{"ً":{"ٌ":23307,"ٍ":"المستشرقون والتراث","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/المستشرقون والتراث - الديب - ط ابن تيمية","files":["101630.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المستشرقون والتراث\nالمؤلف: عبد العظيم محمود الديب (ت ١٤٣١هـ)\nالناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة. مصر\nالطبعة: الثالثة، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢\nعدد الصفحات: ٤٥\nأَعَدَّهُ للشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه.\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"المستشرقون والتراث\nكتاب رائع حيث بَيَّنَ صاحبه خفايا الاستشراق وخلفياته الفكرية ومواطن الطعن في التراث عموما والسنة النبوية خصوصا، فالمؤلف يبرز في هذا الكتاب البُعد العميق والأكاديمي في النظرة إلى الظاهرة الاستشراقية المقنعة وكيف جنت على تراثنا رغم ما اتسم به بعض المستشرقين من الموضوعية في البحث .","ٓ":"1.0","ٔ":2354,"ٕ":10,"ٖ":1770155887,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المستشرقون والتراث","level":1,"page":1},{"title":"مدخل إلى القضية:","level":1,"page":6},{"title":"اتجاهات النشر عند المستشرقين:","level":1,"page":8},{"title":"الاتجاه الفكري للمستشرقين:","level":1,"page":16},{"title":"الأغاني:","level":2,"page":23},{"title":"هذه آثارهم:","level":1,"page":24},{"title":"خيانة المنهج:","level":1,"page":28},{"title":"نماذج من تحريف النصوص وخيانة المنهج:","level":2,"page":29},{"title":"جولدتسيهر:","level":3,"page":29},{"title":"ول ديورانت:","level":3,"page":32},{"title":"فان فلوتن:","level":3,"page":37},{"title":"الخاتمة:","level":1,"page":43},{"title":"المحتويات:","level":1,"page":45}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45},"ٜ":{"1":[3,45]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,43","1,44","1,45"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2],"8":[3],"16":[4],"23":[5],"24":[6],"28":[7],"29":[8,9],"32":[10],"37":[11],"43":[12],"45":[13]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ<span data-type=\"title\" id=toc-1>[المستشرقون والتراث]</span>ـ\nالمؤلف: الدكتور عبد العظيم الديب\nالناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة. مصر\nالطبعة: الثالثة، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢\nعدد الأجزاء: ١.\nأَعَدَّهُ للشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه.\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]","vol":"1","page":null},{"text":"المُسْتَشْرِقُونَ والتراث","vol":"1","page":3},{"text":"الطبعة الثالثة\n١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م\n\nدار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة. مصر","vol":"1","page":4},{"text":"المُسْتَشْرِقُونَ والتراث\n\nالدكتور عبد العظيم الديب\n\nأستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بجامعة قطر\n\nدار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة. مصر","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مدخل إلى القضية:</span>\nربما كان المدخل الصحيح لتقييم عمل المُسْتَشْرِقِينَ ودورهم في مجال تراثنا هو الإجابة عن هذه الأسئلة:\n\n- كم كان حجم تراثنا؟ بمعنى: كم كان يُقَدَّرُ عدد الكتب التي تصلنا، لو لم يقدر له أن يلقى ما لقي، من تحريق وتغريق، وسطو وابتزاز، وإهمال وتهاون؟\n- ثم كم بقي لنا بعد ذلك كله؟\n- ثم كم منه في أيدينا الآن؟\n- وكم في أيدي المُسْتَشْرِقِينَ؟\n- وماذا صنعنا بما في أيدينا؟\n- وماذا صنع المُسْتَشْرِقُونَ بما في أيديهم؟\n- وكمن حُقِّقَ ونشر منه؟\n- وكم حقَّقنا؟\n- وكم حَقَّق المُسْتَشْرِقُونَ؟\n\nأعتقد أنَّ الإجابة الدقيقة المُحَدَّدة عن هذه الأسئلة هي التي تعطي الصورة الصادقة، والحكم الصائب على عمل المُسْتَشْرِقِينَ ما دمنا بصدد تقييمه ووضعه في مكانه، وإعطائه قدره.\n\nومع أنَّ هذه المسأة في جملتها تبدأ بـ (كم) أي تحتاج إلى إجابة رقمية محدَّدة، فإننا لا نملك إلاَّ إجابة تقريبية عن بعضها، وعن بعضها الآخر لا نملك إجابة أصلًا، وعن بعض ثالث يستحيل أنْ نملك إجابة، فمن يستطيع أنْ يُقَدِّرَ لنا حجم تراثنا كله. لو لم يصبه ما أصابه؟؟ إنَّ ذلك فوق كل حَدْسٍ وأبعد من كمل تخمين.\n\nإنَّ ما ضاع من تراثنا لا يمكن بحال أنْ يخضع لتقدير، فمن يستطيع أنْ يُقَدِّرَ لنا عدد المجلدات التي صنعت الجسر، بل السُدَّ الذي عبرت عليه خيول","vol":"1","page":5},{"text":"هولاكو وجنوده بين شاطئي دجلة، ومن الذي يتسطيع أنْ يُحْصِي ما حرَّقه الصليبيون في حملاتهم التي جاءت في موجات متتالية مثل موجات التتار، وأشد فتكًا، وظلت نحو مائتي سَنَةٍ تتشبث بمواطئ أقدامها، وبالإمارات التي اتخذتها رؤوس جسور لاجتياح بلاد الإسلام جملة، وكانت الكتب والمكتبات طوال هذه المعارك هدفًا مقصودًا حينًا، ووقودًا للنيران الطائشة حينًا آخر، وإنْ أصاب القدس، وطرابلس، وعسقلان، وغَزَّة، والمَعَرَّةَ، وغيرها من المدن وإهلاكًا وإحراقًا، كيف يبقى على مكتباتها؟ وبحسبنا أنْ نذكر أنَّ «بعض المؤرِّخين قدَّر ما أتلفه الصليبيون في (طرابلس) وحدها بثلاثة ملايين مجلد» (١).\n\nويحدِّثنا التاريخ «أنَّ أحد الأطباء رفض دعوة سلطان بخارى للإقامة في بلاطه، لأنه يحتاج إلى أربعمائة بعير لنقل مكتبته» (٢).\n\nفإذا كانت الكتب في مدينة واحدة (طرابلس) نحو ثلاثمائة ملايين، والكتب التي في مكتبة خاصة لواحد من الأطباء تبلغ حِمْلَ أربعمائة بعير، فكم يبلغ ما كان في المدن الإسلامية كلها؟ وما كان في المكتبات الخاصة كلها؟\nفإذا كان هو حجم التراث، وكان الباقي منه نحو ثلاثة ملايين مخطوطة فقط، فإذا عرفنا ما بقي بأيدينا، وما بقي بأييدي المُسْتَشْرِقِينَ، وما نشرناه، وما نشره المُسْتَشْرِقُونَ، وماذا نشروه من التراث؟ ولماذا نشروه؟ وكيف نشروه؟\n\nإذا عرفنا ذلك، نستطيع أنْ نفصل في القضية، وأنْ نُقَدِّرَ للقوم عملهم حق قدره، لا نَنْقُصُهُمْ، ولا نبخسهم، ولا نزيدهم، ولا نُمَجِّدُهُم بدعوى (الاعتدال) و(الإنصاف) أو تغطية لشعور العجز والهوان.\n\nوسنحاول في الصفحات القادمة أنْ نُقَدِّمَ نموذجًا لهذه الدراسة، عَلَّهَا تكون خطوة على الطريق، نحو الحكم (المنهجي) (العلمي) (الموضوعي) على عمل المُسْتَشْرِقِينَ، ودورهم في التراث.\n_________\n(١) الدكتور مصطفى السباعي. \" من روائع حضارتنا \": ص ١٦٢.\n(٢) جلال مظهر. \" حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي: ص ٣٨٤.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>اتجاهات النشر عند المُسْتَشْرِقِينَ:</span>\nللآن - فيما أعلم - ليس لدينا دراسة دقيقة، تقوم على حصر أعمال المُسْتَشْرِقِينَ، في مجال تحقيق التراث ونشره، ونحن - لا شك - أحوج ما نكون إلى هذه الدراسة، بل نراها تأخَّرت طويلًا، وإلى أنْ تَتِمَّ سيظل الحديث في هذا المجال (عمل المُسْتَشْرِقِينَ) يقوم على الحدس والتخمين، ويعتمد على ملاحظات سريعة، ويتأثَّرُ بأهواء مزاجية، وصلاتٍ شخصية، ومواقف نفسية، تجذبه من يمين ويسار.\n\nوحينما نقوم بهذه الدراسة - إنْ شاء الله - نستطيع أنْ نرى في ضوئها ما يلي:\nأولًا: عدد الكتب التي أخرجها المُسْتَشْرِقُونَ بجهودهم العلمية، وتحديد (الكَمِّ) الذي قاموا بخدمته من تراثنا، ويتبع ذلك، وينبني عليه بيان نسبة عملهم إلى مجموع ما تم نشرُهُ، فيتحدَّدُ بالضبط المقدار الذي اسهموا به في نشر تراثنا، فلا نغمطهم فضلهم - إنْ كان لهم فضلٌ - ولا ننسب إليهم ما لا يستحقُّون استجابة لعقدة الهوان، ومُرَكَّبَاتِ النقص التي سيطرت على كثيرين مِمَّنْ سَمَّوْا أنفسهم، وأسْمَتْهُمْ أجهزة التضليل (قادة الفكر).\nثانيًا: معرفة اتجاهاتهم النشر لدى المُسْتَشْرِقِينَ، بمعنى أنْ نعرف الكتب التي تحظى باهتمامهم وتجذب انتباههم، من أي لون هي، ومن أي فرع من فروع المعرفة، وما قيمتها في هذا الفن، ثم ما علاقتها بما ينشرونه من فنون أخرى.\nثالثًا: درجة الدِقَّةِ والاتقان في هذه الأعمال، بل درجة الصحة","vol":"1","page":7},{"text":"والصواب، وماذا فيها من خلل أو زلل نتيجة العجز عن إدراك سِرَّ العربية، وامتلاك ذوقها (٣)، والعجز عن استكناه سِرَّ التراث، واستلهام روحه الرباني الإلهي.\nبل ماذا فيها من خلل أو زلل، نتيجة للأحكام المُسَبَّقَةِ، والمواقف غير المحايدة، بل العدائية التي تدعو إلى تعمَّد التشويه والتحريف (٤).\n\nوعند ذلك تفرَّغ الأمَّة من هذه القضية ويصدر الحكم فيها بالأدلة الدامغة، والحقائق الثابتة، فننتهي منها، ومن اللجاجة حولها، ونفرغ لما سواها.\n\nنموذج:\nوقد حاولت إجراء نموذج مُصَغَّرٍِ لهذه الدراسة، لا يشمل عمل المُسْتَشْرِقِينَ كُلَّهُ - كما نرجو - وإنما شمل شريحة، أو قدرًا لا بأس به من أعمالهم، ويتمثَّلُ هذا القدر في مجموعتين، من مجموعات المخطوطات المطبوعة:\nالأولى: \" معجم المخطوطات المطبوعة \" (المجلدات الثلاثة الأولى) وهو من عمل الدكتور صلاح الدين المنجد (٥).\n_________\n(٣) كتب شيخ المُسْتَشْرِقِينَ الروسي، وأقدرهم بإطلاق (كراتشوفسكي) في يناير سنة ١٩٠٩ م وهو في بيروت إلى شقيقته، يقول لها: «إنَّ اللغة العربية تزداد صعوبة، كلما ازداد المرءُ دراسة لها» (راجع المقدمة التي كتبتها زوجته لكتابه \" مع المخطوطات العربية \" - ترجمة الدكتور محمد منير مرسي). وما باللغة العربية من صعوبة! وكيف تزداد صعوبة مع الأيام كلما ازداد دراسة لها؟ إنَّ الصعوبة في إدراك سِرَّ اللغة العربية وامتلاك ذوقها، هذا هو الذي يعزُّ على المستشرق وأمثاله الذين لم ينشؤوا نشأة عربية، ولم يأخذوا اللغة العربية مأخذ الذين يتعرَّبُون من المسلمين، فيُشربون حُبَّهَا وذوقها في قلوبهم.\n(٤) نعني بذلك ما قد يكون من قُصُورٍ في قراءة النصوص التراثية التي نشروها، أو في تعليقاتهم عليها أو في المُقَدِّمات والدراسات التي يلحقوناه بها.\n(٥) طبع دار الكتاب الجديد. بيروت (طبعة ثانية) الجزء الأول ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م، الجزء الثاني ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، والجزء الثالث ١٩٨٣ م. وعلمتُ أنَّ جزءًا رابعًا لكن لم نستطع الوصول إليها للآن.","vol":"1","page":8},{"text":"الثانية: \" ذخائر التراث العربي \" (الجزء الأول) وهو من عمل الدكتور عبد الجبار عبد الرحمن (٦).\nوكان ذلك على النحو التالي:\nأولًا: بالنسبة لمعجم المخطوطات المطبوعة اتَّبعْتُ الخطوات الآتية:\n\n١ - أحصيت كل المخطوطات المنثورة، فكانت النتيجة كالآتي:\nفي الجزء الأول: ٤١٤ أربعة عشر وأربعمائة (عنوان) ما بين كتاب، وجزء من كتاب، ورسالة صغيرة. (وذلك في الفترة من ١٩٥٤ - ١٩٦٠ م. خمس سنوات).\n\nفي الجزء الثاني: ٣٥٢ اثنان وخمسون وثلاثمائة (عنوان) ما بين كتاب، وجزء من كتاب، ورسالة صغيرة. (وذلك في الفترة من ١٩٦١ - ١٩٦٥ م. خمس سنوات).\n\nفي الجزء الثالث: ٤٣٠ ثلاثون وأربعمائة (عنوان) ما بين كتاب، وجزء من كتاب، ورسالة صغيرة. (وذلك في الفترة من ١٩٦٦ - ١٩٧٠ م. خمس سنوات).\n\n٢ - أحصيتُ ما قام بنشره المُسْتَشْرِقُونَ في كل جزء، فكانت النتيجة كالآتي:\n- في الجزء الأول ٥٨ (عنوانًا) (صرفنا النظر عن بعض الأعمال التي لا تعدو بضع صفحات).\n- في الجزء الثاني ١٧ (عنوانًا) (صرفنا النظر عن بعض الأعمال التي لا تعدو بضع صفحات).\n_________\n(٦) مرتَّبٌ على حروف الهجاء بأسماء المؤلفين: يشمل الجزء الأول من حرف (أ - ش) في نحو (٦٦٠) صفحة - نشر جامعة البصرة - سنة ١٩٨١ م.","vol":"1","page":9},{"text":"- في الجزء الثالث ١٨ (عنوانًا) (صرفنا النظر عن بعض الأعمال التي لا تعدو بضع صفحات).\n\n٣ - وعلى ذلك تكون النسبة المأوية لما نشره المُسْتَشْرِقُونَ إلى ما نشرناه كالآتي:\nفي الجزء الأول ١٤ %.\nفي الجزء الثاني ٤ %.\nفي الجزء الثالث ٤ %.\nويكون متوسط النسبة بين الأجزاء كلها هو ٧ %.\n\nوبالنظر إلى هذه النتائج نلاحظ أنَّ الفرق شاسع بين الجزء الأول والجزأين الثاني والثالث، حيث ترتفع النسبة إلى أكثر من ثلاثة أمثال، والأمر في حاجة إلى تفسير أو تعليل، ولعلَّنا لا نعدو الصواب إذا أرجعناه لما يلي:\n\n١ - نحن نعتقد أنَّ (للزمن) دخلًا في ذلك، حيث اختصَّ الجزء الأول بفترة السنوات السبع من أول سنة ١٩٥٤ م - إلى آخر سنة ١٩٦٠ م، وهي ما بعد سنوات الحرب والتعمير، ذلك أنَّ فترة الحرب العالمية الثانية، التي انتهت سنة ١٩٤٥ م، وما تلاها من مرحلة بناء، [وكانت أشد وأقسى من سنوات الحرب ذاتها]- كانت فترة خمود وركود، أعني أنَّ عمل المُسْتَشْرِقِينَ توقف أو كاد في أثناء الحرب وما تلاها من مرحلة بناء، فلما استقرَّت الأمور، وبدأ رجال الاستشراق يعودون لمؤسساتهم، ومواقعهم، كان لديهم عندما عادوا رصيدًا من الأعمال توقف نشره، فأضافوه إلى ما جدَّ من عمل ووُلِدَ من نتاج، فكان ذلك هو السبب في تضاعف نسبة أعمالهم في هذه الفترة التي أعقبت فترة الحرب والتعمير.\n\nولعلَّ ما يؤيِّدُنا في ذلك ما ذكره نجيب العقيقي (وهو واحد منهم) (٧)\n_________\n(٧) انظر كتابه \" الاستشراق والمستشرقون \" حيث يتحدَّثُ عن المدرسة المارُونية ضمن مدارس الاستشراق، ويجعل نفسه واحدًا من رجال المدرسة المارُونية.","vol":"1","page":10},{"text":"حيث قال: «وأصيب نشاط لجنة \" دائرة المعارف الإسلامية \" بعد الحرب بشيء من الاضطراب، وقُضي على بعض أعضائها في ساحتها، ثم استأنفت من بعدُ نشاطها» (٨).\n\nويلفت نظرنا في عبارته، قوله «بعد الحرب» مِمَّا يؤكِّدُ ما قلناه من أنَّ فترة ما بعد الحرب كانت فترة شدَّة وجُهدٍ، لا تقلُّ عن فترة الحرب ذاتها.\n\nكما يلفت النظر أيضًا قوله: «وقُضي على بعض أعضائها في ساحتها» فهذا يؤكِّدُ ما سنقوله من علاقة المُسْتَشْرِقِينَ بوزارات المستعمرات، وأنهم كانوا طلائع الغزو الاستعماري، وأنهم كانوا في قلب معارك بلادهم وحروبها.\n\n٢ - ونستطيع أنْ نضيف عاملًا آخر، وتفسيرًا آخر لنقص إنتاجهم، وهو أنَّ سنة ١٩٦٠ م هي السَنَةُ التي أعلنتها الأمم المتحدة سَنَةَ إنهاء الاستعمار (٩)، وبعدها اختفت النظم السياسية (وزارات المستعمرات) وكما هو مُقَرَّرٌ ومعروف للجميع، كانت هذه الوزارات هي الملجأ الأول الذي يعيش في كنفه الاستشراق، ويرعى حركته.\n\nفلما زالت هذه الوزارات، أو ضعف شأنها، فقدت حركة الاستشراق أكبر مُعِينٍ لها، وتحوَّل من كان في كَنَفِهَا من المُسْتَشْرِقِينَ، إلى ما بقي من أوكار التبشير والاستخبارات، والمراكز الاستشارية ونحوها.\nفكانت هذه الهزَّة سببًا - فيما نُقَدِّرُ - لهذا الانخفاض الواضح في إسهامات المُسْتَشْرِقِينَ.\n\n٣ - كم كُنَّا نتمنَّى أنْ نقول: إنَّ انخفاض نسبة أعمال المُسْتَشْرِقِينَ هذا\n_________\n(٨) \" الاستشراق والمستشرقون \": ص ١١٠٨.\n(٩) انظر حقائق أساسية عن الأمم المتحدة ص ١٧٣ أصدرته إدارة الإعلام العام بالأمم المتحدة - طبع بمطابع الشعب بالقاهرة سنة ١٩٨٠.","vol":"1","page":11},{"text":"جاء نتيجة لزيادة أعمالنا، وثمرة لكثرة إنتاجنا نحن في هذا المجال، بمعنى أنَّ (حجم) عمل المُسْتَشْرِقِينَ بقي كما هو، لكن سبب ازدياد نشاطنا وجهودنا بدأ عملهم ضئيلًا وجهدهم قليلًا. نعم، كنا نتمنَّى أنْ نقول ذلك، ولكن هذا لا يستقيم، ولا يكون صحيحًا، بسبب ما هو واضح من مُجرَّد النظر إلى العدد الكلي في الفترات الزمنية الثلاث التي كانت موضع الدراسة، فالتفاوت بينها يسير.\nويمكن التعبير عن ذلك بالأرقام بصورة أكثر وضوحًا هكذا:\n٦٠ كتابًا (متوسط العدد الكلي في السَنَةِ الواحدة من الفترة الأولى: ١٩٥٤ - ١٩٦٠ م).\n٧٠ كتابًا (متوسط العدد الكلي في السَنَةِ الواحدة من الفترة الثانية: ١٩٦١ - ١٩٦٥ م).\n٨٠ كتابًا (متوسط العدد الكلي في السَنَةِ الواحدة من الفترة الثالثة: ١٩٦٦ - ١٩٧٠ م).\n\nونسبة ما يخص المُسْتَشْرِقِينَ في كل سَنَةٍ من السنوات كالآتي:\n٨،٢ كتابًا في السَنَةِ الواحدة من الفترة الأولى.\n٣،٤ كتابًا في السَنَةِ الواحدة من الفترة الثانية.\n٣،٦ كتابًا في السَنَةِ الواحدة من الفترة الثالثة.\n\nوبذلك يتأكَّدُ تمامًا انخفاض إنتاج المُسْتَشْرِقِينَ منذ سنة ١٩٦٠ م، كما يتَّضح أنَّ هناك زيادة في مُعدَّل إسهامنا، وإنجازنا - نحن المسلمين - في هذا المجال، إلاَّ أنها - كما أشرنا آنفًا - زيادة طفيفة، لا تتناسب مُطلقًا مع ازدياد عدد الجامعات والخرِّيجين، وعدد المؤسسات العلميَّة، ومراكز البحوث، والهيئات العاملة في مجال خدمة التراث، ولا مع مُعدَّل الثراء والرخاء، الذي حظي به العالم العربي، ولا مع هذه الصحوة الإسلامية الفكرية الرشيدة، التي يموج بها العالم الإسلامي اليوم.","vol":"1","page":12},{"text":"ثانيًا: بالنسبة لكتاب \" ذخائر التراث \" للدكتور عبد الجبار عبد الرحمن، فهو قد حَدَّدَ مجال عمله بقوله:\n«يحاول هذا الكتاب - جهد المستطاع - حصر وتسجيل ما طبع من المخطوطات التي صنَّفها المؤلفون العرب والمسلمون في شتَّى فنون العلم والمعرفة منذ بدء التدوين إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري (١٠)، سواء ما أخرجته المطابع الشرقية، أو الغربية، وما حقَّقه ونشره المُسْتَشْرِقُونَ أو الشرقيون، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين» (١١) أي أنه معجم للمخطوطات المطبوعة منذ بدأت الطباعة، على أنْ تكون هذه المخطوطات من عمل ونتاج القرون العشرة الأولى من الهجرة، كما جعل سنة ١٩٨٠ م حدًا ينتهي إلى الكتب التي طبعت عنده.\nولما يصل إلى يدنا للآن إلاَّ الجزء الأول، وقد أجرينا الإحصاء بطريق العيِّنة العشوائية، فاخترنا عددًا متساويًا من الصفحات من كل مائة بدون ترتيب، فحصلنا على ست وخمسين صفحة، بواقع ثماني صفحات من كل مائة، من المئات السبع.\n\nثم أجرينا باقي العمليَّات الإحصائية بالطريقة السابقة نفسها:\n١ - حصرت عدد المؤلفات المنشورة في هذه الصفحات، فكانت (٣٢٠) عشرين وثلاثمائة كتاب.\n٢ - أحصينا ما قام المُسْتَشْرِقُونَ بنشره فكانت النتيجة ٣٢ كتابًا اثنين وثلاثين كتابًا.\n٣ - وعلى ذلك تكون النسبة المئوية ١٠ % عشرة في المائة.\nويلاحظ أنَّ هناك تفاوتًا بين هذه النتيجة والنتائج السابقة، بمعنى أنها في الواقع تسجل زيادة وارتفاعًا في السَنَةِ، حيث كان متوسط الأجزاء الثلاثة في \" معجم \" صلاح الدين المنجد ٧ %.\n_________\n(١٠) أضاف المؤلف هامشًا هنا أنه «ركَّز على مؤلفات القرون العشرة الأولى، ولا يتعرَّضُ بعدها إلاَّ للمؤلفات البارزة» كذا قال.\n(١١) انظر ص: ١٠.","vol":"1","page":13},{"text":"ونستطيع في النهاية أن نخرج بالنتائج الآتية:\n١ - أنَّ معدل إسهام المُسْتَشْرِقِينَ وإنتاجهم سَجَّلَ هبوطًا ملحوظًا منذ مطلع الستينيات، ولا يزال مستمرًا.\n٢ - أنه كانت هناك طفرة في السنوات التي تلت انتعاش الغرب بعد الحرب العالمية الثانية.\n٣ - أن نسبة الـ ١٠ % تعبر مؤشرًا صادقًا إلى حد ما، لمتوسط إنتاج المُسْتَشْرِقِينَ. بالنسبة لمجموع ما نشر من مخطوطات منذ الطباعة للآن.\n\nتَحَفُّظٌ:\nولنا أن نتحفظ على هذه النتيجة (مؤقتًا) إلى أن يتم الحصر الشامل الكامل لجميع المخطوطات المطبوعة، وما قام به المُسْتَشْرِقُونَ منها.\nبل سيظل هناك شيء من التحفظ [ولو تم الحصر الشامل]، ذلك أنَّ النسبة التي ستفلت من الحصر (وهذا شيء متوقع، بل مقطوع به) سيكون أكثرها من عملنا، وبالذات من نشر الأفراد، (العمل الشخصي) ذلك أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ يُحْسِنُونَ تسجيل أعمالهم وجدولتها، والنشر عنها، والإعلام بها، ونحن نحسن استقبالها والتنويه بها، أما جهود الأفراد بل الهيئات الإسلامية، فيقيني أَنَّ قدرًا لا باس به من عملها سيظل خارج الإحصاء والحصر، وعندها يبدو عمل هؤلاء أكبر من حجمه، ٠وأكثر من واقعه.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الاتجاه الفكري للمستشرقين:</span>\nفي ضوء هذه الدراسة السابقة رأينا إسهام المُسْتَشْرِقِينَ من حيث (الكم والحجم) ونسبته إلى عملنا، أما من حيث اتجاههم الفكرية، التي يمثِّلها ويكشف عنها اختياراتهم، فقد أجرينا دراسة إحصائية على المجموعات السابقة من الكتب نفسها، وكانت النتيجة كما يلي:\nأولًا: بالنسبة لما هو منشور في معجم الدكتور المنجد:\n\n[الفن]-------------------------------- عدد الكتب -------------------النسبة المأوية\n\n- التصوف والفلسفة وعلم الكلام .............. ٤٠ ........................... ٤٣ %\n- التراجم والتاريخ .............................. ٢٨ .......................... ٣٠ %\n- تفسير ......................................... ٢ ............................ ٢،١ %\n- لغو ونحو ..................................... ٣ ............................ ٣،٢ %\n- أدب ........................................... ٣ ............................ ٣،٢ %\n- بلاغة ......................................... ٣ ............................ ٣،٢ %\n- رحلات وجغرافيا ............................. ٤ ............................ ٤،٣ %\n- شعر وطرائف ................................ ٣ ............................ ٣،٢ %\n- فقه ........................................... ٤ ............................ ٤،٣ %\n\n- علوم ......................................... ٣ ............................ ٣،٢ %\n\n.................................................. ٩٣ .......................... ٩٩،٧ %\n\nولا تختلف الاتجاهات كثيرًا بالنسبة لما هو منشور ي (ذخائر التراث)، حيث تتوزع الكتب على النحو التالي:\n\n[الفن]-------------------------------- عدد الكتب ----------------النسبة المأوية\n- التصوف والأخلاق ........................ ٤ .............................. ١٢،٥ %\n- الديانات (مقارنة ونقد) ................. ٢ .................................. ٦ %\n- عقيدة وكلام .............................. ٢ ................................... ٦ %\n- تاريخ ..................................... ٧ ................................. ٢١ %","vol":"1","page":15},{"text":"- تراجم ..................................... ٣ ...................................... ٩ %\n- سيرة ..................................... ١ ...................................... ٣ %\n- تفسير .................................... ١ ...................................... ٣ %\n- حديث .................................... ١ ...................................... ٣ %\n- أدب ..................................... ٢ ...................................... ٦ %\n- شعر ..................................... ٣ ...................................... ٩ %\n- لغة ونحو ............................... ٣ ...................................... ٩ %\n\n--------------------------------------- ٢٣ كتابًا ----------------------- ٩٨،٠ %\n\nهناك كسور طفيفة تكمل بمجموعها المائة ١٠٠ %\n\nويجب أنْ ننبِّه هنا إلى ما يلي:\n[أ] أنه قد يخالفنا مخالف في هذا التوزيع، ومرجع ذلك أنَّ هذه المؤلفات القديمة، قد يتنازعها أكثر من فنِّ من فنون المعرفة، وتصلح للانتساب لكل منها، بما حوته من موضوعات، ومن حيث الزاوية التي ينظر منها الناظر إليها، ومن حيث الاعتبار الذي يعتبرها به، فالكتاب في حياة أحد أئمة التصوف (مثلًا) قد يصنَّف في التراجم وقد يصنَّف في التصوُّف، بالنظر إلى ما حواه من مذهب الرجل وفكره.\n\nوما برح مفهرسو الكتب يختلفون (أحيانًا) في الفن الذي يضعون تحته هذا الكتاب في فن من الفنون ويشار إليه ويحال عليه في الفن الآخر الذي يمكن أن يحتويه أيضًا.\n[ب] أنَّ هذا التوزيع - على قوة دلالته، ليس كافيًا لتوضيح اتجاهات النشر عند القوم، فلا بُدَّ أنْ نرى أيَّ كتب في الفقه ينشرون، وأيَّ كتب في التاريخ، وأيَّ كتب في الفلسفة، وهكذا، فليس كل فقه ولا كل تراجم، ولا كل تاريخ، يكون كافيًا باسمه وعنوانه، و(صنفه).\n\nولعلَّ هذه النتائج ليست في حاجة إلى نظر أو تأمُّل، فهي تنطق","vol":"1","page":16},{"text":"باتجاهات القوم في النشر بوضوح، وتكشف عن أهدافهم بجلاء، فالتصوُّف والفلسفة وعلم الكلام (وهو الاتجاه الأول عندهم) ليعرفوا السلوك، والفكر، والعقيدة، ويا ويل من عرف عدوّه، سلوكه ونفسه، وحقائق فكره، ومناحي آرائه، ومكامن عقيدته، وخفايا قلبه.\n\nفهذا الولوع العجيب الغريب بدراسة هذه العلوم، ونشر مؤلفاتها، لا تفسير له إلاَّ في ضوء أهدافهم، فهم يتعرَّفُون على هذا اللون من الفكر، ويتَّبعون شطحاته وانحرافاته، وكي تقعد بالناس عن الجهاد، بل عن العمل، أيَّ عمل، ويرون كيف يقوم لهم هذا - إذا رَوَّجُوهُ بمُهِمَّة الجيوش، إذ يشُلُّ حركة الأمة، ويُقعدها عن المقاومة ن بل يُزَيِّنُ لها الاستسلام.\n\nومن أراد دليلًا على ذلك، فلينظر في تاريخ الجزائر، ليرى كيف قاوم (الطُّرُقِيُّونَ) المتصوِّفُون حركة ابن باديس (الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية) وهي حركة دينية إسلامية واعية، داعية لحفظ الذات، وصيانة الهُوية، ثم إلى مقاومة الجادَّة الثابتة، والوقوف في وجه (فَرْنَسَةَ) الجزائر، ومسخها، وكيف كان لدراسات المُسْتَشْرِقِينَ، ومطبوعاتهم أثر في هذا التوجيه الاستعماري الخبيث (للطرقيِّين) واستخدامهم ضد المجاهدين والوطنيِّين، وقد أكد هذا المعنى أستاذنا الدكتور محمود قاسم (١٢) حين قال: «... إنَّ الاستعمار الفرنسي للجزائر استطاع بجبروته وعَسَفه أنْ يفرض لغته على كثير من المُثقفين في الجزائر وشمال إفريقية، غير أنه لم يستطع أنْ ينال كثيرًا من العقيدة الإسلامية، رغم ما بذله المُختَصُّون في شؤون الثقافة من محاولات لفصم العقلية الجزائرية، عن طريق تمجيد التصوُّف الكاذب، وإشاعة الخرافات والأباطيل، على نحو ما نراه\n_________\n(١) العميد الأسبق لكلية دار العلوم. جامعة القاهرة، ولكلامه في هذه القضية وزنه وقيمته، فهو من القلائل الذين حصلوا على دكتوراه الدولة في الفلسفة من السوربون، وكان - ﵀ - من ألمع الدارسين للفكر العالمي، ثم هو أيضًا عايش هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ وخَبِرَهُمْ عن قُرْبٍ.","vol":"1","page":17},{"text":"في مؤلَّفات لويس (ماسينيون) الذي خَصَّصَ حياته للكتابة في الحَلاَّج (١٣)، فجعله صورة من المسيح في الإسلام، وأعتقد أنَّ ماسينيون، ما كان يُعْنَى بالحلاَّج قد عنايته بتنفيذ مُخَطَّطٍ استعماري أحكم صُنْعَهُ؛ فقد ملأ كتابه الضخم عن الحلاَّج بحشد هائل من الخرافات والتُرَّهات والأباطيل، حتى يعمِّق الهُوَّةَ بين طائفتين توجدان بالجزائر: طائفة تتمسَّكُ بالقديم، فتنساق، حسب ظنِّهِ، إلى اعتقاد أنَّ هذه الخرافات والهذيانات هي صميم الإسلام، وطائفة مُثَقَّفَةٌ بالثقافة الحديثة تتَّجهُ من جانبها إلى السُخْرية والزراية بهذا الإسلام الخُرافي، بل من الإسلام كله» (١٤).\n\nبل غير خافٍ أنَّ (لويس ماسينيون) هذا «كان مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون الشمال الإفريقي، والراعي الروحي للجمعيات التبشرية الفرنسية في مصر، وخدم الجيش الفرنسي خمس سنوات في الحرب العالمية الأولى» (١٥).\n\nومن أراد دليلًا آخر، فلينظر في تاريخ السودان، وكيف حاولوا أنْ يُمَزِّقُوهُ طوائف وفرقًا (وطُرُقًا) وكان أنْ تقدَّم أحدهم، وأعلن إسلامه وتسمَّى باسم الشيخ أمين، ولبس ملابس شيوخ الطُرُق، وعاث في عقول الناس فسادًا وإفسادًا، ثم هالهم أنْ طلع عليهم ذات صباح في صحبة (غوردون) قائد جيش الاحتلال الذي استدعته إنجلترا ليخمد ثورة السودان سنة ١٨٨٥ م (١٦).\n\nولعل في تلك الواقعة التي أوردها الدكتور محمد محمد حسين في كتابه\n_________\n(١٣) مِمَّا يذكر بأسَى أنَّ عالمًا جليلًا نَعُدُّهُ مستنيرًا، أسرف على نفسه وعلى قُرَّائِهِ ذات حديث إلى مجلة إسلامية كبرى فمجَّد المُسْتَشْرِقِينَ، وما أدُّوهُ للتراث، ولما أراد أنْ يستدلَّ على قوله لم يجد إلاَّ عمل ماسينيون في تراث الحَلاَّج ودراسته، وهذا مِمَّا وقعنا فيه من تغرير وخداع.\n(١٤) الدكتور محمود قاسم: \" الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية \": ص ٧، وانظر الفصل الثاني من ٣٥ - ٧٠.\n(١٥) الدكتور محمد البهي: \" الفكر الإسلامي الحديث وصِلَتُهُ بالاستعمار الغربي \": ص ٥٥٦.\n(١٦) انظر بحثنا لكاتب هذه السطور بعنوان (جنوب السودان - دراسة تاريخية) \" صحيفة التربية \".","vol":"1","page":18},{"text":"\" حصوننا مهدَّدةٌ من داخلها \" (١٧)، وهي أنَّ مندوب مؤسسة روكفلر (١٨) الأمريكية كان يزور الجامعة السورية بدمشق، وقد تلكَّأ هذا المندوب ولاذ بمختلف المعاذير، حين أعربت له الجامعة عن حاجتها إلى بعض المخابر والأجهزة العلمية، ولكنه لم يلبث أن ظهر البشاشة، ولم يتردَّدْ في قطع الوعود بالمساعدة حين انتقل الحديث إلى إنشاء معهد لدراسة التصوف الإسلامي».\n\nففي تلك الأمثلة ما يشهد بأي اتجاه يريدونه لنا، فحين تعلق الأمر بالمخابر والأجهزة العلمية التي تنقلنا إلى العل وتنتج لنا منجزات العصر، كان التلكؤ والاعتذار، وحين كان الأمر متعلقًا بالتصوف كانت الاستعدادات جاهزة، والمنح مبذولة، والإمكانات متاحة، حيث ينقلنا ذلك الفكر إلى المتاهات، والخلافات، ونظل نمضغ أشياء لا تسمن ولا تغني من جوع.\n\nوقد عَبَّرَ عن ذلك أصد تعبير في أوجز لفظ أستاذنا الدكتور محمود قاسم: «لقد نقلنا المُسْتَشْرِقُونَ إلى أرسطو على حين نقلوا أنفسهم وقومهم إلى مناهج المسلمين وعلومهم» (١٩).\n\nألف ليلة:\n\nوإذا لم يكف كلُّ ما قدمناه من أدلة على اتجاه النشر عندهم، وأنهم يوجهونه إلى معرفتنا ثم إلى تمزيقنا وتدميرنا.\n\nإذا لم يكف كلُّ ما قدمناه من أدلة على اتجاه النشر عندهم، وأنهم يوجِّهُونه إلى معرفتنا ثم إلى تمزيقنا وتدميرنا.\n\nإذا لم يكف ذلك، فهل أتاك نبأ «ألف ليلة وليلة»؟؟ تلك القصص الخرافية التي رَوَّجُوهَا فينا، حتى فشت منها فاشية في كل أنحاء العالم الإسلامي، ومن يتتبَّع طبعاتها المتوالية، ويتتبَّع الدراسات والبحوث التي أجريت بشأنها، يُدرك أنهم جعلوها لنا زادًا واتَّخذوها - هم - مصدر الدراسات للمجتمع الإسلامي في عصوره الناهضة الواعدة، فجعلوا ما في هذه الأقاصيص من خرافات هي الصورة الحقيقية للمجتمعات الإسلامية.\n_________\n(١٧) انظر: ص ١٤٤.\n(١٨) معلوم أنها مؤسسة تزعم أنها تقدم مساعدات ومعونات لتنمية الدول المُتَخَلِّفَةِ.\n(١٩) أنور الجندي: \" المؤامرة على الإسلام \": ص ٢٠٩.","vol":"1","page":19},{"text":"في إبان قيادتنا للإنسانية، وريادتنا للبشرية، وأيام إسعادنا للدنيا، وسعادتها بنا، جعلوا \" ألف ليلة وليلة \" هي الصورة (الحقة) لحياة المسلمين، حينما يسودون ويقودون، بمنهج يبدو مستقيمًا، في ظاهره، وفي حقيقته كل الالتواء، إذ قالوا: «إنَّ الأدب مرآة للمجتمع الذي يولد فيه» وهو وثيقة يُحَرِّرُهَا (الناس) بعيدًا عن السلطة، وعن المراقبة، حيث لا رغبة ولا رهبة، ولا مجاملة، وحيث يكتب من يكتب بنفسه لنفسه، لا يعنيه أْنْ يَطَّلِعَ الناس على ما يكتب، ولا يدري أنَّ الناس سيقرأون ويدرسون ما كتب (٢٠)، كذا قالوا.\n\nوبهذا الأسلوب، وبهذا المنطلق صارت \" ألف ليلة وليلة \" معين الدارسين، منها يأخذون أخبار تاريخهم ومن وحيها يرسمون صورة أجدادهم، وآبائهم، ومن هنا لم نعجب حينما كتب (أحدهم) مقالًا هائجًا في مجلة سيارة من المجلات التي تدعو إلى (النهضة) وتحلم (باليقظة) لا نعجب إذ جعل عنوان مقاله: (لئلاَّ يعود هارون الرشيد).\nوكتب كاتب واع ممن يدري من أين أتت هذه السموم، يرثي لحاله، ويدعوه أنْ يعاود النظر في تاريخ أمته وكان مقاله بعنوان (بل، ليعد هارون الرشيد).\nولا تعجب إذا سمعتَ - كما سمعتُ أستاذًا جامعيًا، ممن انعقد لهم لواء الريادة في مجال الفكر والتربية، وصياغة العقول، عقول شبابنا وأجيالنا المقبلة، صرخ ذات حديث عن التراث وهو يتأفف ويكاد يصاب بالغثيان: «أتريدوننا أنْ نعيد ليالي بغداد وهارون الرشيد؟؟؟.!!!».\n\nوآخر ذات يوم يقول، وهو في نشوة الإعجاب بنفسه الراضي عن واقعه كل الرضا، شاعرًا أنه مفكر العصر والأوان. يقول: «كان هارون الرشيد\n_________\n(٢٠) لسنا هنا لمناقشة هذا المنهج (الآن) وهو الذي يبدو في ظاهره صائبًا لكن وراء ذلك ألف تحفظ وتحفظ.","vol":"1","page":20},{"text":"إذا صعد على الدرج في قصره، يصطف له صفان من العذارى على الجانبين، وهن عاريات الصدور متعطرات متبرِّجات بزينة، حتى يتكئ بيده على (النهود)!!.\n\nهكذا تسري سموم \" ألف ليلة وليلة \" تقتل في بطء، وتفتك على مهل، وبدون أنْ تترك أثرًا أي أثر (مثل ذلك النوع من السموم التي صارت تستخدمه وكالات الاستخبارات (الحديثة) (المتحضِّرة) في التخلص من المناوئين.\n\nولو أردت أنْ تعرف مدى احتفاء هؤلاء بـ \" ألف ليلة وليلة \"، فانظر في \" دائرة المعارف الإسلامية \" لترى أنهم كتبوا عنها ٣٥ صفحة كاملة، وأنَّ نحو عشرين من عُتاتهم وأعلامهم أصدروا أبحاثًا عنها، ما بين دراسات وترجمات وتعليقات.\n\nوبالتالي كان لنا مثل هذه العناية أو أشد، حتى صارت تقدم حلقات مسلسلة في الإذاعات مسموعة ومرئية، وكأنَّ ما كان من كتابات ودراسات، وطبعات ومختصرات، لم يكف، فأرادوا بالسم أنْ يصل إلى النخاع.\n\nوآخر أخبر \" ألف ليلة وليلة \" ما كتبه الأستاذ أحمد بهجت في صحيفة \" الأهرام \" على لسان والد طالبة في كلية الآداب بجامعة القاهرة يشكو من تكليف ابنته بدراستها، واطلاعها على ما فيها من فُحْشٍ يخدش الحياء، ويرجو (فقط) أنْ تتاح لأبنائنا طبعة (مُهَذَبَةً) خالية من هذه (الألفاظ). وإلى هنا والأمر طبيعي لا شيء فيه، ولكن الذي يلفت الانتباه أنَّ الأستاذ الجامعي الذي أمر طلابه بهذا ثار وهاج وماج وسب وشتم، واتهم من يحول بين (الطالبات) وبين هذه الـ \" ألف ليلة وليلة \" بكل ما فيها وجعله جاهلًا بالتراث ولا يدري ما معناه وقيمته.\n\nوهكذا تكون قد نجحت خطة القوم، في وضع \" ألف ليلة وليلة \" في بؤرة الشعور، أو في بؤرة التراث، إنْ صح هذا التعبير.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الأغاني:</span>\nوفي كتاب \" الأغاني \" نموذج آخر لاتجاهات هؤلاء في النشر، فقد لقي هذا الكتاب من العناية والمبالغة في شأنه أكبر مما لقيته \" ألف ليلة وليلة \"، ولن تخطئ أصابع المُسْتَشْرِقِينَ وراء ذلك، هذا الكتاب العجيب الغريب، الذي ليس أعجب منه إلاَّ حياة مؤلفه، فقد قالوا: «إنه أموي نسبًا شيعي مذهبًا» وهذا لم يتفق لأحد سواه، أما وصف حياته، وخلقه وسلوكه، ففيه ما يقبح ذكره (٢١)، ويكفي أنَّ علماء الرجال الأثبات قالوا في الحُكْمِ على روايته «كَذَّابٌ يأتي بالعجائب والغرائب بِحَدَّثَنَا وَأَنْبَأَنَا» (٢٢).\n\nهذا الكتاب وما لقيه من اهتمام ظهر أيضًا في العناية بطبعه، وإخراجه ونشره وإذاعته، ثم في الدراسات والأبحاث حوله، ثم تيسيره وإتاحته لكافة المستويات على هيئة \" تجريد الأغاني \"، و\" تهذيب الأغاني \"، و\" مختارات الأغاني \". ثم أيضًا حلقات إذاعية ومسلسلات، حتى صار هو المصدر الأول (لكل) الدراسات الأدبية (تقريبًا) وتعدَّى ذلك إلى دراسة التاريخ، بل وتاريخ الفكر من فقه وتفسير وعقيدة، ومن ثم استشرى خطره وصار ما فيه من طرائف وغرائب أحكامًا ثابتة، وقضايا مقررة، يستند إليها من يطعنون في رُواة السُنَّة، وفي فتاوى الأئمة، وآراء الفقهاء، وأحكام القضاة.\n\nوصار وهو كتاب \" الأغاني \" أي يُؤَرِّخُ لجانب من جوانب الحياة، هو جانب اللهو والعبث، صار ما فيه من استطراد، وأخبار تابعة لأخبار اللهو والمجون، صار ذلك هو الأصل، والأساس الذي يبني عليه، والمصدر الذي يُعتمد عليه عند الدارسين، وما ذاك إلاَّ لأنه أقرب موردٍ إليهم، وأيسر شِرْبٍ بين يديهم، فمنه يعبون، وبه يَرْتَوُونَ وَيَرْوُونَ، حتى شربت الأُمَّةُ كلها أو كادت من هذا النبع المسموم.\n_________\n(٢١) منذ فترة ونحن نعد بحثًا في هذا الموضوع جعلنا عنوانه \" كتاب الأغاني - ذلك النهر المسموم \" لكن تجذبنا الشواغل وما يَجِدُّ من قضايا هنا وهناك، فلا نفرغ له. فعسى أنْ يكون ذلك قريبًا إنْ شاء الله.\n(٢٢) \" ميزان الاعتدال \"، و\" لسان الميزان \".","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>هذه آثارهم:</span>\nكثيرًا ما يمتن علينا هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ، وتلاميذهم، بأنهم نشروا لنا أمهات المراجع، والكتب والأصول، فيذكر لنا نجيب العقيقي ومن لَفَّ لَفَّهُ. «أنهم أخرجوا لنا ألوف الذخائر، مرتبة مفهرسة، تعتمد عليها جامعاتنا، ويرجع إليها علماؤنا مثل:\n١ - \" السيرة النبوية \" لابن هشام.\n٢ - \" فتوح البلدان \" للبلاذري.\n٣ - \" الطبقات الكبرى \" للواقدي.\n٤ - \" معجم الأدباء \" لياقوت.\n٥ - \" نفح الزهور \" لابن إياس.\n٦ - \" الكامل \" للمبرد.\n٧ - \" نقائض \" جرير والفرزدق.\n٨ - \" تاريخ \" الطبري.\n\nولكن لست أدري لماذا لم يذكروا أنهم نشروا (٢٣) مثل هذه الكتب:\n١ - \" أخبار الحلاَّج \" الحسين بن منصور ت ٣٠٩ هـ - ٦٢٢ م. نصوص قديمة جمعها ماسينيون مع ترجمة فرنسية.\n٢ - \" الطواسين \" للحلاَّج.\n٣ - \" البلغة في الحكمة \".\n٤ - \" طبقات الصوفية \" السُّلَمِي أبو عبد الرحمن [محمد بن الحسين].\n_________\n(٢٣) المقصود هنا هو كل ما نشرته مؤسساتهم ومطابعهم ومجلاتهم، سواء أكان من عملهم وتحقيقهم أم من عملنا نحن، بل إنَّ ما يكون من عملنا هو في الواقع ثمرة لتوجُّههم وأثر لفكرهم. وهذا أسوأ من عملهم المباشر.","vol":"1","page":23},{"text":"٥ - \" آداب الصحبة وحسن المعاشرة \" للسُّلمي أيضًا.\n٦ - \" التشوف إلى رجال التصوف \" ابن الزيات الشاذلي يوسف بن يحيى (٦٢٧ هـ - ١٢٣٠ م).\n٧ - \" الرسائل الصغرى \" لابن عباد الرندي، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم (ت ٧٩٢ هـ).\n٨ - \" الخلوة والتنقل في العبادة ودرجات العابدين \" الحارث بن أسد المحاسبي (٢٣٤ هـ - ٨٥٧ م).\n٩ - \" ذم الدنيا \" لابن أبي الدنيا، أبو بكر عبد الله بن محمد عبيد القرشي البغدادي (٢٨١ هـ).\n١٠ - \" المنتقى من كتاب الرهبان \" لابن أبي الدنيا أيضًا.\n١١ - \" المسائل \" للخراز، أبو سعيد أحمد بن عيسى (٢٨٦ هـ - ٨٩٩ م).\n١٢ - \" رسائل الجُنَيْد \" الجُنَيْدُ بن محمد البغدادي (٢٩٧ هـ).\n١٣ - \" مثلي الطريقة في ذم الوثيقة \" للسان الدين بن الخطيب (٧٧٦ هـ - ١٣٧٤ م).\n١٤ - \" الأئمة المستورين \" المهدي بن عبد الله.\n١٥ - \" الشافية \" لأبي فراس شهاب الدين الإسماعيلي.\n١٦ - \" الهفت والأظلة \" للمفضل بن عمر الجعفي. صاحب فرقة خاصة (المفضلية) من الشيعة الإسماعيلية.","vol":"1","page":24},{"text":"١٧ - \" تاج العقائد ومعدن الفوائد \" لعلي بن محمد الوليد الراعي الإسماعيلي المطلق (٦١٢ هـ).\n١٨ - \" الإيضاح \" للراعي، شهاب الدين الإسماعيلي.\n١٩ - \" الأقصار في فقه الشيعة \" للنعمان بن محمد المغربي القاضي (ت ٣٦٣ هـ).\n٢٠ - \" الحِكَمْ الجعفرية \" للإمام جعفر الصادق - ﵁ -.\n٢١ - \" تفسير الإمام جعفر الصادق \".\n٢٢ - \" تنقيح الأبحاث والملل الثلاث \" لابن كمونة اليهودي سعد بن منصور (٦٨٣ هـ - ١٣٨٤ م).\n٢٣ - \" رسالة راهب من فرنسة إلى المقتدر بالله \" لراهب من فرنسة.\n٢٤ - \" الديا سطرون أو الإنجيل الرباعي \" ألفه باليونانية ططيانس. ترجمة ابن الطيب البغدادي (٤٣٥ هـ).\n٢٥ - \" مثالب عَليٍّ بن أبي بشير \" (أبي الحسن الأشعري) للأهوازي، الحسن بن علي بن إبراهيم المقرئ (٤٤٦ هـ - ١٠٧٤ م).\n٢٦ - \" رسالة في الحكمين وتصويب أمير المؤمنين عَلِيٌّ في فعله \" للجاحظ.\n٢٧ - \" النهج السديد والدر الفريد \" لأبي الفضائل مفضل القبطي المصري (٧٥٩ هـ).\n٢٨ - \" الأخلاق والانفعالات النفسانية \" لابن سينا.\n٢٩ - \" عيون الحكمة \" لابن سينا أيضًا.","vol":"1","page":25},{"text":"٣٠ - \" تعبير الرؤيا \". أرطاميدوس - نقله إلى العربية حُنين بن إسحاق (٢٦٠ هـ - ٨٧٣ م).\n٣١ - \" الآثار العلوية \" لأرسطوطاليس.\n٣٢ - \" رسالة في ماهية العدل \" مسكويه أحمد بن محمد (٤٢١ هـ).\n٣٣ - \" الحيل \" (في الفقه) للخصاف أبو بكر أحمد بن عمرو (٢٦١ هـ).\n٣٤ - \" ديوان أبي نواس \".\n٣٥ - \" رسالة في التربيع والتدوير \" للجاحظ التي يسخر فيها من أحمد بن عبد الوهاب ويهزأ بعيوبه الجسمية.\n٣٦ - \" المفاخرة بين الجواري والغلمان \" للجاحظ أيضًا.\n\nتأمَّل في هذه الكتب [وهي نماذج من مائة وخمسة وعشرين كتابًا موضوع الدراسة في الإحصاء الذي أشرنا إليه] وانظر كيف يلغون في موضوع الفرق ونشأتها، وكيف يلجون ويلحون ويلحفون في هذ القضية، ثم كيف يستميتون في إبراز هذه الاتجاهات الفكرية المتعارضة، وكأنهم يريدون أنْ يعرفوا التربة التي فيها نشأت والعوامل التي بها ازدهرت، حتى يُهَيِّؤُوا لها دائمًا أنْ تظل حية متأججة، تشغل الأُمَّة وتستهلك قواها، وتستحوذ على فكر علمائها، ولُبِّ قادتها، فتضرب بينهم الفرقة، ويعشعش الخلاف. وللأسف كثير من ذلك قد كان.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>خيانة المنهج:</span>\nليسوا أمناء:\n\nإنَّ أكثر ما يلوكه المُسَبِّحُون بحمد المُسْتَشْرِقِينَ، هو الإشادة بدقَّتهم وتجرُّدهم للبحث والعلم، وقدرتهم على التمحيص والتدقيق، وأنهم قادة هذا الميدان وفرسان هذا المجال، والمستشرقون أيضًا حرصوا كُلَّ الحرص على أنْ يُضْفُوا على أنفسهم هيبة العلم وقداسة محرابه، وأنْ يُخْفُوا تحت شارته وردائه كل (أغراضهم) و(أهوائهم). وأصبحت كلمات (الأكاديمي) (البحث العلمي) (المنهج) (حرية الرأي) (قيمة العمل) (الحيدة العلمية) ... الخ.\nأصحبت هذه الشعارات درعًا سابغًا توارت تحته مكنونات الصدور وخفيات الضمائر وسموم الأحقاد، ولكن لله دَرُّ الإمام أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور حين قال: «إنه ما أَسَرَّ أحد معصية قط إلاَّ ظهرت في آثار يده وفلتات لسانه».\n\nولو وضع تلاميذ المُسْتَشْرِقِينَ وأتباعهم، والذاكرين الشاكرين لهم، هذه الغشاوة عن أعينهم، وهذه الحجب عن بصائرهم، لرأوا ما خلف هذه الأقنعة، وعلموا أنَّ كلام المُسْتَشْرِقِينَ في العلم والمنهجية وحرية البحث والحيدة العلمية مجرد أقنعة تتراكم وتتراكب إمعانًا في إخفاء ما تحتها، ولو نظرنا في عمل هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ بمقاييس (العلم) و(المنهج العلمي) و(البحث الأكاديمي) ... لوجدناهم أول من يصفع هذا المنهج على قفاه، ويدوسه بقدميه. وهو في نفس الوقت رافع رايته، متقدم باسمه، ضارب بسيفه.\n\nوإنَّ القوم لعلمهم أنَّ حرب الكلمة، ليست كحرب السلاح والدم، في الثانية كلما تكاثفت الضربات، وتوالت الطعنات وتقدمت الجيوش تحرق وتدمر، كلما كان النصر.\n\nلكن في حرب الكلمة والفكر (كلما كانت الضربة) أخف وأرق وألطف، وكلما تباعدت الضربات، وكلما كانت الضربات والطعنات مغلفة","vol":"1","page":27},{"text":"بغلاف كافٍ من الحقائق، والصدق، كلما كان كذلك كان، أوجع وأوقع، وأخطر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>نماذج من تحريف النصوص وخيانة المنهج:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>جولدتسيهر:</span>\n- يحمل المُسْتَشْرِقُ جولدتسيهر على السُنَّة المُطَهَّرةُ حملة شعواء، ويحشد لما يقوله من التشكيك فيها، أدلة من أوهامه، وتزييفاته، وتحريفاته، نكتفي بعرض نموذج واحد لهذه التحريفات، التي يزيِّف بها النصوص، ويُغَيِّرُهَا، لتحقق له هدفه.\n\nوهو محاولة الطعن في رُواة الحديث جملة، فيستعرض، بعض ما يقوله علماء الرجال في الرُواة، ويُخرجونه مخرج الجرح والتعديل، ليوهم بأنَّ هؤلاء الرُواة، مجروحون، كذَّابون.\n\nفمن ذلك قوله: ويقول وكيع عن زياد بن عبدالله البَكَّائِي: «إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ كَانَ كَذُوبًا» ولكن ابن حجر يقول في \" التقريب \" «ولم يثبت بأنَّ وكيعًا كذَّبهُ».\n\nيريد جولدتسيهر بهذا أنْ يقول: إنَّ زيادًا البَكَّائِي كان كذوبًا، مع عُلُوِّ منزلته في الحديث، وذلك بشهادة (وكيع) أحد أعمدة الجرح والتعديل، فإذا كان مثل زياد البَكَّائِي (كَذُوبًا) فأي ثقة بالحديث، والسُنَّة؟؟!!.\n\nفلننظر أصل النص، وكيف حَرَّفَهُ جولدتسيهر، جاء في \" التاريخ الكبير \" للإمام البخاي: «وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ السَّدُوسِيُّ عَنْ وَكِيعٍ: وَهُوَ (أَيْ زِيَادٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ البَكَّائِي) أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ». اهـ.\n\nهذا هو النص كما ترى ينفي عن زيادٍ الكذبَ أَشَدَّ النفي وأبلغه، فهو «أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ». أي أنه أبعد من الكذب بِسَجِيَّتِهِ وفطرته، وطبعه وشرف نفسه، وعُلُوِّ هِمَّتِهِ وَسُمُوِّ نفسه، فلو كان الكذب (حَلاَلًا) غير مَنْهِيٍّ عنه شرعًا ما كذب. كما رُوِيَ عن بعضهم «لَوْ كَانَتْ خِيَانَتُكَ حَلاَلًا مَا خُنْتُكَ»، مبالغة في بُعْدِ الخيانة عن طبعه، ومُجافاتها لِشِيَمِهِ.\n\nومع وضوح هذا النص يُحَرِّفُهُ هذا المُسْتَشْرِقُ إلى: «إِنَّهُ مَعَ شَرَفِهِ","vol":"1","page":28},{"text":"فِي الحَدِيثِ كَانَ كَذُوبًا».\n\n- ومن تحريفات جولدتسيهر أيضًا في نفس المجال، اتِّهامه للإمام الزُّهْرِيِّ بأنه كان «مستعدا لأن يضع الأحاديث لبني أمية، وأن يَكْسُو رغبات الحكومة باسمه المُعْتَرَفِ به عند الأُمَّة الإسلامية، ولم يكن الزُّهْرِيُّ من أولئك الذين لا يمكن الاتفاق معهم، ولكنه كان ممن يرى العمل مع الحكومة،فلم يكن يَتَجَنَّبُ الذهاب إلى القصر، بل كان كثيرًا ما يتحرك، في حاشية السلطان، بل إننا نجده في حاشية الحَجَّاجِ عندما ذهب إلى الحج، وهو ذلك الرجل المُبْغَضُ ...» الخ.\n\nيريد بذلك أنْ يُوهِمَ القارئ أنَّ الزُّهْرِيَّ كان تابعًا لذوي السلطة، يجري في فلكهم ويستمتع بالقرب منهم، في مقابلة ما يؤدِّيه لهم من خدمات في تخصُّصه، أي العلم بالحديث، حيث يخترع لهم الأحاديث التي (تكسو رغبتهم ثوبًا دينيًا).\n\nولا يعنينا هنا تفنيد هذه التُّهم، فليس هذا مجاله (٢٤)، ولكن يعنينا أنْ نضع أمام القارئ الصورة البشعة لتحريف النصوص وتزييفها، بقصد تنفير الناس من الإمام (الزُّهْرِيِّ) أحد أعمدة السُنَّةِ وأركانها، فَالزُّهْرِيُّ لم يكن مع الحَجَّاجِ بن يوسف الثقفي في حاشيته حين حَجَّ، وإنما كان مع عبد الله بن عمر، حين اجتمع مع الحَجَّاجِ «وإليك النص على حقيقته كما ورد في \" تهذيب التهذيب \" لابن حجر: «أخرج عبد الر زاق في \" مُصَنَّفِهِ \" عن الزُّهْرِيِّ قال: كتب عبد الملك إلى الحَجَّاِج أَنْ اقْتَدِ بابْنِ عُمَر فى المناسك، فأرسل إليه الحَجَّاِج يوم عرفة: إذا أردت أَنْ تروح فآذِنَّا، فراح هو وسالم وأنا معهما، قال ابن شهاب: وكنت صائمًا فلقيت من الحر شدة» فالزُّهْرِيُّ، إنما كان مع عبد الله بن عمر، حين اجتمعا بالحَجَّاِج [في الحج]، لا في معية الحَجَّاِج» (٢٥).\n_________\n(٢٤) نحيل القارئ إلى الكتاب القَيِّمْ \" السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي \" لنابغة الدعوة والإسلام المرحوم الدكتور مصطفى السباعي من ص ١٨٧ - ٢٣٥ [وعنه أخذنا مادة هذه الفقرات عن تحريف جولدتسيهر].\n(٢٥) الدكتور مصطفى السباعي: \" السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي \" ص ٢٢٣.","vol":"1","page":29},{"text":"ثم هو يتعامى أيضًا، عن ورع عبد الملك، وأمره لِلْحَجَّاجِ بالاقتداء بابن عمر، وعن طاعة الحَجَّاجِ واقتدائه بابن عمر، ولكنه لا يرى شيئًا من ذلك، حتى يؤكد ما قرره في أذهان تلاميذهم من مؤرِّخينا، عن ظلم بني أمية وفسادهم.\n\nونموذج ثالث لتحريف هذا المُسْتَشْرِقِ نفسه، في نفس المعنى، أعني اتِّهَامَ الزُّهُرِيِّ بالوضع - كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ - قال عن الزُّهُرِيِّ واستعداده لمسايرة الحُكَّامِ، ووضع ما يَرَوْنَ من أحاديث: «قد كانت تقواه تجعله يشك أحيانًا، ولكنه لا يستطيع دائمًا أنْ يتحاشى تأثير الدوائر الحُكومية، وقد حَدَّثَنَا معمر عن الزُّهُرِيِّ بكلمة مُهِمَّةٍ، وهي قوله: \" أكرهنا هؤلاء الأمراء على أنْ نكتب (أحاديث) فهذا الخبر يُفْهِمُ استعدادَ الزُّهُرِيِّ أنْ يكسو رغبات الحكومة، باسمه المعترف به عند الأُمَّة الإسلامية».\n\nونلاحظ أنه في نفس الوقت يحاول أنْ يظهر بمظهر الحيدة العلميَّة، الخالية من الغرض، فلا يحرم\nالزُّهُرِيَّ من وصف (التقوى) المعروف به، بل يُضفي على عبارته ما يجعلها أولى بالتصديق، فيجعل الزُّهُرِيَّ ذلك التقي الصالح، يستشعر الندم أحيانًا، ويعترف بخطئه، ويبرر لنفسه ذلك بأنه واقع تحت الإكراه، من السلطة. وهكذا بهذا الملمس الناعم يسوق تريينه وتحريفه، وينفثه في خفة ومهارة.\n\nوهو في كل ذلك يرتكز على ذلك النص المنقول عن (مَعْمَرْ) ليوهم القارئ بأنه يُوَثِّقُ ما يقول، ويملك دليلًا على ما يَدَّعِي.\nوهذا النص الذي نقله فيه تحريف متعمَّد يقلب المعنى رأسًا على عقب، وأصله كما عند ابن عساكر، وابن سعد: أنَّ الزُّهُرِيَّ كان يمتنع عن كتابة الأحاديث - كان يفعل ذلك ليعتمدوا على ذاكرتهم، ولا يَتَّكِلُوا على الكتب كما ذكرنا من قبل - فلما طلب منه هشام وَأَصَرَّ عليه أَنْ يُمْلِي على ولده ليمتحن حفظه كما تقدم، وأملى عليه أربعمائة حديث، خرج من عند هشام وقال بأعلى صوته: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا مَنَعْنَاكُمْ أَمْرًا قَدْ بَذَلْنَاهُ الآنَ لِهَؤُلاَءِ، وَإِنَّ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ (الأَحَادِيثِ) فَتَعَالَوْا","vol":"1","page":30},{"text":"حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ بِهَا فَحَدَّثَهُمْ بِالأَرْبَعِمِائَةَ الحَدِيث».\n\nهذا هو النص التاريخي لقول الزُّهْرِي، وقد رواه الخطيب بلفظ آخر وهو: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ الْعِلْمِ - أَيْ كِتَابَتَهُ - حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءُ فَرَأَيْنَا أَنْ لاَ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ». اهـ.\n\nونترك التعليق لقلم المرحوم الدكتور مصطفى السباعي إذ يقول: «فانظر كم الفرق بين أنْ يكون قول الزُّهْرِي كما روى جولدتسيهر: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ» وبين أنْ يكون قوله كما رواه المُؤَرِّخُونَ: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ الأَحَادِيثِ» أو كما رواه الخطيب «عَلَى كِتَابَةِ الْعِلْمِ» ثم انظر إلي هذه الأمانة العلمية حذف «الـ» من «الأَحَادِيثِ» فقلبت الفضيلة رذيلة ... حيث كان النص الأصلي يدل على أمانة الزُّهْرِي وإخلاصه في نشر العلم، فلم يرض أَنْ يبذل للأمراء ما منعه عن عامة الناس إِلاَّ أَنْ يبذله للناس جميعًا، فإذا (أمانة) هذا المُسْتَشْرِقِ تجعله ينسب لِلْزُّهْرِي أنه وضع للأمراء أحاديث أكرهوه عليها، فأين هذا من ذاك؟؟» (٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>وِلْ دْيُورَانْتْ:</span>\nوإذا شئنا نماذج أخرى لتحريفاتهم، فإليك ما أورده (ول ديورانت) في كتابه \" قصة الحضارة \" (٢٧).\nيقول عن النبي - ﷺ -: «وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء واجبات الحب والحرب، ولكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره،\n_________\n(٢٦) \" السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي \": ص ٢٢١ - ٢٢٣.\n(٢٧) قامت على ترجمة هذا الكتاب الإدارة الثقافية بالجامعة العربية، وصدر على نفقتها في أكثر من ثلاثين جزءًا. وقد نقد هذا التصرف من الجامعة العربية الأستاذ الجليل محمد محمد حسين - ﵀ -، وقال: «... إنَّ اختيار هذا الكتاب للترجمة جريمة دبَّرتها الصهيونية الهَدَّامة المُتَخَفِّيَةِ في زوايا اليونسكو ... إلخ» انظر \" حصوننا مهددة ن داخلها \": ص ١٨٧ - ١٨٩ لترى نقدًا موضوعيًا علميًا لهذا الكتاب.","vol":"1","page":31},{"text":"وظن أنَّ يهود خيبر قد دَسُّوا له السم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت، فأصبح بعد ذلك الحين عرضة لحميات، ونوبات غريبة ... إلخ» (٢٨).\n\nولا يعنينا أنْ نناقش القبح والفحش الذي كتب به المؤلف ما كتبه عن نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَالسَّلاَمُ - بأبي هو وأمي وبنفسي وبالناس أجمعين - فليس هذا مجال مناقشته، ولكن الذي يعنيني أنْ أضبط هذا المُسْتَشْرِقَ العلاَّمة، مُتَلَبِّسًا بخيانة المنهج، وذلك قوله: «وَظَنَّ أَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ قَدْ دَسُّوا لَهُ السُمَّ فِي اللَّحْمِ». فهذا التعبير بـ «ظَنَّ» يريد به أنْ ينفي صحة الخبر، ليبرئ اليهود بالتالي من جريمة محاولة قتله - ﷺ - بالسُمِّ، ومن قتل الصحابي الجليل الذي أكل معه.\nوهذا الخبر (خبر دس السم) موجود مشهور في مصادر السيرة النبوية المختلفة، فقد أورده ابن هشام في سياق غزوة خيبر، وأورده ابن سعد في \" طبقاته \"، ورواه \" البخاري \" في غير موضع: ٥/ ١٧٦، و\" مسلم \": ٧/ ١٤ - ١٥ كلاهما من حديث أنس، وأحمد برقم ٢٨٨٥ من حديث ابن عباس و\" أبو داود \": ١/ ١٤٦، و\" الدارمي \": ١/ ٣٣ عن جابر ... [وفيه اعتراف اليهود بدس السم وعفو الرسول - ﷺ -، عن هذا الجُرْمِ الفظيع، مع موت الصحابي الجليل البراء بن معرور بهذا السُمِّ].\n\nومع ثبوت هذا الخبر ووفرة مصادره تأبي (الأمانة العلمية) و(الحيدة الأكاديمية) و(منهج البحث) على هذا المُسْتَشْرِق العتيد إلاَّ أنْ يُزَيِّفَ ويُحَرِّفَ، فينكر الخبر، وينسب الحادثة في إيجاز بارع إلى مجرد ظَنٍّ ووهم.\nوعلى حين ينكر هذا الخبر الثابت، يُحَرِّفُ وَيُزَيِّفُ خبرًا آخر، يزيد فيه وينقص منه.\nفيقول في ص ٧٧ وهو يتحدَّثُ عن الثراء الذي جاء المسلمين نتيجة للفتح: «... وكان للزبير بيوت في عدة مدن مختلفة، وكان يمتلك ألف جواد، وعشرة آلاف عبد ...».\n_________\n(٢٨) الجزء الثاني من المجلد الرابع، مسلسل رقم ١٣ ص ٤٦ سطر ٧ - ١٠.","vol":"1","page":32},{"text":"وهذا الخبر بهذه الصورة وبهذا الإيجاز يجمع ألوانًا وأفانين من التحريف، ففيه زيادة، وفيه نقص، وفيه تغيير وتبديل. وبيان ذلك:\nأنَّ الخبر ورد في المصادر المعروفة والمشهورة هكذا: «وكان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه خراجهم كل يوم، فما يُدْخَلُ إلى بيته منها درهمًا واحدًا يتصدَّق بذلك جميعه».\n\nهكذا ورد الخبر في:\n١ - \" الإصابة \" لابن حجر العسقلاني: ١/ ٥٤٦.\n٢ - \" أسد الغابة \" لابن الأثير: ٢/ ١٩٨.\n٣ - \" البداية والنهاية \" لابن كثير: ٧/ ٢٥١.\n٤ - \" صفة الصفوة \" لابن الجوزي: ١/ ٣٤٦.\n٥ - \" الاستيعاب \" لابن عبد البر (بهامش \" الإصابة \"): ١/ ٥٨٣.\n\nوبعض هذه المراجع من منشورات المُسْتَشْرِقِينَ، أعني هذا الخبر بهذه الصبغة كان متاحًا له وبين يديه، «وهم يزعمون، ويزعم تلاميذهم أنهم يستقصون المراجع، ولا يخطون حرفًا إلاَّ بعد جمع كل تلاميذهم أنهم يستقصون المراجع، ولا يخطون حرفًا إلاَّ بعد جمع كل ما يتصل بموضوعهم) ولكنه كما ترى ارتكب التحريفات الثلاثة الآتية».\n١ - زيادة ألف جواد من عنده، فقد أقحمها في الخبر، ولا وجود لها فيه أصلًا.\n٢ - نقص الجزء الأخير من الخبر عن تصدق الزبير بخراج هؤلاء المماليك.\n٣ - زيادة الألف مملوك إلى عشرة آلاف.\n\nوهكذا تكون (الأمانة العلمية) و(النزاهة) و(الحيدة) و(التجرد) و(المنهج) إلى آخر هذا الركام من الأحجار التي يُلقمونها لمن يريد أنْ ينظر في عمل المُسْتَشْرِقِينَ.","vol":"1","page":33},{"text":"وهاك نموذج آخر للتحريف وخيانة المنهج، وهو ما قاله هذا المُسْتَشْرِقُ عن هارون الرشيد، ذلك الخليفة العظيم، وعلاقته بالبرامكة، قال: «وكان هارون يحب جعفر حبًا أطلق ألسنة السوء في علاقتهما الشخصية، ويقال: إنَّ الخليفة أمر بأنْ تصنع له جبة ذات طوقين، يلبسها هو وجعفر معًا، فيبدوان كأنهما رأسان فوق جسم واحد، ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد الليلية» (٢٩) (كذا).\n\nانظر: مؤرِّخُ الحضارة، عملاق الفكر، وربيب الأكاديمية، وسادن العلم، وأستاذ البحث والمنهج، ينكر الحديث الثابت والخبر المتفق عليه، الذي تردَّد في كل الكتب تقريبًا، «عن دَسِّ اليهود السُمَّ للرسول - ﷺ -»، وَيُضِيفُ وَيُغَيِّرُ في خبر ثروة الزبير - ﵁ -، ويأتي هنا بخبر (لقيط) لا يُدْرَى له أصل، فيحتفي به أيما احتفاء، بل يبني عليه من عنده، فيتَّخذ منه مناسبة ليطعن بغداد دار السلام عاصمة الدنيا كلها في ذلك الوقت، فيقول: «ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد اليلية» هكذا يقذف المجتمع كله بهذ الفرية، ولنا على هذا الكلام ملاحظتان:\n\nالملاحظة الأولى:\n\nأنَّ الخبر على فرض صِحَّتِهِ، كان الأولى به أنْ يعف عن ذكره، فلا (يُلَوِّثُ) به كتابه، ولا يؤذي به حياء قارئه، فهذا شأن العلماء، والباحثين، لا سيما وأنَّ الخبر في سياقه مقحم لا قيمة له، فإثبات قوة الصلة بين هارون الرشيد والبرامطة لا تحتاج إلى مثل هذا الفحش، الذي يعف عنه عامة الناس، بله كبار العلماء، (آهٍ متى يعود لأمَّتنا مكانها حتى تقيم حدود الله، وتجلد هؤلاء القذفة).\n_________\n(٢٩) الجزء الثاني من المجلد الرابع (مسلسل رقم ١٣) ص ٩٣ سطر ٥ - ٨. ولا يعفي \" ديورانت \" أنه عزا هذا الكلام إلى \" مرجليوث \" في كتابه \" محمد ومطلع الإسلام \" بل إنَّ هذا يضاعف الجرم (أفعى ترضع سُمًّا) ويشهد بعراقة الإفساد، وتمكن الحقد من نفوس القوم، وإحكام الكيد وسوء المكر، وإنَّ الإنسان ليعجب أيَّ علاقة لهذا الكلام عن هارون الرشيد بكتاب عن \" محمد ومطلع الإسلام \"؟؟ أية منهجية هذه؟؟؟","vol":"1","page":34},{"text":"الملاحظة الثانية:\n\nأنَّ هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ دائمًا يدعون إلى العقل، وتحكيم العقل في الخبر مهما كانت صحة سنده، والسؤال للمستشرق العملاق، هل يقبل عقلُ غافل (أي عاقل)، بله عقل متحضر، بله عقل (مؤلف عالمي) هل يقبل العقل أنْ يمشي رجلان في ثوب واحد؟؟ وكيف؟ وبأي سعة يكون هذا الثوب؟ وأيهما يمشي أولًا؟ وأيهما يمشي ثانيا؟ أم كان هناك إيقاع موسيقي يضبط حركتهما؟؟.\n\nوإذا تركنا هذا الإمكان (العلمي)، فهل يقبل العقل أنَّ حاكمًا في مثل منزلة هارون الرشيد كان فارغًا لهذا العبث، بل لهذا الفساد؟ وهل يعقل أنَّ من يصل إلى هذا الحد من (السقوط) يمكن أنْ يكون صاحب هذا التارخ الذي زحم الدنيا، من الغزوات والانتصارات والسفارات، والبناء، وقيادة (الدنيا كلها) في طريق الحضارة والنور، هذه الخطوات الفساح التي تمت في عهد الرشيد، هل يقبل عقلُ عاقل أنَّ هارون الرشيد الذي كان يقود الجيوش بنفسه، ويقضي الشهور تلو الشهور في ملابس الميدان، هذا الذي أَذَلَّ أباطرة الروم، ودفع عن ثغور المسلمين دسائسهم ومؤامرتهم، حتى مات مجاهدًا ودفن هناك في (طوس) على أطراف دولته، بعيدًا عن عاصمته و(قصره) مسيرة أيام، هل يعقل عاقل أنَّ هذا المجاهد يصل إلى هذا المنحدر من السقوط؟؟ إلاَّ في عقل هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ.\n\nبل إنَّ جعفر البرمكي هذا كان قائدًا مُحَنَّكًا، ولا شك أنَّ مُؤَرِّخَ الحضارة قرأ عن أعماله الحربية العظيمة، وأنَّ هارون الرشيد كان يرمي به في أخطر المآزق، ويلجأ إليه في أشق المضايق، فطالما قمع الفتنة، وردع","vol":"1","page":35},{"text":"العدوان، وَسَدَّ الثغور، وحمى الحصون، جال في أرض العدو وصال.\nأفمثل هذين العظيمين الطاهرين المجاهدين يكون فارغًا لما يرمز إليه بهمزه ولمزه، ذلك المؤلف العالمي (الهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ) (٣٠).\n\nمتشرق ثالث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>فَانْ فلُوتن:</span>\nيعتبر (فان فلوتن) أحد المُسْتَشْرِقِينَ المعنيين بالتاريخ الإسلامي، خاصة فترة الأمويين والعباسيين، ونستطيع أنْ نجد اسمه يتردَّدُ في كثير من الكتب الجامعية مرجعًا من مراجعهم يباهون به، ويفتخرون بالاعتماد عليه، وهو يغريهم بما ينسبه إلى الطبري، والبلاذري، واليعقوبي، والواقدي، ونحوهم، فَيُخَيَّلُ للباحثين والدارسين أنه (وَثَّقَ) كل أخباره، وأتى بها من منابعها، فيعجبون به، ويطمئنون إليه ز\n\n\" السيطرة العربية \":\nلفلوتن كتاب بهذا الاسم، ونظرًا لأهميته في مجال التاريخ حظي بعناية من رجال التاريخ عندنا، فترجمه إلى اللغة العربية سَنَةَ ١٩٣٤ م الدكتور حسن إبراهيم حسن، ومحمد زكي إبراهيم وطبعت الترجمة طبعتين، ثم ترجمه سَنَةَ ١٩٨٠ م مرة ثانية الدكتور إبراهيم بيضون، وفلوتن متخصِّص في تاريخ هذه الفترة حيث كانت أطروحته للدكتوراه في نفس الموضوع، ودراسته ومقالاته تتجه كلها هذه الوجهة.\n\nومن هنا كان لكلامه وزن وقيمة، وكان (لتحريفه) للمصادر\nو\n_________\n(٣٠) نحن نعرف ويعرف (ول ديورانت) أكثر مِنَّا مَنْ قادة الفكر والرأي في بلاده يصدق عليهم يقينًا ما حاول أنْ يرمي به هارون الرشيد وجعفر بل حاول أنْ يرمي به المجتمع المسلم في بغداد كلها، نحن نعرف ولكن نعفُّ ونُطَهِّرُ قلمنا وكتابنا أنْ نذكر، ولا نهم ولا نلمز.","vol":"1","page":36},{"text":"(خيانته) للمنهج خطر عظيم، وكان هذا منه جُرْمًا أي جرم.\n\nونحن نلتزم بهدفنا هنا، فلا يعنينا ما في الكتاب من تهجُّم على الإسلام والمسلمين، الذي لا يعدو أنْ يكون سَبًّا وَشَتْمًا (بأسلوب أكاديمي)، وإنما يعنينا هنا جريمته في حق (التراث) وكيف حَرَّفَ المصادر والمراجع وزيفها. وإليك هذا المثال:\nجاء في ص ٦٧: قوله: «وقد فرضت حالة الترف المتصاعدة هذه [يقصد الترف الذي أصابه المسلمون ثمرة للفتوح] تغطية دائمة لمواجهة متطلبات جديدة، واللجوء إلى الاستدانة كطريقة فَذَّةٍ من أجل إشباع رغباتهم ...» ثم أحالنا على \" الطبري \": ١/ ٢٨١١.\nفماذا نجد في الطبري في هذا الموضع؟\nلم نجد في \" الطبري \" إلاَّ خبرًا عن استدانة سعد بن أبي وقاص من بيت مال الكوفة، وكان خازن بيت المال عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وكان سعد والي الكوفة، فاستقضى عبد الله بن مسعود - ﵁ - سعدًا. واشتدَّ في مطالبته، فاستمهله سعد فلم يقبل، وكان بينهما تلاوم، ووصل إلى عثمان بن عفان - ﵃ جَمِيعًا -، ملامهما معاص، وقال لهما: أنتما أصحاب رسول الله - ﷺ -، فكيف تتلاحيان هكذا أمام الناس، وعزل سعدًا، وأقرَّ عبد الله بن مسعود على عمله.\n\nهذا هو ما ذكره الطبري، فكيف يفهم منه أيُّ قارئ؟ بَلْهَ باحث ضليع، يقتعد مقعد الأستاذية؟؟\nكيف يفهم من هذه الحادثة أنَّ الاستدانة قد صارت ظاهرة في المجتمع؟؟ وأنها أصبحت وسيلة (فَذَّةٍ) لإشباع الترف الذي شاع فيه؟ كيف يفهم هذا؟ وبأي منطق يقال هذا؟ وأي ترف كان في مجتمع الكوفة سنة ٢٦ هـ؟\nثم لو نظر إلى هذه الحادثة بعين مجردة، ودون تعمق ولا (منهج بحث) ولا ... ولا ... ألا يجد فيها فخرًا للإسلام والمسلمين؟؟ ألاَ ترى كيف لم يستطع الحاكم (والي الكوفة) أنْ ينال من مال الجماعة إلاَّ قرضًا. ثم الا يرى كيف كانت أمانة خازن بين المال الذي لم يسمعه السكوت عن (الواالي).","vol":"1","page":37},{"text":"واصطناع يَدٍ عنده، وأي (يَدٍ)؟ بالتأجيل فقط طبعًا (لا بالتنازل) ثم ألاَ يرى تلك الحرية التي وسعت (موظفًا) (صرفًا) (خازنًا) يلاحي الأمير، ويناصيه، ويغلظ له؟؟!! أية (ديمقراطية) هذه؟؟ ألاَ تهز أعطافه؟ ألاَ تُرَوِّعُهُ؟ ألاَ تُبْهِرُهُ؟.\n\nثم ألاَ يتبادر إلى الذهن أنَّ الحاجة، والفاقة هي التي ألجأت سعدًا إلى الاستدانة؟؟ وهذا هو الواقع!! ففيم كان يستدين سعد في ذلك الوقت؟؟ وفي أي مجال كان ينفق فيه في ذلك الحين؟؟ فقد كانوا يعيشون عيش الكفاف!!\n\nثم لو مَدَّ بصره قليلًا لقرأ في الأسطر التالية بقية القصة، وكيف أنَّ سعدًا لشدة ألمه من عنف عبد الله بن مسعود، وعدم رفقه وَتَأَنِّيهِ به - رفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم رب السماوات والأرض ... فقاطعه عبد الله بن مسعود قائلًا: ويلك!! قُلْ خيرًا ولا تلعن. وخاف أنْ يدعو سعدُ عليه، فقال سعدٌ عند ذلك: أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك!!! كلمات تقطر تقوى، وتندى بالحب والإخاء، ومواقف تنطق بالطهارة والتعفف.\n\nولو قرأ بقية الصفحة لوجد أنَّ الأمير الذي تولى بعد سعد على الكوفة مكث خمس سنين، وليس على داره باب!!! فأي ترف؟ وأي استدانة؟.\n\nولكن هكذا بهذا التحريف، وبهذا التزييف، استكره النص، واستنطقه ما لا ينطق به، وقال على الطبري ما لم يقل، وقلب الحسنات سيئات.\nوالأمثلة لا تنتهي، ولكننا نكتفي بنموذج آخر من كلام (فلوتن) في نفس الكتاب. في نفس الموضوع جاء في ص ٦٦: «ولقد أصابت الأسر المرموقة في الكوفة ثراءً، فاحشًا كان مصدره (المغانم) والأعطيات السنوية، فكان الكوفي إذا ما ذهب إلى الحرب، يصطحب معه أكثر من ألف من الجمل، عليها متاعه وخدمه» ثم نسب ذلك إلى \" الطبري \": ٢/ ٨١٠٦ س ٨.\n\nوعلى البديهة ترفض أنْ يكون هذا الكلام في \" الطبري \"، فنحن نعرف الطبري - ﵁ - إمامًا ورعًا، مُؤَرِّخًا مُحَدِّثًا فَقِيهًا، أو على الأقل (عاقلًا","vol":"1","page":38},{"text":"يدري ماذا يقول)!! فكيف يذهب الجندي المقاتل إلى الميدان ومعه أكثر من ألف من الجمال تحمل متاعه وخدمه؟ كيف يقاتل ومعه هذه الحاشية؟ وما يصنع بحمل ألف جمل من المتاع في الميدان؟ وإذا فرضنا أنَّ الجيش كان عشرة آلاف مقاتل (وهذا تقدير متواضع) فكم عدد الجمال التي تحمل متاعهم؟ أليست أكثر من عشرة ملايين من الجمال؟ كيف يتحرك هذا الجيش؟ وأية طرق تسعهم وأية مياه تكفيهم؟ وأية مراع تطعمهم؟ وإذا سقط من الجيش بضعُ مئات أو آلاف قتلى في الميدان، فأين تذهب الملايين من الجمال التي تحمل أمتعتهم؟.\n\nلو قرأ أي عاقل هذا الخبر في أصح كتاب لاتَّهَمَ صاحبه، أو على الأقل نسبه إلى الخطأ والوهم، ورفض أنْ يحكي هذا الكلام أو ينقله.\n\nولكن المُسْتَشْرِقَ العظيم في غمرة اجتهاده لإثبات أنَّ فتوحات المسلمين كانت انتهابًا لخيرات وثروات البلاد التي فتحوها راح يجمع الأدلة من هنا وهناك، ويلويها لَيًّا، ويزيفها تزييفًا. إلاَّ أننا ما كنا نتوقع أنْ يخرج بتزييفه إلى حد اختراع هذه الخرافة، التي لا شك لم ينتبه إليها، فقد شهدت عليه لا له.\n\nوهل لذلك أصل في \" الطبري \"؟؟.\nإنَّ عبارة الطبري تقول على لسان قيس بن الهيثم أحد أصحاب مصعب بن الزبير قبيل التحامه مع جيش عبد الملك بن مروان، يُرَغِّبُ أهل العراق في القتال، ويبيِّن لهم حسن معاملة ابن الزبير لهم، ورفعه لمنزلتهم ومكانتهم: «... والله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة يفرح إن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف، وأحدنا على ألف بعير ...».\nفالقائل هنا يريد أنْ يوازن لأهل العراق بين معاملة خليفة الشام لأصحابه، فالسيد منهم يقف بالباب. ويعدها تكريمًا من الخليفة لو أرسله في حاجته، وبين إكرام حكامهم (الزُبَيْرِيِّينَ) لهم، فالواحد منهم على ألف بعيرٍ. ومعنى على ألف بعير، أي أمير ألف، وكان هذا أكبر لقب في الجيش","vol":"1","page":39},{"text":"بعد القائد العام، أي أنهم في كنف الزُبَيْرِيِّينَ كلهم أمراء (*).\n\nوهكذا نختم بهذا النموذج من تحريف المُسْتَشْرِقِينَ وخيانتهم للمراجع والمصادر.\nولا يَقُولَنَّ أحد: إنكم بهذا تتصيَّدون للقوم أخطاءهم تصيُّدًا!! ومن الذي لا يخطئ؟ بحسبهم فخرًا، ويكفيهم نُبْلًا أنْ تُعَدَّ عيوبهم، وأنْ تُحْصَى أخطاؤهم، من ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسن فقط؟ لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة.\n\nوالجواب:\nأولًا: أنَّ هذه ليست كبوات، وليست هفوات، بل هي عَمْدٌ مع سَبْقِ الإصرار والترصد.\nثانيًا: أنها حقًا قليلة، لا تساوي شيئًا بالنسبة إلى ما في الكتاب من حقائق صادقة، ومعلومات قيمة، بل لما فيه أحيانًا من تمجيد لنا، وثناء على تاريخنا، واعتراف بعظمة ديننا. ولكن ذلك لا يخدع إلاَّ السُذَّجَ، والأغرار، فإنَّ هذا أمر مقصود، مدروس، وكيد محكم وتدبير خبيث، ذلك أنهم لو صارحونا بكل ما في جعبتهم من السهام، وما في فكرهم من سموم لكان لهم منا العناد والإعراض، بل المقاومة والدفاع، والانتقام، يقول العلاَّمة أبو الحسن الندوي - مَدَّ اللهُ في عمره - تحت عنوان: الاستراتيجية الدقيقة: «ومن دَأْبِ كثير من المُسْتَشْرِقِينَ أنهم يعينون لهم غاية ويقررون في أنفسهم تحقيق تلك الغاية بكل طريق، ثم يقومون لها بجمع معلومات - من كل رطب ويابس - ليس لها أي علاقة بالموضوع، سواء من كتب الديانة والتاريخ، أو الأدب والشعر، أو الرواية والقصص، أو المجون والفكاهة\n_________\n(*) انظر \" العسكرية العربية \" للواء الركن محمود شيث خطاب \" كتاب الأُمَّة \": رقم ٣ ص ٤٤.","vol":"1","page":40},{"text":"، وإنْ كانت هذه المواد تافهة لا قيمة لها، ويقدمونها بعد التمويه بكل جرأة، ويبنون عليها نظرية ليس لها وجود إلاَّ في نفوسهم وأذهانهم.\n\nإنهم في أغلب الأحيان يذكرون عيبًا واحدًا، ويجوِّدون لتمكينه في النفوس بذكر عشرة محاسن، ليست لها أهمية كبيرة، وذلك كي يق القارئ خاشعًا أمام سعة قلوبهم وسماحتهم، ويسيغ ذلك العيب الواحد الذي يكفي لطمس جميع المحاسن.\n\nوكثير من هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ يَدُسُّونَ في كتاباتهم مقدارًا خاصًا من \" السُمِّ \" ويحترسون في ذلك، فلا يزيد على النسبة المعينة لديهم، حتى لا يستوحش القارئ، ولا يثير ذلك فيه الحذر، ولا يضعف ثقته بنزاهة المؤلف.\n\nإنَّ كتابات هؤلاء أشد خطرًا على القارئ من كتابات المؤلفين الذين يكاشفون العداء، ويشحنون كتبهم بالكذب والافتراء، ويصعب على رجل متوسط في عقليته أنْ يخرج منها، أو ينتهي في قراءتها دون الخضوع لها» (٣١).\n_________\n(٣١) \" الإسلام والمستشرقون \" بحث ألقاه سماحته أمام المؤتمر الذي عقد بهذا الاسم (الإسلام والمستشرقون) بإشراف (دار المصنِّفين) بأعظم جره بالهند في فبراير سَنَةَ ١٩٨٢ م، وكان لنا شرف المشاركة فيه: (انظر \" مجلة البعث الإسلامي \" رمضان سَنَةَ ١٤٠٢ هـ، ص ١٤، ١٥).","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الخاتمة:</span>\nالآن نستطيع أنْ نقول بالنتائج التالية، بعضها بالتحقيق، وبعضها بالتقريب:\n\n١ - إنَّ حجم عمل المُسْتَشْرِقِينَ في مجال نشر التراث، وتحقيقه، لا يكاد يذكر (٣٢).\n\n٢ - إنهم عُنُوا بالنشر في اتجاهين:\n* تراث الفرق، والإحن، وكل ما يؤدي إشاعته ونشره إلى تجديد النزاع بكل صوره، الفكري، والمذهبي والسياسي.\n* كل ما يفقدنا الثقة بماضينا وأمجادنا، ورجالنا، وقادتنا، ويكفيهم \" ألف ليلة \"، و\" الأغاني \".\n\n٣ - إنهم يلبسون طيلسان البحث العلمي، ويرفعون لواء (الأكاديميات) وهم مُضَلِّلُونَ، خائنون للعلم، و(المنهج) و(الأمانة) و(طرق البحث) البحث.\n\n٤ - إنَّ عنايتهم بالتراث، كانت، وما زالت، وستظل، من باب (أعرف عدُوَّك) فهذه الكتب (التراثية) هي الخرائط، والصور، لعقولنا، وعواطفنا، ومشاعرنا، واتجاهاتنا، واهتماماتنا، وحبنا، وبغضنا،\n_________\n(٣٢) ما زلنا في حاجة إلى دراسة استقصائية شاملة، لا تقوم على (العَيِّنَاتِ) والنماذج كالتي قمنا بها.","vol":"1","page":43},{"text":"وغضبنا، ورضانا. فهي المفاتيح التي عرفوا بها كيف يُخَطِّطُونَ لتدميرنا ثقافيًا، واجتماعيًا، وفكريًا، وعلميًا، بعد ما حَطَّمُونَا عسكريًا، وحربيًا، وسياسيًا.\n\n٥ - ومن أعجب العجب أنْ تجد أُمَّةً - مثل أُمَّتِنَا - تشكر، وتُمَجِّدُ وتعظم أمر سارقي وثائقها، لمجرَّد أنهم احتفظوا بها، أو قَدَّمُوا إليها صورة منها، وعهدي بالدول الواعية، أنها تفضل حرق وثائقها من أنْ تقع في يد أعدائها.\n\nواللهَ أسأل: أنْ تعود أُمَّتُنَا إلى مجدها وَعِزِّهَا، وأنْ يعيننا على قول الحق ويجعله خالصًا لوجهه.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المحتويات:</span>\nالموضوع ------------------------------------------------------ الصفحة\n\nمدخل إلى القضية ......................................................... ٥\nاتجاهات النشر عند المُسْتَشْرِقِينَ ........................................ ٧\nالاتجاه الفكري للمُسْتَشْرِقِينَ ............................................. ١٤\nهذه آثارهم ................................................................ ٢٣\nخيانة المنهج ............................................................. ٢٦\nالخاتمة ................................................................... ٤٣","vol":"1","page":45}]}