن المسالك\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","vol":"1","page":65},{"text":"وقال أيضًا: \"وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ إلخ إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله ﷿، ونجعل ثوابه للولي، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم ذلك شفاء مريضهم أو ردّ غائبهم أو نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل: انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا، ورأيت كثيرا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة، وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف، قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم وأكثر افترائهم، ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة، وعلماؤهم يقولون: إنما تظهر أرواحهم متشكّلة وتطوف حيث شاءت وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه، وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة في اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية. نسأل الله تعالى العفو والعافية\" (^١).\nوقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾: \"وقد يقال نظرًا إلى مفهوم الآية: إنهم من يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلا وكان مرتكبًا ما يعد شركًا كيفما كان، ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله تعالى أعلم بحاله فيها، وهم اليوم أكثر من الدود\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-93> العلامة محمد بن ناصر الحازمي الحسني التهامي </span>(المتوفى: ١٢٨٣): \"فمن طلب غير الله أحدًا من الأموات، أو النجوم، أو الشمس أو القمر، أو النور أو الظلمة، فقد غيَّر معنى لا إله إلا الله، وإن نطق بها أو تكلم بما يدل عليها؛ فإنّ المشركين يعرفون معنى لا إله إلا الله، ولهذا قال المشركون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، فإنه أمرهم النبي ﷺ أن يقولوا لا إله إلا الله، فأنكروا هذا؛ لأنهم يعلمون أن معناها ترك الأصنام، وأن لا يُدعى إلا الله، ولا يعبد سواه، فهؤلاء الذين يطلبون المعتَقَد لم يعرفوا معنى لا إله إلا الله، ولم يقوموا بحقها\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٩/ ٢٠٢).\n(^٢) المصدر السابق (٧/ ٦٤).\n(^٣) إيقاظ الوسنان على بيان الخلل الذي في صلح الإخوان (ص: ١٠٥) تحقيق: عبد الله الحازمي.","vol":"1","page":66},{"text":"وقال أيضًا: \"من اعتقد في شجر أو حجر أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله تعالى يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع والتوسل إلى الرب تعالى، فإنه قد أشرك مع الله غيره. واعتقد ما لا يحل اعتقاده\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فإنّ دعاؤهم [أي: عباد القبور] في المهمات لأسماء رجا صالحين، قد جعلوا على قبور بعضهم التوابيت والخرق النفيسة، والقباب، وسرجوا عليها في الليل، وعكفوا عليها هو بعينه فعل عباد الأصنام، وعباد الأصنام يعلمون أن هؤلاء لا يغنون عنهم من الله شيئًا، وإنما قصدوا التقرب إلى الله تعالى، وهؤلاء كذلك يقولون: إنهم مذنبون، وهؤلاء أقرب إلى الله تعالى منهم وسائط ووسائل، وهذا بعينه فعل عباد الأصنام\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وأعظم من هذا أنه يستعان بهم عند الملمات، ويستغاث بهم في المهمات، ... ومع أن كل أحد من هؤلاء يدعو معتقده إذا مسه الضر، وربما كان معتقده مقبورًا في مصر والداعي في اليمن، فإنهم يدعون البدوي والجيلاني في بغداد وبينهم البر والبحر، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ويقول ﷺ: «الدعاء هو العبادة» ثم يتلو هذه الآية، وهذه الصيغة تفيد الحصر، فمن دعا غير الله تعالى فقد عبد سواه، والله يقول لمصطفاه ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ ويقول ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\nومن عبد غير الله فقد أشرك، والله تعالى يقول لسيد المخلصين: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ \" (^٣).\nوقال أيضًا: \"فإذا رددنا ما تنازعنا فيه، وقلنا بتحريم دعوة غير الله والاستغاثة به وما الحق في ذلك، فوجدنا القرآن ينادي بالنهي عن دعوة غير الله ويختمها بالوعيد الشديد لمن فعل ذلك، ولو لم يُحتج على صاحب الرسالة [أي: داود بن جرجيس] إلا بآية واحدة، لانقطعت حجته، ووهت شبهته، والسنة كذلك تنادي في النهي عن أن يدعى مع الله غيره، كما في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات وهو يدعو لله ندًا دخل النار».\nومسمّى الدعاء هو السؤال والطلب لغة وشرعًا شاء المشرك أو أبى، ... والندّ هو الشبه والمثل، فمن استغاث بغير الله من ميت أو غائب، أو دعاه فقد شبّهه بالله الذي يصمد إليه كل مخلوق في كل ما يحتاجون إليه في دنياهم وأخراهم\" (^٤).\n\n• وقال العلامة محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل (المتوفى: ١٢٩٨): \"والقسم الثاني [أي: من البدع التي ليست حسنة]: ما يدعو إلى إباحة ما حرم الله، ومن ذلك ما عمّ الابتلاء به من التقرب إلى الأولياء في قبورهم بأنواع الطاعات، وتعظيم نحو حائط أو عمود أو شجر رجاء شفاء أو قضاء حاجة.\nوهذا القسم أعظم وأشد من القسم الذي قبله، ويُخشى منه الوقوع في الكفر.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٣٣).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٦٣ - ٦٤).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٨٥ - ٨٧).\n(^٤) المصدر السابق (ص: ١٢٧ - ١٢٨).","vol":"1","page":67},{"text":"إذا تقرر هذا فالرايات والأعلام التي تنصب على قبور الأولياء والصالحين من جملة البدع التي لم تكن في خير القرون، ولا جرى على فعلها السلف الصالح، ولا يعود على الولي نفع أخروي بوضعها ...\nولا ينبغي أن يوجد عند القبور شيء من البدع القبيحة، بل هي مواضع الاستغفار والقراءة والدعاء لهم والاعتبار بمحلهم لحديث: «زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة» أخرجه ابن ماجه، وعند مسلم «فإنها تذكر الموت». والبدع منافية للاعتبار\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-94> الشيخ فضل الله الجيلاني الهندي الحنفي </span>(المتوفى: ١٢٩٩ هـ) عند شرح حديث «أشرف العبادة الدعاء»: \"أشرف العبادة: أي الأمور التي يظهر فيها المرء عبوديته وكونه عبد الله، فمن أشرفها الدعاء، أي ليس الدعاء إلا إظهار المرء فاقته والاستكانة إلى ربه ...، إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله، والاستكانة له، ولذا جعل جزاء الاستكبار الصغار والهوان ...\nوإذا اعتبرنا العبادات الشرعية سوى الدعاء وجدنا الشارع قد شرع الدعاء في كل منها بما يوافق ذلك القصد، فصار الدعاء عبارة عن الأمرين: السؤال باللسان، والقصد بالجنان؛ لأن الدعاء باللسان إنما هو ترجمة لذلك القصد، فإذا صح هذا: فإننا إذا أفرزنا الدعاء من العبادة - وهو القصد القلبي، وترجمته اللسانية - لم يبق من العبادة إلا صورتها، ولا شك أن القصد القلبي مع الترجمة عنه أكرم على الله تعالى وأشرف من صورة العبادة مجردة عن ذلك، ولهذا صح أن «الدعاء مخ العبادة»، وهو معنى: أن الدعاء هو العبادة، على وزان قوله ﷺ «الحج عرفة» \" (^٢).\n\nوقال أيضًا عند شرحه لما في الأثر أنه خدرت رِجْل ابن عمر، ... إلخ: \"وعلى كل حال فصورة النداء في بعض الروايات ليس على حقيقته، ولا يتوهم أنه للاستعانة أو الاستغاثة، وإنما المقصود إظهار الشوق وإضرام نار المحبة، وذكر المحبوب يسخن القلب وينشطه فيذهب انجماد الدم فيجري في العروق، وهذا هو الفرح، والخطاب قد يكون لا على إرادة الإسماع\" (^٣).\n_________\n(^١) عمدة المفتي والمستفتي لمحمد بن عبد الرحمن الأهدل (١/ ١٨٢ - ١٨٣) دار الحاوي للنشر والتوزيع.\n(^٢) فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد (٢/ ١٧٧ - ١٧٨) ط/ المدني بالقاهرة.\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٢٤٩).","vol":"1","page":68},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-95> العلامة عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي </span>(المتوفى: ١٣٠٤) جوابا على استفتاء وَرَدَهُ عن حكم الورد الذي يقوله بعضهم إذا عرضت له حاجة، أو ألمت به ملمة، فيقول: \"يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله\" في عدد مخصوص ومدة معينة:\nقال ﵀: \"إن الاحتراز عن مثل هذا الورد لازم.\nأولًا: لأن هذا الورد متضمن كلمة \"شيئًا لله\" وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من قاله.\nوثانيا: لأنّ هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة، لم يثبت شرعا أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة، إنما ثبت سماع الأموات لتحية من يزور قبورهم، ومن اعتقد أن غير اللَّه ﷾ حاضر وناظر، وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن، فقد أشرك، والشيخ عبد القادر وإن كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العدّ والإحصاء، إلا أنه لم يثبت أنه كان قادرا على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين، واعتقاد أنه\n﵀ كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت، ويسمع نداءهم من عقائد الشرك، والله أعلم\" (^١). انتهى مختصرا.\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-96> العلامة محمد صديق خان القنوجي </span>(المتوفى: ١٣٠٧): \"والذي يظهر أنّ الحامل لمن ادعى العلم والعقل على محبة ما لا ينفع ولا يضر، والتوسل به والاعتقاد فيه، إتباع من يظن به الخير من أهل العلم، ودرجهم إبليس شيئا فشيئا حتى تعودوا ذلك وألفوه وسوغ لهم ذلك التقليد وعدم النظر في الكتاب والسنة.\nومن نظر بإنصاف فيهما لم يخف عليه الحق الصراح، ولهذا لا تسمع عند الشدائد في مدائن الإسلام الاستغاثة بالله ولا الاستعانة به ولا التوسل به ولا دوام ذكره إلا قليلا أقل، وإنما يجيز أكثرهم اللهج بالمشايخ والأولياء. اللهم إنا نبرأ إليك من أمثال تلك الضلالات والمحدثات. ونعوذ بك من جميع ما كره الله\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فالدعاء هو التوحيد، فمن دعا غير الله فقد أشرك، ودعاءُ غيره سبحانه شرك لا شك فيه\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"فمن استغاث بغيره في الشدائد، ودعا غيره فقد كفر\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"من استغاث بالأموات زعمًا منه أنهم يشفعون له في الدنيا فقد سلك سبيل اليهود والنصارى\" (^٥).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-97> الشيخ نعمان الألوسي ولد الإمام المفسر </span>(المتوفى: ١٣١٧): \"إن قلتَ: إنّ للمستغاث بهم قدرة كسبيه وتسببية فتُنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى عبد الحي اللكنوي (١/ ٢٦٤).\n(^٢) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر (ص: ١٠٧).\n(^٣) الدين الخالص (١/ ٢٢٢).\n(^٤) المصدر السابق (١/ ١٨٣).\n(^٥) المصدر السابق (ص:٢٦).","vol":"1","page":69},{"text":"قلنا له: إن كلامنا فيمن يستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو لسؤال ما لا يعطيه ويمنعه إلا الله سبحانه، وأما فيما عدا ذلك مما يجرى فيه التعاون والتعاضد بين الناس، وإغاثة بعضهم ببعض فهذا شيء لا نقول به ولا ننكره كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، ونعدّ منعه جنونًا، كما نعد إباحة ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شركًا وضلالًا.\nوكون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستعان به ولا يتوكل عليه، ويلتجأ في ذلك ...\nفإذا علمت ذلك فلا يقال لحي أو ميت قريب أو بعيد: ارزقني، أو أمت فلانًا، أو اشف مريضي، إلى غير ذلك مما هو من الفعال الخاصة به ﷿. وبالجملة، فالاستغاثة والاستعانة والتوكل أغصان دوحة التوحيد المطلوب من العبيد\" (^١).\nوقال أيضًا: \"بقي ههنا شيء يورده المجيزون على هؤلاء المانعين، وهو أنه لا شك أن من عبد غير الله مشرك حلال الدم والمال، وأنّ الدعاء المختص بالله سبحانه عبادة، بل هو مخّ العبادة، ولكن لا نسلّم أن طلب الإغاثة ممن استُغيث بهم شرك مطلقًا، وإنما يكون شركًا لو كان المستغيث معتقدًا أنهم هم الفاعلون لذلك خلقًا وإيجادًا، فحينئذ يكون من الشرك الاعتقادي قطعًا، أما من اعتقدهم الفاعلين كسبًا وتسببًا فليس بمسلَّم، ولئن سلمنا فليس المقصود من طلب الإغاثة منهم وندائهم إلا التوسل بهم وبجاههم، وإن كان اللفظ ظاهرًا يدل على الطلب منهم، وأنهم المطلوبون بهذا النداء، لكن مقصود المستغيث التشفع والتوسل بهم إلى ربهم، وهو ﷺ من أشرف الوسائل إلى الله سبحانه، وقد أمرنا سبحانه بطلب ما يتوسل به، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. فكيف تحظرونها بل تجعلونها شركًا مخرجًا عن الملة وليس في قلوب المسلمين إلا هذا المعنى؟!، وإن في ذلك تكفير أكثر الناس، من غير ارتياب والتباس. وكيف تحكمون على أناس قد أظهروا شعائر الإسلام من أذان وصلاة، وصوم، وحج، وإيتاء زكاة، يأتون بكلمة التوحيد، ويحبون الله ويحبون سيد المرسلين، ويتبلغون بالقبول التام ما جاء عنهما من أمور الدين ...\nفأجاب المانعون بقولهم: أما قولكم أن ليس مقصودهم إلا التوسل والتشفيع، وإن تكلموا بما يفيد غيره، فإنه يدل على أنّ الشرك لا يكون إلا اعتقاديًا، وأنّ اللفظ لا يكون كفرًا إلا إذا طابق الاعتقاد. وهذا يقتضى سدّ أبواب الشرائع، ومحو الأبواب التي ذكرها الفقهاء في الردة. ولا سيما ما ذكرته الحنفية من التكفير بألفاظ يذكرها بعض الناس من غير اعتقاد، كيف وأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ والكلمة التي قالوها كانت على جهة المزح مع كونهم في زمن رسوله ﷺ، وكانوا يجاهدون ويصلون، ويفعلون جميع الأوامر، وقال تعالى: ﴿أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾، وقد ذكر المفسرون: أنهم قالوها على جهة المزح. وكذلك العلماء كفّروا بألفاظ سهلة جدًا، وبأفعال تدل على ما هو دون ذلك، لا سيما الحنفية كما لا يخفى على من تتبع كتبهم.\n_________\n(^١) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص: ٥١٣) مطبعة المدني.","vol":"1","page":70},{"text":"ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة بها، وإنما العبرة للاعتقاد لأمكن لكل من تكلّم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقًا أن يقول: لِمَ تحكمون بردتى؟! فيذكر احتمالًا ولو بعيدًا، يخرج به عما كفر فيه، ولما احتاج إلى توبة ولا توجّه عليه لوم أبدًا. وهذا ظاهر البطلان، ولساغ لكل أحد أن يتكلم بكل ما أراد، فتنسد الأبواب المتعلقة بأحكام الألفاظ\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ومن نظر بعين الانصاف، وتجنب سبيل الاعتساف، ونظر إلى ما كان عليه الأولون، وعرف كيف كان شركهم، وبماذا أرسل إليهم النبي ﷺ، وكيف التوحيد، وما معنى الإله والتأله، وتبصّر في العبادات وأنواعها، تحقّق أن هذا الالتجاء والتوكل والرجاء بمثل طلب الشفاعة هو الذى نهى عنه الأولون، وأُرسل لأجل قمعه المرسلون، وبذلك نطق الكتاب، وبينه لنا خير من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، سيما إذا استغيث بهم لدفع الشدائد والملمات، ولرفع الكرب المهمات، مما لا يقدر على دفعه إلا خالق الأرض والسماوات. وقد كان الأولون إذا وقعوا في شدة دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إذا هم يشركون. ومن فعل هذا بحالتي الشدة والرخاء، بل في قسمي المنع والعطاء فقد غلا وتجاوز حدّه\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"المراتب في هذا الباب ثلاثة: أحدهما: أن الدعاء لغيره تعالى سواء كان المدعو حيًا أو ميتًا، وسواء كان من الأنبياء أو غيرهم، بأن يقال: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك. فهذا شرك بالله تعالى، وهو مثل عبادة الأصنام في القرون الماضية\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"ثم إذا جاز أن يقول الضال: إنه يطلب من مخلوق كل ما يطلب من الخالق من كشف الشدائد، فكذلك يطلب منه ما يطلب من الخالق من إعطاء الفوائد فحينئذ يجوز أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق مطلقًا.\nوهذا الكفر شر من كفر عباد الأصنام، فإن أولئك لم يكونوا يطلبون من الأوثان كل ما يطلبون من الرحمن، بل لهم مطالب لا يطلبونها إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، فبيّن أنه إذا جاء عذاب الله أو أتت الساعة لا يدعون إلا الله، فلا يطلبون كشف الشدائد، وإنزال الفوائد إلا منه. فمن جوَّز طلب ذلك من المخلوق كان أضل من هؤلاء المشركين، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾، وقال ﵊ لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ...» الحديث.\nوقول القائل: لكونهم أسبابًا ووسائل فكلام مجمل، فإن أراد أنهم وسائط، والداعي يزعم أنهم شفعاء، فالآيات متضافرة على منعه.\nوإن أراد أن الداعي لا يطلب منهم، ولكن يطلب من الله تعالى بحرمتهم وجاههم فهذا لا يسمى استغاثة بالمسؤول به.\nوما زلت أبحث عن هذه المسالة وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء - هل يجوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فَعَلَ أحدٌ منهم ذلك، فما وجدته\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٥١٣ - ٥١٥).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٥١٠ - ٥١١).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٥٢٠)\n(^٤) المصدر السابق (ص: ٥٣٧).","vol":"1","page":71},{"text":"وقال أيضًا: \"وإذا علمت هذا، فاعلم أنّ الاستغاثة بالشيء طلب الإغاثة والغوث منه، كما أن الاستعانة بشيء طلب الإعانة منه.\nفإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالًا منه، وظاهر أن ذلك ليس توسلًا به إلى غيره، بل طلب منه، إذ قد جرت العادة أن من توسل بأحد عند غيره أن يقول لمستغاثه: أستغيثك على هذا الأمر بفلان، فيوجِّه السؤال إليه ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به ويقول له: أرجو منك، أو أريد منك، أو أستغيث بك، ويقول: إنه وسيلتي إلى ربي، فإنّ هذا غير معروف.\nوإن كان كما يقول: فما قدّر عظم المتوسَّل إليه حق قدره وتعظيمه، وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره. كيف واستعمال العرب يأبى عنه، فإن من يقول: صار لي ضيق فأستغيث بصاحب القبر فحصل الفرج، يدل دلالة جبلّية على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه توسل به عند غيره، بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال: توسلت أو أستغيث عند الله تعالى بفلان، أو يقول لمستغاثه وهو الله سبحانه: أستغيث إليك بفلان، فيكون حينئذ مدخول الباء متوسّلًا به، ولا يصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: استغثت بفلان، وتريد التوسل به، وسيما إذا كنت داعيه وسائله، بل قولك هذا نصٌّ على أنّ مدخول الباء مستغاث وليس بمستغاث به. والقرائن التي تكشفه من الدعاء له، وقصر الرجاء عليه شهود عدول، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول.\nفهذه الاستغاثة، وتوجّه القلب إلى المسؤول بالسؤال والإبانة، محظور على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسولُ رب العالمين.\nقال الشيخ محمد الأمين السويدي الشافعي: ولا يجوِّز ذلك إلا من جهل آثار الرسالة، ولهذا عمت الاستغاثة بالأموات عند نزول الكربات، يسألونهم ويتضرعون إليهم، فكان ما يفعلونه معهم أعظم من عبادتهم واعتقادهم في رب السماوات اهـ\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-98> العلامة علي بن أحمد باصبرين </span>صاحب كتاب هداية العبيد إلى خالص التوحيد (توفي في العشر الأول من القرن العشرين): \" (التاسعة) مما يحرم ما يقال عند إقبال الزائرين إلى المزور: (يا وليّ الله جئنا إليك، وحططنا الذنب بين يديك\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٥١١ - ٥١٢).\n(^٢) المهمات الدينية في بعض المرتكب من المناهي الربانية (ص: ٦).","vol":"1","page":72},{"text":"وقال أيضًا: \"مجرد دعاء غيره تعالى لا يوجب الكفر الجلي، وإنما فيه تفصيل يرجع إلى الداعي والمدعو إليه، فإن سلمت عقيدة الداعي كما ذكرنا نُظر إلى المدعو إليه، فإن كان مما جرت العادة فيه أنّ لغير الله فيه - بحسب الظاهر- دخلًا، كأن قال عطشان: يا فلان أسقني، أو عاجز عن الركوب يا فلان احملني على دابتي، ... جرت فيه الأحكام الخمسة لا الكفر الجلي.\nوإن كان مما لا دخل فيه لغير الله كـ يا فلان وفقني، أو اغفر لي ذنوبي، ... فهذا كله ونحوه كأجرني من الله أو من عذاب الله، أو أسعدني مما يحرم التفوه به مطلقًا، وهو الشرك الخفي، ولا يخرج من الدين، ويزجر ويعزّر مرتكبه، هذا مع سلامة عقيدته الباطنة (^١)، وإلا فهو كافر مطلقًا (^٢) \".\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-99> الشيخ محمد عبده </span>(المتوفى: ١٣٢٣): \"فالإشراك اعْتِقَاد أَنّ لغير الله أثرا فَوق مَا وهبه الله من الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة، وَأَن لشيء من الْأَشْيَاء سُلْطَانا على مَا خرج عَن قدرَة المخلوقين، وَهُوَ اعْتِقَاد من يعظم سوى الله مستعينا بِهِ فِيمَا لَا يقدر العَبْد عَلَيْهِ كالاستنصار في الْحَرْب بِغَيْر قُوَّة الجيوش، والاستشفاء من الْأَمْرَاض بغير الأدوية الَّتِي هدَانَا الله إِلَيْهَا، والاستعانة على السَّعَادَة الأخروية أَو الدُّنْيَوِيَّة بِغَيْر الطّرق وَالسّنَن الَّتِي شرعها الله لنا، هَذَا هُوَ الشّرك الذى كَانَ عَلَيْهِ الوثنيون وَمن ماثلهم، فَجَاءَت الشَّرِيعَة الإسلامية بمحوه وردّ الْأَمر فِيمَا فَوق الْقُدْرَة البشرية والأسباب الكونية إِلَى الله وَحده\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"إنّ من تتبع استعمال العرب في كلامهم يجد أنهم لا ينطقون لفظ العبادة على الخضوع والتذلل للملوك والأمراء مهما بولغ فيهما، ولا يسمون تذلل العاشق المستهتر لمن يعشقه عبادة وإن غلا فيه أشد الغلو.\nوإنما يخصون لفظ العبادة بالتعظيم الناشئ عن الشعور بأن للمعظَّم سلطة غيبية وأسرارًا معنوية وراء الأسباب الظاهرة، وخلاف ما يُعهَد من سائر الخلق.\nوللعبادة صور كثيرة أشهرها وأعمها الدعاء وطلب قضاء الحوائج التي تتعاصى على الأسباب المكتسبة، فيتعذر أو يتعسر الوصول إليها، ولذلك اجتمع المفسرون على تفسير ألفاظ الدعاء بالعبادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وفي الحديث المشهور «الدعاء مخ العبادة».\n_________\n(^١) يقصد ما ذَكَره قبل ذلك من أنّ الداعي يعتقد أنّ المدعو ليس له شرك في الملك ولا التأثير ولا التدبير، ولا في إعانة على تحصيل شيء من المنافع، ولا دفع شيء من المضار، ولا تحصل شفاعة عند الله له من الغير ولا لغيره منه إلا بإذن الله، ... مع كونه جازمًا أنّ شفاعته وسؤال الشافع والسائل له عند الله لا يغير شيئا مما في علم الله ثبوتًا أو نفيًا ... إلخ.\nوفي الحقيقة لا يُتصور وجود هذه الشروط فيمن يدعو غير الله، لأنه لو كان يعتقد ذلك لَمَا دعا ذلك الغير.\n(^٢) فصل المقال وإرشاد الضال في توسل الجهال لخوقير (ص: ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٣) التوحيد لمحمد عبده (ص: ٣٣) دار الكتاب العربي.","vol":"1","page":73},{"text":"وأصل الدعاء النداء والطلب مطلقًا، أو مع ملاحظة استعلاء المنادى المطلوب منه، وإذا لوحظ معه تعظيم المدعو، واعتقاد أن له سلطة غيبية وراء الأسباب الظاهرة، أو طُلب منه ما لا يُنال بالكسب كان عبادة، سواء كان اعتقاد السلطة له لذاته أو لأنه واسطة بين الداعي وبين الله تعالى يقربه إليه زلفى.\nولا يخرجه عن معنى العبادة تسميته باسم آخر كالتوسل والاستشفاع كما هو المتبادر من القرآن الكريم واللغة، والعبرة بالحقائق لا بالأسماء والاصطلاحات، ولا بالوساوس والخيالات\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فَالشِّرْكُ أَنْوَاعٌ وَضُرُوبٌ، أَدْنَاهَا مَا يَتَبَادَرُ إِلَى أَذْهَانِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ الْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللهِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَهُ، وَأَشَدُّهَا وَأَقْوَاهَا مَا سَمَّاهُ اللهُ دُعَاءً وَاسْتِشْفَاعًا، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِهِمْ إِلَى اللهِ وَتَوْسِيطُهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ تَعَالَى، فَالْقُرْآنُ نَاطِقٌ بِهَذَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ، فَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، وَأَقْوَى مَظَاهِرِهِ الَّتِي يَتَجَلَّى فِيهَا مَعْنَاهُ أَتَمَّ التَّجَلِّي، وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْفَعُ مَعَهُ صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا عِبَادَةٌ أُخْرَى.\nثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ قَدْ فَشَا فِي الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَأَوْرَدَ شَوَاهِدَ عَلَى ذَلِكَ عَنِ الْمُعْتَقِدِينَ الْغَالِينَ فِي الْبَدَوِيِّ شَيْخِ الْعَرَبِ وَالدُّسُوقِيِّ وَغَيْرِهِمَا لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.\nوَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ يُؤَوِّلُونَ لِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَتَكَلَّفُونَ الِاعْتِذَارَ لَهُمْ لَزَحْزَحَتِهُمْ عَنْ شِرْكٍ جَلِيٍّ وَاضِحٍ إِلَى شِرْكٍ أَقَلَّ مِنْهُ جَلَاءً وَوُضُوحًا، وَلَكِنَّهُ شِرْكٌ ظَاهِرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ الَّذِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ، الَّذِي لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-100> الفقيه المحدث محمد بشير بن محمد بدر الدين السهسواني </span>الهندي (المتوفى: ١٣٢٦): \"قوله [أي: دحلان]: لأنا معشر أهل السنة لا نعتقد تأثيرًا ولا خلقًا ولا إيجادًا ولا إعدامًا ولا نفعًا ولا ضرًا إلا لله وحده لا شريك له، ولا نعتقد تأثيرًا ولا نفعًا ولا ضرًا للنبي ﷺ ولا لغيره من الأموات، فلا فرق في التوسل بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين، لا فرق بين كونهم أحياء وأمواتًا، لأنهم لا يخلقون شيئًا، وليس لهم تأثير في شيء، وإنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى، وأما الخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر فإنه لله وحده لا شريك له.\n_________\n(^١) مجلة المنار (٢/ ٦٣٢).\n(^٢) تفسير المنار (٥/ ٦٨).","vol":"1","page":74},{"text":"أقول: فيه كلام من وجوه:\n(الأول): أنه يعتقد كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ﷿، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالًا ...\nو(الثاني): أنّ مجرد عدم اعتقاد التأثير والخلق، والإيجاد والإعدام، والنفع والضر إلا لله لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بَعث اللهً الرسل إليهم أيضًا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق، بل لابد فيه من إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له ومنه لا بغيره ولا من غيره ...\nو(الثالث): أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئًا وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز التوسل بالأموات، وكيف وليس معنى التوسل بالأحياء إلا التوسل بدعائهم وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بدعاء الأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن.\nقوله: وأما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات، فإنهم بذلك الفرق يتوهم منهم أنهم يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات، ونحن نقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فهؤلاء المجوّزون التوسل بالأحياء دون الأموات أو المعتقدون تأثير غير الله هم الذين دخل الشرك في توحيدهم؛ لكونهم اعتقدوا تأثير الأحياء دون الأموات.\nأقول: هذا كلام تقشعر منه الجلود، أما يعلم هذا القائل الصنديد، والمتفوه العنيد، أنّ الفارقين بين الأحياء والأموات هم الذين يمنعون مما هو دون اعتقاد تأثير الله بمراحل ويصرحون بكونه شركًا؟! فكيف يتوهم منهم أنهم يعتقدون تأثير غير الله؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.\nعلى أن مناط الفرق بين الأحياء والأموات ليس اعتقاد التأثير للأحياء دون الأموات كما زعم هذا المتقوّل على الموحدين، إنما مناطه ثبوت التوسل بالأحياء بالأحاديث الصحيحة دون الأموات.\nقوله: فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى، لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياء أو أمواتًا.\nأقول: هذا الحصر غير مسلم، ... (^١).\nقوله: فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى، وذِكْرُ هؤلاء الأخيار سبب عادي في ذلك التأثير، وذلك مثل الكسب العادي فإنه لا تأثير له.\nأقول: كون ذكر هؤلاء الأخيار سببًا عاديًا في ذلك التأثير من أين عُلم؟ وأي دليل عليه؟ ولو سُلِّم فالسببية لا تستلزم المشروعية، ألا ترى أنّ كثيرًا من العقود الفاسدة سبب لتحصيل المنافع وليست بمشروعة.\n_________\n(^١) قال محمد رشيد رضا في تعليقه على كتاب صيانة الإنسان: \"والرد هنا قاصر، ومما كان ينبغي أن يقوله المصنف في ردّه: إن الألفاظ الثلاثة ليست بمعنى واحد، وإن الذين ليس لها في قلوبهم معنى إلا التبرك لا يشدون الرحال إلى القبور لأجل ذكر موتاها، وإنّ ذكرها في الدعاء تبركًا من التعبد الذي لا يعلم إلا بالنص من الشارع وهو غير موجود، وإنّ كونها سببًا للرحمة مضاد لكونها لا تأثير لها. وهو قد جمع بين الضدين في الجملة الآتية، ويسمي ذكرهم سببًا عاديًا للتأثير الإلهي، والمعروف عن جماعة القبوريين أنهم يعدونه من خوارق العادات لا من الأسباب العادية. وكتبه محمد رشيد رضا.","vol":"1","page":75},{"text":"قوله: وحياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم ثابتة عند أهل السنة بأدلة كثيرة.\nأقول: هب أنّ حياة الأنبياء ﵈ ثابتة، ولكنها حسب اعتراف صاحب الرسالة ليست مثل الحياة الدنيوية، فلا يتفرع عليها جواز التوسل كما يتفرع على الحياة الدنيوية.\nقوله: فإن قال قائل: إنّ شبهة هؤلاء المانعين للتوسل أنهم رأوا بعض العامة يأتون بألفاظ تُوهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياء وأمواتًا أشياء جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي: افعل لي كذا وكذا، وأنهم ربما يعتقدون الولاية في أشخاص لم يتصفوا بها، بل اتصفوا بالتخليط وعدم الاستقامة، وينسبون لهم كرامات وخوارق عادات وأحوالًا ومقامات وليسوا بأهل لها ولم يوجد فيهم شيء منها، فأراد هؤلاء المانعون للتوسل أن يمنعوا العامة من تلك التوسعات دفعًا للإيهام وسدًا للذريعة، وإن كانوا يعلمون أن العامة لا يعتقدون تأثيرًا ولا نفعًا ولا ضرًا لغير الله تعالى ولا يقصدون بالتوسل إلا التبرك، ولو أسندوا للأولياء شيئًا لا يعتقدون فيهم تأثيرًا.\nفنقول لهم: إذا كان الأمر كذلك وقصدتم سد الذريعة، فما الحامل لكم على تكفير الأمة عالمهم وجاهلهم وخاصهم وعامهم؟ وما الحامل لكم على منع التوسل مطلقًا؟ بل كان ينبغي لكم أن تمنعوا العامة من الألفاظ الموهمة لتأثير غير الله تعالى، وتأمروهم بسلوك الأدب في التوسل.\nأقول: أولًا: إن تقرير دليل المانعين نوع تحريف مقصود، وأصل تقريرهم هكذا: إنا نرى كثيرًا من العامة وبعض الخواص يأتون بألفاظ دالّة دلالة مطابقة على أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتًا أشياء لا يقدر عليها إلا الله، وينذرون لهم النذور وينحرون لهم النحائر ويقربون إليهم نفائس الأموال، ويجعلونهم وسائط يدعونهم ويسألونهم جلب المنافع، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملوك أو لكونهم أقرب إلى الملك.\nوبعد ملاحظة أصل تقريرهم وجه التكفير ظاهر، فإن اعتقاد تأثير غير الله كفر صريح، والدعاء والنذر والنحر عبادة، وعبادة غير الله شرك وكفر.\nوثانيًا: أنا معاشر أهل التوحيد لا نكفِّر الأمة كلهم عالمهم وجاهلهم وعامهم وخاصهم، هذا افتراء علينا، بل نكفّر من وُجد فيه موجبات الكفر من اعتقاد التأثير لغير الله واعتقاد أنه يضر وينفع، ودعاء غير الله والنذر له والنحر له وغيرها.\nثالثًا: أنّ مجرد عدم اعتقاد التأثير لغير الله لا يكفي للبراءة من الشرك كما تقدم، بل لابد فيها من إخلاص العبادة لله تعالى، بأن يكون الدعاء والاستغاثة والنذر والنحر وسائر أقسام العبادة كلها لله تعالى ...","vol":"1","page":76},{"text":"قوله: مع أنّ تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على المجاز من غير احتياج إلى التكفير للمسلمين، وذلك المجاز مجاز عقلي شائع ومعروف اهـ.\nأقول: فيه نظر من وجوه: (الأول) أن لفظ \"الموهمة\" في هذا المقام وفيما تقدم لا يخلو عن تدليس وتلبيس، فإنّ تلك الألفاظ دالّة دلالة مطابقة على تأثير غير الله تعالى، فما معنى الإيهام؟\n(والثاني) أنه لو سُلِّم هذا الحمل لاستحال الارتداد، ولَغَاب باب الردة الذي يعقده الفقهاء، فإن المسلم الموحّد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز.\n(والثالث) أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أنّ المراد بالعبادة ليس معناها الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي، أي التكريم مثلًا، فما هو جوابكم هو جوابنا.\n(الرابع) أنكم هؤلاء أوّلتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله تعالى، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله واستغاثة والنذر والنحر؟ فإنّ الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركًا سواء اعتقد ذلك الغير مؤثرًا أم لا\" (^١).\n\n• وقال أيضًا: \"قوله: فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، وأما النبي ﷺ فهو واسطة بينه وبين المستغيث، فهو ﷾ مستغاث به حقيقة، والغوث منه بالخلق والإيجاد، والنبي ﷺ مستغاث به مجازًا، والغوث منه بالكسب والتسبب العادي.\nأقول: وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله الرسل إليهم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد، وأما الأصنام فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم ويعبدونهم.\n_________\n(^١) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص: ٢١٠ - ٢١٥) المطبعة السلفية - ومكتبتها.","vol":"1","page":77},{"text":"وهذا هو دأب عبدة الصالحين، والقبور في هذا الزمان، يدعونهم ويستغيثون بهم، وينحرون لهم وينذرون لهم، والدعاء والاستغاثة والنحر والنذر كلها من أقسام العبادة على معناها المجازي، فكذلك فليحمل لفظ العبادة الواقع في كلام المشركين الأولين الذي حكاه الله تعالى عنهم حيث قال ﷾: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فما وجه الفرق (^١)؟\nقوله: وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث باعتبار الكسب أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعًا، فإذا قلت: أغثني يا الله، تريد الإسناد الحقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإذا قلت: أغثني يا رسول الله، تريد الإسناد المجازي باعتبار التسبب والكسب والتوسط بالشفاعة.\nأقول: هكذا كان مشركو الجاهلية حذو النعل بالنعل، كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. على أن القول بأن إسناد الغوث إلى الله تعالى إسناد حقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإلى الأنبياء والصالحين إسناد مجازي باعتبار التسبب والكسب، بديهي البطلان، بيانه من وجوه:\n(الأول) أنه لو كان مناط الإسناد الحقيقي اعتبار الخلق والإيجاد كما توهم صاحب الرسالة لزم أن يكون إسناد أفعال العباد كلها إلى الله تعالى حقيقيًا، فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الخالق لأفعال العباد هو الله تعالى، وهذا يقتضي أن يتصف الله تعالى بالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وصلة الرحم، وغير ذلك من الأعمال الحسنة، وكذلك يتصف حقيقة بالأعمال السيئة من الكفر والشرك والفسق والفجور والزنا والكذب والسرقة والعقوق وقتل النفس وأكل الربا وغيرها، فإنه تعالى هو الخالق لجميع الأفعال حسنها وسيئها، والتزام هذا فعل من لا عقل له ولا دين له، فإنه يستلزم اتصاف الله تعالى بالنقائص وصفات الحدوث واجتماع الأوصاف المتضادة بل المتناقضة.\n_________\n(^١) قال الشيخ محمد رشيد رضا في تعليقه على كتاب صيانة الإنسان: \"الفرق بين عبدة القبور المتأخرين وأولئك المشركين الأولين، أنّ الأولين هم أصحاب اللغة بالسليقة.\nومنها: أنّ كل ما يتوجه به إلى الخالق سبحانه ويطلب منه بالذات أو بالوساطة عنده فهو عبادة، وكل ما يتوجه به مخلوق بطلب ما ليس من الأسباب العادية المشتركة بين الناس، فهو يدخل في مسمى العبادة، وكذا كل خوف ورجاء في شيء من الأشياء لا يدخل في الأسباب المعروفة للناس، فالذين عبدوا الثعبان ما كانت عبادتهم له إلا اعتقادهم أنه يقدر على قتل الإنسان أو الجمل بدون سبب من أسباب القتل المعروفة لهم.\nوجملة القول إنّ العبادة الفطرية عندهم وعند جميع الأمم تشمل كل اعتقاد وشعور وعمل ودعاء يتعلق بمن له سلطة غيبية غير عادية.\nوقد يكون لعدة أشياء بعضها فوق بعض: منها ما له السلطة والتأثير بالذات، ومنها ما يكون بالوساطة.\nوأما المتأخرون فلما لقنوا أنّ العبادة لا تكون إلا لله سمّوا عبادة التوسط عند الله توسلًا، وسمّوا من توجّه إليه وسيلة وشفيعًا ووليًا كما كان يسميه المشركون الأولون، وإنما خالفوهم في تسميته إلهًا وتسمية وساطته عبادة، وهي تسمية لغوية صحيحة في اللغة، فالخلاف بينهما لغوي محض. وكتبه محمد رشيد رضا.","vol":"1","page":78},{"text":"و(الثاني) أنه لو كان مناط الإسناد المجازي اعتبار التسبب والكسب كما زعم هذا الزاعم لزم أن لا يكون إنسان حقيقة مؤمنًا ولا كفارًا ولا برًا ولا فاجرًا، ولا مصليًا ولا مزكيًا ولا صائمًا ولا حاجًا ولا مجاهدًا ولا زانيًا ولا سارقًا، ولا قاتلًا، ولا كاذبًا، فيبطل الجزاء والحساب، وتلغى الشرائع والجنة والنار، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين\nو(الثالث) أن دعوى كون الأنبياء والصالحين سببًا للغوث وكاسبًا له محتاج إلى إقامة الدليل ودونه لا تسمع، وبالجملة فهذه شبهة داحضة ووسوسة زاهقة، تنادي بأعلى نداء على صاحبها بالجهل والسفه.\nقوله: ومنه ما في صحيح البخاري في مبحث الحشر ووقوف الناس للحساب يوم القيامة: «بينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ» فتأمل تعبيره ﷺ بقوله: «استغاثوا بآدم» فإن الاستغاثة به مجازية، والمستغاث به حقيقة هو الله تعالى.\nأقول: هذا ليس مما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالمخلوق على نوعين:\n(أحدهما) أن يُستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر أو يحول بينه وبين عدوه الكافر، أو يدفع عنه سبعًا صائلًا أو لصًا أو نحو ذلك، ومن ذلك طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض، وهذا لا خلاف في جوازه.\nوالاستغاثة الواردة في حديث المحشر من هذا القبيل، فإن الأنبياء الذين يستغيث العباد بهم يوم القيامة يكونون أحياء، وهذه الاستغاثة إنما تكون بأن يأتي أهل المحشر هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه، ويدعوا لهم بفصل الحساب والإراحة من ذلك الموقف، ولا ريب أن الأنبياء قادرون على الدعاء، فهذه الاستغاثة تكون بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه.\nو(الثاني) أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يقول فيه أهل التحقيق إنه غير جائز.","vol":"1","page":79},{"text":"فإن قلت: هؤلاء المستغيثون بالأموات أو الغائبين أيضًا يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله تعالى ويدعوا لهم بقضاء حاجاتهم وهم قادرون على ذلك فتكون استغاثتهم هذه من قبيل النوع الأول.\nقلتُ: في هذا التقرير خلل من وجوه:\n(الأول) أن فيه ذهولًا عن قيد الحي، والمراد بالحياة الدنيوية لا البرزخية.\nو(الثاني) أن ظاهر ألفاظهم مثل: يا رسول الله اشف مريضي واكشف عني، وهب لي ولدًا ورزقًا واسعًا ونحو ذلك، دال على أنهم لا يطلبون منهم الشفاعة، بل يطلبون شفاء المريض وكشف الكربة وإعطاء الولد والرزق، وظاهر أنهم غير قادرين على تلك الأمور.\nو(الثالث) أن هؤلاء المستغيثين بالأموات والغائبين يدعونهم ويستغيثون من أماكن مختلفة ومواضع بعيدة معتقدين أن الأموات والغائبين يعلمون استغاثتهم ويسمعون دعاءهم من كل مكان وفي كل زمان، ولا ريب أن هذا إثبات لعلم الغيب لهم الذي هو من الصفات المختصة بالله تعالى فيكون شركًا\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"وتحقيق القول في ذلك الباب أنا لا ننكر المجاز العقلي، ولكن لابد هناك من التفصيل، وهو أنه إذا وُجد في كلام المؤمنين إسناد شيء مما يقدر عليه العبد لغير الله تعالى يجب حمله على الحقيقة، ولا يصح حمله على المجاز العقلي كما في الأمثلة المذكورة.\nوإذا وُجد في كلام المؤمنين إسناد شيء مما لا يقدر عليه إلا الله مثل فلان شفاني وفلان رزقني وفلان وهب لي ولدًا يجب حمله على المجاز العقلي، ولكن لا مطلقًا، بل متى لم يصدر من ذلك المتكلم شيء من الألفاظ والأعمال الكفرية مما هو كفر بواح، وشرك قراح، وأما إذا صدر منه شيء من تلك الألفاظ والأعمال فلا يحمل كلامه على المجاز العقلي، إذ المؤمن بهذا اللفظ والعمل قد انسلخ من الإيمان فلم يبق مؤمنًا، فلا وجه لهذا الحمل، ولا ريب في أنّ عبدة الأنبياء والصالحين يصدر منهم من الألفاظ والأعمال ما هو كفر صريح كالسجدة والطواف والنذر والنحر ونحو ذلك.\n_________\n(^١) صيانة الإنسان (ص: ٢٢٠ - ٢٢٣).","vol":"1","page":80},{"text":"على أنا نقول: إذا قال أحد من عبدة الأنبياء والصالحين: يا فلان اشف مريضي فما مراده؟\nإن كان المراد الإسناد الحقيقي فلا ارتياب في كونه كفرًا وشركًا.\nوإن كان المراد الإسناد المجازي بمعنى يا فلان كن سببًا لشفاء مريضي (^١) أي ادع الله تعالى أن يشفي مريضي، فإن كان ذلك المدعو حيًا حاضرًا فليس هذا من الشرك في شيء، ولكنه لما كان موهمًا للإسناد الحقيقي الذي هو شرك صريح كان حقيقًا بالترك، فإن الله تعالى قد نهانا عن استعمال اللفظ الموهم كما تقدم.\nوإن كان ذلك المدعو حيًا غير حاضر، أو ميتًا وينادى من مكان بعيد من القبر، فهذا أيضًا شرك، فإن فيه إثبات علم الغيب لغير الله تعالى وهو من الصفات المختصة به تعالى.\nوإن كان ذلك المدعو ميتًا وينادى عند قبره، فهذا ليس بشرك ولكنه بدعة، فعلى كل حال ينبغي للمؤمن أن يجتنب دعاء غير الله، وذلك هو القول الذي لا إفراط فيه ولا تفريط\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-102> الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي </span>(المتوفى:١٣٢٩): \"ومن أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ بقولهم: يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئًا لله، والصلوات المنكوسة إلى بغداد، وغير ذلك مما لا يعد.\nهؤلاء عبدة غير الله ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ ﵀ لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلِم يستغيثون به ولم يطلبون الحوائج منه؟! أليس الله بكاف عبده؟! اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك أو نعظم أحدًا من خلقك كعظمتك.\nقال في \"البزازية\" وغيرها من كتب الفتاوى: \"من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر\".\nوقال الشيخ فخر الدين أبو سعد عثمان الجياني بن سليمان الحنفي في رسالته: \"ومن ظن أنّ الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقد بذلك كفر. كذا في البحر الرائق\".\nوقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في \"التوشيح\": \"منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب باعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾.\n_________\n(^١) قال الشيخ محمد رشيد رضا في تعليقه على كتاب صيانة الإنسان: \"إن مثل هذا الطلب لا يحتمل المجاز العقلي لا في اللغة ولا في عرف الناس، وطالب الدعاء يصرّح به. وكتبه محمد رشيد رضا.\n(^٢) صيانة الإنسان (ص:٢٣٨).","vol":"1","page":81},{"text":"وفي البحر: لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح، ويكفر لاعتقاده أن النبي ﷺ يعلم الغيب، وهكذا في فتاوى قاضي خان والعيني والدر المختار والعالمكيرية وغيرها من كتب العلماء الحنفية.\nوأما في الآيات الكريمة والسنة المطهرة في إبطال أساس الشرك، والتوبيخ لفاعله فأكثر من أن تحصى، ولشيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي في رد تلك البدعة المنكرة رسالة شافية\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-103> العلامة جمال الدين القاسمي:</span> \"اتخذ العامةُ وكثير من المتعالمين وصفَ الوجاهة للأنبياء ذريعة المطلب والرغبة منهم، مما لا ينطبق على عقل ولا نقل، ولا يصدق على المعنى اللغويّ بوجه ما\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-104> الشيخ الأديب الشاعر إلطاف حسين الحالي </span>(المتوفى:١٣٣٣): \"هل يُعقل أنّ من عبد الصنم يكون كافرا، وأن من اتخذ لله ولدا يكون كافرا، وأن من سجد للنار يكون كافرا، وأن من رأى التصرف في الكواكب يكون كافرا!\nولكن القبورية الذين ينتمون إلى الإسلام قد فتحت لهم الطرق كلها، وهم أحرار في أن يعبدوا من شاؤوا من دون الله، وهم مع ذلك لا يكفرون؟! وفي أن يرفعوا النبي ﷺ إلى منزلة الله تعالى، وهم مع ذلك لا يكفرون؟! وفي أن يرفعوا الأئمة فوق منزلة النبي ﷺ في التحليل والتحريم، ومع ذلك لا يكفرون؟! وفي أن ينذروا للقبور نذورا، وهم مع ذلك لا يكفرون؟! وفي أن يستغيثوا بالشهداء، ويطلبوا منهم الحاجات، وهم مع ذلك لا يكفرون؟!\nسبحان الله! لا يكفرون؟، ولا يقع الخلل في توحيدهم؟ ولا يختل إسلامهم؟، ولا يذهب إيمانهم؟! \" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-105> العلامة محمد طيب المكي </span>(المتوفى: ١٣٣٤): \"فقد نفى الله معاونة غيره له، حيث قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ لا هبة كما تزعمه كفار قريش حيث يقولون: لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، ولا كما تزعمه المعتزلة من أنّ العبد أُعطي قدرة يخلق بها أفعاله، ولا كما تزعمه غلاة المنهمكين في الأولياء من أن لهم التصرف، وأن الله أعطاهم تصرفًا في العالم وأنهم يولون ويعزون ويذلون ...، ولا أصالة ولا قائل به.\n﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ بخلق شيء من أجزاء العالم، وفيه رد أيضًا على المعتزلة؛ إذ العبد لو خلق فعله لكان له في العالم شرك في الجملة.\n﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ ردٌّ على الفلاسفة القائلين بتوسط العقول وعلى كل من يرى مثل ذلك الرأي.\n_________\n(^١) التعليق المغني على سنن الدارقطني (ص ٥٢٠ - ٥٢١).\n(^٢) محاسن التأويل (٨/ ١١٨ - ١١٩) دار الكتب العلمية - بيروت.\n(^٣) ديوان المسدس (ص:٦٤).","vol":"1","page":82},{"text":"﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ردٌّ على الذين يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا عنده زلفى، وعلى القائلين إن الصالحين الذين نذهب إلى قبورهم ونستجير بهم ونستغيث- وإن لم يكونوا مُلاكًا ولا ظُهراء ولا شركاء- فهم أصحاب رتب ومقامات عند الله فهم شفعاء، فقال: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، فكيف لنا معرفة من أذن له؟ فإن نهاية ما ثبت من ذلك شفاعة النبي ﷺ، والأنبياء والملائكة والصالحين يوم القيامة بعد الإذن، وبعد أقوال الأنبياء: نفسي نفسي ما عدا النبي ﷺ، ولم يثبت أنهم يشفعون في كلٍ مهم، بل الخلاف واقع في سماعهم النداء وعدمه، وأيضًا من أخبرنا بأنهم أحباب الله؟\nعلى أنّ الاستشفاع ليس ممن تشافهه ويجيبك بأني أشفع لك، ومع ذلك لو قال: أشفع، لا ندري هل تقبل شفاعته أم لا؟ والدعاء مقبول قطعًا إما في الدنيا أو تعوض عنه في الآخرة.\nعلى أنه من القواعد الشرعية أنّ من أطاع شيئًا أو عظّمه بغير أمر الله ذمَّه الله وغضب عليه كما سنقرره.\nوأيضًا من التوحيد الذي يحتاج فيه إلى الرسل تخصيصه بالعبادة والدعاء قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، ﴿أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾، ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، وعن ابن عباس ﵁ قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: «ياغلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه الحافظ ابن كثير بأطول من ذلك.\nفمن دعا غير الله مستعينًا به أو طالبًا منه كمن قال: يا شيخ فلان أغثني، على سبيل الاستمداد منه فقد دعا غير الله، وهذا الدعاء منع عنه الشارع؛ إذ لا يُستعان إلا بالله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nواعلم أن مَن أطاع مَن لم يأمر الله بطاعته أو من أمر بطاعته من وجه دون وجه فأطاعه مطلقًا، فإن الله سمَّى ذلك المطيع عابدًا لذلك المطاع ومتخذه ربًّا، قال الله تعالى: ﴿أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾.\nفإذن ليس لأحد أن يَعبد غير الله، ولا أن يدعوه، وليس العبادة إلا نهاية الخضوع، والدعاء مخ العبادة.","vol":"1","page":83},{"text":"وأما من قال: أتوسل، أو: بحق، فالعلماء منهم من يحرم ذلك مطلقًا، ومنهم من يجعله مكروهًا كما نص عليه في الهداية، ومنهم من يجيز التوسل بالأحياء دون الأموات كما فعله عمر ﵁، ومنهم من يخصه بالنبي صلي الله عليه وسلم، ومنهم من يجيزه، وعلى كلٍ فهو لم يطلبه الشارع منا، وقد وقع فيه شبهة فتركه أولى من هذه الحيثية وسدًّا للذرائع؛ لأنّ الجهلة لا يفرقون بين التوسل والاستشفاع، والطلب من المتوسَّل به، مع أن الاستشفاع لا يكون إلا في يوم مخصوص، والطلب من غير الله لا يجوز.\nولو تأملت الأدلة الواردة بالتجويز مع ضعفها فإنها لا تفيد إلا جوازه بالنبي ﷺ، فهو الوسيلة المقطوع بقربه من الله تعالى، وأما غيره فما يدرينا به، ومن العجب أن يترك التوسل بالنبي\nﷺ ويتوسل بغيره. جعلنا الله وإياكم من المتبعين لا من المبتدعين\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-106> الشيخ محمود شكري الآلوسي حفيد المفسر </span>(المتوفى:١٣٤٢): \"والرسول ﷺ أبطل دين المشركين، ومداره على الاستغاثة والالتجاء إلى غيره، وهي كانت عبادة الوثنيين، وكالذبح والنذر، غير أنهم كانوا عند النوائب يستغيثون بالله سبحانه، بخلاف عباد القبور في عصرنا\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وإن أراد ما يعتقده عُبّاد القبور في معبوداتهم من الصالحين وغيرهم، وأنّ لهم قدرة على إجابة المضطر، وإغاثة الملهوف، وقضاء حوائج السائلين؛ فهذا شرك في الربوبية لم يبلغه شرك المشركين من أهل الجاهلية، بل هو قول غلاة المشركين الذين يرون لآلهتهم تصرفًا وتدبيرًا.\nوإن أراد أنهم يُدْعَوْنَ ويُسْأَلُونَ ويُستغاث بهم والله يُعطي لأجلهم، فهذا هو قول الجاهلية من الأميين والكتابيين. وتقدمت الآيات الدالة على ذلك، وتقدم ما حكاه الشيخ من قول النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله. فهم طلبوا منها الشفاعة والجاه ليس إلا، وهذا من كفرهم وشركهم مع ما هم عليه من القول في عيسى وأمه- قاتلهم الله-، فإن كان هذا الزائغ أراد هذا الثاني فهو شرك غليظ، وقد تقدم له التصريح بذلك وعبارته هنا توهم الأول، وهو الغالب على عباد القبور في هذه الأزمان، نسأل الله العفو والعافية.\n_________\n(^١) فصل المقال وإرشاد الضال في توسل الجهال لخوقير (ص: ١٤٧ - ١٥٠).\n(^٢) غاية الأماني في الرد على النبهاني (٢/ ٣٧٤) مكتبة الرشد -الرياض.","vol":"1","page":84},{"text":"وأما كون الأولياء والصالحين في حال مماتهم كحال حياتهم يدعون لمن قصدهم ويتسببون في إنقاذه فهذا جهل عظيم، وقول على الله بلا علم، لم يرد به كتاب ولا سنة، ولا قاله ولا فعله أحد يعتد به ويقتدى به من أهل العلم والإيمان، وقد مضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يعهد عن أحد منهم أنه قال ذلك أو فعله، وعندهم أشرف القبور على الإطلاق ولم يعرف عن أحد منهم أنه سأل الرسول ﷺ أو دعاه ولا غيره من الصالحين، وخبر العتبي سيأتي الكلام عليه، وأنّ فاعل ذلك أعرابي ليس مما يُقتدى به ويُحْتَجُّ بقوله، وإن كان بعض المتأخرين احتج بحكاية الأعرابي فهو احتجاج مدخول، وقد نازعهم من هو أقدم منهم وأجل من الأكابر والفحول\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"ومن ذهب إلى مشاهد أهل البيت وغيرهم من الأولياء في بغداد في موسم الزيارات تحقق ما ذكرناه، واستقل بالنظر إلى فعل هؤلاء ما كان يفعله المشركون عند آلهتهم كاللات والعزى، وقد رأيت والله بعيني رأسي من سجد للأعتاب معرضا عن رب الأرباب، ولا أقول: إن العوام فقط على هذا المنوال، فكم قد رأينا وسمعنا عمن يدعي العلم قد فعل هذه الفعال\" (^٢).\n\nوقال أيضًا بعد الاستدلال بقوله تعالى ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾: \"انظر هذا الاستفهام وحسن موقعه بعدما تقدم من الاستفهامات التي هي حجج وآيات على ما بعدها تعرف به فحش ما جاء به عباد القبور من دعاء آلهتهم والاستغاثة بهم في الملمات والشدائد المذهلات، وأن أهل الجاهلية كانوا يخلصون في الشدائد ويعترفون بأنه المختص بإجابة المضطر وكشف السوء، وهؤلاء يشتد شركهم عند الضر ونزول الشدائد\" (^٣).\n\nوقال أيضا: \"وأما قوله [أي: النبهاني] في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ فإن قال قائل: هذا في الحي وله قدرة. قلنا: لا يجوز نسبة الأفعال إلى أحد حي أو ميت على أنّه الفاعل استقلالًا من دون الله.\nفهذا الكلام أورده بناء على أن النزاع في دعوى الاستقلال، وبزعمه أنه إذا لم يعتقد الاستقلال فالأسباب العادية كغيرها، ودعاء الأموات والغائبين يجوز عنده إذا لم يعتقد الاستقلال، هذه دعواه كرّرها مرارًا واحتج بها.\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٢) فتح المنان (ص:٤٩٣).\n(^٣) غاية الأماني (٢/ ٣٦٥).","vol":"1","page":85},{"text":"والدعوى تحتاج لدليل لا تصلح هي دليلًا، لاسيما هذه الدعوى الضالة الكاذبة الخاطئة، والله سبحانه حكى استغاثة المخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه من نصره على عدوه، وهذا جائز لا نزاع فيه، واعتقاد الاستقلال من دون الله وأن العبد يخلق أفعال نفسه هذه مسألة أخرى لم يقل بها إلا قدرية النفاة، والناس مختلفون في تكفيرهم بهذا القول.\nوبالجملة؛ فالنزاع في غير هذه المسألة، وإنما هو في دعاء الأموات والغائبين، وإن لم يستقل بذلك المطلوب من دون الله. ومن بلغت به الجهالة والعماية إلى هذه الغاية، فقد استحكم على قلبه الضلال والعناد، ولم يعرف ما دعت إليه الرسل سائر الأمم والعباد، ومن له أدنى نهمة في العلم والتفات إلى ما جاءت به الرسل يعرف أنّ المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم التي عبدوها مع الله تعالى إلا التسبب والتوسل والتشفع ليس إلا، ولم يدَّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"ولا يخفى أن جُلّ شرك المشركين في حق من عبدوه مع الله تعالى إنما هو بدعائه وسؤاله قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \" ... فمن المستحيل شرعًا وفطرة وعقلًا أن تأتي هذه الشريعةُ المطهرةُ الكاملةُ، وغيرُها بإباحة دعاء الموتى والغائبين والاستغاثة بهم من الملمات والمهمات كقول النصراني: \"يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله\"، أو \"يا عيسى أعطني كذا\"، أو\" افعل بي كذا\".\nوكذلك قول القائل: \"يا علي، أو يا حسين، أو يا باس، أو يا عبد القادر، أو يا عيدروس، أو يا بدوي، أو يا فلان، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تتضمن العدل بالله، والتسوية به تعالى وتقدس، فهذا لا تأتي شريعة ولا رسالة بإباحته قط، بل هو من شعب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار ومقت العزيز الغفار، وقد نص على ذلك مشايخ الإسلام حتى ذكره ابن حجر في الإعلام مقررا له\" (^٣).\nوقال أيضا: \"ومن ذلك عند الناس شيء كثير، من أحجار وآبار، وصخور وأشجار، يزعمون منها شفاء الأمراض وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات.\nولو بسطت الكلام في ذلك- مما يستعمله الرجال والنساء، أو يختص بالنساء، من أشياء يعلقنها عليهن، ويبين خواصها وتأثيراتها في أزواجهن، ويسمينها بأسماء لو رجعت الجاهلية الأولى لعجزت عن أقل القليل من هذه الجهالات وسوء الاعتقادات- لاحتمل مجلدات، والويل كل الويل لمن أنكر ذلك، أو تكلم بأدنى شيء ينجي من تلكم المهالك\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٣٧٠).\n(^٢) فتح المنان (ص:٣٧٩).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٤٤٥ - ٤٤٩).\n(^٤) غاية الأماني (١/ ٤٨٠).","vol":"1","page":86},{"text":"• وجاء في<span data-type=\"title\" id=toc-107> البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد:</span> \"ونعتقد أنّ عبادة غير الله شرك أكبر، وأنّ دعاء غير الله من الأموات والغائبين، وحبّه كحب الله، وخوفه ورجائه، ونحو ذلك شرك أكبر، وسواء دعاه دعاء عبادة أو دعاء استعانة في شدة أو رخاء، فإنّ الدعاء هو العبادة، وسواء دعاه لجلب النفع، أو دفع الضر، أو دعاه لطلب الشفاعة، أو ليقربه إلى الله، أو دعاه تقليدًا لآبائه أو أسلافه أو لغيرهم، والأدلة على ذلك في كتاب الله كثيرة جدا، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ الآية.\nوإنّ اعتقاد أنّ لشيء من الأشياء سلطانًا على ما خرج عن قدرة المخلوقين شرك أكبر، وأنّ مَن عظَّم غير الله مستعينًا به فيما لا يقدر عليه إلا الله كالاستنصار في الحرب بغير قوة الجيوش، والاستشفاء من الأمراض بغير الأدوية التي هدانا الله لها، والاستعانة على السعادة الأخروية أو الدنيوية بغير الطرق والسنن التي شرعها الله لنا يكون مشركا شركا أكبر\" (^١).\nوجاء فيه أيضًا: \"ونعتقد أنّ الشفاعة ملك لله وحده ولا تكون إلا لمن أذن الله له ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، ولا يرضى الله إلا عمن اتبع رسله، فنطلبها من الله مالكها، فنقول: اللهم شفّع فينا نبيك مثلًا، ولا نقول: يا رسول الله اشفع لنا، فذلك لم يرد به كتاب ولا سنّة ولا عمل سلف، ولا صدر ممن يوثق به من المسلمين، فنبرأ إلى الله أن نتخذ واسطة تقربنا إلى الله أو تشفع لنا عنده، فنكون ممن قال الله فيهم وقد أقروا بربوبيته وأشركوا بعبادته ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ \" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-108> الأديب مصطفى المنفلوطي </span>(المتوفى: ١٣٤٣): \"أي عين يجمل بها أن تستبقي من شؤونها قطرة لا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر، منظر أولئك المسلمين وهم ركّع سجّد على أعتاب قبر ميت، ربما كان بينهم من هو خير منه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته!\nأي قلب يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة فلا يخفق وجدًا أو يطير جزعًا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر المشركين إشراكًا بالله، وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات!.\nلماذا ينقم المسلمون التثليث من المسيحيين؟! ولماذا يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن؟! وعلام يحاربونهم وفيم يقاتلونهم، وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟!\n_________\n(^١») البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد (ص: ٦).\nأسماء علماء مكة المكرمة الموقعين على هذا البيان: ١ - محمد المرزوقي قاضي مكة المكرمة. ٢ - محمد سعيد. ٣ - عباس المالكي. ٤ - عبد الله بن إبراهيم حمدوه. ٥ - أبو بكر بن محمد خوقير. ٦ - محمد أمين فوده. ٧ - سعد وقاص. ٨ - حسين عبد الغني. ٩ - محمد جمال المالكي. ١٠ - حسين مكي الكتبي. ١١ - محمد نور محمد فطاني. ١٢ - محمد عبد الهادي كتبي. ١٣ - عيسى دهان. ١٤ - عبد القادر أبو الخير مرداد. ١٥ - محمد عرابي سجيني. ١٦ - درويش عجيمي.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٧).","vol":"1","page":87},{"text":"يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة، ولكنهم كأنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبُعده عن العقل، فيجملون فيه يقولون: إنّ الثلاثة في حكم الواحد، أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة أكثرها جذوع أشجار وجثث أموات وقطع أحجار من حيث لا يشعرون\nكثيرًا ما يُضمر الإنسان في نفسه أمرًا وهو لا يشعر به، وكثيرا ما تشتمل نفسه على عقيدة وهو لا يحس باشتمال نفسه عليها، ولا أرى مثلا لذلك أقرب من المسلمين الذين يلجؤون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور، ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود، فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب قالوا: إنا لا نعبدهم وإنما نتوسل بهم إلى الله، كأنهم لا يشعرون أنّ العبادة ما هم فيه، وأنّ أكبر مظهر من مظاهر الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين إليه يلتمسون إمداده ومعونته، فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون\" (^١).\nوقال أيضًا: \"والله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهنائها إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإنّ طلوع الشمس من مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله، ويقولون للأول كما يقول للثاني ﷻ: \"أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات\".\nإنّ الله أغير على نفسه من أن يُسعد أقوامًا يزدرونه ويحتقرونه ويتخذونه وراءهم ظهريًا، فإذا نزلت بهم جائحة أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه ...\nيا قادة الأمة ورؤساءها، عذرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: إنًّ العامي أقصر نظرا وأضعف إدراكا من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب والتماثيل والأضرحة والقبور، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرؤون صفاته ونعوته، وتفهمون معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ وقوله مخاطبا نبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾، وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾؟!\nإنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم: \"كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف\" فهل تعلمون أنّ السلف الصالح كانوا يجصِّصون قبرا أو يتوسلون بضريح؟!\nوهل تعلمون أنّ أحدًا منهم وقف عند قبر النبي ﷺ أو قبر أحد من الصحابة وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج كربة؟!\nوهل تعلمون أنّ الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين؟!\n_________\n(^١) النظرات (٢/ ١٧ - ١٨) دار الآفاق الجديدة.","vol":"1","page":88},{"text":"وهل تعلمون أنّ النبي ﷺ حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثًا ولعبًا أم مخافة أن تُعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟!\nوأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد؟!\nوالله ما جهلتم شيئًا من هذا ولكنكم آثرتم الدنيا على الآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب\" (^١).\n\n• وسئل<span data-type=\"title\" id=toc-109> العلامة عبد القادر بن أحمد بن بدران الدمشقي </span>(المتوفى: ١٣٤٦) عمن يقف عند قبر صالح ويقول: يا سيدي فلان أغثني. فرّج كربي. اشف ولدي. مدد يا سيدي.\nأهذا دعاء شرعه الله وعمِل به أصحاب رسول الله، أم هو شيء لم يشرعه؟ وإذا لم يكن مشروعًا أهو كفر أم محرّم أم مباح؟\nفأجاب بما نصّه: \"إن كان ذلك القائل يعتقد أنّ سيده فلان هو الذي يغيثه ويفرّج كربه ويشفي ولده ويمدّه بالمدد من عنده فقد كفر باتفاق المؤمنين العارفين بشرع سيد المرسلين إلا عند من هو على شاكلة ذلك القائل ممن يجعل ما سوّله الشيطان دينًا فاتخذ له أربابًا يعبدهم من دون الله مقلدا قول القائل: \"اعل هبل\".\nفليس غياث المستغيثين ومفرّج الكروب والشافي من الأسقام والأمراض وممدّ العوالم كلها إلا الله وحده لا شريك له في أفعاله وفي ذاته وفي صفاته، فمن وصف مخلوقًا ونسب إليه شيئا من أفعال الربوبية وصفاتها فقد جعل لله شريكًا، وكان سبيله سبيل المشركين الذين كانوا يقولون في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.\nوإن كان قصده مجرد الدعاء فذلك غير جائز، وتلك الفرقة أصعب شيء إرجاعها إلى الحق، وإذا خاطبت أحدًا منهم تأول وتمحل وأرغى وأزبد ورمى الناصح بكل نقيصة زورًا وبهتانًا ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ \" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٩ - ٢١).\n(^٢) المواهب الربانية في الأجوبة عن الأسئلة القازانية (ص: ٢٤٠ - ٢٤١) ط/المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":89},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-110> القاضي العلامة عقيل بن يحيى الإرياني </span>(المتوفى: ١٣٤٦):\nولله فاخلص بالعبادة وحده ... فليس سواه للأنام يدبِّرُ\nسميعٌ عليم شاهد غير غائب ... لطيف خبير رازق متكبر\nسماعًا عباد الله مني نصيحة ... هي الحق فاصغوا وانصتوا وتدبروا\nنصحتكم أبغي الفلاح لكم غدًا ... وحقُّ الذي يولي النصيحة يُشكر\nألا نزهوا أوطانكم ونفوسكم ... عن الشرك والأوثان كي تتطهروا\nفهذي قبور الأوليا بينكم لها ... يُحج ويُستسقى لديها ويُنحر\nوها هي كالأصنام بين ظهوركم ... إليها لدى وقع الشدائد يُجأر\nجعلتم برب العالمين مشاركًا ... فيا ويح مَن مِن بعدِ الايمان يكفر\nأتدعون ميْتًا زاعمين بأنه ... .يجيب الذي يدعو ويُغني ويفقر\nومن بعد قلتم إنهم شفعاؤكم ... إلى الله فهو الخالق المتجبر\nوأُقسم بالرحمن جلّ بأنه ... نظير مقال الجاهلية فاحذروا\nكما قلتمُ قالوا، فسيقت إليهم ... خيول متينات الأعنّة ضمّر\nدعاؤكم مخُّ العبادة فاعلموا ... كما قال طه الصفوة المتخير\nوكم منكم يدعو \"ابن علوان\" قائلًا ... دعوتك مضطرًا فجاهك أكبر\nأيا حابس الحنشان والفيل، بل ويا ... مقيِّد كل الجان، أنت المسخِّر\nدعوتك أرجو أن تلبّي دعوتي ... وأيقنت أنّ النجح لا يتعسر\nفأنت الذي في كل وقت تجيبنا ... إذا ما إجابات الإله تؤخّر\nفهذا هو الشرك الصريح الذي له ... تكاد السماوات العلى تتفطر (^١).\n_________\n(^١) السيف الباتر لأعناق عبّاد المقابر (ص: ٢٧٥ - ٢٧٦).","vol":"1","page":90},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-111> العلامة أبو بكر محمد عارف خوقير الكتبي المكي </span>مفتي الحنابلة بمكة في وقته (المتوفى: ١٣٤٩ هـ): \"فالطامة الكبرى هو دعاء غير الله الذي يسميه علماء السوء توسلًا واستغاثة؛ فإنّ الدعاء عبادة خاصة به تعالى، لا يجوز صرفه لغيره كالسجود والذبح وغيرهما، ولم يرد في نوع من أنواع الكفر والردة من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه، والتحذير من فعله والوعيد عليه، فكم فيه من آيات صريحة، ...\nولو لم يكن في القرآن إلا مجرد طلبه من خلقه لكان ذلك كافيًا في كونه عبادة، فكيف إذا انضم إلى ذلك النهي عن دعاء غيره تعالى، وقد توعد خلقه على الاستكبار عن الدعاء، كما جعل جزاءه الإجابة لما أمرهم فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، والاستكبار هو تركه؛ لأنّ الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة، فإن تاركه إنما تركه لأجل أن يستكبر عن العبودية، ولا يتحقق الدعاء إلا إذا كان الداعي معولًا بقلبه على تحصيل مطلوبه، فمن دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله أو جاهه أو أقاربه أو أصدقائه أو جِدّه أو اجتهاده أو وليه فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا بلسانه، أما بالقلب فهو معوّل على تحصيل ذلك المطلوب على غير الله تعالى، فهذا العبد ما دعا الله كما قال ذلك بعض المفسرين.\nفلا شك أن الدعاء من أجل الطاعات وأعظم العبادات بجميع معاني العبادة الاصطلاحية واللغوية، فإنها نهاية الخضوع والتذلل ...\nفمن صرف هذه العبادة لغير الله بأن دعا ميتًا أو غائبًا طالبًا منه ما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء حاجة أو تفريج كربة فقد أشرك \" (^١).\nوقال أيضًا: \"فعلى هذا من يعتقد فيمن يدعوه النفع، وأنه له قدرة على إجابة المضطر وإغاثة الملهوف، وقضاء حوائج السائلين، يكون قد أشركه في الربوبية، وذاك لم يبلغه شرك المشركين من أهل الجاهلية من الأميين وأهل الكتاب، بل هو قول غلاة المشركين الذين يرون لآلهتهم تصرفًا وتدبيرًا.\nفإلى الله المشتكى من أناس يُدخلون في باب التوسل دعاء غير الله مما يجري على ألسنة العامة، ويدافعون بالمكابرة، ويكذبون الوجدان والمحسوس، ويخدعون أنفسهم، ويغررون بخلق الله\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فالشرك تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية التي تفرد بها ﷾.\nوبعبارة أخرى: اعتقاد أنّ لغير الله أثرًا فوق ما وهبه الله من الأسباب الظاهرة، وأنّ لشيء من الأشياء سلطانًا عما خرج عن قدرة المخلوقين\" (^٣).\n_________\n(^١) فصل المقال وإرشاد الضال في توسل الجهال (ص: ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٤٠).\n(^٣) رسالة ما لا بد منه في أمور الدين (ص: ٣٠).","vol":"1","page":91},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-112> العلامة محمد محمود خطاب السبكي </span>(المتوفى: ١٣٥٢ هـ): \"ومن المنكر ما يقع من بعض من لا خلاق لهم من اعتقادهم في قبور الصالحين والأولياء وبعض الأشجار والأولياء وبعض الأشجار والأبواب أنها تنفع أو تضر أو تقرب إلى الله تعالى أو تقضي الحوائج بمجرد التشفع بها إلى الله تعالى، يطوفون بها طواف الحجاج بيت الله الحرام، ويخاطبون الميت بالكلمات المكفّرة كقولهم: \"أَقْصم ظهره يا سيد، وخذ عمره، وتصرف فيه يا إمام\" ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد.\nولكل جهة رجل ينادونه، فأهل مصر يدعون الشافعي والبدوي والبيومي، وأهل العراق والهند والشام يدعون عبد القادر الجيلي، وأهل مكة والطائف يدعون ابن عباس. وينذرون لهم النذور، ويذبحون لهم الذبائح، ويوقدون لهم السرج، ويضعون الدراهم في صناديقهم.\nولا ريب أن هذا من أعمال الجاهلية ومخالف لدين الله تعالى ورسوله وما كان عليه سلفنا الصالح\nرضي الله تعالى عنهم\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-113> العلامة محمد بن عثمان الشاوي </span>(المتوفى: ١٣٥٤): \"فإنا لم نكفّر بالعموم، ولا نكفّر إلا من قام الدليل القاطع على كفره، بصرفه حق الله لغيره، ودعائه، والتجاءه إلى ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن غيره\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-114> الشيخ محمد رشيد رضا </span>(المتوفى:١٣٥٤): \"ومن الناس من يسمّون أنفسهم موحّدين، وهم يفعلون مثلما يفعل جميع المشركين، ولكنهم يفسدون في اللغة كما يفسدون في الدين، فلا يسمون أعمالهم هذه عبادة، وقد يسمونها توسلا أو شفاعة، ولا يسمون من يدعونهم من دون الله أو مع الله شركاء، ولكن لا يأبون أن يسموهم أولياء وشفعاء، وإنما الحساب والجزاء على الحقائق لا على الأسماء، ولو لم يكن منهم إلا دعاء غير الله ونداؤه لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكفى ذلك عبادة له هو وشركًا بالله ﷿، فقد قال النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» ...\nومن تأمل تعبير الكتاب العزيز عن العبادة بالدعاء في أكثر الآيات الواردة في ذلك وهي كثيرة جدًا يعلم -كما يعلم من اختبر أحوال البشر في عباداتهم- أنّ الدعاء هو العبادة الحقيقية الفطرية التي يثيرها الاعتقاد الراسخ من أعماق النفس ولا سيما عند الشدة\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"وعبدةُ هذه القبور يعتقدون أنّ المدفونين فيها أحياء يقضون حاجات من يدعونهم ويستغيثونهم، وعلماء الخرافات يقولون لهم: إن عملهم هذا شرعي\" (^٤).\n_________\n(^١) الدين الخالص (٨/ ٩٩).\n(^٢) القول الأسد في الرد على الخصم الألد (لوحة:٥).\n(^٣) تفسير المنار (٥/ ٣٤٤) الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n(^٤) المصدر السابق (١١/ ٢٦٦).","vol":"1","page":92},{"text":"وقال أيضًا: \"والآيات المنكرة على المشركين دعاء غير الله وكونه عبادة لهم وشركًا من الله كثيرة.\nولكن المضلين للعوام من المسلمين يقولون لهم: لا بأس بدعائكم للأولياء والصالحين عند قبورهم، والتضرع والخشوع عندهم، فإنّ هذا توسّل بهم إلى الله ليقربوكم منه بشفاعتهم لكم عنده لا عبادة لهم.\nوهذا تحكّم في اللغة وجهلٌ بها، فأهل اللغة كانوا يسمون ذلك عبادة، والوسيلة في الدين هي غاية للعبادة، فإن معناها القرب منه تعالى، والتوسل طلب ذلك، فهو التقرب منه بما يرتضيه، وإنما يكون بما شرعه من عبادتك له دون عبادة غيرك ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.\nوالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء كانوا يقصدون بدعائهم أن يقربوهم إلى الله زلفى وأن يشفعوا لهم عنده، ويعتقدون أنهم لا يملكون نفعهم ولا كشف الضر عنهم بأنفسهم، بل ذلك هو الله الذي يجير ولا يجار عليه، وآيات القرآن صريحة في ذلك.\nنعم إنّ طلب الدعاء من المؤمنين مشروع من الأحياء دون الأموات، ويسمى في اللغة توسلا إلى الله لأنه قد شرعه، ومنه توسل عمر والصحابة بالعباس، بدلا من النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وإنما كان ذلك بصلاة الاستسقاء وما يشرع بعدها من الدعاء.\nفإذا قيل لهم هذا قالوا إنّ ما ورد من ذمّ دعاء غير الله والتقرب به إلى الله خاص بالمشركين، وما يعاب من المشركين لا يعاب من المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فأنتم تحملون الآيات في المشركين على المؤمنين.\nوهذا القول جهلٌ فاضح منهم، فإنّ الله تعالى ما ذم الشرك إلا لذاته، وما ذم المشركين إلا لأنهم تلبسوا به، وإن الذين أشركوا من أهل الكتاب ما كانوا إلا مؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولكن ما طرأ عليهم من الشرك أحبط إيمانهم، وكذلك يحبط إيمان من أشرك من المسلمين بدعاء غير الله، أو بغير ذلك من عبادة سواه، وإن لم يشرك بربوبيته، بأن كان يعتقد أنه هو الخالق المدبر لأمر العباد وحده، فهذا الإيمان عام قلّ من أشرك فيه، فتوحيد الإلهية هو إخلاص العبادة لله والتوجه فيها له وحده دون غيره من الأولياء والشفعاء المسخرين بأمره ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ \" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٨/ ٤٠٨).","vol":"1","page":93},{"text":"وقال أيضًا: \"المعروف عند عامة أهل عصرنا من معنى التوسل أن يعتمد المرء في قضاء حاجاته من جلب نفع أو كشف ضر أو نجاة في الآخرة من عذاب الله أو فوز بنعيم الجنة على أشخاص الأنبياء والصالحين وسؤالهم ذلك، أو سؤال الله تعالى بأشخاصهم أن يعطيه إياه، دون العمل بما جاء به الرسل عن الله من علم اعتقادي وعمل صالح وهو ما كان الصالحون صالحين باتباعهم فيه. وهذا التوسل مخالف لأصول الإسلام وهداية القرآن، وجار على قواعد الوثنية\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ولهذا أمر الله تعالى رسوله أن يحتج على النصارى في عبادتهم للمسيح ﵇ بقوله: ﴿قلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وهذه حجة على عبدة القبور وعلى أصحاب العمائم الذين يتأولون لهم عبادتهم بما يظنون أنه يبعدهم عن عباد الأصنام، بقولهم: إن هؤلاء الأولياء أحياء عند ربهم كالشهداء فهم يضرون وينفعون لا كالأصنام.\nولكن الله تعالى يقول للنصارى: إن المسيح لا يملك لهم ضرا ولا نفعا بعبادتهم له على ما آتاه من المعجزات.\nوإنّ هؤلاء الدجالين من الشيوخ يؤمنون بأن المسيح أفضل من البدوي والحسين والسيدة زينب وغيرهم ممن يزعمون أنهم يملكون الضر والنفع لمن يطلبه منهم، وحياته لا تزال في اعتقادهم حياة عنصرية، وحياتهم برزخية، ومعجزاته قطعية، وكراماتهم غير قطعية، كذلك أمر الله تعالى رسوله خاتم النبيين وأفضلهم أن يخبر الناس بنفي ملكه لضر الناس ونفعهم وهو حيّ\" (^٢).\nوقال أيضًا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾:\n\"فمن توجّه قلبه في عبادة من العبادات، ولا سيما مخّ العبادة وروحها وهو الدعاء إلى غير الله فهو عابد له مشرك بالله، وأكده بالنهي عن ضده معطوفا عليه فقال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أصحاب الديانات الوثنية الباطلة، الذين يجعلون بينهم وبين الله تعالى حجابا من الوسطاء والأولياء والشفعاء، يوجهون قلوبهم إليهم عند الشدة تصيبهم والحاجة التي تستعصي على كسبهم، ووجوههم وجملتهم إلى صورهم وتماثيلهم في هياكلهم، أو قبورهم في معابدهم، ويدعونهم لقضاء حوائجهم إما بأنفسهم وإما بشفاعتهم ووساطتهم عند ربهم.\nثم بين هذا بالإشارة إلى سببه عند المشركين والنهي عن مثله معطوفا عليه فقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ أي: ولا تدع غيره تعالى دعاء عبادة، -وهو ما فيه معنى القربة والجري على غير المعتاد في طلب الناس بعضهم من بعض-، لا على سبيل الاستقلال، ولا على سبيل الاشتراك بوساطة الشفعاء ﴿مَا لَا يَنفَعُكَ﴾ إنْ دعوته لا بنفسه ولا بوساطته، ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إنْ تركت دعاءه ولا إن دعوت غيره (فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) أي فإن فعلت هذا بأن دعوت غيره فإنك أيها الفاعل في هذه الحال من طغامة الظالمين لأنفسهم الظلم الأكبر، وهو الشرك الذي فسر به النبي\nﷺ قوله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؛ فإنه لما كان دعاء الله وحده هو أعظم العبادة ومخها - كما ورد في الحديث - كان دعاء غيره هو معظم الشرك ومخّه ...\n_________\n(^١) مجلة المنار (٢٧/ ٤٢١).\n(^٢) تفسير المنار (١١/ ٢٦٦).","vol":"1","page":94},{"text":"والآيات في هذا المعنى كثيرة متفرقة في السور، كُرّرت لأجل انتزاع هذا الشرك الأكبر من قلوب الجمهور الأكبر، وقد انتزع من قلوب الذين أخذوا دينهم من القرآن، وكان جلّ عبادتهم تكرار تلاوته بالغدو والآصال، والليل والنهار.\nثم عاد بقضّه وقضيضه إلى الذين هجروا تدبر القرآن وهم يدّعون الإسلام، وأكثرهم يتلقون عقائدهم من الآباء والأمهات والمعاشرين، وأكثر هؤلاء من الخرافيين الأميين الجاهلين، وأكثر القارئين منهم على قلّتهم يأخذونها من كتب مقلدة متأخري المتكلمين الجدلية والمتصوفة الخرافية، ولا يكاد مسجد من مساجدهم يخلو من قبر مشرف مشيّد، توقد عليه السرج والمصابيح، وقد لعن الرسول ﷺ فاعليها، ويتوجه إليه الرجال والنساء في كل صباح ومساء، يدعون من دون الله من يعتقدون أنهم أحياء يقيمون فيها، ويتقربون إليهم بالهدايا والنذور من الأميين، وبعرائض الاستغاثة والدعاء من المتعلمين، ليكشفوا عنهم الضر، ويهبوا لهم ما يرجون من النفع.\nومِن أمامهم وورائهم عمائم مكورة، ولحى طويلة أو مقصرة، يسمّون شركهم الأكبر توسلا، واستغاثتهم استشفاعًا، ونذورهم لغير الله صدقات مشروعة، وطوافهم بالقبور المعبودة زيارات مقبولة، ويتأولون هذه الآيات الكثيرة، بل يحرّفونها عن مواضعها، بزعمهم أنها خاصة بعبادة الأصنام، والنذور للأوثان، والتعظيم للصلبان، كأن الإشراك بالله جائز من بعض الناس ببعض المخلوقات دون بعض\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وشر أنواع الاعتداء في الدعاء التوجه فيه إلى غير الله ولو ليشفع له عنده؛ لأنّ الحنيف من يدعو الله تعالى وحده، فلا يدعو معه غيره، كما قال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدً﴾ أي لا ملكًا ولا نبيًا ولا وليًا.\nومن دعا غير الله فيما يعجز هو وأمثاله عنه من طريق الأسباب كالشفاء من المرض بغير التداوي وتسخير قلوب الأعداء والإنقاذ من النار ودخول الجنة وما أشبه ذلك من المنافع ودفع المضار فقد اتخذه إلهًا؛ لأن الإله هو المعبود، والدعاء هو العبادة كما قال الرسول ﷺ\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وهل يكابر أحدٌ في دعاء الألوف والملايين من عامتنا للموتى من الصالحين، إلا إذا كان لا يخجل من إنكار المحسوسات؟! ألا إنهم لا ينكرونه ولكنهم يؤولونه لهم: بأنهم لا يقصدون به العبادة، وإنما يقصدون التوسل! ألفاظ يلوكونها ولا يفهمونها، الرسول ﷺ يقول: «الدعاء هو العبادة» أي: هو الفرد الأعظم من أفرادها، والركن الأكمل من أركانها، كقوله: «الحج عرفة»، فتجويز دعاء غير الله كتجويز الصلاة لغير الله بدعوى عدم قصد العبادة، وتسميتها توسلًا أو ما يشاء أهل التأويل من الأسماء\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١١/ ٣٩٩ - ٤٠٠).\n(^٢) المصدر السابق (٨/ ٤٠٧).\n(^٣) مجلة المنار (١٢/ ٣٩٥).","vol":"1","page":95},{"text":"وقال أيضًا عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾: \"وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ كَائنينَ مِنْ دُونِ اللهِ، أَوْ حَالَ كَوْنِكُمْ مُتَجَاوِزِينَ بِذَلِكَ تَوْحِيدَ اللهِ وَإِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ.\nفَهَذَا التَّعْبِيرُ يَصْدُقُ بِاتِّخَاذِ إِلَهٍ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ الشِّرْكُ، فَإِنَّ عِبَادَةَ الشِّرْكِ الْمُتَّخَذِ غَيْرُ عِبَادَةِ اللهِ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ الْمُشْرِكُ أَنَّ هَذَا الْمُتَّخَذَ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِالِاسْتِقْلَالِ وَهُوَ نَادِرٌ، أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِإِقْدَارِ اللهِ إِيَّاهُ وَتَفْوِيضِهِ بَعْضَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فِيمَا وَرَاءَ الْأَسْبَابِ، أَوْ بِالْوَسَاطَةِ عِنْدَ اللهِ، أَيْ بِحَمْلِهِ تَعَالَى بِمَا لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ وَالْكَرَامَةِ عَلَى النَّفْعِ وَالضَّرِّ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ عِنْدَ الْبَعْثَةِ كَمَا حَكَى الله عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ \" (^١).\nوقال أيضًا: \"وأما مشركو العرب في زمن البعثة فلم يكونوا يجهلون أنّ هذا [أي: دعاء غير الله والاستشفاع به] كله يسمى عبادة؛ لأن اللغة لغتهم، ولم يكن لهم عرف ديني مخصص لعموم العبادة اللغوي، ولا باعث على التأويل أو التحريف، فكانوا يصرحون بأنهم يعبدون أصنامهم ويسمونها آلهة; لأن الإله هو المعبود وإن لم يكن ربا خالقا، ويقولون كما أخبر الله عنهم ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ويسمونهم أولياء أيضًا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ الآية.\nوقد فعل أهل الكتاب ومن اتبع سننهم من المسلمين مثل ذلك ولكن سموه توسلا، وأنكروا تسميته عبادة، والتسمية لا تغير الحقائق، وكذلك تغيير المعبودات من البشر والملائكة وما يذكر بها من صورة وتمثال أو قبر أو تابوت كالتابوت الذي يتخذه بعض أهل الهند للشيخ الصالح عبد القادر الجيلاني، فكل تعظيم ديني لهذه الأشياء أو الأشخاص بما ذُكر أو غيره مما لم يرد به شرع عبادة لها، وإشراك مع الله ﷿ من حيث ذاته، ومن حيث كونه شرعا لم يأذن به الله\" (^٢).\n\nوقال أيضًا: \"فمن دعا إلى عبادة نفسه فقد دعا الناس إلى أن يكونوا عابدين له من دون الله وإن لم ينههم عن عبادة الله، بل وإن أمرهم بعبادة الله.\nومن جعل بينه وبين الله واسطة في العبادة كالدعاء فقد عبد هذه الواسطة من دون الله; لأنّ هذه الوساطة تنافي الإخلاص له وحده. ومتى انتفى الإخلاص انتفت العبادة، ولذلك قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، فلم يمنع توسلهم بالأولياء إليه تعالى أن يقول: إنهم اتخذوهم من دونه.\n_________\n(^١) تفسير المنار (٧/ ٢١٩).\n(^٢) المصدر السابق (٨/ ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"1","page":96},{"text":"ويدل عليه أيضا قوله ﷺ: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، وفي رواية «فأنا منه بريء، هو للذي عمل له» رواه مسلم وغيره، وقوله ﷺ: «إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد من أشرك في عمل عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» رواه أحمد.\nوالوجه الثاني: أنّ من يتوجه بعبادته إلى غير الله تعالى على أنه وسيلة إليه ومقرّب منه وشفيع عنده، أو على أنه متصرف بالنفع ودفع الضر لقربه منه، فتوجهه هذا إليه عبادة له مقدرة بقدرها، فهو عبد له في هذا القدر من التوجه إليه من دون الله، وهذا الوجه معقول في نفسه، والأول أقوى لأنّ النصوص مؤيدة له، وقد غفل عنه من أجازوا للعامة اتخاذ أولياء يتوجهون إليهم بالدعاء وطلب الحاجات ويسمون ذلك توسلا بهم إلى الله إنما هو عبادة لهم من دون الله\" (^١).\nوقال أيضًا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾: \"وفي هذا الجواب من أصول الدين أنّ شؤون الرب وسائر ما في عالم الغيب توقيفي لا يعلم إلا بخبر الوحي، ومنه اتخاذ الوسطاء عند الله مما ذكر وأنه عين الشرك.\nولكن من علماء الأزهر من يثبتون هذه الوساطة بالرأي، ويحرّفون ما ينقضها من الآيات المحكمات والأحاديث المتفق عليها كأنها هي الأصل، حتى إنهم يبيحون دعاء الموتى واستغاثتهم عند قبورهم. ويحتجون على ذلك بأنهم أحياء فيهم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"مدار العبودية على توجه العباد إلى المعبود فيما يرجون من نفع ويخافون من ضر، فاستعمل اللفظان في التنزيل في بيان أن الرب المستحق للعبادة هو من يملك الضر والنفع، غير خاضع ولا مقيد بالأسباب العادية، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، وقوله في عجل بني إسرائيل: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ وقوله: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ \" (^٣).\nوقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾: \"أمرهم ﵇ بالتوحيد الخالص، وقفّى عليه بالتحذير من الشرك، والوعيد عليه، ببيان أن الحال والشأن الثابت عند الله تعالى هو أن كل من يشرك بالله شيئًا مّا من ملك أو بشر أو كوكب أو حجر أو غير ذلك، بأن يجعله ندا له، أو متحدا به، أو يدعوه لجلب نفع أو دفع ضر أو يزعم أنه يقربه إلى الله زلفى، فيتخذه شفيعا، زاعما أنه يؤثر في إرادة الله تعالى أو علمه، فيحمله على شيء غير ما سبق به علمه، وخصصته إرادته في الأزل، من يشرك هذا الشرك ونحوه فإن الله يحرم عليه الجنة في الآخرة، بل هو قد حرمها عليه في سابق علمه، وبمقتضى دينه الذي أوحاه إلى جميع رسله، فلا يكون له مأوى ولا ملجأ يأوي إليه إلا النار دار العذاب والهوان، وما لهؤلاء الظالمين لأنفسهم بالشرك من نصير ينصرهم، ولا شفيع ينقذهم ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، فالنافع رضاه ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، وشر أنواعه الشرك\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦).\n(^٢) المصدر السابق (١١/ ٢٦٧).\n(^٣) المصدر السابق (٩/ ٤٢٥).\n(^٤) المصدر السابق (٦/ ٤٠٠).","vol":"1","page":97},{"text":"وقال أيضًا: \"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق قسمان:</span>\nأحدهما: ما يكون بين الناس من طلب التعاون والمساعدة في الأمور الكسبية: كاستغاثة مَن أَشْرَفَ على الغرق أو تردى في بئر أو حفرة بمن ينقذه مثلًا، وكاستعانة مَن وَقَعَ حِمْلُ دابته بمن يساعده على رفعه.\nفهذا القسم مشروع في كل عمل مشروع من الواجبات والمستحبات والمباحات.\nثانيهما: ما يكون فيما وراء الأسباب التي هي من كسب الناس مما يخالف سنن الله تعالى في خلقه، كالاستغاثة بالموتى والاستعانة بهم وبالأحياء فيما ليس من مقدورهم وكسبهم كإنزال المطر، وشفاء المرضى بغير تداوٍ.\nفهذا القسم خاص بالله تعالى لا يطلب من غيره، وهو المراد بقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومعناه نستعينك وحدك ولا نستعين غيرك، كما أن معنى قوله تعالى قبله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ نعبدك ولا نعبد غيرك.\nفاستعانة غير الله تعالى بهذا المعنى كفر وشرك كعبادة غيره، ومن أمر بذلك كان آمرًا بالكفر بالله ومخالفة ما كُلَّف جميع عباده أن يخاطبوه به في كل ركعة من صلواتهم، فهل صار المسلمون في درجة من الجهل بدينهم يؤمّهم بها في صلاتهم، ويتولى وعظهم في مساجدهم مَن يأمرهم بهذا؟!\nوإذا لم تكن هذه الاستعانة هي الخاصة بالله تعالى بنص هذه الآية في أشهر سورة من كتاب ربهم، يحفظها كل مسلم ومسلمة فما هيه؟\nعلى أن العباد يتحرون اجتناب الاستعانة بالمخلوقين وسؤالهم حتى في الأمور الكسبية التي أقام الله تعالى بها نظام هذا العالم، ... وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه على ألا يسألوا أحدًا شيئًا منهم الصديق وأبو ذر وثوبان ﵃، فكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته من يده وهو راكب، فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه.\nأقول: وهذه درجة كمال لا يقدر عليها إلا أفراد الرجال، وأما الأولى فيكلفها كل مؤمن؛ لأن تركها ينافي الإيمان، وفي المسألة أحاديث أخرى في الصحاح وآثار عن كبار الصحابة والتابعين ومَن دونهم من الصالحين.\nوالاستغاثة في هذا الباب مثل الاستعانة، بل أخص لأنها عبارة عن الضراعة في الدعاء عند شدة الضيق، التي وصف الله تعالى مشركي العرب بأنهم لا يدعون غيره عندها، وإنما يشركون به بعد أن ينجيهم منها والآيات في ذلك متعددة. وقد استغاث المسلمون اللهَ تعالى يوم بدر، ولم يستغيثوا النبي ﷺ، بل كان - بأبي هو وأمي - إمامهم وقدوتهم في الاستغاثة، كما أنزل الله عليه ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلخ، وذلك أنهم كانوا قد قاموا بكل ما قدروا عليه، ولم يبق إلا ما لا يناله كسبهم من أسباب النصر، فسألوا الله تعالى مستغيثيه، فاستجاب لهم ونصرهم.","vol":"1","page":98},{"text":"ولكنك تجد الألوف من المسلمين الأميين والمتعلمين يعارض هذه الأصول القطعية من التوحيد بشبهات تلقّاها بعضهم من بعض بالتسليم والتقليد الجهلي، وهي إن ما ثبت في الكتاب من حياة الشهداء، وما عليه جمهور أهل السنة من إثبات كرامات الأولياء يقتضيان جواز دعائهم ودعاء سائر الصالحين، واستعانتهم على قضاء الحاجات وكشف السوء والنصر على الأعداء، وسائر ما نعجز عنه من طريق الأسباب وسنن الله في الخلق؛ وهذه الشبهة باطلة من وجوه شرحناها في التفسير وباب الفتوى وغيره من المنار مرارًا، ومن أخصها أن حياة الشهداء من أمور عالم الغيب، وكرامات الأولياء من خوارق العادات عند مثبتيها، وقد أجمعوا على أن كُلًاّ منها يُؤخذ ما صح منه بالتسليم، فليس للمجتهد أن يقيس عليه ولا أن يستنبط منه حكمًا شرعيًّا، ولو لم يكن معارضًا لنصوص الكتاب والسنة كاستعانة غير الله تعالى، فكيف إذا كان كذلك وكان المستنبط مع هذا غير مجتهد ولا عالم كهؤلاء الجهال، وإن كان فيهم معمّمون كثيرون\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ولا شك أن الاستعانة بالأموات على قضاء الحوائج ليس من الأسباب التي سنها الله تعالى لذلك، ولم يقل أحد من أئمة الدين ولا من العقلاء بسببيته.\nأما نبذ العقل له فظاهر.\nوأما رفض الشرع له فيدل عليه الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، وأكتفي الآن من الكتاب العزيز بقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهو نص صريح في أنه لا يستعان إلا بالله تعالى، ومن السنة بخبر «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله».\nوأما سيرة السلف الصالح فلم يُنْقَل عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يأتون قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويقبلون عتبة الحجرة ويقولون: يا رسول الله أهلك فلانًا عدوي، وانتقم من فلان ظالمي، وأهلك الدود من زرعي، واشف داء قريبي، وقرّب وصال حبيبي، كما نراه ونسمعه من جهة العوام عند قبر السيد البدوي وقبر الإمام الحسين رضي الله تعالى عنهما.\nبل إن المطالب التي تصدر من هؤلاء تتجاوز هذا الحد، فإنهم يطلبون من الأولياء المستحيلات العقلية، والمنكرات الشرعية التي لا يجوز أن تطلب من الله تعالى، وقد أدى بهم الإهمال وعدم اشتداد العلماء بالإنكار إلى مروق بعضهم من الدين، كما يمرق السهم من الرمية\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-116> العلامة محمد بن أحمد العبدي الكانوني المالكي </span>(المتوفى: ١٣٥٦): \"ولعمري إنه لو كان ينزل الوحي من السماء بعد النبي سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ لنزل فينا أكثر من الأمم الماضية؛ لارتكابنا أقبح الأفعال وأشنعها من غير خوف من الله ولا وجل.\nأليس الذي ينسب إلى الولي أنه يعطي المال والولد والوظائف وكل شيء قد اتخذ مع الله إلها؟!\nأليس الذي تقول له: احلف لي على حقي، يحلف لك ما شئت من المرّات، وإذا ذكرت له الحلف بالولي الفلاني فإنه يقف حائرًا لما وقر في قلبه من ذلك الولي؟!\nأليس إنه خاف من الولي أكثر من خوفه من الله، وعظّمه أشد من تعظيم الله؟! وهذا معنى الربوبية.\nبل يجب على من له معرفة بقدر الواجب الملقى على عاتقه في حق أمته أن يقوم بالتعليم والإرشاد، وبيان العقيدة الصحيحة، والفرق بين الرب والولي، لنخرج من هذه الهوة السحيقة والمفازة المهلكة التي أوقعنا فيها الجهل بديننا، والخروج عن تعاليمه النقية، وقد صار سلفنا على منهاجه حتى بلغوا قمة المجد، ودانت لهم البلاد والعباد، ونشروا رواق العدالة والنور على أمم الأرض التي كانت أبعد الناس عن ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) مجلة المنار (٢٥/ ٦٦٢).\n(^٢) مجلة المنار (١/ ٧٧).\n(^٣) جواهر الكمال في تراجم الرجال (ص: ١٣٨) المطبعة العربية بالبيضاء.","vol":"1","page":99},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-117> العلامة علي محفوظ الحنفي المصري </span>(المتوفى: ١٣٦١ هـ): \"المسألة الثانية: الاستغاثة بالمخلوق وكذا الاستعانة به إن كان ذلك فيما يقدر عليه نحو الحيلولة بينه وبين عدوه، ودفع الصائل عنه من لص أو سبع كأن يحمل معه متاعه أو يعلف دابته ونحو ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس، فلا ريب في جوازهما إذا كان ذلك مع اعتقاد أن لا مغيث ولا معين على الإطلاق إلا الله تعالى، وإذا حصل شيء من ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه.\nوأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يستغاث فيه إلا به كغفران الذنوب، والهداية، وشفاء المريض، وإنزال المطر كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللّهُ﴾ ...\nوبما ذُكر علمت أنّ الاستغاثة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا تجوز؛ فإنها دعاء، والدعاء عبادة، بل مخّ العبادة، وغير الله تعالى لا يُعبد\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"وبما تقدم يتضح لك أن المستغيث بإنسان طالبٌ منه سائلٌ له، بخلاف المتوسَّل به فليس مطلوبًا منه ولا مسؤولًا، وإنما يُطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به\" (^٢).\n\nوقال أيضًا بعد أن ذكر أنّ لفظ التوسل يراد به معان ثلاثة وهي التقرب إلى الله بطاعته، والتوسل إلى الله بشفاعة ودعاء نبيه ﷺ، والتوسل بمعنى الإقسام على الله بذات رسوله، وذكر أن هذا الثالث لم يقع من الصحابة لا في حياته ولا بعد موته، وأن ما يروى في ذلك فضعيف لا يصلح حجة في باب العقائد: \"ومن هذا تعلم أنّ المقصود في كل ذلك هو الله ﷿، وغيره شفيع فقط إذا أذن الله له، وقد يغفل عن هذا العوام فتراهم إذا نزل بهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر تركوا دعاء الله تعالى ودعوا غيره فينادون بعض الأولياء كسيدي أحمد البدوي وسيدي إبراهيم الدسوقي والسيدة زينب ﵃، معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور، ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء، وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا الله وحده ينجو من تلك الشدائد\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"ويزعم كثير من قصار النظر أنّ الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء ورد الضائع وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد على معنى أن الله تعالى فوّض إليهم ذلك لما لهم عنده من الجاه الأعلى والمقام الرفيع الأسمى فلهم ما يشاءون، ومَن قصدهم لا يخيب.\nوتراهم لهذا يرفعون لهم شكواهم في عرائض مكتوبة يضعونها في الأضرحة، وربما كان صاحب هذا الضريح في حال حياته لا يستطيع الأخذ بناصر المظلوم، ولكن الناس بعد الممات يجعلون له التصرف في الملك والملكوت. وقد قال عيسى ﵇: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ \" (^٤).\n_________\n(^١) الإبداع في مضار الابتداع (ص: ٢٠٧) دار المعرفة - بيروت - لبنان.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٢١٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٢١٢).\n(^٤) المصدر السابق (ص: ٢١٣).","vol":"1","page":100},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-118> العلامة مبارك بن محمد الميلي المغربي المالكي </span>(المتوفى: ١٣٦٤): \"فإذا كان الدعاء عبادة وجب أن يختص بالله، وأن يحترز فيه من الوقوع في الشرك أو فيما هو ذريعة إليه\" (^١).\nوقال أيضًا: \"دعاء غير الله ... فهو شرك صريح وكفر قبيح، وله نوعان:\nأحدهما: دعاء غير الله مع الله، كالذي يقول: يا ربي، ويا شيخي، يا ربي وجدي، يالله وناسه، يالله وسيدي عبد القادر ...\nوإطلاق الشرك على هذا النوع واضح؛ لأنّ الداعي عطف غير الله على الله بالواو ثابتة أو محذوفة، وهي تقضي مشاركة ما بعدها لما قبلها في الحكم، والحكم المشترك فيه هنا هو عبادة الدعاء.\nالنوع الثاني: دعاء غير الله من دون الله، كالذي يقول: يا رجال الدالة، يا ديوان الصالحين.\nوإطلاق الشرك على هذا النوع باعتبار أن الداعي وإن اقتصر على المخلوق في اللفظ لم ينكر الله ولم يبرأ منه في العقد، فكأن الله في كلامه مضمر\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ولقد فشا في المسلمين دعاء غير الله على شدة إنكار كتابهم له وتحذير نبيهم منه، حتى صار الجهلة ومن قرب منهم يؤثرونه على دعاء الله وحده\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"التصرف في الكون خاص بالله سبحانه، وكل لفظ فيه نسبة الفعل للمخلوق لا يخلو من ثلاث حالات:\nإحداها: أن تكون النسبة على معنى التأثير في الفعل من دون الله.\nثانيتها: أن تكون على معنى التأثير بجعل الله وتفويضه.\nثالثتها: أن تكون على معنى الإخبار عن عادة أجراها الله من غير تأثير ذاتي أو جعلي.\nوالحالتان الأوليان هما المحكيتان عن وثنيي الكلدانيين ...\n_________\n(^١) رسالة الشرك ومظاهره (ص: ٢٧٦) دار الراية للنشر والتوزيع، ١٤٢٢ هـ.\n(^٢) المصدر السابق (ص:٢٨١ - ٢٨٢).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٢٨٥).","vol":"1","page":101},{"text":"والحالة الثالثة ليست كفرًا، ولكن يمنع منها ما فيه من إيهام كما صرح بذلك الباجي في المنتقى (^١).\nومَن وقف على مقاصد الكثير من عوامنا في نسبة الأفعال إلى الأولياء وتصرفهم في الكون، لم يشك في انطباق الحالة الثانية عليهم؛ إذ يعتقدون أنّ الأولياء أعزاء على الله، وقد فوّض إليهم التصرف، وأنابهم عنه فيه، فما قضوه للناس وافقهم الله عليه\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"والدعاء بهذا المعنى يصدق بالاستعاذة والاستعانة والاستغاثة وغيرهن مما فيه معنى الطلب ... فإذا طلبت العوذ أو العون أو أمرًا آخر من المخلوق القادر عليه عادة لم يكن طلبك عبادة، فلم يختص بالله ولم تكن به مشركًا.\nوكذلك إذا نسبت شيئا لغير الله لكونه سببًا عاديًا فتقول: استعذت بالحاكم من الظالم، واستغثت بالجيران على اللصوص، واستصرخت ذا الغيرة على المغير، ...\nوإذا كان المطلوب لا يقدر عليه إلا من له قوة غيبية، وهو فوق الأسباب العادية، كان الطلب عبادة تختص بالله تعالى، ويكون طلب غيره حينئذ شركًا بالله\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"توحيد الله متناول لتوحيد التوجّه إليه والاستعانة به فيما لم ينصب له سببًا عاديًا، وابن\nآدم - بلغ فضله ما بلغ- ليس له إلا التصرف المعتاد ما دامت روحه بجسده في عالم الشهادة، ولا تأثير للأرواح التي في عالم الملكوت في شيء من عالم الملك\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"ومرّ نهيه ﷺ عن جعل قبره وثنًا. واتخاذ القبر وثنًا بأن يُطلب من صاحبه ما لا يُطلب إلا من الله\" (^٥).\n_________\n(^١) قال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٣٥) عند حديث «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»: \"ولو جرت العادة بنزول المطر عند نوء من الأنواء، فاستبشر أحدٌ لنزوله عند ذلك النوء على معنى أن العادة جارية به، وأن ذلك النوء لا تأثير له في نزول المطر ولا هو فاعل له ولا أثر له فيه، وأن المنفرد بإنزاله هو الله تعالى لما كفر بذلك، بل يعتقد الحق، وإنما كفر من قال: مطرنا بنوء كذا لإضافة المطر إلى النوء واعتقاده أن له فيه تأثيرا أو فعلا، مع أنّ هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجه وإن لم يعتقد قائله ما ذكرناه لورود الشرع بالمنع منه، ولما فيه من إيهام السامع ما تقدم ذكره\".\nويقرب من قول الباجي هذا قول الحافظ ابن عبد البر حيث قال في التمهيد (١٦/ ٢٨٦): \"والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء يُنزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما قدره الله وسبق في علمه، فهذا وإن كان وجها مباحا، فإن فيه أيضا كفرا بنعمة الله ﷿، وجهلا بلطيف حكمته، لأنه ينزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا ومرة دون النوء، وكثيرًا ما يخوى النوء فلا ينزل معه شيء من الماء، وذلك من الله لا من النوء\".\n(^٢) رسالة الشرك ومظاهره (ص:١٩١ - ١٩٤).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٢٧٢).\n(^٤) المصدر السابق (ص: ٣٦٢).\n(^٥) المصدر السابق (ص: ٣٨٣).","vol":"1","page":102},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-119> العلامة التراد بن العباس الفاضلي الشنقيطي </span>(المتوفى: ١٣٦٥):\nولا تقل في شدة وكربة ... يا سيدي وشيخنا وحزبه\nمبتهلا وداعيًا غير الإله ... مستغرقًا عن الإله في سواه\nفلا تقل: يا سيدي جئت إليك ... أريد حاجي واتكاليَّ عليك\nحاشاك أن تردّني صفر اليدين ... وأنت ذو التمكين غوث الثقلين\nفبعضهم بذا المقال كفّرا ... وبعضهم لنحو ذا قد أنكرا\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-120> الداعية الشهير حسن البناء </span>(المتوفى: ١٣٦٩) في الأصول العشرين في الأصل الرابع عشر: \"وزيارة القبور أيًّا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة.\nولكن الاستعانة بالمقبورين أيًّا كانوا، ونداؤهم لذلك، وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد، والنذر لهم، وتشييد القبور وسترها وإضاءتها، والتمسح بها، والحلف بغير الله، وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سدًّا للذريعة\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-121> العلامة أحمد بن مصطفى المراغي </span>(المتوفى: ١٣٧١): \"ومن جعل بينه وبين الله واسطة في العبادة كالدعاء، فقد عبد هذه الواسطة من دون الله، لأنّ هذه الواسطة تنافى الإخلاص له وحده، وحين ينتفى الإخلاص تنتفى العبادة، ومن ثم قال تعالى: «فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. فتوسّلهم بالأولياء جعله تعالى يقول إنهم اتخذوا من دونه أربابًا\" (^٢).\n_________\n(^١) المنهج المبين لشرح الأصول العشرين للوشلي (ص: ٢٥٩).\n(^٢) تفسير المراغي (٣/ ١٩٦ - ١٩٧) مطبعة مصطفى الحلبي.","vol":"1","page":103},{"text":"وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: \"ومعنى قوله ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي متجاوزين بذلك توحيد الله وإفراده بالعبادة، وذلك إما أن يكون باتخاذ إله أو أكثر مع الله تعالى وهو الشرك، إذ عبادة الشريك المتخذ غير عبادة الله خالق السموات والأرض، سواء اعتقد المشرك أن هذا الشريك ينفع ويضر استقلالا، أو اعتقد أنه ينفع ويضر بإقدار الله إياه وتفويضه بعض الأمر إليه فيما وراء الأسباب، أو بالوساطة عند الله أي بما له من التأثير والكرامة على النفع والضر، وهذا هو الأكثر الذي كان عليه مشركو العرب عند البعثة، كما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾.\nوالخلاصة- إن اتخاذ إله من دون الله يراد به عبادة غيره سواء أكانت خالصة لغيره أو شركة بينه وبين غيره ولو بدعاء هذا الغير والتوجه إليه ليكون واسطة عنده\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"وفي ذلك إيماء إلى أنه لا ينبغي أن نوجّه وجوهنا شطر قبور الأولياء والصالحين ونشد الرحال إلى من بعد منهم، ونتقرب إليهم بالنذور ونطوف بهم كما يطوف الحاج بيت الله الحرام، داعين متضرعين خاشعين نطلب منهم ما عجزنا عنه بكسبنا من دفع ضر أو جلب نفع، وكيف نتذكر هذه الآيات وأمثالها التي تجعل العبادة خاصة به تعالى، وما الدعاء إلا مخ العبادة وروحها وأجلى مظاهرها كما جاء في الأثر «الدعاء مخ العبادة».\nلكن أكثر العلماء وجمهرة الناس يتأولون هذه العبادة ويسمونها توسلا واستشفاعًا، والأسماء لا تغير من قيمة الحقائق شيئًا، فذلك بعينه هو ما كان يدّعيه المشركون وأهل الكتاب ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾ \" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٧/ ٦١ - ٦٢).\n(^٢) المصدر السابق (١١/ ٦٤).","vol":"1","page":104},{"text":"وقال أيضًا: \"الأنداد هم الذين خضع الناس لهم وقصدوهم في قضاء حاجاتهم، وكان مشركو العرب يسمون ذلك الخضوع عبادة، إذ لم يكن عندهم شرع ينهاهم عن عبادة غير الله.\nوأهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادًا وأربابًا كانوا يتحاشون هذا اللفظ، فلا يسمون ذلك الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة وأندادا، بل يسمون دعاءهم غير الله والتقرب إليه توسلا واستشفاعًا\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-122> العلامة محمد فريد وجدي </span>مدير مجلة الأزهر ورئيس تحريرها (المتوفى: ١٣٧٣): \"أما ما وراء ذلك من دفن الصالحين في مدافن خاصة، ورفع القباب عليهم، وإيقاد السرج بجانب أضرحتهم، وترتيب الخدم لهم، ونذر النذور بأسمائهم، وتقريب القرابين إليهم، والاستغاثة في الملمات بهم، والتمسح بمقاصيرهم، وإعلاء قبورهم، ووضع العمائم والبراقع فوقهم، فمن أشد مناهي الشرع، وهي مما لم يحدث في الإسلام إلا بعد الصدر الأول بقرون عديدة، وهي من أفظع البدع التي بدّل المسلمون بها أكرم أصول هذا الدين المحفوظ في الكتاب والسنة\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-123> العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف </span>علامة حضرموت ومفتيها الأكبر في وقته (المتوفى: ١٣٧٥): \"ومَن طَلب منهم [أي: الأولياء] ما لا يطلب إلا من جبار السموات، أو اعتقد أنّ لهم تأثيرًا من دون الله فقد وقع في صريح الإشراك، وما لنا وللتناول من بعيد وبين أيدينا الكتب التي نماسيها ونغاديها لوقائع أحوال السائلين، ففي البغية عن الكردي ... إلخ فتوى الكردي السابقة (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-124> الشيخ محمد جميل الشطي الحنبلي </span>(المتوفى: ١٣٧٩): \"ونزور الصالحين أحياءً وأمواتًا، ولا نزيد في زيارة قبورهم على قراءة المشروع، وإن شئنا زيادة فالدعاء والسؤال من الله تعالى والتوسل بحقهم عليه وجاههم لديه، ولا نطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله كالشفاء والرزق، فإن فعل ذلك مع اعتقاد التأثير كفر وشرك، وبدونه غير مشروع\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٦٤).\n(^٢) صفوة العرفان مقدمة تفسير القرآن، تحت عنوان \"الولاية والكرامة\".\n(^٣) رسالة المساواة والملكية (ص: ١٠).\n(^٤) الوسيط بين الإفراط والتفريط (ص: ٥).","vol":"1","page":105},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-125> العلامة محمد سلطان المعصومي الخجندي الحنفي </span>(المتوفى: ١٣٧٩): \"يا أيها المسلم العاقل الصحيح الإسلام، تدبّر وتفكر هل ثبت أن أحدًا من الصحابة ﵃ نادى النبي ﷺ في حياته أو بعد مماته من بعيد واستغاث به؟ ولم يثبت عن أحد منهم أنه فعل مثل ذلك، بل قد ورد المنع من ذلك كما سأذكره إن شاء الله تعالى ...\nوها أنا أذكر من نصوص المذهب الحنفي من الكتب المعتبرة والفتاوى المشهورة، ففي شرح القدوري: إن من يدعو غائبًا أو ميتًا عند غير القبور، وقال: يا سيدي فلان ادع الله تعالى في حاجتي فلانة، زاعمًا أنه يعلم الغيب، ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإنّ علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى.\nوكذا إن قال عند قبر نبي أو صالح: يا سيدي فلان اشف مرضي، واكشف عني كربتي، وغير ذلك، فهو شرك جلي؛ إذ نداء غير الله طالبًا بذلك دفع شر أو جلب نفع فيما لا يقدر عليه الغير دعاء، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك.\nوهذا أعم من أن يعتقد فيهم أنهم مؤثرون بالذات، أو أعطاهم الله تعالى التصرفات في تلك الأمور، أو أنهم أبواب الحاجة إلى الله تعالى، وشفعاؤه، ووسائله.\nوفيه اعتقاد علم الغيب لذلك المدعو، وهو شرك، نسأل الله الحفظ والعصمة عن الشرك والكفر والضلال ...\nقال العلامة السيد أحمد الطحطاوي في حاشية الدر المختار: \"من ظن أن الميت يعلم الغيب أو يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقد ذلك فقد كفر. واعلم أنّ بيان الأحكام الشرعية مما يجب على العلماء، وليس في ذلك تنقيص الولي، ولو كان حيًا وسئل عن ذلك لأجاب بالحق، وأغضبه نسبة التأثير إليه إلخ\".\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-126> العلامة مفتي الثقلين خير الدين الرملي الحنفي </span>في فتاويه بعد نقل ما مرّ عن العلامة قاسم الحنفي: \"وأنه إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور كفر. قال في البحر: والحاصل أن من تكلم بكلمة الكفر عامدًا كفر عند الكل كما في فتاوى قاضيخان\" انتهى.\nقال خاتمة المحققين المولوي عبد الحي اللكنوي في فتاويه في نظم البيان قال الشيخ فخر الدين أبو سعيد عثمان بن سليمان الجياني الحنفي ناقلًا عن الفتاوى البزازية وغيرها من كتب الفتاوى: من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر ... \" (^١).\n_________\n(^١) حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد (ص: ١٧ - ٢١) دار العاصمة، ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":106},{"text":"وقال أيضًا بعد أن ضرب عدة أمثلة للاستغاثات التي يأتي بها بعض الناس: \"اعلموا أيها المسلمون، يا أيها الحنفيون، هداني الله وإياكم، أنَّ هذه الكلمات كلُّها شرك وكفر وضلال في الدين الإسلامي، والشرع المحمدي، والمذهب الحنفي، بل والمذاهب الأربعة إجماعًا، وقائلها مشرك لا تصحّ صلاته، ولا صيامه، ولا حجّه، ولا إمامته، إلَاّ إذا تاب وآمن وأعلن توبته كما أشهر شركه.\nولا شك أن كون تلك الكلمات شركًا وكفرًا وضلالًا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين، كما هو مصرّح به في الكتب الحنفية المعتبرة كافة، وكذا معتبرات مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة.\nلا شك أنّ نداء الميت سواء كان قريبًا أو بعيدًا ولو نبيًا يستلزم اعتقاد سماع الميت نداء المنادي وخصوصًا البعيد النائي.\nوطلب الإمداد منه يستلزم اعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يقدر على التصرف، والدفع والمنع، وخصوصًا إذا كرّر وأكّد النداء والطلب، فإنه لا يبقى للتأويل محل. وذلك كفر صريح وشرك قبيح.\nوالمتصرف والقادر على كل شيء وعالم الغيب هو الله تعالى وحده لا شريك له، والله ﷾ هو الرب وحده، وأما سائر المخلوقات إنسيًا وجنيًا ووليًا ونبيًا فكلهم مخلوق ومربوب ومحتاج إلى تربية الرب الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، فإياه نعبد وإياه نستعين، فالاستعانة من الأموات وأهل القبور\nوالأرواح - أيًا كان المستعان به ولو نبيًا- من شعائر المشركين من المجوس والبراهمة والبوذيين والصابئة والمنجمين\" (^١).\nوقال أيضًا: \"والمسلم لا يطلب حاجته من غير الله، فإن من طلب حاجته من ميت أو غائب فقد فارق الإسلام، وممن صرّح بهذه المسألة من علمائنا الحنفية صاحب الفتاوى البزازية، والعلامة صنع الله الحلبي المكي، وصاحب البحر الرائق، وصاحب الدر المختار، وصاحب ردّ المحتار، والعلامة قاسم بن قطلوبغا، والعلامة بير علي البركوي صاحب الطريقة المحمدية، وأبو سعيد الخادمي، ومولوي عبد الحي اللكنوي في فتاويه كما أسلفته، وغيرهم من المحققين يرحمهم الله تعالى أجمعين وجعلنا من زمرتهم آمين.\nوكذا ممن صرّح به من علمائنا الحنفية العلامة السيد أحمد الطحطاوي في حاشيته على الدر المختار، ومنهم العلامة أحمد الرومي الأقحصاري فإنه صرّح في رسالة القبور كما في المفيد ...\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٤ - ١٥).","vol":"1","page":107},{"text":"وقال ابن الرومي في شرح المختار: قد قرّر الشيطان في عقول الجهال: أن الإقسام على الله بالولي، والدعاء به أبلغ في تعظيمه، وأنجح لقضاء حوائجه، فأوقعهم بذلك في الشرك.\nوبالجملة فإن المحققين من علماء الحنفية سلفًا وخلفًا متفقون على هذه المسألة كما بيّنت نبذة منها\" (^١).\nوقال أيضًا بعد أن ذكر أنّ مَن دعا غير الله من الأموات وطلب الحوائج منه، واعتقد أنه يعلم الغيب فقد كفر: \"وقد اتفق جميع أهل العلم في هذا التكفير، ولا أعلم أحدًا من أهل السنة والجماعة على خلافه\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-127> العلامة علوي بن طاهر الحداد </span>(المتوفى: ١٣٨٢): \"وأما الغلو في الأولياء فسببه الجهل وقلة المعرفة بعقائد الدين، وقد ينتهي ببعض الناس إلى أن يُثبت لهم القدرة على الضر والنفع كما يثبت لله ﷿، وهذا انتكاس على أمّ الرأس وفقد لحقيقة الإيمان والإسلام.\nقال الإمام العارف بالله محيي الطريق وداعي الفريق الحبيب عبدالله بن علوي الحداد العلوي: التصرف الحقيقي الذي هو التأثير والخلق والإيجاد لله تعالى وحده لا شريك له، ولا تأثير للولي ولا غيره في شيء قط لا حيًا ولا ميتًا، فمن اعتقد أن للولي أو غيره تأثيرًا في شيء فهو كافر بالله تعالى. انتهى\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٢٣ - ٢٥).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٤٦).\n(^٣) عقود الألماس بمناقب الإمام العارف بالله الحبيب أحمد بن حسن العطاس (١/ ٤٧).","vol":"1","page":108},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-128> العلامة المحدث ذهبيُّ العصر عبد الرحمن المعلمي </span>(المتوفى: ١٣٨٦): \"ومن الأعمال التي عدّها القرآن شركًا دعاء غير الله ﷿\" (^١).\nوقال أيضًا: \"قال الله ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فكلمة \"إنّ\" في مثل هذا تفيد التعليل على ما صرّحبه أهل الأصول وغيرهم، وذلك يقتض أن الدعاء عبادة، كأنه قال: ادعوني، فإن الدعاء عبادة، ومن استكبر عن عبادتي سيدخل جهنم.\nوقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وغيرهم عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ...\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ فجعل الدعاء شركًا، والشرك عبادة غير الله ﷿\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"لقائل أن يقول: قد علمنا أنّ السؤال من الله تعالى والرغبة إليه يسمى دعاء وأنه عبادة، وأنّ القرآن قد أثبت أنّ المشركين يدعون آلهتهم من دون الله، وثبت أنّ دعاءهم آلهتهم هو السؤال منها والرغبة إليها، وإن ذلك عبادة لها وشرك بالله ﷿، ولكن ما هو السؤال الذي إذا وقع لغير الله كان دعاء وعبادة للمسؤول وشركًا بالله تعالى؟\nفالجواب: أمر الله ﷿ عباده أن يدعوه في صلاتهم قائلين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ولا نزاع أن المعنى: نعبدك وحدك لا نعبد غيرك، ونستعينك وحدك لا نستعين غيرك، والاستعانة هنا عامة ... «وإذا استعنت فاستعن بالله» ...\nوقد نظرت في وجوه السؤال فوجدته على أقسام:\nالقسم الأول: ما هو من باب سؤال الإنسان حقًا له عند المسؤول، كأن يكون لك دين عند إنسان فتطلبه منه.\nالثاني: ما جرت به العادة بالتسامح به على نية المكافأة، كقول التلميذ لزميله ناولني الكتاب.\nالثالث: سؤال الإنسان ما ليس بحق له، ولا جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة، وذلك كقول من يجد الكفاف من العيش لغني لا حق له عليه: أعطني دينارا.\nومن هذا القسم سؤال الإنسان من ربه تعالى، لأنه لا حق له على ربه تعالى.\n_________\n(^١) العبادة للمعلمي (ص: ٣٨١) دار العاصمة، ١٤٣٢ هـ.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٣٩٢ - ٣٩٣).","vol":"1","page":109},{"text":"فأما الأول فلا يسمى استعانة، ولا يلزمه التذلل والخضوع.\nوأما الثاني فإنه وإن سمى استعانة، لكن لا يلزمه التذلل والخضوع إلا أنّ فيه رائحة مّا من ذلك.\nوأما الثالث فهو الذي يلزمه التذلل والخضوع.\nوقد يكون السؤال من القسم الأول ولكنه يصحبه تذلل مّا فيما يظهر، وذلك كسؤال الناس أنبيائهم عن أمور دينهم، وكذلك سؤال العامة علماءهم عن أمور الدين، وكذلك سؤال المحتاج العاجز حاجته من الغني\" (^١).\nثم قال: \"ومن القسم الثالث: سؤال العبد من ربه ﷿، وهو المسمى دعاء، ومنه كما صرح به القرآن سؤال الملائكة، وسماه القرآن دعاء.\nوقد تأملنا الفرق بينه وبين سؤال الناس بعضهم بعضًا، فوجدنا الفرق أن السؤال من الملائكة فيه تذلل لهم وتعظيم يتدين به، أي: يطلب به نفع غيبي.\nوقد قدمنا أن كل ما كان كذلك فهو عبادة، فإن لم ينزل الله تعالى سلطانا بالأمر أو الإذن به فهو عبادة لغيره.\nوأما سؤال الناس بعضهم من بعض ما جرت العادة بقدرتهم عليه فمنه ما تذلل فيه، ومنه ما كان فيه تذلل ولكن لا يطلب به نفع غيبي\" (^٢).\n\nوقال أيضًا: \"والحاصل أن الخطاب فيه [أي: في قولنا في التشهد: السلام عليك أيها النبي] ليس على بابه، وإنما هو على التنزيل، أي تنزيل الغائب منزلة الحاضر للدلالة على استحضاره في الذهن، كأن ذلك تنبيه للمصلي على تحري متابعة النبي ﵌ في أقواله وأفعاله، وهذا التحري يحمل على استحضار النبي ﵌ في الذهن حتى كأنه حاضر يرشد إلى أعمال الصلاة والمصلي يتابعه.\nوقد كان الصحابة يقولون ذلك في حياته ﵌ سرًا بحضرته أو غائبين عنه، وإنما عدل عنه من عدل بعد وفاته ﵌ لئلا يظن الجهال أنه خطاب حقيقي ...\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٣٩٧ - ٣٩٩).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٤١٦ - ٤١٧).","vol":"1","page":110},{"text":"ورأى الآخرون أنّ توهم الجهال كونه خطابًا حقيقيًا بعيد؛ لأن القرائن العقلية والعادية والشرعية الصارفة عن الحقيقة واضحة، والناس يقولون إلى الآن: \"رحمك الله يا فلان\"، ويكون فلان قد مات منذ زمان ودفن بعيدًا عن القائل بمراحل، والقائل لا يشك أن فلانًا لا يسمعه، وإنما أراد رحم الله فلانًا، وذكر الله فلانًا بخير، ولكنه أتى بلفظ الخطاب دلالة على شدة استحضاره فلانًا في ذهنه، والقرينة الدالة على أن الخطاب هنا مجاز هي ما عرفه الناس من العادة أنّ الغائب والميت لا يسمع، وذكْرُ الميت بلفظ الخطاب لا تكاد تخلو منه مرثية من مراثي العرب ...\nبل كثيرًا ما يخاطبون الجمادات والمعاني، وفي الحديث: «يا أرض ربي وربك الله»، وفيه قوله ﵌ لمكة: «والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ...» الحديث. وقوله لها: «ما أطيبك من بلد»، وقول عمر للحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ...» الحديث.\nومثل هذا لم يكن يشتبه على أحد في القرون الأولى، ولكن حال الحال وترأس الجهال. وإلى الله المشتكى\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وقوله [أي: الأعمى] يا محمد، إن كان خطابًا للنبي ﵌ بحضرته فلا حجة فيه للمخالف.\nوإن كان علّمه أن يقول ذلك بعيدًا عنه أي بحيث لا يسمعه عادة، فسياق الدعاء ظاهر في أنه لا يراد من ذلك إسماع النبي ﵌، ولا حقيقة الخطاب، وإنما هو من المجاز الذي تقدم ذكره.\nومن القرينة على ذلك أنه لم يقع في متن الدعاء طلب شيء من النبي ﵌، فكأن أصل المعنى: اللهم إني أتوجه إليك بمحمد في حاجتي. وإنما عدل إلى الخطاب إشارة إلى أنه ينبغي للداعي بهذا الدعاء أن يكون مستحضرًا لفضيلة النبي ﵌، وكرامته على ربه حق، كأنه حاضر أمامه.\nوعلى هذا المجاز يحمل ما يروى أن عثمان بن حنيف علّم رجلًا هذا الدعاء في خلافة عثمان، وما يروى من دعاء بعض التابعين بنحوه.\nوعلى كل حال فليس في الدعاء سؤال شيء من النبي ﵌، وإنما السؤال من الله تعالى.\nوأما ما فيه من التوسل أي: سؤال الله ﷿ بنبيه ﵌ فتلك مسألة أخرى ليس فيها سؤال من غير الله ﷿.\nومن منع هذا التوسل لم يقل إنه عبادة لغير الله تعالى، ولا شرك، وغايته أن يقول هو حرام.\nوممن منع هذا التوسل سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الشافعي إلا أنه استثنى النبي ﵌ معلقًا ذلك بصحة الحديث.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٤٢٨ - ٤٢٩).","vol":"1","page":111},{"text":"وقد التزم بعض العلماء صحة الحديث على أنه توسل بدعاء النبي ﵌\nلا بذاته ... \" (^١).\nوقال أيضًا: \"وأما السؤال من الإنسان الحي الحاضر فإن كان لما جرت العادة بقدرته عليه فليس دعاء، وإن كان لما لم تجر العادة بقدرته عليه فذلك دعاء؛ لأنه حينئذ سؤال لنفع غيبي\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وهكذا اتفق أهل العلم على أنّ ما أُحدث في الدين وليس منه فهو بدعة، وأنّ إنكار السنة الثابتة بطريق ظني ضلال.\nثم اختلف الصحابة فمن بعدهم في أشياء لا تحصى، فقال بعضهم: هي من الدين. وقال بعضهم: ليست منه. ومع ذلك لم يحكم أحد منهم على مخالفة بأنه مبتدع أو ضال، وما ذلك إلا لأنّ كلًا منهم يرى مخالفه معذور.\nفهكذا نقول في مسألة الدعاء وأمثالها، فنحن وإن قلنا في صورة من صور السؤال ونحوها: إن هذا دعاء لغير الله تعالى، وعبادة وشرك، فليس مقصودنا أنّ كل من فعل ذلك يكون مشركًا، وإنما يكون شركًا من فعل ذلك غير معذور، فأما من فعلها معذورًا فلعله يكون من خيار عباد الله تعالى وأفضلهم وأتقاهم، ولعله يكون مأجورًا على ذلك الفعل نفسه.\nوقد وقع الناس في هذا الباب على طرفي نقيض، فمنهم من يأخذ قول بعض الأمة وصالحيها كأنه وحي منزل، ويرجع قوله إلى دعوى أن ذلك العالم أو الصالح معصوم كعصمة الأنبياء أو أعظم، فلا يهون عليه أن يسمع قائلًا يقول: لعل هذا العالم أو الصالح أخطأ، وإذا حدثته نفسه بأن ذلك العالم أو الصالح أخطأ رأيته يتعوذ بالله تعالى، ويجتهد في طرد ذلك الخاطر عن نفسه.\nومنهم من إذا ظهر له في شيء من الأعمال أنه شرك، أو لم يظهر له ذلك ولكنه سمع شيخه يقول ذلك بادر إلى الحكم على كل مَن فعل ذلك من السلف والخلف بأنهم مشركون، لا فرق بينهم وبين عباد الأوثان.\nوالحق التوسط بين هذين، وأعيذك بالله ﷿ أن يحملك هذا الكلام على التهاون بمسألة التوحيد فتهجم على شيء من الأعمال التي قد قيل إنها شرك، قائلًا: إن كان في نفس الأمر شركًا فأنا معذور؛ فإن الخطر عظيم، ولعل عذرك لا يكون من القوة بحيث يقبله الله منك، فانظر لنفسك، فإن شككت في شيء فدعه، فلعل الله يقول لك: لِم صنعت كذا وكذا وقد قيل لك إنه شرك، وليس عندك يقين بأنه ليس بشرك، وأنت تعلم أنك لو تركته لما كان عليك إثم ولا حرج\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٤٣١ - ٤٣٢).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٤٤٤).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٤٥١ - ٤٥٢).","vol":"1","page":112},{"text":"وقال أيضًا: \"أما مشركوا العرب فإنهم قلّدوا غيرهم من الأمم في الشرك العملي فقط كما تقدم في الآيات، إلا أنهم كانوا عندما يُسألون عن ذلك يتشبثون بالشفاعة فقط، مع تردّد فيها (^١)، ولما حاجّهم القرآن لم يبق بأيديهم إلا الشغب حتى أنقذهم الله ﷿.\nوبالجملة فكان شركهم يكاد يكون عمليًا فقط. وإذا تأملنا ما وقع فيه عامة المسلمين في القرون المتأخرة وجدناه أشد جدًا مما كان عليه مشركو العرب. فإنا لله وإنا إليه راجعون\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-129> العلامة أمين محمود خطاب السبكي </span>(المتوفى: ١٣٨٧): \"ومما تقدم تعلم أن التوسل المشروع بالاتفاق هو التوسل بالعمل الصالح، وبالغير على أنه شفيع وسائل لا مسؤول، بل المسؤول والمقصود هو الله تعالى، لأنه هو النافع الضار المعطي المانع الفعال لما يريد.\nوأما ما يقع من العوام وأشباههم مخالفًا لذلك، فغير مشروع.\nترى أحدهم إذا نزل به أمر خطير، ترك دعاء الله تعالى ودعا غيره، فينادي بعض الأولياء كالشافعي والبدوي والدسوقي والسيدة زينب والرفاعي والبيومي، معتقدًا أنهم أرباب التصريف ولا يخطر له على بال دعاء الواحد القدير، الفعال لما يريد، ناسيًا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» أخرجه أحمد والترمذي عن ابن عباس ...\nوما نشا هذا إلا من الجهل وعمي البصائر. نسأل الله السلامة والوقاية\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-130> العلامة أحمد بن محمد بن عوض العبَّادي </span>(المتوفى: ١٣٨٨):\nومن يقل غير الإله يملك ... ضرًا ونفعًا فهو أيضًا مشرك\nومن ينادِ ميتًا أو غائبًا ... ويرتجيه راغبًا وراهبًا\nفي دفع ضرٍ أو حصول نفع ... فذاك شرك عند أهل الشرع\nكمن ينادي مستغيثًا بأحد ... أو مستعينًا أو رجى منه الولد\nإذ ذاك في العادة ليس يقدرُ ... عليه إلا الواحد المقتدرُ\nوكل ما استحال في العادات ... كطلب الأحياء من الأموات\nفلم يجز لمسلم أن يفعله ... وأنكر الشرعُ على مَن فعله (^٤)\n_________\n(^١) ولهذا كانوا في الشدائد يخلصون الدعاء لله ﷿.\n(^٢) القائد إلى تصحيح العقائد (ص: ١٢٠) المكتب الإسلامي.\n(^٣) هامش الدين الخالص (٥/ ٢٧٧).\n(^٤) منظومة هداية المريد إلى سبيل الحق والتوحيد (ص: ٢٤) المطبعة السلفية، ١٣٨٩ هـ.","vol":"1","page":113},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-131> العلامة محمد بن عمر العماري </span>(المتوفى:١٣٩١): \"اعلم أنّ حال الشخص الذي يدعو غير الله جهارًا، ويطلب العون والمدد من الموتى كما ذكر السائل: حال المشركين في عصر التنزيل والعهد النبوي.\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَاّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾\nوقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي يقولون: ما نعبدهم وندعوهم إلا ليصلونا بالله، ويدنونا منه بشفاعتهم لنا، لقربهم منه، وجاههم عنده، لا نريد أكثر من ذلك.\nفاستعرض أيها العاقل هذه الآيات التي تكشف حال المشركين في عصر النبوة على حال الشخص المذكور في السؤال ومن ضاهاه، ووازن بينهم، فتجدهم قد تأسّوا بهم، فإن القرآن كلام الله الذي قد أحاط بكل شيء علمًا، يعمّ في خطابه الموجودين وقت نزوله، ومن سيوجد بعد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فإن قال الشخص المذكور: ليس حالنا كحال المشركين؛ لأن المشركين يدعون أصنامهم وهي حجارة، ونحن إنما ندعو صالحين؟\nأجيب عنه بأن المشركين كذلك إنما يدعون صالحين، وإنما الأصنام مصوّرة بصورهم لتكون رمزًا لهم؛ فإنه ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت حتى تخرج الصور فأُخرجت، ومن تلك الصور صورة إبراهيم وصورة مريم.\nفإن قال: نحن نصلي ونصوم ونحج ونتصدق ونفعل خيرات كثيرة لله تعالى، أما المشركون فلا يعملون شيئا من ذلك لله تعالى؟\n_________\n(^١) فتوى عن حكم الاستغاثة بغير الله، لمحمد بن عمر العماري (ص: ١٣ - ١٥) تعليق: فائز سعيدان.","vol":"1","page":114},{"text":"أجيب عنه بأن الشخص المذكور جاهل بحالهم، قال سيدنا عمر بن الخطاب ﵁: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية»، لأن من لا يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمّه وقع فيه وأقره وهو لا يعرف أن عليه عمل الجاهلية، كما وقع للشخص المذكور وأمثاله، وحينئذ تنقض عرى الإسلام، ويعود المنكر معروفًا والمعروف منكرا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفَّر بمحض التوحيد، ويبدَّع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع.\nومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا، فإن المشركين قبل مجيء صاحب الرسالة ﷺ كانوا يصومون ويتصدقون ويحجون ويعتمرون ويطوفون بالكعبة ويدعون ويتضرعون وينذرون وكانوا يعملون بعض هذه العبادات لله وبعضها لأوليائهم، وهم يعلنون أن صرف بعض هذه العبادات لأوليائهم مما أمرهم الله به، ويزيدهم من الله قربى، وينالون بها شفاعتهم عند الله كما أخبر الله في الكتاب عن حالهم، فأرسل الله محمدًا ﷺ ينهاهم عنها، ويأمرهم بعبادة الله وحده، وترك الالتجاء إلى الأولياء والصالحين ودعائهم، وترك ما كان عليه أسلافهم من الوثنية\" (^١).\n\nوقال أيضًا: \"فالآيات التي تُليت عليك وغيرها تنص على أنه لا تجوز عقلًا ولا شرعًا العبادة\nومنها - الدعاء - إلا الله الواحد الأحد، المولي لأعظم النعم، من الحياة والوجود وتوابعهما، وأنه إن أراد لك الخير فلا رادّ له، وإن يمسك بضر فلا كاشف له سواه.\nفلا يسوغ لمن عنده مسكة من العقل أن يخضع لغيره، ولا أن يدعو سواه ﷿، كيف وهو إن فعل دلّ على أنه لا عقل له، وذلك بخضوعه لمن لا يستطيع جلب خير له، ولا دفعه عنه، ولا كشف ضرٍ نزل به، ولا إنزاله به، وهذا شيء ظاهر حتى للعقول الضعيفة التي لا تدرك إلا واضح الأشياء.\nأفلا يتدبر الشخص الداعي لغير الله، ومن لفّ لفه، فاتحة الكتاب حين يتلو آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإنّ معناها: نخصك يا ربنا وحدك بالعبادة والاستعانة، فلا نعبد غيرك، ولا نستعين بسواك، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.\nوالاستعانة: هي الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في حصول ذلك.\nفاجتثت بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله يُعتقد لهم السلطة الغيبية، ويُدعون لذلك من دون الله، ويستغاث بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويُتقرب بهم إلى الله زلفى، وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو لتفصيل هذا الإجمال.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٥ - ١٨).","vol":"1","page":115},{"text":"ومن هنا تعلم أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أمورهم وشفاء أمراضهم ونماء أموالهم وهلاك أعدائهم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن الاهتداء بآيات المثاني معرضون، لأن الاستعانة بما وراء الأسباب الممنوحة للبشر إنما تكون لخالقهم، وهو على كل شيء قدير، كالاستعانة على شفاء المرض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العدد والعُدّة، فإذا توجه بها إلى غير الله كان نوعًا من أنواع العبادة الوثنية ...\nوللعبادة صور كثيرة شُرعت لتذكير الإنسان بها، والشعور بالسلطان الإلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة صحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون عن الروح والشعور الذي هو منشأ التعظيم والخضوع\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-132> الشيخ محمد بن سالم البيحاني </span>(المتوفى: ١٣٩١): \"ومن ذبح أو حلق أو قصر، أو نذر أو ركع، أو سجد لغير الله، أو حلف بمخلوق يعظمه، أو سأل حاجاته من الميت، كأن يطلب منه الولد، أو دعاه أو ناداه، أو استغاث أو استعان به في أمر لا يقدر عليه فقد أشرك، وجعل لله ندًا ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.\nوالشرك خفي وجلي، ... ومن الجلي ما يقع عند قبور الأنبياء والصالحين من جهلة المسلمين المتأصلة فيهم الجاهلية الأولى من عبادة الأوثان والطواف بالقبور، ودعوة أصحابها في المهمات، والعكوف عليها، والتمسك بها لطلب البركات.\nوقد أُوذي في الله أقوام بسبب إنكارهم لأعمال يزعم أصحابها أنها من الدين، وتعظيم شعائر الله، وهي مخالفة لأمر رسول الله ﷺ بعبادة الله وحده، وقال المشركون وأصحاب المصالح المستفادة من النذور وما يُهدى إلى القبور، كما قال أصحاب نوح ﵇ ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ \" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ومن الشرك تعظيم القبور الذي فتن به المسلمون في مختلف الجهات، حتى بنوا عليها القباب، واتخذوا لها الأقفاص والتوابيت، وطافوا بها، وحجوا إليها، ونذروا لأصحابها بجزء معلوم من أولادهم، وأقاموا لها الحفلات والمواسم، وجاءوا إليها متوسلين ومستغيثين، هذا يطلب منهم الولد، وثانٍ يطلب منهم شفاء المريض، وثالث يريد منهم النصرة على الأعداء، وأن ينصفوا له من فلان الظالم، ونسبوا إليهم من الكرامات ما لا يصح أن يكون معجزة لنبي مرسل، وكتبوا عنهم الشطح، والكلام الذي لا يصدر إلا من ملحد في دين الله، أو مدّع أنه شريك لله.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٨ - ٢٠).\n(^٢) إصلاح المجتمع (ص: ٦٨) دار العاصمة.","vol":"1","page":116},{"text":"وذكرت من سوء أفعالهم، وقبيح أقوالهم في كتابي الصارم القرآني شيئا كثيرًا، ومن دعا غير الله أو ناداه في مهماته، أو طلب منه ما لا يقدر عليه إلا صاحب القدرة المطلقة فقد أشرك، وكذلك من ركع أو سجد، أو ذبح أو نذر، أو حلق لغير الله، أو حلف بأي مخلوق ولو نبيًا أو ملكًا ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ \" (^١).\nوقال أيضًا: \"إذا زرتَ قبرًا من قبور الصالحين رأيتَ الناس حوله باكين خاشعين متضرعين، يعرضون عليه حاجاتهم كما يعرضونها على الله، ويخاطبون صاحب الضريح بكلمات يخجل منها وجه الإسلام، ويبكي لها كل من اعتقد أن لا وثنية في الإسلام\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-133> العلامة محمد الأمين الشنقيطي </span>(المتوفى: ١٣٩٣): \"التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول\nﷺ، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأنّ دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته.\nوبهذا التحقيق تعلم أنّ ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أنّ المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى.\nواتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله ﷺ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل\" (^٣).\nوقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَا إِيَّاهُ﴾: \"لا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة أن الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده، ولا يصرفون شيئًا من حقه لمخلوق، وفي وقت الأمن والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده، التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة.\nويُعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالًا من عبدة الأوثان، فإنهم إذا دهمتهم الشدائد، وغشيتهم الأهوال والكروب التجؤوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح. في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله، مع أن الله جل وعلا أوضح في غير موضع أن إجابة المضطر، وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه فيها غيره\" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٢١١ - ٢١٢)\n(^٢) حاشية هداية المريد إلى سبيل الحق والتوحيد (ص: ١٢ - ١٣).\n(^٣) أضواء البيان (١/ ٤٠٣) دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان، ط/ ١٤١٥ هـ.\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ١٧٤).","vol":"1","page":117},{"text":"وقال أيضًا: \"اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه كحق النبي ﷺ، ليضع كل شيء في موضعه، على ضوء ما جاء به النبي ﷺ في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة.\nوإذا عرفت ذلك فاعلم أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا الله.\nفالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا لله وحده، لأنه من خصائص الربوبية، فصرْفُ ذلك الحق لله وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته، وطاعة رسوله\nﷺ ومرضاته، وهو عين التوقير والتعظيم للنبي ﷺ؛ لأن أعظم أنواع توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده جل وعلا.\nوقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه أن التجاء المضطر من عباده إليه وحده في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى\nمن أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل أعني قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ...\nثم قال تعالى وهو محل الشاهد: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nفهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعاه، وكشف السوء، وجعل الناس خلفاء في الأرض من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nفتأمل قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ تعلم أن إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا، وكشف السوء عن المكروبين، لا فرق - في كونه من خصائص الربوبية- بينه وبين خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء وإنبات النبات، ونصب الجبال وإجراء الأنهار، لأنه جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد، وأتبع جميعه بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.\nفمن صرف شيئا من ذلك لغير الله توجه إليه الإنكار السماوي الذي هو في ضمن قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فلا فرق البتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٧/ ٤٠٤ - ٤٠٥).","vol":"1","page":118},{"text":"وقال أيضًا: \"وكون إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين من خصائص الربوبية كما أوضحه تعالى في هذه الآيات من سورة النمل، جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى مخاطبا نبيه ﷺ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾.\nفعلينا معاشر المسلمين أن نتأمل هذه الآيات القرآنية ونعتقد ما تضمنته ونعمل به لنكون بذلك مطيعين لله تعالى ولرسوله ﷺ، معظمين لله ولرسوله، لأن أعظم أنواع تعظيم رسول الله\nﷺ، هو اتباعه والاقتداء به، في إخلاص العبادة لله جل وعلا وحده.\nفإخلاص العبادة له جل وعلا وحده، هو الذي كان يفعله ﷺ ويأمر به وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.\nواعلم أن الكفار في زمن النبي ﷺ كانوا يعلمون علمًا يقينًا أن ما ذُكر من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، من خصائص الربوبية، وكانوا إذا دهمتهم الكروب، كإحاطة الأمواج بهم في البحر، في وقت العواصف يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك، وقد بين الله جل وعلا هذا في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ...\nوقد قدمنا هناك [أي: في سرة الإسراء] أن بعض المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالا من هؤلاء الكفار المذكورين لأنهم في وقت الشدائد يلجؤون لغير الله طالبين منه ما يطلب المؤمنون من الله.\nوبما ذكر تعلم أن ما انتشر في أقطار الدنيا من الالتجاء في أوقات الكروب والشدائد إلى غير الله جل وعلا كما يفعلون ذلك قرب قبر النبي ﷺ وعند قبور من يعتقدون فيهم الصلاح، زاعمين أن ذلك من دين الله ومحبة الرسول ﷺ وتعظيمه، ومحبة الصالحين، كله من أعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمات الله وحرمات رسوله؛ لأن صرف الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي ﷺ أو غيره ممن يعتقد فيهم الصلاح مستوجب سخط الله وسخط النبي ﷺ وسخط كل متبع له بالحق.","vol":"1","page":119},{"text":"ومعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر بذلك هو ولا أحد من أصحابه، وهو ممنوع في شريعة كل نبي من الأنبياء، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، بل الذي كان يأمر به ﷺ هو ما يأمره الله بالأمر به في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\nواعلم أنّ كل عاقل إذا رأى رجلًا متدينًا في زعمه مدعيًا حب النبي ﷺ وتعظيمه، وهو يعظم النبي ﷺ ويمدحه بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل الماء من السماء وأنبت به الحدائق ذات البهجة، وأنه ﷺ هو الذي جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزا إلى آخر ما تضمنته الآيات المتقدمة، فإن ذلك العاقل لا يشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله ورسوله المتعدين لحدود الله.\nوقد علمت من الآيات المحكمات أنه لا فرق بين ذلك وبين إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين.\nفعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل، وأن نعظم ربنا بامتثال أمره واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا ﷺ باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله والإخلاص له، والاقتداء به في كل ما جاء به، وألا نخالفه ﷺ ولا نعصيه، وألا نفعل شيئًا يشعر بعدم التعظيم والاحترام، كرفع الأصوات قرب قبره ﷺ، وقصدنا النصيحة والشفقة لإخواننا المسلمين ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه ﷺ تعظيم الموافق لما جاء به ﷺ ويتركوا ما يسميه الجهلة محبة وتعظيما وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك لحرمات الله ورسوله\nﷺ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.\nواعلم أيضا رحمك الله: أنه لا فرق بين ما ذكرنا من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، كالحصول على الأولاد والأموال وسائر أنواع الخير.\nفإن التجاء العبد إلى ربه في ذلك أيضا من خصائص ربوبيته جل وعلا كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث: «إذا سألت فاسأل الله».","vol":"1","page":120},{"text":"وقد أثنى الله جل وعلا على نبيه ﷺ وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، فنبينا ﷺ كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجؤوا إلى الله وأخلصوا له الدعاء. فعلينا أن نتبع ولا نبتدع\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-134> العلامة حسن مأمون مفتي الديار المصرية </span>(المتوفى: ١٣٩٣): \"أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد، والإسلام يحارب جاهدًا كل ما يقرب الإنسان من مزالق الشرك بالله، ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق، وهي رواسب جاهلية، فلو نظرنا إلى ما قاله المشركون عندما نعي عليهم الرسول ﷺ عبادتهم للأصنام قالوا له: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فهي نفس التي يسوقها اليوم الداعون للتوسل بالأولياء لقضاء حاجة عند الله أو التقرب منه.\nومن مظاهر هذه الزيارات أفعال تتنافى مع عبادات إسلامية ثابتة، فالطواف في الإسلام والتقبيل في الإسلام لم يسن إلا للحجر الأسود، وحتى الحجر الأسود قال فيه عمر وهو يقبّله: «والله لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما فعلت»، فتقبيل الأعتاب أو نحاس الضريح أو أي مكان به حرام قطعًا.\nوتأتي بعد ذلك الشفاعة وهذه هي في الآخرة ... غير أن الله ﷾ قد حدد طريق الشفاعة في الآخرة، فهذه الشفاعة لن تكون إلا لمن يرتضي الله أن يشفعوا، ولأشخاص يستحقون هذه الشفاعة، وهؤلاء أيضًا يحددهم إذن فكل هذا متعلق بإذن الله وحكمه، فإذا نحن سبقنا هذا الحكم بطلب الشفاعة من أي كان، فإن هذا عبث لأننا نستطيع أن نعرف من سيأذن الله لهم بالشفاعة ومن يشفع لهم.\nوعلى ذلك يتضح أنّ كل زيارة للأضرحة - غير الشرعية - والطواف حولها وتقبيل المقصورة والأعتاب والتوسل بالأولياء وطلب الشفاعة منهم كل هذا حرام قطعًا ومناف للشريعة، أو فيه إشراك بالله\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-135> العلامة محمد كنون المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب </span>(المتوفى: ١٣٩٨) في جوابه عن حكم الاستسقاء كل عام في موعد محدد عند ضريح ولي مع حفلة يسمونها الصدقة: \"فقيسوا أعمالكم يا من يقيمون الحفلات عند قبور الأموات التي تذكّر الآخرة لا أفراح الدنيا، على أعمال رسولكم ﷺ، وأعمال خلفائه الراشدين، والصحابة المهتدين، فحينئذ يظهر أنكم تطلبون القحط لا القطر، حيث تركتم التوجه إلى ربكم الحي الدائم بالخضوع والخشوع، والاستغفار والخنوع إلى قبرٍ الله أعلم بحال صاحبه، غافلين عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٧/ ٤٠٦ - ٤١٠).\n(^٢) هذه الفتوى نشرتها مجلة الإذاعة المصرية في ٧/ ٣/١٩٥٧ م.\n(^٣) علماء المغرب ومقاومتهم للبدع والتصوف والقبورية (ص: ١١٣) الناشر: جريدة السبيل.","vol":"1","page":121},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-136> القاضي العلامة عبد الله بن عوض بكير </span>رئيس القضاء الشرعي للدولة القعيطية بحضرموت (المتوفى: ١٣٩٩): \"ويجب على المسلم أن لا يسأل إلا الله، وأن لا يدعو إلا الله ... فلا يجوز الركون إلى غير الله، ولا يجوز التعويل على غيره تعالى في شيء من الأمور الدنيوية والأخروية، ومن ثم قال رسول الله ﷺ موصيًا ابن عباس وهو بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، أي: إذا أردت سؤال شيء فاسأل الله أن يعطيك إياه، وإذا أردت الإعانة على شيء فاسأل الله أن يعينك عليه قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ \" (^١).\nوقال أيضًا: \"فلا يجوز لأحد أن يعتمد على غير الله، أو يدعو غير الله؛ فإن ذلك قد يجرّ إلى الشرك إذا لم يكن شركًا صريحًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ...\nوقد فشت في هذه الأزمنة على ألسنة العامة ونحوهم ألفاظ قبيحة تجر إلى الكفر، بل ربما كانت هي الكفر بعينه، والعياذ بالله، فيجب إرشادهم وتحذيرهم من تلك الألفاظ، فمنها قولهم عند وقوع مكروه بهم أو نحو قيام أو قعود: يا الله ويا الوالدين، يا الله ويا أهل السلف، يا الله ويا أهل باعلوي، يا الله وزيا الشيخ فلان، أو السيد فلان، ونحو ذلك، فظواهر الأدلة تنبئ أنّ هذه الألفاظ شرك والعياذ بالله.\nفيجب التحذير من مثل هذه البوائق القادحة في الإيمان، قال تعالى: ﴿لَاّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾، قال بعض المفسرين: الخطاب إما للنبي ﷺ والمراد غيره، أو لكل مكلف وهو الأولى.\nوالمعنى لا تشرك أيها المكلف غير الله مع الله لا في ظاهرك ولا باطنك، بل خلص قلبك من التعلق بغيره والمحبة لسواه، ولا تجعل الغير في خيالك، فإنه نقص عن مراتب الأخيار\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ومن بدعهم أنهم إذا أتوا قبر صالح ونحوه ينادونه كنداء الله، فبعضهم يناديه أريد ولدا، وبعضهم يناديه أريد مالا، وبعضهم يطلب منه نصرًا على عدوه، وبعضهم يطلب منه تسهيل طريق السفر، وقبائحهم في هذا كثيرة شهيرة لا تخفى\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"ومن هذا القبيل دعاء غير الله، أو إشراكه مع الله في الدعاء، فهو من التشبه بالمشركين الذين يدعون آلهتهم من دون الله، بل هذا أقبح في الدين ...\nوهذا إذا كان الداعي معتقدًا أنّ النافع الضار المؤثر في الوجود هو الله تعالى، وأما إذا كان معتقدًا أن المخلوق المدعو له تأثير في شيء ما، أو يعتقد فيه نفعًا أو ضرًا فهو مشرك قطعًا\" (^٤).\n_________\n(^١) تطهير الفؤاد من سيء الاعتقاد (ص: ١٦ - ١٧) دار حضرموت للدراسات والنشر، ٢٠١٠ م.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٢٠ - ٢١).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٢٢).\n(^٤) المصدر السابق (ص: ٣٦).","vol":"1","page":122},{"text":"• وقال الشيخ<span data-type=\"title\" id=toc-137> أبو الأعلى المودودي </span>(المتوفى: ١٣٩٩) عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾: \"ليس المراد من الشركاء في هذه الآية الشركاء الذين يدعونهم وينادونهم في الكربات وينذرون لهم في البليات، بل المراد من الشركاء في هذه الآية المطاعون الذين جعلوا أفكارهم وعقائدهم وضوابطهم وطرقهم ومذاهبهم شريعة يطاعون فيها بدون إذن من الله تعالى، فهذا العمل لا شك أنه شرك كما أن السجود لغير الله، ودعاء غير الله شرك\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-138> الشيخ غلام الله خان الملقب بشيخ القرآن </span>(المتوفى: ١٤٠٠): \"لقد تبين من هذه الآيات أن مشركي مكة لم يكونوا يدعون عند نزول الملمات إلا الله ﷿ وحده لا شريك له، ومع ذلك كانوا مشركين؛ لأنهم كانوا يدعون غير الله في غير ذلك الوقت، ولكن مشركي اليوم القبورية، قد سبقوا مشركي مكة وتجاوزوا الحد؛ لأنهم يدعون غير الله حتى وقت نزول الملمات بهم\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-139> العلامة محمد علي بافضل </span>(المتوفى: ١٤٠٤): \"قال الله تعالى في سورة غافر: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال في سورة الأعراف: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقال في سورة غافر: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\nفهذا الدليل من كلام الله على كون الدعاء عبادة تختص بالله وحده.\nوالدليل من قول رسول الله: «الدعاء هو العبادة»، وقوله: «الدعاء مخ العبادة» أي لبّها الذي هو أفضل شيء فيها.\nوكيف لا يكون الدعاء مخ العبادة أو هو العبادة وعنده يشعر الإنسان باللذة التي لا تعادلها لذة، والسرور الذي لا يدانيه سرور، وذلك عندما يتوجه في قضاء حاجاته إلى من بيده ملكوت كل شيء ...\nوكيف لا يكون مخّ العبادة وهو محل الخضوع والتذلل والانكسار والرجاء والافتقار إلى من يجيب المضطر إذا دعاه ...\nومن هذا يتبين المنع من دعاء غير الله أو دعائه معه، وإنّ من يُنزل حاجته بعاجز مثله أو يدعوه مع الله سبحانه فقد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين\" (^٣).\n_________\n(^١) تفهيم القرآن (٤/ ٤٩٩) ط/ الحجرية بلاهور.\n(^٢) جواهر القرآن (ص: ٣٧) ط/ الحجرية الباكستانية.\n(^٣) دعوة الخلف إلى طريقة السلف (ص: ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"1","page":123},{"text":"وقال أيضًا: \"ومن الشرك في العبادة: دعاء غير الله عند الشدائد، والالتجاء إلى غير الله في كشف الكربات وقضاء الحاجات، وقد أمر الله بأن تكون وجهة العبد لله وحده لقوله تعالى في سورة الأنعام ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.\nفالمفهوم من الآية الأولى أنّ من وجّه وجهه فيما لا يقدر عليه إلا الله إلى غير الله فقد أشرك\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إنّ دعاء غير الله مع الله أو دونه شرك وضلال، لا توسل واستشفاع، وما قول الداعين غير الله إنه توسل واستشفاع سوى أثارة شبهة تنطلي على من لا علم له بالأدلة القرآنية والنبوية.\nأما من فهم الأدلة القاطعة القائلة بأنّ دعاء غير الله شرك وضلال فسوف يلفظ هذا القول ...\nوكيف نسمي دعوة غير الله توسل واستشفاع مع أنّ الآيات القاطعة تقول بخلاف ذلك كما ورد ذلك في غير ما آية من كتاب الله.\nوالصالح مهما بلغ به صلاحه فلا يخول له صلاحه بأن يُدعى من دون الله أو معه، وهذا بعينه فعل أهل الجاهلية الأولى من المشركين، وهو من الشرك الذي تساهل الناس به ووقعوا فيه بعد مضي خير القرون.\nفلا يجوز قطعًا أن يُستغاث أو يستعان بغير الله، سواء من الأولياء الغائبين أم من الأموات، لكونه لم يثبت عن الله أو عن رسول الله، أو عن خير القرون بوجه صحيح، وإن وُجد حديث فهو حديث موضوع، أو ضعيف شديد الضعف، أو مؤول لا يسوغ قبوله لمخالفة صريح القرآن ...\nولو أنّ هؤلاء الهاتفين بمن يعتقدون صلاحه عند الشدائد تدبروا آيات الله وما تعطيه من معان حول ما هم فيه لما وقعوا في الشرك، ولعادوا إلى التوحيد الخالص، إذ أنّ المسلم المحتاط لدينه لا يرضى لنفسه الكفر\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٥٠ - ١٥١).","vol":"1","page":124},{"text":"وقال أيضًا: \"والأصل في الشرك أن يوجه العبد أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، أو يعتقد أن لغير الله أثرًا فوق ما وهبه الله من الأسباب الظاهرة، أو أنّ لشيء من الأشياء سلطانًا على ما خرج عن قدرة المخلوقين.\nومن أنواعه أن يتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحب الله، وينسب إليهم من التدبير والتصريف ما لا يقدر عليه إلا الله، وأن يلتمس منهم جلب الخير وكشف الضر، ويقف بين أيديهم خاشعًا خاضعًا ذليلًا ضارعًا كما هو مشاهد من ذوي العقائد الزائغة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"أما الاستغاثة بالأموات وبالغائبين فمما لم يسوغه الشرع، ومما لم يأت عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة، ويجب أن نستغيث عند الاضطرار ونلجأ عند الحاجة إلى من يسمع ويرى، ومن هو أقرب إلينا من حبل الوريد، وإلى من بيده ملكوت كل شيء، هذا هو الحق، وذلك هو الصواب.\nكيف وقد نُهينا شرعًا عن دعاء غير الله، وعن الالتجاء إلى سواه، وعن الاعتصام بحبل غيره، في غير ما آية ...\nوقولُ من يفعل ذلك مع أصحاب القبور: إننا نعتقد أنّ المؤثر هو الله، غير أننا نعتقد فيهم لقربهم من الله، فنفعل ذلك معم كوسطا، فقول هراء باطل، وغرور غرهم به الشيطان، وقولهم هذا مشابه لقول المشركين كما حكي في سورة الزمر: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾، فدل قولهم هذا على أنهم لا يعتقدون فيهم الضر والنفع وغير ذلك، بل هم يعتقدون أن ذلك لله وحده، وإنما جعلوهم وسطاء فقط. أفيرضى المؤمن التشبه بقوم عصوا الله ورسوله!\nفما داموا يعتقدون أن المؤثر هو الله وحد، وأن المدعوين من دونه لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، فحري بهم أن يعدلوا عنهم إلى من يملك لهم ما أرادوا، وهو الله وحده لا غيره، فالله غني عن الوسطاء\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فالله فرض على عباده إفراده بالعبادة بقوله: ﴿أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللّهَ﴾، وإخلاصها بقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾، وبقوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.\nومن نادى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، وخوفًا وطمعًا، ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله عبادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٤٢).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٩٠ - ١٩١).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ١٩٤).","vol":"1","page":125},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-140> الشيخ محمد طاهر ابن آصف الفنجفيري </span>الماتريدي النقشبندي الملقب عند الحنفية المعاصرين بشيخ القرآن (المتوفى: ١٤٠٧): \"وقلما تجد بلدة إلا ولها آلهة تُعبد وتُستغاث بهم ويعتقدون أهلها فيهم أنهم يتصرفون فيها، جعلوهم للنصر، والرزق، والأولاد، ودفع الضر، وينذرون لهم\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وقد زادوا أوصافًا للأولياء الكرام والأنبياء العظام مشركين بالله العظيم، فقالوا: بعلم الغيب لهم، وأن لهم التصرف فيما يختارون ويهبون للناس ما يشاؤون وتقربوا بهم إلى الله العظيم بالوسائل الشركية كالمشركين، الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويستغيثون بهم في الشدائد ويتضرعون إليهم ويتقبلون أعتابهم، ويطوفون حول قبورهم، وينذرون لهم ويسجدون\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-141> العلامة محمد نسيب الرفاعي الحلبي </span>(المتوفى: ١٤١٣): \"إن الشرع الإسلامي الكريم لا يجيز مخاطبة الأموات والسؤال منهم قضاء الحاجات كالدعاء وغيره؛ لأنه انقطع عملهم بوفاتهم لقوله\nﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له»، وكيف يسألون الأموات قضاء الحاجات والحي القيوم بديع السموات والأرض لا يسألونه، وهو حي باق لا يموت؟! \" (^٣).\nوقال أيضًا: \"والرسول ﷺ بعد أن توفاه الله هو من الموتى ومن أهل القبور، فثبت أنه لا يسمع دعاء أحد من أهل الدنيا وإن كان هو والأنبياء لا يبلون لأنّ الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما جاء في الصحيح، ولكنهم أجساد بلا أرواح، وهم أموات ولا شك، فإن الموت شيء وعدم البلى شيء آخر، فمن كان ميتًا لا يمكن أن يسمع أحدًا من أهل الدنيا، فإذا ثبت عدم السماع يثبت عدم الإجابة لأنّ السمع هو همزة الوصل لحصول الجواب\" (^٤).\n_________\n(^١) العرفان في أصول القرآن (ص: ٢٢) المطبعة العربية بلاهور.\n(^٢) أصول السنة (ص: ٤٣) المطبعة العربية بلاهور.\n(^٣) التوصل إلى حقيقة التوسل (ص: ٢٥٦) ط/ الثالثة، ١٣٩٩ هـ.\n(^٤) التوصل إلى حقيقة التوسل (ص:٢٧٦).","vol":"1","page":126},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-142> العلامة محمد المكي الناصري </span>(المتوفى: ١٤١٤): \"مع أن الميت قد انقطع عمله، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرًا، فكيف لمن استغاث به أو سأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، واستعانة ذلك الميت وسؤاله لم يجعلهما سبحانه سببًا لإذنه، وإنما السبب في إذنه كمال التوحيد، فجاء هذا بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، على أن الميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له، كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس أولئك القبوريون هذا وزاروهم زيارة العبادة لقضاء الحوائج والاستعانة بهم، وجعلوا قبورهم قريبة من أن تصير أوثانًا تعبد، وقد شاع هذا بين المسلمين وذاع، وعم كل ما يستوطنون من البقاع\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-143> العلامة المباركفوري </span>(المتوفى: ١٤١٤) بعد ذكر حديث الأعمى: \"وفيه إنّ إحضاره في القلب وتصوّره في أثناء الدعاء والخطاب معه فيه جائز، كإحضاره في أثناء التشهد في الصلاة والخطاب فيه وسيأتي الكلام فيه.\nوفيه قصر السؤال الذي هو أصل الدعاء على الملك المتعال، ولكنه توسل به ﵊، أي بدعائه كما قال عمر: كنا نتوسل إليك بنبيك ﵊، فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد، ولذا قال في آخره «اللهم فشفّعه فيّ» إذ شفاعته لا تكون إلا بدعاء ربه قطعًا، ولو كان المراد بذاته الشريفة لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله «بنبيك» كاف في إفادة هذا المعنى.\nوأيضًا قول الأعمى للنبي ﷺ «ادع الله تعالى أن يعافيني» وجوابه ﵊ له «إن شئت دعوتُ وإن شئت صبرت فهو خير لك» وقول الأعمى «فادعه» دليل واضح وبرهان راجح على أن التوسل كان بدعائه لا بنفس ذاته المطهرة ﵊\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-144> العلامة نقيب أحمد الرباطي الملقب عند الحنفية المعاصرة </span>بجامع المعقول والمنقول: \"التوسل الغير الشرعي على أنحاء سبعة حسبما وقع عليه عمل كثير من الناس المفتونين بالقبور والمشاهد:\n_________\n(^١) إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة (ص: ١٧٦) الطبعة/ الأولى، ١٤١٣ هـ.\n(^٢) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٨/ ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"1","page":127},{"text":"النحو الأول: أن يأتي قبر نبي أو ولي أو غيرهما ممن يحسن عقيدته عليه، فيقول: يا سيدي فلان اشفني، أو اشف مريضي، أو اكشف كربتي، واقض حاجتي، أو أهلك عدوي، وعليك أن تفعل كذا وكذا، وأنت وكيلي، وأنت كفيلي ...\nأما النحو الأول فليس من التوسل المباح في شيء، بل هو كفر بواح وإشراك بالله في التصرف والقدرة والدعاء، يجب استتابة المبتدي به، فإن تاب وإلا يقتل، وليس هذا أقل من شرك المشركين الذين أنزل لإصلاحهم القرآن، وبعث لدعوتهم الرسول ﷺ، بل هو أزيد من شركهم بكثير؛ ذلك لأن مشركي مكة وغيرهم كانوا قائلين بوجود الله تعالى، وأنه خالق السماوات والأرضين، وخالقهم، وخالق آبائهم الأولين، وأن بيده ملكوت السماوات والأرض وأنه يدبر الأمر، وأنه يجير ولا يجار عليه، وأنه سخر الشمس والقمر، وأنه يجري السحاب، وينزل الأمطار، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.\nولم يكن أحد من المشركين يثبت لله شريكا يساويه في العلم والقدرة وسائر الصفات، وهذا مما لم يوجد إلى الآن، وإنما اتخذوا من دون الله أولياء قصدوا بعبادتهم التقرب إلى الله، وقالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وكانوا يحجون، ويعتمرون، ويطوفون بالبيت، ويلبون، ويقسمون بالله، وكانت أصنامهم تماثيل الأنبياء، والملائكة، والجن، والصالحين من عباد الله والكواكب العلوية، وكان مبدأ شركهم هو الغلو في الصالحين\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وإذا أحطت بما ذكرنا علمًا أدركت أنّ كفرَ المشركين من المؤمنين في أمة رسولنا ﷺ من العرب والعجم، أعظمُ من كفر الذين قاتلهم النبي ﷺ، وقد سمعت أن الله تعالى ذكر عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا غير الله من السادة والقادة والطواغيت، فلم يدعوا أحدا منهم، ولم يستغيثوا بهم، بل أخلصوا لله وحده لا شريك له، وأنت ترى أن المشركين المدّعين للإيمان من المسلمين- وفيهم من يدعي أنه من أهل العلم والفضل، وفيه الصلاح والزهد، والاجتهاد في العبادة- إذا مسه الضرر وأهمه أمر من أمور الدنيا قام يستغيث بغير الله من الأولياء، كمعروف الكرخي والشيخ عبد القادر الجيلاني، وسالار مدار ونحوهم ...، وأشنع وأفظع وأقبح وأعظم جرما وأطم ضلالة أنهم يستغيثون بالطواغيت، والأجداث، وأهل القبور، والمردة من الجن والشياطين، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويسافرون إلى أنصابهم، ويفزعون إلى أحبارهم ورهبانهم\" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-145> الشيخ محمد الغزالي </span>(المتوفى: ١٤١٦): \"ولماذا نستحي من وصف القبوريين بالشرك؟! مع أن الرسول وصف المرائين به فقال: «الرياء شرك».\nإنّ واجب العالم المسلم أن يرمق هذه التوسلات النابية باستنكار، ويبذل جهده في تعليم ذويها طريق الحق، لا أن يفرغ وسعه في التمحل والاعتذار!\nولست ممن يحب تكفير الناس بأوهى الأسباب، ولكن حرام أن ندع الجهل يفتك بالعقائد ونحن شهود. أي جريمة يرتكبها الطبيب إذا طمأن المريض ومنع عنه الدواء، وأوهمه أنه سليم معافى؟! إن ذلك لا يجوز\" (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدرية في تحقيق الوسيلة الشرعية (ص: ٣٥) ط/ العلمية بلاهور.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٦٧).\n(^٣) عقيدة المسلم (ص: ٨٤ - ٨٥).","vol":"1","page":128},{"text":"وقال أيضًا: \"وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ﴾ ليس تصريحًا ولا تلميحًا إلى جواز التوسل. والآية ناطقة بأن المجيء للظفر باستغفار الرسول ﷺ، وذلك بداهة في أثناء الحياة لا بعد الموت. وللصوفية شطحات في هذا الموضع إن صدقوا فيها فهي أحوال توقف عليهم وليس لدين الله بها شأن، ومصادر التشريع معروفة، ولم نعرف من مصادر التشريع أنّ فلانًا الصالح رأى في منامه كذا وكذا، أو أن فلانًا المجذوب خيل إليه في أثناء زيارته للروضة النبوية كيت كيت ...\nأما ذلك الذي يوجب التوسل ويرى أن تأثير الميت أقوى من الحي فهو رجل مخبول.\nوزعمه بانتفاء الشرك ما دام الاعتقاد أن الفاعل هو الله كلام فارغ، وقد أبنّا أن المشركين القدماء كانوا يعرفون أن الفاعل هو الله، وأن توسلهم كان من باب ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وأن ندمهم يوم القيامة إنما هو على تسويتهم المخلوق بالخالق ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهناك عشرات الآيات تؤكد هذا المعنى.\nسيقول بعض الناس: إن القدماء كانوا يعبدون. أما عوام اليوم فهم يدعون ويسألون فقط، وشتان بين عباده الجاهلين وتوسل المحدثين بأولياء الله.\nونقول: هذه مغالطة، فالسؤال والدعاء بنص القرآن والسنة عبادة محضة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، وفي الحديث «الدعاء مخ العبادة»، فلماذا نتوجه إلى البشر بما هو من خصائص الألوهية؟!\nوإذا وقع الجهال في تلك الخطايا بغباوتهم، فلماذا لا نسارع إلى إنقاذهم منها، بدل تزوير الفتاوى؟!\nوقد تذكر في هذا المجال قصة الأعمى الذي توسل إلى الله بنبيه ﷺ ليرد إليه بصره. ومع أن القياس مع الفارق - لو صحت القصة - فهذا الأعمى دعا الله، وأولئك الحمقى يدعون غيره. إلا أن القصة نفسها ليست من قسم الحديث الصحيح، والاحتجاج بالآثار الضعيفة في العقائد والأحكام لا يقبل من صاحبه، ومثل هذه الرواية قد تروج عند الوعظ بفضائل الأعمال.\nوآيات القرآن ينظر فيها إلى عموم اللفظ لا إلى خصوص السبب، وقد حرم الله الشرك على العرب فهو على غيرهم حرام.\nفالقول بأن الآيات نزلت في أهل الجاهلية وحدهم جهالة لا نأبه لقائلها، ولا نقيم لها اعتبارًا. رزقنا الله صدق التوحيد، وأحيانا وأماتنا عليه\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص:٨٧ - ٨٩).","vol":"1","page":129},{"text":"• فتوى<span data-type=\"title\" id=toc-146> العلامة عبد الله بن محفوظ الحداد </span>رئيس المجلس العالي للقضاء بالمكلا في أيام الدولة القعيطية (المتوفى: ١٤١٧) عما سأله بعض أهالي تريم عن الاستغاثة بالأموات، وما حكم تلفظ القائل عند حدوث مكروه، مثل سقوط طفل: يا الله يا شيخ سعيد، أو يالله يا محضار، وأحيانا يقول: يا محضار احضر ... إلخ.\nفأجاب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سدنا محمد، إنّ مثل هذه العبارات من العبارات الشركية التي يجب على المسلم أن يتنزه عنها، فقد قال رسول الله - ﷺ - لمن قال: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله ندًا»، وهذه الاستغاثات ممنوعة؛ لأنها موهمة وتؤدي إلى خلل في العقيد، خصوصا من العامي الذي يعتقد أن لهؤلاء الأولياء تصرفًا، وأنهم يحضرون عند الاستغاثة بهم، وإنما يستغاث بالله ﷻ، لا بغيره من الملائكة أو الرسل أو الأولياء والصالحين، فكلٌ مما يجب منعه ومحاربته.\nومع الأسف فإنّ هذه الألفاظ يكررها العوام، والعلماء يسمعونهم فلا ينهونهم ولا ينبهونهم على خطرها لأنها تتصل بالعقيدة، فالله هو النافع الضار المحيي المميت مالك الملك لا شريك له، ليس لأحد معه شرك ولا تصرف - ثم ذكر فتوى العلامة الكردي (المتوفى: ١١٩٤) السابقة من كتاب بغية المسترشدين، ثم قال-:\n\"قلت: فإن قوله: \"الظاهر عدم كفره\" (^١) أنّ ذلك حرام، لأنه يؤدي إلى الكفر، خصوصًا من العوام الذين أصبحوا يعلنون مثل ذلك في كلامهم وحتى عند الجنائز- فأهل السوق يقولون: يا محضار، وأهل النويدرة يقولون: يا شهاب الدين -\nوهذا إن لم يكن كفرًا صريحًا فهو قريب منه، ويجب على العلماء التنبيه عليه، والتحذير منه، ومنع إعلانه في المجتمعات كالجنائز ونحوها من الحريق وغيره، وليأخذوا بالسبيل القويم الأسلم.\nوإذا كنا نعذر بعض العلماء مما ورد في أشعارهم لأنهم علماء يعلمون ما يقولون، فإذا نادى ميتًا فإنما لأجل مدحه لا للاستغاثة به، وإن كان فيه استغاثة حملناه على المحمل السليم لعلمه، أما أن نترك العامة يأخذون الألفاظ ويعلنونها كأنها من الأذكار، فهذا ما لا يجوز قطعًا، والساكت عن الحق شيطان أخرس. والله المستعان\" (^٢).وقال أيضًا: \"إن المتوسِّل متوجِّه بطلبه إلى الله، وذكر المتوسَّل به على سبيل التحبب.\nوأما الاستغاثة فيمكن اعتبارها توسلًا ظنيًا لمن يفهم وينوي طلب الدعاء، وإلاّ فإنها ممنوعة، وبالذات للعوام الذين قد يعتقدون في المستغاث به القدرة على تحقيقها استقلالًا، ولهذا فهي محرمة على العوام وعلى إظهارها الفتوى بها، ونعذر العلماء الذين جاءت في أشعارهم لعلمنا بصحة عقيدتهم وأنهم إنما يقصدون التوسل بالمستغاث به وطلب دعائه\" (^٣).\n_________\n(^١) في فتاوى العلامة الكردي كما تقدم بلفظ \"فالذي يظهر عدم كفره، وإن كان هذا اللفظ قبيحًا يتبادر منه الكفر\"، ولكن العلامة المشهور اختصر ذلك في بغية المسترشدين فقال: \"فالظاهر عدم كفره\".\n(^٢) هذه الفتوى صدرت بخط الشيخ وتوقيعه وختمه، ثم طبعت ووزعت في حياته.\n(^٣) هذه الفتوى بتاريخ: ١٢ صفر/ ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":130},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-147> الشيخ أبو الحسن الندوي </span>(المتوفى: ١٤٢٠) كما في حاشية رسالة التوحيد للشهيد إسماعيل الدهلوي عند تعليقه على قول الدهلوي السابق \"وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة، أو ألمت بهم ملمة، أن يقرؤوا وِرد \"يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله\" في عدد مخصوص ومدة معينة:\n\"ذهب أكثر فقهاء المذهب ومحققو الصوفية إلى عدم إباحة هذا الورد، ولهم في ذلك مقالات وفتاوى، ... وليت شعري ما ألجأ الناس إلى ذلك، والله أقرب من كل قريب، وأرحم من كل رحيم، وهو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ والقائل: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.\nوقد جاء في وصية الإمام الشيخ عبد القادر الكيلاني نفسه لابنه الشيخ عبد الوهاب \"وكِل الحوائج كلها إلى اللَّه ﷿ واطلبها منه، ولا تثق بأحد سوى اللَّه ﷿، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه، التوحيد، التوحيد، التوحيد\" (^١).\n\nوقال أيضًا مبينًا حالة كثير من المسلمين في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كانت العقائد الشركية قد نالت رواجًا بين عامة المسلمين بسبب اختلاطهم مع أصناف من المشركين ونفوذ الدولة الفاطمية الباطنية الإسماعيلية وانتشار الصوفية، فكانوا يحملون من العقائد الشركية في الأولياء والصالحين والمشايخ ما كان يعتقده اليهود والنصارى والمشركون من الطواف حول القبور والاستغاثة بأصحابها، والحج إليها، وبناء المساجد الفخمة عليها وعقد المهرجانات عليها عاما مقامًا، والنذور إلى القبور، وقد عمت وطمت هذه العقائد إلى أن جعلوا الميت كالإله، والشيخ الحي كالنبي، وكانوا قد عزلوا الله تعالى عن أن يتخذوه إلهًا، وعزلوا النبي ﷺ عن أن يكون رسولًا، وارتكبوا ما كان محض دين المشركين والنصارى، وقد وصلوا في عبادة القبور والسجود إليها ودعاء أصحابها وجعل القبور قبلة وكعبة إلى حد كان هؤلاء القبوريون المشركون بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله، إلى أن كان الفسقة الفجرة أصحاب الكبائر من هؤلاء القبورية لا يتحاشون الكبائر، ولكن إذا رأوا الميت أو الهلال فوق رأس قبة القبر المعبود خشوا من فعل الفواحش، فيخشون المدفون تحت الهلال ولا يخشون خالق الأكوان، وكانوا يحلفون بالله بالكذب ولا يحلفون بالميت كذبًا، فكانوا في الشرك كما كان قوم إبراهيم حيث قال لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ وكان بعضهم يفضِّل شيخه على الأنبياء والمرسلين ويعتقد فيه الإلهية كالنصارى إلى غير ذلك في الكفريات والشركيات التي تدل على أن القبورية الوثنية قد عمت العباد وطمت البلاد إلا من شاء الله تعالى\" (^٢).\n_________\n(^١) حاشية رسالة التوحيد للشهيد إسماعيل الدهلوي (ص: ١٦١).\n(^٢) رجال الفكر والدعوة في الإسلام (٢/ ١٧١ - ١٨٤) دار القلم - الكويت.","vol":"1","page":131},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-148> الشيخ محمد الخضر الناجي الجكني الشنقيطي </span>(المتوفى: ١٤٢٤) عن نقاشه لمتصوفة بلاده أصحاب الطريقة القادرية: \"وكنتُ أركز النقاش دائمًا مع هؤلاء المتصوفة على انحرافاتهم في العقيدة، وخاصة توحيد العبادة، حيث أنّ المتصوفة يسيطر عليهم الغلو في مشايخهم الأحياء والأموات إلى حد أنّ كثيرًا منهم ينادي هؤلاء المشايخ الذين يسمونهم بالأولياء فيستغيثون بهم، ويطلبون منهم ما هو من خصائص الرب جل وعلا، مثل حصول الولد وشفاء المريض وتفريج الكربات وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ﷿، والتي هي من خصائصه ﷾.\nوقد بيّنت لهؤلاء أنّ الدعاء مخ العبادة، ولا يجوز صرفه لغير الله ﷿، وأن هؤلاء المخلوقين ليس بيدهم شيء، ولا يستطيعون أن يعطوا هذه المطالب التي لا يملكون منها حقيرًا ولا نقيرًا\" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-149> الشيخ الحسين بن عبد الرحمن الجكني الشنقيطي </span>(المتوفى: ١٤٢٦): \"حيث أنّ كثيرًا من المنتسبين للإسلام -وللأسف- ينادون المخلوقين من أحياء وأموات، ويستغيثون بهم، ويطلبون منهم الحوائج التي لا يقدر عليها إلا الله ﷿، مثل حصول الولد، وشفاء المريض، وتفريج الكربات، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾.\nوفي هذا الصدد فقد بيّنت أن الدعاء مخ العبادة، والمسلم يجب عليه إفراد الله تعالى وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه الله ﷿ على لسان خاتم أنبيائه ﷺ، وأنّ من صرف شيئًا من العبادة لغير الله تعالى فقد أشرك، ذاكرًا الآيات القرآنية الكثيرة التي فيها صريح النهي عن دعاء غير الله ﷿\" (^٢).\n_________\n(^١) السلفية وأعلامها في موريتانيا (شنقيط) للطيب بن عمر بن الحسين (ص: ٤١١ - ٤١٢) دار ابن حزم -بيروت، ط/ الأولى، ١٤١٦ هـ.\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٤١٤ - ٤١٥).","vol":"1","page":132},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-150> الشيخ مأمون محمد أحمد بن أمينوه الشنقيطي </span>(ولد سنة ١٣٥٠): \"ما يفعله كثير من أتباع الطرق الصوفية وغيرهم من عوام المسلمين عند قبور من يسمونهم بالأولياء والصالحين مناف لتوحيد العبادة لله تعالى، حيث يصرفون لأصحاب القبور ما هو من خصائص الرب جل وعلا، ولا يجوز صرفه لغيره من المخلوقين، كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة وغير ذلك.\nفهذا من الشرك الأكبر المحبط لجميع الأعمال، والله ﷾ يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ \" (^١).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-151> العلامة محمد سالم بن عبد الودود الشنقيطي المشهور بعدُّود </span>(المتوفى: ١٤٣٠) في منظومة جملة العقائد على طريق السلف الأماجد:\nواجتنبوا الشرك الجلي والخفي ... ولو بما فيه اختلاف السلف\nفأفردوه - جلّ - بالعبادة ... لا تُشركوا في نوعها عبادَه\nفلا تُسَمُّوا ولدًا عبد علي ... أو تُنذروا لصالحٍ أو لولي\nولا تَمسُّوا قبرًا او تمسَّحوا ... ولا تطوفوا حوله أو تذبحوا\nإلى أن قال:\nوبالربوبية وحِّدوهُ ... فهو الذي تعنو له الوجوهُ\nلا تجعلوا إذا دعوتم وُسَطَا ... بينكمُ وبينه فهو خطا (^٢)\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ٤٤٣).\n(^٢) قال العلامة محمد الحسن الددو في شرحه لهذه المنظومة: \"فهذا نهي عن نوع من أنواع الشرك، وهو شرك الدعوة، فالشرك في الدعاء هو أن يدعو الإنسان أو يستغيث بغير الله ﷾، وهذا شرك قد سبق ذكره، لكن بعض الناس يزعم أنه لا يدعو أولئك لأنفسهم، وإنما يتقرب بهم إلى الله ﷾ فيتوجه بهم إليه، وهذا يشمل أمرين:\nالأمر الأول: وهو الاستغاثة بالمخلوق، وذلك كدعاء الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء، أو غير ذلك، فهذا قطعًا شرك صريح لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ...\nأما النوع الثاني: فهو التوسل، والتوسل بالأشخاص بذكرهم في الدعاء ...\nقوله: (وُسَطا) جمع وسيط، والوسيط هو الذي يشفع، فهذا يشمل أمرين:\nيشمل تحريم دعاء من دونه، وهذا شرك قطعًا، وهو شرك الدعوة.\nويشمل كذلك تحريم التوسط والتوجه إليه بخلقه، فإنه لم يشرع ذلك ولم يعلمنا إياه، وهذا وإن كان لا يمكن ألا يصل إلى درجة الشرك كما ذكرنا، لكنه نقص في الإيمان، ونقص في ثقة الإنسان وعلاقته بالله، ونقص في عقله أيضًا.\nومن يجعل بينه وبين الله واسطة ليشفع له ألا يعلم أن هذا الشافع محتاج إلى أن يتقرب إلى الله بالعمل بنفسه، فكيف يتقرب غيره بعمله، ولهذا ردّ الله تعالى هذا بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ فهم أنفسهم يبتغون إلى الله الوسيلة، ويتقربون إليه، فكيف يتقرب بهم.\nقوله: (وُسَطا بينكم وبينه) أي في الدعاء.\nقوله: (فهو خطا) أي: فهو إثم، والخطأ والخطء كلاهما اسم للإثم، والله ﷾ يطلق الخطأ والخطء على الإثم مطلقًا حتى الشامل للشرك، فالشرك إحدى الكبائر، والخطأ بمعنى الذنب، وهو يشمل الكبائر والصغائر.\nوالمقصود أنه قد يكون شركًا أكبر، كما إذا كان دعاء لمخلوق واستغاثة به، وقد يكون دون ذلك، أي شركًا دون شرك، مثل التوسل به\".","vol":"1","page":133},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-152> العلامة يوسف القرضاوي </span>(وُلد عام ١٩٢٦ م): \"ومن الشرك الأكبر نوع خفي، يخفى على كثير من الناس، ومنه دعاء الموتى والمقبورين من أصحاب الأضرحة والمقامات، والاستعانة بهم وطلب قضاء الحوائج منهم من شفاء المرضى وتفريج الكربات، وإغاثة الملهوف، والنصر على العدو، مما لا يقدر عليه إلا الله، واعتقاداتهم بأنهم يضرون وينفعون. وهذا أصل شرك العالم، كما قال ابن القيم.\nوسبب خفاء هذا الشرك أمران:\n١ - أن الناس لا يسمون هذا الدعاء والاستعانة والاستغاثة بأصحاب القبور عبادة، ويظنون أن العبادة إنما تنحصر في الركوع والسجود والصلاة والصيام ونحوها.\nوالحقيقة أن روح العبادة - كما ذكرنا - هو الدعاء، كما جاء في الحديث: «الدعاء هو العبادة».\n٢ - أنهم يقولون: نحن لا نعتقد أن هؤلاء الأموات الذين ندعوهم ونستغيث بهم آلهة أو أرباب لنا، بل نعتقد أنهم مخلوقون مثلنا، ولكنهم وسائط بيننا وبين الله، وشفعاء لنا عنده.\nوهذا من جهلهم بالله ﷻ، فقد حسبوه مثل الملوك الجبارين والحكام المستبدين، لا يستطاع الوصول إليهم إلا بوسطاء وشفعاء، وهو نفس الوهم الذي سقط فيه المشركون قديمًا وحين قالوا عن آلهتهم وأصنامهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ولم يعتقدوا يومًا أن آلهتهم وأصنامهم تخلق أو ترزق أو تحيي أو تميت، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.\nومع هذا الاعتقاد في الله تعالى أنه خالق السموات والأرض، وأنه الرزاق المدبر المحيي المميت ... والاعتقاد في الأصنام أنها مجرد وسائط وشفعاء لهم عند الله .. مع هذا كله رماهم القرآن بالشرك، وسماهم المشركين، وأمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك ويقولوا: (لا إله إلا الله) فمن قالها فقد عصم دمه وماله إلا بحق الإسلام\" (^١).\n_________\n(^١) حقيقة التوحيد (ص ٤٤ - ٤٦).","vol":"1","page":134},{"text":"• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-153> العلامة علي سالم سعيد بُكيِّر </span>(وُلد عام ١٣٦١) في رسالته إرشاد المتأمل إلى الفرق بين الاستغاثة والتوسل: \"وأما الاستغاثة التي هي نداء العبد غير الله لطلب الغوث منه فيما لا يقدر عليه، أو اتخاذ العبد بينه وبين الله وسائط فهذا لم يقل به كردي (^١) ولا نجدي، فضلًا عن الاستغاثة التي هي دعاء المستغاث به استقلالا.\nومن قال بجوازه فهو جاهل لم يعرف حقيقة الدين ولا حقيقة التوحيد، وليس هو من أهل العلم في عير ولا نفير، وقد التبس عليه الأمر فلم يعرف الحق لأنه معرض عنه، وليس قوله ولا فعله حجة على الدين، بل هو مردود عليه محجوج به، لأنه ينافي معنى التوحيد، ويصادم معنى (لا إله إلا الله).\nوهذا هو نفسه ما وقع فيه مشركو قريش عندما دعاهم رسول الله ﷺ من أول يوم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وترك من سواه، فأعرضوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.\nوهنا يجب علينا أن نذكر قبل كل شيء أن هذه القضية قد بين حكمها القرآن قبل أن يفرض الصلاة والزكاة والحج والصيام والجهاد، لأنها أصل الدين، وأساسه المتين، ومن لم يقتنع بالقرآن ولم يهتد به فليس له من هاد ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ \" (^٢).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-154> العلامة عبد السلام الرستمي </span>الملقب عند الحنفية المعاصرة بشيخ القرآن والحديث بعد أن ذكر تعريف العبادة، وأنها عبارة عن الاعتقاد والشعور بأن للمعبود سلطة غيبية في العلم والتصرف فوق الأسباب، يقدر بها على النفع والضر، فكل دعاء وثناء وتعظيم ينشأ من هذا الاعتقاد: فهو عبادة.\nثم قال: \"وهذا التعريف جامع لجميع أفراد العبادات: من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والذكر، والنذر، والثناء، والدعاء، والعبادات القولية، والبدنية، والمالية جميعًا، فكل من يعبد عبادة، ويعتقد أن للمعبود علي [لعل الصواب: عليه] علمًا بجميع الحالات، وتصرفًا في كل حال. فإن كان يعبد الله فهو عبادة الله، وإن كان يعبد لغير الله بهذا الاعتقاد فهو شرك وعبادة غير الله تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) يشير الشيخ إلى فتوى العلامة الكردي السابقة.\n(^٢) النفحة السنية من البلاد الحضرمية (ص: ٢٦) مطبعة وحدين المكلا- حضرموت.\n(^٣) التبيان في تفسير أم القرآن (ص: ٨١).","vol":"1","page":135},{"text":"وقال أيضًا بعد أن ذكر قوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾: \"فمن اجتنب عن عبادة الأحجار والخشب، وابتلي في عبادة القبور فهو منكر هذه الآية، وداخل في حكم المشركين، فعُلم من جميع هذا التفصيل: أن بين المشركين السابقين وبين عابدي القبور في هذا الزمان أو غيره ليس فرق ما، بل فصلنا في هذا الباب تفصيلًا طويلًا، ليوازي كل عابد قبر نفسَه بالمشركين السابقين، ويظهر له باليقين: أن عبادة القبور أيضًا شرك وضلال، فلا يغتر هؤلاء الجهلة بأنا مؤمنون وموحدون، بل صدق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ \" (^١).\nوقال أيضًا: \"فلا يخفى على من تدبر وتفكر أن الناس اليوم أعظم شركا من المشركين السابقين؛ لأنهم كانوا يدعون في الشدائد الإله الحق، وأهل هذا الزمان يدعون في البليات الأولياء، ويقول أهل ناحيتنا: \"يا بير بابا، أدركني\"، ويقول بعضهم: \"يا بهاء الحق، ادفع السفينة وأخرجها\"، ومثل هذا، فما هذا إلا شرك أعظم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"اعلم أنّ الشرك في التفصيل له أنواع كثيرة؛ لأن الإشراك بالله تعالى في كل صفة مختصة به تعالى نوع من الشرك، وكذا الإشراك في كل حق من حقوقه تعالى نوع مستقل، والصفات والحقوق الإلهية كثيرة، فالأنواع للشرك بجنبها كثيرة، لكنها في الأصل ترجع إلى نوعين: شرك اعتقادي، وشرك فعلي.\nوالأول على أربعة أقسام: الشرك في العلم، والشرك في التصرف والاختيار، والشرك في الدعاء، يعني النداء والاستغاثة، والشرك في العبادة\" (^٣).\n\n• وقال<span data-type=\"title\" id=toc-155> العلامة أبو بكر بن محمد الحنبلي المصري </span>(ولد عام ١٣٨٠ هـ): \"الشرك الأكبر وهو النوع الذي يوجب الخلود في النار، والخروج عن ملة الإسلام، ومنه أنواع ستة سنطرحها فيما يلي إن شاء الله:\n١ - شرك الدعاء: وهو دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين لطلب الرزق أو شفاء مرض أو غير ذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ ... \" (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص: ١٠٣).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ١٠٣).\n(^٣) تنشيط الأذهان في أصول تفسير القرآن (ص: ٢٤) ط/الحجرية بلاهور.\n(^٤) العقيدة في صفحات (ص: ٤٠).","vol":"1","page":136},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-156> فتوى لمجموعة من علماء اليمن المعاصرين</span>، ونصّ هذه الفتوى:\n\"فالتقرب بالذبائح إلى القبور والأولياء والاستعانة بهم والنذر لهم دائر بين أمرين خطيرين، إما كفر بواح، وإما وسيلة إلى الكفر؛ ذلك أنه إذا صدر هذا الفعل الشنيع ممن نشأ في دار الإسلام عالمًا بأحكام الشرع في مثل هذا معتقدًا النفع والضر من الولي يكفر فاعله، فتجري عليه أحكام الردة جميعها.\nوإن كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ في غير دار الإسلام، أو في دار الإسلام نائيًا عن أماكن المعرفة، فيكون هذا الفعل في حقه وسيلة من وسائل الكفر، فيجب تعليمه وتبيين الأدلة له وإقامة الحجة عليه، فإن انتهى بعد ذلك منها وإلا فحكمه أن يكفر.\nفعلى كل يجب على ولاة الأمر الردع من مثل هذه الأمور، والأخذ بيد من حديد لكل من يقدم على هذا المنكر الفظيع، ولو أدى ذلك إلى هدم القباب الموضوعة على القبور سدًا للذرائع، هذا ما نعتقده في هذا الموضوع والله على ما نقول وكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم\" (^١).\n_________\n(^١) وردت هذه الفتوى ضمن كتيب بعنوان \"الفتاوى اليمنية في تحريم رفع القبور والزيارات البدعية والشركية\"، وهو من سلسلة باسم (السلسلة الدعوية) رقم (٩).\nقال الشيخ أحمد المعلّم في كتابه القبورية في اليمن (ص: ٤٠٦): \"وقد كتب الفتوى أحد كبار علماء زبيد المعاصرين وهو الشيخ أسد بن حمزة بن عبد القادر.\nوصادق عليها جمع من علماء زبيد وغيرها، ومنهم: محمد بن محمد بن سليمان الأهدل، محمد بن علي البطاح الأهدل، أحمد بن عبد القهار بن صالح، محمد بن عبد الجليل العزي، عبد الجليل بن علي خليل، محمد بن عبد الله بازي، محمد بن عيدروس علوي، عبد المجيد بن عزيز الزنداني، عمر بن أحمد سيف، علي بن محمد واصل، حامد بن مختار شرف، محمد بن أحمد كديش عضو محكمة الحديدة التجارية، محمد بن علي مكرم، حسين بن محمد عثمان الوصابي، أحمد بن عبدالله سعيد الضافري، عبدالله بن قاسم الوشلي، أحمد بن محمد عامر، علي بن محمد الوشلي، محمد بن محمد عزيز القديمي، وإبراهيم بن حسين صائم الدهر، عبدالرحمن الوشلي، عبد الرحمن بن عبد الله الأهدل.","vol":"1","page":137}]}